تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
355

فظهر من جميع ما ذكرنا ضعف القول الثاني، فتعيّن البناء على الأخبار و الأدلة.

و قد يقال: إنه بعد التعارض بين الأخبار (1) المذكورة لا بدّ من الجمع بينها مهما أمكن، و أقرب محاملها حمل الأخبار الأوّلة على التيمّم الواقع بدلا من الوضوء، و الأخيرة على بدل الغسل. و هذه هي حجة القول بالتفصيل.

و قد يذكر شاهدا على القول المذكور امور:

منها: شهرة القول به بين الأصحاب قديما و حديثا، بل قد حكي الإجماع عليه حيث عدّه الصدوق في أماليه (2) من دين الإمامية.

و صرّح الشيخان الجليلان في التبيان (3) و مجمع البيان (4) بكونه مذهبنا.

و ربما يظهر ذلك من الشيخ في التهذيب (5) على ما قيل، و الإجماعات المذكورة كافية في الجمع بين الأخبار. و مع الغض عنها فالشهرة قد رجّحت العمل بكلّ منهما في موردها، فيتقوى على الآخر في خصوص ذلك، فيقيّد (6) بملاحظة ذلك كل من الخبرين بالآخر.

و توضيحه أن ما دلّ على المرة يعمل به في الوضوء؛ لاعتضاده بالشهرة في خصوصه و كذا ما دلّ على المرتين بالنسبة إلى الغسل، و دلالة الأول على الاكتفاء بها في الغسل أضعف من دلالة الأخيرة على عدمه، و كذا العكس، فيقيّد كل من الإطلاقين بالآخر، و هو المدّعى.

و منها: أن غاية ما يتخيل في أخبار المرتين أن تحمل على التقية بالنسبة إلى الوضوء؛ لموافقته لمذهب العامّة، و عدم شهرة القول به عندنا، بل مخالفته (7) لأخبارنا في الجملة، و لا يلزم من ذلك حملها على التقيّة بالنسبة إلى البدل عن الغسل، فهي بالنسبة إلى ذلك حجة،

____________

(1) في (ألف) هنا زيادة: «و الأدلة و قد يقال إنّه بعد التعارض بين الأخبار».

(2) الأمالي للشيخ الصدوق: 744.

(3) التبيان 3/ 208.

(4) مجمع البيان 3/ 94.

(5) انظر تهذيب الأحكام 1/ 211.

(6) في (د): «فيتقيّد».

(7) في (ب): «مخالفة».

356

فبملاحظة ذلك يكون مفاد تلك الأخبار خاصّا بالنسبة إلى ما دلّ على اعتبار المرة، و لا بدّ إذن من حمله عليها كما هو القاعدة المطّردة.

و منها: وجود أخبار حاكمة بالتفصيل حيث ذكر الحلي بعد حكمه به أنه الموافق للروايات و العمل، و ذكر الصيمري أن للمفصّلين على قولهم به روايات، و ربما يستند في (1) ذلك إلى صحيحة زرارة المتقدمة، و صحيحة محمد بن مسلم الآتية.

و ما رواه في المنتهى (2) عن الشيخ بإسناده، عن محمد بن مسلم، عن أن التيمّم من الوضوء مرة واحدة و من الجنابة مضافا إلى تأيّد المشهور بعد الشهرة بكونه مخالفا لقول العامة كافة؛ إذ لا ذاهب منهم إلى التفصيل المذكور، فيتطرق احتمال التقية في كل من الإطلاقين.

و قد ورد أن الرشد في خلافهم و بموافقته للاعتبار؛ إذ المناسب لاستيعاب جميع البدل المأخوذ في مبدله كثرة الضرب في البدل، و إن الحدث الأصغر و الأكبر مختلفان فيناسبه اختلاف الفعل المبيح عنهما، و كذا المبدلان مختلفان فيناسبه اختلاف البدلين، و بأن البناء عليه يوجب العمل بجميع أخبار الباب بخلاف الأخذ بأحد الإطلاقين؛ لوجوب طرح أحد الجانبين.

أقول: يمكن دفع ذلك بأن مجرد حصول الجمع بين الأخبار على النحو المذكور لا يجعلها دليلا على التفصيل إلا أن يكون هناك شاهد على الجمع المذكور، فما ذكر من الشواهد عليه ساقطة: أما الأول فبأن الشهرة في هذه المسألة ليست بحيث يوجب سقوط ما دلّ على خلافها إذا كان في نفسه حجّة شرعية على نحو الصحيح المتروك؛ لذهاب جماعة من فحول القدماء و المتأخرين إلى الاكتفاء بالمرة.

غاية الأمر أن يكون البناء على التفصيل أشهر، و مجرد ذلك لا يرفع الاعتماد عن ظواهر الإطلاقات. و حينئذ فلا تصلح جامعة بين أخبار الباب؛ لاقتضاء الجمع سقوط كل من الإطلاقين عن الحجية بالنسبة إلى بعض الأفراد، و ما ذكر من اعتضاد دلالة كل من الروايتين

____________

(1) في (ألف): «يستدعي» بدل: «يستند في».

(2) منتهى المطلب 1/ 149.

357

بالنسبة إلى مورد الشهرة، فيرجّح في ذلك على الأخرى مدفوع على بلوغ الشهرة على ذلك الحدّ.

و مع الغض عنه فالحكم بحصول الترجيح بها في بعض مدلول اللفظ محل نظر، و هو خارج عن ظاهر ما دلّ من الأخبار على الترجيح بالشهرة إن قلنا بشموله لشهرة الفتوى أيضا.

بل الظاهر مخالفة الشهرة في المقامين لأخبار الجانبين، فتأمل.

مضافا إلى أن عمدة الأخبار الدالّة على الاكتفاء بالمرة كالنصّ في التيمّم الواقع بدلا عن الغسل؛ لورودها في حكاية عمار، فهي صريحة بالنسبة إلى المورد و إن كان ظاهر اللفظ فيها مطلقا (1) فليس المعارضة بينها من قبيل العموم من وجه؛ ليستند في الجمع إلى الوجوه المذكورة.

و مع الغض عنه و الاستناد إلى الإجماع المنقول موهون بشيوع الخلاف من فحول القدماء و المتأخرين، مضافا إلى ظهور المناقشة في دلالة ما ذكر على الإجماع.

و أما الثاني فبأنّ قضية الأخبار الدالّة على الأخذ بالمخالف للعامة عند تعارض الخبرين إنما دلّ على طرح الخبر الآخر، و (2) لا يخصّصه ببعض مدلوله من دون ظهور مخصص بمجرد خروج التفصيل عن مذهب (3) العامة، و هو الظاهر من بناء الأصحاب في سائر المقامات.

و لو سلّم اختصاص الحمل على التقية بالنسبة إلى البعض فغاية الأمر نهوضه حجة على الباقي، و لا يجعله ذلك خاصا بالنسبة إلى إطلاق الآخر؛ إذ من الظاهر أن دلالة اللفظ عليه لا يخرج عن العموم، و لا يجعله حمل بعضه على التقية نصّا في الباقي، ليكون تعارضه مع الإطلاق من قبيل معارضة المقيّد للمطلق؛ ليجب حمله عليه كما هو قضية فهم العرف في سائر المقامات.

و أما الثالث فبأن ما ذكر إجمالا من ورود الروايات بالتفصيل موهون بعدم وجود أثر لها

____________

(1) في (ألف) و (ب): «مطلق».

(2) زيادة: الواو من (د).

(3) في (د): «مذاهب».

358

في الأخبار سوى ما يتوهّم دلالتها عليه من الأخبار المذكورة. و قد استند الشيخ في الكتابين إلى الصحيحتين، و كأنها الملحوظة في النقل المذكور.

و الاستناد إليها موهون بأن صحيحة زرارة ظاهرة (1) الدلالة على عكس ذلك؛ لظهورها (2) في الحكم باتحاد الكيفيّتين. و قد ورد ذلك أيضا في موثقة عمار، عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن التيمّم عن الوضوء و عن الجنابة و عن الحيض للنساء سواء. قال: «نعم» (3).

و حينئذ فهي كالموثقة المذكورة من الأدلة على فساد التفصيل المذكور.

ثم مع الغضّ عن ظهور تلك الصحيحة في ذلك فلا ظهور فيها في خلافه، فيسقط الاحتجاج بها. و صحيحة محمد بن مسلم مع اطراح ظاهرها بين الأصحاب لا دلالة فيها على ذلك بوجه كما سيجيء.

و رواية المنتهى لا أثر لها في كتب الأخبار و الاستدلال، و الظاهر أنها لا أصل لها و إنما توهّمه الفاضل رواية من كلام الشيخ عند ذكره في كلام ورود التفصيل في الصحيحتين المذكورتين.

و قد أشار إليه غير واحد من الأفاضل، و قد أوضح ذلك في المنتهى (4).

و سائر الوجوه المذكورة لتأييد القول المذكور بيّنة الوهن، فلا حاجة إلى تفصيل الكلام فيها.

حجة القول بتثليث الضربات- إن فسّر بغير ما حكاه في الذكرى من عبارة الرسالة- غير معلومة، و إن فسّر به- كما هو الظاهر- فيدلّ عليه صحيحة محمد بن مسلم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التيمّم، فضرب بكفيه الأرض ثم مسح بهما وجهه ثم ضرب بشماله الأرض، فمسح بها مرفقه إلى أطراف الأصابع واحدة على ظهرها و واحدة على بطنها، ثم

____________

(1) في (ألف): «ظاهر».

(2) في (ألف): «لظهور ما» بدل «لظهورها».

(3) تهذيب الأحكام 1/ 212، باب صفة التيمّم و أحكام المحدثين منه، ح 20.

(4) في (د): «المنتقى».

359

ضرب بيمينه الأرض ثم صنع بشماله كما صنع بيمينه. ثم قال: «هذا التيمّم على ما كان فيه الغسل في الوضوء الوجه و اليدين إلى المرفقين، و ألقى ما كان عليه مسح الرأس و القدمين فلا يؤتم (1) بالصعيد» (2).

و فيه أن هذه الرواية و إن صحّ إسنادها إلا أنّها مطرحة بين الأصحاب معارضة بالمعتبرة المستفيضة موافقة لمذهب العامة، فيعيّن حملها على التقية.

____________

(1) في (ألف): «يؤثم» بدل «يؤتم».

(2) الإستبصار 1/ 172، باب عدد المرات في الوضوء، ح 600- 8 و فيه: «فلا يؤمم بالصعيد».

360

تبصرة [في مسح الوجه]

الثاني من أفعال التيمّم مسح الوجه، و قد اختلف الأصحاب في تعيين القدر الممسوح منه على أقوال:

أحدها: الاقتصار على خصوص الجبهة من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى.

و في الحدائق (1): إنه المشهور.

و عن كشف الرموز (2): إنّ عليه عمل الأصحاب.

ثانيها: إضافة الجبينين إليها. و إليه ذهب جماعة من المتأخرين منهم الشهيد الثاني في المسالك (3)، بل في كشف اللثام (4) أنه يمكن إدخال ذلك في مقصود الأكثر.

و منهم السيد (5)، فإنهم أوجبوا مسح الوجه من القصاص إلى طرف الأنف.

و لا يخلو عن قرب.

ثالثها: زيادة الحاجبين أيضا. و هو الظاهر من الصدوق في الفقيه (6) حيث اعتبر المسح على الجبينين و الحاجبين. و كأنه أدرج الجبهة في الجبينين؛ إذ لا قائل ظاهر بعدم وجوب مسحها.

و قد حكى غير واحد منهم الإجماع على وجوب مسحها. و قد حكى القول به عن المحقق

____________

(1) الحدائق الناضرة 4/ 336.

(2) كشف الرموز 1/ 99.

(3) مسالك الإفهام 1/ 114.

(4) كشف اللثام 2/ 470.

(5) الناصريات: 151.

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 104.

361

الكركي في عدة من كتبه، و تلميذه في المسائل (1) الجعفرية.

رابعها: القول بوجوب المسح على تمام الوجه. و حكي القول به عن والد الصدوق.

و ذكر الشهيد (2) أنّ (3) في كلام الجعفي إشعارا به.

و في مجمع البرهان (4): إنه أحوط.

خامسها: التخيير بين مسح الجميع و البعض إلا أنه لا يقتصر على أقل من الجبهة.

و اختاره في المعتبر (5)، و حكى (6) عن العماني الميل إليه.

و قرّبه في كشف الرموز (7)، و استحسنه في المدارك (8).

و قد يرجع إلى القول المشهور في تعيين القدر الواجب، فيكون الخلاف بينهما في استحباب الزائد.

و فيه تأمل.

ثم إن السبب في الخلاف اختلاف روايات الباب، ففي معظم الأخبار ذكر مسح الوجه الظاهر في مسح جميعه، و في جملة منها ذكر المسح على الجبين (9) مفردا في بعضها و مثنى في البعض.

و في موثقة زرارة المسح على الجبهة على (10) ما رواها الشيخ (11) في موضع.

____________

(1) في (ب) و (د): «شرح» بدل «المسائل».

(2) الذكرى 2/ 264.

(3) في (ألف): «الشهيدان» بدل: «الشهيد أنّ».

(4) مجمع الفائدة و البرهان 1/ 100.

(5) المعتبر 1/ 384.

(6) زيادة في (د): «فيه».

(7) كشف الرموز 1/ 99.

(8) مدارك الأحكام 2/ 234.

(9) الإستبصار 1/ 171، باب عدد المرات في التيمّم ح 2.

(10) زيادة: «على» من (د).

(11) الإستبصار 1/ 170، باب كيفية التيمّم ح 3.

362

و رواه (1) الكليني في موضع آخر بإسناده عن الكليني (2) بلفظ الجبين (3) مكان الجبهة.

فالدليل على المشهور هو الرواية الأخيرة على إحدى روايتيها، و هي كما ترى لا تنهض حجة عليه.

و قد يحتج عليه بالجمع بين الأخبار بحمل الجبينين و الوجه على الجبهة؛ إذ ليس المراد بالجبين خصوص معناه للإجماع على عدم الاكتفاء به، و حمل الرواية على بيان بعض الممسوح في مقام البيان بعيد جدّا، فلا بدّ من إخراجه عن ظاهره.

و حينئذ فليحمل على الجبهة بعلاقة المجاورة؛ لانطباقه على الرواية المتقدمة، و انجباره بفهم الأصحاب، مضافا إلى ذكر الجبين مفردا في غير واحد منها.

و يؤيّده إطلاق (4) الجبين على الجبهة في غير واحد من الأخبار الواردة في السجود، و (5) عليه يحمل (6) إطلاق الوجه في الأخبار، سيّما ما دلّ على الاكتفاء فيه بالبعض، بل قضية ذلك الاكتفاء بمطلق البعض، فيحمل على خصوص الجبهة في غيره؛ للإجماع على وجوب مسحها.

مضافا إلى إطلاق الوجه على خصوص الجبهة في بعض أخبار السجود، و عليه (7) يحمل إطلاق الوجه في الأخبار سيّما مما دلّ على الاكتفاء فيه.

و أنت خبير بأن ذلك كله لا ينهض حجة على ذلك؛ إذ حمل الجبين على مجموع الجبهة و الجبين أقرب، مضافا إلى إطلاق (8) وروده بلفظ التثنية في بعضها، بل هو كالصريح في خلاف ذلك، مضافا إلى ورود مسح الوجه باليدين في عدّة من الأخبار، و الجبهة وحدها لا تزيد على

____________

(1) في (د): «رواها».

(2) كذا كرّر لفظ «الكليني» في المقام.

(3) في (د): «الجبينين».

(4) في (ألف): «الخلاف».

(5) زيادة: «و» من (د).

(6) في (ب): «بحمل».

(7) لم ترد في (د): «و عليه .. الاكتفاء فيه».

(8) لم ترد في (د): «إطلاق».

363

ثلاث أصابع أو أربع، فيكون مسح الزائد لغوا.

و البناء على استحباب الزائد خلاف ظاهر تلك الروايات. و يؤيّد ذلك مراعاة الاحتياط لقضاء اليقين (1) بالفراغ، فعلم بذلك قوة القول بلزوم انضمام الجبين إلى الجبهة.

و أما انضمام الحاجبين فلا دليل عليه سوى ما رواه مرسلا في الفقه، و هي لا تنهض حجة في مثله إلا أن الأحوط مراعاته.

و أما القول باستيعاب الوجه فالوجه فيه ما عرفت من الروايات. و ضعفه ظاهر بعد إعراض الأصحاب عن البناء على ظاهر إطلاقها، و تنصيص الصحيح على خلافه، و دلالة المستفيضة على تقييده، مضافا إلى الإجماع المحكي على عدم وجوب استيعابه.

و مما قلنا يظهر الوجه في القول بالتخيير، و الوجه في ضعفه.

____________

(1) زيادة في (د): «بالشغل اليقين».

364

تبصرة [في التيمّم قبل الوقت]

لا خلاف بيننا في عدم صحة التيمّم للصلاة قبل وقتها، و اختلفوا في صحته (1) لها بعد دخول (2) وقتها (3) قبل تضيّق (4) العمل بالأصل أو بالعارض على أقوال:

أحدها: المنع مطلقا. و هو المعروف بين الأصحاب، و قد حكي الشهرة عليه في كلام جماعة.

و عن السيد (5) و الشيخ (6) حكاية الإجماع عليه. و قد حكي القول به عن المفيد و السيد و الشيخ في أكثر كتبه، و الديلمي و الحلبي و الحلي (7).

ثانيها: القول بالجواز كذلك. و حكي القول به عن الصدوق، و ظاهر الجعفي. و قوّاه العلامة (8) في غير واحد من كتبه. و استقر به في البيان (9). و اختاره غير واحد من المتأخرين.

ثالثها: التفصيل بين العذر المرجوّ الزوال و غيره. و حكي القول به عن الإسكافي و استجوده المحقق (10)، و اختاره العلامة (11) في عدة من كتبه. و إليه ذهب جماعة من المتأخرين.

____________

(1) في (ب): «صحّتها».

(2) في (ب): «دخوله».

(3) في (ب): «الوقت».

(4) في (ألف): «تفسير».

(5) الناصريات: 157.

(6) الخلاف 1/ 146.

(7) السرائر 1/ 135.

(8) تحرير الأحكام 1/ 147.

(9) انظر البيان: 34.

(10) انظر المعتبر 1/ 382.

(11) تذكرة الفقهاء 1/ 137.

365

حجة القول الأول بعد الإجماع و الاحتياط: الروايات المشتملة على المعتبرة المستفيضة كالصحيح: «إذا لم تجد الماء و أردت التيمّم فأخّر التيمّم إلى آخر الوقت، فإن فاتك الماء لم تفتك الأرض» (1). و بمعناه موثقة ابن بكير.

و في موثقته (2) الأخرى المروية في قرب الإسناد: سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل أجنب فلم يصيب الماء، أ يتيمم؟ قال: «لا حتى آخر الوقت، فإن فاته الماء لم تفته الأرض» (3).

و في الصحيح: «إذا لم يجد المسافر الماء فليطلب ما دام في الوقت فإن خاف أن يفوته الوقت فليتيمم و ليصلّ في آخر الوقت و لا قضاء عليه، و ليتوضأ لما يستقبل» (4).

مضافا إلى اعتضادها بالشهرة بين الأصحاب، و مخالفتها لما هو المعروف بين الجمهور.

و حجة القول الثاني بعد الأصل و الإطلاقات الكثيرة الآمرة بالتيمم عند فقد الماء أو عدم الوصلة إليه أو خوف العطش أو حصول المرض و غير ذلك، ظاهر الآية الشريفة و الأخبار المستفيضة الدالّة على أن من تيمّم و صلّى ثم وجد الماء في الوقت لم يلزمه إعادة الصلاة.

و فيها ما يدلّ على التفصيل بين وجدانه في الوقت و خارجه، ففي الصحيح: قلت للباقر (عليه السلام): و إن أصاب الماء و قد صلّى بتيمم و هو في وقت؟ قال: «تمت (5) صلاته و لا إعادة عليه» (6).

و في الموثق: سألت الصادق (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلّى ثم بلغ الماء قبل أن يخرج الوقت؟

فقال: «ليس عليه إعادة الصلاة» (7).

____________

(1) الكافي 3/ 63، باب وقت الذي يوجب التيمّم، ح 1.

(2) في (ب): «موثقة».

(3) قرب الإسناد: 170.

(4) الإستبصار 1/ 159، باب إن المتيمم إذا وجد الماء لا يجب عليه اعادة الصلاة، ح 548- 1.

(5) في (ألف): «وقت» بدل: «تمّت».

(6) الإستبصار 1/ 160، باب إن المتيمم إذا وجد الماء لا يجب عليه اعادة الصلاة، ح (552) 5.

(7) الإستبصار 1/ 160، باب إن المتيمم إذا وجد الماء لا يجب عليه إعادة الصلاة، ح 555- 8.

366

و في [آخر]: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل في السفر لا يجد الماء تيمم و صلّى ثم أتى الماء و عليه شيء من الوقت، يمضي على صلاته أم يتوضأ و يعيد الصلاة؟ قال: «يمضي على صلاته، فإنّ رب الماء هو رب التراب» (1).

و بمعناه موثقة عليّ بن أسباط، عن عمّه، عن الصادق (عليه السلام) (2).

و في صحيحة يعقوب بن يقطين: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل تيمم و صلّى فأصاب بعد صلاته ماء ليتوضأ (3) و يعيد الصلاة، أم يجزيه صلاته؟ قال: «إذا وجد الماء قبل أن يمضي الوقت توضّأ و أعاد، فإن مضى الوقت فلا إعادة عليه» (4).

فهذه الأخبار و ما بمعناها صريحة الدلالة على صحة التيمّم في السعة، و حملها على وقوع التيمّم في السعة على ظنّ الضيق أو وقوعه لغير الصلاة الواجبة مما تضيق وقته بعيد جدّا لا داعي إليه سوى ظواهر الأخبار المتقدمة.

و حملها على الندب أظهر جدّا من الحمل المذكور؛ لسهولة الخطب في حمل الأمر و النهي على الندب أو الكراهة.

و في تلك الأخبار ما يومي إلى الكراهة، ففي قوية محمد بن حمران، عن الصادق (عليه السلام):

قلت له: رجل تيمم ثم دخل في الصلاة و قد كان طلب الماء فلم يقدر عليه، ثم يؤتى بالماء حين يدخل في الصلاة؟ قال: «يمضى في الصلاة» (5).

و اعلم أنه ليس ينبغي لأحد أن يتيمم إلا في آخر الوقت، فإنه مع إيماء لفظة «لا ينبغي» إلى الكراهة لا يخلو عن ظهور فيها بمقتضى المقام، حيث أطلق الحكم بصحة الصلاة الواقعة بالتيمم المفروض، و لو لا البناء على الصحة لوجب الاستفصال سيّما مع استظهار وقوعه في

____________

(1) وسائل الشيعة 3/ 369، باب عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة بالتيمم، ح 13.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 195، باب التيمّم و احكامه ح 37.

(3) في (د): «أ يتوضّأ» بدل: «ليتوضّأ».

(4) الإستبصار 1/ 160، باب إن المتيمم إذا وجد الماء لا يجب عليه اعادة الصلاة، ح 551- 4 باختلاف يسير.

(5) الإستبصار 1/ 166، باب من دخل في الصلاة يتيمم ثم وجد الماء، ح 575- 1.

367

السعة.

و مما يؤيد القول المذكور عدّة من الإطلاقات المشتملة على الصحاح الدالّة على صحة الصلاة الواقعة بالتيمم من غير حاجة إلى الإعادة بعد وجدان الماء الشاملة لما إذا وقع التيمّم في السعة من غير استفصال في الجواب، مع إطلاق السؤال، بل ظهوره في غير الضيق:

منها: صحيحة العيص، عن رجل يأتي الماء و هو جنب و قد صلّى؟ قال: «يغتسل و لا يعيد الصلاة» (1).

و صحيحة محمد بن مسلم، عن رجل أجنب فتيمم بالصعيد و صلّى ثم وجد الماء؟ فقال:

«لا يعيد إن ربّ الماء ربّ الصعيد، و قد فعل أحد الطهورين» (2).

و في التعليل إيماء إلى اتحاد حكم الترابية و المائية، ففيها تأييد للحكم المذكور من تلك الجهة أيضا كغيرها من الأخبار الدالّة عليها كعموم التشبيه في قوله: «إن اللّه جعل التراب طهورا كما جعل الماء طهورا» (3)، أو عموم المنزلة في قوله: «إنما هو بمنزلة الماء» (4).

و نحو ذلك، مضافا إلى إطلاق ظاهر رواية السكوني الدالّة على الاكتفاء بالطلب في الغلوة أو الغلوتين عدّة من الروايات الحاكمة بصحة الصلاة الواقعة بالتيمم إذا وجد الماء في أثنائها، و في غير واحد منها التفصيل بين الدخول في الركوع و عدمه.

و حملها على صورة وقوع التيمّم في الضيق بعيد عن ظواهرها. فبملاحظة جميع ذلك يظهر ضعف القول الأول.

و (5) مجرد اعتضاد تلك الأخبار بمخالفة العامة و الشهرة المدعاة لا يقضي بترجيحها، و الاستناد إلى الإجماع موهون بشهرة الخلاف فيه.

____________

(1) الإستبصار 1/ 161، باب الجنب إذا تيمم و صلى هل تجب عليه الإعادة أم لا، ح 556- 1.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 197، باب التيمّم و أحكامه ح 45.

(3) الكافي 3/ 66، باب الرجل يكون معه الماء القليل في السفر و يخاف العطش ح 3.

(4) تهذيب الأحكام 1/ 200، باب التيمّم و أحكامه ح 55.

(5) في (ب): «بمجرّد» بدل «و مجرّد».

368

حجة القول الثالث الجمع بين الأخبار المذكورة مع إشعار معظم ما دلّ على المنع في السعة برجاء حصول الماء بعد ذلك، فيقيّد سائر الإطلاقات بخصوص ذلك، بل لا دلالة واضحة فيها على الجواز في غير تلك الصورة؛ إذ ليست مسوقة لبيان ذلك.

و فيه أن مفاد تلك الروايات لزوم تأخير التيمّم مع احتمال تحصيل الماء بعد ذلك، و لو كان بعيدا، و هو غير رجاء الحصول، فلا ينطبق على مقصودهم.

قلت: قوة الأخبار الدالّة على التوسعة في الجملة مع اعتضادها بما عرفت مما لا ينبغي الريب فيها، مضافا إلى انتفاء الفائدة في التأخير مع القطع بعدم وجود الماء، مع تفويت فضيلة أول الوقت، و عدم وجود دليل واضح على اعتبار الضيق كذلك، و بعد البناء على ضعف القول المذكور لا وجه لحمل الأخبار المذكورة إلا على صورة رجاء الحصول؛ إذ القول بالتفصيل ظاهر سوى ذلك، و إن استوجه الشهيد الثاني في الروض (1) التفصيل بين العلم و عدمه إلا أنه لم يفت به، فيدور الأمر إذن بين القول بالتفصيل أو التوسعة المطلقة؛ حملا لتلك الأخبار على الاستحباب.

و حينئذ فيبنى على ثبوته بمجرد الاحتمال كما هو ظاهر إطلاقها. و الأول أحوط بل أقوى.

[تنبيهات]

و هاهنا امور ينبغي الإشارة إليها:

أحدها: ظاهر الأصحاب عدم الفرق بين كون العذر المسوغ للتيمم فقدان الماء أو سائر الأعضاء المسوغة

من المرض، و نحوه غيره، فلا فرق بينهما على القولين.

و في الروض (2): الإجماع منعقد على عدم التفصيل بالتأخير للفاقد دون المريض خائف الضرر، بل الجواز مطلقا أو وجوب التأخير مطلقا مع الرجاء أو بدونه، فالقول بالتفصيل

____________

(1) انظر روض الجنان: 122.

(2) روض الجنان: 122.

369

على هذا الوجه احداث قول مبطل لما حصل لنا الإجماع عليه. انتهى.

و يظهر من الحدائق (1) اختيار التفصيل المذكور؛ استضعافا للإجماع المذكور، و أخذا بظاهر الأخبار الدالّة على التضيق؛ لاختصاص معظمها بفاقد الماء، فيحمل مطلقها عليه، و يبنى فيما عداه على التوسعة المطلقة؛ أخذا بالإطلاقات و بما دلّ على فضيلة أول الوقت.

و هو كما ترى؛ إذ مع الغضّ عن الإجماع المذكور لا داعي إلى حمل المطلق هنا على المقيّد لانتفاء المعارضة، مضافا إلى ظهور تنقيح المناط، فالوجه البناء على الإطلاق.

و منه يظهر أيضا ضعف القول بإطلاق المضايقة.

ثانيهما: لو دخل وقت الصلاة و هو على تيممه

ففي جواز .. (2).

____________

(1) الحدائق الناضرة 4/ 361.

(2) العبارة مبتورة في النسخ المخطوطة.

370

الباب الخامس في أحكام الأموات

و فيه مقدمة و مباحث و خاتمة:

المقدمة في بيان أحكام المرض و الاحتضار

تبصرة [في الصبر على المرض]

يستحب الصبر على المرض و ترك الجزع، فإن المرض من مواهب اللّه سبحانه و محنة على المؤمن.

روى الجابر الجعفي، عن الباقر (عليه السلام) أنه قال: «إذا أحبّ اللّه عبدا نظر إليه، فإذا نظر إليه أتحفه من ثلاثة بواحدة: إما صداع و إما حمى و إما رمد» (1).

و عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «حمى ليلة كفارة سنة» (2).

و نحوه عن الصادق (عليه السلام) قال: «و ذلك أن (3) ألمها يبقى في الجسد إلى سنة» (4).

____________

(1) الخصال: 13.

(2) وسائل الشيعة 2/ 403، باب استحباب احتساب المريض و الصبر عليه، ح 22.

(3) في المصدر: «لأن».

(4) علل الشرائع 1/ 297.

371

و عنه (عليه السلام): «صداع ليلة تحطّ كلّ الخطيئة (1) إلا الكبائر» (2).

و عنه (عليه السلام): «حمى ليلة كفارة لما قبلها و ما بعدها» (3).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «إن المرض ينقى (4) الجسد من الذنوب كما يذهب الكير خبث الحديد، و إذا مرض الصبيّ كان مرضه كفّارة لوالديه» (5).

و عن الصادق (عليه السلام): «من اشتكى ليلة فقبلها بقبولها و أدّى إلى اللّه كانت له كفّارة ستّين سنة». قال: قلت: و ما قبلها بقبولها؟ قال: «صبر على ما كان فيها» (6).

و عنه (عليه السلام): «أيّما رجل اشتكى فصبر و احتسب كتب اللّه له من الأجر أجر ألف شهيد» (7).

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «للمريض أربع خصال يرفع (8) اللّه عنه القلم و يأمر اللّه الملك يكتب له كلّ فضل كان يعمله في صحته و يتبع مرضه كل عضو في جسده فيستخرج ذنوبه منه، فإن مات مات مغفورا له» (9).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا مرض المسلم كتب اللّه له كأحسن ما كان يعمله في صحته و تساقطت ذنوبه كما يتساقط ورق الشجر» (10).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «أربعة يستأنفون العمل: المريض إذا برء و المشرك إذا أسلم» (11) الخبر.

____________

(1) في (د): «خطيئة».

(2) ثواب الاعمال: 193.

(3) الكافي 3/ 114، باب ثواب المرض، ح 10.

(4) في (د): «ينغّي».

(5) بحار الأنوار 78/ 197.

(6) ثواب الاعمال: 193.

(7) وسائل الشيعة 2/ 403، باب استحباب المرض و الصبر عليه ح 23.

(8) في (د): «يوقع».

(9) ثواب الأعمال: 193.

(10) ثواب الأعمال: 194.

(11) دعائم الإسلام 1/ 179.

372

و عن الباقر (عليه السلام): «إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) قال لأصحابه يوما: ملعون كلّ مال لا يزكّى، ملعون كل جسد لا يزكى، و لو في كل أربعين يوما مرة. فقيل: يا رسول اللّه! أما زكاة المال فقد عرفناها، فما زكاة الأجساد؟ قال: لهم أن يصاب بآفة. قال: فتغيّرت وجوه القوم الذين سمعوا ذلك منه، فلمّا رآهم قد تغيّرت ألوانهم قال لهم: هل تدرون ما عنيت بقولي؟ قالوا: لا يا رسول اللّه! قال:

الرجل يخدش الخدش و ينكب النكبة و يعثر العثرة و يمرض المرضة و يشاك الشوكة و ما أشبه ذلك» حتى ذكر في آخر حديثه «اختلاج العين» (1).

و عن الرضا (صلّى اللّه عليه و آله): «ما سلب أحد كريمته إلا عوضه اللّه منه الجنّة» (2).

و في الأخبار المستفيضة (3) أنّ المرض يطهّر المؤمن من الذنوب و أنه لا أجر فيه.

فعن أمير المؤمنين (4) (عليه السلام): «المرض لا أجر فيه و لكن لا يدع على العبد ذنبا إلا حطّه و إنما الأجر في القول باللسان و العمل بالجوارح» (5).

و الظاهر أنه (عليه السلام) أراد بذلك الأجر إن ما (6) يترتب على إظهاره الشكر و الصبر و نحوهما من الأعمال القولية أو الفعلية دون نفس المرض.

و قد روي عنه (عليه السلام) أنه عاد سلمان فقال له: «يا سلمان! ما من أحد من شيعتنا يصيبه وجع إلا بذنب قد سبق منه، و ذلك الوجع (7) تطهير له». قال سلمان: فليس لنا في شيء من ذلك أجر خلا التطهير؟

قال علي (عليه السلام): «يا سلمان! لكم الأجر بالصبر عليه و التضرّع إلى اللّه و الدعاء (8) له بهما

____________

(1) قرب الإسناد: 68.

(2) قرب الإسناد: 389.

(3) ثواب الأعمال: 192، قال: «إن المؤمن إذا حم حمى واحدة تناثرت الذنوب منه كورق الشجر ...».

(4) في (د): «مولانا أمير المؤمنين».

(5) الأمالي للشيخ طوسي: 602.

(6) في (ب): «إنما».

(7) في (ألف): «الوجف».

(8) في (د): «الدعاة».

373

تكتب لكم الحسنات و ترفع لكم الدرجات، و أما (1) الوجع خاصّة فهو تطهير و كفّارة» (2).

و روى السيد في النهج أنه (عليه السلام) قال لبعض أصحابه في علة اعتلها: «جعل اللّه ما كان من شكواك حطا لسيّئاتك، فإن المرض لا أجر فيه و لكنه يحطّ السيئات و يحتّها حتّ الأوراق، إنما الأجر في القول باللسان و العمل بالأيدي و الأقدام» (3).

و بنى السيد (قدّس سرّه) كلامه (عليه السلام) على الفرق بين الأجر و العوض، فإن الأجر إنما يكون في مقابلة الأفعال الاختيارية الصادرة من العبد، و العوض أعم منه، فقد يكون بإزاء فعل اللّه بالعبد من الآلام و الأسقام.

و هذا التوجيه بعيد عن ظاهر الأخبار المذكورة إلا أنه يناسب الجمع بين الأخبار؛ لدلالة الأخبار المستفيضة أيضا على حصول الأجر به، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «يا على! أنين المريض تسبيح و صياحه تهليل و نومه على فراشه (4) عبادة و تقلّبه جنبا إلى جنب فكأنما جاهد (5) عدوّ اللّه و يمشي في الناس و ما عليه ذنب» (6).

و عن عبد اللّه بن أبي يعفور، قال: شكوت إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) ما التي من الأوجاع و كان سقاما (7). فقال لي: «يا عبد اللّه! لو يعلم المؤمن ما له من الأجر في المصائب لتمنّى أن يقرض بالمقاريض» (8).

و عنه (عليه السلام) أيضا: «سهر ليلة في العلة التي يصيب المؤمن عبادة سنة» (9).

____________

(1) في (د): «فأما».

(2) وسائل الشيعة 2/ 403، باب استحباب احتساب المرض و الصبر عليه، ح 20.

(3) نهج البلاغة 4/ 12.

(4) في (د): «فراش».

(5) في (د): «يجاهد».

(6) بحار الأنوار 78/ 189.

(7) في (د): «مسقاما».

(8) الكافي 2/ 255، باب شدة ابتلاء المؤمن، ح 15.

(9) وسائل الشيعة 2/ 403، باب استحباب احتساب المرض و الصبر عليه، ح 21.

374

و عنه (عليه السلام): «إن اللّه تبارك و تعالى ليتعاهد المؤمن بالبلاء إما بمرض في جسده أو بمصيبة في أهل و مال أو مصيبة من مصائب الدنيا ليأجر عليها» (1).

و قال (عليه السلام): «ما من مؤمن إلا و هو يذكر في كل أربعين يوما ببلاء إما في ماله أو ولده أو في نفسه فيؤجر عليه، و هو (2) لا يدرى أين هو» (3).

و عن أبي جعفر (عليه السلام): «حمى ليلة تعدل عبادة سنة، و حمى ليلتين تعدل عبادة سنتين، و حمى ثلاث تعدل عبادة سبعين سنة» (4).

فعلى ما ذكرنا يكون المراد بالأجر في رواية ابن أبي يعفور مطلق العوض.

و يمكن الجمع بينها بإرادة ترتب الأجر في هذه الأخبار على الصبر و إظهار الشكر و نحوها دون نفس المرض حسب ما أشار إليه (عليه السلام) في الرواية المتقدمة، و كأنّ هذا أوفق بظاهر الأخبار في مقام المنع.

و يستحب له أيضا ترك الشكوى، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من مرض يوما و ليلة فلم يشك إلى عوّاده (5) بعثه اللّه يوم القيامة مع إبراهيم خليل الرحمن (عليه السلام) حتى يجوز الصراط كالبرق اللامع» (6).

و يظهر من غير واحد من الأخبار أن المراد بالشكوى تعظيم ما ابتلي به من المرض و تشديد أمره دون مجرّد بيان ما فيه.

فعن الصادق (عليه السلام): «إن الشكوى أن تقول قد ابتليت بما لم يبتل به أحد أو تقول لقد أصابني ما لم يصب أحدا و ليس الشكوى أن تقول: سهرت البارحة و حممت اليوم و نحو

____________

(1) كتاب المؤمن: 22.

(2) في (د): «هم».

(3) بحار الأنوار 64/ 236.

(4) الكافي 3/ 114، باب ثواب المرض، ح 9.

(5) في (د): «اعواده».

(6) من لا يحضره الفقيه 4/ 16.

375

هذا» (1).

و عنه (عليه السلام): «ليست الشكاية أن يقول الرجل: مرضت البارحة (2) و لكن الشكاية أن يقول ابتليت بما لم يبتل به أحد» (3).

و قد ينزّل الخبران على أن مجرد الإخبار بالواقع ليس بشكاية، و إنما الشكوى هو المشتكى (4) عن حال المرض، و لو كان ذلك بيان الواقع سواء كان بيان الواقع مقصودا له أيضا أو لم يتعلق قصده إلا بالشكاية، بخلاف ما إذا لم يقصد إلا بيان الواقع.

و يستفاد من بعض الأخبار رجحان عدم الإظهار مطلقا، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام): «من كتم مرضا (5) أصابه ثلاثة أيام من الناس، و شكى إلى اللّه عز و جل كان حقّا على اللّه أن يعافيه منه» (6).

و عن الباقر (عليه السلام): «ألا اخبركم بخمس خصال هي (7) من البر، و البر يدعو إلى الجنة؟»، قلت: بلى. قال: «إخفاء المصيبة و كتمانها ..» (8) الخبر.

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «أربعة من كنوز الجنة (9): كتمان الحاجة و كتمان الصدقة و كتمان المرض و كتمان المصيبة» (10).

و في لفظ آخر عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «أربع من كنوز الجنة ...» و عدّ منها كتمان الوجع (11).

____________

(1) الكافي 3/ 116، باب حد الشكاية، ح 1.

(2) في المصدر زيادة: «أو وعكت البارحة».

(3) معاني الأخبار: 253.

(4) في (د): «التشكي».

(5) في المصدر: «وجعا».

(6) الخصال: 630.

(7) ليس في (ب): «هي».

(8) المحاسن 1/ 9.

(9) في المصدر: «البر».

(10) الأمالي، للمفيد: 8.

(11) بحار الأنوار 78/ 208.

376

و ربّما يظهر من بعض الأخبار رجحان الصبر على المرض و الرضا به بحيث لا يريد من اللّه سبحانه رفع ذلك عنه، فلا يدعو لنفسه برفع ذلك البلاء، بل يكون راضيا بما رضي اللّه له.

فعن الباقر (عليه السلام) قال: «قال علي بن الحسين (عليه السلام): مرضت مرضا شديدا فقال أبي: ما تشتهي؟

فقلت: أشتهى أن أكون ممن لا أقترح على اللّه ربي ما يدبّره لي. فقال لي: أحسنت! ضاهيت إبراهيم الخليل (عليه السلام) حيث قال جبرئيل: هل من حاجة؟ فقال: لا أقترح على ربي بل حسبي اللّه و نعم الوكيل» (1).

و لا ينافي ذلك استحباب الدعاء بالشفاء و كشف البلاء، فإن ذلك مقام و ذاك مقام آخر لكل منهما جهة أمرية.

و يستفاد من بعض الأخبار الرخصة في الشكاية إلى إخوانه المؤمنين و يخصّص المنع من الشكاية بغيرهم. فعن الصادق (عليه السلام): «إذا نزلت بك نازلة فلا ...» (2).

و ينبغي (3) أن يتذكر الموت ليعزم على الطاعات و ترك الأسواء، فتغير حاله مما هو عليه إذا عافاه اللّه تعالى من مرضه. قال الصادق (عليه السلام): «إذا اشتكى العبد ثم عوفي فلم يحدث خيرا و لم يكف عن سوء لقيت الملائكة بعضها بعضا يعني حفظته. فقالت: إن فلانا داويناه فلم ينفعه الدواء» (4).

و أن لا يراجع الأطباء في مرضه إلا عند الحاجة، فقد روي عنه (عليه السلام): «تجنب الدواء ما احتمل بدنك الدواء (5) فإذا لم يحتمل الدواء فالدواء» (6).

____________

(1) بحار الأنوار 46/ 67.

(2) تحف العقول: 379، و الرواية هي: «إذا نزلت بك نازلة فلا تشكها إلى أحد من أهل الخلاف و لكن اذكرها لبعض اخوانك».

(3) في (د): «و ينبغي له».

(4) الأمالي للشيخ الطوسي: 517.

(5) في (د): «الداء».

(6) وسائل الشيعة 2/ 409، باب استحباب ترك المداواة مع إمكان الصبر، ح 5.

377

و عن الكاظم (عليه السلام): «اتقوا (1) معالجة الأطباء ما اندفع الداء عنكم، فإنه بمنزلة البناء قليله يجرّ إلى كثيره» (2).

و أن لا يطرح نفسه على الأرض و يخلد إلى النوم على الفراش ما استطاع القيام؛ لما في النهج عنه (عليه السلام) أنه قال: «امش بدائك ما أمشى (3) بك» (4) قال: «لا تضطجع ما استطعت القيام مع العلة» (5).

و يدعو بالدعوات المأثورة للمريض و لخصوص بعض الأمراض، و أن يستشفي (6) بالتربة الحسينية- على مشرّفها السلام- على الوجه المقرّر في محله، و أن يستعمل الدواء عند الحاجة إليه.

فعن الصادق (عليه السلام): «إن نبيا من الأنبياء مرض، فقال: لا أتداوى حتى يكون الذي أمرضني هو يشفيني. فأوحى اللّه عز و جل إليه: لا أشفيك حتّى تتداوى فإن الشفاء مني» (7).

و أن يدعو لنفسه بالشفاء، فعن العالم (عليه السلام) أنه قال: «لكل داء دواء» فسئل عن ذلك، فقال: «لكل داء دعاء» (8).

و أن يتصدق بما تيسّر له، فإن الصدقة من أعظم ما تدفع به البليّة.

«و أن يعطي السائل بيده، و يأمر السائل أن يدعو له» (9) كما روى الصادق (عليه السلام).

و يستحب السعي في قضاء حاجة المريض سيّما إذا كان من أهل بيته. فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله):

____________

(1) في المصدر: «ادفعوا».

(2) علل الشرائع 2/ 465.

(3) في المصدر: «مشى».

(4) نهج البلاغة 4/ 7.

(5) بحار الأنوار 78/ 204.

(6) في (د): «يستسقي».

(7) بحار الأنوار 78/ 212 و مكارم الاخلاق: 417.

(8) فقه الرضا (عليه السلام): 20، و فيه: «و سألته عن ذلك».

(9) الكافي 4/ 3، باب فضل الصدقة ح 9.

378

«من سعى لمريض في حاجة قضاها أو لم يقضها خرج من ذنوبه كيوم ولدته امّه» فقال رجل من الأنصار: بأبي أنت و أمي يا رسول اللّه! فإن كان المريض من أهل بيته أو ليس ذلك (1) أجرا إذا سعى في حاجة أهل بيته؟ قال: «نعم» (2).

و أن يطعمه ما يشتهيه إذا لم يكن مضرّا بحاله، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من أطعم مريضا شهواته أطعمه اللّه من ثمار الجنة» (3).

و يكره أن يتمرض من غير علة.

قيل للصادق (عليه السلام): أ يؤجر الخلق كلهم من الناس؟ قال: «ألق منهم التارك للسؤاك» ..

إلى أن قال: «و المتمرّض من غير علة و المتشمّت (4) من غير مصيبة» .. إلى أن قال: «و هو كما قال اللّه عز و جل: إِنْ هُمْ إِلّٰا كَالْأَنْعٰامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (5) (6).

____________

(1) زيادة في (د): «أعظم».

(2) وسائل الشيعة 2/ 428، باب استحباب السعي في قضاء حاجة الضرير و المريض، ح 1.

(3) بحار الأنوار 78/ 224 و فيه: «شهوته».

(4) في (د): «متشعث».

(5) الفرقان: 44.

(6) الخصال: 409 و فيه: «أ ترى هذا الخلق كله من الناس».

379

تبصرة [في عيادة المريض]

يستحب عيادة المريض، فعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من عاد مريضا نادى مناد من السماء باسمه: يا فلان! طبت (1) و طاب ممشاك تبوّأت من الجنة منزلا» (2).

و عنه صلى الله عليه و آله (3) ما من رجل يعود مريضا ممسيا إلا خرج معه سبعون ألف ملك يستغفرون له حتى يصبح، و كان له خريف في الجنة» (4).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «ما من مسلم يعود مسلما غدوة إلا صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يمشي، و إذا عاده عشاء (5) صلّى عليه سبعون ألف ملك حتى يصبح، و كان له خراف في الجنة» (6).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «من عاد مريضا فله لكل خطوة خطاها حتى رجع إلى منزله سبعون ألف ألف حسنة و محى (7) عنه سبعون ألف ألف سيئة، و يرفع له سبعون ألف ألف درجة، [و] وكّل به سبعون ألف ألف ملك يعودونه في قبره و يستغفرون له إلى يوم القيامة» (8).

____________

(1) في (د): «طيب».

(2) فقه السنة 1/ 489؛ قرب الأسناد: 13.

(3) زيادة: «و عنه (صلّى اللّه عليه و آله)» من (د).

(4) وسائل الشيعة 2/ 419، باب تأكد استحباب العيادة، ح 3.

(5) في (د): «مشاعا».

(6) بحار الأنوار 78/ 221، باب ثواب عيادة المريض، ح 8.

(7) في (د): «يمحى».

(8) ثواب الأعمال: 292.

380

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «يعير (1) اللّه عز و جل من عباده (2) يوم القيامة، فيقول: عبدي! ما منعك إذ مرضت أن تعودني؟ فيقول: سبحانك! أنت ربّ العباد لا تألم و لا تمرض. فيقول: مرض أخوك المؤمن فلم تعده، و عزّتي و جلالي! لو عدته لوجدتني عنده، ثم لتكفّلت بحوائجك فقضيتها لك، و ذلك من كرامة عبدي المؤمن و أنا الرحمن الرحيم» (3).

و روي أن أبا موسى الأشعري عاد الحسن (عليه السلام) فقال له علي (عليه السلام): «أما إنه لا يمنعنا ما في أنفسنا عليك أن نحدّثك بما سمعنا أنه من عاد مريضا شيّعه سبعون ألف ملك كلهم يستغفرون له إن كان مصبحا حتى يمسي و إن كان مساء حتى يصبح و كان له خريف في الجنة» (4).

و عن مولانا الباقر (عليه السلام): «أيما مؤمن عاد مؤمنا خاض الرحمة خوضا فإذا جلس غمرته الرحمة، فإذا انصرف وكّل اللّه سبعين ألف ملك كلهم (5) يستغفرون له و يترحمون عليه و يقولون: طبت و طابت لك الجنة إلى تلك الساعة من غد، و كان له- يا أبا حمزة- خريف في الجنة» قلت: ما الخريف جعلت فداك؟ قال: «زاوية في الجنة يسير الراكب فيها أربعين عاما» (6).

و عن الصادق (عليه السلام): «من عاد مريضا في اللّه لم يسأل المريض للعائد شيئا إلا استجاب اللّه له» (7).

إلى غير ذلك من الأخبار الكثيرة المتجاوزة حدّ الإحصاء.

هذا و لنتمّم (8) الكلام في المقام برسم امور:

____________

(1) في (ألف): «يصبر».

(2) في (ب): «عياده».

(3) بحار الأنوار 7/ 304، باب خصال التي توجب التخلص من شدائد القيامة و أهوالها، ح 75.

(4) الأمالي، الشيخ الطوسي: 635.

(5) ليس في (د): «كلهم».

(6) الكافي 3/ 120، باب ثواب عيادة المريض، ح 3.

(7) ثواب الأعمال: 194.

(8) في (ب): «و لنتم».

381

أحدها: إنّ ما (1) ذكر من الفضل إنما هو في عيادة المؤمن، و أما الكفّار من سائر الملل الفاسدة فلا رجحان لعيادتهم. و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): في أهل الذمة «لا تساووهم في المجلس و لا تعودوا مريضهم و لا تشيّعوا جنائزهم» (2) (3).

و حينئذ يحتمل القول بالتحريم من جهة ظاهر النهي إلا أن القول به لا يخلو من (4) بعد، و الرواية غير صالحة للاعتماد في مقام التحريم.

و كيف كان، ففيها دلالة على جريان الحكم في غير أهل الذمة بالأولى.

و أما غير أهل الحقّ من سائر الفرق الضالّة من أهل الإسلام فقد يحتمل رجحان عيادتهم لاندراجهم في المسلمين.

و قد ورد التعبير بالمسلم في المقام في بعض الأخبار إلا أن الظاهر خلافه؛ إذ لا حرمة لهم. و قد ورد النهي عن موادّتهم.

نعم، إن (5) كان من أرحامه لم يبعد القول برجحان عيادته، سيّما بالنسبة إلى الوالدين (6)، و لو حصل هناك جهة خارجة كالترغيب باعثة على إظهار المودة كالترغيب في المذهب أو التقية، فلا إشكال في رجحان العيادة، بل قد تجب حينئذ.

و لذا اورد (7) التأكيد في عيادة مرضاهم و تشييع جنائزهم و حسن السيرة معهم. و حينئذ فقد يجري نحوه في عيادة الكفار أيضا.

و أما الفسّاق من أهل الإيمان فالظاهر استحباب عيادتهم؛ لإطلاق الأدلة.

نعم، جريان الحكم في بعض مقتر في الكبائر كتارك الصلاة و صاحب النرد و الشطرنج

____________

(1) في النسخ المخطوطة: «إنما».

(2) في (د): «اجنازهم».

(3) بحار الأنوار 72/ 392، باب النهى عن مراودة الكافر و معاشرتهم، ح 14.

(4) في (د): «عن».

(5) في (د): «لو».

(6) في (د): «زيادة هذا».

(7) في (د): «ورد».

382

و نحوهم محلّ إشكال.

و قد ورد في بعض الأخبار النهي عن عيادة بعض هؤلاء، و قد يحمل على الكراهة.

ثانيها: أنه قد دلّت عدة من الأخبار على سقوط العيادة عن المرأة، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) أنه قال: «يا علي! ليس على النساء جمعة و لا عيادة مريض و لا اتّباع جنازة» (1). و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ليس على النساء عيادة» (2).

و عن الباقر (عليه السلام): «ليس على النساء جمعة و لا جماعة و لا أذان و لا إقامة و لا عيادة مريض و لا اتّباع جنازة» (3).

و قضية هذه الأخبار سقوط العيادة عن المرأة و لو بالنسبة إلى مثلها أو أقاربها أو (4) أرحامها.

و هو بعيد جدّا مخالف لإطلاق الروايات و سائر العمومات الدالّة على رجحان صلة الأرحام و التودّد إلى أهل الإيمان و نحوها.

فحمل هذه الأخبار على إرادة الرخصة و بيان عدم الاهتمام في شأنهنّ على نحو الرجال ليس ببعيد.

و يشير إليه اقترانه بسقوط الجماعة و الأذان و الإقامة عنها مع مشروعيتها في شأنها و رجحان الإتيان بها في الجملة إلا أنها لا تأكّد لها بالنسبة إليها.

ثالثها: أنه يستحب في العيادة امور:

منها: تخفيف الجلوس عنده إلا أن تحبّ ذلك و يريده و يسأله ذلك (5)، و عن الصادق (عليه السلام):

«تمام العيادة أن تضع يدك على ذراعه و تعجّل القيام من عنده، فإن عيادة النوكى أشدّ على

____________

(1) الخصال: 511.

(2) دعائم الإسلام 1/ 218.

(3) الخصال: 585، و فيه: «الجنائز».

(4) في (د): «و».

(5) ليس في (د): «و يريده و يسأله ذلك».

383

المريض من وجعه» (1).

و منها: أن يضع العائد إحدى يديه على الأخرى أو على جبهته (2). و يحتمل أن يكون الوجه فيه إظهار التحزن عليه كما هو الشائع في وضع اليد على الجبهة، فقد يحمل ذلك إذن على المثال.

و منها: أن يضع العائد يده على ذراع المريض أو عليه مطلقا. و قد تقدم ذكر ذلك في الرواية المتقدمة.

و عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده عليه و يسأله:

كيف هو؟ كيف أصبحت و كيف أمسيت؟ و تمام تحيتكم المصافحة» (3).

و منها: أن يدعو للمريض، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «من دخل على مريض فقال: أسأل اللّه العظيم ربّ العرش العظيم أن يشفيك- سبع مرات- شفي ما لم يحضر أجله» (4).

و عن سلمان قال: دخل عليّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يعودني و أنا مريض. فقال: «كشف اللّه ضرّك و عظّم أجرك و عافاك في دينك و جسدك إلى مدة أجلك» (5).

و عن علي (عليه السلام): كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا دخل على مريض قال: «اذهب البأس ربّ الناس و اشف أنت الشافي و لا شافي إلا أنت» (6).

و عن الصادق (عليه السلام) أنه عاد مريضا فقال له: «نسأل (7) اللّه العافية و لا أنساك الشكر

____________

(1) الكافي 3/ 118، باب في كم يعاد المريض و قدر ما يجلس عنده و تمام العيادة، ح 4.

(2) زيادة في (د): «فعن علي (عليه السلام) ان من تمام العيادة أن يضع العائد احدى يديه على الأخرى أو على جبهته».

(3) مكارم الأخلاق: 360.

(4) الدعوات: 223؛ بحار الأنوار 78/ 224، باب ثواب عيادة المريض، ح 32.

(5) الأمالي، الشيخ الطوسي: 632.

(6) بحار الأنوار 78/ 222، باب ثواب عيادة المريض، ح 24.

(7) في (ألف): «فسأل».

384

عليها» (1).

و عن أحدهما (عليهما السلام): «إذا دخلت على مريض فقل: اعيذك باللّه العظيم ربّ العرش العظيم من كلّ عرق فعار و من شرّ حرّ النار- سبع مرات-» (2).

و منها: دعاء المريض للعائد. فعن الصادق (عليه السلام): «من عاد مريضا في اللّه لم يسأل المريض للعائد شيئا إلا استجاب اللّه له» (3).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «عودوا مرضاكم و اسألوهم الدعاء، فإنه يعدل دعاء الملائكة» (4).

و ربما يفيد استجابة دعاء المريض للعائد و لغيره.

و منها: تكرار العيادة مع بقاء المرض. فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «العيادة ثلاثة و التعزية مرة» (5).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «اغبوا في العيادة و اربعوا إلا أن يكون مغلوبا» (6).

و كأن المراد بالغب في العيادة أن يعوده يوما دون يوم و بالربع أن يعوده يوما دون أربع (7).

و عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «العيادة بعد ثلاثة أيام» (8).

(و كأنّ المراد أنّه يعاد المريض بعد ثلاثة أيّام من مرضه أو يراد به وقوع العيادة كلّ مرّة بعد ثلاثة أيّام) (9).

____________

(1) الأمالي، للشيخ الطوسي: 632 و فيه: «أنساك اللّه العافية».

(2) بحار الأنوار 92/ 34، باب عوذة الحمى و أنواعها، ح 17.

(3) ثواب الاعمال: 194.

(4) وسائل الشيعة 2/ 421، باب استحباب التماس العائد دعاء المريض، ح 5.

(5) مكارم الأخلاق: 361.

(6) الأمالي، للشيخ الطوسي: 639.

(7) ليس في (د): «أربع».

(8) دعائم الإسلام 1/ 218.

(9) الزيادة بين الهلالين غير مذكورة في (ألف).

385

و عن الصادق (عليه السلام): «لا يكون عيادة أقل من ثلاثة أيام فإذا وجبت فيوم و يوم لا و يومين لا، و إذا طالت المرض ترك المريض و عياله» (1).

و يحتمل أن يراد من الفقرة الأولى أنه لا عيادة قبل مضي ثلاثة أيام من المرض، فيوافق الرواية المتقدمة بالتفسير الأول، و أن يراد به أن أقلّ العيادة أن يعوده ثلاثة أيام، و بعد ذلك يعوده غبا يوما (2) دون يومين أو أن أقلّ العيادة أن يعوده في كل عشرة أيام، فيوافق الرواية السابقة بالتفسير الأخير.

و منها: ترك العيادة مع طول المرض، فيترك المريض مع عياله كما في الفقرة الأخيرة من الرواية المتقدمة.

و كأنّ المراد به ترك العيادة حينئذ بعد الإتيان بها على الوجه المتقدم، فلو لم يعده من أول الأمر إما لمانع كغيبة (3) و نحوها أو لا لمانع، فلا يظهر من الرواية سقوط العيادة (و يحتمل الإطلاق.

و كيف كان، فكأن المراد به طول المرض خارجا عن المعتاد و سقوط العيادة) (4) حينئذ إما على سبيل الرخصة فالساقط إذن تأكد الاستحباب، أو مطلقا مع كون الساقط حينئذ مطلق العيادة بالمرة، أو خصوص وقوعها على النحو المقدم دون عيادته أحيانا.

و منها: أن يرجّيه في العافية، فعنه (عليه السلام): «إذا دخلتم على المريض فنفّسوا له في الأجل فإن ذلك لا يرد شيئا و هو يطيب النفس» (5).

و منها: أن لا يأكل عنده، فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال: «نهى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يأكل العائد عند العليل، فيحبط اللّه أجر عيادته» (6).

____________

(1) مكارم الأخلاق: 360، و فيه: «إذا طالت العلة».

(2) في (د): «و يوما».

(3) في (د): «كغيبته».

(4) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(5) بحار الأنوار 78/ 225، باب ثواب عيادة المريض، ح 33.

(6) دعائم الإسلام 1/ 218.

386

و منها: أن يهدي العائد إليه شيئا من تفاحة أو سفرجلة أو قطعة من عود و نحو ذلك، فعن مولى الصادق (عليه السلام) قال: «مرض بعض مواليه فخرجنا نعوده و نحن عدة من مواليه فاستقبلنا (عليه السلام) في بعض الطريق فقال: «أين تريدون؟» فقلنا: نريد فلانا نعوده. قال:

«قفوا». فوقفنا. قال: «مع أحدكم تفاحة أو سفرجلة أو أترجة أو لعقة من طيب أو قطعة من عود بخور؟» فقلنا: ما معنا من هذا شيء. قال: «أما علمتم أن المريض يستريح إلى كل ما ادخل به عليه؟» (1).

____________

(1) مكارم الأخلاق: 361.

387

تبصرة [في الوصية]

نصّ جماعة من الأصحاب من غير ظهور خلاف فيه بوجوب الوصية بالحقوق الواجبة عليه سواء كانت للّه أو للناس.

و قد ورد في المستفيضة أن «الوصية حقّ على كل مسلم» (1).

و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «ما ينبغي (2) لامرئ مسلم أن يبيت إلا و وصيته تحت رأسه» (3).

و عنه (عليه السلام): «من مات بغير وصية مات ميتة الجاهلية» (4).

و الذي يقتضيه التأمل في الأدلة أن يقال: إن الحق الذي عليه إن كان مضيقا يمكن أداؤه حالّا وجب عليه ذلك، فلا باعث في تأخيره و إن كان موسّعا تخيّر بين تنجيزه و الإيصاء به.

و لا ريب في وجوب الإيصاء عند التأخير مع ظنّ الفوت بل مع خوفه.

و أما مع ظنّ السلامة فالظاهر عدم الوجوب؛ للأصل و السيرة الجارية، و كذا في الحقّ المضيّق مع عدم تمكنه من الأداء معجّلا إذا أمكن تفريق ذمّته بعد ذلك.

ثم إن مجرد الإيصاء غير كاف في ذلك، بل لا بدّ من الإيصاء به على وجه يحكم به شرعا، فلا بدّ من الإشهاد عليه؛ إذ مجرد الوصية مع عدم الثبوت ... (5)

____________

(1) الكافي 7/ 3، باب الإشهاد على الوصية ح 4.

(2) في (ألف): «ما لا ينبغي».

(3) مكارم الأخلاق: 362.

(4) روضة الواعظين: 482.

(5) كذا، و العبارة ناقصة.

388

نعم، إذا علم تمكن الوصيّ من إنجازه مع عدمه اكتفى به، و الظاهر أن القدر الواجب من ذلك هو الإعلام بالحال على وجه يثبت شرعا حسب ما ذكرنا حيث يؤدّى عنه بعد وفاته.

و لا يبعد صدق الوصية في المقام على ذلك، و إن لم يأمر أحدا بمباشرة ذلك، بل و لو لم يصرّح بدفع ذلك عنه (1).

و حينئذ فلا يدخل ذلك في (2) عنوان الوصية المعروفة، و مع ظنّه عدم إمضاء وصيّته بعد موته، فإن أمكنه أداء الحق في حياته تعيّن عليه ذلك، و إلّا ففي وجوب الوصية حينئذ و جهان كان أوجههما الوجوب إلا مع القطع عادة بعدم ترتب ثمرة عليه.

و في وجوب الوصية بالحقوق الغير المالية مما لا يجب ذلك في ماله بدون الوصية كقضاء العبادات إذا لم يكن هناك من يجب القضاء عنه، أو كان و علم عدم الإتيان به ففي وجوبه و جهان.

و ظاهر القاعدة يقضي بالوجوب.

و الذي يتلخّص مما ذكرناه هو وجوب الوصية بكل حقّ واجب عليه قصّر في أدائه أولا إذا لم يتمكن من أدائه في الحال، أو لم يجب عليه حينئذ أداؤه، و كان في ترك الوصية به خوف ضياع الحق، فيجب عليه الإيصاء به، فإن كان مما يكتفي مجرد الثبوت في الإتيان به كاستيجار الحج أو دفع الزكاة أو الخمس أو سائر الحقوق المالية كفى الإعلام بالحال على حسبما مرّ.

و إن توقّف الإتيان عليه أمره (3) بذلك كغير الحقوق المالية مما ثبت في ذمّته فلا يبعد القول بوجوب الوصية بتحصيل تفريغ ذمّته منه، و لو ببذل المال.

ثم إنّ الوصية في نفسها من السنن الأكيدة سيّما في حال المرض، قد أوصى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام). و في الإطلاقات المتقدمة أقوى دلالة عليه.

____________

(1) في (ألف) هنا زيادة: «و إن لم يأمر أحدا بمباشرة ذلك».

(2) ليس في (د): «في».

(3) في (د): «الإتيان به على أمره».

389

و قد ورد في غير واحد من الأخبار أن «الوصية تمام ما نقص من الزكاة» (1).

و كأنّ المراد به نظير ما ورد من أن «النافلة الراتبة تمام ما نقص من صلاة الفريضة» (2) و أنّ «غسل الجمعة تمام ما نقص من الوضوء» (3).

و يظهر من بعض المحدّثين أن المراد بذلك وجوب الوصية بما بقي من الزكاة.

و هو كما ترى.

و في مرفوعة محمد بن يحيى، عنهم (عليهم السلام) قال: «من أوصى الثلث احتسب له من زكاته» (4).

و كأن المراد به ثبوت أجر الزكاة فيه إذا كانت وصية في المصارف الراجحة و وجوه البرّ سيّما إذا كان أوصى به للفقراء و المساكين.

و أما قيام ذلك مقام الزكاة حقيقة كما هو الظاهر منها فالظاهر أنه لا (5) قائل به.

و روي عن بعض الأئمة (عليهم السلام) أنه قال: «إن اللّه تبارك و تعالى يقول: يا بن آدم! تطولت عليك بثلاث: سترت عليك ما لو يعلم به أهلك ما واروك، و أوسعت عليك فاستقرضت منك فلم تقدّم خيرا، و جعلت لك نظرة عند موتك في ثلثك فلم تقدّم خيرا» (6).

و عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه (عليه السلام) قال: «من أحب أن يوصي (7) عند موته لذوي قرابته ممن لا يرثه فقد ضمّ عمله بمعصية» (8).

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 4/ 182، باب في أن الوصية تمام ما نقص من الزكاة ح 5413.

(2) لم نعثر عليه و إنما وجدناه في علل الشرائع 2/ 328 عثمان بن عبد الملك عن أبي بكر قال: لي أبو جعفر (ع): «أ تدري لأي شيء وضع التطوع؟ ... إلى أن قال: لأنه إن كان في الفريضة نقصان قضيت النافلة على الفريضة حتى تتم ...».

(3) انظر علل الشرائع 1/ 285، باب علة وجوب غسل يوم الجمعة ح 1.

(4) وسائل الشيعة 19/ 260، باب وجوب الوصية بما بقي في الذمة من الزكاة، ح 3 و فيه: «بالثلث».

(5) في (د): «مما لا».

(6) الخصال: 136.

(7) في (د): «من لم يوص».

(8) من لا يحضره الفقيه 4/ 183.

390

و يستحب أن يحسن وصيته عند الموت، ففي وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): «يا علي! من لم يحسن وصيّته عند موته كان نقصا في مروته و لم يملك الشفاعة» (1).

و عن الصادق (عليه السلام): «من لم يحسن عند الموت وصيته كان نقصا في مروته و عقله» (2).

و عنه، عن أبيه (عليهما السلام)، عن أبيه (عليه السلام)، قال: قال (عليه السلام): «من أوصى و لم يحف و لم يضار كان كمن تصدّق به في حياته» (3).

و عنه (عليه السلام): «إن أجّلت في عمرك يومين فاجعل أحدهما لأدبك لتستعين به على يوم موتك» قيل له: و ما تلك الاستعانة؟ قال: «تحسن تدبير ما تخلف و تحكمه» (4) (5).

و عنه (عليه السلام) أيضا قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «من لم يحسن وصيته عند الموت كان نقصا في مروته و عقله». قيل: يا رسول اللّه! كيف يوصي الميّت إذا حضرته وفاته و اجتمع الناس إليه؟

قال: «اللّهم فاطر السماوات و الأرض عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم، اللهم إني أعهد إليك في دار الدنيا أني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك و أن محمدا عبدك و رسولك، و أن الجنة حق و النار حق، و أن البعث حق و الحساب حق، و الميزان حق، و أن الدين كما وصفت، و أن الإسلام كما شرعت، و أن القول كما حدّثت، و أن القرآن كما أنزلت، و أنك أنت اللّه الحق المبين، جزى اللّه محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) خير الجزاء خصّ (6) محمد [ا] و آل محمد بالسلام، اللهم يا عدتي عند كربتي و صاحبي عند شدّتي و يا ولييّ عند (7) نعمتى، إلهى و إله آبائى لا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدا، فإنك إن وكلتني إلى نفسي أقرب من الشر و أبعد من الخير، و آنس في القبر وحشتي، و اجعل لي عهدا يوم القاك منشورا.

____________

(1) وسائل الشيعة 19/ 266، باب استحباب حسن الوصية عند الموت، ح 2.

(2) تهذيب الأحكام 9/ 174.

(3) الكافي 7/ 62، باب النوادر، ح 18.

(4) في (د): «و بحكمه».

(5) الكافي 8/ 150.

(6) في (د): «حيّى».

(7) ليس في (د): «عند».

391

ثم يوصى بحاجته، و تصديق هذه الوصية في القرآن في السورة التي يذكر فيها مريم في قوله عزّ و جلّ: لٰا يَمْلِكُونَ الشَّفٰاعَةَ إِلّٰا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمٰنِ عَهْداً (1)، فهذا عهد الميت و الوصية حق على كل مسلم أن يحفظ هذه الوصية و يعلمها.

قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «علّمنيها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): علّمنيها جبرئيل (عليه السلام)، و قال النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لعلي (عليه السلام): تعلّمها أنت و علّمها أهل بيتك و شيعتك» (2).

____________

(1) مريم: 87.

(2) الكافي 7/ 2، باب الوصية و ما أمر بها، ح 1 مع اختلاف يسير.

392

تبصرة [في التوبة و الإنابة]

و يجب عليه التوبة من جميع الذنوب و الآثام، فإن التوبة هادم لجميع الذنوب، و هي من الواجبات الفورية سيّما في حال المرض. فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه يقبل توبة عبده ما لم يغرغر توبوا إلى ربّكم قبل أن تموتوا، و بادروا بالأعمال الزكية قبل أن تشتغلوا، و صلوا الذي بينكم و بينه بكثرة ذكركم إياه» (1).

و عنه (عليه السلام): «من تاب قبل موته بسنة قبل اللّه توبته». ثم قال: «إن السنة لكثير، من مات قبل موته بشهر قبل اللّه توبته». ثم قال: «إن الشهر لكثير، من تاب قبل موته بجمعة قبل اللّه توبته». ثم قال: «إن يوما لكثير» من تاب قبل أن يعاين قبل اللّه توبته» (2).

و يستحب حسن الظن باللّه سيّما عند الموت. فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «لا يموتن أحدكم حتى يحسن ظنه باللّه عزّ و جلّ، فإن حسن الظن باللّه ثمن الجنة» (3).

و في الصحيح، عن مولانا الرضا (عليه السلام): «أحسن الظنّ باللّه فإن أبا عبد اللّه (عليه السلام) كان يقول:

من حسن ظنه باللّه كان اللّه عند ظنه به» (4).

و عن الباقر (عليه السلام) قال: «وجدنا في كتاب علي (عليه السلام) إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال على منبره:

و الذي لا إله الّا هو ما أعطي مؤمن قط خير الدنيا و الآخرة إلا بحسن الظن باللّه و رجائه و حسن خلقه و الكف عن اغتياب المؤمنين ..» إلى أن قال (عليه السلام): «و الذي لا إله إلا هو لا يحسن

____________

(1) الدعوات: 237.

(2) وسائل الشيعة 16/ 87، باب صحة التوبة في آخر العمر، ح 3.

(3) وسائل الشيعة 2/ 448، باب استحباب حسن الظن باللّه عند الموت، ح 2.

(4) الكافي 8/ 347.

393

ظنّ عبد مؤمن إلا كان اللّه عند ظنّ عبده المؤمن لأنه (1) كريم بيده الخير و (2) يستحيي أن يكون عبده المؤمن قد أحسن به الظنّ ثم يخلفه ظنّه و رجاه فأحسنوا باللّه الظنّ و ارغبوا إليه» (3).

و روى الصدوق بإسناده، عن مولانا العسكري (عليه السلام)، عن آبائه (عليهم السلام) قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن بعض أهل مجلسه فقيل: عليل، فقصده عائدا و جلس عند رأسه فوجده دنفا. قال: «أحسن ظنّك باللّه فقال: أما ظني باللّه فحسن ..» (4) الخبر.

و روى ابن فهد مرسلا عنهم (عليهم السلام) أنه: «ينبغي في حالة المرض خصوصا مرض الموت أن يزيد الرجاء على الخوف» (5).

و عدّ بعض الأصحاب حسن الظن باللّه من الواجبات؛ نظرا إلى بعض الأخبار المذكورة و غيرها.

و هو محلّ تأمّل.

و دلالة الأخبار المذكورة على الوجوب غير ظاهرة.

نعم، اليأس من رحمة اللّه من أعظم الكبائر، و هو أمر آخر.

و يستحبّ إكثار ذكر الموت و الاستعداد له بالأعمال الصالحة، و قصر الأمل في الدنيا الفانية، و الرغبة في الآخرة الباقية و في رضوان ربّ العالمين و مرافقة الأنبياء و المرسلين و الأوصياء المرضيين و الملائكة المقرّبين و عباد اللّه الصالحين.

فعن الباقر (عليه السلام) قال: «سئل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أىّ المؤمنين أكيس؟ قال: أكثرهم ذكرا للموت و أشدهم له استعدادا» (6) (7). و قال (صلّى اللّه عليه و آله): «أكثروا من ذكر هادم اللذات ما ذكر في كثير

____________

(1) في (د): «لأن اللّه».

(2) ليس في (د): «و».

(3) الكافي 2/ 72، باب حسن الظن باللّه عز و جل ح 2 و فيه: «قال- و هو على منبره-: و الذي ..».

(4) عيون أخبار الرضا 1/ 7.

(5) عدة الداعي: 28، بحار الأنوار 78/ 242، باب آداب الاحتضار و احكامه، ح 27.

(6) في (د): «استعدادا».

(7) الكافي 3/ 258، باب النوادر، ح 27.

394

إلّا قلّله و لا في قليل إلّا كثّره» (1).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «استحيوا من اللّه حقّ الحياء» (2). فقيل يا رسول اللّه! كيف (3) نستحيي من اللّه حق الحياء؟ فقال: «من حفظ الرأس و ما حوى و البطن و ما وعى و ترك زينة الحياة الدنيا و ذكر الموت و البلاء فقد استحى من اللّه حق الحياء» (4).

و قال علي (عليه السلام): «ما أنزل الموت حق منزلته من عدّ غدا من أجله» (5).

و عن الصادق (عليه السلام): «من عدّ غدا من أجله فقد (6) أساء صحبة الموت» (7).

[و] عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل» (8).

و عن الباقر (عليه السلام): «أكثر ذكر الموت، فإنه لم يكثر ذكر الموت أحدا (9) إلا زهد في الدنيا» (10).

____________

(1) كنز العمال 15/ 542، و فيه: «هادم اللذات فإنه لا يكون في كثير الا قلله و لا في قليل إلّا أجزأه».

(2) قرب الإسناد: 23.

(3) في (د): «و كيف».

(4) روضة الواعظين: 460 باختلاف.

(5) الكافي 3/ 259، باب النوادر، ح 30.

(6) في (ألف): «فقه».

(7) من لا يحضره الفقيه 1/ 139.

(8) الكافي 3/ 259، باب النوادر، ح 30.

(9) في (د): «أحد».

(10) الكافي 2/ 131، باب ذم الدنيا و الزهد فيها، ح 13 و فيه: «لم يكثر إنسان ذكر الموت إلّا زهد في الدنيا».

395

تبصرة [في توجيه المؤمن إلى القبلة حال الاحتضار]

يجب توجيهه إلى القبلة حال السوق يعني حال الاحتضار- أعاننا اللّه عليه و ثبّتنا اللّه بالقول الثابت لديه- عند جماعة من الأصحاب منهم المفيد (1) و الشيخ في النهاية (2) و الديلمي و القاضي (3) و الطوسي (4) و الحلّي (5) و المحقق في الشرائع (6) و العلامة (7) في بعض كتبه. و اختاره القطيفي و جماعة من المتأخرين.

و في الهادي إلى الرشاد: أن الفتوى على الوجوب؛ لأنه سنّة للمسلمين مستمرة بين الصحابة و التابعين. و ظاهرها الوجوب.

و في البحار (8) و الحدائق (9): إنه المشهور بين الأصحاب.

و في الذكرى (10): إنه الأشهر خبرا و فتوى. و نصّ على الشهرة بعد ذلك.

و عزاه الفاضل التستري إلى أكثر الأصحاب.

____________

(1) المقنعة: 95.

(2) النهاية: 62.

(3) المهذب 1/ 53.

(4) الوسيلة: 62.

(5) انظر السرائر 1/ 158.

(6) شرائع الإسلام 1/ 29.

(7) تحرير الأحكام 1/ 113.

(8) بحار الأنوار 78/ 231.

(9) الحدائق الناضرة 3/ 352.

(10) الذكرى: 37.

396

و قوّى القول بالاستحباب كما هو واضح مختار الشيخ في الخلاف (1)، و ظاهر المبسوط (2)، و المحقق في المعتبر (3)، و جماعة من المتأخرين منهم السيد في المدارك (4) و صاحب الذخيرة (5) و كشف اللثام (6).

و أسنده في التذكرة (7) إلى الباقين (8) بعد إسناد الوجوب إلى المفيد و الديلمي. و ظاهر العلامة في التذكرة و القواعد (9) التوقف في المسألة حيث ذكر القولين من غير ترجيح.

و يدلّ على المختار ما رواه الصدوق في الفقيه (10) مرسلا، و في العلل (11) مسندا عن علي (عليه السلام) قال: «دخل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) على رجل من ولد عبد المطلب، فإذا هو في السوق و قد وجّه إلى غير القبلة، فقال: وجّهوه إلى القبلة، فإنكم إذا فعلتم ذلك أقبلت عليه الملائكة و أقبل اللّه عليه بوجهه، فلم يزل كذلك حتى يقبض».

و رواه في الدعائم (12) عنه (عليه السلام).

و هذه الرواية أوضح روايات الباب دلالة. و ظاهر الصدوق اعتماده عليها حيث ذكره في عدّة من كتبه سيّما الفقيه مع ضمانه صحة جميع ما فيه.

و قد يناقش في دلالته بأن ظاهر التعليل يومي إلى إرادة الاستحباب مع ما هو ظاهر من

____________

(1) الخلاف 1/ 101.

(2) المبسوط 1/ 174.

(3) المعتبر 1/ 258.

(4) مدارك الأحكام 2/ 54.

(5) ذخيرة المعاد 1/ 80.

(6) كشف اللثام 2/ 201.

(7) تذكرة الفقهاء 1/ 337.

(8) في (د): «الماضين».

(9) قواعد الأحكام 1/ 222.

(10) من لا يحضره الفقيه 1/ 133.

(11) علل الشرائع 1/ 297.

(12) دعائم الإسلام 1/ 219.

397

كثرة استعمال الأمر في الاستحباب.

و وهنه ظاهر.

و ربما قيل: إنه قضية في واقعة، فلا يعمّ.

و هو أيضا كما ترى.

و رواية معاوية بن عمار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الميّت؟ قال: «استقبل بباطن قدميه القبلة» (1).

و ظاهر الأمر الوجوب، و الظاهر حمل الميت على المشرف بالموت (2)؛ إذ هو مجاز شائع، بل قضية ما ذكره جماعة من أهل اللغة أن الميّت- بالتشديد- الذي لم يمت بعد، و بالتخفيف من فارقه الروح.

و حينئذ فلا حاجة إلى التأويل في الخبر المذكور و غيره.

مضافا إلى [أنّ] حال الاحتضار هو الزمان المعهود لاستقبال الميت، و مراعاة الاستقبال أهمّ (3) بالنسبة إليه، فحمل الرواية عليه هو الأولى من البناء على تركه و ذكر غيره.

و صحيحة سليمان بن خالد قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا مات لأحدكم ميت فسجوه (4) تجاه القبلة، و كذلك إذا غسل يحضر له موضع المغتسل تجاه القبلة، فيكون مستقبل باطن قدميه و وجهه إلى القبلة» (5).

و هذه الرواية أصحّ ما في الباب سندا إلا أن دلالتها على المدّعى محل مناقشة؛ لظهورها في استقباله القبلة بعد الموت، و هو غير المدّعى.

و قد يقال: إن المراد بالموت الإشراف عليه كما هو شائع في الاستعمالات حسب ما أشرنا

____________

(1) الكافي 3/ 127، باب توجيه الميت إلى القبلة، ح 2.

(2) في (د): «للموت».

(3) في (ب): «أعم».

(4) في (د): «فسبحوه».

(5) الكافي 3/ 127، باب توجيه الميت إلى القبلة، ح 3 و فيه: إذا غسل يحفر له موضع المغتسل تجاه القبلة فيكون مستقبلا بباطن قدميه ...».

398

إليه.

و يشكل بأنه مجاز لا يصار إليه إلا مع قيام القرينة عليه، و هي منتفية في المقام، بل ذكر السجية يومي إلى كونه بعد الموت لاستحبابها حينئذ كما يأتى إن شاء اللّه.

و يمكن أن يقال: إنه لو حمل على ذلك لكان الاستقبال حينئذ واجبا بعد موته، و لا قائل بوجوبه (كذلك. نعم، بعض من يقول بوجوبه حين الاحتضار يقول بوجوبه بعده، ففيها إذن دلالة على وجوبه) (1) حين الاحتضار بالالتزام.

و قد يحمل الأمر (2) على الندب إلا أنه يبعده- مع خروجه عن ظاهر اللفظ- أنها تفيد إذن انتفاء استحبابه حال الموت؛ لاشتراط استحباب الاستقبال بتحقق الموت. و يجري ذلك بناء على حمله على الوجوب أيضا، فيترجّح بذلك حمل الرواية على الوجه المتقدم.

مضافا إلى ما أشرنا إليه من كون بيان ذلك لحال الاحتضار أهمّ فبعيد ترك بيانه في المقام و ذكر غيره، و يؤيد اعتضاده بفهم الجماعة و مراعاة الحائطة.

و منها: ما روي عن الصادق (عليه السلام) قال: «جرى في البرّاء ابن معرور الأنصاري ثلث من الستين منها أنه لما حضرته الوفاة كان غائبا عن المدينة فأمر أن يحول وجهه إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصى بالثلث من ماله، فنزل الكتاب بالقبلة و جرت السنّة بالثلث ..» (3) الخبر.

و ربما يحتج على ذلك بصحيحة (4) ذريح المحاربي، عن الصادق (عليه السلام) في حديث قال: «إذا (5) وجهت الميت للقبلة فاستقبل بوجهه القبلة و لا تجعله معترضا (6) كما يجعل الناس، فإني رأيت أصحابنا يفعلون و قد كان أبو بصير يأمر بالاعتراض» (7).

____________

(1) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(2) زيادة في (د): «حينئذ».

(3) الكافي 3/ 255، باب النوادر، ح 16 مع اختلاف.

(4) في (د): «بصحيحة».

(5) في (ألف): «إذا قال».

(6) في (د): «معرضا».

(7) تهذيب الأحكام 1/ 465.

399

و الاعتراض المتقدم جار في المقام، مضافا إلى عدم دلالته على وجوب الاستقبال و إنما يفيد كيفيّته.

و قد يقال: إنّ المستفاد منها مطلوبية الاستقبال في الجملة، و هو ظاهر في الوجوب حتى يثبت الإذن في الترك.

و هو كما ترى.

و في قوله: «و لا تجعله معترضا كما تجعله (1) الناس» إشارة إلى أن ذلك في حال الاحتضار، فإنهم يوجّهون الميت حال احتضاره على الوجه المذكور.

و رواية ابراهيم الشعيري، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال في توجيه الميت: «يستقبل بوجهه القبلة و يجعل قدميه مما يلي القبلة» (2).

و هي أيضا واردة في بيان كيفية التوجيه لا حكمه؛ لكنّها لا تخلو من (3) تأييد لما ذكرناه.

و في الدعائم عن أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «من الفطرة أن يستقبل بالعليل القبلة إذا احتضر» (4).

حجة القول بالاستحباب الأصل، و عدم وضوح دلالة الأخبار على وجوب الاستقبال حين الاحتضار، بل إشعار بعضها بالاستحباب حسبما مرّ ذكره.

و يدفعها ما عرفت من دلالة الأخبار عليه سيّما بعد الاعتضاد بفهم الجماعة.

و ربما يورد عليها أيضا بأنه لو بني على كون مورد تلك الأخبار ما بعد الموت حسبما مرّ الكلام فيه كان الحكم في الاستحباب قبل تحقيق الموت خاليا عن الدليل، فلا وجه إذن لحكم هؤلاء بالاستحباب؛ إذ هو أيضا حكم شرعي يتوقف على قيام دليل شرعي عليه.

و فيه: أنّ الرواية الأولى قد دلّت على ثبوت الرجحان في خصوص المحتضر، و ضعفها

____________

(1) في (د): «يجعله».

(2) تهذيب الأحكام 1/ 285.

(3) في (د): «عن».

(4) دعائم الإسلام 1/ 219.

400

لا يمنع من العمل بها في مقام الاستحباب، بل و لا عند من لا يتسامح فيه لانجباره باتفاق الأصحاب؛ إذ لم نجد قائلا بعدم رجحانه سوى ما يحكى عن بعض العامة.

ثم إن كيفية الاستقبال في المقام حسب ما ذكر في الأخبار المذكورة أن يستلقى الميت على ظهره نحو القبلة و يستقبل القبلة بباطن قدميه بحيث لو جلس كان مستقبلا. و ما حكي عن أبي بصير من الأمر بالاعتراض محمول على (1) التقية منه أو ممن أمره به من الأئمة (عليهم السلام) فإنه منقول عن أبي حنيفة، و قد جعل الاستقبال في المقام على نحو الاستقبال في الدفن.

و لو لم يمكن توجيهه على النحو المذكور لقصر المكان فالظاهر استقباله على وجه الجلوس مع مدّ رجليه نحو القبلة مع الإمكان، و لو أمكن الاعتراض على نحو القبر دون غيره؛ نظرا إلى المكان الذي فيه مع عدم إمكان التحويل عنه ففي وجوب مراعاته و جهان.

و لا يبعد وجوب الاستقبال بمقاديم بدن المصلوب و نحوه مع عدم إمكان التوجيه على النحو المذكور.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على امور:

أحدها: إن المكلف بتوجيهه إلى القبلة حسبما (2) ذكروه من علم بحاله من المسلمين على سبيل الوجوب الكفائي

كغيره من أحكام الميت من التغسيل و التكفين و نحوهما، فالحال فيها كغيرها حسبما يفصّل القول فيها.

و ربما يقال باختصاص الوجوب بالولي. و سيجيء الكلام فيه إن شاء اللّه عند بيان المذكورات.

و يحتمل في المقام وجوبه على الميت مع إمكانه في شأنه، فإن ذلك إنما يراد لمصلحته، فهو أولى بتحصيل مصلحة نفسه.

____________

(1) ليس في (د): «على».

(2) زيادة: «حسبما» من (د).

401

و هو قوي جدّا إذا لم يكن هناك من يحوّله.

و على هذا لو ظنّ الوفاة و لم يكن من (1) يوجّهه إلى القبلة حين الاحتضار احتمل القول بوجوب الاستقبال عليه قبله من باب المقدمة إذا (2) ظنّ عدم قدرته على التحويل في تلك الحال. و يشكل بأنه لا وجه لوجوب المقدمة عليه قبل ذيها إلا أن يقال بأن الاحتضار وقت للاستقبال لا لوجوبه.

و فيه تأمل.

ثانيها: إنه هل ينتهي الوجوب بحصول الموت أو إنه (3) يجب دوام الاستقبال مهما أمكن؟

قولان، فظاهر كلامهم من الحكم بوجوب استقبال (4) المحتضر اختصاص الوجوب بتلك الحال.

و في الذكرى (5) أن ظاهر الأخبار سقوط الاستقبال بالموت، قال (6): و في بعضها احتمال دوام الاستقبال، و ينبّه عليه ذكره حال الغسل و وجوبه حال الصلاة و الدفن.

و أورد عليه في المدارك (7) بأنه لم يقف على ما ذكره من الأخبار، قال شيخه (8) (قدّس سرّه):

و الظاهر البقاء على تلك الحال حتى ينتقل إلى المغتسل و يراعي هناك أيضا كذلك إلا أنه يكون حين خروج الروح فقط؛ لأن ظاهر الأخبار بعد الموت.

و أنت خبير بأنه لو حمل الميت في الأخبار المذكورة على المشرف على الموت إما لكونه حقيقة فيه بخصوصه كما أشرنا إليه، أو من باب مجاز المشارفة كان مفاد الروايات المذكورة

____________

(1) زيادة: «من» من (د).

(2) في (د): «و إذا».

(3) في (ب): «و إنه».

(4) في (ألف): «الاستقبال».

(5) الذكرى: 37.

(6) زيادة: «قال» من (د).

(7) مدارك الأحكام 2/ 54.

(8) انظر: مجمع الفائدة 1/ 173.

402

اختصاص الوجوب بتلك الحال، فلا دلالة فيها على وجوب الاستقبال في غيرها، بل ربما يشعر ظواهرها على انتفاء الوجوب بانتفاء الموضوع حسبما ذكره الشهيد (قدّس سرّه).

بل قيل: إن ما في رواية الصدوق من قوله «فلم يزل كذلك (حتى يقبض» صريح في السقوط.

و فيه: أن الظاهر أن المراد من قوله «فلم يزل كذلك») (1) لم يزل اللّه مقبلا عليه بوجهه و الملائكة مقبلة عليه حتى يقبض؛ و لا يراد به بقاؤه مستقبلا حتى يقبض؛ ليقيّد بمفهوم الغاية ارتفاع حكم الاستقبال بالقبض.

نعم، ربما يكون في التعليل المذكور إشعار بارتفاع الحكم، و ربّما يستدلّ على بقاء الحكم بالاستصحاب، و هو أيضا مشكل؛ لتوقيت الحكم بتلك الحال بناء على الحمل المذكور.

و كيف كان، فالقول بوجوب البقاء على الاستقبال محلّ تأمل، و كأنّ الأظهر عدمه؛ أخذا بالأصل في غيره مورد الدليل.

مضافا إلى ظاهر التعليل المذكور و غيره، و لا بأس بالبناء على الاستحباب.

ثم بناء على استمرار الحكم إما وجوبا أو ندبا فإنما يجري ذلك إلى حين الغسل، أما بعده فيجعل على نحو حال الصلاة. و عن مولانا الرضا (عليه السلام): «فإذا طهر يوضع كما يوضع في قبره» (2).

و الظاهر أن المراد التشبيه في وضعه معترضا دون الإضجاع (3) على الأيمن.

ثالثها: إن الواجب هنا استقبال العين للقريب و الجهة للبعيد على ما هو الحال في الصلاة،

فلو جهلت وجب تحصيله مع الإمكان، فإن لم يتمكن من العلم فالظاهر قيام الظنّ مقامه، فإن لم يتمكن منه أيضا سقط الوجوب.

____________

(1) ما بين الهلالين وردت في (د) فقط.

(2) تهذيب الأحكام 1/ 298، و فيه: «وضع كما يوضع».

(3) في (ألف): «الاحتجاج».

403

و لا يجب استقبال الجهات الأربع. و احتمله في الذكرى (1).

و كأنّه من جهة إلحاقه بالصلاة بناء على المشهور من وجوب الصلاة إلى الجوانب الأربع.

و هو ضعيف، و الفرق بين الأمرين واضح.

و لو علم حينئذ خروج القبلة عن بعض الجهات و دارت بين جهتين أو جهات فهل يسقط مراعاة الاستقبال مطلقا أو يتعيّن توجّهه نحو الجهات المشكوكة؟ و جهان، أحوطهما الأخير.

رابعها: لا فرق في الحكم المذكور بين الذكر و الأنثى، و الصغير و الكبير؛

لإطلاق (2) معظم الأخبار و ظاهر كلمات الأصحاب.

و في شموله للسقط إذا كان فيه حياة و جهان، و هو إنما يثبت لأهل الإيمان.

و في جريان الحكم في المسلم المخالف و جهان.

و قد يبنى ذلك على وجوب غسله و كفنه و دفنه، فإن قلنا بالوجوب جرى فيه، و إلّا فلا.

و يمكن القول بعدم وجوبه. و لو قلنا بوجوبها نظرا إلى أنّ (3) مذهبهم عدم الوجوب فيعاملون بما عاملوا به أنفسهم كما ورد في الحديث.

و أما الكافر فظاهر (4) عدم جريان الحكم فيه سواء كان مشخصا (5) منتحلا للإسلام أو لا.

و أطفال الكفار (و المخالفين ملحوقون بآبائهم إلّا أن يلحقوا المسلمين كالمسبي عن أولاد الكفار) (6) و في جريان الحكم في أولاد المخالفين إذا انقطعوا عن آبائهم بالسبي أو غيره و تبعوا المؤمنين وجهان.

خامسها: إنما يحكم بوجوب الاستقبال بعد تحقيق كونها حال الاحتضار،

و أما مع ظنّه

____________

(1) الذكرى 1/ 295.

(2) في (ألف): «إطلاق».

(3) زيادة: «أن» من (د).

(4) كذا، و الظاهر: «فالظاهر».

(5) ليس في (د): «مشخصا».

(6) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

404

ففي الحكم بالوجوب إشكال.

و لا يبعد القول به؛ إذ الغالب في مثل ذلك حصول الظنّ.

و هل يجب الاستقبال بالسكون و نحوه إلى علم موته؟ لا يجب؛ لعدم ثبوت كونه حال الاحتضار، فقد يكون ميتا و قد لا يموت، إشكال.

و لا يبعد القول مع دوران الأمر بين كونه ميتا أو في شرف الموت استصحابا لحياته.

و هل يجري الحكم في أبعاض الميت؟ الظاهر ذلك، فلو قطعت رأسه لوحظ القبلة في كل من الرأس و الجسد و لو كان حيا (1) و قطع رجله لم يجر فيه الحكم؛ لدوران الحكم مدار موت الشخص دون موت العضو.

سادسها (2): يستحب أن يقرأ سورة يس،

فعن الصادق (عليه السلام): «من قرأ يس و مات في يومه أدخله اللّه الجنة و حضر غسله ثلاثون ألف ملك يستغفرون له و يشيّعونه إلى قبره بالاستغفار له، فإذا دخل (3) في لحده كانوا في جوف قبره يعبدون اللّه، و ثواب عبادتهم له، و فسح له في قبره مدّ بصره، و اومن من ضغطة القبر».

و أن يقرأ عنده (4) السورة المباركة، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «يا علي! اقرأ يس فإن في قراءة يس عشر بركات ..» إلى أن قال: «و لا قرأت عند ميت إلا خففت عنه تلك الساعة» (5).

فإن قرأ الميّت بالتشديد أمكن الاستدلال به حسبما مرّ على استحباب قراءته حين الاحتضار، فيكون التخفيف بتهوّن الموت عليه.

و يحتمل ذلك لو قرأ بالتخفيف أيضا بناء على حمله على المشارف للموت أو الأعم.

و يحتمل أن يعمّ ذلك قراءته عند القبر.

____________

(1) في (ب): «ميّنا» بدل «حيّا».

(2) في (ب) و (د): «تبصرة».

(3) في (د): «أدخل».

(4) في (د) زيادة: «تلك».

(5) الدعوات: 215.