تبصرة الفقهاء - ج3

- الشيخ محمد تقي الرازي المزيد...
434 /
357

و اشتراط كون العقد ممّا له مجيز في الحال مذكور في كلام بعض العامّة، و قد أسنده في التذكرة إلى ابن جنيد (1)، و لم يقم عليه دليل عندنا.

نعم، لو وقع العقد على وجه لا يجوز إجازته من الولي كما إذا اشتمل على ضرر الطفل فقد يقال حينئذ بفساده؛ لعدم مجيز يمكن تصحيح العقد بإجازته، فهو بمنزلة انتفاء الإجازة رأسا، فيقع العقد فاسدا.

و هذا إنّما يتمّ مع عدم الاكتفاء بإجازة الصبيّ بعد بلوغه بناء على الوجه الآتي.

و يمكن أن يقال في الصورة الأولى أيضا بأن عدم (2) وجود مجيز من أب أو جدّ أو غيرهما حال وقوع العقد كاف في فساده بناء على الوجه الآتي؛ إذ حصول الولي بعد ذلك لا يكفي في صحّة العقد الواقع قبل ولايته بناء على الوجه المذكور إلّا أن يقال بعدم جريانه على مذهبنا مع وجود الإمام (عليه السلام) في كلّ عصر، و إن فرضنا الخلو من المجتهد.

و فيه: أنّ وجود الامام (عليه السلام) مع عدم إمكان الوصول إليه (في تحصيل الإجازة منه لا يكفي في تصحيح العقد و كذا الحال في المجتهد الذي يقطع عادة بعدم إمكان الوصول إليه) (3) رأسا لانتفاء الإجازة منه قطعا فلا يمكن تصحيح العقد من قبله مع العلم بعدم حصول الإجازة منه، و عدم قابلية غيره من الأولياء المتجددين للإجازة بناء على ذلك الوجه، فلا بدّ من الحكم بفساد العقد للعلم بانتفاء شرطه- أعني الإجازة المعتبرة- في صحته. و كأنّ هذا هو الوجه فيما ذكره (رحمه اللّه) إلّا أنّه مبنيّ على الوجه الآتي.

عاشرها: أنه هل يشترط في المجيز أن يكون قابلا للإجازة حين العقد

ماضيا تصرّفه في تلك الحال نظرا إلى أن إجازته يصحّح العقد الواقع في ذلك الزمان، فلا بدّ أن يكون جامعا لشرائط الإجازة حينئذ، فلو حدث جواز تصرفه بعد وقوع العقد لم تؤثّر إجازته في حال

____________

(1) في (د): «أبي جنيد».

(2) زيادة في (ب): «الاكتفاء».

(3) ما بين الهلالين لم ترد في (ألف).

358

السابقة كما إذا تجدّدت له الولاية كما إذا كان (1) مجنونا حين العقد، فأفاق بعد ذلك لعدم ثبوت الولاية له في تلك الحال، و كذا لو بلغ الطفل فأجاز لعدم جواز تصرفه في حال الصغر.

و هذا لا (2) يخلو من وجه.

و يتفرع عليه ما ذكره العلّامة كما أشرنا إليه إلّا أنّ الظاهر خلافه؛ لما عرفت ممّا دلّ على صحة فضولي النكاح إذا أجاز الطفل بعد بلوغه، فيدل ذلك على الصحة في المقام بالفحوى.

مضافا إلى أنّه لا مجال للإشكال فيه على القول بالنقل؛ فإنّ التصرف بالمال إنّما يكون بالإجازة الباعثة على الانتقال الواقعة في زمان سلطانه عليه، و إنّما يأتي الإشكال على القول بالكشف.

و يمكن دفعه بأنّ الولاية المفروضة و إن تجدّدت بعد العقد إلّا أنّها قاضية بمضي تصرفه في مال الطفل، و لو تعلّقت بالزمان السابق و عدم مضى تصرفه على فرض وقوعه في ذلك الزمان لا يقضي بعدم مضيه متعلّقا بذلك الزمان إذا وقعت في وقت السلطان عليه كما إذا تعلّق تصرف الولي بالزمان المتأخر عن ولايته حين ولايته؛ فإنّه ينعقد حينئذ و إن لم ينفذ على فرض وقوعه في ذلك الزمان.

فالإجازة المتأخرة الواقعة في وقت السلطنة على المال كاشفة عن صحّة العقد الواقع قبلها؛ لمجامعته للإجازة الصادرة ممّن يجوز تصرفه في المال، فكما أنّ تأخر الإجازة لا ينافي الحكم بصحة العقد المتقدّم عليها مع اشتراطه في صحّة العقد فكذا لا ينافيه تأخر ولاية المجيز.

هذا إذا كانت ولايته على المال مطلقه كما هو الغالب، و أمّا لو كانت مقيّدة بغير ما تقدّم كما إذا وكله في التصرفات المتعلّقة بما تأخّر من الزمان دون ما سبقه لم يكن له ذلك.

حادي عشرها: أنه هل يشترط في الإجازة الشروط المعتبرة في البيع

كمعلومية العوضين للمالك المجيز أو يكتفى بحصول تلك الشروط حال وقوع العقد؟ فلو تحقّق العلم بالعوضين للعاقدين كفى في صحة العقد، و إن جهل المجيز فيصحّ إجازته مع جهالته بها أو بأحدهما؛

____________

(1) في (ألف): «كانوا».

(2) ليس في (د): «لا».

359

فيرجع في التعيين إليهما أو إلى ما تقوم به النيّة مع الاختلاف.

وجهان من أن البائع و المشتري على الحقيقة هو المجيز، فلا بدّ من اعتبار شروط البيع بالنسبة إليه، و إنّ البيع إنّما صدر عن العاقدين دون المجيز، فلا دليل على اعتبار تلك الشروط بالنسبة إليه، فالإجازة المتأخرة بمنزلة التوكيل المتقدم، فكما لا يعتبر تحقّق شروط البيع بالنسبة إلى الموكّل فكذلك المجيز.

و هذا هو الأظهر.

و يجري الكلام في الشروط المنضمّة إليه.

و نحوها إذا حملها (1) و أجاز البيع على ما وقع عليه.

ثاني عشرها: هل يشترط استجماع العقد لشروط الصحة حين وقوعه سوى رضا المالك و إذنه

أو أنّه يكتفى بتحقّق الشروط حين الإجازة؟ فلو تعلّق العقد بشيء مجهول للعاقد الفضول و أجازه المالك مع علمه أو باع الآبق و قد استرد في وقت الإجازة أو باع الكافر مصحفا أو مسلما فأجازه بعد إسلامه، أو يكتفى بحصولها في أحد الحالين أو بحصولها من حين العقد إلى زمان الإجازة في الجملة أو يعتبر تحقّقها في الحالين؟ وجوه.

و ظاهر بعض كلماتهم في الاحتجاج يعطي اعتبار الاستجماع حين (2) العقد، و هو الّذي يقتضيه الأصل الأصيل في فساد المعاملة بدونها؛ للشك في صحتها حينئذ، بل قد يقضي الأصل باعتبار حصولها في الحالين.

و قد يقال بالاكتفاء بحصولها حين الإجازة على القول بالنقل فإنه في الحقيقة حال انعقاد العقد.

و يمكن أن يقال بالتفصيل بين الشروط، فيعتبر في المملوكيّة أن تكون حاصلة حين العقد، فلو باع ما لم يدخل في الملك كالمباحات قبل الحيازة و الطير في الهواء ثم أجازها أو صاد الطير لم تؤثر الإجازة، سيّما على القول بالكشف لو كانت حاصلة حين العقد فزالت بعد ذلك كما

____________

(1) في (د): «جهلها».

(2) ليس في (ب): «الاستجماع حين .. الأصل باعتبار».

360

لو تلفت بعد العقد و القبض قبل الإجازة صح العقد بالإجازة، فيكون التلف من المشتري.

و يحتمل حينئذ اشتراط حصولها حين الإجازة أيضا؛ إذ لولاها لعدّت الإجازة سفها خارجا عن مقصود العقلاء.

و أمّا القدرة على التسليم و إسلام المشتري في (1) بيع المصحف و المسلم فيكتفى بحصول الشرط عند الاجازة؛ لعدم وضوح دليل على الفساد بمجرّد انتفائه حين العقد.

و لا عبرة بالتسليم الأصيل قبل الإجازة، و المفروض حصول القدرة عليه عند اعتبار التسليم، و أنه لا سبيل للمشتري على المبيع إلّا بعد الإجازة، فلا يفيد ما دلّ على دفع السبيل و قضى به مراعاة الاحترام فساد العقد في تلك الصورة، فيندرج تحت الأصل.

و أمّا معلوميّة العوضين ففيها وجهان.

و لا يبعد أن يقال في اشتراط استجماع الشروط حين العقد بما دلّ الدليل على اشتراط العقد به مطلقا.

و أمّا ما كان اعتباره لجهة خارجة (2) كنفي السبيل على المسلم و ملاحظة الاحترام أخذ فيها (3) بمقتضى ذلك الدليل، فلا يبعد على الصحيح في المثالين المفروضين.

ثالث عشرها: أنّه هل يعتبر فيها تعيين العقد من كونه بيعا أو صلحا أو إجازة أو نكاحا

أو يجوز إمضاء العقد الواقع منه كائنا ما كان، سواء علم كميّة العقد أو جهل التعيين أو علم نوع العقد و شكّ في الكميّة أو جهلهما معا كما إذا أجاز كلّ عقد يتعلّق به (4) قد صدر منه في هذا اليوم مع جهله بنوع العقد، و تعدّد تلك العقود فيه إشكال.

و ظاهر ما ذكرناه من كونه بمنزلة الإذن السابق على العقد هو الوجه الثاني.

و هل يعتبر فيها علمه بوقوع العقد من الفضول أو يجوز إمضاءه لما يحتمل وقوعه أو على

____________

(1) زيادة «في» من (د).

(2) في (د): «خارجية».

(3) في (د): «فيه».

(4) في (ألف): «يتعلّق» بدلا من «يتعلق به».

361

تقدير وقوعه كما اذا أخبره مجيز لوقوع البيع فأجازه من دون أن يتحقق عنده وقوعه ثمّ علم بالوقوع؟ وجهان.

و يقوى الاكتفاء به في المقام.

رابع عشرها: أنّه لا يعتبر الفور في الإجازة بعد علم المالك بالحال،

بل يصحّ مع التراخي أيضا.

و ربّما يحتمل أن يكون فورية لما في التراخي من إرجاء الأمر و إيصال الضرر إلى الآخر في كثير من الصور.

و فيه: أنه مع علمه بالحال قد أقدم عليه، فيكون الضرر آتيا إليه من قبله.

و مع جهله و لحوق الضرر عليه يندفع ذلك بثبوت الخيار له كما مرّت الإشارة إليه.

خامس عشرها: أنه لو توقّف صحّة البيع على القبض كبيع الصرف و السلم و قد حصل القبض من الفضول فأجاز البيع،

فإن كان بعد تصرف (1) المجلس و علمه به كان إجازة للقبض في وجه قويّ؛ إذ لولاه لكان إجازته للبيع لغوا، و لحمل فعل المسلم على الصحة مع الإمكان.

و لو كان جاهلا بالتوقف ففيه إشكال، و إن كان المجلس باقيا بحسب اعتقاده.

____________

(1) في (د): «تفرق».

362

تبصرة [في بيع ما يملكه غيره]

لو باع ما يملكه و ما يملكه غيره من غير وكالة و لا ولاية صحّ البيع فيما يملكه بلا خلاف يظهر فيه.

و في الغنية حكاية الاجماع عليه.

و نصّ في الرياض بنفي الخلاف فيه، و استظهر منهم الاجماع عليه.

و يدلّ عليه الصحيح و غيره.

و وقف فيما لا يملكه على إجازة المالك أو من يقوم مقامه بناء على صحّة الفضولي بتعقّب الإجازة.

و قد أسنده بعضهم هنا إلى علمائنا موذنا بالإجماع عليه، فكلّ من الحكمين ممّا لا إشكال فيه بعد ما عرفت من صحّة الفضولي بعد الإجازة.

و قد يستشكل في الأوّل:

تارة: من جهة جهالة الثمن؛ إذ قد لا يعلم ما يقع بإزاء المملوك من الثمن بعد التقسيط، فكأنه قال: «بعتك هذا بما يخصّه من الثمن» بعد تقسيطه عليه و على الآخر.

و أخرى: بأنّ القصد إنّما تعلّق بنقل المجموع دون الأبعاض، فإذا لم يصحّ العقد على ما دفع (1) عليه لزمه الحكم بالفساد مطلقا؛ إذ العقود تابعة للقصود.

و ثالثا: إنّه مع عدم صحّة العقد في البعض يغلب جانب الفساد كتزويج الأختين و الأم و البنت بعقد واحد.

____________

(1) في (د): «وقع».

363

و رابعا: بأنّه لم يقم برهان على صحّة العقد المفروض، و قضية الأصل الأصيل في المعاملات الفساد، و عدم ترتب الآثار حتّى يقوم دليل عليه.

و خامسا: بأنّ الصيغة الصادرة منها شيء واحد، فلا يتبعض.

و يندفع الأول: بأنّ أقصى ما دلّ الدليل من اعتبار العلم بالعوضين إنّما هو بالنسبة إلى (مجموع المبيع و الثمن، فإذا علم مجموع الأمرين اللّذين وقع العقد عليهما صح البيع و إن علم فساد البيع بالنسبة إلى) (1) البعض و كان ما يصحّ البيع فيه مجهولا أو كان ما يقع من الثمن بإزائه مجهولا، و لا دليل على اعتبار العلم في الأجزاء إذا لم يؤدّ إلى جهالة المجموع كما سيجيء بيانه إن شاء اللّه.

و الثاني: بأنّ القصد إنّما تعلّق بنقل جميع الأجزاء، فينتقل به ما يكون قابلا للنقل و يبقى الباقي.

كيف و قضية العقد إنّما هو انتقال الجميع، و قضيّة الأمر بالوفاء (2) به هو الجري على مقتضاه في الجميع، فإذا حصل مانع منه في البعض لزم الأخذ بمقتضاه (3) في الباقي، عملا بالأمر المذكور على حسب الإمكان، و لعدم سقوط الميسور بالمعسور.

و مع الغضّ (4) عن جميع ذلك فالصحيحة (5) المتقدّمة المؤيّدة بعمل الأصحاب بل الإجماع المذكور كاف فيه لو سلّمنا قضاء الأصل بخلافه.

و الثالث: بأنّه لا دليل على تغليب جانب الفساد مطلقا بل ينبغي الحكم بالفساد فيما يقبل الصحة (6) في غيره، و الحكم بالفساد في تزويج الأختين و البنت و الأم بعقد واحد من جهة قيام الدليل عليه و لا يحكم في نظائره إلّا بالفساد و لا قاضي به في المقام.

____________

(1) ما بين الهلالين أضيفت من (د).

(2) لم ترد في (ب): «بالوفاء به ... عملا بالأمر».

(3) في (ألف): «بمقتضا».

(4) في (د): «الفض» ظاهرا.

(5) في (ألف): «فالصحة».

(6) في (د): «و بالصحة».

364

و الرابع: بأنّه إن اريد بذلك عدم قيام دليل خاص عليه فمسلّم و لا يلزمه انتفاء الدليل مطلقا، و إن أريد عدم قيام دليل عليه مطلقا فهو واضح الفساد.

كيف و العمومات حجّة قائمة في المقام كافية في إثبات المرام.

و الخامس: بأنّ العقد الواقع و إن كان شيئا واحدا إلّا انّه يتعدّد متعلقاته، فلا مانع من صحّته بالنسبة إلى بعض و فساده بالنسبة إلى آخر.

ثمّ إن أجازه الآخر فلا خيار للمشتري و إن كان جاهلا بالحال حين العقد. نعم، إن تراخى زمان إجازته احتمل ثبوت الخيار (1) على ما مرّ الكلام فيه في مسألة الفضولي، و إن ردّه الآخر ثبت الخيار للمشتري مع جهله بالحال لتبعّض الصفقة عليه.

و أمّا البائع فالظاهر ثبوت الخيار له في الصورتين مع جهله عن الغير (2) و اعتقاده تملك الجميع من جهة تبعض الصفقة، و مع العلم بالحال و فلا (3) خيار للعالم مطلقا.

[تتميم]

و لنتمم الكلام في المرام برسم أمور:

أحدها: انّه إذا لم يجز المالك الآخر بطل البيع في ملكه، و صحّ في المملوك بقسطه من الثمن،

فان كان المبيع ممّا لا يختلف الحال فيه من جهة الانضمام إلى الآخر و عدمه فلا إشكال في التقسيط، فإنّهما يقومان معا.

و ينسب قيمة المملوك إليهما (4)، و يؤخذ بنسبته من الثمن.

و ثانيا: إن كان للانضمام مدخليّة في زيارة القيمة كمصراعي باب و زوجي نعل فقد اختلف فيه كلام الأصحاب، فظاهر إطلاق جماعة عدم الفرق بينه و بين الأوّل، فيقومان معا

____________

(1) في (د) زيادة: «له».

(2) في (د): «حق الغير» بدل «عن الغير».

(3) في (د): «لا».

(4) في (د): «إلى قيمتها».

365

و ينسب قيمة المملوك إليهما و يؤخذ بنسبته من الثمن.

و أورد عليه في الروضة (1) بأنّه لا يستحق مالك كلّ واحد ماله إلّا منفردا، فكيف يقومان معا؟ أراد بذلك أنّه ينبغي أن يقع التقويم على نحو الملكيّة، فإذا لم يملك كلّ منهما ماله إلّا منفردا فلا وجه لتقويمها منضمّين و اعتبار قيمة الانضمام، بل ينبغي أن يقوم كلّ منهما منفردا، و ينسب قيمة المملوك إلى مجموع القيمتين و يؤخذ له من الثمن بتلك النسبة.

و هذا هو القول الثاني، و قد قوّاه في الرياض (2).

نعم، احتمل الوجه الأوّل في الروضة فيما إذا كان العينان لمالك واحد، و قد باعهما الفضول عنه، فأجاز البيع في أحدهما دون الآخر.

و أنت خبير بأنّ عدم استحقاق كلّ منهما لماله إلا منفردا لا يقضي وقوع التقويم (3) مع الانفراد؛ إذ ليس المقصود من تقويم الأمرين معرفة قيمة المالين على ما يستحق (4) المالكان إذ لا ربط له بالمقام بل الملحوظ صحّة ما وقع العقد عليه و قيمت ما خلّص للمشتري.

و لا ريب أنّ ما وقع العقد عليه هو المجموع، و ما خلّص للمشتري هو البعض يتعرف (5) بنسبتها إلى الأوّل مقدار ما وقع من الثمن المذكور في العقد بإزائه.

و أيضا قضية (6) عدم استحقاق البائع لماله إلّا متفرّدا أن لا يستحق من الثمن ما يقع بإزاء الانضمام، و هذا قضية الوجه المتقدم في التقسيط لسقوطه (7) كسقوط ما يقابل الجزء الأخير دون ما ذكر من الوجه، فالتعليل المذكور قاض بفساده على عكس ما رامه المستدلّ.

و من هنا أورد عليه بأنّه إذا كان المشتري جاهلا بالحال و بذل الثمن بإزاء المجموع من

____________

(1) الروضة 3/ 240.

(2) رياض المسائل 1/ 514.

(3) هنا زيادة في (ألف): «الّا منفردا».

(4) في (د): «يستحقه».

(5) في د: «فيعرف».

(6) في (ألف): «توقف».

(7) في (ألف): «و لسقوطه».

366

حيث المجموع، فالأخذ بالنسبة إلى مجموع قيمتهما منفردين (1) ظلم على المشتري و حيف عليه.

قيل: و هو حسن إلّا أنّه منقوض بالظلم على البائع لو أخذ بالنسبة إلى مجموع قيمتهما مجتمعين مع عدم تقصيره و إتلافه شيئا على المشتري، و إنّما أراد (2) شيئا لم يسلم له، فإلحاقه بالغاصب حينئذ في ضمان الصيغة (3) ليس في محلّه مع براءة ذمته عنه.

قلت: أما ما ذكره من لزوم الظلم على المشتري على الوجه الأول فيما إذا كان المشتري جاهلا بالحال و بذل الثمن بإزاء المجموع ففيه (4) أنّه لا فرق في ذلك على فرض صحته من (5) علمه بالحال و جهله؛ إذ مع العلم لم يبذل (6) الثمن على الأجزاء إلّا بمقتضى التقسيط، فغاية الأمر أن يكون عالما بعدم خلوص الاجتماع له.

و ذلك لا يقضي ببذل العوض بإزائه مع عدم حصوله، فلا فارق بين الصورتين.

و أمّا ما ذكر من نقضه بالظلم على البائع لو أخذ قيمتها مجتمعين .. إلى آخره، غير متّجه؛ إذ ليس المقصود من ذلك تضمينه للصفة الفائتة؛ إذ لا داعي لتوهم ذلك في المقام، بل المقصود أنّه لما باع ما يملكه مع صفة (7) الانضمام إلى الآخر و لم يسلم إلى المشتري إلى ما يملكه منفردا لزم إسقاط ما يقع بإزاء العين الأخرى، و ما يقع بإزاء الانضمام الفائت على المشتري، و عدم كونه هو السبب في فوته لا يقضي بأخذ شيء ممّا يقابله و مع عدم ثبوت ذلك له أولا، و لا حصوله للمشتري بعد ضمّه إلى الآخر.

و التحقيق في المقام أن يقال: إنّ العقد إنّما تعلّق بالأمرين، فالمبيع إنّما هو المجموع، فإذا

____________

(1) ليس في (ب): «منفردين .. قيمتها».

(2) في (د) زيادة: «له».

(3) في (ألف): «الضيغة».

(4) في (ألف): «قمية».

(5) في (د): «بين».

(6) في (ألف): «ببذل»، بدل «لم يبذل».

(7) في (ألف): «منعه».

367

أريد معرفة ما يقع من الثمن بإزاء أجزائه فلا بدّ من أن يعلم قيمة الكلّ و قيمة ذلك الجزء الّذي يراد استعلام ماله على الوجه الّذي وقع العقد عليه- أعني قيمته منفردا- مع الانضمام- أعني قيمة ذلك الجزء المنضمّ إلى غيره- حسبما وقع العقد عليه لا قيمته منفردا عن الآخر حسبما تخلص للمشتري، فإنّ ذلك غير ما وقع العقد عليه، و خلوصه كذلك للمشتري لا يقضي بوقوع العقد عليه كذلك، فلا وجه في ملاحظته في المقام، فلا بدّ من ملاحظته على الوجه الّذي ذكرناه، فينسب ذلك إلى قيمة المجموع، و يؤخذ من الثمن بتلك النسبة، فيتعين بذلك ما وقع بإزائه من الثمن في ذلك العقد.

و عدم خلوص الصفة للمشتري لا يقضي بسقوط شيء من الثمن بإزائها؛ لما تقرّر عندهم من عدم تقسيط الثمن على الأوصاف.

و لذا اتّفقوا على عدم إسقاط شيء من الثمن بإزاء الأوصاف في خيار الوصف و التدليس، و إنّما يتخيّر بين الردّ و الأخذ بمجموع الثمن، فلا ظلم على البائع و لا المشتري مع ملاحظة الانضمام في التقويم.

و حصول الزيادة في القيمة بحسب الصفة الغير الحاصلة للمشتري لا يقضي بظلم عليه كما لا يقضي به في الخيار.

و انجبار الظلم هناك بالخيار جار في المقام؛ لحصول الخيار له مع جهله بالحال كما عرفت.

و أمّا مع العلم فإنّما جاء الضرر عليه من جهة إقدامه، فلا ظلم عليه من قبل الشارع.

و ممّا قرّرنا يظهر ضعف ما قد يتخيّل من أنّ المالك لا يستحقّ إلّا قيمة ماله منفردا، فلا وجه لاستحقاق (1) ما بازاء الانضمام؛ إذ قد عرفت أنّه لا يقع شيء من الثمن بازاء الوصف المذكور و إن كان باعثا على مزيد القيمة كسائر الأوصاف.

فإن قلت: إنّ ما ذكر من الوجه هو قضيّة ما ذكره في الروضة؛ فإنّ مقتضى ملاحظتهما منفردين هو تقسيط الزيادة الحاصلة من جهة الانضمام الحاصل في العقد على ما يقع من الثمن

____________

(1) في (د): «استحقاقها».

368

بإزاء كلّ من العينين، فيؤخذ بمجموع الأمرين على حسب ما ذكره (1) و إن اختلف الحال في ظاهر التقرير بين الوجهين، فالمرجع فيهما واحد و إن كان ما ذكر من التقرير أوضح؛ لاتّضاح الوجه في المسألة من بيانه.

قلت: إذا كانت الزيادة الحاصلة من جهة الانضمام متساوية النسبة إلى قيمة الأمرين فالحال على ما ذكر، و أما إذا اختلفت الحال فيها فلا.

و توضيح المقام أنّ تفاوت القيمة مع الانضمام و عدمه إمّا أن يكون بالزيادة أو النقيصة أو بهما معا بأن يقضي بالزيادة في أحدهما و النقصية في آخر.

و على الأوّلين فإمّا أن تكون تلك الزيادة أو النقيصة مختصّة بأحد القسمين أو مشتركة بينهما على واحد بالنسبة إلى العينين أو القيمتين أو مختلفة.

و على الثالث يمكن جريان الوجوه المذكورة فيما إذا كان المبيع أمورا ثلاثة أو أزيد.

و ما ذكر من عدم الفرق بين الوجهين إنّما يتم فيما إذا كانت الزيادة أو النقيصة مشتركة بينهما متساوية النسبة إلى القسمين (2) دون ساير الأقسام، فلا يتم الأخذ بما ذكره في التقسيط شيء منهما (3) بخلاف ما قرّرناه.

و قد اتّضح بما ذكرناه ضعف الوجه الأوّل أيضا و أنّه أضعف من الثاني جدّا.

ثمّ إنّ ما ذكر في كيفيّة التقسيط إنّما يرجع إليه فيما إذا كان المبيع قيميّا و لم تكن تلك المالكين له على نحو الإشاعة، و أمّا إذا كان مثليّا متساوي الأجزاء فلا حاجة إلى ما ذكر، بل يؤخذ بنسبة (4) مقدار أحدهما إلى الجميع، و لو كان مشاعا بينهما أخذ من الثمن بنسبة الإشاعة.

و من التأمل في ذلك يعلم قوة ما ذكرناه من الوجه في التقسيط؛ إذ قد يختلف القيمة بالنسبة إلى البعض و الكلّ في هاتين الصورتين أيضا، و ما ذكر من الوجه مطابق لما قرّرناه

____________

(1) في (د): «ذكر».

(2) في (د): «القيمتين».

(3) في (د): «منها».

(4) في (ألف): «بنسبته».

369

هناك، فلا تغفل.

ثانيها: أنّه كما يفتقر إلى التقسيط مع عدم إجازة الآخر كذا لا بدّ منه مع إجازته أيضا

ليتبيّن به مقدار ما يستحقّه كلّ منهما من الثمن.

ثمّ إنّه على المختار لا فرق في كيفية التقسيط بين الوجهين.

و أمّا على غيره فلا يبعد الفرق لعدم فوات وصف الانضمام على تقدير الإجازة بخلاف غيره، و قد حكي ذلك عن البعض.

و يحتمل القول بعدم الفرق؛ نظرا إلى أنّ صفة الاجتماع ليست مملوكة لأحدهما و إنّما جاءت بالعارض، فلا فرق بين حصوله و عدمه.

و قد حكي ذلك أيضا عن البعض، و لا يخلو عن ضعف؛ إذ المدار في المقام على اختلاف القيمة في (1) أن جاءت الصفة الباعثة على الاختلاف بالعارض، كيف و لو كان الحال على ما ذكر يجري فيما إذا كان العقد من الوكيلين أو الوليين أو الأصل و الوكيل أو الولي، و التزام ذلك منها (2) ممّا لا وجه له. و كأنّه مقطوع الفساد.

ثالثها: أنّه لو عيّنا بالثمن لكلّ منهما قبل العقد، ثمّ أوقعا العقد على الكلّ صفقة،

فهل يبني على ما عيّناه أوّلا من غير رجوع إلى التقسيط أو أنّه لا بدّ من التقسيط على النحو المذكور؟

الظاهر الثاني؛ أخذا بظاهر ما يقتضيه العقد. نعم، لو عيّنا الثمن لكلّ منهما في متن العقد لزم الجري عليه.

رابعها: لو باع ملكي شخصين فضولا فأجاز أحدهما دون الآخر

كان بمنزلة أن (3) باع ملكه و ملك غيره.

و كذا الحال لو باع ملك موكّله أو مولى عليه (4) مع ملك غيره، فيجري في ذلك كلّه جميع ما

____________

(1) في (د): زيادة واو.

(2) في (د): «فيها».

(3) في (د): «ما اذا».

(4) في (ب) و (د): «مولاه» بدل: «مولى عليه».

370

ذكرناه.

و لو باع ملك غيره فضولا فأجاز بعضه جرى فيه أيضا ذلك إن قلنا بجواز الإجازة كذلك، و إلّا فلا كلام.

خامسها: لو باع ملكه و ملك موكّله أو مولاه أو باع ملكي موكّله أو مولييه أو ملك موكّله و مولاه صفقة صح ذلك

مع شمول الوكالة لذلك و جرى فيه التقسيط.

نعم، يثبت له الخيار لو اعتقد أوّلا أنّ الجميع ملكه ثمّ ظهر خلافه أو اعتقد الموكّل كون الكل له؛ نظرا إلى تبعّض الصفقة الباعثة على الخيار.

و على تقدير فسخه بتسلّط المشتري أيضا على الفسخ مع جهله بالحال.

سادسها: أنّه يجري في الثمن ما ذكر في المبيع، فلو كان بعضه مستحقا للغير صحّ البيع في ملكه

و وقف في غيره على إجازة المالك، فإن أجاز (1) صحّ في الجميع و إلّا قسط (2) المبيع عليهما، فيصحّ بالنسبة إلى المملوك دون غيره.

و يجري في التقسيط ما ذكرناه في تقسيط الثمن إلّا أنّه لمّا كان الغالب في الأثمان النقدين و لم يختلف الحال فيهما غالبا من جهة الانضمام و عدمه لم يحتج هنا إلى التفصيل المتقدّم في التقسيط إلّا من جهة الثمن لما عرفت، و لا من جهة المبيع لحصول الإشاعة فيه.

و لو كان الثمن من غير النقدين و كان ممّا تختلف القيمة فيه مع الانضمام و عدمه جوّز في تقسيطه على المبيع ما قدّمناه.

ثمّ إنّه يأتي الكلام في الخيار هنا نظير ما قدّمناه.

سابعها: أنّه لو تلف أحد المبيعين أو كلاهما قبل التقويم فتعذّر تقويم التالف،

فإن كان ذلك مع ردّ المالك (3) و عدم إجازته فإن كان ماله باقيا أخذه، و حينئذ فيقع الإشكال في مقدار استحقاق الآخر من الثمن.

____________

(1) في (د): «أجازه».

(2) في (ب): «سقط».

(3) في (ألف): «المال».

371

و حينئذ فيقوم احتمال البناء على الصلح القهرى لثبوت الاستحقاق في الجملة و عدم إمكان التخلّص إلّا بالصلح.

و يحتمل البناء على القرعة فإنّها لكلّ أمر مشكل.

و كأنّ الأظهر فيه البناء على الأقل، فيؤخذ من الاحتمالات بالنسبة إليه ما يكون قسطه من الثمن أقلّ؛ أخذا بمقتضى الأصول الشرعيّة حتّى يتحقق المخرج، و القدر الّذي ثبت انتفاعه إلى البائع واجب على المشتري دفعه إليه هو الأقل، فيدفع عليه (1) ما زاد عليه (2) بالأصل.

و لو كان غير المجاز تالفا سواء تلف الآخر أو لا فإن كان قيميّا لا يمكن استعلام قيمته أشكل الحال فيه أيضا، و يقوى الأخذ في قيمته بالأقل؛ أخذا بمقتضى الأصل فيه أيضا.

فإن لم يعلم استحقاق أحدهما في الجملة لما زاد على (3) دفعه من الأقل في المقامين بني على عدمه و براءة ذمته من وجوب الدفع و إن علم به دار (4) بينهما كان كسائر الأموال الدائرة بين شخصين إن كان الثمن عينا معيّنة و كغيره ممّا علم اشتغال الذمّة لأحد الشخصين إن كان كليّا في الذمة، فيحتمل البناء فيه على الصلح القهري أو القرعة حسبما يأتي في الصورة الأخيرة.

و إن كان ذلك مع اجازة الآخر و إمضائه فلا اشكال في انتقال الثمن إليهما و خروجه عن ملك المشتري.

و حينئذ فيحتمل البناء على الصلح، فإن كانا حاضرين كاملين قاما بالصلح، و إلّا ناب الحاكم عنهما أو عن أحدهما.

و يحتمل البناء فيه على القرعة.

و حينئذ فإن انحصر الاحتمالات أقرع بينهما، و إن لم ينحصر و دار الأمر بين المساواة

____________

(1) ليس في (د): «عليه».

(2) ليس في (ب): «عليه».

(3) في (د) زيادة: «ما».

(4) في (د): «و دار».

372

و الفاضل (1) أقرع بينهما، فإن خرجت المساواة فلا كلام (2) و إلّا أخذ مقدار معين من الاحتمالات و أقرع بينه و بين ما (3) ينقص عنه و ما يزيد عليه و هكذا إلى أن يتعيّن.

ثامنها: أنّه لو باعه نصف الدار و هي مشتركة بينه و بين غيره على النصف انصرف المبيع إلى النصف المملوك له،

و يحتمل أن ينزل على الإشاعة، فيكون من قبيل بيع المملوك و غيره فيصحّ في الربع الآخر موقوفا على إجازة الآخر.

و لا يخلو من (4) بعد.

و كذا الحال لو كان له الجميع في الظاهر فباع النصف، ثمّ ظهر نصفها مستحقا للغير، فالظاهر انصراف المبيع أيضا إلى ما هو حقّه في الواقع، فلا ينقص بإثبات ذلك شيء من حقّ المشتري، و إنّما يأخذ ذلك من البائع.

و أمّا لو أقر الآخر (5) بنصف الدار و هي مشتركة بينه و بين آخر كذلك، فهو منزل على الإشاعة، فتصحّ إقراره في نصف النصف الّذي له دون النصف الّذي لشريكه، و كذا الحال لو أقرّ (6) بنصف الدار ثمّ ظهر النصف مستحقا للغير بإفاضه البيّنة، فيبطل (7) بذلك نصف إقراره.

و إن شئت قلت: إنّ ما يثبته الآخر بني على الإشاعة فيأخذ نصفا من المقر و نصفا من المقر له، فإذا قبض نصفه و أقرع (8) بقي النصف الآخر بين المقر و المقر له نصفين لكلّ منهما الربع في الباقي.

و على الأوّل يثبت للمقر له ثلثا ما في يد المقرّ و له الثلث؛ لاعترافه بأنّ له جزءين و له جزء

____________

(1) في (د): «و التفاضل».

(2) في (ألف): «فلا كلا».

(3) ليس في (د): «ما».

(4) في (د): «عن».

(5) في (د): «لآخر».

(6) في (د) زيادة: «لآخر».

(7) زيادة: «فيبطل» من (د).

(8) في (ألف): «و أقرره».

373

واحد، فيكون الربع الّذي ظلم الشريك بإنكاره حق الآخر تالفا منهما بالنسبة، و يكون الباقي بينهما كذلك.

و لو قال: إنّ لي النصف و النصف الآخر للمقرّ له كان إقراره في شأن غيره، فلا يثبت للمقرّ له بذلك شيء قبل الإقرار، و بعده يثبت له نصف ما في يد المقرّ؛ لاعترافه بأنّ له النصف في كلّ جزء، فيكون ذلك النصف بينهما نصفين.

و ممّا قرّرنا يعرف الحال في إقراره لسائر الكسور في الصور المفروضة.

تاسعها: لو باعه ما فيه حقّ الزكاة من دون ضمانه

صحّ في ماله و وقف في سهم الزكاة موقوفا على إجازة الإمام (عليه السلام) أو نائبه في وجه قوىّ.

و يحتمل فساده بالنسبة إليه من أصله بناء على عدم جواز بيع الزكاة قبل قبضها.

و الأظهر الأوّل؛ أخذا بظاهر الولاية. و حينئذ لو كان البائع ممن له الولاية على الزكاة فالظاهر صحّة البيع في الجميع، و لو ضمن مال الزكاة صح البيع أيضا لتملكه (1) لسهم الزكاة و انتقال الحق إلى ذمته، فلو لم يؤدّ الحق احتمل الفساد بناء على أنّ العامل حينئذ بيع العين.

و لو باعه غافلا من الضمان و عدمه ففيه وجهان.

و قضية الأصل أنّه حينئذ كقصد عدم الضمان.

و لو (2) كان المالك ممّن لا يرى دفع الزكاة كالكافر أو يدفعه إلى غير أهله كالمخالف لم يبعد صحّة البيع في الجميع يسوغ للمشتري التصرف فيه حسبما جرت عليه السيرة العامّة من لدن زمان الأئمّة (عليهم السلام) إلى يومنا هذا من شراء الأموال الزكوية من الكفار و أهل الخلاف و التصرف فيها من دون إخراج سهم الزكاة.

و في جريان ذلك في أهل الحق إذا علمنا دفعها إلى غير المستحق وجهان.

و قضيّة الأصل عدم الجريان نعم، مع الجهل بالحال لا إشكال؛ حملا لفعل المسلم على الصحة كما لو جهل الضمان أو الأداء أو ظنّ عدمه.

____________

(1) في (د) زيادة: «حينئذ».

(2) في (ألف): «لو» بدون الواو.

374

و لو باعه أحد نصب (1) الأنعام و فيها الزكاة احتمل فساد البيع من أصله؛ لعدم تعيّن المخرج في الزكاة، فلا يتعيّن ما يصحّ البيع فيه، بل و ما يستحقه بعد التقسيط بحسب الواقع إذا اختلف (2) في القيمة.

و يحتمل الصحة و البناء على الإشاعة إلّا أنّه يتخيّر المالك في دفع الأفراد بصرفها عليه، فحينئذ فيقسط (3) من الثمن بنسبة ما فيه من الزكاة إلى المبيع.

و عليه فهل يبقى المالك حينئذ على خياره أو أنه يتخير المشتري مكانه أو أنّه يقسم المال حينئذ و يقبض الحق على حسب الشركة كما هو الأصل في المشتركات؟ وجوه كأنّ أظهرها الأوّل إلّا أنّه لا يبعد خيار المشتري أيضا في الدفع لو طالبه الحاكم بعد صيرورته في يده.

و يشكل الحال حينئذ فيما لو كان المدفوع زائدا على الحق المشاع أو ناقصا عنه، فهل يكون الزائد غرما أو غنما للمشتري أو أنّه يكشف عن فساد البيع بتلك النسبة فينقص أو يزاد على قيمة المملوك على حسبه.

____________

(1) في (د): «نصف».

(2) في (د): «اختلفت».

(3) في (ألف): «فيسقط».

375

تبصرة [في بيع ما يملكه المسلم و ما لا يملكه]

لو باع ما يملكه المسلم و ما لا يملكه سواء كان ممّا لا يملك مطلقا أو لم يكن قابلا لملك المسلم كالحرّ و الخمر و الخنزير صحّ البيع فيما يملكه و بطل فيما لا يملك، على المعروف بين الأصحاب.

و يجري فيه الاحتمال و الإشكال المذكور في المسألة المتقدمة.

و يندفع بما مرّ.

و ربّما يزاد الاشكال في المقام تارة بأنّ البيع المذكور منهيّ (1) عنه للنهي عن الأمور المتضمنة إلى ما يملكه من الحر و الخمر و الخنزير مثلا، و المفروض اتحاد البيع المتعلّق بها، و هو قاض بالفساد لتعلّقه (2) بذات المعاملة حسبما فرض.

و أخرى بأنّه مع علم البائع أو المشتري بالحال يكون قد باع أو اشترى المجهول مع جهله بما يوجبه التقسيط؛ إذ هو في قوة أن يبيعه بما يخصّه من الثمن على تقدير توزيعه عليه و على شيء آخر لا يعلم مقداره.

و لذا مال في التذكرة إلى الفساد حينئذ مع علم المشتري بالحال، و قال: إنّ البطلان حينئذ ليس ببعيد من الصواب.

و يدفع الأوّل أنّ النهي المذكور إنّما يقضي بالفساد من الجهة الّتي تعلّق به لذات المعاملة و لا ربط له بالشيء الّذي يجوز بيعه؛ إذ تعلّق النهي به حينئذ إنّما يكون تبعا للآخر، فلا قاضي بفساد العقد من تلك الجهة، لا مانع من تبعّض مقتضى العقد حسبما مرّ.

____________

(1) لم ترد في (ب): «المذكور منهيّ .. اتّحاد البيع».

(2) في (ألف): «التعلقة».

376

و الثاني أنّ المعتبر من العلم بالعوضين ما كان بالنسبة إلى جميع ما تعلّق به (1) عليه العقد دون ما يصحّ العقد بالنسبة إليه و إن علم فساده حين العقد بالنسبة إلى البعض حسبما أشرنا إليه في المسألة المتقدمة.

ثمّ إنّه يقسط الثمن عليهما و يصحّ البيع فيما يصحّ تقسيطه (2) من الثمن على حسب ما مرّ، و لو كان للانضمام مدخليّة في تفاوت القيمة جرى فيه أيضا ما مرّ.

ثمّ إنّهم ذكروا هنا في تقويم غير المملوك أنّه يقوم الحر على الوصف الّذي هو عليه لو كان رقّا، و يرجع في الخمر و الخنزير إلى قيمتهما عند مستحلّيهما، فيستعلم قيمتهما عندهم بما يثبت به القيمة في غير هذا المقام من شهادة عدلين مطّلعين على قيمته عندهم أو أخبار جماعة يعلم عادة عدم تواطئهم على الكذب أو بأخبار بعضهم إذا انضمّ إليه من القرائن ما يفيد العلم بصدقه.

و في المسالك (3): إنّه لو قيل بقول (4) إخبار جماعة منهم كثيرة يؤمن اجتماعهم على الكذب يحصل بقولهم الظن الغالب المقارب (5) للعلم أمكن.

و فيه: أنّه لو قيل بمثله في ساير التقويمات أيضا فلا كلام إلّا أنّه يشكل الحال في الاتّكال على مطلق الظن الغالب في مثله مع أنّه من الموضوعات الصرفة و لو لم يكتف به في غيره.

فلا وجه للاكتفاء به في المقام، فيكون الحال فيه مع عدم إمكان الاستعلام كغيره من القيم إذا تعذّر استعلامه لبعض العوارض.

و حينئذ فهل يحكم فيه بالصلح لجهالة قدر الاستحقاق أو أنّه يؤخذ فيه بالأقلّ فيرجع فيما زاد عليه إلى الأصل حيث إنّ الأصل بقاء الثمن على ملك صاحبه إلّا ما ثبت انتقاله عنه؟

____________

(1) ليس في (ب): «به».

(2) في (د): «تقسطه».

(3) مسالك الإفهام 3/ 163.

(4) في المصدر: «بقبول».

(5) في المصدر: «المتقارب».

377

و لا يبعد البناء على الأخير مع التعاصر.

ثمّ انّه لا يذهب عليك أنّ ما أطلقوه في المقام لا يخلو عن إشكال: أمّا أو لا فبأنّ ما ذكروه من تقويم الحرّ عبدا متّجه إذا بيع على أنّه رقّ فتبيّن حرّا، و أمّا لو بيع على أنّه حرّ لم يتّجه فرض كونه رقّا، فإنّ الرقّية قاضية بازدياد الرقبة فيه، فلا وجه لأن يفرض في تقويمه ما ليس فيه.

إلّا أن يقال: إنّ التقويم مبنيّ على ذلك، إذ لا قيمة للحرّ فلولا فرضه رقّا لم يقوم في العادة (1)، و أيضا قضيّة بيعه و شرائه هو اعتبار ملكيّة عين المبيع و إن علم عدمه، فيقوم على حسب ما اعتبراه.

و أنت خبير بما فيه، إذ قد يباع الأحرار في عادة الفسّاق أو عند الضرورات، فيتحصّل له قيمة في العرف، و قد تتفاوت قيمته حينئذ قيمة الرقّ، و عدم كونه مقوّما شرعا لا يقتضي عدم ثبوت قيمة له في العرف.

و حينئذ فلا بدّ من الأخذ بذلك دون أن يفرض رقّا، و على تقدير عدم ثبوت قيمة للحرّ في العادة فينبغي إلحاق ذلك حينئذ بغير المقوّم من الضميمة كما سيأتي الإشارة إليه، لا أن يفرض ذلك شيئا آخر حتّى يصحّ بذلك تقويمه، و كون إقدام المتعاملين على البيع و الشراء قاضيا بتنزيله منزلة المملوك فيقوم على حسبما أقدما عليه أو صح التعويل عليه في التقويم غير مطّرد في المقام، فإنّه إنّما يتم فيما إذا لم يلاحظا حريّته في الإقدام على بيعه بل أجرياه مجرى الرقّ.

و أمّا إذا كان الإقدام عليه على وجه الحريّة، و لذا اعتبر (2) العوض المقابل له شيئا يسيرا كما إذا لوحظ معظم القيمة بإزاء الرق و بذل شيء يسير بإزائه مع تساويهما في الصفات و إن تعلّق البيع بهما صفقة فلا يتمّ ذلك، ففي (3) تقويمه حينئذ على الرقية (4) ضرر على البائع إلّا أن

____________

(1) في (ألف): «امارة».

(2) في (د): «اعتبرا».

(3) في (د): «و في».

(4) في (د): «الرقبة».

378

يقال بخروج هذه الصورة عن المفروض في كلامهم، فكان ذلك بمنزلة تعيين سهم من الثمن في العقد بإزاء كل من العينين (1) حسبما ذكر نظيره في المسألة السابقة.

و يشكل الحال حينئذ فيما لو بني العقد على ملاحظة الاختلاف بينهما فيما يقابله من العوض من دون تعيين لقدر الاختلاف؛ إذ لا معيّن له حينئذ في الظن (2)، أمّا ثانيا فبأنّ الرجوع في قيمة الخمر و الخنزير إلى مستحليه إنّما يتم إذا لم يكن مقوّما عند فساق المسلمين، أمّا إذا كان مقوّما عندهم جاريا في معاملاتهم كما هو الحال في الخمر في بعض البلدان فلا حاجة إلى الرجوع إليهم، بل لا وجه إذا اختلفت قيمته عندهم لما يقوم به عند الكفّار.

و كون ذلك ممّا لا قيمة له في الشريعة لا يقضي بانتفاء القيمة العرفية، فإنّ المعاملات إنّما تجري على مجرى العادات. و كأنّ كلامهم في المقام محمول على الغالب، و إلّا فالمتّجه حينئذ الرجوع إلى قيمته عندهم؛ لابتناء العقد حينئذ على ذلك، فلا حاجة إلى الرجوع إلى غيرهم، بل لا وجه له مع اختلاف قيمته عندهم لما عندنا.

و هاهنا أمور ينبغي الإشارة إليها:

أحدها: أنّ ما ذكر من تقويم الخمر و الخنزير عند مستحلّيه إنّما يتمّ إذا بيع على أنّه خمر أو خنزير،

و أمّا لو بيع الخمر على أنه خلّ مثلا أو الخنزير على أنّه شاة أو بقر فالظاهر تقويم الخمر خلّا و الخنزير شاة أو بقرا؛ إذ الثمن إنّما بذل على ذلك، فلا وجه لتقويمه خمرا أو خنزيرا.

و الظاهر أنّ المفروض في كلام الأصحاب هو الأول، و لذا اعتبروا القيمة على ما ذكروه.

ثانيها: أنّه لو كان ما لا يملك ممّا لا قيمة له في العادة أصلا

كما لو باعه بعض الكثافات مع ما يملكه أو باعه الشمس أو القمر مع شيء مملوك أو باعه شخصا من الجن أو الملائكة مع عبد له و نحو ذلك، فالظاهر فساد البيع؛ إذ لا يتعين شيء من الثمن بإزاء المملوك، و لا يمكن جعل الجميع بإزائه؛ إذ هو غير ما يقتضيه العقد و لم يقع العقد عليه.

ثالثها: أنّه يجري الحكم المذكور فيما لو كان فساد البيع في البعض من جهة أخرى

غير

____________

(1) في (ألف): «المعنيين».

(2) في (د): «الظاهر».

379

انتفاء الملكيّة كما إذا كان الفساد من جهة انتفاء القدرة على التسليم كما لو باع المغصوب مع غيره أو باع الدابّة الضالّة مع غيرها إن لم تلحقها (1) بالآبق، فيصح البيع فيما يصحّ فيه و يبطل في غيره و يقسط الثمن عليهما.

و الظاهر تقويم ذلك على حسبما هو عليه من الصفة، فيلاحظ المغصوبية و الضلال فيما فرض من المثال إذا علمنا بالحال.

و أمّا مع عدم العلم بهما فيقومان من دونه؛ لحصول الإقدام عليه كذلك في الصورتين حسبما مرّ نظيره.

و لو علم (2) به أحدهما دون الآخر فالظاهر أنّه كصورة الجهل منهما، و لو كان ممّا لا قيمة له في العادة مع ملاحظة الوصف المفروض، فلا يبعد القول بفساد البيع من أصله حسبما عرفت.

و من (3) ذلك ما لو باع القرآن مع غيره من الكافر بناء على فساد بيع القرآن منه أو باع السلاح لأعداء الدين مع ما يصحّ بيعه منهم، و التقسيط هنا ظاهر.

و من ذلك بيع ثمرة البستان قبل ظهورها إذا باعها مع غيرها (4) من الأعيان الموجودة، فيقسط الثمن عليهما، و يصحّ تقسيط ذلك العين من الثمن.

و من ذلك ما إذا باع بعض آلات اللهو أو نحوها مع ما يصحّ معه إن قلنا بعدم خروجها عن الملكيّة من جهة المادة، فإنّه لا يصحّ بيعها من جهة الصورة، و إن قلنا بخروجها عن ملك المسلم من جهة طريان تلك الصورة و إن كان لمادّتها قيمة اندرج في عنوان المسألة.

و كيف كان، فالظاهر تقويمها على صورتها عند الفسّاق أو الكفّار على ما مرّ، فيؤخذ من الثمن بنسبة قيمة ما يصحّ البيع فيه إلى المجموع حسبما عرفت.

و لو ضمّ ما لا يتموّل إلى المتموّل و كان غير المتموّل مقصودا بالبيع على ما هو المفروض

____________

(1) في (د): «نلحقها».

(2) في (ألف): «سلّم».

(3) في (ألف): «من» بدون الواو.

(4) في (د): «غيره الثمرة».

380

في المقام كما لو ضمّ حبّة من الحنطة إلى كتاب و باع تلك الحبّة مع الكتاب بثمن معلوم قوي فساد البيع في غير المتموّل؛ إذ كما لا يصحّ بيعه منفردا لا يصحّ بيعه منضما إذا كان مقصودا بالبيع.

و فساد البيع غير قاض بفساده في المتموّل إذ لا تعيّن لما بإزائه من الثمن، فإنّ مقصوديّة غير المتموّل بالبيع قاضية بكون بعض الثمن بإزائه على حسب تعلّق العقد به.

و لا يمكن تقسيط الثمن عليهما؛ إذ لا قيمة له على حسب غيره ممّا لا يكون الضميمة إليه مقومة كما عرفت.

و لو ضمّ تلك الحبّة إلى جنسها من المتموّل كما لو باعها ومّنا (1) من الحنطة كذلك احتمل الصحّة لكون المجموع متموّلا.

و يضعفه بأنّ حبات الحنطة (2) غير مقصود بالبيع، فلا ينقسط (3) ما بازائها شيء من الثمن، و هنا لمّا كان غير المتموّل مقصودا بالبيع حسبما هو المفروض لزم أن يقع ما بازائه بعض من الثمن فيتطرّق إليه الفساد من تلك الجهة.

و حيث لا يتعيّن ما بإزائه و ما بإزاء الباقي يتطرّق الفساد إلى الجميع.

نعم، لو عيّن في العقد ما بإزاء غير المتمول من الثمن فسد العقد بالنسبة إليه و صحّ في غيره كما هو الحال في غيره ممّا لا قيمة له؛ إذ عيّن في العقد عوضه.

و لو ضمّ المنفعة إلى العين فباع الأمرين جرى فيه ما قلناه؛ لفساد بيع المنافع، و يصحّ بالنسبة إلى العين بقسطها من الثمن بعد تقسيطه عليها و على المنفعة المنضمّة (4) إليها.

و لو ضم إلى العين بعض الحقوق كحقّ الخيار أو حقّ الرجوع و غيرهما ممّا يصحّ الصلح (5)

____________

(1) قد تقرأ في (ب): «زمنا».

(2) في (د) زيادة: «في بيع المتمول من الحنطة».

(3) في (د): «يتقسط».

(4) في (ألف): «للمنفعة».

(5) في (د): «لصلح».

381

عليها و ما لا يصحّ، فإن أمكن تقويمه ليمكن تقسيط الثمن عليه و على العين صحّ البيع بالنسبة إلى العين، و أخذ لها قسطها من الثمن و إلّا فالظاهر فساد البيع من أصله حسبما قلنا به فيما لا يقوم من الضمائم إلّا أن يعيّن ما بإزائه من الثمن في نفس العقد فيبطل فيه و يصحّ في غيره كما أشرنا إليه.

رابعها: لو كانت الضميمة الّتي لا يصحّ بيعها غير مقصودة بالبيع،

بل جعلت تابعة للمبيع فإن لم يكن مانع من أتباعها كضمّ غير المقدور على تسليمه إلى المقدور أو غير الموجود إلى الموجود كثمرة البستان قبل ظهورها و غير (1) المعلوم إلى المعلوم، فالظاهر صحّة البيع بتمام الثمن و صحّة الاتباع، فيكون ذلك للمشتري على فرض حصوله و إن كان ممّا لا يصحّ اتباعه لتحريمه كاتباع الخمر و الخنزير و آلات اللهو و نحوها من المحرّمات ففيه وجهان: صحّة البيع بجميع الثمن و سقوط التابع لفساده، و فساد البيع من أصله فإنّه بمنزلة الشرط الفاسد [..] (2).

فيمكن الاستناد إليها للحكم بالجواز مطلقا؛ نظرا إلى عدم ظهور قول بالفصل بين متقدمي الأصحاب.

و هي صريحة في الدلالة على فساد القول بالمنع مطلقا و لو بالنسبة إلى الطعام.

و بعد فساده يتعين القول بالجواز حسبما دلّت عليه الروايات المتقدّمة لضعف القول بالتفصيل المذكور، و عدم مساعدة لفتوى له نظرا إلى ندور قائله و حدوث القول به بين المتأخرين بملاحظة الأخبار المذكورة.

فمن تلك الروايات صحيحة منصور بن حازم: «إذ اشتريت متاعا فيه كيل أو وزن فلا تبعه حتى يقبضه إلّا أن توليه» (3).

و منها: صحيحة علي بن جعفر: عن الرجل يشترى الطعام أ يصلح بيعه قبل أن يقبضه؟

قال: «إذا ربح لم يصلح حتّى يقبض و إن كان يوليه فلا بأس» (4).

____________

(1) في (د): «أو غير».

(2) في (د): بياض في الأصل.

(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 206، باب البيوع ح 3772.

(4) تهذيب الأحكام 7/ 36، باب بيع المضمون ح 41.

382

و بمعناه سؤال آخر له عنه (عليه السلام).

و منها: صحيحة أخرى عن الرجل: يبيع المبيع قبل أن يقبضه، فقال: «إن يكن (1) كيل أو وزن فلا تبعه حتى تكيله أو تزنه إلّا أن توليه» (2).

و منها: الموثق عن القوم يدخلون السفينة يشترون الطعام فيتساومون بها ثمّ يشتريه رجل منهم فيسألونه فيعطيهم (3) ما يريدون من الطعام فيكون صاحب الطعام هو الذي يدفعه إليهم و يقبض الثمن؟ قال: «لا بأس ما أراهم إلّا قد شركوه» (4).

و يعضد ذلك أيضا ما دلّ على جواز بيع أحد الشركاء حصّة من الطعام من شريكه قبل قبضه بربح، ففي موثقة سماعة عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة و قد كان اشتراها و لم يقبضها؟

قال: «لا حتى يقبضها إلّا أن يكون معه قوم يشاركهم، فيخرجه بعضهم من نصيبه عن شركته بربح» (5) .. الخبر.

إذ لم نجد قائلا ذهب إلى التفصيل المذكور، فيتعيّن حمل منعه الأوّل على الكراهة كسائر الأخبار المانعة، مضافا إلى عدم صراحة شيء منها في التحريم.

و يؤيد ذلك رواية أبي بصير قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اشترى طعاما ثم باعه قبل أن يكيله؟ قال: «لا يعجبني أن يبيع كيلا أو وزنا قبل أن يكيله أو يزنه إلّا أن يوليه كما اشتراه إذا لم يربح فيه أو يضع» (6) فإن قوله «لا يعجبني» ظاهر في الكراهة كمال الظهور، و هي في الحقيقة بعد اعتضادها بما ذكر دليل على المطلوب.

و يومي إلى ذلك أيضا جواز إحالة الديّان إليه قبل قبضه كما ورد في الصحيح؛ إذ هو في

____________

(1) في (د): «ما لم يكن».

(2) تهذيب الاحكام 7/ 35، باب بيع المضمون ح 34.

(3) في (ألف): «فيعطهم».

(4) الكافي 5/ 180، باب شراء الطعام و بيعه ح 9.

(5) تهذيب الأحكام 7/ 36، باب بيع المضمون ح 40.

(6) في (ألف): «يصنع». تهذيب الأحكام 7/ 37، باب بيع المضمون ح 42.

383

معنى منعه (1) منه.

حجة القول بالمنع مطلقا عدّة من الأخبار:

منها: الصحيح، و فيه بعد الحكم بجواز بيع قبل قبضه: «إنّ هذا ليس بمنزلة الطعام، إنّ الطعام يكال» (2).

و منها: الصحيح، قال أمير المؤمنين [(عليه السلام)]: «من احتكر طعاما أو علفا أو ابتاعه بغير حكرة و أراد أن يبيعه فلا يبعه حتّى يقبضه و يكتاله» (3).

و منها: ما رواه الحميري بإسناده إلى علي بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل اشترى مبيعا كيلا أو وزنا هل يصلح بيعه مرابحة؟ قال: «لا بأس، فإن سمّى كيلا أو وزنا فلا يصلح بيعه حتى يكيله أو يزنه» (4).

و قد ورد المنع من بيع الطعام قبل قبضه في عدّة أخبار كالصحيح في الرجل يبتاع الطعام ثمّ يبيعه قبل أن يكال؟ قال: «لا يصلح له ذلك» (5).

و في الصحيح أيضا في الرجل يبتاع الطعام ثمّ يبيعه قبل أن يكتاله؟ قال: «لا يصلح له ذلك» (6) و لا يبعد اتّحاد الخبرين؛ لاتحاد الراوي و المروي عنه.

نعم، روى الآخر غيره في الموثق، عن الصادق (عليه السلام) أيضا قال: «لا يبعه (7) حتى يكله» (8) (9).

____________

(1) زيادة: «منعه» من (د).

(2) من لا يحضره الفقيه 3/ 217، باب البيوع ح 3805.

(3) تهذيب الاحكام 7/ 37، باب بيع المضمون ح 43.

(4) وسائل الشيعة 18/ 70، باب جواز بيع المبيع قبل قبضه على الكراهة ح 22.

(5) الكافي 5/ 178، باب شراء الطعام و بيعه ح 2.

(6) تهذيب الأحكام 7/ 36، باب بيع المضمون ح 37.

(7) في (د): «لا تبعه».

(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 210، تهذيب الأحكام 7/ 36، باب بيع المضمون ح 38.

(9) في (د): «تكيله».

384

و في الموثق عن الرجل يبيع الطعام أو الثمرة و قد كان اشتراها و لم يقبضها؟ قال: «لا حتى يقبضها» (1).

و ورود (2) بعض الروايات المذكورة في خصوص الطعام لا يفيد اختصاص الحكم به، فإطلاق ما دلّ على المنع في غيره كاف في إثباته غاية الأمر أن تكون الأخبار المذكورة دليلا على المنع في غير الطعام.

و أنت خبير بأنّه ليس شيء من الروايات المذكورة صريحة في التحريم سيّما ما اشتمل على نفي الصلاح.

و الأولى حمل الجميع على الكراهة؛ جمعا بينها و بين ما دلّ على الجواز ممّا عرفت.

و ممّا ذكرنا تعرف حجّة القول باختصاص الحكم بالطعام، فإنّ عدة من الأخبار المذكورة قد اشتملت على المنع في خصوص الطعام، فيبقى غيره على أصالة الجواز، و ما دلّ إطلاقه على المنع في غيره أيضا محمول على الكراهة جمعا أو على خصوص الطعام حملا للمطلق على المقيّد.

مضافا إلى ما أشرنا إليه من الإجماعين المنقولين عليه.

و يدفعه أنه لو بنى على حمل النهي في المقام على الكراهة جرى في الجميع فيبعد حمل بعضها على الكراهة و البعض على التحريم من غير قيام شاهد على الفرق.

و ليس المقام من موارد حمل المطلق على المقيّد حتّى تنزل الإطلاقات على ذلك.

مضافا إلى ذكر خصوص العلف في بعض الصحاح المتقدّمة، و ليس مندرجا في الطعام قطعا.

و الاجماع المنقول موهون بمصير كثير من الأصحاب من القدماء و المتأخرين إلى خلافه.

مضافا إلى معارضته بالصحاح المستفيضة و غيرها ممّا يفيد الجواز في الجملة، كما مرّت الإشارة إليها.

حجة التفصيل: الصحاح المستفيضة و غيرها ممّا دلّ على التفصيل المذكور، و قد مرّت

____________

(1) تهذيب الأحكام 7/ 36، باب بيع المضمون ح 40.

(2) في (ألف): «و ورد».

385

الإشارة) (1) إلى جملة منها.

و ما عرفت من الإطلاقات المانعة عن بيع الطعام قبل القبض مطلقا ينزل عليه، حملا للمطلق على المقيد.

و يدفعه متروكيّة القول بذلك بين الأصحاب حتّى أنّه لا يعرف من يفتي به من قدماء الأصحاب، و إنّما ذهب إليه بعض المتأخرين؛ نظرا إلى صحّة الأخبار الدالّة عليه.

و قد عرفت أنّ الأظهر حملها على الكراهة جمعا بين الأدلّة، مضافا إلى عدم صراحتها في التحريم.

[تنبيهات]

و ينبغي التنبيه على أمور:

منها: أنّه هل يجري الحكم المذكور بالنسبة إلى الثمن أيضا،

فيحرم أو يكره بيعه قبل القبض إذا كان مكيلا أو موزونا أو كان طعاما؟ وجهان من أنّ العوضين بمنزلة واحدة بل قد يدّعى صدق المبيع عليه كما مرّ، و لظاهر إطلاق بعض الأخبار المتقدّمة، و من اختصاص معظم أخبار الباب بالمبيع قبل القبض.

و صدقه على الثمن بعيد عن الاستعمالات العرفيّة، فلا يندرج في الإطلاق.

و الرواية المذكورة لا تصريح فيها بذلك، غايته إطلاق ضعيف، و إثبات الحكم المذكور به مع خلو الفتاوى عنه مشكل، سيّما على القول بالتحريم.

و هل يجري الحكم المذكور فيما ينتقل إلى البائع بغير البيع من ساير الوجوه الناقلة كالصلح و الإجارة و الإرث؟ وجهان؛ من شمول إطلاق بعض الأخبار الماضية و خلوّ غيره من الأخبار الكثيرة و ظاهر فتاوى الأصناف (2) عنه.

و هل يجري ذلك في نقله إلى الغير حينئذ بغير البيع من الهبة و الصلح و نحوهما أو يختص

____________

(1) ما بين الهلالين أدرجت في المتن من (د).

(2) كذا في (ألف) و (ب)، و مشوش في (د)، و لعله: «الأصحاب».

386

ذلك بالبيع قبل القبض؟ الظاهر الثاني لاختصاص الأدلّة به، فيؤخذ حينئذ الأصل السالم عن المعارض في غيره.

و منها: أنّ المذكور في عدّة من الأخبار إناطة الحكم المذكور تحريما أو كراهة بوقوع البيع قبل القبض،

و في جملة منها إناطته بالوقوع قبل الكيل أو الوزن.

فإن قيل بكون (1) القبض في المكيل و الموزون هو الكيل و الوزن فلا كلام، و إلّا فقد يشكل الحال فيما هو المناط في المقام من الأمرين المذكورين.

و الظاهر إناطة الحكم بالقبض كما هو المذكور في كلام الأصحاب، و في كثير من الأخبار المذكورة.

و كأنّ ذكر الكيل أو الوزن في جملة منها مبنيّ على ما هو الغالب من اقتران القبض بالكيل أو الوزن.

و في صحيحة محمّد بن قيس المتقدّمة «فلا يبيعه حتّى يقبضه و يكتاله» فيستفاد منها اعتبار الأمرين.

و ربّما يجعل ذلك وجها في الجمع بين الأخبار، و لا يبعد أيضا حمله على الغالب من المتعارف بين الأمرين.

و الأحوط مراعاتهما معا.

و في الموثق كالصحيح: اشترينا طعاما فزعم صاحبه أنّه كاله فصدّقناه و أخذناه بكيله؟

فقال: «لا بأس». فقلت: أ يجوز أن أبيعه كما اشتريته بغير كيل؟ قال: «لا أمّا أنت فلا تبعه حتّى تكيله» (2).

(و ربّما يستفاد منه عدم الاكتفاء بمجرّد القبض؛ إذ قد فرض في السؤال أخذه بما ذكر البائع من الكيل) (3).

____________

(1) في (د): «يكون».

(2) تهذيب الأحكام 7/ 37.

(3) ما بين الهلالين لم ترد في (ألف).

387

و ذكر بعضهم هذه الرواية في أدلة القول بالمنع، و الصواب أنّها لا ترتبط بالمقام؛ إذ المراد بها عدم جواز البيع بالكيل الذي أخبره البائع من غير بيان الحال لما فيه من التدليس، فلا بدّ من أن يكيله للمشتري الثاني، و لا يراد به المنع من بيعه حتّى يكيله لنفسه كما هو الملحوظ في المقام.

و منها: أنّ المراد بالمكيل و الموزون هنا ما ذكر سابقا في مسألة اعتبار الكيل و الوزن فيما يكال أو يوزن،

فإمّا أن يرجع فيه إلى عادة المحلّ أو إلى زمان الشارع إلى غير ذلك ممّا فصّل القول فيه هناك.

و مع البناء على الرجوع أو إلى المعتاد فلو بيع تارة جزافا و أخرى بالكيل و الوزن في محلّ واحد، فهل يرجّح جانب الجواز أو المنع؟ وجهان؟ كأنّ أظهرهما الأوّل؛ أخذا بالأصل بعد التأمل في انصراف المكيل و الموزون إليه.

و منها: أنّ الطعام قد يراد به مطلق المطعوم،

فيشمل ساير المأكولات. و قد يراد به الحنطة و الشعير، و لا يبعد أيضا إطلاقه على خصوص الحنطة.

و كأنّ الأظهر في المقام حمله على أحد الأمرين (1).

و لو أريد به الأوّل فلا بدّ من تقييده بخصوص المكيل و الموزون كما يستفاد من غيرها.

و منها: أنّه لا فرق في الحكم المذكور بين كون المبيع في قبض البائع الأوّل أو غيره

مع بيعه ممّن (2) هو في يده أو غيره.

و لو كان القابض وكيلا عن المشتري في القبض و نوى القبض عنه كفى في قبضه من غير إشكال.

و يحتمل الاكتفاء باستمرار القبض من غير حاجة إلى نيّة القبض عنه إذا لم ينو خلافه.

و من ذلك يعرف الحال فيما لو كان المشتري وليّا على المالك أو وكيلا عنه، فكان المال في يده فباع من نفسه، فإنّ مقبوضيّة المال له كافية في حصول القبض من غير حاجة إلى تجديد

____________

(1) في (د): «الاخيرين».

(2) في (د): «عمّن».

388

القبض.

و في توقفه على نيّة القبض من نفسه احتمال.

و منها: أنّه مع البناء على كون النهي المذكور للكراهة لا إشكال في صحّة البيع.

و أمّا على القول الآخر فهل يقتضي النهي بفساده أو أنّه إنّما يحرم البيع من دون فساد؟

وجهان، أظهرهما الأوّل بناء على ما تقرّر من كون النهي في المعاملة قاضيا بفسادها إن كان تعلّقه بها لأجل المعاملة كما هو الحال في المقام.

و حينئذ فهل يفيد التحريم ليكون ذلك حراما أصليّا أو أنّ المقصود به بيان الفساد من دون حصول التحريم إلّا من جهة التشريع لو أريد إيقاع البيع الشرعي؟ وجهان، أظهرهما الأخير.

و منها: أنّه لو باعه الفضول (1) و هو غير مقبوض للمشتري الأول، فأجازه بعد القبض فهل العبرة حينئذ بحال الإجازة أو حال وقوع العقد؟

وجهان.

و قد يفرع ذلك على كون الإجازة كاشفة أو ناقلة، فعلى الأوّل ينبغي البناء على الثاني، و على الثاني يتقوّى الحكم بالأوّل.

و يجري ذلك فيما لو اشتراه الفضول، و قد صار مقبوضا للبائع عند إجازة المشتري.

و منها: أنّ ظاهر الصحاح المستفيضة- بناء على حملها على ما اخترناه- عدم كراهة التولية حينئذ

لكن لو قيل بها من جهة الخروج عن شبهة الخلاف لم يكن بعيدا.

و كيف كان، فالأمر في التولية سهل.

و قد يلحق به ما إذا باع حصّته (2) من أحد الشركاء و لو بربح حسبما دلّت عليه الموثقة المتقدّمة.

و لم أقف على من نبّه عليه.

و في جريان ذلك في الوضعية أيضا وجه؛ نظرا إلى مفهوم الصحيحة المذكورة من

____________

(1) في (ألف): «الفضولي».

(2) في (د): «حصة».

389

قوله (عليه السلام): «إذا ربح فلا تبع حتّى يقبضه».

و فيه: أنّه معارض بمفهوم ما ذكر بعده (1) من قوله «و إن كان يوليه» (2) .. إلى آخره.

مضافا إلى قضاء الإطلاقات بالمنع خصوصا ما ذكر فيه استثناء التولية خاصّة؛ إذ لو جرى ذلك في الوضعية لذكرت معها، و ندور الوضيعة بحيث تنصرف (3) الإطلاقات عنها غير ظاهر، فالبناء على شمول المنع تحريما و كراهة للوضيعة أولى سيّما مع ذكر الوضيعة مع المرابحة في الموثقة المتقدمة.

و منها: أنّه لا فرق في الحكم المذكور بين ما إذا كان المبيع عينا خارجيّة أو كليّا في الذمّة كما هو ظاهر إطلاق الأصحاب و معظم روايات الباب.

و ربّما يتوهّم انصراف الإطلاقات إلى بيع الأعيان الخارجيّة، فلا يجري الحكم في بيع الأعيان المضمونة في الذمّة.

و هو ضعيف، و على فرض انصراف الإطلاقات إلى ما ذكر فلا يبعد جريان الحكم في الأعيان الذميّة بطريق أولى.

خامسها: أنّه اختلف كلمات الأصحاب في بيان معنى القبض و ما يحصل به ذلك بالنسبة إلى المنقول و غير المنقول على أقوال عديدة.

[أما القبض بالنسبة إلى غير المنقولات]

و حيث إنّه أنيط به عدة من الأحكام الشرعيّة في مباحث البيوع و غيرها كان الأولى تفصيل القول فيه و الكشف عن مبانيه، فنقول:

لا خلاف ظاهر (4) في كون القبض بالنسبة إلى غير المنقول هو التخلية.

و في الغنية (5) حكاية الإجماع عليه.

____________

(1) في (ألف): «بعد».

(2) تهذيب الأحكام 7/ 37، باب بيع المضمون ح 41.

(3) لم ترد في (ب): «بحيث تنصرف .. و كراهة للوضعية».

(4) في (د): «ظاهرا».

(5) غنية النزوع: 229.

390

و كذا في التنقيح نقلا عن المحقق في احتجاجه على ما ذهب إليه.

و في مجمع الفائدة (1): لا يبعد عدم النزاع في الاكتفاء بالتخلية فيما لا ينقل.

و في الرياض (2) حكاية الاتفاق عليه، و قد نصّ بالإجماع عليه أيضا.

و المراد بالتخلية على ما فسّرها في الروضة (3) هو رفع المانع للمشتري من القبض بالأذن فيه و رفع يده و يد غيره عنه، و إن كان استشكل ذلك بأنّ المفروض كون التخلية قبضا فكيف يصحّ تفسيره برفع المانع عن القبض؛ إذ مجرد رفع المانع عن الشيء لا يكون عين ذلك الشيء.

و يمكن دفعه بأنّ المراد بالقبض المأخوذ في الحدّ غير ما يراد في المقام، فإنّ المراد (4) منع اليد عليه و التصرف فيه أو يقال ملازمه (5) رفع المانع عن القبض على الوجه المذكور لحصوله.

و كيف كان، فيعتبر في التخلية أمور ثلاثة:

أحدها: رفع يده عنه.

و الثاني: رفع يد الغير عنه إن كان.

الثالثة: الاذن له في التصرفات.

و المراد برفع يده عنه رفع سلطنته عليه بتركه (6) و الاعراض عنه. و هو ممّا يحصل بفعل البائع و قصده و إظهاره للمشتري، فلا يكتفي برفع يده في الواقع عن غير إظهاره للمشتري و لا بإظهاره من دون رفعه.

و الظاهر أنّه يعتبر فيه رفع يده عن العين و المنافع معا؛ إذ وضع يده على المنافع وضع يد على العين.

و قد يشكل فيما إذا كان المبيع مشغولا بملك البائع؛ فانّه قد مرّت الإشارة إلى أنّه لا يمنع من

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 8/ 511.

(2) رياض المسائل 8/ 237.

(3) الروضة البهية 3/ 524.

(4) في (د) زيادة: «به».

(5) في (ألف): «ملازمة».

(6) في (د): «سلطنة بتركه عليه».

391

حصول القبض، و قد نصّ عليه الجماعة مع أنّ اشتغال المكان به استيلاء من البائع على المنفعة الخاصّة و استيفاء لها، فلا يجامع ذلك حصول القبض على الوجه المذكور.

و قد يقال حينئذ: إنّ اشتغاله بملكه إن كان على سبيل القهر و الاستيلاء و عدم تسليط المشتري على التفريغ (1) فالأمر كذلك، و لا نسلّم حصول التخلية منه بالنسبة إلى القدر المشغول كما يشهد به العرف إلّا إذا كان ممّا لا يعتدّ به عرفا.

و لا يمانع استيلاء المشتري على المال كما إذا وضع فيه كتابا أو ربط فيه شاة و نحو ذلك، فلا يمنع ذلك من صدق التخلية سواء كان ذلك على وجه الاستحقاق أو لا.

و أمّا إن سلطه على التفريغ (2) و وكّل الأمر إلى اختياره بلا مدافعة له بالنسبة إلى العين و لا المنافع فلا مانع من تحقّق القبض، فالمقصود بما مرّ عدم المنافاة بين القبض و اشتغال المبيع بمال البائع أو غيره في الجملة، لا حصول القبض، مع الاشتغال بأيّ وجه كان؛ لوضوح فساده.

و لو شرط على المشتري بقاء المبيع عنه مدّة معلومة أو استيفاء منافع العين لنفسه مدّة معينة فقد (3) مرّ أنّه لا يتسلّط المشتري على تسلّم العين، أمّا في الأوّل فظاهر، و أمّا في الثاني فلما أشرنا إليه من أنّ الظاهر استحقاق البائع إبقاء (4) العين في يده من جهة استيفاء منافعه المتعلّقة به على نحو استحقاق المستأجر للعين المستأجرة.

و حينئذ فليس للبائع منع المشتري من التصرفات المتعلّقة بالعين من البيع و الصلح و الوصية و نحوها، و لا المتعلقة بالمنافع بالنسبة إلى الزمان المضروب.

و هل يعدّ ترخيصه في ذلك و إيكال الأمر إليه فيها تخلية من غير أن يسلّطه على نفس العين بالدخول و الخروج و السكنى فيه (5) و نحوها من التصرفات؟ وجهان.

____________

(1) في (ألف): «التفريع».

(2) في (ألف): «التفريع».

(3) في (ألف): «قد».

(4) في (ب): «البقاء».

(5) في (د): «منه».

392

و الأظهر عدم صدق التخلية حينئذ.

و يشهد له صريح حكم العرف. و هو الظاهر من التفسير المتقدم.

نعم، لو سلّطه حينئذ على العين بالوجه المذكور كان قبضا قطعا و إن لم يستحقّه المشتري حينئذ، فيتبعه أحكامه.

و منعه البائع من التصرف في المنفعة المستحقّة له بنقله إلى الغير و نحوه لا ينافي تخلية العين.

هذا، و يجري ما ذكرناه في رفع يد البائع عن المبيع بالنسبة إلى رفع يد الغير أيضا و إن كان له يد عليه سواء كانت يده عادية كالغاصب إذا كان مانعا (1) من التصرفات المتعلّقة بالعين أو المنفعة أو كانت غير عادية كالمستأجر و الموصي بمنافعه مدّة معيّنة و نحوهما، فلا فائدة إذن في رفع يد البائع عنه في عدم تمكن الآخر من تصرفه في العين و استيلائه عليها.

و مجرّد تسلط (2) البائع على التصرف في العين بالبيع و نحوه ممّا لا ينافي حقّ المستأجر أو الموصى له مثلا أو لا يضايقه الغاصب أيضا بعد تخلية العين (3) عرفا مع حصول المنع المفروض.

و يلوح من التذكرة القطع بعدم حصول القبض بمجرّد ذلك، و لذا لم يجوّز وقف العين الموجرة من دون إذن المستأجر في القبض.

[و] ربّما يتخيّل حصول القبض بتسليط المشتري على التصرفات المتعلّقة بالعين حسبما ذكر؛ نظرا إلى استقلال (4) البائع بذلك، و كون المبيع في يده بحسب الحقيقة دون المستأجر؛ فإنّ يده تابعة ليد الموجر، فإذا فوّض الأمر إلى المشتري و جعله مكان نفسه في التصرفات المتعلّقة بالعين أو المنافع بالنسبة إلى ما بعد زمان الإجارة مثلا فقد اشتغل بذلك يد المشتري على العين، و كان ذلك قبضا للمبيع؛ إذ ليست حقيقة القبض إلّا استقلال اليد على العين.

____________

(1) في (ألف): «نافعا».

(2) في (د): «تسليطه».

(3) ليس في (د): «العين».

(4) في (د) زيادة: «يد».

393

و الحاصل أنّه قد كان العين أوّلا في يد البائع فجعلها في يد (1) المشتري بتفويضه الأمر إليه، فصارت مفوّضة له حاصلة تحت يده.

و يدلّ على كون العين [في] يد البائع حينئذ مع كونها عند المستأجر في الفرض المذكور أنّه (2) لو ادّعى المستأجر أو غيره تملك العين كان القول قول الموجر و كان منكرا عليه الحلف عند عجز الآخر عن إقامة البيّنة، و لو تعارضت البينتان كان الموجر داخلا و الآخر خارجا قطعا.

و لو أخّر (3) الموجر بالعين مضى إقراره فيها دون المنافع المتعلّقة بالمستأجر.

و ذلك كلّه من الشواهد على كون العين في يد البائع، فإذا سلّمها كذلك إلى المشتري كان إقباضا له حسبما ذكرنا.

و أنت خبير بوهن ذلك؛ لابتنائه على عدم الفرق بين القبض و اليد، و بينهما بون بعيد، فإن حصل حصول اليد الشرعي على المال غير مقبوضيّة المال (4) و يمكن الانفكاك بينهما من الجانبين فقد يحصل (5) المقبوضيّة من دون اليد كما في المغصوب (6) و المستأجر إذا قبضه المستأجر (7).

و قد يكون اليد حاصلا من دون حصول القبض كالفرض المذكور بالنسبة إلى المغصوب (8) به و الموجر، و قد يجتمعان، و هو ظاهر.

و ما ذكر من الأحكام إنّما يتبع حصول اليد دون صدق القبض، و دعوى كون القبض هو

____________

(1) زيادة: «يد» من (د).

(2) في (ألف): «إذ».

(3) في (د): «أقر».

(4) في (د) زيادة: «له».

(5) في (د): «تحصل».

(6) في (ب): «المنصوب»، و في (ألف): «كان المنسوب»، بدلا من: «كما في المغصوب».

(7) ليس في (ب): «إذا قبضه المستأجر».

(8) في (ألف): «المنسوب».

394

استقلال اليد على العين ممّا لا شاهد عليه في كلماتهم إن أريد به ما يشمل المذكور، و إن أريد به استقلال اليد على العين بانتفاء المانع عن تصرفه فيه بالدفع و المنع و غيرهما من أنحاء التصرف فهو حسن إلّا أنّه غير حاصل في العين المستأجرة إذا لم يمكنه المستأجر من ذلك.

و العرف أقوى شاهد في المقام؛ إذ لا يعد المال حينئذ إلّا في قبض المستأجر، و تصرفه بعد دفع البائع إليه و جعل في تصرفه.

و يشهد لذلك ملاحظة الحال في المغصوب؛ إذ مع كون اليد و الثابت عليه شرعا يد المالك و لذا يمضي (1) أقاريره بالنسبة إليها، و هو المنكر عند قيام المدّعي للعين، و يكون بيّنته بينة الداخل عند تعارض البيّنتين إلى غير ذلك، مع عدم كون العين مقبوضة له بالضرورة.

و مجرد تسليطه المالك على التصرفات المتعلقة بالعين من قبيل البيع و الصلح و الإصداق و الهبة و الوقف و الإجارة بالنسبة إلى المدة الآتية و نحوها لا يعدّ تخلية مع كون العين في تصرف الغير و منعه من استيلائه على نفس العين.

و كذا لو تصرف المشتري فيه على أحد الوجوه المذكورة، و كون التصرف في العين قبضا لها و زيادة ممّا لم يقم عليه دليل على إطلاقه، بل التصرف المفروض حاصل قبل القبض.

و قد أشرنا إليه في الفروع المتقدّمة.

و بين التصرف و القبض عموم من وجه أيضا كما لا يخفى على المشهور في العرف.

و يومي إلى ما ذكرناه من عدم حصول القبض بتسلّطه على المبيع على الوجه المفروض أنّه لو كان ذلك قبضا لم يكن للمشتري مطالبة البائع برفع يد المتصرف (2) عنه بعد تسليطه البائع على التصرفات المفروضة؛ لحصول القبض الواجب عليه.

و وجوب ذلك عليه ممّا لم يقم عليه دليل ظاهر سوى توقف القبض الواجب عليه حيث أخذ في التخلية رفع يده و رفع يد الغير عنه.

و أيضا لو اكتفى به في صدق القبض لكان التخلية على الوجه المذكور كافيا في صدق

____________

(1) في (ألف): «بمعنى».

(2) في (د): «التصرف».

395

القبض، و إن كان البائع هو المتسلّط على العين و المانع من تصرف المشتري فيه على النحو المفروض في المستأجر مع شهادة صريح العرف بعدم صدق التخلية كما مرّت الاشارة إليه.

و ربّما يومي عبارة التذكرة بالاتفاق على عدم تحقّق القبض بذلك حيث نصّ على عدم لزوم وقف العين المستأجرة عندنا إلّا أن يقبضه بإذن المستأجر، و حكم بصحّته عند بعض العامّة حيث لم يقل باعتبار القبض في الوقف.

هذا، و هل يعتبر أن تكون التخلية على الوجه السائغ فلا عبرة بما وقع منها على الوجه المحرّم كما لو كان العين موجرة و حصل إقباض العين (1) من دون إذن المستأجر فلا بدّ من إذنه ليكون (2) التسلط على الوجه السائغ أو يكتفى بمجرّد حصول التخلية، و التسلط عرفا لم يكن على الوجه السائغ شرعا.

و قد نصّ غير واحد منهم على اعتبار إذن المستأجر في إقباض العين الموجرة، و ظاهر ذلك عدم حصول القبض المعتبر من دون الإذن.

و قد نصّ عليه في التذكرة (3) في الوقف قال في وقف الأرض المستأجرة: أمّا عندنا فإن أقبضه بإذن المستأجر فلا بأس، و إلّا لم يصح القبض، و لا يثمر لزوم الوقف.

و يشكل ذلك بأنّ القبض ليس من العبادات لئلا يجتمع مع الحرام، و لذا يصحّ إقباض العين في المكان المغصوب قطعا، فبعد (4) حصول القبض و لو على الوجه المحرّم يحصل المطلوب، فلا وجه لاعتبار إذن المستأجر في تحقّقه، و إنّما يعتبر ذلك في جواز الفعل و رفع الإثم عن المقبض و القابض، و هو أمر آخر.

و قد يقال باختصاص ما ذكره بالوقف حيث إنه من العبادات و يعتبر فيها قصد التقرب، فلا يجتمع مع الحرام.

____________

(1) في (ألف): «الغير».

(2) في (ألف): «لكون».

(3) تذكرة الفقهاء 2/ 432.

(4) في (ألف): «بعد».

396

و فيه: أنّ اعتبار التقرّب بالنسبة إلى القبض الذي يعدّ من جملة شروطه غير ظاهر.

أقصى الأمر اعتباره في نفس الوقف.

و يمكن دفع الإشكال بأنّ القبض في المقام إنّما يكون بتخلية العين، و مع سلطان الآخر (1) على دفع القابض لا يتحقّق التخلية، فتمكّنه منه على الوجه المحرّم لا يسقط حق الآخر حتّى يعد ذلك تخلية، فلا بد من إذنه حتّى يتحقّق التخلية المطلوبة، فليس اعتبار الإذن في المقام من جهة توقف الأمر على حصول القبض المباح، بل لعدم حصول القبض في المقام من دونه؛ نظرا إلى عدم ارتفاع المانع من قبل المستأجر و يمكن أن يفرّق بذلك بين القبض بالتخلية و الحاصل بالنقل، و المناولة هناك حاصلة و إن وقع على الوجه المحرّم بخلاف التخلية حسبما قرّرناه.

و أنت خبير بأن ذلك إنّما يتمّ إذا اعتبرنا في التخلية إزالة الموانع العرفيّة و الشرعيّة، و أمّا إن أريد بها إزالة الموانع العرفيّة و تمكين المشتري من التصرف في المبيع بحسب العادة و تسليطه عليه كذلك- كما هو الظاهر من العرف- فلا، و المفروض حصوله في المقام.

و من البيّن أنّه لا حقيقة شرعيّة في لفظ القبض، و قد نصّ عليه جماعة من الأصحاب فلا بدّ من الرجوع (2) إلى العرف، و لا توقف في صدقه عرفا على إزالة الموانع الشرعيّة، فلا دليل إذن على اعتبارها في تحقّق قبل القبض، و حينئذ فلا فرق في ذلك بين القبض الحاصل في التخلية و غيرها.

و يجري الكلام المذكور بالنسبة إلى المرهون أيضا إذا أجاز المرتهن منعه بعد ذلك.

و مع البناء على اعتبار الاذن في المقام لا فرق بين علم المشتري بكونها مستأجرة أو مرهونة أو جهله بالحال، فإذا دفعه البائع إليه و تصرف (3) فيه مدّة ثمّ تلف قبل حصول الإذن كان من التلف قبل القبض، و كان مضمونا على البائع.

و لا يخلو عن بعد.

____________

(1) لم ترد في (ب): «على دفع .. لا يسقط حقّ الآخر».

(2) في (د) زيادة: «فيه».

(3) لم ترد في (ب): «إليه و تصرّف .. على البائع».

397

ثمّ إنّه يتفرع أيضا على الوجهين أنّه لو باع الفضولي عينا غير منقولة و حصل منه التخلية فضولا و تصرّف فيه المشتري مع علمهما أو أحدهما بالحال أو الجهل به و تلف العين باقية سماويّة ثمّ أجاز المالك بيعه و قبضه صحّ البيع و اندرج في ضمان المشتري على الوجه المختار.

و على الوجه الآخر ينبغي عدّه من التلف قبل القبض، نظرا إلى وقوع القبض من دون إذن المالك.

نعم، قد يشكل الحال في المثال لعدم قيام دليل على جريان حكم الفضولي في الأفعال فيما عدا العقود و الإيقاعات.

و الظاهر أنّه لا مانع منه أيضا.

و لتفصيل القول فيه أيضا مقام آخر.

ثمّ إنّ ظاهر الحدّ المذكور توقف التخلية على رفع يد المالك و الأجنبي عنه رأسا، فلو بقي للغير سلطان التصرف في العين و سلّط المشتري عليه أيضا من غير أن يمانعه عمّا يريده من التصرفات لم يكن ذلك قبضا؛ لعدم ارتفاع اليد عنه بالمرّة كما هو ظاهر الحد، لكن في توقف صدق القبض عليه تأمّل سيّما إذا كان العين في تصرف المشتري يفعل به ما شاء و إن تصرّف فيه الآخر أيضا، و ثبت له يد عليه أيضا.

و قد يدرج ذلك في الحدّ بأن يراد به رفع (1) يده عنه على وجه يمانع تصرف الآخر لا مطلقا.

و هل يكفي في حصول التخلية على الوجه المذكور رفع يده و يد الغير عنه فإمّا خاصّة أو لا بدّ من رفعه بالمرّة؟ وجهان.

و على الثاني فلو أخذه منه بعد ذلك و لو بعد آن ما لم يمنع من صدق القبض من غير إشكال.

و الفرق بينه و بين الصورة الأولى ظاهر؛ لحصول التخلية هنا يقينا، و أمّا في تلك الصورة

____________

(1) في (د): «دفع».

398

فقد يتأمل في صدق التخلية مع عدم البناء على تفويض الأمر إلى المشتري.

و هل يعتبر في حصول القبض بالتخلية قبول الآخر ذلك عند تخليته و رضاه بالتسلّط على ما سلّطه عليه؟ وجهان؛ من قضاء ظاهر كلماتهم بتحقّق القبض في غير المنقول بمجرّد التخلية و ظاهر الإجماعات المحكيّة المتقدّمة المعتضدة بذلك، و من عدم صدق القبض (1) بحسب العرف من دونه؛ إذ لا يزيد القبض في غير المنقول على المنقول، فكما أنّ المشتري قد لا يقبض هناك بعد إقباض البائع، فكذا هنا.

و يمكن تنزيل كلامهم على ذلك أيضا، فالمراد من تفسير القبض بالتخلية عدم الحاجة إلى غيرها من أحد الأمور الّتي يقال بأخذها في قبض المنقول، لا عدم الحاجة إلى تلقّي الآخر و قبوله له، فكأنّهم سكتوا عنه لوضوحه.

و قد يتوهم الفرق بين الإقباض و القبض، فيحصل الإقباض في المقام من دون القبض، فيكون مقصود الأصحاب حصول الإقباض الواجب على البائع لحصول ذلك و إن لم يحصل القبض من المشتري من دون قبول.

و ضعفه ظاهر؛ لوضوح عدم الانفكاك بين الأمرين، فإنّ الإقباض فعل و القبض في معنى انفعاله، و لا يعقل الانفكاك بينهما بل التغاير بينهما اعتباريّ على ما حقّق في محلّه.

و الاقباض الخالي من (2) القبض ما (3) يتراءى من بعض الاستعمالات ليس إقباضا على وجه الحقيقة.

و ربّما يتوهم كون القبض الواقع من البائع مغايرا في المعنى للقبض الحاصل من المشتري، و لذا يصح إثبات أحدهما و نفي الآخر حيث يقال: أقبضه البائع فلم يقبضه المشتري، فمفاده بالنسبة إلى البائع هو التخلية، و لا يكتفى بها في حصول القبض من المشتري، و الأحكام تابعة للأوّل على ما قضت به الأدلّة.

____________

(1) في (د) زيادة: «قطعا».

(2) في (د): «عن».

(3) كذا، و الظاهر: «فيما».

399

و ربّما يتخيّل أيضا اعتبار تصرف المشتري فيه في الجملة حتّى يتحقّق قبضه في العرف.

و الجميع بمعزل عن التحقيق كما لا يخفى على المشهور.

و يدلّ على فساد الأخير أنّه مخالف لما أطبق عليه الكلّ؛ إذ لم نر اعتباره في كلام أحد منهم و لا نقله نافل في القمام و غيره، و الاجماعات المحكيّة و فتاويهم المتطابقة تنادي بفساده.

و ما ادّعي من عدم صدق القبض عرفا من دون ذلك مثله في الفساد؛ إذ لا توقّف لصدق القبض على التصرف قطعا، أقصى الأمر اعتبار قبوله للتسليط الواقع من الآخر و ملاحظة نفسه مسلّطا على المبيع، و أين ذلك من اعتبار التصرف فيه؟.

ثمّ إنّ الظاهر من كلام جماعة من الأصحاب أنّه مع تحقّق التخلية على الوجه المذكور يتحقّق القبض من غير فرق بين ما إذا كان المبيع حاضرا عندهما أو غائبا كائنا في بلد المبايعة أو في بلد آخر قريبا كان أو بعيدا.

و اتّجه الشهيد الثاني (1) فيما لو كان المبيع بعيدا جدا بحيث يدلّ العرف على عدم صدق قبضه بالتخلية كما لو كان ببلاد أخرى اعتبار مضيّ زمان يمكن فيه وصول المشتري أو وكيله إليه.

و أنكر ذلك بعض المتأخرين كما يظهر من إطلاق آخرين حيث اكتفوا في صدق القبض في المقام بمجرّد التخلية.

و هو الظاهر من إطلاق الإجماعات المحكيّة.

و أنت خبير بأنّ بعد المبيع عن المتبايعين إن كان قاضيا بعدم صدق القبض فمضيّ الزمان المفروض ممّا لا يثمر صدقه أصلا؛ إذ مع عدم مضيّ المشتري أو وكيله في تلك المدّة أيّ (2) تفاوت بين مضي المدّة المفروضة و عدمه.

نعم، لو اعتبر فيه مضيّ المشتري أو وكيله أو توكيله أحدا هناك اتّجه الفرق إلّا أنّه لم يقل به، و لا يظهر اعتباره من غيره أيضا، فاتّجه بذلك عدم اعتبار الأمرين.

____________

(1) مسالك الإفهام 3/ 240.

(2) زيادة: «أي» من (د).

400

أمّا ما ذكره فبما عرفت، و أمّا الثاني فلعدم ظهور قائل به، بل الظاهر من العرف عدم الفرق بينه و بين التخلية المتعلّقة بالملك الّذي في مادة المبايعة، فإذا ثبت صدق القبض بالتخلية فيما إذا كان المبيع حاضرا ثبت بالنسبة إلى البعيد أيضا.

نعم، قد يحصل فرق بين الصورتين فيما إذا كان المبيع في البلد النائي (1) في يد وكيل المالك، فإنّه على ما مرّ يتوقف حصول التخلية على ارتفاع يد الوكيل عنه أيضا بمجرّد رفع (2) الموكّل يده من دون علمه بالحال لا يقضي بارتفاع يده، فيتوقف حصول التخلية على إيصال الخبر إليه و قبوله ذلك، و هو أمر آخر.

فلو لم يكن المبيع إلّا في يد البائع من غير أن تكون عليه يد آخر و لو تبعا ليده أو كان وكيله المتصرّف فيه حاضرا في المحلّ و رفع يده عنه، فالظاهر صدق التخلية و حصول القبض في الحال من غير حاجة إلى أمر آخر.

و كأنّ الوجه فيما ذهب إليه الشهيد (رحمه اللّه) أنّ حقيقة القبض هو اندراج المبيع تحت يد القابض، و مع بعد المسافة لا يندرج تحت يده بمجرّد تخلية المالك في ذلك المحلّ، فلا بدّ إذن من مضي المدة المذكورة.

و ضعفه ظاهر؛ إذ لو تمّ ذلك لما كان في مجرّد مضيّ المدّة ما يجعله تحت يده من دون ذهابه أو ذهاب وكيله مثلا حسبما أشرنا إليه.

و هل يصحّ قبض المال المشترك فيما يكون قبضه بالتخلية من دون إذن الشريك؟

وجهان، بل حكى في الروضة (3) قولين.

وجه المنع أنّه تصرّف في ملك الشريك، فلا يجوز إلّا بإذنه، و وجه الجواز أنّ التخلية بالنسبة إلى حصّته لا يعدّ تصرّفا في حصة الآخر، و إنّما هو رفع لسلطنة نفسه من (4) حصّته

____________

(1) في (ألف): «الثاني».

(2) في (ألف): «رفع يد»، و لا معنى لزيادة «يد» بعد أن تكون العبارة الآتية «الموكّل يده ..».

(3) الروضة البهية 3/ 176.

(4) في (د): «عن».

401

و تسلّط للمشتري على حقّه دون حقّ الآخر، فليس القبض هنا حاصلا إلّا بالنسبة إلى ذلك دون مال الغير.

و لا يخفى قوّة الوجه المذكور و وهن الأوّل، و لذا اختار الشهيد الثاني و المحقق الأردبيلي و غيرهما، و إنّما يتّجه الوجه الثاني في المنقولات، و سيجيء الكلام فيه.

نعم، قد يقال في المقام بأنّ التخلية تتوقّف على إزالة الموانع من (1) تصرف المشتري، و الشريك هنا مانع عن تصرّفه، فلا تتحقّق التخلية من دون إذنه على نحو ما مرّ في إقباض العين الموجرة.

و يمكن دفعه بظهور الفرق بين المقامين؛ نظرا إلى تسلّط المستأجر هناك على حين البيع من جهة استيفاء المنافع المملوكة له بخلاف المقام؛ إذ لا سلطان لأحد الشريكين على حصّة شريكه، و إنّما له المنع من تصرفه فيها نظرا إلى استلزام ذلك التصرف في حقّه، [و] ذلك أمر حاصل من الجانبين، فلا يستحق الشريك قبض المبيع و التصرف فيه حتّى يكون دفعه (2) في المقام منافيا لما يستحقّه كما هو الحال في العين الموجرة، بل المانع من التصرف هنا أمر تبعي لا ينافي تسليط المشتري على حقّه على نحو تسليط كلّ من الشريكين على حصته.

فإن قلت: إنّ استحقاق الغير لمنع المشتري عن التصرف في العين ينافي تخلية المبيع له سواء كان من جهة استحقاق البائع للتصرّف فيه أو بسبب آخر، و المفروض في المقام حصول الاستحقاق المذكور للشريك و إن لم يكن سببا من (3) استحقاقه التصرف في المبيع.

قلت: كون الاستحقاق المذكور منافيا لحصول القبض ممنوع بل فاسد؛ لصدق مقبوضيّة الأموال المشتركة لأربابها- منقولة كانت أو غير منقولة- مع حصول المنع المفروض، و التخلية المعتبرة للقبض لم يؤخذ في تفسيرها ما ينافي ذلك، بل ظاهر حدّها المذكور يعمّ المال

____________

(1) في (د): «عن».

(2) في (د): «رفعه».

(3) في (د): «مسببا عن» بدل: «سببا من».

402

المشترك أيضا إذا رفع البائع يده (1) عن حصّة المبيعة، و سلّط المشتري عليه على نحو تسليط الشركاء على حصصهم، و ليس للشريك الآخر يد على المبيع ليعتبر دفعه (2) في المقام كما في العين الموجرة و نحوها، بل إنّما كانت في يد البائع و انتقل من يده إلى يد المشتري.

و يؤيّد ذلك أنّه ليس دفع (3) المنع المذكور من وظيفة (4) البائع، و إنّما هو دعوى بين الشريكين إن ارتفع بتراضيهما (5) فلا كلام، و إلّا رفعا أمرهما إلى الحاكم، و ذلك (6) بخلاف العين الموجرة؛ إذ الظاهر أنه بعد انقضاء زمان الإجارة لو أبى المستأجر عن الدفع كان من وظيفة البائع رفع يده عن العين، و تسليمه إلى المشتري.

و يشهد لما قلناه ملاحظة العرف لحكمه بحصول القبض بالنسبة إلى المال المشترك لحصول التخلية على الوجه المذكور، بخلاف العين الموجرة.

و يومي إليه أيضا أنه لو باع دارا لاثنين على وجه الإشاعة و رفع يده و يد الغير عنه، و سلّطهما على المبيع عدّ ذلك تخلية، و كان قبضا بالنسبة إليهما مع أنه لا يجوز لكلّ منهما التصرف فيه إلّا بإذن الآخر.

و لو كان ما ذكر مانعا عن حصول القبض لمنع هناك أيضا.

و يدلّ عليه أيضا مضافا إلى جميع ما ذكر الأصل؛ إذ وجوب ما يزيد على ذلك على البائع غير ظاهر من الأدلّة، فقضيّة الأصل عدمه.

هذا،

و أمّا القبض بالنسبة إلى المنقولات

فقد اختلفوا فيه على أقوال عديدة بعد اتفاقهم ظاهرا على عدم ثبوت حقيقة شرعيّة للقبض و أن المرجع فيه العرف و اللغة كما هو الشأن في

____________

(1) زيادة «يده» من (د).

(2) في (د): «رفعه».

(3) في (د): «رفع».

(4) لم ترد في (ب): «من وظيفة .. إلى الحاكم».

(5) في (ألف): «تراخيهما».

(6) لم ترد في (ب): «و ذلك».

403

نظائرها من الألفاظ، فذهب المحقّق في الشرائع (1) و النافع (2) أنه التخلية أيضا كما هو الحال في غير المنقول.

و اختاره الشهيد في الدروس (3) بالنسبة إلى الحكم بارتفاع الضمان لا زوال التحريم أو الكراهة عن بيعه قبل القبض.

و قيل: إنه فيما يتناول من الأقمشة و نحوها هو الإمساك باليد، و في المكيل و الموزون هو الكيل و الوزن و لو تقديرا كما إذا أخبر البائع كذلك (4) و رضي المشتري به مع رفع يده عنه. و لا يبعد ادراج الدراهم و الدنانير في الأوّل و إن كانت موزونة؛ نظرا إلى انضباط وزنها في المعتاد، و يؤخذ بظاهر الحال.

و في الحيوان نقله من ذلك المكان إلى مكان آخر بأن يمش بالعبد إلى مكان آخر، و يقيم الدابّة في غير ذلك المحلّ.

و حكي القول بذلك عن الشيخ في المبسوط (5) و القاضي (6) و الطوسي (7).

و قيل: إنه في الحيوان نقله و فيما يعتبر باعتبار مخصوص لدفع الجهالة كيله أو وزنه أو عدّه أو نقله، و في الثوب وضعه في اليد.

و حكي اختياره في الدروس.

و قيل إنّ القبض فيه هو النقل أو الأخذ في غير المكيل و الموزون، و أمّا فيهما فإمّا ذلك أو الكيل أو الوزن. ذهب إليه العلّامة في المختلف (8).

____________

(1) شرائع الإسلام 2/ 308.

(2) مختصر النافع: 124.

(3) الدروس 3/ 213.

(4) في (د): «لك».

(5) المبسوط 2/ 120.

(6) المهذب 1/ 385.

(7) الوسيلة: 252.

(8) مختلف الشيعة 5/ 279.

404

و أنت تعلم بملاحظة الأقوال المذكورة كون اعتبار النقل هنا في الجملة مشهورا بين الأصحاب.

و ممّا اتّفق عليه أكثر الأقوال المذكورة، و حكاية الشهرة عليه كذلك مستفيضة على ما ذكره بعض الأجلّة.

و قد عرفت حكاية الإجماع عليه في الغنية (1).

و كأنّه لا شكّ في شهادة العرف بحصول القبض معه مطلقا، و إن كان في المكيل و الموزون، فلا حاجة إلى حصول الكيل و الوزن فيهما و (2) ملاحظة قبض الدراهم و الدنانير أقوى شاهد عليه إلّا أن ينزّل ظاهر الحال في ذلك هناك منزلة الوزن لكن في (3) اعتبار خصوص النقل في صدق القبض في المقام تأمّل.

و توضيح المقام أنّ الّذي يقتضيه القاعدة من ذلك أنه بعد انتقال كل من العوضين إلى الآخر بعقد (4) البيع لا بدّ من إيصال كلّ عوض إلى صاحبه و رفعه (5) إليه كسائر حقوق الناس من المضمونة للقابض كالمغصوب، و المقبوض بالبيع الفاسد و نحوهما، و غير المضمونة كالوديعة و العارية و غيرهما، فإذا أخرجه القابض عن يده و سلطانه و جعله تحت يد المالك و سلطانه فقد أدّى القابض ما عليه و خرج من ضمانه إن كان قبضه على وجه الضمان.

و الظاهر أنّ ذلك مفاد القبض إلّا أنّه يختلف الحال فيه بحسب اختلاف الأشياء، ففي الأمور الغير المنقولة كالدور و المزارع و البساتين يحصل بتخلية القابض يده و يد غيره و تسلّط المالك عليها حسبما مرّ، فيندرج بذلك تحت سلطانه في (6) الأمور المنقولة بكون (7) ذلك بنقله

____________

(1) غنية النزوع: 229.

(2) في (د): «و في».

(3) زيادة: «في» من (د).

(4) في (ألف): «يعقد».

(5) في (د): «دفعه».

(6) في (د): «و في».

(7) في (د): «يكون».

405

و بإمساكه باليد على وجه الاستيلاء عليه حتى في الحيوان، فإنه لو دفع إليه لجام الدابّة و أمسكها مستوليا عليها كان قبضا لها في العرف قطعا، خصوصا إذا وهب البائع عنها من غير حاجة إلى إقامتها في محلّ آخر.

و لو ساق الدابّة إليه و أتى به إلى إصطبله و رفع يده عنها فغلّق (1) المشتري باب الإصطبل عليها مريدا بذلك قبضه، فلا تأمّل ظاهر في صدق القبض به عرفا.

و لو باعه سريرا فرفع البائع يده عنه و مكّن المشتري عنه فجلس عليه كان قبضا له و إن لم ينقله عن محلّه.

و لو باعه كتابا فوضعه البائع بين يديه مريدا إقباضه بوضع يده عليه لأجل قبضه، فالظاهر حصول القبض به.

و كذا الحال في نحوه من الأعيان المنقولة، بل لو أتى بها إليه فقال المشتري: ضعه في صندوقي مثلا، فوضعه فيه لم يبعد كونه قبضا سيّما إذا ذهب البائع عنه.

و لو غفل المشتري حينئذ باب الصندوق فالظاهر القطع بصدق القبض في العرف.

و قد يعدّ التخلية في المنقولات مع التصرف في بعضها قبضا كما إذا باعه مقدارا معيّنا من الحنطة و سلّمه مفتاح الحبّة (2) الموضوعة فيها و مكّنه منه، فذهب إليه و تصرّف بالنقل أو الوضع إلى الغير و نحوهما فإنّه لا يبعد على الكلّ مقبوضا له في العرف.

و لو باعه عبدا فأتى به إليه و رفع يده عنه و مكّنه من التصرف فيه و رضي به المشتري و ذهب البائع عنه كان ذلك قبضا له في العرف سيّما إذا بعثه في حوائجه و كان تحت أمره و نهيه.

و الحاصل أنّ القبض أمر عرفي يحصل على وجوه شتّى و لو في المنقولات، فاختصاص حصوله بصورة النقل أو الإمساك باليد و نحوهما ممّا لا يظهر الوجه فيه.

نعم، يحصل القبض بهما حسبما عرفت، و الأصل في المسألة هو ما قرّرناه.

حجّة القول بالاكتفاء بالتخلية أنّه قد كان ذلك مفاد القبض في غير المنقول كما مرّ،

____________

(1) في (ألف): «تعلّق».

(2) في (ألف): «الهبة».

406

فيكون ذلك مفاده في غيرها؛ حذرا من الاشتراك و المجاز المخالفين للأصل.

و ردّ بأنّه لا مانع من الالتزام بأحدهما بعد شهادة العرف بإرادة غيرها في غيره، و قيام الدليل عليه. و لا يعدّ مجرّد التخلية في المنقول قبضا، و المتبادر منه في العرف و اللغة خلافه (1) فيكون ذلك حجّة ظاهر [ة] على تغاير المعنيين.

و الأولى أن يقال: إنّه لا يلزم من اختلاف حصول القبض في المقامين أن يكون حقيقة في أحدهما مجازا في الآخر، أو مشتركا لفظيا بينهما؛ لاحتمال الاشتراك المعنوي على الوجه الّذي بيّناه.

و كيف كان، فالقول المذكور بعيد جدّا، بل لا وجه له أصلا.

نعم، قد ينزّل التخلية على بعض الوجوه منزلة القبض في المنقولات فيما إذا أبى المشتري عن القبض حسبما مرّ بيانه، و ذلك أمر آخر.

و قد يعد قبضا إذا ضمّ إليه بعض أمور أخر كما في بعض الأمثلة المتقدّمة، و لا ربط له أيضا بالقول المذكور.

ثمّ إنّ ما ذهب إليه في الدروس من الاكتفاء بالتخلية في سقوط الضمان من البائع دون غيره إن أراد به أن إحضار المبيع عند المشتري و تمكينه من قبضه بوصوله بحيث يحصل منه ما عليه من تسليطه على حقّه فقصر المشتري في تركه يوجب (2) سقوط الضمان (عن البائع فهو مما لا تأمل فيه حسبما مر بيانه في المسألة المتقدمة، و لا ربط له بحصول القبض، و إن أراد به أن التخلية كيف ما كان قبض بالنسبة إلى سقوط الضمان) (3)، فمع وضوح عدم اختلاف صدق القبض عرفا بحسب اختلاف الأحكام لا دليل على سقوط الضمان به.

حجة القول باعتبار النقل (4) دلالة العرف عليه و الإجماع المحكي المتقدّم، و ظاهر الخبر

____________

(1) في (ألف): «خلافا».

(2) في (ب): «لوجب».

(3) ما بين الهلالين أضيفت من (د).

(4) «النقل» لم ترد في (ألف).