تبصرة الفقهاء - ج2

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
591 /
405

و لا يخلو (1) عن بعد.

و أن يقرأ عنده (2) الصافات، فعن سليمان الجعفري قال: رأيت أبا الحسن (عليه السلام) يقول لابنه القاسم: «قم يا بنيّ! فاقرأ عند رأس أخيك وَ الصَّافّٰاتِ صَفًّا (3) حتى تستتمّها، فقرأ فلما بلغ أَ هُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمْ مَنْ خَلَقْنٰا (4) قضى الفتى، فلما سجي و خرجوا أقبل عليه يعقوب بن جعفر فقال له: كنا نعهد الميت إذا نزل به الموت يقرأ عنده يس* وَ الْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (5) فصرت تأمرنا بالصافات؟ فقال: يا بنيّ! لم تقرأ عند مكروب من الموت إلا عجّل اللّه راحته» (6).

و أن يقرأ سورة الكافرون، فعن النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «نابذوا عند الموت». فقيل: ننابذ؟! قال:

قولوا يٰا أَيُّهَا الْكٰافِرُونَ* لٰا أَعْبُدُ مٰا تَعْبُدُونَ (7) إلى آخر السورة (8).

و روي أنه «يقرأ عند المريض و الميت آية الكرسي و يقول: اللّهم أخرجه إلى رضى منك و رضوان. اللّهم اغفر له ذنبه جلّ ثناء وجهك. ثم يقرأ آية السخرة: إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ .. (9) إلى آخره، ثم يقرأ ثلاث آيات من آخر البقرة: لِلّٰهِ مٰا فِي السَّمٰاوٰاتِ وَ مٰا فِي الْأَرْضِ (10) ثم يقرأ سورة الأحزاب» (11).

ذكر ذلك الراوندي (رحمه اللّه).

و في الدعائم، عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: «يستحب لمن حضر المنازع أن يقرأ عند رأسه

____________

(1) في (ألف): «لا يخلو» بدون الواو.

(2) في (د) زيادة: «سورة».

(3) الصافات: 1.

(4) الصافات: 11.

(5) يس: 1 و 2.

(6) الكافي 3/ 126، باب إذا عسر على الميت الموت، ح 5.

(7) الكافرون: 1 و 2.

(8) الدعوات: 249.

(9) الاعراف: 54.

(10) البقرة: 284.

(11) الدعوات: 252.

406

آية الكرسي و آيتين بعدها، و يقرأ إِنَّ رَبَّكُمُ اللّٰهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضَ (1) إلى آخر الآية، ثم ثلاث آيات من آخر البقرة، ثم تقول: اللّهم أخرجها منه إلى رضى منك و رضوان، اللهم لقّه البشرى، اللهم اغفر له ذنبه و ارحمه» (2).

و أن يلقّن كلمات الفرج، فعن الصادق (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا حضر من أهل بيته أحد الموت قال له: «قل لا إله إلا اللّه الحليم الكريم، لا إله إلا اللّه العلي العظيم، سبحان اللّه ربّ السماوات السبع و ربّ الأرضين السبع و ما فيهنّ و ما بينهنّ و ربّ العرش العظيم، و الحمد للّه ربّ العالمين، فإذا قالها المريض قال: اذهب فليس عليك بأس» (3).

و في صحيحة زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «إذا أدركت الرجل عند النزع فلقّنه كلمات الفرج» (4)، و ذكر التهليل و التسبيح و التحميد على النحو المذكور.

و في الأخبار اختلاف في كلمات الفرج زيادة و نقصانا، و الموجود في الصحيح ما ذكرنا.

و نحوه صحيحة اخرى إلا أنه أسقط فيه لفظ الجلالة في «سبحان اللّه ربّ السماوات ..»

إلى آخره.

و في مرسلة الفقيه (5) و كتاب فقه الرضا (6) (عليه السلام) و غيرها (7) زيادة: «و سلام على المرسلين» قبل التحميد.

و في بعض الروايات زيادة: «و ما تحتهنّ» بعد «و ما بينهنّ» (8).

و الكل حسن.

____________

(1) الاعراف: 54.

(2) دعائم الإسلام 1/ 219.

(3) الدعوات: 245.

(4) الكافي 3/ 123، باب تلقين الميت، ح 3.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 131.

(6) فقه الرضا (عليه السلام): 165.

(7) في (د): «غيرهما».

(8) فقه الصادق 2/ 312.

407

و أن يلقّن الشهادتين، و الإقرار بالأئمة الطاهرين (سلام اللّه عليهم أجمعين)، ففي صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام): «إذا حضرت الميت قبل أن يموت فلقّنه شهادة أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله» (1).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله): «ما من أحد يحضره الموت إلا وكّل إبليس من شياطينه من يأمره بالكفر و يشكّكه في دينه حتى نفسه، فمن كان مؤمنا لم يقدر عليه، فإذا حضرتم موتاكم فلقّنوهم شهادة أن لا إله إلا اللّه و أن محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حتى يموتوا» (2).

و عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «فلقّنوا موتاكم عند الموت شهادة أن لا إله إلا اللّه و الولاية» (3).

و قد يستفاد من بعض هذه الأخبار استحباب تكرير التلقين المذكور إلى أن يموت كما نصّ عليه بعضهم.

و أن يكون آخر كلامه «لا إله إلا اللّه»، فعن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال: لقّنوا موتاكم لا إله إلّا اللّه، فإنّ من كان آخر كلامه لا إله إلّا اللّه دخل الجنة» (4).

و أن يلقّنه هذا الدعاء: «يا من يقبل اليسير و يعفو عن الكثير اقبل منّي اليسير و اعف عنّي الكثير، إنك أنت الغفور الرحيم» (5).

و روى المفيد في مجالسه و أبو علي ابن الشيخ في المجالس، بإسناده أيضا عن سعيد بن يسار، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) حضر شابا عند وفاته فقال (6):

قل لا إله إلا اللّه. قال: فاعتقل لسانه مرارا، فقال لامرأة (7) عند رأسه: هل لهذا أمّ؟ قالت: نعم

____________

(1) الكافي 3/ 121، باب تلقين الميت ح 2.

(2) الكافي 3/ 123، باب تلقين الميت، ح 6 و فيه: «حتى يموت».

(3) الكافي 3/ 123، باب تلقين الميت، ح 5.

(4) ثواب الاعمال: 195.

(5) من لا يحضره الفقيه 1/ 132، باب غسل الميت ح 347 و فيه: «إنك أنت العفو الغفور».

(6) في (د): «فقال له».

(7) في (د): «لامرأته».

408

أنا امه. قال: أ ساخطة (1) أنت عليه؟ قالت: نعم ما كلّمته منذ ستّ حجج. قال لها: أرضي عنه.

قالت (2): رضي اللّه عنه برضاك يا رسول اللّه! فقال له رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): قل لا إله إلا اللّه. قال:

فقالها. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما ترى؟ فقال: أرى رجلا أسود قبيح المنظر وسخ الثياب منتن الريح، قد وليني الساعة يأخذ بكظمي. فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): قل .. و ذكر الدعاء. فقالها الشابّ، فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): انظر ما ترى؟ قال: أرى رجلا أبيض اللون حسن الوجه طيّب الريح حسن الثياب قد وليني و أرى الأسود قد تولّى عني. قال: أعد، فأعاد. قال: ما ترى؟ قال: لست أرى الأسود، و أرى الأبيض قد وليني. ثم طفى على تلك الحال» (3) أي مات.

و في رواية اخرى، عن الصادق (عليه السلام) قال: «حضر رجلا الموت فقال (4): يا رسول اللّه! إن فلانا قد حضره الموت. فنهض رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و معه اناس من أصحابه حتى أتاه و هو مغمى عليه. فقال: يا ملك الموت! كف عن الرجل حتى أسأله. فأفاق الرجل فقال له النبي (صلّى اللّه عليه و آله): ما رأيت؟ قال: رأيت بياضا كثيرا و سوادا كثيرا. قال: فأيهما كان أقرب؟ فقال: السواد. فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): قل: اللهم اغفر لي الكثير من معاصيك و اقبل منّي اليسير من طاعتك. فقاله ثم اغمي. فقال: يا ملك الموت! خفّف عنه أسأله فأفاق». قال: فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إذا حضرتم ميتا فقولوا له (5) هذا الكلام ليقوله» (6) (7).

____________

(1) في (د): «أ فساخطة».

(2) في (ألف) و (ب): «قال».

(3) الأمالي، المفيد: 287.

(4) في (د): «قيل».

(5) زيادة: «له» من (د).

(6) الكافي 3/ 124، باب تلقين الميت، ح 10، و فيه: «لا حفف عنه حتى أسأله، فافاق الرجل».

(7) في (د) زيادة صفحتين من العبارات الماضية حتى الباب الآتي، إلّا أن الناسخ التفت إلى الزيادة فكتب هنا: «مكرّر في النسخة ..».

409

الباب [السادس] في بيان النجاسات و المطهّرات، و أحكام النجاسات

ففيه فصول:

[الفصل] الأوّل في أعداد النجاسات

تبصرة [في نجاسة البول و الغائط مما لا يؤكل لحمه]

الأول و الثاني من النجاسات: البول و الغائط مما لا يؤكل لحمه مما له نفس سائلة، بلا خلاف فيه إلا فيما سيأتي.

و قد حكي الإجماع عليه مطلقا في كلام جماعة من الأصحاب، و قد حكي الإجماع عليه عن الشيخ (1) و ابن زهرة (2) و الفاضلان (3) و غيرهم (4).

و يدلّ عليه بالنسبة إلى بول الإنسان و غائطه أخبار كثيرة.

و الظاهر قيام الضرورة عليه.

و بالنسبة إلى بول السنّور و خرئه و غيره كالفأر غير واحد من الأخبار، و بالنسبة إلى

____________

(1) الرسائل العشر: 171.

(2) غنية النزوع: 40.

(3) المعتبر 1/ 410، تحرير الأحكام 1/ 155.

(4) كشف الرموز 1/ 107.

410

مطلق بول ما لا يؤكل لحمه صحيحة عبد اللّه بن سنان: «اغسل ثوبك من أبوال ما لا يؤكل لحمه» (1).

و يؤيّده ما في غير واحد من الأخبار من أنّ ما يؤكل لحمه فبوله و روثه طاهر لإشعاره بنجاستهما (2) مما لا يؤكل لحمه.

و قد يدلّ جملة من الأخبار على نجاسة العذرة. و في دلالتها على حكم غير عذرة الإنسان إشكال، و إن أطلقت في بعض الأخبار على عذرة غير الإنسان أو هي في أصل وضعها اسم لفناء الدار.

و قد أطلقت على الغائط تسمية له باسم محله حتى وصل إلى حدّ الحقيقة على نحو لفظ الغائط.

و حينئذ فشموله لغير ما للإنسان مبني على التسرية فيه من ذلك إلى مطلق الغائط، فوصوله إذن إلى حد الحقيقة كذلك غير معلوم، و معه لا يتمّ الاستدلال.

و كيف كان، فالإجماع المعلوم و المنقول في غير ما سنذكر الخلاف فيه كاف في الحجة عليه سيّما مع اعتضاده بما ذكرنا.

هذا، و قد وقع الخلاف في المقام في امور:

أحدها: بول الطير و خرئه. و المعروف بين الأصحاب عدم الفرق بينه و بين غيره. و عن الغنية (3) الإجماع على نجاسة خرء و بول مطلق الجلّال.

و عن العلامة في التذكرة (4) و بعض المتأخرين نفي الخلاف في إلحاق الجلّال من كل حيوان، و الموطوء بغير المأكول في نجاسة البول و العذرة، فذهب في المبسوط (5) إلى القول

____________

(1) الكافي 3/ 57، باب أبوال الدواب و أرواثها، ح 3.

(2) في (د): «بنجاستها».

(3) غنية النزوع: 40.

(4) تذكرة الفقهاء 1/ 51.

(5) المبسوط 6/ 282.

411

بالنجاسة فيهما. و عزاه إلى جمهور الأصحاب.

و حكاية الشهرة عليه مستفيضة بين الأصحاب، و يشمله عدة من الإجماعات المحكيّة.

و عن العماني و الجعفي و الشيخ في النهاية (1) القول بالطهارة فيه مطلقا.

و اختاره في المبسوط (2) أيضا إلا أنه استثنى منه الخشاف.

حجة الأول إطلاق صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة، مع اعتضادها بالشهرة العظيمة و ظواهر الأخبار المتقدمة.

و في رواية المختلف (3) المنقولة عن كتاب عمار، عن الصادق (عليه السلام): «خرء الخطاف لا بأس به هو ممّا يؤكل لحمه ..» (4) الخبر. و فيها إشعار بأن العلة في نفي البأس عنه هو أكل لحمه، فيفيد ذلك حصول البأس لولاه مع كونه طائرا. مضافا إلى خصوص الرواية الدالّة على خصوص (5) نجاسة بول الخفاش مع كونه طائرا.

و الفرق بينه و بين غيره ضعيف؛ إذ لا قائل به سوى الشيخ كما ستعرف و القول بأن الصحيحة المذكورة واردة في الأبوال فلا يدلّ على حكم الأرواث، و أن الطائر لا يتحقق له بول في الغالب مدفوع بقيام الإجماع ظاهرا (6) على عدم الفرق بينهما.

و عن السيد (7) و الشهيد الثاني (8) و صاحبي المدارك (9) و الذخيرة (10) الإجماع على عدم الفرق بين الأرواث و الأبوال.

____________

(1) النهاية: 266.

(2) المبسوط 1/ 39.

(3) مختلف الشيعة 8/ 291.

(4) عوالي اللئالي 3/ 469.

(5) ليس في (د): «خصوص».

(6) في (ب): «ظاهر».

(7) الناصريات: 86.

(8) الروضة البهية 7/ 324.

(9) انظر مدارك الأحكام 2/ 261.

(10) ذخيرة المعاد 1/ 145.

412

و منه يظهر اندفاع الأخير؛ إذ عدم تحقق البول له بعد تحقق الإجماع المذكور لا يوجب ردّ الاستدلال أو نقول: إن بول غير ما يؤكل لحمه نجس، فروثه كذلك و إن لم يكن الروث من صاحب البول.

على أن الظاهر حصول البول للطائر في الجملة كما هو معروف في الخفاش.

و قد دلّ عليه النصّ حجة القول الثاني موثقة أبي بصير: «كلّ شيء يطير فلا بأس بخرئه و بوله» (1).

و قد رواه في البحار (2)، و جاء بخطّ الجبعي نقلا عن جامع البزنطي، عن أبي بصير.

و القول بمعارضته للصحيحة المتقدمة مدفوع بأن عمومها أصرح من الصحيحة، فهي أقوى بحسب الدلالة، و لو سلّم تكافؤها بحسب الدلالة فقضية الأصل في ذلك الرجوع إلى أصالة الطهارة و هي كاف في المقام.

و يضعّفه اطراح الرواية بين الأصحاب، و إعراض المعظم عن العمل بها.

و في التذكرة (3): إنّ أحدا لم يعمل بها.

و قد رماها الحلي في السرائر (4) إلى الشذوذ، و قال: إنه لا يعوّل عليها. و المحقّق عند محقّقي أصحابنا و المحصّلين منهم خلاف هذه الرواية؛ لأنه هو الذي يقتضيه أخبارهم التي أجمع عليها.

و قد يظهر منه وجود أخبار دالّة على النجاسة فيها إلا أن يقال بأن مقصوده بذلك الإطلاق المذكور المؤيّد بظواهر غيرها من الأخبار المذكورة.

نعم، ذكر في الروض (5) أن روايات التنجيس في الطير (6) أكثر. و هو ظاهر في وجود

____________

(1) الكافي 3/ 58، باب أبوال الدواب و أرواثها، ح 9.

(2) بحار الأنوار 77/ 110.

(3) تذكرة الفقهاء 1/ 49.

(4) السرائر 1/ 80.

(5) الروض: 162.

(6) في (ب) و (د): «الطيور».

413

روايات خاصة دالّة. و لم نظفر (1) بها.

و كيف كان، فبملاحظة ذلك مع موافقة الأول للاحتياط و كثرة الأخبار الدالّة عليه و شذوذ الخبر المذكور لتفرد أبي بصير بنقله (2) و عدم إشعار شيء من الأخبار بما يوافق مضمونه [...] (3).

____________

(1) في (ألف): «يظفر».

(2) في (ألف): «منقلبة».

(3) العبارة ناقصة، فتدبّر.

414

تبصرة [في نجاسة الدم]

الرابع من النجاسات: الدم من كل حيوان ذي نفس سائلة سواء كان مسفوحا من العرق أو خارقا بالرشح، قليلا كان أو كثيرا، بلا خلاف ظاهر بين الأصحاب سوى ما يحكى عن الإسكافي (1) من القول بطهارة ما يكون سعته دون سعة الدرهم الذي سعته كعقد الإبهام الأعلى. و عبارته المحكيّة عنه غير صريحة في حكمه بالطهارة.

و إنما تفيد عدم تخصيصه الثوب مع تعميمه الحكم لسائر النجاسات سوى المني و دم الحيض، فإنّ قليلهما و كثيرهما سواء.

و قد يحكى عن الصدوق الحكم بطهارة ما دون الحمّصة مما عدا دم الحيض. و عبارته أيضا غير دالّة عليه، و إنما تفيد عدم وجوب غسله.

و كأنه عبّر بذلك عن مسألة العفو عما دون الدرهم.

و كيف كان، فهما شاذّان ضعيفان لو ثبت القول بهما.

و يدلّ على الحكم بعد الإجماعات المحكية ظواهر جملة من الإطلاقات، و يستثنى منه الدم المتخلّف فيما يؤكل لحمه من الذبيحة بعد القذف المعتاد.

و قد نصّ على طهارته جماعة من الأصحاب.

و في البحار (2): الظاهر أنه حلال طاهر بغير خلاف يعرف.

و في الحدائق (3): إن عليهما اتفاق الاصحاب من غير خلاف ينقل.

____________

(1) نقله عنه في المعتبر 1/ 420.

(2) بحار الأنوار 77/ 86، باب نجاسة الدم و أقسامه و أحكامه، ذيل ح 2.

(3) الحدائق الناضرة 5/ 45.

415

و يدلّ عليه بعد الإجماع ظاهرا، ظاهر الآية الشريفة: قُلْ لٰا أَجِدُ فِي مٰا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلىٰ طٰاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّٰا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً (1).

و قيام السيرة القاطعة على عدم التحرز عنه، مضافا إلى ما فيه من الحرج و العسر، فالحكم بالحلّ و الطهارة في المتخلف في اللحم مما لا شبهة فيه.

و في جريانه في المتخلف في البطن و الكبد و العروق و القلب و جهان، أقواهما ذلك كما هو ظاهر إطلاقاتهم؛ لظاهر الآية الشريفة. و الظاهر جريان السيرة في كثير منها.

و قد نصّ المحقق الكركي (2) و الشهيد الثاني (3) على عدم الفرق بين المتخلف في خلال (4) اللحم و المتخلف في البطن و العروق. و قد يظهر من ذلك تأمّله في إلحاق المتخلف في القلب و الكبد حيث قال: إن فيه وجهين.

و ربما يتوهم من جماعة منهم الفاضل (5) و الشهيدان (6) (7) في بعض كتبهما القول بعدم الإلحاق حيث استثنيا (8) المتخلف في تضاعيف اللحم خاصّة، و لم يذكروا غيره. و كأنهم أرادوا بذلك المتخلف في مطلق الذبيحة كما عبّر به غيرهم.

[تنبيهات]

هاهنا (9) امور ينبغي الإشارة إليها:

____________

(1) الأنعام: 145.

(2) جامع المقاصد 1/ 163.

(3) الروضة البهية 329.

(4) في (ألف): «حلال».

(5) نهاية الإحكام 1/ 269.

(6) الدروس 2/ 172.

(7) مسالك الإفهام 12/ 78.

(8) في (ب): «استثناء».

(9) في (د): «و هاهنا».

416

أحدها: في المتخلف في الذبيحة التي لا يؤكل لحمه وجهان.

و قد حكى عدة من الأصحاب منهم العلامة المجلسي (1) أن ظاهر الأصحاب الحكم بنجاسته.

و حكى في المعالم عن بعض مشايخه التردد فيه، ثم الميل إلى النجاسة.

و احتملهما في كشف اللثام (2).

و ظاهر إطلاق الجماعة من الأصحاب منهم ابن زهرة (3) و المحقق (4) و العلامة (5) في عدة من كتبه و الشهيد (6) و ابن فهد (7)، و عدم الفرق بين مأكول اللحم و غيره.

و قد اختلفوا في جواز استعمال جلده قبل الدبغ على أقوال. و كأنه يبني الخلاف على ذلك؛ لعدم خلوّ الجلد عن أجزاء من الدم.

و قد حكي أشهريّة القول بالجواز هناك. و قد يومي ذلك إلى طهارة الدم المتخلف فيه، (و قضية الأصل في المقام لما عرفت من إطلاق عدة من الأخبار المعتضد بظاهر الإجماعات المحكيّة هو القول بالنجاسة، و القول بجواز استعمال الجلد قبل الدباغ لا يستلزم القول بطهارة الدم المتخلف فيه) (8) لعدم العلم بحصول شيء فيه، و معه فيمكن إزالته بغير الدفع، فالقول بالمنع لا يخلو عن قوة إلّا أن المسألة محلّ إشكال.

ثانيها: في الحكم بطهارة المتخلف في الأجزاء المحرمة (9) عن المحلل إشكال،

و الأظهر فيه الطهارة و إن لم يشمله ظاهر الآية المذكورة؛ إذ الظاهر حرمته تبعا لما فيه؛ أخذا بالأصل مع

____________

(1) بحار الأنوار 62/ 102.

(2) كشف اللثام 1/ 407.

(3) انظر غنية النزوع: 40.

(4) المعتبر 1/ 419.

(5) انظر تذكرة الفقهاء 1/ 63.

(6) الدروس 1/ 123.

(7) المهذب البارع 1/ 233.

(8) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (د).

(9) في (ألف): «الحرمة».

417

عدم وضوح شمول أدلة النجاسة لمثله، مضافا إلى السيرة في كثير من تلك الأجزاء بعدم التحرز، و لم يعهد في الروايات ورود منع فيه مع عموم الابتلاء به.

ثالثها: لو حبس دم الذبيحة من (1) الخروج حتى مات كان الدم المتخلف فيه نجسا.

و حينئذ فيتوقف جواز أكله على غسله و إخراج ذلك الدم عن سائر أعضائه، و لا يكتفي بمجرد غسل عروقه أو اطراحها لانبساط (2) الدم (3)، في جميع أجزاء اللحم و عدم العلم بخروجها.

و قد يحكم بأصالة (4) الطهارة في كل عضو لم يعلم اشتمالها على الدم إلا أنه يعارضه استصحاب النقاء.

و لو كانت تذكية عند موته فلم يخرج منه إلا يسير من الدم ففي طهارة المتخلف وجهان.

رابعها: المعروف نجاسة العلقة (5).

____________

(1) في (د): «عن».

(2) في (د): «لانبثاث»، و في (ب): «الانبساط».

(3) هنا زيادة الواو في (ألف).

(4) في (ألف): «أصالة».

(5) إلى هنا كلام المصنف (قدّس سرّه)، و الظاهر- بل المتيقّن- أنه ناقص؛ إذ لم يبحث عنه و لم يدخل في الفروع و الأقوال كما هي عادته، و لم يذكر أيضا أعداد النجاسات برمّتها.

418

تبصرة* في نجاسة الكافر و أقسامه*

الثامن من النجاسات: الكافر بأقسامه.

و لا خلاف بين الأصحاب بل الأمّة في نجاسته في الجملة.

و يدلّ عليه بعد الإجماع: الكتاب و الأخبار المستفيضة و السيرة القاطعة.

نعم، هناك خلاف ضعيف في خصوص أهل الكتاب حيث ذهب شذوذ من الأصحاب إلى طهارتهم. و يعزى ذلك إلى الإسكافي و العماني و المفيد في أحد قوليه.

و ربّما ينسب إلى الشيخ في النهاية.

و في دلالة كلامه عليه بحث، و الأظهر عدم دلالته عليه. و لو دلّ عبارته هناك على الطهارة لدلّ على طهارة سائر الكفار؛ إذ ليس في كلامه ذكر لخصوص أهل الكتاب. و قد نصّ قبل تلك العبارة بنجاسة الكفار على اختلاف مللهم، بل في دلالة عبارة المفيد عليه تأمل.

و كذا في عبارة العماني.

و ربما يتأمل أيضا في عبارة الإسكافي؛ إذ (1) مدلول كلامه حلّية ذبائح أهل الكتاب، و ما صنع في أواني مستحلّي الميتة و مواكلتهم، فإن دلّ ذلك على الطهارة لدلّ على طهارة غير أهل الكتاب أيضا. و لا قائل به ظاهرا.

و كيف كان، فالقول بطهرهم من الوهن بمكان؛ لقيام الأدلّة الظاهرة على نجاستهم، منها قوله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ (2).

و المناقشة فيها بأن «النجس» مصدر لا يحمل على الذات إلا بتقدير كلمة «ذو»، فلا

____________

(1) في (د): «أو».

(2) التوبة: 28.

419

يقيّد النجاسة العينية؛ لاحتمال إرادة العارضية كما هو الغالب من مزاولتهم للنجاسة، و أن النجاسة لم يثبت لها حقيقة شرعية فليحمل على معناها اللغوي الذي هو مطلق القذارة، و أنها لا تشمل أهل الكتاب؛ لعدم اندراجهم في المشركين بيّن الاندفاع؛ لعدم إمكان حمل المصدر على الذات بطريق الحقيقة.

و أما على سبيل المبالغة فلا مانع، و هو مقدّم على المعنى المذكور إلا بمقتضى فهم العرف، و مع الغضّ عنه فيحمل على النجس ليكون المصدر بمعنى الفاعل، فيدلّ إذن على النجاسة العينيّة كما هو (1) مفاد العبارة.

بل مع حمله على المعنى المذكور لا يبعد دلالته على النجاسة العينيّة سيّما بملاحظة عموم المشركين، و إن المناسب للمقام هو النجاسة الشرعية، فيقدم على اللغوية، و لو قلنا بعدم ثبوت الحقيقة الشرعية، و مع القول بها فلا بحث.

و إن ظاهر قوله تعالى: وَ قٰالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللّٰهِ (2) إلى قوله سُبْحٰانَهُ: عَمّٰا يُشْرِكُونَ (3) قاض بكون اليهود الّذين هم أقرب من سائر أهل الكتاب إلى التوحيد مشركين فكيف غيرهم.

و مع الغضّ عنه فلا شكّ في شرك غيرهم؛ لقول النصارى بالأقانيم الثلاثة و المجوس بالنور و الظلمة.

و منها: الإجماع المعلوم من ملاحظة فتاواهم و جريان السيرة المستمرة عليه حتى صار من شعار الشيعة يعرفون عند أهل الخلاف.

و منها: الروايات المستفيضة، مضافا إلى الإجماعات المنقولة عليه حدّ الاستفاضة قد حكاه جماعة منهم السيد (4) و الشيخ (5) و ابن زهرة (6) و العلامة (7) في جملة من كتبه و غيرهم.

____________

(1) في (د) زيادة: «ظاهر».

(2) التوبة: 30.

(3) التوبة: 31.

(4) الناصريات: 84.

(5) انظر الخلاف 1/ 70.

(6) غنية النزوع: 44.

(7) تذكرة الفقهاء 1/ 67.

420

و منها: الروايات المستفيضة الكثيرة القريبة من التواتر. و هي مذكورة في كتب الأخبار.

و ما يورد عليها من معارضتها بما دلّ على الطهارة من مستفيضة اخرى فليحمل على الكراهة واضح الفساد؛ إذ مع بعد الحمل المذكور لا داعي إليه مع موافقة تلك الروايات لمذاهب العامة، بل و ما أطبق عليه أئمّتهم، مضافا إلى مخالفتها لظاهر الكتاب و اطراحها بين الأصحاب.

حجة الجواز بعد الأصل قوله تعالى: وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ (8) الشامل لما باشروه بالرطوبة كما هو الغالب في المطعومات القريبة من الفعل، بل هو الذي ينبغي أن يراد من الآية؛ إذ حلّية غير ما باشروه بالرطوبة مما لا كلام فيه، و يتساوى فيه أهل الكتاب و سائر الكفار و ظواهر كثير من الأخبار.

و يرد على الجميع أنه لا يعوّل على الأصل بعد (9) قيام الدليل، و المراد بالطعام في الآية الشريفة هو الحبوب أو ما أشبهها [على حدّ] (10) تعبيره بذلك في روايات أهل البيت (عليهم السلام).

و عن جماعة من أهل اللغة تخصيصه بالحنطة و نحوها من الحبوب.

و حكى في المجمل (11) عن بعض أهل اللغة (12) أن الطعام البر خاصة، و هو من الإطلاقات الشائعة له في العرف. و مع تسليم إطلاق الآية الشريفة فلا مزيد (13) على الإطلاق، فيقيّد بما

____________

(8) المائدة: 5.

(9) في (ألف): «بعدم».

(10) الزيادة منّا لإصلاح العبارة.

(11) نقل عنه العلامة في منتهى المطلب 1/ 168.

(12) كتاب العين 2/ 25.

(13) في (د): «يزيد».

421

دلّ على التقييد.

و ما ذكر من أن الظاهر من المقام حلّية ما باشروه بالرطوبة- إذ لا إشكال في غيره- يدفعه عدم اختصاص توهم الحرمة من جهة النجاسة أو أنه بيان للحكم و إن كان معلوما بأدلة اخرى أيضا.

و أما الأخبار فقد عرفت الحال فيها أيضا.

422

تبصرة [في حكم سائر الكفّار]

يثبت حكم النجاسة لسائر الكفار سواء كان كفرهم لكلّ (1) الأصول أو بعضها، إما لعدم تصورها من رأس كما إذا كان في مواضع لم يتّفق له سماع شيء من الأديان أو مع التردد فيها أو الظنّ بها على وجه أو الظنّ بخلافها أو اليقين من الدليل و التقليد أو غيرهما أو عدم الايمان و إن كان قاطعا [..] (2) الدرهم أو زائدا عليه؛ لثبوت حكم العفو بالنسبة إلى الدم.

ففرض المسألة في خصوص كون الملاقي ما دون الدرهم ليس على ما ينبغي، و الأولى أن يقال بحصول العفو، و الحديث (3) بالنسبة إلى الملاقى مطلق.

و الظاهر أنهم لا يقولون به.

هذا، و لا يذهب عليك أنه لو نجس الثوب أو البدن بالدم جرى في فعله حكم الدرهم قطعا؛ لثبوت العفو مع وجوده، فمع زواله (4) وجهان، و استقرب في الدروس؛ إذ تخفيف النجاسة لا يوجب الشديد في الحكم و هو ظاهر.

رابعها (5): لو اشتبه الدم المعفوّ بغيره فهل يجري عليه حكم العفو أو لا؟ و جهان.

و استقرب في الدروس (6) ذلك. و هو ظاهر المعالم.

____________

(1) في (د): «لجهل».

(2) هنا في (د) مكتوب: «بياض في الأصل». و لم يوجد في النسختين الأخريين أيضا.

(3) في (د): «حينئذ».

(4) في (د) زيادة: «أولى».

(5) في (د): «سابعها».

(6) الدروس 1/ 124.

423

و به نصّ في الحدائق (1) في بحث النجاسات؛ إذ الأصل فيما يدور بين ما يجوز لبسه و ما لا يجوز هو الجواز كما إذا اشترى جلدا و دار الأمر بين كونه ميتة أو مذكّاة، و قد نصّ الإمام (عليه السلام):

«إن كلّ شيء فيه حلال و حرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام بعينه فتدعه» (2).

و ربما يقال بالعدم؛ أخذا بالاحتياط و أصالة الشغل حتى يتبيّن الفراغ، و أن الأصل عدم العفو للإطلاقات الدالة عليه، فينبغي الاقتصار على القدر المعلوم.

و قد يفصّل بين ما إذا دار بين محصورين مثلا أحدهما الدم المعفو و الآخر غيره، فعلم بكونه أحد الدمين و دار الأمر بين الأمرين، فلا يقدح تنزيلا للشبهة المحصورة منزلة العلم كما في نظائره، و ما إذا كان هناك دم و لم يعلم أنه من أيّ القسمين، من غير أن يكون دائرا بين المحصور.

و إليه ذهب في الحدائق (3) عند بيان أحكام النجاسات. و قد يقرب الوجه الأول بأصالة عدم التغليظ (4) و استصحاب جواز الصلاة في البدن أو الثوب الحاصل فيه، و ما ذكر من أصالة عدم العفو إنما يجري فيما يشكّ فيه من جهة حكم الأصل.

و أما بالنسبة إلى الموضوع بعد وضوح الحكم فلا؛ إذ لا يوجب ذلك زيادة في التخصيص (5).

نعم، إن قرّر من الشارع أصل في مجهول الحال كما قرّره في الماء جرى في المقام، و ما ذكر من أصالة الشغل معارض بقيام الدليل الشرعي على الجواز.

و من ذلك يظهر قوّة الوجه الأول إلا أن المسألة لا يخلو من (6) خفاء، و مراعاة الاحتياط فيها سيّما بالنسبة إلى المحصور مما لا ينبغي تركها.

____________

(1) الحدائق الناضرة 5/ 323.

(2) الكافي 6/ 339، باب الجبن، ح 2.

(3) الحدائق الناضرة 5/ 324.

(4) في (د): «تعليظ»، و في (ب): «التعليط».

(5) في (ألف): «التحقيق».

(6) في (د): «لا تخلو عن».

424

تبصرة [فيما يعفى عنه نجاسته]

مما يعفى عنه نجاسته: كل ما لا تتمّ الصلاة فيه منفردا من اللباس. و هو في الجملة مما لا خلاف فيه بين الطائفة.

و حكاية الإجماع عليه مطلقا (1) مستفيضة قد حكاه في الانتصار و الخلاف (2) و السرائر (3).

و عزاه في التذكرة (4) إلى علمائنا.

و في المختلف (5) و المدارك (6) إلى الأصحاب، و في الذخيرة (7) و غيره: لا نعلم في أصل الحكم خلافا.

و عن الراوندي (8) حكاية الإجماع على امور خمسة بالخصوص، و هي القلنسوة و التكة و الجورب و الخفّ و النعل.

و يدلّ عليه مضافا إلى ذلك النصوص المستفيضة كصحيحة حماد بن عثمان، عمّن رواه، عن الصادق (عليه السلام): في الرجل يصلي في الخفّ الذي قد أصابه قذر. قال (عليه السلام): «إذا كان مما لا تتمّ

____________

(1) في (ب): «مطلق».

(2) الخلاف 1/ 480.

(3) السرائر 1/ 184.

(4) تذكرة الفقهاء 1/ 96.

(5) المختلف 1/ 484.

(6) مدارك الأحكام 2/ 320.

(7) ذخيرة المعاد 1/ 160.

(8) نقله عنه في مفتاح الكرامة 2/ 123.

425

الصلاة فيه فلا بأس» (1).

و مرسلة عبد اللّه بن سنان، عن الصادق (عليه السلام): «كلما كان على الإنسان أو معه مما لا يجوز الصلاة فيه وحده فلا بأس بالصلاة (2) أن يصلّى فيه، و إن كان قد قذر مثل القلنسوة و التكة و الكمرة و النعل و الخفّين و ما أشبه ذلك» (3).

و في مرسلة اخرى: «لا بأس بالصلاة في الشيء الذي لا يجوز الصلاة فيه وحده فيصيبه القذر مثل القلنسوة و التكّة و الجورب» (4).

إلى غير ذلك من الأخبار، و ما كان فيها من ضعف في الإسناد فينجبر باعتضاد بعضها ببعض، و بعمل الأصحاب كما عرفت. فالحكم في المسألة مما لا ريب فيه.

إنما الكلام في المقام في امور:

أحدها: المعروف تعميم الحكم لكلّ الملابس

كما هو قضية عموم الأخبار. و عن الراوندي تخصيصه بالخمسة المتقدمة.

و هو ضعيف بعد دلالة الأخبار و فتاوى الأصحاب و الإجماعات المطلقة المحكية.

مضافا إلى أن الظاهر من الأخبار أن المناط فيه عدم إتمام الصلاة فيه، و هو جار في الجميع، مضافا إلى التصريح بالتعليل في الفقه المنسوب إلى مولانا الرضا (عليه السلام) قال: «إن أصاب قلنسوتك أو عمامتك أو التكة و الجورب أو الخف شيء أو بول أو دم أو غائط فلا بأس بالصلاة فيه، و ذلك أن الصلاة لا تتم في شيء من هذه وحده» (5).

حجّة الراوندي إجماع على الخمسة دون البواقي، فيبنى فيها على الأصل.

و ضعفه ظاهر مما عرفت.

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 274.

(2) ليس في (د): «بالصلاة».

(3) تهذيب الأحكام 1/ 275.

(4) تهذيب الأحكام 2/ 358.

(5) فقه الرضا (عليه السلام): 95.

426

ثم إن المشهور عدم التفاوت في ذلك بين الأحوال. و خصّه العلامة في عدّة من كتبه كالمنتهى (1) و التذكرة (2) و التحرير (3)، و الشهيد في البيان (4)، و ابن فهد في الموجز بما إذا كانت في محالّها.

و لم نعرف مستندهم في ذلك، و كأنه لحمل الإطلاقات على المتعارف، و هو ما إذا كانت تلك الأمور في محالّها المعدّة لها، فيبقى غيرها مندرجا تحت الأصل.

و ضعفه ظاهر، و إطلاق الروايات و جعل المناط فيه عدم تمامية الصلاة، مضافا إلى أن حمل النجاسة لا مانع منه مطلقا كما سيجيء الإشارة إليه.

قيل: و من يسري الحكم إلى غير الملبوس لا يشرط (5) الكون في المحال.

قلت: لا ملازمة بين الأمرين فإن كان هناك اتفاق فاتفاق.

ثانيها: المراد بما لا يتم (6) الصلاة فيه ما لا تتم فيه مع بقائه على حاله،

فلو أمكن الصلاة فيه بعلاج كما إذا كان طويلا و أمكن وضع طوله على عرضه ليمكن الصلاة فيه لم يثبت فيه المنع قبل خيطه (7) كذلك؛ أخذا بإطلاق الأخبار.

و كذا ما احتاج إلى شدّه بشيء خارج عنه، و أما إن كان معه فلا، كالحبل المتصل به.

و لو كان هناك امور لا تتم الصلاة في كلّ منها و تتم في الجميع فهل يجري الحكم المذكور في الجميع، لعدم تمامية الصلاة في كل منها بالخصوص أو لا؟ وجهان، أوجههما الأول و إن فرض حصول الستر (8) بها في الصلاة.

____________

(1) منتهى المطلب 3/ 260.

(2) تذكرة الفقهاء 2/ 482.

(3) تحرير الأحكام 1/ 159.

(4) البيان: 42.

(5) في (ب): «لا يشترط».

(6) في (د): «لا تتم».

(7) في (ألف): «خطّه».

(8) في (ب): «النشر».

427

و لو ضمّ بعضها إلى البعض بحيث صار الجميع شيئا واحدا جرى حكم المنع.

ثمّ (1) إن المقصود بما لا تتمّ الصلاة فيه ما كان كذلك لصغره، و أما ما لا تتم الصلاة من جهة حياكته (2) دون صغره فلا يجري فيه الحكم. و قد نبّه عليه بعض الأفاضل.

ثالثها: قد عدّ الصدوق (3) (رحمه اللّه) من جملة ذلك العمامة،

و وجّه ذلك تارة بأنها على حالها مما لا تتم الصلاة فيه. و قد عرفت أنه المناط في ذلك.

و اخرى بأنها غير داخل في اسم الثوب، و قد قامت الأدلة على اعتبار الطهارة في خصوص البدن و الثوب، و لا دليل على اعتبارها في غيرهما.

و قد احتمل في المدارك (4) على عدم حصول المنع من جهتها نظرا إلى الوجه المذكور.

و لا يخفى ضعف كلّ من الوجهين المذكورين؛ إذ مجرد طي الثوب لا يجعله مما لا تتم الصلاة فيه مع سعته في نفسه، و إلا لجرى في غير العمامة أيضا.

و هو واضح الفساد، و إن لفظ «الثوب» كما يشمل المنشور كذا يشمل المطويّ أيضا بلا فرق، فالتأمل في اندراجه في الثوب بعد صدقه عليه في العرف مما لا وجه له.

على أن اندراجه في اللباس كاف فيه، و هو مما لا شكّ فيه.

نعم، قد دلّ على اندراج العمامة في ذلك رواية الفقه المذكورة. و كأنّها مستند الصدوق، و هي لضعفها و مخالفتها لسائر الأخبار و كلام الأصحاب لا ينهض حجة على ذلك. و قد تحمل كعبارة الصدوق (رحمه اللّه) على خصوص العمامة التي لا تتم الصلاة فيها.

____________

(1) زيادة: «ثم» من (د).

(2) في (د): «حكايته».

(3) الهداية: 73.

(4) مدارك الأحكام 2/ 320.

428

تبصرة [في نجاسة ثوب المرأة المربّية]

من جملة ما يعفى عنه في الصلاة نجاسة ثوب المرأة المربية للصبيّ ذات الثوب الواحد بالنسبة إلى بوله إذا غسلته في النهار مرة واحدة، على المعروف من المذهب بلا خلاف (1) يعرف؛ لخبر أبي حفص، عن الصادق (عليه السلام)، قال: سئل عن امرأة ليس لها على قميص و لها (2) مولود فيبول عليها، كيف تصنع؟ قال: «تغسل القميص في يوم (3) مرة» (4).

مضافا إلى اعتضاد ذلك بما دلّ على أن هذه الشريعة سمحة سهلة لا حرج فيها و لا مشقّة.

و ضعف الرواية منجبر بعمل الطائفة حيث لا يعرف رادّ لها في الفرقة، فمناقشة صاحبي المدارك (5) و المعالم في الحكم- نظرا إلى ضعف الخبر و تقوية البناء على مقتضى الأصل من دوران الحكم مدار الحرج و المشقة الشديدة- ليس على ما ينبغي.

ثم لا يخفى أن قضية الأصل في المقام عدم البناء على العفو (6) إلا فيما قام الدليل عليه، و مقتضى الرواية المذكورة المعتضدة بالعمل هو ثبوت العفو بالنسبة إلى صاحبة (7) الثوب الواحد المربية للصبي الواحد عن نجاسة خصوص الثوب لخصوص بول الصبي، ففي تسرية

____________

(1) في (د) زيادة: «فيه».

(2) في (د): «ليس لها إلا قميص لها».

(3) في (د): «اليوم».

(4) من لا يحضره الفقيه 1/ 70.

(5) مدارك الأحكام 3/ 355.

(6) في (ألف): «العضو».

(7) في (د): «صاحب».

429

الحكم إلى المربي للصبي أو المربية للصبي أو الصبية إشكال. و قضية الأصل كما عرفت الاقتصار.

و عن العلامة في المنتهى (1) و النهاية (2) و الشهيد (3) في عدّة من كتبه تسرية الحكم إلى المربي أيضا للاشتراك في العلة.

و نصّ في المدارك (4) على خلافه. و هو الموافق للأصل كما عرفت.

و نصّ جماعة من الأصحاب بجريان الحكم في المربية للصبية، و حكاه في المعالم عن الشهيدين و أكثر المتأخرين. و به قطع في المدارك.

و ظاهر النهاية اختصاص الحكم بالصبي اقتصارا في الرخصة على المنصوص مع حصول الفرق؛ إذ بول الصبي كالماء و بول الصبية أصفر ثخين، و طبعها آخر.

و قد يستدل على الشمول بإطلاق الخبر المذكور للتعبير فيه بلفظ المولود الشامل للصنفين.

و فيه: أن من الظاهر أن لفظ المذكور ليس مما يستوي فيه التذكير و التأنيث ليشمل الأمرين؛ لشموله لهما مبني على أخذ الموصوف (خاليا عن التأنيث شاملا للقسمين، و هو غير متعين؛ إذ كما يمكن كذلك يجوز أن يكون الموصوف) (5) فيه خصوص الصبي، مضافا إلى أنه يدّعى ظهوره في ذلك، فقد حكي في المعالم عن بعض الأصحاب أن المتبادر من المولود هو الصبي. ثم قال: و لا يخلو عن قرب.

و ذهب الشهيدان (6) إلى جريان الحكم في مربية الصبي؛ للاشتراك في العلة و زيادة المشقة.

____________

(1) انظر منتهى المطلب 3/ 271.

(2) النهاية الإحكام 1/ 288.

(3) البيان: 41، الدروس 1/ 127، الذكرى 1/ 139.

(4) مدارك الأحكام 2/ 355.

(5) ما بين الهلالين وردت في (د) فقط.

(6) الدروس 1/ 127، الروضة البهية 1/ 525، مسالك الأفهام 1/ 127.

430

و كلام الشهيد الثاني في الروض (1) يومي إلى التوقف.

و الأوفق بالأصل ما ذكرناه من الاقتصار؛ لزيادة النجاسة مع التعدد (2) المنافية للتخفيف، و ظاهر الشهيد (3) تسرية الحكم إلى الغائط أيضا. قال: ربما كنّي عن الغائط بالبول كما هو قاعدة العرب في ارتكاب الكناية فيما يستهجن.

و يضعّفه أن جواز الكناية المذكورة لا يوجب الخروج عن الظاهر و الحمل عليه، و لا شاهد على التسرية من تنقيح مناط و لا غيره؛ لوضوح الفرق بين الأمرين.

تعبير التحرير عن البول دون الغائط (4).

و لذا نصّ جماعة على عدم التعدية منهم الشهيد الثاني (5) و ولده المحقق و سبطه السيد.

و عن بعض الأفاضل إجراء الحكم بالنسبة إلى البدن أيضا؛ نظرا إلى عسر الاحتراز عن الثوب النجس، و لزوم المشقة في غسل البدن كل وقت.

و هو ظاهر الوهن؛ للفرق البيّن بين الثوب و البدن في سهولته (6) و يبسه و غيرهما، فلا وجه للتسرية.

و قد نصّ جماعة من الأفاضل على اختصاص الحكم بالثوب.

[تنبيهات]

و هاهنا امور ينبغي الإشارة إليها:

منها: أنه لو كان له ما يزيد على الثوب الواحد و لم يحتج في اللبس إلى الجميع

فلا تأمل في عدم جريان العفو؛ لإمكان الإبدال.

____________

(1) روض الجنان: 167.

(2) في (ألف): «التعذر».

(3) روض الجنان: 167.

(4) كذا وردت في عبارة المصنف (قدّس سرّه).

(5) مسالك الإفهام 1/ 128.

(6) في (ألف): «سهولة».

431

و لو احتاجت إلى الجميع لبرد و نحوه فهل يجري على الجميع حكم الواحد؟ وجهان؛ من الخروج عن مدلول النصّ، و أنها في معنى المتّحد، و قد نصّ غير واحد منهم على الأخير كالشهيد الثاني في الروض. و هو غير بعيد.

و منها: أنها لو تمكنت من تحصيل الثوب الآخر بشراء أو استيجار أو نحوهما

فهل يثبت لهما الرخصة المذكورة أو يجب عليها مراعاة الطهارة إما بغسل ثوبها أو تحصيل غيرها؟

وجهان.

و استقرب الأول في المعالم، و حكى الثاني عن جماعة من المتأخرين. و ظاهر النصّ يعطي الرخصة إلا أن الأحوط مراعاة الطهارة مع تحصيل الغير من غير مشقة أصلا.

و منها: أن الظاهر الاكتفاء بغسله مرة مجموع الليل و النهار

إما لشمول اليوم الليل (1) أو لإلحاق الليل به كما يعطيه سياق الكلام، (و إلّا لم يكتف في مقام البيان بمجرد الغسل في اليوم مرّة. و الاقتصار عليه في مقام البيان أقوى شاهد على الاكتفاء بالنسبة إلى الليل أيضا.

و توقّف فيه في الحدائق (2).

و ليس في محله.

و هل تحتسب الليلة السابقة مع النهار أو اللاحقة أو يتخيّر بين الأمرين؟ وجوه.

ثمّ الظاهر إيقاع الغسل في النهار أخذا بظاهر الخبر. و يتساوى فيه أجزاؤه على ظاهر الرواية، و الأولى تأخير الصلاة و إيقاعه آخر النهار لتكون صلاته الأربع مع الطهارة و لا أقلّ من أخفّيّة النجاسة.

و قد صرّح جماعة من الأصحاب [على] أفضلية ذلك في شأنها.

و لو قضت العادة بنجاسة ثوبها مع فضلها بين الغسل في المقام مع أنّ بول الصبي الذي لم يفطم يكتفى فيه بالصبّ، ففيما ذكر من الحكمين تدافع إلّا أن يقال باستثناء هذه الصورة من تلك القاعدة.

____________

(1) في (د): «لليل».

(2) الحدائق الناضرة 5/ 345.

432

و ربما يؤيّد ذلك بأن تكرار البول موجب لتشديد النجاسة، و يكفي فيه الصب.

و يضعّفه أنّ مقتضى ما دلّ على الاكتفاء بالصبّ هناك عدم الفرق بين المتكرّر و غيره، و كلمات الأصحاب أيضا قاضية بذلك، فلا يمكن جعل ذلك فارقا في المقام، فالأولى أن يجعل الحكم هنا مقيّدا بما دل على الاكتفاء بمجرد الصب في بول الرضيع؛ إذ ليس المولود هنا مقيّدا بالرضيع.

إلّا أنّه قد يستشكل في دلالة الرواية على العفو بالنسبة إليه؛ إذ غاية ما يدلّ عليه حصول العفو بالنسبة إلى من يثبت في بوله الغسل إلّا أن يدّعى الأولوية بالنسبة إليه.

و قد يقال بأنّ اعتبار الغسل قد يكون من جهة حصول العفو لما في الغسل من المبالغة في الإزالة بخلاف الصب، فإنّه فان افاد التطهير إلّا أنّه لا يقضى بالعفو (1).

ذهب الشهيد (2) و جماعة من الأصحاب إلى العفو عن نجاسة ثوب الخصي الذي يتواتر بوله إذا غسل في النهار (3) مرّة للزوم الحرج بتكلفه بالغسل، و لرواية عبد الرحمن القصير قال:

كنت إلى أبي الحسن الأول (عليه السلام) أسأله عن خصيّ ببول فيلقى من ذلك شدّه و بري البلل فقال:

«يتوضأ و ينضح (4) ثوبه في النهار مرّة واحدة» (5).

و رواه الصدوق في الفقيه (6). فظاهره العمل بمضمونه، و ظاهر العلامة في التذكرة (7) عدم العمل بها.

و هو الذي اختاره جماعة من المتأخرين؛ لضعف الرواية و عدم انطباقها على المقصود لذكر النضح، و هو غير مطهر لبوله بالإجماع.

____________

(1) هنا فراغ في (ب) بمقدار كلمة.

(2) الذكرى 1/ 139.

(3) و في المتن هكذا: «النها».

(4) و في المتن هكذا: «يتضح».

(5) تهذيب الأحكام 1/ 424، باب تطهير البدن و الثياب من النجاسات، ح 22.

(6) من لا يحضره الفقيه 1/ 75، باب ما ينجس الثوب و الجسد من المياه المخرجة من الإنسان، ح 168.

(7) تذكرة الفقهاء 2/ 494.

433

و هذا هو الأظهر، فيبنى فيه على ما تقتضيه القواعد الشرعية من مراعاة الطهارة على قدر الإمكان ما لم يكن فيه مشقّة شديدة و إلّا سقط.

و قد يحمل الرواية على عدم ثبوت كون البلل الحاصل بعد البلل يوما فينضح عليه من جهة الاحتمال أو يقال بكون النزح لرفع اليقين بخروج البلل ليحمل إذا وجد البلل أن يكون من النزح إلّا أنّه يبعّد ذلك اعتبار كونه في اليوم مرّة.

434

تبصرة [في نجاسة ملاقي الملاقي]

كل واحد من النجاسات العينية تنجس ما يلاقيه مع الرطوبة فيها أو في ملاقيها كما هو معلوم، و مستفاد من ملاحظة الروايات الواردة، فإنّ معظم النجاسات إنّما يعلم بالأمر بالغسل ما يلاقيها فكأنّه جعل غسلا لملاقي من الأمور المساوية للنجاسة، فالظاهر أنّ ذلك قاعدة مستفادة من الشرع معلومة من تتبع المقامات و إن لم ينص عليه بخصوصه في شيء من الأخبار.

و الظاهر أنّه مما لا خلاف فيه لأحد من الأصحاب.

و كذا الحال بالنسبة إلى المتنجسات، فهي أيضا تنجّس كلما لاقته مع الرطوبه، كما يستفاد من الأخبار الكثيرة و سنشير إلى جملة منها.

و قد وقع خلاف في المقام في أمرين:

أحدهما: فيما يلاقي جسد الميّت الآدمي بعد برده، فإنّه ذهب الحلّي إلى وجوب غسل ما يلاقيه دون ما يلاقي ذلك الملاقي؛ استنادا إلى أصالة الطهارة في ملاقي الملاقي أو ما دلّ الدليل عليه، و هو وجوب غسل الملاقي لجسد الميّت دون الملاقي له) (1).

و ذهب العلامة (2) إلى مثل ذلك بالنسبة إلى ملاقي جسد الميت بيبوسة، فأوجب غسله دون غسل ملاقيه و لو لاقاه برطوبة.

و فيه: أنه إن استند في نجاسة الملاقي لجسد الميت أو مطلق بما دلّ من الأخبار على لزوم

____________

(1) ما بين الهلالين من قوله «و إلا لم يكتف في مقام ..» إلى هنا لم ينقل إلا في (ب).

(2) تذكرة الفقهاء 2/ 132.

435

غسله لزم القول بسرايته (1) منه إلى غيره على حدّ سائر الأمور المتنجسة، فلا وجه لاستناده في طهارة ما يلاقي ذلك الملاقى إلى أصالة الطهارة.

نعم، قد يقال بأنه غير قائل إذن بنجاسة الملاقي لبدن الميت إلا أنّه يحكم بلزوم غسله لظواهر الأخبار، فهو مع بعده عن كلامهما واضح الفساد في نفسه؛ إذ لا معنى لوجوب الغسل في نفسه؛ إذ ليس بأشدّ من ملاقاته مع الرطوبة لسائر النجاسات.

و إن اريد فيه (2) الوجوب للغير تعيّن اشتراط صحة ذلك الغير به، فيعود إلى القول بالنجاسة؛ إذ لا يراد بها إلا تلك الحالة المانعة المتوقّف رفعها على الغسل. مضافا إلى أنه على قول الحلي يلزم القول بعدم نجاسة الميت أو عدم سراية النجاسة منه و كلّ منهما بيّن الفساد.

ثانيهما: ما تفرّد به صاحب التنقيح (3) من القول بعدم (4) تنجيس المتنجس مطلقا، فلو ازيلت عين النجاسة بالتمسح بخرقة و نحوها لم تتعدّ إلى غير المحل، فيجوز استعمال الأواني المتنجسة بعد ذلك في الطهارات و الأكل و الشرب و غيرها.

قال: إنما يجب غسل ما لاقى عين النجاسة و أما ما لاقى الملاقي لها بعد ما ازيل عنه العين بالتمسح و نحوه بحيث لا يبقى فيه شيء منها فلا يجب غسله.

و ظاهر كلامه هذا هو ما ذكرناه من عدم تنجيس المتنجس مطلقا سواء ازيلت عنه عين النجاسة أو بقيت الملاقاة إذا لاقاه من غير محلّ الملاقاة.

و ربما احتمل في عبارته التفصيل بين ما ارتفعت الملاقاة بإزالة العين عن المحل، و أما إذا بقيت الملاقاة فعلى الأول نقول بالتنجس دون الثاني استنادا إلى ما يوجّه (5) إطلاق آخر كلامه المذكور.

____________

(1) في (د): «بسراية».

(2) في (د): «به».

(3) كذا في (ألف)، و في (ب): «صاحب يخ»، و قد وجدنا العبارة في الحدائق الناضرة 5/ 266 نقلا عن صاحب المفاتيح، فراجع.

(4) في (د) و (ب): «بعد».

(5) في (د): «يوهمه».

436

و فيه: أن ظاهر عبارته الأخيرة هو اعتبار زوال العين عن محلّ الملاقاة؛ إذ الظاهر منه فرض النجاسة في الأعيان الجامدة لفرضه زوال العين بالتمسّح و نحوه. و حينئذ فلا شكّ في اعتبار الزوال للزوم الملاقاة لعين النجاسة مع بقائه في المحل.

على أن (1) بقاء العين في محل آخر لا ربط له في تأثير المحل الخالي عنها، و تخصيص ذلك بخصوص المائعات مما لا إشارة إليه في كلامه.

و كيف كان، فضعف كلّ من الوجهين أظهر من أن يحتاج إلى البيان.

و يدلّ على فساده بعد إطباق الأصحاب عليه قديما و حديثا، و جريان السيرة المستمرة الكاشفة عن قول الأئمة (عليهم السلام) أو تقريرهم قطعا، الروايات المستفيضة المتكثرة بل البالغة حدّ التواتر بالنسبة إلى الأول بل الثاني أيضا كالدالّة على نجاسة الأواني بنجاسة الماء الذي فيها أو الدهن أو الدبس المائعين بموت الفأرة و نحوها أو نجاسة ما لاقى مياه الآبار بعد تنجسها .. إلى غير ذلك.

و في الأمر بغسل الأواني و الفرش و البسط و نحوها أقوى دلالة عليه؛ إذ لو لا السراية مع ملاقاتها بالرطوبة لما تفرع فائدة على غسلها؛ إذ ليست تلك الأمور مما يستعمل فيما يتوقف على طهارة أنفسها، و إنما يطلب طهارتها لعدم سراية النجاسة منها إلى ملاقيها من مأكول أو ملبوس و نحوهما.

و حيث انتفت تلك الفائدة حسبما ذكره، فينتفي الالتزام بغسلها و بطهرها (2) عن الفائدة.

و استدل الفاضل المذكور على ذلك بعد الأصل و خلوّ الأخبار عنه- مع أنه مما يعمّ به البلوى- بالمعتبرة المستفيضة:

منها: الموثق: سمعت رجلا يسأل الصادق (عليه السلام) فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء و يشتدّ ذلك عليّ؟ فقال: «إذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك بريقك فإن وجدت شيئا فقل هذا

____________

(1) زيادة: «أن» من (د).

(2) في (د): «تطهير غيرها».

437

من ذاك» (1) بحملها على أن يكون شكاية السائل (2) عن انتقاض وضوئه بالبلل الذي يجده بعد التمسح لاحتمال كونه بولا، و ذكر العجز عن الماء على هذا التقدير لتعذر إزالة البلل من (3) ثوبه و بدنه مما تعدّى من المخرج إليهما، فأمره (عليه السلام) (4) بمسح (5) ذكره، و لو مخرج بوله بعد مسح البول عنه بريقه حتى لو خرج عنه شيء بعد ذلك صار مشكوكا عنده من جهة ذلك الريق الموضوع، فلا حاجة (6) إلى إعادة الوضوء و تطهير الثوب أو البدن، فيفيد عدم تعدّي النجاسة عن المحل المتنجس إلى غيره.

قال (7): و على هذا لا يحتاج إلى تكلّف تخصيص التمسّح بالريق بالمواضع الطاهرة، و لا إلى تكلف تعدّي النجاسة من المتنجس، بل يصير الحديث دليلا على عدم التعدي منه، فإن التمسح بالريق مما يزيدها تعدّيا.

و هذا المعنى أوفق بالأخبار الأخر، و هذان الأمران- أعني عدم الحكم بالنجاسة إلا بعد التيقّن، و عدم تعدي النجاسة من المتنجس- بابان من رحمة اللّه الواسعة فتحهما لعباده رأفة بهم و نعمة لهم، و لكن أكثرهم لا يشكرون، فينتقم اللّه منهم بابتلائهم بالوسواس و اتّباعهم للخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة و الناس.

قال أبو جعفر الباقر (عليه السلام): «إن الخوارج ضيّقوا على أنفسهم لجهالتهم و إن الدين أوسع من ذلك» (8). انتهى (9).

____________

(1) الكافي 3/ 20، باب الاستبراء من البول و غسله و من لم يجد الماء، ح 4.

(2) زيادة: «السائل» من (د).

(3) في (د): «عن».

(4) هنا أوراق النسخ المخطوطة مشوّشة خلط بعضها ببعض، أصلحناها، و الحمد للّه.

(5) في (ألف): «يمسح».

(6) في (د) زيادة: «له».

(7) الحدائق الناضرة 2/ 11.

(8) من لا يحضره الفقيه 1/ 258.

(9) في (د): «بياض في الأصل».

438

و منها: رواية سماعة، قال: قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إني أبول ثم أتمسح بالأحجار فيجيء من البلل ما يفسد سراويلي. قال: «لا بأس» (1).

فإن مقتضاه عدم تنجس سراويله بالبلل الخارج من مخرج البول مع ملاقاته للتنجس (2) قطعا.

و لا يخفى ما فيه؛ فإن ظاهر هذه الرواية مخالف لغيرها مع إطباق الأصحاب على العمل بها، و ترك هذه؛ فلا بدّ من تركها أو حملها على التقية أو على نفي الباس عن فساد السراويل كما فرضه السائل.

و كأنّ في المقام تقية حيث لم يصرّح (عليه السلام) بالجواب، أو بحملها على عدم البأس بالنسبة إلى الطهارة الحدثية لو كان متوضّأ أو متيمّما.

و منها: رواية الحكم، بن حكيم قلت للصادق (عليه السلام): أبول فلا اصيب الماء و قد أصاب يدي شيء من البول فأمسحه بالحائط و التراب، ثم تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي؟ قال: «بأس به» (3) فتصلّي بعد زوال العين لا تنجس ما يلاقيه من جسده مع رطوبة العرق.

و فيه: أنه لا دلالة فيها على كون الملاقاة بالمحل النجس و لا شمول العرق كلّ اليد. و قد نصّ في الوافي أنه أحد الوجهين في الرواية.

قلت: بل هو المتعين بملاحظة غيرها من الأخبار.

و منها: صحيحة العيص، سألت الصادق (عليه السلام) عن (4) رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه؟ قال: «يغسل ذكره و فخذيه».

____________

(1) الإستبصار 1/ 56.

(2) في (د): «للمتنجس».

(3) الكافي 3/ 55، باب البول: يصيب الثوب أو الجسد، ح 4.

(4) في (د): «من».

439

و سألته عمّن مسح ذكره بيده ثم عرقت (1) فأصاب ثوبه (2) يغسل ثوبه؟ قال: «لا» (3)؛ إذ حكمه (عليه السلام) بعدم غسل الثوب دليل على عدم تنجسه بملاقاة المتنجس.

و أما الأمر بغسل فخذيه في السؤال فلوقوع الملاقاة هناك قبل إزالة النجاسة، فتكون النجاسة قد تعدّى من المحل إلى ما يجاوره من بعد إجراء الذكر و الفخذ من جهة حصول العرق بخلاف الثوب، فإنّ ملاقاته إنما وقعت باليد المتنجسة. كذا ذكره بعض الأفاضل.

و يدفعه أنه لا دلالة في الفقرة الأخيرة على تنجس اليد؛ إذ ليس فيها ما يدلّ على ملاقاة اليد لمحل النجاسة من الذكر و لا على كون الملاقاة مع الرطوبة، و لا على كون العرق في محلّ النجاسة من الذكر (4) و لا على ما أن أصاب الثوب المحل للتنجس، و حمل الفقرة الأولى على ما ذكر بعيد جدّا بل (5) فاسد قطعا؛ إذ حصول العرق كذلك بحيث يسري النجاسة من رأس الذكر على الفخذين مما لا يتصوّر في المعتاد، و لو فرض حصوله في فرض نادر جدّا فلا يعبّر عنه بالتعبير المذكور.

على أنه لا فائدة ظاهرة في تجفيف خصوص الذكر بعد شيوع النجاسة كذلك، و رطوبة سائر الأعضاء. على أنه يدلّ أيضا على تنجيس المتنجس أيضا في الجملة إلا أن يقال بجريان نفس البول الباقي على المخرج، و هو بعيد جدّا.

و كيف كان، فظاهر الرواية هو عطف قوله «و قد عرق» على قوله «فمسح»، فالمقصود حصول عرق الذكر و الفخذين بعد مسح ذكره بالحجر و إزالة العين عنه، فيدلّ إذن على تنجّس الفخذين (6) بملاقاته للذكر مع رطوبة العرق فيكون من جملة الأخبار الدالّة على تنجّس المتنجس.

____________

(1) في (د) زيادة: «يده».

(2) في (ألف): «ثوبة».

(3) تهذيب الأحكام 1/ 421.

(4) ليس في (د): «من الذكر».

(5) في (د) زيادة: «هو».

(6) هنا بين النسخ المخطوطة اختلاف في الأوراق، أصلحناها بحسب ترتيب المطالب.

440

فقد ظهر بما عرفت عدم دلالة الأخبار المذكورة عليه، و ليس في الأخبار ما هو أدلّ منها على ذلك، على أنه لو سلّم دلالة بعضها على ذلك فلا يقاوم غيرها من الأخبار الكثيرة المعتضدة بالإجماع بل الضرورة، فسقط ما استند إليه من الأصل.

و مما يقضي العجب منه ما ذكره في الوافي بعد ذكر رواية سماعة و غيرها: لا يخفى على من فكّ رقبة عن قيد التقليد أن الأخبار و ما يجري مجراها صريحة في عدم تعدي النجاسة من المتنجس إلى شيء قبل تطهيره، و إن كان رطبا إذا أزيل عنه عين النجاسة بالتمسح و نحوه، و إنما التنجس (1) للشيء عين النجاسة لا غير؛ لوضوح فساد دعوى صراحتها في ذلك بل ظهورها أيضا. و قد عرفت دلالة بعضها على خلاف ما يدّعيه. غاية الأمر أن يكون إطلاق بعضها موهما لذلك.

و قد دلّ على خلافه روايات مستفيضة معتضدة بالعمل، بل الإجماع، بل ضرورة الدين على ما يظهر من ملاحظة طريقة المسلمين، فكيف يجوز الركون إلى ما يتراءى منه في بادئ الرأي لو سلّم إشعاره بذلك.

____________

(1) في (د): «المتنجس».

441

تبصرة [في أصالة الطهارة]

الأصل في جميع الأشياء الطهارة إلى أن يعلم نجاسته. و يدلّ عليه بعد الإجماع معلوما و منقولا أصالة البراءة و أصالة العدم؛ إذ النجاسة صفة وجودية قطعا، قوله (عليه السلام) في موثقة عمار: «كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر، فإذا علمت فقد قذر و ما لم تعلم فليس عليك (1).

و ينقل في كتب الاستدلال عنه (عليه السلام): «كل شيء طاهر حتى تعلم أنه قذر».

فهو إمّا هذه الرواية مع نقل بعضه بالمعنى أو أنه خبر آخر و إن لم يذكر في كتب الأخبار.

و كيف كان، ففي العبارة دلالة على طهارتها بالأصل، و على استصحاب طهارتها إلا أن يعلم النجاسة، فيجري القاعدة المذكورة فيما لو دار الأمر بين نجس العين و طاهرها، و ما إذا احتمل طروّ النجاسة على طاهر العين.

و يدلّ على الطهارة في الثاني الاستصحاب أيضا.

و عن الحلبي الاكتفاء في النجاسة بمطلق الظنّ. و هو ظاهر الشيخ في النهاية (2) حيث حكم بعدم جواز الصلاة في ثوب قد أصابته النجاسة مع العلم بذلك أو غلبة الظن. و استدلّ عليه الحلبي بأن الشرعيات كلّها ظنيّة.

و لا يخفى وهنه؛ إذ ليست الشرعيات مبنيّة على مطلق الظن، و إنما يعتبر فيها ظنون مخصوصة دلّت على حجيّتها الأدلة، و المفروض عدم قيام دليل عليه في المقام، بل قيامه على خلافه كما عرفت.

و في المستفيضة الناهية عن نقض اليقين إلا باليقين دلالة واضحة عليه، و في خصوص

____________

(1) تهذيب الأحكام 1/ 285.

(2) النهاية: 96.

442

نصوص مستفيضة دلالة على عدم اعتبار الظن فيه بالخصوص كالصحيح الوارد فيمن أعار ثوبه للذمي و هو يعلم أنه يشرب الخمر و يأكل لحم الخنزير، و فيه: «صلّ فيه و لا تغسله من أجل ذلك، فإنك أعرته إياه، و هو طاهر، و لم تستيقن أنه نجّسه (1)، فلا بأس أن تصلّي فيه حتى تستيقن أنه نجّسه (2)» (3).

إلى غير ذلك مما دلّ عليه.

و قد يحمل الظن الغالب في عبارة الشيخ على العلم العادي، فينحصر الخلاف في الحلبي.

و هو على الظاهر مسبوق بالاتفاق ملحوق به.

و كيف كان، فلا تأمّل في أصل الحكم، و إنما الكلام في أمور:

أحدها: أنه هل يعتبر في تنجيس المتنجس العلم بنجاسته بالخصوص؛ فلا يخرج عن مقتضى الأصل بدونه أو يبنى على النجاسة بمجرد العلم بها و إن دار بين أمور فيحكم بنجاسة واحد منها بخصوصه، و إن لم يتعين عنده؟ مقتضى ظاهر الخبر المذكور و غيره ذلك، و هو قضية الأدلة الدالّة على تنجس الشيء بملاقاة النجاسة.

و الظاهر أنه لا تأمل فيه بين الأصحاب. و قد يوهم في المقام بعض العبارات اعتبار العلم لخصوص النجس في تنجسه، و إلا فهو على الطهارة من دونه؛ إذ بعد دوران النجاسة بين أمور لا يعلم بنجاسة كل واحد منها (4) بالخصوص، فيبنى على الطهارة في جميعها، فيجوز استعماله إلا على وجه يوجب استعمال النجس المعلوم بالخصوص.

و هو ضعيف جدا، و الرواية المذكورة و غيرها دالّة على خلافه.

نعم، قد يقال بالحكم بطهارة كل منها في الظاهر، و إن حكم بنجاسة واحد منها على

____________

(1) في (د): «نجسته».

(2) في (د): «نجسته».

(3) تهذيب الأحكام 2/ 261، باب ما يجوز الصلاة فيه من اللباس و المكان و ما لا يجوز ح 27.

(4) هنا قد أدرج في (ألف) بعض الأوراق الماضية ظاهرها الربط و واقعها التضادّ، أصلحناها على حسب الوسع، و الحمد للّه.

443

سبيل الإجمال، فلا يجوز استعمالها على وجه يوجب العلم باستعمال المحرم في الجملة، و إن جاز الاستعمال بالنسبة إلى كل بالخصوص؛ أخذا بظاهر الرواية المذكورة و قاعدة الاستصحاب.

و يضعّفه أن قضية الأصل بعد العلم بنجاسة واحد منها وجوب الاجتناب عن الجميع، و الرواية المذكورة و غيرها لا تدلّ على ما ادّعوه (1)؛ إذ المفروض اندراج واحد من تلك الأمور فيما علم نجاسته، فهو خارج من العموم قطعا و مندرج في مدخول «حتى»، و لا دلالة في العبارة على أصالة الطهارة في مثل ذلك؛ إذ مقتضاها الحكم بالطهارة إلا أن يعلم النجاسة، و المفروض حصول العلم و ارتفاع الحكم بالطهارة في الجملة.

و ليس هناك أصل آخر بعد الاشتباه.

و القول بدلالتها على الحكم بالطهارة إلى أن يعلم نجاسة كل بالخصوص فقد عرفت ما فيه.

و يجرى الكلام المذكور بعينه بالنسبة إلى الاستصحاب، فظهر بذلك قوة القول بوجوب الاجتناب في المشتبه المحصور، و ضعف ما رجّحه جماعة من المتأخرين من البناء على الطهارة بالنسبة إلى كلّ واحد منها ما لم يستوعب الجميع على وجه أو مع استيعابه على آخر إن لم يوجب (2) العلم بتنجس المستعمل بالخصوص.

ثانيها: إن المقصود بالعلم هو العلم اليقيني أعني معناه المعروف لاعتبار اليقين فيه، و حكي القول به عن الإسكافي و الشيخ و القاضي و الحلي في موضع من السرائر.

و المنقول من عبائر الثلاثة المتقدمة عدم قبول شهادة العدلين.

أو المراد به العلم الشرعي أعني ما دلّ الدليل على حجيّته سواء كان علما أو ظنا أو منتهيا إلى العلم؟ وجهان؛ من ظاهر اللفظ لانصرافه إلى المعنى المتبادر، من أنه بعد قيام الدليل القطعي على حجيّة ذلك الظن يكون قطعيا، فيندرج تحت العلم، فلا معارضة بين ما دلّ على عدم الاعتماد على غير العلم في الحكم بالنجاسة و ما دلّ على حجية الظنون المخصوصة؛

____________

(1) في (ألف): «تدعوه».

(2) في (د): «نوجب».

444

لرجوعها إلى العلم بعد قيام الدليل عليها.

و يشكل أن الظاهر من العلم بالقذارة هو العلم بها بحسب الواقع، و غاية ما قضى به ما دلّ على حجية الظن من الحكم بمقتضاه في الظاهر، فيعارض مع العموم المذكور لقضائه باعتبار العلم بنجاسته واقعا في الحكم بالتنجيس.

و مقتضى ذلك عدم حجية الظن المفروض في المقام، و قضاء ما دلّ على حجيته على الاكتفاء به في المقام و غيره، فيكون التعارض بينهما من قبيل العموم من وجه، فيرجع فيه إلى الأصل، و قضية أصالة البراءة عدم وجوب الاجتناب.

فما يقال من أنه بعد قيام الدليل على حجية الظن المخصوص يندرج ذلك في اسم العلم لحصول اليقين بوجوب البناء عليه مدفوع بما عرفت من أن اليقين الحاصل في المقام هو اليقين بالبناء دون ما هو الواقع، و ظاهر تعلق اليقين بالقذارة هو اليقين بحصوله في الواقع.

و يدفعه أن الظاهر من اليقين في المقام هو اليقين بحكم الشرع في الظاهر، و لذا لا تأمل في حجية الظنون الحاصلة في الاستدلال على اثبات النجاسات، و القول باستثنائه من القاعدة المذكورة بعيد مضافا إلى أن ما دلّ على اعتبار الظنون الخاصة يشمل مسألة النجاسات أيضا كما سنشير إليه.

فبعد دلالة الشرع على الحكم بمقتضى تلك الأمور يجب (1) الحكم بها و ليس ذلك عملا بغير العلم كما لا يخفى.

ثالثها: بناء على تعميم العلم لما دلّ على حجية الشرع يقع الكلام في المقام في أمور:

الأول: إذا أخبر ذو اليد على الشىء على نجاسته فالظاهر أنه لا تأمل في القبول.

و في الحدائق (2): إن ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه.

و عن الفاضل الخوانساري (3) المناقشة فيه حيث قال: و أما قبول قول المالك عدلا (4) كان

____________

(1) في (ألف): «بحسب».

(2) الحدائق الناضرة 5/ 252.

(3) مشارق الشموس 1/ 285، و فيه: «فلم أظفر».

(4) في (د): «عدولا».

445

أو فاسقا فلم نظفر له على حجة.

ثم ذكر في اعتبار ذكر السبب في قبول الجرح و التعديل؛ نظرا إلى اختلاف مراتب المذاهب فيه كأنّ الأظهر فيه البناء على ظاهر اللفظ من إرادة ما هو الواقع حتى يتبيّن الخلاف من دون لزوم استفصال.

كما أنه يقبل الشهادة على الملكيّة من دون سؤال عن السبب المملّك مع وقوع الخلاف في أسباب هذا إذا شهد عدلان على النجاسة و آخران على الطهارة و تعارضت البيّنتان مع عدم إمكان الجمع بينهما.

فهل يقدّم الطهارة لترجيح بيّنتها بالأصل أو للبناء على التساقط (فيرجع إلى أصالة الطهارة كما حكاه في الايضاح عن الشيخ و قوّى في البيان البناء على التساقط) (5) بعد أن استقرب جعله كالاشتباه.

أو يقدّم النجاسة ترجيحا للناقل على المقرر؛ للأصل كما حكاه في الايضاح (6) عن الحلي.

أو يجعل كالمشتبه كما اختاره في التذكرة (7) و القواعد، و حكي عن الشهيد الثاني؟

احتمالات؛ أظهرها بحسب القواعد ترجيح الطهارة؛ أخذا بالأصل السالم عن ثبوت المعارض سيّما بعد تقديم بيّنة الطهارة.

و لو كان تعارض البينتين في الإنائين مع عدم إمكان الجمع بينهما للقطع بطهارة أحدهما- لاتفاقهما على ذلك- فهل يحكم بتساقطهما و يرجع إلى أصل الطهارة في المائين كما اختاره في الخلاف (8) و المختلف (9).

____________

(5) ما بين الهلالين لم ترد إلّا في (ب).

(6) إيضاح الفوائد 1/ 24.

(7) تذكرة الفقهاء 1/ 24.

(8) الخلاف 1/ 201.

(9) مختلف الشيعة 1/ 251.

446

و حكى عن المبسوط، و قوّاه بعض المتأخرين.

أو يجري عليها حكم المشتبهين لاتفاقهما على النجاسة و إنما التعارض في التعيين فيثبت النجاسة و يدور بين الأمرين، [كما] حكي عن السرائر (1) و المعتبر (2) و التحرير (3) و الايضاح (4) و جامع المقاصد (5) و الشهيدين.

أو يبنى على نجاستهما لحصول الشهادة بالنسبة إلى كل منهما كما حكاه المحقق الكركي قولا واحدا، قد حكم الحلي أيضا إلا أنه حكم فيه بعد ذلك بالاشتباه و حكم قبله بغيره، و كلامه مضطرب في المقام إلا أنّه اخّر بناء الحكم بالاشتباه كما ذكرنا.

أو يبنى فيه على القرعة كما ذكره في السرائر (6) ثم استبعده؟ وجوه؛ أضعفها الوجهان الأخيران.

و الحكم بأحد الوجهين الأولين مبنيّ على أن القدر الجامع بين الشهادتين و إن كان أمرا كليّا هل يثبت بالشهادة المفروضة و إن وقع الاختلاف في الخصوصيات أو لا يثبت القدر الجامع؛ لعدم توافق الشهادتين.

و الأظهر بحسب القواعد هو الأول، و لذا لو شهدوا أوّلا بالقدر الجامع قبلت قطعا، فشهادتهما على التفصيل لا يمنع منها.

هذا إذا لم يعلم بنجاسة أحدهما على سبيل الإجمال أو لم يعلم ذلك من شهادتهما، و أما مع حصول العلم بأحد الوجهين فلا تأمل في إلحاقه بالمشتبهين.

ثانيها: في قبول خبر العدل الواحد في ذلك قولان.

____________

(1) السرائر 1/ 86.

(2) المعتبر 1/ 54.

(3) تحرير الأحكام 1/ 56.

(4) إيضاح الفوائد 1/ 24.

(5) جامع المقاصد 1/ 155.

(6) السرائر 1/ 87.

447

و المحكي عن الشيخ في المبسوط و الخلاف (1) و الفاضلين في المعتبر (2) و المنتهى (3) و التحرير (4) و القواعد (5) و موضع من التذكرة (6)، و ابن فهد و غيرهم عدم القبول.

و ذهب في موضع من التذكرة (7)، إلى قبوله.

و قوّاه غير واحد من أفاضل المتأخرين؛ لما يستفاد من جملة من الأخبار من تنزيل خبر العدل منزلة العلم كما لوارد في انعزال الوكيل إذا أخبره ثقة بالعزل، و جعله فيه قرين المشافهة بالعزل.

و ما دلّ على قبول قول المانع العدل إذا أخبر بالاستبراء، و ما دلّ على ثبوت الوصية بقول الثقة إلى غير ذلك.

و لذا قوّى في الحدائق (8) قبول قوله مما دلّ على قبول خبر العدل.

و يضعّفه أن ما دلّ من الأخبار المذكورة على قبول قول العدل لا عموم فيه بحيث يشمل المقام.

و القول بفهم العموم من سياقها- إن سلّم- فكونه بحيث يشمل محلّ الكلام محلّ كلام، مع أن ظاهر المعظم عدم القبول، فالخروج بمجرد ذلك عن مقتضى الأصل المعلوم لا يخلو من خفاء.

مضافا إلى فحوى التردد بين المذكورتين؛ إذ اعتبار شهادة الاثنين أو قيام البيّنة الظاهرة في التعدد أقوى شاهد على عدم العبرة بالواحد مع اتحاد المناط بين ثبوت الحلية و النجاسة كما

____________

(1) الخلاف 1/ 200.

(2) المعتبر 1/ 54.

(3) انظر منتهى المطلب 1/ 56.

(4) تحرير الأحكام 1/ 53.

(5) قواعد الأحكام 1/ 189.

(6) تذكرة الفقهاء 1/ 24.

(7) انظر تذكرة الفقهاء 1/ 93.

(8) انظر الحدائق الناضرة 13/ 96.

448

عرفت.

ثم على القول بثبوت النجاسة بقول الواحد لا يثبت به العيب في المقام قطعا؛ فيفترق الأمران.

و به يضعف أيضا ما تقدم عن الحدائق (1) من الإباء عنه فيما يقال من ثبوت العيب بقول العدلين دون النجاسة، و إذا انضمّ إلى شهادة الواحد الحلف فيما إذا ادّعى العيب فلا شكّ في ثبوته بالنسبة إلى الردّ [و فيه] رواية غير دالّة عليه.

و ناقش في إسنادها و دلالتها، و لا يخفى أنّ قبول قول المالك في مثل ذلك مما لا ينبغي التأمل فيه سيّما بعد إطباق الأصحاب عليه.

و يدلّ عليه رواية ابن بكير أنه سئل الصادق (عليه السلام) عن رجل (2) أعار رجلا ثوبا فصلّى فيه و هو لا يصلّى فيه. قال: «لا يعلمه». قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد» (3).

و في الموثق: سألت الصادق (عليه السلام) عن الرجل من أهل المعرفة بالحق يأتيني بالبختج، و يقول: قد طبخ على الثلث و أنا أعلم به أنه يشربه على الثلث و لا يستحلّه على النصف يخبرنا أنّ عنده بختجا، و قد ذهب ثلثاه و بقي ثلثه فأشرب منه؟ قال: «نعم» (4).

و في موثقة أخرى عن الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل يأتي بالشراب فيقول: هذا مطبوخ على الثلث. فقال: «إن كان مسلما أو (5) ورعا مأمونا فلا بأس أن تشرب» (6).

مضافا إلى ما يستفاد من عدة من الأخبار الناهية عن السؤال في شراء بعض الجلود أو الجبن، و في غير واحد منها بعد الحكم المذكور أن «الخوارج ضيّقوا على أنفسهم بجهالتهم و أن

____________

(1) انظر الحدائق الناضرة 5/ 244 و 252.

(2) لم ترد في (ب): «عن رجل ... عن الرجل».

(3) قرب الأسناد: 169.

(4) الكافي 6/ 421، باب الطلاء، ح 7.

(5) لم ترد في (ب): «أو ورعا مأمونا».

(6) تهذيب الأحكام 9/ 116.

449

الدين أوسع من ذلك» (1).

فإنها تومي إلى سماع قول المالك و إلا فأيّ حسن كان في ذلك إلا أن يراد به الضيق من جهة تحمل السؤال، و هو مع بعده في نفسه بعيد بحسب المقام.

فروع

[الأول: ...] (2)

الثاني: المشهور بين المتأخرين كما في المعالم قبول شهادة العدلين في الحكم بالنجاسة، و به قال الشيخ في المبسوط (3) و الفاضلان و غيرهم.

و عن الإسكافي و الشيخ في قوله الآخر عدم القبول. و هو قضية القول بعدم اعتبار ما عدا اليقين.

و احتجّ للأول بأن الظاهر أنه لا خلاف و لا إشكال في قبول شهادتها في ثبت العيب لو كان المبيع ماء و ادّعى المشتري نجاسته حين العقد، فيسلّط على الفسخ. و ليس ذلك إلّا لثبوت النجاسة، و الحكم به في الشرع، فإذا ثبت شرعا لحقها سائر أحكامها.

و يضعّفه أن الثابت بالبيّنة (4) هو النجاسة من حيث كونها عيبا المتفرع عليها ثبوت الردّ و الأرش (5)، و أما النجاسة من حيث هي المتفرع عليها وجوب الاجتناب فلا. و لا ملازمة بين الأمرين؛ إذ التفكيك (6) بين الملازمين في الأحكام الظاهرية غير عزيز في الشرع.

كيف، و لو أقرّ المالك بعد تسليمه إلى المشتري بنجاسته قبل البيع يثبت التخيير بين الرد و الأرش مع عدم ثبوت النجاسة بذلك على مقتضى كلماتهم كما مرّ.

____________

(1) قرب الإسناد: 385.

(2) هنا في (د): «بياض الأصل في نسخة المصنف بخطه». و لم يوجد في النسختين الأخريين أيضا.

(3) المبسوط 1/ 9.

(4) في (ألف): «بالنسبة».

(5) في (د): «أو العرش».

(6) في (ألف): «التشكيك».

450

و بذلك يظهر ضعف ما ادّعاه في الحدائق (1) من القطع بالملازمة بين الأمرين، و أنه بعد ثبوت العيب بسبب النجاسة يتبعه سائر أحكامها من غير فرق، فالأولى الاستناد إلى أن الظاهر من تتبع موارد الشرع تنزيل شهادة العدلين منزلة العين؛ لقيامه مقام العين في كلّ مورد يطلب فيه إلى ما خرج بالدليل.

مضافا إلى بعض روايات تدلّ في المقام عليه، كقول الصادق (عليه السلام) فيما رواه الشيخان في الجبن قال: «كلّ شيء لك حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة» (2).

و فيه دلالة على قبول قولهما في النجاسة و احتمال (3) أن اختلاف جهة الحرمة لجهة النجاسة مما لا يصغى إليه في المقام. على أنّ حكم الحرمة و النجاسة من باب واحد، بل الأخبار الواردة هناك أكثر من المقام.

و روى الشيخان أيضا بإسنادهما عنه (عليه السلام) قال: «كلّ شيء هو لك حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه فتدعه من قبل نفسك و ذلك مثل الثوب يكون عليك قد اشتريته و هو سرقة» إلى أن قال: «و الأشياء كلّها على هذا يستبين لك غير ذلك أو يقوم به البينة» (4).

فإن ظاهر إطلاقه يعم الحرمة الحاصلة بسبب كونه ملك الغير أو من جهة النجاسة أو غيرهما.

حجة القول الثاني ما عرفته في المسألة المتقدمة.

و قد عرفت ما فيه.

و هل يعتبر في القبول ذكر السبب؟ قولان، فظاهر إطلاق جماعة كالشيخ في المبسوط (5)

____________

(1) الحدائق الناضرة 5/ 244.

(2) الكافي 6/ 339، باب الجبن، ح 2؛ بحار الأنوار 62/ 156، ح 30.

(3) في (ألف): «احتمل».

(4) الكافي 5/ 313، ح 40، تهذيب الأحكام 7/ 226، باب من الزيادات ح 9.

(5) المبسوط 1/ 8.

451

و الفاضلان في المعتبر (1) و المختلف (2) عدمه. و اعتبره في التذكرة، و تبعه جماعة منهم ابن فهد و الصيمري. و استحسنه صاحب المعالم.

و في (3) الخلاف (4) هنا اخر الخلاف (5)؟ أو الأرش، و أما بالنسبة إلى وجوب الاجتناب فوجهان مما تقدّم ذكره عن الحدائق و من إمكان التفكيك، و هو (6) الأظهر كما عرفت.

و يدل عليه ثبوت العيب باليمين المردودة قطعا مع عدم ثبوت النجاسة بمجردها يقينا.

و هو مضعّف آخر لما ذكره.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه لأمور:

أحدها: الظاهر استحباب الاجتناب عمّا يظن نجاسته في خصوص المقام

لرجحان الاحتياط، و لفحوى ما دلّ على رجحان الاجتناب من سؤر الحائض المتّهمة.

و قد ألحقوا به من لا يتوقّى النجاسة كما مرت الإشارة إليه، و ما دلّ من الأخبار على النهي عن نقض اليقين بالشك المراد به في المقام ما يعمّ الظن كما دلّ عليه بعض تلك الأخبار من عدم نقضه إلا باليقين، إنما يراد به النهي عن الحكم بالنجاسة كما هو الظاهر من سياقها دون الغسل على سبيل الاحتياط لتحصيل الواقع عند ظنّ الخلاف.

و كيف كان، فهذا هو الأصل الثابت رجحانه بملاحظة العقل إلا أن يعارضه شيء من النقل. و حيث لا يظهر دليل في المقام على خلافه فالظاهر البناء عليه، مضافا إلى ما عرفت.

ثانيها: لو علم العدلان بنجاسة شيء فهل يجب عليهما إخبار الجاهل المستعمل له فيما يشترط بالطهارة أو لا؟

____________

(1) المعتبر 1/ 54.

(2) انظر مختلف الشيعة 1/ 251.

(3) في (ب) و (د) هكذا: «و ف» بدل: «و في الخلاف».

(4) الخلاف 1/ 200.

(5) في (د) زيادة: «في اعتبار ذكر السبب ... فلا شك في ثبوته بالنسبة إلى الرد».

(6) في (ألف): «هو» بدون الواو.

452

وجهان، و المحكي عن العلامة في المدنيّات و بعض الأفاضل ذلك. و قد نصّ في المقام، و الحدائق (1) على عدم الوجوب، بل ربّما يميل كلام الحدائق إلى الكراهة فيه.

و احتجّ العلامة عليه بوجوب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

و هو كما ترى؛ إذ لا منكر مع الجهل.

و حكى في المعالم عن بعض الأصحاب احتمال الوجوب؛ نظرا إلى وجوب التجنب عن النجس المتوقف على الأخبار.

و وهنه ظاهر؛ إذ وجوب الاجتناب فرع العلم، و المفروض عدمه. على أنه إن سلّم الوجوب فعلى غير المخبر، فكيف مقدمته على غير من وجب عليه.

على أن وجوبه عليه فرع العلم (2)، فكيف يتفرع وجوب (3) الإعلام عليه. و حيث لم ينهض دليل على الوجوب فلا بدّ من البناء على مقتضى الأصل إلا أن يبيّن دليل الوجوب.

مضافا إلى دلالة غير واحد من الأخبار على عدمه؛ ففي الصحيح: عن الرجل يرى في ثوب أخيه دما و هو يصلي. قال: «لا يؤذنه حتى ينصرف» (4).

و قد مر رواية عبد اللّه بن (5) بكير: فيمن أعار رجلا ثوبا لا يصلي فيه، و إذا جاز الدفع من غير إعلام فعدم وجوب الشهادة بالأولى.

و لأنّ في دلالته على ما ذكر تأمّلا كما سيأتي.

و في صحيحة عبد اللّه [بن] سنان، عن الصادق (عليه السلام): «و أن الباقر (عليه السلام) اغتسل و بقيت لمعة من جسده لم يصبه الماء» فقيل له، فقال: «ما عليك لو سكتّ؟!» (6).

____________

(1) الحدائق الناضرة 5/ 260.

(2) في (ب) زيادة: «و المفروض عدمه على أنّه إن سلّم الوجوب فعلى غير المخبر».

(3) في (ب): «فكيف مقدّمه على غير من وجب عليه على أن وجوبه» بدل: «يتفرّع وجوب».

(4) الكافي 3/ 406، باب يصلى في الثوب و هو غير طاهر عالما أو جاهلا، ح 8.

(5) بحار الأنوار 81/ 293، ح 15. و فيه: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أعار رجلا ثوبا فصلّى فيه و هو لا يصلي فيه؟ قال: «فلا يعلمه؟» قلت: فإن أعلمه؟ قال: «يعيد».

(6) الكافي 3/ 45، ح 15.

453

و ليس في الخبر ما يدلّ على غفلة الإمام (عليه السلام) ليقضي بوهن الخبر؛ لكونه بانيا على الحال به بعد ذلك فاستعجل السائل، أو كان التأخير لبيان الحكم المذكور، فإذا لم يجب الإعلام في الغسل ففي غيره أولى (1).

و احتمال كونه من الأغسال المسنونة مدفوع بأن ذكره على سبيل الإطلاق في مقام البيان يومي إلى إطلاق الحكم.

قلت: قد يكون الجهل بالموضوع باعثا على ارتفاع الحكم عن المكلّف بحسب الواقع كما في الجهل بنجاسة الثوب أو البدن بالنسبة إلى الصلاة؛ لما عرفت من عدم ثبوت مانعيّتها عن الصلاة على سبيل الإطلاق، فحينئذ فلا تأمل في عدم وجوب الإعلام؛ إذ لا منع من الصلاة معها لا في الواقع و لا في الظاهر.

و قد لا يكون باعثا على اختلاف الحكم الأول (2) لكن لا يقضي وقوع محرّم في المقام إلا من جهة الإبداع كما في أداء الصلاة إذا كان مع الجهل بالحدث، و الظاهر أنه كالسابق؛ لعدم تحقق مفهوم البدعة مع الجهل المحض، فلا محرّم بالنسبة إلى الواقع أيضا.

و قد يثبت معه التحريم أيضا إلا أنه يكون الجهل به عذرا للمكلف، و حينئذ ينبغي التفصيل بين المحرّمات التي لا يرضى الشارع بوقوعها في الخارج على حسب الإمكان، و ما لم يعرف من الشرع كونه بتلك المثابة فإنّ ما كان من الأول يجب الإعلام به كما إذا اعتقد الأجنبية زوجه إما لحصول جهة محرّمة لا يعلم بها أو لفساد في عقدها أو لالتباس (3) شخصها و علم الشاهدان بالحال، فإنّ وجوب الإعلام في مثله مما لا ينبغي أن يستراب فيه، و كذا الحال في شرب الخمر إذا التبس (4) بغيرها.

و أما ما كان من الثاني فلا دليل فيه على وجوب الإعلام. و قد ظهر بما فصّلناه من الكلام

____________

(1) في (د): «بالأولى».

(2) في (د): «الأولى».

(3) في (ألف): «الالتباس».

(4) في (د): «التبست».

454

ما يرد على إطلاق ما ذكروه في المقام.

ثالثها (1): أنه هل يجوز دفع النجس إلى الجاهل من غير إعلامه بالحال لصرفه فيما يشترط الطهارة؟

فيه وجهان معلومان مما تقدّم إلا أن القول بجوازه في المقام ضعيف كما دلّت عليه السيرة المستمرّة المقطوعة من الامتناع عن صرف المتنجسات الغير القابلة للتطهير إلا فيما لا يشترط بالطهارة (كالأدهان المتنجسة و نحوها. و لو جاز دفعها إلى الجاهل ليصرفها في المصارف المشترطة بالطهارة لما حصروا) (2) لما مرّ (3)، و الأمر في تلك المصارف النادرة الخالية في الغالب عن المنافع المطلوبة مع جواز صرفه في مؤنة الاضياف و العيال أو إعطائه لسائر الناس، بل جاز دفعه مطلقا إلى الأطفال لارتفاع التكليف عنهم.

مضافا إلى ما فيه من إضافة المال.

على أن المستفاد من عدّة من الأخبار ثبوت المنع في المقام مثل ما دلّ على لزوم الإعلام في بيع الزيت أو السمن و العسل إذا مات فيه الجرد، و ما دلّ على عدم جواز بيع النجس من غير مستحلّي الميتة .. إلى غير ذلك.

و استشكل صاحب الحدائق (4) في المقام من جهة الأخبار المذكورة، و ملاحظة ما يستفاد من غيرها من الجواز، مثل ما دلّ على عدم وجوب الإعلام في دفع الثوب الذي لا يصلّى فيه بل اشتمل على النهي من الإعلام، و أقل مراتبه الكراهة.

و فحوى صحيحة العيص، عن الصادق (عليه السلام)، عن رجل صلّى في ثوب رجل أياما، ثم إن صاحب الثوب أخبره بأنه لا يصلّى فيه، قال: «لا يعيد شيئا من صلاته» (5).

فإن سكوته عن منع (6) الإعادة من دون الإعلام تقرير منه (عليه السلام) عليه، فيشير إلى جوازه.

____________

(1) زيادة: «ثالثها» من (د).

(2) ما بين الهلالين مأخوذة من (د)، و لم ترد إلّا فيها.

(3) ليس في (د): «لما مرّ، و».

(4) انظر الحدائق الناضرة 5/ 260.

(5) الكافي 3/ 404، باب يصلى في الثوب و هو غير طاهر عالما أو جاهلا، ح 1.

(6) في (ب): «المنع».