تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
155

و ربّما يقال بحمل (1) ما دلّ على الاكتفاء بأقل من ذلك عليه ترجيحا لجانب المنطوق. و هو بعيد جدّا من سياق تلك الأخبار، سيّما ما دلّ على الاكتفاء بنصف الذراع.

و في صحيحة قرب الإسناد: «تغسل يدك اليمنى من المرفق إلى أصابعك» (2).

و هي تعطي الاكتفاء بغسل اليمنى خاصّة من المرفق، فيجوز في غسلها أيضا وجهان.

ثمّ إنّ قضيّة كثير من الإطلاقات الاكتفاء بالمرّة في حصول الوظيفة إلّا أنّ الوارد في المستفيضة تعيّن الثلاث، ففي الصحيح: كم يفرغ الرجل على يده قبل أن يدخلها الاناء؟ قال:

«واحدة من حدث البول و ثنتان من الغائط و ثلاث من الجنابة» (3).

فربّما يقال إذن بحمل (4) الإطلاق (5) على المقيّد لكنّ البناء على جواز الوجهين و أرجحيّة الأخير هو الأظهر.

و هل يختص استحباب الغسل بالأواني المتّسعة الرؤوس كالطشوت و نحوها ممّا يدخل اليد فيها أو يعمّ غيرها من الأواني الّتي يصبّ (6) الماء منها؟ وجهان.

و كذا الحال في جريانه بالنسبة إلى سائر المياه المعتصمة كالكر و الجاري و نحوهما من ورود بعض الأخبار في الأوّل، فيحمل إطلاق غيرها عليه حملا للمطلق على المقيّد، و من أن إطلاق تلك الأخبار يعطي إطلاق الحكم، و أنّه من وظائف الغسل، و ليس في غيرها دلالة على انتفاء الحكم من غير مواردها، غاية الأمر أن لا يدلّ على استحباب غيرها، فليس هناك تقييد في الحكم ليحمل الإطلاقات عليه.

فالأوجه إبقاء الإطلاقات على ظواهرها، و الحكم بإطلاق التوظيف في الصور المفروضة. و اختاره الفاضل و استحسنه في الذخيرة.

____________

(1) في (د): «يحمل»، و في (ألف): «مجمل».

(2) قرب الاسناد: 368.

(3) الكافي 3/ 12، باب الرجل يدخل يده في الاناء قبل أن يغسلها، ح 5.

(4) في (ألف): «يحمل».

(5) في (د): «المطلق».

(6) في (ألف): «يصيب».

156

تبصرة [في غسل اليد قبل إدخالها في الإناء]

يستحب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء مع طهارتهما بلا خلاف فيه. و الروايات به مستفيضة إلّا أنّ في بعضها ذكر اليد مفردة، و في بعضها ثنتاه. و هو شاهد على حمل الأوّل على الجنس.

نعم، في بعضها ذكر غسل اليمنى بالخصوص، و هو لا يمنع من استحباب غسل الأخرى إلّا أنّ المستفاد منها جواز الاقتصار عليه أيضا.

و ليس ببعيد، فيكون غسلهما معا أفضل.

ثمّ إن المغسول منهما هو مقدار الكفّ إلى الزند للحكم بغسل الكفّ أو الكفين في كثير من تلك الأخبار، و هو لا يشمل ما زاد عليه.

و في قويّة يونس- بل صحيحته- عنهم (عليهم السلام) الواردة في كيفيّة غسل الميّت أنّه «يغسل يديه ثلاث مرّات كما يغسل الانسان من الجنابة إلى نصف الذراع» (1) بناء على تعلّق المجرور إلى الغسل من الجنابة. و إن قلنا بتعلّقه بالأوّل ففي دلالته على ذلك إشكال؛ لاحتمال كون التثنية إذن في مطلق التثليث إلّا أن يقال بدلالة عموم التثنية عليه، فالظاهر إذن حمل ذلك على الأفضليّة.

و في الصحيح: «يبدأ بغسل يديه إلى المرفقين» (2).

و هو أيضا محمول على زيادة الفضل، فهناك مراتب ثلاث في تعيين المقدار المغسول.

____________

(1) الكافي 3/ 142، باب غسل الميت، ح 5.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 142، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 93، و فيه: «الجنب يغتسل يبدأ فيغسل يديه الى المرفقين قبل أن يغمسهما في الماء ..».

157

الأعلى كما أشار إليه في الذكرى (1).

و يستحب أيضا ذكره سبحانه في حال الغسل.

و في رواية الفقه: «من ذكر اللّه على غسله و عند وضوئه طهر جسده كلّه، و من لم يذكر اللّه طهر من جسده ما أصاب الماء» (2).

و لا يبعد شموله للدعاء، و قد روي دعوات عديدة للغسل، فعن الصادق (عليه السلام): «يقول في غسل الجنابة: اللهمّ (3) طهّر قلبى و اشرح لي صدري و أجر لساني مدحتك و الثناء عليك، اللهم اجعله لي طهورا و شفاء و نورا إنّك على كلّ شيء قدير» (4).

و يستحب الدعاء بعد الفراغ من الغسل بما ذكره الشهيد في النفلية: «اللهم طهّر قلبي و زكّ عملي و تقبّل سعيي و اجعل ما عندك خيرا لي اللهم اجعلني من التوابين و اجعلني من المتطهرين» (5).

و قد ذكره المفيد (رحمه اللّه) في المقنعة (6) أيضا لكن بإسقاط قوله «و تقبّل سعيي».

و في موثقة عمّار، عن الصادق (عليه السلام): «إذا اغتسلت من جنابة فقل ..» (7) و ذكر الدعاء بإسقاط قوله «و زكّ عملي»، و هي واردة في خصوص غسل الجنابة لكنّها غير صريحة في كون الدعاء بعد الغسل و إن كان ظاهر لفظها ذلك.

و يستحب المضمضة و الاستنشاق و تجزيه المرّة في كلّ منهما، و الأفضل تثليثهما.

____________

(1) الذكرى: 104.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 81.

(3) زيادة في (د): «طهّر قلبي و زكّ عملي و اجعل ما عندك خيرا لي». و ذكر الشيخ (قدّس سرّه) أنّه يستحبّ أن يقول عند الغسل: «اللّهمّ طهّرني و ..».

(4) قريب منه في باب غسل الزيارة، أما غسل الجنابة فورد في تهذيب الأحكام 1/ 146 هذا الدعاء: «اللهم تطهر قلبى و ذكّ عملي و تقبل سعيى و اجعل ما عندك خيرا لي».

(5) الألفية و النفليّة: 96.

(6) المقنعة: 54.

(7) وسائل الشيعة 2/ 254، باب استحباب الدعاء بالمأثور عند الغسل، ح 3.

158

و في الفقه الرضوي (1): و قد روي أن يتمضمض و يستنشق ثلاثا، و يروى مرّة مرّة تجزيه، و قال: «الأفضل الثلاثة».

و ما في عدّة أخبار من نفي المضمضة و الاستنشاق في الغسل محمول على نفي وجوبهما؛ لما توهّمه بعض العامّة أو المراد أنّهما ليسا من أفعال الغسل و إن استحبّا لأجله.

و يشير إليه ما في الفقه (2): «و إن لم يفعل فغسله تام»، و لا فرق في استحبابهما بين الغسل الترتيبي و الارتماسي.

و يستحب الاستظهار و المبالغة في غسل الأعضاء لحصول مزيد الاطمئنان بأداء الواجب، و قد دلّ عبارة الفقه على رجحان الاستظهار فيه إذا أمكن. و قد ورد في النساء الأمر بمبالغتهنّ في الغسل. و كأن تخصيصهن بالذكر من جهة شعور رءوسهنّ أو لوقوع المسامحة منهنّ أكثر من الرجال.

و قد نصّ جماعة من الأصحاب باستحباب تخليل ما لا يمنع من وصول الماء، و ربّما يستفاد ذلك من ظاهر بعض الأخبار.

و في الذكرى (3): و لو كان الشعر خفيفا و (4) لا يمنع استحب تخليله استظهارا.

و يستحب أيضا إمرار اليد على الجسد لما فيه من زيادة الاطمئنان لوصول الماء إلى الأعضاء، و للإجماع المحكيّ عليه في الخلاف و التذكرة (5).

و في المعتبر (6): إنّه اختيار علماء (7) أهل البيت (عليهم السلام).

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 81.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 82.

(3) الذكرى: 100.

(4) لم ترد في (د): «و».

(5) التذكرة الفقهاء 1/ 233.

(6) المعتبر 1/ 185.

(7) في المصدر فقهاء، بدلا من علما.

159

و في المنتهى (1): إنّه مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

و يدلّ عليه أيضا الزيادة المذكورة في كتاب المسائل في رواية عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) المرويّة صحيحا في التهذيب (2) و غيره الواردة في اغتسال الجنب بالوقوف تحت المطر من قوله: «إنّه ينبغي له أن يتمضمض و يستنشق، و يمرّ يده على ماء ثالث من جسده» (3).

و يومي إليه فحوى قوله (عليه السلام): «و لو أنّ رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأ [ه] (4) ذلك و إن لم يدلك جسده» (5).

و في ظاهر الفقه الرضوي دلالة عليه أيضا.

و يستحبّ أن يكون الغسل بصاع للمستفيضة الدالّة عليه و الإجماع المنقول، و لا يجب ذلك بإجماع علمائنا، و حكي عن أبي حنيفة القول بوجوبه، و الروايات من طرقنا ناصّة على خلافه.

و يستفاد من عدّة (6) أخبار الاكتفاء بصاع و مدّ لغسل الرجل و زوجته إذا اغتسلا معا من إناء واحد. و فصّل ذلك في صحيحة الفضلاء، عن الصادقين (عليهما السلام) قالا: «توضّأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بمدّ و اغتسل بصاع، ثمّ قال: اغتسل هو و زوجته بخمسة أمداد من إناء واحد. قال زرارة:

فقلت: كيف [صنع] (7) هو؟ قال: بدأ هو فضرب يده في الماء (8) قبلها و أنقى فرجه، ثمّ ضربت هي فأنقت فرجها، ثمّ أفاض هو و أفاضت هي (9) على نفسها حتّى فرغا فكان الّذي اغتسل به

____________

(1) منتهى المطلب 2/ 207.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 149، باب حكم الجنابة و صفة الطهارة منها ح 115.

(3) وسائل الشيعة 2/ 232، باب كيفية غسل الجنابة، ح 11.

(4) في المخطوطات الأصل: أجزأ. و ما أدرجناه من المصدر.

(5) تهذيب الأحكام 1/ 148.

(6) في (ألف): «هذه»، و عليه فيجب أن يكون بعده «الأخبار» بالألف و اللام، مع أنه لا يلائم المقام.

(7) في مخطوطات الأصل: «منع»، و ما أدرجناه من المصدر.

(8) في المصدر: «بيده بالماء» بدلا من «يده في الماء».

(9) ليس في المصدر «هي».

160

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ثلاثة أمداد و الّذي اغتسلت به مدّين، و إنّما أجزأ فيهما (1) لأنّهما اشتركا جميعا، و من انفرد بالغسل وحده فلا بدّ له من صاع» (2).

و الخبر الأخير محمول على تأكّد الاستحباب.

و هل المستحب هو البلوغ إلى هذا المقدار لستة الأسباع و إن زاد على المقدار المفروض أو أنّ المعتبر هو ذلك المقدار من دون زيادة عليه و لا نقيصة؟ وجهان، فظاهر جماعة من الأصحاب هو الثاني كما يستظهر ذلك من التحديد المذكور.

و نصّ الفاضلان على الأوّل، و ظاهر كلامهما دعوى الإجماع عليه، قال في المعتبر (3):

و الغسل بصاع فما زاد. و لا خلاف بين فقهائنا في استحبابه.

في المنتهى (4): الغسل بصاع فما زاد مستحب عند علمائنا أجمع.

و أسند ذلك في الذكرى (5) إلى الشيخ و جماعة، قال: و الظاهر أنّه مقيّد بعدم أدائه إلى السرف المنهي عنه.

و أنت خبير بأنّ الظاهر من الاغتسال بصاع وقوع الغسل بالمقدار المفروض، فلا يندرج فيه بحسب ظاهر اللفظ ما يزيد عليه، و إطلاق لفظ الصاع على الصاع فما زاد مجاز لا داعي إلى الحمل عليه.

نعم، قد يستفاد ذلك من الفحوى حيث إنّ المقصود به الصاع و هو كما يحصل بذلك يحصل بما فوقه بالأولى.

و فيه تأمّل.

و روى في الفقيه مرسلا عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إن الوضوء مدّ و الغسل صاع، و سيأتي أقوام

____________

(1) في المصدر: «عنهما».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 370.

(3) المعتبر 1/ 186.

(4) منتهى المطلب 2/ 210.

(5) الذكرى: 105.

161

بعدي يستقلّون ذلك فأولئك على خلاف سنّتي، و الثابت على سنّتى معي في حظيرة القدس» (1).

و يستفاد منه كراهة الزيادة إلّا أنّ مفادها ما إذا استعمل ذلك لا ما إذا حصلت على سبيل الاتفاق. و كيف كان، فحصول الحسنة مع الزيادة لا يخلو عن إشكال.

و هل يندرج فيه ماء الاستنجاء و غيره من الأداة؟ ظاهر صحيحة المعتضدة المتقدمة و غيرها ذلك، و يحتمل التفصيل بين ما يقارن الفعل و يدرج في أفعال الغسل و ما يفارقها كما إذا استنجى (2) أولا ثمّ اغتسل بعد مدّة طويلة.

و أمّا إزالة سائر النجاسات من البدن فالظاهر خروجها من ذلك. و لا يبعد بناء الأمر في ذلك على التخمين دون التحقيق، سيّما مع البناء على نفي الاستحباب مع الزيادة؛ إذ لا يصحّ العلم به إذن إلّا بالوزن أو الكيل. و الالتزام باعتبارهما في أداء السنّة بعيد جدا.

و لا فرق في ذلك بين غسل الجنابة و غيرها من الأغسال.

و يظهر من بعض الأخبار اعتبار الزيادة عليه في غسل الحيض، ففي (صا) (3) عن محمّد بن الفضيل قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الحائض كم يكفيها من الماء؟ قال: «فرق» (4).

و الفرق مكيال معروف بالمدينة تسع ستة عشر رجلا يكون ثلاثة أصواع، و على هذا فالبون بعيد بين هذا الغسل و غيرها من الأغسال.

و (5) يكره الاستعانة في الغسل على نحو ما مرّ في الوضوء.

و كذا يكره الوضوء بالماء المسخن في الشمس بالتفصيل الّذي مرّ بيانه، و كذا يكره عمله.

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 34.

(2) في (ألف): «سيجيء»، بدلا من «إذا استنجى».

(3) أي الإستبصار.

(4) الاستبصار 1/ 148.

(5) في (ألف): «أو».

162

[الفصل الثاني في سائر الأغسال]

البحث في بيان الأغسال المسنونة

و هي إمّا زمانيّة أو غيرها.

و الأخير إمّا غائيّة أو سببيّة.

و الأقوال إمّا أن يكون غايتها دخول المكان- و تسمّى مكانيّة- أو غيرها- و قد تسمّى فعليّة-، فهذه أقسام أربعة.

163

[تبصرة في أغسال الزمانية]

تبصرة [في غسل الجمعة]

من الأغسال الزمانيّة غسل الجمعة، و رجحانه في الجملة ممّا قام عليه إجماع الأمّة.

و لا فرق فيه بين آتي الجمعة و غيره عند أصحابنا، و لبعض العامّة قول باختصاصه بالأوّل. و هو باطل بإجماعنا.

و المعروف بين الأصحاب هو استحبابها، بل لا يظهر فيه مخالف (منهم من زمن المفيد إلى ما بعد زمن الشهيد الثاني، بل و لا يعلم فيه مخالف) (1). ممّن تقدّم على المفيد أيضا.

نعم، قد يعزى إلى الكليني (2) و الصدوقين (3) القول بالوجوب لعقده الباب في الكافي بعنوان الوجوب.

و ذكر الصدوق (4) في [...] (5) أنّه من السنّة الواجبة.

و أنت خبير بأنّ ذلك بمجرده لا يفيد ذهابهم إلى الوجوب؛ لعدم ثبوت اصطلاحهم فيه على المعنى الجديد، فلا يبعد حمله على إرادة مطلق الثبوت كما هو الوجه في جملة من الأخبار الواردة في المقام.

و كأنّهم عبّروا به محافظة على لفظ الأخبار الواردة فيه، و في كلمات الصدوق إشارات على ما قلناه.

____________

(1) ما بين الهلالين زيدت من (د).

(2) الكافي 3/ 41.

(3) علل الشرائع 1/ 285.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 111، الهداية: 102.

(5) هنا فراغ في النسخ المخطوطة الثلاثة.

164

و بالجملة فخلاف الجماعة فيه غير معلوم. و قد ذهب بعض متأخري المتأخرين إلى القول بالوجوب زعما دلالة الأخبار عليه مع ذهاب الجماعة المذكورين إليه. و مال إليه جماعة من المتأخرين كشيخنا البهائي (1) و مولانا التقي المجلسي و صاحب الذخيرة (2) و غيرهم.

و الحق هو الأوّل.

و يدلّ عليه بعد الإجماع عليه محصلا و منقولا في كلام جماعة كالخلاف (3) في غير موضع منه و الغنية (4) و ظاهر التهذيب و شرح الجمل (5)، و نفي الخلاف عنه في ظاهر الوسيلة (6) و السرائر (7)، الأصل مع عدم نهوض دليل على الوجوب كما ستعرف.

و القول بعدم صحة الإسناد إلى الأصل لإثبات الاستحباب كما يظهر من بعض، الأفاضل- نظرا إلى أنّ الثابت بالإجماع هو القدر المشترك بين الحكمين، و مع نفي الوجوب بالأصل ينتفي الرجحان الحاصل في ضمنه على فرضه؛ إذ لا بقاء للجنس مع انتفاء الفصل و أصل البراءة لا يقضي بكون الرجحان الثابت هو الحاصل في ضمن الاستحباب؛ إذ ليس شأنه إلّا نفي الحكم خاصّة- مدفوع بأنّ أصالة البراءة ليس من شأنها إفادة الواقع، و إنّما قضيّتها إثبات الحكم في الظاهر.

و من الظاهر ثبوت الاستحباب الظاهري بهما في المقام؛ إذ من (8) الحكم ببراءة الذمّة من الوجوب و القطع بحصول الرجحان فعلا كما هو معلوم بالإجماع- بل الضرورة- يثبت الاستحباب الظاهري، و إن احتمل كونه ظاهر [ا] واجبا في الواقع.

____________

(1) مشرق الشمسين: 335.

(2) ذخيرة المعاد 1/ 6.

(3) الخلاف 1/ 220.

(4) غنية النزوع: 62.

(5) الرسائل العشر: 167.

(6) الوسيلة: 54.

(7) السرائر 1/ 124.

(8) في (د): «مع».

165

و نظير ذلك كثير منها ما إذا قطع بإتلافه أحد شيئين لغيره مع اختلافهما في القيمة، فإنّه يحكم بضمانه لأقلّ القيمتين من جهة الأصل، مع أن الكلام المذكور بعينه جار فيه.

و يدلّ عليه أيضا عدّة من الروايات منها صحيحة علي بن يقطين: عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال: «سنّة و ليس بفريضة» (1).

و القول بأنّ السنّة أعم من الندب مدفوع بأنّ ظاهر السؤال وقوعه عن نفس الحكم لا عن خصوصيّة كونه ثابتا بالكتاب أو السنّة؛ إذ لا يتعلّق به غرض يعتدّ به.

مضافا إلى أن ذلك لم يكن يخفى على مثل علي بن يقطين مع جلالته ليحتاج إلى السؤال؛ لوضوح عدم وروده في الكتاب، و عدم توهّم أحد كونه فرضا بالمعنى المذكور.

مضافا إلى استحباب الغسلين الآخرين المنضمّين إليه إجماعا، فيشهد ذلك بكون الثالث أيضا كذلك، و أنه المراد بالسنّة؛ لاتّحاد الجواب عنها.

بل قد يدّعى أظهريّة السنّة في المندوب، فتحمل عليه إلا أن تقوم قرينة على خلافه.

و قريب من هذه الصحيحة صحيحة زرارة: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غسل الجمعة؟

فقال: «سنّة في السفر و الحضر إلّا أن يخاف [المسافر] (2) على نفسه القر» (3) (4).

و يقاربهما مرسلة المفيد عن الصادق (عليه السلام): «غسل الجمعة و الفطر سنّة في السفر و الحضر» (5).

و منها: رواية علي بن حمزة، عن غسل العيدين أ واجب هو؟ فقال: «هو سنّة». قلت:

فالجمعة؟ قال: «هو سنّة» (6).

و دلالتها على المطلوب أوضح من الأخبار السابقة، كما لا يخفى.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 112.

(2) ما أدرجناه من المصدر.

(3) في مخطوطات الأصل: «القود»، و لا معنى له. و ما أدرجناه من المصدر.

(4) تهذيب الأحكام 3/ 9.

(5) المقنعة: 158.

(6) الكافي 3/ 41، باب وجوب غسل يوم الجمعة، ح 1.

166

و منها: قوية الفضل، عن الرضا (عليه السلام) فيما كتب للمأمون من شرائع الدين غسل يوم الجمعة سنّة و عدّ عدّة من الأغسال و قال: «هذه الأغسال سنّة، و غسل الجنابة فريضة، و غسل الحيض مثله» (1).

و يدلّ على كون السنّة فيها بمعنى النّدب مضافا إلى بعض الوجوه السابقة الحكم بكون غسل الحيض فريضة مع عدم ثبوته بالكتاب، فيدلّ على كون الفرض فيه بمعنى الواجب، فيكون السنّة فيه بمعنى النّدب.

و نحوها صحيحة يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق (عليه السلام) قال: «الغسل في سبعة عشر موطنا، منها: الفرض ثلاثة». فقلت: جعلت فداك ما الفرض منها؟ قال: «غسل الجنابة و غسل من مسّ ميتا و غسل الإحرام» (2).

و الظاهر اندراج غسل الجمعة في الباقي؛ إذ هو من الأغسال المعروفة المتداولة أقسامه على الرجال و النساء بعد تركه في المقام.

و عدّ منها غسل الجمعة، ثم قال: «و الفرض من ذلك غسل الجنابة و الواجب غسل الميّت و الإحرام و الباقي سنّة» (3).

و هو صريح في الاستحباب، و فيه شهادة على كون السنّة في سائر الأخبار بمعنى الندب لكشف الأخبار بعضها عن بعض و فيها أيضا.

و قد روي: «أن الغسل أربعة عشر وجها: ثلاث منها غسل واجب مفروض ..» إلى أن قال: «و أحد عشر غسلا سنّة» و عدّ منها غسل الجمعة (4).

و منها: ما دلّ على أن غسل الجمعة جعل تتميما للوضوء كما جعلت النوافل تتميما

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 305، باب حصر انواع الغسل و اقسامه، ح 6.

(2) الإستبصار 1/ 98.

(3) بحار الأنوار 78/ 13، باب علل الأغسال و ثوابها، ح 16.

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 83.

167

للفرائض و صيام النافلة متمما (1) لصيام الفريضة كالقوي المتكرّر في عدّة من الأصول المعتبرة:

كيف صار غسل الجمعة واجبا؟ فقال: «إنّ اللّه تعالى أتمّ صلاة الفريضة بصلاة النافلة و أتمّ صيام الفريضة بصيام النافلة و أتمّ وضوء الفريضة بغسل يوم الجمعة» (2).

و سياق الرواية كالصريح في الاستحباب.

و منها: رواية جابر عن الباقر (عليه السلام): «ليس [عليها] (3) غسل الجمعة في السفر و يجوز لها تركه في الحضر» (4) لدلالتها على عدم وجوب الغسل عليهنّ، مطلقا. فيفيد عدم وجوبه على الرجال أيضا لعدم القائل بالفصل.

و منها: خبر أبي البختري، عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن جدّه، عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال لعلي (عليه السلام): «يا علي! على الناس في كلّ سبعة أيام الغسل، فاغتسل في كلّ جمعة و لو أنّك تشترى الماء بقوت يومك و تطويه، فإنّه ليس شيء من التطوع أعظم منه» (5).

و في غير ما ذكرناه من الأخبار أيضا أخبار عدة تشهد للاستحباب كما لا يخفى على المتتبّع.

و ما في بعض هذه (6) من الضعف في الإسناد مجبور بالأصل، و حمل الأصحاب بل الإجماع و اعتضاد بعضها بالبعض، مضافا إلى أنه لو كان الغسل المذكور واجبا لما كان يخفى على آحاد الورى؛ لعموم البلوى به و تكرّره في كلّ أسبوع، بل كان حاله في الوجوب أوضح من غسل الجنابة مع أنّ الأمر فيه بالعكس؛ إذ لو تنزّلنا عن دعوى الاتفاق على الندب فلا أقلّ من الشهرة العظيمة القريبة من الإجماع.

و قد استفاض نقل الشهرة عليه في كلامهم، و قد نصّ عليها في المختلف و كشف الالتباس

____________

(1) في (ألف): «متمماة».

(2) الكافي 3/ 42، باب وجوب الغسل يوم الجمعة، ح 4.

(3) في مخطوطات الأصل: «على النساء». و ما أدرجناه من المصدر.

(4) الخصال: 586.

(5) بحار الأنوار 78/ 129، باب فضل غسل الجمعة، ح 18.

(6) زيادة في (د): «الأخبار».

168

و كشف اللثام و الذخيرة و البحار و غيرها.

فبملاحظة ذلك كلّه لا ينبغي مجال لاحتمال الوجوب كما لا يخفى.

حجة القول بالوجوب: الروايات المستفيضة المشتملة على المعتبرة:

منها: الروايات الحاكمة بوجوبه كالصحيح: «الغسل يوم الجمعة على الرجال و النساء في الحضر و على الرجال في السفر».

و الموثّق عن غسل الجمعة؟ فقال: «واجب في السفر و الحضر إلّا أنه [رخص] (1) للنساء في السفر لقلّة الماء» (2).

و الخبر أو الصحيح: عن الغسل يوم الجمعة؟ فقال: «واجب على كلّ ذكر و أنثى عبد أو حرّ» (3).

و منها: الصحيح: عن النساء أ عليهنّ غسل يوم الجمعة؟ فقال: «نعم» (4).

و في آخر: «اغتسل يوم الجمعة إلا أن تكون مريضا أو تخاف على نفسك» (5).

و في المرسل: «لا يترك غسل الجمعة إلا فاسق» (6).

إلى غير ذلك من الأخبار، و هي كما ترى غير واضحة الدلالة على الوجوب؛ لعدم صراحة لفظ الوجوب في الوجوب المصطلح، بل و لا ظهوره فيه، فهي بأجمعها محمولة على الندب بقرينة تلك الأخبار، و فهم الأصحاب منها ذلك و هو كاف في المقام.

مضافا إلى اعتضادها بما عرفت من الأصل و الإجماع و عمل الطائفة و غيرها ممّا مرّ.

____________

(1) في مخطوطات الأصل: «أرخص». و ما أدرجناه من المصدر.

(2) الكافي 3/ 40، باب انواع الغسل، ح 2.

(3) الكافي 3/ 41، باب وجوب الغسل يوم الجمعة، ح 1.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 112.

(5) تهذيب الأحكام 3/ 238.

(6) بحار الأنوار 78/ 129، باب فضل غسل الجمعة، ح 17.

169

تبصرة [في وقت غسل الجمعة]

الأظهر أنّ وقت غسل الجمعة من طلوع الفجر الثاني إلى الزوال.

أما الأول (1) فلا خلاف فيه بين الأصحاب، و يدل عليه الإجماع محصّلا و منقولا في الخلاف (2) و غيره، و الإطلاقات و خصوص المستفيضة، منها: الصحيح: «إذا اغتسل بعد الفجر للجمعة؟ قال: «نعم» (3).

و أما الثاني (4) فهو المعروف بين الأصحاب. و به أفتى الشيخ (5) و القاضى و الحلّى (6) و الفاضلان و ابن سعيد و الشهيدان (7) و ابن فهد (8) و الصيمرى و المحقّق الكركى و غيرهم.

و يتراءى من ملاحظة عبائرهم في المقام أقوال أخر في المسألة.

منها: تحديد آخره بما قبل الزوال. و ربّما يستفاد ذلك من عبارة الشيخ في طهارة الخلاف (9) حيث قال: يجوز غسل الجمعة من عند طلوع الفجر يوم الجمعة إلى قرب الزوال و (د) (و احتجّ عليه بإجماع الفرقة. و نحوه عبارة الصدوق في الفقيه حيث ذكر فيه من وقت

____________

(1) أي أن بداية وقت غسل الجمعة طلوع الفجر الثاني (الفجر الصادق).

(2) الخلاف 1/ 220.

(3) الكافي 3/ 418، باب تزين يوم الجمعة، ح 8.

(4) أي أن نهاية وقت غسل الجمعة هي الزوال.

(5) النهاية: 104.

(6) السرائر 1/ 124.

(7) مسالك الإفهام 1/ 105.

(8) المهذب البارع 1/ 189.

(9) الخلاف 1/ 220.

170

طلوع الفجر يوم الجمعة إلى قرب الزوال) (1).

و لا يبعد حملها على ما هو الغالب من إيقاع ذلك قبل الزوال بشىء يسير؛ إذ اتصاله بالزوال بعيد جدّا؛ إذ ربّما يكون في تأخره كذلك وقوع بعض أجزائه بعد الزوال.

و منها: تحديده بصلاة الجمعة. و هو الظاهر من الشيخ في صلاة الخلاف (2) حيث قال:

وقت غسل [يوم] (3) الجمعة ما بين طلوع الفجر الثاني إلى أن يصلّى الجمعة.

ثمّ احتج على ذلك أيضا بإجماع الفرقة. و الأظهر ارجاعه إلى المشهور بحمله على أوّل وقتها المحدود بالزوال. و يشهد له في عبارته الاولى مع حكايته الإجماع في المقامين و البناء فيه على العدول لا يخلو عن بعد، بل في حكايته المذكورة إشارة إلى كون المقصود من كلامه ما هو المشهور.

و منها: امتداد الوقت بامتداد النهار. و ربّما يستفاد ذلك من إطلاق جماعة من القدماء كما في المقنعة و جمل الشيخ و الاقتصاد و المراسم و الكافي و الوسيلة و الغنية و بعض كتب العلامة و الشهيد.

و في المدارك: لو لا الإجماع المنقول أو عدم وجود القائل لكان القول به متعيّنا.

و في الذخيرة و البحار و غيرهما الميل إليه.

و عن العلامة في التحرير (4) أن الأقرب بعد ظهر الجمعة نية القضاء.

و فيه إشارة إلى حصول احتمال بل قول آخر.

و لا يبعد حمل الإطلاقات المذكورة على ما هو المشهور، فكأنهم اتّكلوا في ترك التقييد على ما هو المتعارف الشائع.

بقي الكلام في ميل الجماعة المذكورة، و هو لا يقدح في الإجماع؛ إذ من عادة هؤلاء

____________

(1) لم ترد ما بين الهلالين في (ألف).

(2) الخلاف 1/ 612.

(3) ما أدرجناه زيادة من المصدر.

(4) تحرير الأحكام 1/ 87.

171

الجماعة التأمل فيما ذكره الأصحاب مع عدم وضوح المستند في (1) أنظارهم كما زعموه في المقام، مع أنّ في جملة من الأخبار إشارة إليه:

منها: موثّقة سماعة: في الرجل لا يغتسل يوم الجمعة أوّل النهار؟ قال: «يقضيه في آخر النهار، فإن لم يجد فليقضيه يوم السبت» (2).

بناء على ظهور القضاء فيما قابل الأداء سيّما مع مقارنته بالقضاء يوم السبت مع القطع بخروجه عن الوقت الموظف.

و منها: موثقة عبد اللّه بن بكير: عن رجل فاته الغسل يوم الجمعة؟ قال: «يغتسل ما بينه و بين الليل فإن فاته اغتسل يوم السبت» (3) بناء على حمل السؤال على فواته في الوقت المعهود لإتمام النهار كما دلّ عليه الجواب.

و حمله على الأخير يوجبه الجواب بإرادة ما بينه و بين آخر الليل بعيد من العبارة، و المعنى الأول أقرب إليها جدّا.

و مع حملها على ما ذكرنا- كما هو الظاهر منها- دلّ على خروج الوقت بانقضاء الزمان المعهود آخذا بظاهر لفظ «الفوات» مع تقرير الإمام عليه، بل هو أظهر من مطلق التقرير لمكان عود الضمير إلى الجواب إلى الرجل الذي فاته الغسل يوم الجمعة، فيكون بمنزلة كونه من كلام الإمام.

و قريب من هذه الرواية مرسلة الصدوق، عن الصادق (عليه السلام): «إن نسيت الغسل أو فاتك لعلّة فاغتسل بعد العصر أو يوم السبت» (4)، بل هي أظهر من جهة أخرى.

و منها: ما دلّ على بيان الحكمة في (5) غسل الجمعة، فإنها يشبه في كون وضعه قبل الصلاة

____________

(1) في (ألف): «و» بدل «في».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 113.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 113.

(4) الهداية: 103.

(5) زيادة في (د): «وضع».

172

أو الزوال.

و منها: رواية أبي بصير، عن الرجل يدع غسل الجمعة ناسيا أو متعمّدا؟ فقال (عليه السلام): «إذا كان ناسيا فقد تمّت صلاته و إن كان متعمّدا فليستغفر اللّه و لا يعد» (1).

فإنها ظاهرة بل صريحة في تقديمه على الصلاة.

و خبر مرسل عن أبي الحسن (عليه السلام)، و قد مرّت الإشارة إليها.

فبملاحظة هذه الروايات مع اعتضادها بعمل الأصحاب و الإجماع المحكي- بل المعلوم كما يظهر من فتاواهم حتى أنه حكي عليه في المعنى إجماع الناس مؤذنا باتفاق العامة و الخاصة عليه- يظهر قوة ما ذكرناه، مضافا إلى تأيّده بالاحتياط، فيقيّد بها سائر الإطلاقات، و (2) لا تعارضها ما في الصحيح: «كان أبي يغتسل للجمعة عند الرواح».

بناء على كون الرواح عديل الصباح؛ إذ الظاهر- بل المتعيّن- كونه بمعنى الرواح إلى الجمعة؛ إذ هو المنساق من العبارة، و أنّ ظاهرها مداومة على ذلك، و لا سيّما في التأخير فيداوم عليه.

فيظهر من جميع ذلك ضعف القول بامتداده طول النهار. و يضعّف الوجهان الأخيران (3) مع عدم ظهور قائل بهما، عدم انضباط الأول، فلا يليق بالتحديدات الشرعية، و مخالفته للأصل و الإطلاقات مع عدم ظهور دليل عليه سوى ما قد نصّ دلالته عليه من قوله (عليه السلام) في صحيحة زرارة: «و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال» (4).

و فيه: أنها محمولة على إرادة التقديم اليسير من جهة الاطمئنان بوقوع جميعه قبل الزوال.

و يؤيده ما دلّ في الصلاة و اختلاف الناس في اجتماع الشرائط و عدمه مع عدم اشتراط

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 1/ 116.

(2) زيادة «و» من (د).

(3) كذا، و الصحيح: «الوجهين الأخيرين».

(4) الكافي 3/ 417، باب التزين يوم الجمعة، ح 4.

173

الغسل بشيء منها.

و ما يستفاد من عدة من الأخبار من ارتباط الصلاة بالغسل المذكور لا يفيد بقاء وقته بعد الزوال أيضا، مع أن الأغلب إيقاع الصلاة في أول الزوال.

هذا، و اعلم أنه قد نصّ جماعة من الأصحاب منهم الشيخان (1) و القاضي (2) و الحلي (3) و الفاضلان (4) و الشهيدان أنه كلّما قرب الغسل من الزوال كان أفضل. و عن ظاهر الخلاف و تذكرة الفقهاء (5) الإجماع عليه.

و ليس في الأخبار ما يفيد ذلك بصريحه (6) سوى ما في الفقه الرضوي (7)؛ لوقوع العبارة المذكورة فيه بعينه، و هو كاف في إثباته مع فتوى الجماعة به، و التسامح في أدلة السنن.

و قد أفتى والد الصدوق بذلك في الرسالة فيما حكاه عنه ولده في الفقيه.

و قد ذكر الشهيد رجوع الأصحاب على فتاويه عند إعواز النصوص به (8)، مضافا إلى إشارة التعليل المذكور إليه.

و يومى إليه قوله في الصحيحة المتقدمة «و ليكن فراغك من الغسل قبل الزوال» لظهور القبليّة فيما يقاربه، و للصحيحة الأخرى: «كان أبي يغتسل ..» (9) إلى آخره، بناء على أن الغالب فيه الرواح قريب الزوال.

نعم، لو أراد البكور إلى المسجد لم يبعد القول باستحباب تقديمه عليه ليكون في المسجد

____________

(1) النهاية: 104.

(2) المهذب البارع 1/ 101.

(3) السرائر 1/ 124.

(4) كشف اللثام 1/ 137.

(5) تذكرة الفقهاء 2/ 141.

(6) زياده: «بصريحه» من (د).

(7) فقه الرضا (عليه السلام): 129.

(8) لم ترد في (ب): «به».

(9) وسائل الشيعة 3/ 317، باب استحباب غسل الجمعة في السفر و الحضر، ح 22.

174

على أتم الطهور، و لئلا يحتاج إلى الخروج لأجل الغسل مع ما فيه من الزحمة في الجوامع العظام.

و في غير واحد من الأخبار دلالة عليه كقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «من اغتسل يوم الجمعة ثم بكّر [و ابتكر، و مشى و لم يركب] (1) و دنى من الإمام و استمع و لم يلغ كان له بكلّ خطوة عمل سنة أجر صيامها و قيامها» (2).

و لو كان له حاجة إلى الخروج قبل الزوال لم يبعد إذن استحباب التأخير؛ للإطلاق المتقدم. و لو اتّفق له ذلك مع تقديم الغسل على البكور، لم يستحب له الإعادة.

____________

(1) ما أدرجناه زيادة من المصدر.

(2) بحار الأنوار 78/ 127، باب فضل غسل الجمعة، ح 13.

175

تبصرة [في قضاء الغسل]

لو فاته الغسل في الوقت المقدر استحب قضاؤه في [...] (1) بلا خلاف فيه بين الطائفة.

و قد دلّ عليه النصوص المستفيضة.

نعم، يوقع الكلام فيه في أمور:

أحدها: في وقته، فقيل: إنه من الزوال إلى ليلة السبت، ثم من أوّل يوم السبت إلى آخر النهار. ذهب إليه جماعة منهم الشيخ و الحلي و الفاضلان و ابن سعيد و الشهيد.

و قيل بانضمام ليلة السبت إلى ذلك أيضا. و اختاره الفاضل في القواعد و الشهيد في غير واحد من كتبه، و ابن فهد و المحقّق الكركي و الشهيد الثاني و غيرهم.

و قيل باختصاصه يوم السبت. حكي القول به عن القاضي. و (2) هو ظاهر الفاضلين و الشهيد في الشرائع و التلخيص و النفلية. و وجّه الشهيد الثاني في شرح النفلية ذلك بأنه الموجود في النصوص، و لذا اقتصر عليه.

و هو غريب.

و قيل بانضمام بعد العصر من يوم الجمعة إلى يوم السبت. و حكي القول به (3) عن ظاهر الصدوقين.

و الأقوى هو الأول؛ للموثقتين المتقدمتين. و ظاهرهما سيّما الثانية ثبوت القضاء بعد النهار مطلقا، فالقول باختصاص القضاء بيوم السبت ساقط جدا، و الأمر بقضائه يوم السبت

____________

(1) هنا نقص أو سقط في النسخ المخطوطة.

(2) زيادة الواو من (د).

(3) في (ألف): «القولين» بدل «القول به».

176

لا يقضي بعدم ثبوته يوم الجمعة.

و البناء باختصاصه القضاء بما بعد العصرية أيضا مدفوع بالإطلاق. و المرسلة المنقولة في الهداية (1) من الأمر بالاغتسال بعد العصر أو يوم السبت لا يفيد عدم المشروعية قبله.

و يمكن حملها كعبارة الصدوقين على ما هو الغالب من وجود الموانع من الاغتسال بعد الزوال من الاشتغال بالصلاة و التعقيب و نحوهما.

و ثبوته ليلة السبت لم يقم عليه دليل؛ لاختصاص الروايات بالسبت و الجمعة.

و الأولوية المدعاة في محل المنع سيّما مع المخالفة للوقت المضروب.

و دعوى استصحاب جواز الفعل فاسد لثبوت الحكم فيما قبله مقيّدا، فلا يصح استصحابه.

و شمول يوم السبت له بناء على إرادة مجموع اليوم و الليلة منه لا وجه له مع عدم قيام قرينة عليه. و قد عرفت بما ذكرنا الوجه في الأقوال الأخر و ضعفها.

ثانيها: مناط تشريع القضاء هل هو مطلق الفوات سواء كان عمدا أو سهوا أو نسيانا أو نحوها أو يختص بالتارك لعذر؟ وجهان، بل قولان:

فظاهر الأكثر كالشيخ و القاضي و الحلي و الفاضلان و ابن سعيد و الشهيدان هو الأول.

و في غير واحد من كتبهم نسبته إلى المشهور.

و اعتبر ابن فهد فيه قيام ضرورة على الترك. و عن ظاهر الصدوقين اعتبار العذر.

و الأظهر الأوّل؛ لظاهر عدة من الأخبار:

منها: موثقة سماعة المتقدمة.

و منها: الموثقة الأخرى حيث لم يؤخذ فيه العذر في ترك أصله، و اعتباره في ترك الغسل في قضائه في النهار محمول على بيان أفضلية قضائه في الجمعة على السبت أو أن السائل لمّا كان بصدد تدارك الغسل الفائت، أمره فقضاؤه آخر النهار ثمّ استدرك على صورة عدم تمكنه منه

____________

(1) الهداية: 103.

177

فأمره إذن بالقضاء يوم السبت.

و ربما حمل الرواية على ظاهرها، و بجعل القضاء يوم السبت منوطا بعدم التمكن منه بعد الزوال من الجمعة بخلاف قضائه في الجمعة، فكأنه لقربه من وقت الأداء صار بمنزلته.

و ربما يظهر القول به من الشيخ في النهاية (1) حيث أطلق القول به في قضائه بعد الزوال.

و قيّد (2) قضاؤه في السبت بعد التمكن منه بعد الزوال.

و استشكل العلامة في التحرير (3) في قضائه في السبت مع تركه تهاونا.

و أنت خبير بأن إطلاق موثقة ابن بكير الّتي هي أوضح إسنادا من سائر أخبار الباب دالّ على ثبوت القضاء مطلقا، و ليس في غيره ممّا يعادله في السند و الدلالة ما يفيد التقييد، فلا وجه للتأمّل في الحكم. مضافا إلى انجبار الإطلاق بالشهرة، و الظاهر الاعتبار؛ إذ مع ثبوت القضاء لا يظهر وجه للفرق بين المتعمد و غيره.

و لا يبعد حمل عبارة النهاية على نحو الرواية و لذا عزا إليه المحقق و غيره القول المشهور.

و تعليق الحكم بالناسي في بعض الأخبار كأنه مبنيّ على الحثّ على الفعل حتى أنه لا ينبغي تركه من الناسي، فذكر حكمه.

و يؤيده ما في تلك الرواية من الحثّ و أنه لا بد من الإتيان في السفر و الحضر.

هذا، و لو أدرك بعضا من وقت الأداء فهل يكون قضاء مطلقا أو أداء و قضاء؟ وجهان:

أوجهها الأول؛ لسقوط الأمر بالأداء ظاهر [ا]، و يحتمل سقوط القضاء أيضا بناء على خروجه عن ظواهر الأخبار الدالة على ثبوت القضاء إلا أن الأظهر إذن دلالتها عليه بالفحوى، فتأمّل.

و أما لو أدرك بعضا من وقت القضاء فالظاهر سقوط الفعل كما إذا تمكّن منه قريب غروب الشمس يوم الجمعة أو السبت مما لا يسع الغسل.

____________

(1) النهاية: 104.

(2) في (ألف): «قبل».

(3) تحرير الأحكام 1/ 87.

178

نعم، يتقوّى الأول جواز إكماله في الوقت الآخر على احتمال يأتي بيانه في المسائل الآتية إن شاء اللّه.

و لو أخّر بعضا من أفعال الغسل عن وقت الأداء عمدا أو سهوا فالأشبه جواز الإكمال في وقت القضاء، و هل يختص القضائية بذلك الجزء أو يعمّ الجميع؟ وجهان.

و لو أخّره عن وقت القضاء فالظاهر فساد الغسل إلا أن يؤخره عن وقته الأول، فيحتمل جواز الإكمال في وقته الآخر كما مرّ.

ثم الظاهر عدم ثبوت القضاء بعد يوم السبت أو بعده من أيام الجمعة، و لا عامل بظاهره من الأصحاب.

و عن بعضهم احتمال البناء عليه للتسامح في أدلة السنن.

و ضعّفه بعض الأفاضل بدلالة ظاهر الأدلة على نفيه.

و إنما يتسامح في أدلتها مع عدم قيام دليل على النفي.

قلت: و لم نجد في الأخبار ما يدلّ على نفي المشروعية منطوقا و لا مفهوما لا بمفهوم اللقب، و لا حجة فيه.

نعم، إطباق الأصحاب ظاهر على خلافه ممّا يوهن البناء عليه، فتأمّل.

ثالثها: أفضل وقت (1) القضاء أوّلها (2). و هو الظاهر من جماعة من الأصحاب منهم الشيخ و الفاضلان و الشهيد؛ للموثقتين المذكورتين، و لما فيه من المبادرة إلى الامتثال المطلوب في الشرع. مضافا إلى احتمال كونه من وقت الأداء و اندراجه في جملة من الإطلاقات، و لا يعارضه ما يظهر من جماعة من البناء فيه على المنع؛ لضعف الاحتمال المذكور جدّا؛ نظرا إلى أقسام الأدلّة الواضحة على فساده، بخلاف الاحتمال المذكور.

و هل الأفضل من أوقاته ما قرب إلى الزوال أو ما بعد العصر؟ وجهان؛ لما في الأول من المبادرة إلى الامتثال، و في الثاني من الاحتياط؛ لما يظهر من الصدوقين من المنع من التقديم

____________

(1) في (د): «وقتي».

(2) في (د): «أولهما».

179

كما مرّ.

و قد يومي إليه المرسلة المتقدمة، و الأولى ترجيح التأخير.

و أما يوم السبت فظاهر الإطلاقات عدم الفرق بين أجزائه.

نعم، لا يبعد القول بدلالة أخبار التقديم مهما أمكن من المبادرة إلى الخبر.

و عن جماعة منهم الشهيدان أن كلما قرب إلى الزوال من وقت القضاء فهو أفضل.

و لم نجد مستنده، و كأنّه مبنيّ على استنباطه من الأداء.

و لا يخفى وهنه.

180

تبصرة [في تقديم غسل الجمعة]

يستحب تقديم الغسل يوم الخميس لخائف إعواز الماء يوم الجمعة، بلا خلاف فيه يعرف.

و قد نصّ عليه الصدوقان و الشيخ و القاضي و الحلبي (1) و الفاضلان و الشهيدان و غيرهم.

و الأصل فيه ما رواه المشايخ الثلاثة في الصحيح، عن الحسين بن موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن أمه، و أم أحمد بنت موسى بن جعفر (عليه السلام)، قال: كنّا مع أبي الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) في البادية و نحن نريد بغداد، فقال لنا يوم الخميس: «اغتسلا اليوم لغد يوم الجمعة فإن الماء فيها غدا قليل»، قالتا: فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة (2).

و مرسلة محمد بن الحسين، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال لأصحابه: «إنكم تأتون غدا منزلا ليس فيه ماء فاغتسلوا اليوم لغد. فاغتسلنا يوم الخميس للجمعة» (3).

و في رواية الفقه: «و إن كنت مسافرا و تخوّفت عدم الماء يوم الجمعة اغتسل يوم الخميس» (4).

و ضعف الأخبار المذكورة مجبور بالعمل بل الإجماع كما يظهر من كشف اللثام حيث عزاه إلى فتوى الأصحاب مؤذنا باتفاقهم عليه.

____________

(1) في (ب): «الحلّي».

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 111.

(3) تهذيب الأحكام 1/ 365، باب الاغتسال و كيفية الغسل من الجنابة، ح 2.

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 129.

181

و في الحدائق (1): إنه لا خلاف فيه بين الأصحاب، مضافا إلى التسامح في أدلة السنن، فالحكم المذكور مما لا تأمل فيه. و إنما يقع التأمّل في أمور:

منها: أن ظاهر الأخبار المذكورة ثبوت الحكم للمسافر، فهل يعمّ الحكم من خاف عوز الماء في الحضر؟ وجهان؛ ظاهر الأكثر ذلك، بل ظاهر الحدائق عدم الخلاف فيه.

و عن الصدوق و الشيخ في النهاية اعتبار السفر وقوفا مع الأخبار، لكن الظاهر القطع لتنقيح المناط بملاحظة الخبرين الأولين سيّما الأول منهما خصوصا مع ملاحظة فهم الأصحاب.

و إنما وردت الأخبار في خصوص السفر لكون الغالب حصول العذر فيه دون الحضر.

و منها: أنه هل يعتبر في جواز التقديم خصوص الإعواز كما هو مورد الأخبار أو يكتفى بمجرّد (2) الفوات و لو من جهات أخرى؟ قولان:

و الأوّل محكّي عن الصدوق و القاضي و ابن سعيد و الفاضلين و الشهيد و ابن فهد (3)؛ وقوفا فيما خالف الأصل على مورد النصّ.

و الثاني محكي عن الشيخ في غير واحد من كتبه و الحلي (4) و الفاضل (5) في (6) التذكرة (7) و الشهيد الثاني (8) و ولده.

و هو الأظهر لتنقيح مناط الحكم.

و ربما يحمل عليه الأخبار و سائر فتاوى الأصحاب.

نعم، ظاهر جماعة من المتأخرين الميل إلى الأوّل؛ وقوفا مع ظواهر الأخبار. و ربّما

____________

(1) الحدائق الناضرة 7/ 392.

(2) في (ألف): «مجرّد».

(3) المهذب البارع 1/ 190.

(4) السرائر 1/ 124.

(5) كشف اللثام 1/ 137.

(6) كذا، و الظاهر: «و»، بدلا من «في».

(7) تذكرة الفقهاء 2/ 141.

(8) مسالك الإفهام 1/ 105.

182

يستفاد من الرواية الأولى أن قلة الماء يوم الجمعة، و يعتبر الفصل فيه من تلك الجهة كافية في التقديم، و لم يكن هناك خوف من تعذر الماء لكنّه خلاف ظاهر الفتوى، فالقول به لا يخلو عن إشكال.

و منها: أن الحكم هل يناط بخوف الإعواز أو التعذر أو أنه يعتبر فيه اليأس و التعذر أو المدار فيه على الظن؟ وجوه. فالأول هو المشهور بل كاد أن يكون إجماعا كما ذكره بعض الأجلة.

و الثاني محكي من الشيخ و الفاضل. و عن الفاضل أيضا في بعض كتبه اعتبار الظن تارة و الخوف أخرى، و (1) كان الأظهر الأول؛ إذ هو الأظهر من سياق الأخبار، بل عليه المدار في ما شأنه ذلك من سائر الموارد.

و منها: أنه هل يعتبر في جواز التقديم حصول العذر في خصوص وقت الأداء أو لا بدّ من شموله لوقت القضاء إما مطلقا أو لخصوص ما بعد الزوال من الجمعة؟ وجوه: نصّ الشهيدان على الأول.

و قد يستفاد ذلك أيضا من إطلاق جماعة منهم حيث علّقوا الحكم بخوف الفوات أو الإعواز.

و قد يستفاد من إطلاق جماعة اختيار الأخير حيث اشترطوا وجود العذر في يوم الجمعة الظاهر في تمام النهار. و يعلّل الوجهان بأن قضية الأدلة اعتبار العذر في يوم الجمعة، فيعمّ جميعه مع احتمال انصرافه إلى المتعارف الشائع أعني وقت الأداء أو الوجهان متقاربان، و قضية الأصل المنع من التقديم إلا في مورد اليقين بشمول الدليل، و هو ما لو عمّم العذر تمام النهار.

و منها: أنه لا يجري الحكم المذكور في ليلة الخميس لخروجه عن النصوص.

و هل يجري في ليلة الجمعة؟ قولان. و عن الشيخ و الفاضل و ظاهر المحقق و الشهيد أنه

____________

(1) في (ألف): «أو».

183

كذلك، و عن ظاهر المعظم خلافه.

و هو الأظهر لخروجه عن مدلول النص مع الأولوية. و قد مرّ نظيره في قضائه ليلة السبت.

و التفصيل بين المقامين باختيار القول بالعدم هناك و القول بالإلحاق هنا؛ نظرا إلى ظاهر الأولوية.

و الإجماع المنقول عن الخلاف و التذكرة و الاستصحاب هنا ليس على ما ينبغي؛ لعدم وضوح ما ذكره من الاجماع و الاستصحاب لو تمّ في المقام جرى في المقامين، و كذا الأولوية و عدم ظهور المخالف الناص في المقام لا يفيد شيئا مع ظهور خلافه من المعظم كما ذكر.

و منها: أنه لو قدم الغسل في الخميس ثم تمكّن منه قبل زوال الجمعة ففي استحباب إعادته وجهان. و قد أفتى الصدوق و العلامة (1) في جملة من كتبه و الشهيد و ابن القطان و ابن فهد و جماعة من المتأخرين بالأول. و لا يظهر منهم قائل بالوجه الأخير.

و الوجه فيه الرجوع إلى الإطلاقات.

____________

(1) نهاية الإحكام 1/ 175.

184

[من الأغسال الزمانية غسل يومي العيدين الفطر و الأضحى]

تبصرة [في غسل عيد الفطر و عيد الأضحى] من الأغسال الزمانية غسل يومي العيدين الفطر و الأضحى بلا خلاف فيه. [و] قد حكى الاجماع عليه جماعة منهم ابن زهرة (1) و الفاضلان و الشهيد و سبطه.

و يدل عليه مضافا إلى ذلك، المعتبرة المستفيضة المشتملة على الصحاح الكثيرة. و في الموثق: «غسل يوم الفطر و يوم الأضحى سنّة لا أحب تركها» (2).

و في الصحيح: عن الغسل في الجمعة و الأضحى و الفطر؟ قال: «سنّة و ليس بفريضة» (3).

و في آخر: «الغسل في سبعة عشر موطنا و عدّ منها العيدين» (4).

إلى غير ذلك، و ربّما يشعر كلام الصدوق في الهداية (5) اختيار الوجوب في غسل الأضحى إلا في منى حيث ذكر رواية القاسم بن الوليد المشتملة على ذلك. قال: «و روى أن غسل العيدين سنّة» (6) إلا أنه كما ترى ليس فيها دلالة ظاهرة على ذلك، مع إمكان حمله الرواية على الاستحباب المذكور كما هو المتعيّن بقرينة الأخبار المذكورة و غيرها.

مضافا إلى الإجماع المعلوم و المنقول.

ثم إن ظاهر كثير من الأصحاب على أن وقته تمام النهار من طلوع الفجر إلى الغروب.

____________

(1) غنية النزوع: 62.

(2) الاستبصار 1/ 451.

(3) الكافي 3/ 41، باب وجوب الغسل يوم الجمعة، ح 1.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 77.

(5) كذا، و لعلّه: «الفقيه».

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 507.

185

و استظهره في المدارك (1)، و هو الظاهر؛ لظاهر الإطلاقات المذكورة و غيرها المعتضدة بإطلاق الإجماعات المحكيّة.

و يومي إلى الأول أيضا إطلاق رواية قرب الإسناد، بإسناده عن علي بن جعفر، عن أخيه موسى (عليه السلام): «إن اغتسل يوم الفطر و الأضحى قبل الفجر لم يجزه و أن اغتسل بعد طلوع الفجر أجزأه» (2).

و في موثقة عمار، عن الصادق (عليه السلام): «فإن (3) مضى الوقت فقد جازت صلاته» (4).

و ربما يستشعر منه انقضاء وقت الغسل بانقضاء وقت الصلاة حيث لم يأمره (عليه السلام) بالغسل بعد انقضاء وقت الصلاة. و (5) يوهنه احتمال كون السؤال مسبوقا لاستعلام حال الصلاة.

و حينئذ فترك ذكر الغسل في الجواب لا يفيد انقضاء وقته.

نعم، في رواية الفقه دلالة عليه حيث قال: «إذا طلع الفجر من يوم العيد فاغتسل» (6)، و هو أول أوقات الغسل.

ثم إلى وقت الزوال إلا أنها لضعفها لا تنهض مقيدة لتلك الإطلاقات المعتبرة.

و عن الحلي و الفاضل في المنتهى (7) أن وقته إلى الصلاة. و عزاه في ذكرى الشيعة إلى ظاهر الأصحاب مع استظهار امتداده بامتداد النهار؛ أخذا بإطلاق اليوم كلام الأكثر كما ترى خال عن التقييد، فنسبة المذكورة لا يخلو عن تأمّل.

قال: و يتخرج من تعليل الجمعة أنها إلى الصلاة أو إلى الزوال الذي هو وقت صلاة

____________

(1) مدارك الأحكام 2/ 165.

(2) قرب الاسناد: 181.

(3) زيادة في (د): «عن الرجل ينسى أن يغتسل يوم العيد حتّى يصلّي قال: إن كان في وقت فعليه أن يغتسل و يعيد الصلاة».

(4) الإستبصار 1/ 103.

(5) زيادة: «و» من (د).

(6) فقه الرضا (عليه السلام): 131.

(7) منتهى المطلب 1/ 241.

186

العيد.

و كأنّه أشار به إلى رواية العلل التي رواها محمد بن سنان. و دلالتها على المطلوب غير ظاهر؛ إذ لا إشارة فيها إلى حصر العلة و اطرادها مع ذكر علة أخرى فيها أيضا.

فظهر بذلك أيضا ضعف القول بالتعبّد، مضافا إلى أن الصلاة ممّا يترك في كثير من الأحوال، فلا معنى لإناطة التوقيت به، و اعتبار العذر (1) فيه خلاف الظاهر، و البناء على اعتبار الزوال لا يظهر قائل به و إن احتمله الشهيد كما عرفت.

ثم إنّه لا شكّ في أفضل إيقاعه عند الصلاة كما يستفاد من رواية العلل، و نصّ عليه جماعة، مضافا إلى ما فيه من الخروج عن الخلاف.

و لا يبعد القول بأفضلية ما قبل الزوال مطلقا؛ أخذا برواية الفقه المذكورة.

هذا، و في الموثقة المذكورة أوّلا دلالة على مطلوبية الغسل لأجل الصلاة.

و ربّما زعم بعضهم دلالتها على كون الغسل المذكور من الأغسال الغائية دون الزمانية، و أنت خبير بأنه لا دلالة فيها على نفي كونه زمانيا، غاية الأمر أن يجمع بين الأمرين و يقال فيه لحصول الجهتين كما هو الأظهر إلا أنهم لم يذكروا في غير الأغسال الفعلية، لكن هذه الرواية ظاهرة الدلالة عليه، فلا بأس في القول به.

و منها: غسل يوم عرفة

كما نصّ عليه كثير من الأصحاب كالصدوقين و المفيد و الحلبي و القاضي و ابن زهرة و الحلي و الفاضلان و الشهيدان و غيرهم.

و عن الغنية و المدارك الإجماع على استحبابه. و عدّه جماعة من الأغسال المشهورة.

و يدلّ عليه الصحاح المستفيضة و غيرها كصحيحة عبد اللّه بن سنان: «الغسل في أربعة عشر موطنا ...» و عدّ منها يوم عرفة (2).

و صحيحة محمد بن مسلم: «الغسل في سبعة عشر موطنا ..» و عدّ منها يوم عرفة (3).

____________

(1) في (ألف): «العدو».

(2) الخصال: 498.

(3) الخصال: 508.

187

و لا فرق فيه بين من كان في الموقف و غيره للإطلاقات و خصوص رواية عبد الرحمن بن سيّابة عن الصادق (عليه السلام): عن غسل يوم عرفة في الأمصار؟ فقال: «اغتسل أينما كنت» (1).

ثم إن ظاهر الإطلاقات كون تمام اليوم وقتا للفعل.

و في رواية الفقه (2) توقيته بما قبل الزوال.

و منها: غسل يوم التروية،

للصحيحين العادّين له من مواطن الغسل. و قد نصّ عليه جماعة من الأصحاب كالصدوق و الفاضل و الشهيدين و غيرهم.

و منها: غسل يوم الغدير،

و هو اليوم الثامن عشر من ذي الحجة على المعروف المحكي عليه الإجماع، و هو يوم الذي عقد فيه البيعة لمولانا أمير المؤمنين (عليه السلام).

قيل: و كان (3) حساب المنجمين يوم التاسع عشر من الشهر المذكور إلا أنه لم ير الهلال ليلة الثقلين بمكة.

و استحباب الغسل فيه مذكور في كلام جماعة من الأصحاب، بل الإجماع محكي عليه في التهذيب و الغنية و الروض.

و يدلّ عليه ما رواه الشيخ في الضعيف عن الصادق (عليه السلام): «من صلّى قدر (4) ركعتين يغتسل عند زوال الشمس من قبل أن يزول مقدار نصف ساعة» (5) إلى أن قال: «ما سأل اللّه حاجة من حوائج الدنيا و الآخرة (6) إلا قضيت له (7) كائنة ما كانت».

و الرواية طويلة معروفة بين الأصحاب.

و ردّه الصدوق و شيخه محمد بن الحسن بن الوليد لكنّه من طريق محمد بن موسى

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 309، باب استحباب غسل يوم عرفة ح 1.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 175.

(3) في (د) زيادة: «على».

(4) في المصدر: «فيه».

(5) تهذيب الأحكام 3/ 143، باب صلاة الغدير، ح 1.

(6) في المصدر: «حوائج الآخرة».

(7) ليس في المصدر: «له».

188

الهمداني.

و قد أثبتناه من كتاب نوادر الحكمة إلّا أن ضعفها منجبر بالشهرة عندنا، بل قال بعض الأجلاء: إنه لا رادّ لها سوى الشيخين المذكورين، مضافا إلى أنه من السنن التي تتسامح في أدلتها.

و هذه الرواية كما ترى تقيّد بوقت استحبابه بخصوص الوقت المعلوم.

و روى ابن طاوس في الإقبال عن أبي الحسن الليثي، عن الصادق (عليه السلام) في حديث ذكر فيه فضل يوم الغدير، قال: «فإذا كان صبيحة ذلك اليوم وجب الغسل في صدر نهاره» (1).

و هذه يعطي التوقيت بأول النهار، و ظاهر الإجماعات المحكية و إطلاق كثير من الطائفة يعطي إطلاق توقيته بالنهار.

و يمكن الاحتجاج له برواية الفقه حيث ذكر فيه «أن الغسل ثلاثة و عشرون و عدّ منها غسل يوم غدير خم» (2) فإن ظاهر نسبة الغسل إلى اليوم يعطي جواز إيقاعه في أيّ جزء منه.

و هو الأظهر؛ للتسامح في أدلة السنن سيّما مع اعتضاده بما ذكر إلا أن الأفضل منه الوقتان المذكوران.

و عن الإسكافي توقيته (3) بطلوع الفجر إلى قبل صلاة العيد.

و نفى عنه البعد بعض الأجلّة.

و ربّما يستفاد من الرواية المشهورة مطلوبيّته لأجل الصلاة فيكون من الأغسال الفائتة أيضا.

و منها: غسل يوم المباهلة

على ما ذكره كثير من الأصحاب، منهم الشيخ (4) في جملة من

____________

(1) إقبال الأعمال 2/ 280.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 82.

(3) في (ب): «توفيقة».

(4) المقنعة: 51.

189

كتبه، و الديلمي و الطوسي (1) و الحلي (2) و ابن سعيد و الفاضلان و الشهيدان (3) (4) و ابن فهد (5) و غيرهم.

و في المعتبر (6) أن العمل به مشهور.

و في الغنية (7) الإجماع على استحباب غسل المباهلة. و هو يحتمل فعل المباهلة و يومها.

و كأنّ الأظهر الأخير بقرينة حكاية الإجماع عليه؛ لعدم معروفيّة الأوّل بين الأصحاب.

و قد ورد وجوب غسل المباهلة في موثقة سماعة، و هو يحتمل الوجهان المذكوران.

و الأظهر بحسب العبارة هو الأول إلا أن يجعل شهرة الأخير بين الأصحاب قرينة على إرادته.

و كيف كان، ففي رواية الإقبال المعروفة في خبر المباهلة: «إذا أردت ذلك فابدأ بصوم ذلك اليوم شكرا للّه و اغتسل و البس أنظف ثيابك» (8) الخبر.

و في (9) رواية الشيخ في المصباح عن الكاظم (عليه السلام): «يوم المباهلة اليوم الرابع و العشرون من ذي الحجة تصلى في ذلك اليوم ما أردت» .. إلى أن قال: «و تقول و أنت على غسل الحمد للّه ربّ العالمين» الدعاء دلالة على ذلك.

مضافا إلى انجبارهما بعمل الجماعة.

ثم ما تضمّنه الرواية المذكورة من كونه اليوم الرابع و العشرين هو المشهور بين

____________

(1) المبسوط 1/ 40.

(2) السرائر 1/ 125.

(3) مسالك الإفهام 1/ 106.

(4) البيان: 4.

(5) المهذب البارع 1/ 190.

(6) المعتبر 1/ 357.

(7) غنية النزوع: 62.

(8) إقبال الأعمال 2/ 354.

(9) لم ترد في (د): «في».

190

الأصحاب على ما ذكره الشهيدان في الذكرى (1) و الروض (2) و صاحبا الذخيرة (3) و كشف اللثام (4) و غيرهم.

و في جامع المقاصد (5) أنه الأشهر.

و حكى في الإقبال قولا بأنه الواحد و العشرون و آخر بأنه السابع و العشرون، و ذكر أن أصح الروايات أنّه يوم الرابع و العشرين، و بملاحظة ما ذكرنا يتبيّن قوة القول المذكور.

و لا مستند ظاهر للقولين الآخرين.

و منها: يوم المولود، و هو السابع عشر من ربيع الأول

على المعروف بين الأصحاب، و عن الكليني (6) أنه الثاني عشر منه، و به (7) رواية و هو المعروف بين العامة، فالأظهر البناء على الأول.

و استحباب الغسل فيه مذكور في كلام جماعة (8) من أجلاء الأصحاب.

و قد نصّ عليه الطوسي و ابن طاوس و الشهيد و ابن فهد و جماعة.

و عدّه في الوسيلة من المندوب بلا خلاف.

و أسنده في كشف الالتباس إلى الرواية، و ذلك كاف في ثبوت حكم الاستحباب.

مضافا إلى أنه من جملة الأعياد، و قد حكى الشيخ الإجماع على استحباب الغسل في الأعياد.

و منها: غسل يوم المبعث

كما نصّ عليه جمع كثير من الأصحاب كالشيخ في عدّة من كتبه

____________

(1) الذكرى: 24.

(2) روض الجنان: 18.

(3) ذخيرة المعاد 1/ 7.

(4) كشف اللثام 1/ 142.

(5) جامع المقاصد 1/ 75.

(6) الكافي 1/ 439، باب مولد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و وفاته.

(7) زيادة: «به» من (د).

(8) في (د): «جملة» بدل «جماعة».

191

و الحلبي (1) و الطوسي و الحلي و ابن طاوس و الفاضلان و الشهيدان (2) (3) و ابن فهد (4) و الصيمري و غيرهم.

و في الغنية الإجماع (5) عليه.

و عدّه في الوسيلة من المندوب بلا خلاف.

و عن العلامة و الصيمري إسناده إلى الرواية.

و في الشرائع (6) و النافع عدّة من الأغسال المشهورة.

فبملاحظة ذلك كله يتعيّن القول بثبوته و إن ترك ذكره في كتب الصدوق و المفيد و القاضي و غيرهم.

و منها: غسل يوم دحو الأرض،

أعني الخامس و العشرين من ذي القعدة (7). ذكره الشهيد في جملة من كتبه، و في الذكرى: ذكره الأصحاب. و ذكره أيضا بعض من تأخر عنه، و ليس له ذكر في سائر كتب الأصحاب، و لا له أثر في الروايات.

نعم، أثبت الإسكافي الغسل لكل زمان شريف كما سيجيء، و لا ريب أنه من الأزمنة الشريفة إلا أنه أيضا لا مستند له في الظاهر.

و منها: الغسل للتاسع من ربيع المولود،

و قد حكي ذلك من فعل أحمد بن إسحاق القمي معلّلا بأنه يوم عيد، بل هو من الأيام الشريفة العظيمة لما وقع فيه من الواقعة التي فيها قطع أصل الضلالة إلا أن ذلك خلاف المعروف بين علماء التاريخ، بل خلاف ما ذكره أكثر الأصحاب، مضافا إلى أن مجرد ذلك لا يثبت استحباب الغسل كما لا يخفى.

____________

(1) الكافي للحلبي: 135.

(2) البيان: 4.

(3) شرح اللمعة 1/ 685.

(4) المهذب البارع 1/ 189.

(5) غنية النزوع: 62.

(6) شرائع الإسلام 1/ 37.

(7) في (ب): «ذي الحجّة».

192

و منها: غسل ليلة النصف من رجب

كما نصّ عليه جمع كثير من الأصحاب كالشيخ و الطوسي و الحلي و الفاضلين و ابن سعيد و الشهيد و ابن فهد و غيرهم.

و عدّه في الوسيلة من المندوب بلا خلاف.

و في الذكرى و غير واحد من كتب الشهيد الثاني أنه مشهور.

و ذكر المحقق و ابن فهد و الصيمري أنه من الأغسال المشهورة:

و لم نجد عليه نصّا في الأخبار إلا الرواية الآتية، و هي غير دالة عليه بالخصوص.

نعم، أسنده و غيره في نهاية الإحكام و غيرها إلى الروايات.

و منها: غسل أول رجب و وسطه و آخره؛

لما ذكره في الإقبال أنه وجد في كتب العبادات عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «من أدرك شهر رجب فاغتسل في أوله و وسطه و آخره خرج من ذنوبه كيوم ولادته» (1). و إرساله لا يمنع عن العمل به في المندوبات و لا يبعد حصول الغسل في الوسط بالفعل السابق فلا حاجة إلى النسبة.

و منها: غسل الليلة النصف من شعبان

كما ذكره جماعة من الأصحاب.

و عن الوسيلة و الغنية الإجماع عليه.

و يدل عليه رواية أبي بصير عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «صوموا شهر شعبان و اغتسلوا ليلة النصف منه، ذلك تخفيف من ربّكم و رحمة» (2). و هو مذكور في رواية الفقيه أيضا.

و منها: غسل الليلة الأولى من شهر رمضان

لعدة من الأخبار، فعن الصادق (عليه السلام): «من أحبّ أن لا يكون به الحكمة فليغتسل أول ليلة من شهر رمضان» (3).

و عنه (عليه السلام): «من اغتسل أول ليلة من شهر رمضان في نهر جار و يصبّ على رأسه ثلاثين كفّا من الماء طهر إلى شهر رمضان من قابل» (4).

____________

(1) إقبال الأعمال 3/ 173.

(2) وسائل الشيعة 3/ 335، باب استحباب غسل ليلة النصف من شعبان، ح 1.

(3) وسائل الشيعة 3/ 325، باب ما يستحب من الاغسال في شهر رمضان، ح 5.

(4) وسائل الشيعة 3/ 325، باب ما يستحب من الاغسال في شهر رمضان، ح 4.

193

و منها: غسل الليلة الخامسة عشر منه،

فعن الصادق (عليه السلام): «يستحب الغسل في أول ليلة من شهر رمضان و ليلة النصف» (1).

و عليه الإجماع و للمستفيضة المتكثرة، منها الصحيح: «الغسل في ستة عشر موطنا ..»،

و عدّ منها الليلة المذكورة.

و منها: غسل الليلة السابعة عشر،

و عن الرضا (عليه السلام) فيما كتب للمأمون من شرائع الدين:

«و أول ليلة من شهر رمضان و ليلة سبعة عشرة» (2). و عليه الإجماع في الوسيلة و الغنية.

و منها: غسل ليالي القدر الثالث

المعروفة بالإجماع، حكاه بعض الأجلة. و يدلّ عليه الصحاح المستفيضة و غيرها.

و يستحب هناك غسل ثان في الليلة الثالثة بأن يغتسل مرّة في أول الليل و أخرى في آخره؛ لما رواه في الإقبال بأسانيده إلى التلعكبري بإسناده إلى يزيد بن معاوية، عن الصادق (عليه السلام) قال: «رأيته اغتسل في ليلة ثلاث و عشرين من شهر رمضان مرّة في أول الليل و مرّة في آخره» (3).

و رواه الشيخ مضمرا باختلاف يسير في لفظه، و الظاهر أنّ كلّا منهما مستحب برأسه، فيجوز الاقتصار على أحدهما، و يؤدي وظيفة الغسل المطلق بأحدهما، و يجوز الاقتصار على الغسل الواحد في الأثناء، فيؤدي به وظيفة المطلق خاصة. أما لو أتى بالغسل الأول فالظاهر عدم جواز الإتيان بالمطلق ثانيا لأوانه.

و منها: غسل الليلة الرابعة و العشرين منه

لغير واحد من الأخبار، منها ما رواه في الإقبال، عن كتاب الحسين بن سعيد، بإسناده عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «اغتسل في ليلة أربع و عشرين» (4).

____________

(1) إقبال الاعمال 1/ 55.

(2) وسائل الشيعة 3/ 305، باب حصر أنواعها (الأغسال المسنونة) و أقسامها، ح 6.

(3) إقبال الأعمال 1/ 375.

(4) إقبال الأعمال 1/ 388.

194

و منها: الغسل في ليلة الخامس و العشرين و ليلة السابع و العشرين و ليلة التاسع و العشرين،

لما حكاه في فلاح السائل عن الشيخ ابن أبي قرّة (1) أنه قال «بعد ذكر غسل ليلة أربع و عشرين منه و ليلة خمس و عشرين منه و ليلة سبع و عشرين منه و ليلة تسع و عشرين منه»، و روي في ذلك روايات.

و منها: الغسل في كلّ ليلة من العشر الأخير؛

لما حكاه في الإقبال عن كتاب علي بن واحد، عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا، عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يغتسل في شهر رمضان في العشر الاواخر في كل ليلة» (2).

و عن كتاب الأعمال لأحمد بن عياش عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «لمّا كان أول ليلة من شهر رمضان قام رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فحمد اللّه و أثنى عليه حتّى إذا كان أول ليلة من العشر قام و شمّر و شد المئزر و برز من بيته و اعتكف و أحيا الليل كله و كان يغتسل كلّ ليلة منه بين العشاءين» (3).

و في مرجع الضمير وجهان؛ من ظهور التذكير في رجوعه إلى «الشهر» سيّما برواية الوسائل حيث ذكر أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «كان إذا دخل العشر من شهر رمضان شمر ..» الخبر (4)؛ نظرا إلى قرينة المرجع.

و يؤيده أيضا تغيير الأسلوب من الماضي إلى المضارع و إقحام «كان» في البين. و كأنه لذا استظهره في حاشية الوسائل إرجاع الضمير على «الشهر»، و من ظهور السياق في رجوعه إلى «العشر» حيث إنه في بيان أحوالها.

و يؤيده حكاية تأنيث الضمير عن بعض النسخ، و على فرض تذكيره فالأمر فيه سهل مضافا إلى موافقته للرواية السابقة.

____________

(1) بحار الأنوار 78/ 22.

(2) إقبال الأعمال 1/ 358.

(3) بحار الأنوار 78/ 18.

(4) وسائل الشيعة 3/ 326، باب ما يستحب من الأغسال في شهر رمضان، ح 6.

195

و كيف كان، يدل على استحباب الغسل في العشر، و الظاهر اندراج الأغسال الخاصة بالليالي المخصوصة فيه، فلا يستحب هناك غسل آخر من الجهة المذكورة.

نعم، يتأكّد الاستحباب فيما اجتمعت فيه الوجهان.

و منها: الغسل في كل ليلة من ليالي الإفراد منه

كما نصّ عليه جملة من أجلة الأصحاب كالشيخ و ابن طاوس و الشهيدين و ابن فهد و الصيمري و المحقق الكركي و غيرهم.

قال الشيخ في المصباح (1): و إن اغتسل في (2) ليالي الإفراد كلها و خاصة ليلة النصف كان له فيه فضل كثير.

و يدل عليه ما ذكره في الإقبال من وجود الرواية المتضمنة لاستحباب الغسل في كل ليلة مفردة من الشهر.

و في نقله (رحمه اللّه) مع اعتضاده بفتوى الجماعة. و ذكر الشيخ كثرة فضله كفاية في ثبوت الاستحباب.

و منها: الغسل في كل ليلة منه

و لم نجد به مفت من الأصحاب.

نعم، يدل عليه الرواية المتقدمة على الوجه الأول إلا أنه لعدم تعيّنه لا يثبت به الحكم المذكور.

و منها: غسل ليلة الفطر؛

للرواية المتكررة في عدّة من الكتب المعتمدة.

قلت: لا (3) ينبغي لنا أن نعمل فيها؟ فقال: «إذا غربت الشمس فاغتسل» (4) الخبر.

و قد يومي هذه الرواية الغسل عقيب المغرب، و لا أقل من عدم إفادتها الاستحباب في مطلق الليل إلا أن المذكور في كلام جملة من الأجلة إطلاق الاستحباب. و لا بأس به.

و ذكر ابن طاوس ورود رواية بكونه قبل الغروب إذا علم أنها ليلة العيد. و لا ريب أنّ

____________

(1) مصباح المتهجّد: 636.

(2) ليس في المصدر: «في».

(3) في المصدر: «جعلت فداك فما».

(4) الكافي 4/ 167، باب التكبير ليلة الفطر و يوميه، ح 3.

196

العمل على الأولى أولى.

و منها: غسل ليلة الجمعة.

ذكر [ه] بعض الحليين، و لم نجد مستنده.

و منها: غسل ليلة الأضحى على ما ذكره في الوسائل حيث عنون الباب باستحباب الغسل ليلة العيدين و يومهما إلا أنه لم يذكر في الباب ما يدل عليه. و لم نجد في الأخبار ما يومي إليه.

نعم، ذكر هناك مرسلة ابن طاوس الماضية لا ريب أنها في خصوص الفطر.

و منها: الغسل لكل زمان شريف من يوم و ليلة

على ما حكي عن الإسكافي القول به.

و ربما يظهر من الفاضلين حيث علّلا استحباب غير واحد من الأغسال بشرف الزمان.

و هل المراد به مطلق الشرافة كمجموع شهر رمضان أو الأشهر الثلاثة و نحوها، أو المراد به الشرافة الثابتة لخصوص ذلك الزمان كليلة الجمعة و يوم القدر و نحوهما؟ وجهان. و كيف كان، فالأظهر عدم ثبوته لانتفاء الدليل عليه.

و منها: غسل يوم النيروز.

و قد نصّ عليه كثير من الأصحاب منهم الشيخ و ابن سعيد و الفاضل في عدة من كتبه و الشهيد و ابن فهد (1) و الصيمري و المحقق الكركي و شيخنا البهائي و غيرهم.

و يدل عليه رواية المعلّى عن الصادق (عليه السلام): «إذا كان يوم النيروز فاغتسل و البس أنظف ثيابك ..» (2) الخبر.

و في تعيين يوم النيروز اختلاف بين الأصحاب، و لهم فيه أقوال ليس هذا محل إيرادها.

و منها (3): أول يوم من السنة؛

لرواية السكوني، عن الصادق (عليه السلام)، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «من اغتسل أول يوم من السنة في ماء جار و صبّ على رأسه ثلاثين

____________

(1) المهذب البارع 1/ 191.

(2) وسائل الشيعة 3/ 335، باب استحباب غسل يوم النيروز، ح 1.

(3) زيادة في (د): «غسل».

197

غرفة كان دواء السنة» (1). رواها السيد في الإقبال، و قد روى فيه أخبارا عدّة أن رأس السنة شهر رمضان، و فيه بعد ذكر الرواية (المتقدّمة و أنّ اوّل كلّ سنة أوّل يوم من شهر رمضان، و هو يحتمل أن يكون من تتمّة الرواية) (2) و أن يكون من كلام السيد.

و ذكر أيضا في الإقبال (3) اختلاف الروايات في بيان أول السنة أنه محرّم أو شهر رمضان.

قال: لكنّي رأيت [من] (4) عمل من أدركته من علماء أصحابنا المعتبرين و كثيرا من تصانيف علمائهم الماضين أن أول السنة شهر رمضان على التعيين، و احتمال الجمع بينهما باختيار (5) الثاني في (6) أول العام في عبادات الإسلام و الثاني في التواريخ و المهام.

و عن الصدوق (7): أن أول الشهور عند أهل الحق شهر رمضان.

و بجميع ما ذكرنا يتقوى القول بكون المراد من أول السنة في الرواية المذكورة هو اليوم المذكور، مضافا إلى ما عرفت من رواية نظيره في غسل أول ليلة منه.

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 326، باب ما يستحب من الاغسال في شهر رمضان، ح 7.

(2) ما بين الهلالين مما لم ترد إلا في (د).

(3) إقبال الأعمال 1/ 32.

(4) ما أدرجناه من المصدر.

(5) في (د): «باجتناب».

(6) لم ترد في (د): «في».

(7) من لا يحضره الفقيه 1/ 522.

198

تبصرة [في الأغسال المكانية]

و أما الأغسال المكانية:

فمنها: غسل دخول حرم مكّة؛

للمعتبرة المستفيضة، منها: الموثق العادّ للأغسال:

«و غسل دخول الحرم يستحب أن لا تدخله إلا بغسل» (1).

و منها: الصحيح: «الغسل في أربعة عشر موطنا ..» و عدّ منها دخول الحرم (2) إلى غير ذلك.

و الظاهر من الحرم فيها حرم مكة لانصراف الإطلاق إليه، و به نصّ كثير من الأصحاب، و عليه الإجماع في الغنية. و في الوسيلة أنه من المندوب بلا خلاف.

و منها: غسل دخول حرم المدينة.

نصّ عليه جماعة من الأصحاب منهم الصدوق في غير واحد من كتبه و الشهيد و شيخنا البهائي، و لم يذكره الأكثر.

و الأظهر ثبوته للصحيحة المروية في عدة من الكتب المعتبرة: «الغسل في سبعة عشر موطنا ..» و عدّ منها: «و إذا دخلت الحرمين»؛ و حمله على البلدين كما احتمله بعضهم بيّن الوهن.

و منها: غسل دخول مكّة؛

للمعتبرة المستفيضة و الإجماع عليه محصّلا كما هو الظاهر و محكيّا كما في الخلاف، و في الوسيلة أنه من المندوب بلا خلاف.

و منها: غسل دخول المدينة؛

للمعتبرة المستفيضة أيضا، و الإجماع الظاهر و المحكي في الغنية.

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 304، باب حصر انواعها (الاغسال) و اقسامها، ح 3.

(2) الخصال: 498.

199

و في الوسيلة أيضا أنه من المندوب بلا خلاف.

و قيّد المفيد استحباب الغسل لدخول البلدين من دخلهما لأداء فرض أو نفل. و لا نعرف مستنده.

و يدفعه إطلاق النصّ و الفتوى، و الظاهر الرجوع في البلدين إلى العرف، و يحتمل الرجوع إلى الموجود حال صدور الأخبار.

و منها: الغسل لدخول مسجد الرسول

(9 كما نصّ عليه الأصحاب للصحيحة المرويّة في عدّة من الكتب المعتمدة و فيها: «و إذا أردت دخول مسجد الرسول 9 ...». و في الغنية الإجماع عليه، و في الوسيلة أنه من المندوب بلا خلاف.

و منها: الغسل لدخول المسجد)

(1) الحرام. و لم نجد به نصّا إلا أنه منصوص في كلام الأصحاب. و قد حكي عليه الإجماع في الخلاف و الغنية.

و في الوسيلة أنه من المندوب بلا خلاف.

و قد يستدلّ له بفحوى الصحيحة المتقدمة المبيّنة للغسل لدخول مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) حيث إنه أفضل منه.

و فيه تأمل.

و في تلك الصحيحة: «الغسل لدخول البيت الحرام متصلا به حول مسجد الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)»، فقد تكون في تقارنهما إشارة إلى إرادة المسجد منه.

و فيه أيضا تأمل، و مع ذلك فالأظهر ثبوته تسامحا في أدلة السنن، بل عن الجعفي القول بوجوبه.

و هو ضعيف جدا.

و منها: الغسل لدخول الكعبة.

و يدل عليه- بعد الإجماعين المحكيين وعده في الوسيلة من المندوب بلا خلاف- المعتبرة المستفيضة.

____________

(1) الزيادة ما بين الهلالين من (د).

200

تبصرة [في الأغسال الفعلية]

و أما الأغسال الفعلية:

فمنها: الغسل للإحرام.

و مشروعيته في الجملة مما لا خلاف فيه بين الطائفة بل الامة.

و أما استحبابه فهو المعروف من مذهب الأصحاب.

[و] قد حكى الإجماع عليه جماعة منهم الشيخ في الخلاف و ابن زهرة في الغنية و العلامة في التذكرة.

و في التحرير: أنه ليس بواجب إجماعا.

و في المقنعة: أنه سنّة بلا اختلاف. قال: و كذلك غسل الإحرام للعمرة. و عدّه في الوسيلة من المندوب بلا خلاف.

و عن ظاهر المجالس: أنّ القول باستحبابه من دين الإمامية.

و في التهذيب: أنه ليس بفرض عندنا.

و حكاية الشهرة عليه مستفيضة حكاها في المختلف و الذخيرة و كشف اللثام و غيرها.

و نسب القول بالوجوب في المعتبر إلى شاذّ منّا.

و عن العماني القول بوجوبه. و هو الظاهر مما حكي عن الإسكافي في كيفية الإحرام.

و حكى الشهيد عن الصدوق أنه أطلق وجوب عدّة من الأغسال، و عدّ منها غسل الإحرام.

و هو كما ترى غير صريح في الوجوب بالمعنى المصطلح، بل و لا (1) ظاهر فيه بملاحظة

____________

(1) زيادة: «لا» من (د).

201

المقام حيث عدّ منها لا وجه للقول فيه بالوجوب. و مال إليه صاحب الحدائق حيث ذكر أن القول بالوجوب لا يخلو عن قوة.

و مال السيد في الناصريات بعد حكمه باستحباب الغسل المذكور و تأكّد استحبابه غاية التأكيد، فلهذا اشتبه الأمر على أكثر أصحابنا و اعتقدوا أن غسل الإحرام واجب؛ لقوة ما ورد في تأكيده. و هذا يعطي شيوع القول به في الأوائل إلا أن تفرّده في كفاية (1) ذلك مع حكم غيره بخلافه بشذوذ القائل به ظاهر في توهّمه ذلك من إطلاق كلماتهم الظاهر في البناء على الوجوب، مع أن المراد به الندب كما فهمه غيره أو دلّ عليه فتاواهم في موضع آخر.

و كيف كان، فالوجه فيه القول بالندب.

و يدلّ عليه بعد الإجماعات المحكية و الشهرة المستفيضة القريبة من الإجماع الأصل.

و عدم وضوح مستند ظاهر للوجوب و لو كان واجبا لقام عليه الشواهد الظاهرة و الأدلة القاطعة؛ لما فيه من عموم البلية، و لما خفي أمره على آحاد الطائفة، مع أن الأمر فيه بالعكس، مضافا إلى ظواهر عدّة من الأخبار، منها قويّة الفضل بن شاذان، عن الرضا (عليه السلام): فيما كتب للمأمون من شرائع الدين حيث حكم فيها بكون عدّة من الأغسال منها غسل الإحرام سنّة قال: «و غسل الجنابة فريضة و غسل الحيض مثله» (2).

و منها: صحيحة معاوية بن عمار في بيان كيفية الإحرام، و فيها: «إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق إلى الوقت من هذه المواقيت، و أنت تريد الإحرام إن شاء اللّه فانتف إبطيك و قلّم أظفارك و اطل عانتك و خذ من شاربك، و لا يضرّك بأي ذلك بدأت ثم استك و اغتسل و البس ثوبيك و ليكن فراغك من ذلك إن شاء اللّه عند زوال الشمس» (3) الخبر.

فإنّ ذكره في سياق المندوبات يعطي استحبابه.

و منها: صحيحة معاوية بن وهب، فيها أيضا الأمر بها في سياق عدّة من المندوبات.

____________

(1) في (د): «حكاية» بدل «كفاية».

(2) عيون أخبار الرضا (عليه السلام) 1/ 130.

(3) الكافي 4/ 326، باب ما يجب لعقد الاحرام، ح 1.

202

و في ظاهر رواية الفقه أيضا ما يدلّ على استحبابه.

حجة القول بالوجوب ظواهر عدّة من الأخبار، و فيها ما يشتمل على الأمر بالغسل أو ما عادته إذا لبس بعد الغسل ما لا ينبغي له لبسه أو أكل ما لا ينبغي له أكله أو أن عليه إعادة الغسل إذا نام بعده، و نحو ذلك من الأخبار.

و أصرح ما يدلّ منها على الوجوب مرسلة يونس، عن بعض رجاله، عن الصادق (عليه السلام):

«الغسل في سبعة عشر موطنا، منها الفرض ثلاث، فقلت: جعلت فداك! ما الفرض منها؟

قال: غسل الجنابة و غسل من مسّ ميّتا و غسل للإحرام» (1).

أو في رواية الفقه: «الفرض من ذلك غسل الجنابة و الواجب غسل الميّت و غسل الإحرام، و الباقي سنّة» (2).

و أنت خبير بأنّه [لا] يصلح شيء من ذلك أن يكون سندا للوجوب؛ لضعف دلالة الإطلاقات المذكورة، بل هي محمولة على الندب بقرينة ما ذكرنا (3) من فهم الأصحاب و ظاهر غيرها من الأخبار بل و صريح بعضها الدالة على عدم لزوم الإعادة بسبب النوم أو لبس القميص و نحوهما.

و الأخيران لا ينهضان بانفرادهما حجة، فهما أيضا محمولان على تأكّد الاستحباب.

و منها: الغسل للطواف

كما نصّ عليه كثير من الأصحاب، و حكى في الخلاف الإجماع عليه.

و ذكر جماعة منهم استحبابه لزيارة البيت، [و] في الغنية الإجماع عليه.

و كأنه المفتى بها. و المراد مطلق الزيارة أو خصوص طواف الزيارة. و الموجود في عدّة من الأخبار المشتملة على المعتبرة هو غسل الزيارة أو الغسل لزيارة البيت أو يوم الزيارة، و أما خصوص الطواف فلم نجد له ذكرا في الأخبار إلا ما في رواية أبي حمزة، عن الكاظم (عليه السلام)

____________

(1) الإستبصار 1/ 98.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 82.

(3) في (د): «ذكرناه».

203

قال: «إن اغتسلت بمكة ثم نمت قبل أن تطوف فأعد غسلك» (1).

فربّما يومي إلى مطلوبية الغسل لأجل الطواف، و لا بأس به بعد فتوى جماعة من الأصحاب و تأيّده بالروايات.

و هل يعمّ الحكم جميع أنواع الطواف من الواجب و المندوب و طواف الحج و العمرة و طواف الزيارة و طواف النساء و طواف الوداع و الطواف المتبرع بها؟ وجهان.

و ربّما يستفاد من إطلاق جماعة منهم شمول الحكم للجميع، و نصّ الشهيد الثاني بتعميمه للواجب و المندوب، و استفادة الحكم كذلك من الأخبار لا يخلو من إشكال، و البناء على استحباب غسل زيارة البيت مطلقا- عملا بظاهر الأخبار- لا يخلو من قرب.

و منها: الغسل للوقوف بعرفات،

على ما حكي ذكره عن كثير من الأصحاب كالصدوقين (2) و الشيخين و الديلمي و القاضي و ابن أبي المجد الحلبي و الطوسي و ابن زهرة و الحلي و ابن سعيد و الفاضل و الشهيد.

و عن الخلاف و الغنية الإجماع على استحبابه.

و ربّما يحتجّ له بالصحيح: «فإذا انتهيت إلى عرفات فاضرب خباءك (3) بغيره (4) فإذا زالت الشمس يوم عرفة فاغتسل» (5). و الخبر «إذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية و اغتسل» (6) باستظهار حملهما على إرادة غسل الوقوف. و هو محلّ تأمل لاحتمال إرادة غسل اليوم، فتأمل.

و منها: الغسل لوقوف المشعر،

و عزي إلى الصدوق و الشيخ و الشهيد.

و في الخلاف حكاية الإجماع عليه.

____________

(1) الكافي 4/ 400، باب دخول مكة، ح 7.

(2) في (ب): «كالصدوق».

(3) في المصدر: «خباك».

(4) في المصدر: «بنمرة؛ و نمرة هي بطن عرنة دون الموقف و دون عرفة».

(5) الكافي 4/ 462، باب الغدو إلى عرفات و حدودها، ح 3.

(6) من لا يحضره الفقيه 2/ 540، باب الغدو الى عرفات.

204

و الأخبار و كلام أكثر الأصحاب خالية عنه. نعم، في صحيحة معاوية بن عمار: «أصبح على طهر بعد ما تصلى الفجر فتقف (1) إن شئت قريبا من الجبل و إن شئت حيث تبيت» (2) (3).

و هو صريح في إرادة الغسل، بل و في ظهوره فيه أيضا تأمل.

و ربما يحتج (4) بأولوية ثبوته عرفة من ثبوته للوقوف بعرفة حيث إنه الركن الأعظم، فيكون أولى.

و فيه أيضا تأمل لا يخفى، فإن اكتفى في ثبوت الغسلين المذكورين (بمجرّد الإجماع المنقول و فتوى الجماعة و إلّا ففي ثبوتهما إشكال.

ثمّ بناء على ثبوت الغسلين المذكورين) (5) فهما مغايران لغسل اليومين.

و منها: غسل للنحر و الحلق و الذبح؛

لصحيحة زرارة: «إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر أجزأك غسلك ذلك للجنابة و جمعة و عرفة و النحر و الحلق و الذبح و الزيارة» (6) الخبر.

و منها: الغسل لزيارة النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و كلّ من الأئمة (عليهم السلام)

كما نصّ عليه كثير من الأصحاب منهم الشيخان و القاضي و ابن أبي المجد الحلبي و الطوسي و ابن زهرة و الحلي و ابن سعيد و الفاضلان و الشهيدان و ابن فهد.

و عن الغنية حكاية الإجماع عليه.

و في الوسيلة: أنه من المندوب بلا خلاف. و أسنده في نهاية الإحكام و الروض إلى الرواية.

و يدل عليه وروده في الزيارة الجامعة المشهورة التي يراد بها كلّ واحد من الأئمة (عليهم السلام).

و عن الصادق (عليه السلام): «من أراد أن يزور قبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قبر أمير المؤمنين (عليه السلام)

____________

(1) في المصدر: «فقف».

(2) في المصدر: «شئت».

(3) الكافي 4/ 469، باب ليلة المزدلفة و الوقوف بالمشعر، ح 4.

(4) زيادة في (د): «له».

(5) ما بين الهلالين من (د).

(6) الكافي 3/ 41، باب ما يجزئ الغسل منه إذا اجتمع، ح 1.