تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
55

ما تحته، و لو أمكن الإبدال ففي لزومه كذلك وجهان.

و منها: أنّه لو أمكن إجراء الماء إلى ما تحت الجبيرة من دون عسر أو أمكن نزعه كذلك لزمه أحد الأمرين.

و ربّما يوهم بعض العبائر القول بوجوب النزع، و لو أمكن أحدهما خاصّة تعيّن. و في الموثق فيمن انكسر ساعده أو موضع من مواضع وضوئه فلا يقدر أن يحله لحال الجبيرة إذا جبر فكيف يصنع؟ قال: «إذ أراد أن يتوضّأ فليضع إناء فيه ماء و يضع موضع الجبيرة في الماء حتّى يصل الماء إلى جلده و قد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه» (1).

و حمله الشيخ على الندب، فيوهم ذلك ذهابه إلى عدم إجراء الماء تحت الجبيرة مع الإمكان، و قد يحمل على مجرّد وصول الماء إلى البشرة من دون حصول الجريان بحمل الرواية عليه إلّا أنّه خلاف المنساق منها، فإنّ ظاهرها حصول الغسل المطلوب بذلك.

خامسها: أن يكون العضو المئوف طاهرا غير مستعصب بخرقة و نحوها،

فذهب جماعة فيه أيضا إلى لزوم المسح مع الإمكان، و إلّا وضع عليه خرقة طاهرة و مسح عليها.

و عزاه في الحدائق (2) إلى الأصحاب، و علّل باشتمال الغسل على المسح و زيادة فيقتصر في السقوط على مؤدي الضرورة، و حيث يتعذر المباشرة في المسح يقام الحائل مقام البشرة.

و ضعف التعليل واضح، و لذا ذهب جماعة من المتأخرين إلى الاكتفاء بغسل ما حولها.

و هو الأقوى للصحيح: من الجرح كيف يصنع به صاحبه؟ قال: «يغسل ما حوله» (3).

و في صحيحة أخرى: عن الجرح كيف أصنع به في غسله؟ قال: «اغسل ما حوله» (4).

و فيها قبل ذلك التصريح بالمسح على الخرقة في القرح المعصّب، ففيها إذن دلالة واضحة على فرض الجرح غير معصّب، و لا شمول لما دلّ على اعتبار المسح لذلك لفرضه فيها و في

____________

(1) الإستبصار 1/ 78، باب المسح على الجبائر، ح 5.

(2) الحدائق الناضرة 2/ 377.

(3) الكافي 3/ 32، باب الجبائر و القروح و الجراحات، ح 2.

(4) الكافي 3/ 33، باب الجبائر و القروح و الجراحات، ح 3.

56

غيرها المعصّب و نحوها.

و قيامه عليه ممّا لا وجه له سيّما بعد ورود النصّ.

نعم، قضية الاحتياط مراعاة ذلك.

ثمّ إنّ مورد الصحيحين و إن كان خصوص الجرح إلّا أنّ الظاهر عدم الفرق بينه و بين القرح و الكسير و ما شابههما.

و في ثبوته لكلّ علّة مانعة من إيصال الماء وجهان أقواهما العدم عملا بالأصل.

و الأحوط الجمع بين الوضوء و التيمّم. و أمّا في الرمد و نحوه فالظاهر عدم التأمل في الانتقال إلى التيمّم، و لو حصلت قرحة في العين بحيث سرت إلى خارجها ففي إلحاقها بالقروح و عدمه إشكال. و الأحوط الجمع.

و لو كان في بعض أعضائه نجاسة لا يتمكّن من غسلها إمّا لإعواز الماء أو لمانع من الخارج انتقل الحكم إلى التيمّم.

سادسها: لو كانت الجبيرة في محلّ المسح جرى على ظاهره حكم المسح مع عدم إمكان رفعها و تطهير محلّها.

و في البحار (1) الإجماع عليه، فإن أمكن رفعها و تطهير محلّها لو كان نجسا وجب المسح عليه، و إن تمكن من رفعها من دون تطهير محلّها فالظاهر إجراء المسح على الجبيرة. و كذا لو لم يتمكّن من المسح و لو لم يتمكّن من تطهيره إذن من جهة إعواز الماء قوي الانتقال إلى التيمّم إلى (2) أن لا يتمكن من نزعه.

و يدلّ على الحكم إطلاق حسنة كليب الأسدي عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال: «إن كان يتخوّف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل» (3).

____________

(1) انظر بحار الأنوار 77/ 368.

(2) في (د): «إلّا».

(3) تهذيب الأحكام 1/ 364، باب صفة الوضوء و الفرض منه، ح 30.

57

و نحوه إطلاق رواية عبد الأعلى (1).

و هل يجب إيصال الماء إلى البشرة لو أمكن؟ وجهان.

و عن بعض الأصحاب وجوبه، و قد مرّ الكلام في نظيره.

سابعها: لا كلام ظاهرا في عدم وجوب إعادة الصلاة بعد ارتفاع العذر.

و في البحار (2) الإجماع عليه.

و في إعادة الوضوء قول بالوجوب. ذهب إليه الشيخ (3) و الفاضلان (4)؛ اقتصارا في الاضطراري على حال الضرورة. و الأقوى خلافه؛ نظرا إلى ظاهر الإطلاقات، و أنّ قضية ظاهر الأمر في المقام الإجزاء المطلق. و لا يجب عليه تأخير الصلاة إلى آخر الوقت مع اليأس عن زوال الاضطرار قطعا كما هو قضيّة الأخبار، و مع رجائه ففيه وجهان أوجههما العدم.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 363، باب صفة الوضوء و الفرض منه ح 27.

(2) بحار الأنوار 77/ 375.

(3) النهاية: 17.

(4) شرائع الإسلام 1/ 18، تحرير الأحكام 1/ 82.

58

تبصرة [في وضوء المسلوس و المبطون]

لا خلاف في استباحة المسلوس للصلاة بوضوئه، و هل يكتفى به لما شاء من الصلاة أقوال ثالثها التفصيل، فيجوز الجمع في الظهرين و العصرين خاصّة ذهب إليه في المنتهى (1).

و اختاره جماعة من المتأخرين كصاحبي المدارك (2) و الحدائق (3).

و الأشهر بين الأصحاب عدم الاكتفاء به إلّا لصلاة واحدة، و هو أحد قولي الشيخ (4) و العلّامة (5).

و هو الأظهر؛ أخذا بظاهر إطلاق الآية و إطلاق ما دلّ على ناقضيّة البول خرج عنه ما أجمع على عدم جريان حكم الحدث بالنسبة إليه، و هو المتيقّن من الأخبار الواردة فيه و لذا يحكم بوجوب المبادرة إلى الصلاة عقيب الوضوء، مضافا إلى الاحتياط في البراءة لقضاء الشغل اليقيني (6) بالفراغ مع عدم قيام حجّة ظاهرة من الأخبار على الاكتفاء به لما يزيد على الصلاة الواحدة.

و يؤيّده ما مرّ في الاستحاضة القليلة المشاركة في دم الحدث من لزوم الوضوء لكلّ صلاة.

____________

(1) منتهى المطلب 2/ 138.

(2) مدارك الأحكام 1/ 242.

(3) الحدائق الناضرة 2/ 387.

(4) المبسوط 1/ 68.

(5) تذكرة الفقهاء 1/ 206.

(6) زيادة في (د): «اليقين».

59

و ممّا ذكرنا يظهر ضعف ما احتجّ به للاكتفاء من أنّه لا دليل في (1) لزوم التجديد.

و حمله على المستحاضة قياس حيث عرفت أنّ قضية الأصل بالعكس، فلا بدّ من نهوض دليل على الاكتفاء به.

و ربّما يستدلّ له أيضا بموثقة سماعة: عن رجل أخذ يقطر من فرجه إمّا دم أو غيره؟ قال:

«فتضع خريطه فليتوضأ و ليصلّ» (2).

فإنّما ذلك بلاء ابتلى به فلا يعيد إلّا من (3) الحدث الّذي يتوضّأ عنه؛ نظرا إلى ظهوره في كون الحدث نوعين، فلا يكون البول حدثا بالنسبة إليه في صورة التقطير أو مطلقا كما احتمل ذلك في كلام القائل به.

إلّا أنّ الظاهر منه هو الأوّل؛ لبعد الثاني عن الأدلّة جدّا.

و فيه: أنّ الرواية لا ظهور فيها فيما ذكر، بل يحتمل أن يكون إشارة إلى عدم مانعية الدم لصحة الصلاة، بل ربّما يستدلّ بظاهر إطلاقها على المختار.

حجّة التفصيل صحيحة حريز: عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا كان الرجل يقطر منه البول أو الدم إذا كان حين الصلاة اتّخذ كيسا و جعل فيه قطنا ثمّ علّقه عليه و أدخل ذكره فيها ثمّ صلّى و يجمع بين الصلاتين الظهر و العصر يؤخّر الظهر و يعجّل العصر بأذان و إقامتين، و يؤخّر المغرب و يؤجّل العشاء بأذان و إقامتين» (4).

و أنت خبير بأنّه لا دلالة ظاهرة في هذه الرواية على ذلك؛ إذ ظاهر سياقها ورودها لبيان علاج سريان النجاسة و الحكم بالعفو عنها في الصلاة، و ليس فيها ذكر الوضوء.

و العفو منها من جهة النجاسة لا يقضي بالعفو من جهة أخرى.

____________

(1) في (د): «على».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 349، باب الأحداث الموجبة للطهارة، ح 19 مع اختلاف.

(3) في (ألف): «يعيدان الأمر من».

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 64، باب ما ينقض الوضوء، ح 146.

60

ثمّ إنّهم نصّوا في المبطون بوجوب الوضوء لكلّ صلاة، قال العلّامة (قدّس سرّه) (1)- مع بنائه في المسلوس على التفصيل-: و الوجه في الحكم ظاهر فيما بيّنّا و يأتي على القول بعدم وجوب التجديد هناك عدمه هنا أيضا. و ضعفه ظاهر ممّا مرّ.

و ينبغي التنبيه لأمور:

أحدها: الظاهر جريان الحكم المذكور فيمن يتواتر منه خروج الريح مع عدم التمكّن من حفظه؛

إذ هو بمنزلة البول و الغائط فلا يزيد حكمه عليها، و لا وجه لسقوط الصلاة و لا تكليفه بالإعادة.

و أمّا من يتواتر منه النوم ففي جريان الحكم فيه إشكال. و يحتمل فيه سقوط الصلاة مع استيعاب الوقت.

ثانيها: الظاهر وجوب أخذ الحفظة في المبطون

لاشتراكه للمسلوس في العلّة، و إن لم يرد فيه نصّ مخصوص.

و هل يجب فيها إبدال الحفظة أو تطهيرها لكلّ صلاة؟ الظاهر العدم؛ لظاهر إطلاق الروايات.

و ربّما يشكل فيما تتم الصلاة فإن شمول الإطلاقات لها محلّ إشكال إلّا أن يقال بخروجها عن اسم اللباس.

ثالثها: لو كان لهؤلاء فترة تسع الطهارة و الصلاة،

فالظاهر إذن مراعاتها للتمكن معها من الفعل الاختياري، فلا يعدل إلى الاضطراري. و يحتمل القول بعدمه إذا كانت في وسط الوقت أو آخره؛ لعدم التمكن منه في الأول، فينتقل إلى بدله لاستظهار عدمه (2) عموم البدليّة من الإطلاقات.

و هو ضعيف مع رجاء زوال العذر مخالف لما يقتضيه اليقين بالشغل.

نعم، لو اتّفق حصول فترة في الأثناء، فالظاهر عدم وجوب الإعادة.

____________

(1) نهاية الإحكام 1/ 67.

(2) لم ترد في (د): «عدمه».

61

و في وجوب مراعاة الأخفّ من أحواله مع اختلافها وجه.

و الأولى بل الأحوط مراعاته.

رابعها: لو فاجأ المبطون الحدث في أثناء الصلاة

فعن الأكثر أنّه يتطهّر. و يبنى على صلاته، و فصّل في المختلف (1) بين ما إذا كان له فترة تسع الطهارة و الصلاة و عدمه، فعلى الأوّل يفسد صلاته؛ إذ لا ضرورة معها فيشملها إطلاق ما دلّ على فسادها بالحدث، و على الثاني تصح من غير حاجة إلى التطهير للعفو.

و عن جماعة من المتأخرين التفصيل بين ما إذا استمرّ حدثه بحيث لا يمكنه الدخول في الصلاة من دونه، و ما إذا أمكنه الدخول بغير الإتمام، و ما إذا كان له فترة يتمكّن معها من الإتمام أيضا.

فعلى الأوّل يتمّ الصلاة من دون إعادة الطهارة.

و على الثاني فالمشهور وجوب التطهير متى (2) فاجأه في الأثناء و يبني على صلاته.

و على الثالث يجب عليه الانتظار. و هذا هو الأقرب؛ إذ ذاك هو المستفاد من الأخبار الواردة فيه كالصحيح: «صاحب البطن الغالب يتوضأ و يبني على صلاته» (3).

و في الموثق (4): عن المبطون؟ فقال: «يبني على صلاته» (5).

و في أخرى: «صاحب البطن يتوضّأ ثمّ يرجع في صلاته فيتمّ ما بقي» (6).

و ظاهر (7) هذه أصرح ما في الباب؛ لعدم اشتمال الأوّلين صريحا على كون الطهارة المأمور بها في الأثناء، فالظاهر من هذه الأخبار فرض الحكم فيمن دخل متطهّرا أو عرض له الحدث

____________

(1) مختلف الشيعة 1/ 311.

(2) في (ألف): «حتّى».

(3) من لا يحضره الفقيه 1/ 363، باب صلاة المريض و المغمى عليه و الضعيف و المبطون، ح 1043.

(4) لم ترد في (ب): «و في الموثّق ... صلاته».

(5) تهذيب الأحكام 3/ 306، باب صلاة المضطر، ح 19.

(6) تهذيب الأحكام 1/ 351، باب الأحداث الموجبة للطهارة، ح 28.

(7) لم ترد في (ب) و (د): «ظاهر».

62

في الأثناء. و كأنّه الفرد الشائع فيه (1) منه بخلاف المسلوس، و لذا لم يرد الحكم بالبناء فيه مع اشتراكه له في العلّة.

و أمّا مع مشروعيّة الدخول في الصلاة مع الحدث فالظاهر مشروعيّة الاستمرار؛ إذ لا ثمرة ظاهرا للتطهير ثانيا مع خروجه عن ظاهر الأخبار، بل و دلالة بعض تعليلات المسلوس على مضيّه عليه.

نعم، لو تكرّر منه الحدث في الأثناء فالظاهر وجوب تكرار الطهارة إلّا أن يوجب العسر أو الخروج عن وضع الصلاة.

و حينئذ فهل يستمرّ على الفعل أو يتطهّر أو لا يبنى عليه من غير التفات إلى الأحداث إلّا دفعة؟ وجهان أحوطهما الأخير.

هذا، و في جريان الحكم على التفصيل المذكور بالنسبة إلى المسلوس وجه قويّ، و إن لم يذكر في الأخبار و خلا عنه كلام كثير من الأصحاب.

____________

(1) لم ترد في (د): «فيه».

63

البحث السادس في اللواحق

تبصرة [في الشك في أفعال الوضوء]

لو شكّ في شيء من أفعال الوضوء فإن كان في حال الوضوء وجب العود إليه سواء انتقل من ذلك الفعل إلى غير من أفعاله أو لا، و إن لم يكن في حال الوضوء فلا يلتفت على المعروف بين الأصحاب في المقامين.

بل الظاهر إطباقهم على الحكمين في الجملة.

و يدلّ على الأوّل بعد اتفاقهم عليه ظاهرا و قضاء الأصل به حيث إنّ الشك في العمل يوجب الشك في الامتثال الموجب لبقاء الشغل، خصوص الصحيح: «إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليها، و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله ممّا سمّى اللّه ما دمت في حال الوضوء» (1).

يخصّص بذلك ما دلّ من العمومات على عدم العبرة بالشك مع فوات المحلّ كالصحيح:

«اذا خرجت من شيء ثمّ دخلت في غيره فشكك ليس بشيء» (2) كما هو الشأن في العموم و الخصوص المطلق.

نعم، في الموثّق: «إذا شككت في شيء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 100، باب صفة الوضوء، ح 110، خلاصۀ حديث.

(2) تهذيب الأحكام 2/ 352، باب أحكام السهو، ح 47.

64

بشيء إنّما الشك إذا كنت في شيء لم تجزه» (1).

فيدل على عدم العبرة بالشك مع فوات المحلّ في خصوص الوضوء؛ لظهور رجوع الضمير في «غيره» إلى «الشيء» كما يفصح عنه قوله «إنّما الشك في شيء لم تجزه» فيتدافع الخبران.

و لا شك في ترجيح الأوّل؛ لصحته مضافا إلى اعتضاده بالاحتياط و عمل الأصحاب و إن كان ذاك أيضا مؤيّدا بالعمومات إلّا أنّه لا يقاوم ما ذكروه، مضافا إلى عدم صراحته في المطلق؛ لإمكان رجوع الضمير إلى الوضوء.

و قوله «إنّما الشك ..» إلى آخره، ليس صريحا في خلافه و لا دالّا بنفسه كذلك على الحكم؛ لإمكان رجوع الضمير إلى الوضوء كلّه؛ نظرا إلى قلّة أفعاله شيئا واحدا.

و قد يقال بأنّ الخبر الأخير أخصّ من الأوّل لدلالته على وجوب العود مع بقائه على حال الوضوء، و قد قيّده الأخير بصورة عدم الفوت من محلّ الفعل، فقضيّة القواعد إذن تخصيصه به.

و يدفعه أوّلا: أنّه كالصريح في عدم الفرق بين القسمين، مضافا إلى فهم الأصحاب و إطباقهم عليه، فهو مقدّم على الآخر قطعا؛ إذ لا عبرة بالصحاح في مقابلة الإجماع فكيف بالموثقة المذكورة.

ثمّ إنّ المدار في وجوب الرجوع إلى المشكوك هل هو حال الاشتغال بالأفعال أو يثبت مع بقائه في المحلّ و إن فرغ من الوضوء إذا لم يشتغل بغيره من الأفعال؟ قولان.

و يعتبر على الثاني عدم حصول الفصل الطويل. و الظاهر إلحاق الجفاف به بناء على ذلك القول في وجه قوي.

و الأظهر الأوّل، و هو المشهور كما في الحدائق (2)؛ أخذا بعموم ما دلّ على عدم العبرة

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 101، باب صفة الوضوء، ح 112.

(2) الحدائق الناضرة 2/ 391.

65

بالشك بعد الفراغ كقوله (عليه السلام) في الموثق: «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فامضه كما هو» (1)، و خصوص ما دلّ على عدم العبرة بالشك في الوضوء بعد الإتمام، ففي موثقة بكير: قلت له:

الرجل يشكّ بعد ما يتوضّأ؟ قال: «هو حين يتوضّأ أذكر منه حين يشك» (2).

بل ذلك هو الظاهر من الصحيحة المذكورة، و لا ينافيه ما بعده من قوله (عليه السلام): «إذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال أخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه ممّا أوجب اللّه عليك فيه وضوء لا شيء عليك» (3)؛ إذ الظاهر أنّ ذكر خصوص المقام مبنيّ على الغالب كما يومي إليه تعيينه بالفراغ و صيرورته في حال أخرى.

نعم، لو تلبّس بفعل من الأفعال أوّلا و التمثيل بالصلاة لا يخصّه بذلك، و لو فرض ظهوره في اعتبار ذلك لمفهوم معارض بمفهوم التعسّر السابقة، و بملاحظته يحصل الاحتمال المانع من الاستدلال؛ مضافا إلى أنّ ظاهره اعتبار القيام، فلو انتقل عن المحلّ من دونه لزم بقاء حكم الشكّ.

و لو قام من دون انتقال جرى حكمه. و ظاهر القائل به خلافه.

و أيضا ظاهره اعتبار الأمرين من الانتقال و الدخول في فعل آخر، و ظاهر المنقول عنهم الاكتفاء بأحد الأمرين.

و ممّا ذكرنا ظهر الوجه في الاشتراط و ضعفه.

و هاهنا إشكال فيما إذا عرض الشك بالنسبة إلى آخر الأجزاء؛ لعدم تحقّق الفراغ المقتضي للإجزاء، و الوجه فيه الرجوع فيه إلى نفسه فإن وجد ماء على حال الفراغ و إكمال الأفعال فالظاهر صدق كون الشك بعد الفراغ.

و لو حصل الفصل الطويل أو الجفاف فالحكم أظهر و أولى منهما لو اشتغل بعبادة مشروطة بها.

____________

(1) تهذيب الأحكام 2/ 344، باب أحكام السهو، ح 14.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 101، باب صفة الوضوء، ح 114.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 100، باب صفة الوضوء، ح 110.

66

و في الصحيح- على الأصحّ-: فيمن شكّ في مسح رأسه و رجليه حال تلبّسه بالصلاة أنّه «يتناول من لحيته لو كانت مبتلّة و يمسح به رأسه و كان أمامه ماء تناول ماء جديدا و مسح به» (1). و هو صريح في صحّة الوضوء، و إلّا لوجب عليه استيناف الصلاة، فالرجوع إلى المسح كأنّه محمول على الندب إن عمل به.

[تنبيهات]

و ينبغي هنا بيان أمور:

أحدها: لو جفّ جميع ما تقدّم على العضو المشكوك لزمه فساد الوضوء؛

للحكم طاهر [ا] بعدم غسل المشكوك، و معه بفوت الموالاة المعتبرة.

و هو ظاهر كلام الأصحاب، بل عزاه في الحدائق (2) إليهم مشعرا باتفاقهم عليه.

و تأمّل فيه صاحب الحدائق، بل ظاهره عدم الفساد؛ أخذا بإطلاق ما دلّ في المقام على الرجوع إلى العضو المشكوك من غير تفصيل بين الوجهين، مع عدم شمول ما دلّ على اشتراط عدم الجفاف لمثله؛ لاختصاصه بصورة الجفاف الحاصل من جهة نفاد الماء و طروّ الحاجة.

و يضعّفه أنّ ما دلّ على (3) اعتبار الموالاة بالمعنى المذكور و إن ورد في خصوص المقام المفروض لا يقضي بتخصيص الحكم، بل الظاهر عدم الفرق كما مرّ.

فإنّ الظاهر منه بمعونة فهم الأصحاب دوران الحكم مدار الجفاف، و الأحكام الوضعيّة لا يفرق فيها بين المتعمّد و غيره، و الاقتصار على خصوص مورد الخبرين الواردين في الموالاة من دون تقديمه عنه أصلا لا يعرف قائل به من الأصحاب، بل الظاهر انّه خلاف ما أفتى به هناك، و إن صرّح في المقام بالاقتصار على مدلولهما؛ لنصّه هناك على حصول الفساد بالجفاف من التفريق. و هو حاصل في المقام بناء على الظاهر من الحكم؛ لعدم الإتيان بالمشكوك إذا أتى

____________

(1) تهذيب الأحكام 2/ 201، باب أحكام السهو في الصلاة و ما يجب منه إعادة الصلاة ح 88.

(2) الحدائق الناضرة 2/ 391.

(3) زيادة في (ب): «اشتراط عدم الجفاف».

67

بما بعده، و الإطلاق الوارد في المقام بالرجوع إلى المشكوك منزّل على الغالب من بقاء الرطوبة، فيظهر بذلك قوة القول المشهور. مضافا إلى تأيّده بالشهرة و الاحتياط.

ثانيها: حكم كثير الشكّ في الوضوء كالصلاة في عدم الالتفات

و إن ورد الأخبار (1) في خصوص الصلاة؛ لدلالة فحواها على عموم الحكم لكلّ العبادات، ففي الصحيح: «لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطيعوه، فإنّ الشيطان خبيث معتاد لما عوّد فليمض أحدكم في الوهم، و لا يكثرنّ نقض الصلاة، فإنّه إذا فعل ذلك مرّات لم يعد إليه الشك» ثمّ قال (عليه السلام):

«إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (2).

فهو كالصريح في التعميم و شمول الحكم لسائر المقامات، مضافا إلى لزوم العسر و الحرج مع البناء على وجوب الرجوع.

و يومي إليه في خصوص الوضوء ظاهر قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان حيث ذكر له ابتلاء رجل بالوضوء و الصلاة و وصف عقله: و أي عقل له و هو مطيع الشيطان؟! فقال له: «و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الّذي يأتيه من أي شيء هو؟

فإنّه يقول لك: من عمل الشيطان» (3).

فإنّه و إن كان الظاهر وروده في الوسواس إلّا أنّ ظاهر إطلاقه يعمّ ذلك، بل لا يبعد اندراج كثير منها في الوسواس.

ثمّ إنّ قضية عدم الالتفات إلى الشكّ هو البناء على الإتيان بالفعل المشكوك هل هو رخصة من الشرع أو عزيمة فيحرم الرجوع؟ وجهان أوجههما الأخير؛ لظاهر الأخبار.

و عموم أدلّة الاحتياط معارض بما يستفاد من النهي في المقام سيّما إذا وصل إلى حدّ الوسواس.

و حكم بعض المتأخرين بكونه من قبيل الرخصة، و لا مانع من الفعل أخذا بعمومات

____________

(1) في (د): «الأخيار»، و في (ألف): «الاضمار».

(2) الإستبصار 1/ 375، باب من شك فلم يدر صلى ركعة أو ثنتين، ح 5.

(3) الكافي 1/ 12، كتاب العقل و الجهل، ح 10.

68

الاحتياط الموجب للمشي على الصراط.

و لا يخفى ضعفه.

ثالثها: المدار في كثرة الشكّ و قلّته على العرف.

و ربّما يجده في الصلاة بتوالي الشك في ثلاث، و ربّما يدلّ عليه بعض المعتبرة إلّا أنّ الأظهر حمله على بيان مصداق من مصاديقه كما هو الظاهر من الرواية، ثمّ بعد ثبوت الكثرة يستصحب حكمها إلى أن يعلم الزوال، و يرجع فيه أيضا إلى العرف.

و هل يسقط اعتبار الشك في خصوص ما تكثر فيه وقوعه فيه أو يعمّ غيره من سائر الأفراد الّتي يقع فيها الشكّ و إن لم يكثر فيها بالخصوص أو يعمّ الشكوك الواقعة في سائر الأفعال؟ وجوه أظهرها الثاني إلّا أن تحصل (1) الكثرة لحصول الشك بالنسبة إلى كثير من الأفعال، فالظاهر إذن تعميمه بالنسبة إلى الجميع.

و يحتمل البناء على الثالث لما يستفاد من النهي عن تقوية الخبيث و يمكّنه من نفسه. و هو يحصل بالاعتناء بالشك مع الكثرة و إن كان بالنسبة إلى الأفعال المتعدّدة.

رابعها: الظاهر أنّ حكم الظن في المقام كالشكّ؛

لعدم قيام دليل على حجّية الظن فيه، و بعض العمومات الدالّة على حجيّته لم ينقل بطريق صحيح.

و في مرسلة أبي يحيى الواسطي: «فيمن شكّ في غسل ذراعيه و يده انّه إذا وجد برد الماء على ذراعه فلا يعيد» (2).

و فيه إشارة إلى اعتبار الظن فيه إلّا أنّها لضعفها و عدم وضوح دلالتها لا ينهض حجّة.

و هل يجري فيه حكم الشكّ بعد فوات المحلّ؟ وجهان؛ من أنّه بمنزلته بعد عدم حجيّته، و أنّ الرجوع بعد فوات المحلّ خلاف الأصل، فيقتصر فيه على مورد النصّ، و هو صورة الشكّ.

و الأظهر الأوّل لما عرفت من أنّ الأصل الأصيل وجوب الرجوع؛ نظرا إلى أنّ عدم

____________

(1) في (د): «تحصيل».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 364، باب صفة الوضوء و الفرض منه، ح 33 مع اختلاف.

69

العلم بإتيان الجزء كعدم العلم بإتيان الكلّ، فلا يحصل اليقين بالبراءة، غاية الأمر إخراج حكم الشكّ مع فوات المحلّ في غير الوضوء، فيتبعه الظنّ الأولى. و أمّا في الوضوء فلمّا وجب الرجوع في صورة الشكّ بقي الظنّ فيه على مقتضى الأصل.

و القول بأنّ قضيّة تلك الإطلاقات عدم الرجوع بعد فوات المحلّ مطلقا، فبعد خروج صورة الشكّ المتعلّق بأبعاض الوضوء يبقى غيره على مقتضاها موهون بأنّ دلالتها على الظنّ إنّما هي من باب الأولويّة، فبعد ثبوت التخصيص في المنطوق لا يبقى فيها دلالة على المفهوم بالنسبة إلى ما خصّص به المنطوق كما لا يخفى.

مضافا إلى احتمال شمول الشكّ في المقام للظنّ أيضا.

ثمّ إنّه يجري فيه حكم كثير الشكّ مع تحقّق الكثرة فيه، و لو كثر منه الشكّ خاصّة ففي عدم اعتنائه بالاحتمال الحاصل في الظن أيضا وجه قويّ.

و في عكسه وجهان، و كذا إذا كثر منه الشكّ فطرء له الظن بالترك، و الأحوط فيهما الرجوع.

خامسها: لو تعلّق الشك بشرط الوضوء جرى فيه حكم الشك في الأفعال مع بقاء المحلّ،

و مع فواته ففيه وجهان؛ من رجوع الشكّ في الشرط إلى الشك في نفس الفعل، و من أنّ ظاهر الرواية الشك في إيقاع أصل الفعل، فيبقى غيره تحت الإطلاقات.

و الأحوط الرجوع.

و لو شكّ في فوات الموالاة فإن شكّ في حصول الجفاف قوي البناء على البقاء، و لو تيقّن بالجفاف و شكّ في تأخره عن الشروع في اللاحق و تقدّمه عليه فإن علم وقت الشروع أو الجفاف قوي البناء على أصالة تأخّر الآخر، و إلّا ففيه الوجهان السابقان.

سادسها: (1) لو شكّ في الحدث بعد تيقّن الطهارة فلا عبرة به

كما أنّه لا عبرة بالطهارة المشكوكة بعد اليقين بالحدث بلا خلاف في المقامين.

____________

(1) في (ب) و (د): «تبصرة» بدل «سادسها».

70

نعم، يستثنى منه خروج بالشكّ في بوليته بعد البول قبل الاستبراء، فإنّه يحكم بنقضه الوضوء على المعروف بين الأصحاب، على ما مرّ تفصيل القول فيه.

و يمكن أن يقال: إنّه محكوم شرعا ببوليته، و كذا (1) يحكم بنجاسة عينه كما مرّ، فلا استثناء.

ثمّ إنّ الروايات بما ذكرنا مستفيضة منها: الصحيح بعد حكمه بعدم انتقاض الوضوء إلّا باليقين بالعدم «و إلّا فانّه على يقين من وضوئه و لا ينقض اليقين أبدا بالشكّ و لكن ينقضه بيقين آخر» (2).

و في الموثق «إيّاك أن تحدث وضوء أبدا حتّى تستيقن أنّك قد أحدثت» (3).

و الأخبار الدالّة على عدم نقض اليقين بالشكّ قريبة من التواتر بل متواترة.

و ربّما يستشكل فيه بأنّ الشك ضدّ اليقين، فلا بقاء له مع الشك، فكيف يصحّ القول بعدم نقض اليقين بالشك مع أنّها منتفضة بطروّه قطعا.

و اندفاعه ظاهر؛ فإنّ المراد باليقين حكمه، و المقصود أنّه يجب البقاء على حكمه حتّى يتيقّن بانتقاضه.

و بتقرير آخر لا اتّحاد بين زماني العلم و الشك، بل المقصود عدم نقض اليقين الحاصل في السابق إلّا باليقين الحاصل برفعه، فالمقصود الحكم ببقاء حكمه إلى أن يعلم المزيل.

و في الذكرى (4) بعد دفعه الإشكال بما ذكرنا، و تعليله الحكم بأصالة بقاء ما كان قال:

فيؤول إلى اجتماع الظن و الشك في الزمان الواحد فيرجح (5) الظنّ عليه كما هو مطّرد في العبادات و يتراءى أي من ظاهر كلامه بخبرين اجتماع الظنّ و الشك في الزمان الواحد مع أنّه

____________

(1) في (د): «لذا».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 8، باب الأحداث الموجبة للطهارة، ح 11.

(3) الكافي 3/ 33، باب الشك في الوضوء و من نسيه أو قدم أو أخر، ح 1.

(4) الذكرى 2/ 207.

(5) لم ترد في (ب): «فيرجح ... في الزمان الواحد».

71

بديهيّ الفساد كالأوّل، لكن الظاهر أنّه وجود الظن و الشك الفعليين كما يتوهّم، و إنّما عني حصول الشكّ مع عدم النظر عن الاستصحاب ليس على ما ينبغي؛ إذ الظاهر عدم دوران الحكم فيه مدار الظن كما فصّل في محلّه مستقصى.

و قد يجاب أيضا بأنّ المقصود من الحدث نفس السبب لا الأمر الحاصل منه، و اليقين بحصوله بهذا المعنى لا ينافي الشكّ في وقوع الطهارة بعده و إن اتّحد وقتهما.

و هذا الجواب يرجع إلى بيان اختلاف متعلّقي اليقين و الشكّ، فلا مانع من ثبوتهما في زمان واحد.

ثمّ إنّ حمل العبارة على المعنى الأخير لم يصحّ الاستناد إليها في الحكم بالطهارة عند طروّ الشكّ في مطابقة اليقين للواقع؛ لعدم بقاء اليقين، فلا يقين إذن بالطهارة لئلا يرتفع إلّا باليقين كما قد يتوهّم بناء على أنّ (1) حملها على المعنى الأوّل؛ نظرا إلى أنّ قضية إطلاقه عدم انتفاض حكم اليقين السابق إلّا بيقين آخر سواء عرض الشك في عروض الناقض أو نقض العارض أو مطابقة اليقين للواقع.

و قضيّة عدم تعيّن (2) حمل العبارة على المعنى المذكور لإمكان حملها على المعنى الآخر، و مع حملها عليه فالمنساق منها بمقتضى المقام عدم نقضه بالشكّ في الانتقاض كما لا يخفى.

ثمّ إنّه كما لا عبرة بالشكّ بعد اليقين لا عبرة بالظنّ أيضا؛ لعدم قيام دليل على حجيّته؛ و لأن الظاهر من مقابلة الشك باليقين أنّ المقصود به المعنى الأعم، بل الظاهر أنّه معنى الشك في اللغة كما نصّوا عليه، و قد اختصّ في الاصطلاح ببعض أقسامه، و الأخبار ناطقة بإرادته في المقام كما دلّ عليه المعتبرين المذكورين و غيرهما.

و ربّما يظهر من بعض المتأخرين التأمّل في الحكم، بل الحكم بخلافه، و كلامه مبنيّ على ظنّ دوران حجيّة الاستصحاب مدار الظن؛ نظرا إلى عدّة من الأدلّة الظنيّة، فمع انتفاء الظنّ لا يبقى له حجية، فعلى ما ذكرناه يرجع الحكم على قضية الأصل، فيبقى بناؤه في المقامين على

____________

(1) لم ترد في (د): «انّ».

(2) لم ترد في (ب): «تعيّن ... المقام عدم».

72

لزوم الطهارة عملا بما يقتضيه اليقين بالشغل.

و ضعفه بناء على عموم حجيّة الاستصحاب كما هو المحقّق في محلّه واضح.

كيف و قد صرّح في الأخبار بعدم الحكم بانتقاض الوضوء إلّا مع اليقين بطروّ الحدث، بل و في بعضها المنع من إحداث الوضوء بدون اليقين كما عرفت.

و فصّل بعضهم فحكم في صورة اليقين بالطهارة و الظنّ بالحدث بعدم الانتقاض، و استشكل في عكسه لصراحة (1) الأخبار في الأوّل لعموم الحكم كما مرّ، و أمّا الثاني فلا يظهر دليل عليه.

و قوله في صحيحة زرارة «و لكن تنقضه بيقين آخر» كما يمكن أن يستدلّ بمفهومه على عدم اعتبار الظنّ كذلك يمكن أن يستدلّ بها على اعتباره بمفهوم «لا تنقض اليقين بالشكّ» مع أنّ الأصل براءة الذمّة.

قلت: ضعف ما ذكره أوضح من أن يخفى.

و من الغريب ميله إلى عدم وجوب الوضوء كما يومي إليه استناده إلى أصالة البراءة مع أنّه (2) من الواضح أنّه (3) بعد تسليم عدم قيام الدليل على حجيّة الاستصحاب في المقام، فلا دليل أيضا على حجيّة الظن المذكور و جواز العمل به، مع أنّ قضية اليقين بالشغل اليقين بالفراغ، فالمعيّن (4) على ما ذكره لزوم الطهارة، فلا ثمرة إذن للتفصيل المذكور.

____________

(1) في (ب): «إخراجه» بدل «لصراحة».

(2) في (د): «انّ».

(3) زيادة: «أنّه» من (د).

(4) في (د): «فالمتعيّن».

73

تبصرة [في الشك في تأخّر الطهارة أو الحدث]

لو تيقّن الحدث و الطهارة معا و شكّ في المتأخر منهما فلهم فيه أقوال:

أحدها: وجوب الطهارة، و هو المعروف من مذهب القدماء. و به نصّ جماعة من المتأخرين. و عزاه في المختلف (1) إلى الأصحاب مؤميا إلى اتّفاقهم عليه.

ثانيها: الأخذ بضدّ الحالة السابقة على الشك إن علمها (2) و إلّا يطهر. و عزي القول به إلى المحقّقين الحلّي (3) و الكركي (4).

ثالثها: الأخذ بمثل السابقة. اختاره الفاضل في جملة من كتبه.

رابعها: التفصيل بين ما علم فيه وقت الحدث و غيره، فيحكم بطهارته على الأول؛ أخذا بأصالة تأخر الطهارة، و يجب عليه الطهارة في الثاني. و يندرج فيه صورة جهالة تاريخهما أو تاريخ الحدث. ذهب إليه بعض المحققين من متأخري المتأخرين.

و الأظهر الأوّل؛ تحصيلا للبراءة اليقينيّة بعد اليقين بالشغل، و أيضا المفروض تكافؤ احتمالي الطهارة و الحدث فيتساقطان، و يكون الطهارة مجهولة، و يبقى عموم ما دلّ على وجوب الوضوء عند فعل الصلاة خاليا عن المعارض.

و ما يتخيّل للأخذ بضدّ الحالة السابقة من انتقاض تلك الحالة قطعا و عدم العلم برفع الناقض لاحتمال تعاقب الحدثين أو الطهارتين مدفوع بحصول اليقين لوجود المماثل له أيضا مع

____________

(1) مختلف الشيعة 1/ 308.

(2) في (د): «علمهما».

(3) في المعتبر 1/ 170.

(4) في جامع المقاصد 1/ 235.

74

عدم اليقين بارتفاعه، فيتعارض الاستصحابان فيتساقطان، و يبقى أصالة الاشتغال بحاله.

فإن قلت: لو كان الحدث أو الطهارة واقعا عقيب مثله لم يفد حكما جديدا بخلاف الصورة الأخرى؛ لاستلزامه رفع الحالة السابقة ثمّ ارتفاعه بطروّ الآخر، و من الظاهر أنّ كلّا من الأمرين خلاف الأصل، فقضية الأصل البناء على الأوّل، فيتعيّن الأخذ بضدّ الحالة السابقة.

قلت: لا وجه لكون أصل العدم مثبتا (1) لشيء، و ما يتراءى من تفريع الأحكام المثبتة عليه مدفوع بعدم استنادها إليه في تلك المقامات، بل إنّما يستند الحكم هناك إلى الأدلّة الشرعيّة كما إذا حكمنا بوجوب الوضوء بماء شكّ في ملاقاته للنجاسة، فإنّه بعد رفع الملاقاة بالأصل يكون الماء غير ملاق للنجاسة، فيثبت وجوب الوضوء بمقتضى الأدلّة الدالّة على وجوب الوضوء لمثله.

و ليس المقام من ذلك القبيل؛ إذ المفروض تساوي احتمالي وقوع الطهارة و الحدث عقيب الطهارة و الحدث، غاية الأمر أن يتفرع على أحدهما ممّا يخالف الأصل أكثر من الآخر، فلا وجه إذن لترجيح أحدهما بالنظر إلى قلّة فروعه.

ألا ترى أنّه لا يمكن الحكم بترجيح نجاسة إحدى الإنائين المشتبهين لكون الملاقي له أكثر من الآخر نظرا إلى أصالة الطهارة فيها.

و إن (2) قلت: قضية أصالة تأخّر الحادث يعطي تأخير ما يوجب رفع السابقة لأصالة بقائها و تأخّر ارتفاعها، فيجب الأخذ بضدّه (3).

قلت: قد ظهر الجواب عنه بما مرّ للزوم كون الأصل مثبتا، و ليس شأنه إلّا الحكم ببقاء الحالة السابقة لو علم طروّ ضدّه مثلا.

نعم، إن تفرّع عليه حكم من الخارج اتّبع، و هنا ليس كذلك؛ إذ الحكم ببقاء الحالة

____________

(1) في (ألف): «شيئا».

(2) في (د): «فإن».

(3) في (ب): «يفيده» و في (ألف): «بعيده».

75

السابقة لا يقضي بتأخّر ما يرفعه، و إنّما يتوقف عليه البقاء.

و الحاصل أنّه لا يمكن إثبات تأخير الطهارة بمجرّد ذلك مع مساواتها لوقوع الحدث، و ما ذكر ليس إلّا من قبيل ما قدّمنا من ترجيح وقوع أحد الحادثين لقلّة مخالفة فروعه للأصل.

نعم، يصحّ إجراء الأصل بالنسبة إلى نفس الحالة السابقة لإثبات ما يتفرع عليها كما لو علم أنّ أوّل الزوال كان متطهّرا ثمّ تيقّن (1) وقت العصر بوقوع حدث و طهارة مع الجهل بتاريخهما حكم على نفسه بالطهارة إلى وقت لا يحتمل تأخّر الحدث عنه، فيثبت له حكم الطهارة إلى الوقت المذكور، و ذلك لا يقضي بالحكم بتأخّر الحدث ليثبت على نفسه حكم الحدث بعد ذلك، بل ذاك باق على الاجمال.

و هذا هو الشأن في الأحكام الظاهريّة كما في سائر المقامات.

و يبقى الكلام في المقام فيما إذا تعيّن عنده وقت الحدث، فإنّ قضية الأصل فيه تأخر الطهارة، و يتبعه الحكم بطهارته عند الشك.

لكن يضعّفه أن (2) البناء على الأصل المذكور هنا مطروح بين الأصحاب؛ لاطباقهم ظاهرا على خلافه؛ إذ لا يظهر قائل من متقدّميهم و متأخّريهم (3) سوى ما ذهب إليه بعض المتأخرين.

بل الظاهر عدم ابتنائهم به في نظائره كما إذا لاقى يده القذرة آنية من الأواني المرتبة من المرور عليها و شكّ في خصوص الملاقي لها، فإنّه لا يحكم قطعا بتعين الأخيرة لذلك، مع أنّه قضية الأصل المذكور و اشتبه شيء في غسله ما إذا تيقّن بنجاسة يده مثلا في زمان معيّن كالزوال و تيقّن بإدخالها في الكرّ في ذلك النهار مطلقا، فإنّ قضية الأصل المذكور فيه الطهارة، و الحكم بها مشكل جدّا.

و لا يظنّ فتوى الأصحاب به مع أنّه بعينه كالمسألة المفروضة، بل الأمر فيه أسهل من

____________

(1) في (ب): «يتقين».

(2) في (ألف): «عند».

(3) زيادة في (د): «بذلك».

76

المقام.

و الحاصل فإعراضهم عن الأصل المذكور ممّا (1) يوهن الاعتماد عليه سيّما فيما تيقّن فيه بالشغل اليقيني المقتضي للفراغ.

و قد يقال بأنّ عدم اعتبار الأصل في هذه المقامات من جهة كونه متعلّقا بالأمور العادية (2) أعني إيقاع الطهارة بعد الحدث المفروض أو إيصال المطهّر إلى النجس و نحوهما، فإنّ مجرّد الأصل قد (3) لا يكفي في إثبات ذلك.

و يؤيّده ملاحظة ما يشبه ذلك من موارد الشكّ، بل هذا و ما يذكر وجها للأخذ بمثل الحالة السابقة من أنّ الطهارة رافعة لحكم الحدث، و الحدث رافع لحكمها، فإذا تيقّن الأمرين فلا بدّ من وقوع الطهارة بعد الحدث المقطوع لو كان متطهّرا في الحالة السابقة.

و وقوعه بعدها لو كان محدثا موهون بأنّه خروج للعلم بالترتيب في الصورة المفروضة بأدنى التفات للنفس.

و المفروض في المقام بيان الحكم هنا مع فرض استمرار الجهل، و المراد بالطهارة و الحدث نفس الوضوء و الأحداث الواقعة سواء كان كلّ منهما (4) رافعا لحكم الآخر أو واردا على مثله.

و هو ظاهر.

ثمّ إنّه لا فرق في الحكم بين اتّحاد كلّ من الطهارة و الحدث أو تعدّدهما أو اختلافهما و لا بين العلم بكون كلّ من الطهارة و الحدث أو أحدهما رافعا لحكم الآخر بالفعل أو لا إلّا أن يؤول ذلك إلى ارتفاع الشكّ؛ لخروجه عن المتنازع كما عرفت.

و لو علم في الصورة المفروضة بخروج الحدث الناقض مع الشكّ في تعدده جرى عليه حكم الطهارة أيضا؛ لرجوعه إلى الشك في الحدث بعد اليقين بالطهارة كما يحكم في عكسه

____________

(1) في (ألف) «ما».

(2) في (ب): «النادبة».

(3) زيادة: «قد» من (د).

(4) في (ألف): «منها».

77

بحدثه لرجوعه إلى الشكّ في الطهارة بعد اليقين بالحدث.

78

تبصرة [في الشك في كون الناقض أصغر أو اكبر]

لو تيقّن بانتقاض طهارته و شكّ في كون الناقض أصغر أو أكبر ففيه وجهان.

أحدهما: الاكتفاء بالطهارة الصغرى؛ إذ هي القدر المتيقّن بالانتقاض، و الطهارة الكبرى مستصحبة، و مع الحكم ببقائها شرعا يتعيّن عليه ما قلناه.

ثانيهما: لزوم الإتيان بالطهارتين معا؛ إذ هو من موارد الاحتياط الواجب؛ للعلم بورود تكليف من الشرع و دورانه بين معنيين، فيجب الاتيان بهما لتحصيل اليقين بالفراغ.

أو يقال: قد حصل العلم بطروّ حالة مانعة من الدخول في الصلاة فيستصحب إلى أن يعلم الرافع و لا يحصل إلّا بالجمع.

و فيه: أنّه إنّما يتمّ إذا لم يقم دليل من الشرع على انتفاء أحد الأمرين، و ليس كذلك لدلالة الاستصحاب على بقاء الطهارة الكبرى و عدم انتقاضها، فيتعيّن بعض الصغرى، و هو إنّما يرتفع بالصغرى بعد الحكم شرعا بخلوّه من الأكثر.

ألا ترى أنّه لو شكّ في خروج الأكبر و تيقّن بوقوع الأصغر اكتفى بما يرفع لحكمه شرعا من جهة الاستصحاب لخلوّه عن الأكثر. و منه يظهر ضعف الوجه الأوّل أيضا؛ لتعيّن التكليف بمقتضى الأدلّة الشرعيّة، و لا اشتباه.

و اعلم أنّ ما ذكرناه من الوجهين إنّما هو فيما إذا تيقّن أوّلا بخصوص الخارج ثمّ نسي بعد ذلك و شكّ في التعيين، و أمّا إذا شكّ في الخارج أنّه بول أو مني فإن كان قبل البول حكم عليه بوجوب الغسل كما سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه، و إن كان بعده اكتفى بالوضوء من غير حاجة إلى الغسل بلا خلاف فيه، و الروايات ناصّة به.

و منه يظهر قوّة ما قلناه و ضعف الوجه الآخر كما لا يخفى.

79

تبصرة [في الخلل]

لو توضّأ وضوءين ثمّ ذكر حدوث خلل في أحدهما فلا تأمّل عندنا في كونه متطهّرا (1)؛ لصحة إحدى طهارتيه قطعا. و لو صلّى بينهما فالأظهر صحّتهما لحصول الشكّ فيها بعد الفراغ، فلا يعتدّ به.

و عن الشيخ في المبسوط (2) القول بفساده؛ لعدم اليقين بوقوعها بطهارة صحيحة لاحتمال أن يكون الأولى هي الفاسدة.

و هو قضيّة فتوى الحلي و الفاضل.

و أمّا على القول باعتبار قصد الرفع أو الاستباحة في الوضوء الرافع فيجيء احتمال وجوب إعادة الطهارة إذا لم ينو أحد الأمرين في باقي الوضوءين كما إذا قصد التجديد؛ لاحتمال كون الخلل في السابقة فيفسد الأخيرة أيضا.

و به أفتى الحلي و الفاضل، و حكما بوجوب إعادة الصلاتين لو صلّى بعد الثانية أيضا.

و الأظهر على القول المذكور أيضا عدم وجوب إعادة شيء من الصلاتين إذا كان الشك بعدهما؛ لعدم العبرة إذن بالشك.

و في الحكم بوجوب إعادة الطهارة أيضا وجهان ممّا دلّ على عدم العبرة بالشكّ بعد الفراغ من الوضوء، و من أنّ المتيقّن منه ما إذا حصل الشك المجرد لا (3) مع اليقين بحصول الخلل و الشكّ في تعيين المحلّ.

____________

(1) في (ألف): «مظهرا».

(2) المبسوط 1/ 25.

(3) في (ألف): «و لا».

80

و المحكيّ عن السيد جمال الدين و الفاضل و الشهيد البناء على الأوّل، و ظاهر بعض المتأخرين البناء على الأخير مع الحكم بعدم وجوب إعادة شيء من الصلاتين أيضا؛ لما عرفت.

و لو تيقّن بإخلاله بأمرين و شكّ في اجتماعهما في أحد الوضوءين أو تفريقهما في الفعلين وجهان (1) أجودهما البناء على الأوّل؛ لرجوعه إلى الشكّ بعد العمل؛ إذ ليس المقطوع بفساده سوى أحد الفعلين.

و لو ذكر حدوث حدث بين الطهارتين فعلى المختار لا إشكال في طهارته، و على القول الآخر لا تأمّل في كونه محدثا مع عدم قصده أحد الأمرين، فلو صلّى بين الطهارتين و شكّ في كونه بعد الحدث و قبله بنى على الصحّة قطعا.

و لو تيقّن إذن بحصول خلل في إحدى الطهارتين فالّذي قطع به (2) الأفاضل وجوب التطهير لرجوع الحال إلى اليقين بالحدث و الشكّ في الطهارة؛ نظرا إلى شكّه في صحّة الطهارة الأخيرة.

و يحتمل- بناء على ما قدّمناه من احتمال شمول الشكّ بعد الفراغ لمثل ذلك كما اختاره أولئك الأفاضل- عدم وجوبها أيضا إلّا أنّ الأظهر خلافه.

و لو صلّى بعد الأخيرة قبل اليقين بحصول الخلل فلا تأمّل في صحّتها.

و لو صلّى بين الطهارتين فإن علم كونه بعد الحدث فظاهر، و إلّا بنى على الصحّة.

و لو صلّى بعد كلّ من الطهارتين فرضا مع القطع بحصول الخلل في أحدهما وجب عليه إعادة أحد الفرضين، و كذا لو تيقّن بحصول الحدث بعد أحدهما مع العلم بوقوع الصلاة بعده، و إلّا بنى على أصالة الصحّة.

____________

(1) في (ألف): «وجهين».

(2) زيادة في (د): «بعض».

81

الباب الثالث في الغسل

و هو غسل متعلّق بجميع البشرة أو ما نزل منزلته مشروط بالقربة، و هو واجب و مندوب، و يندرج في المندوب أقسام كثيرة يأتي الكلام فيها.

و الواجب منه ستّة: غسل الجنابة، و الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، و مسّ الأموات، و غسلهم.

و وجوب ما عدا الخامس ممّا قام عليه إجماع الفرقة بل الضرورة، و الظاهر أنّه ممّا اتّفقت عليه الأمّة.

و أمّا الخامس فالقول بوجوبه هو المعروف من المذهب.

و عن السيد القول باستحبابه، و هو مذهب العامة، بل ذهب إليه جماعة من المتأخرين.

و الأول هو الصحيح للأخبار المستفيضة القريبة من التواتر الآمرة بالغسل لأجله، و لا معارض لها في الأخبار سوى بعض الإشعارات، و هي بعد الكلام عن (1) سندها ساقطة الدلالة، فكيف يعامل بتلك الأخبار المصرّحة المعتضدة بعمل الطائفة و مخالفة العامّة.

و من الغريب تشكيك بعض المتأخرين في الحكم المذكور مع غاية وضوحه بما لا ينبغي الإصغاء إليه، و الكلام في تفاصيل الأغسال المذكورة يورد في فصول:

____________

(1) في (د): «على».

82

الفصل الأوّل في غسل الجنابة

و الكلام في سببه و غايته و كيفيّته و شرائطه و لواحقه، فهاهنا مباحث:

البحث الأوّل في بيان ما يتحقّق به الجنابة

و هو أمران: الإنزال، و إدخال الحشفة.

تبصرة [في تحقق الجنابة بالإنزال]

يتحقّق الجنابة في الرجل بخروج المني على جميع الأحوال من النوم و اليقظة مع العمد (1) في إخراجه بالملاعبة و نحوها أو غيره بلا خلاف فيه بين الطائفة.

و يدلّ عليه الروايات المستفيضة.

و كذا الحال في المرأة على المعروف من المذهب.

و (2) في الحدائق (3) أنّه لم ينقل فيه خلاف سوى ما يظهر من كلام الصدوق في المقنع (4) حيث

____________

(1) في (د): «التعمد».

(2) زيادة الواو من (د).

(3) الحدائق الناضرة 3/ 14.

(4) المقنع: 42، و في (ب): «العلل» بدلا منه.

83

يظهر منه (1) القول بعدم وجوب الغسل عليها بالاحتلام.

و قد حكى الإجماع على المسألة جماعة من الأجلّة.

و يدلّ عليه مضافا إلى ذلك الصحاح المستفيضة و غيرها كصحيح الحلبي عن المرأة ترى في المنام ما يرى الرجل؟ قال: «إذا نزل فعليها الغسل» (2).

و في الخبر: «إذا أمنت المرأة و الأمة من شهوة جامعها الرجل أو لم يجامعها في نوم كان أو يقظة فإنّ عليها الغسل» (3).

و هناك عدّة روايات مشتملة على الصحاح صراح في عدم وجوب الغسل عليها بالإنزال قد اشتمل بعضها على عدم وجوب الغسل عليها بالإنزال في اليقظة و بعضها على عدمه بالاحتلام إلّا أنّها مطرحة بين الأصحاب، و تلك معتضدة بالعمل و الاحتياط و الإجماعات المحكيّة، مضافا إلى ظهور اشتراكها للرجل في الأحكام.

و في بعض الأخبار الحكم بوجوب الغسل عليهنّ بذلك مع النهي عن إعلامهنّ بالحكم، فقد يستفاد منه وجه جمع بين الأخبار المذكورة بأن يكون المقصود من هذه عدم الوجوب عليهن؛ نظرا إلى جهلهنّ بالمسألة و عدم وجوب إعلامهنّ به و لو متعلّق عنه بناء على سقوط التكليف به من جهة المفسدة المترتبة عليه كما قد يسقط وجوب الإعلام في غيرها من جهة ترتّب الفساد.

و المراد بتلك الأخبار بيان ما هو الواقع من وجوب ذلك عليهنّ بأصل الشرع، فيجب عليهنّ القيام به لو علمن به بالحال.

[تنبيهات]

هذا، و في المقام أمور ينبغي الإشارة إليها:

____________

(1) في (ألف): «من».

(2) الكافي 3/ 48، باب احتلام الرجل و المرأة، ح 5 و فيه: إذا أنزلت.

(3) الإستبصار 1/ 106، باب أن المرأة إذا أنزلت وجب عليها الغسل، ح (347) 5.

84

أحدها: المدار في الجنابة على خروج المني

فلا جنابة قبل خروجها عن المحل و إن نزل من الصلب كما إذا أمسك على حشفته بعد الإنزال و قبل الخروج؛ إذ المستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب إناطة الحكم به، فعلى هذا يجب عليه الإمساك مع أمنه من الضرر إذا حرم الحدث عليه كما إذا كان في الصلاة أو في القيام أو في المسجدين فلا حرمة إذن في تحريك الشهوة و إنزال الماء من الصلب لعدم حصول الجنابة المحرّمة بمجرده إذا قصد الإمساك.

و فيه تأمّل.

و هل يعتبر الخروج من الموضع المعتاد أو يعمّ غيره أيضا؟ قولان ذهب إلى الأوّل منهما الشهيد في الذكرى.

و في البيان (1) أنّه كالحدث الأصغر في اعتبار العادة و عدمها، و هو بمعناه.

و إلى الثاني العلّامة في جملة من كتبه. و الوجه فيها إطلاق الروايات و انصراف الإطلاق إلى المتعارف. و قد مرّ نظيره في خروج الحدث الأصغر. و المسألتان من باب واحد، فالأظهر هنا ما مرّ هناك، فتأمّل.

ثانيها: لو تيقّن كون الخارج منيّا حكم بالجنابة

سواء اعتبر أوصافه أو لا، و حدث (2) فيه الأوصاف أو لا. و ما ورد في عدّة أخبار من اعتبار الشهوة أو غيرها فإنّما هي وارد مورد الغالب أو روعي فيها التقيّة حيث إنّ الاعتبار ببعض الأوصاف من مذهب العامّة.

ثالثها: إنّما يحكم بالجنابة مع العلم بكون الخارج منيّا،

فلو ظنّه أو شكّ فيه لم يحكم به.

و عن ظاهر جماعة من الأصحاب الرجوع فيه مع الاشتباه إلى الصفات، و هي الشهوة و الدفع و فتور الجسد في الصحيح، و الأول و الأخير خاصّة في المريض.

و يدلّ على الأوّل الصحيح: «إذا جاءت الشهوة و الدفع و فتر لخروجه فعليه الغسل».

و على الثاني في جملة من الأخبار الدالّة على عدم اعتبار الدفع (3) فيقيّد بها إطلاق الأوّل.

____________

(1) البيان: 14.

(2) في (د): «لا وجدت».

(3) زياده في (د): «في المريض».

85

و قد يستشكل فيه مع بقاء الشكّ معها بما دلّ عليه المستفيضة بعدم (1) انتقاض اليقين بالشكّ، و احتمال ورود الصحيحة المذكورة مورد الغالب من حصول العلم أو التقيّة من جهة محض خروج المني في السؤال أو وقوع التفصيل المذكور في الجواب مع أن إطلاق حصول الانتقاض إذن من المعلوم بالإجماع، فهو إنّما ملائم ما ذهب إليه بعض المخالفين من اعتبار الوصف منه.

و قد يقال بإفادتها اعتبار العلم و عدم الاعتناء بالشكّ و الظن، لوضوح حصول القطع الخالي عن شوائب الشك مع وجود الأوصاف الثلاثة، فالقول بإناطة الحكم بالعلم في الصحيح هو الأصحّ.

و أمّا في المريض فالأظهر الاكتفاء فيه بالخروج عن الشهوة كما صرّح به جماعة من الأصحاب منهم المحقّق و الشهيد.

و يدلّ عليه غير واحد من الصحاح ففي صحيحة زرارة: «إذا كنت مريضا فأصابتك شهوة فإنّه ربّما كان هو الدافق لكنّه يجيء مجيئا ضعيفا ليس له قوّة لمكان مرضك ساعة بعد ساعة قليلا قليلا فاغتسل به» (2).

فيقيّد به ما دلّ على عدم نقض اليقين بغيره، مضافا إلى اعتضاد هذه بالعمل حتّى ذكر بعض المحققين أنّ الظاهر من الأصحاب الاتفاق على العمل بما دلّت عليه هذه الأخبار و عدم الرادّ فيها.

و في الدروس (3): إنّه يعتبر المني مع الاشتباه برائحة الطلع و العجين رطبا و بياض البيض جافّا، و يقارنه الشهوة و فتور الجسد و الدفق غالبا إلّا في المريض، فيكفي الشهوة.

و ذكر في البيان (4) في أوصافه بعد الثلاثة الغلظ في مني الرجل أكثريا و الرقة في مني الرجل

____________

(1) في (د): «من عدم» بدل «بعدم».

(2) الكافي 3/ 48، باب احتلام الرجل و المرأة ح 3.

(3) الدروس 1/ 95.

(4) البيان: 13.

86

و رائحة الطلع، و ما ذكر من الاعتبار لم نجده في شيء من النصوص و كأنّه أراد بذلك بيان استكشاف الحال ليحصل اليقين بالحال.

هذا في الرجل، و أمّا المرأة فيعتبر فيها بمجرّد الشهوة كما يدلّ عليه عدّة من الأخبار.

و هل تحكم بها بمجرّدها و إن خلت عن اليقين؟ و جهان أحوطهما ذلك.

رابعها: اعتبار اليقين بالجنابة أو الرجوع إلى الصفات عند الشك إنّما هو في الإنزال المبتدأ،

و أمّا إذا أنزل و اغتسل و خرج منه البلل حكم عليه بالجنابة و إن شكّ في كونه منيّا.

و هو خروج عن قاعدة البقاء على اليقين بالدليل أو حكم من الشرع بمنويّة الخارج، فلا تخصيص في القاعدة المذكورة كما مرّ نظيره.

و تفصيل القول في ذلك أنّه إمّا أن يكون قد بال بعد الإنزال و (1) استبرأ بالاجتهاد أو لم يفعل شيئا منهما أو اقتصر على أحدهما، و على الأخير فإمّا أن يكون قادرا على البول أو لا، فهاهنا مسائل:

الأولى: أن يكون قد بال بعد إنزاله و استبرأ بالاجتهاد.

و لا خلاف إذن في عدم انتقاض طهره، فليس عليه غسل و لا وضوء. و يدلّ عليه بعد الأصل و الإجماع الأخبار المستفيضة الواردة في المسألة، و فيما مرّ في الوضوء.

ثانيها: أن ينتفي الأمران. و المعروف من المذهب فيه وجوب الغسل. و عن المبسوط (2) و الصدوق الاكتفاء فيه بالوضوء.

و عن جماعة من المتأخرين عدم انتقاض الغسل به، و إنّما يستحب له الإعادة. و يظهر من الشيخ التفصيل بين نسيان البول و تعمّد تركه، فأوجب الغسل في الأخير خاصّة.

و الأقوى الأوّل.

و يدلّ عليه بعد الإجماع المحكي عليه في السرائر (3) و غيره المعتبرة المستفيضة المشتملة

____________

(1) في (ألف): «أو».

(2) المبسوط 1/ 29.

(3) السرائر 1/ 118.

87

على الصحاح الصراح كصحيحة الأقطع عن رجل اجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شيء؟ قال: «يعيد الغسل» (1).

و صحيحة محمّد بن مسلم: «من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول ثمّ وجد بللا فقد انتقض غسله» (2).

و موثقة سماعة عن الرجل يجنب ثمّ يغتسل قبل أن يبول فيجد بللا بعد ما يغتسل، قال:

«يعيد الغسل» (3).

إلى غير ذلك، و هناك أخبار مستفيضة تدلّ على عدم انتقاض الغسل بذلك إلّا أنّها لا يقاوم الأخبار المذكورة لعدم سلامة إسنادها، فالاستناد إليها مع قطع النظر عن المعارض لا يخلو عن الإشكال، فكيف مع معارضتها بتلك الصحاح المعتضدة بالاحتياط و عمل الاصحاب.

و في حسنة جميل: عن الرجل يصيبه الجنابة فينسى أن يبول حتّى يغتسل ثمّ يرى بعد الغسل شيئا أ يغتسل أيضا؟ قال: «لا قد تعصرت و نزل من الحبائل» (4).

و رواية أحمد بن هلال: سألته عن رجل اغتسل قبل أن يبول، فكتب: «إنّ الغسل بعد البول إلّا أن يكون ناسيا فلا يعيد» (5).

و هاتان الروايتان حجة التفصيل، مضافا إلى كونه وجه جمع بين الأخبار.

و فيه بعد ضعف الإسناد للتأمل على أنّ السندي الواقع في إسناد الأوّل، و إن كان الأظهر الاعتماد عليه، و ضعف أحمد بن هلال الواقع في إسناد الأخير مع عدم خلوه عن الاضطراب؛ لوقوع السؤال فيه بالقول ظاهرا و الجواب بالكتابة و إعراض جمهور الأصحاب عن العمل

____________

(1) الكافي 3/ 49، باب الرجل و المرأة يغتسلان من الجنابة ثم يخرج منهما شيء بعد الغسل، ح 1.

(2) وسائل الشيعة 1/ 283، باب حكم البلل المشتبه الخارج بعد البول و المني، ح 5 مع اختلاف.

(3) الكافي 3/ 49، باب الرجل و المرأة يغتسلان من الجنابة ثم يخرج منهما شيء بعد الغسل، ح 4.

(4) وسائل الشيعة 2/ 252، باب حكم البلل المشتبه بعد الغسل، ح 11.

(5) تهذيب الأحكام 1/ 145، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها، ح 101.

88

بهما، مع كون الحكم المذكور من الأحكام الوضعيّة الّتي قد تختلف الحال فيها بالنسبة إلى الناسي و غيره.

الثالثة: أن يكون ذلك بعد البول قبل الاستبراء. و لا يجب عليه إذن إعادة الغسل أيضا بلا خلاف يظهر كما مرّ. و يدلّ عليه الأخبار المستفيضة المتقدمة لكن يجب عليه الوضوء لما مرّ في بابه.

الرابعة: أن يكون بعد الاستبراء بالاجتهاد من دون البول مع إمكانه. و المعروف فيه أيضا وجوب الغسل؛ لإطلاق الأخبار المذكورة.

و ربّما يظهر من إطلاق المحقق عدم الوجوب.

و هو ضعيف؛ إذ لا شاهد على تقييد الأخبار، و مجرد الاعتبار لا يصلح حجّة في الشرع.

الخامسة: أن يكون ذلك مع عدم إمكان البول. و فيه قولان، فذهب الشيخ (1) و جماعة إلى عدم وجوب الغسل، و عزي إلى الأكثر و ظاهر جماعة من المتأخرين القول بوجوب الاعادة.

و كأنّه الأظهر؛ لخلوّ أخبار الاستبراء عن ذلك، بل لم نجد في شيء من الأخبار ذكر الاجتهاد في الاستبراء عن المني، و إنّما ورد ذلك في البول، و قياس المني عليه ممّا لا وجه له.

فربّما يتأمّل في مشروعيّة فعله بقصد الوظيفة فضلا عن ترتّب حكم الاستبراء عليه.

و لو سلّم ذلك فانّما يسلّم في المقام الأوّل للتسامح في أدلّة السنن، و أمّا الثاني فلا وجه للقول به مع دلالة الإطلاقات السابقة على لزوم الغسل.

نعم، لو قيل بأنّ المناط في الاستبراء على حصول الظن بعدم تخلف شيء من المني في مجراه، و هو كما يحصل (2) بالبول يحصل بالاجتهاد اتّجه ما قالوه إلّا أنّه لا وجه إذن للترتيب المذكور، فلا بدّ من القول بترتّب الحكم عليه مع إمكان البول أيضا. و لا يتوقّف حصوله على الاجتهاد المعروف، بل يحصل بكثرة المني و طول المدة.

____________

(1) في (ب): «الشيخان».

(2) في (ب): «ترى».

89

و القول به كذلك مع أنّه مخالف لظاهر المذهب لا يوافق ظاهر أخبار الباب، و إن وافق قاعدة عدم انتقاض اليقين بالشكّ.

و احتجّوا على عدم وجوب الغسل بخروج البلل مع عدم البول؛ حملا لها على تلك الصورة جمعا بين الأخبار.

و يضعّفه أنّ حمل تلك الإطلاقات على الفرد النادر لو كان هناك خبر مقيّد في غاية البعد، فكيف مع عدمه. و مجرد كونه وجه جمع بين الأخبار لا يوجب الحمل عليه سيّما بعد ما عرفت.

و هل يثبت الحكم المذكور بالنسبة إلى المرأة أيضا، قولان: فظاهر ما ذكره جماعة من الأصحاب من عدم استحباب الاستبراء في شأنها انتفاء الحكم بالنسبة اليها، و نصّ بعض المتأخرين على استحباب الاستبراء لها، و على جريان الحكم المذكور بالنسبة إليها (1) هو ظاهر الشيخ في النهاية حيث سوّى بين الرجل و المرأة في الاستبراء.

و الأظهر الأوّل لاختصاص ما دلّ على استحباب الاستبراء، و الحكم بانتقاض الغسل بالخارج قبله بالرجل و قد فرض الحكم بالانتقاض فيه فيما رأيناه من الأخبار المتعلّقة به.

و عدم ذكر الرجل بخصوصه في الجواب لا يقضي بالإطلاق بعد فرضه في الرجل في السؤال و رجوع الضمير عليه في الجواب.

قيل (2): و في بعض الأخبار وقع السؤال و الجواب عامّا.

قلت: لم أجد ذلك في شيء من الأخبار، بل الموجود فيها مشتمل على خصوص السؤال عن خصوص الرجل مع رجوع الضمير في إليه، فلا يمكن أن يعم الجواب.

نعم، في صحيحة محمّد بن مسلم: «من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول ثمّ وجد بللا فقد انتقض غسله» (3) الخبر.

____________

(1) زيادة في (د): «و».

(2) زيادة: «قيل» من (د).

(3) وسائل الشيعة 1/ 283، باب حكم البلل المشتبه الخارج بعد البول و المني، ح 5.

90

و لا يبعد استظهار حملها على الرجل سيّما بمعونة سائر الأخبار بل خيرة (1) الآخر المرويّ قبله.

و يؤيّده التعليل الوارد في آخر الرواية حيث علّل عدم نقض الغسل بعد البول بأن البول لم يدع شيئا؛ إذ من الظاهر أنّه لا دخل للبول بالنسبة إليها في إخراج المتخلّف من منيّها لاختلاف مخرجها.

و ذلك أيضا إشارة تامّة إلى اختصاص الحكم بالرجل، فلو سرينا الاستبراء إليها تعيّن الاجتهاد. و احتمال أن يكون لخروج البول من مخرجه تأثيرا في تنظف الآخر كما قيل بعيد جدّا. و حينئذ فقاعدة عدم انتقاض اليقين بالشك محكمة في شأنها، فلا يحكم عليها بالنقض إلّا مع العلم بكون الخارج منيّا، و أنّه من منيّها. فلو تيقنت بخروج المني و كان في فرجها من مني الرجل بنت على أصالة الطهارة.

و يدلّ عليه موثقة الأقطع: عن رجل اجنب فاغتسل قبل أن يبول فخرج منه شيء؟

قال: «يعيد الغسل»، قلت: فالمرأة يخرج منها شيء بعد الغسل؟ قال: «لا تعيد»، قلت: فما الفرق (2) بينهما؟! قال: «لأنّ ما يخرج (3) من المرأة من مني الرجل» (4).

و نحوها صحيحة منصور، و فيهما أيضا إشارة إلى ما قلناه.

هذا، و اعلم أنّ الحكم بنقض البلل المشتبه مع اشتباه ذاته ظاهر، و أمّا مع العلم بعدم صدق المني عليه و احتمل استهلاك جزء من منيّه فيه كما إذا بال و احتمل حصول جزء من المني مستهلك فيه، ففيه وجهان من حصول الاشتباه، و من خروجه عن ظاهر الأخبار؛ لعدم صدق البلل المشتبه عليه في العرف و إن كان الثاني أظهر؛ أخذا بأصالة بقاء الطهارة، و الأحوط الاعادة.

____________

(1) في (ألف): «حتّى».

(2) زيادة في (د): «ما».

(3) في (ب) زيادة: «إنّما هو ماء».

(4) الكافي 3/ 49، باب الرجل و المرأة يغتسلان من الجنابة ثم يخرج منهما شيء بعد الغسل، ح 1.

91

خامسها: لو احتلم فلمّا انتبه لم يجد في ثوبه و بدنه شيئا أو وجد و شك في كونه منيّا

لم يحكم بالجنابة، للأصل و الأخبار.

و لو وجد في بدنه و ثوبه المختصّ به منيّا رطبا أو يابسا حكم بجنابته مع العلم بخروجه منه بلا خلاف فيه.

و في موثقة سماعة: عن الرجل ينام و لم ير في نومه أنّه احتلم، فيجد في ثوبه و على فخذه الماء هل عليه غسل؟ قال: «نعم» (1).

و نحوها موثقته الأخرى.

و لو لم يعلم بخروجه منه لم يحكم بجنابته؛ للأصل و ظاهر حسنة أبي بصير: عن الرجل يصيب بثوبه منيّا و لم يعلم أنّه احتلم؟ قال: «يغسل ما وجد بثوبه و ليتوضأ» (2).

و في أمره بالوضوء إشارة إلى الاكتفاء فيه برفع الأصغر، و لا فرق في الحكم بين ما إذا قضى أصالة التاخّر بوقوعه منه كما إذا لم يحتمل مع تأخّر وقوعه من غيره أو لا، و كذا لا فرق في صورة العلم بين ما إذا تيقّن بخروجه بعد غسله أو احتمل وقوعه قبله لرجوعه في الأخير إلى اليقين بالطهارة و الحدث و الشك في التاريخ.

ثمّ إنّه مع الحكم بجنابته إنّما يجب عليه اعادة ما أتى به من الصلاة بعد النوم الأخير؛ لعدم العبرة بالشكّ بعد الفراغ، مضافا إلى أصالة التأخر.

و عن الشيخ في المبسوط (3) القول بوجوب قضاء كلّ ما أتى به من الصلوات بعد الغسل الأخير الواقع (4). و كأنّه نظر إلى مراعاة الاحتياط.

و هو كما ترى؛ لعدم دليل على وجوب الاحتياط في مثله سيّما بعد قيام الدليل على عدم العبرة بالشك بعد الفعل أو خروج الوقت، و لانتفاء الاحتياط في الصلاة المتوسط بين الغسل

____________

(1) الكافي 3/ 49، باب احتلام الرجل و المرأة، ح 7.

(2) الإستبصار 1/ 111، باب الرجل يرى في ثوبه المني و لم يذكر الاحتلام، ح 3369.

(3) المبسوط 1/ 28.

(4) في (د): «الرافع».

92

الأخير و النوم الأوّل.

و كأنّه لا يقول به أيضا، و إن قضى به إطلاق عبارته، و لعدم حصول الاحتياط به إذا احتمل تقدّمه على الغسل الأخير؛ لعدم الاتيان إذن بجميع المحتملات، و إنّما يتأتى ذلك باعادة كلّ صلاة يحتمل تعقيبه للجنابة المذكورة.

سادسها: لو وجد المني في ثوبه المشترك بينه و بين غيره

لم يحكم كل منهما بانتقاض طهارته سواء كانا مجتمعين فيه كالفراش أو اللحاف أو كلّ (1) منهما على سبيل التناوب.

و الحكم في الصورة الأولى ممّا لا خلاف فيه ظاهرا؛ أخذا في كل منهما بأصالة الطهارة.

و مجرد انتقاض إحدى الطهارتين لا يوجب الاحتياط عليهما؛ لعدم اليقين بحصول التكليف بالنسبة إلى شيء منهما ليجب الخروج عنه كما في مسألة الإنائين.

و القول بأنّ كلا من الاستصحابين حجّة شرعيّة فبعد القطع بحصول النقض لأحدهما يكون بمنزلة التخصيص بالمجمل (2) مدفوع بقيام كل منهما حجة بالنسبة إلى موضوعه، فلا تعارض.

و يدلّ عليه أيضا إطلاق حسنة أبي بصير المتقدمة، و في الصورة الثانية هو المعروف، و قد حكم فيه بعضهم بوجوب الغسل على صاحب النوبة.

و اختاره المحقق الكركي و الشهيد الثاني؛ أخذا بأصالة تأخر الحادث.

و يدفعه ما عرفت من كون المسألة (3) في مثله مثبتا (4) لما لا يتفرع عليه، فلا يكون حجّة فيه؛ إذ ليس من مقتضيات تأخّر وقوعه في نفسه وقوعه من الآخر، و إن استلزمه بملاحظة الخارج. كيف و لو صحّ التمسّك بالأصل في مثله لزمه الحكم بنجاسة بدنه إذا رأى في ثوبه دما، و احتمل خروجه منه و من غيره إلّا أنّه لا يحتمل وقوعه من غيره إلّا مع سبقه لقطعه بعدم

____________

(1) في (د): «كان».

(2) في (ألف): «بالجهل».

(3) في (د): «الأصل».

(4) في (ألف): «مبتنيا».

93

ملاقاته لغيره في ذلك الوقت و ما يقاربه مثلا.

و الظاهر أنّ أحدا لا يقول به، فكذا فيما نحن فيه؛ إذ هما من قبيل واحد.

مضافا إلى شمول الحسنة المتقدمة له أيضا.

ثمّ إنّه إنّما يحكم بسقوط أحكام الجنب عن كلّ منهما بانفراده بالنسبة إلى نفسه، و أما بالنسبة إلى غيره و ما إذا تعلّق الحكم بالمجموع فهناك تأمّل في جريان الحكم المذكور.

فمن الأوّل ما لو أراد أحد استيجار أحدهما للصلاة عن الميّت أو أراد القدوة به فإنّ فيه وجهين من الحكم شرعا بطهارته، و يتبعه الحكم بصحّة صلاته، و من القطع بفساد صلاة المحدث منهما و عدم جواز استيجاره، و لا القدوة به.

فمع دورانه بين المحصور يجب التجنب عنهما؛ لوجوب التحرّز عن المشتبه المحصور كما مرّ (1).

هذا هو الأظهر، و يحتمل القول بجواز الجمع بينهما أيضا بناء على دعوى إسقاط الشرع لحكم الجنابة المذكورة، و هو في حيّز المنع.

و من الثاني جواز قوة (2) أحدهما بالآخر أو استيجار أحدهما للآخر (3) لتعيّن ما عليه من الصلاة المستأجر عليها اذا أتى ببعضه الآخر. و الأظهر فيه المنع لفساد صلاته على كلّ من التقديرين في الأوّل و عدم فراغ ذمّته من تمام الحق قطعا في (4) الأخير.

و قيل فيه أيضا بالصحّة للحكم شرعا بطهارة كلّ منهما و سقوط حكم الجنابة المفروضة.

و لا يخفى وهنه بعد عدم نهوض دليل عليه كذلك، غاية ما يقتضيه الدليل سقوطه بالنسبة إلى كلّ منهما (5).

____________

(1) زيادة في (د): «و».

(2) في (د): «قدوة».

(3) في (د): «الآخر».

(4) لم ترد في (ب): «في الأخير و قيل فيه أيضا».

(5) زيادة في (د): «فتأمّل».

94

تبصرة [في تحقق الجنابة بإدخال الحشفة]

الثاني من موجبي الجنابة الإدخال، و حصولها بالإدخال في فرج المرأة ممّا أجمعت عليه الفرقة بل هو ممّا أطبقت عليه الأمّة سوى شذوذ منهم.

و قد رجع جماعة من المنكرين إلى القول به كما حكي عنهم.

و يدلّ عليه بعد الإجماع المعلوم و المنقول ظاهر الكتاب و النصوص المستفيضة، و يعتبر فيه إدخال الحشفة على ما هو المصرّح به في كلام الأصحاب، و عبّر عنه في كثير من الأخبار بالتقاء الختانين.

و في القاموس (1): إنّ الحشفة ما فوق الختان.

و في الصحيح: متى يجب الغسل؟ فقال: «إن التقى الختانان فقد وجب الغسل». فقلت:

التقاء الختانين هو غيبوبة الحشفة؟ قال: «نعم» (2).

و لا ينافي ذلك ما في القاموس من تفسير الحشفة بما فوق الختان، بل ينطبق عليه؛ إذ حصول الالتقاء بغيبوبة الحشفة إنّما يكون بكون (3) الحشفة ما فوق الختان.

ثمّ إنّ المعروف من المذهب وجوب الغسل بإدخال دبر المرأة، و قال السيد (4): لا أعلم خلافا بين المسلمين في أنّ الوطي في الموضع المكروه من ذكر أو أنثى يجري مجرى الوطي في القبل، و لا وجدت في الكتب المصنفة لأصحابنا الإماميّة إلّا ذلك، و لا سمعت ممّن عاصرني

____________

(1) القاموس المحيط 3/ 128 (حشف).

(2) الكافي 3/ 46 باب ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة، ح 2.

(3) زيادة: «بكون» من (د).

(4) نقل عنه مختلف الشيعة 1/ 328.

95

منهم من شيوخهم نحوا من ستّين سنة إلا يفتي بذلك. فهذا إجماع من الكلّ.

و في موضع من المبسوط (1): انّه الظاهر من المذهب.

و ذهب الشيخ (2) في غير واحد من كتبه إلى عدم حصول الجنابة به. و حكاه في المبسوط عن بعض الأصحاب.

و قد يستظهر ذلك من الكليني (رحمه اللّه) حيث روى في الكافي (3) مرفوعة البرقي و الصدوق حيث روى في الفقيه صحيحة الحلبي الآتية.

و فيه: أنّه لا دلالة في الصحيحة (4) على الحكم كما ستعرف، فإسناد القول إليه ممّا لا وجه له. و الأقوى هو الأوّل. و يدلّ عليه بعد الإجماع و الشهرة العظيمة الاحتياط لوجوه:

منها: إطلاق ما دلّ من المستفيضة على وجوب الغسل بالإدخال كالصحيح: متى يجب الغسل على الرجل و المرأة؟ فقال: «إذا أدخل (5) فقد وجب الغسل و المهر و الرجم» (6).

و نحوه صحيحة أخرى، و في أخرى: «و لو كان أدخله في اليقظة وجب عليها الغسل أمنت أو لم تمن» (7).

و يؤيّده ذكر المهر و الرجم معه؛ إذ الظاهر عدم تأمّل منهم في ثبوتها بالإدخال في الدبر.

و منها: ما دلّ على عدم انفكاك وجوب الغسل عن وجوب المهر و الرجم كقول عليّ (عليه السلام) في الصحيح حين وقع النزاع بين المهاجرين و الأنصار في كون الإدخال سببا للغسل:

«أ توجبون عليه الرجم و الحدّ، و لا توجبون عليه صاعا من ماء؟!» (8).

____________

(1) المبسوط 1/ 27.

(2) الخلاف 1/ 116.

(3) الكافي 3/ 47، باب ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة ح 8.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 85، باب صفة غسل الجنابة ح 186.

(5) في (د): «أدخله».

(6) الكافي 3/ 46، باب ما يوجب الغسل على الرجل و المرأة، ح 1.

(7) الإستبصار 1/ 112، باب الرجل يجامع المرأة في ما دون الفرج، ح (372) 3.

(8) وسائل الشيعة 2/ 184، باب وجوب الغسل على الرجل و المرأة بالجماع في الفرج حتى تغيب الحشفة، ح 5.

96

و في صحيحة أخرى: «كيف لا توجب (1) الغسل و الحد يجب عليه؟!» (2).

فإن ظاهرها أنّ وجوب الغسل و الحدّ و الرجم من قبيل واحد، و (3) إنّ ثبوت الأوّل أولى من الأخيرين، فإذا ثبتا لزم القول (4) بثبوته بالأولى، و (5) الإدخال من الدبر يوجب الجلد أو الرجم عندهم، فيلزمه وجوب الغسل.

و القول بأنّ ذلك قياس لا يجوز الاحتجاج به في ثبوت الأحكام مدفوع بأنّ كلام الإمام (عليه السلام) هو الحجّة في ذلك، و إن كان ذلك تقريبا إلى إفهامهم، و لم يجز الاحتجاج به بمجرّده، فإنّ المستند عندنا هو حكم الإمام (عليه السلام) به، مضافا إلى أنّه لا مانع من الاحتجاج به بعد قيام الأولويّة أو العلم بالمناط. و كأنّه كان المناط في ذلك منقّحا عندهم، و عدم تنقّحه عندنا لا يستلزم عدمه عندهم.

و منها: الصحيح عن ابن أبي عمير، عن حفص بن سوقة عمّن أخبره قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأتي أهله من خلفها؟ قال: «هو أحد المائين فيه الغسل» (6).

و ضعف الرواية منجبر بالعمل مع صحّتها إلى ابن أبي عمير الّذي أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عنه.

و لا مجال للمناقشة في دلالتها؛ لصراحتها في المطلوب.

و يؤيّد ذلك أيضا ظاهر الآية الشريفة الدالّة على وجوب الغسل بالملامسة الصادقة به، و خروج الملامسة بغير الإدخال من أجل الإجماع.

و ظاهر الفتوى لا يقضي بخروجه؛ لصدقه عليه أيضا، و تفسيرها في الصحيحة بالمواقعة

____________

(1) في (د): «نوجب».

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 84، باب صفة غسل الجنابة، ح 185.

(3) في (د): «أو».

(4) في (ألف): «ثبت النوم فالقول»، بدلا من «ثبتا لزم القول».

(5) زيادة الواو من (د).

(6) الإستبصار 1/ 112، باب الرجل يجامع المرأة في ما دون الفرج، ح (373) 4.

97

في الفرج لا يوجب التخصيص؛ لصدق الفرج على القبل و الدبر كما نصّ عليه أهل اللغة، و قضى به جملة من الاستعمالات.

و على هذا فيما (1) دلّ على وجوب الغسل بالإدخال في الفرج دلالة عليه إلّا أنّ الظاهر منه عرفا هو خصوص القبل، ففي الاحتجاج بها إشكال.

حجة القول بالثاني بعد الأصل و ما دلّ على عدم نقض اليقين إلّا باليقين إلى نوعه في «الرجل يأتي المرأة إلى دبرها و هي صائمة؟ قال: «لا ينقض صومها و ليس عليها غسل» (2).

و المرسلة: «إذا أتى الرجل المرأة في دبرها و هي صائمة لم ينقض صومها و ليس عليها غسل» (3).

و إطلاق الصحيح: عن الرجل يصيب المرأة فيما دون الفرج، أ عليها غسل هو إن أنزل أو لم تنزل هي؟ قال: «ليس عليها غسل و إن لم ينزل هو فليس عليه غسل» (4)؛ لشمول إطلاقها محلّ الكلام.

و يضعف بأنّ الأصل ما دلّ على عدم نقض اليقين لا حجة فيهما بعد قيام الدليل، و الروايتان الأوليان ضعيفتان، فلا معوّل عليها سيّما في مقابلة الأدلّة المذكورة.

مضافا إلى اطراحها بين الأصحاب و إعراضهم عن العمل بها من الصدر الأول كما حكاه السيّد.

مضافا إلى اختصاصهما بالمرأة، و الصحيحة لا دلالة فيها بناء على شمول الفرج للدبر، و لو سلّم الاختصاص فانصراف إطلاقها إلى صورة الدخول محلّ تأمّل، فلا معوّل عليها.

ثمّ إنّه لا فرق في الحكم بالجنابة بذلك بين الرجل و المرأة كما هو الظاهر من الملازمة بين

____________

(1) في (د): «ففيما».

(2) تهذيب الأحكام 4/ 319، باب الزيادات، ح 43.

(3) تهذيب الأحكام 7/ 460، باب من الزيادات في فقه النكاح، ح 51.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 84 باب صفة غسل الجنابة، ح 186.

98

الأمرين في ذلك؛ لقضاء جملة من الأدلّة المذكورة (1)، و تردّد فيه العلّامة.

و ليس في محلّه. قال بعض المتأخرين: لم نجد على وجوبه عليها حديثا إلّا قول أمير المؤمنين (عليه السلام): «أ توجبون ..» إلى آخره.

قلت: هو كاف في ذلك، مضافا إلى غير واحد من الأخبار المذكورة هناك كإطلاقات (2) الدالّة على وجوب الغسل بالإدخال سيّما الصحيحة الأخيرة لورودها في خصوص المرأة.

ثمّ إنّ الخلاف في دبر الغلام كالخلاف في دبر المرأة، و حكى السيّد الإجماع فيها على نحو سواء كما عرفت (3) أو على القول بالفصل بينه و بين دبر المرأة كما في المختلف (4). مضافا إلى الشهرة العظيمة و الاحتياط و الاعتبار.

و في حسنة الحضرمي، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من جامع غلاما صار جنبا يوم القيامة لا ينقّيه ماء الدنيا» (5).

و في إطلاقها تأييد تامّ لما ذكرنا، بل الأدلّة عليه.

و قد يستشكل في جنابة الطفل بذلك لارتفاع الحد منه، و لا يشمل الرواية المذكورة.

و يضعّفه أنّ ذلك من الأحكام الوضعيّة الّتي لا يختلف فيه المكلّف و غيره، مع أنّ الظاهر عدم فرق أحد بين كونه مكلّفا و غيره. مضافا إلى تنقيح المناط فيه.

و لو أولج في فرج الخنثى لم يجب الغسل عليها لاحتمال الزيادة، و قد يحتمل الوجوب لصدق الفرج عليه.

و هو ضعيف.

و كذا لو أولج الخنثى في الرجل و المرأة أو في مثلها.

____________

(1) زيادة في (د): «به».

(2) كذا، و الظاهر: «كالإطلاقات».

(3) زيادة في (ب): «إلّا أنّه خارج عن مدلول النصوص سوى قول أمير المؤمنين (عليه السلام) و كفى به حجّة بعد الإجماع عليه مطلقا كما عرفت».

(4) مختلف الشيعة 1/ 329.

(5) الكافي 5/ 544، باب اللواط، ح 2 و فيه و في روايات اخر: جاء جنبا.

99

و لو أولج كلّ في فرج الآخر وجب عليهما بخلاف ما لو أولج كلّ في دبر الآخر فلا يجب على شيء منهما. و أمّا الايلاج في فرج البهيمة ففيه قولان: فذهب الشيخ (1) في غير واحد من كتبه إلى عدم حصولها به، و استحسنه المحقق (2) و جماعة.

و في الحدائق (3): الظاهر أنّه المشهور.

و ذهب العلّامة في المختلف (4) إلى حصول الجنابة به. و ربّما يعزى إلى السيد (5) حكاية الإجماع عليه أيضا.

و الظاهر عدم شمول ما دلّ على حصول الجنابة بالإدخال لذلك.

و القول بتنقيح المناط فيه بحيث يشمل ذلك غير ظاهر، فالبناء فيه على حصول الجنابة مشكل جدّا، و طريق الاحتياط فيه ممّا لا يخفى.

و يجري الوجهان في دبر البهيمة أيضا، و ملازمة الاحتياط فيه أولى.

____________

(1) الخلاف 1/ 117.

(2) المعتبر 1/ 181.

(3) الحدائق الناضرة 3/ 12.

(4) مختلف الشيعة 1/ 330.

(5) نقل عنه مختلف الشيعة 1/ 330.

100

البحث الثاني في غايات غسل الجنابة

و هي أمور يرجع كلّها إلى رفع المنع الحاصل بالجنابة، و لذا يذكر المعالم منها أحكام الجنابة، و نحن نجري على ذلك في المقام جريا على طريقة أولئك الأعلام.

تبصرة [فيما حرّم على الجنب]

يحرم على الجنب فعل الصلاة و الطواف الواجبين و المندوبين و إن لم نقل باشتراط الطهارة في الطواف المندوب، فإنّه يجيء المنع هنا من جهة الدخول في المسجد الحرام، و اشتراط الصلاة مطلقا و الطواف الواجب به ظاهر ممّا مرّ في الوضوء بالأوّل.

و يشمله بعض الإطلاقات المذكورة هناك كقوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (1)، و الحكم ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب و كذا يحرم الصوم الواجب.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 33، باب وقت وجوب الطهور، ح 67.

101

تبصرة [في تحريم قراءة العزائم]

لا يجوز للجنب قراءة العزائم الأربع على المعروف من المذهب، و قد حكى إجماعهم عليه جماعة من الأصحاب منهم الفاضل في التذكرة (1) حيث ذكر أنّه إجماع أهل البيت (عليهم السلام)، و قد حكى (2) عن السيد (3) اختصاص التحريم بآية السجدة.

و اختاره جملة من متأخري المتأخرين منهم صاحب الحدائق (4).

و الأقوى الأوّل.

و يدلّ عليه بعد الإجماع ما رواه في المعتبر (5) عن جامع البزنطي، عن المثنّى، عن الحسن الصيقل، عن الصادق (عليه السلام) من أنّه يجوز للجنب و الحائض أن يقرء ما شاء من القرآن إلّا سور العزائم الأربع» (6).

و في صحيحة الفاضلين، و في الصحيح: الحائض و الجنب يقرءان شيئا؟ قال: «نعم ما شاء إلّا السجدة» (7).

و روى الشيخ في الموثّق نحوه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 235.

(2) كشف اللثام 2/ 33.

(3) الانتصار: 121.

(4) الحدائق الناضرة 3/ 55.

(5) المعتبر 1/ 186.

(6) وسائل الشيعة 2/ 217، باب جواز قراءة الجنب و الحائض و النفساء القرآن ما عدا العزائم ح 7، و فيه:

«و يقرأن من القرآن ما شاء إلا السجدة».

(7) الإستبصار 1/ 115، باب الجنب و الحائض يقرآن القرآن، ح 6384.

102

و في صحيحة أخرى: «و قرأ من القرآن ما شاء إلّا السجدة» (1).

و هاتان الروايتان مشتملتان على ذكر خصوص السجدة، و هي بمعونة فهم الأصحاب و ما تقدّم من رواية البزنطي محمولة على تمام السورة لا لوجوبها بسبب تلاوة جزء منها، و إن كان حملها على خصوص آية السجدة أقرب بالنظر إلى نفس العبارة لكن ما ذكرناه كاف في حملها على ما قلناه مع عدم بعده عن العبارة أيضا.

و قد ظهر من ذلك أيضا مستند القول بالتخصيص و ضعفه.

و في الحدائق (2) حكى رواية البزنطي على نحو المعتبرة المذكورة، و لذا زعم انحصار دليل التعميم بالإجماع المنقول، و ليس الحال كذلك، و إنّما الموجود عندنا في المعتبر ما ذكرناه. و هو الموافق لما حكاه في البحار من عبارته.

و به يضعّف ما اختاره على طريقته أيضا.

ثمّ إنّه لا فرق بين قراءة تمام السورة و أبعاضها حتّى البسملة إذا نوى بها إحدى السور المذكورة، و كذا غيرها من المشتركات إنّما يحكم بالمنع منها مع قصدها، و إلّا بنى أصل الجواز.

و لو نوى بالبسملة و نحوها من المشتركات واحدا من السور الأربع من غير تعيين قوي لحوق المنع؛ لاحتسابها عرفا من إحداها.

و يحتمل العدم؛ لعدم تعيّنه في الواقع، فلا يقع عن شيء منها و إلّا لزم الترجيح من غير مرجّح.

ثمّ إنّ الحكم يدور مدار اسم القراءة فلا منع من النظر في الآية و لا من إمرار الكلمات على الخاطر على نحو حديث النفس.

و هل يعتبر في صدقها بحيث يمكنه السماع أو يكتفى فيه بمجرّد خروج الحرف من مخرجه و إن كان ممّا لا يسمع في الغالب؟ وجهان أوجههما الأوّل.

____________

(1) وسائل الشيعة 2/ 218، باب جواز قراءة الجنب و الحائض و النفساء القرآن ما عدا العزائم ح 11، و فيه:

«يقرءا ما شاءا».

(2) الحدائق الناضرة 3/ 144.

103

و حينئذ ففي الاكتفاء بمجرّد القابليّة العادية أو اعتبار أحد الأمرين من القابلية للسماع أو فعليّته بالنسبة إليه و إن كان على خلاف العادة وجهان أحوطهما- بل أظهرهما- الأخير.

و يعتبر القراءة في الأخرس بمثل ما اعتبر في الصلاة في وجه قوي.

و لو شكّ في آية انّها من العزائم أو غيرها فهل يبني على أصالة الجواز أو يغلب جانب الاحتياط؛ نظرا إلى دوران الاشتباه بين المحصور؟ وجهان أحوطهما المنع.

و لا منع في قراءة تفسيرها و لا ترجمتها من سائر اللغات كما لا يحرم مسّها على المحدث و العزائم الأربع معروفة لا خلاف ظاهرا في تبيّنها.

نعم، وقع في عبائر جماعة من الأصحاب كالصدوق و العلّامة في ذكر «سجدة لقمان» مكان «الم السجدة» مع أنّ سورة لقمان لا سجدة فيها.

و حملها بعض الأصحاب على السهو، و ليس كذلك، بل الظاهر أنّهم عنوا به سورة السجدة المتّصلة بلقمان، فإنّ الإضافة يكتفي فيها بأدنى الملابسة.

104

تبصرة [في حرمة اللبث في المساجد على الجنب]

يحرم على الجنب اللبث في المساجد كلّها بلا خلاف فيه يعرف سوى ما حكي عن الديلمي من حكمه بالكراهة.

و ما يظهر من الصدوق (1) من القول بجواز نومه في المسجد.

و هما إن ثبت القول بهما شاذّان ضعيفان، بل إجماع الفرقة منعقد على خلافهما.

و يدلّ عليه بعد الإجماع الآية الشريفة بمعونة تفسيرهم (2) (عليه السلام) كما يظهر من صحيحة الفاضلين و غيرهما.

و بذلك يسقط المناقشات الّتي أوردت على دلالتها كاحتمال إرادة المنع من الدخول في الصلاة مع الجنابة و استثناء عابري السبيل إشارة إلى جوازه مع الجنابة في الأسفار؛ نظرا إلى قلّة الماء و عدم حصول الكفاف.

و لا يذهب عليك ضعفه مع قطع النظر عمّا ذكرناه؛ لبعده عن ظاهر الآية سيّما بملاحظة ذكر السفر بعد ذلك، مضافا إلى المستفيضة المشتملة على الصحاح الدالّة على المنع كالصحيح عن الجنب: يجلس في المساجد؟ قال: «لا» (3).

و في صحيحة أخرى: «لا يجلس في شيء من المساجد» (4).

و في أخرى: «لا يدخلان أي الجنب و الحائض المسجد إلّا مجتازين، إنّ اللّه تبارك و تعالى

____________

(1) المقنع: 45.

(2) في (ألف): «تغيرهم».

(3) الكافي 3/ 50، باب الجنب يأكل و يشرب و يقرأ و يدخل المسجد، ح 4.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 407، باب التيمم و احكامه، ح 18.