تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
255

بوجود الماء فنسيه أو كان جاهلا من الأصل.

ثم إنه إما أن يأتي بالتيمم في سعة الوقت أو ضيقه، و على الأول فإما أن يكون عليه (1) بالماء قبل خروج الوقت أو بعده، فإن صلّى مع الطلب ثم تبين بعد خروج الوقت وجود الماء خارج الغلوات فلا تأمل في صحة صلاته سواء كان ناسيا له أو جاهلا قد صلى في سعة الوقت أو ضيقه.

و كذا لو علم في ضيق الوقت بحيث لم يتمكن أداء الطهارة المائية بنفسه أو مع أخذ الماء من الموضع الذي فيه لو علم به، فلا تأمل في الصحة من غير فرق بين الناسي و غيره.

و كذا لو فعله في السعة. و هو ظاهر كلام الأصحاب؛ لحصول الامتثال و ظاهر الإطلاقات و صدق الوجدان في بعض فروضه كما إذا كان في رحله ممنوع؛ إذ الظاهر منه اعتبار العلم بالماء و التمكن من الاستعلام بحسب المعتاد. و المفروض (2) عدم العلم بعده.

و بنى في الحدائق على لزوم الإعادة في صورة النسيان؛ أخذا بموثقة أبي بصير الآتية مع دعوى انجبارها بالشهرة. و الظاهر أنه أعنى به شهرة العمل بها في الجملة، و أما في هذه المسألة فلا نعرف قائلا به.

و فيه: أنه لا يقاوم تلك الإطلاقات المنجبرة بظاهر كلام الأصحاب، فقد يحمل على الاستحباب أو على صورة ترك الطلب رأسا أو المسامحة فيه.

و مع الغضّ عنه فالمعارضة بينها و بين تلك الإطلاقات من قبيل العموم من وجه.

و الشهرة و صدق الامتثال مرجّحة لها، فالاحتياط فيه مما لا ينبغي تركه.

و لو ترك الطلب عمدا، فإن تيمم في السعة فالظاهر فساده؛ لعدم إتيانه به على النحو المشروع سواء كان الماء موجودا في الغلوات أو خارجا عنها.

و لو كان مما لا يمكنه الوصول إليه؛ لظهور توقف التيمّم على الطلب.

و لو كان ساهيا في تركه أو ناسيا ففي صحة تيممه وجهان من سقوط التكليف بالطلب،

____________

(1) في (د): «علمه».

(2) في (ألف): «و المفروض من».

256

و من أن ذلك عذر يسقط به العقاب و المؤاخذة فلا يترتب عليه الصحة.

و الأوجه الثاني؛ إذ الظاهر من الرواية و كلام الطائفة ثبوت الشرطية، فبسقوطها بسبب العذر المذكور يحتاج إلى الدليل، و إلحاقه بعدم المكنة من جهة الخوف من اللصّ و غيره قياس.

مضافا إلى موثقة أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام): عن رجل كان في سفر و كان معه ماء، فنسيه و تيمم و صلّى، ثم ذكر أن معه ماء قبل أن يخرج الوقت؟ قال: «عليه أن يتوضأ و يعيد الصلاة» (1).

و عن السيد و المحقق البناء على الصحة في صورة نسيان الماء، و استدل له بعموم قوله (عليه السلام): «رفع عن امتي الخطأ» (2).

و هو كما ترى.

و قد يفصّل في المقام بين كون الماء بحيث يمكنه تحصيله بالطلب، و من لا يكون كذلك، فعلى الثاني يبنى على الصحة لتحقق عدم الوجدان قطعا.

و لا يخلو من (3) وجه.

و لو ضاق الوقت عن الطلب رأسا فالظاهر صحة الفعل و عدم لزوم الإعادة؛ لسقوط الطلب حينئذ. و إن كان الماء بحيث لو علم به تمكن من استعماله لتحقق عدم الوجدان في تلك الحال من غير فرق بين تركه متعمدا أو ساهيا، و لا كونه ناسيا للماء أو جاهلا.

و أطلق الشيخ الحكم بلزوم الإعادة فيمن ترك الطلب، و قد كان ناسيا للماء في رحله، فعلى ظاهر كلامه يجب الحكم بالإعادة في المقام. و هو المشهور بين الأصحاب.

و المستند فيه موثقة أبي بصير المتقدمة.

و هي كما ترى لا تدلّ عليه بوجه، فالأظهر ما قلناه وفاقا لجماعة من المتأخرين منهم صاحب المدارك؛ لما عرفت.

____________

(1) الكافي 3/ 65، باب وقت الذي يوجب التيمّم و من تيمم ثم وجد الماء، ح 10.

(2) الخصال: 417؛ التوحيد: 353.

(3) في (د): «عن».

257

مضافا إلى أنه مجال للقول بسقوط التكليف بالأداء إلحاقا له بفاقد الطهورين المتعمد لفقدهما بعده عن مفاد الأدلة، [و] القول بوجوب القضاء مع الأداء بعيد أيضا، بل لا نظير له ظاهرا.

ثامنها: لو كان الماء موجودا عنده فأخلّ باستعماله حتى ضاق الوقت عن الطهارة المائية

ففي الانتقال إلى التيمّم و إدراك الأداء أو التطهير بالماء و البناء على القضاء قولان، أوّلهما مختار العلّامة و جماعة، و الثاني مختار المحقق.

و الأقوى الأول. و لا فرق بين أن يكون ذلك من جهة عدم اتّساع الوقت للطهارة المائية نفسها أو من جهة مقدماتها كإزالة النجاسة.

و لو كان من جهة إزالة المانع عن وصول الماء، فالظاهر حينئذ سقوط غسل محلّ المانع كما مرّ إلا أن يستوعب العضو، ففيه الإشكال المتقدم.

و يدلّ على ما قلناه الإطلاقات الدالّة على تعيين التيمّم عند عدم التمكن من الماء، و المفروض عدم حصول التمكن لفوت الصلاة بفعل المائية.

كيف و لو لا ذلك لوجب القول بسقوط الصلاة إذن أو تكليفه بها من دون طهارة أو معها.

و الأخيران واضح الفساد، و الأول مخالف للأخبار، و لما هو معلوم من أن مشروعية التيمّم إنما هو لأجل عدم فوت الأداء، و إلا لجاز ترك الصلاة، و انتظار حصول الماء للتمكن منه غالبا بعد خروج الوقت.

و كون نفسه سببا لفوت المائيّة اختيارا لا يوجب الفرق؛ إذ غاية الأمر حصول الإثم.

و قد مرّ نظيره.

و القول بعدم جواز التيمّم في مثله و لو كان من غير اختياره- كما لو استيقظ في آخر الوقت بحيث لم يمكنه إدراك الصلاة إلا متيمما- ضعيف جدّا سيّما إذا كان من جهة بعض مقدمات تحصيل الماء كاستقائه من البئر و نحوه.

و لا يبعد انتفاء الخلاف في هذه الصورة؛ إذ لو أوجب السعي إلى الماء خروج الوقت تعيّن التيمّم بالاتفاق.

258

و الفرق بين القريب و البعيد في ذلك مما لا يعقل فارقا في المقام.

و قد عرفت بما ذكر ضعف ما حكي عن المحقق الكركي (1) من التفصيل بين ما إذا كان الماء حاضرا عنده و لم يتمكن من المائية من جهة ضيق الوقت و ما إذا لم يكن الماء عنده بحيث لو سعى إليه فات الوقت.

و أنت خبير بأنه إذا كان المناط في الوجدان هو التمكن من الاستعمال و إدراك الوقت فهو غير حاصل في المقامين، و إن كان عدم صدق القدرة على الماء وجدانه فلا فرق أيضا إلّا أن يكون بعيدا عنه جدّا بحيث لا يعدّ في العرف واجدا. و هو لا يلتزم به.

ثم انه يجري الكلام المذكور في سائر شرائط الصلاة المذكور الساقطة حال الاضطرار كطهارة الثوب أو البدن و الساتر و تعلّم القراءة و العلة، و الظاهر في الجميع ما ذكرناه. و يأتى على القول الآخر فسادها على تلك الحال.

تاسعها: لو وجد من الماء ما لا يكفيه إلا لبعض أعضائه

انتقل الحكم إلى التيمّم بلا خلاف فيه ظاهرا، و محكيا في ظاهر منتهى المطلب (2) و ذكرى الشيعة حيث نسباه إلى علمائنا بل ظاهرهما حكاية الإجماع على سقوط غسل البعض أيضا حيث جعلاه بحكم العدم. و هو كذلك.

و قد يحكى عن الشيخ في بعض أقواله التبعيض. و حكي القول به من العامة.

و هو ضعيف جدّا سواء أريد به البعض في الغسل خاصة و إن أتى بالتيمم تامّا أو الاكتفاء به عن الكلّ أو التبعيض بين المائية و الترابية.

و قد دلّت المعتبرة المستفيضة على سقوط الغسل مع انتفاء ما يكفيه من الماء لغسله و إن كفى للوضوء.

نعم، لو أخلّ (3) في خصوص الغسل؛ نظرا إلى عدم اشتراطها بالموالاة حصول الماء

____________

(1) جامع المقاصد 1/ 467.

(2) منتهى المطلب 1/ 133.

(3) في (د): «ظنّ».

259

بالتدريج بحيث يدرك آخر الوقت متطهرا تعيّن غسل البعض و الانتظار، و إن كان بحيث يلحقه الباقي بعد خروج الوقت لم يجب عليه ذلك، و إن أدرك به الصلاة اللاحقة إذ لا يجب (1) الطهارة لها قبل دخول وقتها كما مرّ.

و لو شكّ في اللحوق في الوقت ففي وجوب استعماله مع عدم إمكان حفظه و انتظار آخر الوقت وجهان؛ احتمله العلّامة و غيره.

و يجري الوجهان في وجوب حفظ ذلك الماء لو أمكن مع احتمال حصول ما يكمله خاصة للوضوء و الغسل.

و لو وجب عليه كلّ من الوضوء و الغسل و كفى الماء لإحدى الطهارتين فلا تأمل في وجوب الإتيان به و التيمّم للأخرى، و لو اكتفى به لكلّ من الغسل و الوضوء منفردا فالظاهر تقديم الغسل و التيمّم عن الوضوء.

و الأحوط إذن تقديم الغسل على التيمّم، و احتمل بعضهم التخيير بين الأمرين لكون كل منهما فرضا مستقلا، و هو بعيد.

عاشرها: لو توقّف الاكتفاء بما يجده من الماء على فرجه بالمضاف على وجه لا يسلبه الإطلاق

ففي وجوب ذلك قولان. و العدم مختار الشيخ؛ لصدق عدم وجدان الماء المعتبر في مشروعية التيمّم، و التمكن من إيجاد الماء ليس وجدانا له.

و إليه يميل كلام فخر المحققين و اختاره بعض المتأخرين، و قطع العلّامة في المختلف بالوجوب.

و يدلّ عليه صدق التمكن من الماء و أنّ الطهارة بالماء واجبة، فيجب مقدمته.

و أورد عليه بأن شرط التيمّم في الآية ليس مطلق عدم التمكن، بل عدم الوجدان المتحقق في المقام و أن وجدان الماء من شرائط وجوب المائية، فلا يجب إيجاده لأجلها؛ لعدم وجوب مقدار الواجب المشروط.

____________

(1) لم ترد في (ب): «إذ لا يجب ... إمكان حفظه».

260

و فيه أن الظاهر من الوجدان في المقام هو التمكن من الماء كيف كان كما يومي (1) إطلاق الأمر بالوضوء و الغسل مقدّما عليه القاضي بوجوب تحصيل مقدمته حسب الإمكان.

كما هو أيضا معلوم في المقام من فتاوى الأصحاب، و كأنّ ذلك هو الوجه في حمل الآية على ذلك كما حكي من أساطين المفسّرين كالطبرسي و الزمخشري. و حينئذ فيدفع الإيرادان المذكوران.

كيف، و لو لا ذلك لما وجب إذابة الثلج و نحوه؛ لعدم وجود الماء عنده قبلها، و لما وجب الوصول إليه من الأماكن البعيدة أو حفر البئر لإخراجه مع عدم صدق الوجدان قبله.

و ما يرد (2) على ذلك من بيان الفارق من الوصول إلى الماء الموجود بحفر و نحوه، و بين إيجاده بعد عدمه بيّن الوهم؛ لعدم تعليق التيمّم في الآية لوجود الماء ليتمّ الفرق المذكور، و إنما المعلّق عليه الوجدان (3)، و هو غير متحقق قبل الوصول إليه بالأسباب المذكورة.

نعم، لو كان الماء قريبا منه أمكن القول بصدقه، و هو غير مورد النقض. على أنه لا يتمّ فيما ذكرناه من إذابة الثلج لعدم وجود مسمّى الماء قطعا.

حادي عشرها: لو طلب الماء قبل الوقت

فإن علم بعد الوقت عدم تجدّد شيء اكتفى به، و لو احتمل تجدّده لزمه تجديد الطلب في وجه قويّ؛ إذ الأمر بالطلب إنما هو بعد دخول الوقت و الاكتفاء بما قبله (4) غير معلوم، فينبغي على عدمه لو طلب لصلاة واحدة، فالظاهر الاكتفاء به لما يأتي من الصلاة حضر وقتها أولا.

و حكم الفاضل في عدة من كتبه بلزوم إعادة الطلب لما دخل وقتها ما لم يعلم عدم تجدّد شيء. و كأنّ الوجه فيه لزوم الطلب له أيضا، فلا يسقط بالطلب لغيره إلا مع العلم بعدم التجدد.

____________

(1) زيادة في (د): «إليه».

(2) في (د): «يورد».

(3) في (ألف): «و الوجدان».

(4) في (د) زيادة: «حينئذ».

261

و يدفعه أن لزوم الطلب إنما هو لأجل التيمّم من غير مدخليّة فيه للصلاة، فإذا صحّ تيمّمه أتى به ما شاء من الصلوات ما لم يجد ماء كما هو قضية الإطلاقات. و يحتمل الاكتفاء به أيضا لو تيمّم قبل الوقت لغير الصلاة فدخل وقتها.

ثاني عشرها: لو كان في بدنه نجاسة و كان محدثا و لم يكن له من الماء ما يكفيه للأمرين،

فإن كانت النجاسة في محلّ الطهارة فلا تأمّل في تقديم الإزالة، و إن كانت في غيره فالمعروف بين الأصحاب تقديم إزالة الخبث.

و في التذكرة (1) كالمحكيّ عن المعتبر و المنتهى (2) الإجماع عليه؛ نظرا إلى وجود بدله بخلاف الإزالة إلا أن المفروض فيها خصوص التيمّم عن الوضوء. و قضية التعليل عدم الفرق.

و ليس له غيره.

و ظاهر التذكرة إجماع الطائفة عليه حيث حكى الخلاف فيه عن بعض العامة.

و يمكن المناقشة في الوجه المذكور بأن الانتقال إلى تبدّل الماهية مشروط بعدم وجدان الماء، و المفروض حصوله في المقام.

و وجوب صرفه في الإزالة إنما يكون مانعا بعد ثبوته، و ليس ذلك أولى من القول بسقوط وجوب الإزالة المشروطة بالوجدان من جهة وجوب رفع الحدث به.

و الحاصل أن كلّا من رفع الحدث و إزالة الجنب مشروط بالتمكن من الماء، و المفروض حصوله لأحدهما، فالترجيح متوقف على الدليل، [و] وجود مجرّد البدل المترتب على عدم وجدان الماء لا يكفي مرجّحا، فقضية الأصل التخيير بين الأمرين.

و من هنا تأمّل بعض المتأخرين في الحكم المذكور.

نعم، قد يقال بأن وجود البدل من المائية قد يعطي مزيد عناية الشرع إذن بالإزالة (3) الخالية عنه، فيقدّم عليه، مضافا إلى الإجماعات المحكية عليه و موافقة للاحتياط، و الأحوط

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 5.

(2) منتهى المطلب 1/ 23.

(3) في (ألف): «العناية» بدل «الإزالة».

262

إذن الإتيان بالإزالة أوّلا ثم التيمّم.

هذا، و لا يذهب عليك أن ذلك إنما هو مع التمكن من التيمّم، و لو من آخر مراتبه في وجه قوي، و أما مع العجز عنه مطلق (1) فلا شبهة في تقديم الرفع.

____________

(1) كذا، و الظاهر: «مطلقا».

263

تبصرة [في عدم الوصول إلى الماء]

من أسباب العجز عن الماء عدم الوصلة إليه و إن وجد، ككونه في بئر لا آلة له في الوصول إليه أو عند شخص لا يبذله له لا ببيع و لا غيره أو لا يكون واجدا لثمنه أو يكون بينه و بين الماء مسافة يكون عليه حرج في قطعه و إن كان قريبا كما إذا كان مريضا لا يمكنه المشي، و نحو ذلك مع عدم التمكن من إرسال الغير إلى غير ذلك.

و تنقيح المبحث يتمّ برسم أمور:

أحدها: لو كان الماء في بئر و لا آلة يتمكن من الاغتراف

و لم يتمكن من الوصول إلى الماء إلّا (1) بمشقة و هو (2) بنفسه تيمم بلا خلاف فيه من الأصحاب.

و في منتهى المطلب أنه قول علمائنا أجمع.

و الوجه فيه- بعد الإجماع ظاهرا و محكيا، و ما دلّ على نفي الحرج- المعتبرة المستفيضة كالصحيح: عن الرجل يمرّ بالركية و ليس معه دلو؟ قال: «ليس عليه أن يدخل الركية لأنّ رب الماء هو رب الأرض فليتيمم» (3).

و نحو منه ما في الصحيحة الأخرى، و حسنة الحسين بن أبي العلاء (4).

و إطلاق هذه الأخبار محمول على ما هو الغالب من تفسير النزول إلى البئر أو منّة (5)

____________

(1) في (ألف): «لا».

(2) في (د): كلمة غير واضحة لم نفهمها.

(3) من لا يحضره الفقيه 1/ 105.

(4) الكافي 3/ 64، باب وقت الذي يوجب التيمّم و من تيمم ثم وجد الماء، ح 7.

(5) كذا تقرأ الكلمة في (د).

264

بالنفس، فلو صلّى عن ذلك فالظاهر وجوبه لتوقف الواجب عليه.

نعم، لو كان جنبا و لم يكن عنده آنية يكتفي بما يغرف بها، فظاهر الصحيحة الثانية المنع عن النزول في الماء؛ لقوله (عليه السلام): «و لا تقع في البئر و لا تفسد على القوم ماءهم» (1).

و كأنّه مبني على نجاسة البئر، و على استكراه منه، فيوجب الضرر على الناس أو كان في وقوعه إفساد للماء بوجه آخر كانخباطه بالطين و إفساده بالتغيّر مع كون الماء ملكا للغير أو كونه في تصرفهم أو وقفا يوجب ذلك، و لا ضرار بالموقوف عليهم.

فلو خلي من جميع ما ذكر فالظاهر وجوب النزول؛ أخذا باطلاق الوجدان.

و لو كان البئر ملكا له و أوجب النزول فيه نقصا فيه من جهة المالية دار مدار الإضرار بحاله و عدمه.

و لو أمكنه تكليف الغير بالنزول من دون تحمل منّة (2) منه وجب. و كذا لو طلب منه الأجرة إن لم يكن مضرة بحاله و إن أجحف فيه.

و كذا الحال في الآلة الموصلة إلى الماء استعارة أو استيجارا أو شراء، نفيا و إثباتا.

و لو تمكن من أمر مملوكه فالظاهر أنه يدور مدار المشقة و الحرج بالنسبة إليه، فإن ثبت سقط عنه التكليف؛ إذ لا يجب تكليفه بما يوجب الحرج عليه.

و لو تمكن من حفر طريق إلى الماء بنفسه أو معاونة غيره بما لا ضرر عليه وجب إن كان الأرض ملكه أو مباحا أو تمكن من استيذان المالك، و لو توقف ذلك على اجتماع الجماعة الفاقدين على الحفر من دون تمكن كل منهم بذلك، فإن أقدم بذلك من يكتفي بمعونتهم وجب عليه قطعا.

و هل يجب عليهم الاجتماع من أوّل الأمر؟ وجهان من عدم حصول المكنة بالنسبة إلى كلّ واحد، و حصولها مع الاجتماع، فيجب من باب المقدمة.

و هو الأظهر، فعلى هذا يجب عليه إجبار الباقين مع التخلف إن تمكن منه.

____________

(1) الكافي 3/ 65، باب وقت الذي يوجب التيمّم و من تيمم ثم وجد الماء، ح 9.

(2) زيادة لفظة: «منّة» من (د).

265

و يجري الكلام المذكور بالنسبة إلى سائر أسباب الوصلة كشراء الماء أو الآلة و نحو ذلك.

و منه ما لو كان عند كلّ منهم قطعة حبل و نحوه يتمكن بوصل الجميع من الوصول إلى الماء.

و لو تمكن من الوصول إلى الماء بشدّ الثياب بعضها إلى بعض وجب.

و لو توقف على شقّ بعضها وجب مع انتفاء النقص المتفاحش و إلّا فإن أضرّ بحاله و سقط أو مع عدمه ففيه وجهان؛ من توقف الواجب عليه، و من كونه تضييعا للمال.

و يجري ما ذكر فيما إذا توقف سعيه إلى الماء على إتلاف بعض أمواله.

ثانيها: لو كان الماء موجودا و عدم الثمن الذي يرضي صاحبه بنقله به فهو كفاقد الماء،

و هو مما لا خلاف فيه و لا إشكال.

نعم، لو تمكّن من اكتساب الثمن وجب عليه من باب المقدمة إن و في الوقت به، و إلا فلا وجوب كما مرّ.

و لو تمكن من الاقتراض أو الشراء نسيئة فإن كان له بعد ذلك ما يفي به من دون إضراره بحاله وجب، و القول بكون نفس القرض ضررا فاسدا و إن لم يكن له ذلك، و كان له مظنة بحصوله و لو من الزكاة و نحوها فالظاهر أنه كذلك، و إلا فالظاهر عدم لزومه. و قيل بدوران الأمر مدار الإعسار (1) و عدمه. و لو تمكن من الثمن و كان دفعه مضرا بحاله فالمعروف بينهم سقوط المائية.

و عزاه في المعتبر إلى الأصحاب مؤذنا (2) باتفاقهم عليه، فإن كان الضرر المفروض بدنيّا أو عرضيا في الحال أو في المال فلا تأمل في السقوط.

و كذا لو كان خوفا من تلف ماله الآخر بما لا يعدّ ضررا في العرف في (3) وجه قوي.

و إن كان المضرّ بحاله مجرّد الثمن المدفوع، فالظاهر أنه كذلك، و هو المعروف من مذهبهم

____________

(1) في (ب): «الاعتبار».

(2) في (ألف) و (ب): «موذونا».

(3) زيادة: «في» من (د).

266

كما عرفت؛ لما دلّ على نفي الضرر و الحرج حيث إن ذلك من أعظم المضار.

كيف، و يظهر من ملاحظة الأخبار الانتقال إلى التيمّم بأدنى ضرر، بل و الخوف منه.

و عن السيد و ابن سعيد دورانه مدار التمكن. و ظاهره عدم ملاحظة الإضرار إلا أنه لا (1) يأبى الحمل على ما ذكرناه، و قد أفتى بظاهره بعض المتأخرين مصرّحا بوجوب الشراء و إن كان مضرا بحاله؛ لتمكنه من الشراء، فيجب من باب المقدمة.

و احتجّ عليه بظاهر الإطلاقات الآتية (2) و إطلاقات (3) الآية الشريفة و غيرها، و هي منزلة على صورة عدم الإضرار بالحال؛ لما عرفت.

نعم، لو انحصر طهوره بذلك بأن كان فاقدا للتراب فقد يقال بتعيّن الشراء عليه؛ لفقدان البدل و شدّة اهتمام الشرع بأمر الصلاة إلا أنه لا يبعد إلحاقه بفاقد الطهورين، فلو دار أمره إذن بين شراء الماء أو التراب و كان دفع قيمة الماء مضرّا بحاله تعيّن شراء التراب و إن لم يكن الضرر منوطا بالتفاوت بين القيمتين.

و لو كان الماء ملكه فباعه بأضعاف قيمته، فهل يجب عليه الفسخ لو رضي الآخر به أو كان له خيار في الفسخ إذا كان الفسخ مضرّا بحاله وجهان.

ثم إن قضية ما ذكرناه عدم الفرق بين كونه زائدا على قيمة مثله في ذلك المكان أو لا.

و حينئذ يفرق بين كونه مالكا لنفس الماء و قيمته، فيجب على الأول صرفه في الطهارة، و لا يجب شراؤه بالقيمة فتأمل فيه.

و لو لم يكن مضرا بحاله و بلغ حدّ الاجحاف فذهب جماعة من الأصحاب منهم الفاضلان و الشهيد إلى سقوطه أيضا. و هو أيضا (4) من الضرر المنفي. و (5) في المعتبر (6) بعد ما

____________

(1) لم ترد في (ب): «لا».

(2) لم ترد في (ب): «الآتية و إطلاقات».

(3) في (د): «و إطلاق» بدل «و إطلاقات».

(4) لم ترد في (ب): «و هو أيضا».

(5) زيادة: «و» من (د).

(6) لم ترد في (ب): «في المعتبر».

267

جعل السقوط دائرا مدار الإجحاف و عدمه.

[و] احتج عليه بأن من خشي من لصّ أخذ ما يجحف به لم يجب السعي و تعريض المال للتلف، و إذا تيمم هناك دفعا للضرر جاز هنا.

ثم ذكر رواية يعقوب بن سالم الدالة على عدم وجوب السعي إلى الماء و على غلوتين من يمين الطريق و يساره أو نحوهما لئلا يغرر بنفسه، فيعرض له لص أو سبع (1).

و أنت خبير بأن حمل الشراء على ذلك قياس؛ مضافا إلى وجود الفارق بينهما؛ إذ لا يناط خوف اللص بالاجحاف أخذا بظاهر النصّ، و مع عدمه فهو غير قائل به أيضا.

و ذهب غير واحد من الأصحاب إلى عدم العبرة بالاجحاف و لزوم الشراء. و هو الأظهر؛ أخذا بظاهر الإطلاقات و عدم حصول الإضرار بالنسبة إلى حاله.

و دعوى مجرد كون الإجحاف ضررا غير معلوم، مضافا إلى الصحيح: سألت أبا الحسن (عليه السلام): «عن رجل احتاج إلى الوضوء للصلاة و هو لا يقدر على الماء، فوجد قدر ما يتوضأ به بمائة درهم أو ألف درهم و هو واجد لها، يشتري و يتوضأ أو يتيمم؟ قال: «لا، بل يشتري، قد أصابني مثل ذلك فاشتريت و توضّأت و ما يسرّني بذلك مال كثير» (2).

و هو صريح في الشراء في صورة الإجحاف.

و من الغريب احتجاج الفاضل (3) بها لوجوب الشراء مع عدم الإجحاف.

و لو لم يصل إلى حدّ الاجحاف فإن كان بقدر ثمن المثل فلا خلاف في وجوب الشراء، و إن زاد عليه فالمعروف منهم الوجوب أيضا.

و في التذكرة (4) أنه المشهور.

و عن الإسكافي القول بسقوط الوجوب لأنه يجوز له التيمّم لحفظ المال، فلا يناسب

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 184، نقله المصنف بالمعنى.

(2) الكافي 3/ 74، باب النوادر، ح 17.

(3) كشف اللثام 2/ 444.

(4) تذكرة الفقهاء 1/ 61.

268

وجوب الشراء بأكثر من ثمن المثل.

و هو كما ترى، مضافا إلى ما عرفت من النصّ.

ثالثها: نصّ جماعة من الأصحاب بأنه لو بذل له الماء هبة وجب عليه القبول

بخلاف ما لو بذل (1) ثمنه أو الآلة الموصلة إليه.

نعم، إن أعاره الآلة وجب القبول. قالوا: و الفارق في الجميع حصول المنّة و عدمه. قلت:

فالأظهر إذن دوران الحكم مدارها وجودا و عدما، فربما يحصل المنّة في بذل الماء و ربما لا تحصل في بذل الثمن، و كذا الحال في غيرهما، بل لا يبعد أن يقال بأن تحمّل مطلق المنّة لا يعدّ ضررا فيدور الحكم مداره، و هو مما يختلف فيه الأشخاص من الطرفين، فربّ شخص لا يعدّ تحمل المنّة العظيمة حرجا بالنسبة إليه، و آخر لا يتحمل أدنى منّة من الغير.

و يجري ذلك في الاستيهاب و الاستعارة و نحوهما. و حكم في التذكرة (2) بوجوب استيهاب الماء.

و في إطلاقه ما عرفت، مضافا إلى ما فيه من التزام المهانة في بعض الأحيان.

رابعها: لو عارض بذل (3) الثمن عن الماء واجب مضيق

كأداء الدين مع انحصار المال فيه قدّم الأهم عند الشرع، ففي نحو المعارضة بينه و بين حقّ الناس يقدّم حق الناس، و في غيره أيضا يلاحظ خصوصية الواجب.

و عند انحصار الطهور في الماء المفروض و دوران الأمر بين الشراء و ترك الصلاة يتقوّى الاهتمام به، فيقدّم على كثير من الواجبات.

و لو تعيّن صرفه في غير الماء فخالف صرفه فيه أثم و صحّت المعاملة.

و قد يأتي على القول بفساد البيع في المسألة المتقدّمة فساد الشراء هنا، و هو ضعيف.

و لو التزم بالضرر في المسائل المتقدمة و حصل الماء وجب عليه الوضوء و إن لم يجب عليه

____________

(1) زيادة في (د): «له».

(2) تذكرة الفقهاء 1/ 61.

(3) في (ألف): «بذلك».

269

التحصيل، فثبت التخيير بين الوضوء و التيمّم في كثير من الفروض المتقدمة.

و ربما يقال بوجوب التيمّم عينا قبل تحصيل الماء في وجوب الوضوء كذلك بعده، فلا تخيير.

خامسها: من منعه الزحام يوم الجمعة و عرفة من الخروج من المسجد تيمّم و صلّى

بلا خلاف فيه فيما أعلم كما في الحدائق (1).

و الأصل في الحكم المزبور موثّقة سماعة: عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة لا يستطيع الخروج من كثرة الزحام، قال: «يتيمم و يصلي معهم و يعيد إذا انصرف».

و قوية السكوني: عنه (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام)، عن علي (عليه السلام)، أنه سئل عن رجل يكون في وسط الزحام يوم الجمعة أو يوم عرفة (2) لا يستطيع الخروج من المسجد من كثرة الناس، قال:

«يتيمم و يصلي معهم و يعيد إذا انصرف» (3).

و روى الراوندي بإسناده، عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن أبيه، عن آبائه، قال: «سئل علي (عليه السلام) عن رجل يكون في زحام في صلاة جمعة أحدث و لا يقدر على الخروج؟ قال: يتيمم و يصلي معهم و يعيد» (4).

و الكلام هنا في أمرين:

أحدهما: أن الزحام إذا كان في يوم الجمعة و خاف فوت الصلاة بالتأخير نظرا إلى ضيق وقتها فالتيمّم جار على القاعدة (5) بعد حمل الصلاة على صلاة الجمعة كما هو الظاهر.

و أما يوم عرفة فلا يجرى الكلام المذكور؛ إذ غاية الأمر عدم التمكن من الماء في تلك

____________

(1) الحدائق الناضرة 4/ 247.

(2) في المصدر زيادة: «فأحدث أو ذكر أنه على غير وضوء و».

(3) تهذيب الأحكام 3/ 248.

(4) مستدرك الوسائل 2/ 525.

(5) لم ترد في (ب): «القاعدة».

270

الحال، و هو لا يقضي بانتقال الحكم إلى التيمّم.

و احتمل العلامة المجلسي (1) جواز التيمّم فيه لإدراك فضل الجماعة لا سيّما الجماعة المشتملة على تلك الكثرة العظيمة الواقعة في مثل هذا اليوم الشريف. قال: لكن لم أجد قائلا به.

و المشهور الحكم بالصحة في صلاء الجمعة الواقعة كذلك، و حمل الأمر بالإعادة على الاستحباب.

و ثانيهما: أن الحكم باعادة الصلاة بعد ذلك مما اشتمل عليه بالنصوص المذكورة، و قد أفتى به الشيخ و جماعة إلّا أنه غير جار على القواعد؛ إذ لو حكم بصحة الفعل المتقدم فقد أجزأ. و لا وجه إذن لوجوب الاعادة، و إلّا فلا يتّجه الأمر بالتيمم و التلبس بالعبادة.

و احتمل العلامة المجلسي (2) حمل الأخبار المذكورة على ما إذا كانت الصلاة مع المخالفين كما هو المتداول عن إقامتهم للجمعة و الجماعات، فإذا لم يمكنه الخروج و لا ترك الصلاة خوفا منهم يتيمم و يصلّي، ثم يعيد.

و اختاره بعض المتأخرين في حمل الخبرين مصرّحا بأن المأتيّ به إنما هو صورة الصلاة، و ردّ ما ذكر في انطباق الحكم في التيمّم على القاعدة (في صلاة الجمعة بأنّ الجمعة إنّما يصلّي معهم ظهرا. و حينئذ فيجري فيه حكم الظهر، و وجّه الأمر بالتيمّم مع ذلك بأنّ رواية مسعدة بن صدقة) (3) تدلّ على المنع من الإتيان بصورة الصلاة محدثا، فقد يكون الوجه فيهما أيضا ذلك. فعلى هذا تنطبق الروايتان على القواعد.

قلت: و يشكل ذلك بأن الصلاة الواقعة على جهة التقية الصحيحة مجزية كما هو قضية الأخبار و فتاوى الأصحاب، فلا يتّجه الأمر بالاعادة أيضا.

و يمكن أن يقال: إن عمل التقية إنما يحكم بصحته مع وقوعه موافقا لمذهب من يتّقى منه،

____________

(1) بحار الأنوار 78/ 164.

(2) بحار الأنوار 78/ 163.

(3) لم ترد ما بين الهلالين في (ألف) و اضفناها من (د) و (ب).

271

فلا يتّجه الحكم بالصحة في المقام. و لو تمّ فإنما يتمّم بالنسبة إلى زحام الجمعة.

و فيه أيضا ما عرفت من أنه إنما يؤتى بها ظهرا، فالبناء على الصحة فيه أيضا مشكل؛ إذ جواز التيمّم عندهم- لو قالوا به- فإنما هو في الجمعة، و المفروض عدم الإتيان بها، فإذن يشكل الحكم في المقامين إلا أن يقال: إنه مع تعيين الفعل للتقية يتعيّن الواجب، و معه يجب الطهارة (1) لأجلها، فإذا تعذر المائية تعيّن بدلها.

و كيف كان، فالمتّبع في المقام هو البناء على القواعد، فحينئذ إن بني على صحة الصلاة الأولى كان الأمر بالإعادة على جهة الندب، و إلا كان على ظاهره من الوجوب.

____________

(1) في (ب): «الصلاة» بدل «الطهارة».

272

تبصرة [في خوف الضرر من استعمال الماء]

من أسباب العجز عن الماء أن يكون في استعماله أو في السعي إليه خوف الضرر من مرض أو زيادته أو بطوء برئه أو عطش شديد لا يتحمّل في العادة أو خوف الهلكة و نحو ذلك.

و كون ذلك في الجملة سببا للانتقال إلى التيمّم مما لا خلاف فيه إلا أن توضيح خصوصياته و بيان ما لعلّه وقع الاشكال فيه من جزئياته يستدعي رسم أمور:

الأول: لو كان في سعيه خوف الهلاك من سبع أو عدوّ و يخاف منه على نفسه،

فلا شكّ في سقوطه و الرجوع إلى التيمّم، و كذا لو خاف على عرضه أو من أذاه بما لا يتحمّل في العادة كالأسر و الضرب و نحوهما.

و إن أمن القتل أو خاف على ماله كلصّ يصادفه أو عدوّ معرضه لا يخاف منه على غير المال (سواء كان في ذهاب ماله ضرر عليه من جهات اخر أولا في ظاهر كلام الأصحاب، بل صريحهم.

و في التذكرة: لو كان بقربه ماء و) (1) خاف أن سعى إليه على نفسه من سبع أو عدوّ أو على ماله من غاصب أو سارق جاز له التيمّم إجماعا.

و في منتهى المطلب (2) بعد ذكر الخوف على النفس أو المال من اللصّ و السبع و العدوّ و نحوهما أنه كالعادم لا نعرف فيه خلافا.

و استشكل في الحدائق في خصوص الخوف على المال مع اعترافه بكونه مما اتفق عليه الأصحاب؛ نظرا إلى عدم وروده بالخصوص في شيء من الأخبار، و أن قضية الإطلاقات فيه

____________

(1) الزيادة بين الهلالين من (د).

(2) منتهى المطلب 1/ 134.

273

وجوب السعي لتوقف الواجب المطلق عليه.

و ذكر أن الاستناد على ما دلّ على وجوب حفظ المال و صيانته معارض بما دلّ على وجوب الوضوء و الغسل من الآية و الرواية مع صراحتها و وضوحها، فيجب تقديم العمل بها و إرجاع ما خالفها على غير (1) تلك الصورة ثمّ (2) منع من وجوب حفظ المال في تلك الحال.

و أنت خبير بوهن ذلك؛ إذ الظاهر الاكتفاء فيه بما دلّ على نفي الضرر و الحرج؛ إذ التعرض لذلك من أعظم الحرج سيّما إذا كان المأخوذ منه مضرّا بحاله، و ما دلّ على وجوب حفظ المال المعتضد بفتوى الطائفة و الاجماعات المنقولة المؤيّدة بعدم ظهور الخلاف فيه بعد القضاء به.

و القول بمعارضتها بما دلّ على وجوب الوضوء و الغسل مدفوع بأن أقصى مراتب المعارضة الرجوع إلى المرجّحات، و لا شكّ في ترجيحها لجانب المشهور؛ لاعتضادها بالشهرة من الإجماع.

و القول بصراحة تلك العمومات غير واضح؛ إذ لا وضوح في إطلاقها بالنسبة إلى الصورة المذكورة، مضافا إلى ما رواه في الدعائم عنهم (صلوات اللّه عليهم): في المسافر إذا لم يجد الماء إلا بموضع يخاف فيه على نفسه إن مضى في طلبه من لصوص أو سباع أو ما يخاف منه التلف و الهلاك «يتيمم و يصلي».

فإنّ ذكر الخوف من اللصوص يشهد بأن المراد من الخوف فيه أعمّ من الخوف على المال، و إطلاق الخوف على النفس على ما يعمّه شائع في العرف؛ لرجوع الضرر على نفسه.

و في رواية يعقوب بن سالم: عن رجل لا يكون معه ماء و الماء عن يمين الطريق و يساره غلوتين أو نحو ذلك؟ قال: «لا أمره أن يغرر بنفسه فيعرض له لص أو سبع» (3).

____________

(1) لم ترد في (ب): «غير».

(2) زيادة: «ثمّ» من (د).

(3) الكافي 3/ 65، باب وقت الذي يوجب التيمّم، ح 8.

274

و قد احتجّ بها الأصحاب على نحو (1) ذلك.

و في دلالتها على ذلك إشكال؛ إذ التغرير بالنفس تعريضها للهلاك إلا أن يقال بأن المفهوم منها عرفا في المقام ما يعم ذلك، سيّما بملاحظة (2) فهمهم منها.

قلت: ما ذكر من الوجوه ظاهرة (3) الدلالة على المقصود فيما إذا كان المأخوذ منه مضرّا بحاله أو كان عليه في التعرض لذلك إهانة أو حرج لا يتحمل في المعتاد كما هو الغالب في التعرض للسرّاق و قطّاع الطريق، بل (4) الظاهر أنه المتيقّن من الإجماع المنقول في المقام.

فلو خلّي من ذلك كلّه فقضية الأصل فيه وجوب تحصيل الماء كما إذا منع الجائر الخروج إلى الماء إلا لمن بذل مبلغا من المال، و كان غير مضر بحاله. و نحوه ما إذا غصب ماءه المملوك و توقف استنقاذه على شرائه منه أو منعه من أخذ الماء المباح، و لم يمكن الاستيذان منه إلّا ببذل المال، فلا يبعد في ذلك كله القول بالوجوب.

و لو توقف سعيه إلى الماء على تضييع بعض أمواله فالظاهر جريان التفصيل المذكور على تأمل.

الثاني: لو خاف الوقوع في الهلكة من استعمال الماء أو خاف من ازدياد المرض

أو خوف (5) بطء برئه جاز له التيمّم بالإجماع.

و قد استفاضت الأخبار في انتقال (6) حكم المجدور (7) و الذي به القروح و الجروح و غيرهما إلى التيمّم، مضافا إلى ما دلّ على انتفاء الحرج و الضرر و المنع من إلقاء النفس على التهلكة.

____________

(1) لم ترد في (ب) و (د): «نحو».

(2) في (ألف): «ملاحظة».

(3) في (ب): «ظاهراه».

(4) في (ب): «و» بدل: «بل».

(5) لم ترد في (د): «خوف».

(6) في (ألف): «انتقاء».

(7) في (ب): «المحدود».

275

و لا فرق بين تعمّده الجنابة على الحال المذكور و غيره على المعروف بين الأصحاب.

و عن الشيخين في المقنعة (1) و الخلاف (2) أن من أجنب مختارا وجب عليه الغسل و إن خاف به على نفسه.

و عن الشيخ في النهاية و المبسوط: إن خاف التلف على نفسه يتيمم و يصلي و يعيد الصلاة إذا وجد الماء و اغتسل.

و فصّل صاحب الوسائل، فأوجب الغسل و لو مع حمل (3) الضرر الشديد إلا إذا خاف التلف، فيتيمّم.

و الأقوى الأول؛ لما دلّ على انتقال الحكم إلى التيمّم عند الخوف من الضرر، و المعتبرة المستفيضة المشتملة على الصحاح و غيرها الآمرة بالتيمم لمن أصابه جنابة و هو مجدور أو به القروح أو الجروح أو يخاف البرد على اختلاف مورد تلك الأخبار.

نعم، ورد في بعضها الأمر بإعادة الصلاة عند الأمن من البرد، و هي حجة الشيخ على لزوم الإعادة، و هي محمولة على الاستحباب؛ لخلوّ غيرها منه، و إن قضية الأمر الإجزاء.

مضافا إلى ما دلّ على المنع من إلقاء النفس إلى التهلكة، و عدم تعلق التكليف بما يوجب الحرج و الضرر، مع تأيّدها بالشهرة العظيمة بين الطائفة، و موافقة الكتاب و السنّة و العقل من الأمر بحفظ النفس، بل ينبغي القطع بالمنع في صورة الخوف من تلف النفس كما هو مذهب (4) الشيخين، فلا وجه لترك الأحكام المعلومة من العقل و ضرورة الشرع بمجرد ظواهر الإطلاقات مطرحة عند (5) الأصحاب.

مضافا إلى أن تعمد الجنابة في الصورة المذكورة ليست مجزية إلا بعد دخول الوقت كما

____________

(1) المقنعة: 60.

(2) الخلاف 1/ 165.

(3) في (د): «تحمّل».

(4) في (د): «فتوى».

(5) في (ب): «بين» بدل: «عند».

276

عرفت، فلا فرق إذن بينه و بين حصوله من دون تعمد في عدم تحقق العصيان، فلا وجه إذن لتكليفه بهذا الحرج الشديد مع إذن الشارع في فعله كما دلّ عليه غير واحد من الأخبار.

و ربّما ينبغي القول به على المنع من دون تعمد الجنابة كما قد يومي إليه عبارة الإسكافي.

و قد عرفت ضعفه.

حجة الشيخين (1) أربع (2) روايات:

منها: صحيحة محمّد بن مسلم، عن رجل يصيبه الجنابة في أرض باردة و لا يجد الماء و عسى أن يكون الماء جامدا؟ فقال: «يغتسل على ما كان حدثه أجل إنه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد، فقال: اغتسل على ما كان، فإنه لا بدّ من الغسل.

و ذكر الصادق (عليه السلام) أنه اضطر إليه هو فأتوه به مسخنا، و قال: «لا بدّ من الغسل» (3).

و نحو منه صحيحة الأقطع، و مرفوعة علي بن أحمد، عن الصادق (عليه السلام) عن مجدور أصابته جنابة، قال: «إن أجنب نفسه فليغتسل، و إن كان احتلم فليتمم» (4).

[و] مرفوعة علي بن ابراهيم المضمر قال: «إن أجنب نفسه فعليه أن يغتسل على ما كان منه، و إن احتلم فليتيمم» (5).

و أنت خبير بعدم مقاومة هذه الأخبار لما ذكرناه لو كانت صريحة في المقصود.

كيف، و الصحيحتان لا دلالة فيهما على حكم المتعمد (6)، فهما متعارضان بما أشرنا إليه من الإطلاقات مع تكثّرها و اعتضادها بالعقل و النقل و العمل، فلا مناصّ من طرحهما و إرجاعهما إلى قائلهما مع احتمال حملهما على التقية؛ إذ لا صراحة فيهما على جواز التيمّم مع خوف التلف.

و مذهب جماعة من العامّة كالشافعي و ابن حنبل و الحسن البصري و غيرهم اقتصار

____________

(1) انظر: الخلاف 1/ 157.

(2) في (ب): «مع» بدل: «أربع».

(3) الإستبصار 1/ 163، باب الجنب إذا تيمم و صلى هل تجب عليه الإعادة أم لاح (564) 9.

(4) الكافي 3/ 68، باب الكسير و المجدور.

(5) تهذيب الأحكام 1/ 198.

(6) في (ب): «التعمد».

277

الحكم بمشروعية التيمّم من جهة الخوف بالخوف على النفس دون غيرها من المرض بطئه أو شدته، و المرفوعتان لا حجة فيهما سيّما مع معارضتهما بما عرفت. و عدم التصريح فيهما بالجواز مع خوف التلف.

و قد يحملان على كون تعمد الجنابة شاهدا على قوة بدنه بحيث لا يضرّه الماء، فلذا أمره بالغسل بخلاف ما إذا احتلم، فيبنى فيه على (1) ظاهر الحال.

هذا، و المنساق من المحكي عن الشيخين هو وجوب الغسل مع الخوف على التلف في استعمال الماء، فهل يسري الحكم عندهما فيما لو كان الخوف من التلف في تحصيله لو (2) كان الخوف منه من جهة شدة العطش بالنسبة إليه أو على نفس محترمة؟ وجهان.

و لذا كانت المسألة جارية على القاعدة، فلا يبعد قصرهما من (3) الحكم على ظاهر النصّ.

و فيه أيضا شهادة على ضعف القول به.

و في تسرية الحكم عندهما إلى سائر الوجوه المرجوحة للتيمم الخالية عن خوف التلف وجهان؛ من ملاحظة ما عرفت، و أولوية الحكم بالنسبة إلى النصوص، فتأمل.

الثالث: اختلف الأخبار في حكم من به القروح و الجروح،

فالمستفاد من جملة منها وجوب الطهارة المائية غير أنه يبنى على عمل الجبيرة، و في عدّة (4) الحكم بالانتقال إلى التيمّم.

و ربما يرى التدافع في ذلك بين كلام الأصحاب حيث أوجبوا عمل الجبيرة في تحت الجبائر، و جعلوا القروح و الجروح من الأسباب الباعثة للتيمم.

و هو بيّن الاندفاع؛ إذ من الظاهر أنّ عدّهم ذلك من الأمور الباعثة للانتقال إلى التيمّم إنما هو بعد تعذر المائية، لا مع التمكن من الطهارة المائية، فاحتمال إرادة التخيير بين الأمرين في

____________

(1) لفظة (على) من (د).

(2) في (د): «أو».

(3) في (ألف): «عده من»، و في (ب): «عدة من».

(4) في (د): «منها».

278

الجميع من كلامه- كما زعمه بعض الأفاضل- ليس في محله.

و هذا هو الوجه في الجمع بين الأخبار، فالمفروض في أخبار الجبيرة عدم التضرر بمجرد استعمال الماء، و لو في غير محل الجبيرة، و في أخبار العدول إلى التيمّم ما لو كان مجرد استعمال الماء مضرا له، و في بعض الأخبار شهادة عليه كرواية العياشي.

279

[تتمة في القروح و الجروح]

يبقى الكلام في ذلك في أمور:

منها: ما لو تضرر باستعمال الماء في غير محل القروح من الأعضاء المتّصلة بها مع التمكن من استعماله في الأعضاء المتباعدة.

و منها: ما لو عمّت الجبيرة كل العضو أو غالب الأعضاء.

و منها: ما لو لم يكن التضرر بالماء من القروح و الجروح و الكسر كالرمد و وجع المفاصل و نحوها، فهل يجري في ذلك كله حكم الجبيرة أو ينتقل الحكم إلى التيمّم؟ إشكال، و الظاهر الرجوع إلى الأصل في كل ما يقع الشكّ في اندراجه في الأخبار، فنقول:

الذي يقتضيه الأصل في ذلك هو الرجوع إلى التيمّم عند تعذّر استعمال الماء في تمام الأعضاء، فالعجز عن استعماله في البعض كالعجز عن استعماله في الكلّ بلا تفاوت؛ إذ الأجزاء إنما تكون مطلوبة تبعا للكل، و مع سقوط الطلب المتعلق بالكل لا يبقى طلب بالأبعاض.

ألا ترى أنه لو قصر (1) الماء عن شيء لم يجب عليه الإتيان بالباقي و إن كان ذلك يسيرا جدا قولا واحدا، فكذا الحال إذا كان في بعض الأعضاء مرض يمنعه عن الاستعمال فيه إلا أنه قد دلّ أخبار الجبائر في المواضع الثلاثة لقيام عمل الجبيرة مقام غسل الكل ظاهرا (2)، فحينئذ لا تأمّل في تقديم ذلك على التيمّم لكونه طهارة مائية محرّمة بالإجماع.

و من البيّن تقديمها على الترابية، فيبقى غيرها مندرجة تحت الأصل إلا أن يدّعى ظهور تسرية الحكم إلى الجميع من تلك الأخبار، و هو محل منع، ففي نحو الرمد لا تأمّل في الانتقال إلى التيمّم.

____________

(1) في (ب): «قطر».

(2) لم ترد في (ب) و (د): «ظاهرا».

280

و هو ظاهر الأصحاب، و احتمل الشيخ فيه الجمع، و استقرب في الحدائق (1) فيه التفصيل بين تضرّره باستعمال الماء بغسل الوجه و ما إذا لم يتضرر بغسل ما عدا العين، فيحكم في الأول بالانتقال إلى التيمّم و في الثاني بالإتيان بعمل الجبيرة من الاكتفاء بغسل ما حوله مع الانكشاف، و بالمسح على الدواء الموضوع إن كان عليه دواء.

قال: و ذكر القروح و الجروح في بعض الأخبار إنما وقع في كلام بعض السائلين و العبرة (2) بعموم الجواب، و في بعض يجري على التمثيل.

ثم أكّد ذلك أن الواجب شرعا هو الوضوء، و لا يجوز الانتقال عنه إلا بدليل واضح، و مجرد تضرر العين خاصة لا يثبت كونه ناقلا شرعا سيّما مع وجود النصوص في نظائره من القروح و الجروح.

و أنت خبير بضعف ما ذكره؛ إذ دعوى شمول الروايات لمثله غريب، و القول بشمول الجواب لغير محل السؤال مع تعلقه بخصوص مورد السؤال و عدم اشتماله على ما يعمّ غيره أصلا عجيب.

و أعجب منه ادّعاؤه جريان الدليل فيما ادّعاه. و حمله على نظائره من القروح و الجروح قياس محض.

هذا، و مثله الحال فيما لو تضرّر باستعمال الماء في غير محل الجبيرة مما يخرج عن حدودها في العرف؛ لعدم ظهور اندراجه في تلك الأخبار، بل ظهور خلافه.

و فيما لو عمّ الجبيرة كلّ العضو أو غالب الأعضاء وجهان من إطلاق بعض أخبار الجبائر و عدم وضوح اندراج الفرض المذكور فيها.

و قد حكم الفاضل في غير واحد من كتبه بشمول حكم الجبيرة حتى فيما لو عمّ جميع الأعضاء المغسولة في الوضوء، فاكتفى فيها بالمسح عليها، ثم على الرأس و الرجلين ببقية البلل. و قد يؤيده إطلاق حسنة كليب الأسدي، عن الرجل: إذا كان كسيرا كيف يصنع في

____________

(1) الحدائق الناضرة 4/ 285.

(2) في (ب): «بالعبرة» بدل: «و العبرة».

281

الصلاة؟ قال: «إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصلّ» (1).

و لا شكّ أن انصرافها إلى من عمّ الجبيرة أعضاءه غير معلوم، و قضية الأصل المذكور في مثله الجمع بين الأمرين.

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 465، باب إجزاء المسح على الجبائر في الوضوء، ح 8.

282

تبصرة [في المرض المسوغ للتيمّم]

المرض المسوغ للتيمم أعمّ من الموجود حال التيمّم أو المتوقع باستعمال الماء بحيث يخاف من استعماله حدوثه، إما بالنظر إلى ما يعهد من حاله أو أحوال أمثاله أو بأخبار من يعتمد عليه في ذلك كالطبيب و إن كان كافرا أو فاسقا (1).

و عن ظاهر المنتهى (2) قصر الحكم على أخبار المسلم العارف و العارف الفاسق أو المراهق لحصول الظن بالضرر.

و هو ضعيف للقطع بحصول الظن من أخبار العارف الكافر، بل قد يحصل منه ظن أقوى من الحاصل بقول المسلم إذا كان أكثر تجربة منه، و لذا يقدّم عند التعارض.

و الحاصل أن الأمر دائر مدار الخوف المتعارف، و لو حصل الخوف من دون اعتبار احتمالات بعيدة غير قابلة للخوف المعتاد فالظاهر عدم جواز البناء عليه كما إذا لم يحصل له الخوف مع حصول أسبابه، فلا عبرة فيه أيضا بالأمن المفروض.

و يختلف الحال أيضا في حصول الخوف باختلاف المخوف منه، فإن كان أمرا عظيما يحصل الخوف منه بأدنى أمارة بخلاف ما إذا كان سهلا. و ما ذكرناه ضابطة كلية في سائر موارد الخوف.

ثم المرض الموجود إما أن يكون مانعا من تمكن استعمال أو يكون استعماله باعثا لزيادة المرض أو بطء برئه على النحو المذكور إلا أنه على الأول يجب عليه التولية إن أمكنه، و يقدم على التيمّم و لو أمكنه المباشرة فيه لصحة التولية في المائية أو لنا بالإجماع فيقدم على الترابية.

____________

(1) في (ب): «فاسقا أو كافرا».

(2) منتهى المطلب 1/ 136.

283

و لو شقّ عليه استعمال الماء بحيث لا يتحمل عادة كان بمنزلة عدم التمكن لارتفاع الحرج، و لو تحملها و باشره بنفسه فإن كان مضرا بحاله بحيث يمنع شرعا من إضراره نفسه كذلك فإن لم يتمكن من التولية فسد قطعا، و إن تمكن منه ففي الصحة وجهان من بقاء التكليف بالمائية.

و حصول العمل بالمباشرة المحرّمة لا يقضي بالفساد لكونها من مقدمته، و من اتحادها بالعمل كما هو الظاهر في صورة إيصاله الماء إلى الأعضاء بآلة محرمة.

و هذا هو الأقوى.

و إن لم يكن مضرّا بحاله كذلك ففي الصحة وجهان. و الظاهر الصحة في صورة إمكان التولية لعدم حرمة المباشرة.

ثمّ إنّ المرض الذي يخاف من حصوله أو زيادته أو بطء برئه إمّا أن يخاف معه من التلف أو المضرة العظيمة التي تمنع من تحمله في الشريعة أو المشقة التي لا تتحمّل في العادة مع خلوّه عن حرمة التحمل. و على التقادير الثلاثة لا خلاف في الانتقال إلى التيمّم، و لو استعمل الماء حينئذ فسدت الطهارة لسقوط الأمر بالمائية.

و قد يتخيل في الأخير الصحة بناء على أن (الانتقال إلى التيمّم رخصة من الشرع و توسعة منه عليه. و يدفعه أنّ قضيّة الأدلّة سقوط المائيّة و) (1) انتقال الحكم إلى (2) الترابية، فالحكم بالجواز يحتاج إلى الدليل لسقوطه الوجوب كما هو الأقوى.

نعم، لو كانت المائية مستحبة ففي جوازها وجهان؛ من كون المندوب أقلّ اهتماما من الواجب فهو أولى بالسقوط، و من انتفاء الخروج في إثبات التكاليف المندوبة و إن كانت شاقّة.

فغاية ما يدلّ عليه الدليل إذن صحة التيمّم، و أما عدم صحة المائية فغير معلوم، و قضية الإطلاقات صحته.

و لا يخلو عن وجه سيّما ما لا نقول فيه ببدلية التيمّم كغسل الجمعة.

و لو كان بحيث يمكن تحمله في المعتاد ففي إباحة التيمّم وجهان بل قولان، و ظاهر الأكثر

____________

(1) ما بين الهلالين وردت في (د) لا غيرها من النسخ.

(2) في (ألف): «في» بدل «إلى».

284

عدم إباحته بالمرض اليسير، و مثّلوه بالصداع و وجع الضرس.

و استظهر جماعة من المتأخرين إباحته منهم شيخنا البهائي و العلامة المجلسي، و حكي ذلك عن ظاهر العلّامة في النهاية و الإرشاد و الشهيد في الذكرى.

و عن المحقق الكركي تقوية ذلك. و احتجّ لهم بظاهر الآية الشريفة.

و هو إنما يدلّ على صورة وجود المرض، و أنه أعظم من الشين مع إطباقهم على إباحته.

مضافا إلى أنه لا وثوق في المرض بوقوفه على حدّ اليسر.

قلت: إطلاق الآية يقتضي حصول الإباحة بمجرد حصول المرض و إن لم يكن هناك مانع من الاستعمال، و هو خلاف الإجماع، فالأظهر تنزيله على صورة أخرى بالضرر (1) كما هو الحال في غيره، فالأظهر دوران الحكم مدار صدق الضرر كما هو الشأن في إفطار المريض و غيره. و أما إباحة الشين له فهو مبني على كونه ضررا، و هو كذلك في الغالب قد يحمل على إطلاقاتهم. و عليه يحمل ما في منتهى المطلب من حكاية الإجماع عليه.

فما في نهاية الإحكام و الروض من التصريح بعدم الفرق بين شديده و ضعفه (2) ليس على ما ينبغي سيّما مع ما في الأخير من التعليل بالإطلاق مع خلوّ الأخبار فيه (3) رأسا، و عدم ظهور مستند للحكم سوى الضرر.

اللّهم إلا أن يستند إلى إطلاق الإجماع المنقول و إطلاقات الأصحاب.

و فيه: أن تحقق الإجماع كذلك غير معلوم، بل المحقق منه ما يدور مدار الضرر لا غير، و لو خاف من انجرار اليسير إلى الكثير فلا تأمل في إباحته. و هو خارج عن محلّ الخلاف.

ثم على كلامهم لو تحمل ذلك ففي الصحة وجهان، و لو أمكنه دفع المرض بالدواء بحيث يحصل الاطمئنان منه فالأظهر وجوبه مع التمكن منه، و حينئذ ففي وجوب استعلام الأمر وجه قويّ إن احتمل وجود دواء يمنع منه.

____________

(1) في (د): «الضرر» بدل «اخرى بالضرر».

(2) كذا، و الظاهر: «صغيفه».

(3) في (د): «عنه».

285

تبصرة [في خوف العطش لو استعمل الماء الطهارة]

لو خاف العطش باستعمال الماء في الطهارة بأن لم يكن عنده ما يضطر إليه لشربه انتقل الحكم إلى التيمّم بلا خلاف بين الأصحاب.

[و] في المعتبر أنه مذهب أهل العلم كافّة. و يدلّ عليه بعد ذلك المعتبرة المستفيضة المشتملة على غير واحد من الصحاح:

منها: الصحيح: قلت للصادق (عليه السلام): الجنب يكون معه الماء القليل، فإن هو اغتسل خاف العطش، أ يغتسل به أو يتيمّم؟ قال: «بل يتيمّم، و كذلك إذا أراد الوضوء» (1).

و في الموثق: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل يكون معه الماء في السفر فيخاف قلّته، قال:

«يتيمم بالصعيد و يستقي الماء فإن اللّه عزّ و جلّ جعلهما طهورا الماء و الصعيد» (2).

و لا بدّ أن يكون العطش المخوف منه شديدا بحيث لا يتحمّل عادة لا مجرد عطش في الجملة.

و الظاهر تنزيل إطلاق الأخبار عليه؛ إذ هو المتيقن من وقوعه في المقام المذكور. و لا فرق بين كون العطش معلوما أو مظنونا. و الظاهر دورانه مدار الخوف كما هو المنصوص في عدة من النصوص، و يحصل كما مرّ بشهادة الحال و أخبار العارف الواحد، و لو كان طبيبا (3) فاسقا أو كافرا، بل الظاهر الاكتفاء فيه بعد العلم بوجود ماء غيره في الطريق.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 406، باب التيمّم و أحكامه، ح 13.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 405، باب التيمّم و أحكامه، ح 12 و فيه: «و يستبقي الماء».

(3) في (د): «صبيّا».

286

غاية الأمر لزوم التحبيس (1) حينئذ حسب المقدور، فيستبيح به التيمّم إذا قضت العادة بحصول العطش مع عدم الماء في الجهل (2) بوجوده فيه، و لو أمكنه دفع العطش بشيء تعيّن للطهارة، و إن كان ذلك بقلّة الأكل الغير الواصل إلى حدّ المشقة المجوّزة أو بالسير إلى الماء أو بعدم السير إلى الشمس إن لم يتضرر بالتخلف عن الرفقة على وجه.

و ظاهر إطلاق النصّ خلافه إلا أن ينزّل على صورة التضرّر كما هو الشأن في الأعذار؛ أخذا باليقين.

و لو كان عنده ماء نجس و تمكّن من دفع العطش به و استعمال الطاهر في الطهارة لحرمة شرب النجس و إن كانت الضرورة مسوّغة له بعد حصولها إلا أن إلجاء النفس إلى المحرّم محرّم و إن صرّح عنوان المحرّم بعد حصوله.

مضافا إلى أن جواز شرب النجس إنما هو في صورة الخوف على النفس و نحوها أو المشقة التي لا يمكن تحملها في العادة، فيقتصر إذن على قدر الضرورة.

و في إباحة التيمّم إنما يرى (3) المشقة الّتي لا تتحمل في المعتاد و إن أمكن الصبر على أشدّ منه. و قد يومي عبارة المدارك إلى نحو تأمل فيه حيث استجود الحكم المذكور إن ثبت تحريم شرب النجس مطلقا.

و أنت خبير بوضوح حرمة شرب النجس، و جواز الشرب حال الضرورة لا يقضي بجواز إلجاء النفس إليه.

و لا يذهب عليك. أن ما ذكرناه من استبقاء الماء إنما هو في صورة التمكن من التيمّم، و مع عدمه إنما يعتبر خوف العطش الشديد الباعث على الموت و نحوه أو ما لا يمكن تحمّله في المعتاد لخروجه عن مورد النصوص، فيرجع فيه إلى الأصل مع ما علم من اهتمام الشرع في خصوص الصلاة.

____________

(1) في (د): «التنجيس».

(2) زيادة في (د): «بعدم».

(3) في (د): «يراعى» بدل «يرى».

287

فهناك فرق في المسائل (المفروضة في هذا الباب بين إمكان التيمّم مع ترك المائيّة و عدمه، فلا تغفل. و لو احتاج إلى) (1) الماء بعد الشرب و نحوه كالطبخ و نحوه دار صحة التيمّم مدار الضرر.

و في الموثقة المذكورة دلالة عليه.

و لو احتاج إليه لإزالة النجاسة فإن كان مع حصولها و دخول الوقت قدّمها على ما مرّ، و لو كان قبل الوقت جاز الإتيان بكل منهما، و إن كان بعده قبل حصول النجاسة صحت الطهارة، و إن علم بطرو النجاسة قبل فعل الصلاة على إشكال.

[تنبيهات]

و هاهنا أمور ينبغي الإشارة إليها:

أحدها: لا فرق في الحكم المذكور بين عطش نفسه أو عياله أو نفس مؤمنة؛

لما دلّ على وجوب حفظها و إن حرمة أخيه المؤمن أعظم من حرمة الصلاة. و هو واضح إن بلغ حدّ الخوف على النفس و ما هو بمنزلتها، و أما مع عدمها فغاية ما دلّ عليه رفع الحرج و عدم التزامه بالمشقة الشديدة. و أما دفع الحرج عن غيره فلا شاهد عليه، و لذا لا يجب عليه الدفع مع عدم اقتضائه إلى ما ذكر.

نعم، لو كان الغير من جملة عياله جرى فيه الحكم المذكور بل الظاهر ثبوت ذلك مع انتفاء المشقة الشديدة أيضا؛ لوجوب الإنفاق عليه على النحو المعروف إلا أن يسقطه عنه.

و من الظاهر تقديم حقوق الناس على حقه تعالى، بل لا يبعد جريان ذلك بالنسبة إلى من يجب عليه الإنفاق من غير تعلّق بذمته كالأبوين؛ إذ لو قلنا باندراجه في حقوق الناس فظاهر، و إلّا فهناك واجبان تعارضا، و يقدّم الثاني لانتفاء ما يقوم مقامه كما مرّ نظيره في الدوران بينه و بين إزالة النجاسة.

____________

(1) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

288

نعم، يشكل الحال فيما إذا كان فاقدا للطهورين مع بذل الماء المفروض. و قد يقال في صورة عدم وجوب الإنفاق بأن في تكليفه بإبقاء أخيه المؤمن في الشدة من الحرج، مضافا إلى ما دلّ على شدة احترام المؤمن و أن حرمته أعظم من الكعبة إلى غير ذلك، مع تأيده بظاهر إطلاق الأصحاب و أنه يستحب له مود (1) على نفسه التي يقدم مراعاتها على الطهارة المائية فتقديمه على المسوغ دليل على تسويغه، فبملاحظة ذلك كله ربما يتقوى القول بذلك.

و في جريان الحكم المذكور بالنسبة إلى الذمي و المعاهد و المخالف للحق وجهان.

و قد أفتى به العلامة في التذكرة. و الأقوى خلافه؛ إذ لا دليل على وجوب محافظتهم و إنقاذهم من الهلكة و نحوها. غاية الأمر عدم جواز إتلافهم لاعتصامهم ببعض الأسباب الباعثة عليه.

ثانيها: نصّ جماعة من الأصحاب منهم العلامة و الشهيد بجريان الحكم في صورة الخوف على دابّته و كلّ حيوان محترم.

و ظاهر ذلك عدم الفرق بين كونه مملوكا له أو لغيره، و كونه في يده أو يد غيره. و هو على إطلاقه لم يقم عليه دليل ظاهر.

و كأنه مبني على الملازمة بين وجوب الحفظ و حرمة الاتلاف بناء على تقييد خوف العطش بالمهلك، مضافا إلى ما ورد من أن «لكل كبد حرّاء أجر».

و قد يفيد الأخير جريان الحكم في العطش الشديد البالغ حدّ الإفراط.

و فيه: مع ما يرد عليه من المنع أنه قد يجوز إتلافه بالذبح فيما يكون محلّل اللحم أو قصد تذكيته من جهة الانتفاع بجلده و نحوه أو نقله بالبيع و نحوه مع تمكّن المشتري من سقيه.

نعم، يمكن له القول به في مملوكه إذا خاف تلفه من جهة لزوم حفظ المال و عدم وجوب تحمل الضرر. و هذا إنما يتمّ فيما إذا كان تلفه مضرّا بحاله كما مرّ.

و أما مع عدمه ففي عدم وجوبه إشكال مرّت الإشارة إليه.

و بنى في الحدائق على وجوب المائية في الصورتين بناء على زعمه من وجوب صرف

____________

(1) كذا في (ب)، و في (ألف): «مور»، و في (د) تقرأ إحداهما إلّا أن عليها إشارة تحكي وجود كلمة محذوفة في النسخة.

289

المال في مثله و إن بلغ حدّ الاضرار.

و قد عرفت ما فيه.

و هناك وجه آخر لثبوت الحكم المذكور في خصوص المملوك، و هو وجوب الإنفاق عليه على نحو ما مرّ فيمن يجب عليه الانفاق من الإنسان، فحينئذ يتعارض فيه الوجهان مع حصول البدل لأحدهما دون الآخر.

و قد يستشكل فيه مع إمكان ذبحه أو بيعه من القادر على سقيه و نحو ذلك؛ لعدم تعيّن الإنفاق عليه حينئذ (1).

و فيه: أنه حينئذ مع إبقائه كذلك يجب عليه الانفاق، و إن كان عاصيا فيه لو قلنا به.

هذا كله إن لم يكن عطش الدابة موجبا للخوف على نفس الراكب أو نفس أخرى محترمة أو ما هو بمنزلتها و إلّا تعين التيمّم بلا خلاف فيه، و كذا إذا كان موجبا لمضرّة شديدة لا يتحمّل في العادة أو باعثا على تعريض أمواله (2) و أحماله للتلف مع كونه مضرا بحاله على الأقوى.

و مع عدمه أيضا إذا كان مقيدا به في وجه قوي.

و لو سبّب ذلك تخلفه عن الرفقة مع عدم إضرار به فوجهان.

و من الغريب ما وقع في الحدائق (3) من استدراكه ذلك مع حكمه بوجوب التيمّم مع تلف الدابّة و عدم العبرة بتلف المال، قال: نعم، ينبغي أن يستثنى منه ما لو كان محتاجا إلى الدابة بحيث يضره فوتها كما إذا كان في سفر لا يمكن قطعه إلا بها أو يحتاج إليها لنقل أثقاله و أحماله، فإنه يجوز أن تصرف الماء إليها.

ثالثها: إنما يسوغ التيمّم بما ذكرنا إذا لم يكن ترك الشرب مطلوبا بالنسبة إليه

كما إذا كان شرب الماء مضرّا به لحصول حرج في بدنه و نحوه، و كذا لو منعه عنه صوم الواجب إذا لم يخف

____________

(1) لم ترد في (د): «حينئذ».

(2) لم ترد في (ب): «أمواله ... تخلّفه عن».

(3) الحدائق الناضرة 40/ 290.

290

من وصوله إلى حدّ يجب عليه الإفطار؛ (1) إذ الظاهر الفرق بين الضرورتين كما مرّت الإشارة إليه. و نحوه ما لو كان بانيا على الصوم و مع استحبابه في وجه قوي.

و كذا الحال بالنسبة إلى غيره.

و يعتبر أيضا احتماله قبول الآخر و تمكنه من بذله، و لو علم بانتفاء ذلك تعيّن الطهارة و مع الشك وجهان.

و لا فرق بين كون سفره محرّما أو مباحا في وجه قوي، و لو أمكن رفع العطش بالرجوع تعيّن في المحرّم دون المحلّل إن وجب أو كان تركه مضرا بحاله، و مع عدمه فوجهان.

____________

(1) في (ألف) و (ب) زيادة «انه» هنا، و لا وجه لها.

291

الفصل الثالث في بيان الأمور التي يصحّ معها التيمّم مع الاختيار أو الاضطرار

تبصرة [في التيمّم على الأرض]

ذهب أكثر الأصحاب إلى جواز التيمّم اختيارا لكلّ ما صدق عليه اسم الأرض من تراب و حجر و رمل و ما أشبهها.

و إليه ذهب الاسكافي فيما حكي عنه، و الشيخ في عدة من كتبه و السيد في أحد قوليه، و الفاضلان و الشهيدان و المحقق الكركي و كثير من المتأخرين.

و عن الخلاف حكاية الإجماع عليه.

[و] في مجمع البيان أن التيمّم بالحجر مذهب أصحابنا.

و في التذكرة (1) أن الحجر الصلب كالرخام إذا لم يكن عليه غبار يجوز التيمّم به عندنا.

و فيه أيضا إسناد جواز التيمّم بكلّ ما يقع عليه اسم الأرض إلى أكثر (2) علمائنا.

و في الحدائق: أنه المشهور بين المتأخرين.

و ذهب المفيد في ظاهر كلامه، و السيد في قوله الآخر، و الحلبي و الحلي إلى التخصيص بالتراب.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 62 و فيه: الحجر الصلد.

(2) لم ترد في (ب): «أكثر».

292

و منشأ الخلاف الواقع بينهم اختلاف أهل اللغة في معنى الصعيد؛ (1) لتعلق التيمّم به في نصّ الكتاب، فعن تغلب و الزجاج (2) أنه وجه الأرض ترابا كان أو غيره.

و حكاه الخليل عن ابن الأعرابي. و به فسّره الزمخشري في الأساس و المطرزي في المغرب و الأزهري في المصباح المنير و الراغب (3) في المفردات.

و في الأخير بعد التفسير المذكور: و يقال: الصعيد في كلّ كلام العرب يطلق على وجوه على التراب الذي على وجه الأرض، و على الطريق.

و فيه شهادة على أن أصل المعنى هو الأول، و الثاني مما يطلق عليه اللفظ، و لا دلالة فيه على كونه خصوص المستعمل فيه، فقد يكون إطلاقه عليه من جهة أنه من مصاديق وجه الأرض (4).

قال: و هذا يوافق مذهب أصحابنا في أن التيمّم يجوز بالحجر سواء كان تراب أو لم يكن.

و حكي عن الزجاج أيضا في علة تسمية ذلك صعيدا أنه نهاية ما يصعد من باطن الأرض. فيكون فعيلا بمعنى الفاعل كما نصّ عليه غير واحد من المفسرين.

و عن الجوهري (5) و ابن الفارسي (6) في المجمل أنه التراب (7) الخالص الذي لا يخالطه سبخ و لا رمل.

و أنت خبير بأن هذه الأقوال لا يعادل الأقوال السابقة مع اعتضادها بما عرفت، مضافا إلى الشهرة بين الأصحاب و موافقته في الجملة عن المنقول عن الأكثر، فيما رواه في معاني

____________

(1) في (ألف): «الصعيد و».

(2) نقل عنهما في مجمع البيان 3/ 94.

(3) مفردات غريب القرآن: 280 (صعد).

(4) زيادة في (د): «و حكى الطبرسيّ عن الزجّاج أنّه قال: لا أعلم خلافا بين أهل اللّغة في أنّ الصعيد وجه الأرض».

(5) الصحاح 2/ 497 (صعد).

(6) في (د): «فارس» بدل «الفارسي».

(7) زيادة في (د): «و عن ابن دريد في الجمهرة عن أبي عبيدة أنّه التراب».

293

الأخبار عن الصادق (عليه السلام) من أنه «الموضع المرتفع» (1).

و في رواية الفقه أنه «الموضع المرتفع من الأرض» (2). و كأنه لذلك فسّره الصدوق في الهداية.

و كيف كان، فيمكن الاستدلال على المقصود بوجهين:

أحدهما: ظاهر إطلاق الآية بعد تفسيرها بما ذكرنا لقول هؤلاء الأجلاء المعتضد بما عرفت، و انتفاء ما يقاومه فيما يقابله.

ثانيهما: إطلاق عدّة من النصوص المستفيضة المشتملة على الصحاح و غيره المعتضد دلالتها بفتوى معظم الطائفة و الإجماعات المحكيّة كما مرّ الإشارة إليها:

منها: الحديث النبوي المشهور: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا». و هو مروي في عدة من الكتب المعتبرة كالمحاسن (3) و بصائر الدرجات و الكافي (4) و الفقيه (5) و الخصال (6).

و منها: ما في عدة من الأخبار الواردة في بيان كيفية التيمّم الآمرة بضرب اليدين على الأرض كالصحيح على الأصح: «تضرب بكفّيك على الأرض مرّتين، و تضرب بكفّيك على الأرض ثم تنفضهما» (7) الخبر.

و منها: صحيحة الحلبي: «إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصلّ، فإذا وجد ماء فليغتسل» (8).

و نحوه صحيحة عبد اللّه بن سنان.

____________

(1) معاني الأخبار: 283.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 90.

(3) المحاسن 1/ 287.

(4) الكافي 2/ 17، باب الشرائع، ح 1.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 241، باب الموضع التي تجوز الصلاة فيها، ح 724.

(6) الخصال: 201.

(7) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم، ح (595)- 3 و (596)- 4، باختلاف.

(8) الكافي 3/ 63، باب وقت الذي يوجب التيمّم، ح 3.

294

و منها: صحيحة محمد بن مسلم: «فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض» (1).

و نحوه صحيحة زرارة.

و في الموثق: «فإن فاته الماء لم تفته الأرض» (2).

مضافا إلى ما يومي إليه الصحيح: «إنّ رب الماء هو رب الأرض فليتيمم» (3).

و ما في عدة من الوضوءات البيانية المشتملة على الضرب على الأرض، و هي و إن لم تكن دالّة على المقصود- لكونها من حكايات الأفعال- إلّا أنّ في التعبير فيها بلفظ الأرض إشارة إلى ذلك سيّما ما اشتمل من ذلك على حكاية الإمام (عليه السلام) فعل النبي.

و مما يدلّ على ذلك رواية النوادر، عن موسى بن جعفر (عليه السلام)، عن آبائه، عن علي (عليه السلام)، و فيها: «فقيل له: أتيمم بالصفا الثابتة على وجه الأرض؟ قال: نعم» (4).

و ما في الدعائم عنهم (عليهم السلام): «أنه يجزي بالصفا الثابت على الأرض إذا كان عليه غبار و لم يكن مبلولا» (5).

و ضعفهما مجبور بما ذكرنا.

مضافا إلى أنه لو رخّص التيمّم حال الاختيار بالتراب لذكر ذلك في الأخبار، و ذكر انتقال التكاليف مع العجز عنه إلى التيمّم بالحجر و نحوه، و لوقع ذلك في أسئلة الأصحاب.

مع أنه كثيرا يقع إلحاقه إليه لكثرة الأراضي الرملية و نحوها.

و قد تكرّر في الأخبار ذكر التيمّم بالطين و الغبار بعد العجز عن الصعيد مع عدم إشارة إلى ذلك.

حجة القول بالاقتصار على التراب بعد الإجماع المحكي عليه عن الغنية الآية الشريفة

____________

(1) الكافي 3/ 63، باب وقت الذي يوجب التيمّم، ح 1.

(2) قرب الاسناد: 170.

(3) الكافي 3/ 64، باب وقت الذي يوجب التيمّم، ح 7.

(4) كتاب النوادر 218 و فيه: «أ يتيمم بالصفا البالية».

(5) دعائم الإسلام 1/ 121 و فيه: «بالصفا النابت في الأرض».

295

بدعوى كون الصعيد هو التراب كما نصّ عليه جماعة من أهل اللغة. و مع الغضّ عنه و القول بتعارض كلماتهم فلا أقل من الشك.

و حينئذ قضية الأصل لزوم الاقتصار على التراب لحصول اليقين بالفراغ، مضافا إلى ظواهر عدة من الأخبار كصحيحة رفاعة، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجفّ موضع تجده، فتيمم فيه فإن ذلك توسيع من اللّه عز و جل». قال: «فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه، فليتيمم من غباره أو شيء مغبّر، و إن كان في حال لا تجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم منه» (1).

و في هذه الرواية إشارة إلى المطلوب من وجوه عديدة لمقابلة (2) التراب بالماء، و الأمر بالتيمم على أجفّ المواضع الشامل بإطلاقه الحجر بعد انتفاء التراب، ثم بيان أن ذلك توسيع من أنه لإنباته بأن ذلك من التوسّع الخارج عن حدّ التكليف الأول الأمر بالتيمم على الصعيد.

و قريب من ذلك صحيحة عبد اللّه بن المغيرة الموقوفة: «إن كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمم من غباره أو شيء مغبّر، و إن كان في حال لا تجد إلا الطين فلا بأس أن يتيمم به».

و مما يدلّ على ذلك أيضا قوله (عليه السلام): «جعلت لي الأرض مسجد و ترابها طهورا» (3)، فإن إقحام لفظ «التراب» مع كون المقام مقام الامتنان يقضي بذكر الأعم دليل على اختصاصه به، و إلا لكان ذلك لغوا بل مخلّا بالمقصود في المقام.

و ما في الصحيح من قوله (عليه السلام): «إن اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (4)، و قوله (عليه السلام) في رواية ابن ميسرة: «فإن ربّ الماء ربّ التراب» (5)، و مرسلة علي بن مطر، عن

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 189، باب التيمّم و أحكامه، ح 20.

(2) في (د): «كمقابلة».

(3) المعتبر 1/ 452.

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 109، باب التيمّم، ح 224.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 107، باب التيمّم، ح 221.

296

الرضا (عليه السلام): عن الرجل لا يصيب الماء و التراب أ يتيمّم بالطين؟ قال: «نعم» (1).

مضافا إلى ظاهر آية المائدة من زيادة قول «منه» الدالّ على كون ذلك الصعيد مما له قابلية للتعلق بالكفّ فلا يراد منه الحجر و نحوه، سيّما بملاحظة صحيحة زرارة الواردة في بيان الآية الشريفة.

و الجواب أن الإجماع موهون بمخالفة الأكثر، و الآية قد عرفت الحال فيها، و أصالة الشغل مدفوع بقيام الدليل على الجواز. و الروايات لا دلالة ظاهرة فيها على المقصود.

أما صحيحة رفاعة، ففيه: أوّلا: كلام في الإسناد- و إن وصفها العلامة بالصحة- من جهة الاشتمال على محمد بن عيسى الأشعري، و لم يصرّح بتوثيقه أصحاب الرجال. و إن أمكن الذبّ عنه بما يظهر من اعتماد ابنه و غيره من المشايخ عليه و جلالته بين الأصحاب، مضافا إلى قرائن أخر يفيد الاعتماد عليه.

و ثانيا: أن المنساق من الرواية أنه مع عدم وجدان المحل الجافّ للتيمم يراعى أجفّ تلك المواضع، و لا دلالة فيها على تعيّن التراب أوّلا، ثم الانتقال إلى غيره من الأحجار، بل الظاهر منها مراعاة الجافّ أوّلا، ثم المبتلّ مراعيا للأجفّ، فالحيثية المسوق لها الكلام هو (2) فقدان الماء (3) الجاف دون غيره.

و كأنه السبب في ذكر التوسعة في المقام؛ نظرا إلى تركّب ما يتيمم به من التراب و الماء، فلا دلالة فيها على خروج الحجر من الصعيد كذكر خصوص التراب فيها و في الأخبار المتأخرة.

نعم، ربما يقيّده النبوي المذكور إلا أنه لضعف إسناده بل كونه من طرق العامة كما هو الظاهر و خلوّ المحكي من طرق الخاصة عنه لا ينهض حجة، بل الظاهر من المحكي عن طرق الخاصة خلافه كما بيّنّا.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 190، باب التيمّم و أحكامه، ح 23.

(2) في (ألف): «و هو».

(3) في (ب) و (د): «فقدان الجفاف».

297

و مع الغضّ عن ذلك فلا تقاوم (1) ما ذكرناه من الأدلة على الاكتفاء بوجه الأرض.

قال العلامة المجلسي (2) بعد الحكم بمتانة الاحتجاج بهذا الخبر: لكن لا بدّ من التأويل مع وجود المعارض القوي.

فقد عرفت بذلك الحال في دلالة الأخبار المذكورة، فتأمل.

[تتميم]

لنتمّم (3) الكلام في المرام بذكر أمور:

منها: أن قضية ما عرفت جواز التيمّم بوجه الأرض كون الحجر في مرتبة التراب، و كذا غيره من سائر ما يصدق عليه اسم الأرض. و على القول باختصاصه بالتراب فينبغي القول بعدم جواز التيمّم به مطلقا سواء كان في حال الاختيار أو الاضطرار؛ لعدم ذكر التيمّم بالأحجار في شيء من الأخبار. و هو ظاهر المحكي عن الإسكافي (4) من قوله: لا يجوز من السبخ و لا ممن (5) أحلّ عن معنى الأرض المخلوقة بالطبخ و التحجير خاصة (6). و ظاهره القول بخروجه عن اسم الأرض.

قيل: و هو (7) لازم كلام السيد و من قال بمقالته لما عرفت.

و ظاهر المفيد في المقنعة التفصيل بين حالتي الاختيار و الاضطرار، فيقدم على الغبار بعد فقد التراب.

و هو المحكي عن النهاية و السرائر. و به أفتى في المراسم إلا أنه جعله بعد الغبار في مرتبة

____________

(1) في (د): «يقاوم».

(2) بحار الأنوار 78/ 148.

(3) في (ألف): «لنتمّ».

(4) نقل هذا الكلام في مختلف الشيعة 1/ 420 عن ابن جنيد.

(5) في (د): «ممّا».

(6) هنا في (ألف) زيادة: «و به».

(7) لم ترد في (د): «هو».

298

الوحل و الثلج.

و حكي في الحدائق (1) الشهرة على الأول.

و عنون البحث بالحجر الخالي عن الغبار، فربّما يومي ذلك إلى انتفاء الخلاف في غير الخالي عنه (2). و قد وقع ذلك في التذكرة أيضا. و فيها أيضا إسناد الجواز إلى علمائنا مؤذنا بالإجماع. و هو محل تأمل؛ إذ مجرد وجود الغبار عليه لا يوجب صدق اسم التراب عليه.

فالظاهر عدم الفرق بين الصورتين إلا بناء على اعتبار العلوق. و هو مقام آخر.

نعم، يمكن القول بدخول المغبّر منه في التيمّم بالغبار، و هو أيضا لا يثمر في المقام إلا على قول الإسكافي إن قال بشمول الحكم لمثله.

و كيف كان، فالأظهر الأول لصدق اسم الأرض عليه قطعا. و قد عرفت جواز التيمّم به.

و قد ظهر مما ذكر (3) الوجه في المنع المطلق.

و أما القائلين بالتفصيل فليس لهم مستند ظاهر، و قد يحتجّ لهم تارة بالإجماع على صحّة التيمّم به مع العجز من التراب، و يكفي (4) به حجة في المقام.

و أخرى بأنه لما وقع الخلاف في لفظ الصعيد كان قضية أصالة شغل الذمة الاقتصار على خصوص التراب مع الاختيار، و أما مع الاضطرار فلما دار الأمر بين كونه فاقدا للطهورين فيسقط عنه وجوب الصلاة أو واجدا له فيجب قضاء (5) الشغل اليقيني بالصلاة وجوب الإتيان بها مع التيمّم بالحجر؛ لعدم الحكم بسقوطه بمجرد الاحتمال.

و ثالثا: أنه قضية الجمع بين الآية و إطلاق الأخبار المشتملة على لفظ «الأرض» بحمل الآية على صورة الاختيار و جوازه بمطلق وجه الأرض من (6) غيره كما يستفاد منها على صورة

____________

(1) الحدائق الناضرة 4/ 297.

(2) في (د): «منه».

(3) في (د): «ذكرنا».

(4) في (د): «كفى».

(5) في مخطوطات الأصل: «قضى».

(6) لفظة: «من» وردت في (د).

299

الاضطرار.

قال في الحدائق (1): و هو وجه وجيه.

فإن قلت: إن الجمع المذكور مما لا شاهد عليه، و قضية حمل المطلق على المقيّد تقييد الروايات بالآية الشريفة مطلقا إذا لم يفصل فيها بين الحالتين فيعود المحذور.

قلت: قضية الأمر باستعمال التراب في الآية شاهد على حصول التمكن منه. و حينئذ فلا يعوّل بتقييد تلك الإطلاقات إلا بمقدار ما قضت الآية بالتقييد فيه.

و يدفع الأول بمنع الإجماع.

كيف، و لا تحقق فيه الخلاف من الاسكافي.

و ظاهر الكافي مضافا إلى أن قول الأكثر منه (2) بالجواز إنما هو لجعل التيمّم من مطلق وجه الأرض على أنه إن ثبت الإجماع ففي ترتّبه أيضا كلام، فتقديمه على الغبار لا وجه له، بل قضية إطلاق ما دلّ على التيمّم بالغبار تأخيره عنه، فلا يتمّ الاحتجاج بالإجماع.

و الثاني: بأن قضية اشتراط الصلاة بالطهور سقوطها عند عدم تحقق شرطها، و هو غير متحقق الحصول في الصورة المفروضة، فلا يجب.

غاية الأمر استحباب الاحتياط المذكور إن لم نقل بحرمة الصلاة بالذات من دون الطهارة كما هو قضية بعض الأخبار.

و الثالث: (بأن قضية الأخبار جوازه بمطلق الأرض في حال الاختيار حيث ذكر ذلك في بيان أصل الكيفية. و قد يحتج على ذلك بإطلاق صحيحة رفاعة الماضية، و هو إطلاق ضعيف.

ثانيها: نصّ جماعة من الأصحاب بجواز التيمّم بأرض الجص و النورة.

و في الحدائق (3): إنه المشهور.

____________

(1) حدائق الناضرة 4/ 299.

(2) في (د): «فيه».

(3) الحدائق الناضرة 4/ 299.

300

و في شرح الإستبصار: إنه لا خلاف في جوازه بأرض الجص و النورة قبل الإحراق.

و خلاف ابن إدريس (1) فيه لا يلتفت إليه؛ لأنه مخالف للنص و الإجماع.

و كأنه عني به الإجماع على جوازه في الجملة؛ إذ لا أقل من منع القائل باختصاص التيمّم بالتراب حال الاختيار.

و لذا فصّل فيه الشيخ (2) في الحالين إلا أن يقال بصدق التراب عليه، أو يقال بخروجه بالدليل. و هو أيضا بيّن الضعف.

و ظاهر المحكي عن الحلي هو المنع منه مطلقا؛ استنادا إلى كونه معدنا.

و ظاهره دعوى الخروج عن اسم الأرض. و هو في محل المنع، بل من الظاهر شموله لهما.

نعم، هما خارجان عن اسم التراب، فمنع الشيخ عنه مع الاختيار في محله إلا أن تجويزه مع الاضطرار محلّ مناقشة كما مرّ نظيره في الحجر.

و أما بعد طبخهما فقد نص جماعة منهم الشيخان (3) و الفاضلان فيه بالمنع لخروجهما عن اسم الأرض.

و عن السيد في المصباح (4) و الديلمي القول بالجواز.

و مال إليه الشهيد في الذكرى (5). و استظهره غير واحد من المتأخرين.

و بنى المنع و الجواز في المدارك (6) على خروجه عن اسم الأرض و عدمه.

و ظاهره التردد في ذلك. و هو في محله، و الاحتياط فيه مما لا ينبغي تركه.

احتجوا بصدق اسم الأرض عليه و لا يخرج بسبب اللون و الخاصية عن اسمها كما في بعض أقسام التراب. و لو سلّم حصول الشك في التسمية فمقتضى الاستصحاب بقاء الموضوع.

____________

(1) السرائر 1/ 137.

(2) المبسوط 1/ 32.

(3) انظر المقنعة: 59 الخلاف 1/ 136، المبسوط 1/ 32.

(4) حكاه المحقق في المعتبر 1/ 372.

(5) الذكرى 1/ 178.

(6) مدارك الأحكام 2/ 202.

301

مضافا إلى رواية السكوني عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن علي (عليه السلام): أنه سئل عن التيمّم بالجص؟ فقال: «نعم»، فقيل بالنورة؟ فقال: «نعم». فقيل بالرماد؟ فقال: «لا إنه لا يخرج من الأرض، إنما يخرج من الشجر» (1).

و رواية الراوندي عن الكاظم (عليه السلام)، عن آبائه، عن [...] (2) (عليه السلام).

و أورد عليه بالمنع من اندراجه في اسم الأرض بل الظاهر من العرف خلافه.

و به يظهر ضعف الاستناد إلى الاستصحاب، و الروايتان ضعيفتان مطرحتان عند أكثر الأصحاب، فلا يمكن التعويل عليها، مع ما فيها من الإشارة إلى خروجهما عن اسم الأرض.

و تعليل الجواز بخروجهما منها، و هو كما ترى لا يناسب مذهب الأصحاب.

مضافا إلى لزوم مراعاة الاحتياط و الحكم بعدم حصول إباحة الصلاة إلا بما دل الدليل على حصول الإباحة به.

و انتصر بعضهم للجواز بصحيحة الحسن بن محبوب الواردة في جواز السجود على الجصّ المحروق.

و هي أنه سئل أبا الحسن (عليه السلام) عن الجص يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى ثم يجصص به المسجد أ يسجد عليه؟ فكتب إليه بخطه: «إنّ الماء و النار قد طهّراه» (3).

و فيه: أن دلالتها على جواز سجود الصلاة بالجبهة غير واضحة، على أنه (عليه السلام) سكت عن جواز السجود و إنما حكم بالطهارة.

مضافا إلى عدم موافقته لظاهر الأصحاب، مع أنه لا ملازمة بين جواز السجود عليه و صحة التيمّم لجواز السجود على ما يصح التيمّم به بالإجماع.

ثالثها: ذهب جماعة من الأصحاب منهم الإسكافي (4) و المحقق (5) إلى عدم جواز التيمّم

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 187، باب التيمّم و أحكامه ح 13.

(2) هنا فراغ في (د)، و هي النسخة الوحيدة التي نقلنا عنه هذه المواضع.

(3) الكافي 3/ 330، باب ما يسجد عليه و ما يكره ح 3.

(4) حكاه العلامة في التذكرة 2/ 177.

(5) المعتبر 1/ 375.

302

بالخزف لخروجه عن اسم الأرض بالطبخ.

و ذهب آخرون إلى جوازه إما للحكم ببقاء الأرضية و إن اختلفت الجهة أو من جهة الشك في بقاء اسم الأرض فيستصحب الموضوع.

و عن جماعة من الأصحاب القطع بجواز السجود عليه. قيل: و هو مؤذن بالاتفاق عليه و كونه من المسلّمات.

و من المعلوم اتفاق الجهة بين الأمرين، فيكون الحكم بجواز التيمّم به أيضا مشهورا بينهم.

قلت: القول بجواز التيمّم به مما يتأمل في شهرته أيضا، و مجرد قطع الجماعة لا يفيدها.

و المسألة محل إشكال؛ إذ الحكم بصدق اسم الأرض عليه مشكل. و مع الشك في البقاء ففي إجراء الاستصحاب أيضا تأمل من جهة أن الحكم بالأرضية فيه إنما كان من جهة كونه ترابا، و سلب اسمه عنه مما لا ينبغي الريب فيه.

و حينئذ فالقول باستصحاب اسم الأرض فيه يشبه استصحاب الجنس مع القطع بزوال النوع، و قضية أصالة الشغل في مثله البناء على المنع. و الاحتياط في المقام مما لا بد منه.

رابعها: لا خلاف ظاهرا في المنع من التيمّم بالرماد. و قد حكى الإجماع عليه جماعة من الأصحاب.

و الوجه فيه ظاهر؛ لخروجه عن اسم الأرض مضافا إلى ورود المنع فيه في الخبرين المذكورين.

و قد علّل في أحدهما بأنه لم يخرج من الأرض بل من الشجر. نعم، وقع الكلام في رماد التراب فاستقرب في نهاية الإحكام (6) جواز التيمّم به.

و قوّاه العلامة المجلسي في البحار (7) قال: و الأكثر فيه على عدم الجواز مع الخروج عن

____________

(6) نهاية الإحكام 1/ 199.

(7) بحار الأنوار 78/ 164.

303

اسم الأرض.

و علّق المنع في التذكرة (1) على الخروج عن اسم الأرض. و يلوح منه التأمل فيه.

و هو الظاهر من المدارك (2).

قلت: أما مع القول بخروجه عن اسم الأرض فلا ينبغي الريب في المنع لانحصار وجه الجواز في اندراجه فيها، فما يلوح من البحار من البناء على الجواز مع فرضه غريب، و الاستناد فيه إلى التعليل المذكور عليل.

ثم الظاهر أنه مع حصول الحقيقة الرمادية لا ينبغي الريب في الخروج عن اسم الأرض؛ إذ لا عبرة في ذلك أيضا بالأصل، و الاستناد إلى الاستصحاب فيه لا وجه له. فالاحتمال المذكور ضعيف إلا أن يكون الشك في حصول الرماد باحتراق الأرض، و هو كلام آخر.

و يجري الاحتمال المذكور في رماد الحجر و نحوه من ساير أقسام الأرض بناء على جواز التيمّم بمطلقها.

خامسها: لا فرق بين أقسام التراب في جواز التيمّم به، فيستوي ساير أنواعه من الأسود و الأصفر و الأحمر كالأرمني و الذي ينبت و الذي لا ينبت كالسبخ. حكى ذلك في التذكرة (3) إجماع العلماء.

و الوجه فيه واضح.

و حكى فيه عن الإسكافي (4) القول بالمنع من السبخ لوصف الصعيد في الآية بالطيب.

و هو ضعيف؛ إذ المراد به الطاهر.

و كذا الحال في سائر أنواع الأرض من الرمل و الحجر و أرض الجصّ و النورة على القول بكون الصعيد وجه الأرض.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 177.

(2) مدارك الأحكام 2/ 200.

(3) تذكرة الفقهاء 2/ 175.

(4) تذكرة الفقهاء 2/ 175.

304

و في التذكرة (1): إنه يجوز التيمّم بالرمل عندنا.

و هو يؤذن بالاتفاق عليه. نعم، ذكروا كراهة التيمّم بالسبخ و الرمل و المهابط و الطرق و استحباب كونه من العوالي.

و عزا في التذكرة (2) استحباب الأخير و كراهة الثالث إلى علمائنا أجمع.

و فيه أيضا: يكره التيمّم بالرمل عندنا.

و هو يؤذن بالاتفاق عليه.

قلت: أما استحباب التيمّم بالعوالي فقد يستفاد من تفسير الصعيد بالموضع المرتفع كما مرّ في روايتي العلل و الفقه؛ إذ ليس اعتبار الارتفاع واجبا فيه، فيكون مندوبا.

و دلالتها على الندب و إن لم يخل عن خفاء إلا أنها بضميمة نص الأصحاب و الإجماع المنقول كافية في إثبات الندب.

و أما كراهته من المهابط فقد نصّ عليه في كلام جماعة، و لم نجد في الأخبار ما يدلّ عليه.

و استصحاب كونه من العوالي لا يقضي بالكراهة فيها إلا أن يكتفى فيها بمجرد حكم الجماعة.

و الإجماع المنقول عليه في التذكرة لا بأس به.

و أما كراهة كفه من تراب الطريق فيدلّ عليه رواية غياث بن إبراهيم، عن الصادق (عليه السلام) قال: «نهى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يتيمم الرجل بتراب من أثر الطريق (3)».

و في روايته الأخرى عنه (عليه السلام)، عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا وضوء من موطئ» (4). قال النوفلي: يعني ما تطأ عليه برجلك.

و ظاهر إطلاق الأخير أعم من الأول فالقول به لا يخلو عن بعد؛ تسامحا في أدلة السنن.

و لا يبعد حمل قوله «من موطئ» على ما كان معدّا لذلك، لا ما وطئه برجله و لو مرّة كما

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2/ 176.

(2) تذكرة الفقهاء 2/ 179.

(3) الكافي 3/ 62، باب صفة التيمّم، ح 6.

(4) الكافي 3/ 62، باب صفة التيمّم، ح 5.