تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
57

هذا مع اتّحاد عين النصاب، و أمّا مع اختلافها كأن اعتقد تملك أربعين من الشياه ثمّ انكشف له أنّ ما يملكه أربعون اخرى، فلا زكاة إلّا بعد حلول الحول على الثاني بعد علمه بتملّكه؛ لانتفاء الملكيّة بالنسبة إلى الأوّل و انتفاء التمكّن من التصرّف بالنظر إلى الثاني.

58

تبصرة [في اشتراط التمكّن]

التمكّن من التصرّف شرط في وجوب الزكاة على المعروف من المذهب بلا خلاف فيه يظهر.

و في المنتهى (1): إنّ عليه فتوى علمائنا.

و في التذكرة (2): يشترط في وجوب الزكاة تماميّة الملك، و أسباب النقص ثلاثة: منع التصرف، و تسلط الغير، و عدم قرار الملك. فلا يجب الزكاة في المغصوب و لا الضالّ و لا المحجور بغير بيّنة و لا المسروق و لا المدفون (3) مع جهل موضوعه عند علمائنا أجمع.

و ظاهر عود الإجماع إلى أصل الحكم المتفرّع عليه ما ذكره من نفي الزكاة في الصور المفروضة. و لو قيل بعوده إلى الحكم المذكور في التفريع ففيه أيضا دلالة على المطلق.

و في المدارك (4) و الذخيرة (5): إنّه مقطوع به في كلام الأصحاب.

و في الحدائق (6): إنّه ممّا لا خلاف فيه فيما أعلم.

و في الخلاف (7) نفي الخلاف عن عدم وجوب الزكاة في مال الغائب إذا لم يكن صاحبه (8)

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 475.

(2) تذكرة الفقهاء 1/ 201.

(3) في (ألف): «المديون»، و ما في المتن صحيح بقرينة ما سيجيء.

(4) مدارك الأحكام 5/ 32.

(5) ذخيرة المعاد 3/ 422.

(6) الحدائق الناضرة 12/ 31.

(7) الخلاف 2/ 111.

(8) لم ترد في (ب): «متمكّنا ... إذا كان صاحبه».

59

متمكّنا منه.

و في ظاهر كلامه في موضع آخر حكاية إجماع الفرقة على عدم وجوب الزكاة في مال الغائب إذا كان صاحبه ممنوعا منه أو كان مغصوبا (1) لا يرجو إطلاقه.

و فيه أيضا: إن من كان له مال دراهم أو دنانير فغصبت أو سرقت أو جحدت أو غرقت أو دفنها في موضع ثمّ نسيها و حال عليها الحول انّه لا تجب الزكاة فيه (2).

و ذكر (3) خلاف العامّة، ثمّ استدلّ بإجماع الفرقة و أخبارهم.

و لا يبعد أن يكون الوجه في الجميع و نحوه هو انتقاء التمكن من التصرف كما هو المنساق من كلامه، فيكون (4) هو المناط في نفيه الخلاف، و ما حكاه من الإجماع.

و يومي إليه ببعض كلماته (في طي مسائل أخر.

و احتجّ) (5) عليه في الحدائق (6) بما دلّت عليه الروايات من انتفاء الزكاة عن المال الغائب عن مالكه حتّى يقع في يديه و عن الوديعة و الدين مما لا يصل (7) إليهما، فلا زكاة عليه حتّى يأخذهما و يحول عليه الحول بعد ذلك، و عن المال المدفون إذا ضاع عليه محلّ الدفن، و عن ميراث الغائب فلا زكاة عليه حتّى يقدم و يحول عليه الحول و هو عنده.

و الروايات الدالّة على أنّ ما (8) لم يحل عليه الحول عند برئه (9) فلا شيء عليه كما سنشير إلى كلّ واحد من المذكورات.

____________

(1) في (د): «معقوذا».

(2) في (د) زيادة: «عندنا».

(3) أي الشيخ في الخلاف 2/ 31.

(4) في (ألف): «فلا يكون».

(5) ما بين الهلالين من (د).

(6) الحدائق الناضرة 12/ 21.

(7) في (ألف): «و من الرد لا سبيل» بدل: «و عن الوديعة و الذين مما لا يصل». و لم نجد لها معنى.

(8) «أنّ ما» متّصلة في النسخ أي «أنّما».

(9) في (د): «ربه».

60

فإنّ المتلخّص من تتبّع تلك الروايات كون التمكن من التصرف شرطا في وجوب الزكاة، قال: و لا يخفى أنّه و إن كان كلّ واحد من هذه الأخبار أخصّ من المدّعى إلّا أنّه بضمّ بعضها إلى البعض- ممّا ذكرناه و ما لم نذكره- يتحصل الحكم المذكور؛ فإنّ أكثر القواعد الشرعيّة إنّما تحصل من ضمّ الجزئيات بعض إلى بعض مثل القواعد النحوية الحاصلة من تتبع الجزئيّات.

و قد أراد بذلك دفع ما أورده صاحب المدارك (1) في المقام بعد إيراده عدّة من الأخبار من أنها انّما تدلّ على سقوط الزكاة في المال الغائب الّذي لا يقدر صاحبه على أخذه لا على اعتبار التمكن من التصرف بإطلاقه.

و أنت خبير بأنّ مرجع ما ذكره في دفعه هو التمسّك بالاستقراء الظني، و هو لا ينهض حجّة في الأحكام عند محقّقي الاصوليين، فضلا عن الأخباريين.

و تمثيله ذلك بالقواعد النحويّة الثابتة من استقراء الجزئيّات غريب؛ لابتناء معظم قواعد العربية على الامور الظنيّة.

و أين ذلك من إثبات الأحكام الشرعيّة.

و قد يقال بأنّ مقصوده من ذلك انفهام القاعدة المذكورة من ضمّ بعض الأخبار إلى بعض، و ذلك هو المستفاد عرفا من مجموع تلك الروايات.

و كما أنّ مدلول كلّ واحد واحد من الأخبار حجّة شرعيّة يجب الأخذ بها، و كذا ما يستفاد من مجموعها و هو متّجه سيّما بعد تأيّده بالإجماعات المحكيّة المعتضدة بفتوى الطائفة من غير خلاف يعرف فيه.

و في المدارك: (2) إنّه يمكن الاستدلال عليه بأنّه لو وجبت النصاب في الزكاة (3) مع عدم التمكّن من التصرف عقلا و شرعا (4) لوجب الإخراج عن (5) غير العين، و هو باطل (6)؛ إذ الزكاة

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 31.

(2) مدارك الأحكام 5/ 33.

(3) في (د): «لو وجبت الزكاة في النصاب».

(4) في (د): «أو شرعا».

(5) في (د): «من».

(6) في (ألف): «بطل» بدلا من: «و هو باطل».

61

إنّما يجب في العين، ثمّ أورد عليه بأنّه إنّما يقتضي اعتبار التمكّن من التصرف وقت الوجوب لا توقّف جريانه في الحول عليه. قال: و المسألة محلّ إشكال.

و للنظر فيها مجال.

و يمكن المناقشة فيما ذكره بما قد يقال من أن المستفاد من الأخبار و كلام الأصحاب أن ما هو مانع من وجوب الزكاة حال حلول الحول مانع من جريانه في الحول أيضا.

و يمكن الإيراد عليه بوجه آخر: نظرا إلى الفرق بين تعلّق الزكاة بالمال و وجوب الإخراج عنه، و المتوقف على التمكّن من التصرف إنما هو الثاني دون الأوّل، فأيّ مانع من تعلّق الزكاة و وجوب الإخراج عنه (7) بالعين حال عدم التمكّن منه؟ فيجب عليه الإخراج مع المكنة و لو بعد مدّة أو جاز (8) استقلال الحاكم أو العامل بالأخذ عند التسلط عليه.

نعم، لو ثبت المنع الشرعي من التصرف فيه مطلقا صحّ ذلك، و هو إنّما يحصل في بعض الفروض. كيف و قد أجمعوا على وجوب الزكاة في مال النائم و الغافل حين تعلّق الوجوب مع أنّه غير مأمور حينئذ بالإخراج.

فالأولى الاحتجاج بما قدّمناه.

ثمّ إنّ المراد بالتمكّن من التصرف في المقام يعمّ التمكّن الشرعي و العادي، و التمكّن من التصرّف في العين و المنافع بالجملة، كما هو ظاهر من ملاحظة ما فرّعوا عليه، لكن لا يعتبر فيه التمكّن من جميع التصرّفات.

و كأنّ المدار فيه على صدق العرف بعد قيام الدليل على اعتباره؛ إذ لا تحديد له الشرع.

و لا يبعد البناء في محلّ الشك على الأخذ بالإطلاقات حتى يتبيّن وجود المانع.

و قد يبنى فيه على أصالة البراءة من جهة الشك في وجود الشرط القاضي بالشك في

____________

(7) ليس في (د): «و وجوب الإخراج عنه».

(8) في (ألف): «جار».

62

حصول المشروط.

و هو ضعيف

[مسائل]

ثمّ إنّ المسائل المتفرعة على اعتبار الشرط المذكور كثيرة لا بأس بالإشارة إلى جملة منها:

و منها (1): أنّه لا زكاة في المغصوب.

و عليه الإجماع في التذكرة (2) كما مرّ.

و في المنتهى (3): إنّ عليه فتوى علمائنا. و قد مرّ ما في الخلاف من الإجماع على عدم ثبوت الزكاة في المال الغائب أو ما كان ممنوعا منه.

و في الذخيرة (4): الظاهر أنّه لا خلاف فيه بين الأصحاب.

ثمّ إنّ قضيّة القاعدة المتقدّمة و ظاهر كلام الأصحاب عدم الفرق في ذلك بين ما يعتبر فيه الحول أو ما لا يعتبر فيه. و العبرة في الثاني بحال تعلّق الوجوب، فسبق الغصبيّة و تأخرها لا يمنع من الوجوب قطعا.

و قد نبّه على التعميم المذكور في المسالك (5)، و استشكل فيه في المدارك (6)، و تبعه صاحب الذخيرة؛ لعدم وضوح مأخذه نظرا إلى اختصاص الأدلّة بما يعتبر فيه الحول.

و أراد بذلك ما دلّ عليه من الأخبار كصحيحة عبد اللّه بن سنان: «و لا على المال الغائب

____________

(1) كذا، و الظاهر: «فمنها» أو «منها».

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 18.

(3) منتهى المطلب 1/ 475.

(4) الذخيرة 3/ 424.

(5) مسالك الإفهام 1/ 362.

(6) مدارك الأحكام 5/ 34.

63

عنك حتى يقع في يديك» (1).

و مرسلة ابن بكير: في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه؟ قال: «فلا زكاة عليه حتى يخرج، فإذا خرج زكاه لعام واحد» (2).

و يدفعه بعد ما عرفت من القاعدة و الإجماعات المحكيّة أنّهما لا يقولان بوجوب الزكاة فيه في وقت الوجوب، و إنّما يحكمان بوجوبها عند ارتفاع الغصب، و هو غير متّجه.

أو مع عدم ثبوت حق الفقراء فيه حال تعلّق الوجوب لا دليل على ثبوتها فيه بعد ذلك؛ إذ ظاهر الإطلاقات الواردة هو تعلّق الوجوب من أوّل الأمر، فإذا التزم بتقييد تلك الأدلّة باعتبار انتفاء التمكّن من التصرّف في النصاب في تلك الحال قضى الاستصحاب بعدم تعلّق الوجوب بعد ذلك.

و شمول الإطلاقات لما بعد ذلك غير معلوم.

مضافا إلى أنّه قد يخرج النصاب عن ملكه ببيعه على الغاصب أو على من يقدر على استنقاذه، فلا يبقى النصاب ليتعلق به الزكاة.

و كذا الحال لو تلفه الغاصب.

و التفصيل بين ما إذا بقي عين النصاب و عدمه بعيد جدا.

و لو وقع الغصب في أثناء الحول استأنف الحول من حين ارتفاعه، و لا فرق بين طول زمان الغصب و قصره إلّا أن يكون بحيث لا ينافي كونه متمكّنا من التصرّف فيه عرفا.

و لو أمكنه استنقاذ المغصوب ببذل بعضه للغاصب أو لغيره فهل تثبت الزكاة في الباقي نظرا إلى تمكّنه من التصرف فيه لقدرته على استخلاصه الذي هو مقدمة لذلك، و كذا لو أمكنه ذلك البذل من غيره مع عدم استيفائه لقيمته؟ وجهان.

و في المدارك (3) تبعا لما في الروضة: و إنّما يسقط الزكاة في المغصوب و نحوه إذا تمكن تخليصه

____________

(1) تهذيب الأحكام 4/ 31، باب زكاة مال الغائب ح 2.

(2) تهذيب الأحكام 4/ 31/ باب زكاة مال الغائب ح 1.

(3) مدارك الأحكام 5/ 34.

64

و لو ببعضه، فيجب فيما زاد على الفداء.

و تبعه في الذخيرة (1).

و يستشكل بصدق الغصب و عدم التمكّن من التصرّف قبل البذل.

و بمجرّد كونه قادرا على تحصيل التمكّن لا يعدّ متمكّنا منه في العرف.

كيف، و لو وجبت الزكاة في المقام لوجب عليه بذل الفداء أو ضمان الزكاة و لو من مال آخر، و كلّ منها تكليف زائد منفيّ بالأصل.

و ظاهر الشرع يأبى عن إلزام المالك بمثله، و البناء على استحقاق الفقير فيه حينئذ من غير وجوب الدفع على المالك مخالف لما مرّت الإشارة إليه من بنائه على كونها حكما تكليفيا و جعل الحكم الوضعي تابعا لذلك؛ إذ قضيّة ذلك عدم استحقاق الفقير مع سقوط التكليف عن المالك.

و تنظّر الشهيد في البيان (2) في إجرائه مجرى التمكّن.

و على ما ذكروه فالظاهر اعتبار بلوغ الثاني حدّ النصاب.

و لو كان الاستنقاذ من غيره فهل يلاحظ النصاب بعد إخراج ما يقابله أو يخرج الزكاة من تمام المال؟ وجهان؛ أجودهما الأوّل.

و إن توقف استنقاذه على بذل الوجه عند الغاصب أو غيره، فإن اشتمل على غضاضة لا يتحمل مثله مثلها في العادة لم يبعد السقوط، و إلّا فإن أمكن ذلك بسهولة من غير طول مدّة احتمل بقاء التمكّن.

و لو أمكنه الاسترداد (3) في الحال بمدافعة الغاصب كان تمكّنا من المال إن لم يتوقف على حرج أو بذل مال. و لو توقف المدافعة على زمان طويل فالظاهر انقطاع الحول و أمكنه التوصّل إلى الحاكم في الاسترداد ففي كونه تمكنا من المال وجهان.

____________

(1) ذخيرة المعاد 1/ 424.

(2) البيان: 167.

(3) في (د): «استراد».

65

و قد يفصّل بين ما إذا تمكّن منه من دون عسر و مشقّة و مضى مدّة طويلة إذا (1) توقف على أحد الأمرين.

و فصّل في البيان (2) بين ما إذا كان الحاكم جائرا أو عادلا فانتظر (3) في صدق التمكّن في الأوّل و قطع به في الثاني.

و يشكل فيما إذا توقّف على المرافعة و إقامة البيّنة عنده و تزكية الشهود و بذل المال في تحصيل تلك المقدمات و الحلف؛ إذ (4) صدق التمكّن عرفا مع الحاجة إلى جميع ذلك بعيد جدا.

و منها: المال المحجور

(5). و قد مرّ حكاية الإجماع عليه عن التذكرة (6) و الخلاف في الدرهم و الدنانير.

و أسنده في المنتهى (7) أيضا إلى علمائنا إلّا أنّه قيّده في التذكرة (8) بصورة انتفاء البيّنة.

و ربّما يومي ذلك بثبوت الزكاة فيه مع وجودها (9). و هو على إطلاقه مشكل سيّما إذا توقف الإثبات إلى مضيّ زمان يعتدّ به.

و لو توقّف على الحلف كما إذا كانت الدعوى على الميّت أو كان هناك شاهد واحد أو لم يكن هناك بيّنة لكن ردّ المدعى عليه (10) الحلف ففي جري الحكم إشكال.

و كأنّ الأظهر في جميع ذلك عدم حصول التمكّن منه بالفعل كما يشهد به التأمّل في العرف إذا قضى ما يلزم من ذلك القدرة على تحصيل التمكن من التصرف.

____________

(1) في (د): «و ما إذا».

(2) البيان: 167.

(3) في (ألف): «لانتظر».

(4) في (ألف): «إذا».

(5) كذا، و الظاهر: «المجحود».

(6) تذكرة الفقهاء 5/ 18.

(7) منتهى المطلب 1/ 476.

(8) تذكرة الفقهاء 5/ 18.

(9) في (ألف): «وجوبها».

(10) في (د): «المدعى عليه عليه».

66

و الفرق بينه و بين نفس التمكّن من التصرّف المعتبر في المقام ظاهر، و المعتبر هو صدق التمكّن من التصرّف فيه في الحال الحاضر بحسب العرف، فإن عدّ غير متمكّن منه في الحال انتفى الحكم، و إن حصل له التمكّن منه بعد ذلك فإنّه يستأنف الحول عند حصوله.

و لا فرق في الجحد بين أن يكون على جهة العصيان و عدمه بأن يكون مستندا إلى جهة شرعيّة موجبة لجوازه و مع علمه بالحال، أو حجّة قائمة باعثة على اشتباهه.

و لو تمكّن المالك على انتزاعه منه قهرا و لو مع تمسّك الجاحد بحجّة شرعيّة كان تمكّنا من المال، و إن لم يكن هناك بيّنة إلّا أن يكون هناك غضاضة عرفية أو تعريض للتهمة أو خوف على ماله، و لو أمكن تخليصه ببذل المال جرى فيه ما تقدّم في المغصوب.

و منها: الضالّ،

و في معناها المدفون مع ضياعه محل الدفن.

و قد دلّ عليه خصوص إجماع التذكرة (1). و نفى عنه الخلاف في الخلاف في الدراهم و الدنانير.

و اسنده في المنتهى (2) إلى علمائنا.

و يدلّ على خصوص الأخير حسنة سدير، عن الباقر (عليه السلام): ما تقول في رجل له مال فانطلق به فدفنه في موضع، فلمّا حال عليه الحول ذهب ليخرجه من موضعه فاحتفر الموضع الّذي ظنّ أن المال فيه مدفون، فلم يصبه، فمكث بعد ذلك ثلاث سنين ثمّ إنّه احتفر الموضع من جوانبه كلّه، فوقع على المال بعينه كيف يزكّيه؟ قال: «يزكّيه لسنة واحدة لأنّه كان غائبا عنه، و إن كان احتسبه» (3).

و التعليل يعمّ الضالّ و المسروق و غيرهما من وجوه الغياب عن المالك.

و لا فرق بين ما يرجى عوده و العثور عليه و غيره إلّا أن يكون بحيث لا ينافي صدق التمكّن منه بحسب العادة، و لا بين أن يصل تمام النصاب أو بعضه، و لا بين عوده إليه بعد ذلك

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 18.

(2) منتهى المطلب 1/ 475.

(3) الكافي 3/ 519، باب زكاة مال الغائب و الدين و الوديعة ح 1.

67

و عدمه فيستأنف الحول بعد العود.

و في المبسوط (1): من كانت عنده أربعون شاة فضلّت واحدة ثمّ عادت قبل حول الحول أو بعده وجبت عليه شاة لأنّ النصاب و الملك و حول الحول قد حصل فيه، فان لم تعد إليه أصلا فقد انقطع الحول.

و التعليل كما ترى سيّما إذا كان عوده بعد حلول الحول و لذا (2) رجع منه أخيرا حيث قال بعد ذلك: و لو قلنا إنّها حين ضلّت (3) انقطع الحول؛ لأنّه لم يتمكّن من التصرّف فيه مثل مال الغائب كان قويّا.

هذا هو المتّجه، و قد نصّ عليه في المنتهى (4) تفريعا على اعتبار التمكّن من التصرّف أنّه لا زكاة في الموروث عن غائب حتّى يصل إلى الوارث أو وكيله.

و أسنده إلى علمائنا.

و قد دلّ عليه بعد ذلك عدّة من النصوص:

منها: الصحيح: «لا صدقة على الدين، و على المال الغائب عنك حتّى يقع في يديك» (5).

و منها: الموثق: عن الرجل يكون له الولد فيغيب بعض ولده فلا يدري أين هو؟ و مات الرجل كيف يصنع بميراث الغائب عن أبيه؟ قال: «يعزل حتى يجيء». قلت: فعلى ماله زكاة؟

فقال: «لا حتى يجيء» قلت: فإذا هو جاء أ يزكّيه؟ فقال: «لا حتى يحول عليه الحول في يده» (6).

و منها: الخبر عن رجل ورث مالا و الرجل غائب هل عليه زكاة؟ قال: «لا حتّى

____________

(1) المبسوط 1/ 203.

(2) في (ألف): «و إذا».

(3) في (ألف): «شكّ».

(4) منتهى المطلب 1/ 475.

(5) تهذيب الأحكام 4/ 31، باب زكاة مال الغائب ح 3.

(6) الكافي 3/ 524، باب المال الذي لا يحول عليه الحول في يد صاحبه ح 1.

68

يقدم». قلت: أ يزكّيه حين يقدم؟ قال: «لا حتّى يحول عليه الحول و هو عنده» (1).

و إطلاق هذه الأخبار و إن أفاد انتفاء الزكاة عن المال الغائب إلى أن يصل إلى المالك سواء قدر على أخذه و التصرف فيه أو لا، فيكون المناط عدم كونه مقبوضا له و واصلا إليه دون عدم قدرته عليه.

إلّا أنّ في بعض أخبار الباب تقييد (2) ذلك بعدم قدرته عليه: ففي الموثق، عن عبد اللّه بن بكير، عن زرارة، عن الصادق (عليه السلام): أنّه قال في رجل ماله عنه غائب لا يقدر على أخذه؟ قال:

«لا زكاة عليه حتّى يخرج عليه، فإذا خرج زكّاه لعام واحد، و إن كان يدعه متعمّدا و هو يقدر على أخذه فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين (3).

فلا بد إذن من حمل غيره من المطلقات كالأخبار المتقدمة و ما دلّ على أنّ ما لم يحل عليه الحول عند ربّه فلا شيء فيه على ذلك.

مضافا إلى اعتضاده بسائر عمومات الزكاة، و ظاهر فتوى الأصحاب بلا خلاف ظاهر بينهم سوى ما يوجد في كلام بعض المتأخرين من نفي البعد عن عدم وجوب الزكاة في مال الغائب مطلقا؛ لتقييدهم الحكم بعدم وجوب الزكاة في المال الغائب بما إذا لم يقدر عليه، أو تفريعهم ذلك على اشتراط إمكان التصرّف كما هو ظاهر من تتّبع كلماتهم، و ما يوجد في كلام بعضهم من إطلاق سقوط الزكاة عن المال الغائب إذا لم يكن في الوكيل أو الولي محمول على الغاصب من عدم حصول إمكان التصرّف حينئذ.

كيف، و تفريع ذلك على اعتبار التمكّن من التصرّف كما في الشرائع (4) و غيره من أقوى الشواهد عليه.

و في الخلاف: إن المال الغائب إذا كان متمكّنا منه يلزمه الزكاة بلا خلاف بينهم.

____________

(1) الكافي 3/ 527، باب المال الذي لا يحول عليه الحول في يد صاحبه ح 5.

(2) في (ألف): «تقييده».

(3) تهذيب الأحكام 4/ 31، باب زكاة مال الغائب ح 1.

(4) شرائع الإسلام 1/ 107.

69

و في الرياض (1): إنّه لا خلاف فيه.

في المدارك (2): إنّ عبارات الأصحاب ناطقة بوجوب الزكاة في المال الغائب إذا كان صاحبه متمكّنا منه.

فما ذكره العلامة المجلسي من أنّ عبارات الأصحاب لا تخلو عن تشويش في ذلك.

و ظاهر كلام أكثرهم عدم وجوب الزكاة إلّا (3) إذا كان في يده أو يد وكيله كما ترى.

و لو لا مخافة الإطناب لذكرنا جملة وافية من عبائرهم في المقام ليتّضح به حقيقة المرام إلّا أنّ فيما أشرنا إليه كفاية.

و كيف كان، فالظاهر أنّه لا عبرة بمجرّد الغياب و عدم الوصول إلى المالك مع قطع النظر عن عدم إمكان التصرف، و لا لعدم علم المالك به أو ببقائه و إلّا لجرى في كلّ موضع لم يعلم ببقاء المال.

كيف و الاستصحاب حجة شرعية لا مدافع له في المقام.

نعم، لو كان الجهل بانتقال المال إليه مانعا من التمكّن من التصرف فيه قضي بانتفاء الزكاة من تلك الجهة و لو كان المال في يده، كما لو سرق مال أبيه فانتقل إليه بالميراث من غير علمه بالحال.

و لو كان وكيلا (4) عن أبيه احتمل ثبوت الزكاة فيه؛ لدورانه بين كونه وكيلا أو مالكا.

و على الوجهين يثبت الزكاة فيه.

و الأظهر عدم الوجوب لعدم تمكّنه من التصرّف فيه على سبيل الاستقلال.

____________

(1) رياض المسائل 5/ 45.

(2) مدارك الأحكام 5/ 35.

(3) لم ترد في (ب): «إلّا».

(4) في (ألف): «وكيل».

70

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على امور:

أحدها: أنّه لا فرق في قدرته على التصرّف في الغياب بين قدرته عليه بنفسه أو بوكيله.

و هل قدرة الوكيل على التصرّف كاف في تحقّق قدرته و لو تسامح الوكيل في قبضه أو التصرّف فيه؟ وجهان؛ من أنّ الوكيل بمنزلة الموكّل، و أنّ المفروض عدم قدرة الموكّل بنفسه و عدم إتيان الوكيل بما وكّل فيه، فهو غير متمكّن منه بالذات و لو بالواسطة لإباء عن ذلك.

ثانيها: أنّه لو (1) لم يتمكّن من التصرّف في المال الغائب إلّا بعد مدّة نظرا إلى طول المسافة فلا زكاة؛

لانتفاء قدرته على التصرّف في الحال، فلا يندرج في الحول (فإن تسامح في الوصول اليه أو بعث وكيلا بقبضه فتأخر لذلك قدرته على التصرف ضه لم يندرج في الحول) (2) نظرا إلى القدرة المتقدّمة لارتفاعها بالتأخير، فغاية الأمر استناد انتفاء القدرة إلى اختياره، و هو لا يقضي بتنزيله منزلة التمكّن و الاختيار.

كيف، و كثير من صور انتفاء القدرة إنّما يكون المالك هو الباعث عليه على سبيل الاختيار كالارتهان و النذر و غيرهما.

و منه يظهر الوجه في إطلاق الخبرين الواردين في ميراث الغائب مع أن للغائب (3) إمكان التعجيل في المجيء أو بعث وكيل للقبض.

ثالثها: لو كان المال الغائب عند وكيله كان بمنزلة كونه عنده، فتمكّن الوكيل حينئذ من التصرف فيه كتمكّنه منه سواء تصرّف فيه أو لا،

و هذا بخلاف ما لو قدر الوكيل على قبضه أو التصرّف فيه من غير أن يكون في يده كما مرّ.

و أمّا لو كان عند المستعير (4) و الودعي مع عدم تمكّنه من الاسترداد منهما فالظاهر عدم

____________

(1) لفظة «لو» لم توجد في (ألف).

(2) ما بين الهلالين أورجت في المتن من نسخة (د).

(3) في (د): «الغائب».

(4) في (د): «أو».

71

جريان الحكم، و كذا الحال في المستأجر و الأجير و نحوهما (1).

أو كون الودعي في الحقيقة وكيلا عنه في الحفظ و كون المال أمانة من قبله عند المذكورين لا يقضي بوجوب الزكاة؛ إذ لا يعدّ بمجرد ذلك متمكّنا من التصرف فيه. و الفرق بين هؤلاء و بين الوكيل ظاهر؛ لاستنابته له في التصرفات بخلاف غيره.

و في الصحيح: الرجل يكون له الوديعة و الدين فلا يصل إليهما ثمّ يأخذهما، متى يجب الزكاة؟ قال: «إذا أخذهما ثمّ يحول عليه الحول يزكّي» (2).

رابعها: لو مضى على المال الغائب سنون لا يتمكّن من التصرّف فيه ثمّ عاد إليه استحبت زكاته لسنة واحدة

على المعروف من المذهب.

و في المنتهى (3): لو عاد المغصوب أو الضالّ إلى ربّه استحبّ أن يزكّيه لسنة واحدة (4).

و ذهب إليه علماؤنا. و في التذكره (5): في المغصوب إذا عاد إليه انّه يزكيه لحول واحد. و هو على الاستحباب عندنا، و ذكر الخلاف فيه عن العامّة.

و ظاهر هاتين العبارتين يومي إلى الإجماع عليه.

و في المدارك (6) بعد ما ذكر ما أفتى به المحقّق من استحباب الزكاة لسنة واحدة إذا مضى على المفقود (7) أو الضالّ سنون ثمّ عاد إلى مالكه: إنّ ذلك مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا.

و في النهاية (8): و إن لم يكن متمكنا و غاب سنين ثمّ حصل عنده زكّاه لسنة واحدة.

و ظاهره يعطي الوجوب.

____________

(1) كذا، و الظهر: «و».

(2) تهذيب الأحكام 4/ 34 باب 9 ح 12.

(3) منتهى المطلب 1/ 475.

(4) ليس في (د): «واو».

(5) تذكرة الفقهاء 5/ 19.

(6) مدارك الاحكام 5/ 38.

(7) كذا، و الظاهر: «المغصوب».

(8) النهاية: 176.

72

و عن ظاهر بعض فضلاء متأخّري المتأخرين القول به؛ لظاهر الأمر الوارد في الأخبار.

و في الحدائق (1): إنه أحوط.

و أنت خبير بأنّ القول بوجوب ذلك موهون جدّا؛ لما عرفت من الدليل القائم على اعتبار التمكّن من التصرف في النصاب سيّما بالنسبة إلى المال الغائب.

و تنزيل (2) عبارة الشيخ على إرادة الاستحباب قريب جدا. و يومي إليه إطلاقه عقيب ما ذكر الحكم بسقوط الزكاة من المال الغائب الموروث إذا لم يصل إلى الوارث إلّا بعد مضيّ حول أو أحوال. و هل يعتبر في ثبوت الاستحباب في المقام مضي سنين على المال؟ فظاهر الوسيلة و السرائر (3) و الشرائع (4) و النافع و الإرشاد و نهاية الإحكام ذلك.

و أطلق في المعتبر (5) و التحرير (6) استحباب زكاته لسنة واحدة إذا عاد إليه من غير تقييد بمضي الأعوام.

هو قضية إطلاق العبارة المتقدمة عن المنتهى (7)، و كذا عن التذكره (8). إلّا أنّه ذكر فيه أيضا أنّه لو مضى على المفقود سنون ثمّ عاد زكّاه لسنة استحبابا.

و في المدارك (9): و أطلق العلّامة في المنتهى استحباب تزكية المغصوب و الضالّ مع العود لسنة واحدة، و لا بأس به.

و ظاهر كلامه كغيره ممّن أطلق إطلاق الاستحباب و لو مضى عليه سنة واحدة.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 21.

(2) لم ترد في (ب): «و تنزيل .. المال الغائب».

(3) السرائر 1/ 443.

(4) شرائع الإسلام 1/ 107.

(5) المعتبر 2/ 491.

(6) تحرير الأحكام 1/ 350.

(7) منتهى المطلب 1/ 475.

(8) تذكرة الفقهاء 5/ 20.

(9) مدارك الأحكام 5/ 37.

73

و نصّ في البيان باستحباب تزكية المال الغائب إذا مضى عليه سنتان فصاعدا، و قد يحمل عليه عبائر المطلقين.

و الأظهر الاقتصار على ما إذا مضت عليه أعوام؛ إذ هو المفروض في حسنة سدير.

و المستفاد من موثقة زرارة و مرسلة ابن بكير كما يومي إليه قوله (عليه السلام) في (1) ذيل الرواية (2):

«فعليه الزكاة لكلّ ما مرّ به من السنين (3)»؛ لكشفه عن فرض الحكم الأوّل في تلك الصورة أيضا.

و الوجه في الإطلاق ظاهر ما يتراءى من إطلاق هاتين الروايتين.

و قد عرفت ما فيه، مضافا إلى أنّ المستفاد من سياقهما زيادة القدر الماضي على العام الواحد، و كأنّه الوجه في اعتبار عدم قصور الماضي عن السنتين.

و فيه أيضا ما عرفت.

ثمّ إن الحكم المذكور ثابت في المال الغائب عن صاحبه ممّا لا يتمكّن منه مطلقا، فيندرج فيه الضالّ أيضا و المفقود و المجحود و المدفون و المغصوب.

و أمّا المغصوب الّذي لم يغب عنه المحجور عليه من التصرّف فيه من قبل الظالم بغير أخذه منه، ففي إجراء الحكم فيه إشكال.

و قضية الأصل عدمه.

خامسها: أنّك قد عرفت وجوب الزكاة في المال الغائب إذا كان بيد وكيله لكونها بمنزلة يده.

و لا فرق حينئذ بين ما إذا كان وكيلا مطلقا يفعل به ما شاء أو وكيلا في صرفه في مصرف مخصوص.

و قد يتوهم أنّ تعيين المصرف قاض بنقص سلطان الوكيل، و المفروض عدم وصول الموكّل إليه، فلا يكون المالك متمكّنا من التصرف فيه لا بنفسه و لا بوكيله:

____________

(1) لم ترد في (ب): «في ذيل الرواية».

(2) لم ترد في (ب): «في ذيل الرواية».

(3) الإستبصار 2/ 28، باب المال الغائب والدين إذا رجع إلى صاحبه هل يجب عليه الزكاة أم لا، ح 3.

74

أما الأوّل فلأنّه المفروض، و أما الثاني فلانحصار تصرّفه في أمر مخصوص.

و بمجرّد ذلك لا يعدّ متمكّنا من التصرّف حسبما ذكروه في مال المفلس و المنذور به للصدقة.

و يدفعه: أنّ المرجع في صدق التمكّن من التصرّف إلى العرف، و هو حاصل في المقام.

و منه يعرف أنّه لو حجر الظالم على المالك من التصرف إلّا على وجه خاص ليس فيه تضييع لماله و لا إضرار به لم يكن ذلك باعثا على ارتفاع تمكّنه من المال.

و كذا لو عيّن الشارع صرفه في مصرف خاص كأداء الدين و صرفه في نفقة من يجب الإنفاق عليه و نحو ذلك.

و الفرق بين ذلك و مال المفلس و المنذور به للصدقة ظاهر، و يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

ثمّ إنّه يجري الحكم ما دام الوكيل باقيا على وكالته، فلو عزله جرى الحكم قبل بلوغ الخبر إليه.

و أما لو عزل نفسه من دون بلوغه إلى الموكّل احتمل سقوط الزكاة لانفساخ الوكالة بذلك و عدمه؛ بناء على القول بجواز تصرفه من جهة الإذن.

و يجري الاحتمال المذكور في كلّ موضع قلنا فيه ببطلان الوكالة و بقاء الإذن.

و يجري حكم الوكيل في ولي السفيه من حاكم و أمينه و عدول المسلمين؛ بناء على وجوب الزكاة في ماله كما هو الظاهر.

و لا يجري في وليّ الغاصب و إن كان حاكما؛ إذ ليس ذلك ولاية على الحقيقة.

و إطلاقات الروايات المتقدمة قاضية بسقوط الزكاة عن مال الغائب و لو كان في يد الحاكم أو أمينه.

ثمّ إن المأمور بإخراج الزكاة هو المالك دون الوكيل إلّا أن يكون وكيلا في ذلك أيضا عموما أو خصوصا.

و بعد حلول وقت الوجوب بمقتضى الأصل بطلان الوكالة بالنسبة إلى حقّ الزكاة؛

75

لتعلّقها بالعين.

و لو دفعها المالك أو الوكيل من عنده ففي بقاء الوكالة بالنسبة إلى حصّة الزكاة أو لزوم تجدّدها (1) بالنسبة إليها وجهان.

____________

(1) في (د): «تجديدها».

76

تبصرة [فيما إذا كان النصاب في موضع الحظر]

إذا ملك نصابا و كانت ملكيته في عرضة الزوال- لاحتمال الطواري المزيلة لها كتملّك العين الموهوبة لجواز رجوع الواهب فيها، و تملّك الأجرة لإمكان زوال العين المستأجر كلّا أو بعضا، و تملّك الصداق المعرض للسقوط كلّا أو بعضا بطروّ الفسخ قبل الدخول أو الطلاق- لم يمنع ذلك من وجوب الزكاة (1) مع انكشاف بقائها عند تعلّق الوجوب.

نعم، استشكل في المنتهى (2) في وجوب الزكاة على المرأة في الصداق إذا أقبضه و حال عليه الحول ثمّ انفسخ النكاح لعيب، لكنّه استقرب الوجوب.

و في التحرير (3): إن الأقرب الوجوب بعد الحول. و فيه اشارة إلى ذلك.

و قضية ما ذكره جريان الإشكال في نظائره أيضا لكنّه إشكال ضعيف.

كيف، و لو كان احتمال الزوال كافيا في ذلك لجرى في احتمال التلف سيّما مع حصول المظنّة كما إذا كان النصاب في موضع الحظر.

و حينئذ فإن لم ينفسخ الملكيّة فلا كلام، و كذا مع انفساخها قبل تعلّق الوجوب، و إن كان بعده قبل الدفع لم يزاحم ذلك وجوب الزكاة.

و ليس للآخر إلزامه بإخراج الزكاة من غيره ليسلم له العين لما تقرّر من تعلّق الزكاة بالعين و ضمانه لها مع بقاء عينها إنّما يكون باختياره.

____________

(1) في (د) زيادة: «بل لا خلاف فيه ظاهرا؛ لحصول الملكية لحصول سببها، و احتمال زوالها لا يمنع من وجوب الزكاة».

(2) منتهى المطلب 1/ 476.

(3) تحرير الأحكام 1/ 351.

77

نعم، لو كان بحيث يجب عليه تخليص العين للآخر بعد الانفساخ مع الإمكان.

كأن شرطه (1) عليه ذلك في ضمن عقد لازم وجب عليه ذلك، و حينئذ فلو دفع العين في الزكاة احتمل فساد الدفع من جهة النهي.

و ذلك ظاهر فيما لا يكون الدفع إليه مبنيّا على الضمان كما في الهبة، و لا يلتزم بعد رجوع الواهب بالدفع من غيره ليخلص له العين قطعا؛ و أمّا في العقود المبنيّة على الضمان كالبيع و الإجارة و النكاح مع طروّ الفسخ (2) و الانفساخ فالظاهر أيضا ذلك؛ نظرا إلى قضاء الفسخ أو الانفساخ بالرجوع إلى العين مع الامكان. و حيث إنّ المفروض انتقالها عن الآخر لتعلق الزكاة بالعين على نحو الشركة حسبما سيجيء الكلام فيه لا يمكنه الرجوع إليها.

و تمكّن الآخر من تخليصها بدفع الزكاة من غيرها غير مفيد في المقام؛ إذ هو إنّما يثمر لو قام دليل على وجوب التخليص عليه، و لا مستند له سوى ما قد يقال من بناء الدفع إليه على الضمان، و مقتضاه وجوب دفع العين بعد الانفساخ مع الإمكان، ثمّ دفع عوضه من المثل أو القيمة، فإذا فرض تمكّنه من تخليص العين قضى ذلك بوجوبه عليه من باب المقدّمة.

و يدفعه أنّ قضيّة انفساخ المعاملة رجوع كلّ من العوضين إلى مالكه مع إمكانه أو بدله مع امتناعه، فينتقل الحق إلى ذمة الآخر، و المفروض (3) امتناع الرجوع إلى نفس العين قبل الضمان لحصول المانع، فلا بدّ من انتقال عوضه إليه في ذمة الآخر. و حينئذ فبعد تملكه لبدله في الذمة لا مقتضى لوجوب دفع العين.

نعم، لو انفسخ بعد ضمانه للزكاة أو انتقاله إليه ثانيا بعد دفعه في الزكاة احتمل قويا تعين دفع العين لارتفاع المانع مع احتمال عدمه لقضاء الفسخ بإزالة الانتقال الحاصل بالعقد المفسوخ دون غيره، و المفروض كون الانتقال المذكور حاصلا بسبب آخر.

و كأنّ هذا هو الأظهر.

____________

(1) في (د): «شرط عليه».

(2) في (د): «أو».

(3) لم ترد في (ب): «و المفروض .. ذمّة الآخر».

78

و لو انتقل إليه العين بالضمان أو غيره بعد الانفساخ و قبل دفع العوض ففي وجوب دفعه أيضا وجهان؛ من قضاء الاستصحاب بوجوب دفع البدل، و من أنّه إنّما وجب دفع البدل لحصول المانع في المبدل، فإذا ارتفع المانع لزم دفعه.

و فيه: أنّ القدر الثابت هو وجوب دفع العين لو كانت منتقلة إليه بالانتقال الأوّل، و أمّا (1) انتقاله إليه بوجه آخر فلا دليل على وجوب دفعه.

فعلى هذا لو أراد دفع العين إليه فهل له الإباء عنه و المطالبة بالعوض؛ نظرا (2) إلى أنّه حقّه، أو يلزمه القبول (3)؛ إذ هو عين ماله و إنّما يستحقّ المثل أو القيمة عوضا عنه فإذا بذله له لم يكن له الامتناع منه؟ و كأنه الأوجه.

ثمّ بناء على لزوم دفع العين في المقام يقوم احتمال مطالبته لها لو انتقلت إليه بعد دفع العوض من المثل أو القيمة بناء على أنّه إنّما كان ذلك من جهة قيام المانع من الرجوع في العين، فإذا خلص له ذلك رجع إلى عينه.

و هو (4) نظير ما لو ضاعت العين المغصوبة فيرجع المالك إلى عوضها ثمّ وجدها الغاصب، فإنّه لا يستحقّها بدفع العوض، بل يرجعها إلى مالكها و يسترجع ما بذله من العوض.

و لا يخفى ما فيه.

و الفرق بينه و بين العين المغصوبة ظاهر.

و أمّا (5) إذا كان الفسخ أو الانفساخ بعد الدفع، فإن لم يكن الانتقال إليه من الضمان كما في الهبة فلا ضمان للمدفوع قطعا، و إنّما له الرجوع في الباقي كما هو الحال في إتلاف بعض العين الموهوبة.

____________

(1) في (د) زيادة: «مع».

(2) في (د): «القول».

(3) في (د): «نظر أنّه».

(4) في (د): «فهو».

(5) في (ألف). «و لها».

79

و في التحرير: الأقرب أن الموهوب لا يضمنه.

و فيه دلالة على قيام احتمال الضمان، و لم يعلم الوجه فيه و إن كان مبنيّا على الضمان كما في البيع و الإجارة و النكاح و نحوها، فاللّازم الرجوع إلى المثل أو القيمة لتعذر العين.

و ربّما يتخيّل في المقام أيضا وجوب التخليص أيضا مع إمكانه؛ نظرا إلى ما مرّ.

و لا يخفى بعده. و ليس للمالك تتبع العين؛ إذ المفروض صحّة الدفع.

هذا، و لو اختص الانفساخ ببعض النصاب فإن كان بعد الدفع جرى ما ذكرناه فيما يخصه من الحصة لإشاعة الحصّة المنفسخة من الموجود؛ حملا له على الوجه الصحيح، فلو رجع الواهب في نصف ما وهبه مع (1) تلف النصف انصرف إلى النصف الباقي.

و فيه إشكال.

نعم، لو علم الواهب بالتلف قوي القول به، و كذا لو طلب منه ردّ نصف ما أعطاه. أما لو رجع في النصف المشاع ممّا وهبه مع عدم علمه بتلف شيء منه أو غفلته عنه، فالأظهر فيه ما قدّمناه، و إن كان قبل الدفع احتمل فيه أيضا ما ذكرناه؛ أخذا بظاهر الإشاعة.

و يمكن القول بانصرافه إلى غير حصة الزكاة فيأخذ الحصة المنفسخة كمّلا من عين الباقي؛ إذ لا تدافع بين الحقين مع إشاعتهما و وفاء الكلّ بهما، فلا داعى إلى التقسيط، فلو تلف نصف المبيع قبل القبض بعد حلول الحول على الثمن عند البائع استحق المشتري نصف عين الثمن، و كان عليه إخراج الزكاة من النصف الباقي؛ لما عرفت من كونهما حقّين وردا على المال مع وفائه بهما. مضافا إلى أنّ قضية الانفساخ هو الرجوع إلى العين.

و إنّما يرجع إلى المثل أو القيمة مع تعذر الرجوع إلى العين، و هو غير حاصل في المقام.

و أيضا انتقال الحق إلى الذمة غير معلوم، و قضية الأصل عدمه.

فظهر بما قرّرناه قوة الوجه الأخير.

و قد أشار الأصحاب إلى بعض جزئيات المسألة:

____________

(1) لم ترد في (ب): «وهبه مع ... ردّ نصف».

80

منها: ما إذا طلّق زوجته قبل الدخول و كان المهر عينا خارجية من أحد النصب الزكويّة و قد اختلفوا فيه، فذهب الشيخ في المبسوط (1) و المحقق في المعتبر و ظاهر الجامع (2) و العلّامة في المنتهى (3) و التحرير (4) و القواعد (5) إلى رجوعه إليها حين النصف كمّلا من غير أن يخرج منه شيء بإزاء الزكاة ليرجع على الزوجة بعوضه من مثله و قيمته.

و حكم بذلك في التذكرة أيضا إلّا أنّه قال بعد ذلك: إنّ الوجه عندي الرجوع في نصف الموجود و المطالبة بعوض الزكاة من المثل أو القيمة.

و ظاهر كلامه فرض الحكم في صورة إخراج الزكاة قبل وقوع الطلاق. و قد وافقه في ذلك الشهيد في البيان (6) حيث إنّه نصّ على أن الأقوى حينئذ أخذ الزوج بنصف الباقي و نصف قيمة المخرج. قال: و إن طلّق قبل الإخراج احتمل أن لها الإخراج من العين، و تضمن للزوج.

و ما قواه من عدم انحصار حق الزوج حينئذ في الباقي بل له نصف الباقي عوض نصف المخرج هو الأقوى أخذا بقضية إشاعة حقه في نصف ما وقع العقد عليه، فيكون الباقي لهما و الذاهب (7) منهما، و إن رجع بعوضه عليها؛ لكون الانتقال إليها مبنيّا على ضمانها. و لا دليل على احتساب حق الزوج من عين الباقي سوى ما يتخيّل من إمكان رجوعه إلى العين، فلا داعي إلى رجوعه بالعوض.

و قد عرفت ضعفه.

و أمّا لو كان ذلك قبل الإخراج فالقول باستحقاقه لعين النصف هو المتّجه.

و مجرّد تعلّق الزكاة بالعين أيضا لا يقضي بانتقال حقه في نصف الزكاة إلى الذمّة؛ إذ

____________

(1) المبسوط 1/ 207.

(2) جامع المقاصد 3/ 9.

(3) منتهى المطلب 1/ 476.

(4) تحرير الأحكام 1/ 352.

(5) قواعد الأحكام 1/ 332.

(6) البيان: 170.

(7) لم ترد في (ب): «لهما و الذاهب .. عين الباقي».

81

المفروض إشاعة العين و وفاء (1) المال بهما، فلا تدافع بينهما حسبما ما أشرنا إليه.

و أمّا ما يظهر من البيان من احتمال تسلّطها حينئذ على الإخراج من العين و لو من دون إذن الزوج ففيه تأمّل يأتي الإشارة إليه.

و الحكم بضمانها حينئذ لحصّة الزوج غير جار (2) على القواعد؛ إذ غاية ما يعلم حينئذ تسلطها على إقرار حق الزكاة من دون إذن الزوج، و هو لا يقضي بانتقال ما يستحقّه الزوج بمقتضى الإشاعة في العين المخرجة إلى الذمة، بل قضية الإقرار تعيينه في الباقي، فتأمل.

و مما قرّرنا ظهر أن ما أطلقه الجماعة المتقدمة غير جار على القواعد المقررة.

[فروع]

و ينبغي التنبيه على فروع:

أحدها: أنه لا أشكال في جواز دفعها الزكاة من العين قبل الطلاق

(و إن كان هناك مظنة لقبوله (3)؛ إذ لا قصور إذن في ملكها). (4) و أما بعد الطلاق فلا إشكال أيضا في جواز دفعها بالقيمة. و أما إخراجها من العني من دون اذن الزوج فمشكل؛ نظرا إلى المنع من التصرف في المال المشترك من دون إذن الشريك كما هو الحال في سائر الأموال المشتركة؛ إذ أوجب الزكاة فيها، فلا يجوز إخراجها إلّا بإذنه او بعد قطع شركته، و إلا كان الدفع باطلا من جهة النهي القاضي بفساد العبادة.

و قد نبّه على ذلك في المنتهى (5) و التحرير (6) حيث ذكر فيهما أنه لو طلّقها قبل الدخول و بعد الحول و قبل الإخراج لم يخرج من العين إلّا بعد القسمة لأنه مشترك بينهما.

____________

(1) في (د): «وقاء».

(2) من قوله «غير جار» إلى قوله «على سبيل الإشاعة كالزكاة» غير موجود في (ألف).

(3) الكلمة هناك مطموسة عليها قرأناها كذلك.

(4) ما بين الهلالين ليس إلّا في (د).

(5) منتهى المطلب 1/ 477.

(6) تحرير الأحكام 4/ 468.

82

و قد تقدم عن البيان (1) احتمال تسلط الزوجة على الإخراج من العين و ضمانها للزوج.

و ظاهره عدم الحاجة في ذلك إلى إذن الزوج.

و كأنّ الوجه فيه سبق تعلق الزكاة، فيقدّم في الأول، و لثبوت التخيير لها في الأداء قبل تعلّق حق الزوج فيستصحب.

و لا يخفى ما فيهما.

ثانيها: لو تلف نصف الصداق فهل يتعيّن النصف الباقي للزوج و ينتقل الزكاة إلى ذمة الزوجة؟

أو إنها تتعلق بعين الباقي إلا أن يرجع الزوج عليها إذا قبضها الساعي من العين؟

قولان؛ ففي المعتبر: إنه لو تلف نصف الصداق فالنصف الباقي للزوج و عليها الزكاة.

و في ح (2): إنه لو هلك النصف أخذ الساعي الزكاة من نصيب الزوج؛ لأنها تجب في العين و يرجع الزوج عليها.

و في التذكرة (3) و القواعد (4) و النهاية (5): لو تلف النصف بتفريطها تعلق حق الساعي بالعين، و ضمنت للزوج.

و إنما فرض المسألة في صورة التفريط لسقوط الزكاة بالنسبة مع عدم التفريط في الحفظ و الأداء، و إن جرى الكلام المذكور إذن في النصف الباقي.

و كأن الوجه في الأول ما مرّت الإشارة إليه من آن حق الزوج إنما يتعلق بالعين مع بقائها على سبيل التعيين بخلاف حق الزكاة لتعلقه بها على سبيل التخيير بين الإخراج منها أو من غيرها، فيقدم الأول عند التعارض.

و فيه: أن قضية الزكاة بالعين على سبيل الإشاعة كون الثابت في ذمة المرأة هو نصف

____________

(1) البيان: 170.

(2) قال المحقق في الشرائع 1/ 112: لو هلك النصف بتفريط كان للساعي أن يأخذ حقه من العين و يرجع الزوج عليها به؛ لأنه مضمون عليها. و انظر المسالك 1/ 379.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 39.

(4) قواعد الأحكام 1/ 332.

(5) نهاية الإحكام 2/ 307.

83

الزكاة على المتلف من النصاب، فيكون النصف الأخير باقيا في العين الباقية، فلا وجه لانتقالها إلى الزوج مع استحقاق الفقراء لها.

على أن الظاهر استحقاق الفقراء تمام الزكاة في العين الباقية إذا كانت وافية بها حسبما يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و حينئذ يكون تمام الزكاة في النصف الباقي.

هذا إذا كان التلف عن تفريط منها في الحفظ أو الدفع، و أما مع عدمه فيسقط النصف و يبقى النصف الآخر متعلقا بالعين.

فظهر مما ذكرنا قوّة القول الثاني.

ثالثها: أنه هل يتوقف قسمة الصداق بينهما على تخليص المال من الزكاة بإخراجها من العين أو بدفع القيمة من الخارج أو يصح من دونه؟

وجهان؛ و المنصوص به في المنتهى و المبسوط هو الثانى.

و قوّاه الشهيد في البيان و تنظّر فيه في الدروس، لكن استقرب الجواز.

و قد نص هؤلاء بتعيين الزكاة في نصيب الزوجة.

و الوجه في صحة القسمة أن الخيرة في دفع الزكاة إلى المالك، فإذا عيّن حصة الزوج في أعيان مخصوصة فقد جعل الزكاة في غيرها مما بقي له؛ لوجوبها عليه دون الزوج، فاشتراك المال بينهما و بين الفقراء لا يمنع من صحة القسمة كما توهمه بعض العامة.

و الظاهر هر انه لا فرق بين أن ينوي تعيين حصة الفقراء في حصته أو لا؛ لحصوله با لالتزام مع الإطلاق.

و لو نوت خلافه فإن زيد في نصيب الزوج ما يفي بالزكاة قل مانع، و إلا فالظاهر بطلان القسمة؛ لعدم تعادل السهام.

ثم إن ادّت الزكاة من العين أو القيمة فلا كلام، و إن ادّت الزكاة من العين أو القيمة فلا كلام، و ان تعذر الأخذ منها أخذها الساعي من نصيب الزوج و يرجع الزوج إليها. و قد نص

84

على ذلك في الدروس (1).

و في البيان (2): لو أ فلست فله الرجوع على الزوج ثم هو يرجع إليها.

و كأنه أراد بذلك ما إذا قضى إفلاسها بتعذر الأخذ منها.

و يدل على جواز الأخذ من نصيب الزوج حينئذ ما سيأتي إن شاء اللّه من أن للساعي تتبع العين إذا ضمن المالك و امتنع من الأداء.

و في المبسوط (3): فإن هلك نصيبها و بقي نصيب الزوج كان للساعي أن يأخذ حقّه من نصيب الزوج.

و نحوه ما في المنتهى (4).

و ظاهر الإطلاق المذكور يقضي بجواز الرجوع إلى الزوج مع إمكان الرجوع إلى الزوجة بالعوض، بل و لو مع بذلها.

و هو غير متّجه؛ إذ قضية الحكم بتعلق الحق بحصة الزوج هو الرجوع إليها في أخذ العين أو العوض مع الإمكان و قد يكتفى فيه بمجرد امتناع الزوجة عن الاداء.

و سيأتي توضيح القول فيه في محله إن شاء اللّه. و لو تلف نصيب الزوج أو أتلفه فهل للساعي تعزيمه؟ وجهان.

و قضية الرجوع عليه بالعين مع وجودها هو الرجوع عليه بعوضها مع تلفها.

ثم إن الرجوع بها على الزوج هل يقضي بفساد القسمة؟ وجهان.

و استقرب في التحرير صحتها. و هو الأظهر؛ استصحابا للصحة الثابتة.

رابعها: أنه لو أطلقها حينئذ قبل تمكنها من الإخراج فهل يقسط عنها الزكاة بالنسبة إلى نصف الصداق الراجع إلى زوجها أو لا؟

قولان؛ اختار اولهما العلامة في التحرير.

____________

(1) الدروس 3/ 391.

(2) البيان: 170، و انظر: قواعد الأحكام 2/ 112، جامع المقاصد 5/ 71.

(3) المبسوط 1/ 208.

(4) منتهى المطلب 1/ 477، و انظر: تذكرة الفقهاء 5/ 38.

85

و الوجه فيه أنه من قبيل ما لو تلف بعض النصاب قبل تمكن المالك من الإخراج، فيسقط نصيبه من الزكاة؛ لتعلقها بالعين.

و اختار ثانيهما في التذكرة و الدروس و البيان.

و قد أطلق في المنتهى و القواعد و نهاية الإحكام وجوب الزكاة عليها بتمامها بعد سقوط النصف بالطلاق، فيعمّ ما إذا تمكّنت قبله من الإخراج أولا.

و كذا أطلق الشيخ و المحقق و غيرهما.

و الوجه فيه رجوع عوض الساقط على البضع إليها، فليس ذلك من قبيل تلف بعض النصاب، بل هو من قبيل انتقال بعضه عنه في مقابلة العوض كما لو أخذه الديّان تقاصّا في موضع يجوز له ذلك: إذ لا يسقط بسببه شيء من الزكاة قطعا.

و كذا لو وقع فسخ البيع من صاحب الخيار بعد حلول الحول قبل تمكنه من الإخراج؛ فإن ذلك لا يقضي بسقوط شيء من الزكاة كما سنشير إليه إن شاء اللّه.

و ربّما يستشكل فيه بأن العوض الواصل إليها ليس مالا على الحقيقة ليصدق عود مال إليها عوض الذاهب، و ليس المراد بتمليك البضع هو التمليك المتعارف في سائر المعاوضات، و لذا لا يعدّ المهر ركنا في النكاح ليفسد العقد بفساده كما في غير من المعاوضات المعروضة.

و فيه: أنه و إن لم يكن البضع مالا على الحقيقة إلا أنه يقابل بالمال، و هو كاف في المقام.

نعم، قد يشكل الحلال في ذلك بأن السر في السقوط من الزكاة بنسبة التالف تعلق الزكاة بالعين، فإذا تلف منها شيء بغير تفريط المالك سقط من الزكاة تبلك النسبة؛ أخذا بمقتضى الإشاعة. و ذلك بعينه جار في صورة عود العوض إليه أيضا؛ إذ المفروض وجوب الزكاة في الذاهب دون عوضه الراجع إليه، فإذا ذهب ذلك عنه بغير تفريطه و اختياره لزمه سقوط الزكاة تبلك النسبة؛ إذ لا مقتضى لتعلّق ما يخصه من الزكاة بالذمة أو بالتتمة.

و يدفعه أن حق الزوج في المقام إنما تعلّق بالمال على سبيل الإشاعة كالزكاة. و لا معارضة بينهما في المقام ليقضي بسقوط شيء من الزكاة حسبما عرفت، و مع عدم وفاء المال بهما كما إذا تلف ما زاد على النصف لا نقول بانتقال ما يخصّه من الزكاة إلى الزوج، و إنّما يضمنه

86

الزوجة له كما مرّ.

و الحاصل أنّ حق الغير إنّما يتعلق بالعين إذا كان المحل قابلا، و أمّا مع انتفاء قابليّته- كما هو المفروض في المقام لسبق تعلّق الزكاة- فلا يمكن تعلّقه بالمجموع، و إنّما (1) يتعلّق بغير القدر المذكور على سبيل الإشاعة، و ذلك لا يقضي بسقوط شيء من الزكاة؛ إذ لا معارضة بينهما كما قرّرنا.

فتنزيل ذلك منزلة التلف ممّا لا وجه له أصلا. نعم، على القول بتعيّن النصف الباقي من الصداق للزوج- كما مرّت الإشارة إليه- يمكن القول بسقوط ما يخصّ ذلك من الزكاة، إلّا أنّك قد عرفت ضعفه.

فظهر بذلك أن المتّجه عدم سقوط شيء من الزكاة في المقام إلّا أنّه لا يتّجه تعليل الحكم المذكور و يعود العوض إليها كما في التذكرة و الدروس (2) و البيان.

ثمّ على القول الأوّل ينبغي تقييد الحكم بما إذا لم يكن إطلاقها مستندا إلى اختيارها؛ إذ مع استناد التلف إليها لا وجه لسقوط الزكاة فيها.

خامسها: قال في التذكرة (3): لو كان الصداق نصابا فحال عليه الحول ثمّ سقط نصفه و قبضت (4) النصف فعليها زكاة المقبوض؛

لأنّ الزكاة وجبت فيه ثمّ سقطت عن نصفه لمعنى أخصّ به، فاختصّ السقوط به.

و لو مضى عليه حول ثمّ قبضه كلّه زكّته لما مضى كلّه. انتهى.

و يشكل ذلك بأنّ حكمه بوجوب الزكاة في النصف الواصل إليها مع فرض حولان الحول عليها قبل قبضها مبني (5) على كون المهر عينا و الزوج باذلا كما هو المفروض في كلامه قبل

____________

(1) في (ب): «بالمجموع و لذا» بدل: «و إنّما».

(2) الدروس 1/ 231.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 36.

(4) لم ترد في (ب): «و قبضت .. عن نصفه».

(5) في (ب): «جنى».

87

الفرع المذكور؛ إذ هو المتعيّن على مذهبه من عدم وجوب الزكاة في الدين، و إن كان في عبارته بعد ذلك ما ربّما ينافي ذلك إلّا أنّه لا بدّ من تنزيله عليه لما عرفت.

و حينئذ فحكمه بسقوط زكاة النصف الساقط بالطلاق غير متّجه؛ إذ لا قاضي به بعد وجوبها عليه سوى تنزيل رجوع النصف إلى الزوج منزلة التلف، و هو مع عدم قضائه بالسقوط على القول به إلّا مع عدم تفريطها في الأداء أنه رحمة اللّه لا يقول بذلك؛ لقطعه بعد ذلك بعدم سقوط شيء من الزكاة إذا طلّقها قبل الدخول بها و تمكّنها من الأداء.

و مجرّد عدم قبضها مع كون الزوج باذلا لا يقضي بشيء، بل لا بدّ من القول باخراجها تمام الزكاة من نصفها أو من جميع (1) المال و رجوع الزوج إليها بنصف الزكاة كما (2) هو الحال فيما إذا قبضتها أجمع، ثمّ طلقها قبل الدخول.

و لو حملت العبارة على ما هو الظاهر من إطلاقها عمّت ما لو كان الصداق عينا أو دينا، فيرد عليه الإشكالان معا.

و قد ينزل عبارته على ما إذا كان الصداق دينا كما يدلّ عليه بعض تعليلاته، فيكون حكمه ثبوت الزكاة في النصف تفريعا على القول بوجوب الزكاة في الدين أو اختيارا له؛ إذ ليس في كلامه في التذكرة تصريح بعدم وجوب الزكاة في الدين و إن لم يحكم بثبوتها فيه أيضا.

و هو بعيد عن ظاهر الأدلّة سيّما بملاحظة ما تقدّمه.

مضافا إلى نصّه على الفرع المذكور قبل ذلك بأسطر بناء على القول بوجوب الزكاة في الدين.

سادسها: لو انفسخ نكاحها قبل الدخول بعد حولان الحول،

فإن كان ذلك بعد إخراج الزكاة فلا إشكال في صحّة الإخراج و ضمانها ذلك للزوج، و إن كان قبله جرى فيه الوجهان الماضيان من تعيين حقّ الزوج في العين فتضمن الزكاة في ذمّتها، و من وجوبها في العين فتضمن للزوج مقدار ما إذا دفعتها من العين.

____________

(1) في (ب): «جمع».

(2) لفظة «كما» من (د).

88

و الأظهر فيه الأخير حسبما مرّ.

و على الأوّل لو أ فلست أو امتنعت من الأداء تتبع الساعي العين فيرجع الزوج عليها، و لو كان ذلك قبل تمكّنها من الإخراج جرى فيه احتمال سقوط الزكاة بالمرة حسبما ذهب إليه في التحرير (1) في مسألة الطلاق إلّا إذا كان الفسخ من قبل الزوجة بارتدادها أو فسخها العقد لأحد الأسباب الموجبة لخيارها؛ لاستناد التلف حينئذ إليها كما مرّ.

و الأظهر هنا أيضا عدم السقوط مطلقا؛ لعين ما قرّرناه في مسألة الطلاق.

و في المنتهى: إنّه لو انفسخ النكاح لعيب قبل الدخول و كان الصداق مقبوضا ففي وجوب الزكاة إشكال أقربه الوجوب و تضمن هى المأخوذة في الزكاة.

و نحوه ما في التحرير إلّا أنّه لم يصرح فيه بالإشكال.

و أنت خبير بأنّه لا إشكال مع تفريطه في الأداء إذا قضاه إن ينزل ذلك منزلة التلف، و لا وجه لاحتمال سقوط الزكاة به مطلقا.

ثمّ ظاهر إطلاقه الحكم بالوجوب يعم ما إذا لم يتمكّن من أدائها قبل الانفساخ، و هو ينافي ما ذهب إليه في التحرير من السقوط حينئذ في مسألة الطلاق.

و منها: أنّه لو آجر شيئا أحوالا و قبض الأجرة أو كانت عينا موجودة عند المستأجر الباذل وجبت عليه زكاتها عند حولان الحول عليها.

و لبعض العامة هنا خلاف؛ نظرا إلى كون الأجرة في معرض السقوط بتلف العين المستأجرة. و هو ضعيف موهون بما قدّمناه.

و على ما قلناه لو انفسخت بعد ذلك لأحد الدواعي الباعثة عليه يرجع إلى المستأجر من الأجرة بالنسبة إلى ما بقي من المدّة، فيجري فيه الفروع المذكورة في الصداق إلّا أنّه لو انفسخ قبل تمكّنه من إخراج الزكاة و لم يكن الانفساخ حاصلا من اختياره احتمل سقوط الزكاة بالنسبة إذا كان الانفساخ بتلف العين المستأجرة.

____________

(1) تحرير الأحكام 1/ 352.

89

و نحوه بناء على تعليل الحكم بعدم السقوط هناك بوصول عوض التالف إلى الزوجة.

على ما بيّنّاه فلا وجه لسقوط الزكاة مطلقا.

و يجري الكلام فيما إذا كان الانفساخ قبل مضي شيء من المدّة.

و منها: أنه لو انفسخ عقد البيع لتلف المبيع قبل القبض بعد حلول الحول على الثمن مع قبض البائع إيّاه أو كونه عينا مقدورا على قبضها لم يقض ذلك بسقوط الزكاة عنه.

و يجري حينئذ في جواز إخراجها من عينه مطلقا، و تعين (1) الإخراج من غيره مع إمكانه ما مرّ.

و الأقوى فيه أيضا هو الأوّل؛ لتعلّق الزكاة بالعين، و لكن يتوقّف إخراجها من العين على إذن المشتري لإشاعة الحق أو يستقلّ به البائع استصحابا للحالة السابقة، الأقرب الثاني.

و ليس ذلك تصرفا في المال المشترك بدون إذن الشريك، بل هو تعيين للحقّ المبهم في المال المفوّض إليه تعيينه، و بعد تعيينه يتعيّن الحق فيه، فيجب بذله على مستحقه.

و على الأوّل لو اختلفا في التعيين فهل يقدّم اختيار البائع؛ إذ هو المكلف بالإخراج أو المشتري؛ لانتقال المال إليه؟ وجهان.

و الذي يقتضيه الأصل حينئذ تقديم الثاني، فيجب على البائع اختياريّا مختاره إذا كان نصفه الواجب. و يجري ذلك في كلّ صورة ينتقل النصاب إلى غير من وجبت عليه الزكاة كما إذا باعه قبل إخراج الزكاة أو جعله ثمنا أو عوضا في الإجارة أو انتقل عنه بالميراث و أوصى إلى غيره بالإخراج، و نحو ذلك.

و إذا كان المبيع زكويا و كان المشتري متمكّنا من قبضه ثبت فيه الزكاة أيضا. و لا تسقط عنه بذلك فيضمنها المشتري، و إن كانت بيد البائع؛ لأنّه المكلّف بإخراجها مع تقصيره فيه.

نعم، لو كان التلف قبل تمكّنه من الأداء سقط إن لم يكن مفرطا في وضعها عند البائع بعد تعلّق الوجوب.

____________

(1) في (د): «يعيّن».

90

و يجري ما ذكرناه في الفسخ الحاصل من البائع أو المشتري لحصول الخيار، و لو كان بعد القبض.

و هل يسقط الخيار بتعلّق حق الزكاة بالمال فيما يسقط التصرّف من الخيارات أو مع دفعه في الزكاة دون ما إذا كان قبل الدفع أو مع عدم ضمانه للزكاة دون ما إذا ضمنه و انتقل الحق إلى ذمته أو لا يسقط بذلك مطلقا؟ وجوه.

و هل يرجع على الآخر بتمام عوضه المقابل له و يضمن له حصة الزكاة بالمثل أو القيمة أو يسقط منه ما قابل حصّة الزكاة؟ وجهان؛ أقربهما الأوّل، و الثاني مختار العلّامة في التذكرة حيث قال في الفرض المذكور: إنّ الزكاة على المشتري، و يسقط من الثمن ما قابل الفريضة.

و فيه: أن ذلك لا يزيد على الإتلاف، و مع حصوله و بقاء الخيار لا ريب في الرجوع بعد الفسخ إلى المثل أو القيمة لا سقوط ما يقابله من العوض.

هذا إذا دفع الزكاة من العين، و أمّا إذا ضمنه ففي تعيّن دفعه العين لخلوها عن المانع تأمّل مرّت الإشارة إلى وجهه.

و منها: أنّه لو وهبه نصابا فحال عليه الحول عند المتّهب فإنّه يجب عليه الزكاة كما مرّ.

و حينئذ فلو رجع الواهب بعد أداء الزكاة لم يكن له تغريم المتهب؛ لعدم بناء الهبة على الضمان، و إن كان قبله لم يصحّ رجوعه بالنسبة إلى مقدار الزكاة؛ لتعلّق الحق بالعين.

و فصّل في التذكرة (1) بين ما إذا تمكن المتّهب من إخراج الزكاة ففرط فيه، و ما إذا لم يتمكّن منه؛ فحكم في الثاني بسقوط الزكاة عن المتّهب و عدم وجوبه على الواهب أيضا، بخلاف الأوّل فيحكم منه (2) بوجوب الزكاة في العين تقديما لحقّ الفقراء، فلا يصحّ الرجوع بالنسبة إليه و لا يضمنه (3) المتّهب كما لو تلف قبل الرجوع.

و أنت خبير بما فيه؛ إذ لو كان تعلّق الحق بالعين مانعا من صحّة الرجوع بالنسبة إلى

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 32.

(2) في (د): «فيه».

(3) لم ترد في (ب): «إليه و لا يضمنه .. الرجوع بالنسبة».

91

مقدار الزكاة جرى في الصورتين، فلا وجه للحكم بسقوط الزكاة في الأوّل، و إن لم يكن مانعا من الرجوع لم يمنع منه في الأخير أيضا، غاية الأمر أن يكون المتّهب ضامنا للزكاة؛ نظرا إلى تفريطه في الأداء كما يضمنها حينئذ في صورة هلاك المال.

مضافا إلى أنّ تعلّق حق الغير بالمال ليس من قبيل التلف ليصح الحكم بسقوط الزكاة من جهته إذا كان قبل التمكّن من الأداء، حسبما مرّت الإشارة إليه.

فلو دفعها المتّهب من الخارج لم يؤثر ذلك في صحّة رجوعه بالنسبة إلى حصّة الزكاة.

نعم، لو كان الرجوع بعد ضمانه للزكاة أمكن القول بصحّة الرجوع في الجميع إن قلنا بجواز الرجوع في العين الموهوبة بعد انتقال المال عن المتّهب، ثمّ رجوعه إليه بالملك الجديد أو قلنا بعدم انتقال المال إلى الفقراء لينتقل إليه ثانيا بسبب الضمان.

ثمّ بناء على صحّة رجوعها في العين لو رجع فيها و امتنع المتّهب من الأداء (1) كان للساعي تتبّع العين.

و هل يرجع الواهب في ذلك على المتّهب وجهان.

____________

(1) في (ألف): «الأدلّة».

92

تبصرة [في تعلّق الحق بعين النصاب]

إذا تعلّق حقّ بعين النصاب يوجب صرفها في جهته سقط عنه الزكاة؛ لعدم تمكّن المالك معه من التصرف فيه، و لا يجري في الحول إلّا بعد خلوصه عنه سواء كان ذلك من حقّ الناس أو حقوقه تعالى.

أمّا القسم الأوّل فيندرج فيه أمور (1):

و منها (2): تعلّق الرهن به. و قد اختلف فيه كلمات الأصحاب، فالمنصوص به في موضع من المبسوط (3) وجوب الزكاة فيه مطلقا حيث قال: و متى رهن قبل أن يجب فيه الزكاة ثم حال الحول و هو رهن، وجبت الزكاة؛ لأنّ ملكه حاصل. ثمّ فصل في إخراج الزكاة بين ما إذا كان للراهن مال سواه أو كان معسرا، فعلى الأوّل حكم بوجوب إخراجها من غيره و حكم في الثاني بتعلّقها بعين الرهن، قال: لأنّ حق المرتهن في الذمّة بدلالة أنّه لو هلك المال رجع على الراهن.

و نصّ- بعد ذلك بأوراق- على سقوط الزكاة عن الألف المرهونة بإزاء الألف المفروضة؛ معلّلا بانتفاء التمكّن منه.

و ظاهره عدم ثبوت الزكاة فيه مطلقا سواء تمكّن الراهن من فكّه أو لا، بل ظاهر «المفروض» في كلامه هو صورة التمكّن من الفك؛ لفرضه بقاء الألف المستقرضة.

و التعليل المذكور أيضا يعمّ الوجهين عند التأمّل، و اختاره المحقق في الشرائع و العلّامة في

____________

(1) لفظة «أمور» من (د).

(2) كذا، و الظاهر: «فمنها» أو «منها» بدون الواو.

(3) في (د): «فجرى».

93

القواعد و المنتهى و التذكرة (1) و التحرير؛ معلّلا له في الثلاثة الأخيرة بما ذكره الشيخ.

و إليه ذهب المحقق الكركي مصرّحا بسقوطها مع التمكّن من الفك أيضا.

و حكم الشيخ في الخلاف (2) أوّلا بعدم ثبوت الزكاة في الألف المرهونة بإزاء الألف المستقرضة، ثمّ قال: و لو قلنا إنه يلزم المستقرض زكاة الألفين لكان قويّا.

و علّل وجوب الزكاة في المرهونة بأنّه قادر على التصرّف فيها بأن يفكّ رهنها.

و ظاهره التردد في المسألة كما عزاه إليه في المعتبر، و الظاهر أن تردّده في صورة قدرة الراهن على الفك.

و رجّح في المعتبر و المختلف ما قوّاه أخيرا. و علّله في المعتبر (3) بأنّه مال مملوك قادر على التصرّف فيه يجري (4) مجرى المال الغائب في يد الوكيل.

و ظاهر التعليل كظاهر الفرض يومي إلى اختصاص حكمه بوجوب الزكاة فيه بما إذا قدر على فكه، و هو صريح المختلف حيث نصّ قبل ذلك بسقوط الزكاة في الرهن مع إعسار الراهن؛ معلّلا بعدم تمكّنه من التصرّف فيه.

و قد صرّح بالتفصيل بين قدرته على الفك و عدمه كما إذا كان معسرا و كان الدين مؤجلا في نهاية الإحكام.

و اختاره الشهيدان في الدروس و البيان و المسالك و الروضة و ابن فهد و الصيمري و غيرهم.

و نصّ في المسالك و الروضة بشمول الحكم لما إذا تمكّن من فكّه ببيعه. و استحسنه في المدارك إن ثبت أنّ عدم تمكّن الراهن من التصرّف في الرهن مسقط (5) للوجوب، و إلّا فإطلاق

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 24.

(2) الخلاف 2/ 111.

(3) المعتبر 2/ 543.

(4) في (د): «فجرى».

(5) في (ألف): «سقط».

94

وجوب الزكاة فيه أولى.

و استشكل فيه في الذخيرة.

و الأظهر هو القول بسقوط الزكاة عنه مطلقا لانتفاء التمكن من التصرف فيه حالكونه مرهونا، و القدرة على إمكان فكّه ليس قدرة بالفعل عرفا على التصرّف فيه، بل هو قدرة على تحصيل القدرة عليه.

و الفرق بين الأمرين ظاهر في ملاحظة العرف، و إن كان الثاني بمنزلة الأوّل عند تدقيق العقل كما هو الوجه في القول بالتفصيل.

و أمّا الوجه في إطلاق وجوب الزكاة منه (1) فمبني على (2) كون المنع من التصرّف مطلقا مانعا من تعلّق الزكاة حسبما أشرنا إليه من كلام السيّد في المدارك.

و من الغريب ذهاب الشيخ إليه فيما حكيناه من عبارته في المبسوط؛ معلّلا بأنّه ملك للراهن مع قطعه باعتبار التمكّن من التصرّف في وجوب الزكاة.

فروع

الأوّل: لا فرق بين أن يكون الرهن بإزاء حقّ ثابت في الشرع أو بإزاء محتمل

كما في الرهن بإزاء درك المبيع؛ لمنع المالك شرعا من التصرف فيه و إن لم يكن هناك حق بازائه بحسب الواقع.

الثاني: لا فرق بين أن يكون العين المرهونة من مال الراهن أو يكون مستعارا للرهن

إلّا أنّ المعتبر حينئذ- بناء على التفصيل المذكور- قدرة المعير على فكّه دون المستعير. و قد نصّ عليه في المسالك و غيره.

الثالث: لو أذن المرتهن في تصرّف الراهن فيه كيف شاء احتمل وجوب الزكاة فيه؛

لارتفاع المنع بذلك. و الظاهر تعيّن ذلك فيما إذا شرط عليه في ضمن عقد لازم؛ بناء على عدم

____________

(1) في (د): «فيه».

(2) في (د) زيادة «منع».

95

جواز رجوعه عنه.

و منها: أن يكون الحاكم قد حجر عليه التصرّف في المال لحق الغرماء؛ لعدم تمكّنه حينئذ من التصرّف في المال بغير إذنهم؛ نظرا إلى تعلّق حقّهم بالعين.

و قد قطع بانتفاء الزكاة حينئذ في أمواله جماعة منهم الشيخ في المبسوط (1) و العلامة في عدة من كتبه كالقواعد (2) و التذكرة (3) و النهاية (4)، و الشهيد في البيان (5).

و ربّما يستظهر من المنتهى (6) ثبوت الزكاة في مال المحجور عليه حيث استدلّ على سقوط الزكاة من المكاتب بمنعه من التصرّف في ماله، فملكيّته غير تامّة، ثمّ قال: لا يقال: ينتقض بالمحجور عليه و المال المرهون؛ لأنّا نقول: الفرق بينهما أن الملكيّة هناك تامّة و النقض (7) إنّما حصل في التصرّف: أمّا في المحجور فلنقص تصرفه، و أمّا في المرهون فالمنع بعقد، فلا يسقط حقّ اللّه. انتهى.

و هو كما ترى ظاهر الدلالة على تعلّق الزكاة بعد حصول الحجر. و قد ينزل على خصوص حجر السفيه.

و ظاهر الدروس التأمل فيه حيث أسند فيه مع حجر المفلّس (8) إلى الشيخ.

و كأنّ الوجه فيه حصول الملكيّة، و منعه من التصرّف فيه إنّما هو لحق الغرماء فقد لا يمنع ذلك من وجوب الزكاة؛ إذ ليس مجرّد انحصار وجه التصرّف باعثا على سقوط الزكاة و إلّا لم يجب فيما إذا انحصر أداء الدين في دفع النصاب إلى المديون. و ليس كذلك إجماعا منّا.

____________

(1) المبسوط 1/ 224.

(2) قواعد الاحكام 1/ 331.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 29.

(4) نهاية الإحكام 2/ 305.

(5) البيان: 170.

(6) منتهى المطلب 1/ 473.

(7) في (د): «النقص».

(8) في (د): «الفلس».

96

و ضعفه ظاهر ممّا عرفت من اعتبار إمكان التصرّف في وجوب الزكاة و ظهور انتفائه في المقام (1) انحصار وجه التصرف (2) (التصرف في ذلك بل تعلّق حقّ الغرماء بالعين، فالفرق بينه و بين الفرض المذكور واضح.

و منها: حجر الورثة عن التصرّف) (3) في التركة قبل أداء الدين و تفصيل القول في ذلك انّ الدين امّا أن يكون مستوعبا للتركة أو لا، و على الثاني إمّا أن نقول بحجر الورثة عن التصرف في المال مطلقا قبل أداء الدين أو أنّه لا حجر عليهم فيما يزيد على مقداره.

ثمّ إنّ الزكاة إمّا أن يتعلّق بالمال في حياة المورث أو بعد وفاته، و على الثاني فإمّا أن تكون العين الزكويّة موجودة في حياته أو تحصل بعد موته كما إذا أنتجت اغنامه بعد وفاته و حال الحول على النتاج قبل أداء الدين، أو وجدت الثمرة بعد الموت.

فإن تعلّقت الزكاة بالعين في حياة المورّث ثمّ (4) لم تسقط بموته فتخرج من أصل المال إجماعا معلوما و منقولا في المدارك و غيره.

و إنّما خالف فيه بعض العامة؛ لتوهّم كونها كسائر التكاليف الساقطة بالموت، فلا يخرج من المال.

و فساده واضح. نعم، هنا كلام في تقديم الزكاة على سائر الديون إذا لم تف التركة بالجميع و توزيعها عليها، فالمعروف تقديم الزكاة و إليه ذهب الفاضلان في الشرائع و التحرير و القواعد و الإرشاد، و الشهيدان في الدروس و المسالك، و السيد في المدارك، و غيرهم.

و ذهب الشيخ في المبسوط إلى توزيعها على الزكاة والدين. و كأنّه مبنيّ على عدم تعلّق الزكاة بالعين تعلّق التركة، أو على ظاهر ما في الصحيح من إطلاق الحكم بتنزيل ما عليه من

____________

(1) لم ترد في (ب): «وجوب الزكاة و ظهور انتفائه في المقام».

(2) زيادة في (ب): «باعثا على سقوط الزكاة و إلّا لم يجب فيما إذا انحصر أداء الدّين في دفع النصاب إلى المديون. و ليس كذلك إجماعا منّا. و ضعفه ظاهر ممّا عرفت من اعتبار إمكان».

(3) ما بين الهلالين من (ب) و (د).

(4) لم ترد في و (د): «ثمّ».

97

الزكاة منزلة الدين.

و لا يخفى ما فيه؛ لما سيجيء إن شاء اللّه من تعلّق الزكاة بالعين على سبيل الشركة، و لو قلنا بتعلّقها على سبيل حق الرهن بالعين أو الجناية بالعبد فكذلك أيضا، و إن تعلّق حق الديان أيضا بالعين بسبق الأوّل على الموت و تأخّر الثاني فلا يصادف محلا قابلا بالنسبة إلى ما يقابل الزكاة.

فما في البيان من تفريع الحكم هنا على الحكم في كيفية تعلّق الزكاة فاستحسن الأوّل بناء على الأوّل و جعل الثاني أحسن بناء على أحد الوجهين الآخرين ليس على ما ينبغي.

و أمّا ما دلّ على تنزيله منزلة الدين فلا يبعد تنزيله على الزكاة المنتقلة إلى الذمّة، بل الظاهر وروده في خصوص ذلك كما يومي إليه السؤال المفروض فيه.

و حينئذ فلا إشكال في التوزيع لصيرورتها بعد التعلّق بالذمّة كسائر الديون.

و استقرب الشهيد في شرح القواعد توزيعه عليها، و حكى عن بعض الأصحاب قولا بتقديم الزكاة لقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): «فدين اللّه أحقّ أن يقضى» (1)، و بتقديم الدين لأنّ حقّ العباد مبني على التضييق، و حق اللّه على المسامحة.

و هذان ضعيفان.

نعم، لو كانت العين موجودة فللساعي منع العين في وجه قوي.

و إن تأخر زمان تعلّقها عن حياة المورث فإن كان الدين مستوعبا للتركة و كانت العين الزكوية موجودة حين الوفاة فلا زكاة أيضا، أمّا على القول بعدم انتقال التركة إلى الورثة و بقائها على حكم مال الميت- كما ذهب إليه المحقق و غيره و حكى القول به عن الأكثر- فظاهر؛ لعدم دخولها حينئذ في ملك الورثة، و لا في ملك الديّان قطعا، و الميّت لا تكليف عليه.

و إطلاقات الزكاة- بناء على القول بشمولها لأموال غير المكلفين- غير شاملة لتلك، و لا أقل من الشكّ، و هو كاف في المقام.

____________

(1) عوالي اللئالي 1/ 216.

98

و أمّا على القول بانتقالها إلى الورثة فللحجر عليهم حينئذ في التصرف قبل أداء الدين، فلا تمكّن لهم من التصرف في العين.

و في المدارك (1): إن (2) وجوب الزكاة أوجه.

ثالثها: أنّه تمكّن من التصرف في النصاب و لو بأداء الدين من غير تركة وجبت الزكاة عليه، و إلّا فلا.

و زاد في التذكرة (3) وجها رابعا، و هو أنّه إن كان للورثة مال يدفعونه في الزكاة (وجب عليهم الإخراج منه؛ لأن الواجب حصل في ملكهم، و تعلق حق الغرماء به لا يمنع من وجوب الزكاة) (4) كالمرهون.

و إن لم يكن لهم ما يؤدّونه في الزكاة احتمل سقوطها لتعلّق الدين بالعين، فيمنع من تعلّق الزكاة و وجوبها لتعلّق الزكاة أيضا بالعين، فتقدّم على حقوق الغرماء.

و المختار عند جماعة من الأصحاب منهم الشيخ في المبسوط (5) و الفاضلان في الشرائع و المعتبر و المنتهى و القواعد عدم تعلّق الزكاة (6).

و هو الأظهر، أمّا على القول بعدم انتقال المال إلى الوارث فظاهر حسبما عرفت؛ و أمّا على القول بانتقاله إليه فللحجر عليهم من التصرف فيه.

و لو فرض قدرته على الافتكاك بدفع الدين من الخارج فهو لا يقضي بارتفاع الحجر قبل الدفع أو ما بمنزلته. و مع حصوله لا زكاة لمنعه من التصرف فيه المانع من تعلّق الزكاة.

و قد عرفت أنّه لا منافاة عرفا بين انتفاء القدرة على التصرّف و حصول القدرة على تحصيل القدرة عليه.

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 154.

(2) في (د) زيادة «في».

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 160.

(4) ما بين الهلالين ورد في (د).

(5) المبسوط 1/ 224.

(6) في (د) زيادة «به».

99

و في كلام المحقق الأردبيلى حكاية الإجماع على سقوط الزكاة. و هو غريب منه مع شيوع الخلاف فيه.

فظهر بما ذكرنا اندفاع احتمال التفصيل كما ذهب إليه في نهاية الإحكام و ظاهر وجوب اخراج الزكاة من غيره لحجره عن التصرف فيه قبل أداء الدين. و هو خروج عن القاعدة كما سيجيء الاشارة إليه.

و أضعف منه القول بوجوب الزكاة في المقام مطلقا كما هو ظاهر الذخيرة؛ نظرا إلى منع كون المنع من التصرف مانعا مطلقا.

و ذكر المحقق الكركي أنّه يحتمل قويا وجوبها مع الشرائط؛ لأنّ تعلّق الدين بها أضعف من تعلّق الرهن؛ لأنّ للوارث التصرّف بغير إذن من المدين.

و في البيان: و يحتمل عندي الوجوب في متعلّق الدين على القول بملك الوارث، لحصول السبب و الشرط أعني إمكان التصرّف. و تعلّق الدين هنا أضعف من تعلّق الرهن.

فيه: أنّ كون تعلّق الدين أضعف من تعلّق الرهن على فرض تسليمه لا يقضي بقدرة الوارث على التصرف من دون أداء الدين سيّما مع عدم قدرة الوارث على الافتكاك، فالاحتمال المذكور ضعيف.

و أضعف منه ما فصّله في التذكرة لتعلّق الزكاة على فرض وجوبها بالعين، فلو لم تكن تعلّق حق الديّان مانعا من تعلّقها لوجب في العين و قضى ذلك بصحّة إخراجها منها، و إلّا لم تجب.

و تملّك الوارث لما يؤديه في الزكاة و عدمه ممّا لا دخل له في تعلّق الزكاة بالمال المفروض، سيّما مع إعساره و عدم إمكان فكّه بدفع الدين من غيره.

ثمّ إنّه على القول بوجوب الزكاة فيه و جواز الإخراج منه فهل على الوارث ضمان حصّة الزكاة للديّان؟ قولان.

100

و المحكي عن البيان (1) استقراب غرمه له؛ نظرا إلى سبق حقّ الديان.

و ضعّفه في المدارك (2)، و استقرب عدم الغرم، و علّله بأنّ الوجوب قهريّ (3) كنقص القيمة السوقيّة و النفقة على التركة.

و يضعّفه أنّه إنّما يتمّ إذا كان التأخير من جهة الديّان كما إذا لم يكن حاضرا أو وصّى بالتأخير، و أمّا إذا كان لامتناع الورثة عن الدفع فلا؛ لكونهم سببا (4) للنقص على الديان (5)، و جعله من قبيل نقص القيمة السوقيّة ممّا لا وجه له.

و أمّا النفقة فلم يثبت كونها على التركة مطلقا، و لو كان التأخير عن امتناع الورثة عن غير حق.

فالأظهر إذن إلحاق ذلك في الصورة المفروضة بإتلافهم لبعض التركة قبل الدفع إلى الديان.

و لا تأمّل هناك في الضمان.

و يمكن أن يفصّل في المقام بنحو آخر، و ذلك بالفرق بين ما إذا كانت الزكاة لازمة في المقام على تقدير الدفع إلى الديّان أيضا، و ما إذا لم يكن كذلك كما إذا كان النصاب ممّا يعتبر فيه الحول؛ لهدمه بالدفع إليهم أو تعدد الديانة و لم يكن حصّة كلّ منهم بمقدار النصاب، فلا غرم على الأوّل لكونها من لوازم المال دون الثاني.

و فيه: أن وجوب الزكاة على الديّان و دفعهم لها، من أنفسهم غير وجوبها على الورثة و دفعهم لها فلا يسقط الضمان عنهم بمجرّد لزوم الزكاة على الوجهين.

مضافا إلى إمكان عدم وجوب الزكاة على الديّان ببيعه قبل تعلّق الوجوب.

____________

(1) البيان: 169.

(2) مدارك الأحكام 5/ 154.

(3) في (د) زيادة «فهو».

(4) زيادة «سببا» من (د).

(5) زيادة الواو من (د).

101

ثمّ بعد البناء على التغريم هل يتعين على الوارث إخراج الزكاة من غير العين إذا تمكّن منه؟ وجهان؛ أظهرهما عدمه لتعلّق (1) الزكاة بالعين، و معه يسقط حقّ الديان في حصّة الزكاة، فيغرمه الوارث.

و حكى في المدارك قولا باليقين؛ إذ لا فائدة في الإخراج من العين ثمّ الغرم.

و ضعفه ظاهر؛ إذ انتفاء الفائدة لا يقضي بوجوب ذلك عليه على أنّه قد يترتب عليه فائدة للورثة.

نعم، قد يوجّه ذلك بثبوت حقّ الديّان في العين، فلا يسقط بمجرّد تعلّق الزكاة لإمكان دفعها من الخارج فيستصحب منعهم من التصرّف في العين من دون إذن الديّان.

و يدفعه إذن ما مرّ من الكلام.

و أمّا إذا لم تكن العين الزكويّة موجودة حين الوفاة كما إذا ظهرت الثمرة بعد موته فإن قلنا ببقاء التركة على حكم مال الميّت إلى أن يستوفي المديون فقد يقال: انّه لا زكاة فيه بالنسبة إلى الميّت و لا الورثة حسبما مرّ.

و لذا أطلق في الشرائع سقوط الزكاة في المقام. و نصّ في المنتهى بسقوط الزكاة و لو حصل تعدد النصاب؛ معلّلا بأنّها في حكم مال (2) الميت.

و نصّ عليه أيضا في التحرير إلّا أنّه لم يعلّله بذلك.

و يشكل بأنّه إن بني على كون التركة في حكم مال الميّت و لو كانت زائدة على مقدار الدين فالأمر كذلك، و أمّا (3) إن خصّ ذلك بما يقابل الدين و يساويه فلا يتم التفريع.

و إن قلنا بانتقالها إلى الوارث فقد قطع في المدارك (4) حينئذ بوجوب الزكاة على الوارث لحدوثها في ملكه، قال: و لا يتعلّق بها الدين فيما قطع به الأصحاب؛ لأنّها ليست جزء من

____________

(1) في (ب): «عدم تعلّق» بدل: «عدمه لتعلّق».

(2) في (ألف): «حال».

(3) في (د): «فامّا».

(4) مدارك الأحكام 5/ 154.

102

التركة.

و ما ذكره (رحمه اللّه) محلّ منع.

و ما جعله من مقطوع الأصحاب لم نعثر عليه، بل لم نجد من (1) أفتى بعدم تعلّق الدين بها سوى ما في المنتهى (2) حيث حكم بوجوب الزكاة في ثمر النخل لو مات المالك قبل اطلاعها لو قلنا بانتقال الملك إلى الورثة، لكنّه (رحمه اللّه) لا يختار ذلك.

و لذا قطع قبل ذلك بقليل لعدم وجوبها في الثمرة و إن زادت على الدين أفضل منها مقدار النصاب.

و في التذكرة (3): إن الوجه أن الثمرة للورثة، لأنّ الدين على ما اخترناه لا يمنع انتقال الملك إلى الورثة، و الثمرة حدثت في ملكهم فلا يتعلق الدين بها.

و هو كما ترى ليس قطعا بالحكم.

و احتمال كون الثمرة بمنزلة الأصل إذا كان في الدين ما يقابلها وجه وجيه.

و قد قطع في المسالك (4) بعدم الفرق في عدم الوجوب حينئذ بين القول بانتقال التركة إلى الوارث أو أنّها على حكم مال الميّت؛ لأنّه و إن حكم بانتقالها إليه لكن يمنع من التصرّف فيها قبل الوفاة. و هو يشير إلى ما قلناه؛ إذ لو خلص له الثمرة على القول المذكور لم يعقل منعه من التصرف فيها و في نهاية الإحكام (5): و لو مات قبل بدوّ الصلاح فلا زكاة سواء قلنا بانتقال التركة إلى الوارث أو قلنا إنها على حكم مال الميت؛ لمنع الوارث من التصرف فيها، فانتفى شرط الوجوب.

و ظاهر إطلاقه يوافق ما حكيناه عن المسالك، فعلى هذا الوجه ينزل النماء الحاصل بعد

____________

(1) ليس في (د): «من».

(2) منتهى المطلب 1/ 498.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 160.

(4) مسالك الإفهام 1/ 397.

(5) نهاية الإحكام 2/ 318.

103

الوفاة منزلة التركة، فإن كان الدين مستوعبا للتركة معها أيضا جرى فيه الكلام المتقدّم، و إن لم يكن مستوعبا أتى فيه ما سنذكره في غير المستوعب إلّا إذا كانت التركة مساوية للدين أو يحتمل حينئذ اختصاص حق الديّان فيه، فيكون النماء الحاصل مختصا بالوارث؛ إذ لا يعقل انتقاله إلى الديان، و تعلّق حقه به أيضا مخالف للأصل.

نعم، على القول بكونها في حكم مال الميت يجري ذلك أيضا في النماء. و لا يبعد القول بتعلّق حق الديّان بالنماء أيضا؛ أخذا بظاهر الإطلاقات.

و يشير إليه استحقاقه في النماء قطعا على فرض تلف الأصل.

و في المسالك (1): إنّ الأولى (2) بناء على الانتقال وجوب الزكاة على الوارث مع بلوغ نفسه (3) ممّا يزيد على الدين نصابا و إن أمكن عروض الضمان عليه بتلف ما قابل الدين فصارت الأقوال في المقام ثلاثة أظهرها الأخير.

و استقرب في الذخيرة القول بوجوب الزكاة في الثمرة بناء على القول بالانتقال إليه، و لو قلنا بمنعه من التصرف فيه؛ نظرا إلى منعه منع ذلك من تعلّق الوجوب كما مرّ.

و قد عرفت ضعفه.

و أمّا إذا لم يكن الدين مستوعبا فإن لم يفضل لكلّ من الورثة أو لبعضهم مقدار النصاب فالحال فيه كصورة الاستيعاب.

و إن فضل فإن قلنا ببقاء التركة قبل أداء الدين على حكم مال الميّت و لو مع زيادتها عليه، فلا زكاة مطلقا. و كذا إن قلنا بالانتقال إلى الوارث و منعه من التصرف مطلقا قبل الأداء؛ لاحتمال التلف قبل الوفاء.

و قد نصّ في المنتهى (4) و التحرير (5) على سقوط الزكاة حينئذ عن الوارث معلّلا له في

____________

(1) مسالك الإفهام 1/ 397، و في (ألف): المدارك، و الصحيح ما أدرجناه.

(2) في (ألف): «الأوّل».

(3) في (ألف): «نصيبه».

(4) منتهى المطلب 1/ 498.

(5) تحرير الأحكام 1/ 375.

104

الأول بأن التركة على حكم مال الميّت و إن قلنا بعدم حجره فيما زاد على مقدار الدين كما هو الاظهر؛ بل المتعيّن فيما إذا لم يتمكن من الدفع إلى الديّان فلا إشكال في وجوب الزكاة في القدر الزائد.

و قد نصّ في نهاية الإحكام (6) على وجوب الزكاة فيه و يمكن القول به بناء على كون التركة في حكم مال الميّت.

و القول بانتقالها إلى الورثة لإمكان القول بذلك فيما يساوى الدين خاصة دون ما يزيد عليه كما أنّه يصح الحكم، ينبغي الزكاة فيه على القولين كما أشرنا إليه.

فما في البيان (7) من تفريع ثبوت الزكاة فيه على القول الثاني و عدمه على القول الأول غير واضح.

و أما ما يقابل الدين من التركة فيجري فيه الكلام المتقدم بعينه.

و لو حصل له نماء زكوي جرى فيه أيضا ما قدّمناه.

إلّا أن يمكن القول هنا بوجوب الزكاة في التركة مطلقا إلا أن يبقى منها مقدار الدين؛ إذ لا يتعين شيء منها للدين، فللوارث التصرف في كل جزء منها إلى أن يبقى منها مقدار ما يحصل به الوفاء.

هذا على القول بانتقال التركة إلى الوارث لحصول الملكية حينئذ مع القدرة على التصرف بالنسبة إلى كل جزء منها، و إن لم يكن قادرا على التصرف في الكل.

و من هنا يقوم احتمال وجوب الزكاة فيما إذا لم يكن الفاضل على الدين مقدار النصاب أيضا؛ نظرا إلى حصول التمكن من التصرف في النصاب بالنسبة إلى كل جزء منه، إلّا أنّه موهون بعدم صدق التمكن من التصرف في النصاب عرفا.

و أما على القول بعدم انتقالها إلى الوارث فلا يتم ذلك؛ لانتفاء الملكية بالنسبة إلى ما

____________

(6) نهاية الإحكام 2/ 318.

(7) البيان: 169.

105

يقابل الدين.

ثم إنّه لا فرق فيما ذكرناه بين ما إذا كانت العين الزكوية من الغلات أو غيرها؛ لاتحاد المناط في الكل و إن كان المفروض في كلام كثير منهم فرض المسألة في خصوص الغلات.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور:

أحدها: أنّه لو كان هناك من يدعي دينا على الميت فلا حجز على الورثة من التصرف قبل إثباته،

فإن عجز عن الإثبات فلا كلام، و إن صالحه الورثة بشيء من التركة كان ذلك بمنزلة انتقال جديد عنهم، و إن أثبته بعد تعلق الوجوب فإن نقص به حق كل من الورثة عن النصاب كشف ذلك عن سقوط الزكاة، و إلّا ففي كشف ذلك عن منعهم من التصرف و الاكتفاء به في سقوط الزكاة وجه قويّ؛ نظرا إلى استحقاق الغير فيه، فهو نظير ما لو رهنه المورث و لم يعلم به الورثة إلّا بعد إثبات المرتهن.

و يحتمل القول بالوجوب لانتقاله إلى الورثة و تمكّنهم من التصرف فيه في ظاهر الشريعة، فيتعلق به الزكاة.

نعم، لو قلنا بعدم انتقال المال إلى المورث في مقدار الدين فلا إشكال في سقوط الزكاة لكشفه عن انتفاء الملكية.

ثانيها: أنّه لا يجري ما ذكرناه من سقوط الزكاة بسبب الحجر في حجر المريض عن التصرف فيما يزيد على الثلث

أو لا يتعلق الحجر المذكور على القول به إلّا بنحو خاص من التصرف؛ لأنّه يصدق به كونه ممنوعا من التصرف في المال مطلقا فلا يندرج تحت ما عرفت من الأدلة القاضية بسقوط الزكاة فيما لا يتمكّن من التصرف فيه.

و أما حجز السفيه فالظاهر عدم منعه من تعلق الزكاة بلا خلاف يظهر فيه.

106

نعم، في التذكرة (1): و هل يجب على السفيه؟ الوجه ذلك، و هو بما يشعر باحتماله سقوط الزكاة فيه إلّا أنّه احتمال ضعيف؛ لوضوح اندراجه في العمومات و قيام الولي مقامه في التصرفات، فيكون المال عنده بمنزلة المال في يد الوكيل و ليس الحجر عليه لحق الغير، بل للمحافظة على ماله، فلا يندرج فيما دل على انتفاء الزكاة مع انتفاء التمكن من التصرف؛ إذ الظاهر عدم شموله لمثل ذلك.

نعم، لو لم يتمكن الولي من التصرف فيه قوي انتفاء الزكاة سواء تمكن السفيه من التصرف فيه أو لا؛ إذ لا عبرة شرعا بتصرفه.

و لو تغلب السفيه على الولي فقبض المال منه ففي تعلق الزكاة بماله وجهان؛ أوجههما ذلك؛ إذ الظاهر تعلق الوجوب به و إن تولى الولي إخراجها؛ إذ لا منافاة بين الأمرين، و الحال فيها كسائر الواجبات المالية المتعلقة بأمواله.

و القول بسقوط جميع تلك الواجبات عنه و تعلّقها بالولي خاصة بعيد جدا.

و حينئذ فاستناد السقوط إلى فعله بارتفاع تمكّن الولي من جهته بعيد.

و قد يقال حينئذ بكونه متمكّنا من التصرف في المال بتمكين الولي منه، فتأمّل.

و يتفرع على ما قلناه أنّه لو علم السفيه بوجود المال دون الولي وجب عليه الزكاة، و لزمه إعلام الولي ليدفعها عنه بخلاف ما لو قلنا بكون المناط فيه ملاحظة حال الولي.

و منها:

[ثالثها] لو امتنع من عليه التصرف في العين من جهة اشتراط ما ينافيه في العقد اللازم

سواء كان في ضمن العقد الناقل لعينه أو في ضمن عقد آخر، كما إذا باعه العين الزكوية و شرط عليه أن يبقي العين عنده مدة معلومة، فلا زكاة عليه في تلك المدة.

و لا يجري في الحول قبل مضيّها؛ لعدم تمكنه شرعا من التصرفات الناقلة للعين؛ لتعلق حق الغير حينئذ من جهة الاشتراط، بناء على وجوب الوفاء بالشروط المذكورة، و من ذلك وجوب إبقائه المشتري لعين المبيع و عدم جواز تصرفه فيها بما ينقلها عنه أو يوجب إتلافها في

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 16.