تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
157

السبعين، و إذا بلغت السبعين ففيها تبيع و مسنة إلى ثمانين، فاذا بلغت ثمانين ففي كل أربعين مسنة إلى تسعين، فإذا بلغت تسعين ففيها ثلاث تبايع حوليات (1) فإذا بلغت عشرين و مائة، ففي كلّ أربعين مسنة» (2).

و بمعناها رواية الأعمش، عن الصادق (عليه السلام) المرويّة في الخصال (3).

و يدلّ عليه أيضا رواية الفقه الرضوي (4).

ثمّ إنّه لا خلاف في شيء من المذكورات سوى التخيير في الثلاثين بين التبيع و التبيعة؛ فإنّ المحكي عن (5) عليّ بن بابويه و العماني تعيين التبيع الحولي، و هو الموجود في عبارة الصدوق في الفقيه (6) و المقنع (7) كما هو مضمون الصحيحة المذكورة و غيرها.

و تبعهم صاحب الحدائق (8).

و المشهور هو التخيير كما أشرنا إليه، و قد حكى الإجماع عليه في الخلاف (9) و التذكرة (10).

و في المنتهى (11): أجمع المسلمون على وجوب التبيع أو التبيعة في الثلاثين، و وجوب المسنة في الأربعين، و أجمعوا على أنّ (12) هذين السنين هي المفروضة في زكاة البقر.

و هو الأظهر.

____________

(1) في (ألف): «حوليان».

(2) الكافي 3/ 534، باب صدقة البقر ح 1.

(3) الخصال: 605.

(4) فقه الرضا (عليه السلام): 196.

(5) لم توجه «عن» في (ألف).

(6) من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

(7) المقنع: 159.

(8) الحدائق الناضرة 12/ 55.

(9) الخلاف 2/ 19.

(10) تذكرة الفقهاء 5/ 74.

(11) منتهى المطلب 1/ 487.

(12) «أن» غير موجودة في (ألف).

158

و يدلّ عليه بعد الإجماعات المحكيّة اشتمال رواية الفضلاء على ما في المعتبر (1) على التصريح بالتخيير بين التبيع و التبيعة.

و عدم وجود تلك الزيادة في كتب الحديث لا ينافيه لتقديم الزيادة على النقيصة.

و كأن المحقق أخذ الرواية من الأصول القديمة.

و روته في نهاية الإحكام (2) مرسلا عن الباقر و الصادق (عليهما السلام): «في البقر في كلّ ثلاثين تبيع أو تبيعة ..» إلى قوله (عليه السلام) «ليس فيها شيء حتّى يبلغ ستين ففيها تبيعان أو تبيعتان ثمّ في سبعين تبيع أو تبيعة و مسنة ..» الخبر.

مضافا إلى اعتضاد ذلك بعمل الأصحاب من غير مخالف صريح.

مضافا إلى اشتمال صحيحة الفضلاء و رواية الأنس، عن الصادق (عليه السلام) و غيرهما على ذكر التبايع الثلاث في التسعين.

و من الظاهر أن المراد بها الإناث، فإذا جاز هناك جاز في الأوّل؛ لكون النصاب أمرا واحدا كليا، و الفريضة واحدة في الجميع.

و ذلك أيضا موجود في عبارة الصدوق في الغنية (3) و المقنع (4)، فلا يبعد سقوط خلافه في المقام كغيره، فيكون ذكرهم بخصوصه على سبيل المثال أو للاقتصار على ذكر مورد النصّ.

و يؤيّده أنّه لو جاز دفع التبيع كان دفع التبيعة أولى؛ إذ هي أعلى و أغلى منه، و لذا لا يجوز دفع المسنّ في النصاب الثاني اتفاقا، ففيه مراعاة جانب الفقراء.

و بذلك يظهر ضعف القول المذكور، و يسقط مؤاخذة صاحب الحدائق (5) من صاحب البداية حيث أفتى بالتخيير.

____________

(1) المعتبر 2/ 502.

(2) نهاية الإحكام 2/ 327.

(3) كذا، و الصحيح «الفقيه»، انظر: من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

(4) المقنع: 159.

(5) الحدائق الناضرة 12/ 56.

159

تبصرة [في نصاب الغنم]

و للغنم نصب خمسة على المشهور بين الأصحاب:

الأوّل: الأربعين، و فيها شاة.

الثاني: مائة و إحدى و عشرين، و فيها شاتان.

الثالث: مائتان و واحدة، و فيها ثلاث شياه.

الرابع: ثلاثمائة و واحدة، و فيها أربع شياه.

الخامس: أربعمائة فما زاد فيها في كل مائة واحدة.

و لا خلاف هنا إلّا في أمور:

أحدها: ما ذهب إليه الصدوق في الفقيه (1) و المقنع (2) من اعتبار زيادة شاة في النصاب الأوّل على الأربعين، و حكى ذلك عن والده أيضا.

و المعروف من مذهب الأصحاب هو ما ذكرناه، بل الظاهر الاتفاق عليه بعد الصدوق، و هو مع كونه خلاف فتوى الأصحاب مخالف لمعظم الروايات منها: صحيحة الفضلاء، و صحيحة محمد بن قيس.

نعم، وجد ذلك في رواية الفقه الرضوي (3) (4) و رواية الخصال (5) بإسناده عن الأعمش،

____________

(1) من لا يحضره الفقيه 2/ 26.

(2) المقنع: 160.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 196.

(4) في (د) زيادة «في».

(5) الخصال: 605.

160

عن الصادق (عليه السلام) حيث قال: «و يجب على الغنم الزكاة إذا بلغت أربعين شاة، و يزيد (1) واحدة فتكون فيها شاة».

و أنت خبير بأن ذلك لا تقاوم تلك الأخبار سيّما بعد الانجبار.

و في المنتهى (2) إسناد عبارة الصدوق في نصب الغنم إلى صحيحة زرارة. و هو سهو صدر منه لجعله العبارة المذكورة من تتمة ما تعلقه من رواية حريز، عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) كما لا يخفى على من لاحظه.

ثانيها: القول بوجوب الثلاثة في الثلاثمائة و واحدة.

ثالثها: إسقاط النصاب الخامس و جعل الرابع آخر نصب الغنم، فيجب في ثلاثمائة فما زاد في كلّ مائة واحدة، فقد ذهب في (3) ذلك كلّه جماعة من الأصحاب منهم الصدوقان و العماني و المفيد و السيد و الديلمي و الطوسي و الجعفي و الحلي، و العلّامة في المنتهى و التحرير و النهاية، و ولده في الايضاح، و إليه ميل السيد في المدارك، و المحقق الشيخ حسن في المنتقى، و الذي ذهب الإسكافي و الشيخ في كتبه، و القاضي و الحلبي، و الفاضلان في الشرائع و الخلاف و القواعد و الارشاد، و الشهيد في اللمعة و الدروس و البيان، و السيوري و الصيمري و المحقّق الكركي (4) و جماعة من متأخري المتأخرين.

و حكاه جماعة عن المفيد، و هو الموجود في المقنعة لكن حكى عنه الحلي و غيره القول الأوّل.

و قد حكى الشهرة على القول المذكور جماعة من الأصحاب منهم المحقق الأردبيلي و مولانا التقي المجلسي (رحمه اللّه).

و في الشرائع: إنّه الأظهر.

____________

(1) في (د): «تزيد».

(2) منتهى المطلب 1/ 489.

(3) في (د) «الى».

(4) لم ترد في (ب): «المحقق الكركي».

161

و في الروضة: إن الرواية الدالّة عليه أشهر بين الأصحاب.

و هو الأظهر؛ لصحيحة الفضلاء الصريحة فيه مع ما فيه من مراعاة الاحتياط بالنسبة إلى المالك.

مضافا إلى مخالفتها لما ذهب إليه معظم أئمة اللغة، و موافقتها لما هو الأشهر من (1) الفرقة.

حجة الجماعة: صحيحة محمد بن قيس، و فيها بعد ذكر النصابين الأولين: «فإن زادت واحدة- يعني على المائتين- ففيها ثلاث شياة من الغنم و ثلاثمائة، فإذا كثرت الغنم ففي كلّ مائة شاة».

و هي مدفوعة بموافقة العامة، ففي مقام التعارض يحمل على التقية؛ إذ ذلك مذهب أئمتهم الأربعة كما مرّ.

مضافا إلى أنّها غير صريحة في إسقاط الخامس، فقد يكون (عليه السلام) قد أجمل القول فيها و أراد بالكثرة بلوغ أربعمائة فصاعدا و سكت أيضا عن حكم الثلاثمائة و واحدة من أجل التقية، و لذا عبّر بالكثرة الظاهرة في إرادة ما يزيد على الواحد.

مضافا إلى أنّ مفهوم الغاية يدلّ على مخالفة الحكم فيما بعد الثلاثمائة بالنسبة إلى ما قبلها فيومي إلى عدم ثبوت الثلاثة فيه، و ليس إلّا الأربعة اتفاقا.

و ممّا يؤيّد الأول كون الرواة لها الفضلاء النجباء الذين ورد في شأنهم ما ورد من المدائح، و أجمعت العصابة على تصحيح ما يصحّ عن كلّ واحد منهم، و كون المروي عنه الإمامان (عليهما السلام)، فهي في الحقيقة بمنزلة خبرين بخلاف الرواية الدالّة على القول الآخر.

و ربّما ضمّ إليها في المنتهى صحيحة أخرى رواه عن الصدوق، و الظاهر أنه سهو منه (رحمه اللّه) بجعله عبارة الصدوق (رحمه اللّه) المذكورة عقيب (2) صحيحة زرارة الواردة من كلام الامام (عليه السلام)، و لذا لم يذكره أحد من الأصحاب في مقام الاحتجاج للقول المذكور.

نعم، ورد ذلك في عبارة الفقه الرضوي، و الأمر في جواز الاعتماد عليه و عدمه معروف.

____________

(1) في (د) «بين».

(2) في (ألف): «تجب».

162

و ربّما ترجح هذه الرواية بأصحيّة إسنادها عن صحيحة الفضلاء لا سيّما علي بن ابراهيم بن هاشم المعدود روايته في الحسان (1)، و رواية ابراهيم بن هاشم لا يقصر عن سائر الصحاح سيّما اشتمال إسنادها (2) في الرواية على محمد بن قيس المشترك بين جماعة (3)، و الأصحّ كونه البجلي الثقة بقرينة رواية عاصم بن حميد عنه (عليه السلام)، إلّا أن ذلك لا يقضي بكثير اطمئنان (4) بالتعيين، فالرواية الأخرى السالمة (5) عن ذلك بالترجيح أولى.

و ظهر بما ذكرنا أن الأخذ بالرواية الأولى أرجح من هذه من جهات شتّى.

و ظاهر المحقق في كتبه و جماعة من المتأخرين الإشكال في المسألة لتعارض الخبرين المذكورين، و ليس في محله.

ثمّ إنّ هاهنا إشكالا مشهورا، و هو أن الأربعة إذا وجبت في ثلاثمائة و واحدة و في الأربعمائة، فأيّ فائدة في النصاب الأخير، و عدّهما نصابين؟

و الجواب عنه أن هذا النصاب لا اختصاص (6) له بهذه المرتبة، و إنّما تكون هذه المرتبة من جملة مصاديقها.

فانتفاء الثمرة في هذه المرتبة بخصوصها لا مانع منه مع حصولها في غيرها إلّا أن يقرّر الإيراد في فائدة تعميم ذلك بحيث يشمل هذه المرتبة.

و هو حينئذ مدفوع بأن ما تعلق به الزكاة حينئذ هو مجموع الأربعمائة فيكون حق الزكاة مشاعا في الجميع، و في الأوّل إنّما يتعلّق الحق بالثلاثمائة و واحدة، و يكون الزائد عليه عفوا فلا يكون إشاعة الحق إلّا فيما تعلق به الزكاة.

____________

(1) في (د) زيادة: «فيه».

(2) في (د): «اسناد هذه الرواية» «إسنادها في الرواية».

(3) ليس في (د) «و».

(4) في (د) «في التعيين».

(5) في ألف: «الشاملة».

(6) في (د): «لا اختصاص».

163

و يتفرّع (1) على ذلك السقوط من الزكاة بحساب ما تلف من الأربعمائة بعد تعلّق الزكاة من غير تفريط، بخلاف ما إذا روعي الوجه الآخر؛ فإنه مع بقاء ثلاثمائة و واحدة لا يسقط شيء من الزكاة.

و فيه: أن الزكاة إنّما تتعلق بالعين، فيكون حينئذ ثابتا في جميع المال على سبيل الإشاعة، فيكون التلف على التقديرين من المجموع، فلا وجه لعدم سقوط شيء من الزكاة مع بقاء النصاب.

كذا أورد صاحب المدارك، و تبعه صاحب الذخيرة.

قلت: و على ما ذكراه يكون النقص الحاصل منقسما على النصاب و العفو، و يسقط من الزكاة بنسبة ما يقع من السقط بإزاء النصاب.

و حينئذ فلا يبقى فرق بين الوجهين لا فيما ذكر و لا في كون الحق الثابت في كلّ غنم جزء من مائة جزء على أحد الوجهين و جزء من خمس و سبعين جزء حقيقة أو تعريفا على الوجه الآخر؛ ليكون التلف على تلك النسبة؛ لما عرفت من التقسيط على العفو، فلا يفرق الحال بين الوجهين بالنسبة إلى ملاحظة القدر التالف من الزكاة كما لا يخفى.

إلّا أنّ الظاهر من الشرع خلافه، بل الظاهر أن النقيصة كلما وردت ترد على العفو إلى أن يستوفيها، و لذا لو تلف منه شيء قبل حلول الحول كان التلف من العفو قطعا؛ ضرورة صدق حلول الحول على قدر النصاب، فيجري مثله فيما بعد حلوله.

و الحاصل أنّ قدر النصاب في المقام أمر كلي يحكم ببقائه مع بقاء ما يفي به، و إن تلف من المال ما تلف فيحكم إذن ببقاء حصة الزكاة لإشاعته في خصوص مقدار النصاب.

و (2) ممّا يدلّ على ذلك- مضافا إلى ما ذكرنا- أنه لو كان كما ذكراه لما جاز للمالك التصرف في المقدار الزائد على النصاب إلّا بعد ضمانه للحصّة التي فيه من الزكاة كما هو الشأن في تصرّف المالك في المال الذي تعلّق به الزكاة، مع أنّ الأمر ليس كذلك بل له

____________

(1) في (ألف): «و يتفرغ».

(2) زيادة الواو من (د).

164

التصرف في المقدار الزائد من غير حاجة إلى الضمان، و إنّما يمنع من التصرف في قدر النصاب خاصة.

و منه يظهر كونه كليا يبقى ببقاء ما بقي من المال حسب ما قرّرنا.

165

تبصرة [في اشتراط السوم]

الثاني من شروط زكاة الأنعام: السوم بالإجماع المعلوم و المنقول حدّ الاستفاضة و الأخبار المستفيضة (1) هو الرعي.

و ظاهره (2) يعم الرعي في المملوك و المباح و المزروع و غير المزروع.

و يقابله المعلوفة، و هي ما يعلف باليد سواء كان من مال المالك أو مال غيره، من العلف المملوك بالأصل أو بالاحتشاش، من المباح أو غير المملوك كما لو أعلفه من العلف المباح لو قلنا بعدم تملكه بمجرد الأخذ مع عدم قصد المالك لتملك أو مع قصد عدمه.

و لو أكل من العلف المطروح على الأرض أو التبن الساقط عليها مع إعراض المالك عنها ففي إدراجها في المعلوفة وجهان، و في إلحاقها بالسائمة وجه قوي.

و ما استشكله الشهيد الثاني (3) فيما لو علفها غير المالك من مال نفسه من أنّها في معنى السائمة؛ نظرا إلى الحكمة المقتضية لسقوط الزكاة عن المعلوفة من جهة سقوط المئونة عن المالك قد قضى ذلك بتنصيف الزكاة في الغلات عند سعتها بالدوالى و نحوها بيّن الاندفاع؛ إذ لا عبرة بالاعتبارات المذكورة في إثبات الأحكام الشرعيّة.

كيف، و قد يكون المصرف في السائمة معادلا للمعلوفة أو زائدا عليه، و ظاهر الأصحاب ثبوت الزكاة بل لا يظهر فيه تأمل من أحد.

و لو دار الأمر مدار المؤن لزم القول بالسقوط مع مساواة مؤنته لمؤنة المعلوفة أو زيادتها

____________

(1) في (د) زيادة: «واو».

(2) لم ترد في (ب): «و ظاهره يعمّ الرعي».

(3) مسالك الإفهام 1/ 370.

166

عليها.

و هل يعتبر أن تكون سائمة تمام الحول بطريق الحقيقة بحيث لو علّفت في بعض الحول- كائنا ما كان- سقط الحكم أو يعتبر الأغلب أو الاسم؟ وجوه، بل أقوال.

فالأوّل ظاهر الحلي (1) و المحقّق (2)، و الثاني عن الشيخ (3) في بعض كتبه، و الثالث مختار معظم المتأخرين (4).

و هو الأظهر، و هو الظاهر من الشيخ في النهاية (5) حيث حكم بسقوطه بعلف اليوم، و صرّح بعدم اعتبار اللحظة.

و الوجه فيه ظاهر؛ لإناطة الحكم بالاسم، و لا تحديد له في الشرع، فيرجع فيه إلى صدق العرف.

و كأنّ ذلك هو الوجه في الثاني.

و ضعفه ظاهر.

و الوجه الأوّل أن المعتبر في المقام هو السوم لحلول الحول، و هو اسم لتمام المدّة، و لا يناط الأحكام الشرعيّة بالتسامحات العرفيّة كما هو المعروف في مسألة الكر و السفر و مقادير النصب و غيرها ممّا تنيط (6) فيه الأحكام بالأسماء.

و يدفعه أن التسامح العرفي ممّا لا يعتبر في المقام أيضا؛ فإن الظاهر أن المعلوف في اللحظة و نحوها ممّا لا يقدح في صدق اسم السوم على سبيل الحقيقة كما لا يخفى على من لاحظ العرف، فالوضع فيه على نحو يعمّ مثل ذلك.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 48، مختلف الشيعة 4/ 442.

(2) المعتبر 2/ 507، شرائع الإسلام 1/ 109.

(3) المبسوط 1/ 198.

(4) كفاية الأحكام 1/ 173.

(5) النهاية: 177.

(6) في (د): «نيط».

167

و أمّا ما كان الإطلاق من قبيل التسامح فالظاهر أنّه (1) ممّا لا عبرة به، و الظاهر أنّه خارج عن مقصود القوم.

و هل يعتبر السوم أيضا في السخال، و المراد بها أولاد الأنعام الثلاث، فيجعل ابتداء الحول فيها من حين الاستغناء بالرعي أو لا يلاحظ فيها ذلك بحسب الحول فيها من حين النتاج؟ و الأوّل محكيّ عن صريح جماعة من الأصحاب (2)، و الثاني يعزى إلى الشيخ (3) و جماعة، و في المسالك (4) حكى الشهرة عليه، و في الحدائق (5): الظاهر أنه المشهور.

و كأنه الأظهر؛ أخذا بظواهر عدّة من الأخبار:

منها: الصحيح: «ليس في صغار الغنم شيء حتى يحول عليها الحول من يوم ينتج» (6).

و الخبر: «و ما كان من هذه الأصناف الثلاثة الإبل و البقر و الغنم فليس فيها شيء حتى يحول عليه من يوم ينتج» (7).

و نحوها رواية أخرى (8).

و الأصل في هذه الروايات إن كان واحدا إلّا أنّه لجلالة شأنه و بعده عن الخطأ في النقل لا يوجب و هنا في الخبر المذكور، سيّما مع اعتضاده بعمل المشهور و أوفقيّته بالاحتياط، فيقيّد بها إطلاق ما دلّ على اعتبار السوم.

و الوجه في الآخر إطلاق ما دلّ على اعتبار السوم في الغنم، فيجري الحكم في السخال

____________

(1) «أنه» اضيفت من (د).

(2) شرائع الإسلام 1/ 109، تحرير الأحكام 1/ 364.

(3) الدروس 1/ 232.

(4) مسالك الإفهام 1/ 368.

(5) الحدائق الناضرة 12/ 80.

(6) لم نجده و ما وجدناه في مستند الشيعة 3/ 93 هكذا: «ليس في صغار الإبل شيء حتى يحول عليه الحول منذ يوم ينتج».

(7) الإستبصار 2/ 20، باب زكاة الإبل ح 3.

(8) الإستبصار 2/ 2، باب ما تجب فيه الزكاة ح 2.

168

و غيرها.

و يدفعه أنّ هذه الروايات أخبار خاصّة فيقيّد بتلك الإطلاقات.

مضافا إلى ما عرفت من تأيّدها بالشهرة و الاحتياط.

و قد يؤيّد ذلك أيضا بأنّ سوم الأمّهات كاف (1) في صدقه على الأولاد من جهة التبعيّة.

و من هنا ينقدح احتمال اختصاص الحكم بما إذا كانت أمّهاتها ساعة، فلو كانت معلوفة لم يكن في أولادها شيء؛ إذ الظاهر كونها بمنزلة المعلوفة، بل هي من المعلوفة في الحقيقة، و (2) الروايات المذكورة غير واضح الشمول لذلك.

و هذا الوجه وجيه لو أمكن تطبيق كلماتهم عليه.

____________

(1) في (ألف) زيادة «كان».

(2) أدرجنا الواو من (د).

169

تبصرة [في اشتراط الحول]

الثالث: الحول، بالنصوص المستفيضة و الإجماع المعلوم و المنقول حدّ الاستفاضة، بل هو قول أهل العلم كافّة من العامة و الخاصّة إلا ما حكي عن ابن عباس و ابن مسعود من قولهما بوجوب الزكاة في المال إذا استفاد المال، ثمّ يتكرّر بتكرّر الحول. ذكره في المنتهى (1).

و فساد قولهما ظاهر بعد إجماع الأمّة و الروايات المستفيضة.

و الظاهر اطباق الأصحاب على تعلّق الوجوب بمجرّد دخول الثاني عشر و إن لم يكمل أيّامه.

و في المعتبر: إنّه يتمّ الحول عند استهلال الثاني عشر، و هو مذهب علمائنا.

و في المنتهى (2): إذا أهلّ الثاني عشر فقد حال الحول على المال. ذهب إليه علماؤنا.

و في التذكرة (3): حولان الحول هو مضيّ أحد عشر شهرا كاملة على المال، فإذا أهلّ الثاني عشر وجبت الزكاة و إن لم يكمل أيّامه بل يجب بدخول الثاني عشر عند علمائنا أجمع.

و يدلّ عليه بعد ذلك صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام): قلت له: رجل كانت له مائتا درهم فوهبه (4) لبعض إخوانه أو ولده أو أهله فرارا [بها] (5) من الزكاة فعل ذلك قبل حلها بشهر؟ فقال: «إذا دخل الشهر الثاني عشر فقد حال عليها الحول و وجبت عليه الزكاة» (6).

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 486.

(2) منتهى المطلب 1/ 687.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 51.

(4) في المصدر: «فوهبها».

(5) الزيادة من المصدر.

(6) الكافي 3/ 526، باب المال الذي لا يحول عليه الحول في يد صاحبه ح 4.

170

و لا فارق بين النقدين و الأنعام، على أن الظاهر من قوله «فقد حال عليها الحول» حصول الحولان شرعا بذلك في الزكاة، فيحمل عليه الإطلاق بالنسبة إلى غيرها (1) أيضا؛ إذ لم يعتبر فيه إلّا حولان الحول.

فالمسألة ظاهرة لا خفاء فيها، و ظاهر جماعة من المتأخرين منهم صاحب الوافي و العلامة المجلسي و صاحب الحدائق (2) المناقشة في الحكم المذكور، بل ظاهر عبارة الوافي (3) الاقتصار على مورد النصّ المذكور بحمله على الوجوب و حلول الحول بالنسبة إلى خصوص ما فرض فيه من مزيد الفرار، قال: كيف و الحول معناه معروف، و الأخبار بإطلاقه مستفيضة؟! و لو حملناه على معنى استقرار الزكاة فلا يجوز تقييد ما ثبت بالضرورة من الدين بمثل هذا الخبر الواحد الذي فيه ما فيه.

و أشار بذلك إلى ما في تلك الرواية من وجوه الإشكال.

قلت: ما ذكره من الوجهين جاريان في حمل المذكور أيضا مع ما فيه من الضعف؛ إذ لا يعرف قائل به من الأصحاب.

و كيف كان، فضعف القول المذكور غني عن البيان.

نعم، في صحيحة عبد اللّه بن سنان أنّه (4) لما نزلت آية الزكاة (خُذْ مِنْ أَمْوٰالِهِمْ صَدَقَةً) في شهر رمضان، فأمر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) مناديه، فنادى في الناس: «إنّ اللّه تعالى فرض عليكم الزكاة كما فرض عليكم الصلاة ..» إلى أن قال (عليه السلام): «ثمّ لم يتعرض بشيء (5) من أموالهم حتى حال عليه الحول من قابل، فصاموا و أفطروا، فأمر مناديه، فنادى في المسلمين: أيّها المسلمون! زكّوا أموالكم تقبل صلاتكم، ثمّ وجّه عمّال الصدقة» (6).

____________

(1) في (ألف): «إليه» بدل «إلى غيرها».

(2) الحدائق الناضرة 12/ 73.

(3) نقله عنه في التحفة السنية (المخطوط): 151.

(4) ليس في (ألف) و (ب): «أنه».

(5) في المصدر: «لشيء».

(6) من لا يحضره الفقيه 2/ 13، باب الأصناف التي تجب عليها الزكاة ح 1.

171

و استظهر منها في الحدائق (1) كون حلول الحول بمضيّ اثني عشر شهرا.

قلت: و يمكن المناقشة فيه، بل و ادّعاء ظهورها في خلافه؛ لقوله (عليه السلام) «حتى حال عليه الحول من قابل فصاموا و أفطروا» فإنّها ظاهرة في كون الحلول قبل الصوم، فيكون قبل إكمال الاثني عشر.

و ربّما يجعل قوله «فصاموا و أفطروا» تفصيلا لما أجملوا بقوله «حتّى حال عليه الحول» و تفسيرا له، فلا يدلّ على كون الحول قبل الصيام إلّا أنّ حمل العبارة (2) لا يخلو عن خروج من الظاهر، فلا داعي إليه.

و مع الغضّ عنه فلا أقلّ من قيام الاحتمال الهادم للاستدلال.

بقي الكلام في سرّ تأخير النداء، و هو يجري على الوجهين لإكمال الاثني عشر في شهر رمضان، و كأنّه لحكمة قضت به في المقام، و منها هذا.

و قد وقع الكلام في المقام في امور.

أحدها (3): أنّه هل يحتسب الشهر المذكور بعد تعلّق الوجوب في الحول الأوّل أو الثاني؟

قولان، و الأوّل مختار فخر المحققين في الإيضاح، و الثاني مختار الشهيد في الدروس (4) و البيان (5) و غيره (6).

و هو الأظهر؛ إذ الحول لغة و عرفا اسم للشهور الاثني عشر، و غاية ما دلّت عليه الصحيحة المتقدمة و استفيد من كلام الأصحاب الحكم بحلول الحول بدخول الثاني عشر تنزيلا لدخول الشهر الأخير منزلة كماله، فكأنه بإهلال الثاني عشر قد مضى عليه اثنا عشر هلالا، فيلاحظ الباقي من كمال الحول.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 76.

(2) في (د) زيادة «عليه».

(3) «أحدها» زيدت من (د).

(4) الدروس 1/ 231.

(5) البيان: 171.

(6) في (د) زيادة: «كالمحقق الكركى في حاشيته على الشرائع و القواعد».

172

فالحول إنّما أطلق على مجموع الاثني عشر، و اكتفى (1) حلوله بحلول إهلال الثاني عشر منه.

و استشكل ذلك في التذكرة (2) و القواعد (3).

حجّة الأوّل: ظاهر الصحيحة المتقدّمة؛ إذ حلول الحول ظاهر في كماله، و قد أتى به بلفظ الماضي مع الفاء الدالّ على التعقيب أو من جهة ظهوره في ترتّبه على الشرط.

و فيه: أن الذي يظهر منها حصول الحول بذلك، و قد يكون الوجه فيه ما ذكرناه فلا يلزم منه الخروج عن الظاهر في لفظ الحول.

و كأنّها أظهر في إرادة صدق الحولان خاصّة، و غاية الأمر تكافؤ (4) الوجهين، و قضية الأصل احتسابه من الأوّل.

الثاني: أنّه هل يستقر الوجوب بمجرّد إهلال الثاني عشر، فلا يراعي بقاء الشرائط في بقية الشهر أو أنّه يجب متزلزلا فيراعى بقاؤها إلى آخر الحول؟ وجهان، ظاهر الأكثر الأوّل، [و] هو ظاهر الصحيحة المتقدمة، بل ظاهر ما حكي من الإجماع، و الثاني مختار الشهيد الثاني؛ استضعافا للرواية من جهة اشتمال إسنادها على إبراهيم بن هاشم، و لم ينصّ عليه بالتوثيق.

و مقتضى الأدلّة بقاء اعتبار الشرائط إلى آخر الحول أو الشهر حقيقة في اللغة و العرف في مجموع الشهر و الاثني عشر، و الأصل عدم النقل.

و دلالة الرواية و الإجماع على وجوبها في الثاني عشر أعمّ من المستقرّ و غيره، فلا يثبت به زيادة على غير المستقرّ.

____________

(1) في (د) زيادة كلمة قد تقرأ: «نفى».

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 51.

(3) قواعد الأحكام 1/ 332.

(4) في (ألف): «تكافؤه».

173

و يضعّفه (1) صحّة الرواية المذكورة بل و كونها في أعلى درجات الصحّة؛ إذ لا تأمّل في جلالة إبراهيم، و قد اعترف به غير مرّة سيّما مع اعتضادها بعمل الأصحاب، فالظاهر الأخذ بظاهر الصحيحة المعتضد أيضا بظاهر فتوى الفرقة.

الثالث: لا تدخل الأولاد في حول الأمهات تبعا، بل لا بدّ من مراعاة الحول فيها بالاستقلال أو مع الغنم إلى غيرها، و في ما دلّ على أنّ ما يحلّ عليه الحول عند ربّه فلا شيء فيه كفاية في ذلك.

و قد مرّ في بعض الصحاح و غيره تصريح بذلك، و المسألة بيّنة و لا خلاف فيه بين الفرقة، و إنّما وقع الكلام فيها بين العامة حيث ذهب بعضهم إلى تبعيّة الأولاد للأمهات في الحول.

و هو ضعيف موهون خارج عن مقتضى القواعد الشرعيّة.

ثمّ إن اتفق للأولاد نصاب مستقلّ مجامع للأولى كأن ولدت خمس من الإبل خمسا فلا كلام إن جعلنا الخمس الثاني نصابا مستقلا منضمّا إلى الأوّل، و إن جعلنا العشر حينئذ نصابا واحدا جرى فيه الاحتمال الآتي، و لو بلغت الأولاد إلى المرتبة الأولى من النصاب إذا لوحظت بالاستقلال، و لم تصل المرتبة الثانية و لو مع الضم إلى الأمهّات كأربعين من الغنم ولدت أربعين، ففي ثبوت الزكاة في الأولاد احتمال ذكره المحقّق في المعتبر (2)؛ أخذا بظاهر قوله (عليه السلام): في «كلّ أربعين شاة».

و يضعّفه أنّ المنساق من ذلك ثبوته فيه عند حصوله في أوّل الأمر دون المنضمّ إلى أربعين آخر. الا ترى أنّه لو ملك ثمانين شاة لم يكن عليه في كلّ أربعين شاة اتفاقا؟ فكذا لو ملكها على سبيل التعاقب كما في المقام، فالزائد على قدر الأربعين عفو.

و لو بلغت نصاب الأولاد وحدها إلى المرتبة الثانية من النصاب كأن ولدت سبعين (3) من

____________

(1) في (ألف): «و غيره، فلا يثبت على ضعفه»، بدلا من «و يضعّفه».

(2) المعتبر 2/ 510.

(3) كذا، و الظاهر: «سبعون».

174

الغنم مثلا مائة و أحد و عشرون (1) كان لكلّ من الأمّهات و الأولاد نصاب مستقل على ما قطع به في ظاهر المدارك (2).

و هو ضعيف، بل الظاهر ملاحظة الجميع، و البناء على العفو فيما زاد على النصاب كما في الفرض المذكور.

و من الغريب أنه (رحمه اللّه) نصّ على أنّه لو كان الأولاد بالغة إلى النصاب الأول على نحو ما مرّ حكم بالعفو، و لا فرق بين ذلك و ما فرض في المقام؛ اذ لو بنى على ملاحظة الأمهّات و السخال منفردا عن الآخر وجبت الزكاة في المقامين، و إلّا سقط اعتبارها في الصورة المذكورة في السبعين؛ إذ مع ملاحظة الجميع جملة يكون السبعين عفوا.

ألا ترى أنه لا يعقل فرق بين إذا كان (3) الغنم مائة إحدى و عشرين فولدت سبعين أو كانت سبعين فولدت مائة و إحدى و عشرين، فلا معنى للبناء على الفرق و الحكم بالعفو عن السبعين في الأوّل، و جعل كلّ منهما نصابا مستقلا في الأخير.

و هو ظاهر.

هذا، و لو بلغت الأمّهات بملاحظة الأولاد إلى المرتبة الثانية من النصاب كأن ولدت ثمانون من الغنم واحدا و أربعين فهل يلغى اعتبار النصاب الأول مع عدم مرور الحول عليه حال انفراده؟ بل تعتبر الجميع نصابا واحدا فيراعى طول الحول عليه كذلك، أو يجب في كل منهما ما يجب فيه استقلالا؟ ففي المثال المفروض يراعى الحول في كلّ من الأمّهات و الأولاد بالاستقلال، و يثبت في كل منهما شاة عند حلول الحول عليه، أو يحتسب حول الأمّهات بالاستقلال، ثمّ يضمّ (4) الأولاد إليها بالنسبة إلى الحول الآتي، فيلغى اعتبار الأولاد إلى حين

____________

(1) كذا، و الظاهر: «و إحدى و عشرين».

(2) مدارك الأحكام 5/ 77.

(3) كذا، و الأظهر: «كانت». و الغنم اسم مؤنث موضوع لجنس الشاء يقع على الذكور و الإناث و عليهما جميعا، و لا واحد لها من لفظها، و تصغيره: غنيمة؛ لأن أسماء الجموع التي لا واحد لها من لفظها إذا كانت لغير الآدميين فالتأنيث لها لازم. أنظر: البستان ص 797 (غنم).

(4) في (ألف): «الحول» بدلا من «يضم».

175

حلول حول الأمهات؟ وجوه، المعزى إلى جماعة من المتأخرين اختيار الأخير.

و علّل ذلك بأنّ القول بسقوط الزكاة من الأمّهات عند حلول حولها مع بلوغها حدّ النصاب مخالف لظاهر الأدلّة، و بعد وجوب إخراج الزكاة عنها لا يمكن منها إلى السخال ليلزم القول بوجوب إخراجها عن الجميع أيضا عند حلول حول السخال؛ اذ لا وجه للتبعيّة سيّما في المقام، مع ما ورد في الأخبار من نفي التثنية في الصدقة و انّه لا يزكّى في عام مرّتين، و اعتبار النصاب الأوّل في الأولاد استقلالا (1).

و قد عرفت ضعفه، فتعيّن الوجه المذكور.

قلت: قد يقال: إنّ ما ذكر في تضعيف سقوط الزكاة عن الأمهات عند حلول الحول عليها جار (2) في سقوطها عن السخال عند حلول حولها، و لو جعل انضياف الغير إليها قاضيا بالسقوط جرى ذلك على الوجهين. كيف و يصدق هناك بعد انضياف تتمة النصاب الأخير تملكه لذلك النصاب، فبعد حولان الحول عليها كذلك ينبغي القول بوجوب ما يجب فيه من الزكاة، و هو قاض بسقوط اعتبار النصاب الأوّل؛ لما مرّ من نفي التثنية في الصدقة.

و إنّ المتيقّن ممّا ورد في النصاب الأوّل اعتباره فيما لا يبلغ إلى النصاب الذي بعده، فبعد فرض بلوغه إليه (و لو في اشناء الحول لا يظهر اندراجه في ما دل عليه، بل اندراجه و ظاهر في ما فرض بلوغه إليه) (3) فينبغي البناء عليه.

و يضعفه أنّ البناء على ذلك قد يفضي إلى سقوط الزكاة عن المالك لو فرض حصول الزيادة كذلك قبل حلول الحول بالنسبة إلى كلّ عام.

و هو بيّن الفساد؛ مضافا إلى أنّه مع تقضّي بعض الحول على النصاب الأوّل تعلّق به الحكم بوجوب الزكاة على فرض الحلول، فيستصحب ذلك مع بقاء المال كما هو المفروض، و الانتقال منه إلى مراعاة النصاب الثاني في أثناء الحول غير معلوم، فيبنى على استصحاب

____________

(1) في (ألف): «استقلال».

(2) في (ألف): جاز.

(3) ما بين الهلالين مما أضيفت من (د).

176

الأوّل.

و يشكل بأنّه لا حكم شرعا قبل حلول الحول، و عدّ ما فرض حكما محلّ تأمّل.

و الحاصل أنّ المسألة لخلوّها عن النصّ محل إشكال، و يدور الأمر فيه بين وجوه ثلاثة:

البناء على النصاب الأوّل، و الحكم بعدم اعتبار الحول بما ألحق به حتى يتمّ الحول على النصاب المذكور، أو البناء على إسقاط ما مرّ من الحول على النصاب، و احتساب الجميع نصابا واحدا، و البناء على ملاحظة كلّ منهما نصابا مستقلا، فيراعي فيه ما يتبعه من الحكم.

فمراعاة الاحتياط في مثله هو الأولى إن لم نقل بتعيّنه.

و يجري الكلام في كلّ ملك جديد كذلك يكون بعد مضي الحول على النصاب السابق، بل و في مراتب الزيادة في النصاب الآخر.

الرابع: أنّه لو اتفق معاوضة الأنعام بغير جنسها في أثناء الحول سواء كان زكويا أو غيره فلا كلام في سقوط الحول إلّا أنّ هناك قولا للشيخ (1) بعدم انثلام الحول لو كان ذلك بقصد الفرار.

و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

و إن (2) عاوضها بجنسها كأربعين من الغنم بأربعين فالظاهر أيضا انثلام الحول لاختلاف المالين و عدم حلول الحول بالنسبة إلى شيء منهما.

و عن الشيخ (3): أنه لا يقطع الحول لصدق الاسم.

و فيه ما لا يخفى.

كيف و لو كان استمرار صدق ملك الأربعين كافيا في تحقق الوجوب و لو اختلف مصاديقها لجرى في غير صورة المعاوضة، و لا يظهر فيه قائل بالثبوت.

____________

(1) المبسوط 1/ 206.

(2) في (ألف): «ان» بلا واو.

(3) نقله عنه في الحدائق الناضرة 12/ 76.

177

تبصرة [في اشتراط أن لا تكون الإبل و البقر عوامل]

الرابع: أن لا تكون عوامل بالإجماع المعلوم و المنقول.

و قد خالف فيه مالك من ائمّة الخلاف.

و يدلّ عليه بعد الإجماع خصوص صحيحة الفضلاء: «ليس على العوامل من الإبل و البقر شيء، إنّما الصدقات على السائمة الراعية».

و قد ورد في عدة من (1) الروايات في جملتها الموثق ثبوت الزكاة على العوامل.

و قد تحمل على الاستحباب أو التقيّة؛ لما عرفت من أنّه مذهب مالك من العامة.

و هل يعتبر ذلك في أغلب الأحوال أو جميعها أو يناط بصدق الاسم؟ وجوه؛ أقواها الأخير إلّا ما كان من قبيل التسامح العرفي.

و عن الشيخ (2) النصّ على اعتبار الأغلبيّة.

و هو ضعيف، فيرجع في العمل و مدّته إلى العرف بحيث يصدق معه اسم العامل عليه.

و مجرد صدقه في العرف قاض بانثلام الحول.

و لو عمل بها غير المالك من غير اذنه مع عدم خروجها عن سلطان المالك فالظاهر جريان الحكم. و الأظهر استقلال أولادها في الحكم، فلا يحكم فيها بتبعيّة الأمّهات في سقوط الزكاة، و إن كانت (3) زمن الرضاع بناء على الاعتبار بحال النتاج، و إن قلنا بتبعيّتها في مسألة السوم.

____________

(1) لفظة «من» ليست في (ألف).

(2) الخلاف 2/ 53.

(3) في (د) زيادة: «في».

178

و أن (1) كان عشر من الإبل من شخصين تعمل أحدهما في السنة بمقدار حصّته سقط الزكاة من (2) الآخر.

____________

(1) في (د): «و لو».

(2) في (د): «عن».

179

البحث الثاني في اللواحق

تبصرة [في مصاديق الغنم]

ذهب جماعة من الأصحاب إلى أنّ أقل ما يؤخذ من الغنم في الزكاة أن يكون جذعا من الضأن و ثنيا من المعز.

و في الحدائق (1) حكاية الشهرة عليه.

و عن الخلاف (2) حكاية الإجماع عليه.

و عن جماعة من أفاضل المتأخرين منهم السيد في المدارك (3): إن الواجب ما يسمّى شاة.

و اختاره في الحدائق (4).

و لا يخلو عن قوّة؛ لظواهر الإطلاقات في تلك المقامات من غير إشارة فيها إلى اعتبار خصوص شيء من الأسنان، فيدور الحكم مدار الاسم.

و الوجه في الأوّل بعد الإجماع المحكي و الاحتياط رواية سويد بن غفله: أتانا مصدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و قال: «نهانا أن نأخذ المراضع، و أمرنا أن نأخذ الجذعة و الثنية.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 66.

(2) الخلاف 2/ 24.

(3) نقله عنه في الحدائق الناضرة 12/ 76.

(4) الحدائق الناضرة 12/ 66.

180

كذا احتجّ بها في المعتبر (1) و التذكرة (2) و غيرهما.

و ظاهر المنتهى (3) كما ترى غير واف بالمقصود، إذ لا اشارة فيها إلى التفصيل المذكور، فالأولى الاحتجاج له بما رواه في التذكرة (4) عن سويد بن عقبة أيضا، قال: أتانا مصدق رسول اللّه فقال: أمرنا أن نأخذ الجذع من الضأن و الثني من المعز.

و الظاهر اتحاد المحكي في المقامين، فالثاني بيان لما أجمل في الأوّل.

مضافا إلى أنّ الزكاة إنّما تتعلّق بالعين، و ليس فيما تعلق به الحق ما دون الست أو السبع أو الثمان، فجواز إخراجها يحتاج إلى الدليل، و قضية الأصل المنع.

و فيها أنّ حكاية الإجماع موهونة في المقام؛ لشيوع الخلاف. و الرواية غير موجودة في اصول الأصحاب، فالظاهر أنّها من روايات العامة، فيشكل الاعتماد عليها في تقييد تلك الإطلاقات.

و الأصل المذكور لا يتمّ في الشيء بناء على حلول (5) الحول بدخول الثاني عشر كما هو المشهور.

على أنّ الإطلاقات كافية في دفعه.

و كيف كان، فالمسألة مشكلة، و الوقوف على ما ذكروه أحوط.

بقي الكلام في تفسير الجذع و الثني:

فحكى الشيخ (6) و العلامة (7) عن ابن الأعرابى أن الجذع من الضأن ما بلغ ستة (8) أشهر إن

____________

(1) المعتبر 2/ 512.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 107.

(3) منتهى المطلب 1/ 491.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 108.

(5) في (ألف): «حول».

(6) المبسوط 1/ 199.

(7) تذكرة الفقهاء 5/ 107.

(8) في المبسوط و التذكرة: «سبعة».

181

كان بين شاتين (1)، و إن كان من هرمين فلا يقال جذع حتى يستكمل ثمانية أشهر. و هو جذع أبدا حتّى يستكمل سنة.

و ذكر أنه إنّما قيل جذع في الضأن إذا بلغ سبعة أشهر و أجزأ في الأضحية؛ لأنّه إذا بلغ هذا الوقت كان له نزو و ضراب، و المعز لا ينزو حتى يدخل في السنة الثانية.

و عن الجوهري (2): إن الجذع يقال لولد الشاة في السنة الثانية. و قد قيل في ولد النتيجة (3) أنه يجذع في ستة أشهر أو تسعة. و ذلك جائز في الأضحيّة.

و عن الفيروزآبادي (4): إنّه يقال لولد الشاة في السنة الثانية.

و عن ابن الأثير (5) إنّه من البقر و المعز ما دخل في. الثانية و قيل: البقر في الثالثة، و من الضأن ما تمت له سنة:

و عن الأزهري (6): الجذع من المعز لسنة، و من الضّأن لثمانية أشهر. و نحوه عن المطرزي (7).

و عن الفيومي (8): و الجذع ولد الشاة في السنة الثانية.

و نقل عن ابن الأعرابي أنّ الأجذع من الضّأن إذا كان من شابين يجذع لستّة أشهر إلى سبعة أشهر، و إذا كان من هرمين (9) و أجذع من ثمانية إلى عشرة.

و لا يخفى ما في كلماتهم من الاختلاف.

____________

(1) في (د): «شابّين».

(2) الصحاح 3/ 1194 (جذع).

(3) في (د): «النعجة».

(4) القاموس المحيط 3/ 12 (جذع).

(5) النهاية في غريب الحديث 1/ 250 (جذع).

(6) نقل عنه في تاج العروس 11/ 58 (جذع).

(7) نقل عنه في مجمع البحرين 1/ 355 (جذع).

(8) المصباح المنير 1/ 94 (جذع).

(9) ليس في (د): «و».

182

و في تفسير الجذع من الضّأن و إن اتفقت في تفسير الجذع من المعز بأنّها ما كملت سنة و دخلت في الثانية، و كلام أكثر (1) أهل اللغة يقيّد أن الجذع من الضّأن ما كملت له سنة إلّا أنّه غير موافق لظاهر كلمات الأصحاب و ما ذكره غير واحد من أهل اللغة كما حكي عن ابن الأعرابي و الأزهري و المطرزي و غيرهم.

و الأظهر صدقه مع إكمال الثمانية. و في السبع أيضا وجه قوي تقديما لقول المثبت سيّما مع موافقته لكلام جماعة من الأصحاب.

و أمّا الثني من المعز فعن الشيخ (2) و العلّامة (3) أنّه ما دخل في [الثانية]، و في الشاة ما دخل في الثانية (4).

و عن الجوهري (5) و الفيومي (6) و المطرزي و الفيروزآبادي: أنّه يكون في الظلف و الحافر في السنة الثالثة.

و عن النهاية: الثنيه من الغنم ما دخل في السنة الثالثة، و من ذوات الخفّ في السنة السادسة، ثمّ قال (7): و على ما ذكرناه من معرفة الثني الجمع من أهل اللغة. و قيل: الثني من الخيل ما دخل في الرابعة، و من المعز ما له سنة و دخل في الثانية.

فظهر ممّا نقلناه أنّ كلام الأكثر متّفق على أنّ الثني من المعز ما دخل في الثالثة.

و الاكتفاء فيه بالدخول في الثانية ممّا حكاه في المجمل عن البعض، و لم يعيّن قائله، فلا عبرة به في مقابلة الجماعة.

____________

(1) في (ألف): «أكثر هؤلاء».

(2) المبسوط 1/ 199.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 107.

(4) المبسوط 1/ 199.

(5) الصحاح 6/ 2295 (ثنى).

(6) المصباح المنير 1/ 85 (ثنى).

(7) ذكر العبارة كلها في مجمع البحرين 1/ 330 (ثنى)، و لم نجده في النهاية المطبوع.

183

و قد حكي عن جماعة من الفقهاء (1) تفسير الثني بما دخل في الثانية، و قد حكي الشهرة عليه.

و في الفقه الرضوي (2) فيما يجزى من الأضاحي و يجزى من المعز و البقر الثني، و هو الّذي تمّ له سنة دخل في الثانية.

و نحوه ذكر الصدوق (رحمه اللّه) في الفقيه (3).

و بذلك يتقوّى القول المذكور؛ إذ العمدة في أصل المسألة اعتضادها بفتوى الأكثر، و القدر الّذي يثبت به حينئذ هو الثني المذكور.

مضافا إلى اعتضاده أيضا بما عرفت إلّا أنّه لمعارضته لكلام أهل اللغة لا يخلو من إشكال، فمراعاة الاحتياط فيه مهما أمكن أولى.

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 224، المقنع: 273، المقنعة: 418.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 224.

(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 492.

184

تبصرة [في المريضة و الهرمة و ذات العوار]

لا يؤخذ المريضة و لا الهرمة و لا ذات العوار مما (1) مرّ على خلاف ذلك، بلا خلاف يعرف فيه.

و في المنتهى (2): إنّه لا يعرف فيه خلافا.

و عزاه في المدارك (3) إلى مذهب الأصحاب.

و في الحدائق (4): إن الحكم مجمع عليه.

و احتجّوا عليه بظاهر قوله تعالى (وَ لٰا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ).

و صحيحة محمد بن قيس الواردة في الغنم: «و لا تؤخذ هرمة و لا ذات عوار إلّا أن يشاء المصدق (5).

و قد ورد نحو منه في بعض الروايات العاميّة (6) بزيادة التيس.

فالمريضة إما أن تندرج في ذات العوار؛ إذ المراد به العيب و المرض من أعظم العيوب أو لجريان الحكم فيها بالأولى.

مضافا إلى أن الزكاة متعلّق (7) بالعين كما سيأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه، فيثبت الحق على

____________

(1) في (د): «هو».

(2) منتهى المطلب 1/ 485.

(3) مدارك الأحكام 5/ 94.

(4) الحدائق الناضرة 12/ 65.

(5) الإستبصار 2/ 23، باب زكاة الغنم ح 2.

(6) صحيح البخارى 2/ 124، سنن أبي داود/ 351.

(7) في (د): «تتعلق».

185

نحو ما تكون العين، و جواز إخراج الأدون من العين في الصفات إنّما يثبت بالدليل، و لا دليل عليه في المقام، فقضية الأصل المنع، فتأمل.

و كيف كان، فالحكم ممّا لا ينبغي التأمّل فيه من غير فرق فيه بين الأنعام الثلاث.

و الصحيحة المذكورة و إن وردت في خصوص الغنم إلّا أنّ فيها دلالة على حكم غيرها بالفحوى.

مضافا إلى عدم القول بالفصل.

[تنبيهات]

و هاهنا أمور ينبغي الإشارة إليها:

أحدها: ظاهر الصحيحة المتقدمة جواز الدفع إذا رضي المصدق بها،

و كأن المراد به ما إذا كانت هناك مصلحة قاضية به، و الّا فمجرد رضاء المصدّق ممّا لا مدخل له في حقّ الفقير.

و حينئذ فقد يقال بجواز الدفع مع عدمه أيضا، و هو مخالف لظاهر المذهب.

ثانيها: لو كان النعم كلّها مراضا لم يكلّف شراء الصحيحة،

و صحّ إخراج المريضة إجماعا كما في الحدائق (1).

و عزاه في المنتهى (2) إلى علمائنا مؤذنا بالإجماع عليه.

و في المدارك (3): إنه مقطوع به في كلام الأصحاب.

و هو أيضا (4) ظاهر بملاحظة القواعد؛ لما عرفت من تعلّق الزكاة بالعين، فلا يكلّف بإخراج ما عدا الموجود.

و كذا الحال في سائر العيوب و الهرم.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 66.

(2) منتهى المطلب 1/ 485.

(3) مدارك الأحكام 5/ 104.

(4) لم ترد في «أيضا».

186

و يعزى إلى بعض العامة (1) تكليفه بدفع الصحيحة؛ أخذا بظاهر الرواية.

و هو ضعيف، و إن احتمل في المدارك (2) المصير إليه.

و لو كانت ممتزجة من الصحيح و المريض فإن كان مقدار النصاب منها صحاحا فكذلك أيضا، و يختص المراض بالعفو في وجه قويّ.

و لو كان النصاب ملفقا من الأمرين فظاهر جماعة من الأصحاب القطع بوجوب دفع الصحيحة الخالية عن العيب.

و هو قوي؛ أخذا بإطلاق الدليل المتقدم.

و يحتمل البناء على التقسيط كما هو قضية الأصل؛ إذ الفقير شريك بالنسبة.

و يتقوى ذلك مع كون الأكثر على خلاف الوصف سيّما إذا انحصر الصحيح السليم بالقدر المخرج.

و في الحدائق (3): إنّ الممتزج يخرج منه بالنسبة.

و هو كما ترى خروج عن إطلاق النصّ إلّا انّه ليس ببعيد.

و لو تجدّد بعد تعلّق الوجوب قوي احتمال التقسيط مع انتفاء التفريط كما إذا تلف بعض النصاب؛ فإنّ ذهاب الصفة كذهاب العين.

و يحتمل أيضا لزوم مراعاة الوصف وقوفا على ظاهر الإطلاق.

و لو كان النصاب ملفقا من المريضة و الهرمة و ذات العوار فهل يتخير في الإخراج أو يتعين إخراج الأعلى منها أو يعتبر التقسيط؟ وجوه.

ثالثها: لو كان النصاب من أصناف متعددة

كالعراب و البخاتي (4) و البقر و الجاموس و الشاة و المعز، فهل يتخير المالك في إخراج ما شاء و إن تفاوت القيمة أو أنّه يجب التقسيط

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 485، مدارك الأحكام 5/ 104.

(2) مدارك الأحكام 5/ 104.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 66.

(4) العراب البخاتي نوعان من الإبل كما في بدائع الصنائع 2/ 30.

187

و الأخذ من كلّ بقسطه أو أنّه يناط الحكم بتفاوت القيم، فمع الاختلاف يقسط و إلّا فالتخيير؟

أقوال.

فالأول مختار صاحب الحدائق (1)، و هو الأظهر؛ أخذا بظاهر الإطلاق، و إنّ الاختلاف في القيمة لو كان مرعيّا في الزكاة لزم مراعاته مع اتحاد الصنف.

و هو خلاف ما يعطيه الأخبار و كلام الأصحاب، بل الظاهر أنّه خلاف الإجماع.

و مع البناء على عدم اعتباره هناك فلا وجه لمراعاته في المقام مع خلو الأخبار عن اعتباره.

و الثاني مختار جماعة من الأصحاب. و في الحدائق (2): إنّه أشهر بل حكى فيه الشهرة عليه.

و الوجه فيه تعلّق الزكاة بالعين، و مقتضى الاشتراك التقسيط.

و الثالث مختار البعض. و في الحدائق (3): إنّه أحوط.

و الوجه فيه ظاهر ممّا ذكر.

و يدفعهما أنّ تعلّق الزكاة بالعين لا يقضي بذلك؛ فإن الكلام حينئذ في كيفية أصل الاستحقاق.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 71.

(2) الحدائق الناضرة 12/ 71.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 72.

188

تبصرة [في الأكولة و فحل الضراب و الرّبى]

لا يؤخذ (1) الأكولة و لا فحل الضراب و لا الربّى على المعروف من المذهب، بل لا يظهر فيه خلاف. مضافا إلى أنّ الاكولة و فحل الضراب مندرجان في كرايم الأموال، و قد ورد النهي من التعرض لها للموثق (2): «لا تؤخذ الأكولة و الأكولة الكبيرة من الشاة تكون في الغنم و (3) و لا والد و لا الكبش الفحل».

و في الصحيح (4): «ليس في الأكيلة و لا في الربّى التي تربّي اثنين و لا شاة لبن و لا فحل الغنم صدقة».

و كأن المقصود في الرواية عدم أخذ المذكورات في الصدقة لا عدم تعلّق الزكاة بها رأسا للاتفاق ظاهرا على عدّ شاة اللبن و قرب حملها على المعنى المذكور.

و كيف كان، فلا ينبغي التأمل في الحكم بعد وروده في المعتبر و اعتضاده بفتوى الأصحاب، مضافا إلى أنّ الأكولة و فحل الضراب مندرجان في كرايم الأموال.

و قد ورد النهي عن التعرض لها و إنّما الكلام هنا في امور: أحدها: اختلف كلام أهل اللغة في تفسير الأكولة، ففي النهاية (5) و غيرها (6): إنّها التي تسمن للأكل.

____________

(1) في (د): «لؤخذ».

(2) من لا يحضره الفقيه 2/ 28، باب صدقة الانعام ح 1609.

(3) الواو زيدت من (د).

(4) الكافي 3/ 535، باب صدقة الغنم ح 2.

(5) النهاية في غريب الحديث 1/ 58.

(6) لسان العرب 11/ 29 (أكل) عن أبي عبيد.

189

و اختاره في الشرائع (1) حيث فسّرها بالسمينة المعدة للأكل.

و قد يرجع إليه ما في الروضة (2) من تفسيرها بالمعدة للأكل. و قريب من ذلك ما في القاموس (3) من أنه العاقر من الشياه تعزل للأكل كالأكيل.

و قيل: إنها الهرمة.

و قيل: إنها الخصيّ.

و قيل: إنها العاقر.

و حكى هذه الأقوال الثلاثة في النهاية الأثيرية. و قد فسرت في الموثقة المتقدمة بالكبيرة من الشاة. و لا يخلو عن إجمال، فإن اريد منها الكبيرة في السن انطبق على ما ذكر من تفسيرها بالهرمة، فيرجع إلى ما تقدم من عدم أخذ الهرمة، إلّا أنّه خلاف ظاهر الأكثر في تفسيرها.

و إن اريد بها الكبيرة في المقدار لم ينطبق على تفسيرهم.

و ربّما يرجع إلى تفسيرها بالسمينة المعدّة للأكل.

ثم إنّ ظاهر الرواية و غيرها اختصاصها بالشاة و قد يعطي إطلاق بعضهم إطلاقها على سائر الأنعام.

و يمكن تنزيلها على خصوص الشاة، و المراد بفحل الضراب: الفحل المعدّ لذلك أو المتأهل له و إن لم يعد لذلك كما هو ظاهر الإطلاق.

و يحتمل انصرافه عنها إلى الأول.

و هل يعمّ سائر الأنعام أو يختص بالشاة؟ وجهان.

و المعروف في تفسير الربّى أنها الولد و اختلفوا في القدر الذي يصدق عليه الاسم بعد

____________

(1) شرائع الإسلام 1/ 113.

(2) الروضة البهية 2/ 27.

(3) القاموس المحيط 3/ 329.

190

الولادة، فقيل: إلى خمسة عشر يوما، و قيل: إلى خمسين. حكاه في الشرائع (1)، و قطع في الروضة (2) بالأوّل.

و في المدارك (3): لم أقف على مستند لشيء من التحديدين.

و في المصباح (4): هي ربّى ما بينها و بين شهر.

و فسرها الجوهري (5) بالتي وضعت جديدا و لم يحدّوه بالأيّام.

و في النهاية (6): قيل: هي الشاة القريبة العهد بالولادة. و اختار هو تفسيرها بالتي تربى في البيت من الغنم لأجل اللبن.

قلت: و كأنّه تفسير آخر لا يراد في المقام لكونها إذن معلوفة.

ثم انّ هناك اختلافا آخر بين أهل اللغة [في] موضوعها، فقيل: إنّها من المعز، و قيل: من المعز و الضّأن، و ربّما جاء في الإبل أيضا.

و كيف كان، فالظاهر في المقام الرجوع في التسمية إلى العرف، [و] في محلّ الشك يبنى على الأخذ بالإطلاقات.

و بعض تعليلاتهم في بعضها يعمّ سائر الأنعام، فلو تمّ الاستناد إليه في استنباط الحكم صحّ الأخذ بما يقتضيه، و إلّا فالبناء على ما ذكرناه.

هذا، و قد فسّر الرّبى في الصحيحة (7) المتقدمة بالتي تربّي اثنين. و يمكن أن يحمل الرواية على تقييد الحكم المذكور فيها دون التسمية.

و ظاهر الأصحاب تعميم الحكم، و هو قضية إطلاق الموثقة، فكأنّه الأظهر.

____________

(1) شرايع الإسلام 1/ 113.

(2) الروضة البهية 2/ 27.

(3) مدارك الأحكام 5/ 105.

(4) نقله عن الازهري في مدارك الأحكام 5/ 105، و لم نجده في المصباح المنير.

(5) الصحاح 1/ 131 (ربى) و فيه: وضعت حديثا.

(6) النهاية في غريب الحديث 2/ 180 (ربى).

(7) الكافي 3/ 535، باب صدقة الغنم ح 2.

191

و ليست الصحيحة صريحة (1) في المخالفة. و اختار في الحدائق (2) حمل إطلاق الأوّل على المقيّد. و هو بعيد.

ثمّ اختلفوا في تعليل الحكم فقيل: إن في أخذها (3) إضرار بولدها. ذكره الفاضلان.

و قيل: لأنّها مريضة (4). و استوجه الشهيد الثاني (5) معلّلا بأنّها نفساء، و النفساء مريضة، و من ثمّ لا يقام الحدّ عليها.

و يثمر الوجهان فيما إذا رضي المالك بدفعها فيما إذا مات ولدها أو استغنى عن أبيه (6) بغيرها.

ثمّ إنها (7) يضعف الأخير بأنّ المرجع في صدق المرض إلى العرف، و اندراج ذلك فيه محلّ تأمل بل الظاهر من العرف خلافه، و عدم إقامة الحد على النفساء يقضي بكونها مريضة.

ثانيها: لو تعدّدت فحول الضراب جرى الحكم في الكل (8) و كذا الحال في الأكولة و الربّى. نعم، لو استوعب النصاب فالظاهر الإخراج منها سيّما بعد الحكم بتعلّق الزكاة بالعين.

و يحتمل القول بعدم إخراج شيء منها و الدفع من غيرها أو دفع القيمة منها.

و يجري ذلك أيضا فيما لو تلفّق النصاب منها.

ثالثها: لو دفع المالك شيئا من المذكورات جاز الدفع و من الواجب؛ إذ المقصود من عدم أخذها مراعاة المالك و الارتفاق به، فلو تبرّع بدفعها لم يكن هناك مانع من أخذها.

و قد يقال بأنّ عدم تعلّق الوجوب بها قاض بعدم احتسابها من الفريضة، و إن كان ذلك

____________

(1) في (ألف): «الصريحة».

(2) الحدائق الناضرة 12/ 69.

(3) في (ألف): «أحدها».

(4) في (ألف): «فريضة».

(5) مسالك الإفهام 1/ 382.

(6) في (د): «أمه».

(7) في (د): «أنه».

(8) لم ترد في (ب): «في الكلّ .. بعد الحكم».

192

لمصلحة المالك.

نعم، إنما يصحّ دفعها من باب القيمة. و هو بعيد؛ إذ ظاهر الدليل عدم سلطان العامل على أخذها و هو لا يقضي بعدم سلطان المالك على ذلك مع قضاء الإطلاق (1) به.

هذا إذا فسّرت المذكورات بما لا يشتمل على صفة نقص، و أما لو فسّر بعضها بما فيه نقص- كما مرّ- فلا فائدة في رضا المالك بدفعه.

ثم إنّه قد تستشكل (2) في المقام بأنّه مع جواز دفعها في الصدقة و أداء الفريضة بها لا ثمرة للحكم المذكور؛ إذ ليس للفقير و العامل إجبار المالك على دفع عين مخصوصة؛ لتخيره في دفع ما شاء مع الخلو عن صفات النقص المتقدمة، فكما لا يصح إجبار المالك على دفع المذكورات لا يصحّ إجباره بالنسبة إلى ما عداها أيضا، و كما يتحقّق دفع الواجب مع إقدام المالك عليه في غيرها يتحقّق ذلك بالنسبة إليها أيضا.

و يمكن أن يقال: إنّ ذلك إنّما يثمر فيها لو امتنع المالك عن أداء الحق، فإنّه لا يقهر على دفع شيء من المذكورات بخلاف غيرها.

و ربّما يقال أيضا بإثماره في صحّة تصرف المالك فيما قبل الضمان لعدم تعلّق حق الفقير بها بخلاف غيرها، و كذا في تلفها بعد حلول الحول فلا ينقص شيء من الزكاة بتلف شيء منها لتعين الحق في غيرها.

و يشكل الحال فيهما بأنّ عدّها في النصاب قاض بتعلّق الزكاة بها أيضا غاية الأمر الارتفاق بالمالك في عدم أخذها، و ذلك لا يقضي بعدم تعلّق حق الفقير بها أصلا حتى يصحّ التصرف فيها بدون الضمان، و لا يسقط شيء من حقّ الفقير بتلفها بعد الحول، و يجري ذلك بعينه في التصرّف فيما هو بخلاف الصفات المعتبرة في الفريضة.

و كأن الأظهر هنا و هناك المنع من التصرف بدون الضمان، و كذا السقوط من الزكاة

____________

(1) في (د): «الاطلاقات».

(2) في (د): «يستشكل».

193

بالنسبة مع تلف (1) ما هو بخلاف الصفة.

رابعها: ظاهر المشهور عدّ الأكولة و فحل الضراب في النصاب.

و في المدارك (2): إنه ظاهر الأكثر.

و في الحدائق (3): إنه المشهور.

و أمّا الربّى فظاهرهم الاتفاق على عدّها. و قد حكى في المدارك (4) اتفاقهم عليه ظاهرا.

و عن جماعة من الأصحاب- منهم الفاضلان (رحمه اللّه) في النافع (5) و القواعد، و الشهيد في اللمعة (6)- عدم عدّ الأوليين في النصاب.

و اختاره في الحدائق (7)، ثمّ قال: إن القول بعدم عدّ شاة اللّبن و الربّي غير بعيد.

و ظاهر عبارة المحقق الأردبيلي (8) ذلك أيضا.

و عن صاحب المفاتيح التردد في المقام.

و الأظهر هو الأوّل؛ لظاهر الإطلاقات الكثيرة المؤيّدة بالعمل و الاحتياط للمالك مع عدم إشعار شيء من الأخبار بخروج المذكورات مع عموم البلوى بذلك، و ظاهر الموثقة المتقدّمة الناهية عن أخذها فإنّها تومى إلى عدّها.

و الصحيحة المتقدمة و إن دلّت بظاهرها على عدم العدّ إلّا أنها لاشتمالها على شاة اللبن و الربّى لا بدّ من حملها على عدم الأخذ؛ إذ لا يظهر قائل من الأصحاب بعدم عدّهما في النصاب سوى شذوذ من المتأخرين حيث مالوا إلى العمل بمضمونها سيّما إذا فسّرت شاة اللبن

____________

(1) في (ألف): «ألف».

(2) مدارك الأحكام 5/ 106.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 70.

(4) مدارك الأحكام 5/ 107.

(5) المختصر النافع: 56.

(6) اللمعة الدمشقية: 42.

(7) الحدائق الناضرة 12/ 69.

(8) مجمع الفائدة 4/ 78.

194

بذات اللبن كما هو الظاهر من إطلاقها؛ فإنّ القول بعدم عدّها حينئذ ممّا ينبغي القطع بفساده.

و كيف كان، فلا ينبغي التأمّل في عدّ الأخيرتين، و بذلك يسهل الخطب في الأوليين.

و ما في الحدائق (1) من أنّه بعد تسليم الإجماع على عدّ الأخيرتين و ترجيحه على الخبر فأيّ مانع من العمل بالخبر المذكور في الباقي؟ ممّا لا (2) يتمّ فيه إجماع، و لا دليل على ما ينافيه.

و هل هو إلّا من قبيل العام المخصوص، مدفوع بأنّ المراد أنّ قيام الإجماع على عدّ الأخيرين قرينة صرف الخبر عن ظاهره و حمله على المعنى المذكور، و ليس الغرض جعل ذلك باعثا على طرح الخبر.

و مع الغضّ عن ذلك فلا ريب في كون ذلك موهنا للرواية المذكورة، فيرجّح الاخذ بما يقابلها في مقام الترجيح، سيّما مع اعتضاد ذلك ببعض المؤيّدات كما عرفت.

و جعله من قبيل العام المخصوص غير متّجه؛ إذ ليس التخصيص طرحا للعام، و إنّما هو بيان للمقصود بخلاف المقام.

و قد عرفت بما قرّرناه الوجه في سائر الأقوال و ضعفها.

خامسها: لو كان النصاب ملفّقا ممّا لا يؤخذ لكماله و ممّا لا يؤخذ لنقصه، فهل يتعيّن عليه الدفع من غيره أو يرجع فيه إلى القيمة أو يتعيّن عليه دفع الكامل إيفاء (3) لحق الفقراء و أخذا بالاحتياط لو يجتزي منه حينئذ بدفع الناقص لمناسبة الارتفاق بالمالك؟ وجوه؛ و مراعاة الاحتياط في ذلك ممّا لا ينبغي تركها.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 70.

(2) في (د): «لم».

(3) في (ب): «إبقاء».

195

تبصرة [في تعدّد ما هو بصفة الواجب]

يتخيّر المالك في دفع ما شاء مع تعدّد ما هو بصفة الواجب كما يقتضيه ظاهر (1) الأخبار.

و هو المستفاد من ظاهر معظم الأصحاب.

و عن الشيخ (2) و جماعة: أنه إذا وقعت المشاحة في تعيين الواجب في الإبل مع تعدّد ما هو بالصفة (3) يقسم ما جمع الوصف قسمين ثمّ يقرع بينهما، و هكذا حتى يبقى قدر الواجب.

و لا يعرف المستند فيه، و كأنّه من جهة إبهام الحق فيستخرج بالقرعة.

و يدفعه [...] (4).

____________

(1) لم ترد في ب: «كما يقتضيه ظاهر .. تعيين الواجب».

(2) المبسوط 1/ 195.

(3) في (د): «الصفة».

(4) العبارة غير تامة، و في الأصل بياض.

196

تبصرة [في زكاة العين المستقرضة]

زكاة العين المستقرضة اذا حال عليها الحول على المقترض دون المقرض بلا خلاف فيه ظاهرا، و مصرحا به في الخلاف (1) و السرائر (2).

و في التنقيح: إنّ ذلك مذهب الأصحاب مؤذنا بالإجماع عليه.

و ربّما يستفاد من الوسيلة (3) وجوب الزكاة على المقرض مع ردّ المستقرض و إبائه عن الأخذ حيث قال: إنّه إذا لم يأخذ المال من المستقرض و هو يرد عليه وجب فيه الزكاة.

و يمكن حمله على الدين، فيرجع إلى المسألة المتقدمة.

و قد يوجّه بنحو آخر يأتي الإشارة إليه إن شاء اللّه.

و ربّما يستفاد من إطلاق جماعة في المسألة المتقدمة من ثبوت زكاة الدين على الديّان إذا كان (المديون باذلا، و ثبوتها على المديون مع عدمه وجب زكاة القرض على المقرض إذا كان) (4) باذلا لعين القرض؛ بناء على وجوب قبول المقرض (5) إذا بذله سيّما بما مرّ عن شرح الجمل من قوله: و إذا كان المستدين قد رام دفع مال المقرض إلى من ملكه فلم يقبضه المالك و أخّره، و هو بحيث يتمكن من الصرف (6) فيه لم يكن على المقترض شيء، و كانت الزكاة على المالك دون المقترض.

____________

(1) الخلاف 2/ 110.

(2) السرائر 1/ 444.

(3) الوسيلة: 127.

(4) ما بين الهلالين زيدت من (د).

(5) في (د) زيادة «له».

(6) في (د): «التصرف».

197

و قد ينزّل كلامهم على غير عين القرض لما نصّوا عليه من عدم وجوب زكاته على المستقرض من غير تفصيل، لكن غير واحد من الكتب المذكورة خال من اختصاص مال القرض بالحكم المذكور.

و كيف كان، فلا تأمّل فيما ذكرناه من الحكم.

و يدلّ عليه بعد ما عرفت ممّا ذكرناه في مال الدين؛ مضافا إلى ظهور دعوى الإجماع عليه من جماعة كما مرّ المعتبرة المستفيضة المشتملة على (1) غير واحد من الصحاح و غيرها المعتضدة بالعمل.

و لو شرط زكاتها على المقرض فهل يجب حينئذ على المقرض و يسقط من المقترض؟

أقوال:

أحدها: فساد الشرط، فلا يجب بذلك على المقرض شيء. ذهب إليه جماعة منهم الحلي في السرائر (2)، و العلّامة في التذكرة (3) و زكاة المختلف (4)، و ولده في الايضاح (5)، و الشهيد في الدروس (6) و البيان (7)، و السيوري في التنقيح، و المحقق الكركي في جامع المقاصد.

و في المسالك (8): إنه المشهور.

و عزاه في المدارك (9) إلى الأكثر.

و قضية الحكم بقضاء الشرط الفاسد العقد المشتمل عليه فساد القرض أيضا.

____________

(1) ليس في (د) «على».

(2) الخلاف 2/ 110.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 30.

(4) مختلف الشيعة 3/ 163.

(5) إيضاح الفوائد 1/ 171.

(6) الدروس 1/ 231.

(7) البيان: 166.

(8) مسالك الإفهام 1/ 387.

(9) مدارك الأحكام 5/ 124.

198

و قد نصّ عليه الشهيد في الدروس (1) حيث قال: إنّ الأقرب إبطال الملك أيضا، لكنّ المستفاد من صريح بعض الكتب المذكورة و فحوى الثاني (2) صحة القرض.

و قد عزا القول المذكور في المختلف (3) إلى عليّ بن بابويه في الرسالة، و العماني و المفيد في المقنعة (4)، و الشيخ في زكاة النهاية (5).

و كأنّه لاطلاقهم وجوب زكاة القرض على المستقرض كما هو الحال في عبارة المقنعة (6) و زكاة النهاية (7).

و هو كما ترى.

و ثانيها: صحّة الشرط، و وجوب الزكاة (8) على المقرض و سقوطها عن المستقرض.

ذهب إليه الشيخ في النهاية (9) و القاضي في شرح الحمل، و العلّامة في قرض المختلف (10).

و حكاه عن الطوسي أيضا، و لم نجد ذلك في الوسيلة (11).

نعم، حكم فيها بصحّة الشرط المذكور، و هي أعمّ ممّا ذكر.

و ربّما يظهر القول به عن الصدوقين حيث حكما في الرسالة و الفقيه (12) و المقنع (13) بأنه لو

____________

(1) الدروس 1/ 231.

(2) في (د): «الباقى».

(3) مختلف الشيعة 3/ 163.

(4) المقنعة: 239.

(5) النهاية: 312.

(6) المقنعة: 239.

(7) النهاية: 312.

(8) في (د) زيادة «حينئذ».

(9) النهاية: 312.

(10) مختلف الشيعة 5/ 393.

(11) راجع: الوسيلة: 127.

(12) من لا يحضره الفقيه 2/ 21.

(13) المقنع: 169.

199

باع شيئا و شرط زكاة الثمن سنة أو سنتين أو أكثر على المشتري لزمه ذلك دونه.

و اختاره صاحب الحدائق (1).

ثالثها: القول بصحّة الشرط المذكور و وجوب الزكاة على المقرض، لكن لا يسقط عن المقترض إلّا بأدائها دون مجرد الاشتراط عليه. ذهب إليه في المسالك (2) و المدارك (3) و الذخيرة (4) و الرياض (5).

و يحتمله عبارة الوسيلة. و هو الأظهر؛ أخذا بإطلاق ما دلّ على لزوم الوفاء بالشروط و العقود و القرض من العقود اللازمة في نقل الملك إلى المقترض و عدم جواز ارتجاع المقرض في عينه كما هو الأظهر، و المعزى إلى الأكثر.

فلا وجه لتخصيص الإطلاقين؛ لما اشتهر من كونه من العقود الجائزة، فلا يكون الشرط الحاصل في ضمنه لازما؛ إذ جوازه (6) معنى آخر غير ما هو المراد في سائر العقود الجائزة كما قرّر في محله.

نعم، ذهب الشيخ (7) (رحمه اللّه) إلى جوازه بالمعنى المشهور حيث جوّز ارتجاع العين المقترضة مع بقائها.

و فيه منافاة لما ذهب إليه هنا من لزوم الشرط و ما يدّعى من فساد الشرط المذكور؛ لمنافاته للمشروع حيث إنه اشتراط للعبادة على غير من يجب (8) عليه كاشتراط أداء الصلاة و الصيام على غير من تجبان عليه؛ بيّن الاندفاع.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 41.

(2) مسالك الإفهام 1/ 388.

(3) مدارك الأحكام 5/ 124.

(4) ذخيرة المعاد 1/ 426.

(5) رياض المسائل 5/ 48.

(6) في (د): «لجوازه».

(7) المبسوط 1/ 213.

(8) في (د): «تجب».

200

فإنّ ذلك إنّما يتم في العبادات الصرفة المطلوبة فيها المباشرة بخلاف الزكاة، فإنّها و إن كانت عبادة إلّا أن الملحوظ فيها جهة المالية، و لذا يصحّ التوكيل فيها، بل و أداؤها من المتبرع في وجه كما سيجيء إن شاء اللّه.

و قد دل النصّ الصحيح الآتي على جواز أداء المقرض لها، و سقوطها حينئذ عن المستقرض.

فإذا صحّ إتيان المتبرع بها جاز اشتراطها في ضمن العقد بأن يؤيّدها عن المقترض.

نعم، لو اشترط في ضمن العقد عدم وجوب الزكاة على المستقرض بحولان الحول على المال المقروض و وجوبها على المقرض- استقلالا أو بدلا عن المستقرض- من غير أن يجب عليه كان الشرط باطلا؛ لمخالفتة للمشروع؛ إذ لا وجه لسقوط الزكاة عن المالك مع استجماعه لشرائط الوجوب، و وجوبه على غيره على سبيل الاستقلال.

مضافا إلى ما سيأتي بيانه من تعلّق الزكاة بالعين.

و قد يحمل كلام المانعين على ذلك في مقابلة القائلين بسقوط الزكاة عن المستقرض.

و يؤيّده ظاهر ما استنده إليه من عدم مشروعية الشرط؛ فإنّه إنّما ينصرف إلى ذلك؛ إذ جواز أداء غير المالك لها مع إذن المالك ممّا لا يدخله ريب عندهم، فأيّ مانع إذن من اشتراطه، لكن سياق كلامهم في المقام كالصريح في خلاف ذلك، و إن لم يساعده الدليل المذكور.

و قد ظهر بما قرّرنا حجّة القائل بفساد الشرط المذكور و الجواب عنها.

و احتجّ عليه أيضا في المختلف بإطلاق الأخبار الدالّة على أن زكاة القرض على المستقرض دون المقرض.

و فيه كون (1) المستفاد من تلك الأخبار عدم وجوب زكاة القرض على المقرض بالأصالة لا عدم وجوبها عليه بعارض الاشتراط.

____________

(1) في (د) «أن».

201

و لو سلّم فأقصى ما يدلّ عليه وجوبها أصالة على المقترض مطلقا، و لا ينافي ذلك وجوب أدائها على المقرض عوضا عن المقترض من دون سقوطها عنه إلّا بأدائها كما هو أحد الأقوال في المسألة.

كيف، و لو شرطها على غير المالك في سائر الأموال الزكويّة لزم الأداء عنه من غير ان ينافي إطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة على المالك.

حجّة القائل بصحّة الاشتراط المذكور و انتقال الوجوب إلى ذمّة المقرض صحيحة منصور بن حازم في رجل استقرض مالا و حال عليه الحول و هو عنده، فقال: «إن كان الذي أقرضه يؤدّي زكاته فلا زكاة عليه، و إن كان لا يؤدي أدّى المستقرض» (1).

و احتجّ عليه في المختلف (2) بقوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم».

و في الحدائق (3) بما دلّ على صحّة اشتراط زكاة ثمن المبيع على المشتري، فمما يدلّ عليه صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «باع أبي من هشام بن عبد الملك أرضا بكذا و كذا ألف دينار و اشترط عليه زكاة المال عشر سنين، و إنّما فعل ذلك لأن هشام كان هو الوالي» (4).

و في الصحيح أيضا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «باع أبي أرضا من سليمان بن عبد الملك بمال و اشترط عليه في بيعه أن يزكّي هذا المال من عنده لستّ سنين» (5).

و في كتاب الفقه الرضوي (عليه السلام): «و إن بعت شيئا و قبضت ثمنه و اشترطت على المشتري زكاة سنة أو سنتين أو أكثر من ذلك فإنه يلزمه ذلك دونك».

و حكى عن الصدوقين أنهما عبّرا بمثل ذلك العبارة، قال (6): فمتى ثبت بهذه الأخبار صحّة

____________

(1) الكافي 3/ 520، باب زكاة مال الغائب و الدين و الوديعة ح 5.

(2) مختلف الشيعة 5/ 393 القرض.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 31.

(4) الكافي 3/ 524، باب ح 2.

(5) الكافي 3/ 524، باب ح 1.

(6) الحدائق الناضرة 12/ 42.

202

الشرط المذكور و أنّه سائغ و أن الزكاة تنتقل إلى ذمّة المشروط عليه، فلا فرق بين وقوعه و اشتراطه في بيع أو قرض أو غير هذا؛ عملا بما دلّ على أنّ المؤمنين عند شروطهم.

و الجواب أمّا عن الصحيحة فظاهر؛ إذ لا دلالة فيها على لزوم الشرط و لا اشتغال ذمّة المشترط عليه بذلك، و لا سقوطه بمجرد الاشتراط عن ذمة المشترط. غاية الأمر دلالتها على سقوطها عن المقترض بأداء المقرض، و هو غير المدّعى، بل فيها دلالة على وجوبها على المقترض مع عدم أداء المقرض لها، و لو مع الاشتراط إن قيل بشمولها لصورة الاشتراط، فهي بالاحتجاج بها على خلاف المدّعى أولى.

و لذا استند إليها بعضهم كغيرها من الإطلاقات في عدم سقوطها على المقترض، و لو مع الاشتراط.

و لا يخلو من وجه.

نعم، فيها دلالة على جواز التبرّع بأداء الزكاة عمن يجب عليه، فيفيد كون الشرط المذكور سائغا فلا يصلح بها الاحتجاج بما دلّ على لزوم الوفاء بالشروط، إلّا أن أقصى ما يقتضيه ذلك وجوب أداء المشروط عليه لذلك، و لا يستلزم براءة ذمّة المشترط بمجرّد ذلك كما لو شرط عليه في ضمن عقد لازم أداء ديونه؛ فإنّه لا يبرء بذلك ذمّة المديون، و إنّما يجب عليه، الوفاء بالشرط، و يبرء المديون عنه بأدائه لا بمجرّد اشتراطه.

و أمّا الصحيحتان الحاكيتان لفعل الباقر (عليه السلام)، فلا دلالة فيهما على سقوط الزكاة بسبب الاشتراط سيّما بالنسبة إلى من وقع الاشتراط معه (1).

____________

(1) هنا بياض في الأصل.

203

تبصرة [في تعيين أصناف المستحقين]

[الأول و الثاني الفقير و المسكين]

لا خلاف في كون أصناف المستحقين هي المذكورة في الكتاب كما دلت عليه الآية الشريفة (1) إلّا أنّ هناك خلافا في ترادف الفقير و المسكين و عدمه، فعلى الأوّل يكون المصارف في الحقيقة سبعة كما اختاره في الشرائع (2) بعد أن حكى فيه القولين و عزا القول به عن (3) بعض الناس، و حكاه في المدارك (4) عن جماعة.

و على الثاني تكون ثمانية (كما هو المعروف بين الأصحاب، بل ظاهر التذكرة (5) إجماع العلماء عليه حيث قال: أصناف المستحقين للزكاة ثمانية) (6) بإجماع العلماء، ثم ذكر الخلاف في كون المسكين أسوأ حالا من الفقير أو بالعكس.

و ظاهر ذلك الاتفاق على عدم المساواة كما هو الأظهر.

و هو المعروف من مذهب العامة و الخاصّة.

و يدل عليه بعض النصوص الصحيحة من طرقنا.

نعم، نصّ جماعة بإدراج كلّ منهما الآخر مع الانفراد.

قال في المنتهى (7): لا تمييز بينهما (8) مع الانفراد، بل العرب قد استعملت كلّ واحد من

____________

(1) التوبة: 60.

(2) شرايع الإسلام 1/ 120.

(3) في (د): «الى».

(4) مدارك الاحكام 5/ 187.

(5) تذكرة الفقهاء 5/ 237.

(6) ما بين الهلالين من (د).

(7) منتهى المطلب 1/ 517.

(8) في (ألف): «بينها».

204

اللفظين في معنى الآخر.

و قد نصّ على إدراج كلّ في الآخر مع الانفراد الشيخ (9) و ظاهر (10) الراوندي و الحلي (11) و الفاضلان (12).

و عن نهاية الإحكام (13) و المسالك (14) و إيضاح النافع (15) نفي الخلاف عنه.

و في الحدائق (16): إن ظاهر الأصحاب أنّه متى ذكر أحدهما خاصة دخل فيه الآخر بغير خلاف.

و عن الميسيّة و الروضة (17) حكاية الإجماع عليه.

و استشكل فيه جماعة؛ ففي البيان (18) إن أرادوا به حقيقة قضية منع.

و في المدارك (19): إنّ المتّجه بعد ثبوت التغاير عدم دخول أحدهما في إطلاق لفظ الآخر إلّا بقرينة.

و استشكل في ذلك في الحدائق (20) قال: لأنّه متى ثبت التغاير كما ذكرناه، و هو المشهور عندهم فدخول أحدهما تحت الآخر مجاز لا يصار إليه إلّا بالقرينة. اللهم إلّا أن يجعل الإجماع

____________

(9) المبسوط 1/ 246.

(10) في (د) «الشيخ في المبسوط و».

(11) السرائر 1/ 456.

(12) المعتبر 2/ 564.

(13) نهاية الإحكام 2/ 379.

(14) مسالك الإفهام 1/ 409.

(15) كذا، و الظاهر: «الفوائد»، لاحظ: إيضاح الفوائد 1/ 193.

(16) الحدائق الناضرة 12/ 155.

(17) الروضة البهية 2/ 42.

(18) البيان: 193.

(19) مدارك الأحكام 5/ 192.

(20) الحدائق الناضرة 12/ 155.

205

قرينة.

و فيه ما فيه.

ثمّ احتمل قريبا أنّ التغاير في الزكاة خاصّة.

و قطع في القواعد (1) بإدراج المساكين في الفقراء إذا وصّى للفقراء.

و استشكل في عكسه.

و اختاره (2) ولده في وصايا الإيضاح (3)، و المحقّق الكركي (4) عدم الدخول.

و المسألة لا تخلو من إشكال إلّا أنّ ما عرفت من الإجماعات شاهد على اتحاد المعنيين مع انفراد كلّ منهما عن الآخر.

و فيه الكفاية في مثله إلّا أنّ الظاهر عمّا حكي عن ماعة من اللغويين إطلاق الفرق بين المعنيين.

ثمّ مع اختلاف المعنيين- إمّا مطلقا أو مع الاجتماع- فهل المسكين أسوأ حالا من الفقير أو بالعكس؟ قولان.

فالأول محكيّ عن يونس، و هو قضيّة ما حكي (5) عن ابن السكيت (6) من أن الفقير من له بلغة من العيش، و المسكين الذي لا شيء له.

و ما حكي عن ابن عرفة من أن الفقير عند العرب المحتاج، فأمّا المسكين فالذي قد أذلّه الفقر.

و غيره قال: فإذا كانت مسكنته من جهة الفقر حلّت له الصدقة، و إذا كان مسكينا قد أذلّه شيء سوى الفقر فلا تحلّ له.

____________

(1) قواعد الأحكام 2/ 452.

(2) في (د): «و اختار».

(3) إيضاح الفوائد 2/ 496.

(4) جامع المقاصد 3/ 30.

(5) إيضاح الفوائد 1/ 193.

(6) لم ترد في (ب): «ابن السكيت .. ما حكي عن».

206

و قد حكي القول بذلك عن الفراء و ثعلب و ابن قتيبة (1) و ابن دريد و أبي يزيد (2) و أبي عبيدة و أبي اسحاق و الأصمعي و يعقوب.

و اختاره جماعة من الأصحاب.

و كأنّه الأشهر. و عزاه في التنقيح و المسالك (3) إلى الأكثر.

و في الغنية (4): الإجماع على أنّ الفقراء لهم شيء، و المساكين لا شيء لهم، قال: و قد نصّ على ذلك الأكثر من أهل اللغة.

و قد عزي ذلك إلى الإسكافي و الشيخين (5) و الديلمي و العلّامة في عدّة من كتبه حيث فسّر الفقير و المسكين بما حكيناه عن ابن عرفة (6).

و الثاني محكي الصدوق حيث نصّ في الفقيه (7) أن الفقراء هم أهل الزمانة و الحاجة، و المساكين أهل الحاجة من غير أهل الزمانة.

و عن الشيخ في المبسوط (8) و الجمل (9) و القاضي (10) و الطبرسي (11) و الطوسي (12) و الحلي (13): أن الفقير الّذي لا شيء له، و المسكين الّذي له بلغة من العيش.

____________

(1) غريب الحديث 1/ 28.

(2) في (د): «زيد».

(3) مسالك الإفهام 1/ 409.

(4) غنية النزوع: 123.

(5) المبسوط 1/ 246.

(6) الذي ذكروه هؤلاء الأعلام يطابق ما حكي عن ابن السكيت لا ابن عرفة، فراجع.

(7) من لا يحضره الفقيه 2/ 6.

(8) المبسوط 1/ 246.

(9) الرسائل العشر: 206.

(10) المهذب 1/ 169.

(11) جوامع الجامع 2/ 73.

(12) الوسيلة: 128.

(13) المعتبر 2/ 564.