تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
107

زمن الخيار المشترط للبائع؛ فإنه إنّما يثبت ذلك من جهة اشتمال اشتراط الخيار على الاشتراط المذكور بحسب فهم العرف؛ نظرا إلى جريان الطريقة على ذلك بحيث يفهم ذلك عرفا من اشتراط الخيار، لا أنّ مجرد وجود الخيار قاض بالمنع منه؛ نظرا إلى كونه حقا للغير ثابتا فيه، فلا يجوز التصرف بما ينافيه؛ لوضوح أن تصرفه في العين لا يقضي بسقوط خيار الآخر و إن أسقط خياره في العين. و لا اختصاص للخيار الثابت له في العقد بذلك.

فغاية الأمر رجوعه عليه بعد الفسخ بعوضه من مثله أو قيمته. كيف و لو كان مجرد ثبوت الخيار قاضيا بذلك لجرى في غير خيار الشرط من سائر الخيارات كخيار الغبن و العيب و تفريق الصفقة و غيرها.

و الظاهر أنّ أحدا لا يقول فيها بذلك.

ثم إنّ المنصوص في كلام جماعة من الأصحاب جريان النصاب في الحول أو وجوب الزكاة فيه في زمن الخيار الحاصل للبائع، أو له و للمشتري.

و قد أفتى به الفاضلان في الشرائع (1) و المعتبر (2) و المنتهى (3) و التذكرة (4) و التحرير (5) و القواعد (6) و نهاية الإحكام (7) و الشهيد في الدروس (8) و البيان (9) و غيرهم.

و الظاهر ابتناء ذلك على جواز تصرفات المالك فيه مع حصول الخيار كما هو أحد القولين في المسألة.

____________

(1) شرائع الإسلام 1/ 106.

(2) المعتبر 2/ 562.

(3) منتهى المطلب 1/ 478.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 24.

(5) تحرير الأحكام 1/ 350.

(6) قواعد الأحكام 1/ 330.

(7) نهاية الإحكام 2/ 314.

(8) الدروس 1/ 230.

(9) البيان: 167.

108

و قد نص عليه في الإيضاح (1) حيث علّل جريانه في الحول من حين العقد بتمكنه من سائر التصرفات بالعقد، لكن قطع العلامة في القواعد (2) بعدم جواز تصرفاته من البيع و الهبة و الوقف.

و في الدروس (3) أنّ فيه وجهين.

و حينئذ فالقطع بثبوت الزكاة في المقام لا يوافق ما تقرّر عندهم من اشتراط الوجوب بإمكان التصرف.

و لذا اتّجه في المسالك (4) قول الشيخ، و إن لم يقل بصحة مبناه؛ لابتنائه عنده على عدم حصول إمكان التصرف في المقام على حسبما قرّرناه.

و يتفرع على ذلك عدم وجوب الزكاة هنا لا على البائع و لا على المشتري؛ لانتفاء الملكية بالنسبة إلى أحدهما و انتفاء التمكن من التصرف بالنسبة إلى الآخر.

و قد نبّه عليه في المدارك (5) أيضا، قال: فإن ثبت أنّ ذلك- يعني عدم التمكن من التصرف- مانع من وجوب الزكاة اتّجه [اعتبار] انتفاء خيار [البائع لذلك] (6).

و هذا هو المتّجه حسبما قرّرناه.

فما في الذخيرة (7) من أنّ منع المشتري من التصرفات المنافية لخيار البائع كالبيع و الهبة و الإجارة يقتضي عدم صرف الزكاة في الفقراء إلّا بعد انقضاء الخيار، لا عدم جريانه في الحول قبله ليس على ما ينبغي.

و ما ذكره مبني على عدم منع المنع من التصرف من وجوب الزكاة.

____________

(1) إيضاح الفوائد 1/ 169.

(2) قواعد الأحكام 1/ 330.

(3) الدروس 1/ 230.

(4) مسالك الإفهام 1/ 360.

(5) مدارك الأحكام 5/ 29.

(6) الزيادات من المصدر.

(7) ذخيرة المعاد 3/ 423.

109

و قد عرفت ضعفه من ذلك ما لو باعه جنسا زكويّا في الذمّة و شرط عليه أداءه من عين معلومة مع عدم زيادة ذلك العين عن المبيع بمقدار النصاب؛ نظرا إلى تعيّن صرفها في ذلك (1) و عدم جواز إتلافه لها لو (2) تصرّفه فيها بسائر الوجوه المنافية لدفعها إليه، سيّما إذا لم يف الحاصل بوفاء الدين و أداء الزكاة فلا يتعلّق به الزكاة مع سبق الحق الآخر.

و لا فرق في ذلك بين ما يعتبر فيه الحول و غيره.

و قد يشكل ذلك بأنّ مجرّد الاشتراط المذكور لا يقضي بارتفاع سلطان البائع على ما شرط الدفع منه حسبما ذكر. غاية الأمر أن يجب عليه مراعاة ذلك، و هو لا يقضي بفساد تصرّفاته في العين و إن كانت محرّمة.

و مجرّد ذلك لا يقضي بارتفاع الزكاة. كيف، و لو كان صرف المال في مصرف معيّن مانعا من الزكاة لزم أن لا يتعلّق الزكاة بمال المديون إذا لم يتمكّن من أداء الدين إلّا بدفع ما عنده من النصاب، و كان الديّان متقاضيا لحقّه؛ لعدم تمكّنه من التصرّف فيه إلّا في الوجه المذكور مع إطباق الأصحاب على خلافه.

نعم، هناك خلاف للعامّة قد أشاروا إليه و حكموا بفساده.

و يدفعه أنّ هناك فرقا بيّنا بين المقامين؛ لتعلّق حق المشتري هنا بالعين، نظرا إلى الاشتراط المذكور دون ما إذا انحصر أداء الحق في دفع النصاب؛ إذ لا يتعلّق الحق حينئذ بالعين، و إن تعيّن رفعها (3) في ذلك، فلا مانع فيه من تعلّق الزكاة بالعين بخلاف ما نحن فيه.

و لو زادت العين المفروضة عن القدر المشترط بمقدار النصاب وجبت الزكاة في الزائد؛ لانتفاء المانع و سقطت القدر المشترط لما عرفت.

و قد يستشكل فيه من جهة حصول التمكّن من التصرّف بالنسبة إلى كلّ جزء؛ نظرا إلى تخييره في التعيين.

____________

(1) الواو زيدت من (د).

(2) في (د) «أو».

(3) في (د): «دفعها».

110

و فيه: أنّ ذلك لا ينافي صدق كونه ممنوعا من التصرّف في ذلك المقدار.

كيف، و هو ممنوع من التصرف في المجموع، و ليس ذلك إلّا لامتناع تصرّفه في ذلك البعض، و لا يقضي ذلك بامتناع تصرّفه في الجميع؛ ليكون قاضيا بسقوط الزكاة عليها (1) بالمرّة كما لا يخفى.

و لو تلف حينئذ شيء من ملك العين فإن كان قبل حلول الحول و لم يكن الزائد حينئذ بمقدار النصاب فلا زكاة فلا زكاة بالمرة بالمرّة، و إن كان بعد حلوله قضى ذلك بسقوط الزكاة عن العين بالنسبة، و إن كان الباقي بمقدار وفاء الحق أو دونه قسط عليه و على الزكاة.

و في وجوب دفع الزكاة حينئذ من غير العين وجه قوي.

فإن لم يدفع أو لم يتمكّن منه تخيّر المشتري لانتفاء الشرط أو في الثاني بأداء الحق، و إلا تخيّر مطلقا.

و أمّا القسم الثاني فيندرج فيه أيضا أمور:

منها:

[رابعها] نذر الصدقة بعين النصاب،

سواء تعلّق به بخصوصه أو اندرج في جملة المنذور.

و قد نصّ جماعة من الأصحاب- من غير خلاف يعرف فيه- على سقوط الزكاة حينئذ عن النصاب: منهم الشيخ في المبسوط، و المحقّق في الشرائع (2) و المعتبر، و العلامة في المنتهى (3) و التذكرة (4) و التحرير (5) و القواعد (6) و نهاية الإحكام (7)، و ولده في الإيضاح (8)، و الشهيدان في

____________

(1) في (د): «عنها».

(2) شرائع الإسلام 1/ 106.

(3) منتهى المطلب 1/ 478.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 25.

(5) تحرير الأحكام 1/ 349.

(6) قواعد الاحكام 1/ 330.

(7) نهاية الإحكام 2/ 305.

(8) إيضاح الفوائد 1/ 169.

111

البيان (1) و المسالك (2) و الروضة، و المحقق الكركي (3) و صاحب المدارك (4) و غيرهم.

و ذلك لتعيّن صرفه في النذر و عدم جواز صرفه في غير ذلك، فلا يتمكّن من التصرّف فيه، و إن تعيب الملكيّة كما نصّ عليه جماعة منهم العلّامة في التذكرة و النهاية، و الشهيد الثاني في المسالك، و السيد في المدارك.

و ربّما يظهر من المنتهى خروجه عن الملك بمجرّد ذلك. و كأنه أراد به الملك التام.

و قد يشكل في المقام أن القدر الثابت بالنذر إنّما هو وجوب صرفه في المصرف المنذور.

و هو لا يقضي بعدم صحّة سائر التصرفات المتعلّقة به ممّا يخالف ذلك إذا قضاه وقوع الحنث به.

و هذا المقدار و غيره كاف (5) في سقوط الزكاة. كيف، و لو كان تعيّن المصرف شرعا موجبا لنقص الملكيّة و الخروج عن التمكّن من التصرّف لجرى في مواضع لا يقولون به كما مرّت الإشارة إليه.

نعم، لو قلنا بفساد بيع المنذور و سائر التصرفات المخالفة لجهة النذر تمّ ذلك، لكن لم نجد إلى الآن دليلا صالحا يفي بذلك لاندراجه في الإطلاقات، و النهي إنّما تعلّق به لأمر خارج عن حقيقة المعاملة، فلا يقضي بالفساد.

و قد يعلّل ذلك بوجه آخر، و هو أن يقال: إنّه بعد تعلّق النذر بالنصاب و انعقاده يتعيّن عليه شرعا صرفه في ذلك فلا يجوز (6) صرفه في غيره، و من جملته الصرف في الزكاة، فلا مجال لتعلّق الزكاة به.

____________

(1) البيان: 166.

(2) مسالك الإفهام 1/ 360.

(3) جامع المقاصد 3/ 7.

(4) مدارك الأحكام 5/ 31.

(5) في (ب): «المقام» بدل: «المقدار و غيره كاف».

(6) في (د): زيادة «له».

112

و كأنّ هذا مراد صاحب المدارك (1) حيث قطع في المقام بسقوط الزكاة معلّلا بتعيّنه للصدقة و امتناع التصرف فيه بغيرها؛ نظرا إلى عدم قيام دليل عنده على اشتراط وجوب الزكاة بالتمكّن من التصرف فيه على سبيل الإطلاق ليجري عليه في موارده.

و لذا استشكل في مقامات عديدة بعد تسليمه عدم إمكان التصرف شرعا.

و فيه: أنّ ذلك إنّما يتمّ لو ثبت تعيّن صرفه في ذلك و لو بعد حولان الحول. و لا دليل عليه سوى الإطلاق.

و هو معارض بإطلاقات (2) الزكاة الموجبة لصرف حصّة منه في مصرف الزكاة.

و يمكن ترجيحها بأنّ وجوب الزكاة إنّما ثبت بأصل الشرع، فلا يعارضه الوجوب العارضي؛ فإن تلك الأسباب إن صارف (3) محلا قابلا أثرت فيه و إلّا فلا.

ألا ترى أنّه لو عارض الزكاة وجوب صرف المال في سائر الوجوه لم يمنع من وجوبها، فالاحتجاج المذكور منقوض بذلك، فالأحسن الاستناد في ذلك إلى تعلّق ذلك (4) الحق بالعين (و إن قلنا بعدمه اقتضائه فساد التصرفات المتعلقة بها، و ذلك لأن تعل ذلك الحق بالعين) (5) ينافي قبولها لتعلّق الزكاة بها؛ للمنافاة الظاهرة بين الأمرين.

هذا، و ليس في كلام جماعة من الأصحاب كالديلمي و القاضي و الحلبي و ابن زهرة و الحلّي تعرّضا لنفي الزكاة من جهة تعلّق النذر. و ربّما يشعر ذلك بنفيهم منعه من تعلّق الزكاة إلّا أنّه ليس فيه دلالة ظاهرة على ذلك ليصحّ عدّ ذلك خلافا في المقام (6).

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 31.

(2) في (د): زيادة «له».

(3) في (د): «صادف».

(4) ليس في (د): «ذلك».

(5) ما بين الهلالين من (د).

(6) في (د) زيادة «فتأمل».

113

[تتمّة]

و لنتمّ الكلام في المرام بذكر أمور:

أحدها: أنّه لا فرق في الحكم المذكور بين نذر الصدقة أو الصرف في غيرها من وجوه البرّ و غيرها

كدفعه عن الزكاة الواجبة عليه أو الخمس أو صرفه في صلة الأرحام و مئونة الأضياف أو في قضاء ما عليه من الدين و نحو ذلك؛ لاتحاد المناط في الجميع.

و لو نذر أن لا يخرجه عن ملكه أو نذر بيعه أو إجارته و نحو ذلك ففي تسرية الحكم إشكال.

و لم أجد في كلامهم تصريحا بالتعميم.

ثم إنّه لا فرق في ذلك بين النذر و العهد و اليمين لاشتراك الكلّ في المعنى.

ثانيها: لو علّق النذر على شرط متوقع

كقدوم مسافر أو شفاء مريض ففي جريان الحكم المذكور قبل حصول الشرط قولان؛ فالمختار عند جماعة منهم العلّامة في النهاية (1)، و ولده في الايضاح (2)، و المحقق الكركي (3) سقوط الزكاة.

و حكى في الايضاح قولا بعدم سقوطها.

و استشكل فيه في التذكرة (4).

و تنظر فيه في القواعد (5) و المسالك.

و مبنى المسألة على أن النذر المفروض هل يقضي بالمنع من التصرف في المنذور قبل حصول الشرط أو لا؟ فمنهم من حكم بذلك، فيتفرع عليه سقوط الزكاة؛ لما عرفت من اشتراط التمكّن من التصرف في وجوبه.

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 305.

(2) إيضاح الفوائد 1/ 169.

(3) جامع المقاصد 3/ 7.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 26.

(5) قواعد الأحكام 1/ 331.

114

و تأمّل فيه في المدارك (1) مع حكمه بمنعه من التصرّفات المانعة لأداء المنذور؛ نظرا إلى تأمّله في مانعيّة المنع من التصرّفات لوجوب الزكاة مطلقا، فقال: إن ثبت كون ذلك مانعا لوجوب الزكاة كما ذكره الأصحاب انقطع الحول بمجرّد النذر، و إلّا وجبت الزكاة مع تمامه، و كأنّ القدر المخرج من النصاب كالتالف من المنذور، و تجب الصدقة بالباقي مع حصول الشرط.

و أنت خبير بأنّ المنع الشرعيّ من التصرف في المال إن كان من جهة تعلّق الحق بالعين أمكن جعله مانعا من وجوب الزكاة كما مرّ.

و أمّا مجرّد وجوب تبعيّة المال لصرفه في (2) مصرف معين من غير تعلّق الحقّ بالعين فليس مانعا من تعلّق الزكاة، فإن قلنا بكون تعلّق النذر في المقام موجبا لتعلّق حق بالعين مانع من التصرف فيها اتّجه القول بنفي الزكاة هنا.

و إن لم نقل بتعلّق حقّ بالعين لكن أوجبنا إبقاءها استظهارا لتمكّن الوفاء بالنذر (3)، و بعد تحقّق ما علّق عليه فلا وجه لانتفاء الزكاة لما عرفت.

فالشأن على القول بمنع المالك من التصرف في العين في تعيين أحد الوجهين المذكورين.

و كأنّ الأظهر هو الأوّل؛ انصرافا للنذر المفروض عرفا إلى نذر الإتيان بالفعل المذكور عند حصول ما علّق عليه و نذر إبقائه إلى الوقت الذي يمكن فيه حصول ذلك كما مرّ نظيره في اشتراط الخيار في وقت معيّن- مطلقا أو عند حصول فعل معين معلوم- فإذا انعقد النذر المفروض بتحقّق شرائط النذر تعلّق الحق بالعين، و كانت مستحقّة للإبقاء، فلا يمكن تعلّق الزكاة بها.

ثالثها: لو جعل المال المعيّن صدقة بالنذر أو جعل الأغنام المعيّنة ضحايا

سقطت

____________

(1) مدارك الاحكام 5/ 32.

(2) في (ألف): «لضرورة» بدلا من «لصرفه في».

(3) في (د) «بالمنذور».

115

الزكاة بالأولى، كما (1) ذكره في القواعد (2) و التذكرة (3) و نهاية الإحكام (4) و المسالك (5).

و علّله في الثلاثة الأخيرة بخروجه بذلك عن الملك قاطعا به.

و قد قطع به في البيان (6) أيضا، و ألحق به ما لو نذر مطلقا ثمّ عيّن.

و في المدارك (7): و أولى منه ما لو جعله صدقة بالنذر؛ لخروجه عن ملكه بمجرد النذر فيما قطع به الأصحاب.

قلت: لو تمّ ما ذكروه من خروجه عن الملك بذلك فلا إشكال، لكنّ الشأن في إثباته.

و ما في المدارك من كونه مقطوعا به عند الأصحاب غير ظاهر؛ إذ لم نجد من قطع به سوى العلّامة في عدة من كتبه، و الشهيدان في البيان و المسالك.

و قد تردّد في الدروس (8) في كتاب النذر في خروجه عن الملك بمجرّد ذلك.

و المسألة مشكلة، و لتفصيل الكلام فيها مقام آخر.

ثمّ على القول به ففي تملّك التصدق عليه إذا كان معينا بمجرد ذلك إشكال أيضا. و يثمر ذلك في وجوب الزكاة عليه مع حصول سائر الشرائط بالنسبة إليه.

رابعها: لو تعلّق النذر بكلّيّ في الذمة

لم يمنع من وجوب الزكاة فيما ملكه من جنس المنذور، و لو فرض انحصار الوفاء بدفعه؛ نظرا إلى عدم تعلّق الحق بالعين، فهو نظير الدين إذا انحصر الوجه في أدائه بدفع ما ملكه من العين.

و قد نصّ على عدم وجوب الزكاة حينئذ جماعة من الأصحاب منهم الشهيدان في

____________

(1) زيادة «كما» من (د).

(2) قواعد الأحكام 1/ 331.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 26.

(4) نهاية الإحكام 2/ 305.

(5) مسالك الإفهام 1/ 361.

(6) البيان/ 166.

(7) مدارك الأحكام 5/ 31.

(8) الدروس 2/ 155.

116

البيان (1) و المسالك (2).

و لو عيّن شيئا من جنس المنذور لأدائه ففي تعيّنه لذلك قبل دفعه ليتعلّق الحق بعينه وجهان؛ أجودهما العدم؛ للأصل مع عدم قيام دليل صالح على التعيين (3).

و قد مرّ عن البيان إلحاقه بما إذا تعلّق النذر بالعين.

و كأنّ الوجه أن الحق إذا تعلّق بكلي في الذمة كان تعيينه موكولا إلى اختيار المكلف كما في زكاة المال و زكاة الفطرة.

و فيه: أنه لا كلام في كون تعيينه باختيار الناذر، و إنّما الشأن في حصول التعين بذلك و لا يلزم من اختياره في التعيين حصول التعين به بنفسه قبل دفعه، و قضيّة الأصل عدمه. و ثبوت الحكم في الزكاة لا يقضي بجريانه في غيرها مع عدم قيام دليل على التعميم.

خامسها: لو تعلّق النذر بجزء مشاع من الأغنام أو بأغنام معينة منها،

فإن لم يكن الباقي بمقدار النصاب جرى فيه الكلام المذكور، و إن كان الباقي بمقدار النصاب ثبت فيه الزكاة (4).

____________

(1) البيان: 166.

(2) مسالك الإفهام 1/ 361.

(3) في (د) «التعيّن».

(4) في (د) «بياض الاصل».

117

الباب الثاني (1) في بيان ما يجب الزكاة فيه و ما يستحب الشرائط المعتبرة في ثبوت الزكاة في كلّ منها و ما يلحق بذلك من الأحكام

تبصرة [في بيان ما يجب الزكاة فيه]

إنّما تجب الزكاة في الأجناس التسعة أعني الأنعام الثلاث، و الغلّات الأربع، و النقدين دون ما عداها من الأجناس.

أما وجوبها في الأجناس المذكورة فممّا انعقد عليه إجماع الأمة و الروايات المستفيضة بل متواترة، بل لا يبعد عدّه من الضروريات في الجملة.

و أما عدم وجوبها في غيرها هو المعروف من المذهب، بل لا نعرف فيه مخالفا ممن تأخر عن الاسكافي.

و قد حكى الإجماع عليه في الغنية و الذخيرة (2).

و في المنتهى (3): إنّه مذهب علمائنا أجمع.

و نحوه ما في التذكرة (4) في الثمار و الغلات عدا الأجناس الأربعة و الورس و العسل

____________

(1) لم يذكر المصنف (قدّس سرّه) عنوان الباب الأول، فتدبّر.

(2) في (د): «و غيره»، بدلا من: «الذخيرة».

(3) منتهى المطلب 1/ 474.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 175.

118

و الزيتون و الأزهار كالزعفران و القطن.

و في النهاية (1): إنّما تجب الزكاة عند علماء آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله) في تسعة أجناس.

و في المعتبر (2): إنّه مذهب الأصحاب عدا ابن الجنيد. و حكى الشيخان في الكافي (3) و الإستبصار عن يونس بن عبد الرحمن أنّ ذلك أنما كان في أوّل النبوة كما كانت الصلاة ركعتين، ثمّ زاد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فيها سبع ركعات و كذلك الزكاة وضعها و سنّها في أوّل نبوته على تسعة أشياء ثمّ وضعها على جميع الحبوب.

و عن الإسكافي القول بوجوب الزكاة في أرض العشر في كلّ ما دخل القفيز من حنطة و شعير و سمسم و أرز و دخن و ذرّة و سلت و سائر الحبوب.

و ظاهر كلامه اختصاص الوجوب بما يحصل من أرض الخراج.

و ظاهر (4) المحكي عن يونس تعميم الحكم.

و كيف كان فهما ضعيفان ملحوقان بالاتفاق على خلافه، لأن تخصيص الحكم بأرض الخراج ممّا لا شاهد عليه في الأخبار.

ثمّ إن الروايات الدالّة على خلافهما كثيرة جدا و فيها المعتبرة.

نعم، هناك روايات أخر مستفيضة يدلّ على ثبوت الزكاة في غيرها أيضا كقول الصادق: (عليه السلام) «كلّ ما دخل القفيز فهو يجري مجرى الحنطة و الشعير و التمر و الزبيب» (5).

و في مكاتبة علي بن مهزيار و الصحيحة: «الزكاة في كلّ شيء كيل» (6).

و في صحيحة أخرى: «و أمّا الأرز فما سقت السماء العشر و ما سقى بالدلو فنصف العشر

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 321.

(2) المعتبر 2/ 493.

(3) الكافي 3/ 509، باب ما وضع رسول اللّه صلّى اللّه عليه و على أهل بيته الزكاة عليه ح 2.

(4) لم ترد في (ب): «و ظاهر ... بأرض الخراج».

(5) الكافي 3/ 511، باب ما يزكى من الحبوب ح 4.

(6) الكافي 3/ 511، باب ما يزكّى من الحبوب ح 4، وسائل الشيعة 9/ 61 باب استحباب الزكاة فيما سوى الغلات الأربع من الحبوب التي تكال ح 1.

119

فكلّ (1) ما كيلت بالصاع أو قال كيل بالمكيال (2).

و في خبر آخر بعد حكمه (عليه السلام) بثبوتها في عدّة من الحبوب: «و كلّ ما كيل بالصاع فبلغ الأوساق فعليه الزكاة» (3). إلى غير ذلك من الأخبار.

و هذه الروايات كما ترى غير صريحة في الوجوب، و لذا حملها الأصحاب على الندب لدلالة تلك الأخبار على انتفاء الوجوب.

و قد يحتمل بعد حملها على التقيّة فإنّ القول بالوجوب في ذلك من مذاهب العامة، و في غير و أحد من الأخبار شهادة عليه:

ففي مرسلة القماط، عن الصادق (عليه السلام) بعد حكمه باختصاص الزكاة بالأجناس التسعة و العفو عمّا سواها فقال السائل: و الذرّة؟ فغضب (عليه السلام) قال: «كان و اللّه على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) دائما السماسم و الذرة و الدخن و جميع ذلك» فقال: إنّهم يقولون: إنّه لم يكن ذلك على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و إنّما وضع على تسعة أشياء لما لم يكن بحضرته غير ذلك! فغضب (عليه السلام) و قال: «كذبوا فهل تكون العفو إلّا عن شيء قد كان؟! لا و اللّه ما أعرف شيئا عليه الزكاة غير هذا (فَمَنْ شٰاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَ مَنْ شٰاءَ فَلْيَكْفُرْ) (4).

و في هذه الرواية و غيرها تصريح ببطلان ما ذهب إليه يونس، و حمل عليه ما دلّ على نفي الزكاة في غير التسعة.

ثمّ إنّ المدار في كلّ من الأجناس التسعة على التسمية العرفية، فالحنطة و الشعير يعمّان جميع أنواعهما ممّا يندرج في إطلاق الاسم عرفا على سبيل الحقيقة.

و في شمول الحنطة للعلس- بفتحتين- و الشعير للسلت- بالضم فالإسكان- و عدمه خلاف بين الأصحاب، فذهب جماعة منهم الشيخ في المبسوط و الخلاف، و الحلي في السرائر،

____________

(1) في (د): «في كل».

(2) الكافي 3/ 511، باب ما يزكى من الحيوب ح 5.

(3) الكافي 3/ 511، باب ما يزكى من الحيوب ح 6.

(4) الخصال: 421.

120

و الشهيدان في البيان (1) و المسالك (2) و الروضة (3)، و المحقق الكركي في جامع المقاصد (4) إلى الأوّل.

و به قطع في الإيضاح (5) في السلت. و ظاهر كلامه يعطي قوله باندراج العلس أيضا.

و في المبسوط (6): إنّ العلس ضرب من الحنطة تكون منه حبتان في كمام فيترك كذلك؛ لأنّه أبقى له حتّى يراد استعماله فيلقى في رحى خفيفة فيلقى منه كمامه و يصير حبا.

و في السرائر (7): إن العلس ضرب من الحنطة إذا دبس بقي كلّ حبتين في كمام.

ثمّ لا يذهب عليك حتى يدق أو يطرح في رحى خفيفة، و لا يبقى بقاء الحنطة، و بقاؤها في كمامها، و يظن أهلها أنها إذا هرست أو طرحت في رحى خفيفة خرجت على النصف.

و قال في السلت: إنه شعير لونه لون الشعير و طعمه طعمه إلّا أن حبّه أصغر من حبّ الشعير.

و قد احتجّ على ذلك في البيان (8) و جامع المقاصد (9) و المسالك (10) بنص أهل اللغة عليه.

و قد قطع أكثر هؤلاء بالحكم من غير تأمّل فيه. و حكم في جامع المقاصد بضعف القول بعدم الاندراج. و ذهب آخرون إلى عدم شمول الحكم لها منهم الفاضلان في الشرائع (11)

____________

(1) البيان: 171.

(2) مسالك الإفهام 1/ 390.

(3) الروضة البهية 2/ 14.

(4) جامع المقاصد 3/ 22.

(5) إيضاح الفوائد 1/ 183.

(6) المبسوط 2/ 174.

(7) السرائر 1/ 428.

(8) البيان: 171.

(9) جامع المقاصد 3/ 23.

(10) مسالك الإفهام 1/ 390.

(11) شرائع الإسلام 1/ 116.

121

و التذكرة (1) و التحرير (2) و المختلف (3).

و يلوح ذلك من صاحب المدارك (4). و اختاره جماعة من متأخري المتأخرين.

و به قال الشيخ في السلت في النهاية (5) حيث عدّه في جملة الحبوب التي يستحب فيها الزكاة.

و توقّف في المعتبر (6) بعد ما حكى القول بالاندراج فيهما عن الشيخ و بعض أهل اللغة.

و ربّما يلوح ذلك من الدروس حيث أسند الحكم باندراجهما فيهما إلى الشيخ.

و في كلام أهل اللغة أيضا اختلاف في ذلك؛ ففي الصحاح (7): إن العلس ضرب من الحنطة تكون حبّتان في قشر، و هو طعام أهل صنعاء.

و نحوه ما في القاموس (8).

و في المصباح المنير: إنه نوع من الحنطة تكون في القشر منه حبّتان، و قد تكون واحدة أو ثلاث.

و عن ابن دريد (9): إن العلس حبّة سوداء تخبز في الجدب أو تطبخ.

و عن بعضهم: هو مثل البرّ إلّا أنه عسر الانقاع.

و ظاهر الأخيرين مغايرته للحنطة.

و في الصحاح (10): ان السلت ضرب من الشعير لا قشر فيه كأنّه الحنطة تكون في الحجاز.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 178.

(2) تحرير الأحكام 1/ 355.

(3) مختلف الشيعة 3/ 187.

(4) مدارك الأحكام 5/ 130.

(5) النهاية: 176.

(6) المعتبر 2/ 497.

(7) الصحاح 3/ 952 (علس).

(8) القاموس المحيط 2/ 232 (علس).

(9) أنظر مدارك الأحكام 5/ 131.

(10) الصحاح 1/ 253 (سلت).

122

و في القاموس (1): السلت الشعير أو ضرب منه (2) أو الحامض منه.

و في المغرب: (3) إنّه شعير لا قشر له يكون بالحجاز.

و عن ابن فارس: (4) إنّه ضرب من الشعير رقيق القشر صغار الحبّ.

و عن الأزهري: (5) إنّه حبّ بين الحنطة و الشعير، و لا قشر له كقشر الحنطة، فهو كالحنطة في ملاسته و كالشعير في طبعه و برودته.

و عن ابن دريد: (6) السلت حبة يشبه الشعير أو هو بعينه.

و عن ابن الصلاح: إنه قال الصيدلاني: هو كالشعير في صورته كالقمح (7) في طبعه.

و هذا بظاهره مخالف لما ذكره الأزهري، و هو الموافق لما يوجد في كلام الفقهاء بين (8) احتمال ضمّه إلى الشعير؛ لموافقته له صورة، و احتمال ضمّه إلى الحنطة لاتفاقهما تبعا.

و كيف كان، فظاهر الجماعة الأخيرة عدم اندراجه في الشعير.

فقد ظهر ممّا قلناه (9) من كلمات الأصحاب و نقلة اللغة أنّ الحكم فيهما محلّ إشكال إلّا أنّ الأظهر عدم وجوب الزكاة فيهما؛ للأصل بعد (10) عدم وضوح اندراجهما في الحنطة و الشعير على سبيل الحقيقة؛ لما عرفت من اختلاف كلمات أهل اللغة مع احتمال حمل كلام (11) الحاكمين بالاندراج على إرادة مطلق الإطلاق، و لو على سبيل التوسعة؛ نظرا إلى الموافقة في الصورة كما

____________

(1) القاموس المحيط 1/ 150 (سلت).

(2) لفظتا «منه» من (د).

(3) انظر جواهر الكلام 15/ 206.

(4) نقل في هامش مسند أبي يعلى 2/ 68.

(5) نقل في هامشى مسند أبي يعلى 2/ 68 و الموطأ 1/ 272.

(6) انظر مدارك الأحكام 5/ 131.

(7) أنظر جواهر الكلام 15/ 206.

(8) في (د): «من».

(9) في (د): «نقلناه».

(10) في (ب): «بعدم».

(11) في (ب): «اختلاف».

123

قد يشهد له ملاحظة العرف أنّه لا ينصرف الإطلاق إلى ما يعمهما قطعا.

و بعد تسليم اندراجهما في الحنطة و الشعير على سبيل الحقيقة فلا ينبغي التأمل في عدم اندراجهما في الإطلاقات الواردة في الزكاة؛ لما هو معلوم بملاحظة العرف من انصراف الإطلاق إلى غيرهما كما أشرنا إليه.

و هو كاف في المقام، و إن كان التبادر إطلاقيا، و لذا لا يحكم بإرادة (1) ما يشملهما عند إطلاق الحنطة أو (2) الشعير في الوصايا و الأقارير و غيرهما. مضافا إلى أنّهما مع عدم اندراجهما في إطلاق اللفظين يدخلان في عموم ما عدا الأشياء التسعة المذكورة المنصوص في تلك النصوص بعفو الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و يدلّ عليه أيضا ظاهر الموثق: «الذرة و العدس و السلت و الحبوب فيها مثل ماء الحنطة و الشعير» (3).

و يشير إليه أيضا ما في الصحيح (4) و غيره من عطف السلت في عدّة من الحبوب على الشعير؛ لظهوره في المغايرة، و كونه من قبيل عطف الخاص على العام و إن كان ممكنا إلّا أنّه لا يخلو عن بعد بالنظر إلى ظاهر السابق.

و حكى في الايضاح (5) عن بعض الأصحاب قولا بإلحاق السلت بالحنطة الموافقة لها في الطبيعة (6) المختصّة بها.

و احتمله في القواعد، (7) و هو قول لبعض العامّة.

و هو موهون جدّا لخروجه عن مقتضى العرف و كلمات أهل اللغة.

____________

(1) الكافي 3/ 510، باب ما يزكى من الحبوب ح 1.

(2) في (د): «واو».

(3) تهذيب الاحكام 4/ 65، باب حكم الحبوب بأسرها في الزكاة ح 3.

(4) الكافي 3/ 510، باب ما يزكى من الحبوب ح 1.

(5) إيضاح الفوائد 1/ 182.

(6) في (د): «الطبعة».

(7) قواعد الأحكام 1/ 342.

124

و ربّما يفسّر العلس بالعدس كما ذكره في القاموس (1) و غيره، و السلت بالشعير الحامض كما قطع به في الوافي.

و ذكره في القاموس أيضا.

و هما بهذين المعنيين لا إشكال فيهما؛ لوضوح خروج الأوّل عن الحنطة، و اندراج الأخير في الشعير لكونه نوعا معروفا منه.

ثمّ إنّ الابل يشمل سائر أنواعها من العراب و البخاتي و الذلول و غيرها، و البقر يشمل الجاموس.

و قد دلّ عليه النص الصحيح.

و حكى في التذكرة (2) إجماع العلماء عليه.

و في المعتبر (3): إنّ عليه اتّفاق العلماء.

و لا يندرج فيها البقر الوحشيّة و إن تأنست.

و في المعتبر: إنّ عليه الإجماع إلّا على قول شاذ لأحمد، و عزاه في التذكرة إلى أكثر العلماء.

و حكى من (4) أحمد في رواية و أنه شمولها لبقر الوحش لاندراجها في الاسم.

و هو ضعيف جدا.

و الغنم يشمل الضّأن و المعز بلا خلاف بين الخاصّة و العامّة.

و في المعتبر (5): إنّ عليه أهل العلم.

و لا فرق في الأنعام الثلاث بين الصغير و الكبير، و لا يندرج فيها الحمل. و إنّما يعتبر من عين الانفصال أو خروج المعظم في وجه.

____________

(1) القاموس المحيط 2/ 232.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 77.

(3) المعتبر 2/ 501.

(4) في «د»: «عن».

(5) المعتبر 2/ 501.

125

و قد يستشكل في الرضيع من جهة انتفاء النوم (1)، و هو كلام آخر يجيء البحث فيه.

و كذا لا فرق فيها بين الذكر و الأنثى على المعروف من المذهب.

و تفرد الديلمي باشتراط الأنوثة فيها، فلا زكاة عنده في ذكور الأنعام بالغا ما بلغت، و هو بخلاف الإجماع كما في السرائر (2) (3) لكن المذكور في كلامه خصوص الغنم.

و باقي الأصحاب على عدمه كما في المختلف. و نحوه ما في التذكرة؛ لإطلاق الأدلّة و عدم قيام دليل على اختصاص الحكم بالإناث.

و احتجّ العلامة (4) و الديلمي بأنّ الشرط اتخاذها للدر و النسل، و لا يتحقّق إلّا في الإناث ربّما ورد في الأخبار من قولهم: «في خمس من الإبل شاة» لاختصاصها بالإناث.

و ضعف الاول ظاهر، و كذا الثاني؛ إذ مقتضاه (5) عدم دلالة تلك الأخبار على الوجوب، و ليس فيها دلالة على نفي الوجوب في غيرها ففي الإطلاقات المتظافرة كفاية في ذلك.

و يثبت مقدار المخرج حينئذ بالإجماع؛ إذ لا قائل بالفرق بين الذكر و الأنثى في قدر المخرج.

مضافا إلى شمول إطلاقات تلك الروايات للذكور أيضا.

و حذف التاء في العدد لا يدلّ على تأنيث المعدود؛ إذ مدخوله في المقام من أسماء (6) الأجناس الجمعيّة ممّا لا مفرد لها. و يتعيّن فيها حذف التاء في المقام كما نصّ عليه الرضي.

و في البيان (7): إن التأنيث باعتبار التأويل لا بالنفس أو بالدابّة، و في الغنم باعتبار الشاة

____________

(1) كذا، و الظاهر: السوم.

(2) السرائر 1/ 437، الدروس 1/ 438.

(3) في (ب): «الدروس».

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 72.

(5) في (د): «أقصاه».

(6) لم ترد في ب: «من أسماء ... في المقام».

(7) البيان: 177، و فيه: «لأن التأنيث باعتبار التأويل في الإبل بالنفس».

126

التي تطلق على الذكر و أراد بالآخر (1) دفع ما احتجّ له بقوله: «في سائمة الغنم زكاة».

و قد عرفت أن لا حاجة إلى التأويل، و الظاهر أنه يعتبر في الأنعام حلية لحمها، فلو حرمت مؤبدا كموطوء الإنسان و نسله و الشاة المربّاة بلبن الخنزيرة لم يجب فيها الزكاة، فلا يلفق النصاب عنه و عن المحلّل، فلا زكاة.

و أما الجلّال إن كان بحيث لا يمنع صدقه من صدق اسم السوم (2) فقد يتأمّل فيه من جهة حرمة اللحم، لكن لا يبعد القول بالوجوب لارتفاع تحريمه بالاستبراء، فلا باعث فيه للخروج عن ظاهر الاطلاقات.

و العبرة في المتولّد بين الزكاتين (3) أو غيرهما أو المختلفين بالاندراج تحت اسم الزكاة (4) كما نصّ عليه جماعة و يعتبر فيه حلية اللحم، فلو حكم بحرمة لحمه بناء على حرمة أصله لم يتعلق به زكاة.

و الذهب و الفضة يشملان العالي (5) و الدون، و الخالص و المخلوط بغيره ما لم يستهلك فيه.

و لا عبرة بالغش الحاصل فيهما، و إن كان مستهلكا و أطلق على المجموع اسم الذهب أو الفضة، بل يعتبران صافيين.

و سيجيء الإشارة إن شاء اللّه.

و لنفصّل القول في الأجناس المذكورة في فصول:

____________

(1) في (د): «الأخير».

(2) في (ألف): «النوم».

(3) في (د): «الزكويين».

(4) في (د): «الزكوي».

(5) في (د): «العال».

127

الفصل الأوّل في زكاة الأنعام

و الكلام فيها في الشروط و اللواحق، فهاهنا بحثان:

البحث الأوّل في بيان شروط وجوب الزكاة فيها

تبصرة [في اشتراط النصاب]

النصاب شرط وجوب زكاة الأنعام بإجماع علماء الإسلام، و هو مختلف باختلاف الأنعام،

فللإبل اثنا عشر نصابا:

أوّلها الخمس و فيها شاة، ثمّ العشر و فيها شاتان، ثمّ الخمس عشر و فيها ثلاث شياه، ثمّ العشرون و فيه أربع، ثمّ الخمس و العشرون و فيه خمس، ثمّ الست و العشرون و فيها بنت مخاض،- و هي ما دخلت في السنة الثانية.

ثمّ الست و الثلاثون و فيها بنت لبون، و هي ما دخلت في الثالثة.

ثمّ الست و الأربعون [و] فيها حقّة، و هي ما دخلت في الرابعة.

ثمّ الإحدى و الستون و فيها جذعة، و هي ما دخلت في الخامسة.

ثمّ الست و السبعون و فيها بنتا لبون.

ثمّ الإحدى و التسعون و فيها حقّتان.

ثمّ مائة و إحدى و عشرون فما زاد عليها زاد عليها و فيها في كلّ خمسين حقّة، و في كلّ

128

أربعين بنت لبون.

فالزيادة في النصب الخمس إلى النصاب السادس و فيه بواحدة، ثمّ بعشر في السابع و الثامن، ثمّ بخمس عشر في التاسع و العاشر و الحادي عشر، ثمّ بثلاثين في الثاني عشر.

و هذا التفصيل هو المعروف بين الأصحاب بل استقرّ المذهب عليه.

و يدلّ عليه الصحاح المستفيضة المصرّحة بالتفصيل المذكور المعتضدة بالعمل بل الاتفاق، غير أن الموجود في صحيحتين منها (1) تعيين الحقة في كلّ خمسين في النصاب الأخير.

و قد وقع التصريح في صحيحة زرارة بالنحو المشهور، فيحمل تينك الصحيحتين على ذلك؛ جمعا بين الأخبار.

مضافا إلى اعتضادها بالعمل.

و قد حكى الإجماع على التفصيل المذكور في شرح الجمل و الغنية (2).

ثمّ إن النصب الأربعة (3) الأول عددا و حكما ممّا اتّفق عليه الإسلام كما نصّ عليه في المعتبر (4) و التذكرة (5).

و كذا النصاب السابع و الثامن و التاسع و الحادي عشر.

و قد وقع (6) في غير النصب المذكورة خلاف ضعيف في مواضع:

أحدها و ثانيها النصاب الخامس و السادس، فذهب الإسكافي إلى أن الواجب في النصاب الخامس بنت المخاض، فإن لم تكن في الإبل فابن اللبون، فإن لم تكن فخمس شياة.

كذا حكاه في المختلف (7).

____________

(1) لم ترد في (ب): «منها ... تينك الصحيحتين».

(2) غنية النزوع: 122.

(3) في (د) «لأربعة».

(4) المعتبر 2/ 500.

(5) تذكرة الفقهاء 5/ 59.

(6) كلمة (في) زيدت من (د).

(7) مختلف الشيعة 3/ 168.

129

و الظاهر أن المحكيّ فيه عبارته بلفظه، و المحكي عنه في المعتبر (1) و المنتهى (2) و التذكرة (3) وجوب بنت المخاض أو ابن اللبون أوّلا ثمّ الشياه الخمس.

و في شرح الجمل إيجابه فيه بنت المخاض أو ابن اللبون من غير ذكر للشياه.

و عن العماني تعيين بنت المخاض بدل الشياه، و قال بسقوط النصاب السادس، فأوجب ذلك إلى الست و الثلاثين.

و أسند هذا القول في المعتبر إلى جماعة من محققي الأصحاب، و ذكر ان الرواية الآتية التي هي الحجة في ذلك ممّا رواه البزنطي و اختاره، و هي صحيحة الفضلاء عن الصادقين (عليهما السلام) أنهما قالا في صدقة الإبل: «في كلّ خمس شاة إلى أن تبلغ خمسا و عشرين، فإن بلغت ذلك ففيها ابنة مخاض، و ليس فيها شيء حتى يبلغ خمسا و ثلاثين ففيها ابنة لبون ..» (4) الخبر.

و أوّلها الشيخ (5) تارة بحصول إضمار في الرواية، فيراد ثبوت ذلك مع زيادة الواحد، و أخرى بالحمل على التقيّة؛ إذ ذلك ممّا أطبقت عليه العامة؛ لما رووه من كتاب أبي بكر لأنس لمّا وجّهه إلى البحرين.

و قد ضعّفهما في المعتبر (6) ببعد الإضمار، و بعد الحمل على التقيّة لكونه مذهب جماعة من محققي الأصحاب قال: و كيف يذهب على مثل ابن أبي عقيل و البزنطي و غيرهما ممّن اختار ذلك مذهب الاماميّة؟

و فيه: أنّ غاية ما يفيده ذلك عدم انعقاد الإجماع على خلافه هناك، و هو لا ينافي الحمل على التقية بعد موافقة الرواية لما أطبقت عليه العامة، و مخالفته لما في الروايات المعتبرة

____________

(1) المعتبر: 2/ 500.

(2) منتهى المطلب 1/ 479.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 58.

(4) الكافي 3/ 531، باب صدقة الابل ح 1 و فيه: «ثم ليس فيها شيء حتى تبلغ خمسا و ثلاثين فإذا بلغت خمسا و ثلاثين ففيها ابنة لبون».

(5) تهذيب الأحكام 4/ 23.

(6) المعتبر 2/ 499.

130

المنجبرة بعمل الفرقة.

و يشير إليه ما ذكره عبد الرحمن بن الحجاج على ما في الكافي (1) بعد ما روى في صحيحته ثبوت بنت المخاض في ست و عشرين إلى خمس و ثلاثين: ان هذا فرق بيننا و بين الناس.

و يؤيد الإضمار سقوط الواحدة في تلك (الرواية في المراتب المتأخرة أيضا و قد وقع الاتفاق على اعتبارها هناك كما في المنتهى، و إذا التزم في تلك) (2) المراتب التزم به في المقام أيضا.

و كأنّ الغاية في المراتب المذكورة داخلة في المغيّى، فيكون المراد بما بعده بيان حكم الزائد على تلك المرتبة بالتزام إضمار فيه.

و بذلك يظهر ضعف حملها على التقية لا بما ذكره.

و كأنّ الأولى التزام نقص في الرواية.

و يدلّ عليه أنه قد رواها الصدوق في معاني الأخبار (3) في الصحيح مع التصريح باعتبار الزيادة في تلك المراتب على ما حكي عن بعض النسخ الصحيحة.

و بذلك يظهر ضعف القول المذكور و ما في المعتبر (4) بعد تضعيفه الحملين المذكورين من أن الأولى أن يقال: فيه روايتان أشهرها (5) ما اختاره المشايخ الخمسة و أتباعهم.

و كيف كان، فالعمل بالأخبار المتقدمة متعيّن، و هذه الصحيحة لا بدّ من حملها على أحد الوجوه المذكورة.

و في المنتهى (6): إنه خبر شاذّ لا يعارض ما تقدم من الأحاديث الصحاح المعتضدة بعمل

____________

(1) الكافي 3/ 532.

(2) ما بين الهلالين أضيفت من (د).

(3) معانى الأخبار: 327.

(4) المعتبر 2/ 500.

(5) كذا، و الظاهر: أشهرهما.

(6) منتهى المطلب 1/ 479.

131

الأصحاب. و حكاية الإجماع على المشهور مستفيضة حكاه في المختلف (1) و الغنية و شرح الجمل.

و فيه: أنّ الإجماع سابق له و متأخر عنه. و أما ما ذهب إليه الإسكافي فلم نقف على مستنده.

نعم، ذكر السيد في [...] (2) و القاضي في شرح الجمل أنّه عوّل في ذلك على بعض الأخبار الواردة من طرقنا.

قال القاضي: و الذي يتضمن ذلك من أخبار الآحاد. و يمكن أن يحمل ذكر بنت المخاض أو ابن اللبون في خمس و عشرين على سبيل القيمة.

ثالثها: النصاب العاشر، فأسقطه الصدوقان في الرسالة و الهداية (3) و المقنع (4).

و ذكر إمكانه الواحد و الثمانين، و أوجبا فيه ثلثا. و هو ما أكمل الخامسة و دخل في السادسة. قيل: إنّ مستندهما في ذلك كتاب الفقه الرضوي؛ فإنّ ذلك بعينه موجود فيه، و هو شاهد على وجود الكتاب عندهما [و] كونه أصحّ عندهما من ساير الأخبار حيث قدّماه عليها.

قلت: و هذا الحكم موجود في حديث مسند في الخصال (5) عن الصادق (عليه السلام). و كأنّ ذلك هو مستندهما في الحكم المذكور.

و أما استنادهما إلى الكتاب المذكور فلم يظهر منهما في شيء من الموارد، بل و لا أسندا الحكم المذكور فيه إلى الرواية أصلا.

و كيف كان، فضعف كل من المستندين ظاهر؛ إذ لا يقاومان ما عرفت من الروايات

____________

(1) مختلف الشيعة 3/ 170.

(2) هنا فراغ في (د).

(3) الهداية:

(4) المقنع: 171.

(5) الخصال: 605.

132

الواضحة المعتضدة بعمل الطائفة و الإجماعات المحكية.

و ظاهره في الفقيه موافقة المشهور في نصب الإبل. و نصّ فيه بأن الأسنان التي أخذ في الصدقة من ابن المخاض إلى الجذع.

رابعها: أنّه زاد الصدوق في الهداية (1) بعد النصاب المذكور نصابا آخر، و هو التسعين.

و أوجب فيه بنتي لبون، ثم جعل النصاب بعده واحدا و تسعين و أوجب فيه حقتين على ما هو المعروف، فيكون عنده نصابان لا عفو بينهما.

و هو أيضا ضعيف مخالف للأخبار المستفيضة.

و الظاهر أنّ مستنده في ذلك أيضا الرواية المتقدمة عن الخصال (2) لوجود ذلك فيها. و فيه دلالة على استناده إليها في الحكم المتقدّم.

خامسها: النصاب الأخير. و قد خالف فيه السيد في الانتصار حيث ذهب إلى عدم اختلاف الغرض بذلك، فلا شيء من جهة زيادة الواحد على مائة و عشرين إلى مائة و ثلاثين، فأوجب فيها حقّة و بنتي لبون، فيكون ذلك هو لنصاب الثاني عشر عنده.

و باقي الأصحاب على خلافه حيث نصّوا بما ذكرناه، و حكاية الإجماع عليه مستفيضة في كلامهم حكاه في الناصريات (3) و شرح الجمل و الغنية (4) و السرائر (5).

و في المبسوط (6) نفى عنه الخلاف بين أصحابنا. و حكى في الخلاف (7) الإجماع على الراوية الدالّة على ثبوت الحقّة في كل خمسين و بنت اللبون في كل أربعين بعد زيادة الإبل على مائة

____________

(1) الهداية: 172.

(2) الخصال: 605.

(3) الناصريات: 278.

(4) غنية النزوع: 122.

(5) السرائر 1/ 449.

(6) المبسوط 1/ 191.

(7) الخلاف 2/ 9.

133

و عشرين. و ظاهر إجماع العامة و الخاصة، و عزي الحكم المذكور في المعتبر (1) و التذكرة (2) إلى علمائنا مؤذنا بالإجماع عليه.

و كذا في المنتهى (3) إلّا أنّه ذكر خلاف السيد، قال: و رجع إلى ما اخترناه (4) في المسائل الناصرية (5).

احتجّ السيد لما ذهب إليه بإجماع الإمامية عليه. و ذكر في آخر كلامه أنّ هناك أخبارا لا تحصى من طرق الخاصة يوافق ذلك.

و يضعّف ما حكاه من الإجماع تفرّده بالقول المذكور؛ إذ لم نقف على من وافقه فيه، و هو (رحمه اللّه) قد خالف نفسه فاختار المشهور في الجمل و الناصريات (6).

و من الغريب أنّه (رحمه اللّه) ادعى الإجماع في الناصريات على ذلك أيضا كما مرّ.

و أمّا ما ذكره من الأخبار فلم نقف عليها.

نعم، في صحيحتي أبي بصير (7) و عبد الرحمن بن الحجاج (8) ثبوت الحقة في كل خمسين مع الزيادة على المائة و العشرين.

و لا منافاة فيهما للمشهور، و ظاهر إطلاقهما أن نافي المشهور، فينافي ما اختاره أيضا.

سادسها: المعروف أنّ الحقة المأخوذة في النصاب الثامن و الحقّتان المأخوذتان في النصاب الحادي عشر لا يعتبر فيهما أن تكونا حوائل.

و عن العماني و الإسكافي تقييدهما بكونهما طروقي الفحل. و عن الثاني تقييد الحقة

____________

(1) المعتبر 2/ 500.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 59.

(3) منتهى المطلب 1/ 480.

(4) في المصدر المطبوع: «ما أحضرناه».

(5) الناصريات: 278.

(6) الناصريات: 278.

(7) الكافي 3/ 531، باب صدقة الإبل ح 1.

(8) الكافي 3/ 532، باب صدقة الإبل ح 2.

134

المأخوذة عن كل خمسين بكونها طروقة الفحل أيضا، و قد ورد التقييد المذكور في صحيحة الفضلاء في النصابين المذكورين.

و كأنّهما مستندهما في ذلك.

و لا يبعد حمل الرواية على بيان الشأن فيها حيث إنّها بلغت إلى حيث استحقّت أن يطرقها الفحل حسبما ذكره الأصحاب في سبب تسميتها حقّة؛ نظرا إلى إطلاق ساير الروايات، و إن كان قضية حمل المطلق على المقيّد حمل إطلاقها على ما في الصحيحة المذكورة إلّا أنّها لمّا أمكن حملها على الوجه المذكور و اعتضد ذلك بفتوى الأصحاب- بل قام الدليل على عدم تسلط الساعي على أخذ الحامل كما سيجيء الإشارة إليه- تعيّن الأخذ بتلك الإطلاقات، و حمل تلك الصحيحة على الوجه المذكور، فإن حمل كلامهما على ذلك أيضا فلا خلاف في البين.

سابعها: ظاهر ما ذكره جماعة من القدماء كالشيخ في النهاية (1) و المبسوط (2) و جمل العقود، و السيد في الجمل، و الديلمي و القاضي (3) و الحلي (4) و غيرهم كون النصاب الثاني و الثالث و الرابع و الخامس هو العشر و الخمس عشر و العشرون و الخمس و عشرون، فيكون السابق على كل مرتبة جزء منه.

و المنصوص به في كلام جماعة منهم الطوسي (5) و المحقق في كتبه الثلاثة (6) و العلامة في عدة من كتبه (7) و الشهيدان (8) و غيرهم أنّ كلا من النصب الخمسة خمسة.

____________

(1) النهاية: 179.

(2) المبسوط 1/ 191.

(3) المهذب 1/ 161.

(4) تحرير الأحكام 1/ 356.

(5) المبسوط 1/ 191.

(6) لاحظ: المعتبر 2/ 19 و شرائع الإسلام 1/ 107.

(7) منها تحرير الأحكام 1/ 356، تذكرة الفقهاء 5/ 46، نهاية الإحكام 2/ 322، منتهى المطلب 1/ 479.

(8) البيان: 173، مسالك الإفهام 1/ 364.

135

فلا يكون النصاب الأول جزء من الثاني و لا الثاني جزء من الثالث إلى الخامس، فإذا بلغ السادس كان نصابا واحدا يندرج فيه ما تقدمه.

و يتفرع على الوجهين ما إذا اختلف أول ملكه لكل خمس إلى أن بلغت خمسا و عشرين، فيؤخذ لكل واحد حولا منفردا على الثاني و على الأول يشكل الحال فيه، بل لا يصح اعتباره كذلك كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه.

و قد ورد التعبير عن تلك النصب في الروايات بكل من الوجهين، و الظاهر البناء على الوجه الثاني.

و قد ورد التعبير به في صحيحة الفضلاء و زرارة، و أكثر أخبار الباب التعبير بالأول لكن لا بعد في حملها على ذلك، بل هو المتعيّن بعد دلالة غيرها عليه.

و عليه فيمكن تنزيل كلام من عبّر به من الأصحاب عليه فلا خلاف.

و كأنّه لذا قطع به جماعة من المتأخرين من غير إشارة إلى خلاف فيه.

ثامنها: المعروف بينهم أنّ نصب الإبل اثنا عشر.

و يوجد في كلام جماعة منهم الشيخ في النهاية (1) و المبسوط (2) و الجمل، و الطوسي في الوسيلة (3)، و العلامة في التذكرة (4) أنّها ثلاثة عشر؛ نظرا إلى عدّ المائة واحد و عشرين نصابا، و الأربعين و الخمسين الملحوظين عند تكثر الإبل نصابا آخر.

و قد يتفرع عليه ما سيجيء إن شاء اللّه من احتمال كون الواحدة الزائدة جزء من النصاب لو جعلنا المائة و الأحد و عشرين نصابا مستقلا، و إن جعلنا النصاب هو الأربعين و الخمسين فلا إشكال إذن في الخروج.

و هو كما ترى.

____________

(1) النهاية: 179.

(2) المبسوط 1/ 191.

(3) الوسيلة: 124.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 45.

136

فالظاهر أنّ الاختلاف المذكور إنّما هو في مجرد الاعتبار، و لا خلاف في المعنى.

نعم، على ما حكيناه من الصدوق في الهداية يكون النصب ثلاثة عشر على الحقيقة.

و قد عرفت ضعفه.

و هاهنا أمران ينبغي الإشارة إليهما:

أحدهما: أنّ الواحدة الزائدة على المائة و العشرين هل هي جزء من النصاب فيتعلق بها حصة من الزكاة أو أنّها شرط في تحقق النصاب و ليس بجزء؟

و فرّع عليه فيما لو تلفت بعد حلول الحول قبل إخراج الزكاة بغير تفريط من المالك، فعلى الأول يسقط من الزكاة بالنسبة بخلاف الأخير؛ قولان:

فالأول مختار العلامة في النهاية (1). و ربما يظهر من الشيخ في المبسوط (2) و جمل العقود حيث جعل الوقص المتقدم على مائة و ثلاثين ثمانية أو لو لا بناؤه على ذلك لجعله تسعة كما جعل في المراتب المتأخرة عن المائة و الثلاثين.

و الثاني محكي عن جماعة من المتأخرين.

و به قطع المحقق الكركي (3).

و اختاره الشهيد الثاني في المسالك (4) و صاحب المدارك (5).

و هو الظاهر من الغنية حيث حكم بعدم ثبوت شيء بين العشرين و الثلاثين بعد المائة.

و ظاهر الشهيد في البيان (6) التوقف في ذلك إلّا أنّه نفى البعد عن كونها شرطا. و الأظهر خروجها عما يخرج عنه الزكاة؛ أخذا بظاهر الروايات.

و كون ذلك نصابا لا ينافي عدم وجوبها في بعض منه، فإنّ النصاب هو القدر الذي يناط

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 322.

(2) المبسوط 1/ 191.

(3) في جامع المقاصد 3/ 10.

(4) مسالك الإفهام 1/ 373.

(5) مدارك الأحكام 5/ 79.

(6) البيان: 173.

137

وجوب الزكاة أو قدر معيّن منها بالبلوغ إليه و إن لم يجب في بعض منه كما في المقام حسبما قضت به الروايات.

هذا إذا جعلنا النصاب هو بلوغها إلى المائة و إحدى و عشرين، و أمّا إن قلنا بأنّ النصاب عند البلوغ إلى القدر المذكور هو الأربعون و الخمسون، و لأنّه القدر المذكور (1) يجب فيه الزكاة فلا إشكال.

و هو الذي يظهر من كثير من المتقدمين منهم المفيد في المقنعة (2)، و السيد في الجمل، و الشيخ في النهاية (3) و جمل العقود، و الحلبي في الكافي (4)، و القاضي في شرح الجمل، و ابن زهرة في الغنية (5)، و الطوسي في الوسيلة، و الحلي في السرائر (6) و غيرهم؛ لنصّهم بأنها إذا بلغت هذا المقدار ترك هذا الاعتبار و أخذ من كل خمسين حقة، و من كلّ أربعين بنت لبون.

و في الوسيلة (7): صار النصاب حينئذ الأربعين و الخمسين.

فظهر بما ذكرنا أن قضية كلام هؤلاء أيضا ما اخترناه، فينطبق النصوص و الفتاوى على ذلك، فالاحتمال الآخر موهون جدا.

ثانيهما: أن الظاهر من الروايات بعد الجمع بينهما و بين ظاهر إطلاق جماعة من الأصحاب التخيير في النصاب الأخير بين الإخراج عن كل خمسين حقة و عن كل أربعين بنت لبون، سواء حصل الاستيعاب بهما أو بأحدهما دون الآخر أو كان أحدهما أقرب إلى الاستيعاب أو لا.

و هذا هو الذي حكم به الشهيد الثانى رحمة اللّه في فوائد القواعد، و عزاه إلى ظاهر الأصحاب.

____________

(1) في (د): «الذى».

(2) المقنعة: 237.

(3) النهاية: 180.

(4) الكافي للحلبي: 167.

(5) غنية النزوع: 122.

(6) السرائر 1/ 435.

(7) الوسيلة: 124.

138

و إليه ذهب جماعة من المتأخرين كصاحب المدارك (1) و الذخيرة (2) و الحدائق (3) و الرياض (4).

و يظهر ذلك من المحقّق الأردبيلي (5) و المجلسي رحمة اللّه (6).

و يدلّ عليه صحيحتا أبي بصير (7) و عبد الرحمن بن الحجاج (8) المشتملين على وجوب حقّة في كلّ خمسين بعد زيادة العدد على المائة و العشرين؛ لتصريحه (عليه السلام) إذن ما بعد الوجهين.

و صحيحة الفضلاء و زرارة الحاكمتان بالتخيير بين الوجهين إذا زادت على المائة و العشرين واحدة لتعين ثلاث بنات لبون فيه على الوجه الآخر و إطلاق غيرها ممّا ظاهره التخيير بين الوجهين فيما إذا زادت الإبل على المائة و العشرين أو ما إذا كثرت الإبل بعد البلوغ إليها.

مضافا إلى الأصل، و موافقته للإرفاق بالمالك العشر في نظر الشارع في المقام.

قطع المحقّق الكركي (9) و الشهيد الثاني في المسالك (10) إلى أنّ التعدية بهما ليس على وجه التخيير مطلقا، بل يجب التقدير بما يحصل به الاستيعاب إن أمكن، سواء حصل من ملاحظته بأحد الوجهين أو بالتلفيق منهما و إلّا لزم مراعاة أقربهما إلى الاستيعاب؛ رعاية لحق الفقراء، و إن تساويا في الاستيعاب أو في مقدار القرب تخيّر بين الوجهين.

أقول: و هذا هو الذي قطع به معظم الأصحاب ممّن وصل إلينا كلامهم إلى الشهيد الثاني من غير خلاف تعرف فيه.

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 57.

(2) ذخيرة المعاد 1/ 437.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 49.

(4) رياض المسائل 5/ 60.

(5) بحار الأنوار 93/ 54.

(6) مجمع الفائدة 4/ 63.

(7) الكافي 3/ 531، باب صدقة الإبل ح 1.

(8) الكافي 3/ 532، باب صدقة الإبل ح 2.

(9) جامع المقاصد 3/ 15.

(10) مسالك الإفهام 1/ 374.

139

و ممّن نصّ عليه الشيخ في الخلاف (1) و المبسوط (2).

و في الأوّل: إنّ الذي يقتضيه المذهب هو ذلك.

و فيه أيضا حكاية الإجماع على أنّ في مائة و خمسين ثلاث أحقاق.

و في الأخير: أنّ الأصحاب لم يفصّلوا، و الأخبار مطلقة، و الذي يقتضيه عمومها هو ذلك.

و في الوسيلة: إنّ الفريضة في المائة و إحدى و عشرين ثلاث بنات لبون، و في المائة و ثلاثين بنتا لبون و حقّة .. و على ذلك.

و في الغنية: إن الواجب عندنا و عند أكثر من المخالفين في مائة و ثلاثين حقة و بنتا لبون.

و ظاهره إجماعنا على تعيين ذلك في القدر المذكور.

و في الإجماع المتقدم عن السيد في الانتصار (3) إشارة إليه أيضا.

و في السرائر (4): إنّ الذي يقتضيه أدلّتنا و يشهد به أصول مذهبنا و التواتر و الإجماع منعقد عليه ما ذكره شيخنا أبو جعفر في مسائل خلافه، ثمّ ذكر عبارة الشيخ في الخلاف (5) المشتملة على أنّ ما يقتضيه المذهب هو ذلك.

و قد فصّل فيه بيان الواجب في خصوص كلّ من الأعداد إلى المائتين، و حكم فيها بالتخيير بين أربع حقاق و خمس بنات لبون، و جعل الحكم فيه على هذا الحساب بالغا ما بلغ، قال: و هذا هو تصحيح (6) المتّفق عليه المجمع.

و هذا كما ترى صريح في حكاية الإجماع إلّا أنّ ما ذكره في مقام الرد على السيد حيث

____________

(1) الخلاف 2/ 14.

(2) المبسوط 1/ 192.

(3) في هامش السرائر 1/ 449: الانتصار: كتاب الزكاة، المسألة الخامسة.

(4) السرائر 1/ 449.

(5) الخلاف 2/ 7.

(6) في (د): «صحيح».

140

حكم بعدم (1) ثبوت شيء في الزائد على المائة و العشرين إلى المائة و الثلاثين.

و في المعتبر بعد ما ذكر نصب الإبل كما مرّ، و أسنده إلى (2) علمائنا: فيكون في مائة و إحدى و عشرين ثلاث بنات لبون. ثمّ ذكر أقوال العامة. و ظاهر كلامه بل صريحه تعيين (3) ذلك في العدد المذكور سيّما بعد ملاحظة ما حكاه من أقوال العامّة.

و قد صرّح بعد ذلك بأنّه إذا اجتمع في مال الأمران كالمائتين، فالخيار إلى المالك في إخراج أربع حقاق أو خمس بنات لبون.

و هو يدلّ أيضا على عدم قوله بالتخيير مطلقا.

و في التذكرة (4): إذا زادت على مائة و عشرين واحدة وجب في كلّ خمسين حقة، و في كلّ أربعين، بنت لبون فيجب هنا ثلاث بنات لبون إلى مائة و ثلاثين، ففيها حقّة و بنتا لبون إلى مائة و أربعين، ففيها حقتان و بنتا لبون إلى مائة و خمسين، ففيها ثلاث حقاق .. و على هذا الحساب بالغا ما بلغ عند علمائنا.

ثم ذكر أقوال العامة.

و ذكر نحو ذلك في المنتهى (5) إلّا أنه أسند الحكم أوّلا إلى علمائنا، و فرع عليه ذلك.

و لا يبعد أن يكون الجميع مسندا إليهم كما يكشف عنه عبارته في (6) التذكرة.

و كيف كان، ففيه أيضا إشارة إلى الإجماع.

و قد قطع به الشهيد في الدروس (7)، و هو ظاهر كلامه في البيان (8).

____________

(1) في (ب): «بعد».

(2) ليس في (د) «إلى».

(3) في (ألف): «بتعيّن».

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 59.

(5) منتهى المطلب 1/ 479.

(6) ليس في (د): «في».

(7) الدروس 1/ 234.

(8) البيان: 173.

141

و ذكر القاضي في شرح الجمل ان الأولى أن يخرج من هذا العدة يعني المائة و إحدى و عشرين ثلاث بنات لبون؛ لأنّا لو أخرجنا من كلّ خمسين حقة و من كلّ أربعين بنت لبون أجحف ذلك بالفقراء؛ لأنّه يبقى من العدة إحدى و عشرين لا يدفع منها شيء، فالأولى إخراج ما ذكرناه من ثلاث بنات لبون. و هو مذهب الشافعي.

على أنه ليس معنى الخبر الوارد بذلك ما تضمنه ظاهره. و إنّما معناه أنّه إن أخرج حقة كانت من خمسين، و إن أخرج بنت لبون كانت عن أربعين. انتهى.

و أوّل كلامه و إن أوهم عدم إيجابه لإخراج بنات اللبون في الصورة المفروضة إلّا أن آخر كلامه ظاهر الدلالة على الإيجاب، فكان المقصود بالأولويّة هو الأولوية في الفتوى دون العمل. فكلام هؤلاء الجماعة واضحة الدلالة على ذلك.

و ظاهر جماعة منهم كما عرفت حكاية الإجماع، فما أسنده الشهيد الثاني إلى ظاهر الأصحاب من الحكم بالتخيير مطلقا كما ترى.

و إنّما أشرنا إلى عبائرهم في المقام حتى يتبيّن حقيقة الحال، فبملاحظة ذلك يشكل الحال في هذا المرام؛ لما عرفت من ظهور الأخبار في الوجه الأول.

و بناء هؤلاء الأجلّاء على الثاني سيما بعد حكاية الإجماع عليه و كون المراد بما دلّ على إخراج الحقة عن كلّ خمسين و بنت اللبون عن كلّ أربعين فيما إذا كثرت الإبل هو ما فهمه الجماعة في كمال القرب.

بل هو الأظهر في معناه حسبما فسّره الشيخ رحمة اللّه في المبسوط (1) و الخلاف (2) و غيره، كما هو المراد بمثل تلك العبارة الواردة في نصاب البقر؛ للاتفاق هناك على مراعاة ذلك، فيؤيد ذلك إرادته في المقام أيضا، فيكون ذكر الوجهين المذكورين مبنيّا على التوزيع دون التخيير.

و حمل ما دلّ على ثبوت ذلك في المائة و إحدى و عشرين غير بعيد أيضا؛ إذ ليس

____________

(1) المبسوط 1/ 192.

(2) الخلاف 2/ 9.

142

المقصود في تلك (1) الصحيحين ثبوت الحكم في خصوص العدد المذكور، بل فيما لو (2) حصل العدد المفروض و إن كان زائدا عليه.

و حينئذ يصحّ حملهما على إرادة التوزيع، و إن تعيّن بنات اللبون في خصوص العدد المذكور. فتبقى الصحيحتان الأوليان المشتملان على إخراج الحقة عن كلّ خمسين دليلا على الوجه الأول.

و ظاهرهما و إن لم يوافق المشهور أيضا لكن حملهما على بيان أحد فردي التخيير أقرب من الحمل على بيان الحكم في بعض الفروض.

و في الاكتفاء بهما في الخروج عن مقتضى كلام الأصحاب بعد فهمهم ذلك من روايات الباب لا يخلو من إشكال.

مضافا إلى أن الشيخ في الخلاف (3) و المحقق في المعتبر (4) ذكرا ورود التقديرين في روايتي أبي بصير (5) و عبد الرحمن بن الحجاج (6)، فتأمل.

على أن البناء على التخيير بين الوجهين مطلقا يقتضي بالتخيير بين إخراج ثلاث حقاق و ثلاث بنات لبون في المائة و الخمسين.

و هو بعيد جدّا.

و كذا جواز اخراج حقّة و بنت لبون في المائة و إحدى و عشرين، فيلزم نقصان الزكاة بزيادة النصاب.

و هو أيضا كما ترى إلا أن يقال بخروج صورة التلفيق عن ظاهر الأخبار، و هو مع بعده عن ظواهر تلك الإطلاقات قاض بعدم جواز الاعتبار به في صورة حصول الاستيعاب به

____________

(1) في (د): «تينك».

(2) في (د): «إذا».

(3) الخلاف 2/ 10.

(4) المعتبر 2/ 500.

(5) الكافي 3/ 531، باب صدقة الإبل ح 1.

(6) الكافي 3/ 532، باب صدقة الإبل ح 2.

143

أيضا.

و الظاهر أنّ أحدا لا يقول به، فالأحوط للمالك- بل الأظهر- مراعاة ما يحصل به الاستيعاب أو ما هو أقرب إليه مع عدم إمكانه.

144

تبصرة [في نصاب البقر]

لا خلاف بين الأصحاب في أن للبقر نصابين:

أحدهما: ثلاثون، و فيها تبيع أو تبيعة على المعروف من المذهب، و هو ما دخل في الثانية.

و الآخر: أربعون، و فيها مسنّة بلا خلاف، فيه و هي ما دخلت في الثالثة.

و على هذين النصابين يدور أمر البقر، فليسا مخصوصين بالمرتبة الأولى بل كلما زاد البقر دار الأمر على النصابين المذكورين.

و يوجد في كلام بعض الأصحاب زيادة في نصب البقر، ففي المبسوط (1): إنّ نصبه أربعة:

ثلاثون و أربعون و ستون، ثمّ الأخذ بالثلاثين و الأربعين.

و منعه في المنتهى (2). و كأنّ الوجه فيه اختلاف الأوقاص (3) فيها، و اختلافها في السبعين فما زاد.

و ظاهر الفقيه (4) و المقنع (5) نحو ما في رواية الأعمش، عن الصادق (عليه السلام): «إنّ نصبه ثمانية» حيث جعل إخراج التبيع من كلّ ثلاثين و المسنة من كلّ أربعين بعد التجاوز عن التسعين.

و في التذكرة (6) جعل بعضها خمسة باعتبار النصاب الكلي بعد السبعين.

و الظاهر أنه لا خلاف في المعنى، و إن تفرع عليه بعض الثمرات مع الجمود على ظاهر تلك

____________

(1) المبسوط 1/ 197.

(2) منتهى المطلب 1/ 488.

(3) في (ألف): «الاقاص».

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

(5) المقنع: 159.

(6) تذكرة الفقهاء 5/ 75.

145

التعبيرات كما مرّت الإشارة إلى نظيره.

قال المحقق الكركي (1): إنّ المتّجه عدّها ثلاثة شخصيا لأوامر كلي، و هو كلّ ثلاثين أو كل أربعين.

قلت: فالمتجه على هذا عدّها أربعة: إذ الكلي أيضا نصابان كالمبتدأ.

نعم، لو تخيّر المالك في الأخذ بكلّ منهما مطلقا صح ما ذكره؛ لكون النصاب حينئذ أحد الأمرين المذكورين، و ليس كذلك كما سيجيء بيانه، فيكون النصاب في بعضها كلّ ثلاثين و في بعضها كلّ أربعين.

و تخير المالك بين الوجهين مع مساواة التقديرين لا يقضي بعدهما نصابا واحدا، فالأولى هو التعبير بما ذكرناه كما في كلام جماعة من الأصحاب، فالأولى هو التعبير بما ذكرناه.

و في المسالك (2): إنه المشهور.

و هاهنا يراعى من الأمرين المذكورين ما يحصل به استيعاب أو يكون أقرب إليه، و مع المساواة يتخيّر في الملاحظة بلا خلاف فيه.

و يدلّ على ذلك سوى التخيير في الثلاثين بين التبيع و التبيعة صحيحة الفضلاء عن الصادقين (عليهما السلام): «في البقر في كلّ ثلاثين تبيع حولي، و ليس في أقلّ من ذلك شيء، و في كلّ أربعين بقرة مسنة و ليس فيما بين الأربعين و الثلاثين شيء، فإذا بلغت الستّين ففيها تبيعان إلى السبعين، فإذا بلغت السبعين ففيه تبيع و مسنة إلى ثمانين، فإذا بلغت ثمانين ففي كلّ أربعين مسنة (إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليّات، فإذا بلغت عشرين و مائة ففي كلّ أربعين مسنّة) (3) (4).

____________

(1) نقله عنه في مفتاح الكرامة ح 11/ 213.

(2) مسالك الإفهام 1/ 366.

(3) الكافي 3/ 534، باب صدقة البقر ح 1.

(4) ما بين الهلالين ليس في (ألف).

146

و بمعناها رواية الأعمش، عن الصادق (عليه السلام) المروية في الخصال (1).

و يدل عليه أيضا رواية الفقه الرضوى (عليه السلام) (2).

و ذكر خصوص المسنّة في المرتبة الأخيرة في الروايتين المذكورتين من جهة كونها أحد قسمي المخيّر؛ لجواز إخراج التبايع أيضا، أو لكونها الأفضل في الإخراج.

ثمّ إنّه لا خلاف في شيء من الأحكام المذكورة سوى التخيير في الثلاثين بين التبيع و التبيعة فإنّ المحكي عن ظاهر علي بن بابويه و العماني تعيين التبيع الحولي، و هو الموجود في عبارة الصدوق في الفقيه (3) و المقنع (4) كما هو الموجود في الأخبار المذكورة.

و تبعهم صاحب الحدائق (5). و ظاهر المحقق الأردبيلي (6) الميل إليه حيث قال: إنّ مذهب ابن أبي عقيل و علي بن بابويه هو مقتضى الدليل و الاحتياط.

و المشهور هو التخيير.

و قد حكى الإجماع عليه في الخلاف (7) و شرح الجمل و التذكرة (8).

و في المنتهى: أجمع المسلمون على وجوب التبيع أو التبيعة في الثلاثين و وجوب المسنّة في الأربعين، و أجمعوا على أنّ هذين الستين هي المفروضة في زكاة البقر.

و فيه أيضا: لا خلاف في إجزاء التبيعة عن الثلاثين؛ للأحاديث، و يدلّ عليه بعد الإجماعات المحكيّة اشتمال ما رواه الفضلاء- على ما في المعتبر- بالتخيير بين التبيع و التبيعة، و عدم وجود تلك الزيادة في الموجود عندنا من كتب الحديث لا ينافيه؛ لتقديم الزيادة على

____________

(1) الخصال: 605.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 196.

(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

(4) المقنع: 159.

(5) الحدائق الناضرة 12/ 55.

(6) مجمع الفائدة 4/ 65.

(7) الخلاف 2/ 19.

(8) تذكرة الفقهاء 5/ 74.

147

النقيصة. و كأنّ المحقق أخذ الرواية من الأصول القديمة.

و روى في نهاية الإحكام (1) مرسلا عن الباقر و الصادق (عليهما السلام): «إنّ في البقر في كل ثلاثين تبيع أو تبيعة ..» إلى قولهما (عليهما السلام): ثمّ ليس فيها شيء حتّى يبلغ ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان، ثمّ في سبعين تبيع أو تبيعة و مسنة ..» الخبر.

و قد عرفت إسناده في المنتهى (2) إلى الأخبار مع اعتضاد ذلك بعمل الأصحاب من غير مخالف صريح.

مضافا إلى اشتمال صحيحة الفضلاء و رواية الأعمش و غيرهما على ذكر التبايع الثلاث في التسعين.

و من الظاهر أن المراد بها الإناث، فإذا ثبت ذلك فيها ثبت في الثلاثين لكون النصاب أمرا واحدا كليا، و الفريضة واحدة في الجميع و إن اختلفت في الأعداد.

و ذلك أيضا موجود في عبارة الصدوق في الكتابين المذكورين، فلا يبعد سقوط خلافه في المقام كغيره فيكون ذكرهم لخصوصه على سبيل المثال أو للتنبيه على جواز دفع الذكر أو للاقتصار على ذكر مورد النصّ.

و يؤيّده أيضا أنّه لو جاز دفع التبيع كان دفع التبيعة أولى؛ إذ هي أعلى و أغلى منه، و لذا لا يجوز دفع المسنّ في النصاب الثانى اتفاقا، فتأمل.

فبما قرّرناه ظهر ضعف القول المذكور و سقط مؤاخذة صاحب الحدائق (3) عن صاحب البداية حيث أفتى بالتخيير.

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 327.

(2) منتهى المطلب 1/ 478.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 55.

148

تبصرة [في نصاب الغنم]

و للغنم نصب خمسة على المشهور بين الأصحاب:

الأول: الأربعون، و فيها شاة.

الثاني: مائة و إحدى و عشرون، و فيها شاتان.

الثالث: مائتان و واحدة، و فيها ثلاث شياة.

(الرابع: ثلاث مأئة و واحدة، و فيها أربع شياه.

الخامس: أربع مأئة فما زاد، و فيها في كل مأئة شاة) (1). و لا خلاف في المقام إلا في أمور:

الأول (2): ما ذهب إليه الصدوق في الفقيه (3) و المقنع (4) من اعتبار زيادة شاة على الأربعين، في النصاب الأوّل.

و حكى ذلك عن والده أيضا.

و المعروف من مذهب الأصحاب هو ما ذكرناه، بل الظاهر الاتفاق عليه بعد الصدوق.

و ظاهر القاضي في شرح الجمل و ابن زهرة (5) حكاية الإجماع عليه.

و في المعتبر (6): إنّه لا خلاف فيه بين الخاصّة و العامة.

____________

(1) ما بين الهلالين زيدت من (د).

(2) في (د): «أحدها».

(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

(4) المقنع: 160.

(5) غنية النزوع: 123.

(6) المعتبر 2/ 503.

149

و في المنتهى (1): قد أجمع كلّ من يحفظ عنه العلم أنّ أوّل نصب الغنم أربعون.

و في التذكرة (2): إنّ عليه الإجماع. و أراد به إجماع الخاصّة و العامة، لكن ذكر في المختلف (3) أنه المشهور عند علمائنا أجمع، ثمّ حكى الخلاف فيه عن الصدوقين.

و في المدارك (4) حكاية إجماع الأصحاب عليه إلّا أنّه ذكر خلاف الصدوق (5) و قال: و هو ضعيف.

و ما ذهب إليه الصدوقان مع كونه مخالفا لما أفتى به الأصحاب مخالف لمعظم روايات الباب، منها: صحيحة الفضلاء و صحيحة محمد بن قيس (6).

نعم، وجد ذلك في كتاب الفقه الرضوى (عليه السلام).

و في رواية الخصال (7) بإسناده عن الأعمش، عن الصادق (عليه السلام) حيث قال (عليه السلام): «و يجب على الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين شاة، و تزيد واحدة فيكون فيها شاة».

و أنت خبير بأن ذلك لا تقاوم تلك الأخبار سيّما بعد الانجبار.

و في المنتهى (8) إسناد عبارة الصدوق في نصب الغنم إلى صحيحة زرارة. و هو سهو صدر منه لتوهّمه العبارة المذكورة من تتمّة ما تقدّمها من رواية حريز، عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) كما لا يخفى على من لاحظه.

ثانيها: القول بوجوب الثلاثة في ثلاثمائة و واحدة.

ثالثها: إسقاط النصاب الخامس و جعل الرابع آخر نصب الغنم.

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 489.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 81.

(3) مختلف الشيعة 3/ 180.

(4) مدارك الاحكام 5/ 59.

(5) ليس في (د): «و».

(6) الإستبصار 2/ 23، باب زكاة الغنم ح 2.

(7) الخصال: 605.

(8) منتهى المطلب 1/ 489.

150

فيجب في ثلاثمائة و واحدة فصاعدا في كلّ مائة واحدة، فقد ذهب إلى ذلك كله جماعة من الأصحاب:

منهم الصدوقان (1) و العمانى و السيد (2) و الديلمي و الطوسي (3) و الجعفي و الحلي (4)، و العلّامة في المنتهى (5) و التحرير (6) و النهاية (7)، و ولده في الإيضاح (8).

و إليه ميل السيد في المدارك (9) و المحقق الشيخ حسن في المنتقى.

و ما ذكرناه هو الذي ذهب إليه الأكثر.

و نصّ عليه الإسكافي و الشيخ (10) في كتبه، و القاضي (11) و الحلبي (12)، و الفاضلان في الشرائع (13) و المختلف (14) و القواعد (15) و الارشاد (16)، و الشهيد في اللمعة (17) و الدروس (18)

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 196، المقنع: 160، الهداية: 174.

(2) رسائل المرتضى 3/ 77.

(3) الوسيلة: 126.

(4) المعتبر 2/ 503.

(5) منتهى المطلب 1/ 489.

(6) تحرير الأحكام 1/ 368.

(7) نهاية الإحكام 2/ 328.

(8) إيضاح الفوائد 1/ 177.

(9) مدارك الاحكام 5/ 61.

(10) الاقتصاد: 280، مصباح المتهجد: 857، الخلاف 2/ 21، النهاية: 181.

(11) المذهب 1/ 163.

(12) غنية النزوع: 123.

(13) شرايع الإسلام 1/ 108.

(14) مختلف الشيعة 3/ 179.

(15) قواعد الأحكام 1/ 337.

(16) إرشاد الأذهان 1/ 281.

(17) اللمعة الدمشقية: 41.

(18) الدروس 1/ 234.

151

و البيان (1)، و السيوري و الصيمري و المحقّق الكركي (2) و جماعة من متأخري المتأخرين.

و حكاه جماعة عن المفيد، و هو الموجود في المقنعة (3) لكن حكى عنه الحلّي و غيره القول الأوّل.

و تعجّب في المختلف (4) من إسناده ذلك إليه مع تصريحه بخلافه.

و قد حكى الشهرة على القول المذكور جماعة من الأصحاب منهم المحقق الأردبيلي (5) و مولانا التقي المجلسي رحمة اللّه (6).

و في الشرائع (7): إنّه الأشهر.

و في الروضة (8): إنّ الرواية الدالّة عليه أشهر بين الأصحاب، و هو الأظهر؛ لصحيحة الفضلاء المرويّة عن الصادقين (عليهما السلام) المخالفة لما ذهب إليه معظم فقهاء العامة و ما أطبق عليه أئمتهم الأربعة سوى رواية أحمد كما في المنتهى و غيره.

و موافقتهما (9) لما هو الأشهر بين الفرقة مع ما فيه من مراعاة الاحتياط بالنسبة إلى المالك.

مضافا إلى حكاية الشيخ عليه في الخلاف إجماع الفرقة.

حجة الجماعة: صحيحة محمد بن قيس، و فيها بعد ذكر النصابين الأولين: «فإن زادت واحدة» يعني على المائتين «ففيها ثلاث شياة من الغنم إلى ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كل

____________

(1) البيان: 177.

(2) المقنعة: 238.

(3) المقنعة: 238.

(4) مختلف الشيعة 3/ 180.

(5) مجمع الفائدة 4/ 66.

(6) بحار الأنوار 93/ 55.

(7) شرايع الإسلام 1/ 108.

(8) الروضة البهية 2/ 21.

(9) في (د): «موافقتها».

152

مائة شاة» (1).

و هي مدفوعة بموافقة العامة، ففي مقام التعارض تحمل على التقية؛ إذ هي عمدة السبب في اختلاف الأخبار الخاصة.

مضافا إلى أنّها غير صريحة في إسقاط النصاب الخامس كدلالة الأخرى على إثباته، فقد يكون قد أجمل القول فيه، و أراد بالكثرة بلوغ أربعمائة فصاعدا.

و سكت عن حكم الثلاثمائة و واحدة من أجل التقية.

و لذا عبّر بالكثرة الظاهرة في إرادة ما يزيد على الواحد.

على أنّ ظاهر مفهوم الغاية يدلّ على مخالفة الحكم فيما بعد الثلاثمائة بالنسبة إلى ما قبلها، فيومي إلى عدم ثبوت الثلاثة فيه، و ليس إلّا الأربعة اتفاقا.

و مع الغضّ عن ذلك كلّه، فترجح الرواية الأولى أن الرواة لها الفضلاء النجباء الذين ورد في شأنهم من المدائح ما ورد، و أجمعت العصابة على تصحيح ما يصح كل واحد منهم، و كون المروي عنه الإمامين (عليه السلام) فهي في الحقيقة بمنزلة خبرين صحيحين، بخلاف هذه الرواية.

و ضمّ إليها في المنتهى (2) صحيحة أخرى رواه عن الصدوق، و الظاهر أنه سهو منه رحمة اللّه بجعله عبارة الصدوق المذكورة عقيب صحيحة زرارة الواردة في الجوابين من كلام الإمام (عليه السلام) كما مرّت الاشارة إليه.

و لذا لم يذكره أحد من الأصحاب في مقام الاحتجاج للقول المذكور.

نعم، ورد ذلك في (3) الفقه الرضوي (4). و الحال في ضعفه معروف.

و ربّما يرجّح هذه الرواية بكونها أصحّ إسنادا من صحيحة الفضلاء؛ لاشتمال سندها على إبراهيم بن هاشم المعدود روايته من الحسان.

____________

(1) الإستبصار 2/ 22، باب زكاة الغنم ح 2.

(2) منتهى المطلب 1/ 489.

(3) في (د) زيادة: «كتاب».

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 196.

153

و فيه: أن رواية ابراهيم بن هاشم لا يقصر عن سائر الصحاح سيّما مع اشتمال إسناد هذه الرواية على محمد بن قيس المشترك بين جماعة، و فيهم من لا يوثق به. و لذا طعن فيها بالاشتراك في المختلف (1) و غيره.

و هو و إن كان مدفوعا برجحان كونه البجلي الثقة من جهة رواية عاصم بن حميد عنه إلّا أنّ ذلك لا يقضي بكثير اطمئنان في التعيين، فالرواية الأخرى السالمة من ذلك بالترجيح أولى.

فظهر بما ذكرناه أن الأخذ بالرواية الأولى أرجح من هذه من جهات شتى.

و ظاهر المحقق (2) في كتبه و جماعة من المتأخرين الاستشكال في المسألة؛ لتعارض الخبرين المذكورين، و ليس في محله.

ثمّ إنّ هاهنا سؤالا مشهورا حكي عن المحقق (ره) أنّه أورده في الدرس (3) و قد أشار إلى الجواب عنه في الشرائع (4) إجمالا، و بيّنه في الدرس (5) تفصيلا، و المحكي عنه في تقرير السؤال وجهان:

أحدهما: السؤال عن فائدة الخلاف مع أنّ الواجب في أربعمائة أربع شياة على القولين.

و ثانيهما: أنّه إذا كان الواجب في ثلاثمائة و واحدة ما يجب في أربعمائة، فأيّ فائدة في الزائد؟

و أنت خبير بأنّ السؤال الأوّل ساقط بالمرّة؛ إذ لا اختلاف بين القولين في أربعمائة حتّى يسأل عن الفارق بينهما كما أنّه لا فرق بينهما فيما فوق تلك المرتبة للإجماع على وجوب الشاة في كلّ مائة بعد البلوغ إلى أربعمائة، و إنّما الخلاف في مبدأ هذا التقدير، و إن كان المقصود السؤال

____________

(1) مختلف الشيعة 3/ 180.

(2) المعتبر 2/ 503.

(3) في (ألف): «الدروس»، و ظاهره انه كتاب الشهيد الأول إلا أنه لم يصح إذ الشهيد الأول متأخر عن المحقق بكثير، فلا يصح إسناد كلام المحقق إلى الدروس، فتدبّر.

(4) شرايع الإسلام 1/ 108.

(5) في (ألف): «الدروس».

154

عن ثمرة الخلاف (1) في مورد اختلاف القولين فهو أمر واضح لا يليق بالسؤال؛ ضرورة وجوب أربع شياة على القول (الأول و ثلاث على الثاني و مع ذلك تظهر الثمرة في أمور أخر منها كون الواحدة على القول) (2) الثاني شرطا للوجوب، فلا يسقط بتلفها بعد الحول من غير تفريط المالك شيء من الفريضة بخلاف القول الآخر.

و منها: أنّه لو تلف شاتان كذلك كان الساقط من الفريضة على الأوّل جزءان من خمسة و سبعين جزءا و ربع جزء، و على الثاني جزء من مائة جزء.

و لو تلف ثلاثة كان الساقط ثلاثة أجزاء من الأجزاء المذكورة، و على الثاني جزءان من مائة .. و على هذا الحساب.

و منها: أنه لو تلف هناك شاتان لزم تقسيط التالف على جميع النصاب؛ لكون المخرج عنه هو الجميع، فيسقط جزء ان من ثلاثمائة جزء، و جزء من كلّ من الشياة الأربعة.

و على الثاني إنّما يسقط التالف على مائة منها؛ لكون المخرج عنه في الحقيقة هو كلّ مائة، فيسقط من شاة واحدة جزء من مائة.

و بالجملة إنّ الفرق بين القولين [...] (3).

____________

(1) في (د): «الاختلاف».

(2) ما بين الهلالين ليس في (ألف).

(3) هنا بياض في نسخ الأصل.

155

تبصرة (1) [في نصاب البقر]

لا خلاف بين الأصحاب في أنّ للبقر نصابين: أحدهما ثلاثون و أربعون و ستون، ثمّ الأخذ بالثلاثين و الأربعين.

و منعه في المنتهى (2).

و كأن الوجه فيه اختلاف الأوقاص فيها و اتفاقها في السبعين (3) و ما زاد.

و قال المحقق الكركي (4): إنّ المتّجه عدّها ثلاثة: شخصيّتان، و أمر كلّي، و هو كلّ ثلاثين أو كلّ أربعين.

قلت: فالمتجه على هذا عدّها أربعة؛ إذ الكلي أيضا نصابان كالمبتدء.

نعم، لو تخيّر المالك في كل منهما مطلقا صحّ ما ذكره لكون النصاب حينئذ أحد الأمرين المذكورين، و ليس كذلك؛ لوجوب الاعتبار بالمطابق؛ إذ الأمر إليه كما سيجيء الاشارة إليه، فيكون النصاب في بعضها كلّ ثلاثين و في بعضها كلّ أربعين.

نعم، لو فرض تساويهما في ذلك تخيّر المالك، و هو لا يقضي بعدهما نصابا واحدا.

و الأولى عدّها نصابين كما ذكرها جماعة من الأصحاب كما في رواية الأعمش (5) عن الصادق (عليه السلام).

____________

(1) هذه التبصرة تكرار لما مرّ قبل صفحات بعبارات قريبة جدّا إلّا أنّنا حفظا للأمانة و حذرا من الحذف أدرجناها كما هي، فلاحظ الفروق الطفيفة و زيادات ليست فيما سبق.

(2) منتهى المطلب 1/ 487.

(3) في (د) «فما».

(4) نقله عنه في مفتاح الكرامة 11/ 213.

(5) لاحظ: من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

156

و فيها تبيع و تبيعة على المعروف من المذهب، و هو ما دخل في الثانية. و الآخر أربعون، و فيها مسنة بلا خلاف فيه، و هي ما دخلت في الثالثة.

و على هذين النصابين يدور أمر البقر، فليسا مخصوصين بالمرتبة الأولى خاصّة بل كلّما زاد البقر دار الأمر على النصابين المذكورين.

و يوجد في كلام بعض الأصحاب زيادة في نصاب البقر عن نصابين، ففي المبسوط (1): إن نصبه أربعة.

و ظاهر الشيخ (2) أنّ نصبه ثمانية حيث جعل إخراج التبيع من كلّ ثلاثين، و المشهور عن أربعين بعد التجاوز عن التسعين.

و في التذكرة (3) جعل نصبها خمسة باعتبار الكلي بعد السبعين.

و لا خلاف في المعنى.

و الأولى هو التعبير بما ذكرناه.

و في المسالك (4): انه المشهور. و ذكر خصوص المسنة في المرتبة الأخيرة في الروايتين الأوليين من جهة كونه أحد قسمي المخير أو لكونه أحد الأفراد؛ لجواز إخراج أربع تبايع أيضا، ففي ثلاثين تبيع أو تبيعة، و في كلّ أربعين مسنة.

و هاهنا يراعى بين الأمرين المذكورين ما يحصل به الاستيعاب أو يكون أقرب إليه، و مع المساواة يتخيّر في الملاحظة.

و يدلّ على جميع ذلك سوى التخيير في الثلاثين بين التبيع و التبيعة صحيحة الفضلاء؛ عن الصادقين (عليهما السلام): «في البقر في كلّ ثلاثين تبيع حولي، و ليس في أقلّ من ذلك شيء، و كلّ أربعين بقرة مسنة و ليس فيما بين الأربعين و الثلاثين شيء، فاذا بلغت الستين ففيها تبيعان إلى

____________

(1) المبسوط 1/ 197.

(2) المقنع: 159.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 73.

(4) مسالك الإفهام 1/ 366.