تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
305

هو ظاهر تفسير النوفلي.

و قد يستفاد من ذلك كراهة التيمّم مما يكون معرضا للنجاسة أو يظن بنجاسته.

و أما كراهة السبخة و الرمل فلم نجد عليها مستندا سوى حكم الجماعة. و عزاه في الحدائق (1) إلى صريح الأصحاب. و هو يؤذن بالاتفاق.

و قد يعلّل كراهة الأول تارة بالخروج عن الخلاف، و هو ضعيف و إلّا لجرى في الحجر و نحوه بخلاف من اعتبر الاختصاص بالتراب، بل و يجري ذلك أيضا في الرمل لو قيل بخلافهم فيه، أيضا، و أخرى باختلاط ترابها بالأجزاء الملحيّة، و هو) (2) أيضا موهون بأن المدار أيضا عن الخروج عن اسم الأرض، فإن كانت بحيث يوجب الخروج عن الاسم فلا شكّ في المنع، و إلا لم يقتض (3) بالكراهة إلا أن يجعل ذلك مؤيّدا لكلام الجماعة، فيكتفى به تسامحا في السنن.

و كراهة الأخير بما في بعض الأخبار بعد النهي عن الصلاة على الزجاج: «و إن حدّثتك نفسك أنه مما أنبت الأرض و (4) لكنّه من الملح و الرمل، و هما ممسوخان» (5).

قال: بعض المحدثين: أراد بالممسوخيّة تحوّل صورتهما و عدم بقائهما على حقيقة الأرضية، فقد يكون ذلك مستندا للكراهة.

و فيه: أنه لو تمّ لدلّ على المنع إلا أن يقال ببقاء الحقيقة العرفية قطعا، و الحكم إنما يتبع الاسم و الكراهة من جهة الخروج عن الحقيقة الفعلية، أو يقال: إن الرواية لا تنهض حجة على المنع فلينهض على الكراهة.

و لا يخفى عليك ما فيه إلا أن يكون المقصود التأييد لحكم الجماعة.

____________

(1) الحدائق الناضرة 4/ 315.

(2) ما بين الهلالين من قوله «بأن قضية الأخبار» إلى هنا مما أضفناها من نسخة (د)، و لم توجد إلّا فيها، فاغتنمها.

(3) في (د): «يقض».

(4) لم ترد في (د): «و».

(5) الكافي 3/ 332، باب ما يسجد عليه و ما يكره، ح 13.

306

تبصرة [التيمّم بغبار الثوب و نحوه]

إذا لم يجد شيئا من أقسام الأرض يتيمم (1) من غبار ثوبه أو لبد سرجه أو عرف دابته و نحو ذلك مما يشتمل على الغبار.

و أسنده في المعتبر و تذكرة الفقهاء إلى علمائنا.

و هو في الجملة ممّا أطبقت عليه النصوص و الفتاوى.

و ربما يتوهم من عبارة المراسم (2) عدم جواز التيمّم بالمغبّر (3) و إنما يصحّ بالغبار المستخرج منه حيث قال: إذا وجد الثلج و الوحل و الحجر نفض ثوبه و رحله، فإن خرج منه تراب تيمم منه إذا لم يمكنه التوضّي من الثلج، فإذا لم يكن من ثيابه و رحله تراب ضرب بيده على الوحل و الثلج و الحجر و تيمم به.

و ربما يومي إليه صحيحة أبي بصير: «إذا كنت في حال لا تقدر إلا على الطين فتيمم به، فإن اللّه أولى بالعذر إذا لم يكن معك جاف (4) أو لبد تقدر أن تنفضه و تيمم به» (5).

و هذه الرواية كعبارة الديلمي محمولة على ما إذا كان الثوب مغبرّا فيعلم بالنفض وجود الغبار فيه، أو (6) إن المقصود بالنفض صعود الغبار على ظاهر ذلك الشيء فيتيمم به؛ إذ اجتماع التراب من الغبار المستخرج من الثياب و نحوها بحيث يمكن التيمّم به فرض بعيد لا ينصرف

____________

(1) في (د): «تيمّم».

(2) المراسم: 53.

(3) في (ألف): «بالمعتبر».

(4) زيادة في (د): «ثوب».

(5) الكافي 3/ 67، باب التيمّم بالطين، ح 1.

(6) في (ألف): «و».

307

إليه الإطلاق.

و مع فرضه فلا ريب في لزومه؛ لكونه واجدا للتراب.

ثم إن فقد ذلك أو وجد الوحل تيمم به، و هو أيضا مما اتفقت عليه كلمة الأصحاب و أخبار الباب. و حكى في المعتبر إطباق فقهائنا عليه.

و عزاه في تذكرة الفقهاء إلى علمائنا، فجواز التيمّم بكل من الأمرين المذكورين في الجملة مما لا تأمل فيه.

إنما الكلام في المقام في أمور:

أحدها: المعروف جواز التيمّم إذن لكل مغبرّ من الثياب و اللبد و عرف الدابّة و نحوها.

و عن الشيخ في ظاهر النهاية (1) تقديم غبار عرف الدابة و لبد السرج على غبار الثوب. و مع عدم التمكن منهما تيمّم بغبار الثوب.

و عن السرائر الحكم بعكسه. و الأول هو الأقوى لظواهر عدة من [الأخبار، منها] المعتبرة كالصحيح: «فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبرّ» (2).

و الموثق: «إن أصابك الثلج فلينظر لبد سرجه، فتيمم من غباره أو من شيء معه» (3).

و موقوفة عبد اللّه بن المغيرة الصحيحة: «إذا كانت الأرض مبتلّة ليس فيها تراب و لا ماء فانظر أجفّ موضع تجده فتيمم من غباره أو شيء مغبر» (4).

و لم نقف على مستند للقولين الآخرين. و الأولى إرجاعه إلى المشهور بحملهما على بيان مواضع الغبار.

و كأنّ ذكر الترتيب من جهة اختلافها في الاشتمال على الغبار، فقدّم المقدم ليكون المظنة باشتماله على الغبار أكثر.

____________

(1) النهاية و نكتها 1/ 262.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 190، باب التيمّم و أحكامه، ح 20.

(3) وسائل الشيعة 3/ 353، باب جواز التيمّم عند الضرورة بغبار الثوب، ح 2.

(4) الكافي 3/ 66، باب الرجل يكون معه الماء القليل في السفر، ح 4.

308

ثم قضية إطلاق النصوص المذكورة عدم الفرق بين كون المغبّر من الثياب أو الفراش (1) و غيرها كالجلود المغبّرة، و لا بين كونها مما يدخل الغبار في أعماقه كالأشياء الرخوة، و ما يبقى على ظاهره كالأخشاب و نحوها، و (2) ربما كان ذلك أولى.

ثانيها: ظاهر جماعة من الأصحاب منهم المفيد و الديلمي في عبارته المتقدمة اعتبار نفض الثوب ليظهر الغبار على وجهه.

و هو ظاهر صحيحة أبي بصير المتقدمة. و سائر الروايات مطلقة كفتاوى كثير من الأصحاب.

و قد يقال بأن إطلاق الشيء على المغبّر في الصحيحتين المتقدمتين ظاهر فيما إذا كان الغبار ظاهر [ا] عليه لا ما اشتمل على الغبار كيف كان.

و فيه تأمل.

و الأحوط مراعاة ذلك و إن كان القول بوجوبه لا يخلو من تأمّل؛ لمكان الإطلاق و عدم وضوح ما يدلّ على التقييد.

ثالثها: ظاهر النصوص و الفتاوى عدم صحة التيمّم بالغبار مع التمكن من الصعيد.

و ربما يظهر من عبارة السيد في الجمل جوازه مع وجود التراب. و هو ضعيف، و إليه كثير من أئمة الجماعة.

رابعها: على القول بتفسير الصعيد بالتراب، فهل يقدّم التيمّم بالحجر على الغبار؟

وجهان.

و قد نصّ الشيخ و غيره بتقدّم الحجر عليه، و صريح الديلمي في العبارة المذكورة تأخيره عنه و قد جعله (3) بمنزلة الوحل و الثلج. و استفادة الحكم المذكور من الأخبار محل خفاء إلا أن يتمسك بحمل مطلقات الأخبار على المقيّد في صورة إمكان التراب، فيبقى مطلقه مع تعذّره كما أشرنا إليه.

____________

(1) في (د): «فرش».

(2) لفظة الواو و زيدت من (د).

(3) في (ألف): «حصل».

309

و فيه ما عرفت.

و يستدلّ له بإطلاق صحيحة رفاعة. و هو أيضا مشكل.

و كيف كان، فإن قام دليل على جواز التيمّم به فإنما يفيد تقديمه على الغبار.

و أما جوازه في خصوص صورة العجز عنه فلا يظهر مستنده إلا أن يتمسك بالإجماع على جواز التيمّم به في الجملة، فيقال: إن المتيقن من الإجماع هو كونه طهورا بعد الغبار لخروجه عن مورد النصوص، فيجعل بمنزلة الوحل.

خامسها: المعروف بين الأصحاب تقديم الغبار على الوحل،

بل لا نعرف مخالفا فيه.

و في المدارك: إن الأصحاب قاطعون به، و ظاهرهم الاتفاق عليه.

و في الحدائق: إن ظاهر عباراتهم الاتفاق عليه.

و يدلّ عليه المعتبرة المستفيضة، منها: الصحيح: «فإن كان في ثلج فلينظر لبد سرجه فليتيمم من غباره أو شيء مغبر و إن كان في حال لا يجد إلا الطين، فلا بأس أن يتيمم به» (1).

و ربما يقال بعدم دلالة ذلك على المطلوب؛ إذ المفروض فيه كونه من الثلج فلا يقدر معه على الطين ليدلّ على تقديمه عليه.

و أنت خبير بأن مفهوم قوله «و إن كان» في حال الخبر كاف في الدلالة على المقصود إلا على أن إفادة مجرد كونه في الثلج عدم تمكنه من الطين محل تأمل.

و مما يدلّ عليه موثقة زرارة: «إن كنت في حال لا تجد إلا الطين فلا بأس أن تتيمم به» (2)؛ فلما أضيف ذلك إلى ما دلّ على صحة التيمّم بالغبار اتّضحت دلالته على المطلوب.

و موقوفة عبد اللّه بن المغيرة الصحيحة، و هي واضحة الدلالة عليه، فمناقشة غير واحد من المتأخرين كصاحب المدارك في تقديمه على الطين للتأمّل في دلالة (3) الأخبار و إسناد بعض لا يخفى وهنها.

____________

(1) تقدم ذكره، فراجع.

(2) الإستبصار 1/ 156، باب التيمّم في الارض الوحلة و الطين و الماء، ح (538) 2.

(3) زيادة في (د): «بعض».

310

نعم، في (1) رواية زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) قال: قلت له: رجل دخل الأجمة ليس فيها ماء و فيها طين، ما يصنع؟ قال: «يتيمم فإنه الصعيد». قلت: فإنه راكب و لا يمكنه النزول من خوف و ليس هو على وضوء. قال: «إن خاف على نفسه من سبع أو غيره أو خاف فوت الوقت فليتيمم يضرب بيده على اللبد و البرد (2) و يتيمم و يصلّي» (3).

و في مرسلة علي بن مطر، عن الرجل: لا يصيب الماء و لا التراب، أ يتيمم بالطين؟ قال:

«نعم، صعيد طيّب و ماء طهور» (4).

و هما ضعيفان، فلا ينهضان حجة، مضافا إلى معارضتهما لتلك المعتبرة المؤيّدة بالعمل، و الظاهر جعل الأخيرة على صورة فقدان الغبار.

و قد يحمل الأول على كون الطين بحيث يصدق عليه اسم الأرض بأن لا يكون يلتصق باليدين.

و قد يومي إليه إطلاقه الأمر بالتيمم منه، و حكمه بأنّه الصعيد إشارة إلى ظاهر الآية، فيقيّد جوازه مع الاختيار أيضا؛ إذ لا يتم ذلك إلا مع عدم خروجه عن اسم الأرض.

سادسها: إنما يصحّ التيمّم بالثوب و نحوها مع حصول الغبار فيها

كما هو قضية أخبار الباب و فتاوى الأصحاب، فلا يصحّ التيمّم بها مع خلوّها عن ذلك.

و ظاهر الشيخ في الاستبصار جواز التيمّم بها إلّا أنه جعله بعد تعذّر الطين، فحكم بتقديم ذي الغبار عليه و تأخير ذلك عنه، و جعل وجه الجمع بين الأخبار المذكورة الدالّة بعضها على تقديم الغبار على الطين و بعضها على تأخيره.

و فيه: أنه لا شاهد على الجمع المذكور مع مخالفة الظواهر النصوص.

سابعها: إذا تمكّن من تجفيف الطين وجب عليه لتمكنه من الصعيد.

و قد منعه بعض

____________

(1) في (ألف): «و» بدل «في».

(2) في (د): «البردعة».

(3) الإستبصار 1/ 156، باب التيمّم في الأرض الوحلة و الطين و الماء، ح (540)- 4.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 190، باب التيمّم و أحكامه، ح 23.

311

المتأخرين؛ نظرا إلى إطلاق الروايات و خلوّها عن ذكره. قال: التقييد بالتجفيف كما ذكره لا أثر له في شيء منها، و لو كان الحكم فيه ذلك لوقع (1) عليه و لو في بعضها؛ لأن المقام مقام بيان.

و أنت خبير بضعف ذلك؛ إذ إطلاق الأخبار منزّل على صورة الضرورة كما هو المنساق منها، فوضوح الحال في صورة التمكن من الصعيد قد أغنى عن الإشارة إليه. و كذلك الحال بالنسبة إلى التيمّم بالغبار، فلو أمكن نفض الغبار بحيث يجتمع منها ما يصدق عليه اسم التراب و كان المجتمع وافيا بالواجب تعيّن ذلك.

و بالجملة، الظاهر مراعاة المكنة في الانتقال عن كل مرتبة إلى ما دونها، فمع التمكن من الأعلى بالأسفل إلى ما دونه و لو في آخر الوقت على نحو ما ذكر في الماء، و يجب التجسس عنه مع فقده و الجهل به إلى أن يصدق معه عدم الوجدان، و لا يجب عليه الطلب في الفلوات على نحو ما مرّ في الماء؛ لاختصاص النصّ به.

ثامنها: يعتبر في الغبار الذي يتيمم به أن يكون من جنس ما يتيمم به

كما نصّ عليه جماعة.

و هو كذلك؛ إذ هو الظاهر من الأخبار و كلام الأصحاب، فلا عبرة بغبار الأشنان و الدقيق و نحوهما، و كذا غبار الجص و النورة على القول بالمنع من التيمّم بهما.

تاسعها: في ظاهر كلماتهم اختلاف في كيفية التيمّم بالوحل،

فعن المفيد (2) أنه يضع يديه على الوحل ثم (يرفعهما فيمسح إحداهما بالأخرى حتّى لا يبقى فيهما نداوة، و يمسح بهما وجهه و ظاهر كفّيه. و عن الشيخ أنّه يضع يديه على الوحل ثمّ) (3) يفركهما و يتيمم.

و استوجهه المحقق في المعتبر (4) و حكى فيه قولا آخر، و هو أنه يضع يده على الوحل و يتربّص، فإذا يبس يتيمم به.

____________

(1) زيادة في (د): «التطينيّة».

(2) المقنعة: 59.

(3) ما بين الهلالين زيدت من (د).

(4) المعتبر 1/ 377.

312

و في التذكرة (1): إنه مرويّ عن ابن عباس، قال: و هو جيد عندي إن لم يخف فوت الوقت، فإن خاف عمل بقول الشيخ.

و في السرائر (2): إن التيمّم به كالتيمم بالتراب. و حكاه في الوسيلة عن شيوخ أصحابنا.

و يمكن الجمع بين الأقوال المذكورة ليرتفع الخلاف.

و الوجه في المقام أن يضرب يديه على الوحل، ثم يرفعهما فإن لم يكن فيهما ما يمنع من وصول الماسح إلى الممسوح مسح بهما وجهه و كفيه، و إلا أزال المانع و مسح به.

و استوجهه في التذكرة، و لا بأس به؛ لحصول المسمى للتراب، و إن لم يقع الضرب عليه لكن لا بدّ من عدم مانعيته للمسح و عدم حصول الفصل الطويل بين أفعال التيمّم.

عاشرها: لو كان في التراب رطوبة لا يوجب لصوقه باليدين لم يمنع من التيمّم به حال الاختيار؛

لصدق الأرض عليه و عدم اشتراطه باليبوسة في الأخبار.

و عزاه في التذكرة إلى علمائنا مؤذنا بالإجماع عليه. و احتج عليه من أخبار الخاصة بصحيحة رفاعة المتقدمة، و حكى المنع عن الشافعي.

نعم، إذا وصل إلى حدّ يوجب تلويث اليد به، فلا يظهر اندراجه في الإطلاقات؛ إذ لا يعد الطين من الأرض و إنما هو مركب منه و من الماء، فيجري فيه (3). إذن ما ذكرناه. و كأنه المراد بالوحل في كلام الأصحاب، و إن فسّر بالطين الرقيق؛ لإطلاقه في الأخبار.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 62.

(2) السرائر 1/ 138.

(3) زيادة: «فيه» من (د).

313

تبصرة [في واجد الثلج دون غيره]

من لم يجد شيئا إلا الثلج فإن أمكنه اذابته و لو على الأعضاء بحيث يحصل به مسمى الغسل بأن يجري الماء و لو بمعونة اليد من محل إلى آخر وجب عليه طهارة المختار؛ لأنه في الحقيقة واجد للماء.

و الظاهر أنه لا تأمل لأحد فيه.

و لو لم يمكن حصول مسمّى الغسل به فللأصحاب فيه أقوال:

أحدها- و هو مذهب أكثر الأصحاب كما في المدارك- سقوط الغرض، و إلحاقه بفاقد الطهورين.

و عن الإسكافي و السيد و الديلمي و العلامة في القواعد: وجوب التيمّم به.

و عن الشيخين و العلامة في غير واحد من كتبه: وجوب الغسل و الوضوء به.

و الأقوى الأول؛ و يدلّ عليه الأصل و عدم وضوح دليل على جواز إيقاع أحد الأمرين؛ لخروجه عن اسم الماء و عدم حصول مسمى الغسل به؛ ليصدق معه الوضوء و الغسل.

و كونه من حقيقة الماء لا يفيد شيئا بعد الخروج عن اسمه، و ليس أيضا من الصعيد ليصحّ التيمّم به فمقتضى (1) ظاهر الكتاب و الأخبار لا يصح به شيء من الأمرين. مضافا إلى أنه المستفاد من ظواهر أخبار الباب كصحيحة رفاعة و موثقة زرارة المتروك فيهما ذكر الاغتسال أو التيمّم به في مقام البيان.

و ما ورد في عدّة من الأخبار من الاغتسال به فإنها تشير إلى حصول مسمى الغسل،

____________

(1) في (د): «فبمقتضى».

314

و الجريان بإمراره على العضو إنه هو مما يمكن حصوله في كثير من الأحوال:

منها: صحيحة علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام)، عن الرجل الجنب أو على غير وضوء: لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا و صعيدا، أيهما أفضل؟ أ يتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال:

«الثلج إذا بل رأسه و جسده أفضل و إن لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم» (1).

و روى في قرب الإسناد (2) عنه (عليه السلام) ما يفيد ذلك باختلاف في لفظه.

و رواه في مستطرفات السرائر (3) عن كتاب محمد بن علي بن محبوب.

و هذه الصحيحة عند التأمل مما يدل على ما ذكرناه؛ إذ اعتبار بلّ الرأس و الجسد ليس إلا لحصول مسمى الغسل و لو كالدهن كما ورد في الأخبار من أن «المؤمن لا ينجسه شيء و إنما يكفيه مثل الدهن» (4) حتى أنه ورد ذكر المسح في موضع الغسل في غير واحد من الأخبار كما تقدم ذكره في محله؛ إشارة إلى المبالغة في عدم لزوم إكثار الماء.

و مما يشير إليه تقديمه على التيمّم و ترتبه عليه.

و منها: قويّة محمد بن مسلم: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل يجنب في السفر لا يجد إلا الثلج؟ قال: «يغتسل بالثلج أو ماء النهر» (5).

و هذه الرواية كما ترى ظاهرة فيما قلناه سيّما بملاحظة التخيير بينه و بين ماء النهر.

و منها: قوية معاوية بن شريح قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده، فقال: يصيبنا الدمق و الثلج و نريد أن نتوضأ لا نجد إلا جامدا، فكيف أتوضأ أدلك به جلدي؟ قال:

«نعم» (6).

و بعض المتأخرين كالفاضل الجزائري بنى على العمل بإطلاق هذه الأخبار بعد تقييد

____________

(1) الإستبصار 1/ 159، باب الرجل يحصل في أرض غطاها الثلج، ح (547) 6.

(2) قرب الإسناد: 181.

(3) مستطرفات السرائر: 613.

(4) الكافي 3/ 21، باب مقدار الماء الذي يجزئ للوضوء و الغسل ح 2.

(5) الإستبصار 1/ 157، باب الرجل يحصل في أرض عطاها الثلج، ح (542) 1.

(6) الإستبصار 1/ 157، باب الرجل يحصل في أرض عطاها الثلج، ح (543) 2.

315

مطلقها بمقيّدها، و حكم بوجوب الوضوء و الغسل بالثلج إن أثر نداوة على العضو و إن لم يحصل به مسمى الجريان، فيقدّم على التراب و إلّا سقط اعتباره مطلقا. و اختاره في الحدائق و أيّده بالأخبار الدالّة على الاكتفاء بالدهن و مجرد إمساس الماء و نحو ذلك.

و قد عرفت فيما مضى أن ذلك كله محمول على حصول أدنى مسمى الغسل كي لا يخالف صريح الكتاب و سائر الروايات المعتضدة بالأصل و فتاوى الأصحاب على أن المستفاد منها جواز ذلك في حال الاختيار، بل كالصريحة فيه.

و هو ممن لا يقول به.

و الحاصل أن أخبار الباب كالأخبار المذكورة محمولة على حصول مسمى الغسل بإمراره على الجسد. و حينئذ فلا شك في وجوبه بل و جوازه مع وجود الماء أيضا. و مع عدم إمكانه و إمكان الصعيد و ما يقوم مقامه يندرج في فاقد الطهورين.

حجة القول بلزوم الوضوء و الاغتسال به الروايات المتقدمة.

و هي كما عرفت مما لا يفيد ذلك.

و أجاب في المختلف كما ذكرناه من ظهور الاغتسال في حصول مسمى الجريان بمنع أخذ الجريان و مسمى الاغتسال. و مع تسليمه فإنما يقضى جريان ما علّق به الاغتسال لا حصول (1) الماء. و هو حاصل بإجرائه (2) في المقام، فإن الثلج يجب إجراؤه على الأعضاء.

انتهى.

و هو كما ترى.

و احتج عليه بأنّه يجب في الغسل و الوضوء مماسّته أعضاء الطهارة بالماء، و إجراؤه عليها، فإذا تعذر الثاني وجب الأول.

و هو أيضا من الضعف بمكان.

حجة القول بالتيمم بالثلج صحيحة محمد بن مسلم، عن الصادق (عليه السلام) عن رجل أجنب

____________

(1) في (ب) و (د): «خصوص».

(2) لم ترد في (د): «بإجرائه».

316

في سفر و لم يجد إلا الثلج أو ماء جامدا؟ قال: «و هو بمنزلة الضرورة يتيمم، و لا أرى أن يعود إلى هذه الأرض التي توبق دينه» (1).

و فيه: أنه لا دلالة فيها على كون تيممه بالثلج.

و قوله «لا يجد إلا الثلج» لا يدلّ على عدم وجدانه ما يصحّ التيمّم به، بل يمكن أن يكون المقصود به عدم وجدانه الماء. و كأنّ سياق المقام شاهد عليه، و إلا لصرّح بالحال، و لا أقلّ من الاحتمال الذي يسقط به الاستدلال.

و اعلم أنه على القول بالتيمم بالثلج لا تأمل في تأخيره عن الغبار كما هو صريح صحيحة رفاعة و غيرها.

و في الحدائق (2): ظاهر كلام أكثر الأصحاب عدم جواز استعمال الثلج مع وجود الغبار، بل ظاهرهم الاتفاق عليه.

و هو يعطي تأخير الوضوء و الغسل على القول بهما عن ذلك.

و أما بالنسبة إلى الوحل فقد يقال: إن ظاهر المختلف أنه كذلك حيث فرض المسألة في صورة عدم وجدان ما عدا الثلج. و ظاهر الديلمي التخيير بينه و بين الحجر و الوحل.

و يمكن أن يقال: إنه قضية الجمع بين الصحيحة المتقدمة، و ما دلّ على التيمّم بالوحل؛ لورود كل منهما فيمن لا يجد سواه، فإذا دار الأمر بينهما تخيّر.

و فيه تأمل.

____________

(1) الكافي 3/ 67، باب الرجل يصيبه الجنابة فلا يجد إلا الثلج أو الماء الجامد، ح 1.

(2) الحدائق الناضرة 4/ 303.

317

تبصرة [في اشتراط طهارة التراب]

يشترط في التراب الذي يتيمم به أن يكون طاهرا بلا خلاف فيه يعرف. و في التذكرة:

إنه مذهب علمائنا أجمع.

و في منتهى المطلب (1): لا نعرف فيه خلافا.

و احتج عليه بعد ذلك بظاهر قوله تعالى صَعِيداً طَيِّباً* (2) فإن الطيب هو الطاهر.

و عزا تفسيره بذلك في مشرق الشمسين (3). و في البحار (4) إلى مفسري أصحابنا مؤذنا باتفاقهم عليه.

و عن بعض العامة تفسيره بالأول، و عن آخر تفسيره بالذي ينبت دون ما لا ينبت كالسبخة.

أما الوجه الأخير فقد عرفت (5) ضعفه.

و يضعّف الثاني بأنّه إن لم يكن المقصود بالطيب هو الأول، فلا أقل من تعميمه للوجهين؛ لعدم صدق الطيب على النجس، فإن ثبت تفسير الأول- كما هو الظاهر- دلّ (6) على المطلوب بالخصوص و إلا اندرج فيه، فالاحتجاج بالآية لا غبار عليه.

فمناقشة صاحب المدارك في ثبوت كون الطيب بمعنى الطاهر الشرعي ليس في محله؛ إذ

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 144.

(2) النساء: 43، المائدة: 6.

(3) مشرق الشمسين: 339.

(4) بحار الأنوار 78/ 141.

(5) في (ب) و (د): «علمت» بدل «عرفت».

(6) زيادة: «دلّ» من (د).

318

من الظاهر أنه بعد ثبوت القذارة في الشرع يخرج عن كونه طيبا عند المشهور (1)، فالصفة و إن كانت شرعية إلا أن الاتصاف عرفيّ، فأهل العرف إنما يصفونه مع ذلك بالطيبة من جهة عدم إثباتهم للصفة.

على أن الإجماع على عدم اشتراط الطيبة العرفية قرينة على إرادة الشرعية.

و قد يقرّر الاستدلال عليه بالأصل من جهة الشك من جهة البناء على شرطيّة ما شكّ في شرطيته، فبعد (2) الشك في مدلول الآية لا بدّ من القول بالاشتراط.

و احتج عليه في الحدائق (3) بالنبوى المشهور: «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا».

و ذكر في القريب: بأن الطهور لغة هو الطاهر المطهر كما حقّق في باب المياه.

قال (4): و من ذلك يعلم أن كل موضع دلّ النص على التطهير بالأرض من حدث أو خبث يجب أن تكون طاهرة حسبما يقال في الماء.

قلت: فيه: أوّلا: أنه قد ذكر للطهور في باب المياه معنى آخر أيضا. و هو أن يكون بمعنى ما يتطهر به، و المقام محتمل (5) لإرادته، فلا يفيد اعتباره الطهارة.

و ثانيا: أن غاية ما تقتضيه الرواية أن تكون الأرض في أصلها طاهرة مطهرة، و هو لا يقضي باشتراط الثاني من الصفتين بالأول حتى يزول الثاني بزوال الأول إلا أن يقال: إن الحكم بطهوريته (6) حكم واحد، فإذا زال بعضه- أعني الطهارة- زال الجميع؛ للخروج عن مدلول الآية و عدم حجية الاستصحاب عنده.

و هو كما ترى.

نعم، قد يمكن الاعتضاد به في المقام بملاحظة أن الظاهر المنساق من المطهّر هو ما كان

____________

(1) في (د): «الشارع».

(2) في (ألف): «بعد».

(3) الحدائق الناضرة 4/ 311.

(4) الحدائق الناضرة 4/ 312.

(5) في (ألف): «تحمل».

(6) في (ألف): «بطهورية».

319

طاهرا في نفسه بعد حصول التطهير بالنجس.

و كيف كان، فالمسألة بملاحظة ما ذكرناه- مع اعتضاده بعدم ظهور الخلاف فيه بين الأصحاب بل ظهور اتفاقهم عليه- مما لا ينبغي الريب فيه.

و يجري الحكم في غير التراب من سائر ما يتيمم به.

و ربما يتأمل في المقام في الطهارة المعتبرة في الشيء المغبّر بأنها هل تعتبر في خصوص الغبار أو محله أو فيهما معا؟ وجوه؛ أضعفها الثاني و أحوطها الأخير.

و ظاهر غير واحد من الأخبار هو الأول حيث دلّ على أن المتيمّم (1) به هو الغبار. و لا يخلو عن قوة.

و لو امتزج الطاهر النجس كان بحكم النجس. و ربما يقال في الغبار الممتزج بالنجس بالجواز إذا حصل مسمّاه من الطاهر، و المشتبه بالنجس حكمه حكم النجس مع الانحصار كما عرفت.

و لو دار الاشتباه بين الماء و التراب، و (2) كان عنده تراب آخر معلوم الطهارة فهناك وجوه؛ من تعيّن الطهارة بالماء على احتمال تقدم في باب المياه، و تعين التيمّم لكون المشتبه حكمه حكم النجس، و تعيّن الأمرين لاحتمال مصادفة الطهارة الاختيارية.

____________

(1) في (ألف): «التيمّم».

(2) أضفنا الواو من (د).

320

تبصرة [في التيمّم بالمغصوب]

لا يجوز التيمّم بالمغصوب بلا خلاف فيه يظهر.

و عزاه في التذكرة إلى علمائنا أجمع.

و وجهه ما تقدم في الوضوء من عدم إمكان التقرب بالمحرّم، و لعدم انصراف الأوامر إلى الفرد المنهيّ عنه، فلا مقتضى فيه للصحة.

و كذا الحال لو كان مكان التراب مغصوبا.

هذا كله بناء على كون الضرب على الأرض جزء من التيمّم واضح، و إلّا كان بمنزلة الاغتراف من الآنية المغصوبة مع إباحة التراب أو حرمته إن لم نشترط العلوق، و لم يعلّق منه شيء باليد إلا أن يستند في منعه إلى الإجماع أو بعض الوجوه المذكورة.

و لو كان الفضاء الذي يقع فيه المسحات مغصوبا فالظاهر عدم الصحة؛ لسريان المنع إلى فعل العبادة القاضي بفسادها.

و قد يقال بأن الحركات الواقعة في المكان المغصوب مقدمات لحصوله، فلا يضر اجتماعها مع الحرام كما قيل بمثله في الوضوء.

و لا يخفى وهنه كما تقدمت الإشارة إليه.

و أما إذا كان مكانه سوى ما يقع فيه أفعال التيمّم مغصوبا لم يمنع من الصحة إلا إذا كانت حركات التيمّم مستلزمة للصرف فيه.

و المراد بالمكان المغصوب ما لم يكن مملوكا له عينا و لا منفعة و لا مباحا و لا مأذونا فيه من المالك و من بحكمه أو من الشرع، و من الآخر التيمّم في الأراضي المتسعة؛ لجريان الطريقة من لدن صاحب الشريعة على إيقاع تلك الأنحاء من التصرفات من غير ورود منع كما مرّت

321

الإشارة إليه في الوضوء، فلا حاجة فيه إلى استيذان المالك و لو أمكن.

نعم، لو صرّح المالك بالمنع لم يجز.

و مجرّد العداوة بينهما لا يقضي بالمنع؛ لعدم استناد الجواز إلى إذن المالك ليرتفع بالشك فيه.

نعم (1)، علم منها عدم رضاه لم يجوّز. [و] مع الظن به فوجهان، أحوطهما الاجتناب.

و لا فرق بين أن يكون ذلك المكان باقيا في يد صاحبه أو مغصوبا إلا أن يكون هو الغاصب (2) لجريان العادة فيه بالمنع، و للشك في جريان السيرة فيه.

و لو حبس في المكان المغصوب فإن لم يستلزمه (3) التيمّم فيه تصرفا زائدا على نفس الكون قوي البناء على الصحة؛ لارتفاع المنع من الكون بالإجبار.

و يحتمل أن يقال: إن إيقاع الأفعال المخصوصة نوع خاص من التصرف لا يقضي مجرد الحبس بجوازه.

و فيه: أنه بعد جبره على الحبس لا يجب عليه السكون فيه بحيث لا يقع منه حركة و لا فعل أصلا حتى يقتصر من التنفس و الأكل و الشرب على أقل الضرورة؛ لحرمة كل من الحركة و السكون فيه، فيتخير بينهما بعد الإجبار.

نعم، لو كان في الحركة تصرف زائدا عرفا على مطلق الكون لم يجز. و منه ما إذا تضرّر المالك بإيقاع الوضوء فيه، فينتقل إلى التيمّم مع عدم إمكان الاستيذان أو في التيمّم، فيصير فاقدا للطهورين.

و لو نهاه المالك عن نحو مخصوص من الكون ففي حرمته وجهان؛ من أصالة حرمة التصرف في ملك الغير، و من سقوط الرجوع إلى المالك بعد الجبر، فلا عبرة بنهيه كما لا يجب تحصيل رضاه مع المكنة، و لا يتعلق بذمته أجرة المكان.

____________

(1) الظاهر سقوط كلمة «إن».

(2) في (ألف): «الغالب».

(3) في (ب) و (د): «يستلزم تيمّمه».

322

و عليهما يبتني صحة التيمّم و عدمه مع تعلق المنع به، و كذا الحال في الصلاة.

و لو أذن له المالك إذن في الكون و نهى عن نحو خاصّ كان احتمال الحرمة فيه أقوى من الأول.

و لو كان الحابس هو المالك و نهاه عن كون خاصّ جرى الوجهان إلا أن احتمال الحرمة هنا بعيد، سيّما مع حصول مشقة عليه إلا أن يستلزم تصرفا زائدا على نفس الكون.

و لا يبعد هنا القول بجواز ما هو من ضرورياته، من أداء التكاليف و الأمور المتعلقة بنفسه عن الأكل فيه و الشرب و التخلي و الاستنجاء و الطهارة من الوضوء و الغسل و التيمّم و نحوها، و إن أوجب اضرار المالك.

نعم، لو تمكن منه على غير الوجه المضرّ تعيّن مع انتفاء المشقة في اختياره، و لا يجوز له صرف شيء من أمواله في ذلك كاستعمال مائه و لبس ثيابه للصلاة و غيره، و هو واضح.

و لو كان جاهلا بالغصبيّة أو ناسيا لها، فالظاهر الصحة.

و يحتمل القول بالفساد في الناسي كما مرّ في الوضوء.

و الأقوى خلافه.

و كذا الحال في الغافل إلا أن يكون ناسيا على الكون فيه، فاتفق غفلته عنه حال الفعل في وجه قوي، بل الظاهر استمراره على الغصب إذن و لو مع الغفلة، أو يكون غصبه حينئذ نظير سائر الأفعال الاختيارية الصادرة عنه، و لو غفل عن الفعل في أثنائه و قد اكتفى به في العبادات بناء على الاستدامة الحكمية للنية كما مرّ.

و لو كان بانيا على الخروج (1) حال الطهارة عن الغصبية حال إيقاعها فوجهان، أحوطهما الإعادة.

و لو غفل في إيقاع الفعل بطلت قطعا. و الجاهل بالحكم كالعامد إلا مع الجهل الذي يكون عذرا كالجاهل المطلق كالغافل عن المسألة أو المعتقد للإباحة بحيث لا يحتمل الخلاف ليجب

____________

(1) في (ب): «للخروج» بدل «على الخروج».

323

عليه السؤال.

ثم إن المشتبه بالمغصوب مع الانحصار، و لا فرق بين مدور الاشتباه بين أرضين أو بينه، و بين الماء أو غيره من سائر الأنواع.

324

تبصرة [في التيمّم بالممتزج]

من شرائط ما يتيمم به أن لا يكون ممتزجا بغير ما يصح التيمّم به بحيث يسلبه إطلاق الاسم أو يكون الخلط متميزا في الحسّ.

و قد أطلق بعضهم عدم صحة التيمّم بالممتزج.

و يمكن حمله على ذلك؛ إذ مع بقاء الاسم و عدم امتياز الخلط فكأنّه لم يختلط بغيره.

و الوجه في الجواز مع بقاء الاسم ظاهر.

و كذا المنع مع عدمه.

و أما مع الامتياز في الحسّ فلعدم صدق اسمه على المجموع إلا بطريق التسامح. و لا عبرة به في الشرع، فنحو ألبسة الواقعة على التراب اجزاء و الحشيش الممتزج به أو الشعيرة يمنع من صحة التيمّم به.

و لو كان ذلك على ظاهره فاندفن في التراب بحيث يصل اليد إليه أو وصل يده إليه بالتحريك لم يقض بالصحة؛ إذ لم يقع الضرب على الأرض و التسامح في التسمية لا عبرة به كما مرّ.

نعم، يصحّ التيمّم به بعد عدم إمكان الأرض الخالص إذا بقيت الأجزاء الأرضية على اسمها؛ إذ ليس ذلك بأقلّ من الغبار.

و يحتمل تقديمه عليه؛ لصدق اسم التراب عليه في الجملة و إن لم يصدق ضرب اليد بتمامها على التراب.

325

و يتقوى الاحتمال المذكور مع قلة الخليط فيه جدّا. و لا فرق فيما ذكرنا بين أن يكون (1) الممسوح من المائعات أو الجواهر إلا أنه يخرج مع الامتزاج بالماء إلا أن تصل إلى حدّ الطين.

و كذا غيره من المياه المضافة.

____________

(1) في (د): «كون» بدل «أن يكون».

326

تبصرة [في فاقد الطهورين]

من فقد الطهورين معا فالمعروف بين الأصحاب سقوط الأداء عنه.

و حكي في شرح الاستبصار إطباق علمائنا عليه. و هو كذلك؛ إذ لا يعرف فيه مخالف من الأصحاب.

نعم، ذهب إلى وجوبه عليه جماعة من العامة كالشافعي في أحد قوليه، و ابن حنبل في إحدى الروايتين عنه، و أبو يوسف و غيرهم.

نعم، حكى المحقق قولا مرسلا بالوجوب حكي في ظاهر التذكرة (1) حيث أسند إليه أنه يصلّي و يعيد.

و ظاهره وجوب الأمرين عليه، و عبارته في المبسوط غير دالّة عليه، بل ظاهره التخيير بين التأخير و الصلاة، ثم الإعادة.

و ظاهر ذلك جواز فعله محدثا لا وجوبه. و لا يعرف ذهاب أحد من الأصحاب إليه سواه.

و هو ضعيف إذ لا شاهد عليه. و يدلّ على سقوط الأداء مضافا إلى ما عرفت إطلاق قوله (عليه السلام) في الحديث المروي في الصحيح و غيره: «لا صلاة إلا بطهور» (2) الدالّ على عدم صحة الصلاة بدونه، سواء حمل العبارة على النهي أو النفي.

و هو كما ترى شامل لحال الاختيار و الاضطرار؛ مضافا إلى ما دلّ من حرمة الصلاة شرعا من دون طهور، كقوله في رواية مسعدة بن صدقة: «سبحان اللّه! فما يخاف من يصلي من

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1/ 63.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 58، باب المياه و طهرها و نجاستها، ح 129.

327

غير وضوء أن يأخذه الأرض خسفا» (1).

و في الصحيح الوارد في جلد الملائكة رجلا من الأنصار (2) في حيرة المعلل سبب جلده بأنه صلّى يوما من غير وضوء، و مرّ على ضعيف فلم ينصره» (3).

مضافا إلى غير ذلك مما دلّ على اشتراط الصلاة بالطهور كالصحيح: عن الفرض في الصلاة؟ فقال: «الوقت و الطهور» (4)، الحديث (5).

و في النبوي: «افتتاح الصلاة الوضوء» (6).

و نحوه في العلوي.

و عن الصادق (عليه السلام): «الصلاة ثلاثة اثلاث ثلث طهور» (7) الخبر.

مع تأيدها بما دلّ من إطلاقات الأصحاب باشتراط الصلاة بالطهور، و ظاهر إجماعاتهم المحكية القاضية بإطلاق الشرطية سيّما على القول بكون أسامي العبادات بإزاء الصحيحة كما هو الأظهر.

و من الغريب ما اتفق لبعض أفاضل المتأخرين من القطع بثبوت الأداء عليه؛ استنادا إلى أن الصلاة من الواجبات النفسية المطلقة حيث تعلّق الأوامر المطلقة في الكتاب و السنة بها، و الطهارة إنما كانت واجبة للغير (8)، فعند عدمها لو سقط الواجب لزم كونها مقيدة كالحج

____________

(1) وسائل الشيعة 1/ 368، باب تحريم دخول في الصلاة بغير طهارة، ح 1.

(2) في (د): «الأحبار في قبره» بدل «الأنصار في حيرة»، و في المصدر: «الأخيار».

(3) ثواب الأعمال: 224، و فيه: صفوان بن مهران الجمال، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «اقعد رجل من الأخيار في قبره. قيل له: يا أبا خالد! إنا جادلوك مائة جلدة من عذاب اللّه. فقال: لا أطيقها. فلم يزالوا به حتى انتهوا إلى جلدة واحدة، فقالوا: ليس منها بدّ. فقال: فيما تجلدوني فيها؟ قالوا: إنك صلّيت يوما بغير وضوء و مررت على ضعيف فلم تنصره».

(4) الكافي 3/ 272، باب فرض الصلاة، ح 5.

(5) في (د): «.. إلى آخره» بدل «الحديث».

(6) الكافي 3/ 69، باب النوادر، ح 2.

(7) الكافي 3/ 373، باب فرض الصلاة، ح 8.

(8) في (ألف): «المعتبر».

328

بالنسبة إلى الاستطاعة، و اللازم باطل فالملزوم مثله، و أن القاعدة المستفادة من قوله (عليه السلام):

«إذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما استطعتم» (1) قاض بعدم سقوط الصلاة مع تعذر الطهارة إذا أمرنا بالطهارة و الصلاة معا، فإذا تعذر الأول لم يسقط الثاني.

و ضعف الوجهين المذكورين مما لا يحتاج إلى البيان؛ إذ بعد دلالة الأخبار المذكورة المؤيّدة بسائر الأخبار و إطباق الأصحاب على التقييد لا تبقى تلك الإطلاقات حجة، بل لا بدّ من حملها على المقيّد كما هو القاعدة المجمعة عليها بين الأصحاب.

و الرواية المذكورة عامّية لا ذكر لها روايات الأصحاب حتى يصح الاستناد إليها.

و يؤيده عدم بنائهم عليها في جلّ الأمور، و ليس ذلك قاعدة مطردة بينهم بل إنما يلاحظون الأدلة في خصوص كل مقام، مضافا إلى عدم وضوح دلالتها في المقام؛ إذ لو اريد بقوله «ما استطعتم» الفرد الذي يستطاع منه دلّ على الاكتفاء بأيّ فرد يستطاع من أفراد المأمور به، و إن اريد به التبعيض في العمل فمع عدم بناء الأصحاب عليه- كما عرفت- إنما يدلّ على جواز الاكتفاء تعلق به القدرة بعض الاجزاء لا بمجرد الفعل من دون الشرط؛ إذ الفاقد للشرط ليس بعضا من المأمور به كما هو قضية الاشتراط.

و من الغريب أيضا إيراده على دلالة الصحيحة المتقدمة بما لا ينبغي صدوره من مثله حيث ذكر أولا: أن هذا النفي ليس إلا مثل النفي الوارد على سائر شروطها و أجزائها مثل «لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب» (2) و إلا فسائر إلى غير ذلك. و قد جعلتموه على حالة الاختيار و حكمتم بوجوب الصلاة مع تعذر تلك الشرائط و الأجزاء مع أن التلازم بين الجزء و الكل أقوى.

و ثانيا: أن الطهور في هذه الرواية وردت في مقام ذكر الاستنجاء (3) فيكون ذلك شاهدا

____________

(1) عوالي اللئالي 4/ 58 في هامشه.

(2) عوالي اللئالي 1/ 196.

(3) في (ب): «الاستحباب».

329

على (1) إرادة الطهارة على الخبث و إن كان في نفسه مقولا بالاشتراك على الأمرين، و أنتم لا تقولون فيها ذلك؛ لظهور فساد الأول.

و اندفاعه بأن الخروج عن قضية الأصل في تلك المقام لقيام الدليل عليه لا يقضي بالتزامه في المقام، و إلا لانسدّ طريق العمل بظواهر الأخبار لخروج كثير منها عن الظاهر، و إن أراد مقابلته (2) الشرط المذكور بتلك الشرائط و الأجزاء ففساده أظهر من أن يخفى. و كذا إن ادّعي الأولوية.

و من الغريب أيضا تعجّبه من المحقق حيث أبدى (3) الفرق بين هذا الشرط و سائر الشرائط ببيان مزيد خصوصية فيه، و ذكر بعد حكاية ذلك منه أن الكلام فيه لا يحتاج إلى بيان مع أن الأمر بالعكس، و ليس مقصود المحقق إلا ذكر بعض الوجوه الفارقة لئلا يسري الحكم منها إليه، و يكفي في ذلك مجرد احتمال الفارق، فكيف مع تحقّقه في الجملة.

و قرّر الكلام المذكور في بعض رسائله مستدلّا به على مطلوبه بأن الطهارة شرط في صحة الصلاة لا في (4) وجوبها، فهي كغيرها من الساتر و القبلة و باقي شروط الصحة إنما يجب مع إمكانها، و إلا لكانت الصلاة من قبيل الواجب المقيد كالحج و الأصوليون على خلافه.

و ضعفه ظاهر، فإن الأصل في كل شرط من شرائط الصحة أن يكون التمكن منه من شرائط الوجوب إلا أن يدلّ دليل على خلافه أو على سقوط الشرط مع انتفاء القدرة عليه، و وجود الدليل في سائر الشرائط لا يقضي بثبوت الحكم في محل النزاع مع عدم قيام شيء من الأدلة عليه، فليس حمله عليها إلا قياسا محضا.

و يندفع الثاني بأن العبرة بعموم اللفظ، مضافا إلى أن الاستنجاء من مقدمات الوضوء

____________

(1) في (د): «عن».

(2) في (د): «مقايسة».

(3) في (ألف): «أيّد».

(4) في (ألف): «لأنّ» بدل «لا في».

330

و الغسل كما يظهر من الأخبار، فلا يوجب وروده عند ذكر الاستنجاء تخصيصه (1)، على أن ما يدلّ على اشتراط الصلاة بالطهور غير منحصر في تلك الرواية كما عرفت.

فالحال في سقوط الأداء بيّن لا خفاء فيه.

و عن المفيد (2) في رسالة إلى ابنه أنه «يذكر اللّه في أوقات الصلاة»، و لم نقف على مستنده.

و كأنّ الوجه فيه إلحاقه بالحائض حيث إن الموجب لسقوط الصلاة فيها وجود الحدث، و هو كما ترى.

و أما سقوط القضاء عنه فاختلف فيه الأصحاب، فعن المفيد في أحد قوليه و الفاضلين و غيرهم سقوطه عنه.

و عن المفيد في المقنعة و السيد و الحلي و جماعة من المتأخرين القول بوجوبه.

و في الحدائق: أنه المشهور بين المتأخرين.

و بالغ الفاضل المتقدم في نفي القضاء عنه على القول بسقوط الأداء. و لعلّه الأظهر؛ إذ ثبوت القضاء إنما هو بأمر جديد ليس على وجوبه دليل ظاهر، و الاستناد فيه إلى بعض إطلاقات (3) القضاء الشاملة في بادي الرأي لا يخلو عن إشكال؛ لانصرافها إلى تلك الصورة مضافا إلى ندرة وقوعها.

و مما يدلّ على ما ذكرنا ما استفاض نقله في المعتبرة الحاكمة بعدم وجوب قضاء ما فات بالإغماء من أن «كلّما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر» (4).

و في القوي: «ألا أخبرك بما يجمع لك هذه الأشياء؟ كلّما غلب اللّه عليه من أمر فاللّه أعذر لعبده» (5). قال الراوي: و زاد فيه غيره أن أبا عبد اللّه (عليه السلام) قال: «هذا من الأبواب الذي يفتح

____________

(1) زيادة في (د): «به».

(2) الذي بين يدي الآن من المصادر: مصباح الفقيه 2/ 504، فراجعه.

(3) في (ب): «الإطلاقات».

(4) الكافي 3/ 451، باب تقديم النوافل و تأخيرها و قضائها ح 4، و فيه: «بالعذر فيه».

(5) وسائل الشيعة 8/ 260، باب وجوب قضاء ما فات بسبب الاغماء المستوعب للوقت، ح 8.

331

كلّ باب منها ألف باب» (1).

حجة القول بوجوب القضاء إطلاق ما دلّ على وجوب قضاء الفائتة كالصحيح: «أربع صلوات يصلّيها الرجل في كلّ ساعة صلاة فاتتك، فمتى ذكرتها أدّيتها» (2).

و في الصحيح: «يقضي ما فاته كما فاته» (3).

و فيه ما عرفت من الضعف في الإطلاق، مضافا إلى معارضته بالقاعدة المتقدمة.

____________

(1) وسائل الشيعة 8/ 260، باب وجوب قضاء ما فات بسبب الاغماء المستوعب للوقت، ح 9.

(2) الكافي 3/ 288، باب الصلاة التي تصلي في كل وقت، ح 3.

(3) الكافي 3/ 435، باب من يريد السفر أو يقدم من سفر متى يجب عليه التقصير أو التمام، ح 7.

332

الفصل الرابع في بيان كيفية التيمّم

تبصرة [في النيّة]

من الأمور المعتبرة في التيمّم النيّة، و قد تقدم الكلام فيها، و أنّها ليست من أجزاء العمل، و إنما هي من شرائط صحتها.

و الكلام هنا في أمرين:

أحدهما: المعروف بين الأصحاب أن التيمّم غير رافع للحدث و إنما يبيح العبادة المشروطة به، فلا يجوز أن ينوي به الرفع.

و في المعتبر (1): إن عدم رفعه الحدث مذهب العلماء كافّة.

و المعزى إلى الشهيد في قواعده و الشهيد الثاني في شرح الألفية كونه رافعا للحدث كالمائية غير أن الرفع فيها مطلق، و فيه مقيد بعدم وجدان الماء.

و اختاره جماعة من المتأخرين منهم الفاضل الجزائري محتجّين بأن الحدث يطلق على معنيين:

أحدهما: الأمر الخارج أو (2) الحاصل الناقض للطهارة.

و ثانيهما: الحالة الحاصلة به المانعة من الدخول في الصلاة و غيرها.

و الثاني هو المقصود هنا؛ إذ لا يعقل ارتفاع الأول بعد وقوعه، و المعقول من رفع الحدث

____________

(1) المعتبر 1/ 294.

(2) في (ألف): «و».

333

بالمعنى الأول و استباحة الصلاة واحد؛ إذ ليس استباحة الصلاة سوى رفع تلك الحالة المانعة التي هي معنى الحدث.

غاية الأمر أن يكون الفرق بينهما كون الرفع في الطهارة المائيّة مطلقا (1) و فيه مقيدا بوجدان الماء، و هو لا يصلح فارقا بحيث يخرج النافي عن كونه رفعا.

و ربما يجمع بين كلمات الأصحاب بذلك الحمل كلام المانعين على إرادة رفع الحدث على نحو المائية، و التأمل في كلماتهم يأباه.

فإن قلت: إن هناك أمرين: أحدهما الحالة الحادثة و الصفة القائمة بالشخص، و الآخر ما يتبعه من الأحكام كالمنع من الصلاة، و ارتفاع التابع لا يدلّ على ارتفاع المتبوع؛ لجواز الانفكاك بينهما، فلا اتحاد بين المعنيين و لا ملازمة بينهما؛ إذ غاية ما يقتضيه الدليل ارتفاع الأخير بسبب التيمّم دون الصفة الحاصلة، و قضية الاستصحاب بقاؤها.

قلت: من الظاهر تسبيب التيمّم لحالة يصح بها الدخول في الصلاة، فيرتفع الحالة المانعة قطعا. غاية الأمر أن يقع الشك في أن حالة الحدث هل تلك الحالة المانعة المرتفعة بالتيمم أو أنها صفة وجودية اخرى من شأنها المنع؟ فيمكن أن يجامعها حالة وجودية اخرى بها يستباح الصلاة، و لا يكون المنع إذن من لوازمها، بل من توابعها المتفرعة عليها لو لا عروض العارض.

و فيه: أن المتيقّن حصوله بأحد الأسباب الباعثة على الحدث هو الأول، فيدفع الزائد عليه بالأصل، فلا ثبوت له ليحتاج إلى الرفع، فليس الحدث إلا تلك الحالة المانعة بالفعل.

و كذا الطهارة هي الحالة المبيحة الرافعة لذلك المنع.

و أيضا لا شك في كون المتيمم متطهرا؛ إذ التيمّم أحد الطهارات الثلاث، و الطهارة ضدّ للحدث، فلا بدّ من ارتفاعه به.

مضافا إلى عموم التشبيه في قوله: «إن اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (2).

____________

(1) في (ألف): «مطلق».

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 109، باب التيمّم، ح 224.

334

و ما أفاد مفاده كعموم المنزلة في قوله: «إنما هو بمنزلة الماء» (1) فيكون إذن طهورية التراب على حسب طهورية الماء.

أقول: و يمكن دفع (2) الأول بأن من الظاهر دلالة انتقاض التيمّم بمجرد التمكن من الماء على بقاء الحالة الحدثية المقتضية للمنع من الصلاة. كيف، و لا يتوهم أحد كون حصول الماء بنفسه حدثا للمكلف و باعثا على حصول تلك النقيصة فيه، فلا يعقل فيه إذن إلا أن يكون رافعا للإباحة الحاصلة بالتيمم، فيعمل تلك الحالة (الحدثيّة الباقية عمله من المنع و إلّا فلا مقتضى لعود تلك الحالة) (3).

فدلّ ذلك على وجود ذلك الحدث بالمعنى المذكور، فلا معنى لنفيه بالأصل.

و عدّ المتيمم متطهرا ليس بالنسبة إلى المحدث بالمعنى المذكور، بل بملاحظة من حصل له المنع حيث إن التيمّم رافع لذلك المنع.

فظهر أن هناك إطلاقين للمتطهر، و كذا للمحدث على وجه [و] الكلام إنما هو في كونه رافعا للحدث مطلقا كما هو المتبادر من رفع الحدث لا في رفعه بالمعنى المعبّر عنه بالحالة المانعة عن الصلاة فعلا؛ لوقوع الاتفاق عليه.

و إطلاق الحدث عليه بعيد أيضا و إن كان إطلاق المتطهّر على رفعه مطابقا للمصطلح؛ لعدم الملازمة بينهما.

و مما ذكر يعرف أن ما دلّ على كون التراب بمنزلة الماء منزّل على إرادة رفع تلك الأثر، أي المنع من الصلاة و نحوها.

فبملاحظة جميع ذلك يظهر قوة القول المشهور، و ضعف ما اختاره الجماعة.

و يشير إليه إطلاق الجنب في بعض الأخبار على المتيمم، فيتفرّع إذن على ذلك عدم جواز قصد الرفع بالتيمم إن عنى به المعنى المذكور دون المعنى الآخر.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 200 باب التيمّم و أحكامه ح 55.

(2) في (ألف): «رفع».

(3) ما بين الهلالين زيدت من (د).

335

فإنه عبارة اخرى عن الاستباحة.

ثم لو قصد به ففي (1) صحة تيمّمه وجهان من أنه لا يشترط فيه شيء من الأمرين كما هو الأظهر كما عرفت في باب الوضوء، فلا مانع من تركه قصد الاستباحة، مضافا إلى أن الاستباحة من لوازم قصد الرفع فكأنه قد قصدها.

و من أنه بقصده الرافع يصير منتزعا، فيكون ذلك سببا لحرمة فعله الباعثة على الفساد، مضافا إلى أن الاستباحة الحاصلة بالتيمم غير منويّة.

فعلى القول بوجوب قصدها لا يتمّ البناء على الصحة.

و يدفعه أن التشريع في النية لا يوجب حرمة الفعل مع تعلق الأمر به في الشرع، فلا يسري التحريم إلى الفعل ليقضي بالفساد، و أن الاستباحة من اللوازم البيّنة للرفع، فيمكن أن يقوم قصده مقامه.

و احتمل كلّا من الوجهين في التذكرة و لم يحكم بشيء.

و مما يتفرع على القول بعدم كونه رافعا لزوم التيمّم بدلا عن الغسل لو تيمم بدلا عنه، ثم وقع حدث أصغر. و في تفرعه على ذلك تأمل يأتي الإشارة إليه.

[في قصد البدلية]

ثانيهما: أنه هل يعتبر في نية التيمّم قصد البدلية عن الوضوء و الغسل أو يكفي بقصد الاستباحة بل مطلق القربة؟ أقوال، ثالثها وجوب ذلك مع القول باختلاف الكيفيتين خاصة.

و الأول يحكى (2) عن الصدوق (3).

و الثاني عن جماعة من المتأخرين.

____________

(1) في (د): «نفي».

(2) في (د): «محكيّ».

(3) في (ب) و (د): «الخلاف» بدل «الصدوق».

336

و الثالث عن الشهيد في الذكرى.

و كشف الحال أن الكلام هنا يقع في امور:

أحدها: في اعتبار قصد البدلية عن المائية مطلقا من غير ملاحظة خصوصية الوضوء و الغسل.

ثانيها: في اعتبار تعيين كل من الخصوصيتين.

ثالثها: في اعتبار ذلك مع وجوب كلا الأمرين.

أما الأول، فالظاهر أنه لا دليل عليه أصلا، و مجرد كون التيمّم بدلا عن التيمّم و رافعا بعد فرض عدم المكنة منها لا يقضي باعتبار قصد ذلك في تحققه و صحته، و لا لحصول ماهيّته كما في سائر التكاليف المترتبة.

و أما الثاني، فقد يستدل عليه بأن الواقع بدلا عن الوضوء مخالف في الحقيقة للواقع بدلا عن الغسل كالبدلين، فلا بدّ من التعيين بالنية ليتميّز الفعل الواقع؛ إذ لا يمكن ذلك دون قصده و لو بعنوان الإجمال كأن ينوي وقوعه بدلا عمّا في ذمّته مع نفيه في الواقع بناء على الاكتفاء به في التعيين كما هو الأقوى.

مضافا إلى أنه قضية اليقين بالشغل لتوقف اليقين بالفراغ عليه.

و فيه منع؛ إذ اختلاف الفعلين في الحقيقة مما لا دليل عليه، بل قضية إطلاق الآية [و] عدة من الأخبار كونه حقيقة واحدة و إن تعذرت أسبابه.

و بالجملة، التيمّم فعل وضع لإباحة الصلاة و غيرها من الغايات سواء كان الحدث المانع أكبر أو أصغر، من دون أن يكون هناك اختلاف في حقيقته ليفتقر إلى التميّز بالنية، فإذا قصد ذلك الفعل صحّ و إن لم يعيّن الفعل المبدل منه.

نعم، قد يستشكل فيما إذا نوى إباحة الأصغر و هو غافل عن كونه محدثا بالأكبر أو بالعكس من حيث تعيين الإباحة، نظير ما إذا نوى رفع حدث الواقع غيره.

و الأظهر هنا الصحة أيضا؛ لعدم اشتراط قصد الإباحة في صحة التيمّم أخذا بظاهر

337

الأدلة كما مرّ القول فيه في الوضوء، فيكون فعله (1) جامعا لشرائط الصحة، فيتفرع عليه إباحة العبادة.

هذا على ما اخترناه من اتحاد نوع الفعل في الصورتين. و أما إذا قلنا باختلافهما في النوع لزم منه فساد العمل؛ إذ المفروض كون المأتيّ به غير الواجب، فلا يجزي عنه، فيكون احتمال الصحة من فروع المسألة.

ثم لو (2) قلنا باختلاف الحقيقتين فالظاهر الاكتفاء بما يعين الفعل المبدل منه واقعا من دون لزوم خصوص نية البدليّة عن الوضوء أو الغسل كما إذا عيّنه بالاستباحة عن الحدث الأصغر أو الأكبر أو نوى ما في ذمته.

هذا إذا قلنا باتحاد الصورة في الصورتين، و أمّا لو قلنا باختلافهما فالأظهر لزوم تعيين الفعل؛ إذ اختلاف الكيفية ناظر إلى اختلاف الحقيقة.

و مع الغضّ عنه فلا أقل من الشك، و هو يقضي بلزوم التعيين من جهة تحصيل اليقين بالفراغ.

فظهر قوة القول بالتفصيل إلا أن الاحتياط في مراعاة تعيين البدلية، بل تعيين خصوص الغسل في الواقع بدلا عنه عن كونه غسل جنابة أو مسّ ميّت أو غيرهما.

و قد يقال: إن إطلاق الجماعة من المتأخرين عدم اعتبار قصد التعيين مبنيّ (3) على عدم اختلاف الكيفيتين، فلا ينافي إطلاقهم القول بما اخترناه. و قد ظهر مما قرّرنا الوجه في القولين الأخيرين.

و أما الثالث، فلا تأمّل في لزوم تعيين كل من الجهتين ليتميّز الواقع بدلا عن أحد الأمرين عن الآخر؛ إذ لو لا التعيين لم ينصرف الإطلاق إلى شيء من القسمين؛ لبطلان الترجيح بلا مرجّح، و عدم اقتضاء الشيء من النصوص انصرافه إلى أحدهما، فيبقى

____________

(1) في (ألف): «فعل».

(2) زيادة: «لو» من (د).

(3) زيادة: «مبنيّ» من (د).

338

التكليفين المعلومين بهما على حالهما، و ذلك قاض بفساد الواقع.

ثم إنّ (1) تعيين الفعل هنا على حسبما ذكرنا من غير حاجة إلى قصد خصوص البدلية.

____________

(1) زيادة: «إنّ» من (د).

339

تبصرة [في ضرب اليدين على التراب]

لا خلاف في وجوب ضرب اليدين في التيمّم، فلو وضع التراب على يديه لم يكتف به إجماعا، و كذا لو استقبل الواجب (1) حتى لصق صعيدها بيديه، و هل هو من أجزائه أو مشروطه؟ ظاهر المشهور بين الأصحاب هو الأول، و به نصّ جماعة منهم.

و عن العلامة في النهاية اختيار الثاني، فيكون بمنزلة الاغتراف في الوضوء إلا أن الاغتراف ليس بواجب بخصوصه، و هو واجب خارج عن الفعل تتوقف عليه الصحة؛ إذ الواجب هو خصوص المسحات الواقعة عقيب الضرب، فلا يرد عليه ما قد يقال: إنه يلزم عليه القول بصحة التيمّم لو حصل الغبار على يديه من دون الضرب مع الإطباق (2).

و الأقوى الأول، و يدلّ عليه ظواهر الأخبار الواردة في بيان كيفية التيمّم؛ لاشتمالها على ضرب اليدين و ما بمعناه، و ظاهر ذلك أنه من جملة الأفعال، ففي الموثق الحاكي لفعل عمّار بعد نقل قوله (عليه السلام): «هكذا يصنع الحمار، إنما قال اللّه عزّ و جلّ: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً* (3)، فضرب بيديه على الأرض ثم ضرب إحداهما على الأخرى ثم مسح بجبينه» (4)، الخبر.

و في الصحيح بعد حكاية فعل عمار: فقلت له: كيف التيمّم؟ فوضع يده على المسح ثم رفعها فمسح وجهه (5) الخبر.

____________

(1) ظاهرا «التراب».

(2) زيادة في (د): «على فساده».

(3) المائدة: 6.

(4) وسائل الشيعة 3/ 361، باب كيفية التيمّم و جملة من أحكامه، ح 9.

(5) الكافي 3/ 62، باب صفة التيمّم، ح 4.

340

و في رواية اخرى، عن الصادق (عليه السلام) أنه وصف التيمّم، فضرب بيديه على الأرض ثم (رفعهما فنفضهما ثمّ مسح ..» (1) الخبر.

و في خبر زرارة، عن الباقر (عليه السلام) في التيمّم قال: «تضرب بكفّيك الأرض ثمّ) (2) تنفضهما و تمسح» (3). انتهى.

فإنّ سياق هذه الأخبار و ما بمعناها ظاهر في كونه من جملة الأفعال حيث إنها وردت في مقام بيان الكيفية.

و من الأخبار الدالّة على ذلك ما ورد في بيان عدد الضربات كالصحيح: قلت له: كيف التيمّم؟ قال: «هو ضرب واحد للوضوء و الغسل من الجنابة، تضرب بيديك مرتين، ثم تنفضهما نفضة للوجه و مرة لليدين» (4).

و في [آخر:] «التيمّم ضربة للوجه و ضربة للكفين» (5).

فإن ظاهر الحمل كونه من الأفعال، بل الظاهر أن اسم التيمّم مأخوذ منه، فإن المراد بقصد الأرض هو الضرب عليها كما هو ظاهر هذين الخبرين، مضافا إلى أنه مع الغضّ عن ظواهر هذه الأخبار لا دليل على كونه خارجا عن حقيقة التيمّم، فيدور الأمر بين كونه جزء أو (6) شرطا، و لا يميّز ذلك إلا في لزوم تقديم النية و عدم جواز تخلل الحدث، و قضية الأصل اعتبار الأمرين.

و أيضا لا شكّ في وجوب الضرب على الأرض، و الأصل اعتبار النية في كل الواجبات، و يشير إليه هنا بالخصوص إجماعهم على عدم جواز التيمّم بالمغصوب كما عرفت. و اعتبار النية فيه منفردا ممّا لا قائل به، فلا بدّ من تقديم نية التيمّم عليه.

____________

(1) الإستبصار 1/ 170، باب كيفية التيمّم، ح (590)- 3.

(2) ما بين الهلالين لم ترد في (ألف).

(3) تهذيب الأحكام 1/ 210، باب صفة التيمّم و أحكام المحدثين منه ح 11.

(4) الإستبصار 1/ 172، باب عدد المرات في التيمّم، ح 599- 7.

(5) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم، ح 597- 5.

(6) في (د): «و».

341

و احتجّ العلامة بظاهر الآية الشريفة؛ لدلالتها على أن أول أفعال التيمّم هو مسح الوجه؛ لعطفها بالفاء التعقيبيّة على قصد الصعيد من دون توسط الضرب على الأرض، فيكون خارجا عن ماهيّته.

و فيه: أنّ قوله تعالى فَتَيَمَّمُوا* (1) دالّ عليه، فلا حاجة إلى ذكره ثانيا؛ إذ ليس المراد بالتيمم- و اللّه أعلم- مطلق الصعيد، بل القصد بالنحو الخاص أعني الضرب عليه؛ إذ قد يكون التوجيه (2) إليه حاصلا قبل قصد التيمّم.

و يشير إليه ظاهر الخبرين المتقدمين بل إنهما مبيّنان لمعنى التيمّم في الآية بأنه الضرب دون مطلق التوجيه (3). و هو الوجه في حمله على التيمّم، و إلا فلا يتّجه حمل الجزء على الكلّ، فيكون الآية أيضا من جملة الأدلة على ما ذكرناه.

و يورد (4) على العلامة جواز تخلل الحدث بين الضرب و المسحات كما يجوز ذلك في الوضوء بين الاغتراف و غسل الوجه، مع أنّه مما لا يجوز في المقام.

و هو كما ترى؛ إذ هو قائل بجواز ذلك، و هو من فروع قوله بالخروج.

نعم، يمكن دفعه بأصالة الاحتياط؛ إذ لا دليل على جوازه (5) سوى الأصل. و قد يلزم (6) على القول بخروجه اشتراط عدم تخلل الحدث بينهما أيضا إلا أنه لا يظهر قائل به.

____________

(1) النساء: 43 و المائدة: 6.

(2) في (د): «التوجّه».

(3) في (د): «التوجّه».

(4) في (ألف): «يرد».

(5) في (ألف): «جواز».

(6) في (د): «يلتزم».

342

تبصرة [في الضرب على الأرض]

يعتبر في الضرب امور:

أحدها: أن يكون وضعه اليدين على الأرض باعتماد بحيث يصدق معه مسمّى الضرب؛

لورود الأمر به في عدّة من الأخبار.

و قد ورد فعله (1) في جملة من الأخبار البيانية.

و هو ظاهر معظم الفرقة؛ للتعبير بلفظ الضرب.

و عن الشهيد و المحقق الكركي القول بكفاية الوضع؛ استنادا إلى أن الغرض قصد الصعيد، و هو حاصل بالوضع.

مضافا إلى ما عرفت من تفسير التيمّم (2) ذكر الوضع في عدة من الأخبار الفعلية.

و يضعّف الأول أن إطلاق الآية يدلّ على ذلك؛ لما عرفت من الدليل على التقييد.

مضافا إلى ما عرفت من تفسير التيمّم في الخبرين الناصّين بالضرب، فكأنّه إشارة إلى بيان معنى الآية كما أشرنا إليه.

على أن البناء على إطلاق الآية مشكل للعلم بعدم إرادة قصد المطلق، فهو أشبه بالمجمل من المطلق.

و الثاني أن حكاية الأفعال لا عموم فيها و الوضع (3) إن لم يكن أعمّ مطلقا من الضرب فلا أقل من العموم من وجه، و هو كاف في عدم الاستدلال.

____________

(1) في (ألف): «فعل».

(2) لم ترد في (د): «عرفت من تفسير التيمّم».

(3) زيادة في (د) «و».

343

ثانيها: أن يكون الضرب بباطن الكفين

، و الظاهر الإجماع عليه؛ إذ هو المعهود من صاحب الشريعة، و الذي جرت عليه الطريقة المستمرة المأخوذة من (1) أرباب العصمة (عليهم السلام).

و إليه ينصرف إطلاقات الأخبار المذكورة المأثورة.

ثالثها: أن يكون ضربهما على الأرض دفعة عرفية،

فلا يجوز ضرب أحدهما مرة و الأخرى أخرى (2)؛ إذ هو الظاهر من عدة أخبار الباب كالصحيح «على الصحيح تضرب بكفيك على الأرض مرتين ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك» (3)، الخبر.

و في صحيحة اخرى: «تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما» (4).

و في رواية زرارة: «تضرب بكفيك الأرض ثم تنفضهما» (5).

إلى غير ذلك مما ورد على (6) حكاية الأفعال.

و هل يعتبر أن يكون (7) اليدان متقاربتين أو يكتفي بضربهما في آن واحد و إن كانتا متباعدتين؟ فقضية الإطلاقات جواز ذلك إلا أنه خلاف المعهود من الطريقة، بل خلاف الظاهر من الأفعال البيانية. و قضية اليقين بالفراغ مراعاة ذلك. و قد عبّر جماعة منهم بوضع اليدين معا، و هو ظاهر في وجوب ذلك.

رابعها: أن لا يكون هناك حائل بين باطن اليد و الأرض؛

إذ قضية الأخبار حصول الملاصقة بين اليد و الأرض. و هو ظاهر الأصحاب. و في شرح المفاتيح حكاية الإجماع عليه.

و يؤيده عموم المنزلة المستفادة من عدة من الأخبار، و لا فرق بين أن يكون المانع في تمام العضو أو في بعضه، و لا بين أن يكون المانع (قبل الضرب أو يكتفى بالكشف عنه بعده أو

____________

(1) في (د): «عن».

(2) زيادة: «اخرى» من (د).

(3) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم، ح 596- 4.

(4) الإستبصار 1/ 172، باب عدد المرات في التيمّم ح 599- 7.

(5) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم، ح 595- 3.

(6) في (د): «في».

(7) كذا، و الأظهر: «تكون».

344

بتحليله تحت الأرض أو لا بدّ من رفع المانع) (1) مما يصحّ التيمّم به كالتراب أو من غيره لعدم صدق الضرب عليه.

و هو في محلّه.

و هل يعتبر رفع المانع قبله؟ وجهان، أظهرهما الأخير إلا أن يكون كشفه عن المحل غير متراخ عن الضرب بحيث يصدق معه، الضرب بتمام (2) باطن الكف دفعة عرفية.

و لا يجب ايصال جميع أجزاء باطن الكف إلى الأرض بحيث يستوعب الأجزاء المنخفضة منها كالتخاطيف الحاصلة في الكف في وجه قويّ؛ أخذا بظاهر الإطلاقات و إن استيعاب ذلك معتبر في غير التراب الناعم، و تعيّن (3) استعماله في التيمّم مخالف لظاهر إطلاقات الروايات و كلمات الأصحاب، بل ظاهر تجويزهم التيمّم بالحجر و نحوه قد يفيد عدم وجوب إيصال المنخفض من الراحة؛ لعدم وصوله إليه في الغالب.

و الأحوط مراعاة ذلك، و لو كان في المواضع الغير الواصلة إلى الأرض فيها حاجب عن الوصول، فإن كان التراب بحيث يصل إلى المحل لو لا ذلك لنعومة و نحوها قوي المنع، و إلّا ففيه وجهان.

____________

(1) ما بين الهلالين وردت في (د).

(2) في (ألف): «و الضرب تمام».

(3) في (ألف): «معيّن» بدل «و تعيّن».

345

تبصرة [في علوق المسح]

في اشتراط بقاء العلوق للمسح قولان: فظاهر المعظم عدمه حيث أطلقوا بيانه من دون ذكر لاشتراطه سيّما من ذهب منهم إلى كون الصعيد مطلقا وجه الأرض كما هو المشهور، خصوصا مع التصريح بجوازه على الحجر الخالي عن الغبار، بل هو صريح في عدم اشتراطه.

و قد نصّ عليه جماعة منهم العلامة (1) و الشهيد (2) و المحقق الكركي (3) من غير إشارة إلى خلاف فيه إلا عن الإسكافي (4) حيث ذهب إلى وجوب المسح بالغبار.

و ظاهره اعتبار وجود الغبار في جميع الأجزاء الماسحة بالنسبة إلى جميع المسحات.

و ذهب جماعة من المتأخرين إلى اعتبار العلوق في الجملة، و مال إليه (5) آخرون كشيخنا البهائي (6) و العلامة المجلسي (7) و غيرهم.

و الوجه في عدم الاشتراط الأصل و إطلاق الأخبار المبيّنة لحقيقة التيمّم (8) القولية و الفعلية، و استحباب النفض المعلوم بالنصّ و الإجماع، و ما دلّ على أن الصعيد وجه الأرض الشامل لنحو الحجر الصلب، و ما دلّ على الاكتفاء بالضربة الواحدة للوجه و اليدين؛ إذ لا

____________

(1) تذكرة الفقهاء 2/ 181.

(2) الألفية و النفلية: 47، الدروس 1/ 132.

(3) جامع المقاصد 1/ 493.

(4) نقل عنه الشهيد في الدروس 1/ 132.

(5) زيادة: «إليه» من (د).

(6) مشرق الشمسين: 340.

(7) بحار الأنوار 78/ 144.

(8) زيادة: «التيمّم» من (د).

346

يبقى شيء من العلوق لأجل اليدين.

و يمكن المناقشة في الأول بأن الأصل في العبادات على العكس؛ لوجوب الأخذ بيقين البراءة بعد تيقّن الشغل، و الإطلاقات منزلة على الغالب من حصول العلوق بأنها (1) إنما تنهض حجة مع عدم (2) المقيد، و هو موجود كما في صحيحة زرارة الآتية.

و استحباب النفض لا يستلزم عدم بقاء شيء من العلوق، بل ظاهره يعطي حصول العلوق.

ففيه إشارة إلى انصراف الإطلاقات إلى صورة حصوله لإطلاق الأمر بالنفض.

و من المعلوم أن مجرد النفض لا يوجب زواله بالمرة كما هو المشاهد بالتجربة، فهو في الحقيقة من الشواهد على الاشتراط كما أشار إليه غير واحد من الأجلة.

و كأنّ الأمر به من جهة إزالة العلوق الزائد مما لعلّه يوجب التسوية (3)، و الاكتفاء بمطلق وجه الأرض لا يأبى (4) عن اعتبار العلوق.

غاية الأمر تقييده بصورة حصوله كما هو المتعين على القول باختصاصه بالتراب أيضا، و ما دلّ على الاكتفاء به (5) بالضربة لا إشارة فيه إلى ما ذكر، و مجرّد مسح الوجه لا يوجب زوال الغبار بالكلية كما هو معلوم بالامتحان، و لو كان ذلك بعد النفض.

على أنه قد يقال بعدم اشتراط العلوق بمسح اليدين إذا زال بسبب مسح الوجه، أو يقال بوجوب الضربة الثانية مع عدم الغبار (6).

حجة القائل بالاشتراط أصالة الاحتياط بعد اليقين بالشغل. و ظاهر الآية الشريفة على

____________

(1) في (د): «و أنّها».

(2) زيادة في (د): «وجود».

(3) زيادة في (د): «التشويه».

(4) في (ب): «لا يأتي».

(5) لم ترد في (د): «به».

(6) في (د): «البقاء».

347

ما في سورة [؟] (1) فإن الظاهر منها كون «من» تبعيضية؛ إذ لا يفهم من قولك: «مسحت رأسي من الدهن» إلا ذلك.

و قد اعترف به الزمخشري (2) مع مخالفته (3) لمذهب إمامه، قال بعد حكمه بذلك: و الإذعان للحق أحقّ من المراء.

مضافا إلى الصحيحة الآتية الواردة في تفسيرها، و صحيحة زرارة، و فيها: «فلمّا وضع الوضوء ممن لم يجد الماء أثبت بعض الغسل مسحا؛ لأنه قال «بوجوهكم» ثم وصل بها «و ايديكم منه»، أي ذلك التيمّم لأنه علم أن ذلك أجمع لم تجر على الوجه لأنه يعلق من ذلك الصعيد ببعض الكف و لا يعلق ببعضها» (4).

مضافا إلى ظاهر صحيحة الحلبي: «إذا لم يجد الرجل طهورا و كان جنبا فليمسح من الأرض و ليصلّ» (5).

و نحوه صحيحة ابن سنان، عن الصادق (عليه السلام): و فيها «فليمسح من الأرض» (6).

و ما ورد في عدة من الأخبار الوارد في التيمّم بالمغبّر أنه يتيمم من غبار لبد سرجه أو غير ذلك مما هو بمعناه.

و يرد عليها: أنه لا معوّل (7) على الأصل بعد قضاء الإطلاقات بالجواز، و أن احتمال ارادة الابتدائية قائمة في لفظة «من» في الآية، و ربما يشير إليه تركه في الآية الأخرى. و لو اريد به البعضية لوجب إرادة استيعاب التراب لجميع محل المسح كما هو الظاهر من المثال المفروض، و لا قائل به ظاهرا سوى ظاهر ما حكي عن الإسكافي.

____________

(1) كذا في المخطوطات.

(2) نقل عنه بحار الأنوار 78/ 143.

(3) في (ب): «مخالفة»، و في (ألف): «مخالف».

(4) الكافي 3/ 30، باب مسح الرأس و القدمين ح 3.

(5) الكافي 3/ 63، باب الوقت الذي يوجب التيمّم، ح 3.

(6) الإستبصار 1/ 159، باب إن المتيمم إذا وجد الماء لا يجب عليه إعادة الصلاة، ح 549- 2.

(7) في (ألف): «حول».

348

و ظاهر الصحيحة المذكورة كون الضمير راجعا إلى التيمّم أعني الضرب على الأرض كما مرّ في تفسيره، فيكون شاهدة على كون «من» ابتدائية، و حمل التيمّم فيه على المتيمم به بعيد؛ إذ ظاهره إرجاع الضمير إلى التيمّم المستفاد من قوله «تيمموا»، و لو اريد ما ذكر لأرجع إلى «الصعيد» المتصل به، مع كونه أقرب إليه، فعدم إرجاعه إليه مع قربه و عدم احتياجه إلى التأويل شاهد على ضعف الحمل المذكور.

بقي الكلام في التعليل المذكور و لا دلالة واضحة فيه على وجوب (1) علوق الصعيد ببعض الكفّ؛ فكأن الحكم فيها جار مجرى الغالب كما هو المتعيّن في الحكم بعدم علوقه بالبعض الآخر، فيكون العلة فيما ذكر هو غلبة حصول ذلك لا وجوب اعتباره.

و مثله غير عزيز في التعليلات الواردة للأحكام كما لا يخفى.

على أن لفظ الرواية لا يخلو من (2) الإبهام. و يجرى احتمال الابتدائية في الصحيحتين الأخيرتين و غيرها.

و المراد بالتمسح من الأرض هو الضرب عليه كناية عن التيمّم كما في رواية الراوندي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) من قوله: «تمسحوا بالأرض فإنها أتكم» (3) و هي بكم برة» (4) (5) على أحد الوجوه فيها.

قلت: و كيف كان، فالظاهر أن الوجوه المذكورة مع ما فيها لا تعادل إطلاق الروايات، و ما دلّ على استحباب النفض المفروض لزوال ما علّق منها باليد سيّما مع عدم نعومة التراب من دون إشارة إلى لزوم مراعاة بقاء شيء منه في اليد، المعتضد بظاهر فتوى الأصحاب، بل عدم ظهور قائل به ممن عدا الجماعة من المتأخرين سوى الإسكافي، و هو أيضا غير قائل (6)

____________

(1) في (ب): «وجهه».

(2) في (د): «عن».

(3) كما في المصدر، و في النسخ المخطوطة: «أبكم».

(4) كما في المصدر، و في النسخ المخطوطة: «مره».

(5) النوادر: 104 و بحار الأنوار 78/ 162، باب في عدد الضربات في التيمّم ح 24.

(6) في (ألف): «قابل».

349

لمقالتهم؛ إذ ظاهره اعتبار استيعاب الغبار للمسحات، و هو ضعيف عندهم.

مضافا إلى أن القول بعدم لزوم استيعاب العلوق قاض بعدم وجوبه مطلقا؛ إذ لو اعتبر ذلك فإنما هو من جهة استعمال الطهور الذي هو الأرض، و (1) ذلك يقضي بالاستيعاب، و مع عدم اعتباره فلا فائدة في اعتباره في البعض دون البعض.

و بذلك يظهر ضعف ما قد يقال من أن الطهور هو التراب دون اليد، فلا بدّ من إيصاله و لو في الجملة إلى العضو.

فظهر بما قلنا قوة القول بعدم اعتبار العلوق إلا أن الاحتياط في مثله مما لا ينبغي تركه.

ثمّ على قول الجماعة لو لم يتمكّن من العلوق فهل يسقط اعتباره أو يكون بمنزلة فاقد الطهورين؟ قضيّة الأصل البناء على الأخير إلّا أن يقوم إجماع على عدمه، و سيأتي تتمّة الكلام.

____________

(1) زيادة: الواو من (د).

350

تبصرة [في عدد الضربات]

اختلفوا في عدد الضربات في التيمّم على أقوال:

أحدها: الاجتزاء بالمرة مطلقا، و حكى القول به عن الإسكافي (1) و العماني و المفيد في المسائل العزيّة (2) و السيد في شرح الرسالة. و هو الذي اختاره جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك (3) و العلامة المجلسي (4) و صاحب الحدائق (5) و غيرهم.

ثانيها: اعتبار الضربتين مطلقا، و حكي القول به عن المفيد في الأركان. و قد حكاه الفاضلان عن علي بن بابويه.

و لا ينافيه ما حكاه عنه في الذكرى من عبارته في الرسالة.

نعم، فيها زيادة اعتبار التفريق في ضرب كل من اليدين بمسح الأخرى، و بما بعد ذلك قولا باعتبار الضربات الثلاث.

و كيف كان، فقد اختار القول المذكور من المتأخرين المحقق الشيخ حسن و غيره. و حكاه في المنتقى عن جماعة من القدماء.

ثالثها: التفصيل بين ما كان بدلا من (6) الوضوء و الغسل، يكتفى (7) بالأول ضرب واحد

____________

(1) نقله عنه في مدارك الأحكام 2/ 229.

(2) في (ألف): «الغرّيّة».

(3) مدارك الأحكام 2/ 229.

(4) بحار الأنوار 78/ 150.

(5) الحدائق الناضرة 4/ 337.

(6) في (د): «عن».

(7) في (د): «فيكتفى».

351

و (1) الثاني ضربتان. و قد ذهب إليه الصدوق و الشيخان و الديلمي و الحلبي (2) و كثير من المتأخرين، بل حكي الشهرة عليه.

و هناك قول رابع حكاه في المعتبر (3) عن قوم من الأصحاب، و هو اعتبار الضربات الثلاث بعد حكايته القول بالضربتين عن علي بن بابويه.

و هو بظاهره ضعيف جدّا إلا أن يحمل على تفريق الضرب كما ذكره علي بن بابويه.

و حينئذ فيرجع في الحقيقة إلى اعتبار الضربتين.

و في حكاية المحقق له مخالفا لقول ابن بابويه دلالة على خلافه إلا أن يكون المنسوب إليه هو اعتبار المرتين على النحو المعروف، فلا ينطبق على (4) المنقول من عبارته.

ثم إن اختلاف الأصحاب في المسألة مبني على اختلاف أخبار الباب، و الأقوى هو الأول.

و يدلّ عليه بعد ظاهر الآية الشريفة الروايات المعتبرة المستفيضة المشتملة على الصحاح و غيرها، كصحيحة الخزاز، و فيها بعد ذكر حكاية عمار: و قلت (5) له: كيف التيمّم؟

فوضع يده على المسح ثم رفعها فمسح وجهه، ثم مسح فوق الكف قليلا (6).

و في صحيحة داود بن النعمان نحو من ذلك.

و في صحيحة زرارة بعد ذكر حكاية عمار: أ فلا صنعت كذا؟ ثم أهوى بيديه إلى الأرض فوضعها على الصعيد ثم مسح جبينه بأصابعه و كفّيه إحداهما بالأخرى (7).

و قريب من ذلك ما حكاه في مستطرفات السرائر عن كتاب البزنطي، في الموثق، عن

____________

(1) زيادة في (د): «في».

(2) زيادة في (د): «و الحلّي».

(3) المعتبر 1/ 388.

(4) زيادة في (ب): «المعروف».

(5) في (د): «فقلت».

(6) الكافي 3/ 62، باب صفة التيمّم، ح 4.

(7) عوالي اللئالي 3/ 44.

352

زرارة، عن الباقر (عليه السلام).

و في موثقة اخرى، عنه: سألت الباقر (عليه السلام) عن التيمّم، فضرب بيديه (1) الأرض ثم رفعهما فنفضهما ثم مسح (2) جبهته و كفّيه مرة واحدة (3).

و في حسنة الكاهلي: سألته عن التيمّم، قال: فضرب بيديه على البساط فمسح بها وجهه ثم (4) كفيه إحداهما بالأخرى (5) ثم لم يعد ذلك.

و روى في الفقه (6) الحكم باتحاد الضرب في بيان التيمّم من غير تفصيل .. إلى غير ذلك مما ورد. و هناك أخبار اخر معارضة لهذه الأخبار:

منها: صحيحة اسماعيل بن همام، عن الرضا (عليه السلام) قال: «التيمّم ضربة للوجه و ضربة للكفين» (7).

و صحيحة محمد بن مسلم: سألته عن التيمّم، فقال: «مرتين ضربتين للوجه و اليدين» (8).

و صحيحة ليث المرادي، عن الرضا (عليه السلام) (9) في التيمّم، قال: «تضرب كفّيك على الأرض مرتين ثم تنفضهما و تمسح بهما وجهك و ذراعيك» (10).

و صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام) قال: قلت: كيف التيمّم؟ قال: «هو ضرب واحد

____________

(1) لم ترد في (ب): «الأرض .. قال».

(2) زيادة في (د): «بهما».

(3) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرآت في التيمّم، ح 594- 2.

(4) زيادة في (د): «مسح».

(5) الكافي 3/ 62، باب صفة التيمّم، ح 3.

(6) في (د): «الفقيه»، لاحظ: فقه الرضا (عليه السلام): 88.

(7) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم، ح 597- 5.

(8) تهذيب الأحكام 1/ 210، باب صفة التيمّم و أحكام المحدثين منه، ح 13 و فيه: مرتين مرتين للوجه و اليدين.

(9) في (ب): «الصادق (عليه السلام)».

(10) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم، ح 596- 4.

353

للوضوء و الغسل من الجنابة، تضرب بيديك مرتين ثم تنفضهما نفضة للوجه و مرّة لليدين» (1)، بناء على ظاهر الرواية. و قد تحمل على التفصيل كما سيجيء.

و في الفقيه (2) أيضا الحكم بتعدّد الضرب فيه.

و هذه الأخبار كما ترى دالّة على تعدد الضرب فيهما من غير إشارة إلى التفصيل. و هي حجة القول باعتبار الضربتين بعد احتمال حمل بعض الأخبار المتقدّمة على النسخ و بعضها أو كلّها على بيان كيفيّة مسحات التيمّم و تعيين الممسوح دون بيان الضربات، فهي مجملة من تلك الجهة. و لذا (3) ذكر في بعضها الضرب على المسح و في بعضها على البساط، و ذكر في بعضها الوضع مكان الضرب مع تعيين (4) الضرب على الأرض.

و أنت خبير بضعف ذلك؛ إذ احتمال النسخ في المقام من أوهن الاحتمالات، و الاحتمال الآخر ضعيف أيضا جدّا للخروج (5) عن صريح تلك الأخبار؛ إذ هي مسوقة لبيان أصل كيفيّة التيمّم لا خصوص بعض أفعاله دون بعض، فترك بعضها دليل على عدم اعتباره.

و هذا واضح سيّما على قول (6) المعظم من عدّ الضرب من جملة أفعال التيمّم، و الضرب على غير ما يصحّ التيمّم به غير شاهد على ما ذكر؛ لوضوح الحال فيه و نصّ الكتاب باعتبار الضرب على الصعيد، مضافا إلى خروج ذلك عن أصل الكيفية، و الأخبار المذكورة مسوقة لبيانها، فإذا لم يكن للأخبار المذكورة محمل ظاهر تعيّن الرجوع إلى المرجّحات في العمل بأحد الجانبين.

و لا ريب في قيامها على ترجيح الأخبار المتقدمة من وجوه؛ لأوفقيّتها بظاهر إطلاق الكتاب و مخالفتها لمعظم العامة، و انطباق الثانية على قول معظمهم، فيتقوى حملها على التقية

____________

(1) الإستبصار 1/ 172، باب عدد المرات في التيمّم، ح 599- 7.

(2) من لا يحضره الفقيه 1/ 104.

(3) في (ألف): «و إذا».

(4) في (د): «تعيّن».

(5) وردت في (ألف) هنا لفظة الواو.

(6) في (ب): «القول».

354

التي هي عمدة السبب في اختلاف الأخبار. مضافا إلى شهرتها رواية و فتوى بالنسبة إلى الأخيرة.

و دعوى موافقة الأخيرة للاحتياط لو سلّم لا تكافئ ذلك مع فساده في نفسه؛ إذ لا احتياط في شيء من الطرفين؛ لاحتمال فساد التيمّم الواقع بالضربتين على القول باعتبار الضربة الواحدة، بل كأنه الأظهر لاحتمال اعتبار وقوع المسحات بتلك الضربة كما هو الموجود في أخبار المرة، فالتعدي عنها يحتاج إلى الدليل، و لذا لم يذكر أحد في وجوه الاحتياط حصوله بالعمل بالضربتين و إنما بنوا على تكرار التيمّم أو ما هو بمنزلته كما سيجيء الإشارة إليه.

و قد يقال: إنّ الأخبار الدالّة على الاكتفاء بالمرة مطلقة، بل مجملة بالنسبة إلى عدم وجوب المرة الثانية؛ لعدم التصريح فيها بعدم وجوبها، و إنما يستفاد ذلك من السكوت عنها، فليحمل ذلك على ما دلّ على اعتبارها، [و] لا أقل من كون دلالة هذه الأخبار على وجوب المرّتين أقوى من دلالة تلك على عدمه؛ للتصريح فيها بالتعدد بخلافها.

و يدفعه أن تلك الأخبار في نفسها كالصريحة في عدم وجوب الزائد، و بملاحظة ورودها في مقام البيان صريحة في ذلك، سيّما مع اعتضادها بالكثرة و العمل في الجملة، و القول باحتمال الترك من جهة التقيّة لو صحّ (1) لم يوجب الضعف في الدلالة، مضافا إلى عدم وضوح دلالة كثير من تلك الأخبار، بل لا ينطبق ظواهر تلك الأخبار على القول بالمرتين إلا الصحيحة (2) الأولى؛ إذ غيرها إنما يفيد اعتبار التوالي في الضربتين، و بعضها يومي إلى اعتبار الضربتين بالنسبة إلى كل من الوجه و اليدين.

و قد يقيّد بعضها اعتبار الضربتين أولا (3) ثم ضربة ثالثة لليدين؛ إذ تكرار النفض لهما من دون الضرب و لا قائل بشيء منهما في الأصحاب.

____________

(1) في (ألف): «أوضح لو» بدل «لو صحّ».

(2) في (ب): «صحيحة».

(3) في (د): «ولاء أولا» بدل: «أوّلا».