تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
257

و في (1) مرسلة موسى بن بكير عن الباقر (عليه السلام) ما كانت المؤلفة قلوبهم قطّ أكثر منهم اليوم و هم قوم وحّدوا اللّه تعالى و خرجوا من الشرك و لم تدخل معرفة محمد (صلّى اللّه عليه و آله) قلوبهم (2).

«و ظاهر هذه الأخبار عدم إقرارهم بالنبوة، فهم حينئذ كفّار يراد بإعطاء الزكاة عليهم ميلهم إلى الإسلام و رغبتهم فيه، كأنّ اعتبار اقرارهم بالتوحيد من جهة استكشاف قربهم إلى دين الحق فيسهل اشتمالهم إلى الإقرار بالركن الآخر أيضا.

و يحتمل الاقتصار على ظواهر هذه الأخبار، فيعتبر في المؤلفة المذكورين الإقرار بالتوحيد.

و يدلّ على الثالث بعد الإطلاق المذكور خصوص صحيحة زرارة، عن الباقر (عليه السلام) قال:

سألته عن قول اللّه عزّ و جلّ (وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ) قال: «هم قوم وحّدوا اللّه عزّ و جل و خلعوا عبادة من يعبد من دون اللّه شهدوا (3) أن لا إله إلّا اللّه و أنّ محمدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و هم في ذلك شكاك في بعض ما جاء محمد (صلّى اللّه عليه و آله)، فأمر اللّه عزّ و جل نبيه (صلّى اللّه عليه و آله) أن يتألّفهم بالمال و إعطائه (4) لكي يحسن إسلامهم و يثبتوا على دينهم الذي دخلوا فيه (5).

و هي كما ترى واضحة الدلالة على ذلك، و ليست صريحة في الحصر في تلك الطائفة.

و قد عرفت دلالة غيرها على ثبوت الصنفين الآخرين، فما في الحدائق من الاقتصار على مدلول هذه الرواية و دعواه دلالة الخبرين المتقدمين و غيرهما على ذلك أيضا ممّا لا وجه له.

كيف و قد عرفت ظهور دلالة الخبرين المذكورين على خلافه.

ثمّ ليس في هذه الأخبار صراحة على خروج الصنف الأول عن المؤلّفة.

نعم، فيها ظهور في ذلك، و هو لا يقاوم ما عرفت. فما في الحدائق تفريعا على ما استفاده

____________

(1) في (ألف): «في» بدون الواو.

(2) الكافي 2/ 412، باب المؤلفة قلوبهم، ح 5.

(3) في د: «أشهدوا».

(4) في د: «و إعطاء».

(5) الكافي 2/ 411، باب المؤلفة قلوبهم، ح 2، و انظر: بحار الأنوار 21/ 177.

258

من الأخبار، فالتأليف إنّما هو لأجل البقاء على الدين و الثبات عليه لا كما زعموا رضي اللّه عنهم من الجهاد- كفارا كانوا أو مسلمين- و أنّهم يتألفون بهذا السهم لأجل الجهاد، ليس (1) على ما ينبغي.

و أما الثاني فلا خلاف بين الأمة في ثبوت سهم للمؤلفة كما هو نصّ الآية الشريفة إلّا أنّ هناك كلاما في سقوطه بعد النبي (صلّى اللّه عليه و آله) في ثبوته (2)، فعن الصدوق في الفقيه (3) القطع بالسقوط كما هو مختار بعض العامة.

و علّل بأن اللّه سبحانه أعزّ الدين، فلا حاجة إلى التأليف.

و المعروف بين الأصحاب عدم سقوطه و به نصّ الفاضلان و غيرهما. و في التذكرة: (4) و حكمهم باق عند علمائنا، و هو مؤذن بالإجماع عليه مع عدم ظهور النسخ، بل ظهور خلافه.

و ظاهر التعليل المتقدم هو دعوى المسقط [و] عدم حصول موضوع للتأليف لا حصول النسخ للحكم؛ إذ لم يرد ذلك لا من طريق العامّة و لا الخاصّة، فلا نزاع إذن في الحكم و الموضوع، إنّما يرجع فيه إلى العادة و حصول الحاجة، فيدور الأمر مدار ذلك.

و عن الشيخ (5) أنه يسقط في زمن غيبة الإمام (عليه السلام) خاصّة إذا دهم المسلمين- العياذ باللّه- عدوّ يخاف منه عليهم، فيجب الجهاد فيحتاج (6) إلى التأليف، فيجوز الصرف إليهم.

و بمعناه ما في نهاية الإحكام (7) حيث ذكر أن قول الشيخ جيّد، لكن لو فرضت الحاجة إلى المؤلفة بأن ينزل بالمسلمين نازلة و احتاجوا إلى الاستعانة بالكفار، فالأولى عندي جواز صرف السهم إليهم.

____________

(1) لم ترد في (ب): «ليس على ما ينبغي، و أما الثاني فلا خلاف».

(2) في (ألف): «نبوته» بدل: «ثبوته».

(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 6.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 249.

(5) النهاية: 185.

(6) في (د) زيادة: «حينئذ».

(7) نهاية الإحكام 2/ 388.

259

و في المدارك (1) بعد حكاية عبارة المنتهى: و لا ريب في قوة هذا القول تمسّكا بظاهر التنزيل السالم عن المعارض.

و الذي يتقوى في النظر أنّ التألف إن كان لأجل الجهاد فهو ممّا يتوقّف على ثبوت الجهاد في عصر الغيبة حسبما ذكره العلّامة، فإذا حصل الباعث على مشروعيته كالفرض المذكور في كلامه أو غيره جرى الحكم.

نعم، لو خصّ فيه بالجهاد المطلوب من جهة الدعاء إلى الإسلام لزم القول بسقوطه حينئذ على الإطلاق إلّا أنّ ظاهر إطلاق الأصحاب خلافه، و إن كان لأجل التثبّت على الإسلام و كمال الإيمان أو لترغيبه في ذلك و ميله إليه.

فقضيّة الإطلاق جريانه في الغيبة أيضا؛ لإمكان حصوله حينئذ و قيام الحكمة المشرعة له. و ليس في الأدلّة ما يقضي بالمنع إلّا أن يقال: إن ذلك من وظائف الإمام (عليه السلام) أو نائبه الخاص حال حضوره (2)، فقيام غيره مقامه يحتاج إلى دليل.

و يدفعه أنّ الفقيه ينوب منابه في ساير الأحكام، فكذا في ذلك على أنّ إطلاق الآية قاض فيه بالجواز، غاية الأمر أن يكون من وظائف الإمام في حال الحضور.

نعم، روى الطبرسي مرسلا عن أبي جعفر (عليه السلام) ثبوت سهم المؤلّفة بعد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلّا أنّه قال: من شرطه أن يكون هناك إمام عادل يتألفهم به على ذلك (3).

و هي لإرسالها تقصر عن إفادة المراد.

و كيف كان، فالمسألة مشكلة جدا؛ إذ ليس في الأخبار المعتبرة دلالة على شيء من الوجهين.

و ظاهر الحال أنّ مثل هذه الأفعال إنّما يصدر عن الحكّام، و احتمال اختصاصه بالإمام (عليه السلام) ليس ببعيد.

____________

(1) مدارك الاحكام 5/ 215.

(2) في د: «الحضور».

(3) لاحظ: تفسير مجمع البيان 5/ 75 و فيه: «على ذلك بر».

260

و لذا ورد في عدّة من الروايات المتقدمة أنّ اللّه أمر نبيه بذلك، مضافا إلى المرسلة المتقدمة. فإن تمّ إطلاق الآية الشريفة في المقام أو ثبت إطلاق نيابة الفقيه عن الإمام (عليه السلام) بحيث يشمل مثل هذه الأفعال صحّ القول بعدم السقوط و إلّا اتّجه الحكم بالسقوط؛ لعدم وضوح دليل على كونه إذن من المصارف، فلا يحصل اليقين بالفراغ بالصرف إليه، مضافا إلى ما عرفت.

فما في الحدائق (1) من القطع بسقوطه في زمن الغيبة مستندا إلى الأخبار المتقدمة مؤيّدة بالمرسلة المذكورة ممّا لا وجه له.

و هي (2) كما ترى لا دلالة فيها على السقوط في زمن الغيبة بوجه.

و حكم أيضا بسقوطه في زمن ظهورهم (عليهم السلام) و عدم بسط أيديهم معلّلا بأنّ التأليف مختص بهم و أيديهم حينئذ قاصرة من إقامة الحدود الشرعيّة (3) و تنفيذ الأحكام لغلبة التقية.

و هو أيضا كما ترى.

و قد تقدم في مرسلة موسى بن بكر (4) أكثرية المؤلفة قلوبهم في عصره (عليه السلام). و في رواية زرارة عنه (عليه السلام) أيضا: «المؤلفة قلوبهم لم يكونوا قطّ أكثر منهم اليوم» (5)، فتأمل.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 179.

(2) في (د): «إذ هي».

(3) في (ألف): «و الشرعية».

(4) الكافي 2/ 412، باب المؤلفة قلوبهم ح 5.

(5) الكافي 2/ 411، باب المؤلفة قلوبهم ح 3.

261

تبصرة [في الرقاب]

الخامس من الأصناف: الرقاب،

و المراد بهم على ما ذكروه في المقام أمور:

أحدها: المكاتبون مع قصور كسبهم عن أداء مال الكتابة.

و عن المبسوط (1) و الغنية (2) و السرائر (3) أنه لا خلاف لأحد منّا و لا من العامة في استحقاق هؤلاء سهم الرقاب.

و يدلّ عليه بعد اطلاق الاية ما رواه الصدوق مرسلا، و الشيخ مسندا، عن أبي إسحاق السبيعي، عن بعض أصحابنا، عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد أدّى بعضها؟ قال: «يؤدي عنه من مال الصدقة، إنّ اللّه تعالى يقول في كتابه: (وَ فِي الرِّقٰابِ) (4)». (5)

و قصور إسنادها منجبر بالعمل، و فرض أدائه لبعض مال الكتابة لا خصوصية (6) له في المقام كما هو ظاهر الحال.

و يدلّ عليه ظاهر التعليل في الآية الشريفة. مضافا إلى إطلاق الأصحاب و بنائهم على العموم مع إطلاق ما عرفت من الإجماعات المحكيّة.

____________

(1) المبسوط 1/ 250.

(2) في (ألف): «الفقيه»، و لا يصح. انظر: غنية النزوع: 124.

(3) في (ألف): «التحرير»، و لا يصح. انظر: السرائر 1/ 457.

(4) البقرة: 177.

(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 125 باب المكاتبة ح 3471.

(6) في (ألف): «لا خصوصيّته».

262

ثانيها: العبيد تحت الشدّة، على المعروف من المذهب. و حكى السيد (1) و الشيخ (2) و ابن زهرة (3) الإجماع عليه.

و في التذكرة (4): إنّ المشهور عند علمائنا أنّ المراد بالرقاب صنفان: المكاتبون و العبيد تحت الشدة، ثم قال: و شرطنا في الثاني الضر و الشدة.

و هو قد يومي إلى الإجماع على الشرط الظاهر في الإجماع على الحكم.

و قد يشعر باجماعنا مع (5) الحكم أيضا ما في المبسوط (6) و التحرير (7) و السرائر (8) و المنتهى (9).

و في المدارك (10) أن جواز الدفع من هذا السهم إلى المكاتبين و العبيد إذا كانوا في جبر و شدّة قول علمائنا و أكثر العامة.

و يدلّ عليه بعد ذلك و إطلاق الكتاب رواية عمرو، عن أبي بصير- أو عمرو بن أبي بصير على احتمال- عن الصادق (عليه السلام)، عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و الستّ مائة يشتري بها نسمة و يعتقها؟ قال: «إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم» ثمّ مكث مليّا ثم قال:

«الّا أن يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه و يعتقه» (11).

____________

(1) رياض المسائل 5/ 154.

(2) المبسوط 1/ 250.

(3) غنية النزوع: 124.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 255.

(5) في (د): «على».

(6) المبسوط 1/ 250.

(7) مدارك الأحكام 5/ 216.

(8) السرائر 1/ 457.

(9) منتهى المطلب 1/ 520.

(10) مدارك الأحكام 5/ 216.

(11) الكافي 3/ 557 باب الرجل يحج من الزكاة أو يعتق، ح 2.

263

ثالثها: المماليك إذا لم يكون في شدة مع عدم المستحق. و في المعتبر (1): إن عليه فقهاء الأصحاب.

و في التذكرة (2): إنّ عليه فقهاؤنا. و ظاهرهما حكاية الاتفاق عليه.

و يدل عليه في الجملة عدّة من الأخبار:

منها: الموثق، عن رجل أخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد لها موضعا يدفع ذلك إليه، فنظر إلى مملوك يباع (3) فاشتراه بتلك الألف التي أخرجها من، زكاته فأعتقه، هل يجوز له ذلك؟ قال: «نعم لا بأس بذلك». قلت: فإنه لما أعتق و صار حرّا اتّجر و احترف فأصاب مالا ثمّ مات و ليس له وارث، فمن يرثه إذا لم يكن وارث؟ قال: «يرثه الفقراء و المؤمنون الذين يرثون الزكاة لا أنّه إنّما اشترى بمالهم» (4).

و منها: الصحيح: مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه اشتريه من الزكاة فأعتقه؟

قال: فقال: «اشتره فأعتقه»، قلت: فإن هو مات و ترك مالا؟ قال: فقال: «ميراثه لأهل الزكاة؛ لأنّه اشترى بسهمهم».

قال الصدوق: و في حديث آخر: «بمالهم» (5).

و عن الفقيه و الحلي (6) عدم اشتراط الضرورة و عدم المستحق في الشراء من الزكاة و عتقه.

و اختاره العلّامة في القواعد (7).

____________

(1) المعتبر 2/ 574.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 255.

(3) في (د): «تباع».

(4) وسائل الشيعة: 6 باب 43 من ابواب المستحقين للزكاة ح 2.

(5) بحار الأنوار 93/ 65 باب أصناف مستحق الزكاة و أحكامهم، ح 30، علل الشرائع 2/ 372

(6) المختصر النافع 1/ 195.

(7) قواعد الأحكام 1/ 349.

264

و قوّاه ولده في الإيضاح (1). و استجوده في المدارك (2).

و عزاه بعضهم إلى جماعة من متأخري المتأخرين؛ أخذا بإطلاق الآية، و ظاهر الصحيحة المذكورة، و خصوص القوي من (3) الصادق (عليه السلام): أنه سأله بعض أصحابنا، عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله؟ فقال: «اشترى خير رقبة، و لا بأس بذلك» (4).

و أورد عليها بأن هذه الروايات مخالفة للمشهور، بل ظاهر ما حكي من الإجماع و الرواية المتقدمة الدالّة على عدم جواز صرفها في العتق إلّا في العبيد تحت الشدة المعتضدة بعمل الجماعة، و ظاهر الإجماع مضافا إلى أنّ اليقين بالشغل قاض بتحصيل اليقين بالفراغ، و هو غير حاصل حينئذ، فلذا اقتصر الأكثر على الأمور الثلاثة المتقدمة.

و قد أورد أيضا في المقام بأنّه لا دلالة في الأخبار المذكورة إلّا على جواز صرف الزكاة في ذلك و أما كون ذلك من سهم الرقاب (فلا، بل لا دلالة في الخبرين المتقدمين الواردين في العبيد تحت الشدة و في العتق مع إعواز المستحق على كون الصرف من سهم الرقاب) (5).

و لذا استشكل في الحدائق (6) (7) تلك الصورتين أيضا. و أورد بذلك على الأكثر حيث احتجّوا بهما. و قد نازع صاحب المدارك (8) حيث استند على تلك الروايتين و غيرهما في جواز الصرف من سهم الرقاب في المقامين و غيرهما بأنّه لا خصوصيّة في الصورتين (9) المذكورتين بل الأخبار الواردة فيهما و في غيرهما على نهج سواء، فإن بنى على أن المستفاد منهما الصرف

____________

(1) إيضاح النافع 1/ 195.

(2) مدارك الأحكام 5/ 217.

(3) في (د): «عن».

(4) الكافي 3/ 552، باب تفضيل القرابة في الزكاة و من لا يجوز منهم أن يعطوا من الزكاة (باب نادر) ح 1؛ من لا يحضره الفقيه 2/ 19.

(5) ما بين الهلالين أضيفت من (د).

(6) الحدائق الناضرة 12/ 183.

(7) في (د) زيادة: «في».

(8) مدارك الأحكام 5/ 218.

(9) في (د): «للصورتين» بدل: «في الصورتين».

265

من سهم الرقاب فلا بدّ من القول بالجواز في الجميع، و إلّا فلا بدّ من المنع منه في الكلّ، فلا وجه للتفصيل.

و لذا لم يجعل ذلك من سهم (1) الرقاب بالنسبة إلى الجميع، و اختار في المقام حمل الأخبار الأربعة المتقدمة على كون الشراء من مطلق الزكاة من غير أن يكون من سهم مخصوص، و ذكر أن هذا و إن كان خارجا من (2) الأصناف المذكورة في الآية إلّا أنّها قد وقعت رخصة به في الجملة، و قال (3): إنّ هذه الأخبار ظاهر الدلالة عليه، و ليست من أخبار ما نحن فيه في شيء؛ لما عرفت.

و حينئذ فتكون هذه الأخبار خارجة مخرج الرخصة في العتق من الزكاة؛ لعدم دخول ذلك تحت شيء من الأصناف الثمانية المندرجة في الآية.

و قد أيّد ما ذكره بما في رواية أبي بصير من قوله (عليه السلام): «إذا يظلم قوما آخرين» (4) انتهى؛ إذ لو كان العتق من سهم الرقاب لم يتعقل هناك ظلم على غيرهم من الأصناف؛ لعدم وجوب البسط عندنا اتفاقا نصّا و فتوى، و بما ورد في عدّة من تلك الأخبار في ميراث العبد المذكور من أنه يرثه الفقراء المؤمنون الذين يرثون الزكاة معلّلا بأنّه اشترى بمالهم.

و الحاصل أنّ الظلم و الميراث إنّما يترتب على ما إذا وقع الشراء من أصل الزكاة الّتي مصرفها الفقراء و غيرهم من الأصناف، و حينئذ فيجب حمل تلك الأخبار الأربعة على كون الشراء من أصل الزكاة.

و حيث إن ظواهر تلك الأخبار مختلفة في الجملة قال (5): إنّ الجمع بينها ممكن إمّا بإبقاء تلك الأخبار على إطلاقها و حمل رواية أبي بصير على الكراهة أو تقييد إطلاق تلك الأخبار

____________

(1) في (ألف): «منهم».

(2) في (د): «عن».

(3) الحدائق الناضرة 12/ 183.

(4) الكافى 3/ 557، باب الرجل يحج من الزكاة أو يعتق ح 2.

(5) الحدائق الناضرة 12/ 184.

266

بها أو تخصيص المنع بما إذا اشترى بمطلق الزكاة كما هو ظاهر خبر أبي بصير، و حمل غيره على ما إذا لم يكن كذلك.

و أنت خبير بأنّ الوجه الأخير مخالف لما نصّ عليه من كون الأخبار المذكورة واردة على نحو واحد، و قد أورد ذلك على من أراد التفريق بينها.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما اختاره في المقام مع مخالفته لظاهر الآية الشريفة و الروايات المستفيضة الدالّة على حصر مصارف الزكاة في الثمانية، و ظاهر فتاوى علمائنا الأجلّة أنّه غير ظاهر من الأخبار المذكورة، غاية الأمر إجمالها في ذلك إن لم نقل بظهورها في خلافه.

و قوله (1) (عليه السلام) «إذن يظلم قوما آخرين حقوقهم» (2) يفيد خلاف ما ذكره؛ فإنّه يومي إلى أنّ الصرف في ذلك من أحد مصارف الزكاة و أن له حقا فيها إلّا أنّ صرف جميعه أو معظمه فيه يوجب الظلم على آخرين ممّن له استحقاق في ذلك أيضا.

ثمّ مع الغضّ عن ذلك لو حملت الرواية على الكراهة فالأمر ظاهر، و لا تأييد فيها حينئذ لما ذكره و إن حملت على المنع، فغاية الأمر دلالتها على عدم جواز صرف تمام (3) الزكاة في العتق؛ لحصول الظلم على آخرين، و أي منافاة لذلك مع القول بعدم وجوب البسط؟

ألا ترى أنّه لا يجوز صرف تمام الزكاة غالبا إلى العامل مع كونهم أحد مصارف الزكاة و عدم لزوم البسط؟ فلا إشارة في ذلك إلى ما ذكره.

و كذا الحال في التعليل المذكور؛ إذ لا مانع من تعليل كون ميراثه للفقراء بكونهم مستحقين للمال الذي اشترى به في الجملة، و إن لم تكن جهة صرفه مختصة بهم.

على أنهم هم الأصل في وضع (4) الزكاة كما يستفاد من الأخبار الواردة الكثيرة في ذلك، و هو كاف في صحّة التعليل المذكور.

____________

(1) في (ألف): «قول».

(2) الكافي 3/ 557، باب الرجل يحج من الزكاة أو يعتق ح 2.

(3) في (ألف): «مقام».

(4) في (ألف): «و منع» بدلا من: «في وضع».

267

كيف و لو غضّ عن ذلك كلّه لم يتمّ التعليل على ما ذكره أيضا؛ إذ ليس المال المصروف في ذلك مختصا بالفقراء، فغاية الأمر أن يكون مشتركا بين المصارف، و معه لا يتم التعليل.

و كون الصرف من خصوص حصّة الفقراء غير ظاهر من الرواية المذكورة و غيرها من الأخبار، و لا موافق للاعتبار.

و هو أيضا غير مفروض في كلامه حسبما حكيناه، و كون الصرف من سهم الرقاب لا يمنع من صحّة التعليل المذكور حسبما بينّاه كما لا يخفى.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّ غاية ما يقال في المقام: إنّ هذه الروايات ليست صريحة في كون العتق من سهم الرقاب فيحتمل اندراجه فيها و في سهم (1) سبيل اللّه، و لا ثمرة يعتدّ بها في ذلك إلّا أنّ الظاهر من المقام بعد العمل بإطلاق تلك الروايات اندراجه في سهم الرقاب؛ إذ ظاهر الآية شمولها لذلك، فبعد الحكم بجواز صرف الزكاة فيه ينبغي الحكم باندراجه فيها، بل و في قوله (عليه السلام) في الرواية المتقدمة «اشترى خير رقبة» (2) إشارة إلى ذلك.

بقي الكلام في أصل المسألة، فإنّ الأخبار فيها كما عرفت متعارضة، و قضية رواية أبي بصير عدم جواز صرفها في الرقاب إلّا إذا كانت تحت شدة، و مقتضى الموثقة المتقدمة جواز صرفها فيها مع إعواز المستحق و إن لم تكن تحت شدّة، و مقتضى إطلاق المعتبرين الآخرين جواز صرفها في ذلك مع انتفاء الأمرين، و الشهرة بين الأصحاب بل ظاهر الإجماع المحكي يعاضد الأول، و ظاهر الآية الشريفة يؤيد (3) الثاني، و بملاحظة ذلك يشكل الحكم (4) في المقام، و قضية حمل المطلق على المقيد هو حمل الأخبار و (5) هو حمل إطلاق الروايتين الأخيرتين على الصورتين المتقدمتين.

____________

(1) في (د): «سهل».

(2) الكافي 3/ 552 باب نادر ح 1.

(3) في (ألف): «و يؤيد».

(4) في (د) هنا: «يشكل الحال الحكم».

(5) ليس في (د): «و».

268

و ما أورد في المقام من أنّ الموثقة لا دلالة فيها على المنع مع (1) عدم الإعواز فلا وجه لجعلها مقيدا للإطلاق بيّن الاندفاع؛ إذ ليس المراد كونها بنفسها مقيّدا للإطلاق، بل المقصود أنها بانضمام الرواية الأخرى كافية في ذلك، فإنّ المستفاد منها بعد حمل المطلق منها على المقيّد الجواز في الصورتين المذكورتين، و المنع فيما سواها، فيقيّد بذلك الخبران الآخران.

نعم، قد يقال: إنّ ارادة التقييد بعيد عن سياق الخبرين المذكورين.

و كيف كان فالمسألة مشكلة جدا، و قضية اليقين بالفراغ هو المتّبع من غير الصورتين المذكورتين.

و بذلك يتقوّى القول المشهور، فتأمّل.

هذا، و قد روى علي بن ابراهيم في التفسير (2)، مرسلا عن العالم (عليه السلام) في تفسير الرقاب أنّهم قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطأ (3) في الظهار و في الأيمان و في قتل الصيد في الحرم، و ليس عندهم ما يكفرون و هم مؤمنون، فجعل اللّه لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم (4).

و في المبسوط (5): روى أصحابنا أنّ من وجب عليه عتق رقبة في كفّارة و لا يقدر على ذلك جاز أن يعتق عنه.

و هذه الرواية كما ترى خاصّة بكفارة العتق إلّا أنّها عامة لسائر ما يلزم فيها للعتق (6).

و هي أنسب بظاهر الآية، و الرواية الأولى شاملة لغيرها من الكفارات أيضا إلّا أن ظاهرها الاختصاص بالكفارات الأربع المذكورة إلّا أن يحمل ذلك على المثال.

و كيف كان، فهي بعيدة عن ظاهر الآية.

____________

(1) زيادة: «مع» من (د).

(2) تفسير علي بن ابراهيم 1/ 299.

(3) في (د): زيادة «و».

(4) بحار الأنوار 93/ 63، باب أصناف مستحق الزكاة و أحكامهم ح 21.

(5) المبسوط 1/ 250.

(6) في (د): «العتق».

269

و جوّز في المعتبر (1) إعطاءهم من سهم الغارمين؛ لأنّ القصد بذلك إبراء ذمة المكفر عما في عهدته.

و استجوده في المدارك قال: لأنّه في معنى الغرم.

و في المبسوط (2) بعد ذكر المرسلة المذكورة: و الأحوط عندي أن يعطى ثمن الرقبة لكونه فقيرا فيشتري هو و يعتق عن نفسه.

و قطع في الحدائق (3) بالأخذ بظاهر مرسلة علي بن إبراهيم، قال: و ليت شعري أي مانع من العمل بالخبر المذكور مع صراحتها في تفسير الآية بذلك؟! ثمّ قال: إنّه لا مانع من أن يراد بالرقاب في الآية فكّ الرقاب و تخليصها من رقّ العبودية أو من حقوق لزمتها بأحد هذه المذكورات في هذا الخبر.

قلت: لا يخفى أنّ الرواية المذكورة مع ضعفها متروكة عند معظم الأصحاب، و مع ذلك فما اشتملت عليه بعيد عن ظاهر الآية الشريفة كمال البعد سيّما إذا كانت الكفّارة ما عدا العتق، و امّا بالنسبة إليه فهو و إن كان مشمولا لإطلاق الآية من حيث كونه عتقا إمّا من جهة وقوعه عن المنكر و براءة ذمّته (4) به فلا، و أمّا ما ذكره الشيخ من إعطائه ثمن الرقبة لكونه فقيرا فإن كان ذلك لفرض الفقر فيه فلا كلام، و إن أثبت له الفقر من جهة عجزه عن أداء الكفارة و إن كان قادرا على مؤنة نفسه و عياله كما هو قضيّة إطلاق كلامه في المقام، ففيه ما لا يخفى؛ إذ ليس أداء الكفّارة من جهة المئونة ليكون العجز عنه باعثا على حصول الفقر، فإعطاؤه حينئذ من سهم الفقراء ممّا لا وجه له.

و كذا إعطاؤه من سهم الغارمين؛ لعدم صدق اسمه عليه بحسب الحقيقة.

و كونه بمنزلته في الحكم يحتاج إلى قيام الدليل عليه.

____________

(1) المعتبر 2/ 574.

(2) المبسوط 1/ 250.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 185.

(4) في (ألف): «ذمة».

270

كيف و لو كان كذلك لزم أن يندرج فيه كلّ من كلّف بتكليف يتوقّف على صرف المال إذا لم يكن قادرا عليه، و هم لا يقولون به.

[تنبيهات]

نعم، يمكن إدراجه في سهم سبيل اللّه بناء على شموله لسائر القربات كما يأتي و هاهنا أمور ينبغي الإشارة إليها:

منها: أنّه هل يعتبر في المكاتب أن يكون عاجزا عن أداء مال الكتابة

أو يدفع إليه مع القدرة على الاكتساب إذا لم يكن عنده ما يفي به في الحال؟ قولان.

و عن ظاهر الأصحاب القول بالثاني، و نصّ في نهاية الإحكام (1) بالجواز. و هو ظاهر الشرائع (2) و صريح المدارك (3).

و عن الشهيدين في الروضة (4) و البيان (5) (6) اعتبار قصور كسبه عن أداء مال الكتابة.

و اختاره صاحب الحدائق (7) أخذا بظاهر الرواية المتقدمة؛ لورودها في خصوص العاجز عن الأداء.

و هو ظاهر الصدوق (8) حيث اعتبر فيه العجز عن الأداء.

للأول إطلاق الآية، و ورود الخبر في خصوص العاجز لا يقتضي تخصيص الحكم به.

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 389.

(2) شرائع الإسلام 1/ 121.

(3) مدارك الأحكام 5/ 216.

(4) الروضة البهية 2/ 47.

(5) البيان: 195.

(6) في د: «البيان و الروضة».

(7) الحدائق الناضرة 12/ 181.

(8) المقنع: 466.

271

و كون الزكاة إنّما شرعت لسدّ و دفع (1) الحاجة لا نسلّم انّه بالنسبة إلى جميع المصارف حتى فيما نحن فيه، بل نقول: إنّ الغرض صرفه في فكّ الرقبة، و لا يفرق فيه بين الحاجة و عدمها.

و من هنا يجب احتمال جواز الدفع مع قدرة العبد على مال الكتابة كما هو ظاهر الروضة (2) في بحث الكتابة.

و قد أوجب على المولى الدفع من الزكاة إن وجبت عليه استنادا إلى ظاهر الآية الشريفة، قال: و ليكن من سهم الرقاب إن أوجبنا البسط و لم يفرق فيه بين قدرة العبد و عدمها، و تملكه للوفاء و عدمه إلّا أنّ البناء على الإطلاق المذكور مشكل جدا.

و اعتبر في السرائر (3) في وجوب دفعها إليه مع إطلاق الكتابة العجز عن الأداء.

و كيف كان، فالمسألة لا يخلو عن شوب الإشكال، و إن كان القول بجواز الدفع إليه مع عدم تملكه للوفاء بالأداء قويا.

ثمّ إنّه كما يجوز الدفع من الأجنبي يجوز الدفع من المولى، و قد عرفت القول بوجوبه عليه مع وجوب الزكاة عليه.

و هو بعيد، و الآية الشريفة محمولة على الحطّ من مال الكتابة كما دلّت عليه عدّة من الروايات الواردة في تفسيرها، و منها الصحيح، و حملها حينئذ على الندب غير بعيد.

و كما يجوز الدفع إلى العبد يجوز الدفع إلى مولاه في فكّه، و ظاهر الرواية المتقدمة هو الأخير.

و حينئذ فلو كان الدافع هو الولي (4) تولّى النية في الدفع، و قبضه لنفسه.

و هل يجب على الحاكم فكّه مع عجزه؟ ظاهر الرواية المذكورة ذلك.

____________

(1) في (ألف): «لسدّ دفع».

(2) الروضة البهية 6/ 357.

(3) السرائر 3/ 29.

(4) في (د): «المولى».

272

و عن الحلي (1): إن المطلق العاجز عن الأداء يجب على المولى إعطاؤه من الزكاة إن كان عليه زكاة، و إلّا كان على الإمام أن يفكّه من سهم الرقاب.

و استحسنه في التذكرة (2). و ظاهر ذلك الوجوب في المقامين.

و قد مرّ الكلام في الأوّل، و لا دليل على الثاني سوى الرواية المتقدمة. و الاستناد إليها مع ضعفها في الإسناد إليها و عدم جابر لها في المقام و عدم صراحتها في المدّعى مشكل.

و منها: أنّه لو دفعه إلى المكاتب و صرفه في أداء مال الكتابة و تحرّر فلا إشكال.

و في المدارك إنه وقع موقعه إجماعا، و أما لو دفعه إليه فأبراه سيّده أو دفع عنه متبرّع فهل يجب ارتجاع المال عنه أو لا؟ قولان.

و الأوّل مختار المحقق (3) حيث قال: إن الوجه أنه إذا دفعه إليه ليصرفه على مال الكتابة ارتجع بالمخالفة لأنّ للمالك الخيرة في صرف الزكاة في الأصناف.

و استجوده في المدارك (4).

و الثاني مختار الشيخ (5) معلّلا بأنّه ملكه بالقبض فكان له التصرف فيه كيف شاء.

قلت: و مبنى المسألة على أن الكاتب (6) هل يملك ما يدفع إليه من الزكاة مطلقا أو لا؟ فعلى الأوّل لا يرتجع مع عدم صرفها في ذلك، و على الثاني يرتجع فيه (7) و ذلك سواء قلنا بعدم دخوله في ملكه أصلا أو قلنا بملكه لها على جهة مخصوصة.

و لا ريب أن الأوّل مخالف للأصل، و لا يساعده ظاهر الآية الشريفة و غيرها، فتعيّن البناء على الثاني.

____________

(1) السرائر 3/ 29.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 255.

(3) المعتبر 2/ 575.

(4) مدارك الأحكام 5/ 220.

(5) المبسوط 1/ 254.

(6) كذا، و الظاهر: «المكاتب».

(7) في (د): «به».

273

و لو دفعها المكاتب المشروط إلى سيّده ثمّ عجز عن الباقي في ساير النجوم و استرق، فعن الشيخ و غيره القطع بعدم جواز الارتجاع منه؛ إذ المالك مأمور بالدفع إلى المكاتب ليصرفه في أداء مال الكتابة، و قد حصل ذلك، فهو قاض بالإجزاء.

و حكى في التذكرة (1) وجها للشافعيّة بجواز ارتجاعه؛ نظرا إلى أنّ القصد تحصيل العتق، فإذا لم يحصل وجب الاسترجاع.

قلت: لا يخلو ذلك عن قوّة؛ إذ ظاهر الآية الشريفة و الرواية المذكورة هو صرفها في الفكّ، فمع عدم حصوله لا يكون مصروفا في مصرفه، فيتعيّن ردّه.

و منها: أنّه إذا اشترى به العبد اعتبر الإعتاق بعد الشراء، فلا ينعتق بمحض الاشتراء؛

ضرورة أن العتق يتوقف على صيغة خاصّة أو أسباب معروفة ليس ذلك من جملتها. و لا فرق بين أن يشتري أباه أو غيره؛ إذ ليس الشراء بماله. و ربّما يعزى إلى ظاهر البعض أنّه لو نوى العتق حين الشراء حصل العتق و إلا احتيج إلى الإعتاق، و هو بعيد.

و منها: انّ نيّة اخراج الزكاة يقارن بها حين الشراء أو دفع الثمن أو العتق أو يتخيّر بين الجميع أو اثنين منها؟

وجوه، و مع مقارنتها للعتق فالظاهر أنّه يراعى فيه حصول العتق.

نعم، لو تلف قبل حصول العتق من غير تفريط لم يكن عليه شيء؛ إذ لا يزيد (2) ذلك على تلفه قبل الشراء.

و منها: أنّ العبد المعتق من الزكاة إذا مات و لا وارث له هل يكون ميراثه للإمام (عليه السلام) أو أنه يرثه أرباب الزكاة؟

المشهور هو الثاني.

و أسنده في المعتبر إلى علمائنا مؤذنا بالإجماع عليه.

و في الحدائق (3): إنه المشهور.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 284.

(2) في (ألف): «لا يرتد».

(3) الحدائق الناضرة 12/ 252.

274

و حكي عن بعض القدماء القول بالأول، و في الحدائق (1): إنه مجهول القائل.

و حكي عن العلّامة (2) في غير واحد من كتبه اختيار ذلك، و توقّف العلّامة في المختلف (3)، و اختار في الحدائق (4) ميراثه لأرباب الزكاة، لكن فرعه على ما مرّ من اختياره كون الشراء من أصل الزكاة و جعله مصرفا تاسعا وراء المصارف الثمانية المشهورة.

و أمّا على البناء على كونه من سهم الرقاب فقد قطع بكونه سائبة، و ميراثه للإمام (عليه السلام).

هذا، و الأظهر هو القول الأول؛ للموثقة المتقدمة المنجبرة بالعمل، و ظاهر الإجماع المحكي.

و في المعتبر (5): إنّها خالية عن المعارض، و إطباق المحققين على العمل بها.

و ما في الحدائق (6) من الاستشكال في المقام بأنّه إذا كان الشراء من سهم الرقاب لم يكن للفقراء استحقاق فيه لكونه من أحد الأصناف الثمانية التي اشتملت عليها الآية، فكيف يصحّ القول بكون ميراثه للفقراء؛ لأجل أنه اشترى بمالهم، و أي مال للفقراء في سهم الرقاب حتّى يكون الشراء بمالهم؟ مدفوع بما تقدّمت الإشارة إليه من (7) أنّه لا شكّ في استحقاق الفقراء في المال المشترى منه، و إن لم يكن استحقاقهم على سبيل التعيين. و لذا صحّ القول بكون الفقراء شركاء في أموال الأغنياء كما نطقت به الأخبار المأثورة عن أئمة الهدى (عليهم السلام). و حينئذ فأيّ مانع من القول بكون ميراثه للفقراء من جهة شرائه بما يستحقونه؟ و كون سهم الرقاب سهما مستقلا لا يمنع منه؛ اذ لا يقضي ذلك برفع استحقاق الفقراء في ذلك المال قبل الشراء حسبما ذكرنا.

____________

(1) الحدائق الناضرة 12/ 252.

(2) تحرير الأحكام 1/ 417، تذكرة الفقهاء 5/ 350.

(3) مختلف الشيعة 3/ 253.

(4) الحدائق الناضرة 12/ 252.

(5) المعتبر 2/ 578.

(6) الحدائق الناضرة 12/ 253.

(7) لفظة «من» ليست في (ألف).

275

فقصد صرفه في الرقاب لا يوجب اختصاصه بها قبل الصرف كما يظهر من الحدائق حيث جعله لذلك مختصا بها، و نفى من أجله استحقاق الفقراء فيها، و جعل صرفها من دون قصد جهة من الجهات جائزا أو أثبت فيها باستحقاق (1) الفقراء.

و هذا كما ترى استناد إلى مجرّد الاعتبار من دون قيام شاهد عليه من الأخبار.

و من الغريب انه (رحمه اللّه) لأزال يناقش الفقهاء (2) في أحكام ظاهرة مستفادة من النصوص معتضدة بفهم الأصحاب؛ نظرا إلى جموده على ظاهر الألفاظ، و تراه ينفرد في بعض المقامات بأحكام لا دلالة عليها في النصوص من جملتها ما في المقام، مع ما عرفت من مخالفته لظاهر الكتاب و الأخبار الماثورة عن العترة الأطياب.

ثم إنه هل يختص ميراثه بالفقراء و المساكين أو يعم ساير أصناف الزكاة؟ ظاهر عبارة المقنعة هو الأوّل، و هو الظاهر من الموثقة المتقدمة.

و ظاهر جماعة من الأصحاب حيث عبّروا بكونه لأرباب الزكاة ربّما يعمّ ساير الأصناف، و هو قضية ما مرّ حكاية الشهرة عليه.

و في الحدائق (3): إنّه ظاهر كلام الأكثرين. و به قال في المختلف (4) و نزّل عليه عبارة المفيد، قال: و الظاهر أنّ مراده ليس تخصيص الفقراء و المساكين، بل أرباب الزكاة أجمع؛ لأنّ التعليل يعطيه.

و يدلّ عليه ظاهر صحيحة العلل المتقدمة الحاكمة بكون ميراثه لأهل الزكاة، معلّلا بأنّه اشترى بمالهم.

و استظهر في الحدائق (5) التفصيل في المقام بناء على ما عرفت حكايته عنه من تعيين الجهة

____________

(1) في (ألف): «فاستحقاق».

(2) في (ألف): «لفقهاء».

(3) الحدائق الناضرة 12/ 256.

(4) مختلف الشيعة 3/ 253.

(5) الحدائق الناضرة 12/ 256.

276

بالنيّة، فجعل الأظهر في الجمع بين الخبرين المذكورين في أنّ الموثقة المذكورة إنّما دلّت على أنّ المال المشترى (1) إنّما هو من سهم الفقراء خاصّة، فيمكن أن يقال: إنّ المراد من صدر الخبر أن صاحب الزكاة قد خصّ هذه الألف درهم التي أخرجها بالفقراء؛ لأنّها أحد الأصناف، و لمّا لم يجدهم اشترى بها المذكور و أعتقه. ثم سأل الإمام (عليه السلام) عن (2) ذلك.

و على هذا ينطبق عجز الخبر بلا تمحّل و لا إشكال (3)، فيصح تعليل كون ميراثه للفقراء بأنّه اشترى من مالهم، و الصحيحة المذكورة تحمل على وقوع الشراء بالمال المشترك من غير قصد تخصيصه بصنف من الأصناف، فيكون ميراثه لجميع أرباب الزكاة؛ لأنّه اشترى بمالهم، قال (4): و الفارق بين المقامين هو قصد المشتري و نيته و لا بعد في ذلك؛ فإنّ العبادات بل الأفعال كملا تابعة للمقاصد و النيات صحّة و بطلانا و ثوابا و عقابا و تعددا و اتّحادا أو نحو ذلك. ألا ترى أنّه لو قصد صرف زكاته كملا في سبيل اللّه الذي هو عبارة عن جميع الطاعات و القربات، ثمّ اشترى عبده و أعتقه فإنّه لا إشكال في كونه سائبة و أنّ ميراثه للإمام (عليه السلام)؟

ثمّ إنه نفى الريب عن قوة الوجه المذكور، و جعله جامعا بين الأخبار بلا اشكال.

قلت: و ما ذكره مبنيّ على أصل فاسد مخالف للأصل، و لا شاهد عليه من الشرع كما مرّ.

و الجمع بين الخبرين بذلك مجرّد احتمال، و لا شاهد في المقام على اختصاص الدافع زكاته في الخبر الأوّل بالفقراء، و تعميمه في الثاني للكلّ.

و هو قد استفاد ذلك من التعليل المذكور، و هو من أضعف الشواهد؛ لما عرفت من صحّة انتساب المال إليهم من جهة أنّهم هم العمدة في وضع الزكاة كما دلّت عليه الأخبار.

و حينئذ فحمل أرباب الزكاة في الصحيحة و كلام الجماعة على خصوص الفقراء و المساكين غير بعيد على أنّ المعارضة بين الخبرين من قبيل العموم المطلق، فينبغي حمل

____________

(1) في (د) زيادة: «به».

(2) في (د): «من».

(3) في (ألف): «و الإشكال».

(4) في الحدائق الناضرة 12/ 257.

277

المطلق على المقيّد كما يقتضيه القواعد.

مضافا إلى أنّ الميراث إنّما ينتقل إلى الوارث لموت المورّث، و لا يتّجه القول بتملك الميراث إلا بالنسبة إلى الفقراء و المساكين؛ إذ السهام الأربعة الأخيرة في الآية إنّما وضعت مصرفا للزكاة، و لا يستقرّ ملك أربابها عليها مطلقا، و كذلك سهم المؤلّفة و العاملين لوكولها إلى نظر الامام (عليه السلام).

و لو فرض استحقاق العامل ذلك من جهة الإجارة أو الجعالة فلا يصح صرفه إذن في العتق؛ لتملكه له بذلك.

و لو فرض رضاه به فالظاهر خروجه عن محلّ الكلام؛ لأنّ المعتق حينئذ هو العامل بالنسبة إلى حصّة دون المالك، فتأمل.

و بالجملة، فالمسألة مشكلة و إن كان القول باختصاصه بالفقراء أو (1) المساكين قويّا.

ثمّ إنّه إنّما يكون مملوكا للنصف فلا مانع من تخصيصه بالبعض على حسب ما مرّ في الزكاة؛ لتعسّر البسط على الكل، بل تعذّره، و تخصيص فقراء البلد أو القرية لا شاهد عليه.

و على القول بتعميمه لسائر الأصناف فهل يجب البسط عليهم على حسب نسبة الميراث أو يكون على حسب قسمة الزكاة؟ استشكل فيه في الحدائق (2) من جهة كونه فرعا على الزكاة، فيجري (3) حكمها، و من أن الأصل في الشركة وجوب التقسيط بين الشركاء خرج الزكاة لقيام الدليل و بقي ما عداه على حكم الأصل، قال: و المسألة عندي محل تأمل و إشكال و إن كان للاحتمال الأخير نوع رجحان.

و أنت خبير بأنّ القول بتملك الأصناف الثمانية على حسب تملك المواريث غير ظاهر في المقام؛ إذ لا يتعيّن هناك مالك في غير واحد منها كما في سهم الرقاب بالنسبة إلى بعض صوره و سهم سبيل اللّه.

____________

(1) في (د): «و».

(2) الحدائق الناضرة 12/ 257.

(3) في (د) زيادة: «فيه».

278

بل كثير منها إنّما وضعت مصرفا لذلك، فعلى القول برجوع ميراثه إلى الكلّ ينبغي القول بكونه على نحو استحقاق الزكاة لبعد الانتقال إليهم على سبيل الملك. و حينئذ فلا يبعد جعلها بمنزلة الزكاة في عدم وجوب البسط، فتأمل.

279

تبصرة [في الغارمين]

السادس من الأصناف: الغارمين،

و هو في الجملة ممّا دلّ عليه الكتاب و السنة و الإجماع، فلا كلام في أصل الحكم، و إنّما يقع البحث هنا في أمور:

أحدها: أنّه يعتبر أن يكون الدين في غير معصية،

فلو كان في المعصية منع من سهم الغارمين بإجماعنا. حكاه في الخلاف (1) و الغنية (2) و المنتهى (3) و التذكرة (4) (5). و عزاه في الحدائق (6) إلى الأصحاب، قال: و الظاهر أنه لا خلاف فيه.

و ظاهر المحقق (7) جواز الدفع إليه مع التوبة حيث قال: و لو أعطى من سهم الغارمين لم أمنع منه. و استحسنه في المدارك (8)، و اقتفاه في ذلك صاحب الذخيرة (9). و الأظهر الأوّل.

و يدلّ عليه بعد الإجماعات المحكيّة المعتضدة بفتوى المعظم الروايات المستفيضة: منها:

الخبر: «ينتظر بقدر ما ينتهي خبره إلى الامام (عليه السلام) فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عزّ و جلّ، فإن كان أنفقه في معصية اللّه فلا شيء على

____________

(1) الخلاف 4/ 235.

(2) غنية النزوع: 124.

(3) منتهى المطلب 1/ 521.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 257.

(5) في (د) زيادة: «و عزاه في المدارك الى الأصحاب».

(6) الحدائق الناضرة 12/ 188.

(7) المعتبر 2/ 575.

(8) مدارك الأحكام 5/ 224.

(9) ذخيرة المعاد 3/ 455.

280

الإمام (عليه السلام) له» (1).

و منها: رواية صباح بن سبابة، عن الصادق (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): «أيّما مؤمن أو مسلم مات و ترك دينا لم يكن في فساد و إسراف فعلى الإمام أن يقضيه، فإن لم يقضه فعليه إثم ذلك، إنّ اللّه تبارك و تعالى يقول: (إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ (2) ..) الاية» (3).

و في رواية قرب الإسناد بإسناده إلى الصادق (عليه السلام)، عن أبيه (عليه السلام) أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول:

«يعطى المستدينون من الصدقة و الزكاة، و منهم كله ما بلغ إذا استدانوا في غير إسراف» (4).

و في رواية المستطرفات (5) في الصحيح: «لا يعطين من سهم الغارمين الذين ينادون بنداء الجاهلية شيئا». قلت: و ما نداء الجاهليّة؟ قال: «هو الرجل يقول: يا لبني فلان فيقع بينهما القتل و الدماء، فلا تؤدّوا ذلك من سهم الغارمين، و لا الذين يغرمون من مهور النساء- و لا أعلمه إلّا قال: و لا الذين لا يبالون (6) ما صنعوا في أموال الناس».

و في رواية علي بن إبراهيم، عن العالم (عليه السلام): «إنّ الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف، فيجب على الإمام (عليه السلام) أن يقتضي فيهم و يكفهم من مال الصدقات» (7).

و يؤيّده الاعتبار؛ فإنّ الزكاة إنّما شرعيّة إرفاقا، و هو لا يناسب المعصية، و إنّ فيه إغراء بالقبيح، و في منعها ردعا عنه، فبذلك كلّه يقيّد إطلاق الآية و الروايات المستفيضة المطلقة الدالة على جواز أداء الدين من الزكاة من غير تقييد بذلك، و هي حجة القول بالجواز

____________

(1) الكافي 5/ 94، باب الدين ح 5.

(2) التوبة: 60.

(3) الكافي 1/ 406 باب ما يجب من حق الإمام على الرعية و حق الرعية على الإمام، ح 7.

(4) قرب الإسناد: 109، و فيه: «الزكاة دينهم كله»؛ و انظر: وسائل الشيعة 9/ 298، باب عدم جواز دفع الزكاة إلى الغارم في معصية، ح 12063.

(5) مستطرفات السرائر: 607؛ بحار الأنوار 93/ 60، باب أصناف مستحق الزكاة و أحكامهم ح 14.

(6) في (ألف): «لا يبالون و».

(7) تهذيب الأحكام 4/ 50، باب أصناف أهل الزكاة ح 3.

281

استضعافا لتلك الروايات سندا و دلالة.

و هو ضعيف كما ترى.

و كأنّ من تأمّل فيه من المتأخرين غفل عن حكم أكثر الأخبار المذكورة، و إلّا فهي حجّة كافية بنفسها فضلا عن تأيّدها بما عرفت.

و لو جهل الحال في المصرف فالذي يقتضيه اصالة صحة فعل المسلم، و ظاهر إطلاق الآية و الأخبار الكثيرة الجواز حيث إنّ حملها على خصوص صورة العلم بالمصرف من البعيد؛ لوضوح أن الاطلاع على خصوصيّات المصارف مستبعد في الغالب.

مضافا إلى اختلاف الأفعال باختلاف المقصود، فقد يتراءى مباحا أو مندوبا. و هي معصية بحسب ما قصده، ففيه شهادة واضحة على عدم تعليق الحكم به كما هو مختار جماعة كثيرين منهم الشيخ في ظاهر المبسوط (1) و الحلي (2) و الآبي (3).

و عزاه في التذكرة (4) إلى الأكثر.

و هو الأظهر لما عرفت.

و عن الشيخ في النهاية القول بالمنع. و ربّما يظهر من الدروس (5) و اللمعة (6) الميل إليه حيث اسنده إلى الرواية ساكتا عليه.

و يدلّ عليه أنّ الجهل بالشرط يقتضي بالجهل بالمشروط، فلا يحصل معه العلم بالفراغ، و لما في ذيل خبر صباح بن سيابة المتقدّم: قلت: فما لهذا الرجل الّذي هو (7) لا يعلم فيما أنفقه في

____________

(1) المبسوط 1/ 251.

(2) السرائر 2/ 34.

(3) كشف الرموز 1/ 254.

(4) تذكرة الفقهاء 5/ 258.

(5) الدروس 1/ 241.

(6) اللمعة الدمشقية: 43.

(7) في (د): «و هو».

282

طاعة اللّه عز و جل أم في معصيته؟ قال: «يسعى له في ماله و يؤدها ما عليه و هو صاغر» (1).

و ضعف الأوّل ظاهر مما عرفت، و الرواية ضعيفة، و هي مع عدم نهوضها حجّة في نفسها غير مقاومة لما عرفت.

مضافا إلى ما فيها من الضعف في الدلالة؛ لاحتمال بيانه الحكم بالنسبة إلى المستدين إذا صرفه في المعصية و لم يعلم به دافع الزكاة، فحكم (عليه السلام) بعد استحقاقه في الزكاة.

و حمل الرواية عليه غير بعيد عن ظاهرها كما لا يخفى على المتأمل فيها.

و حملها بعض المتأخرين على من يعلم منه الأقدام على المعاصي و عدم التحرّز عن الفسوق ففي حقّه لا يحمل تصرفاته على الصحّة دائما.

و هو كما ترى. و لو كان الحمل المذكور مذهبا للحامل كما هو الظاهر كان ما ذكره تفصيلا في المقام.

ثانيها: أن كون الدين مصروفا في المعصية قد يكون من جهة صرف عين المال المستدان في المعصية

سواء كان ذلك هو المقصود حال الاستدانة أو وقع صرفه في ذلك على سبيل الاتفاق، و قد يكون من جهة حصول الدين بالمعصية كما إذا لزمه الدية ابتداء في جناية العمد أو أنّه زنى بالمرأة قهرا أو مع حصول الشبهة في جانب المرأة أو أتلف مالا لغيره على سبيل الغصب و نحو ذلك.

و قد يجتمع فيه الجهتان كما إذا صرف المال المغصوب في الجهة المحرّمة لذاتها؛ لصرفه إذن في المعصية و حصول (2) اشتغال الذمّة فيه بالإتلاف المحرّم عليه.

و هل يعتبر أن يكون الدين المذكور في الوجه الأخير مصروفا في المعصية بلا واسطة أو يعمّ ما إذا كان صرفه فيه مع الواسطة؟ كما إذا صرف الدين في المعصية ثمّ استدان لقضاء ذلك الدين و هكذا فإنّ الدين الثاني و ما بعده إنّما صرف في اداء الواجب إلّا أنّ ثبوت أصل الدين عليه إنّما كان لأجل المعصية؛ وجهان، البناء على الثاني لا يخلو عن قوّة.

____________

(1) تهذيب الأحكام 6/ 186، باب الديون و أحكامها ح 10.

(2) لم ترد في (ب): «و حصول .. في المعصية».

283

ثمّ إنّه هل يراد به خصوص الوجهين المذكورين أو يعمّ ما إذا كان أصل الصرف معصية و إن كان المصروف فيه طاعة في نفسه؟ كما إذا صرف المال في وجه مباح مع مطالبة الديان و عدم قدرته على الوفاء من غيره، فإنّه مع تعيّن الصرف في قضاء الدين يحرم عليه الصرف المذكور، فالصرف حرام و إن كان المصروف فيه مباحا في نفسه؛ وجهان أظهرهما الأوّل؛ لانصراف الإطلاق إليه و عدم ظهور الثاني منه في المقام.

ثالثها: إنّ الغارمين صنفان:

أحدهما: الذين استدانوا لمصالح أنفسهم من طاعة كحج و زيارة، أو مباح كأكل و لبس و نحوهما.

ثانيهما: من استدانوا لمصلحة غيرهم كأن تحمل حالة لإطفاء نائرة الحرب و دفع الفساد بين الناس، أو يدفع الدية كذلك، أو يتحمل غرامة متلف كذلك، و نحو ذلك.

فالكلام هنا في مقامين:

أمّا الأوّل فيقتصر في مستحقه الفقر بإجماعنا كما في الخلاف (1) و الغنية و ظاهر التذكرة (2)، و باجماع أهل العلم كافة كما في المبسوط (3).

و يدل عليه مضافا إلى ذلك أنّ الزكاة إنّما شرعت لسدّ الخلّة و دفع الحاجة، و ما ورد في الأخبار من عدم حلّ الصدقة للغني.

و يمكن المناقشة في الأوّل بالمنع من كون وضع الزكاة لسد الخلّة بالنسبة إلى جميع مصارفها، كيف و يجوز دفعها إلى الغارمين و المؤلفة مع الغناء. و لو سلّم فغاية الأمر اعتبار عدم المكنة من الأداء، و هو لا يستلزم الفقر؛ إذ قد يكون صناعة وافية بنفقته من غير زيادة عليها.

و حينئذ يكون غنيّا مع عدم قدرته على وفاء الدين.

و في الثاني: بأنّ المراد منها كأنّه خصوص سهم الفقراء و المساكين؛ إذ لا يعتبر الفقر في

____________

(1) الخلاف 4/ 235.

(2) تذكرة الفقهاء 5/ 258.

(3) المبسوط 1/ 251.

284

كثير من السهام الأخر، و الإجماعات المنقولة موهونة بتصريح جمع من الأصحاب بالاكتفاء بعدم القدرة على الأداء.

و كأنّ ذلك هو المقصود فيما نقل الإجماع عليه.

و كيف كان، فظاهر المقابلة في الآية الشريفة- مضافا إلى إطلاقها و إطلاق ساير الأخبار- عدم اعتبار الفقر في المقام بل يكفي (1) فيه عدم القدرة على الوفاء سواء كان فقيرا أو لا، بل لو قيل بالاكتفاء فيه بالفقر أيضا- ليكون أحد الأمرين كافيا في الاستحقاق حيث إنّ بينهما عموما من وجه في الصدق- كان وجها؛ أخذا بإطلاق الأدلة كتابا و سنة.

و الأخبار المتقدمة لا دلالة فيها على عدم جواز دفعها إلى الفقير من سهم الغارمين إذا كان قادرا على أداء الدين، بل قضية إطلاقها الجواز. غاية الأمر استظهار خروج الغني القادر على ذلك كما هو معلوم من الإجماع المعلوم (2) و المنقول، و أمّا غيره فلا إشارة في تلك الأخبار إلى المنع منه.

و من العجيب مبالغة صاحب الحدائق (3) في اعتبار خصوص عدم القدرة على الوفا [ء] مدّعيا ظهوره من أخبار الباب، بل ادّعى صراحة رواية أبي نجار (4) فيه.

و قد مضى شطر منها.

و أنت خبير بأنّ شيئا منها (5) من الأخبار المذكورة و لا إشارة فيها إلى ذلك فضلا عن الدلالة.

و كذا الحال في رواية أبي نجار؛ فإنّها إنّما وردت في خصوص العسر، و من المقرّر أنّ خصوصية المورد لا يدلّ على اختصاص الحكم.

____________

(1) في (د): «يكتفى».

(2) لم يرد في (ب): «من الإجماع المعلوم».

(3) الحدائق الناضرة 12/ 188.

(4) في المصدر: أبي نجاد.

(5) لم يرد: «منها» في: (ب) و (د).

285

و من هنا يظهر قوة ما استقربه العلامة في النهاية (1) و نفى عنه البعد في المدارك (2) من جواز دفعها إلى المديون إذا كان عنده ما يفي بدينه لكن لو دفعه يصير فقيرا.

و لما عرفت من قضاء الإطلاقات به مع عدم ظهور خلافه من ساير الأدلّة، و (3) دعوى دلالة الأخبار على خلافه قد (4) عرفت ما فيه.

نعم، ما علّله به في المدارك (5) من عدم صدق التمكن من الأداء عرفا ضعيف.

كيف، و لا يستثنى في الدين إلّا نفقة اليوم و الليلة، و كذا ما علّله في نهاية من انتفاء الفائدة في منعه من سهم الغارم و تكليفه بالدفع في الدين، ثمّ أخذه من جهة الفقير. و كأنّ ذلك تقريب في اندراجه تحت الإطلاقات.

هذا، و لو كان قادرا على أداء الدين بالاكتساب على التدريج فاحتمل فيه في نهاية الإحكام (6) جواز الدفع و المنع؛ نظرا إلى أنّ حاجة الغارم حاصلة بالفعل لثبوت الدين في ذمته و المفروض عدم قدرته على الوفاء بالفعل، و إلى أنّ القدرة على الكسب بمنزلة القدرة على المال على نحو ما اعتبر في الفقير.

و الأظهر المنع لقوّة الوجه الأخير و عدم ظهور اندراجه تحت الإطلاقات، و قضاء اليقين بالشغل اليقين بالفراغ.

كيف، و لو جاز ذلك لجرى بالنسبة إلى ما إذا استحق ما لا يفي بذلك على قبيل (7) التأجيل إذا استحق عليه في الحال، و لم يكن له بالفعل ما بقي بذلك.

و لو صحّ ذلك لزم جواز إعطاء الزكاة لكثير من التجار إذا حلّ ما عليهم قبل أن يحلّ

____________

(1) نهاية الإحكام 2/ 391.

(2) مدارك الأحكام 5/ 223.

(3) في (ألف): «أو».

(4) في (ألف): «و قد».

(5) مدارك الأحكام 5/ 223.

(6) نهاية الإحكام 2/ 391.

(7) في (د): «سبيل».

286

الأجل (1) فيما لهم من الأموال، و [هو] بيّن البطلان.

نعم، ربّما يقال بالجواز إذا كان ما يفضل من مؤنته في غاية القلّة بحيث لا يصدق معه اسم المكنة من الأداء؛ نظرا إلى طول المدّة، و كذا لو كان الأجل بعيدا جدا من (2) المؤجل على وجه، فتأمّل.

و لو كان قادرا على الصنعة و لم يكن من أهل الصنائع (3) ففي (4) جواز الدفع إليه الوجهان الماضيان (5) في الفقير. و ظاهر اعتبار عدم القدرة على الأداء يعطي المنع. و أمّا لو كان قادرا على الاستيهاب أو كان (6) يتوقع الانتقال إليه بالميراث فلا ينبغي التأمل في الجواز فيما إذا [...] (7).

____________

(1) في (ب): «للأجل».

(2) في (د): «في».

(3) في (ب): «الصناعة».

(4) في (ألف): «في».

(5) في (ب): «ماضيان».

(6) ليس في (ب): «كان».

(7) هنا بياض في الأصول المخطوطة.

287

الباب (1) الثالث في زكاة الفطرة

و هي إمّا من الفطرة بمعنى الخلقة، و يراد بها البدن فيكون في (2) مقابلة زكاة المال حيث إنّها يعطي عن الأشخاص أو أنّها تعطى محافظة البدن و سلامتها عن التلف كما عن زكاة المال يوجب حفظ المال.

و قد دلّ عليه النص في المقامين.

أو بمعنى الإسلام كما في الآية الشريفة، فيراد بها زكاة الإسلام [و] إسنادها إليه لأجل الاهتمام بها و شمول التكليف بها لمعظم الناس.

أو بمعنى الفطر من الصوم حيث إنّها تعطى في يوم الفطر.

و كيف كان، فوجوبها في الجملة ممّا دلّ عليه الكتاب و السنة و الإجماع، بل هي من الضروريات في الجملة.

و الكلام في شرائطها و تعيين الأجناس التي يخرج منها و مقدارها و بيان وقت وجوبها و إخراجها، و ما يتعلّق بها.

فلنفصّل القول فيها في فصول:

____________

(1) في (د): «المقام».

(2) زيادة «في» من (د).

288

الفصل الأول في بيان شرائط وجوبها

تبصرة [في اشتراط التكليف]

يشترط وجوبها بالتكليف، فلا يجب على الصبيّ و المجنون إجماعا. حكاه الفاضلان في المعتبر و المنتهى (1) و تحرير الأحكام (2).

و يدلّ عليه بعد ذلك في غير المكلّف لا يتعلّق به خطاب الشرع، و تكليف الولي بذلك ممّا لا دليل عليه، فهو منفي بالأصل.

و خصوص الصحيح الوارد في الصبي: «عن الوصيّ يزكّى زكاة الفطرة عن اليتامى إذا كان لهم مال، فكتب: «لا زكاة على اليتيم» (3).

مضافا إلى بعض الإطلاقات الدالّة على أنّ الزكاة إنّما تجب إذا وجبت الصلاة.

و فيه دلالة أيضا على عدم وجوبها على المجنون.

و كما لا تجب عليهما بالنسبة إلى أنفسهما فكذا بالنسبة إلى من يدخل في عيلولتهما (4) فلا زكاة عليهما من جهة الملوك.

نعم، في المكاتبة الصحيحة عن المملوك يموت مولاه و هو عنه غائب في بلد آخر و في يده

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 531.

(2) تحرير الأحكام 1/ 419.

(3) الكافي 3/ 541، باب زكاة مال اليتيم ح 8.

(4) في (ألف): «حيلولتهما».

289

مال لمولاه و ينحصر الفطرة، أ يزكّي عن نفسه من مال مولاه و قد صار لليتامى؟ فقال:

«نعم» (1).

[و] في المدارك (2): يستفاد من هذه الرواية أنّ الساقط عن اليتيم فطرته خاصّة لا فطرة غلامه، و إنّ للملوك التصرف في مال اليتيم على هذا الوجه، [و] كلا الحكمين مشكل.

قلت: من البيّن أنّ الخروج عن مقتضى القواعد المعلومة بمجرّد ورود رواية متروكة ممّا لا وجه له.

و ربّما تحمل على ما إذا كان موت مولاه بعد هلال العيد، فيثبت الزكاة في ماله.

و حينئذ فتولي العبد لإخراجه من قبل نفسه غير موافق للقواعد إلّا أن يحمل ذلك على صورة الضرورة لعدم إمكان الرجوع إلى من يتولّى الإخراج.

ثم إنّهم ألحقوا الإغماء بالجنون لاشتراكه معه في ارتفاع التكليف.

و في المدارك (3): إنه مقطوع به في كلام الأصحاب.

قلت: إن تمّ في المقام إجماع فلا كلام، و إلّا فالحكم المذكور لا يخلو من إشكال؛ إذ لو كان مجرد ذلك كافيا في السقوط لزم القول بسقوطه عن السكران و النائم و الناسي و الغافل و الممنوع؛ لارتفاع التكليف عن الكلّ.

هذا إذا قلنا بأنّ العبرة في ذلك بحال الوجوب لا حال الأداء، و أمّا إن اعتبرنا ذلك في المقام فلا إشكال في الجميع؛ لسقوطها من الكل، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

____________

(1) الكافي 4/ 172، باب الفطرة ح 13.

(2) مدارك الأحكام 5/ 307.

(3) مدارك الأحكام 5/ 308.

290

تبصرة [في اشتراط الحرية]

و يشترط فيه الحرية؛ فلا زكاة فطرة على المملوك إجماعا. حكاه جماعة منهم الشيخ في الخلاف (1) و الحلي في السرائر (2) و العلّامة في منتهى المطلب (3).

و في المدارك (4): إنه مجمع عليه بين الأصحاب.

و في الحدائق (5): إنّ ظاهرهم الاتفاق على ذلك لا أعلم فيه مخالفا سوى الصدوق في المكاتب.

و هو على القول بنفي الملك عنه مطلقا ظاهر، و على القول بملكه فيدلّ عليه بعد ما عرفت من الإجماع ما دلّ على أن زكاة المملوك على سيّده من غير تفصيل، فإنّه ظاهر جدا في عدم وجوب الزكاة عليه مطلقا. مضافا إلى عموم الصحيح: «ليس في مال المملوك شيء» (6).

و في آخر: قلت له: مملوك بيده مال عليه (7) زكاة؟ قال (8): «لا» قلت: فعلى سيّده؟ فقال:

«لا لأنّه لم يصل إلى سيّده، و ليس هو المملوك (9)» (10).

____________

(1) الخلاف 2/ 130.

(2) السرائر 1/ 465.

(3) منتهى المطلب 1/ 532.

(4) مدارك الأحكام 5/ 308.

(5) الحدائق الناضرة 12/ 259.

(6) الكافي 3/ 542، باب زكاة مال المملوك و المكاتب و المجنون ح 1.

(7) في (د): «أ عليه».

(8) في (د): «قلت».

(9) الكافي 3/ 542، باب زكاة مال المملوك و المكاتب و المجنون ح 5.

(10) في (د): «للمملوك».

291

و قد استند إليهما بعض الأصحاب.

و يمكن المناقشة في الأوّل بظهوره في صورة العيلولة، مضافا إلى ما سيجيء بيانه من سقوط الوجوب عن المولى مع انتفاء العيلولة كما هو الأقوى.

و في الثاني بظهورهما في زكاة المال جدّا بل صراحة الأخير فيه، و لذا علّله بعدم وصول المال إلى سيّده، و نفى الزكاة فيه عن السيد و العبد.

نعم، يمكن الاحتجاج عليه بما رواه في المقنعة عن عبد الرحمن بن الحجاج، عن الصادق (عليه السلام) قال: «تجب الفطرة على كلّ من تجب عليه الزكاة» (1) فإن ظاهره يشير إلى أن من ليس أهلا لأنّ تجب عليه الزكاة لا تجب الفطرة عليه.

و قد مرّ عدم وجوب زكاة المال على العبد، و ضعف الإسناد ينجبر بالعمل.

و كيف كان فالحكم المذكور في الجملة ممّا لا كلام فيه،

و إنّما الكلام هنا في أمور:

أحدها: أنه لا فرق في الحكم المذكور بين القن، و المدبر، و أم الولد، و المكاتب المشروط و المطلق

الذي لم يتحرّر منه شيء، و إن كان الأخيران قابلان (2) للتملك.

و في الحدائق (3): إنّ ظاهرهم الاتفاق على ذلك و لا أعلم فيه مخالفا سوى الصدوق في المكاتب. و المشهور في المكاتب بقسميه المذكورين سقوط الزكاة عنه.

و في المدارك (4): إنّه مذهب الأصحاب لا أعلم فيه مخالفا سوى الصدوق في الفقيه (5).

و استجوده في المدارك. و به (6) أفتى في الحدائق (7)، و حجّتهم على ذلك صحيحة عليّ بن جعفر أنّه سأل أخاه موسى (عليه السلام) عن المكاتب، هل عليه فطرة شهر رمضان أو على من كاتبه و تجوز

____________

(1) وسائل الشيعة 9/ 325، باب عدم وجوب الفطرة على غير البالغ العاقل ح 1.

(2) كذا، و الصحيح: «قابلين».

(3) الحدائق الناضرة 12/ 259.

(4) مدارك الأحكام 5/ 309.

(5) من لا يحضره الفقيه 2/ 117.

(6) في (ألف) و (ب): «و العلامة»، بدلا من: «و به».

(7) الحدائق الناضرة 12/ 260.

292

شهادته؟ قال: «الفطرة عليه و لا تجوز شهادته» (1) قال الصدوق: و هذا على الإنكار (2) لا على الاختيار، يريد بذلك: كيف يجب عليه الفطرة و لا تجوز شهادته؟» (3). أي إن شهادته جائزة كما أنّ الفطرة عليه واجبة.

قلت: ظاهر الرواية إرادة الإخبار، و حملها على الإنكار بعيد جدا؛ إذ المفروض وقوع السؤال عن الأمرين، و ليس في السؤال حكاية القول بعدم جواز شهادته و ثبوت الفطرة عليه حتى يقابل ذلك بالإنكار، و حينئذ فما تضمّنه متروك في المقامين سيّما الأخير؛ للاتفاق على قبول شهادة العبد في الجملة.

فبملاحظة ما قرّر ظهر ضعف الاسناد (4) إلى الرواية، مضافا إلى معارضتها بالمرفوعة:

«يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبة و رقيق و امرأته (5) و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق عليه بابه» (6) فإنّ قضية ثبوتها على مولاه سقوطها عنه إلّا أن في دلالتها ضعفا؛ لاستظهار ورودها فيما إذا اندرج في العيال، و لا كلام إذن في ذلك.

و التحقيق أن يقال: إن المكاتب إن اندرج في عيال مولاه كانت فطرته عليه من غير إشكال، فيسقط عن نفسه. و إن اندرج في عيال الغير كانت الفطرة على ذلك الغير، و إن صرف على نفسه من ماله بإذن المولى أو بغير إذنه لم يثبت فطرته على مولاه؛ لخروجه عن عيلولته؛ إذ أن له (7) الصرف على بعض الوجوه.

و سيأتي قوّة القول بسقوط نفقة العبد القنّ مع خروجه عن عيلولة المولى.

____________

(1) تهذيب الأحكام 8/ 276 باب المكاتب ح 40، من لا يحضره الفقيه 2/ 179 باب الفطرة ح 2072.

(2) في (د): «الأخبار».

(3) من قوله «قال الصدوق» إلى هنا ليس في (ألف).

(4) في (د): «الاستناد».

(5) ليس في (د): «واو».

(6) بحار الأنوار 93/ 110، باب قدر الفطرة و من تجب عليه أن يؤدى عنه و مستحق الفطرة ح 16 مع اختلاف يسير.

(7) في (د): «و إن لم يجز» بدل: «إذ أن له».

293

و الاحتجاج (1) بالخبر المذكور على ذلك- كما اتفق لغير واحد من المتأخرين- غير متّجه، بقي (2) الصحيحة المذكورة خالية عن المعارض إلّا أنّها موهونة بإعراض الأكثر عنها، لكنّها مؤيّدة بإطلاق ما دلّ على وجوب الزكاة الفطرة لشمول غير واحد منها آحاد المكلّفين خرج عنها المملوك الغير المكاتب؛ لما عرفت، فتبقى غيره تحت الإطلاق.

و فيه ما عرفت من ظهور رواية المقنعة في عدم وجوب الفطرة على من لا يجب عليه الزكاة الشامل للمقام؛ لما مرّ من عدم وجوب الزكاة المال عليه. و هي مقيّدة لتلك الإطلاقات.

و ضعف الإسناد منجبر بالعمل و الأصل، و بذلك يظهر قوة القول المشهور، غير أنّ المسألة غير خالية عن شوب (3) الإشكال.

ثانيها: لو تحرر من المكاتب المطلق شيء و إن (4) كان في عيلولة غيره- سواء كان مولاه أو غيره- فالفطرة عليه،

و إلّا كانت فطرته عليه و على مولاه بالنسبة، على المعروف بين الأصحاب.

و أسنده في الحدائق (5) إلى ظاهر الأصحاب مؤذنا بإطباقهم عليه.

و علّل ذلك بأنّ النصيب المملوك يجب نفقته على المالك، فتكون فطرته لازمة عليه، و نصيبه الحر لا يتعلّق بالسيّد بل يكون واجبة عليه، أخذا بالإطلاق كما إذا ملك بجزئه الحر ما تجب فيه الزكاة.

و يشكل بابتناء ما علّل به وجوب فطرته بحسب حصته المملوكة على مولاه على تبعية وجوب الفطرة على وجوب النفقة، و ليس كذلك كما سيأتي، و بحسب جزئه الحر على نفسه على شمول الإطلاق له، و هو محلّ تأمّل؛ لانصراف الإطلاقات إلى الأفراد الشائعة دون

____________

(1) في (د): «فالاحتجاج».

(2) في (ألف): «ففي».

(3) في (ألف): «ثبوت».

(4) في (د): «فإن».

(5) الحدائق الناضرة 12/ 260.

294

الفروض النادرة.

و يمكن دفعه بأن ندرة وجود الفرد المفروض لا يقضي بعدم شمول الإطلاق له مع صدق المطلق عليه بعد وجوده؛ إذ ليس كلّ ندرة باعثا على عدم شمول الإطلاق.

و على القول باعتبار العيلولة (في وجوب الفطرة ينبغي تقييد الحكم في المقام بما إذا أنفق عليه المولى بالنسبة و إن كان في صدق العيلولة) (1) حينئذ عليه إشكال إلّا أن الأظهر الاكتفاء به كما يظهر من ملاحظة الحال في العبد المشترك.

و يؤيده ما يظهر من التتبع عن إجراء حكم الحرّ و المملوك بالنسبة إلى المبعّض في كثير من المقامات كما يظهر من ملاحظة المواريث و الحدود و الديات و غيرها.

و ممّا قررنا يظهر ضعف ما حكى عن الشيخ من سقوط فطرته عن نفسه و عن المولى مطلقا.

و كأنّه لما عرفت من عدم صدق الحرّ عليه و لا المملوك لخروج المجموع عنهما فلا يندرج في شيء منهما ليثبت له أحد الحكمين. و مقتضى الأصل براءة الذمّة.

هذا، و لا فرق فيما ذكرناه بين المكاتب و ساير صور المبعّض (2) لاشتراك العلّة. نعم، على قول الصدوق من وجوب الزكاة على المكاتب يثبت الفرق، و ليس لأجل التبعّض.

ثالثها: كما لا تجب على العبد فطرة نفسه كذا لا تجب عليه الفطرة عن زوجته أو مملوكته

و إن قلنا بملكه؛ لما عرفت.

و صرّح في منتهى المطلب (3): أن الذي يقتضيه المذهب وجوب فطرة مملوك المملوك على مولاه لأنّه المالك في الحقيقة و العبد مالك بمعنى اساغة (4) التصرف، و لأن ملكه ناقص.

____________

(1) ما بين الهلالين زيدت من (د).

(2) في (د): «التبعض».

(3) منتهى المطلب 1/ 534 و فيه: «اشاعة التصرف».

(4) في (ألف): «اسائة».

295

و نصّ في التذكرة (1) على أنه لا يجب عليه إخراج الزكاة عن زوجته.

و عن الشهيد في البيان (2) احتمال عدم وجوب زكاة مملوكه عليه، و لا على مولاه؛ لمانع المملوكية في الأول و انتفاء الملكيّة في الثاني.

و الأظهر- بناء على ما يأتي- توقف وجوب فطرتهما على المولى على العيلولة، و مع عدمها فعلى القول بعدم ملك العبد لا كلام، و أمّا على القول بملك العبد و ثبوت العيلولة بالنسبة إليه ففيه الإشكال المتقدم.

و الأقوى فيه أيضا حسبما عرفت عدم الوجوب، فلا يجب على المولى لانتفاء العيلولة، و لا على العبد لانتفاء شرط التكليف.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 369.

(2) البيان: 206.

296

تبصرة [في اشتراط الغنى]

و من شرائط وجوبها أن يكون الدافع غنيّا و هو من يملك مؤنة نفسه و عياله فعلا أو قوة حسبما مرّ تفصيل القول فيه.

و قد وقع الكلام في المرام في مقامات:

أحدها: في اشتراط الوجوب بالغناء،

فالمعروف من مذهب الأصحاب اعتباره فيه و عليه عامة المتأخرين.

و عن الفاضلين في المعتبر (1) و المنتهى (2): انّه مذهب علمائنا أجمع عدا الإسكافي، فانّه قال بوجوبها على من فضل من مؤنته و مؤنة عياله ليومه و ليلته صاع.

و عزاه في الخلاف (3) إلى كثير من أصحابنا.

و الظاهر أنّه أريد بذلك وجوب فطرة نفسه عليه حينئذ أو وجوب الفطرة عليه في الجملة لا وجوبها عليه بمجرّد ذلك مطلقا، و الأظهر الأوّل للمعتبرة المستفيضة الدالّة عليه المعتضدة بالأصل و عمل الأصحاب، ففي صحيحة الحلبي عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل يأخذ من الزكاة عليه (4) صدقة و الفطرة؟ قال (5): «لا».

و في معناه الموثق كالصحيح و خبران آخران.

____________

(1) المعتبر 2/ 593.

(2) منتهى المطلب 1/ 532.

(3) الخلاف 2/ 146.

(4) في (د): «أ عليه».

(5) الإستبصار 2/ 40، باب سقوط الفطرة عن الفقير و المحتاج ح 3.

297

و في الموثق: على (1) الرجل المحتاج صدقة الفطرة؟ قال: «ليس عليه فطرة» (2).

و نحوه ما في الصحيح على الأصحّ. و قويّة صفوان.

و في الخبر: لمن تحل الفطرة؟ فقال: «لمن لا يجد، و من حلّت له لم تحل عليه، و من حلّت عليه لم تحل له» (3).

و روى المفيد في المقنعة (4) عن يونس بن عمار، عن الصادق (عليه السلام): «يحرم (5) الزكاة على من عنده قوت السنة و يجب (6) الفطرة على من عنده قوت السنة» (7).

كأنّ المراد من قوت السنة مطلقا مؤنتها كما يشير إليه غيرها من الأخبار.

و في مقابلة هذه الأخبار أخبار أخر مشتملة على المعتبرة ظاهرة في وجوبها على الفقير أيضا، منها الصحيح: الفقير الذي يتصدّق عليه هل يجب عليه صدقة الفطرة؟ قال: «نعم يعطي مما يتصدق عليه» (8).

و ربّما يحمل على ما إذا حصل له الغنى بذلك.

و قد يشهد له خبر الفضيل: على (9) من قبل الزكاة زكاة؟ فقال: «امّا من قبل زكاة المال فإنّ عليه زكاة الفطرة، و ليس عليه لما قبله زكاة و ليس على من يقبل الفطرة فطرة» (10).

و رواه المفيد في المقنعة (11) عن زرارة و الفضيل مع إسقاط قوله «و ليس عليه لما قبله

____________

(1) في (ألف): «عن».

(2) الاستبصار 2/ 40، باب سقوط الفطرة عن الفقير و المحتاج ح 1.

(3) تهذيب الأحكام 4/ 73، باب زكاة الفطرة ح 11.

(4) المقنعة: 248.

(5) في (د): أنه تحرم.

(6) لم يرد في (ب): «و يجب .. السنة».

(7) وسائل الشيعة 9/ 234، باب أن الفقر الذي يجوز معه أخذ الزكاة أن لا يملك مئونة السنة ح 10.

(8) الكافي 4/ 172، باب الفطرة ح 11.

(9) في (د): «أعلى».

(10) الاستبصار 2/ 41، باب سقوط الفطرة عن الفقير و المحتاج ح 6.

(11) المقنعة: 248.

298

زكاة» فإنّ ما تضمّنه من التفصيل ممّا لم يقل به أحد، فليحمل على ما ذكرناه من حصول الغنى بقبول زكاة المال، و إنّما فصّل بين الأمرين لبعد حصول الغنى بالفطرة.

و منها الصحيح: «زكاة الفطرة صاع من تمر أو صاع من زبيب أو صاع من شعير أو صاع من أقطّ من كلّ انسان حر أو عبد كبير أو صغير، و ليس على من لا يجد ما يتصدق به حرج» (1).

و هي كما ترى (2) غير واضحة الدلالة على ذلك، و إنّما فيه إطلاق و في آخره إيماء إليه.

و منها: الخبر المروي في الإقبال، و فيه: «هي واجبة على كل مسلم محتاج أو موسر يقدر على فطرة» (3).

و فيه: أن الوجوب فيه أعمّ من الوجوب المصطلح، فيدلّ على ثبوت الزكاة عليه في الجملة كما سيأتي إن شاء اللّه الكلام فيه (4).

و أقصى ما فيه ظهور إطلاقه في الوجوب، و بعد التصريح في الأخبار المتقدمة بالعدم يتعيّن حمله على الندب.

مضافا إلى اعتضاد ذلك (5) بعمل الأصحاب، بل الاتفاق عليه فيقيّد بها إطلاق الكتاب و السنة.

ثانيها: المراد بالغنى في المقام كما مرّ في زكاة المال من ملك قوت (6) سنة لنفسه و عياله.

و عليه عامة المتأخرين من غير خلاف يعرف بينهم.

و عن الشيخ في الخلاف (7): أنّه من ملك عين النصاب أو قيمته.

____________

(1) الاستبصار 2/ 42، باب سقوط الفطرة عن الفقير و المحتاج ح 13.

(2) في (ب): «نرى».

(3) اقبال الاعمال 1/ 465. ح 16.

(4) في (د): «فيه إن شاء اللّه».

(5) في (د): «تلك».

(6) في (ألف): «قوة».

(7) الخلاف 2/ 146.

299

و اعتبر الحلي تملكه لعين النصاب خاصة دون قيمته.

و حكى عليه الإجماع و اتفاق الإماميّة. و عن جماعة من أعيان القدماء بل أكثرهم تفسيره بمن ملك أحد النصب الزكوية.

و ظاهر ذلك موافقة الحلي (1) في اعتبار تملّك عين النصاب، لكن ذكر المحقق في المعتبر (2) بعد حكاية قول الشيخ أنه لا يعرف به حجّة و لا قائلا من قدماء الأصحاب، ثمّ حكى قول الحلي و دعواه الإجماع على ذلك، قال: و لا ريب أنه توهم.

و المستفاد من كلامه أنّ القول المذكور من الأقوال النادرة عند الاوائل.

و كيف كان فقضية كلام الحلي و المحكي عن الجماعة دوران الحكم مدار ذلك في الوجوب و عدمه، و لو كان عنده مؤنة سنة أو أضعافها.

و هو حينئذ بعيد جدّا بل بيّن الفساد قطعا و إلّا لم يجب الفطرة على أكثر الأغنياء، و كذا يرد على الشيخ حيث اكتفى بملك عين النصاب أو قيمته عدم وجوبها على المكتسب الذي يفي كسبه بمئونة سنته أو يزيد عليها إذا لم يملك مقدار النصاب.

و هو من الوهن بمكان.

و لا يبعد حمل (3) كلام هؤلاء على الاكتفاء بملك النصاب مع عدم تملّكه لمؤنة السنة، فلا كلام إذن فيما إذا حصل الغناء بغير تملك النصاب كما هو الغالب في التجار و غيرهم، و إنّما الكلام في حصوله بملك النصاب إذا لم يكن له ما يفي بمئونة سنته، فيرجع كلام الجماعة إلى الاكتفاء بأحد الأمرين.

و على المشهور بين المتأخرين لا يعتبر إلّا ملكه لمؤنة السنة حسبما مرّ ثم إنّا لم نقف على حجّة للقول المذكور سوى ما قدّمناه في زكاة المال، و هو كما عرفت في كمال الوهن.

نعم، احتجّ الحلّي على ما ذهب إليه بالإجماع و هو كما ترى موهون بشهرة الخلاف فيه بل

____________

(1) تذكرة الفقهاء 5/ 371.

(2) المعتبر 2/ 595.

(3) في (ألف): «محل».

300

بإطباق المتأخرين على بطلانه.

هذا، و لا يذهب عليك أن ما يوجد في بعض العبارات من اعتبار تملّك (1) قوت السنة إنّما يراد به مؤنة السنة؛ إذ لا اختصاص لخصوص القوت في ذلك بل لا بدّ من اعتبار ساير المؤن أيضا كما هو المستفاد من عدة من الأخبار كما مرّ (2).

ثالثها (3): اعتبر الفاضلان في المعتبر (4) و المنتهى (5) مع تملكه لمؤنة السنة أن يملك مقدار زكاة الفطرة زائدا على المئونة.

و في المدارك (6): انّه لا بأس به.

و قطع في الروضة (7) هو بخلافه، فلم يعتبر تلك الزيادة. و اختاره بعض المتأخرين.

و كأنّه ظاهر إطلاق الآخرين، و هو الذي يقتضيه اطلاق الأخبار المتقدمة.

و لا نعرف مستندا للتقييد سوى لزوم صيرورته فقيرا بدفع الفطرة مع عدمه، فيحل له حينئذ أخذ الزكاة.

و هو كما ترى غير صالح لتقييد الأدلة، و قضية الأخبار اعتبار عدم حلّ الزكاة له قبل الدفع و لا بعده.

____________

(1) في (ب): «تلك».

(2) في (د): «حسبما».

(3) في (ب): «تبصرة».

(4) المعتبر 2/ 594.

(5) منتهى المطلب 1/ 533.

(6) مدارك الأحكام 5/ 313.

(7) الروضة البهية 2/ 58.

301

تبصرة [في وجوب إخراجها عند تكامل شرائطها]

إذا تكاملت شرائط وجوب الفطرة وجب إخراجها عن نفسه، و عن جميع من يندرج في عياله، و يدخل تحت عيلولته سواء كان على سبيل الوجوب أو الندب مسلما كان أو كافرا، حرّا كان أو مملوكا، كبيرا كان أو صغيرا، مميّزا كان أو لا، ممّن يجب نفقته على غيره أو لا، بلا خلاف فيه بين الأصحاب.

و حكاية الإجماع على أصل الحكم مستفيضة حكاه في المنتهى (1) و المدارك (2) و غيرهما.

و يدلّ عليه بعد ذلك النصوص المستفيضة المشتملة على الصحاح و غيرها كالصحيح:

سألته عمّا يجب على الرجل من صدقة الفطرة؟ قال: «تصدق عن جميع من يعول من حرّ أو عبد أو صغير أو كبير» (3)، أو ما عداه.

و في صحيحة أخرى: «الفطرة واجبة على كلّ من يعول من الذكر أو الأنثى صغيرا أو كبيرا أو (4) حرّا أو مملوكا» (5).

و في أخرى: «في صدقة الفطرة تصدق عن جميع من يعول من صغير أو كبير، حرّ أو مملوك» (6).

و في رابعة: «صدقة الفطرة عن كلّ رأس من أهلك الصغير و الكبير و الحر و المملوك

____________

(1) منتهى المطلب 1/ 532.

(2) مدارك الأحكام 5/ 315.

(3) من لا يحضره الفقيه 2/ 182 ح 2081.

(4) ليس في (د): «أو».

(5) الكافي 4/ 172، باب الفطرة ح 16.

(6) الاستبصار 2/ 47، باب كمية زكاة الفطرة ح 7.

302

و الغني و الفقير» (1).

و في مرفوعة محمد بن أحمد بن يحيى، عن الصادق (عليه السلام) قال: «يؤدي الرجل زكاة الفطرة عن مكاتبه و رقيقه و امرأته و عبده النصراني و المجوسي و ما أغلق عليه بابه» (2).

إلى غير ذلك من الأخبار الدالّة على ذلك ممّا لا ريب فيها.

و لنتمم الكلام في المقام برسم أمور:

الأول: لو كان من تجب عليه الإنفاق عليه مندرجا في عياله فلا كلام

كما عرفت، و أما مع عدمه فقد وقع الخلاف في أمور:

منها: الأبوان و الأجداد و الأولاد إذا كانوا معسرين، فعن الشيخ في المبسوط (3) أنّ نفقتهم و فطرتهم عليه سواء اندرجوا في عياله أو لا.

و المعروف التفصيل بين العيلولية و عدمها.

و هو الأظهر؛ لإناطة الحكم بها في الأخبار.

و علّل الشيخ وجوب الفطرة عليه بوجوب الإنفاق.

و فيه: أنه يدور مدار العيلولة و الإنفاق لا مجرد وجوب النفقة كما عرفت.

و يمكن الاحتجاج له بموثقة إسحاق بن عمار أو صحيحته عن الصادق (عليه السلام): «الواجب عليك أن تعطي عن نفسك و أبيك و أمّك و ولدك و امرأتك و خادمك» (4).

فإنّها تعمّ صورة الإنفاق عليهم و عدمه. و بمعناها صحيحة أخرى مشتملة على خصوص الولد، و فيها: «إنّما تكون فطرته مع عياله بصدقة دونه قال العيال الولد و المملوك و الزوجة و أمّ الولد» (5).

____________

(1) تهذيب الأحكام 4/ 75، باب زكاة الفطرة ح 18.

(2) الكافي 4/ 174 باب الفطرة ح 20.

(3) المبسوط 1/ 239.

(4) من لا يحضره الفقيه 2/ 181 ح 2080.

(5) من لا يحضره الفقيه 2/ 181 ح 2079، و فيه: «على عياله صدقة».

303

و هما محمولان على صورة العيلولة كما هو الغالب.

و في الصحيحة الثانية إشارة إليه حيث فسّر العيال بذلك.

و منها: الولد الصغير مع يساره، فذهب الشيخ في المبسوط (1) إلى أنّ نفقته في ماله و فطرته على أبيه؛ معلّلا بأنّه من عياله. و هو كما ترى.

و في المدارك (2) أنّه ضعيف جدا.

و منها: الزوجة إذا استحقّت النفقة على الزوج، و لكن لم يعلها، فإنها إن اندرجت في عيال غيره كانت فطرتها عليه كما هو مقتضى النصوص و ظاهر كلام الأصحاب من غير خلاف يظهر فيه.

و في الحدائق (3) نفى عنه الخلاف و الإشكال و إلّا ففي وجوب فطرتها على الزوج خلاف، فذهب كثير من الأصحاب إلى وجوبها عليه و جعلوها تابعة لوجوب الإنفاق.

و في الحدائق (4): إنّه المشهور.

و في المدارك (5): إنه مذهب الأكثر، و اعتبر جماعة من الأصحاب منهم صاحب المدارك (6) و الحدائق (7) حصول العيلولة في وجوب الفطرة، فلا فطرة عليه من جهتها مع عدمها؛ أخذا بظواهر الأخبار المتقدمة التي أنيط الحكم فيها بالعيلولة. و هو الأظهر لتلك الظواهر المعتضدة بالأصل و عدم قيام دليل على خلافها سوى إطلاق المعتبرين المتقدمين.

و هو إطلاق ضعيف محمول على حصول العيلولة كما يومي إليه الثاني منهما.

____________

(1) المبسوط 1/ 239.

(2) مدارك الأحكام 5/ 324.

(3) الحدائق الناضرة 12/ 268.

(4) الحدائق الناضرة 12/ 268.

(5) مدارك الأحكام 5/ 322.

(6) مدارك الأحكام 5/ 322.

(7) الحدائق الناضرة 12/ 268.

304

و يؤيّده ضمّ غيرها إليها ممّا لا يقول (1) الأكثر به إلّا مع الإنفاق كما مرّ.

و منها: الزوجة إذا لم تكن ممّن يجب الانفاق عليه كالناشزة و الصغيرة على القول بعدم وجوب نفقتها، و غير المدخول بها مع عدم التمكين و المتمتّع بها، ففي وجوب فطرتها على الزوج مع انتفاء العيلولة قولان.

و المشهور فيه عدم الوجوب.

و عن الحلي (2) وجوب فطرتها عليه مطلقا مستدلّا بالعموم و الإجماع؛ إذ لم يفصّل في الزوجة أحد من الأصحاب.

و هو بيّن الوهن؛ لعدم ظهور الإطلاق في مثل ذلك سيّما بالنسبة إلى المتمتع بها، مضافا إلى ما عرفت من إناطة الحكم في الأخبار بالعيلولة.

و دعواه الاجماع موهونة بشهرة خلافه، بل لا يظهر قائل بذلك سوى ما قال المحقّق في المعتبر (3): ما عرفنا أحدا من فقهاء الإسلام فضلا عن الاماميّة بوجوب الفطرة عن الزوجة من حيث هي، قال: فدعواه إذن عرية عن الفتوى و الأخبار.

و نحوها ما عن المفيد.

و منها: المملوك، فالمعروف وجوب فطرته على سيّده مطلقا حاضرا كان أو غائبا، صغيرا كان أو كبيرا، مطيعا كان أو عاصيا، آبقا كان أو لا، مغصوبا كان أو لا.

و عن منتهى المطلب (4) أجمع أهل العلم كافة على وجوب إخراج الفطرة عن العبيد الحاضرين و المكاتبين (5) المغصوبين و الآبقين و عبيد التجارة، صغارا كانوا أو كبارا (6).

____________

(1) في (ألف): «يقول» بصيغة الإيجاب.

(2) السرائر 1/ 466.

(3) المعتبر 2/ 601.

(4) منتهى المطلب 1/ 534.

(5) في (د) زيادة: «واو».

(6) ليس في (د): «واو».

305

و حكاه في المعتبر (1) من (2) أكثر أهل العلم، ثمّ نقل الخلاف فيه عن أبي حنيفة.

و علّلوا ذلك بأنّ نفقته واجبة فيجب فطرته عليه.

و قد عرفت ما فيه؛ إذ قضية الأخبار دورانه مدار العيلولة لا مجرّد وجوب النفقة، و لذا ذهب المعظم في المسألة الأولى إلى (3) عدم وجوب الفطرة مع وجوب النفقة هناك أيضا. و قد نصّها هناك بعض هؤلاء بما قلنا.

و ربّما يحتجّ عليه بإطلاق الأخبار.

و فيه: أنّ الإطلاق إنّما ينصرف إلى الغالب، فلا يندرج فيه مثل ذلك، و لا أقلّ من الشك.

مضافا إلى تقييده بما دلّ على اعتبار العيلولة، و حكى في الشرائع (4) قولا بعدم الوجوب إلّا مع العيلولة. و اختاره جماعة من المتأخرين منهم صاحب (5) المدارك (6) و الحدائق (7).

و تردد فيه في الشرائع (8) و كأنّه الأظهر؛ لما عرفت.

ثم لو كان العبد ممّن يعوله غير مولاه فلا إشكال في وجوب فطرته كما مرّ في الزوجة.

و قد نفى عنه الخلاف و الاشكال في الحدائق (9).

و إن كان ينفق على نفسه من كسبه فإن كان ذلك بإذن السيد و ما (10) في حكمه كان ذلك عيلولة اذ كسبه لسيده بناء على القول بعدم ملكه فتجب فطرته على سيده، و إن كان لا عن إذنه فإن كان على سبيل الغصب (فالظاهر خروجه عن العيلولة، كيف و لو لا ذلك لكان كل

____________

(1) المعتبر 2/ 593.

(2) في (د): «عن».

(3) زيادة «إلى» من (د).

(4) شرائع الإسلام 1/ 130.

(5) في (د): «صاحبا».

(6) مدارك الأحكام 5/ 322.

(7) الحدائق الناضرة 12/ 269.

(8) شرائع الإسلام 1/ 130.

(9) الحدائق الناضرة 12/ 269.

(10) في (د): «أو».

306

من يصرف على نفسه من مال الغير و لو على سبيل الغصب) (1) مندرجا في عياله، و هو بيّن الفساد.

و إن كان بإذن الشرع ففيه وجهان؛ من حصول العيلولة في الجملة، و من عدم استناد إليه في ظاهر العرف، فإن ظاهر قوله (عليه السلام) «من يعول» و نحوه لا يظهر انصرافه إلى ذلك.

و من هنا يظهر جريان الإشكال في ساير من يجب الإنفاق عليهم إذا امتنع من يجب الإنفاق عليه و انفق الحاكم عليهم من ماله أو أخذوا مقدار النفقة بغير إذنه.

الثاني: المدار في صدق العيلولة على العرف،

و الظاهر صدقها ببذل (2) النفقة و إن كانت كسوته على نفسه أو غيره.

و هل يعتبر أن يكون الدفع على وجه إباحة و الترخيص أو يعمّ ذلك و ما إذا كان على سبيل التملك؟ وجهان أوجههما الثاني؛ إذ المدار في العيلولة على تكفّل النفقة سواء كان بتمليكه ذلك أو إباحته له، و سواء كان المدفوع عين ما ينفقه أو قيمته.

نعم، يعتبر فيه (3) أن يكون الدفع لأجل الإنفاق لأن يصرفه المدفوع إليه في نفقته، و يعتبر مع ذلك صدق الاسم بحسب العرف، فقد يجتمع الأمران و لا يعدّ عيلولة في العرف.

فظهر بما ذكرنا أنه لو شرط عليه الإنفاق في ضمن عقد لازم لم يمنع من (4) صدق العيلولة، خلافا للمحقق في المعتبر حيث عدّه مانعا من ذلك؛ ناظرا (5) إلى استحقاقه (6) ذلك، و تملكه له من جهة الشرط، فيكون كصرفه من مال نفسه، بل هو من ذلك؛ لكونه بمنزلة الأجرة.

و به قطع في المدارك.

و يدفعه صدق الاسم بحسب العرف قطعا، كيف و قد يجعل الشرط نفس العيلولة و يشير

____________

(1) ما بين الهلالين زيدت من (د).

(2) في (ب): «ببذله».

(3) في (ب) زيادة: «فيه» الذي أثبتناه في المتن.

(4) في (ب): «في».

(5) في (ب): «نظرا».

(6) في (ب): «استحقاق».