تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
207

و لا يظهر من القاموس (1) و الصحاح (2) ترجيح لأحد الوجهين.

و كأنّ الأظهر الأوّل لصحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) عن الفقير و المساكين، فقال: «الفقير الذي لا يسأل، و المسكين الذي هو أجهد منه الذي يسأل» (3).

و صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): قول اللّه تعالى؟ فقال: «الفقير الذي لا يسأل الناس و المسكين أجهد منه و البائس أجهدهم» (4).

و روى الشيخ بإسناده عن علي بن إبراهيم أنّه ذكر في تفسيره هذه الثمانية الأصناف، فقال: فسّر العالم (عليه السلام) فقال: «الفقراء هم الذين لا يسألون و عليهم من عيالهم»، ثمّ قال:

«و المساكين هم أهل الزمانات» (5).

و كأنّ المستفاد منها كون المسكين أسوأ حالا منه فيكون ذكر السؤال في الصحيحة المذكورة مثالا، و كذا الزمانة (6) في رواية تفسير هذا.

و لا يذهب عليك أنّه لا ثمرة يعتدّ بها هنا للخلاف المذكور كما نصّ عليه جماعة في المقام؛ بناء على ما هو الصواب من عدم وجوب البسط؛ للإجماع على جواز إعطاء كل بهما، فإنّ العبرة في المقام بتحقّق الحاجة و انتفاء الغناء الشامل لهما.

و قد وقع الخلاف في ذلك على أقوال:

أحدها أنّه من يقصر ماله عن مؤنة سنة له و لعياله.

و في التنقيح و غيره: إنّه المشهور.

و في المهذب البارع (7): إن عليه محقّقي المذهب.

____________

(1) القاموس المحيط 2/ 111 (فقر).

(2) الصحاح 2/ 782 (فقر).

(3) الكافي 3/ 502، باب فرض الزكاة و ما يجب في المال من الحقوق من ح 18.

(4) الكافي 3/ 501، باب فرض الزكاة و ما يجب في المال من الحقوق ح 16.

(5) وسائل الشيعة 9/ 212، باب أصناف المستحقين ح 7.

(6) في (الف): «الرحانة» و هو غلط.

(7) المهذب البارع 1/ 529.

208

و في المدارك (1) و الحدائق (2) و غيرهما: إنّ عليه عامّة المتأخرين.

و حكى القول به عن الحلي (3) و المحقق (4) في كتابيه و تلميذه الآبي و العلّامة (5) في عدّة من كتبه، و الشهيدين (6) و السيوري و ابن فهد (7) و الفاضل الأردبيلي (8) و غيرهم من المتأخرين.

و حكاه في التذكرة (9) و غيرها عن الشيخ.

و قد نصّ جماعة من هؤلاء منهم الفاضلان بجواز تناول الزكاة لمن كان له مال يتعيّش به أو ضيعة يستغلها (10) إذا كان بحيث يعجز عن استنماء الكفاية، و إن كان ذلك المال أو قيمة الضيعة وافيا لمؤنة سنة و زيادة، فيكون ذلك مستثنى ممّا اعتبر في الحدائق (11) من قصور ماله عن مؤنة سنته كما استثني الدار و الخادم و الفرش اللائقة بحاله كما سيجيء إن شاء اللّه (12) لا يبعد أن يكون ذلك مقصود الجميع حيث لا مصرّح بخلافه.

و في الروضة (13) حكى الشهرة عليه إلّا أنّه حكى عن القيل اعتبار قيمة أصل الضيعة.

و لا يعرف القول به صريحا لأحد من الأصحاب.

و ربّما يحكى عن فخر الدين، و ليس يثبت.

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 194.

(2) الحدائق الناضرة 12/ 157.

(3) السرائر 1/ 456.

(4) شرائع الإسلام 1/ 121.

(5) إرشاد الأذهان 1/ 286، منتهى المطلب 1/ 517.

(6) البيان: 193، الروضة البهية 2/ 43.

(7) المهذب البارع 1/ 524.

(8) مجمع الفائدة و البرهان 4/ 151.

(9) تذكرة الفقهاء/ 239، 5.

(10) في الأصل: «يستقلها»، و ما أدرجناه من المصدر.

(11) الحدائق الناضرة 12/ 157.

(12) في (د) زيادة: «و».

(13) الروضة البهية 2/ 45.

209

و قد عزا التقييد المذكور في مجمع البرهان (1) إلى صريح الأصحاب إلّا أنّه تأمّل فيه بعد ذكر خبر الفيومي (2) الدالّ عليه حيث قال: و فيه تأمّل؛ لعدم الصراحة و الصحّة مع مخالفته للأخبار الأخر.

و ظاهره الميل عنه.

و في المدارك (3) و الحدائق (4): إنّ إطلاق المشهور مناف لما صرّح به الشيخ و المحقّق و العلّامة من التقييد المذكور إلّا أنّهما اختارا (5) التقييد بذلك و نصّا على انّ المعتمد أنّ من كان له مال يتّجر به أو ضيعة يشغلها و لم يكفه الربح جاز له الأخذ من الزكاة.

و لا يكلّف الإنفاق من رأس المال، و لا من ثمن الضيعة، و من لم يكن له ذلك اعتبر فيه قصور أمواله عن مؤنة السنة، فانحلّ (6) القول المذكور في بادي الرأي إلى قولين إلّا أنّ الظاهر إرجاع كلام المطلقين إلى التقييد حيث لم يعرف بين الأصحاب عدّهما قولين مع تصريح جماعة منهم بالتقييد. و يبقى ما حكاه في الروضة (7) عن القيل ما عرفت من ميل الفاضل الأردبيلي إليه.

و كيف كان، فالأقوى هو التقييد بل لا يبقى التأمّل فيه كما ستعرف.

ثانيها: إنّ الضابط تمليك (8) النصاب من الأثمان أو قيمتها فاضلا من سكيه (9) و خادمه.

حكاه في التذكرة (10) عن الشيخ.

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 4/ 151.

(2) في (د) «الفنوى».

(3) مدارك الأحكام 5/ 194.

(4) الحدائق الناضرة 12/ 157.

(5) في (ألف): «اختار».

(6) في (ألف): «فافصل».

(7) الروضة البهية 2/ 45.

(8) في (د): «تملك».

(9) في (د): «مسكنه أو».

(10) تذكرة الفقهاء 5/ 240.

210

و قد حكاه في المنتهى (1) و المهذب البارع (2) عنه في الخلاف. و المحكي في السرائر (3) عن الخلاف هو القول الأوّل.

و لم نجد منه هناك (4) تصريحا و إنّما المحكي عنه التصريح بالوجه الأخير كما يأتي، و كأنّه الوجه في إسناد القول الأوّل إليه.

نعم، ذكر في زكاة الفطرة أنها تجب على من ملك نصابا يجب فيه الزكاة أو قيمة نصاب.

و فيه إشارة إلى النقل الأول.

و ربّما يعزى القول المذكور إلى المفيد و السيد، و ليس يثبت.

و قد ادّعى السيد في الناصريات (5) الإجماع على خلافه.

و في المقنعة (6) أيضا ما هو ظاهر في خلافه.

و اقتصر في التحرير (7) و الدروس (8) على ذكر القولين المذكورين، فظاهرهما التأمل في الترجيح.

ثمّ (9) إنّ ظاهر القول المذكور هو اعتبار ذلك من جهة تملك المال، فلا ينافي المنع من جهة وفاء الاكتساب في أرباب المكاسب، و إن لم يتملّكن (10) مقدار النصاب.

ثمّ إنّ ظاهر إطلاقه عدم حصول الغناء المانع من قبول الزكاة لو كان ملك ما دون النصاب، و كان كافيا لمؤنة سنة، فبين القولين المذكورين عموم من وجه.

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 507.

(2) المهذب البارع 1/ 529.

(3) في (ب): «الدروس» بدل: «السرائر» انظر: السرائر 1/ 462.

(4) في (ألف): «حكاه».

(5) الناصريات: 288.

(6) المقنعة: 241.

(7) تحرير الاحكام 1/ 402.

(8) الدروس 1/ 240.

(9) زيادة «ثم» من (د).

(10) في (د): «يتملكوا».

211

و حكى في الكفاية قولا بأنّه من ملك عشرين ذهبا.

و لم نجد من حكم به، و على فرضه فحمله على ظاهره مقطوع الفساد.

ثالثها: إنّ المناط في عدم استحقاق الزكاة القدرة على كفايته، و كفاية من يلزمه كفايته على الدوام، و عزي ذلك إلى الشيخ في المبسوط (1)، و قد عبّر فيه بالنحو المذكور و قال بعده:

فإن كان مكتفيا بصنعة و كانت صنعته ترد عليه كفايته و كفاية من يلزمه نفقته حرمت عليه، و إن كانت لا ترد عليه حلّ له ذلك.

و حكي عن الخلاف نحوه أيضا.

و ظاهر العبارة المذكورة أن يكون قادرا على كفاية مصارفه مدّة عمره سواء كان مالكا لها بالفعل أو كان قادرا على تحصيلها بالاكتساب، فلا عبرة بما يملكه من كفاية سنة مع انتفاء القدرة بالنسبة إلى ما بعده.

و ما يورد عليه من أنّ ذلك خلاف الضرورة إذ يلزم على ذلك عدم تحقق غنى أصلا؛ لعدم العلم ببقاء المال أو حصول المنافع؛ بيّن الاندفاع لابتناء الامور المذكورة على ظاهر الحال، فالغرض من القدرة على ذلك هو القدرة عليه بحسب مجاري العادات.

نعم، لو كانت حرفته أو بضاعته ترد عليه مؤنته سنة مع الشكّ عادة في الاجتزاء به لغيرها من السنين يتّجه القول بتحقق الاستحقاق على القول المذكور.

و لا ضرورة قاضية فيه بالمنع، و إن كان الحق ذلك.

و كيف كان، فهذا القول متروك بين الأصحاب إلّا أنّه اختاره من المتأخرين صاحب المفاتيح، و هو بمكان من الضعف بل في إسناده إلى الشيخ بمجرد العبارة المزبورة تأمّل.

و الفاضلان (2) و غيرهما من الأصحاب لم ينسبوا إليه القول المذكور، بل صرّح العلّامة في جملة من كتبه بإسناد القول الأول إليه، و لم ينسب القول المذكور إلى أحد من الأصحاب في معظم الكتب المعتمدة المعدّة لذكر المسائل الخلافية.

____________

(1) المبسوط 1/ 256.

(2) المعتبر 2/ 567، تذكرة الفقهاء 5/ 239.

212

نعم، إنّما أشار إليه في المدارك (1) و ما تأخر عنها.

و يضعّفه مضافا إلى ذلك أنّه حكى في البيان الاتفاق على أنّه يشترط في الفقير و المسكين أن يقصر مالهما عن مؤنة السنة (2) كما أشار إليه في المختلف (3) أو يجعل قوله «على الدوام» من متعلقات قوله «من يلزمه كفايته» فيكون التقييد به لإخراج من لا يجب مؤنته إلّا في وقت كان أجير (4) المشترط نفقته في وقت مخصوص أو النفقة المشترط ذلك.

و أنت خبير بأنّ ذلك غير مقيّد في المقام لجريان الحكم فيه، و أيّ فرق بين ذلك و (5) ما إذا اشترط عليه مدّة عمره؟ و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

لنا على الاكتفاء في المنع بمجرد تملّك مؤنة السنة عدّة من الأخبار:

منها: ما رواه المفيد في المقنعة (6) مرسلا عن يونس بن عمّار، أنّه قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة» (7) مؤكدة. و ضعفها منجبر بالعمل؛ مضافا إلى أنّ رواية المفيد لها في المقنعة ظاهرة في كونها من الروايات المعتبرة.

و منها: صحيحة أبي بصير، عن الصادق (عليه السلام): «يأخذ الزكاة صاحب السبعمائة إذا لم يجد غيره».

قلت: فإنّ صاحب السبعمائة يجب عليه الزكاة؟

فقال: «زكاته صدقة على عياله و لا يأخذها إلّا أن يكون إذا اعتمد على السبعمائة

____________

(1) مدارك الأحكام 5/ 198.

(2) في (د) زيادة: «لهما و لعيالهما أو عن نصاب أو قيمته على اختلاف القولين و بما يؤل كلام الشيخ بحمل الدوام فيه على خصوص السنة».

(3) مختلف الشيعة 3/ 214.

(4) في (ألف): «أجر».

(5) الواو زيدت من (د).

(6) المقنعة: 248.

(7) في (د) زيادة: «و يجب الفطرة على من عنده قوت السنة».

213

أخذها في أقلّ من سنة، فهذا يأخذها» (1).

و فيها دلالة ظاهرة على المنع من أخذ الزكاة مع وفاء السبعمائة بمئونة سنة، و هي محمولة على ما إذا لم تكن محترفا بها كما هو الظاهر من إطلاقها؛ إذ لم يعرض فيها الاحتراف بها، و حملا لإطلاقها على ما سيجيء من المقيّدات.

و منها: صحيحة موثقة (2) سماعة، عن الصادق (عليه السلام) قال: «قد تحل الزكاة لصاحب السبعمائة و تحرم على صاحب الخمسين درهما».

قلت له: و كيف يكون هذا؟

قال: «إذا كان صاحب السبعمائة له عيال كثير فلو قسّمها بينهم لم تكفه» (3): الخبر.

فإنّ قوله: «فلو قسّمها بينهم لم يكفه» ظاهر في عدم الاكتفاء به لمؤنة سنة، و ظاهره أنّه مع الاكتفاء به لا يحلّ الأخذ.

و منها: صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام)، عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «لا تحل الصدقة لغني و لا لذي مرة سويّ و لا لمحترف و لا لقوي».

قلنا: ما معنى هذا؟ قال: «لا يحل له أن يأخذها و هو يقدر على ما يكف نفسه عنها» (4).

فإن ظاهرها دوران الأمر مدار القدرة على ما يكفّ به نفسه.

و لا يبعد ظهور الاطلاق في (5) مؤنة السنة، و لا أقل من شمول إطلاقه لذلك.

و منها: ما في الصحيح إلى صفوان بن يحيى بن علي بن اسماعيل الدغشي، قال: سألت عن أبي الحسن (عليه السلام) عن السائل و عنده قوت يوم، أ تحلّ له أن يسأل و إن اعطي شيئا من قبل أن يسأل يحل له أن يقبله؟ قال: «يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنة من الزكاة لأنّها إنّما هي

____________

(1) الكافي 3/ 560، باب من يحلّ له أن يأخذ الزكاة و من لا يحلّ له ح 1.

(2) كذا، و الرواية إما صحيحة أو موثقة! فتأمّل.

(3) الكافي 3/ 561، باب من يحلّ له أن يأخذ الزكاة و من لا يحلّ له ح 1.

(4) معاني الأخبار: 262.

(5) في (ألف): «و في».

214

من سنة إلى سنة» (1).

و في هذه الرواية إشعار بأنّ المرعي في الكفاف حال السنة، ففيها تأييد لما قلناه و إن كان الاحتجاج بها لا يخلو من نظر.

فظهر بما ذكرنا أنّ القدرة الدائمة على المئونة غير معتبرة، مضافا إلى ضعف ذلك القول في نفسه كما عرفت.

و قد يحتج له باندراجه مع انتفاء القدرة كذلك في عنوان الفقير عرفا؛ لاحتياجه في الجملة، فيندرج في إطلاق الكتاب و الأخبار.

و يضعّفه- بعد المنع الظاهر- ما عرفت من الروايات المعتضدة بالاحتياط و عمل الأصحاب.

و أمّا الاكتفاء بمجرد ملك النصاب فهو أيضا كسابقه في غاية الضعف، و إنّما هو من مذاهب العامة مستندا إلى بعض الروايات العامية الغير الدالّة عليه، و بعض الاعتبارات الواهية.

و ذهاب الشيخ إليه غير معلوم، و على فرضه فإطباق الأصحاب من بعده على خلافه كاف في دفعه، بل الرجوع إلى الإطلاق (2) كاف في نفيه؛ إذ ليس معنى الفقير أو المسكين في العرف ما ذكره قطعا.

مضافا إلى ما عرفت من عدم قيام دليل عليه، بل دلالة الأخبار على خلافه.

و ربّما يحتجّ له بصحيحة الفاضلين: «لا تحل لمن كانت عنده أربعون درهما يحول عليها الحول عنده أن يأخذها و إن أخذها أخذها حراما».

و أنت خبير بأنّه لا ربط للرواية بما ذهب إليه؛ إذ ليس الأربعون بنفسه نصابا للنفقة، فلا بدّ من ترك الرواية أو تأويلها بما تصحّ إرادته.

____________

(1) علل الشرائع 2/ 371.

(2) في (د): «الإطلاقات».

215

و كأنّها محمولة على صورة انتفاء الحاجة كما يشهد له خبر (1) الأربعين: «إلى أن حال عليه الحول».

و قد يحتج له أيضا بصحيحة البزنطي: «لا تحل الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما يجب فيه الزكاة أن يأخذ الزكاة».

و هي أيضا غير دالّة على ما ذكره لاعتبار الاحتراف معه.

و لنا على جواز أخذ الزكاة مع قصور النماء و (2) الغلة الحاصلة من مؤنة السنة و إن كانت البضاعة في نفسها أو قيمة الضيعة وافية بمئونة السنة أو السنين .. الروايات المعتبرة المستفيضة المعتضدة بعمل الطائفة حيث لا يعرف فيه مخالف صريح كما عرفت.

و ما حكي فيه من الخلاف الثابت فهو مجهول القائل.

و منها: الصحيح، عن الرجل يكون له ثلاث مائة درهم أو أربعمائة درهم و عيال و هو محترف فلا يصيب نفقته فيها، أ يكسب فيأكلها و لا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة؟ قال: «لا بل ينظر إلى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه من عياله، و يأخذ النفقة من الزكاة و ينصرف بهذه لا ينفقها» (3).

و منها: موثقة سماعة (4) الدالّة على أنّ من له دار غلّة فيه لم تكن الغلّة تكفيه لنفسه و عياله في طعامهم و كسوتهم و حاجتهم يحلّ له الأخذ من الزكاة.

و منها: رواية أبي بصير المذكورة في الفقيه.

و قد يؤيّد ذلك بصدق الفقير عليه؛ إذ ليس ذلك المال معدّا للإنفاق، و إنّما يقصد منه الغلة و المنافع الحاصلة، و هو نظير ملك الدابّة و الدار و نحوهما ممّا لا ينافي صدق الفقر، و إن كانت قيمته وافية بمئونة السنة.

____________

(1) في (د): «حسن».

(2) في (د): «أو».

(3) الكافي 3/ 361، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 6.

(4) الكافي 3/ 360، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 4 نقلا بالمعنى.

216

و منه يظهر ضعف ما قد يحتج للوجه الآخر من صدق الغني عليه؛ لتملّكه مؤنة السنة.

[تنبيهات]

و قد يستند له إلى بعض الإطلاقات، و هو محمول على صورة الاكتساب به كما مر.

و هاهنا امور ينبغي الإشارة إليها:

أحدها (1): أن صاحب الصنعة و الكسب إذا و في كسبه بمئونة سنته حرمت عليه الزكاة.

و يدلّ عليه الصحاح المستفيضة و غيرها.

و عن الناصريات (2) و الخلاف (3) و ظاهر الغنية (4) حكاية الإجماع عليه.

و عن تخليص التلخيص أن حرمة الصدقة عليه ممّا لا خلاف فيه إلّا ما حكاه في الخلاف.

و في المدارك (5) و غيره حكاية الشهرة عليه.

و عن الخلاف (6): أنّه حكي عن بعض أصحابنا جواز دفعها إليه من غير اشتراط لقصور كسبه.

و هو على فرض ثبوته بحمل (7) عبارته على ظاهرها ضعيف جدا، و القائل به مجهول ملحوق بالإجماع.

و ربّما يحتج له بأنّه غير مالك للنصاب و لا مالك لمؤنة سنته فيندرج في الفقير على التفسيرين، أو يقال أنّه بمنزلة الفقير من جهة الاشتراك في العلة.

____________

(1) في (د) زيادة: «الظاهر».

(2) الناصريات: 287.

(3) الخلاف 2/ 135.

(4) المقنعة: 241.

(5) مدارك الاحكام 5/ 197.

(6) الخلاف 135.

(7) في (ألف): «يحمل».

217

و ضعفه أظهر من أن يخفى.

ثمّ إن الأظهر إدراجه في الغني لقدرته على مؤنة سنة، فهو مالك لمؤنة السنة قوة، فالتعميم في حدّ الغناء بحيث يشمل مثل ذلك هو الأولى، لكن الظاهر من غير واحد من الأخبار حيث عطفه على الغني عدم اندراجه فيه، فيكون واسطة بين الأمرين؛ لعدم اندراجه في الفقير قطعا.

و قد يقال بتعدّد الإطلاق للغني، فيكون المراد (1) في الحديث هو المعنى الأخص.

ثانيها: لو كان قادرا على الصنعة و كانت ملكيّتها حاصلة له

أو لم يحتج ذلك المكسب على (2) ملكه لكن لم يكن محترفا بها بحيث يعدّ من أرباب ملك الصناعة ففي جواز الدفع إليه وجهان.

و ظاهر كثير من الأصحاب حيث اعتبروا فيه عدم القدرة على الاكتساب عدم الجواز.

و يدلّ عليه صحيحة زرارة المتقدمة، و في صحيحته الأخرى عن الباقر (عليه السلام): «إنّ الصدقة لا تحلّ لمحترف و لا لذي مرة سويّ قوي» (3).

و روى في قرب الإسناد بإسناد عن الصادق (عليه السلام)، عن أبيه، عن علي (عليه السلام) أنّه كان يقول:

«لا تحلّ الصدقة لغني و لا لذي مرة سوى» (4).

بل ظاهر عطفه على المحترف يعطي المغايرة بينهما فيكون صريحا في المقصود.

و الوجه في الجواز صدق الفقير عليه لغة و عرفا فيندرج تحت الإطلاقات.

و مجرد قابليته للاكتساب (لا يقضى بسلب اسم الفقير عنه على أن كثيرا من الفقراء لهم قدرة على الاكتساب) (5) و لم تجر الطريقة على منعهم بمجرّد القدرة.

و قد يؤيّد ذلك بظاهر الصحيح، قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): يروون عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إنّ

____________

(1) في (د) زيادة: «به».

(2) في (د): «الى».

(3) الكافي 3/ 560، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 2.

(4) قرب الاسناد: 155.

(5) ما بين الهلالين زيدت من (د).

218

الصدقة لا تحل لغني و لا لذي مرّة سويّ»، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «لا تصلح لغني» (1).

فإنّ الاقتصار عليه في الحكم مع ضمّ الآخر إليه فيما رواه شاهد على عدم ثبوت الحكم بالنسبة إلى الآخر.

و مرسلة الصدوق قيل للصادق (عليه السلام): إنّ الناس يروون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أنّه قال: «أن الصدقة لا يحل لغني و لا لذي مرّة سويّ» فقال (عليه السلام): «قد قال لغني و لم يقل لذي مرة سويّ» (2).

و تكذيبهم في الفقرة الأخيرة و إن لم يدلّ على انتفاء الحكم بالنسبة إليه إلّا أنّ فيه إيماء إليه.

ثالثها: يعتبر في التكسّب أن يكون لائقا بحاله،

فلا يكلّف على تكلّف المكاسب الغير اللائقة بحاله على ما نصّ عليه جماعة منهم العلّامة (3) و ولده في الإيضاح (4) و ابن فهد (5) و الشهيد الثاني (6) و غيرهم.

و هو كذلك لمراعاة الشرع في ذلك الجري على مجرى العادات، و لذا لا يمنع صاحب الدار و الخادم و غيرهما كما سيجيء الاشارة إليها، و إن و في بقيمتها بمئونة سنة، و كذا الحال لو لم يكن أصل الاحتراف لا يقاس (له) (7) لعلوّ (8) شأنه.

و قد نبّه عليه (العلامة في النهاية) (9) و لو منعه اشتغاله بالاكتساب عن تحصيل العلم الواجب عليه عينا بكونه أحكام الدين أو كفاية كتحصيل ملكة الاجتهاد أو فعليّة الاستفراغ،

____________

(1) الكافي 3/ 562، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 12.

(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 177، باب المعايش و المكاسب و الفوائد.

(3) نهاية الإحكام 2/ 384.

(4) إيضاح الفوائد 1/ 194.

(5) المهذب البارع 1/ 530.

(6) الروضة البهية 2/ 45.

(7) الزيادة من (د).

(8) في (ألف): «العلو».

(9) ما بين الهلالين زيدت من (د).

219

فالذي نصّ عليه غير واحد منهم جواز الأخذ من الزكاة، فعن المنتهى (1) و التحرير (2) و الدروس (3) و البيان (4) الرجوع بجواز الأخذ مع كون التكسّب مانعا له عن التفقّه في الدين.

و نحوه ما في القواعد و نهاية الإحكام.

و علّله في المنتهى (5) بأنّه مأمور بالتفقه في الدين إذا كان من أهله.

و استحسنه في المدارك (6).

قلت: و التعليل قاض بجريان الحكم في سائر الواجبات المعارضة للاكتساب كأداء القضاء أو الإتيان بالمنذور و نحوهما، و كأنّه لذا أطلق الحكم الشهيد الثاني لسائر الواجبات في حواشي القواعد حيث قيل الكسب بالذي لا يشغله عن واجب مضيّق، و مثّل له بطلب العلم الواجب و لو كفاية.

و يشكل الحال في الجميع بأنّه كما أنّ التفقه و غيره ممّا مرّ من الواجبات كذلك تحصيل مؤنته و مؤنة من يجب عليه نفقته من الواجبات عليه، فلا بدّ إذن من ملاحظة الترجيح.

و من البيّن أن تحصيل ما فيه قوام البدن مقدّم على غيرها، و كذا نفقة الزوجة بالنسبة إلى حقوقه معه (7).

و في نفقة الأقارب وجهان، على فرض ملاحظة (8) ترجيح النفقة و غيره عليها ينبغي القول بسقوط الوجوب، فلا وجه أيضا للأخذ من الزكاة من جهة المعارضة.

نعم، لو فرض تقديم غيره من الواجب على تحصيل النفقة لنفسه و عياله فلا كلام في

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 519.

(2) تحرير الأحكام 1/ 403.

(3) الدروس 1/ 240.

(4) البيان: 193.

(5) منتهى المطلب 1/ 519.

(6) مدارك الأحكام 5/ 197.

(7) كذا.

(8) ليس في (د): «ملاحظة».

220

الجواز؛ لعدم تمكّنه شرعا من الاكتساب.

ثم إنه لا يجرى الحكم في المعارضة مع المندوب كالاشتغال بشواغل الطاعات و التنوع للعبادات.

و قد أشار إليه العلّامة في النهاية (1) و ابن فهد في المهذب (2) إلّا أنّه أطلق أوّلا في استثناء المشتغل بتحصيل العلوم الشرعيّة و نحوه ما في الروضة (3) و المسالك (4) و غيرهما حيث أطلق اشتغاله من الكسب بطلب علم ديني.

و قد يحمل الجميع على إرادة القدر الواجب منها، و لو على سبيل الكفاية؛ إذ لا خصوصيّة في ذلك بطلب.

و أطلق في البيان (5) استثناء من يطلب العلم، فظاهر [ه] التعميم لسائر العلوم إلّا أن حمله على العلم الواجب غير بعيد.

و يجري ما ذكروه في التعلم بالنسبة إلى التعليم إذا احتاج إليه الناس؛ إذ هو أيضا من الواجبات، بل هو أهم من التعلّم.

أقول: و الأولى تجويز الدفع في جميع الصور المفروضة من نصّهم في سبيل اللّه خصوصا بالنسبة إلى التفقه في الدين: إذ ذلك من أعظم السبب.

و كذا الحال في جميع العلوم الراجح تحصيلها بحسب الشرع سواء كانت واجبة عينا أو كفاية أو مستحبة من غير فرق بين متعلّمها أو تعليمها أو تصنيفها.

و يسهل الاشتغال بتحصيلها للطّلاب، و كذا الحال بالنسبة إلى الاشتغال بسائر الواجبات و المندوبات، فالمنع الوارد في كلمات بعض الأصحاب من الدفع إلى من يمنعه

____________

(1) نهاية الإحكام 384.

(2) المهذب البارع 1/ 530.

(3) الروضة البهية 2/ 45.

(4) مسالك الإفهام 1/ 410.

(5) البيان: 193.

221

الاشتغال بالنوافل من الاكتساب محمول على غير الجهة المذكورة.

و سيجيء الإشارة إلى ذلك إن شاء اللّه.

رابعها: لا عبرة بالقدرة على الاكتساب بغير ما يعدّ اكتسابا في العرف كالاستيهاب

و لو خلّي عن المنّة بالمرّة، و كذا لو كان بالحرامة عليه من سلطان و غيره أو أباح له الأخذ بقدر المئونة أو ما يزيد (1) عليها.

و لو وهبه من المال ما يكفيه لمؤنة سنة لم يجب عليه القبول، بل له تركه و الأخذ عن الزكاة.

و كذا الحال فيما إذا أوصى له فمات الموصي و لم يقبلها بعد.

و حينئذ ففي جواز أخذه قبل ردّ الوصيّة و قبوله وجهان.

و لو استحقّ ما تفي بمئونة السنة على سبيل النذر ففي ارتفاع الفقر به مع عدم امتناع الناذر وجهان.

و أولى بالمنع ما لو نذر الإنفاق عليه و على عياله قدر السنة أو ما يزيد عليها، فيشبه ما لو وجب نفقته عليه بالقرابة.

و الأظهر فيه بقاء الفقر إلّا أن يتملكه بالقبض أو النذر على بعض الوجوه، و لو كان المنذور للجنس مع عدم الانحصار فلا كلام، و إن انتقل المال بمجرّد تعيين النذر، و كذا مع الانحصار في وجه قويّ إلّا إذا أراد التشريك و انتقل المال إليهم بالنذر.

و لو شرط عليه تحمّل مؤنته في عقد لازم ملكها، فمع تمكّنه من القبض لا يجوز الأخذ من الزكاة، و استحقاق الزوجة على الزوج مانع من الاستحقاق مع تمكّنها من القبض، فلا إشكال، و لم تستحق عليه مؤنة السنة دفعه و لم تملك عليه إلّا مؤنة اليوم؛ إذ ذلك في قوة تملك الجميع حسبما عرفت في المكتسب.

و لو كان الزوج غير قادر على الإنفاق جاز لها الأخذ قطعا، و إن تمكن عن القبض من

____________

(1) في (د): «يريد».

222

الزكاة و دفعها إليه.

و كذا الحال لو كان غير قادر على الإنفاق تمام الحول، و إن قدر عليه بالفعل في وجه قويّ.

و لو كانت ناشزة ففي جواز إعطائها وجهان؛ من عدم استحقاقها النفقة مع النشوز، و من (1) إمكان عودها إلى الطاعة فيستحق، فهي قادرة على تحصيل النفقة.

و حكم في نهاية الإحكام (2) بالأوّل، ثمّ ذكر الأخير على سبيل الاحتمال.

و في الكفاية (3) استقرب الأخير.

و ينبغي القطع به مع بعثه على إقامتها على النشوز أو توقف النهي عن الذكر عليه.

و لو تمكنت المرأة من التزويج و وجد الكفو الذي لا مفتضه فيها عرفا في التزويج مع بذله مهر مثلها و تمكنه من الإنفاق عليها ففي إلحاقها بالقادر على الاكتساب وجه، و الأوجه خلافه و إن قلنا هناك بالمنع؛ إذ لا يعدّ ذلك اكتسابا في العرف.

خامسها: أنّه هل يعتبر في عياله أن يكونوا ممّن تجب نفقتهم عليه في الشرع

من أو و لو بالعارض كالمتعة المشترط عليه الإنفاق أو الأجير المشروط عليه ذلك أو يكتفى فيه بمجرّد العيلولة كيف كانت أو يعتبر فيه العيلولة (بحسب العرف و إن لم يجب في الشرع بأن يعاب عليه في ترك العيلولة) (4) في العادة كأرحامه المنقطعين دون من ليس عليه في العرف و الشرع عيلولتهم؟ وجوه؛ من أن المتيقّن من الأخبار هو ذلك المقدار، و قضية الأصل عدم العبرة بغيره، و من إطلاق العيال في الأخبار فيعمّ جميع من دخل تحت عيلولته، و من أن مراعاة الخادم و دابّة (5) الركوب و نحوهما إنّما هو للمحافظة على اعتباره بين الناس و عدم الخروج من

____________

(1) في (ألف): «مع».

(2) نهاية الإحكام 2/ 384.

(3) كفاية الأحكام 1/ 192.

(4) ما بين الهلالين زيدت من (ب).

(5) في (ألف): «رواية» بدلا من: «و دابّة».

223

مجاري العادات الباعث على إعابته بين الناس، و هو جار في المقام بالأولى.

كيف و نفقة الخادم و الدابّة و من يخدم الدابّة مع الحاجة إليه مندرجة هناك في المصارف قطعا، و ذلك قاض بالفحوى بجريان الحكم في المقام.

مضافا إلى إطلاق الروايات.

و انصرافها إلى خصوص الواجب غير متّجه، كيف و اندراج غير الواجب في العيال هو الغالب بين الناس، فلو لم يعتبر ذلك لزم الامتنان إليه في الأخبار، و خلوّها عن ذلك بالمرّة أقوى شاهد على ذلك.

و من ذلك يظهر ضعف اعتبار وجوب الإنفاق في المقام كما ذكره في الروضة (1) و غيرها على أنّ في الاكتفاء بمجرد وجوب الإنفاق في المقام و لو كان من الأقارب مع صدق اسم العيلولة إشكالا (2) كما إذا فرض خروج من يجب الإنفاق عليه من أقاربه عن عيلولته و لو كان قادرا على نفقته و نفقة زوجته من دون زيادة، فإنّ الظاهر سقوط نفقة الأقارب عنه.

و جواز أخذه من الزكاة للدفع إليهم مع عدم وجوب إنفاقه عليهم، و عدم اندراجه في اسم العيال كما ترى إشكال، بل المستحق للزكاة حينئذ هو أقاربه خاصّة، فالمدار إذن على العيلولة كما ذكرنا حتّى أنه لو خرجت زوجته عن عيلولته و أسقطت عنه الإنفاق فهل يعدّ مقدار نفقتها من مصارف سنته؟ وجهان؛ من وجوب ذلك عليه، و ثبوته في ذمّته يوما فيوما في أيام السنة.

و إسقاط الزوجة غير نافع بالنسبة إلى ما عدا نفقة اليوم و ما تقدّم عليه، و من أنّ المفروض عدم الصرف عليها و خروجها عن عيلولته، فلا وجه لمراعاة ذلك في مصارفه.

سادسها: لو قصرت فوائده عن مصارف نفسه و عياله و اكتفى بها لمصارف نفسه

صحّ له الأخذ من الزكاة سواء صرفها على نفسه أو عياله كما هو قضية الإطلاقات، و في ظاهر صحيحة أبي بصير و غيرها دلالة عليه، لكن ورد في عدّة الأخبار أنّه يعف عنها نفسه

____________

(1) الروضة البهية 2/ 45.

(2) في الأصل: «إشكال».

224

و يصرفها على عياله، ففي الصحيح الوارد في المحترف الّذي يفي كسبه بمئونته أنّه: «ينظر إلى فضلها فيقوت بها عن (1) نفسه من وسعه ذلك عن (2) عياله، و يأخذ البقية من الزكاة» (3).

و في موثقة سماعة المتقدمة الواردة في صاحب السبعمائة: «فليعف عنها نفسه و ليأخذها لعياله» (4).

و في خبر آخر: «فلينظر ما يستفضل منها فليأكل هو و من يسعه ذلك ليأخذ لمن لم يسعه من عياله» (5).

و الظاهر حملها على الاستحباب.

سابعها: قد ورد في عدة روايات جواز إعطاء زكاته لعياله مع عدم محصوله لمصارفهم،

ففي الصحيح بعد حكمه بجواز أخذ الزكاة لصاحب السبعمائة، قلت: فإنّ صاحب السبعمائة يجب عليه الزكاة؟ فقال: «زكاته صدقة على عياله» (6).

و في الموثق: «تحل الزكاة لمن له سبعمائة درهم إذا لم يكن له حرفة، و يخرج زكاته منها و يشتري منها بالبعض قوتا لعياله و يعطي البقية أصحابه» (7).

و في رواية أبي بصير: قلت: فعليه في ماله زكاة يلزمه؟ قال: «بلى» قلت: كيف يصنع؟

قال: «يوسع بها على عياله في طعامهم و شرابهم و كسوتهم و يبقى منها شيئا يناوله غيرهم، و ما أخذ من الزكاة فضّه (8) على عياله حتى (9) تلحقهم بالناس» (10).

____________

(1) ليس في (د): «عن».

(2) في (د): «من».

(3) الكافي 3/ 561، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 6.

(4) الكافي 3/ 561، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 6.

(5) تهذيب الأحكام 4/ 51، باب مستحق الزكاة للفقر و المسكنة ح 1 مع اختلاف.

(6) الكافي 3/ 560، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 1.

(7) علل الشرائع 2/ 370.

(8) أي: وزّعه و قسّمه عليهم.

(9) زيادة (حتى) من (د) و المصدر.

(10) الكافي 3/ 560، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 3.

225

في الموثق: إذا كان لرجل خمسمائة درهم و كان عياله كثيرا؟ قال: «ليس عليه زكاة ينفقها على عياله يزيد بها في نفقتهم و كسوتهم، و في طعام لم يكونوا يطعمونه» .. إلى أن قال:

«الزكاة تحلّ لصاحب الدار و الخادم، و من كان له خمسمائة درهم بعد أن يكون له عيال و يجعل زكاة الخمسمائة درهم زيادة في نفقة عياله و يوسع عليهم» (1).

و في موثقة أخرى: عن الرجل يكون له ألف درهم يعمل بها، و قد وجبت عليه فيها الزكاة و يكون فضله الذي يكسب بماله كفاف عياله لطعامهم و كسوتهم، و لا يسعه لإدامهم (2) و إنّما يقوتهم في الطعام و الكسوة، قال: «فلينظر إلى زكاة ماله ذلك فليخرج منها شيئا قلّ أو كثر فيعطيه بعض من تحل له الزكاة و ليعد بما بقي من الزكاة على عياله، فليشتر بذلك إدامهم و ما يصلحهم لا طعامهم في غير إسراف و لا يأكل هو منه» (3).

و ظاهر هذه الأخبار يفيد جواز الدفع إلى من وجبت عليه نفقته من عياله و غيره، و لا مانع من حملها على ظاهرها؛ إذ مع عدم اتساع فوائده لمصارفهم تحلّ لهم الصدقة، و لا فرق إذن بين دفعه صدقة إليهم أو إلى غيرهم.

نعم، قد دلّ عدة من الأخبار المذكورة على تخصيصها بهم، و هو محمول على الاستحباب.

و احتمل في الوسائل (4) حملها على غير واجبي النفقة.

و قد تحمل على الزكاة المندوبة. و لا داعي عليهما مع بعدهما عن ظاهر الإطلاق.

ثامنها: لا خلاف في جواز دفع الزكاة إلى ذي الكسب القاصر.

و عن التذكرة (5) حكاية (6) الإجماع عليه. و كذا إلى من ملك ما لا يفي لمؤنة سنته إلّا إذا كان

____________

(1) الإستبصار 2/ 34، باب اعطاء الزكاة للولد و القرابة ح 4.

(2) في (د): «لأدمهم».

(3) الكافي 3/ 562، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 11.

(4) وسائل الشيعة 9/ 245.

(5) تذكرة الفقهاء 5/ 244.

(6) في حاشية (د): «حكاه الفاضل في شرح الروضة عنه».

226

بمقدار النصاب، فيجيء فيه خلاف الشيخ.

و احتمل في التذكرة (1) منعه من الزكاة حتّى ينفق ما معه، ثمّ نصّ بأنّ الحق خلافة.

ثم إنّه لا يظهر خلاف في جواز دفع الزكاة إلى من ملك مؤنة بعض السنة و إن كان زائدا على مقدار القيمة إلّا أنه (2) حكى في المنتهى (3) قولا بأنه لا تأخذ زائدا على تتمة مؤنة الحول.

و هو ضعيف جدّا لا يعرف القائل به، و لعلّه من العامة.

و امّا ذو الكسب القاصر فالمعروف بين الأصحاب جواز الدفع إليه كذلك، و حكى قول بالمنع من أخذه ما يزيد على تمام مؤنة سنته.

و نصّ بعض أفاضل المتأخرين أنّه لم يظفر بقائله، قال: و كذا لم يظفر به السيد العميد كما نصّ عليه في الكثرة. اختاره (4) ذلك في اللمعة (5) و استحسنه في البيان (6).

قال: و ما ورد في الحديث من الإغناء بالصدقة محمول على غير المكتسب.

و اقتصر في الدروس (7) (8) من غير إشارة إلى الترجيح، و لذا عزا إليه في الروضة (9) التردّد فيه.

و الأظهر المشهور. و يدلّ عليه اندراجه في الفقير قطعا كما مرّ، فيكون بمقتضى الآية و الروايات كسائر الفقراء؛ إذ لا تفصيل فيها، بل ظاهر إطلاقها عدم تقدير الاستحقاق بشيء، مضافا إلى الإطلاقات الدالّة على جواز إعطاء الفقير ما تفيه ففي الصحيح «تعطيه من

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 244.

(2) في (ألف): «أن».

(3) منتهى المطلب 1/ 518.

(4) في (د): «أختار».

(5) اللمعة الدمشقية: 43.

(6) البيان: 193.

(7) في (د) زيادة: «على ذكر القولين».

(8) الدروس 1/ 240.

(9) الروضة البهية 2/ 45.

227

الزكاة حتّى تغنيه» (1).

و في الموثق «و أعطه لما قدرت أن تغنيه» (2).

و في الخبر: «أعطه ألف درهم» (3).

و قد يحتج للقول الآخر بالصحيح (4) الوارد في المحترف الذي «له ثلاثمائة و أربعمائة درهم، فلا يصيب نفقته فيها».

و فيه: «بل ينظر إلى فضلها نفسه و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقية من الزكاة».

و الصحاح الدالّة على أنّ اللّه تعالى فرض للفقراء في أموال الأغنياء ما يكتفون به، و لو علم أنّ ما فرض لهم لا يكفيهم لزادهم؛ فانّه ظاهر في أن المجعول لهم هو قدر الكفاية دون الزائد عليها.

مضافا إلى تعليله عدم استحقاق الأزيد بالاكتفاء بالأنقص.

و ضعفه ظاهر؛ إذ لا دلالة في الصحيحة على المنع من الأزيد إلّا بمفهوم اللقب، و المقصود ممّا (5) ورد في الصحاح بيان العلّة في وضع الزكاة على المقادير المعلومة، و المراد أنّها قد وضعت على قدر كفاية الفقراء و اتّساعه لمصارفهم، و إنّما يرد الضيق عليهم من جهة منع المانعين.

و ليس الغرض منها عدم استحقاق آحاد الفقراء لما يزيد على مؤنتهم، كيف و قد قام الإجماع و دلّت الأخبار على جواز الإعطاء إلى حدّ الإغناء، فما قد يقال من أنّ مقتضى ذلك عدم الجواز مطلقا خرج ما خرج بالدليل من إجماع أو غيره، فبقي محلّ الخلاف كما ترى.

تاسعها: لا يمنع دار السكنى و لا فرس الركوب و لا عبد الخدمة و لا ثياب التجمّل من استحقاق الزكاة.

____________

(1) الكافي 3/ 548، باب أقل ما يعطى من الزكاة و أكثر ح 4.

(2) الكافي 3/ 548، باب أقل ما يعطى من الزكاة و أكثر ح 2 و فيه: «نعم و أغنه إن قدرت أن تغنيه».

(3) تهذيب الأحكام 4/ 63، باب ما يجب أن يخرج من الصدقة و أقل ما يعطى ح 5.

(4) الكافي 3/ 561، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 6.

(5) في (ألف): «و مما».

228

و في التذكرة (1): لا نعلم فيه خلافا. و الوجه فيه واضح لمسيس الحاجة إليها، و صدق الفقر مع وجودها؛ لاختلاف أحوال الناس في الشرفة و الضعة و الحاجة إلى الخادم و عدمه.

و يدلّ عليه مضافا إلى ذلك، الأخبار المستفيضة: ففي الموثق، عن الزكاة هل تصلح لصاحب الدار و الخادم؟ فقال: «نعم» (2).

و في القوي بعد الحكم بالجواز لصاحب الدار و الخادم و العبد: «إنّ الدار و الخادم ليستا بمال» (3) يعني به المال الذي يصرفه في مصارفه.

و روى علي بن جعفر في كتابه، عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الزكاة أ يعطاها من له الدابة؟ قال: «نعم»، و من له الدار و العبد؟ في المصدر قال (4): «الدار ليس نعدّها (5) مالا (6).

إلى غير ذلك ممّا ورد.

و يعتبر أن يكون المذكورات لائقا بحاله، فلو كان زائدا عليه و كانت الزيادة تفي بمئونة سنته لم تحلّ له الصدقة في وجه قوي.

و به (7) جزم الشهيد الثاني في المسالك (8).

و هو ظاهر في الروضة (9)، و حكى التصريح به عن الشيخ.

و في التذكرة (10): إنّ في منعه من الزكاة حينئذ إشكالا (11). و استشكل فيه في الكفاية مع

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 275.

(2) الكافي 3/ 560، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 4.

(3) الكافي 3/ 561، باب من يحل له أن يأخذ الزكاة و من لا يحل له ح 4.

(4) في (ألف): «فإن».

(5) في (ألف) و (د): «يعدها»، و ما أدرجناها من المصدر.

(6) وسائل الشيعة 9/ 237، باب جواز أخذ الفقير للزكاة و إن كان له خادم و دابة و دار مما يحتاج إليه ح 5.

(7) زيادة: «و به» من (د).

(8) مسالك الإفهام 1/ 410.

(9) الروضة البهية 2/ 45.

(10) تذكرة الفقهاء 5/ 275.

(11) في الأصل: «إشكال».

229

إمكان بيع الزيادة منفردة مع وفاء تتمته بمئونة نفقته. و ليس في محلّه.

قال في التذكرة (1) أيضا: لو كانت حاجته تندفع بأقل منها قيمة لم يكلّف بيعها و شراء الأدون. و كذا في العبد و الفرس.

و ظاهره جواز أخذ الزكاة معها مطلقا. و استحسنه في الكفاية عملا بإطلاق النصّ. و هو كما ترى.

نعم، لو كان مع بيعها لا يتمكّن من تحصل به لها احتمل سقوط الوجوب، و كذا لو لم يوجد طالب لشرائها أو وجد بأدنى من ثمن المثل ممّا يوجب الضرر عليه. و قضية الدخول فيه المنع، فإنّ القدر الزائد في المقام بمنزلة ما يملكه من سائر الأموال إذا لم يكن لها طالب أو طلب بدون ثمن المثل. و لا فرق فيما ذكرنا بين إمكان الاكتفاء بالاستيجار للدار و الخادم و نحوهما أو لا؛ أخذا بإطلاق النص، و لما في ذلك من النقيصة الغير اللائقة بحاله في بعض الصور.

و لا فرق بين أن يكون مالكا لمنافع دار أخرى أو لا، و (2) خادم آخر بالاستيجار و نحوه أو لا؛ أخذا بالإطلاق.

كيف و لو اكتفى به في المقام لزم الإقدام عليه من أول الأمر.

و قد يفرّق بين المدّة القصيرة أو الطويلة الوافية بعمره بحسب العادة، و لو كانت له دور متعدّدة في البلد الواحد أو بلاد عديدة فإن كان يحتاج إلى الجميع بحسب المعتاد جرى الحكم في الجميع، و كذا بالنسبة إلى الخادم و الفرس و غيرهما.

و لو ملك ثمن الدار و الخادم و نحوهما لا أعيانها بعد ملاحظة أثمانها، و لا ريب فيه مع عدم قضاء حاجته على النحو المعتاد من دون تلك الأعيان.

و أمّا لو أمكن ذلك و كان في التفاوت مقدار مؤنة سنته، ففيه إشكال.

و قضية التحديد المتقدم للغني عدم الجواز سيّما إذا كان مكتفيا بالإجارة قبل تملك الثمن.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 275.

(2) ليس في (د): «و».

230

نعم، لو اشترى به المذكورات جرى عليه (1) الحكم المتقدم، و لو لم تكن مريدا لشرائها و كان مكتفيا بالاجارة و نحوها، فلا ينبغي التأمّل في سقوط مراعاتها، و إن كان اللائق بحاله تملّك أعيانها.

و لا يبعد جريانه بالنسبة إلى (2) أعيانها لو ملكها، و كان مكتفيا بغيرها و لو مع تحمل النضاضة (3) فيه.

و لو احتاج إلى خدّام متعددين و دوابّ متعددة لأجل السفر مع وجوبه عليه أو جوازه ففي صحّة استثناء الجميع وجهان.

و لا تأمل في البناء عليه مع لزوم السفر بحسب المعتاد بحيث يعاب عليه في تركه أو يكون من لوازمه؛ لاندراجه إذن في اللوازم المعتادة. و يجري الكلام في زيادة المئونة الحاصلة بسبب السفر، فتأمل.

____________

(1) في (د): «عليها».

(2) ليس في (د) «إلى».

(3) النضاضة: الشيء و اليسير، و النضّ: المتيسّر، و قد يقال للمكروه أيضا. انظر: البستان: 1107 (نضض).

231

تبصرة [في مدّعي الفقر]

المعروف من المذهب تصديق مدّعي الفقر في دعواه من غير حاجة إلى إقامة البيّنة أو اليمين سواء كان قويا أو ضعيفا.

و عن ظاهر الفاضلين (1): إنّه موضع وفاق.

و في المدارك (2): إنه المعروف من مذهب الأصحاب. و حكى أيضا اتفاق الأصحاب ظاهرا على جواز الدفع إلى مدّعي الفقر إذا لم يعلم له أصل مال من غير مطلوبية و لا اليمين.

و في شرح التهذيب: إن الحكم مقطوع به في كلام الأصحاب.

و في الحدائق (3): إنّه المشهور، بل ظاهرهم الاتفاق عليه.

و يمكن الاحتجاج عليه بوجوه:

منها: أصالة الصحّة في فعل المسلم. و قوله: فإنّه قد ادّعى أمرا (4) ممكنا من غير معارض و لم يظهر من الخارج خلافه، فيقبل قوله فيه.

و منها: أصالة الفقر، فإن الغنى أمر وجودي، و الأصل عدمه.

و منها: أنه لو افتقر إلى البينة أو اليمين لزم الحرج و الضيق سيّما إذا كان الفقير ممّن يستحيي من ذلك. على أن الاكتفاء فيه بمجرد اليمين بناء على المداقّة فيه ممّا لا وجه له، فلا بدّ من الاقتصار على البيّنة، و فيه من الحرج ما لا يخفى.

____________

(1) شرائع الإسلام 1/ 120، قواعد الأحكام 1/ 348.

(2) مدارك الأحكام 5/ 201.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 163.

(4) لم ترد في (ب): «أمرا».

232

و منها: خلو الأخبار عن اعتباره بالمرّة، و لو كان ذلك معتبرا في الدفع لأشير إليه في الروايات؛ لعموم البلوى بها و شدة احتياج الناس إليها.

و منها: ما رواه الكلينى (قدّس سرّه) بإسناده عن العروضي، عن الصادق (عليه السلام) قال: «جاء رجل إلى الحسن و الحسين (عليهما السلام) و هما جالسان على الصفا، فسألهما فقالا: إن الصدقة لا تحلّ إلّا في دين موجع؟ أو غرم مقطع أو فقر مدقع، ففيك شيء من هذا، قال: نعم، فأعطياه، و قد كان الرجل سأل عبد اللّه بن عمر و عبد الرحمن بن أبي بكر فأعطياه و لم يسألاه عن (1) شيء، فقال لهما: ما بالهما لم يسألاني عمّا سألني الحسن و الحسين (عليهما السلام) و غيرهما (2) بما قالا؟ فقالا: «أنّهما غذيا بالعلم غذاء» (3).

و قد يناقش في الأوّل بأنّ الأصل المذكور إنّما ثبت في أفعاله من عقوده و ايقاعاته و نحوها و في أقواله بالنسبة إلى أقاريره فيما ثبت شاهد عليه لا له.

و في الثاني بأنّ الفقر إنّما يكون عدميّا في بعض المقامات، و في كثير من المقامات يتوقف على أمر وجودي؛ لكثرة مصارفه و وفور عياله حتى لا يفي به ما يقدر على تحصيله.

و في الثالث بأنّ دعوى الضيق و الحرج فيه غير مسموعة، كيف و هو أمر يظهر للمخالطين له و المعاشرين إيّاه بأدنى شيء.

نعم، قد يقال ذلك بالنسبة إلى الغريب الذي لا معرفة لأحد بحاله، و لا حرج في الامتناع عن الدفع إليه بمجرّد دعواه إن اريد حصول الحرج بالنسبة إلى الدافع في تكليفها باستعلام الحال بالبيّنة، لإمكان دفعه إلى الغير.

و إن اريد لزوم الحرج على القائل ففيه أنّ ذلك من الامور الاتفاقيّة، و ليس الحرج المنفي في الشريعة إلّا بالنسبة إلى الامور العامّة دون الوقائع الاتفاقيّة؛ لوضوح حصول الحرج بالنسبة إلى الخصوصيات في كثير من المقامات.

.

____________

(1) في (د): «ثمن».

(2) في (د): «و أخبرها».

(3) الكافي 4/ 47، باب النوادر ح 7 مع اختلاف.

233

و يجري ذلك أيضا بالنسبة إلى الدافع لو اتفق انحصار الأمر في القائل المذكور.

على أنّ غاية الأمر حينئذ تأخيره للزكاة، و لا حرج عليه فيه.

و في الرابع بأنّ المذكور في الأخبار دفع الزكاة إلى الفقير و نظرائه، و من البيّن أنّ الألفاظ إنّما وضعت للأمور الواقعيّة، فقضيّة تعلّق الحكم عليها توقّف الدفع على العلم بالموضوع من غير حاجة إلى التنصيص عليه كما مرّ في سائر الموضوعات الشرعيّة. و هو كاف في الدلالة على الحكم المذكور.

مضافا إلى ما ورد في الأخبار من التأكيد بوضعها في محلّها و إعطائها أهلها.

نعم، لو خلّي الحكم عن الدليل مع عموم البلوى به دلّ ذلك على انتفاء الدليل (1) بحسب الواقع، و هو دالّ على انتفاء الحكم، و إلّا لبيّنه صاحب الشريعة.

و في الخامس بضعفها بالإرسال مع الغضّ عن سائر رجالها (2)، و لا يخلو بعضها عن المناقشة.

قلت: و في الرواية المذكورة كفاية في ذلك بعد انجباره بفتوى الأصحاب، بل و إجماعهم على ما يظهر حيث لا يعرف فيه مخالف من قدماء الأصحاب و متأخّريهم، بل ذكره من ذكره منهم على سبيل القطع من غير إشارة إلى خلاف فيه أو تأمّل في ثبوته سوى أنّه ناقش فيه بعض المتأخرين كصاحبي المدارك و الكفاية (3).

و مع ذلك فظاهر المدارك (4) القطع بالاكتفاء بدعوى العدل، و كذا مع الظن الغالب في غيره.

و في الكفاية (5): لا أعرف خلافا في الجواز إذا كان المدّعي عدلا.

____________

(1) في (د) زيادة: «عليه».

(2) في (د): «إذ لا» بدل «و لا».

(3) كفاية الأحكام: 40.

(4) مدارك الأحكام 5/ 203.

(5) كفاية الأحكام: 40.

234

و أنت خبير بأنّه لا مدخل للعدالة في ذلك؛ لرجوعه إلى ادّعائه لنفسه فإن (1) قبلت الدعوى مثله قبلت في المقامين، و إلّا فلا، و الرجوع إلى آية التثبّت كما في الكفاية (2) أضعف شيء في المقام؛ إذ ليس القبول هنا من جهة الاختيار (3) و اندراج مثله في إطلاق البناء بحسب العرف محلّ إشكال.

و لو سلّم فالظاهر انتفاء القول (4) بالفصل بعد الحكم باستحقاق الفاسق للزكاة.

مضافا إلى الوجوه المتقدّمة، فإنّه و إن لم يخل كلّ منهما من مناقشة إلّا أنّها بعد انضمام بعضها إلى بعض و ضمّ الجميع إلى ما ذكرناه لم يبق تأمّل في الحكم سيّما بعد ملاحظة اكتفاء الشرع بدعوى المؤمن إذا لم يكن هناك ما يعارضه في موارد كثيرة يقف عليها المتتبّع.

مضافا إلى ما في ذلك من إهانة المؤمن و إذلاله و أنّه قد يخفى على غيره، و يتعذّر عليه إقامة البينة، و يوجب ذلك ذهاب حقّه و عدم ارتفاع حاجته الذي وضع الزكاة لأجله، فقد ينافي المداقّة في ذلك الحكمة المذكورة المنصوص عليها في عدة من الأخبار.

و الزائد حينئذ بالحلف ممّا لا دليل عليه، بل لا دليل على ثبوته لو (5) اريد الإثبات.

و بذلك يظهر ضعف ما استشكله صاحبا المدارك (6) و الكفاية (7) في المقام من جهة القطع باعتبار الشرط المذكور و عدم قيام دليل على الاكتفاء فيه بمجرّد الادعاء من نصّ أو إجماع ثابت، فلا يحصل اليقين بالبراءة إلّا بالعلم أو البيّنة العادلة المنزلة في الشرع منزلة اليقين إلّا أنّه اكتفى في المدارك (8) بعدالة المخبر أو الظن الغالب بصدقه كما ذكرنا.

____________

(1) في (ألف) «بأن».

(2) كفاية الأحكام: 40.

(3) في (د): «الأخبار».

(4) في (ألف): «القبول».

(5) كلمة «لو» أضيفت من (د).

(6) مدارك الأحكام 5/ 203.

(7) كفاية الاحكام: 40.

(8) مدارك الأحكام 5/ 203.

235

و استشكل في الكفاية (1) فيهما أيضا.

ثمّ إنّه لا فرق فيما ذكرنا بين حالة السابق أو علم غناه لكن ادّعى ذهاب ماله أو ادّعى زيادة عياله أو عجزه عن الاكتساب و نحو ذلك.

و ذهب الشيخ إلى أنّه لو عرف له مال فادّعى ذهابه أنّه يكلف البيّنة لأن الأصل بقاؤه، و الرواية المتقدّمة لا يفيد الحكم في هذه الصورة إلّا أنّ ظاهر المذهب على خلافه.

مضافا إلى ما عرفت من الوجوه المتقدمة، فالأظهر ذلك و إن كان مراعاة الاحتياط فيه أولى.

هذا كلّه مع عدم الاتهام، و أما مع اتهامه في المقام فالظاهر جواز الدفع إليه؛ لعدم وضوح جريان الوجوه المذكورة فيه.

و قضية الأصل المنع؛ صونا لأموال الفقراء عن الإتلاف سواء عرف غناه السابق أو لا.

نعم، إن عرف أوّلا بالفقر احتمل الاكتفاء فيه بالاستصحاب.

____________

(1) كفاية الأحكام 401.

236

تبصرة [في دفع الزكاة إلى غير المستحقّ]

لو دفع الزكاة إلى من ثبت فقره مع اعلامه بكونه زكاة ثمّ تبين غناه ضمنه القابض يستعاد منه مع بقائه، و مثله أو قيمته مع تلفه بلا خلاف فيه يعرف.

و في الحدائق: الظاهر أنّه لا خلاف فيه.

و الوجه فيه واضح؛ لظهور فساد بعض القبض فيضمنه القابض لعدم استحقاقه له و عصيانه بأخذه.

هذا مع علمه بالحال و الحكم، و أمّا لو جهل الحكم فالظاهر أيضا عدم معذوريته في ذلك؛ إذ أقصاه سقوط العصيان مع الغفلة و نحوها، و أمّا الضمان فهو من الأحكام الوضعيّة التابعة لحكم الشرع.

و أمّا إذا جهل بحاله (1) كأن انتقل إليه مال من دون علمه أو كان له مال لا يعلم به ففي ترتّب الضمان على قبضه وجهان، من أنه الأصل في قبض حق الغير، و من كون القبض بإذن الشرع فلا يترتب عليه ضمان، فغاية الأمر ردّه مع بقائه، و إن تصرّف فيه.

و يمكن دفعه بأنّ إذن الشرع هنا ظاهري مبنيّ على ظاهر الحال، و لا يسقط به الضمان.

غاية الأمر سقوط العصيان إلّا أنّه لو قامت البينة على أن له المال الموضوع عند زيد مثلا فقبضه بإذن الشرع ثمّ انكشف الخلاف كان ضامنا له، فكذا في المقام.

و كذا لو استصحب ملكه بشيء فأتلفه، ثمّ تبيّن انتقاله إلى غيره من وليّه أو وكيله.

و هذا هو الأظهر. نعم، لو كان الدافع عالما بالحال استقرّ عليه الضمان لو تلف هذا القابض

____________

(1) ليس في (د): «و أما إذا جهل بحاله»- الى «في رجل أعطى زكاة ماله».

237

قبل علمه بالحال أو تقصيره في الردّ.

و لو دفعها إليه من غير إعلام بكونها زكاة ففي المنتهى (1) إنّه ليس له الرجوع؛ نظرا إلى أن دفعه يحتمل الوجوب و التطوّع.

و استقرب في التذكرة (2) جواز الارتجاع لفساد الدفع؛ لأنّه أبصر بنيّته.

و استجوده في المدارك (3) مع بقاء العين و انتفاء القرائن الدالّة على كونه صدقة.

و ذهب في الحدائق إلى وجوب إرجاعه مع بقاء العين سواء علم بالحال أو أعلمه المالك؛ لعدم الاستحقاق شرعا. و متى تلفت قبل العلم فلا ضمان؛ إذ لا دليل على وجوب دفع العوض من المثل أو القيمة.

قلت: و المسألة ذات أقسام: فإنّه إمّا أن يتبيّن الحال للمدفوع إليه أو لا يتبيّن إلّا بحسب ادّعاء الدافع بعد دفعه إليه، و على كلّ من الصورتين إما أن تكون العين باقية أو تالفة.

فإن كان مع بقاء العين و علم المدفوع إليه بالحال فلا كلام في وجوب الردّ، و أمّا إن كان محض ادّعاء الدافع من دون قيام حجة عليه ففيه إشكال.

و قضية الأصل فيه عدم السماع؛ لحصول التملّك ظاهرا بالقبض.

فدعوى الفساد يحتاج إلى دليل.

و قول الدافع بعد خروج المال عن يده إقرار في حق الغير.

و هذا هو الأوجه.

و مجرد كونه أعرف بقصده لا يوجب (4) الخروج عن القاعدة، و لذا لا يسمع ذلك في سائر العقود الصادرة.

و منه يعلم الحال ما لو توقّف عنده حينئذ بالطريق الأولى. مضافا إلى تسليطه إلى إتلافه

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 527.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 349.

(3) مدارك الأحكام 5/ 204.

(4) في (د): «توجب».

238

مجانا، فلا رجوع له عليه كما إذا أعطاه مالا ثمّ ادّعى بعد تلفه أنّه إنّما دفعه لزعم كونه دينا عليه، فتبين له الخلاف، فإنّه لا رجوع له عليه.

و قضية الوجه الأخير عدم وجوب الردّ عليه، و لو مع علمه بالحال بعد الإتلاف.

و يشكل بأنّ المال المدفوع إن كان للدافع فلا كلام ظاهر في عدم جواز الرجوع عليه لإتلافه بتسليطه عليه مجانا.

و أما لو كان من مال الغير كما هو المفروض في المقام فلا، ألا ترى أنّه لو دفع إليه مالا مغصوبا من دون إعلامه بالغصب، ثم تبيّن الحال للمدفوع إليه بعد إتلافه ضمنه لمالكه و إن كان الرجوع إلى الدافع نظرا إلى غروره، و هو لا ينافي وجوب ردّه عليه؛ لظهور كون المتلف من حق الفقراء مثلا، فلا بدّ من دفعه إلى أمينهم.

غاية الأمر أن له رجوعا على ذلك الأمين، و قد يمتنع عن أداء حقه أو يكون هناك مانع من الدفع كالاعتبار و نحوه.

فالقول بوجوب الدفع قوي إلّا أنّه قد يشكل الحال في المقام في رجوعه إلى الدافع؛ نظرا إلى كون الدافع على وجه مشروع هو مشارك للمدفوع إليه في الجهل سيّما إذا كان دفعه من جهة دعواه الفقر.

و قد يفصل بين ما إذا كان دفعه لطلبه الزكاة و ما إذا دفعه ابتداء فلا رجوع له إلى الدافع في الأوّل؛ لاستناده إليه بخلاف الآخر.

و هو متّجه.

و لا فرق بين أن يكون الدافع إليه هو المالك أو الحاكم أو الوكيل من أحدهما؛ لاتحاد المناط في الكلّ.

و قطع في التذكرة (1) أنّه لو كان الدافع الإمام جاز له الاسترداد مع عدم الإعلام مع بقاء العين و تلفه؛ معلّلا بأنّ الظاهر فيما يعرفه الإمام و يقسمه أن زكّاه.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 349.

239

و التعليل كما ترى أخصّ من الدعوى؛ إذ قد لا يظهر ذلك في بعض المقامات.

ثمّ في الاتّكال على مجرّد الصدور من دون العلم بالحال أو إعلامه حال الدفع إشكال.

ثمّ قضيّة كلامه جريان الحكم في الفقيه و وكيل الحاكم إذا علم المدفوع إليه حين القبض كونه وكيلا عن الحاكم.

و حينئذ يجري الإشكال في كلّ من صورتي بقاء العين و تلفه، و أمّا إمام الأصل (1) فلا إشكال في وجوب الرد مع بقاء العين من جهة العلم الحاصل من قوله.

هذا كلّه بالنسبة إلى تكليف المدفوع إليه، و أمّا الدافع فإن كان الإمام أو نائبه العام أو الخاص بعد دفع المالك إليه أجزأ عن المالك أو دفع المالك إليه دفع إلى الفقير و نحوه، و لا يوجب ضمانا على الإمام (عليه السلام) أو نائبه كما هو الحال في سائر تصرفاته من جهة الولاية.

و عن المنتهى (2): إنّه لا خلاف فيه بين العلماء؛ لأن المالك قد خرج عن العهدة بالدفع إلى الامام أو نائب، و الدافع خرج عن العهدة بالدفع إلى من يظهر منه الفقر، و إيجاب الإعادة تكليف جديد منفي بالأصل.

و في الحدائق (3): إنه لا يخلو من قرب إلّا أنّ الفتوى به مع عدم النص في المسألة مشكل.

قلت: و لا ينبغي التأمّل في شيء من المقامين المذكورين؛ لوضوح ما قرّر من الوجهين.

هذا إذا كان الدفع إلى الإمام أو نائبه بقصد أداء الزكاة لولايته على الفقراء، و أمّا إذا كان بعنوان توكيله في الأداء جرى عليه حكم سائر الوكلاء.

و إن كان الدافع المالك فقد اختلف فيه على أقوال:

أحدها: الإجزاء مطلقا. و حكي عن الشيخ و جماعة لأداء الواجب على النحو المشروع، موافقا لما أمر به الشرع. و قضية الأمر الإجزاء، و لزوم الإعادة يحتاج إلى دليل، و لا دليل عليه.

____________

(1) كذا.

(2) منتهى المطلب 1/ 542.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 169.

240

ثانيها: الإعادة كذلك. و حكي عن المفيد (1) و الحلي (2)، و به قطع صاحب الحدائق (3).

و يدلّ عليه أنّ دفع المال إلى غير مستحقه يوجب الضمان، و لو كان من جهل. و الأمر المتعلق من الشرع ظاهري يحكم بحصول الامتثال معه ما دام الجهل.

مضافا إلى أن الضمان- كما عرفت- من الأحكام الوضعيّة، فلا يتفاوت الحال فيه مع العلم و الجهل، و لذا يحكم بالضمان في سائر المواضع، و لو مع الجهل.

و خصوص الصحيح عن الحسين بن عثمان، عمّن ذكره، عن الصادق (عليه السلام): في رجل أعطى زكاة ماله رجلا و هو يرى أنه معسر، فوجده موسرا؟ قال: «لا يجزي عنه» (4).

و فيه: أن الرواية مرسلة خالية عن الجابر، فلا حجة فيها، و أصالة الضمان غير ناهضة على ثبوت الضمان في المقام، فثبوت ولاية المالك على المال و تسلّطه في الدفع إلى من شاء من الفقراء، و المفروض عدم وقوع تفريط، و لا تعدّ منه إذا فعل الولي على المال ما عليه في حفظه و ايصاله لم يتعقبه ضمان.

و قوله (عليه السلام): «على اليد ما أخذت حتى تؤدي» (5) غير ظاهر الشمول لمثله، سيّما بعد ظهور كون المالك أمينا بل وليا على المال حسبما أشرنا إليه.

نعم، لو وقع منه تعدّ في المال أو تفريط فيه قضى ذلك بالضمان، و المفروض عدمه.

و بذلك يظهر قوّة القول الأوّل.

ثالثها: التفصيل بين الاجتهاد و عدمه، فلا ضمان عليه على الأول دون الأخير.

و حكي عن الفاضلين (6)؛ لأن المالك أمين فيجب عليه الاستظهار، و معه لا ضمان، و أما مع التسامح فيه ضمن المال مع انتفاء المصادفة؛ و لصحيحة عبيد بن زرارة، و رواية زرارة

____________

(1) المقنعة: 260.

(2) في (ب): «الحلبي».

(3) الحدائق الناضرة 12/ 169.

(4) الكافي 3/ 545، باب الرجل يعطي من الزكاة من يظن أنه معسر ثم يجده موسرا ح 1.

(5) عوالي اللئالي 1/ 224.

(6) المعتبر 2/ 569، منتهى المطلب 1/ 527.

241

المروية فيه مرسلا في التهذيب.

و ضعف الوجهين المذكورين ظاهر:

أمّا الأوّل فلما عرفت من جواز الأداء بمحض الادّعاء، و عدم تقصيره في التكليف دلالة الخبرين على ذلك غير ظاهرة، بل الظاهر ورودهما في الدفع إلى غير المؤمن مع الاجتهاد فيهما إما متروكان أو موّلان.

و إن كان الدافع إليه وكيل المالك فلا ضمان على الوكيل؛ لانتفاء ما يوجب ضمانه من التعدي أو التفريط سيّما إذا نصّ المالك بدفعه إلى من ادّعى الفقر.

نعم، لو شرط عليه الدفع بعد الاختبار فدفعه من دونه ضمنه.

و كذا لو دلّ شاهد الحال عليه.

و بالجملة دفعه على غير النحو الذي وكله، فظهر عدم استحقاق المدفوع إليه ضمنه الوكيل، بل و كذا لو كان مستحقا.

نعم، لو قلنا بجريان الفضولي في دفع الزكاة و نحوها جاز إمضاء المالك حينئذ فيسقط معه الضمان عنه.

ثمّ مع ضمان الوكيل هل يثبت الضمان على الموكّل أيضا؟ وجهان؛ من عدم وصول الحق إلى مستحقه فلا يبرء ذمة المالك من الدفع، و من عدم تفريط المالك في الدفع؛ إذ يجوز له الدفع إلى الأمين. و هو الأشبه بالقواعد.

و منه يتقوّى الوجه في عدم ضمان الموكل في صورة عدم ضمان الوكيل أيضا مع ظهور عدم استحقاق المدفوع إليه.

هذا كله مع إعانة الوكيل بحيث يجوز دفع مال الفقير إليه، و أما مع انتفاء الأمانة فيه فيضمن المالك حين دفعه إليه.

و يشكل الحال إذن في قبول قوله في الإيصال، بل و مع العلم بالحال؛ إذ لا اعتماد عليه في النيّة إلّا إذا تولّاها المالك حسبما مرّ.

و هل له الرجوع عليه في الأول، بل في الأخير أيضا؛ نظرا إلى فساد التوكيل، أو لا نظرا

242

إلى تسليطه عليه كذلك؟ وجهان.

و يتعيّن الأخير مع جهل الوكيل بفساد التوكيل.

فروع

[أوّلها:] (1) لو كان الدافع هو الحاكم صحّ له الاسترداد من المدفوع إليه

بعد ظهور انتفاء استحقاقه مع بقاء العين و تلفها مع ضمانه، و كذا الحال في المالك لولايته على المال قبل الوصول إلى مستحقه.

و لو كان الدافع هو الحاكم بعد قبضه من المالك ولاية على المستحق، فليس للمالك الاسترجاع بعد عثوره على عدم استحقاقه؛ إذ لا سلطان له عليه بعد إقباض الحاكم، فهو بمنزلة الأجنبي.

و قطع في التذكرة (2) بجواز الرجوع عليه. و ليس بمتّجه.

نعم، مع عدم التمكن من الرجوع إلى الحاكم كان حاله كحال غيره من الناس في تولّي الامور الحسبيّة.

و هل للفقراء الرجوع عليه إذا ظهروا عليه من غير إذن الحاكم أو المالك إذا كان هو الدافع؟ وجهان أظهرهما العدم؛ لعدم تعيّنهم للاستحقاق، بل هم بمنزلة غيرهم.

و استوجه في التذكرة (3) الجواز.

ثانيها: لا فرق بين ظهور عدم استحقاق المدفوع إليه من جهة غناه أو لجهة أخرى كالكفر

أو عدم الايمان أو الهاشميّة و نحوها. و يجري الأبحاث المتقدّمة في الجميع.

و قد نبّه عليه الشيخ و غيره.

و ربما يحتمل في المقام الفرق لعدم الطريق إلى معرفة الفرق و تعذر الوقوف على حقيقته

____________

(1) الزيادة منّا.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 349.

(3) تذكرة الفقهاء 5/ 349.

243

إلّا على سبيل الظن، فكان الخطأ عذرا فيه.

و أما في غيره فيظهر فيه الحال بعد الفحص. و وهنه ظاهر.

ثالثها: لو ظهر كون المدفوع إليه عبدا للمالك،

فإن كان هو الدافع أو وكيله لم يجزه قطعا.

و لو كان الدافع إليه الحاكم، فالظاهر براءة ذمة المالك لبراءتها بالدفع إلى الحاكم، فإن صحّ استرداد الحاكم منه و إلّا فلا ضمان عليه أيضا كما عرفت.

و قطع في التذكرة (1) بعدم إجزائه عنه؛ معلّلا بعدم خروج المال عن ملكه، فجرى مجرى قولها (2) من غير تسليم، و هو إنّما يتمّ في غير دفع المالك.

و كذا الحال لو دفعه الحاكم أو وكيله إلى المالك استشارة غير أنّه يشتغل ذمته بالردّ ثانيا على إشكال في بعض صوره يظهر الوجه فيه ممّا مرّ.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 349.

(2) في (د): «غولها».

244

تبصرة [في العاملين على الزكاة]

الثالث من الأصناف: العاملين على الزكاة

، و لا خلاف عندنا كما نصّ عليه جماعة من علمائنا في استحقاقهم للزكاة.

و قد عزاه في التذكرة (1) إلى علمائنا أجمع.

و قد خالف فيه بعض العامة، فقال: إنّه يعطي أجرة لا زكاة، و الآية (2) الشريفة ظاهرة الدلالة على خلافه؛ مضافا إلى إجماع الفرقة- على ما حكاه جماعة من الأجلّة- و ما دلّ عليه من الروايات الخاصّة.

ثمّ إنّ قضية جعل القول المنقول عن بعض العامة مقابلا لما ذهب إليه الأصحاب كون المدفوع إليه عندنا على جهة الزكاة دون الأجرة. و قد نصّ عليه بعض المتأخرين.

و الذي يستفاد من ظاهر الآية الشريفة أنّ اللّه سبحانه جعل للعاملين بإزاء عملهم حقّا في الزكاة سواء تصدّوا للعمل شرعا أو أرادوا بذلك إحراز ما جعله اللّه للعامل، فيكون أخذه للحصّة حينئذ على غير وجه الأجرة أو الجعالة المجعولة من الحاكم، فلا يستحق على الحاكم شيئا إذا أتى بالعمل على أحد الوجهين المذكورين، و إنّما يستحقّ الحصّة المجعولة (3) من الشرع خاصّة، فهو نظير ما إذا نظر شيئا فردّ أحد عبده تبرعا أو لأن يستحق ذلك المال المنذور، فجهة الاستحقاق في المقام مغايرة لجهة الاستحقاق الحاصل من الإجارة و نحوها، و إن كانت الحكمة في وضعه ملاحظة العمل، و لذا لا يسقط ذلك بالإسقاط بخلاف الأجرة و نحوها.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 245.

(2) التوبة: 60.

(3) في (د) زيادة «له».

245

و كأنّ ذلك مقصود بعض أفاضل المتأخرين حيث ذكر أنّهم يستحقونها أجرة على عملهم؛ لما عرفت من عدم ذهاب أحد من الأصحاب إليه، و إنّما هو مذهب لبعض العامة.

هذا، و ليتم الكلام في ذلك برسم امور:

أحدها: أن المراد بالمعاملين السعاة في جباية الصدقات. و عمّه في نهاية الإحكام (1) للساعي و الكاتب و القاسم و الحاسب و العريف- و هو كالنقيب للقبيلة- و الحاشر- و هو الّذي يجمع أرباب الأموال و حافظ المال، و كلّ من يحتاج إليه فيها- ثم، احتمل في الكيّال و الوزّان و العدّاد الأسهام من سهم العاملين؛ لأنهم سهم، و المنع لأنّ على المالك توفية الواجب، فكأنّ العوض عليه في الرد ضميمة أنهم السعاة في تحصيلها بجباية و ولاية و كتابة و حفظ و حساب و قسمة و غيرها.

و قد (2) يستفاد منها التعميم لجميع ما (3) تلبس بشيء من الأعمال المذكورة و إن استبد كلّ واحد منها.

و فسّره في المدارك (4) بالساعين في جبايتها و تحصيلها بأخذ و كتابة و حساب و حفظ و قسمة و نحو ذلك، قال: و قد أجمع علماؤنا و أكثر العامة على استحقاق هؤلاء نصيبا من الزكاة، و إن كانوا أغنياء.

و الوجه في التعميم للجميع صدق العمالة عرفا بفعل أحد الأشياء المذكورة و نحوها.

و يشكل بأنّه قد يدلّ ظهورها فيمن يكون بيده أمر الصدقات في الأخذ من المالك، و الجباية إلى الحاكم دون سائر الخدّام كما للراعي (5)، و الحارس و نحوهما.

و في رواية عليّ بن إبراهيم، عن العالم (عليه السلام) أنّهم: «السعاة و الجباة في أخذها و جمعها

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 385.

(2) لفظة: «قد» زيدت من (د).

(3) في (د): «من».

(4) مدارك الأحكام 5/ 208.

(5) في (ألف): «لو راعى».

246

و حفظها حتى يؤدوها إلى من يقسمها» (1).

و كأنّها ظاهرة في المعنى المذكور.

و فيها دلالة ظاهرة على خروج القاسم، على أنّ البناء على إطلاق الآية بحملها على مقتضى ظاهر اللفظ على كلّ من له عمل على الصدقات ليس ببعيد.

مضافا إلى تأيّده بفهم الجماعة، إلّا أن الحكم بالنسبة إلى بعضها محلّ خفاء.

و هل يعتبر أن يكون منصوبا من جهة الإمام (عليه السلام)، فلا يجري ذلك في منصوب الفقيه؟ ظاهر الشيخ ذلك حيث ذهب إلى سقوط حق العمالة في زمن الغيبة.

و ظاهر إطلاق الآية الشمول بعد ما دلّ من الإطلاقات على جواز نصب الحاكم من يسعى في ذلك، و توكيله في القبض، بل قضية إطلاق الآية استحقاق كلّ من له عمل على الصدقات و لو كان من جهة المالك كما إذا عيّن شخصا لقبض زكاته و إخراجها من أمواله و بسطه على الفقراء إلّا أنّ ظاهرهم خروجه عن العامل حملا له على المنصوب؛ إذ هو المعروف المتداول في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و الإمام (عليه السلام).

و لو تصدى العامل لذلك من باب الحسب ففي ثبوت الحكم له وجهان.

و يجريان في تصدّي الفقيه بنفسه لذلك.

و القول بالاستحقاق بالنسبة إليه غير بعيد؛ إذ لا ينقص عن منصوب نفسه.

و نصّ في نهاية الإحكام (2) بأنّه ليس للإمام (عليه السلام) و للوالي من قبله و لا للقاضي إذا تولّوا أخذها و قسمتها شيء فيها؛ لعموم ولايتهم، فهم يأخذون رزقهم من بيت المال.

و ما ذكره ظاهر في الإمام (عليه السلام) لا من جهة تعليله بل لهاشميّته و عدم اندراجه في إطلاق العامل.

و أما في غيره فلا يخلو عن خفاء؛ إذ ارتزاقهم من بيت المال لا يقضي بسقوط حقّهم من ذلك مع إطلاق الآية سيما إذا كان الارتزاق بإزاء غيره من الأعمال.

____________

(1) تهذيب الأحكام 4/ 50، باب أصناف أهل الزكاة ح 3.

(2) نهاية الإحكام 2/ 386.

247

ثانيها: لو عيّن الحاكم أجرة أو جعالة للعامل من بيت المال (1) استحقّ ذلك بعمله سواء كان ذلك من غير الزكاة أو منها، و سواء كان من غير ما جعله عاملا عليه أو من جملته.

و حينئذ فيستحق ما عيّن له و إن قلّ ما حصله من الزكاة.

و لو كان أقل من القدر الذي عيّن له و لا يستحق ما يزيد على ذلك القدر، فلا سهم له في الزكاة إذا كانت الأجرة معينة من غيرها.

و كذا (2) نصّ عليه جماعة من الأصحاب، و يشكل الحال بإطلاق الآية مع اندراجه في اسم العامل قطعا إلّا أن يقال: الإطلاق ينصرف إلى غيره، فإنّ المتبادر منه كون استحقاق الحصة بإزاء عمله حتى لا يكون سعيه خاليا عن المنفعة الدنيوية، فإذا فرض استحقاق ذلك عليه بالعوض لم يستحق شيئا، و لا أقل من الشك، فيرجع فيه إلى الأصل.

و كذا الحال لو استأجره متبرّع على الفعل المذكور بإذن الحاكم.

و حينئذ فلو أسقط الأجرة لم يستحق السهم في وجه قوي.

نعم، لو أقدم حينئذ على الفعل مجانا لم يستحق الأجرة فيثبت (3) سهم العامل على وجه لا يخلو عن قوّة.

و يحتمل أن يقال بأنّ ذلك من مقوّمات النصب، فلا يكون فعله عن إذن الحاكم. و هو بعيد.

و في التذكرة: (4) و إن رأى الإمام أن يجعل له أجرة من بيت المال لم يستحق شيئا من الصدقة.

و ظاهر إطلاقه يعمّ ما لو كان فعله بإزاء الأجرة المقرّرة أو لا، ففيه إذن ما عرفت.

و الظاهر أنه لو جعل له جعالة ممّا يحصله من الزكاة كان استحقاقه ذلك بجعل الحاكم و لم

____________

(1) لم ترد في (ب): «من بيت المال».

(2) كذا، و الظاهر: «هكذا»، بدلا من: «و كذا».

(3) في (د): «له».

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 284.

248

يكن من سهم العامل في وجه قويّ.

و يتفرّع عليه بعض الفروع كما سيجيء.

و لو أمره الحاكم بالعمل فإن تبيّن أنّ مقصوده من الأجر الفعل بالأجرة أو تبين خلافه فلا إشكال، و إن لم يتبين الحال فهل يستحق الأجرة على الحاكم يدفعها إليه ممّا شاء من أموال بيت المال، فلا يثبت له سهم العمالة أو أنّه لا يستحق أجرة على ذلك، و إنّما يثبت له سهم العمالة بمقتضى جعل الشرع أو أنّه إن دفع إليه الحاكم سهم العامل فلا أجرة له، و إلّا يثبت الأجرة لاحترام العمل .. وجوه.

و نصّ في نهاية الإحكام (1) بعد حكمه بأنّه إن شاء الحاكم بعثه من غير تسميته على أنّه لو تلفت الصدقة في يده من غير تفريط فلا ضمان عليه، و (2) يستحق أجرة من بيت المال. و ظاهره يعطي اختيار الوجه الأخير من استحقاقه أحد الأمرين من السهم و الأجرة، فإذا تعذر الأول تعين الأخير. و هو غير بعيد عن ظاهر القواعد صونا لخلوّ عمل المسلم عن العوض بالمرّة.

ثالثها: أنه على القول بعدم (3) وجوب بسط الزكاة على الأصناف كما هو الأظهر- حسبما يأتي إن شاء اللّه- هل للحاكم الخيار في دفع حصّة العامل على نحو خياره في الصرف على سائر المصارف؟ وجهان؛ من أنّ ظاهر الآية هو الاستحقاق، غاية الأمر دلالة الأدلّة على عدم وجوب الصرف إلى كلّ من المذكورات بالنسبة إلى غير العامل، و أما العامل فيبقى على الأصل من أنها إنّما وردت في الجميع على نحو واحد، فبعد حملها على بيان المصرف لا يبقى فيها دلالة على ذلك.

و الأول أوفق بظاهر الآية.

ثمّ إنّ ما ذكرناه إنّما هو من جهة استحقاقه سهم العمالة، أما من جهة الاستيجار أو قضاء الأمر باستحقاق العوض فقد مرّ القول فيه.

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 386.

(2) لم ترد في (ب): «و».

(3) في (ألف): «بعد».

249

رابعها: أنّه قد ذكر للعامل شروط:

منها: أن يكون أمينا بأن يكون بالغا عاقلا مسلما مؤمنا عدلا، فلا يصحّ عمالة من لا يجتمع فيه الصفات المذكورة. كذا ذكروه، و هو إنّما يتم إذا فسّر العامل بالساعي في أخذ الصدقات و جبايتها إلى الامام كما هو المعروف في استعماله- حسبما مرّت الإشارة إليه-، و أمّا مع التعميم لسائر الأعمال المتعلقة (1) بالصدقات كما هو ظاهر الجماعة فلا يتمّ الإطلاق المذكور؛ لظهور أن بعض الأعمال ممّا لا يتوقف على الاعتماد على العامل كالكتابة و جميع أرباب الأموال إذا كانوا معلومين و نحو ذلك من الأعمال الظاهرة، فينبغي إذن تخصيصه بما إذا كان عاملا على ما يؤتمن عليه.

و منها: الفقه، نصّ عليه في الشرائع (2) و المراد به التفقه فيما يتوليه من العمل كمعرفة قدر الواجب و صفته و نحوهما من الأحكام.

و هذا أيضا لو تمّ فإنّما يتمّ مع تخصيص العامل بما مرّ و أما مع تعميمه لسائر الأعمال فلا بدّ من تقييده بما يتوقف العلم بأدائها على العلم بالحكم.

ثمّ إنّ المراد به مطلق المعرفة بالحكم و لو على سبيل التقليد.

و حكى في المدارك (3) عن ظاهر المعتبر (4) الميل إلى عدم اعتباره، و الاكتفاء فيه بسؤال العلماء، قال: و استحسنه في البيان (5).

و قد يقال بعدم اشتراط العمالة بها و إن كان من مكمّلاتها؛ إذ ذاك (6) وظيفة المالك و إنّما عليه أن يأخذ ما يدفعه المالك إليه.

نعم، لو توقف العمل عليه كما إذا امتنع المالك و أراد إجباره عليه تمّ ذلك.

____________

(1) لم ترد في (ب): «المتعلّقة بالصدقات .. مما لا يتوقّف».

(2) شرائع الإسلام 1/ 121.

(3) مدارك الأحكام 5/ 211.

(4) المعتبر 2/ 571.

(5) البيان: 194.

(6) في (ب): «إدراك» بدل: «إذ ذاك».

250

و منها: الحرية. ذكره الشيخ (1)، و علّل بأنّ العامل يستحق نصيبا من الزكاة، و العبد لا يملك شيئا حتى يدفع إليه، و مولاه لم يعمل شيئا حتّى يستحق حقّ العمالة.

و ردّ بأنّ عمل العبد كعمل السيد.

و قوّى في المعتبر (2) عدم اعتبارها معلّلا بحصول الغرض بفعله و إن العمالة نوع إجارة و العبد صالح له مع إذن السيد.

و في المدارك (3): إنّه لا بأس به.

و عن المحقّق في المعتبر (4) الميل إليه.

و تردد فيه في الشرائع (5).

و التحقيق أن يقال: إنّه لا وجه لاشتراط الحريّة في أصل العمالة؛ إذ لا مانع من تولّي العبد لها مع استجماعه لسائر الشرائط و إذن المولى له في ذلك، أما استحقاقه للمال فإن كان استعماله على سبيل الاستيجار و نحوه فلا ينبغي التأمل فيه أيضا لكون العبد قابلا له بعد إذن السيد، فتكون الأجرة ملكا لسيده كما لو استأجر على سائر الأعمال و إن كان نحو العمالة الصرفة من دون حصول الاستيجار و ما بمنزلته فيشكل الحال في استحقاقه سهم العمالة؛ لأن العبد في نفسه غير قابل للتملك و استحقاق المولى له ممّا لا دليل عليه، فإن ذلك حقّ جعل للعامل دون غيره.

و ليس ذلك من قبيل الأجرة المستحقة المالك (6)، فالقول باستحقاق المولى له مشكل جدا.

هذا بالنسبة إلى العبد القنّ، و أما المبعّض فالظاهر استحقاقه على حسب حريته.

____________

(1) في المبسوط 1/ 248، و التعليل تجده في المعتبر 2/ 571.

(2) المعتبر 2/ 571.

(3) مدارك الأحكام 5/ 213.

(4) المعتبر 2/ 571.

(5) شرائع الإسلام 1/ 121.

(6) في (د): «حتى يستحقه المالك» بدل «المستحقة المالك».

251

و أما المكاتب فلا مانع من استحقاقه و لصحّة تملكه سواء كان مشروطا أو مطلقا أدّى من مال الكتابة شيئا أم لا.

و منها: أن لا يكون هاشميا. ذكره في الشرائع (1) و غيره.

و هو أيضا ضعيف لو أريد اشتراطه في أصل العمالة، و إن اريد اشتراطه في استحقاق المال فإن دفع إليه من بيت المال على سبيل الاستيجار فلا يظهر ما يقضي فيه بالمنع، و إن كان المدفوع إليه من مال الزكاة؛ إذ لا يحرم عليهم الأخذ من الزكاة إذا دفع إليهم على سبيل المعاوضة، و لذا يجوز شراء أموالهم بمال الزكاة، و كذا استيجارهم على سائر الأعمال.

و كذا الحال لو عيّن لهم على سبيل الجعالة سهم ممّا يحبونه من الزكاة في وجه قوي؛ لما عرفت من تملكهم له حينئذ بالعمل.

و ليس استحقاقهم حينئذ على نحو استحقاق الزكاة، و الصحيحة الآتية لا دلالة فيها على المنع من الجهة المذكورة و إن اريد دفعه إليه من سهم العمال على نحو استحقاق الزكاة فلا تأمّل في المنع لما دلّ باطلاقه على الحرمة (2) الصدقات عليهم.

و يدلّ عليه خصوص الصحيح: إن أناسا من بني هاشم أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي (3) قالوا: يكون لنا هذا السهم الذي جعله اللّه عز و جل للعاملين عليها فنحن أولى به، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «يا بني عبد المطلب إنّ الصدقة لا تحل لي و لا لكم ..» (4) الخبر.

فما حكاه الشيخ في المبسوط (5) عن قوم من جواز كون العامل هاشميا لأنّه يأخذ على وجه الأجرة فكان كسائر الإجارات ضعيف جدّا.

____________

(1) شرائع الإسلام 1/ 121.

(2) في (د): «حرمة».

(3) في (د) زيادة: «و».

(4) الكافي 4/ 58، باب الصدقة لبني هاشم و مواليهم و صلتهم ح 1.

(5) نقله عنه في مدارك الاحكام 5/ 212.

252

قال العلّامة (1): و الظاهر أن المحكيّ عنهم من العامة؛ إذ لا أعرف قولا لعلمائنا في ذلك.

قلت: و يشير إليه التعليل المذكور؛ إذ ذلك من مذاهبهم خاصة.

هذا إذا كان عاملا على صدقات غير قبيله و أمّا لو جعل عاملا على صدقات قبيله فلا وجه للمنع، و كذا الحال مع حلية الصدقة عليهم لقصور الخمس.

و قد نبّه عليهما في المدارك (2).

____________

(1) مختلف الشيعة 3/ 217.

(2) مدارك الأحكام 5/ 212.

253

تبصرة [في المؤلّفة قلوبهم]

الرابع من الأصناف: المؤلّفة قلوبهم،

و الكلام فيه في الموضوع و الحكم:

أمّا الأوّل فقد اختلف فيه كلمة الأصحاب، و لهم في تفسير المؤلفة أقوال:

أحدها: ما ذهب إليه جماعة من تفسيره بالكفار الذين يستمالون للجهاد. قال في الشرائع (1) بعد تفسيرها بذلك: و لا نعرف مؤلفة غيرهم.

و قال المحقق الكركي (2): اختصاصهم بذلك هو الأشهر.

و في الحدائق (3): الظاهر أنه المشهور.

و في المبسوط (4): المؤلفة قلوبهم عندنا هم الكفّار الذين يستمالون بشيء من مال الصدقات إلى الإسلام، و يتألفون يستعان بهم على قتال أهل الشرك. و لا يعرف أصحابنا مؤلفة أهل الإسلام.

و ذكر نحو ذلك في الخلاف، و حكى إجماع الفرقة عليه إلّا أنّه لم يذكر الاستمالة إلى الإسلام.

و بمعناه ما حكى الاقتصار و المصباح من أنهم قوم من الكفّار لهم ميل في الإسلام يستعان بهم على قتال أهل الحرب.

____________

(1) شرائع الإسلام 1/ 121.

(2) جامع المقاصد 3/ 31.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 175.

(4) المبسوط 1/ 149.

254

و تبعه الطوسي (1) و العلّامة (2) في بعض كتبه.

ثانيها: ما ذهب إليه العلّامة في النهاية (3) حيث قال: و هم عند علمائنا الكفّار خاصة الذين يستمالون إلى الإسلام بشيء من الصدقات أو يتألفون ليستعان بهم على قتال أهل الشرك و لا يعرف علماؤنا مؤلفة أهل الإسلام، فعمّمه لكلّ من الصورتين المذكورتين.

ثالثها: ما حكى (4) الإسكافي من أن المؤلفة قلوبهم من أظهر الدين بلسانه و أعان المسلمين و إمامهم بيده و كان معهم إلا قلبه. و ظاهره أنّهم صنف من المنافقين.

رابعها: ما حكي عن المفيد (5) من أنهم ضربان: مسلمون و مشركون، فيكون مفسّرا عندهم بالأعم.

و عزاه في التذكرة (6) إلى الشافعي، قال: و هو الأقوى عندي.

و قال الفاضل الجزائري بعد نقله عن المفيد: و فيه وجه جمع بين الأخبار فلا بأس به.

و حكى المحقق في المعتبر (7) عن الشافعي تقسيم المؤلفة أوّلا إلى قسمين: مسلمين و مشركين، ثمّ (8) قسّم الثاني إلى قسمين: قسم منهم له شوكة يخاف منهم فإن أعطوا كفّوا شرّهم و كف غيرهم معهم، و الآخر جماعة منهم لهم ميل إلى الإسلام، فيعطون من سهم المصالح لتقوى نيّتهم في الإسلام و يميلون إليه.

و قسّم الأول إلى أربعة أقسام:

الأول: قوم لهم نظراء فإذا أعطوا رغب نظراؤهم في الإسلام.

____________

(1) مصباح المتهجد: 857.

(2) تحرير الأحكام 1/ 404.

(3) نهاية الإحكام 2/ 386.

(4) في (د) زيادة «عن».

(5) نقله عنه في المعتبر 2/ 573.

(6) تذكرة الفقهاء 5/ 250.

(7) المعتبر 2/ 573.

(8) لفظة «ثم» زيدت من (د).

255

الثاني: قوم في نياتهم ضعف، فيعطون لتقوى نياتهم.

الثالث: قوم من الأعراب في أطراف بلاد الإسلام و بإزائهم قوم من أهل الشرك إذا اعطوا رغب الآخرون.

الرابع: قوم بإزائهم آخرون من أهل الصدقات، فإذا اعطوا جبوها يراجع المصدر (1) منهم راغبوا عن العامل.

و قال (2) بعد حكاية ذلك عنه: و لست أرى بهذا التفصيل بأسا؛ فإن ذلك مصلحة، و نظر المصلحة موكول إلى الامام (عليه السلام).

و عن الشيخ (3) إن التفصيل المذكور لم يذكره أصحابنا غير أنه لا يمتنع أن يقول: إن للإمام أن يتألف هؤلاء القوم و يعطيهم إن شاء من سهم المؤلفة، و إن شاء من سهم المصالح؛ لأن هذا من فرائض الإمام (عليه السلام)، و فعله حجّة، و ليس يتعلّق علينا في ذلك حكم اليوم و فرضنا تجويز ذلك، و الشك فيه عدم القطع بأحد الأمرين.

و عن الشهيد في حواشي القواعد: لا ريب أن التألف متحقق في الجميع إلّا أنّ المؤلفة قلوبهم زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) الذين كانوا يعطيهم من الزكاة و غيرها زيادة على غيرهم ما كانوا كفّارا ظاهرا بل، مسلمين ضعيفي العقائد إشرافا في قومهم كأبي سفيان و الأقرع بن حابس و عيينة (4) بن حصين و نظرائهم، و هم معلومون مضبطون بالعدد بين علماء هذا الشأن.

و قد أحسن ابن الجنيد (5) حيث عرفهم بأنّهم من أظهر الدين .. إلى آخره.

و على كلّ حال فجميع من ذكر من الأقسام يجوز إعطاؤهم من الزكاة؛ لأنّ مرجعهم إلى سبيل اللّه و إلى العمالة، و إنّما الكلام في استحقاقهم من خصوص سهم المؤلفة. انتهى.

____________

(1) في (ب): «حبواها»، و في (د): «جوها».

(2) المعتبر 2/ 573.

(3) المبسوط 1/ 250.

(4) في (ب): «عنبسة»، و في (ألف): «عينية».

(5) نقله عنه في مدارك الأحكام 5/ 214.

256

و الذي يتقوّى في النظر أن المؤلفة أقسام ثلاثة:

أحدها: الكفار الذين يتألفون ليستعان بهم في جهاد الكفار.

ثانيها: الكفار الذين يستمالون إلى الإسلام بدفع المال ممن يرجى في شأنهم ذلك. و قد عزا في نهاية الإحكام (1) تفسير المؤلفة بالصنفين المذكورين إلى أصحابنا مؤذنا بالاتفاق عليه كما مرّت الإشارة إليه.

ثالثها: من يظهر كلمة الإسلام و ليس على كمال الاطمئنان و التثبّت في الدين و يكون ضعيفا في الدين، فيعطي من الزكاة ليستوفر رغبته في الإسلام و يتقوّى نيته فيه.

و يدلّ على جريان حكم المؤلّفة في الجميع ظاهر إطلاق الآية الشريفة المؤيّدة بالنسبة إلى الأوّل بما عرفت من إجماع الخلاف، و ظهور عبارة المبسوط (2) في الإجماع أيضا عليه، و كذا في نهاية الإحكام (3).

مضافا إلى الشهرة المحكيّة عليه المعتضدة بفتوى الجماعة (4) بالنسبة إلى الثاني ما في نهاية الإحكام (5) من ظاهر الإجماع، مضافا إلى غير واحد من الأخبار:

ففي رواية زرارة، عن الباقر (عليه السلام): «المؤلفة قلوبهم قوم وحّدوا اللّه و خلعوا عبادة من دون اللّه و لم تدخل المعرفة قلوبهم، إنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و كأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتألفهم و يعرفهم و يعلمهم» و نحوه ما رواه علي بن إبراهيم في تفسيره عن الصادق (عليه السلام) في تفسير الآية. و رواه عنه في التهذيب، و فيه: «فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يتألفهم و يعرفهم و يعلمهم كيما يعرفوا فجعل لهم نصيبا في الصدقات لكي يعرفوا و يرغبوا» (6).

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 387.

(2) المبسوط 1/ 250.

(3) نهاية الإحكام 2/ 387.

(4) في (د) زيادة «و».

(5) نهاية الإحكام 2/ 387.

(6) تهذيب الأحكام 4/ 50، باب أصناف أهل الزكاة ح 3.