تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
105

يقول: وَ لٰا جُنُباً إِلّٰا عٰابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىٰ تَغْتَسِلُوا (1)» (2).

نعم، في صحيحة محمّد بن القاسم (3): عن الجنب ينام في المسجد؟ فقال: «يتوضّأ و لا بأس أن ينام في المسجد و يمرّ فيه» (4).

و كأنّها حجة الصدوق، بل و القول بمطلق الكراهة يجعلها شاهدة على حمل غيرها على الكراهة.

و أنت خبير بأنّ اطراحها بين الأصحاب مانع من العمل بها في نفسها، فكيف مع معارضة تلك الصحاح.

و الظاهر تعيّن حملها على التقيّة؛ إذ ذلك مذهب ابن حنبل من العامّة، و لا بأس باجتياز الجنب في المساجد كلّها؛ لما دلّ عليه عدّة من الصحاح المذكورة، و لظاهر الآية.

و فيها يقيّد إطلاق ما دلّ من الآية و الأخبار على المنع من دخوله في المساجد سوى المسجدين الأعظمين مسجد الحرام و مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، و بها يقيّد إطلاق ما دلّ من الآية و الأخبار على جواز اجتيازه في المساجد.

و عن الصدوقين (5) و المفيد أنّهم أطلقوا القول بجواز اجتيازه في المساجد من غير استثناء.

و كأنّه للإطلاق المذكور.

و لا يخفى ضعفه، لوجوب حمل (6) المقيد في مثله قطعا.

____________

(1) النساء: 43.

(2) علل الشرائع 1/ 288.

(3) في مخطوطات الأصل: محمد بن مسلم. إلّا أنها مروية عن محمد بن القاسم.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 87؛ وسائل الشيعة 2/ 210، باب جواز مرور الجنب و الحائض في المساجد، ح 18.

(5) الهداية: 97، فقه الرضا: 85.

(6) في (د): «الحمل على».

106

[تنبيهات]

و ينبغي في المقام بيان أمور:

أحدها: الموجود في أكثر أخبار المسألة المنع عن خصوص جلوسه في المسجد،

و هو لا يدلّ على غيره من أنواع الاستقرار إلّا أنّ في الأخبار ما يدلّ على العموم كالصحيح المذكور: «لا يدخلان المسجد إلّا مجتازين».

و هو كاف في عموم الحكم، مضافا إلى عدم ظهور عامل بالفرق، فلا شبهة في التعميم.

نعم، هنا إشكال في اختصاص الجواز بصورة الدخول من باب و الخروج من آخر (و الظاهر أنّ جلوسه في محمل و نحوه مجتازا بمنزلة الاجتياز، و إن كان مستقرّا في محلّه) (1) فيحرم غيرها مطلقا أو يعم الجواز صورة الدخول و الخروج من باب واحد من دون اللبث و التردد أو يعم صورة التردد أيضا.

و الأحوط الاقتصار على الأوّل، و الثاني كأنّه أظهر بملاحظة الصحيحة المذكورة.

و أمّا الثالث فهو بعيد عن لفظ الاجتياز (2) و عبور السبيل.

و في القويّ: «للجنب أن يمشي في المساجد كلّها و لا يجلس فيها إلّا مسجد الحرام و مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)» (3).

و ظاهر إطلاقه يعطي البناء على الأخير إلّا أنّ الأظهر حمله على ما يستفاد من غيره؛ لعدم وضوح إطلاقه، و مخالفته للاحتياط مع ما فيه من الكلام في الإسناد.

و الظاهر أن جلوسه في محلّ (4) و نحوه مجتازا بمنزلة الاجتياز و إن كان مستقرا في محلّه.

ثانيها: قد دلّ جملة من النصوص على (5) تخصيص النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة (عليهم السلام) من حرمة الجواز و اللبث في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله).

____________

(1) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(2) في (د): «الأخبار».

(3) الكافي 3/ 50 باب الجنب يأكل و يشرب و يقرأ و يدخل المسجد .. ح 3.

(4) في (د): «محمل».

(5) في (ب): «في».

107

ففي تفسير العسكري (عليه السلام) في حديث سدّ الأبواب عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لا ينبغي لأحد يؤمن باللّه و اليوم الآخر يبيت في هذا المسجد جنبا إلّا محمّد و علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهما السلام) و المنتجبون من آلهم الطيّبون من أولادهم» (1).

و في خبر آخر عنه (عليه السلام): «لا يحلّ لأحد أن يجنب في هذا المسجد إلّا أنا و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و من كان من أهلي فانّه منّي» (2).

و في آخر عنه (عليه السلام) أيضا: «إلّا أنّ هذا المسجد لا يحلّ لجنب إلّا لمحمّد و آله» (3).

إلى غير ذلك، و ادّعى في البحار (4) تواتر الأخبار باستثناء المعصومين (عليهم السلام) عن حكم دخول المسجدين جنبا إلّا أنّ الموجود في الأخبار الكثيرة هو خصوص مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، و أفتى في الحدائق (5) فيه بالخصوص إلّا أنّه يمكن تسرية الحكم فيه إلى سائر المساجد (بالأولى. و أمّا إلى المسجد الحرام فلا يخلو عن خفاء؛ لانتفاء الأولويّة.

نعم، في لفظ بعض الأخبار: «لا يحل لأحد أن يجنب في المسجد إلّا أنا و عليّ و فاطمة و الحسن و الحسين: ..» (6) الخبر، فإنّ إطلاق المسجد قد يعمّ سائر المساجد) (7)، فيدخل فيه مسجد الحرام إلّا أنّه قد يحمل على سائر الأخبار الّتي ذكر فيها خصوص مسجده به.

و كيف كان، فدعوى التواتر بالنسبة إلى المسجدين ليس في محلّه.

و هناك غير واحد من الأخبار يدلّ على مرجوحية الدخول لهم كقوله (عليه السلام): «إنّ اللّه كرّه لي ستّ خصال و كرّهتهنّ للأوصياء من بعدي ...» و عدّ منها إتيان المساجد جنبا.

____________

(1) وسائل الشيعة 2/ 210، باب جواز مرور الجنب و لحائض في المساجد، ح 21.

(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 557، ح 4915.

(3) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 2/ 210.

(4) بحار الأنوار 78/ 49.

(5) الحدائق الناضرة 3/ 49.

(6) الأمالي للشيخ الصدوق: 413.

(7) ما بين الهلالين من زيادات نسخة (د) أيضا.

108

و في خبر سليمان الديلمي، عن الصادق (عليه السلام) عنه: «ستة كرّهها اللّه لي فكرّهتها للأئمّة من ذرّيتي و لتكرهها الأئمّة لأتباعهم ..» (1) و عدّ منها إتيان المساجد جنبا. و فيه إشارة إلى كون الكراهة بمعنى الحرمة.

ثالثها: ألحق جماعة بالمساجد المشاهد المشرفة،

و أنكره آخرون؛ لانتفاء سند ما يصلح للمنع.

و كأنّ الأظهر الأوّل بل يحتمل القول بالمنع من الدخول مطلقا؛ للمستفيضة الواردة في إنظاره به على أبي بصير حين دخل عليه جنبا الظاهر في كونه محرّما.

و في بعضها: «أما تعلم أنّه لا ينبغي للجنب أن يدخل بيوت الأنبياء» (2) و عن جابر، عن عليّ بن الحسين (عليهما السلام): «إنّ اعرابيا دخل على الحسين (عليه السلام) فقال: أما تستحيي يا اعرابي تدخل على إمامك و أنت جنب؟!» (3).

و هذه الأخبار و إن دلّ (4) على حرمة الدخول عليهم و هم أحياء إلّا أنّ ما دلّ على أنّ حرمتهم أمواتا كحرمتهم أحياء أو أنّهم أحياء يشهدون زوّارهم و يردّون السلام عليهم و نحو ذلك يدلّ على عموم الحكم لما بعد وفاتهم.

و لا مانع من ضعف الروايات المذكورة لاعتضاد بعضها ببعض مضافا إلى تأيّد الحكم بما دلّ على لزوم تعظيم الشعائر إلّا أن الحكم بظواهر تلك الأخبار لا يخلو من إشكال.

ثمّ إنّه يستفاد منها المنع من دخول مشاهد سائر الأنبياء، و قد يعم الحكم لسائر الأوصياء أيضا. و أمّا مشاهد أولاد الأئمّة من الأتقياء الأجلاء كحضرة العباس (عليه السلام) و غيرهم من أفاضل العلماء و الصلحاء فلا يلحق بها.

و يحتمل الكراهة لفهمه من الفحوى.

____________

(1) وسائل الشيعة 2/ 209، باب جواز مرور الجنب و الحائض في المساجد، ح 16.

(2) بحار الأنوار 27/ 255، باب آخر في آداب العشرة مع الامام، ح 3.

(3) وسائل الشيعة 2/ 212، باب كراهة دخول الجنب بيوت النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)، ح 4.

(4) كذا، و الظاهر: «دلّت».

109

نعم، في بعض الأخبار المذكورة ذكر أولاد الأنبياء إلّا أنّه من جهة اختلاف لفظ الرواية لا ينهض حجّة في خصوصه سيّما مع ضعفه. و احتمل حمله على خصوصهم (عليهم السلام) كما هو قضيّة المقام.

رابعها: الظاهر (1) شمول الحكم في المساجد لسطحها و سردابها و سائر المواضع المحفورة فيها

كالآبار و نحوها إلّا أن يكون ذلك خارجا عن وقف (2) المسجد بأن يكون ملكا للغير قبل وقف المسجد و نحو ذلك.

و أمّا المشاهد فالظاهر اختصاص الحكم فيها ببيت الدفن، فلا منع من الكون على سطحها، و كذا الرواق المتصل به و نحوه. و أمّا جدار المسجد فإن بنى فيه جرى حكمه، و إلّا ففي ثبوت حكمه فيه إشكال، و الأحوط الاجتناب.

خامسها: الظاهر دوران الحكم مدار صدق الدخول و المكث،

فلو أدخل يده و نحوها فالظاهر عدم المنع بخلاف ما لو أدخل معظم البدن، فإنّ الظاهر صدقه.

و كما يحرم عليه الدخول يحرم عليه إدخال الغير في وجه قويّ، فلو أدخله إليه و هو نائم أو مغمى عليه فعل محرّما. و كذا الحال في الصبيّ و المجنون. و لو دعاه إلى الدخول و هو غافل قوي المنع. و في إدخال الميّت الجنب إليه وجهان.

____________

(1) زيادة: «الظاهر» من (د).

(2) في (د) «وقفيّة».

110

تبصرة [في تحريم وضع شيء في المساجد]

يحرم عليه وضع شيء في المساجد بلا خلاف فيه يعرف، سوى ما يحكى عن الديلمي من القول بالكراهة.

و هو ضعيف محجوج بالروايات المستفيضة المشتملة على غير واحد من الصحاح الدالّة على المنع كالصحيح الحاكم بجواز الأخذ التابع عن وضع شيء فيها فيه.

و في صحيحة الفاضلين: «يأخذان من المساجد (1) ألّا يضعان فيه شيئا» قال زرارة: قلت له: فما بالها يأخذان منه و لا يضعان فيه؟ قال: «لأنّهما لا يقدران (2) على أخذ ما فيه إلّا منه، و يقدران على وضع ما بأيديهما في غيره» (3).

و من الغريب تخصيص بعض المتأخرين- فيما حكي عنه- حرمة الوضع بما كان مستلزما للبث في سائر المساجد و الدخول في المسجدين نظرا إلى تعارض إطلاقي تحريم الوضع و تجويز المشي و المرور، فيتساقطان و يرجع إلى حكم الأصل، سيّما مع أغلبيّة اقتران الوضع باللبث؛ إذ مع عدم جريان ذلك في المسجدين بل في الوضع الغير المستلزم للدخول مطلقا.

فيه: أنّه لا معنى لدعوى المعارضة بين ما دلّ على جواز المشي و تحريم الوضع؛ إذ كلّ منهما عنوان مستقل لا مندرج شيء من أفراد أحدهما في الآخر، غاية الأمر جواز مقارنته له، و هو لا يقضي بالمنافاة بين الحكمين.

مضافا إلى [أنّ] النصّ [من] التعليل المذكور في خلاف ما ذكره.

____________

(1) في (د): «المسجد».

(2) في مخطوطات الأصل: «يقدران» إثباتا.

(3) وسائل الشيعة 2/ 213، باب عدم جواز وضع الجنب، ح 2.

111

و في بعض الأخبار تجويز الوضع و المنع من الأخذ؛ معلّلا بالقدرة على الوضع من غير دخول بخلاف الأخذ؛ إذ لا تقدير عليه من دونه.

و في الوسائل (1): إنّ بعض الأصحاب قد عمل بمضمونه، و هو ضعيف لضعف الرواية في نفسها مع عدم مقاومتها لغيرها. مضافا إلى اعتضاد تلك بالعمل و اطراح هذه بين الأصحاب.

و الظاهر دوران الحكم مدار صدق اسم الوضع، فلو كان مشدودا على السقف فحلّه و وقع في المسجد لم يكن محرّما. و كذا لو حرّكه من محلّ إلى آخر من غير أن يتناوله من مكانه، و إلّا حرم (2).

و هل يجوز طرحه في المسجد؟ وجهان؛ من عدم صدق اسم الوضع و أنّه بمعناه.

و لو اشترك مع غيره في الوضع احتمل عدم المنع فيه؛ لعدم استناد الوضع إليه، و يحتمل المنع سيّما إذا كان الآخر أيضا جنبا.

و لو علّقه على جداره أو سقفه فالظاهر الجواز. و الظاهر جريان الحكم في الوضع في غير ما يصلّي فيه من زاوية (3) و الدرج الموضوعة فيه، و كذا الوضع على الأمور الموضوعة فيه في وجه قويّ.

و لو وضعه على إنسان جالس فيه فالظاهر الجواز.

____________

(1) وسائل الشيعة 2/ 214.

(2) زيادة في (ب): «المنع» و في (د): «الوضع».

(3) في (د): «روزانه».

112

تبصرة [في مسّ كتابة القرآن و اسم اللّه تعالى]

و يحرم عليه مسّ كتابة القرآن بلا خلاف فيه بين الأصحاب، بل لا يبعد عدم الخلاف فيه بين علماء الإسلام (1) كما حكى الفاضلان اتّفاقهم عليه.

و ربّما يعزى إلى الإسكافي القول بالكراهة إلّا أنّه لا يبعد حملها على الحرمة؛ لشيوع استعمالها فيها في كلام القدماء.

و قد نصّ الشهيد أنّه كثيرا ما يطلق الكراهة و يريد الحرمة.

و عزاه في المدارك (2) إلى المبسوط، و نصّ جماعة على سهوه في النقل، و إنّما قال بها في الحدث (3) الأصغر، و نصّ بالحرمة في الأكبر.

و من الغريب ميله في المدارك (4) إلى الكراهة؛ استضعافا لأدلّة المنع (5).

و قد عرفت ضعفه ممّا مرّ في الأصغر؛ لدلالته على المنع هنا بالأولى، و لاحتمال غير واحد من الأخبار (على المنع عنه بالخصوص كخبر إبراهيم بن عبد الحميد: «لا تمسّه على غير طهر و لا جنبا ..» (6) الخبر» (7).

و يزيد عليه هنا انعقاد الإجماع عليه في المقام كما هو المعلوم من ملاحظة الفتاوى،

____________

(1) في (ألف): «الأعلام».

(2) مدارك الأحكام 1/ 242.

(3) في مخطوطات الأصل: «حديث».

(4) مدارك الأحكام 1/ 241.

(5) زيادة في (ب): «لا دلالة المنع».

(6) الإستبصار 1/ 113، باب أن الجنب لا يمس المصحف ح 3.

(7) ما بين الهلالين من زيادات (د).

113

و المنقول على لسان جماعة من الفحول. قال في النهاية (1): إنّه لا (2) خلاف هنا في تحريم المس، و إن وقع الخلاف فيه في الحدث الأصغر.

و قد مرّ تمام الكلام في فروع المسألة في مباحث الوضوء.

و كذا يحرم عليه مسّ اسم اللّه تعالى على المعروف بين الأصحاب. و به نصّ الشيخان (3) و الفاضلان (4) و غيرهم.

و يدلّ عليه الموثق: «لا يمسّ (5) الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه تعالى» (6) إلّا أنّه يعارضها المستفيضة الدالّة على الجواز، منها الموثق عن الجنب و الطامث يمسّان بأيديهما الدراهم البيض؟ قال: «لا بأس» (7).

و حمله الشيخ (8) على ما لم يكن عليه اسم اللّه تعالى. و قد يؤيّده التقييد في الموثقة الأولى.

و منها: رواية محمّد بن مسلم: هل يمسّ الرجل الدراهم الأبيض و هو جنب؟ فقال:

«اي و اللّه إنّي لأرى الدرهم فآخذه و أنا جنب» (9). و يجرى فيه تأويل الشيخ أيضا.

و منها: رواية أبي الربيع في الجنب: يمسّ الدراهم و فيها اسم اللّه و اسم رسوله (صلّى اللّه عليه و آله)؟

قال: «لا بأس و ربّما فعلت [ذلك]» (10) (11).

و يمكن حمل الجميع على بيان جواز مس الدرهم في الجملة، فيكون المراد مس غير اسمه

____________

(1) نقل عنها محقق البحراني في الحدائق الناضرة 3/ 46.

(2) زيادة: «لا» من (د).

(3) المبسوط 1/ 29، المقنعة: 51.

(4) المعتبر 1/ 187، تحرير الأحكام 1/ 92، تذكرة الفقهاء 1/ 238.

(5) لم ترد في (ب): «لا يمسّ ... منها الموثّق».

(6) الإستبصار 1/ 113، باب الجنب لا يمس الدراهم عليها اسم اللّه تعالى، ح (374) 1.

(7) تهذيب الأحكام 1/ 126، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 32.

(8) تهذيب الأحكام 1/ 126، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 32.

(9) بحار الأنوار 78/ 63.

(10) وسائل الشيعة 2/ 215، باب حكم لمس الجنب شيئا عليه اسم اللّه، ح 4.

(11) الزيادة من المصدر.

114

تعالى جمعا بين الأدلّة، و هو و إن لم يخل من بعد إلّا أنّه لا بأس به في مقام الجمع، و ثبوت المرجوحية قطعا ينافي فعله (عليه السلام)، فبملاحظة ذلك لا يخلو الأخبار المذكورة عن الوهن.

و لو بني على المعارضة فيرجّح الأوّل بموافقة الاحتياط و الشهرة القطعيّة بين الأصحاب و قضية التعظيم.

و ذهب جماعة من المتأخرين إلى الكراهة؛ جمعا بين الأخبار و أخذا بالأصل. و قد عرفت ما فيه.

و هل المراد باسم اللّه تعالى خصوص لفظ الجلالة أو يعمّ الأسماء المختصّة أو سائر أسمائه تعالى؟ وجوه.

و لا يبعد القول بانصراف الإطلاق إلى الثاني إلّا أنّ القول بالثالث قويّ بعد العلم بقصده تعالى بالكتابة لاندراجه إذن في الإطلاق مع المشاركة في الاحترام أو مع البناء عليه، فالظاهر خروج الموصول عنه و إن اتّصل بصلة خاصّة به تعالى.

و في الضمائر الراجعة إليه وجهان، و (1) البناء على قضية الأصل فيها أظهر إلّا في «هو»؛ إذ لا يبعد القول بكونه من أسمائه تعالى كما يظهر من غير واحد من الأدعية. و لو قيل بخروج كلّ اسم يطلق عليه تعالى من جهة كونه مصداقا لمعناه من غير وضعه له تعالى و لا اختصاصه به كالموجود و نحوه لم يكن بعيدا.

____________

(1) زيادة: «و» من (د).

115

تبصرة [في تغسيل الجنب ليلا لأجل الصوم]

قد عرفت أنّ حرمة الأمور المذكورة على الجنب- من الصلاة و الصيام و المسّ و المكث في المساجد و غيرها- تكون قاضية بكون استباحة كلّ منها غاية للغسل، فيجب لكلّ من الأفعال المذكورة عند وجوبه و يندب له عند استحبابه.

و هناك اشكال معروف في وجوبه في الليل لأجل الصوم مع عدم تحقق وجوب الصوم فيه.

و دفعه بعضهم بأنّ التغسيل (1) ممّا يتوقف عليه الواجب و قضيّة ما دلّ على وجوب المقدمة لا يختصّ بما إذا وجب فيها، بل يعمّ ما إذا علم أو ظنّ وجوبه في وقته، سيّما مع تضيقه، فإنّه لا مانع إذن من وجوب المقدمة و إن لم يجب المغيّى بعد.

قلت: و فيه نظر ظاهر؛ إذ القول بوجوب المقدمة مع عدم وجوب ذيها ممّا يقطع بفساده لتبعيّة وجوب المقدمة لوجوب ذيها و مطلوبيّتها لمطلوبيّته، فكيف يتصوّر وجوبها مع عدم وجوبه، مع انتفاء النصّ عليه بالخصوص.

فإن قلت: إنّ وجوب الشيء في محلّه قاض بوجوب توطين النفس على امتثاله، و هو إنّما يكون بالاتيان بمقدماته.

و أيضا طلب الشيء في وقت معيّن مع عدم إمكان حصوله فيه إلّا بتقديم مقدمته دليل عرفا بل عقلا على إيجاب مقدمته قبله؛ لتحصيل مطلوب الأمر. و يجري نحوه في الموسع أيضا؛ لتعلّق التكليف به في أوّل الوقت و إن لم يتعيّن عليه.

____________

(1) في (د): «الغسل»، و في (ألف): «التفصيل».

116

قلت: لو سلّم ما ذكر فإنّما يفيد وجوب توطين النفس على أداء الواجب بعد حصول وجوبه، و لا يستلزم ذلك وجوب التلبّس بشيء من مقدماته قبل فعليّة الوجوب، بل إنّما يراعى فيه حال تعلق الوجوب، فإن كان باقيا فيه على صفات التكليف تعلّق الوجوب، و إلّا فلا تكليف.

و ما ذكر من قضاء العرف و العقل بوجوب المقدمة في مثله قبل وجوب الفعل مدفوع، بأن وجوب الفعل في وقته مشروط قطعا بالتمكّن منه، فإن كان وقت الوجوب متمكّنا من الفعل يشمله الخطاب، و إلّا لم يتعلّق به.

و حينئذ فلا دليل على وجوب جعل الانسان نفسه من المشمولين للخطاب، فعلى هذا من علم أنّه لا يتمكّن في الوقت من الطهارة المائية أو غيرها أيضا لا يجب عليه تقديم الوضوء، بل و يجوز له إهراق الماء المملوك له أيضا.

و من الغريب ما ذكره صاحب الحدائق (1) من وجوب الوضوء قبل الوقت؛ نظرا إلى توقف الفعل عليه في أوّله. و قد اشتمل النصّ الصحيح على تعليق وجوبه بدخول الوقت.

و فيه أيضا دلالة على ما قلناه.

و التحقيق في المقام أن يقال بالفرق بين ما توجّه الخطاب إلى المكلّف فعلا و إن كان المطلوب إيقاعه في زمان معيّن، و ما لم يتوجّه به خطاب أصلا قبل مجيء زمان الفعل، فالأوّل يجب تقديم مقدمته لوجوب الفعل عليه و إن لم يحضر زمان فعله كالحج، و الثاني إنّما يجب مقدمته بعد مجيء زمان الفعل و توجّه الخطاب.

فالصوم من القبيل الأوّل بخلاف الصلاة؛ لظاهر النصّ المذكور و غيره، فليس وجوب المقدمة فيما ذكرنا مسقطا عن وجوب ذي المقدمة، غاية الأمر أن يكون وجوبها في زمان لا يصحّ فيها إيقاع ذيها، و لا مانع منه بوجه؛ إذ ما دلّ على وجوب المقدمة يدلّ عليه في الصورتين.

____________

(1) الحدائق الناضرة 2/ 128.

117

هذا، و المعروف بين الأصحاب عدم وجوب الغسل لغير ما ذكر و لا لنفسه، و ذهب جماعة (1) من الأصحاب منهم الفاضل و والده إلى كونه واجبا لنفسه أيضا. و حكي القول به عن القطب الراوندي، و مال إليه جماعة من المتأخرين كصاحبي المدارك (2) و الذخيرة (3) و غيرهما.

و الأقوى هو الأوّل.

و يدلّ عليه بعد الأصل و الشهرة: الآية الشريفة بناء على عطف قوله تعالى وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً (4) على الجزاء لا على الشرط كما هو ظاهر السياق و قضية تأخر التيمّم عنه، فيكون وجوبه حينئذ معلّقا على القيام إلى الصلاة، و حينئذ يفيد الوجوب للغير في المنطوق.

و يدلّ على عدم وجوبه لنفسه لمفهوم الشرط، و مع الغضّ عنه فذكر وجوبه للغير في المقام يدلّ بالفحوى على عدم وجوبه لنفسه و إلّا لكان أولى بالذكر في بيان أصل المشروعيّة، فيفيد ذلك أن مطلوبيته في الشرع لأجل الغير، و هو المقصود.

و بما ذكرنا يندفع ما أورد من أنّ الآية إنّما تدلّ على ثبوت الوجوب للغير، و هو لا ينافي وجوبه لنفسه أيضا.

و يستفاد ذلك أيضا من عدّة من الروايات كقوله (عليه السلام) في الصحيح: «إذا دخل الوقت وجب الطهور و الصلاة» (5).

و في الخبر: «إنّ اللّه فرض على اليدين أن لا يبطش بهما إلى ما حرّم اللّه ..» إلى أن قال:

«و الطهور للصلاة» (6).

و في الحسن: عن المرأة يجامعها الرجل فتحيض و هي في المغتسل ليغتسل أم لا؟ قال:

____________

(1) لم ترد في (ب): «جماعة ... مال إليه».

(2) مدارك الأحكام 1/ 16.

(3) ذخيرة المعاد 1/ 54.

(4) المائدة: 6.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 33، باب وقت وجوب الطهور، ح 67.

(6) الكافي 2/ 36، باب في أن الإيمان مبثوث لجوارح البدن كلها، ح 1.

118

«قد جاءها ما يفسد الصلاة، فلا يغتسل» (1).

و التقريب أنّه لو لا وجوب الغسل لأجل الصلاة و سقوطه من جهة سقوطها لما صحّ التعليل المذكور أو سقوط الوجوب الغيري، و لا يوجب تأخير الواجب النفسي.

و حمله على كون الحدث الطاري مانعا من رفع الحدث السابق لا يوافق ظاهر العبارة؛ لوقوع التعليل فيه بفساد الصلاة دون الغسل.

على أنّ الحكم بفساده غير ظاهر؛ لقضاء الإطلاقات بالصحّة، و بقاء حدث الحيض لا يوجب عدم ارتفاع الجنابة بعد كونهما حدثين مختلفين كما هو الظاهر و إن اشتركا في كثير من الأحكام.

و لذا يمكن رفع أحدهما بدون الآخر كما إذا اغتسل عن الحيض بعد انقضاء العادة؛ لعدم الاكتفاء به عن الجنابة.

و كذا العكس على القول به.

و في المعتبر الآتي تصريح بما قلناه، فدعوى تكافؤ (2) الاحتمالين كما وقع من العلّامة المجلسي (3) ليس على ما ينبغي.

و قريب من الحيثيّة المذكورة عدّة من المعتبرة (4) الدالّة على تأخير غسل الجنابة بعد مجيء الحيض إلى زمان طهرها فتغسل غسلا واحدا للحيض و الجنابة.

و في موثقة منها تخييرها حينئذ بين الغسل و التأخير إلى وقت الطهر، فيغسل غسلا واحدا منهما؛ لإشعار الحكم بتأخير غسلها بكون مطلوبيّة الغسل لأجل الصلاة، فيسقط وجوبه بسقوط وجوبه و إن بقي مشروعيّته كما دلّت عليه الموثقة الأخيرة و قضى به الأصل المذكور.

____________

(1) الكافي 3/ 83، باب المرأة تر الدم و هي جنب، ح 1 و مع اختلاف يسير.

(2) في (ألف): «تكاثر».

(3) بحار الأنوار 78/ 60.

(4) الإستبصار 1/ 147، باب المرأة الجنب تحيض عليها غسل واحد. أم غسلان ح (506) 5.

119

و من الغريب ما ذكره بعض المتأخرين و حقّقه صاحب الحدائق (1) في الجواب عن الاحتجاج بالأخبار المذكورة أنّها غير دالّة على شيء من المذهبين، و إنّما وردت لبيان سقوط الغسل من جهة عدم حصول غايته (2) الّتي هي رفع الحدث أو استباحة الصلاة، فلا يصحّ الغسل الواقع على تلك الحال سواء قلنا بوجوبه لنفسه أو غيره، فهي منافية لقضيّة كلّ من القولين ليتفرّع صحّة الغسل على كلّ منهما.

قلت: و لا دلالة ظاهرة في هذه الأخبار على ما ذكره؛ لعدم وجوب تداخل الغسلين، فالظاهر ورودها لبيان جواز التأخير نظرا إلى عدم وجوب غايته في تلك الحال.

و ما ادّعاه من عدم إمكان ارتفاع الحدث أو استباحة الصلاة معه قد عرفت ما فيه.

حجة القول بالوجوب النفسي (3) الآية بناء على عطف قوله وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً على الجملة الشرطية، و الأخبار الكثيرة الحاكمة بوجوب الغسل بعد عروض الجنابة كالمستفيضة الدالّة على كونه فريضة، و أخرى دالّة على كونه واجبا، و ما دلّ على أنّ «من ترك شعرة من الجنابة متعمّدا فهو في النار» (4) مضافا إلى الأوامر الواردة به الظاهرة في الوجوب النفسي.

و يدفعها (5) ما عرفت من ظهور الآية في خلاف ذلك، و مطلق الوجوب ممّا لا كلام فيه، إنّما الكلام في وجوب النفسي، و المطلق لا يدلّ على الخاص.

نعم، إطلاق الوجوب ينصرف إليه إلّا أنّ الدليل قائم في المقام على إرادة الغيري مع وهن الظهور بفهم جمهور الأصحاب خلافه في المقام.

مضافا إلى ورود الأوامر في إزالة الأخباث مع الاتفاق هناك على كون المقصود خصوص الغيري، فيؤيّد ذلك إرادته في المقام.

____________

(1) الحدائق الناضرة 3/ 62.

(2) في (د): «غاية».

(3) زيادة في (د): «ظاهر».

(4) الأمالي للشيخ الصدوق: 572.

(5) لم ترد في (ب): «و يدفعها ... إنّما الكلام في».

120

و لو سلّم التفاوت بين رفع الحدث و الخبث فغاية الأمر أن يكون ارتفاع الحدث مطلوبا لذاته دون الآخر، فيكون الغسل مطلوبا لأجله، فلا يكون أيضا واجبا لنفسه، بل لما يتفرّع عليه من ارتفاع الحدث و الخبث فالقول بوجوب الغسلات المذكورة لنفسها بعيد جدّا بل لا يبعد القول بعدم استحبابها، إنّما المندوب رفع الحدث كما مرّ القول فيه.

121

تبصرة [في المكروهات على الجنب]

و حيث ذكرنا المحرّمات على الجنب فلنعقّبه بذكر مكروهاته، و هي أمور:

منها: الأكل و الشرب

بلا خلاف فيه ظاهر. و عدّ في التذكرة (1) من مكروهاته الأكل و الشرب ما لم يتمضمض و يستنشق. و عزاه إلى علمائنا مؤذنا بالاتفاق عليه. و ربّما يستظهر من الصدوق (2) القول بالمنع لحكمه بعدم جوازهما إلّا أن يغسل يديه و يتمضمض و يستنشق.

و الظاهر حمله على الكراهة؛ لتعليله المنع بخوف البرص، ثمّ ذكر رواية إيراثه الفقر.

و يدلّ عليه بعد الاتفاق عدّة من النصوص كالصحيح: «إن كان الرجل جنبا لم يأكل و لم يشرب حتّى يتوضأ» (3).

و في خبر السكوني: «لا يذوق الجنب شيئا حتّى يغسل يديه و يتمضمض، فإنّه يخاف منه الوضح» (4).

و في حديث المناهي: نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عن الأكل على الجنابة و قال: «إنّه يورث الفقر» (5).

و سياق هذه الأخبار صريح في إرادة الكراهة مضافا إلى الموثق المصرّح بجواز أكله و شربه، فيكون شاهدا على ذلك.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 242.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 83.

(3) من لا يحضره الفقيه 1/ 83.

(4) وسائل الشيعة 2/ 219، باب كراهة الأكل و الشرب للجنب الا بعد الوضوء، ح 2.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 83، باب صفة غسل الجنابة، ح 178.

122

ثمّ إنّ المشهور كما حكاه بعض الأفاضل تقييد الكراهة بعدم المضمضة و الاستنشاق، و الأخبار مختلفة في ذلك ففي الصحيح المذكور التقييد بالوضوء، و في آخر: «غسل يديه و يتمضمض» (1)، و «غسل وجهه و أكل و شرب» (2).

و في خبر السكوني المتقدّم ذكر غسل اليدين و المضمضة.

و في صحيحة أخرى أنّه «يغسل يده و الوضوء أفضل» (3).

ثمّ إنّ الأظهر الاكتفاء بأحد الأمور المذكورة و إن كان بعضها أولى من البعض، و الجمع بين الأمور الغير المصادقة منها أكمل. و ذكر خصوص المضمضة و الاستنشاق لم يوجد في شيء من الأخبار سوى رواية الفقيه (4) إلّا أنّ فيها زيادة غسل اليدين كما في كلام الصدوق.

و هل يرتفع الكراهة بذلك أو تخف به؟ و جهان، ظاهر الأخبار و كلام الأصحاب هو الأوّل و إن كان ظاهر خبر المناهي إطلاق الكراهة إلّا أنّ قضية الجمع حملها على المقيّدات.

و هل يعتبر في ارتفاع الكراهة اتصافها بالأكل و الشرب أو يكتفى بمجرد وقوعها في ارتفاعها؟ و جهان، و قضية الإطلاقات هو الثاني.

و لا فرق من إيقاعها لأحد الأمرين أو لا لهما؛ أخذا بالإطلاق (5).

و لو تخلّل بينهما حدث غير الجنابة ففي الاكتفاء بذلك الوضوء إشكال.

و لا يبعد القول بانتقاض حكمه؛ لما دلّ بإطلاقه على انتقاضه بطروّ النواقض.

و هل يعمّ الحكم المأكول و المشروب العاديين و غيرهما أو يخصّ بالأوّل؟ و جهان، و قضية الأصل و الإطلاق الحمل على الثاني إلّا أنّ ظاهر رواية السكوني تعميم الحكم لكلّ ما يذاق (6)، فالبناء عليه هو الأظهر.

____________

(1) الكافي 3/ 51، باب الجنب يأكل و يشرب و يقرأ ح 12.

(2) الكافي 3/ 50، باب الجنب يأكل و يشرب و يقرأ ح 1.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 372، باب الأغسال و كيفية الغسل من الجنابة ح 30.

(4) في (ب): «الفقه».

(5) في (ب): «الإطلاقات».

(6) في (د): «يدان».

123

و لو تعذر عليه استعمال الماء ففي ارتفاع الكراهة بالتيمّم بدل الغسل أو الوضوء وجه قويّ بناء على عموم بدليّة التراب عن الماء.

هذا إذا قلنا بعدم كون التيمّم رافعا مطلقا و إلّا فلا إشكال.

و يتفرع على ما قلنا عدم مشروعية الوضوء لو تمكّن منه خاصّة إذا تيمّم بدلا من ا لغسل.

و منها: النوم

بلا خلاف فيه يعرف؛ للصحيح: عن الرجل ينبغي له أن ينام و هو جنب؟

فقال: «يكره ذلك حتّى يتوضأ» (1).

و الخبر: «لا ينام المسلم و هو جنب و لا ينام إلّا على طهور فإن لم يجد الماء فليتيمّم» (2).

و لو أراد النوم استحبّ له الوضوء كما دلّت عليه الصحيحة المذكورة، و نصّ عليه الأصحاب.

و هل يرتفع به الكراهة؟ ظاهر الصحيحة ذلك، و عدّ في التذكرة (3) من المكروهات النوم إلّا أن يتوضأ. و عزاه إلى علمائنا مؤذنا بالاتفاق عليه.

و قضية إطلاق الخبر الأخير بقاءها لبقاء الجنابة.

و قد يقال: إنّ قوله «و لا ينام إلّا على طهور» يدلّ على ارتفاع الكراهة بارتفاع (4) إحدى الطهارات الثلاث.

و فيه: أنّه لا يبعد حمله على بيان حكم آخر، و هو استحباب النوم متطهّرا كما دلّت عليه المستفيضة، و مرّت الإشارة إليه، فيكون الضمير في «ينام» راجعا إلى المسلم مطلقا بل ربّما يقال بدلالته على كراهة النوم من غير طهارة؛ أخذا بظاهر النهي.

و كأن الظهور فيه إذن بمعنى الطهارة.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 83، باب صفة غسل الجنابة، ح 179.

(2) وسائل الشيعة 2/ 227 باب كراهة النوم للجنب الا بعد الوضوء، ح 3.

(3) تذكرة الفقهاء، 1/ 242.

(4) لم ترد في (ب): «الكراهة بارتفاع».

124

و يحتمل أيضا إرجاع الضمير إلى المسلم الجنب، و يكون المقصود بيان كراهة نومه إلا بعد الاغتسال؛ إذ هو طهور الجنب، فالتيمّم المذكور بدله هو التيمّم عوض الغسل.

و على التقديرين فلا يقيّد ارتفاع الكراهة بمجرّد الوضوء كما توهّم.

و يؤيّده بعد إطلاق الطهور على وضوء الجنب لانتفاء الرفع فيه.

و كيف كان، فلا شبهة في رجحان الغسل قبل النوم للموثّق: «إن (1) أحبّ أن يتوضّأ فليفعل و الغسل أفضل من ذلك» (2).

و قد يستفاد ذلك أيضا من صحيحة عبد الرحمن، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أ ينام على ذلك؟

قال: «إنّ اللّه تعالى يتوفّى الأنفس (3) في منامها، فلا يدري ما يطرقه من البليّة إذا فرغ فليغتسل» (4).

و ربّما يستفاد منه تعليل التعجيل باحتمال طروّ الموت على الجنابة، فلا يكره لولاه كما بالنسبة إلى المعصومين حيث كانوا عالمين بوقت وفاتهم، فلا يعارض الكراهة، بل مرسلة الصدوق «أنا أنام على ذلك حتّى أصبح و ذلك أني أريد أن أعود» (5).

بحمله على العود في الانتباه. كذا ذكره في الحدائق (6).

و أنت خبير بأنّه لا دلالة في الصحيحة على ارتفاع الكراهة مع انتفاء احتمال الموت، و قد دلّ غيره (7) على ثبوت الكراهة مطلقا، و حمل العود على العود في الانتباه بعيد جدا سيّما مع تعلّق الإرادة به.

ثمّ إنّ ظاهر المرسل استثناء النوم على الجنابة مع إرادة العود إلى الجماع، و لدلالة

____________

(1) زيادة: «إن» من (د).

(2) الكافي 3/ 51، باب الجنب يأكل و يشرب و يقرأ، ح 10.

(3) في (ألف): «بهم في الأنس» بدلا من «يتوفى الأنفس».

(4) تهذيب الأحكام 1/ 372.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 83، باب صفة غسل الجنابة، ح 180.

(6) الحدائق الناضرة 3/ 140.

(7) لم ترد في (ب): «غيره».

125

فعله (عليه السلام) على انتفاء الكراهة، و هو غير معروف بين الأصحاب.

نعم، قد يقال: إنّه لا دلالة فيها على عدم تقديمه الوضوء إلّا أن يستفاد ذلك من عدم ذكره مع تعليل الحكم بإرادة العود.

و كيف كان، ففيها دلالة على مدخليّة إرادة العود في النوم على الجنابة إلّا أنّ الرواية يشكل في تقييدها بسائر الإطلاقات، و ما دلّ على التسامح في أدلّة السّنن لا يشمل مثل ذلك كما لا يخفى.

هذا، و لا يذهب عليك أنّ في الصحيحة المذكورة إشارة إلى وجوب الغسل لنفسه إلّا أنّها ليست بتلك المكانة من الظهور ليمكن الاستناد إليها في مقابلة ما قدّمنا، فتأمل.

ثمّ في اعتبار اتصال الوضوء بالنوم و عدم تخلّل الحدث بينهما ما مرّ.

و منها: قراءة القرآن سوى العزائم الأربع ما زاد على سبع آيات

على المشهور بين الأصحاب كما حكاه غير واحد منهم. و عن القاضي (1) المنع منها كذلك. و عن الديلمي المنع منه مطلقا.

و حكى في السرائر (2) (3) عن بعض علمائنا القول بتحريم ما زاد على السبعين، و استضعفه.

و الحق جواز القراءة (4) مطلقا؛ للمعتبرة المستفيضة الدالّة عليه كصحيحة الفاضلين:

الجنب و الحائض هل يقرءان من القرآن شيئا؟ قال: «نعم ما شاء إلّا السجدة» (5).

و في آخر: أ تقرأ النفساء و الجنب و الحائض و الرجل يتغوّط القرآن؟ قال: «يقرءون ما شاءوا» (6).

____________

(1) المهذب 1/ 34.

(2) في (ب) و (د): «التحرير».

(3) السرائر 1/ 117.

(4) في (د) زيادة: «له».

(5) الإستبصار 1/ 115.

(6) الإستبصار 1/ 114.

126

و أمّا ما في خبر السكوني (1): «سبعة لا يقرءون القرآن ..» و عدّ منها الجنب، و خبر أبي سعيد الخدري- و كأنّه من روايات العامّة- في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام) أنّه قال: «يا علي! من كان جنبا في الفراش مع امرءته فلا يقرء القرآن، فإني [أخشى] (2) أن تنزل عليهما نار من السماء فتحرقهما» (3).

و كأنّهما مستند الديلمي، فمع عدم حجيّتهما في نفسهما لا تقاومان تلك المعتبرة المعتضدة بالأصل و العمل و مخالفة العامة.

و يمكن حملها على الكراهة، و كذا الحال في الموثق: عن الجنب هل يقرء القرآن؟ قال:

«ما بينه و بين سبع آيات» (4).

قال الشيخ: و في رواية زرعة، عن سماعة: سبعين آية (5).

و كأنّ الأول مستند القاضي، و لا يخفى ضعفه.

و الظاهر أنّه مستند الأكثر في الحكم بكراهة ما زاد على السبع، و لا بأس به لعدم صراحة الخبر في الحرمة.

فبقرينة الأخبار الأخر يتعيّن حملها على الكراهة إلّا أنّه يحتمل حملها على الثلاثة؛ إذ القول بالمنع مطلقا أو على تفصيل معروف بين العامة.

و عن جماعة منهم الحكم بالكراهة مضافا إلى عدم إشعار المعتبرة المذكورة بالكراهة، بل قد يستظهر من سياق جملة منها، فبملاحظة ذلك يمكن المناقشة في ثبوت الكراهة إلّا أن البناء عليها أظهر بعد ظهور الموثقة المذكورة فيها المعتضدة بعمل الأصحاب و عدم صراحة غيرها بخلافها.

____________

(1) بحار الأنوار 89/ 212، باب آداب القراءة و أوقاتها، ح 8.

(2) الزيادة من المصدر.

(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 552.

(4) الإستبصار 1/ 115.

(5) تهذيب الأحكام 1/ 129.

127

نعم، المستفاد من ظاهر الموثقة الحكم بكراهة السبع أيضا، و هناك تأمّل آخر من جهة اختلاف لفظ الرواية؛ إذ في رواية عثمان بن عيسى عن سماعة حكاية السبعة، و في رواية زرعة عنه ذكر السبعين، و كونهما روايتين خلاف الظاهر؛ إذ الأظهر اتحادهما، فالاختلاف إنّما يكون من جهة الرواة و كأنّه لذلك ورد الترديد في الحكم بالكراهة بين السبعة و السبعين في كلام بعض الأصحاب إشارة إلى اختلاف لفظ الحديث.

و حكم الفاضلان بكراهة ما زاد على السبعة و تأكدها فيما بعد السبعين. و كأنّه مبنيّ على تعدد الرواية.

و يمكن الاحتجاج للكراهة بما ورد من النهي عن قراءته حتّى يتطهّر كقول على (عليه السلام): «لا يقرأ العبد القرآن إذا كان على غير طهور حتّى يتطهّر» (1).

و حينئذ لا يبعد القول بإطلاق الكراهة، و حمل ما دلّ على جواز ما دون السبع على الرخصة و تخفيف الكراهة.

و يؤيّده أنّ ظاهر الرواية المذكورة و غيرها جريان الحكم في المحدث بالأصغر و لم يظهر هناك قول بالتفصيل يعدّ مذهبا أولى إلّا أن يستشكل هناك في ثبوت الكراهة و يدفع ممّا ذكرناه، و لا بعد فيه بعد ورود الدليل و مناسبته للتعظيم.

و في بعض الأخبار: «إنّ لقاري القرآن متطهّرا في غير صلاة خمس و عشرون حسنة و غير متطهّر عشر حسنات» (2).

ثمّ إنّه لا فرق بين قراءته عن المصحف أو عن الحفظ و لا بين الآيات القصار و الطوال.

و في جريان الحكم في الآية المتكررة سبعا فما زاد إشكال، و كذا الحال لو زاد على السبع بتكرار بعضها، و لو لم يتمّ الآيات ففي ثبوت الكراهة أيضا إشكال.

و يحتمل فيه مراعاة التلفيق. و الأظهر مراعاة العدد في مجموع زمان الجنابة، فلا يشترط توالي السبع.

____________

(1) الخصال: 627.

(2) وسائل الشيعة 6/ 197، باب استحباب الطهارة لقراءة القرآن، ح 3.

128

و هل يعتبر كون القراءة صحيحة، فلو ظنّ في إعرابها لم يثبت الكراهة احتمال. و كأنّ الأظهر خلافه بعد صدق اسم القرآن.

و منها: مسّ المصحف فيما عدا الكتابة من الأوراق و الجلد،

على ما نصّ عليه الشيخان (1) و جماعة. و عن السيد القول بالمنع.

و ربّما يستفاد من عبارة الفقيه (2) عدم كراهة مس الورق. و الأصل في الحكم عبد الحميد:

«المصحف لا تمسّه على غير طهر و لا جنبا و لا تمسّ خطّه و لا تعلّقه، إنّ اللّه يقول: لٰا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (3)» (4).

و هي و إن كانت ظاهرة في المنع إلّا أنّها لضعفها و إطباق الأصحاب سوى الشاذ على خلافه لا ينهض حجّة على المنع، فيثبت بها الكراهة.

نعم، هناك تأمّل في دلالتها؛ نظرا إلى احتمال حمل مسّ المصحف على مسّ الكتابة إلّا أنّ الأظهر صدقه على الأوراق المتضامّة بالدفتين كما لا يخفى.

و يؤيّده إرجاع الضمير في «و لا تعلقه» إليه، فيعمّ الكراهة مسّ الجميع إلّا أنّ الكراهة منوطة بالاتصال بالكتابة، فلو انفصل عند الجلد لم يكره في وجه قوي.

مضافا إلى أنّ النهي عن مسّ خطّه و تعليقه يدلّ عليه بالأولى.

و بناء على كون خطّه مصحفا عن خطّه كما في بعض النسخ، ففيه شهادة بكون خطّ المصحف أعمّ منه و إلّا لكان تكرارا.

نعم، في هذه الرواية دلالة على كراهة مسّ المحدث بالأصغر و تعليقه، و هو غير معروف بين الأصحاب.

و ممّا يدلّ على الكراهة في المقام ما في الصحيح من أنّ الجنب و الحائض يفتحان المصحف

____________

(1) المبسوط 1/ 29، المقنعة: 51.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 87.

(3) الواقعة: 79.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 127، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 35.

129

من وراء الثوب. مضافا إلى اعتضاده بما دلّ على تعظيم الشعائر و تأيّده بفتوى الجماعة.

و منها: مسّ الكتب السماويّة المنسوخة.

و ذكره الشهيد و لم نجد مستنده.

و كأنّه لقضية التعظيم.

و حينئذ يمكن التسرية إلى الأدعية المأثورة كالصحيفة السجاديّة بل كتب الأحاديث.

و منها: كتابة القرآن؛

لصحيحة عليّ بن جعفر المتقدّمة في الوضوء بعد حملها على الكراهة لعدم قائل بمضمونها، و عدم صراحتها إلى (1) الحرمة. و يمكن إلحاق كتابة الأدعية المأثورة به، و كذا الاخبار المأثورة.

و منها: الخضاب عنده،

كما في التذكرة (2). و حكي عليه الشهرة في كلام بعض الأصحاب.

و به نصّ الشيخان (3) و السيد و الفاضلان (4) و غيرهم (5).

و كذا يكره الجنابة و هو مختضب للنصوص المستفيضة الدالّة عليها. و في الخبر بعد النهي عن الأمرين إجراء الحكم في الطامث، التعليل بأنّ الشيطان يحضرهما عند ذلك.

و في خبر آخر: «من اختضب و هو جنب أو أجنب في خضابه لم يؤمن عليه أن يصيبه الشيطان بسوء» (6).

و في غير واحد من الأخبار نفي البأس عنه محمول على انتفاء الحرمة، فلا يدلّ على انتفاء الكراهة.

نعم، قد يستثنى من الأخير ما إذا تمّ لون الخضاب و أخذ مأخذه؛ لرواية أبي سعيد النهي عن الأمرين: «أ فلا أدلك على شيء تفعله؟» قلت: بلى، قال: «إذا اختضبت بالحناء و أخذ

____________

(1) في (د): «في».

(2) تذكرة الفقهاء 1/ 243.

(3) المبسوط 1/ 29، مصباح المتهجد: 10، المقنعة: 58.

(4) المعتبر 1/ 192، شرائع الإسلام 1/ 22، تحرير الأحكام 1/ 92.

(5) الذكرى 1/ 274.

(6) وسائل الشيعة 2/ 223، باب جواز خضاب الجنب و الحائض و النفساء و جنابة المختضب ح 10.

130

الحناء مأخذه و بلغ فحينئذ فجامع» (1) مع تسرية الحكم إلى غير الحنّاء؛ أخذا بالفحوى.

و عن المفيد تعليل الحكم بمنع الخضاب من وصول الماء إلى ظاهر الجوارح. و كأنّ مقصوده منعه من استيلاء الماء تامّا على العضو لبقاء أجزاء منه في المحلّ كما هو معلوم بالتجربة و إن قلنا بجواز حصول اللون من دون الانتقال (2) أو قلنا بجواز الانتقال (3) في الإعراض إلّا أنّه يرد عليه لزوم القول ببقاء الكراهة بعد غسل الخضاب أيضا؛ لبقاء تلك الأجزاء، و لا يقول به أحد.

ثمّ إنّ ظاهر الإطلاقات عدم الفرق بين كون الخضاب على الشعر أو الجسد و كونه بحناء أو غيره.

و منها: الادهان،

للنهي عنه في خبر السكوني، و في خبر حريز: «الجنب يدهن ثمّ يغتسل؟ قال: «لا» (4).

و منها: جماع الحامل؛

لما دلّ على كراهة وطيها من غير وضوء الشامل لحال الجنابة و إن حمل الوضوء فيها على ما يعمّ غير الرافع ارتفعت الكراهة بالوضوء، و إلّا استمرّ الحكم.

و منها: جماع المحتلم دون غيره.

ذكره الشهيد (5)، و لم نجد مستنده.

و منها: دخول المساجد غير المسجدين من غير لبث.

ذكره الشهيد و غيره لمّا وصّاه النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «إنّ اللّه كرّه لأمّتي العبث في الصلاة ..» إلى أن قال: «و إتيان (6) المساجد جنبا» (7).

____________

(1) وسائل الشيعة 2/ 221، باب جواز خضاب الجنب، ح 4.

(2) في (ألف): «الانتفاء».

(3) في (ألف): «الانتفاء».

(4) الكافي 3/ 51، باب الجنب يأكل و يشرب و يقرأ و يدخل المسجد و يختضب و يدهن، ح 6.

(5) الذكرى 1/ 193.

(6) قد تقرأ في مخطوطات الأصل: «إتيان» بتقديم الياء، و ما أدرجناه من المصدر.

(7) من لا يحضره الفقيه 4/ 356.

131

و في خبر آخر (1) عدّه من الخصال الّتي كرهها اللّه للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و كرهها النبيّ للأوصياء من ولده و أتباعهم من بعده، و قد يحمل الكراهة على الحرمة لحرمة اللبث و كون الإتيان مستلزما له في الغالب، فيقيّد بما دلّ على اختصاصه باللبث بالنسبة إلى سائر المساجد.

و منها: دخول المشاهد المشرّفة لغير الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام)

كحضرة العباس [(عليه السلام)] و اللبث على ما مرّت الإشارة.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 71.

132

البحث الثالث في بيان كيفية غسل الجنابة من واجباتها و مندوبها و ما يتعلّق بها

تبصرة [في كيفية الغسل]

للغسل في الشرع كيفيّتان:

أحدهما: الترتيب،

و غسل كلّ من الرأس و الجانبين مستوعبا للجميع بلا خلاف فيه، مراعيا للترتيب من تقديم الرأس على اليمين و تقديمها على اليسار.

أمّا الأوّل فموضع وفاق بين الطائفة، و قد حكي الإجماع عليه في كلام جماعة من الأجلّة، و استفاض به الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة كصحيحة زرارة: «ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكف ثمّ صبّ على منكبه الأيمن» (1) الخبر.

و صحيحة محمّد بن مسلم: «ثمّ تصبّ على رأسك ثلاث أكف ثمّ تصب على سائر جسدك» (2).

و صحيحة حريز الموقوفة: «أبدأ بالرأس ثمّ افض على سائر جسدك».

و قد أسنده الصدوق إلى الصادق (عليه السلام) في كتاب مدينة العلم كما ذكره في الذكرى (3).

و ربّما يعزى هنا إلى الصدوقين و الإسكافي القول بعدم وجوب الترتيب، و ليس ثبت بل

____________

(1) الكافي 3/ 43، باب صفة الغسل و الوضوء قبله، ح 4.

(2) الإستبصار 1/ 123، باب وجوب الترتيب في غسل الجنابة ح 2.

(3) الذكرى 2/ 165.

133

صريح ما نقله الصدوق في الهداية (1) عن والده وجوب (2) الترتيب بينهما حيث قال: فإن بدأت بغسل جسدك قبل الرأس فأعد الغسل على جسدك بعد غسل رأسك.

و ظاهر ذلك عدم مخالفة ولده له كما هو دأبه عند نقل كلامه، و هناك روايات مستفيضة يستفاد من إطلاقها عدم وجوب الترتيب المذكور. و هي محمولة على الأخبار المقيّدة كما هو قضية القاعدة، مضافا إلى ما عرفت من الإجماع.

و يدخل الرقبة هنا في الرأس بلا خلاف فيه يعرف. و قد حكى إجماعهم عليه غير واحد. و هو المعلوم من ملاحظة فتاواهم.

و في الأخبار إشارة إليه كصحيحة زرارة المتقدّمة؛ فإنّ ذكر غسل المنكبين بعد ذكر الرأس دليل على دخول الرقبة فيه؛ لعدم اندراجه في المنكبين الحدم (3) قطعا، و عدم سقوط غسله أو احتسابه عضوا واحدا إجماعا.

و في موثقة سماعة: «ثمّ ليصبّ على رأسه ثلاث مرات ملأ كفّيه، ثمّ ليضرب بكفّ من ماء على صدره و كفّ بين كتفيه، ثمّ يفيض الماء على جسده كلّه» (4).

و استشكل فيه جماعة من المتأخرين منهم صاحب الذخيرة (5) بل مال بعضهم إلى خروجها عنه؛ لفقد النصّ الدالّ على الدخول و خروجها عن اسم الرأس لغة و عرفا.

و ربّما يستدلّ عليه بالصحيح: «ثمّ يصبّ الماء على رأسه و على وجهه و على جسده كلّه»؛ لقضاء العطف بخروج الوجه عن الرأس، فخروج الرقبة أولى.

و ضعفه ظاهر؛ إذ دخول الوجه (6) ممّا لا كلام فيه، فكيف يستدلّ بمفهومه مع عدم البناء على المنطوق لو سلّمت دلالته عليه.

____________

(1) و انظر: من لا يحضره الفقيه 1/ 88.

(2) في (ألف): «وجب».

(3) كذا، و لم ترد في (د): «الحدم».

(4) تهذيب الأحكام 1/ 132، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 55.

(5) ذخيرة المعاد 1/ 56.

(6) زيادة في (د): «فيه».

134

و في كلام غير واحد من الأفاضل أنّه لا ثمرة لهذا الخلاف بعد تصريح الأصحاب بل اتفاقهم على غسلها مع الرأس.

و أمّا وجوب الترتيب بين اليمين و الشمال فهو المعروف بين الطائفة، بل اتّفقت عليه الكلمة سوى ما حكي عن الصدوقين و الإسكافي من خلوّ كلماتهم عن اعتبار الشرط المذكور (1).

و قد حكي عليه اجماع الطائفة.

و استشكل فيه (2) جماعة من المتأخرين؛ لخلوّ الأخبار عن اعتبار الشرط المذكور.

و أوّل من استشكل فيه المحقق في المعتبر (3) حيث ذكر أنّ تقديم الرأس على الجسد ممّا دلّت عليه الأخبار بخلاف تقديم اليمين على الشمال؛ فإنّها غير صريحة فيه (4) قال: لكن فقهاءنا اليوم بأجمعهم يفتون بتقديم اليمين على الشمال و يجعلونه شرطا في صحّة الغسل. و قد أفتى بذلك الثلاثة و أتباعهم. انتهى.

و يدلّ عليه بعد الإجماع و الاحتياط من جهة ضعف الإطلاقات- بإعراض الأصحاب عن العمل بها قضيّة اليقين بالشغل اليقين بالفراغ- ظاهر صحيحة زرارة: «ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين و على منكبه الأيسر مرّتين» (5) الخبر، لو قيل بدلالة الواو على الترتيب كما نصّ عليه بعض أعاظم أهل العربيّة أو استفادته من الترتيب في الذكر أو يقال بأن قضية الأمر وجوب الغسل كذلك.

و لا يعتبر ذلك إجماعا إلّا مع اعتبار الترتيب، و الأخبار الكثيرة الدالّة على اعتبار الترتيب بين اليمين و الشمال في غسل الميّت، مع ما دلّ على أن غسل الميّت هو غسل الجنابة لخروج النطفة منه كما يدلّ عليه المستفيضة أو أنّه كغسل الجنابة كما في رواية محمّد بن مسلم:

____________

(1) في (ب) و (د) زيادة: «و عن العماني أيضا عطف الأيمن على الأيسر بالواو، و على نحو الإخبار، و ليس شيء من ذلك صريحا في عدم اعتبار الترتيب».

(2) لم ترد في (ب): «فيه ... استشكل».

(3) المعتبر 1/ 183.

(4) زيادة في (د): «ثمّ».

(5) الكافي 3/ 43، باب صفة الغسل و الوضوء قبله، ح 4.

135

«غسل الميّت كغسل الجنابة» (1).

و كأنّ الوجه في خلو الأخبار عن التصريح وضوح الحال فيه من جريان السيرة و بناء العمل عليه كما هو المعلوم في هذا الزمان، بل و سائر الأزمنة.

بل الظاهر الاكتفاء في إثبات ذلك بالسيرة المعلومة المستمرة الكاشفة عن قول الأئمّة (عليهم السلام) أو تقريرهم عليه.

مضافا إلى أنّه من أشدّ ما أعلم (2) به البليّة، و لا يمكن أن يخفى الحكم في مثله على آحاد الطائفة، فكيف بالعلماء الأجلّة من لدن أعصار الأئمّة (عليهم السلام) إلى هذه الأزمنة.

ثمّ إنّ العورة لمّا كانت عضوا مستقلا واقعا على الحدّ المشترك بين العضوين وقع التأمل في الاكتفاء بغسله مرّة واحدة مع أحد الجانبين أو لزوم (3) تكرير غسله مع الجنبين، فعن جماعة استظهار الأوّل، و عن بعضهم البناء على الأخير.

و يقوى في النظر الاكتفاء بغسله مرّة في اليمين مبتدأ من جانب اليمين منتهيا إلى اليسار.

و يحتمل قويا في البيضتين إلحاق ما في طرف اليمين [باليمين] و ما في جانب اليسار باليسار. و الأحوط فيهما ما ذكرنا.

و الظاهر ذلك أولى من غسلها مع الجنبين، بل تكرار غسلها لا يخلو عن الإشكال؛ إذ من الظاهر عدم وجوبه في أصل الشرع و الإتيان به من باب المقدمة مع انتفاء طريق آخر لا إشكال [فيه]، و أمّا معه فلا يخلو عن تأمّل.

هذا، و يجب إدخال حدود كلّ من الثلاثة في الآخر من باب المقدّمة على نحو ما مرّ في الوضوء، فلا بدّ من تكرار الفصول الثلاثة.

و قد يكتفى في الفصل بين الرأس و اليمين و بينها و بين اليسار بإيصال آخر الأول بأوّل

____________

(1) وسائل الشيعة 2/ 486، و فيه، نص الرواية «غسل الميت مثل غسل الجنب»، ح 1.

(2) في (د): «يعلم».

(3) في (ب): «لو لزم» بدل «أو لزوم».

136

الآخر (1) إن أمكن حصول العلم به كذلك، و يكتفى في حصول الغسل بأقلّ مسمّاه.

و قد ورد الاكتفاء بالمسح في غسل الجانبين عند قلّة الماء، و هو متروك أو محمول على الغسل الخفيف.

و لا فرق بين كون الغسل بالصبّ أو به أو (2) بإمرار اليد أو غيرها أو بالدخول في الماء أو بالخروج عنه أو بالكون تحت الماء .. إلى غير ذلك من وجوه الغسل كما مرّ القول فيه في الوضوء.

____________

(1) في (د): «الأوّل».

(2) في (د): «و».

137

[النحو الثاني من كيفيّتي الغسل الارتماسيّ]

تبصرة [في الغسل الارتماسي] النحو الثاني من كيفيّتي الغسل الارتماسيّ، و الاجتزاء به في الغسل ممّا لا خلاف فيه بين الأصحاب.

و يدلّ عليه مع ذلك النصوص المستفيضة المشتملة على غير واحد من الصحاح كالصحيح: «لو أنّ رجلا أن ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك» (1).

و نحوه صحيحة أخرى (2).

و ظاهر الأخبار اعتبار الوحدة فيه، و هو حجّة الأصحاب في اعتبار الدفعة العرفيّة حملا للوحدة على الدفعة المتعارفة، فلا ينافيها الاحتياج إلى التخليل في الشعر الكثيف و نحوه أو إزالة المانع من وصول الماء مع عدم طول المدّة.

و قضية ذلك عدم صحّة الغسل مع عدم صدق الوحدة المذكورة كأن دخل شيئا فشيئا في الماء بحيث لم يصدق معه الدفعة العرفيّة.

و قد يستشكل فيه بإمكان حمل الواحد في المقام على ما يقابل المتعدّد، فالمقصود أنّ الغسل الواحد الحاصل الارتماس كان فيه.

و يؤيّده أنّه في مقابلة الترتيب المعتبر فيه تعدّد الغسلات، فلا دلالة فيها على اعتبار حصوله بالدفعة العرفيّة.

و الأظهر أن يقال: إنّه بعد الغسل في الارتماس حاصلا باستيلاء الماء على البدن تحت الماء (لم يتّجه اعتبار الواحدة في الارتماس؛ إذ ليس الارتماس فيه إذا إلّا مقدّمة للغسل، و وحدة

____________

(1) الكافي 3/ 43، باب صفة الغسل و الوضوء قبله و بعده و الرجل يغتسل في مكان غير طيب ح 5.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 148، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 112 و 113.

138

و مع (1) تسليم خروجه عن الجسد فهو داخل في الرأس لعين ما ذكروه في اليد، و اندراجه في الجانب الأيمن و الأيسر المعبّر به في غير واحد من الأخبار.

مضافا إلى أنّه قضية الأمر بالإرواء الوارد في حسنة الكاهلي عن الصادق (عليه السلام): في المرأة الّتي في رأسها [مشطة] حيث قال: «مرها تروي رأسها في الماء و تعصره حتّى يروي، فإذا روى فلا بأس عليها» (2).

و خصوص قوله (عليه السلام) في الخبر: «من ترك شعرة من الجنابة [متعمدا] (3) فهو في النار» (4).

و قوله (عليه السلام) في المرسل: «تحت كلّ شعرة جنابة فبلّوا الشعر و أنقوا البشرة» (5).

و يشير إليه ما ورد من الأمر بمبالغة النساء في الغسل من جهة شعر رءوسهنّ.

قلت: الإشكال بالنسبة إلى الشعر المختصّ في محلّه، و إن كان بعض الوجوه المذكورة موهوما؛ لما مرّ الكلام فيه في مباحث الوضوء.

و مع ذلك فالأظهر فيه أيضا عدم الوجوب؛ نظرا إلى ظاهر الإجماعين المحكيّين المعتضدين بقطع جماعة من الأصحاب، بل لا يعرف فيه مخالف منهم.

و القول به في الوضوء إنّما كان بمعونة فهم الأصحاب، و هو هنا بالعكس.

و أمّا بالنسبة إلى المسترسل، فلا إشكال أصلا؛ لعدم دخوله في اسم الجسد و لا الرأس و لا اليمين و اليسار مطلقا على نحو ما مرّ في الوضوء.

و الروايات المذكورة لا يشهد بذلك؛ لاحتمال أن يكون الأمر بالإرواء من جهة استظهار وصول الماء إلى نفس البشرة.

و كأنّه السرّ في الأمر بما لغتهنّ في الغسل.

____________

(1) في (ألف): «من».

(2) الكافي 3/ 81، باب غسل الحائض و يجزئها من الماء، ح 1.

(3) الزيادة من المصدر.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 135، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 64.

(5) كنز العمال للمتقى الهندي 5/ 135، على ما حكى عنه.

139

و قوله (عليه السلام): «من ترك شعرة» كان المقصود به مقدار الشعرة كما هو الشائع في العرف، و هو و إن كان مجازا إلّا أن شيوعه في الاستعمالات و قرينة قوله «من الجنابة» شاهد عليه؛ لعدم تحقّق الجنابة في الشعر كما أشعر به المرسلة المذكورة.

140

تبصرة [في غسل البشرة و التخليل]

الواجب في الغسل هو غسل البشرة خاصّة على المعروف بين الأصحاب، فلا يجب غسل الشعر سواء كان مسترسلا أو محتقنا (1) بالمحلّ.

و يجب تخليل الشعر المانع و غيره من سائر الموانع كالخاتم و السوار و الدواء المطلّي على العضو و نحوها، فيجري الماء تحتها.

و الوجه في الأخير واضح.

أمّا الأوّل فيحتج عليه بدلالة الأخبار على وجوب غسل الجسد، و هو خارج عنه.

و في ظاهر المعتبر (2) و الذكرى (3) حكاية الإجماع عليه. و عن ظاهر المفيد (4) وجوب غسل الشعر حيث قال عند بيان غسل المرأة: و إذا كان الشعر مشدودا حلّته.

و استشكل (5) غير واحد من متأخر المتأخرين، بل حكى صاحب الحدائق (6) عن بعض محقّقي مشايخه تقوية القول بالوجوب، و جعله موافقا للفتوى (7) و الاحتياط.

و الوجه في الإشكال احتمال دخوله الجسد و لو تبعا كما حكموا به في الوضوء، لدخوله في محلّ الفرض أو لكونه من توابع اليد.

____________

(1) في (ب) و (د): «مختصا».

(2) المعتبر 1/ 194.

(3) الذكرى 2/ 236.

(4) المقنعة: 54.

(5) زيادة في (د): «فيه».

(6) الحدائق الناضرة 3/ 90.

(7) هذا كما في (د)، و في (ألف): «للتقوى» كما قد يقرأ كذلك في (ب)، و في المصدر المطبوع: «للتقوى».

141

الغسل حينئذ حاصلة بحسب الماء) (1).

و ربّما يعتبر فيه حينئذ الوحدة الحقيقيّة لإمكانها فيه لا شاهد عليه.

و إن جعل مجرّد الارتماس غسلا لم يبعد اعتبار الدفعة العرفية؛ إذ هي المفروض [من] ظاهر العبارة عرفا (مضافا إلى فهم الجماعة و تأيّده بالاحتياط.

ثمّ إنّ ظاهر الأخبار المذكورة سقوط الترتيب مع الارتماس كما هو) (2) ظاهر الأصحاب من الشيخ اعتبار الترتيب حكما.

و حكاه في المبسوط (3) عن بعض الأصحاب أيضا.

و فسّر بوجهين:

أحدهما: وجوب قصد الفاعل في الترتيب بأن ينوي أوّلا غسل رأسه ثمّ جانبه الأيمن ثمّ الأيسر.

و يظهر من الفاضلين حمل كلامه ظاهرا عليه.

ثانيهما: أن يكون المقصود وقوفه مرتبا في الواقع و إن لم ينوه. و هو الّذي صرّح به في الاستبصار (4) حيث قال: لأنّ المرتمس يترتّب حكما و إن لم يترتّب فعلا؛ لأنّه إذا خرج من الماء حكم له أوّلا بطهارة رأسه ثمّ جانبه الأيمن ثمّ جانبه الأيسر احتمل سقوط اعتبار الترتيب فيه.

و لا يذهب عليك أنّه لا يحكم في المرتب إلّا بتطهير الأعضاء دفعة، فقوله «بطهارة الأعضاء مرتبا» لا يلائم ذلك إلّا أن يقال: إنّه أراد بالطهارة سببها، فكأنّه قال: حكم عليه بغسل رأسه أوّلا أو يقال: إنّه أراد تنزيل ذلك منزلة الترتيب في الفعل المعتبر في المرتب، فيشتركان في الترتّب في الحمام.

____________

(1) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(2) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(3) المبسوط 1/ 29.

(4) الإستبصار 1/ 125.

142

و كيف كان، فالوجه في اعتبار الترتيب المذكور هو الجمع بين ما دلّ على اعتبار الترتيب في الغسل و ما أفاد الاكتفاء بمجرّد الارتماس، فأراد الجمع بينهما بالنحو المذكور.

و أنت خبير بأنّه لا معارضة بين الأخبار المذكورة بوجه ليحتاج إلى الجمع، بل الظاهر أنّ كلّا من الطريقين كيفية مستقلّة للغسل، فلا داعي إلى إرجاع أحدهما إلى الآخر.

ثمّ إنّه فرع على القول باعتبار الترتيب المذكور أمران:

أحدهما: عدم الحاجة إلى إعادة الغسل لو وجد لمعة منفصلة من أعضائه، فإنّه يكفي بغسله و غسل العضو الّذي بعده على القول به، و لا بدّ من إعادة الغسل بعدمه؛ لانتفاء الوحدة المعتبرة بفعله.

ثانيهما: برّ النذر بفعله إذا نذر الغسل ترتيبا بخلاف ما إذا لم يعتبر فيه الترتيب.

هذا، و لا يخفى عليك أنّ كلا من التفريعين المذكورين محلّ كلام، بل الأظهر عدم تفريعهما على القول المذكور كما يظهر بأدنى تأمّل.

143

تبصرة [تنبيهات حول الارتماس]

و هاهنا أمور ينبغي الاشارة إليها:

أحدها: هل يعتبر في صحة الارتماس الخروج من الماء ليلقي نفسه فيه دفعة أو صحّ (1) و إن كان في الماء؟

ظاهر الأصحاب الثاني حيث لم يذكروا ذلك في شرائطه، و هو ظاهر الأخبار.

و الأوّل مختار جماعة من المتأخرين منهم صاحب الذخيرة (2) (3)، كأنّه لتوهّم عدم صدق الارتماس من دونه.

و هو بمكان من الضعف؛ إذ من البيّن صدقه حال الكون فيه.

نعم، الظاهر عدم صدقه مع كون جميع البدن تحت الماء كما هو ظاهر من ملاحظة العرف و إن أسفل الماء إلى مكان أسفل. و دعوى صدقه إذن كما احتمله (4) بعضهم بعيد جدا بل الظاهر اعتبار خروج الرأس كلّه أو أكثره من الماء، فالقول باعتبار الخروج فيه خاصّة غير بعيد إلّا أن الأظهر عدم اعتباره أيضا لحصول المعنى المقصود مع دخوله في الماء أيضا؛ إذ الغرض استيلاء الماء على جميع البدن، و هو حاصل به سيّما إذا قلنا بحصول الغسل و (5) الارتماس عند استيلاء الماء على الأعضاء، فإنّ كون الاستيلاء عن رمس ممّا لا دخل له في تحقّقه. و لذا يكتفى بحصوله من دونه كما في الوقوف تحت المطر الغزير كما سيجيء.

____________

(1) في (د): «يصحّ».

(2) زيادة في (د): «و».

(3) ذخيرة المعاد 1/ 56.

(4) في (ب): «احتمل».

(5) في (د): «في».

144

هذا، و قد نصّ على الاكتفاء بما قلناه جماعة من متأخري المتأخرين، و هو ظاهر جماعة آخرين أيضا منهم العلامة و الشهيد (1) حيث ذكروا في مسألة غسالة الجنب حتّى الغسل اذا نواه بعد الارتماس في الماء، بل ذكر في الحدائق (2): أنّه لو نواه بعد تمام الارتماس في الماء، فإنّه يصح غسله إجماعا. ففي ذلك تأييد لما رجّحناه.

ثانيها: هل يحصل الغسل في الارتماس بدخول الأعضاء في الماء أو يتوقف حصوله على استيلائه على جميع البدن؟

وجهان.

و يتفرّع عليهما مسألة النيّة، و أنّه لو عرض مانع من طين و نحوه بعد الدخول في الماء يبقى القول بصحّة الغسل على الأول بخلاف الأخير.

لا دلالة في الأخبار على تعيين شيء من الوجهين، و كلام كثير من الأصحاب مطلق في ذلك. و الّذي يتعقّل في النظر- نظرا إلى إطلاق الأخبار- (3) جواز الأمرين، و هو (4) الظاهر من جماعة من الأصحاب عند ذكر غسالة الجنب كما قدّمنا الإشارة إليه، و الأحوط نيّة الغسل عند كلّ من الأمرين، و لو نوى الغسل بمجرّد الرمس من دون تعيين قوي الاكتفاء به؛ أخذا بإطلاق الأخبار.

و لا يخلو عن تأمّل.

ثالثها: في إجراء حكم الارتماس بالوقوف تحت المطر الغزير

بحيث يستوعب جميع البدن وجهان؛ من خروجه عن اسم الارتماس، و من كونه بمنزلته.

و إطلاق عدّة من الأخبار كصحيحة علي بن جعفر: عن الرجل يجنب هل يجزيه من غسل الجنابة أن يقوم في المطر حتّى يغسل رأسه و جسده، و هو يقدر على ما سوى ذلك؟

____________

(1) في الذكرى 1/ 104.

(2) الحدائق الناضرة 1/ 454.

(3) في (ألف): «الأخبار على».

(4) في (ألف): «هو».

145

فقال: «إن كان يغسله اغتساله بالماء أجزأه ذلك» (1).

و روى علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه قال: سألته عن الرجل تصيبه الجنابة لا يقدر على الماء فيصيبه المطر أ يجزيه ذلك أو عليه التيمّم؟ فقال: «إن غسله أجزأه، و إلّا تيمّم» (2).

و في المرسل، عن الصادق (عليه السلام): في رجل أصابته (3) جنابة فقام (4) في المطر حتّى سال على جسده أ يجزيه ذلك عن الغسل؟ قال: «نعم» (5).

و قد يستشكل فيه من جهة كون الإلحاق قياسا و الإطلاقات المذكورة منزّلة على غسل الترتيب؛ لما دلّ على اعتبار الترتيب من الأخبار و الإجماع إلّا أنّ الأخذ بظاهرها مع التأيّد بالاعتبار المذكور أظهر؛ إذ ما ذكر كيفيّة أخرى للغسل، فلا معارضة توجب الحمل.

و فيه تأمّل.

رابعها: نصّ غير واحد من الأصحاب بأفضلية الترتيب على الارتماس.

و لم نجد في الأخبار ما يدلّ عليه صريحا.

و قد تستدل له بأنّه المعروف من فعل المعصومين (عليهم السلام) و أنّ المستفاد من الأخبار أنّ (6) الترتيب هو الأصل في وضع الغسل حيث فسّر الغسل في عدّة أخبار بالمرتّب، و المذكور في أخبار الارتماس أنّه يجزيه عن غسله، و هو ظاهر في كون ذلك على خلاف أصل وضعه (7).

و ظاهر المفيد (8) كراهة الارتماس في الماء الراكد، قال: إنّه (9) إن كان قليلا أفسده و إن كان

____________

(1) الإستبصار 1/ 125، باب سقوط فرض الوضوء عند الغسل من الجنابة ح 7.

(2) وسائل الشيعة 2/ 232، باب كيفية غسل الجنابة و ارتماسا، ح 11.

(3) في مخطوطات الأصل: أصابه. و ما أدرجناه من المصدر.

(4) في مخطوطات الأصل: فقال. و ما أدرجناه من المصدر.

(5) الكافي 3/ 44 باب صفة الغسل و الوضوء قبله، ح 7.

(6) زيادة: «أنّ» من (د).

(7) في (ألف): «الأصل و منعه» بدلا من «أصل وضعه».

(8) المقنعة: 54.

(9) لم ترد في (ب): «قال إنّه ... المذكورة».

146

كثيرا خالف السنّة. و هو ظاهر الشيخ في التهذيب (1) عند شرح العبارة المذكورة.

و احتجّ له على الأوّل بأنّ الجنب حكمه حكم النجس، فإذا لاقى القليل فسد. و كأنّه أراد بذلك خروجه عن الطهوريّة بالاغتسال فيه؛ إذ لا قائل في الطائفة بظاهر ما ذكره.

و على الثاني بصحيحة ابن بزيع: كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء أو يستقى فيه من بئر فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الّذي لا يجوز؟ فكتب (2): «لا توضّأ من مثل هذا إلّا من ضرورة إليه» (3) قال: قوله «لا توضّأ ..» إلى آخره، يدلّ على كراهة النزول (4) بينه، و إلّا لما قيّد الوضوء و الغسل منه بحال الضرورة.

و لا يذهب عليك ما يرد على كلّ من الوجهين؛ إذ لا يصلح شيء منهما لإفادة كراهة الاغتسال فيه (أوّلا. نعم، يمكن الاستدلال بالأخير على كراهة الاغتسال فيه بعد الاغتسال فيه) (5) سواء كان الغسلان مرتبين أو ارتماسيين، و هو غير المدّعي. و كذا البدأة من الأعلى فيجوز الوجهان بلا خلاف فيه يظهر؛ أخذا بالإطلاقات، و ظاهر خصوص بعض الروايات.

و ربّما يظهر من بعض الأخبار اعتبار البدأة بالأعلى، و هي محمولة على بيان المغسول أو على الندب.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 149.

(2) لم ترد في (ب): «فكتب ... غير المدّعي».

(3) تهذيب الأحكام 1/ 150.

(4) هذا هو الصحيح، و في الأصل: «الرول».

(5) ما بين الهلالين أدرجت في المتن من (د).

147

تبصرة [في سائر شرائط الغسل]

يشترط في الماء و المكان و الآتية ما مرّ في الوضوء، و كذا الحال في سائر الشرائط الماضية هناك إلّا ما نشير إليه.

و لا يشترط فيه الموالاة بشيء من المعنيين بالإجماع و عدّة من الأخبار.

و هل يشترط تقديم إزالة النجاسة على الغسل أو على غسل العضو أو لا يشترط مطلقا؟

وجوه بل أقوال:

فالأوّل: محكي عن العلّامة في ظاهر القواعد و جماعة من الأصحاب.

و الثاني مذهب جماعة منهم الشهيد (1) و المحقق الكركي (2).

و الثالث محكي عن الشيخ في المبسوط (3) حتّى أنّه صرّح بصحّة الغسل مع بقاء نجاسة المحلّ.

و اختاره بعض المتأخرين.

و يمكن أن يحتجّ للأوّل بظواهر الأخبار الآمرة بإزالة النجاسة أوّلا، ثمّ الشروع في غسل الأعضاء العاطفة معهما ب«ثمّ» الدالّة على الترتيب. و قد يورد عليه باندراج ذلك في سلك جملة من المستحبّات كغسل اليدين أو المضمضة و الاستنشاق و نحوهما، فلا يفيد الوجوب.

و يضعّفه أنّ قيام الدليل على حمل غيره على الندب لا يدلّ على حمله عليه مع مخالفته للأصل.

____________

(1) البيان: 15.

(2) جامع المقاصد 1/ 279.

(3) المبسوط 1/ 29.

148

مضافا إلى أنّه ليس المنضمّ إليه من المندوبات في غير واحد منها سوى غسل اليدين.

و يحتجّ للثاني بأنّ كلّا من الخبث و الحدث سبب في وجوب الغسل، فلا يتداخلان و أنّ الماء القليل إذا ورد على المحلّ النجس ينجس به، فلا يقوي على رفع الحدث؛ لما دلّ على اعتبار طهارته.

و يضعّف الأوّل أنّ دعوى أصالة عدم التداخل مطلقا غير مسلّم، و إنّما يسلّم ذلك في خصوص العبادات، و ليس إزالة النجاسة من جملتها، و لذا يحصل من دون قصدها، و هو واضح.

و الثاني أنّه إنّما يجري في الماء المنفعل بالملاقاة دون المعتصم، و أن غاية ما يسلم من اعتبار الطهارة فيه إنما هو كونه طاهرا قبل الاستعمال لا بعده كما هو الشأن في إزالة الخبث، فلا ينافيه التنجس به كما هو المفروض.

نعم، يمكن القول بعدم الاكتفاء بإجرائه (1) إلى ما بعده مع تأمّل فيه بالنسبة إلى ما يعدّ معه استعمالا واحدا في العرف.

و الحجّة للثالث: الإطلاقات مع عدم قيام دليل على اعتبار شيء من الأمرين، بناء على تضعيف الحجّتين.

قلت: الروايات الواردة في المقام قد ورد في جملة منها الأمر بتطهير الفرج قبل الغسل، و في بعضها الأمر بغسل ما أصابه منه، فيعمّ الفرج و غيره.

و في الصحيح: «ثمّ اغسل ما أصاب جسدك من أذى ثمّ اغسل فرجك» (2).

و هذا يعمّ نجاسة المني و غيره، فالقول باختصاص الأخبار بنجاسة المني و بعد غيرها عن سياقها ليس على ما ينبغي، بل الظاهر شمول جميعها لنجاسة البول الحاصل في المحلّ، غاية الأمر أن يكون أكثرها شاملا لغيرهما من النجاسات.

و يتمّ الكلام فيها معا الفارق بين النجاسات، و القول بأنّ المني لثخانته سيّما بعد ... يحتاج

____________

(1) زيادة في (ب) و (د): «بعد تنجّسه».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 139.

149

إلى مزيد كلفة، بخلاف غيرها لا يصلح علّة للفرق؛ لعدم وجوب الموالاة في الغسل.

و كيف كان، فبعد حمل هذه الأخبار على ظواهرها من لزوم (1) تقديم الغسل على الغسل فينبغي الاقتصار على مواردها من كون الماء غير معتصم، و حينئذ فيبقى غيرها على حكم الأصل، و الغسل في الارتماس و إن كان خارجا عن مورد تلك الأخبار إلّا أنّ ورود (2) النجس عليه يوجب نجاسة الماء، فلا يصلح لإزالة النجاسة.

و هاهنا تأمّل بالنسبة إلى مورد الأخبار المذكورة أيضا؛ لعدم استبعاد حملها على الاستحباب.

نعم، القول بعدم الاجتزاء بغسل واحد للأمرين مع عدم اعتصام الماء غير بعيد؛ لما دلّ على اعتبار الطهارة في ماء الغسل، و لا ضرورة تدعو إلى استعمال النجس بالاستعمال كما مرّ في مسألة إزالة الأخباث.

____________

(1) لم ترد في (ب): «من لزوم ... فيبقى غيرها».

(2) لم ترد في (ب): «إلّا أنّ ورود ... الأخبار».

150

تبصرة [في الاستبراء قبل الغسل]

يستحب له الاستبراء قبل الغسل على الأظهر الأشهر بين الأصحاب. و عن جماعة من المتقدمين منهم الشيخ (1) و القاضي (2) و الحلبي (3) (4) و الطوسي (5) و ابن زهرة (6) و الكيدري القول بالوجوب.

و قد يستظهر ذلك أيضا عن جماعة أخرى كالصدوقين و المفيد (7) و الجعفي حيث ذكروا الاستبراء بصيغة الأمر الظاهر في الوجوب. و عزاه في الذكرى (8) إلى معظم الأصحاب. و نفى عنه البأس.

لنا: الأصل و خلوّ أكثر الأخبار الواردة في بيان غسل الجنابة عنه، و لو كان واجبا لما أهمل ذكره في تلك الأخبار. مضافا إلى خلوّ الآية الشريفة عنه، و أنّه ممّا يعم به البليّة، فلو كان واجبا لاستفاضت الأوامر الواردة به.

و اشتهر الدليل عليه، و أنّه المنساق من الأخبار الواردة في حكم البلل المشتبه الخارج

____________

(1) الظاهر أن المراد من الشيخ، هو الشيخ الطوسي، و قد كرّره المصنّف (قدّس سرّه) فيما يلي، و نقل ذلك عنه في المبسوط كما بيّنا في الهامش.

(2) المهذب 1/ 45.

(3) في (ب): «الحلّي»، و ما أدرجناه هو الصحيح.

(4) الكافي للحلبي: 133.

(5) المبسوط 1/ 29.

(6) غنية النزوع: 61.

(7) المقنعة: 52.

(8) الذكرى 2/ 230.

151

بعد الغسل حيث بين الحكم فيها في كلّ من صورتي البول و عدمه، الظاهر في جواز الأمرين.

حجة القول بالوجوب الصحيح: «تغسل يدك اليمنى من المرفقين إلى أصابعك و تبول إن قدرت على البول» (1)؛ نظرا إلى ظهور الطلب في الوجوب، و مضمرة أحمد بن هلال: «إنّ الغسل بعد البول إلّا أن يكون ناسيا» (2).

و في رواية الفقيه (3): «فإذا أردت الغسل من الجنابة فاجتهد أن تبول حتّى يخرج فضلة المني الّتي في إحليلك و إن جهدت و لم تقدر على البول فلا شيء عليك» (4).

و أنت خبير بأنّه لا ظهور تامّ لما ذكر في الوجوب، فحملها على الندب بقرينة ما مرّ هو الوجه.

و ربّما يحتجّ عليه بالروايات الدالّة على وجوب الغسل مع خروج البلل المشتبه بعد الغسل.

و وهنه ظاهر، إذ ذاك إنّما يدلّ على حصول الجنابة المستأنفة لخروج ذلك، لا على عدم صحّة الغسل، بل في تلك الروايات إشارة إلى عدم الوجوب كما أشير إليه.

و احتجّ عليه في الذكرى (5) بالمحافظة على الغسل من طريان المزيل و المطر إلى قوله:

المعظم، و الأخذ بالاحتياط.

و هو كما ترى.

ثمّ (6) إنّ المراد بوجوب الاستبراء إمّا الوجوب الشرعي، فيكون الشارع قد أوجب ذلك عند إرادة الغسل و إن صحّ الغسل لو أخلّ به، أو الشرطي ليناط به صحّة الغسل.

لم أر التصريح في كلامهم بشيء من الأمرين و إن كان إرادة الثاني أشبه بالمقام.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 132، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 54.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 145، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 101.

(3) في (د): «الفقه».

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 81.

(5) الذكرى 2/ 234.

(6) زيادة «ثم» من (د).

152

هذا، و اعلم أن استحباب الاستبراء إنّما هو في حق المنزل، أمّا المولج خاصّة فلا استبراء في حقّه.

و قد نصّ عليه جماعة منهم الفاضل و الشهيدان (1) و المحقّق الكركي. و إطلاق الأخبار منزّل عليه؛ لما هو المعلوم من كون العلّة فيه تنقية المخرج. و لا يفعل ذلك في مجرّد الإيلاج.

و من التعليل المذكور في بعضها من (2) أنّ البول لم يدع شيئا، مضافا إلى أنّه الغالب في الجنابات، فينصرف إليه الإطلاقات.

فتوهّم شمول الحكم للمولج أيضا كما يظهر من بعض المتأخرين حيث أورد على الجماعة بعموم الروايات و المنع من انتفاء الفائدة أو عسى أن ينزل و لا يطلع عليه فتحتبس في المجاري لكون الجماع مظنّة لنزول الماء موهون جدّا بأنّ الاحتمال المذكور ممّا يقطع بخلافه في الغالب.

على أنّه لا وجه لدوران أحكام الشرع مدار الاحتمالات البعيدة الخارجة من مجاري العادات.

و احتمل في الذكرى (3) استحباب الاستبراء مع احتمال نزول الماء؛ أخذا بالاحتياط، قال: أمّا وجوب الغسل بالبلل فلا؛ لعدم ارتفاع اليقين بالشك. و هو وجيه.

و لو شك في كون الجنابة من إنزال أو إدخال ففي جريان حكم الاستبراء وجهان، و المتّجه عدم جريان حكم البلل الخارج قبل الاستبراء؛ أخذا بالأصل إلّا أن يقال بأنّ قضية الإطلاقات وجوب الغسل بخروجه مطلقا، غاية الأمر خروج ما تحقّق كون جنابته عن غير الإنزال، فيبقى غيره مندرجا في الإطلاق.

و هو كما ترى.

و في انسحاب استحباب الاستبراء بالنسبة إلى المرأة قولان، اختار أوّلهما الشيخان في

____________

(1) الذكرى: 103.

(2) زيادة: «من» وردت في (د) فقط.

(3) الذكرى 2/ 234.

153

المقنعة (1) و النهاية (2).

و عن الشيخ في الجمل اختيار (3) الثاني. و إليه ذهب جماعة من المتأخرين. و هو الأقوى؛ لورود الأخبار في الرجل إلّا صحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة أوّل الباب، و ظاهر سياقها ورودها أيضا في الرجل؛ للتعليل الوارد فيها بأنّ البول لم يدع شيئا.

[و] من البعيد ما احتمله بعض المتأخرين من كون خروج البول بالنسبة إليها أيضا مفتيا للمني مع البول بين المخرجين.

و من الغريب ما ذكره من اختلاف المخرج في الرجل أيضا؛ نظرا إلى اشتراك المخرجين في سافل (4) الممرّ الّذي هو مظنّة بقاء الاجزاء بخلاف المرأة؛ إذ لا اشتراك فيها بوجه.

____________

(1) المقنعة: 52.

(2) النهاية: 21.

(3) في (ألف): «اختار».

(4) في (د): «أسافل».

154

تبصرة [في التسمية على الغسل]

يستحب التسمية على الغسل؛ للمستفيضة الدالّة عليه كرواية جابر الجعفي، عن الباقر (عليه السلام): «إذا توضّأ أحدكم أو أكل أو شرب أو لبس ثوبا أو كلّ شيء يصنع ينبغي أن يسمّي عليه، فإن هو لم يفعل كان الشيطان فيه شريكا» (1).

و بمعناها قويّة الفضيل (2)، عن الصادق (عليه السلام).

و نحوها قوية العلّامة عن (3) الفضيل عنه (4) (عليه السلام).

و روى نحوها مرسلا في مكارم الأخلاق عنه (عليه السلام).

و قد نصّ على استحباب التسمية في المقام شيخنا المفيد و القاضي، و حكي عن الجعفي.

و في رواية الفقه: «و تسمّي بذكر اللّه قبل إدخال يدك إلى الإناء» (5).

و ظاهر [ها] استحباب تقديم التسمية على إدخال اليد في الماء. و لا يبعد حصول الوظيفة بتأخيره أيضا إذا قارن بها أوّل أفعاله الواجبة.

و عدم ذكر كثير من الأصحاب لاستحبابه (6) في المقام لا يفيد تأمّلهم فيه. و كأنّهم لم ينبّهوا عليه؛ لخلو الأخبار المعروفة منه بالخصوص أو لاتّكالهم على ذكره في الوضوء؛ تنبيها بالأدنى

____________

(1) بحار الأنوار 77/ 328، باب التسمية و الادعية المستحبة، ح 16.

(2) المحاسن 2/ 430.

(3) في المصدر: عن العلاء بن الفضيل أو عن العلاء، عن الفضيل، بدلا من «العلّامة عن الفضيل».

(4) وسائل الشيعة 1/ 426، باب تأكد استحباب التسمية و الدعاء، ح 12.

(5) فقه الرضا (عليه السلام): 81.

(6) زيادة: «لاستحبابه» من (د).