غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج2

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
180 /
218

يكون ذلك طلاقا أو عتقا قال لا يكون طلاقا و لا عتقا حتى ينطق به لسانه أو يخطه بيده و هو يريد الطّلاق أو العتق و يكون ذلك منه بالأهلة و الشهود يكون غائبا عن اهله بعد حملها على من لا يقدر على النّطق كالأخرس كما جعله في الوسائل من محاملها و ان كان قد جعلها في كشف اللثام دليلا للقائلين بوقوع الطّلاق بالكتابة مع الغيبة كما عن (النهاية) و الوسيلة و الكامل و قال في ذيلها و يبعد حمله يعنى صحيح الثمالي على الضّرورة إذ لا يشترط عنده الغيبة

قوله (قدس سرّه) و اما مع القدرة على الإشارة فقد رجح بعض الإشارة و لعله لأنها أصرح في الإنشاء عن الكتابة و في بعض روايات الطّلاق ما يدل على العكس و اليه ذهب الحلي (قدس سرّه) هناك

أراد بالبعض الذي رجح الإشارة هو شارح كتاب المتاجر من (القواعد) فقد حكى عنه ان الكتابة متأخرة عنها و وجّهه (المصنف) (رحمه الله) بأنه لعله لكون الإشارة أصرح في الإنشاء من الكتابة و أنت خبير بان للمنع من ذلك مجالا واسعا ثم لو سلم كونها أصرح لكن في اقتضائه الترتيب بين الإشارة و الكتابة نظر بل منع لان المعتبر من الإشارة انما هي المفهمة و بدون الافهام لا عبرة بها و (كذلك) الكتابة إذا لم تكن مفيدة لم تعتبر فكون الإشارة بنوعها أصرح غير مفيدة و الرواية الدالة على العكس عبارة عن صحيحة البزنطي قال سئلت الرّضا (عليه السلام) عن الرّجل يكون عنده المرأة يصمت و لا يتكلم قال أخرس هو قلت نعم و يعلم منه بغض لامرأته و كراهته لها أ يجوز ان يطلق عنه وليه قال لا و لكن يكتب و يشهد على ذلك قلت فإنه لا يكتب و لا يسمع كيف يطلقها قال بالذي يعرف به من فعله مثل ما ذكرت من كراهته و بغضه لها قال في كشف اللّثام بعد ذكر الخبر و فيه تقديم الكتابة على الإشارة انتهى و قال الحلي (قدس سرّه) في كتاب الطلاق و من لم يتمكن من الكلام مثل ان يكون أخرس فليكتب الطلاق بيده ان كان ممّن يحسن الكتابة فان لم يحسن فليؤم الى الطلاق كما يومي الى بعض ما يحتاج اليه فمتى فهم من إيمائه ذلك وقع طلاقه انتهى فقد عرفت مما ذكر قولين في المسئلة و يظهر من عبارة لك التي قد عرفت حكايتها سابقا عدم الترتب بين الإشارة و الكتابة فيجزي ما وقع منهما و مثله عبارة المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في شرح (الإرشاد) حيث قال و مثل الإشارة الكتابة على الورق و الخشب و التراب بحيث يدل على الرضا انتهى و يظهر ذلك من صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بل فيها انه لا يبعد ان المراد بالإشارة كل ما دل على المقصود غير اللّفظ حتى الكتابة انتهى و هذا المقدار و ان كان لم يثبت الا ان (الظاهر) عدم الفرق في الحكم بين الإشارة و الكتابة فلا ترتب بينهما نظرا إلى انّه لم يظهر من صحيحة البزنطي ان ذكر الكتابة قيل ما ذكر فيها من الفعل المفيد للإشارة انما هو من جهة تقدمها بحسب الرتبة فيحتمل احتمالا غير بعيد ان ذكرها ابتداء انما هو من جهة كونها أحد أفرادي ما يقع به الطلاق منه فلا تدل الصّحيحة على تعين تقديم الكتابة على الإشارة و يعتبر كون كل منهما ممّا علم قصد الإنشاء به و من هنا يعلم ان ما حكاه بعض المعاصرين عن ظاهر الأكثر من وجوب ضم الإشارة إلى الكتابة كما حكى عن (الدروس) انه تكفي الكتابة لو تعذّر النّطق مع الإشارة و نحوه عن النهاية لا وجه له إذ لا دليل على ضم الإشارة إلى الكتابة سواء كان مرتبة الإشارة قبل الكتابة أو بعدها أو كانتا متساويتين لأنه ان كان وجه اعتبار ضمّها إليها كون الإشارة أصرح فذلك غير مستلزم للضم بعد فرض إفادة الكتابة للمقصود الّذي هو إرادة إنشاء البيع بالكتابة و ان كان وجهه هو كون الكتابة غير مفيدة لكون المقصود بها الإنشاء و انه لا بد من ضميمة ما يفيد ان المقصود بها هو الإنشاء فهو لا يدل على تعيين خصوص الإشارة و ان كان أصل المدّعى حقّا لأن الكتابة قد يتعلق بها أغراض أخر و لو مثل امتحان المداد و القلم مثلا أو حكاية كلام أحد سمعه منه الا ان (يقال) ان مرادهم بالإشارة مطلق ما يدل على قصد الإنشاء بالكتابة كما قيل بل استظهر من النهاية فتدبر

قوله ثمّ الكلام في الخصوصيات المعتبرة في اللفظ تارة يقع في مواد الألفاظ من حيث افادة المعنى بالصّراحة و الظهور و الحقيقة و المجاز و الكناية و من حيث اللغة المستعملة في معنى المعاملة و اخرى في هيئة كل من الإيجاب و القبول من حيث اعتبار كونه بالجملة الفعلية و كونه بالماضي و ثالثه في هيئة تركيب الإيجاب و القبول من حيث الترتيب و الموالاة

و تحقيق المقام ان كل عقد يلاحظ فيه جهات ثلث جهة اللفظ و جهة الخطاب و جهة العقد امّا الاولى فلا بد فيها من القصد الى اللفظ و يجرى فيه اعتبارات ثلاثة اعتباره بحسب الجنس ككونه عربيا مثلا و اعتباره من حيث الصّنف ككونه من صبغ الماضي في اللغة العربية و اعتباره من حيث الشخص فلا بد من قصد الجميع بالإجماع لو قلنا باعتبار الأولين و الا فيقصد ما يأتي به بدلهما و حاصل ذلك انه لا بد من قصد اللّفظ الذي يوقع به العقد بخصوصيّته من حيث أنواع اللغات و أصناف الصّيغ من الماضي و غيره ثم ان قصد الأخير مشتمل على قصد الأوليين فمن قصد التّلفظ بلفظ بعت فقد قصد اللّفظ العربي الماضي الذي هو من المادة الخاصة فلا يكفى من اللّفظ الا ما هو مقصود بخصوصه للإجماع و لان المراد بالعقود المأمور بالوفاء بها انما هي العقود المتعارفة الّتي ليست إلا عبارة عما قصد فيه لفظ مخصوص و لأن الأصل عدم حصول النقل و الانتقال بغير ما قصد فيه لفظ خاص فلو تلفظ سهوا بما لم يقصده لم ينعقد به العقد و ان كان في حد ذاته ممّا يقع به العقد الخاص مثال ذلك ان القائل بانعقاد البيع بلفظ ملكت و بعت لو قصد إيقاعه بالأوّل فسهى و قال بعت لم يكن مجزيا للإجماع و للقاعدة لأن الإنشاء الّذي قصده باللفظ المقصود لم يقع و الإنشاء الّذي وقع باللفظ الصادر لم يقصد و (كذلك) لو اتى بألفاظ متعدّدة و لم يعيّن واحدا منها بشخصه للإنشاء به و إتيانه بالألفاظ المتعدّدة يقع على قسمين أحدهما ان يجمع بينها في الإيجاب بأن يقول في إيجاب النّكاح مثل زوّجت و أنكحت و متعت هندا من موكلك زيد على الصّداق المعلوم فيقول صاحبه قبلت و ثانيهما ان يوجب بأحدهما فيقع القبول بعده بلا فصل ثم يوجب بالاخر فيتبعه قبوله ثم يوجب بالثالث و يتبعه قبوله و هكذا و (حينئذ) نقول ان عدم قصد واحد معين يقع على وجوه أحدها ان يقصد الإنشاء بجنس ما يقع به النكاح الصّادق على كل من الألفاظ المتعدّدة المفروض عدم تعيين بعضها للإنشاء به ثانيها ان يقصد واحدا مرددا

219

بينها ثالثها ان يقصد واحدا معيّنا عند اللّه كونه ممّا يقع به العقد الخاص و ان كان غير معيّن عنده رابعها ان يقصد الجميع باعتبار انضمام بعضها الى بعض و ان شئت قلت ان يقصد الإنشاء بالمجموع من حيث المجموع الذي يكون كل واحد منها جزء بهذا الاعتبار خامسها ان يقصد كل واحد بعنوان الاستقلال و باعتبار كون كل منها سببا برأسه لتحقق العقد و الحكم في الجميع انما هو عدم تحقق العقد إجماعا مضافا الى انّ المجموع من حيث المجموع ممّا لم يجعل له السّببيّة شرعا قطعا نعم يستثني من الصور المذكورة ما لو قصد كلّ منها مستقلا فإنه يصح في القسم الأول من قسمي الجمع بين الألفاظ المتعددة لكن لا بنفسه بل باعتبار ان من جملتها اللفظ الّذي وقع في الإيجاب أخيرا فيتصل به القبول و يصح العقد باعتبار ذلك اللفظ الواحد مع قبوله المتصل به فليس الصّحة باعتبار كون قصد الإنشاء بكل منها مستقلا سببا و انما هي باعتبار حصول السّبب في ضمنه و يصحّ من القسم الثاني من قسمي الجمع بين الألفاظ المتعددة باعتبار حصول السّبب بالأول مع اتصال قبوله به و بلغو ما بعده من الألفاظ لحصول المسبّب بتحقق سببه المقتضى لعدم تحققه ثانيا و عدم تأثير سببه الثاني لاستحالة تحصيل الحاصل فرع لو قصد الإنشاء بالأوّل في القسم الأوّل بأن قال أنكحت و زوّجت و متعت موكلتي موكّلك و قصد الإنشاء بالأول دون الأخيرين و قال صاحبه قبلت لم يصحّ العقد و مثله غيره بما عدا الأخير فلو قصد الإنشاء بالوسط لم يصحّ العقد ايضا لوقوع الفصل بين الإيجاب و القبول بأجنبي و هما الأخيران اللّذان لم يقصد بهما الإنشاء و قد صرّحوا بكون الفصل مانعا من انعقاد العقد نعم قالوا انه لم يقدح التنفس و السعال و أرادوا بذلك التّمثيل للفصل اليسير المغتفر و قد علم من ذلك انه لو قصد الإنشاء في القسم الأوّل بالأخير صحّ العقد لاتصال القبول به و لو قصد الإنشاء بالأوّل في القسم الثاني لم يكن فيه إشكال أصلا لتعيينه اللفظ و اتصال القبول بالإيجاب و يبقى ما بعد هذا الإيجاب و هذا القبول من الإيجاب و القبول المتأخّرين عنهما لغوا و ان قصد بالمتأخر الاحتياط بعد قصد الإنشاء بالأوّل من دون تردد و تزلزل جاز كما هو الشّأن في كلّ احتياط بعد العمل بمقتضى الفتوى و لو قصد الإنشاء بالأوسط أو الأخير صحّ ايضا بشرط ان يأتي بما تقدّمه على وجه التّردد و التزلزل لانه يورث التزلزل و التردد في صحة المتأخر فيفسد الا ان يقال ان التردد و التزلزل في الأول يوجب بطلانه فيصح الإنشاء بما بعده و هذا وجيه لو التفت الموجب الى هذا المعنى فإنشاء العقد بالمتأخر و قد حكى بعض مشايخنا عن (المصنف) (رحمه الله) انه كان في عقد النّكاح يبتدى بعقد فارسي فيقول بزنى دادم موكله خودم فلانه را بموكّل خود فلان بمهر معلوم ثم يأتي بالعقد العربي و لا يخفى عليك ان المقصود بذلك انّما هو الاحتياط ثم أورد عليه بأنّه مناف للمقصود بل الاحتياط في تركه لان الاكتفاء بالعقد الفارسي خلاف الاحتياط فمع تقديمه لا يؤتى به الا على وجه التردّد و التّزلزل المورث للتردد و التزلزل في لاحقه فالأولى لمن يريد الاحتياط ان يقدم ما يقتضي الفتوى صحّته و يقصد به الإنشاء ثمّ يأتي بما يحتمل على وجه الاحتياط لا ان يقدم مثل العقد بالفارسي الذي لا يصحّ الا في حق من هو غير قادر على العقد بالعربي فإذا لم يصح الفارسي من العالم القادر على العربي فكيف يقدم على العربي تحصيلا للاحتياط بل قد استشكل في مطلق التكرير حتى لو كان قد اتى بالأول على مقتضى الفتوى لان الاحتياط بالثاني لا يتحقق الا مع تحقق نوع شك في الأوّل لكنك خبير بان ما أورده على (المصنف) (رحمه الله) ليس في محله من جهة توجّه المنع الى ما ادعاه من انه مع تقديمه لا يؤتى به الا على وجه التردّد و التزلزل لانه قد يكون على وجه الجزم بصحّته من جهة حكمه بصحة العقد الفارسي حتى من القادر و الإنصاف ان الجزم في ذلك بالنّسبة إلى عقد النّكاح مشكل من جهة ما سيجيء من ان الشّيخ (قدس سرّه) نفى الخلاف عن عدم صحة عقد النكاح بغير العربي في حقّ القادر عليه و نسبه العلامة (قدس سرّه) في كره إلى علمائنا و ان المحقق الثاني (رحمه الله) نفى عنه الريب ثمّ ان ما استشكله أخيرا من مطلق التكرير ساقط و الأمر فيه (حينئذ) سهل إذ غاية ما هناك ان يلغو الاحتياط المتأخر و هو لا يمنع من صحة ما اتى

به على طبق الفتوى و قد علم من جميع ما ذكرناه الحال فيما تعارف من تكرير الأفعال الواقعة في صيغ النكاح بتعديتها تارة بنفسها و اخرى بالحروف المناسبة لكلّ منها و امّا الثانية فبيانها انه لا بد من توجيه الخطاب الى المخاطب و إسماعه إيّاه على الوجه المتعارف فما قد يتّفق من المعاملة بالنيل الحادث في زماننا باطل بل لا بد من إصغاء المخاطب الى المتكلم بحيث يلتفت الى مفهوم كل كلمة برأسها حتى ينتهى المتكلم إلى أخر كلامه فيعقبه بالقبول كما انه لا بد من ان يعرف المتكلم معنى كل كلمة تجري في العقد فيقصد بها معناها و لا يكفى العلم بان المقصود من جميع الكلام المؤلف من الكلمات المتعددة هو المعنى و المقصد الفلاني و يتفرع على ما ذكر انه لو قال بعت هذا المتاع ممن اراده فقال غيره اشريت أو قبلت لم ينعقد البيع لعدم تحقق التّوجيه و كذا لو قال بعت أحدكما فقبل لأن أحدهما مبهم فلا يقبل تعلق الإنشاء الإيجادي به في حال صدوره و تحققه نعم يصحّ تعلق الإنشاء الطلبي بأحدهما المبهم المردد بان يكون مكلفا أو مكلفا به كما في الواجبات الكفائية و التخييرية و وجه صحته هناك انه يجيء التخيير بعد الطلب فيأتي من شاء منهما بالمأمور به أو يأتي المأمور المعيّن بما شاء من فردي المأمور به و هذا بخلاف الإنشاء الإيجادي الذي لا بد له من متعلق يقوم به في الواقع حال صدوره فافهم و امّا الثالثة فالقدر المتيقن الكافل بها هو اللفظ العربي الصحيح الصّريح الماضي المنجز المشتمل على الإيجاب من البائع و القبول المتأخر المتصل المطابق معنى من المشترى و هذا لا خلاف و لا اشكال فيه بل الإجماع بقسميه عليه و نصوص الكتاب و السنة شاملة له هذا بحسب الإجمال و اما بحسب التفصيل فقد ذكر (المصنف) (قدس سرّه) ان الكلام فيه يقع تارة في مواد الألفاظ و اخرى في هيئة كل من الإيجاب و القبول و ثالثة في هيئة تركيب الإيجاب مع القبول

قوله (رحمه الله) امّا الكلام من حيث المادة (فالمشهور) عدم وقوع العقد بالكنايات

أقول التقييد بقوله من حيث المادة يعطي ان الكناية من حيث الهيئة ممّا لا مانع منه و انه ليس محلّ البحث عند الفقهاء و ليس (كذلك) ففي (المبسوط) و عندنا ان قوله أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط فان نوى به الإيقاع في الحال فالأقوى ان تقول انه يقع به و قال بعضهم هو كناية انتهى و قال أيضا فإن قال أنت الطلاق فعندنا ليس بصريح و الكناية لا نقول

220

بها و عندهم على وجهين منهم من قال هو صريح و منهم من قال كناية انتهى أو معلوم ان الفرق بين قوله أنت طالق و بين أنت مطلقة أو أنت الطّلاق ليس الا بحسب الهيئة ضرورة اشتراكهما في المادة و له (قدس سرّه) غير ما ذكرناه من العبارتين في فصل ما يقع به الطلاق و ما لا يقع اكتفينا بهما عنها و عن الإيضاح في البحث عن صيغة الطّلاق ما لفظه إذا عين الزّوجة بلفظ يدلّ على الشخص و عقبه بطالق كقوله أنت طالق فهو صريح باتفاق الكل و القول بان لفظ الطّلاق و كل ما يشتق منه صريح ليس بصحيح لان لفظ الطلاق و بعض ما يشتق منه ليس بإنشاء بالضّرورة و كل ما هو صريح إنشاء انتهى و عنه ايضا لو قال أنت من المطلقات أو قال أنت مطلقة الأصحّ انه لا يقع و هو اختيار (المصنف) (رحمه الله) و الشّيخ (قدس سرّه) في (الخلاف) لانّه ليس بصريح لعدم الاشتهار في عرف الشرع فيه و لأنه إخبار لغة و النقل إلى الإنشاء خلاف الأصل و قال الشّيخ في (المبسوط) أنت مطلقة إخبار عما مضى فقط فان نوى به الإيقاع في الحال فالأقوى انه يقع به و هذا ليس بجيّد لان هذا اعتراف منه بأنه كناية هذا ما أهمّنا ذكره من كلامه و في (الروضة) في ذيل قول الشهيد (قدس سرّه) فلا يكفي أنت طلاق و لا من المطلقات و لا مطلقة و لا طلقت فلانة على قول مشهور لانه ليس بصريح فيه و لأنه اخبار و نقله إلى الإنشاء على خلاف الأصل فيقتصر فيه على موضع الوفاق و هو صيغ العقود فاطراده في الطلاق قياس و النص فيه دلّ على طالق و لم يدل على غيره فيقتصر عليه و منه يظهر جواب ما احتج به القائل بالوقوع و هو الشيخ (قدس سرّه) في أحد قوليه استنادا الى كون صيغة الماضي في غيره منقولة إلى الإنشاء هذا كلامه (قدس سرّه) و قال في كشف اللثام و لو قال أنت طلاق أو الطلاق أو من المطلقات أو مطلقة على راى وفاقا للشرائع و خلافا (للمبسوط) أو طلقت فلانة على راى وفاقا للشيخ كما نسب اليه و هو ظاهر التبيان و خلافا للمبسوط لم يقع لعدم التّصريح امّا طلاق و الطلاق فلانه مصدر و هي لا توصف بالمصدر إلا إذا تجوز به عن الصفة و امّا البواقي فلظهورها في الخبر و انّما يطلق في إنشاء الطّلاق مجازا و لعل الفرق بينهما و بين طالق بالنصّ و الإجماع و استصحاب قيد النّكاح و الاحتياط و الحصر في النّصوص في طالق و الا فالكل مشتركة في الكون حقيقة في الاخبار مجازا في الإنشاء و يمكن ان يكون السر في ذلك ان المطلقة بمعنى الموقع عليها الطّلاق و ظاهره تقدم الطّلاق على اللّفظ أو تأخره بخلاف طالق فإنه لازم و طلقتك ظاهره إيقاع الطّلاق عليها في الزمان الماضي لا الحال المناسب لإنشاء الطّلاق حكى في (ظاهر) عن العامة من ان الصّريح سرحتك و أنت مسرحة و فارقتك و أنت مفارقة و طلقتك و أنت مطلقة أو طالقة و قال عندنا ان قوله و أنت مطلقة إخبار عمّا مضى فقط فان نوى به الإيقاع في الحال فالأقوى أن يقول انه يقع به ثم قال إذا قال طلقتك نظرت فان قال نويت به الطّلاق وقع عندنا به الطّلاق و عندهم يكون ذكر النيّة تأكيدا فإن قال نويت بها الطلاق كان صريحا انتهى و يعضده ما يدل على وقوع الطّلاق بقوله نعم في جواب طلّقتها كما تعرفه الان فإنه أولى بالصّحة و مطلقة اولى بها من طلقت لكونها حقيقة في الحال دون الماضي و لعله الوجه في تخصيصهما بإيقاع الطلاق بهما هذا كلامه (رحمه الله) و إذ قد عرفت ذلك علمت أنه يسري الإشكال من هذا الباب الى استعمال صيغ العقود و الإيقاعات فإن هيئة الجملة الخبريّة مجاز في الإنشاء الّذي لا بد من استعمالها فيه و قصده بها كما هو (الظاهر) من مذهب الخاصّة و قد صرح به بعض الأفاضل و امّا ما حكى عن (القواعد) الشّهيد (قدس سرّه) من قوله و امّا صيغ العقود فالصّحيح أنها إنشاء حيث ينبئ عن الخلاف فإنّما هو في مقابل ما اتبعه به من قوله و قال بعض العامة بل هي اخبار عن الوضع اللغوي و الشرع قدم مدلولاتها قبل النّطق بها لضرورة تصديق المتكلم و الإضمار أولى من النقل و هو تكلّف انتهى و يندفع الاشكال بما أفاده العلامة (قدس سرّه) في (التهذيب) حيث قال في مباحث الحقيقة و المجاز اعلم ان من جملة المنقولات صيغ العقود فان (الشارع

) نقلها من الاخبار الى الإنشاء و إلا لزم الكذب أو مسبوقية كلّ صيغة بأخرى و يتسلسل و قال السّيد عميد الدّين (قدس سرّه) في شرحه ان صيغ العقود مثل بعت و أجرت و تزوجت منقولات شرعية فإنها كانت موضوعة لغة للاخبار فنقلها (الشارع) إلى الإنشاء امّا الأوّل فمتفق عليه و امّا الثاني فلأنّها لو لم تكن منقولات عن موضوعها لزم أحد الأمرين و هو اما الكذب أو كون كلّ صيغة مسبوقة بأخرى و يتسلسل الى غير النهاية و التالي بقسميه باطل فكذا المقدم أمّا الملازمة فلأنه إذا قال بعت فامّا ان لا يكون قبل هذه الصّيغة اخرى فيلزم الأوّل و هو الكذب إذ لا يتحقق بدون صيغة وفاقا و امّا ان يكون و يلزم التالي و هو (المشهور)؟؟؟ لأنا ننقل الكلام الى تلك الصّيغة السّابقة و ما قبلها الى غير النّهاية و امّا بطلان الأوّل فلان الكذب لا عبرة به فلا يترتب عليه حكم شرعيّ و امّا بطلان الثاني فممّا تبيّن في علم الكلام انتهى و لكن لا يخفى عليك ما فيه لانه لا يفيد تعيين النقل الشّرعي فإن المحاذير المذكورة كما ترتفع بنقل (الشارع) لها إلى الإنشاء (كذلك) ترتفع باستعمالها مجازا عرفا و شرعا في الإنشاء و بصيرورتها حقيقة فيه عرفا و بما عرفته عن بعض العامّة أيضا عن كونها اخبارا عمّا في الضّمير و العام لا يدلّ على الخاص مضافا الى ان الأصل عدم النقل و لا دليل على ثبوته بعد بطلان ما ذكر من الدليل فلا وجه للالتزام به و قال بعض المعاصرين في طي كلام له عند البحث عن انعقاد البيع بلفظ شريت ان (ظاهر) كلام كثير منهم اعتبار كونها من المنقولات الشرعية إلى الإنشاء المزبور أو من المنقولات اللغوية إليه أيضا و لو بان يكون قد استعمله أهلها في الإنشاء مع إمضاء (الشارع) لذلك و قد يعبر عن ذلك بالنقل الشّرعي بل لعله مراد الجميع و الا فلا يصحّ العقد بها و ان لم تكن مهجورة فيه ايضا هذا كلامه (رحمه الله) و لا يخفى ما في الالتزام بالنقل (مطلقا) مع كونه خلاف الأصل و عدم قيام الدليل و امتنع من ذلك دعوى تسمية النقل اللغوي الّذي أمضاه (الشارع) نقلا شرعيا خصوصا بالنّسبة إلى كلام الجميع هذا و قال الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في تمهيد (القواعد) صيغ العقود كبعت و اشتريت و الفسخ و الإلزامات كقول القاضي حكمت إخبارات في أصل اللّغة و قد يستعمل في الشرع ايضا (كذلك) فان استعملت لإحداث حكم كانت منقولة إلى الإنشاء عندنا و الفارق القصد و دلالة القرائن الحالية و المقالية و لو حصل الشّك في إرادة أحدهما فالأصل يقتضي بقاؤه على الاخبار و عدم نقله انتهى

قوله (قدس سرّه) قال في (التذكرة) الرابع من شروط الصّيغة الصّريح فلا يقع بالكناية بيع

(انتهى) اعلم انه قال في كره ما نصّه صيغة الإيجاب بعت أو شريت أو ملكت من جهة البائع و القبول من المشترى قبلت أو ابتعت أو اشتريت أو تملكت و لا يشترط الاتحاد

221

إجماعا فيقول البائع شريت فيقول المشترى تملكت ثم قال و يشترط أمور و ساق الكلام في ذكرها الى ان قال الرابع التّصريح فلا يقع بالكناية مع النيّة مثل أدخلته في ملكك أو جعلته لك أو خذه منى بكذا أو سلطك عليه بكذا (انتهى) و تمثيله (رحمه الله) للكناية بمثل قوله أدخلته في ملكك (انتهى) مع عدم كونه مجازا في البيع دون المجازات يعطي ان مراده بالصّريح ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا و من الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع فيفيد ارادة نفسه بالقرائن كما استظهره (المصنف) (رحمه الله) من جماعة لكن يتجه عليه (رحمه الله) (حينئذ) سؤال و هو انه بعد ما حصر صيغة الإيجاب في بعت أو شريت أو ملكت ينتفي غيرها رأسا كائنا ما كان فلا يبقى صيغة للإيجاب إلا هذه الثلاثة و هي أمور شخصيّة لا معنى لذكر الشرط لها لأنها ان لم تكن صريحة لم يكن لذكرها صيغا للإيجاب وجه فتعين انها صريحة و ليست أمورا كلية يتصف بعض أفرادها بالصّراحة و بعضها بعدمها حتى يحترز بذكر الشّرط عن فاقدها فيعود ذكر هذا الشرط لغوا و ان كان ذكر سائر الشّروط الّتي ذكرها ليست لغوا لعودها الى حالاتها كتقديم الإيجاب أو كونها على هيئة الماضي و الجواب ان ذكر الشرائط انما هو لصيغة الإيجاب مع قطع النّظر عن انحصارها في الثلاثة ثمّ ان الحصر فيها انّما هو من جهة اعتقاده بان عنوان الصّراحة لا يوجد الا فيها و لا ينطبق الا عليها و على هذا فلا يكون القول بكون صيغة الإيجاب عبارة عن الثلاثة المذكورة قولا في مقابل القول بأنه يعتبر في صيغة البيع لفظ موضوع لعنوان ذلك العقد غاية ما في الباب ان الأوّل مصداق للثاني فعده قولا في مقابله كما فعله بعض من تأخر لا وجه له و كذا عد القول بلزوم الاكتفاء بلفظ بعت في مقابل القول الثّاني كما فعله ذلك البعض ايضا لا وجه له نعم بعد اختيار القول بان العقد لا بدّ و ان يكون صريحا بالمعنى المذكور يكون لوقوع الخلاف في المصداق وجه بان يقول بعضهم ان اللّفظ الموضوع لعنوان البيع بحيث يستفاد من نفس اللّفظ الدلالة عليه انما هو خصوص لفظ بعت و يقول الأخر بل هو و لفظ شريت و يقول الثالث بل هما و لفظ ملكت و هكذا و للّه در (المصنف) (رحمه الله) حيث ساق الكلام أولا في العنوان الكلى المعتبر في صيغة البيع ثمّ عقبه بالكلام في المصاديق بقوله إذا عرفت هذا فلنذكر ألفاظ الإيجاب و القبول منها لفظ بعت (انتهى)

قوله (رحمه الله) و زاد في غاية المراد

(انتهى) ذكر فيها عند قول العلامة (قدس سرّه) في (الإرشاد) و لا ينعقد بالكناية ما نصّه يريد ان البيع لا ينعقد بالكناية عنه بغير اللّفظ المتفق عليه كبعت و ملكت و شبههما و مثال الكناية أن يقول أدخلته في ملكك أو جعلته لك بكذا أو خذه بكذا أو سلّطك عليه أو أعطيتك إياه بكذا فيقول المشتري أخذت به أو أمضيت أو تسلّطت انتهى و لعلّه أراد باللّفظ المتفق عليه ما كان متفقا عليه بين أهل التعارف فهم مطبقون على استعماله فيه و إرادته منه لان ذلك لان لكون اللّفظ موضوعا لعنوان البيع لا ما كان وقوعه به متفقا عليه بين الفقهاء لان ذلك مما لا مساس له بالصّراحة فيرجع الى ما استفيد من كلام العلامة (قدس سرّه) في كره بعد تفسير الصّراحة بما استظهره (المصنف) (رحمه الله) من جماعة هذا و اعلم ان الّذي يستفاد من كلام (المصنف) (رحمه الله) بعد التدبّر فيه ان في العنوان الكلى المعتبر في عقد البيع بل غيره من العقود أقوالا أحدها ان يكون صريحا بمعنى كونه موضوعا لعنوان العقد فيخرج المجازات و كذا الكناية الّتي هي ذكر اللازم و ارادة الملزوم و ان كان وقوعها لا على وجه المجاز كما فيما عرفت من مثل أدخلته في ملكك و غيره فإن الإعطاء بعوض أو الإدخال في ملك الغير بعوض و نحو ذلك ليست مجازات في البيع و انما هي عناوين منطبقة و صادقة عليه على حدّ انطباق الخاصّة المركبة على ذي الخاصّة كالطائر الولود للخفاش فإنه ليس موضوعا له بعنوانه الخاص لكنّه يصدق و ينطبق عليه لا على وجه الاستعمال المجازي فالكناية في كلامهم المذكورة في مقابل الصّريح ليست مستلزمة للمجازيّة و الصّريح بالمعنى المذكور يشتمل المشترك اللّفظي المقرون بالقرينة المعيّنة لصدق وضعه لعنوانه و يؤيّده انه لا خلاف في وقوع عقد البيع بلفظ بعت مع دعوى بعضهم انه لا خلاف في اشتراكه بين البيع و الشراء كما سيجيء انه من الأضداد ثانيها ان يكون حقيقة و يكون هذا التعبير احترازا عن المجازات و لهذا فرع عليه (المصنف) (رحمه الله) عند الإشارة إليه قوله فلا ينعقد بالمجازات حتّى صرّح بعضهم بعدم الفرق بين المجاز القريب و البعيد و لا يتأتى منه الاحتراز عما كان من أنواع غير الصّريح لا يندرج في عنوان المجاز كالاعطاء بالعوض أو الإدخال في ملك الغير و لكن الحقيقة بإطلاقها شاملة لما إذا كان من قبيل المشترك اللّفظي فلا يتأتى بها الاحتراز عنه و لعل القائل به يلتزم بجواز استعماله في العقد مع إحالة كيفية الاستعمال الى المتعارف بان يكون مقرونا بقرينة معيّنة كما في (الجواهر) عن مصابيح العلّامة الطّباطبائي انه لا خلاف بينهم في وضعهما للمعنيين فيصحّ استعمال كلّ منهما (حينئذ) في الإيجاب و القبول على الحقيقة ثم قال و لا يتمدح الاشتراك و الا لامتنع الإيجاب بالبيع و لا ظهورهما في أشهر معنييهما لوضوح القرينة المعيّنة لغيره و هي وقوع البيع من المشترى و الشراء من البائع انتهى كما أنها شاملة للمشترك المعنوي لكنّه إذا أريد البيع على وجه الخصوصيّة كان مجازا فيصحّ الاحتراز و إذا أريد المعنى العام لم ينعقد البيع لانّ العقود تابعة للمقصود و المفروض عدم القصد اليه على وجه الخصوص ثالثها انه يكفى كل لفظ له ظهور عرفي معتد به في المعنى المقصود فلا فرق بين قوله بعت و ملكت و بين قوله نقلت الى ملكك بكذا أو جعلته ملكا لك بكذا و هذا هو الّذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن جماعة و هذا يشمل الحقيقة المختصّة و المشتركة لفظا المقرونة بقرينة معينة و المشتركة معنى المقرونة بالقرينة المفهمة و المجازات الجارية على قانون الاستعمال الصّحيح التي منها استعمال الخاص في العام كاستعمال السّلف في مطلق البيع كما قيل فيجري فيه ما قيل في إطلاق المشفر على شفة الإنسان فافهم و يجوز ان يكون من استعمال المباين في المباين بعلاقة المشابهة رابعها التفصيل بين المجازات القريبة و البعيدة فيصحّ بالأولى كما يصحّ بالحقيقة بخلاف الثانية و هذا مما افاده المحقّق الثاني (قدس سرّه) في باب السّلف قال (رحمه الله) عند قول العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) و الأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم فيقول أسلمت إليك هذا الثّوب في هذا الدّنيا راى يقول ذلك البائع فيكون المسلم هو المبيع و المسلّم فيه هو الثّمن و وجه

222

القرب ان الإيجاب في البيع يصحّ بكل ما ادى ذلك المعنى المخصوص كما سبق صحته بملكتك كذا بكذا و لا ريب في انّ السّلم أقرب الى البيع من التّمليك لانه شائع في الهبة فإذا انعقد بالأبعد لتأدية المعنى المراد فبالاقرب إذا أداه أولى و يحتمل ضعيفا البطلان لان ذلك مجاز بالنّسبة إلى البيع الّذي ليس سلما و العقود اللّازمة لا تثبت بالمجازات و فيه منع لأنا قد بيّنا ان إيجاب البيع يصحّ بكلّ لفظ ادى ذلك المعنى كملكتك و هذا أقرب في التّأدية كما قلنا لا (يقال) فيصح بلفظ الخلع و الكناية لأنا نقول هذان لا يتأدّى بهما معنى البيع الا بتكلفات و قرائن أجنبيّة و هما حقيقتان في معنى أخر و مجاز في البيع من أبعد المجازات و المجاز لا ينعقد به البيع كما قررناه انتهى و قال في باب عقد النكاح في ذيل البحث عن وقوعه بلفظ متعتك ما لفظه و قد سبق في البيع ان الأصحّ وقوعه حالا بلفظ السّلم و ذكرنا توجيهه هناك و بينا ان عدم الصّحّة انّما هو مع استعمال الألفاظ المجازية الأجنبيّة و هذا أقوى انتهى خامسها انه يصحّ العقد بالحقائق و بالمجازات الّتي قرائنها ألفاظ مستعملة في معانيها الحقيقيّة حتى انها صارت سببا لإفادة المجازات لمعانيها و بالمشترك اللّفظي أيضا إذا كانت قرينة المعيّنة للمعنى المراد لفظا مستعملا في معناه الحقيقي و لا يصحّ بغير ذلك من المجاز و المشترك اللّفظي اللّذين قرينتهما من قبيل القرائن الحالية و الأمور العقليّة و مثلهما المشترك المعنوي و هذا هو الّذي رجحه (المصنف) (قدس سرّه) و حمل كلام القائلين باعتبار الحقيقة دون المجاز على ما هو أعمّ من ان يكون الدال ابتداء على معنى العقد هو اللّفظي الحقيقي و ان يكون أمر الدلالة ينتهى اليه بأن يكون قرينة و السر في التّرجيح ان المناط هو اعتبار الدلالة اللفظيّة المعتد بها عرفا في العقود و كما ان دلالة الحقيقة الواحدة على معناها بالظّهور المعتد به (كذلك) دلالة المجاز الّذي قرنيته لفظ مستعمل في معناه الحقيقي و دلالة المشترك اللّفظي الّذي قرينة موصوفة بالوصف المذكور و امّا المجاز و المشترك اللّفظي المقرونان بالقرائن الغير اللّفظيّة فهما و ان كانا ظاهرين معتبرا ظهورهما الا ان ظهورهما ليس من ظهور الدلالة اللّفظية و قد عرفت ان المعتبر انّما هي الدلالة اللّفظيّة و الظهور اللّفظي و هذا هو الّذي ذكره (المصنف) (قدس سرّه) بقوله و لعل الأحسن منه ان يراد (انتهى) و حكى بعض مشايخنا قولا سادسا و هو التفصيل في قرائن المجازات بين اللّفظ الحقيقي و غيره بعد التفصيل بجواز المجاز القريب و عدم جواز المجاز البعيد ففصل في المجاز الغريبة بين ما لو كانت قرينته لفظا حقيقيّا و بين ما كانت غيره فلا يجوز و لكنا لم نجد به قائلا و سئلنا الحاكي فلم يعرفه

قوله و المراد بالصّريح كما يظهر من جماعة من الخاصّة و العامة في باب الطلاق و غيره ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد لغة أو شرعا و من الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع فيفيد ارادة نفسه بالقرائن و هي عندهم على قسمين خفية و جلية

اعلم انه قد اختلف كلمات الفقهاء في تفسير الصّريح و الكناية التي جعلت مقابلة له على وجوه أحدها ان الكناية ما يتوقف وقوع معناه على النية و يقابله الصّريح و هو ما لا يتوقف وقوع معناه على النيّة و هو ظاهر كلام السّيّد (رضي الله عنه) في الانتصار في مقام الحكاية عن العامة و ظاهره (رحمه الله) انه لم يخالفهم في الاصطلاح قال في الانتصار و ممّا انفردت به الإماميّة ان الطلاق لا يقع الا بلفظ واحد و هو قوله أنت طالق و لا يقع بفارقتك و سرحتك و لا باعتدى و حبلك على غاربك و خلّية و برّية و بتة و بتلة و كل لفظ عدا ما ذكرناه و اختلف الفقهاء في ألفاظ الطلاق فقال أبو حنيفة لفظ الطّلاق الصّريح ما تضمّن الطّلاق خاصّة و الباقي كنايات و يقع الطّلاق بها مع النيّة و قال الشافعي صريح الطّلاق ثلاثة ألفاظ الطّلاق و الفراق و السراح و باقي الألفاظ كنايات لا يقع بها الطّلاق الا مع مقارنة النية لها و يقع مع ذلك ما ينويه و قسم الكنايات الى قسمين ظاهرة نحو قوله خلية و برية و بتة و باين و بتلة و حرام و الكنايات الباطنة نحو قوله اعتدى و استبرئى رحمك و تقنعي و حبلك على غاربك الى ان قال و الحجّة لما نذهب اليه بعد إجماع الطّائفة ان الطلاق يتبعه حكم شرعي لا يثبت إلا بأدلّة الشّرع و لا خلاف في وقوعه باللّفظة الّتي ذكرناها و ما عداها من الألفاظ لم يقم دليل على وقوعه بها فيجب نفى وقوعه لان الحكم الشرعي لا بد من نفيه إذا انتفى الطّريق اليه و أيضا فإن ألفاظ القران كلها واردة بلفظ الطّلاق مثل قوله (تعالى) يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ و ما أشبه ذلك و طلّقتم مشتق من لفظ الطّلاق دون غيره من الألفاظ فينبغي ان لا يتعلق الحكم الا بهذا اللّفظ فان قيل معنى طلقتم فارقتم و الفراق قد يكون بألفاظ مختلفة قلنا هذا خلاف (الظاهر) لان لفظ طلقت مشتق من حدث فيه طاء و لام و قاف كما ان ضرب مشتق من حدث فيه ضاد و راء رباء و من فعل ما فيه معنى الضّرب لا (يقال) ضرب و (كذلك) لا (يقال) فيمن فعل ما فيه معنى الطّلاق طلق فان قيل لفظة الطّلاق شرعية قلنا معاذ اللّه هذه لفظة لغوية معروفة في خطاب أهل اللغة و انّما يتبعها أحكام شرعيّة لا تعرف في اللّغة انتهى و الغرض من ذكر هذا الكلام انهم أعني العامّة أرادوا بالصّريح ما لا يتوقف وقوع الطّلاق به على النيّة و بالكناية ما يتوقف وقوعه به على النيّة و ان اختلفوا في تعيين الصّريح فقصره أبو حنيفة على ما اشتمل على مادة الطّلاق و جعله الشافعية ثلثه و ان السّيّد (رضي الله عنه) لم يخالفهم في الاصطلاح و ان خالف بعضهم في الحكم مستندا الى ما هو تقرير للاصطلاح و ليس فيه نفى له و ان كان أصل كلام السيّد (رضي الله عنه) لا (يخلو) عن المناقشة خصوصا قوله و من فعل ما فيه معنى الضّرب لا (يقال) ضرب فإنه ممّا لا نعقل معناه و الحاصل انهم ذكروا ان الكناية ما يحتاج إلى النيّة و لا يخفى انه ليس ملازما لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من عدم كون اللّفظ موضوعا لعنوان العقد ضرورة وضعه له و ان وضع لغيره ايضا و الوضع للغير لا يقتضي عدم صدق كونه موضوعا لعنوان العقد و هو ظاهر و انّ الصّريح ما لا يحتاج إلى النيّة و هو أخصّ من اللّفظ الموضوع لعنوان العقد لان من الموضوع لعنوان العقد ما هو مشترك بينه و بين غيره و لا يصدق عليه انّه لا يحتاج إلى النيّة و الغرض تقرير الاصطلاح و الا فالحكم اعنى وقوع العقد بغير نيّته مما لا نقول به و أوضح من ذلك عبارة الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) حكاية عن بعضهم حيث قال صريح الطّلاق عندنا لفظة واحدة و هو قوله أنت طالق أو هي طالق أو فلانة طالق و يحتاج إلى مقارنة

223

النيّة له فان تجرّد عن النيّة لم يقع به شيء و لا يقع بشيء من الكنايات طلاق نوى أو لم ينو بحال و قال بعضهم صريح الطّلاق ما وقع الطلاق بمجرّده من غير نيّة و الكناية ما لا يقع الطّلاق إلا بنيّة انتهى ما أهمنا ذكره من كلامه ثانيها ان الكناية ما كان محتملا لغير المقصود و يقابله الصّريح فهو ما لم يكن محتملا لغير المقصود قال في (المسالك) الكناية في الطّلاق هي اللّفظ المحتمل للطلاق و غيره كاطلقك و أنت خلية و برية و بائن و نحو ذلك و يقابله الصّريح و هو ما لا يحتمل ظاهره غير الطّلاق و هو عند العامة لفظ الطّلاق و السّراح و الفراق و ما اشتق منها و أطبقوا على وقوعه بالكناية مع نية الطلاق و أطبق أصحابنا على عدم وقوعه به (مطلقا) حتى بجميع ألفاظ الكناية و لكن اختلفوا في كلمات مخصوصة هي من جملتها و قد تقدم بعضها و سيأتي منها بعض أخر و الفرق بينها و بين غيرها لا (يخلو) عن تكلف انتهى و فيها عند قول المحقق (قدس سرّه) و لو قال خلية أو برية (انتهى) هذه الكلمات كلها كنايات عن الطّلاق و ليست صريحة فيه لاحتمالها له و لغيره فإنه يحتمل ان يكون خلية من شيء أخر غير النكاح أو برية (كذلك) إلى أخر الألفاظ فلذلك لم يقع بها الطّلاق عند أصحابنا خلافا للعامة اجمع حيث حكموا بوقوعه بها مع نيته هذا ما أهمّنا من كلامه (رحمه الله) و في (الجواهر) لا يقع الطلاق بالكناية عندنا التي هي اللفظ المحتمل للطلاق و غيره و ان أريد به بلا خلاف أجده بل الإجماع بقسميه عليه انتهى ثمّ ان احتمال اللّفظ الّذي أريد به البيع مثلا على ما هو عنوان البحث هنا لغير ما أريد به قد يكون من جهة كون اللّفظ مجازا في البيع قد استعمل فيه لفظه على وجه التجوز و قد يكون من جهة كون اللفظ قد استعمل في اللازم لينتقل منه الى الملزوم الذي هو البيع فيكون احتماله لغيره من جهة كون اللازم هو المقصود بالذات أو كونه قد استعمل في عنوان عام من حيث انطباقه على البيع نظير استعمال رجل في جائني رجل فلا يكون اللفظ مستعملا في البيع على هذين الوجهين فلا يكون استعماله على وجه التجوّز و قد يكون من جهة كون اللّفظ مشتركا بينه و بين غيره فالمراد و ان كان هو البيع الا انه محتمل لغيره من حيث كونه موضوعا لكل منهما على وجه الاستقلال و الانفراد و هذا التّعريف للكناية و ان كان هو و ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن الجماعة من كون اللّفظ غير موضوع لعنوان العقد يتصادقان فيما عدا القسم الأخير إلا أنّهما يفترقان فيه فإنه و ان كان يصدق على المشترك انه محتمل لغير المعنى المقصود لكنه لا (يقال) عليه انه لم يوضع لعنوان العقد ضرورة كون وضعه له أحد الوضعين و كذا يفترق التّعريفان للصّريح في المشترك لانه لا يصدق عليه انّه غير محتمل لمعنى المراد لاحتماله له من حيث كونه أحد معنييه و يصدق عليه انه قد وضع لعنوان العقد ثالثها ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) نقلا عن ظاهر الجماعة من ان الكناية ما أفاد لازم ذلك العقد بحسب الوضع و أفاد إرادة نفس ذلك العقد بالقرائن و يقابلها الصّريح فهو ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد و لم أجد من صرّح بهذا التعريف و اعترف (المصنف) (رحمه الله) بكونه ظاهر جماعة و لم تدع صراحة كلماتهم في ذلك لكن (الظاهر) من مع صد ذلك قال في كتاب النّكاح محتجا للقول بانعقاد عقد النكاح بلفظ متعت ما لفظه لأن المتعة من ألفاظ النّكاح لكونه حقيقة في النكاح المنقطع فهو من الألفاظ الصّريحة في النّكاح و كون الأجل جزء من مفهومه فيكون استعماله في النكاح الدّائم مجازا غير قادح لان هذا القدر من التفاوت لونا في لم يصحّ الدّائم بلفظ زوّجتك لان الزواج حقيقة في القدر المشترك بين الدّائم و المنقطع و استعماله في الدّائم استعمال له في غير موضوعه فان قيل الدّائم لا يستفاد من قوله زوّجتك بل من تجريد العقد عن ذكر الأجل مع ارادة الدّوام قلنا فان كان هذا كافيا من دون اللّفظ في إفادة الدّائم فليكن مثله مع الإيقاع بلفظ متعتك هذا كلامه (رحمه الله) و ذلك لان تفريع كون لفظ متعت من الألفاظ الصّريحة في النكاح على كونه حقيقة في النكاح المنقطع يعطى دوران الصّراحة مدار الوضع للعنوان و لكن لا يخفى ان مراد (المصنف) (رحمه الله) بما حكاه من الوضع للعنوان ان كان هو الإشارة إلى مثل هذا الكلام

الّذي عرفته من المحقق الثاني (قدس سرّه) فلا بد من ان يكون أعم من الوضع له بخصوصه و من الوضع لما هو أخص دون ما هو أعم منه و ذلك لان العام يلحظ في الوضع للخاص تفصيلا بخلاف الخاص فإنه لا يلحظ عند الوضع للعام و انّما قلنا انه لا بدّ من التعميم لان متعت موضوع للنكاح المقيّد بالزمان كما صرّح به و بعدم منافاته و من هذا الباب يصحّ استعمال لفظ السّلم في مطلق البيع كما اختاره هو (رحمه الله) و جماعة بخلاف مثل استعمال نقلته إليك في البيع ثمّ ان كون هذا التعريف ناظرا الى نفس القول المستعمل في الإنشاء من دون ضمّ ضميمة إليه ظاهر لانه اعتبر فيه الوضع لعنوان العقد و هو انّما يلاحظ بالنّسبة إلى المفرد دون المركب الملتئم من ألفاظ متعددة بعضها يصير قرينة للمراد بالاخر و (الظاهر) ان المراد بالتّعريفين الأولين أيضا ذلك فمراد القائل بالأوّل ان الصّريح هو القول الّذي استعمل في إنشاء العقد بحيث يكون مفيدا للعقد بدون النيّة لا ما يعم الملتئم منه و من متعلّقاته و كذا المراد بنفي الاحتمال في التعريف الثاني لكن اعتبار هذا الشّرط في الفرد الكافل بحاق معنى العقد مما يطالب مدعيه بالدّليل كما ان تجويز إنشاء البيع بلفظ ملكتك يصير نقضا للمدّعي لأن التمليك بنفسه مع قطع النظر عن متعلقاته أعم من البيع و الإجارة و غيرهما و ان أريد الأعم من انتفاء الاحتمال بحسب أصل مادة الفعل المستعمل في إنشاء العقد و انتفائه بحسب انضمام القرائن اتجه الاشكال من جهة تجويز عقد البيع بلفظ ملكتك دون أدخلته في ملكك هذا و يمكن إرجاع التعاريف كلها الى معنى واحد و هو كون اللّفظ الّذي أنشئ به العقد بنفسه موضوعا من قبيل متحدا المعنى و بنفي الاحتمال نفيه عنه بخصوصه و بصحة إيقاع العقد به بغير نيّة كونه بحيث يصحّ افادته للمعنى المقصود و ان لم يكن نية فافهم ثمّ انه يبقى في المقام شيء و هو ان مقتضى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من التعريف للصّريح و هو ما كان موضوعا لعنوان ذلك العقد يشمل مثل صيغة المضارع المستعملة في إيقاع البيع أو الطلاق أو غيرهما مثل أبيعك أو أطلقك أو أنكحك و غير ذلك ضرورة انها موضوعة لعنوان العقد و كذا الحال في مثل طلقتك

224

بصيغة الماضي و لا يسرى هذا الإشكال إلى ظاهر قول الشّهيد الثاني (رحمه الله) من ان الكناية في الطلاق هي اللّفظ المحتمل للطّلاق و غيره كقوله أطلقك و أنت خلية (انتهى) لانّ التمثيل بلفظ أطلقك قرينة على ان المراد بالطّلاق في قوله المحتمل للطّلاق هو إنشاؤه على الوجه الصّحيح و قد تهدم؟؟؟ تمام الكلام عند قول (المصنف) (قدس سرّه) امّا الكلام من حيث المادة (فالمشهور) عدم وقوع العقد بالكنايات

قوله و الّذي يظهر من النّصوص المتفرقة في أبواب العقود اللّازمة و الفتاوى المتعرضة لصيغها في البيع بقول مطلق و في بعض أنواعه و في غير البيع من العقود اللازمة الاكتفاء بكل لفظ له ظهور عربي معتد به

(انتهى) قد ذكرنا جملة من الاخبار المتعلّقة بالبيع عند استظهار (المصنف) (رحمه الله) في باب المعاطاة اناطة اللّزوم باللّفظ الدّال على المقصود سواء كان من قبيل الصّيغة الخاصّة أم غيرها و من جملة ما ورد في غير البيع ما في الوسائل في كتاب الصّلح عن محمّد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) انّه قال في رجلين كان لكلّ واحد منهما طعام عند صاحبه و لا يدرى كل واحد كم له فقال كلّ واحد منهما لصاحبه لك ما عندك و لي ما عندي فقال لا بأس بذلك إذا تراضيا و طابت أنفسهما و عن الحلبي عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في رجلين اشتركا في مال فربحا فيه و كان من المال دين و عليهما دين فقال أحدهما لصاحبه أعطني رأس المال و لك الربح و عليك التوى فقال لا بأس إذا اشترطا فإذا كان شرط يخالف كتاب اللّه فهو رد الى كتاب اللّه و في كتاب المساقات عن يعقوب بن شعيب عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال سئلته عن رجل يعطى الرّجل أرضه و فيها ماء أو نخل أو فاكهة و يقول اسق هذا من الماء و أعمره و لك نصف ما اخرج اللّه عز و جلّ منه قال لا بأس

قوله (قدس سرّه) و حكاه في (المسالك) عن بعض مشايخه المعاصرين

و يظهر منه الميل اليه من جهة مساعدة الدّليل عليه قال (رحمه الله) عند قول المحقق (قدس سرّه) و لا يكفى التقابض من غير لفظ هذا هو (المشهور) بين الأصحاب بل كاد يكون إجماعا غير ان ظاهر كلام المفيد (قدس سرّه) يدل على الاكتفاء في تحقق البيع بما دل على الرّضا به من المتعاقدين إذا عرفاه و تقابضاه و قد كان بعض مشايخنا المعاصرين يذهب الى ذلك ايضا لكن يشترط في الدال كونه لفظا و إطلاق كلام المفيد أعم منه و النّصوص المطلقة من الكتاب و السنّة الدالة على حل البيع و انعقاده من غير تقييد بصيغة خاصة يدل على ذلك فانا لم تقف على دليل صريح في اعتبار لفظ معيّن غير ان الوقوف مع (المشهور) أجود انتهى و قد استفيد منه مضافا الى ما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) من نقل القول بكفاية كل لفظ أفاد معنى البيع أمور ثلثه ميله الى هذا القول و ان (المشهور) خلافه و ان الدليل عليه هو عمومات الكتاب و السنة بعد المنع من كون ألفاظ العقود توقيفية لكن هذا الاستدلال انّما يتم على تقدير القول بكون قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و غيرهما من العمومات الثابتة في الشرع مبنية و (حينئذ) فيؤخذ بإطلاقها نظرا الى صدق البيع و العقد على التعاهد و البيع بالصيغة اى صيغة كانت كما هو مذاق جماعة و امّا على تقدير الالتزام بإجمالها فلا يبقى إلا الأخذ بالقدر المتيقّن و هو اللّفظ الموضوع لعنوان العقد المخصوص و سيجيء الكلام على كون العمومات مجملة أو مبنية و على تشخيص مصداق اللّفظ الموضوع لعنوان البيع (إن شاء الله) (تعالى)

قوله (رحمه الله) بل هو ظاهر العلامة (قدس سرّه) في (التحرير) حيث قال ان الإيجاب هو اللفظ الدّال على النقل مثل بعتك أو ملكتك أو ما يقوم مقامهما

أورد عليه بعض من تأخر بأنّ هذه العبارة لا دلالة لها على جواز العقد بكل لفظ مفيد لمعنى البيع لان لفظة ما يقوم مقامهما لعله إشارة إلى خصوص شريت قال و نلتزم في عبارة من ذكر بعت و شريت و عطف عليهما لفظ نحوهما أو شبههما أو ما قام مقامهما بان المراد من المعطوف لعله خصوص ملكت كما انا نلتزم في عبارة من ذكر الثلاثة و عطف عليها نحوها أو شبهها أو ما قام مقامها على ان المراد بالمعطوف خصوص لفظ السّلف مثلا بالنّسبة إلى مورده المختص به و لفظ التولية بالنّسبة إلى موردها المختص بها و حكى تفسير العبارات المذكورة بما ذكر عن مفتاح الكرامة و ارتضاه و أنت ان كنت ممن له معرفة بأساليب الكلام علمت ان شيئا منها ليس بشيء امّا ما ذكره بالنّسبة إلى عبارة (التحرير) فلانه قال فيه أولا ان الإيجاب هو اللّفظ الدال على النقل و هي قضية مطلقة شاملة لكل ما دل على النقل ثم عقبه بلفظ مثل المضاف الى بعتك أو ملكتك المفيد لكون المذكور من باب المثال دون الحصر ثم عقب ذلك بعطف ما يقوم مقامهما و هو كلى ظاهر في الإطلاق يحتاج تقييده الى دليل و عند اجتماع الظهورات المذكورة و تراكمها تصير العبارة صريحة لا يجوز صرفها عمّا هي عليه من الصراحة و امّا ما ذكره بالنّسبة إلى الثانية فلان لفظ نحوهما أو ما قام مقامهما مطلق و لا وجه لصرفه عن ظاهره مع انه كان يمكن لصاحب العبارة ان يبدله باللّفظ الخاص الّذي هو ملكت مع عدم تطويل في العبارة و امّا ما ذكره بالنّسبة إلى الثالثة فلأنّه يتجه عليه مضافا الى ما ذكرناه في الثانية انّ السّياق يعطى ارادة ما يقوم مقامها في إفادة وقوع مطلق البيع لا نوع خاص منه و هو التولية أو السّلف بل ذلك مما لا تذهب إليه الأوهام و لا تدركه الافهام فان قلت لعل المراد بالمعطوف انّما هي إشارة الأخرس و نحوه ممّن كان عاجزا قلت هذا و ان كان ممّا قد يتخيّله بعض القاصرين من الطلبة الا ان فساده عند من له أدنى انس بمساق العبارات كنار على علم لان الكلام انّما هو في الصّيغة و ليست الإشارة من جنسها و لا يتساق الذّهن إليها من عطف لفظ نحوه و لهذا يصرحون بعد بيان الصّيغة بقولهم و لا تكفي الإشارة إلا مع العذر أو بقولهم و لو تعذر اللّفظ كفت الإشارة و نحو ذلك فان قلت لعل المراد بما يقوم مقامها هو ما يراد فها من سائر اللغات قلت هو في غاية البعد لأن كفاية غير العربية من الأحكام الّتي تستحق التّصريح بها فافهم

قوله بل ربما يدعى انّه ظاهر كل من أطلق اعتبار الإيجاب و القبول فيه من دون ذكر لفظ خاص كالشيخ (قدس سرّه) و اتباعه فتأمل

أقول الأمر بالتّأمل للإشارة الى ان من ذكر اعتبار الإيجاب و القبول و لم يقيدهما بصيغة خاصّة لم يقصد سوق الكلام مساق الإطلاق حلي يجوز العقد بكل ما يصدق عليه انه إيجاب و قبول و انما قصد سوقه لبيان الجنس و انه لا بد في انعقاد البيع من تحقق هذا الجنس و امّا ان اى نوع منه معتبر في انعقاده فهو موكول الى الخارج و الى ما قرر بين أهل الصّناعة و يترجح في نظري أن أذكر لك واحدة من عبارات الجماعة الّذين أطلقوا في المقال حتى تكون انموزجا تهتدي به الى حقيقة الحال و هي عبارة الغنية فإنه قال فيها امّا شروطه فعلى ضربين أحدهما شرائط صحّة انعقاده و الثاني شرائط لزومه فالضّرب الأوّل ثبوت الولاية في المعقود عليه و ان يكون معلوما مقدورا على تسليمه منتفعا به منفعة مباحة و ان يحصل الإيجاب من البائع و القبول

225

من المشترى من غير إكراه و لا إجبار إلا في موضع انتهى ما أهمنا ذكره و مثله كلام الشّيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) الا انه ساقه لغرض أخر و هو عدم الفرق بين تقدّم الإيجاب أو تأخره قال عقد النكاح ينعقد بالإيجاب و القبول سواء تقدم الإيجاب كقوله زوّجتك بنتي فقال قبلت النكاح أو تأخر الإيجاب كقوله زوّجني بنتك فقال زوّجتك بلا خلاف فامّا البيع فان تقدّم الإيجاب فقال بعتك فقال قبلت صحّ بلا خلاف و ان تقدّم القبول فقال بعنيه بألف فقال بعتك صحّ الأقوى عندي انه لا يصحّ حتى يقول المشترى بعد ذلك اشتريت انتهى

قوله و قد حكى عن الأكثر تجويز البيع حالا بلفظ السّلم

أقول انعقاد البيع حالا بلفظ السّلم مما ذهب اليه المحقق (رحمه الله) و العلّامة (قدس سرّه) في (القواعد) و (التذكرة) و المحقق الثاني (قدس سرّه) في (جامع المقاصد) بل حكاه الشّهيد الثاني (رحمه الله) عن الأكثر مبينا سنده بما يصلح شاهد الغرض (المصنف) (رحمه الله) الّذي هو بصدد إثباته و هو الحاكي الّذي أشار إليه (رحمه الله) قال في لك عند قول المحقق (قدس سرّه) و هل ينعقد البيع بلفظ السّلم يقول أسلمت إليك هذا الدينار في هذا الكتاب الأشبه نعم اعتبارا بقصد المتعاقدين وجه الأشبه ان البيع يصحّ بكل ما ادى ذلك المعنى المخصوص و السّلم نوع من البيع اعتبره (الشارع) في نقل الملك فجاز استعماله في الجنس مجازا تابعا للقصد و لأنه إذا جاز استعماله لما في الذمّة المحتمل للغرر كان مع المشاهدة ادخل لأنه أبعد من الغرر إذ مع المشاهدة يحصل العلم أكثر من الوصف و الحلول يتيقن معه إمكان التسليم و الانتفاع به بخلاف الأجل فكان أولى بالصّحة و لان البيع ينعقد بملكتك كذا بكذا على ما ذكره بعض الأصحاب و لا ريب ان السلم أقرب الى حقيقة البيع من التمليك المستعمل شرعا استعمالا شائعا في الهبة فإذا انعقد بالأبعد لتأديته المعنى المراد فالأقرب إذا أداه أولى و هذا هو اختيار الأكثر و وجه العدم ان لفظ السلم موضوع حقيقة للنّوع الخاص من البيع فاستعماله في غير ذلك النوع مجاز و العقود اللازمة لا تثبت بالمجازات و لان الملك انّما ينتقل بما وضعه الشّارع ناقلا و لم يثبت جعل (الشارع) هذا ناقلا في موضع النزاع ثم قال و الحق انا ان قلنا باختصاص البيع بما يثبت شرعا من الألفاظ لم يصحّ هنا و ان جوزناه بكل لفظ دل صريحا على المراد صحّ لان هذا اللّفظ مع قصد البيع صريح في (المطلق) و كلام الأصحاب في تحقيق ألفاظ البيع مختلف و القول بعدم انعقاد البيع بلفظ السّلم لا (يخلو) من قوة و على القول بالصّحة فيما ذكره (المصنف) (رحمه الله) لو جعل متعلق البيع عينا موصوفة بصفات السلم حالا كان أولى بالصّحة لأنه أقرب الى السّلم و انما يخالفه بالأجل و على المنع يحتمل الصحّة هنا و الأقوى الصّحة في الموضعين انتهى و هنا أمر ينبغي التنبيه عليه و هو ان العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) قال في الفصل الأوّل و لا بد من الصّيغة الدالة على الرّضا الباطن و هي الإيجاب كقوله بعت و شريت و ملكت و القبول و هو اشتريت أو تملكت أو قبلت و قال في مبحث السّلم و الأقرب انعقاد البيع بلفظ السلم فيقول أسلمت إليك هذا الثّوب في هذا الدّينار انتهى و قال في كره في الفصل الثاني من كتاب البيع ما نصّه صيغة الإيجاب بعت أو شريت أو ملكت من جهة البائع و القبول من المشترى قبلت أو اتبعت أو اشتريت أو تملكت و قال في مبحث السلم منها ما لفظه و كما ينعقد السلم بلفظ البيع كذا الأقرب العكس فلو قال أسلمت إليك هذا الثوب و بعينه في هذا الدينار انعقد بيعا نظرا الى المعنى لا الى لفظ السّلم فلا يجب التقابض في المجلس (حينئذ) و لا يكون هذا سلما إجماعا و للشافعية قولان في انعقاده بيعا نظرا الى المعنى فينعقد و يحتمل عدم الانعقاد لاختلال اللّفظ انتهى فالكلامان متناقضان خصوصا عبارتي كره فإن عبارة (القواعد) في بيان الصّيغة لا تأبى من الحمل على المثال من جهة وجود الكاف في كقوله و ذلك لان الإيجاب ان كان عبارة عن الألفاظ الثلاثة المذكورة منحصرا فيها فكيف جاز إيقاع عقد البيع بلفظ السّلم و الا فلا وجه للحصر و لا يبقى مناص الا بان (يقال) ان كل ما أفاد معنى الصّيغ الثلث المذكورة يجرى عليه حكمها من حيث انعقاد البيع بها بدلالة قوله نظرا الى المعنى لا الى لفظ السّلم و على هذا يصير كلام العلامة (قدس سرّه) أيضا مؤيّدا لما أراد (المصنف) (رحمه الله) إبرامه من اكتفائهم باللّفظ المفيد لمعنى البيع و ان لم يكن من الألفاظ الخاصة فافهم

قوله (رحمه الله) و قد صرّح جماعة أيضا في بيع التولية بانعقاده بقوله وليتك العقد أو وليتك السّلعة

أقول ممّن صرّح بذلك المحقق (قدس سرّه) في (الشرائع) و العلامة (رحمه الله) في (القواعد) و (التذكرة) قال في الأخيرة التولية نوع من البيع و هو ان يخبر برأس المال و يبيعه به من غير زيادة و لا نقصان و لا خلاف في جوازه و عبارة الإيجاب بعتك و وليتك فيقول قبلت فإذا اشترى شيئا ثم قال لغيره وليتك هذا العقد جاز و يشترط قبوله في المجلس على قاعدة التخاطب بان يقول قبلت أو توليت و يلزمه مثل الثمن الأوّل جنسا و قدرا و وصفا و يجب العلم به للمتعاقدين حالة العقد و هو شرط في صحته لا ذكره فلو لم يعلم برأس المال أحدهما أو كلاهما بطل لأن الجهالة في الثمن أو المثمن مبطلة و لو لم يعلمه المشترى أعلمه البائع أولا ثم ولّاه العقد انتهى و في لك ان أوقع بلفظ وليتك جعل مفعوله العقد و اقتصر عليه و لو قال وليتك السّلعة احتمل الاجزاء انتهى و لكن لا يخفى عليك انّه لا دلالة لما ذكروه على ما رام (المصنف) (رحمه الله) الاستشهاد به عليه من جواز إيقاع صيغة البيع بكلّ لفظ مفيد لمعناه لان التولية نوع خاص ثبت فيه لفظ خاص كالسلف في نوع منه و لا يلزم من ثبوته في نوع جريانه في غيره من الأنواع حتى يصدق بالنّسبة الى ذلك الغير انه تأدى بغير اللّفظ الموضوع له نعم لو كانوا قائلين بأنه يجوز صيغة مطلق البيع بلفظ وليتك أو كان (المصنف) (قدس سرّه) قد استشهد بكلام المحقّق (رحمه الله) في (الشرائع) حيث قال و اما التولية فهي ان يعطيه المتاع برأس ماله من غير زيادة فيقول وليتك أو بعتك أو ما شاكله من الألفاظ الدّالة على على النقل انتهى كان متجها امّا الأول فلتادى مطلق البيع بلفظ التولية المختصّة بخصوص نوع منه و امّا الثاني فلتادّى بيع التّولية الذي هو من العقود اللازمة بما شاكل اللّفظين من الألفاظ الدالة على النقل الا ان (يقال) ان المراد بذلك ما شاكل اللفظين في الدلالة على النقل الخاص الّذي هو في ضمن البيع بصيغة كشريت و ملكت على قول من قال بوضعهما لذلك و لهذا قيد في (الجواهر) النقل في عبارة المحقق بقوله الذي هو بيع

قوله و التشريك في المبيع بلفظ شركتك

قال في (الروضة) و التشريك جائز و هو ان يجعل له فيه نصيبا بما يخصه من الثّمن بان يقول شركتك بالتضعيف بنصفه بنسبة ما اشريت مع علمهما بقدره و يجوز تعديته بالهمزة و لو قال أشركتك بالنّصف كفى و لزمه نصف مثل الثمن و لو قال أشركتك في النّصف كان له الرّبع الا ان يقول بنصف الثمن فيتعين النّصف و لو لم يبين الحصة كما لو قال في شيء منه أو أطلق بطل للجمل بالمبيع و يحتمل حمل الثاني على التنصيف و هو اى التشريك في الحقيقة بيع الجزء المشاع برأس المال لكنه يختص عن مطلق البيع بصحته بلفظه انتهى

226

و أنت خبير بأنّه لا شهادة لوقوع التشريك في المبيع بلفظه على ما رامه (المصنف) (رحمه الله) من جواز وقوع البيع بكلّ ما أفاد معناه من الألفاظ

قوله (رحمه الله) و عن لك في مسئلة تقبيل أحد الشّريكين في النّخل حصة صاحبه بشيء معلوم من الثمرة ان ظاهر الأصحاب جواز ذلك بلفظ التقبيل مع انه لا يخرج عن البيع أو الصّلح أو معاملة ثالثة لازمة عند جماعة

اعلم ان أصل موضوع التّقبيل عبارة عن ان يكون بين اثنين نخل أو شجر أو زرع فيتقبل أحدهما بحصة صاحبه بعد خرص المجموع بشيء معلوم على حسب الخرص و قد دلّ على صحّته شرعا صحيحة يعقوب بن شعيب التي رواها المشايخ الثلاثة سئلت الصّادق (عليه السلام) عن الرجلين يكون بينهما نخل فيقول أحدهما الصاحبة اختراما أن تأخذ هذا النّخل بكذا و كذا كيلا مسمى و تعطيني نصف هذا الكيل زاد أو نقص و اما ان أخذه أنا بذلك واردة عليك قال لا بأس بذلك و صحيحة أبي الصباح الكناني سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول ان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) لما فتح خيبر تركها في أيديهم على النّصف فلما بلغت الثّمرة بعث عبد اللّه بن رواحة إليهم فحرصها عليهم فجاؤا إلى النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و قالوا انه قد زاد علينا فأرسل الى عبد اللّه بن رواحة فقال ما يقول هؤلاء فقال خرصت عليهم بشيء فإن شاؤا أخذوا بما خرصنا و ان شاؤا أخذنا فقال رجل من اليهود بهذا قامت السّموات و الأرض و غيرهما من الاخبار الكثيرة من صحيح و غيره و رده ابن إدريس (رحمه الله) في أخر باب المزارعة قال و من زارع أرضا أو ساقاها على ثلث أو ربع أو غير ذلك و بلغت الغلة جاز لصاحب الأرض ان يخرص عليه الغلة و الثمرة فإن رضي المزارع أو المساقى بما خرص أخذها و كان عليه حصة صاحب الأرض سواء نقص الخرص أم زاد و كان له الباقي كما فعل عامل الرّسول (صلى الله عليه و آله و سلم) بأهل خيبر و هو عبد اللّه بن رواحة الأنصاري الخزرجي فان هلكت الغلة و الثمرة قبل جذاذها و حصادها بآفة سماوية لم يلزم العامل الّذي هو الأكار شيء لصاحب الأرض و الذي ينبغي تحصيله في هذا الخبر و السؤال انه لا (يخلو) ان يكون قد باعه حصة من الغلة و الثمرة بمقدار في ذمته من الغلة و الثمرة أو باعه الحصة بغلّة من هذه الأرض فعلى الوجهين معا البيع باطل لانه داخل في المزاينة و المحاقلة و كلاهما باطلان و ان كان ذلك صلحا لا بيعا فان كان ذلك بغلّة و ثمرة في ذمة الأكار الذي هو المزارع فإنه لازم له سواء هلكت الغلة بالآفات السّماوية أو الأرضية و ان كان ذلك الصّلح بغلة من تلك الأرض فهو صلح باطل لدخوله في باب الغرر لانه غير مضمون فان كان ذلك فالغلة بينهما سواء زاد الخرص أو نقص تلفت منهما فليلحظ ذلك فهو الّذي تقتضيه أصول مذهبنا و تشهد به الأدلة فلا يرجع عنها باخبار الآحاد التي لا توجب علما و لا عملا و ان كررت في الكتب انتهى و لكن لا ريب في بطلان ما ذهب إليه لدلالة الأخبار الكثيرة المعمول بها من صحيح و غيرها على خلافه و لذلك جوزها غيره و لكن المثبتين اختلفوا فمنهم من ذهب الى كونها صلحا كالشّهيد (قدس سرّه) في (الدروس) و صاحب (الجواهر) (رحمه الله) و هذا القول ايضا مردود من جهة أنه اتفق هنا اتحاد العوض و المعوض عنه في الصّلح فإنه مدفوع بما افاده صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من عدم الاتحاد حقيقة هنا لكون المعوض عنه الحصة المشاعة و العوض المقدار الملتئم من مجموع الحصّتين بل لا يبعد جواز مثل ذلك في الصّلح مع قطع النّظر عن نصوص المقام لعموم قوله (عليه السلام) الصلح جائز بين المسلمين الذي استفيد منه قيامه مقام الهبة و غيرها فجوز و الصّلح عن المال ببعضه و ان انحل إلى الهبة كما جوزوا قيامه مقام ما لا عوض فيه من العقود كالعارية بل من جهة ان الصّلح لا بد فيه من وقوعه بعنوانه و مفهومه الّذي هو التسالم و لا بكفي وجود ما هو مصداق لذلك من دون اعتباره بعنوانه و مفهومه (فتأمل) و منهم من تردد بين كونه بيعا فاسدا و كونه معاملة مستقلة كالعلامة (قدس سرّه) في كره فإنه بعد ان احتمل إيقاع التقبل بلفظ البيع ذكر انا ان منعنا البيع و جوزنا التقبل كان معناه ان المتقبل يأخذ جميع الثمرة و يدفع الى شريكه عن قدر حصته على ما تقبل به فان كان ما حصل مساويا لما تقبل منه فلا بحث و ان زاد فله و ان نقص فعليه و هل يكون ذلك لازما اشكال و على تقدير لزومه هل يكون الناقص عليه و هل يكون مضمونا في يده الأقرب ذلك لانه اما بيع فاسد أو تقبل انتهى و بهذا سقط ما ذكره في (الجواهر) من انه احتمل في (التذكرة) كون هذه

المعاملة بيعا يعنى بيعا صحيحا كما هو مقتضى دلالة اللفظ و الا لاحتاج الى التقييد بالفاسد و ذلك لان ما احتمله انما هو جواز إيقاعها بصيغة البيع لا كونها بيعا في الواقع بل لم نجد من احتمل كونه بيعا أو جزم به و يدل على ما ذكرناه من تفسير كلام العلامة (رحمه الله) ما ذكره المحقق الثاني عند قول العلامة في (القواعد) يجوز ان يتقبل أحد الشريكين بحصة صاحبه من الثمرة بشيء معلوم منها لا على سبيل البيع حيث قال انّما لم يجز على سبيل البيع لما عرفت من انه لا يجوز بيع الثمرة بجنسها و ان لم يكن الثمن منها فكيف إذا كان منها و في (التذكرة) هل يجوز البيع يحتمل ذلك عملا بالأصل السالم عن معارضة الرّبا إذ لا وزن في الثمرة على رؤوس الشجرة و يرد عليه ان هذا ان كان في النخل فهو المزابنة و ان كان في غيره فعلى القولين فاحتمال التجويز (مطلقا) مشكل انتهى و يستفاد التفسير المذكور من كلام المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) و أظهر منه كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) حيث قال و تردد في (التذكرة) في جواز العقد بلفظ البيع و سياق عبارة (التذكرة) أيضا يشهد بما ذكرناه فراجع و منهم من جعلها معاملة مستقلة كالشّهيد الثاني و هو ظاهر المحقق الأردبيلي لأنه مع أخذه التقييد في تفسير العنوان بقوله لا على سبيل البيع بل هو على سبيل القبول و المراضاة قال في ذيل كلامه فكأنه راجع الى معاملة فيكون بحسب الطالع النقص و الزيادة سواء بسواء انتهى ثمّ انهم اختلفوا في مقام أخر و هو كون هذه المعاملة لازمة فمنهم من ذهب الى لزومها كالشّهيد الثاني و المحقق الأردبيلي و صاحب (الجواهر) (قدس سرّهم) و منهم من حكم بجوازها و حكى هذا عن التنقيح و إيضاح النافع و الميسية و منهم من تردد كالعلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) حيث قال و هل يكون ذلك لازما اشكال انتهى و منهم من ذهب الى اللزوم بشرط السّلامة من الافة كالعلامة (رحمه الله) في الإرشاد على ما استظهره المحقق الأردبيلي من كلامه حيث قال ان ظاهر المتن انه مشروط لزومه بالسّلامة من الافة فلو نقص بها له ان لا يعطي إلّا حصة الشريك ممّا حصل و ان زاد فالزيادة له انتهى و الحق في المقام الأول هو القول بكونها معاملة مستقلة و في المقام الثاني هو اللّزوم وفاقا للشّهيد الثاني (قدس سرّه) في المقامين و يعجبني ذكر كلامه في (المسالك) لاشتماله على المطلوب و دليله و ما استشهد به (المصنف) (رحمه الله) قال ما نصّه هذه القبالة معاوضة مخصوصة مستثناة من المزانية و المحاقلة معا ثم ذكر رواية يعقوب بن شعيب و رواية أخرى سندا للحكم ثم قال و ظاهر الأصحاب ان الصّيغة تكون بلفظ القبالة و ان لها حكما خاصا زائدا على البيع و الصّلح لكون الثمن و المثمن واحدا و عدم ثبوت الرّبا لو زاد أو نقص و وقوعه بلفظ التقبيل و هو خارج عن صيغتي العقدين و في (الدروس) انه نوع من الصّلح و لا دليل عليه كما لا دليل على إيقاعه بلفظ التقبيل أو اختصاصه به و انما المعلوم من الرّواية انه معاملة على الثّمرة و انه لازم بحيث يملك المتقبل الزائد و يلزمه لو نقص هذا ما أهمنا من كلامه و حاصله ان انتفاء اللّوازم يدل على انتفاء الملزوم و قد انتفى هنا

227

لوازم البيع و الصّلح كما عرفت مما ذكرناه و ممّا ذكره مضافا الى ان مساق الرّواية أيضا يعطي كونها معاوضة خاصّة كما ان اللزوم يستفاد من إلزام المتقبل بالعوض زاد أو نقص و ينبغي ان يعلم ان كون هذه المعاملة مستثناة من المزانبة و المحاقلة يتوقف على كون موضوعهما أعم من البيع و غيره حتى تكون هذه المعاملة المستقلة مستثناة منهما و امّا بناء على اختصاصهما بالبيع فلا تكون هذه مستثناة الا ان تكون هي أيضا بيعا و قد أشار الى ذلك المحقّق الثاني (رحمه الله) فيما حكيناه من كلامه هذه و لا داعي إلى إدراجه في شيء من العناوين المتعارفة كالبيع و الصّلح و نحوهما لان هذا أمر دل عليه النّص و حصر العقود في المتعارفة ممّا لا نصّ عليه و لا دل عليه دليل معتبر و قد عرفت ممّا بيّناه ما في قول (المصنف) (رحمه الله) مع انه لا يخرج عن البيع أو الصّلح أو معاملة ثالثة لازمة عند جماعة لمصير جماعة أخرى إلى كونها معاملة ثالثة جائزة كما عرفت فيصير ذلك ايضا من أطراف الاحتمال فلا يصحّ إطلاق القول بأنّها لا تخرج عن الثلاثة المذكورة مضافا الى ان اختصاص التقبيل من بين سائر أنواع البيع على تقدير كونه نوعا منه بأنه يجوز فيه لفظ قبلت أو اختصاصه من بين أنواع الصّلح على تقدير كونه منها بجوازه فيه لا شهادة فيه على ما رام (المصنف) (رحمه الله) الاستشهاد عليه من تجويزهم وقوع العقد اللّازم بكلّ لفظ دلّ عليه وادي مؤداه و ان قلنا بكونها معاوضة مستقلة فاختصاصها بجواز التقبيل فيها لا يشهد بما هو مقصوده بطريق اولى و لو كان قد استشهد بأنه يستفاد من الرّواية كفاية المقاولة المذكورة فيها و لا تختص بصيغة خاصّة مع انه يستفاد منها لزومها كان أولى في الاستشهاد الا انه لم يكن وافيا بدعوى ان مقصد العلماء ذلك

قوله و جوّز جماعة وقوع النكاح الدائم بلفظ التّمتيع مع انه ليس صريحا فيه

هذا الكلام بإطلاقه غير صحيح لما عرفت ان المحقق الثاني (قدس سرّه) جوّز العقد بلفظ التمتيع لكن بدعوى انه صريح في النكاح لا (مطلقا) بل كل من جوّز العقد به بنى على صراحته و ان من أنكرها منع العقد بها غاية ما في الباب ان يكون قد وقع اشتباه في الصغرى

قوله و لعله لما عرفت من تنافي ما اشتهر بينهم من عدم جواز التعبير بالألفاظ المجازية في العقود اللّازمة مع ما عرفت منهم من الاكتفاء في أكثرها بالألفاظ الغير الموضوعة لذلك العقد جمع المحقق الثاني (قدس سرّه) على ما حكى عنه في باب السّلم و النكاح بين كلماتهم بحمل المجازات الممنوعة على المجازات البعيدة لا و هو جمع حسّ

أقول و قد عرفت حكاية نص كلامه في المقامين فيما علقناه على قول (المصنف) (رحمه الله) و زاد في غاية المراد (انتهى) و لا يخفى على من وقف عليهما ان المحقّق الثاني ليس في مقام توجيه كلام الأصحاب و لا في مقام الجمع بين ما يتراءى فيه التناقض و انّما هو بصدد بيان مختاره في المسئلة نعم هو قابل بان يوجه به كلام من أطلق المنع من المجازات و امّا مثل كلام الفاضل الأصبهاني الّذي تقدم ذكره عند قول (المصنف) (قدس سرّه) اما الكلام من حيث المادة و هو ما ذكره من كون أنت طلاق غير صريح معللا بان لفظ طلاق مصدر و الذات لا توصف بالمصدر إلا إذا تجوز به عن الصّفة فلا يصح ان يوجه بذلك ضرورة أن المصدر المستعمل في معنى الوصف ليس من المجازات البعيدة و كذا ما ذكره في مثل أنت مطلقة أو من المطلقات من انه ظاهر في الخبر و انما يطلق على إنشاء الطّلاق مجازا و ما ذكره من ان الفارق بين أنت طالق و غيره من صيغ الطّلاق انّما هو النّص و الإجماع و الا فالكل مشتركة في كونها حقيقة في الاخبار مجازا في الإنشاء و استحسن بعض من تأخر هذا الجمع (مطلقا) بعد ما أورد على الجمع الذي يذكره (المصنف) (رحمه الله) بما سنذكره (إن شاء الله) و بما ذكرناه من وجه عدم جريانه في مثل كلام الفاضل المذكور يظهر ان إطلاق القول باستحسانه مما لا وجه له بل أقول ان التعرض للجمع بين كلماتهم مما لا وجه له لأنها كلمات مختلفة صدرت من اشخاص لا يجمعهم زمان و لا مكان مع اختلاف مشاربهم بل قد يصدر الكلام من شخص اجتمع مع أخر في زمان واحد من غير اطلاع على مذاق الأخر و لا كلامه كما هو الشائع الغالب في العلماء الّذين جمعهم عصر واحد من عدم فحص عن مذهب الأخر بل عدم الاعتداد و كثيرا يتفق التخالف من هذا الباب فيصير الجمع بين الكلمات ممّا لا يرضى به أربابها و لا داعي إلى التكلف و التمحل في أمثال ذلك فإنها مع إيجابها البعد عن الواقع تؤدّى الى اعوجاج الذّهن و اختلال الطّريقة فلا بد من ملاحظة كل كلام على ما هو عليه و الأخذ بظاهره من دون تخط إلى التأويل ثم ان لذلك البعض كلاما أخر يمكن المناقشة فيه ايضا و هو ان القدر المتيقن في كلمات الأصحاب مما منع استعماله في العقود انما هو استعمال المجازات البعيدة استنادا الى ان الصّراحة التي اعتبروها لا (يخلو) أمرها من احتمالات ثلاثة أحدها ان يكون المراد بها هو كون اللّفظ حقيقة في معنى ذلك العقد مختصة به ثانيها ان يكون المراد بها كون اللّفظ حقيقة فيه (مطلقا) و ان لم يكن مختصّا به بل كان مشتركا بينه و بين غيره لفظا أو معنى و ثالثها ان يكون المراد به عدم احتمال غير المقصود سواء كان بالوضع أم بضميمة القرائن و القدر المتيقن منعه من الجميع انّما هي المجازات البعيدة و ذلك لانّ هنا تقريرين أحدهما ان القدر المتيقن من كلام من منع من استعمال المجاز انما هو منع المجاز البعيد و ان كان كلام بعضهم يعم القريب ايضا و هذا المقدار مسلم ثانيهما ان القدر المتيقن من كلام من اعتبر الصّراحة هو عدم جواز استعمال المجازات البعيدة و هذا لا يتم على إطلاقه لان من يجعل الصّراحة بمعنى عدم احتمال الغير سواء كان بنفسه أم بضميمة القرائن لا موجب للتشكيك في كلامه مع إطلاقه و بيانه للمناط الّذي هو عدم احتمال الغير فإذا كان المجاز البعيد قد اقترن القرائن افادته الصّراحة فقد حصل المناط قطعا و لا مجال للشك من هذه الجهة و لا وجه للأخذ بالمتيقن استنادا إليها نعم يمكن التشكيك من جهة أخرى مثل توقيفية ألفاظ العقود أو كون المراد بالمجاز البعيد ما لم يعهد استعماله و وقع الشّك في جواز استعماله في الكلام من جهة ضعف العلاقة و المناسبة و عدم وقوع استعماله أصلا بحيث يلحق بالغلط و لكنّه (حينئذ) يخرج عن مفروض المقام لان المنع (حينئذ) ليس من جهة عدم الصّراحة بل من جهة كونه مثل الغلط أو عينه و عدم الترخيص في الاستعمال و ان بلغ حدّ الصّراحة بانضمام القرائن المفيدة بلوغ اللّفظ الى تلك المرتبة

قوله و لعل الأحسن منه ان يراد باعتبار الحقائق في العقود اعتبار الدّلالة الوضعية سواء كان اللّفظ الدّال على إنشاء العقد موضوعا له بنفسه أو مستعملا فيه مجازا بقرينة لفظ موضوع أخر ليرجع الإفادة بالأخرة إلى الوضع

(انتهى) لعل وجه احسنية هذا الجمع بالنّسبة الى ما حكاه عن المحقق الثاني (قدس سرّه) ان لهم في عدم كفاية الألفاظ المجازية في العقود عبارتين إحديهما انه لا يجوز التعبير بالألفاظ المجازية و الأخرى أنّه

228

يعتبر كون ألفاظ العقود اللازمة من قبيل الحقيقة كما أشار إليها بقوله الا ان يراد باعتبار الحقائق و ما ذكره المحقق الثاني (رحمه الله) لا ينطبق على العبارة الثانية الا بان يراد بالحقيقة ما هو أعم منها و من المجاز القريب و هو تكلف بعيد بخلاف ما ذكره (المصنف) (قدس سرّه) من وجه الجمع فان مقتضاه التوسعة في اعتبار الحقيقة بمعنى كون الدلالة مستندة الى الحقيقة سواء كانت هي المفيدة لمضمون العقد ابتداء بان يقع الإنشاء به أم كانت ممّا يستند إليه دلالة اللّفظ الّذي وقع به الإنشاء غاية ما (يقال) ان فيه نوع تسامح فنقول بعد تسليمه انه تسامح يساعد عليه مواقع الألفاظ من دون استهجان فيه فلا ضير هذا و ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) قد أورد عليه بعض من تأخر أولا بان ما ذكره (رحمه الله) لو كان من مقاصدهم لصرّحوا به أو أشاروا اليه و لم يقل أحد بأنّ المناط عندنا هو استناد الدلالة إلى الوضع بمعنى انه لو كان اللّفظ مجازيا قرينته لفظ دال بالوضع كفى بل صرّح بعض الأساطين (قدس سرّه) بخلافه حيث حكم بان مثل نقلت بالبيع و ملكت بالبيع لا ينعقد به الصّيغة و (المصنف) (رحمه الله) و ان كان يرى ان التمليك حقيقة في البيع فيصح عنده عقد البيع به بهذا الاعتبار حتى لو لم يعتبر هذه القاعدة التي عليها الكلام هنا الا ان ذلك البعض يرى كون التمليك أعم من البيع فيقول انه مع تقيده بقرينة لفظية هو حقيقة في المعاملة الخاصة التي هي البيع لا ينعقد به عقده و ثانيا بان ما استشهد به (المصنف) (رحمه الله) من عبارات الأصحاب مثل ما دل على انه يجوز عقد البيع بلفظ السّلف يعطي ان استعمال اللّفظ المجازي جائز ضرورة أن السّلف موضوع لنوع خاص و ان استعماله في البيع الحال المغاير له مجاز مع انهم لم يشترطوا وجود القرينة اللفظية بل كلامهم أعمّ منها و من القرائن الحالية و العقلية و قد نسب إلى الأكثر جواز عقد البيع بلفظ السّلم (مطلقا) و ان كانت قرينته حالية بل ما يذكرونه من الصّيغ في الرّسائل الموضوعة لبيان صيغ العقود أو الكتب الفقهيّة ليس مقرونا بقرينة لفظية و انما اكتفوا بدلالة المقام و ثالثا بانا ترى ان ما يعتبرونه من الصّراحة في العقود انّما يعتبرونه في اللّفظ الّذي يقع به الإنشاء دون متعلقاته فيقولون السّراح و الفراق ليسا بصريحين و ان الخلع و الكتابة و غيرهما ممّا يحترزون عنه في البيع ليست بصريحة و هذا لا يتم الا بان يكون نفس اللفظ المنشأ به حقيقة إذ لو كان مرادهم أعم لم يبق غير صريح في الألفاظ ضرورة ان كل ما هو غير صريح إذا قيد بقيود كثيرة خرج الى الصّراحة بل لا حاجة في بعض الموارد إلى كثرة القيود مثل ان يقول أعطيتك هذا المال على وجه البيع بثمن معلوم هو عبارة عن كذا مثلا فلا يبقى مورد لنفى أمثال ما ذكر و يوضح ما ذكرنا أن القرائن ليست مما ينشأ به المقصود و كذا المركّب من القرينة و ذي القرينة و انما يتوجّه القصد إلى الإنشاء بذي القرينة و هي انّما يجاء بها لتصير كاشفة عن المراد بذلك اللفظ الّذي يقع به الإنشاء و (حينئذ) فلا يبقى مجال للفرق بين المجاز الّذي قرينته لفظية و بين المجاز الذي (صح) علم قطعا ان المراد به المعنى المجازي بواسطة قرينة عقلية قطعية فلم لا يصحّ الإنشاء به و يصح الإنشاء بما قرينته لفظ حقيقي و الحال ان بناء أهل التعارف قد استقر على الاكتفاء في مخاطباتهم بأدون من القرائن الحالية المفيدة للوثوق و الاطمئنان بالمقاصد المرادة بالألفاظ ثمّ ان ذلك البعض أيد ما ذكره بأنهم اتفقوا على ان لفظ البيع يجوز استعماله في عقد السّلم و معلوم ان استعماله من قبيل استعمال الكلي في الفرد و لم يعتبروا وجود القرينة اللّفظية الحقيقية مع كونه مجاز و رابعا انه جعل المشترك اللّفظي و المعنوي مثل المجازات في عدم جواز الاكتفاء بها مقرونة بالقرائن الحالية فقال و ممّا ذكرنا يظهر الإشكال في الاقتصار على المشترك اللفظي اتكالا على القرينة الحالية المعينة و كذا المشترك المعنوي انتهى و قد اعترف هو (رحمه الله) عند البحث عن لفظ بعت بخصوصه بأنه و ان كان من الأضداد بالنسبة إلى البيع و الشراء لكن كثرة استعماله في البيع تعينه انتهى مع ان من المعلوم ان كثرة الاستعمال و اشتهار اللّفظ في معنى من قبيل الأمور المعنوية دون الألفاظ الحقيقية و خامسا ان قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لا (يخلو) حاله عنده (رحمه الله) من الإجمال و البيان فان كان ممّن يقول بالأول

ألزمه الاقتصار على ما وقع عليه الاتفاق مثل لفظ بعت في البيع لان من النّاس من ادعى ان ألفاظ العقود و أسبابها توقيفية تعبدية و لا تدور مدار الكشف عن مقصود العاقد و مكنون ضميره كما حكاه (رحمه الله) عن الفخر و لك و كنز العرفان فيلزمه الاقتصار على القدر المتيقن المتفق على صحّته عند الجميع و هو اللّفظ المعلوم وصوله من (الشارع) و لا يجوز له التعدي (حينئذ) إلى التعميم بالنسبة إلى المجاز و المشترك اللفظي و المعنوي المقترنة بقرائن لفظية حقيقية لأن ما عدا المتلقى من (الشارع) منها مختلف فيه غير متفق على جواز العقد به فيجب الاقتصار على المتيقن الذي هو المتلقى من (الشارع) و ان كان ممن يقول بالثاني لزمه البناء على جواز كل ما صدق عليه العقد و لا يبقى وجه للاقتصار على خصوص الحقيقة أو ما كان قرينته حقيقة حتى انّه لو صدق العقد بدون اللفظ لزم الحكم بلزومه كما يراه المحقق الأردبيلي (رحمه الله) ثمّ ان ذلك البعض حكى عن (المصنف) (رحمه الله) انه كان يرى ما يراه المحقق المذكور و ان هذه الكلمات انّما هي على سبيل التنزل عما هو المركوز في ذهنه ثم انه قال في تحقيق المقام و بيان مبنى المسئلة انا قد استفدنا من الأصحاب انهم لا يلتزمون بالتوقيفية و التعبّدية في ألفاظ العقود بحيث يلزم فيها التعبّد بما وصل من (الشارع) كالفاتحة في الصّلوة من دون نظر الى جهة الكشف عن مكنون ضمير العاقد و الإفصاح عن مقصوده كما يدل عليه عدم اقتصارهم على لفظ خاص بان يقولوا ان المعتبر انّما هو لفظ بعت و انهم تعرضوا الإعطاء قاعدة كلية و هي انه يعتبر ان يكون اللّفظ صريحا أو يكون حقيقة و لازم التوقيف انما هو الأوّل فإن الثاني مناف له و (حينئذ) نقول ان المسئلة منوطة بأن قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ هل هو مجمل أم مبين فعلى الأوّل يجب الاقتصار على المتيقن المتّفق عليه و على الثاني يلزم السراية بمقدار سراية مفاده و مؤداه و قد وقع فيه الخلاف و سيجيء تفصيل القول فيه و اختار هو على تقدير كون الاية مبينة بعد إبطال القول بالتوقيف كما عرفت ان المعتبر في العقود انّما هو الظّهور العرفي المعتدّ به في محاوراتهم و مخاطباتهم فيشمل الحقيقة المختصة و المشترك المعنوي و اللفظي المقترنين بالقرينة المعتد بها المفيدة لإيضاح ما قصد باللّفظ و المجازات المقرونة بالقرينة الموصوفة لكن بشرط ان لا تكون بعيدة من دون فرق بين ان تكون قرائنها لفظية أو غيرها من القرائن العقلية أو المقاميّة و صرح بخروج البعيدة و عدم العبرة بها في العقود فلا يجوز استعمالها فيها اما اعتبار غير المجازات البعيدة من جميع ما ذكر (صح) فلانه بعد بطلان القول بالتّوقيف في ألفاظ العقود

229

لا بد من الرّجوع الى ما أمضاه (الشارع) في كلّ مورد و هو الظّهور العرفي المعتد به في بيان مهمّات مقاصدهم مضافا الى انا نعلم ان (الشارع) إنّما امضى العقود المتعارفة لرفع التشاجر و النزاع و لتحقق نظام أمور الناس و هو يحصل بما هو (الظاهر) المفيد لمطلوب العاقد و اما عدم اعتبار المجازات البعيدة فللإجماع منهم على عدم اعتبارها لأنها القدر المتيقّن من حيث عدم الاعتبار على كل من الاحتمالات الثلاثة المحتملة في معنى الصّراحة كما عرفت حكاية ذلك فيما علقناه على المتن السّابق أقول بعد فتح باب الظهور العرفي بحكم عموم الآية المؤيد بحكمة إمضاء (الشارع) لا يبقى مجال لاستثناء المجازات البعيدة إذا فرض اندراجها تحت العنوان الذي هو الظهور العرفي لأنها مشاركة للمجازات القريبة في اكتسائها لباس الظهور بواسطة القرائن و لا بدّ من اقامة الدّليل على ذلك الا ان (يقال) انهم مثلوا للمجاز البعيد بمثل لفظ الخلع و الكتابة بأن يقول خلعت نفسي عن هذه العين ليصير لك بكذا مثلا و خالعتك أو كاتبتك عن هذه العين أو عليها بكذا فيدعي انه لم يعلم ترخيص الواضع في استعمال المجازات البعيدة لكن هذا لا دخل له بما ذكره من الإجماع على عدم الجواز الّذي ادعاه فان ذلك ممنوع لان من يعتبر الصّراحة بمعنى عدم احتمال الغير لا يستلزم كلامه منع المجاز البعيد المقرون بقرائن مفيدة للمطلوب بمعنى حصول الصّراحة في المجموع المركب من القرينة و ما اقترنت به كما هو الشأن في المجازات القريبة و امّا ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الجمع فإنه و ان كان تكلّفا الا ان بعض ما أورد عليه ذلك البعض غير متجه عليه فمن ذلك ما أورده على (المصنف) (رحمه الله) أولا إذ لا يخفى ركاكته لان عدم تصريحهم لا يوجب بطلان المدّعى بعد كونه من لوازم كلامهم فإنهم ذكروا انه يعتبر الحقيقة في العقود اللازمة و وجدنا تجويزهم لبعض المجازات و وجدنا عدم اعتبارهم بغير الألفاظ في إنشاء المقاصد فيستفاد من ملاحظة مجموع الأمور المذكورة لازم مقصود و هو ان تكون الدلالة مستندة الى الوضع و أشنع من ذلك الاستشهاد على (المصنف) (رحمه الله) بكلام بعض الأساطين و هو شارح بيع (القواعد) فإنه (رحمه الله) انما يتكلم في مقابل أمثاله و ليس بصدد توجيه كلام مثله حتى يحتج به عليه و من ذلك ما أورده عليه ثانيا ضرورة ان كلام من جواز البيع بلفظ السّلف قرنه ببيان الصّيغة المشتملة على القرينة اللّفظية ألا ترى ان منهم المحقق (قدس سرّه) و قد قال و هل ينعقد البيع بلفظ السّلم كان يقول أسلمت إليك هذا الدينار في هذا الكتاب الأشبه نعم و منهم العلامة (رحمه الله) و قد قال في (القواعد) و الأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم كان يقول أسلمت إليك هذا الثوب في هذا الدينار و في (التذكرة) و كما ينعقد السّلم بلفظ البيع كذا الأقرب العكس فلو قال أسلمت إليك هذا الثوب و عينه في هذا الدينار انعقد بيعا غاية ما في الباب ان (المصنف) (رحمه الله) أشار الى ذلك على وجه الإجمال و لم يذكر تمام عباراتهم و امّا ما حكاه عن الأكثر من انهم جوزوا عقد البيع بلفظ السّلم (مطلقا) و ان كانت قرينة حالية فهو واضح السّقوط لأنه ان أراد انهم صرّحوا بالإطلاق بالنّسبة إلى القرينة الحالية و المقالية فهو قرينة لأنك لا تجد أحدا صرّح بالإطلاق و ان أراد ان قولهم الأقرب انعقاد البيع بلفظ السّلم (مطلقا) يشمل بإطلاقه ما لو كان هناك قرينة حالية أو مقالية ففيه ان هذا المقام ليس مما يساق فيه الكلام لبيان الإطلاق و انما يساق لبيان جنس الحكم في الجملة مع احالة كل شرط الى محله مع انك قد عرفت انهم لما أحسوا فيما ذكروه نوع خفاء قرونه ببيان كيفية الصّيغة المشتملة على الألفاظ التي هي قرائن لإفادة لفظ السّلم ذلك المعنى المقصود و من ذلك ما ذكره مؤيّدا للوجه الثالث في ذيله من انهم اتفقوا على ان لفظ البيع يجوز استعماله في عقد السّلم و ان استعماله من قبيل استعمال الكلي في الفرد و لم يعتبروا وجود القرينة اللفظية الحقيقية مع كونه مجازا فان فيه ما لا يخفى أمّا أولا فلان استعمال البيع في عقد السّلم انما هو من قبيل استعماله في الصّرف و بيع الثمار و بيع الحيوان و نحو ذلك و لا يلزم القصد الى خصوصياتها و عناوينها حتى يحتاج افهامها إلى قرينة و انما المعتبر هو قصد عنوان البيع في ضمن اى صنف كان و ثانيا انه لا بد فيه من ذكر الشرائط المعتبرة في السّلم من الزمان و المكان و غيرهما في اللفظ و من

ذلك يتشخص المقصود بلفظ دال عليه و بعد ذلك كلّه فالإنصاف ان الحق ما ذهب اليه ذلك البعض من اعتبار الظّهور العرفي المعتد به في أداء مقاصدهم سواء كان حقيقة مختصة أو مشتركة لفظا مقرونة بقرينة معينة أو معنى مع اقترانها بالقرينة المفهمة أو مجازا قريبا مقرونا بقرينة موصلة إلى المقصود لفظية كانت أو غيرها و امّا البعيد فنحن مخالفون له فيه فهنا دعويان الاولى اعتبار ما عدا الأخير و الدّليل عليه قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و كون ما ذكر مما يعتد به العقلاء في افهام مقاصدهم بعد إبطال توقف ألفاظ العقود على بيان (الشارع) تعبدا و يؤيّده ان غرض (الشارع) من عدم اختلال أمور النّاس في معاشهم و معادهم و ارتفاع النّزاع و الفساد من بين العباد يحصل بذلك من دون فرق بين كون قرينة المجاز لفظا حقيقيّا أو غيره و امّا الثانية فلأنه ان كان ممّا يستهجن استعماله و يستنكر فهو ملحق بالغلط لا يجوز استعماله في العقود و لا في غيرها و ان كان مما لا يستهجن و لا يستنكر لم يكن فيه فرق بين العقود و غيرها (صح) بعد منع التوقيف في ألفاظها و كون قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مبينا و صدق العقد عليه

قوله و هذا بخلاف اللفظ الذي يكون دلالته على الطلب لمقارنة حال أو سبق مقال خارج عن العقد فان الاعتماد عليه في متفاهم المتعاقدين و ان كان من المجازات القريبة جدا رجوع عما بنى عليه من عدم العبرة بغير الأقوال في إنشاء المقاصد و لذا لم يجوز و العقد بالمعاطاة و لو مع سبق مقال أو اقتران حال تدل على ارادة البيع جزما

أقول الفرق بين ما نحن فيه و بين المعاطاة واضح ضرورة ان الإنشاء هناك انما هو بالفعل و المقاولة قرينة بخلاف ما نحن فيه فإنه لو استعمل لفظ مجازي في إنشاء العقد مقرونا بقرينة غير لفظية كان وقوع الإنشاء باللّفظ و القرينة كاشفة لا انّها بها وقع الإنشاء و لهذا يعد المجازات المقرونة بالقرائن الحالية من قبيل الظواهر اللّفظية و بالجملة فالمعاطاة و نحوها مما وقع الإنشاء فيه بالفعل على العكس ممّا نحن فيه فلا تكون من نظائره حتى يشبه بها في مقام التقريب

قوله لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية

يريد بالوجه المشار الهبة (صح) ما ذكره لتطبيق كلام العلامة (قدس سرّه) على ما ذكره من اعتبار كون الدّلالة مستندة الى الحقيقة سواء كانت هي التي أنشأ بها العقد أم كانت هي قرينة اللّفظ الّذي أنشئ به و امّا وجه عدم جريان هذا الوجه في جميع ما ذكروه من أمثلة الكتابة بل في بعضها فيحتمل ان يكون هو عدم كون جميع ما ذكروه (صح) بالمثابة الّتي ذكرها من عدم الدلالة على المعنى المنشئ الّذي هو عنوان العقد فان من جملتها ما ذكروه في كتاب الطّلاق من كون أنت طلاق أو مطلقة أو من المطلقات من الكناية مع انّها تدلّ على عنوان الصّيغة و هو الطلاق على حد دلالة أنت طالقى عليه فيكون سبب عدها من الكنايات هو سرابة عدم الصّراحة إليها من طريق أخر و يحتمل ان يكون هو عدم كون جميعها بالمثابة الّتي ذكرها من كون مفاهيمها ما هو لازم أعمّ فإن من جملة ما ذكروه من الكنايات و ان لم يكن كناية عند (المصنف) (رحمه الله) أدخلته في ملكك بكذا أو ملكتك بكذا

230

فإنه لازم مساو للبيع عنده كما تقدم منه (رحمه الله) من كون الهبة بالعوض و الصّلح ليسا من قبيل التمليك حقيقة و سيجيء منه ايضا عند البحث عن لفظ ملكت إنكار استعمال التمليك في الهبة و دعوى انها انما تفهم من تجريد اللّفظ عن العوض لا من مادة التمليك و لا يتوهم انه على هذا الاحتمال يلزم التناقض في كلام (المصنف) (رحمه الله) لانه ذكر ان المطرد في الكنايات هو اللّازم الأعم فكيف يقول لكن هذا الوجه لا يجري في جميع ما ذكروه من أمثلة الكناية لأن ما ذكره (رحمه الله) من اطراد اللازم الأعم انما هو في الكنايات الواقعية و ما نفى (رحمه الله) جريان هذا الوجه فيها انما هو ما ذكره الأصحاب من أمثلة الكناية و ليس كل ما ذكروه منها مندرجا تحتها على الواقع الذي اعتقاده طريق اليه و لهذا يقولون يكون ملكتك بكذا من الكنايات و يقول هو بانعقاد البيع به لكونه صريحا فيه هذا و لا يخفى انه على هذا التفسير يمكن ان يكون قوله هذا الوجه إشارة إلى نفس وجه الجمع الذي قصد تطبيق كلام العلامة (قدس سرّه) عليه و يحتمل ان يكون هو عدم كون جميعها بالمثابة التي ذكرها من انفهام المراد بها من القرائن الخارجيّة فإن منها حرمت كذا و تصدقت بكذا مقرونين بقوله على ان لا يباع و لا يوهب و لا يورث و غير ذلك من القرائن اللفظية الدالة على ارادة الوقف مع عدم الخلاف كما عرفت حكايته من (المصنف) (رحمه الله) عن غير واحد على انّهما من الكنايات فقد اقترنا بالقرينة اللفظية دون الحالية مع انهم بنوا على كونهما منها

قوله ثم انّه ربما يدعى ان العقود المؤثرة في النقل و الانتقال أسباب شرعية توقيفية

هذا الكلام يحتمل وجوها أحدها ما هو (الظاهر) منه و هو ان يضع (الشارع) لكلّ عقد لفظا خاصا و الالتزام بهذا ظاهر الفساد ضرورة ثبوت البيع و الإجارة و الصّلح و غيرها من العقود قبل مبعث النّبي و مولده (صلى الله عليه و آله و سلم) و التعبير منها بلفظ البيع و بعت و الصّلح و صالحت و هكذا بل لا يختصّ شيء منها بالعرب فهي سارية بين سائر أهل الا لسنة غاية ما في الباب انه يعبر عن كل منها بلفظ من لغة أخرى فكيف تكون ألفاظها من موضوعات (الشارع) و هي سابقة عليه ثانيها ان (الشارع) قد امضى ما هو المتعارف بين عامة أهل التعارف من الألفاظ الخاصة الدائرة بينهم فلا يجوز التخطي الى ما عدتها و قد التزم به بعضهم بعد ما وجدان دعوى وضع (الشارع) لها على وجه الخصوص للمعنى المعهود في غاية السخافة ثالثها ما افاده (المصنف) (رحمه الله) من ان المراد اعتبار ألفاظ مفيدة لعنوان العقد الخاص و انه إذا كانت العلاقة الحادثة بين الرّجل و المرأة عنوان الزّوجية فلا بد من كون اللّفظ مفيدا لهذا العنوان فلا يجوز التعبير بهبة النفس أو البضع أو منافعه أو البيع أو الإجارة و كذا الإجارة مثلا لا يجوز التعبير عنها بلفظ العارية لكن يجوز التعبير عنها بلفظ بيع المنفعة أو السّكنى فالحاصل ان كل لفظ مفرد أو مركب دل على العنوان الخاص المعتبر في العقد يجوز التعبير به عنه دون غيره و هو وجيه

[في ذكر الإيجاب و القبول]

قوله منها لفظ بعت في الإيجاب و لا خلاف فيه نصّا و فتوى

يعنى انه لا خلاف في صحّة إيقاع الإيجاب بلفظ بعت بل اقتصر بعضهم عليه كما هو طاهر ابن إدريس قال في (السرائر) إذا قال بعنيه أو أ تبيعني هذا بألف أو بعني أو اشتريت منك هذا بألف فقال صاحبه بعتك لم يصحّ العقد و البيع حتى يقول المشترى بعد قول البائع بعتك اشتريت أو قبلت و كذا إذا قال البائع أ تشتري منى هذا بألف أو أبيعك هذا بألف أو اشتر هذا مني بألف فقال المشترى اشتريت أو قبلت لم يصحّ البيع و لم ينعقد العقد الا ان يأتي البائع بلفظ الاخبار و الإيجاب دون لفظ الاستفهام و الأمر و هو قوله بعتك فيقول المشترى اشتريت أو قبلت على ما قدّمناه فينعقد العقد بذلك دون ما سواه من الألفاظ انتهى و انّما قلنا انه ظاهره لاحتمال ان يكون الحصر في قوله فينعقد العقد بذلك دون ما سواه من الألفاظ إضافيا بأن يكون المراد بما سواه صيغة المضارع أو الاستفهام أو الأمر أو غير ذلك من الصّيغ المأخوذة من البيع لا كل ما سوى بعت حتّى ما كان بصيغة الماضي من غير مادة البيع كشريت و ملكتك بكذا فيكون تكريرا لما ذكره قبله و تأكيدا له لكنّه خلاف (الظاهر) جدا و عن كشف الرموز عن الشّيخين انه يلزم في البيع لفظ مخصوص اعنى بعت و ربما يتوهم من (ظاهر) حصر الإيجاب في بعت و القبول في اشتريت و قبلت الا ان (الظاهر) ان ذلك على وجه المثال لانّ الشيخ (قدس سرّه) ساق الكلام في جواز تقديم القبول على الإيجاب و عدمه و ذكر لفظ الإيجاب بلفظ بعت و لم يأت بما يفيد الحصر قال (رحمه الله) عقد النّكاح ينعقد بالإيجاب و القبول سواء تقدّم الإيجاب كقوله زوّجتك بنتي فقال قبلت النّكاح أو تأخر الإيجاب كقوله زوّجني بنتك فقال زوّجتك بلا خلاف فامّا البيع فان تقدم الإيجاب فقال بعتك فقال قبلت صحّ بلا خلاف و ان تقدم القبول فقال بعتنيه بألف فقال بعتك صحّ و الأقوى عندي انه لا يصحّ حتّى يقول المشترى بعد ذلك اشتريت انتهى فليس ظاهره الا انّه أراد ذكر مثال للإيجاب المتقدّم و مثال للإيجاب المتأخر و اين ذاك من الدلالة على الحصر و ذكر بعض المعاصرين انه قد يفهم من الغنية حصر الإيجاب في بعت و القبول في اشتريت و قبلت و على ما ذكره فيكون الحصر معقد الإجماع الذي ادعاه فيها و لكن لا يخفى على من له خبرة في أساليب الكلام انه لا دلالة لعبارة الغنية على ما ذكره من الحصر فإنه قال فيها و اعتبرنا حصول الإيجاب من البائع و القبول من المشترى تحرزا عن القول بانعقاده بالاستدعاء من المشترى و الإيجاب من البائع و هو ان يقول بعنيه بألف فيقول بعتك فإنه لا ينعقد بذلك بل لا بد ان يقول المشترى بعد ذلك اشتريت أو قبلت حتّى ينعقد الى ان قال يدل على ما قلناه الإجماع المشار اليه و ايضا فما اعتبرناه جمع على صحّة العقد به و ليس على صحّته بما عداه دليل انتهى و لعله فهم الحصر من الفقرة الأخيرة بتخيل ان قوله فما اعتبرناه إشارة إلى بعتك من البائع و اشتريت أو قبلت من المشترى و أنت خبير بان قوله فما اعتبرناه إشارة الى ما سبق في أوّل الكلام من اعتبار حصول الإيجاب من البائع و القبول من المشترى لا خصوص لفظ بعتك فتدبر

قوله و هو و ان كان من الأضداد بالنّسبة إلى البيع و الشراء لكن كثرة استعماله في وقوع البيع تعينه

امّا كونه من الأضداد فقد صرّح به في المصباح و لا بأس بأن نأتي بصريح كلامه لاشتماله على غير ذلك من الفائدة قال باعه يبيعه بيعا و مبيعا فهو بايع و بيع و اباعه بالألف لغة قال ابن القطاع و البيع من الأضداد مثل الشراء و يطلق على كلّ واحد من المتعاقدين أنه بائع لكن إذا أطلق البائع فالمتبادر الى الذّهن باذل السّلعة انتهى و في المجمع في الحديث البيعان بالخيار ما لم يفترقا يريد بهما البائع و المشترى فإنه (يقال) لكلّ منهما بيع و بايع و قال فيه ايضا و في الخبر لا يبع أحدكم على بيع أخيه أي لا يشتر على شراء أخيه و النهى انّما وقع على المشترى لا البائع انتهى و صرّح بكونه من الأضداد في شرح القاموس ايضا بل في المصابيح للعلامة الطباطبائي (قدس سرّه) نفى الخلاف من وضعه للمعنيين فتحقّق انّه مشترك

231

بينهما لفظا و (حينئذ) فلا بد في استعماله في الإيجاب من قرينة تدل على تعيينه و الّذي يصلح لذلك أمور أحدها ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان كثرة استعماله في وقوع البيع تعينه لإيجابه و يؤيّده ما عرفته من المصباح من انه إذا أطلق البائع فالمتبادر الى الذهن باذل السّلعة و يستفاد من كلامه (رحمه الله) مسئلة أصولية و هي ان اشتهار المشترك في أحد معنييه يصير قرينة على تعيينه خلافا للفاضل القمي (رحمه الله) حيث قال في طي كلام له على معنى انصراف المطلق الى الافراد الشائعة في ذيل القانون الذي عقده للبحث من حال المفرد المحلى و اما إذا لم يثبت الحقيقة العرفية بمعنى هجر المعنى اللّغوي بل حصل حقيقة عرفية للفظ في المعاني المتعارفة مع بقاء المعنى الحقيقي أيضا فيصير اللفظ مشتركا بين الكلى و بعض الافراد و لكن يكون استعماله في أحد المعنيين اشهركما في العين بالنّسبة إلى الباصرة و السّابعة من بين سائر المعاني أو حصل هناك مجاز مشهور بسبب غلبة الاستعمال فيشكل الحمل على الافراد الشائعة فقط لعدم مدخلية مجرّد الشّهرة في أحد معاني المشترك في ترجيحه و لمعارضة الشهرة في المجاز المشهور بأصالة الحقيقة هذا كلامه (رحمه الله) ثم انّك قد عرفت الإشكال في كلام (المصنف) (رحمه الله) من جهة ان كثرة الاستعمال ليست من قبيل اللفظ الحقيقي الّذي اعتبر كون القرينة من قبيله ثانيها ان الابتداء بالمعاملة بحسب الطّبع و الغلبة يصير من الموجب فالابتداء بلفظه يصير قرينة مقاميّة على المراد به و يستفاد هذا من كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله) على احتمال و هو ان يكون المراد بالبائع في كلامه حيث جعل صدور شريت من البائع دليلا على ان المراد به الإيجاب هو من ابتدء بالمعاملة و ان جعلناه عبارة عن صاحب السّلعة كان ذلك أيضا قرينة أخرى لأن النّسبة بينهما هو العموم من وجه و (المصنف) (رحمه الله) لم يتعرض لهذا و لعله لعدم اعتباره عنده و كان وجه الفرق بينه و بين كثرة الاستعمال حيث اعتبرها قرينة و لم يعتبره هو ثبوت اعتبارها عند أهل التحاور و التعارف دونه فتأمّل ثالثها كيفية ذكر المتعلقات و ربطها فان بعت في الإيجاب يتعدى الى مفعولين فيقول بعتك الدّار و في القبول يتعدّى الى مفعول واحد هو اللّفظ الدال على المتاع المبيع و هذا ايضا يعطيه كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله)

قوله و امّا لفظ شريت فلا إشكال في وقوع البيع به (صح) لوضعه له كما يظهر من المحكي عن بعض أهل اللّغة

و في المصباح شريت الطّعام أشتريه إذا أخذته بثمن أو أعطيته بثمن فهو من الأضداد انتهى و في المجمع الشراء يمدّ و يقصر و هو الأشهر (يقال) شريت الشيء أشريه شرى و شراء إذا بعته و إذا اشتريته ايضا و هو من الأضداد انتهى

قوله بل قيل لم يستعمل في القران الكريم إلا في البيع

حكى هذا الكلام عن المصابيح و غيرها و في القران و لبئس ما شروا به أنفسهم اى باعوا به أنفسهم و مثله و شروه بثمن نجس أو باعوه و قوله (تعالى) وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغٰاءَ مَرْضٰاتِ اللّٰهِ و قوله (تعالى) فَلْيُقٰاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيٰاةَ الدُّنْيٰا بِالْآخِرَةِ اى يبيعونها

قوله و ربما يستشكل فيه بقلّة استعماله عرفا في البيع و كونه محتاجا إلى القرينة المعيّنة و عدم نقل الإيجاب به في الاخبار و كلام القدماء و لا (يخلو) عن وجه

اختلف كلمتهم في جواز الإيجاب بشريت فاجازه العلامة (قدس سرّه) في كره و صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قال و يتحقق إيجابه ببعت قطعا بل و بشريت على (الشارع) شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا بل لعلها (كذلك) لاشتراك كلّ من لفظي البيع و الشراء بين المعنيين فهما من الأضداد كما عن كثير التّصريح به بل في مصابيح الطباطبائي (قدس سرّه) لا خلاف بينهم في وضعهما للمعنيين فيصح استعمال كل منها (حينئذ) في الإيجاب على الحقيقة و لا يقدح الاشتراك و الا لا متنع الإيجاب بالبيع و لا ظهورهما في أشهرهما لوضوح القرينة المعيّنة لغيره و هي وقوع البيع من المشترى و الشراء من البائع على ان استعمال الشراء في البيع كثير بل قيل انه لم يرد في الكتاب لعزيز غيره يعنى غير استعماله في البيع الى ان قال و دعوى هجر ذلك فيها في العرف المتأخر ممنوعة إذا أريد بها الهجر على وجه يكون مجازا و مسلمة و لكن يقدح إذا أريد بها غير ذلك فلا بأس باستعمال كلّ منهما (حينئذ) في الإيجاب و القبول و محصله الاستدلال بأن المقتضي موجود و هو الوضع و المانع مفقود لان ما يتصوّر كونه مانعا في المقام انما هو الاشتراك و هو غير صالح للمنع أولا و الا لمنع من استعمال البيع و مرفوع بوجود القرينة المعيّنة ثانيا ثم انّه (رحمه الله) ذكر كثرة استعماله في البيع مؤيّدا يستأنس به في الحكم (بالمطلوب) و اكدها بنقل القول بعدم استعمال الشراء في القران في غيره و أورد عليه بان دعوى كون الوضع مقتضيا بان يكون كل ما كان موضوعا لغة للنقل و لو مشتركا مهجورا عرفا ممّا قد استعمله أهلها في الإنشاء المزبور و قد أمضاه (الشارع) ممنوعة مع أنّها منقوضة بمثل نقلته إليك و أدخلته في ملكك و نحوهما و لو حاول محاول دعوى ان (الشارع) قد رخص في ذلك كان اولى بالمنع و منعه بعضهم و يتمسّك له تارة بأن إجماعهم على اعتبار الصّراحة في الإيجاب و القبول قاض بعدم صحّة الأول بشريت و ان كانت موضوعة للبيع لغة لأن المتبادر من الصّريح ما كان دالا بالوضع لاتحاد معناه وضعا أو لاشتهار أحد معاينة بحيث لا يتبادر منه غيره و لا يحتاج إلى قرينة أصلا كما في البيع فلا يكفى المشرك المحتاج إليها (مطلقا) و دعوى ان المراد به ما كان موضوعا له (مطلقا) محل منع و الى هذا أشار (المصنف) (قدس سرّه) بقوله بقلة استعماله عرفا في البيع و كونه محتاجا إلى القرينة المعينة لأنه مع انتفاءها ينتفي الصّراحة عن المشترك و اخرى بأن ألفاظ العقود توقيفية و (حينئذ) فلا بدّ من الاقتصار على المتيقن و ليس الا بعت إذ لا نصّ و لا إجماع على غيره كما عن المصابيح و مفتاح الكرامة و غيرهما و الى هذا الشار (المصنف) (رحمه الله) بقوله و عدم نقل الإيجاب به في الاخبار و كلام القدماء و (المصنف) استوجه المنع و لا ارى له وجها على مذاقه لأن القرينة المعينة للمشترك ان كانت لفظية حقيقية فلا مانع منه عنده فكيف يستوجه المنع بقول مطلق و قاعدة التّوقيفية لا يعتبرها الا بالمعنى الّذي ذكره قبيل هذا و ذلك المعنى هنا موجود لكونه موضوعا لعنوان العقد غاية ما في الباب ان استعماله فيه أقل من لفظ البيع و قد يتمسّك هنا بوجه ثالث و هو انا لو سلمنا ان لفظ الشراء قد استعمل في إنشاء إيجاب البيع في قديم الزّمان كما استعمل في الاخبار قلنا ان استعماله في إنشاء إيجاب البيع مهجور بالمرة و الا فهو ممّا لم يستعمل فيه رأسا و لا بد من كون لفظ العقد من الألفاظ المتعارف استعمالها عند أهل التعارف و هذا القدر مسلم و لو بحكم اشتراط الصّراحة في ألفاظ العقود و اختار بعض من تأخر المنع استنادا الى هذا الوجه بعد حكايته عن بعضهم و هو وجيه ثم ان بعض القائلين بالجواز كصاحب (الجواهر) (رحمه الله) قال ان شريت في الإيجاب يتعدى الى مفعولين فلو قال البائع شريتك العين تعين للإيجاب من وجهين أحدهما وقوع ذلك من البائع و الثاني التّعدية إلى مفعولين و لو قال شريتها فمن وجه واحد فرع على القول بجواز الإيجاب بكل من شريت و بعت و القبول بكلّ منهما لو و كل رجل غيره في بيع شيء موصوف بثمن معلوم و في ابتياعه بذلك الثمن المعلوم فقال و كلتك في ان تشترى لي تغارا من حنطة بعشرين دينارا و ان تبيع تغارا من حنطة بعشرين دينارا و كل رجل أخر رجلا أخر في

232

بيع ذلك الشيء الموصوف بالثمن المعلوم فقال لوكيله مثل ما ذكرنا انه قال الأول لوكيله ثم ان الوكيلين تعاقدا فقال أحدهما للآخر بعت تغارا من حنطة صفتها كذا و كذا بعشرين دينارا أو قال شريت بدل بعت و قال الأخر بعت تغارا من حنطة موصوفة بكذا بعشرين أو قال شريت بدل بعت فإن أوجبنا تقديم الإيجاب أو قال الأول بعت و الثّاني شريت كان بيعا حملا للعقد على الصّحيح خصوصا مع صدوره من المسلم و حملا للصّيغتين على ظاهرهما و ان لم نلتزم بوجوب تقديم الإيجاب على القبول وجوبا تكليفيا و لكن اعتبرناه شرطا في صحّة العقد احتمل الحكم بالصّحة أيضا (مطلقا) سواء وقع بعت مقدّما أو كان الأمر بالعكس نظرا الى الغالب من تقديم الإيجاب على القبول و ان لم يكن واجبا و احتمل التّفصيل بان (يقال) في صورة تقديم بعت بالصّحة عملا بظاهر اللّفظ و اما في صورة تقديم شريت ففيه وجهان أحدهما البطلان لتعارض الأمارتين اعنى غلبة تقديم الإيجاب على القبول و ظهور شريت في القبول و بعت في الإيجاب و الأخر انه يصحّ و لكن يكون شراء من المتكلم بشريت و بيعا ممّن قال بعت و هذا الأخير هو الّذي استقر به صاحب (الجواهر) (رحمه الله) و ما ذكرناه من البيان أحسن من بيانه حيث ذكر في عنوان المسئلة انه لو وكل اثنين في بيع موصوف و ابتياعه (انتهى) لانّ ظاهره ان يوكل واحد اثنين في بيع موصوف و ابتياعه و (حينئذ) لا يصحّ ان يصدر الوكيلان عن امره لاستلزامه بيع مال الرّجل عن نفسه في المال و هو باطل

قوله و منها لفظ ملكت بالتشديد و الأكثر على وقوع البيع به بل ظاهر نكت الإرشاد الاتفاق عليه حيث قال انه لا يقع البيع بغير اللّفظ المتفق عليه كبعت و ملكت

أقول قد تقدم نقل كلامه (رحمه الله) في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) و زاد في غاية المراد و انه يحتمل ان يكون المراد بالمتفق عليه في كلامه ما اتفق أهل العرف لا ما اتفق عليه الفقهاء فراجع و في (الجواهر) و امّا ملكت فالأكثر بل (المشهور) على تحقق الإيجاب بها بل عن (جامع المقاصد) في تعريف البيع ما يشعر بالإجماع على صحّة الإيجاب به في البيع هذا كلامه (رحمه الله) و لا يخفى عليك انه لا دلالة الكلام المحقق الثّاني (قدس سرّه) في (جامع المقاصد) على دعوى الإجماع بل لا اشعار فيه به و ذلك لان العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) عرف البيع بالانتقال فذكر المحقق المذكور في الشرح انه اعتذر ولد (المصنف) (رحمه الله) في بعض حواشيه و شيخنا الشّهيد (قدس سرّه) بان هذا تعريف السّبب بالمسبّب و هو تعريف بالغاية ثم تنظر فيما اعتذرا به معللا بأنّ المفهوم من بعت ليس هو عقد البيع قطعا و انما المفهوم منه هو المفهوم من ملكت و ان كلّا منهما إيجاب للبيع و لو كان المفهوم من بعت هو عقد البيع لما صحّ الإيجاب بملكت انتهى فتخيل صاحب (الجواهر) (رحمه الله) انه لو لم يكن بطلان التالي و هو عدم صحّة الإيجاب بملكت مسلما مجمعا عليه لم يتم إلزامهما بفساد الاعتذار و لكن الأمر ليس كما تخيل لأن الإيجاب بملكت مما قد افتى به العلامة (رحمه الله) في كره و في (القواعد) فغرضه (رحمه الله) إلزامهما بأنه يلزم عدم صحّة الإيجاب بملكت و بطلان التالي مسلم عندهما و اين ذلك من دعوى الإجماع أو الاتفاق و مقابل قول الأكثر ما عن الجامع من انه لا يصح الا بلفظ الماضي و هو بعت أو شريت انتهى و قول من قال بانحصار الصّيغة في لفظ بعت كما تقدم فان مقتضى الحصر فيه وحده هو عدم انعقاد البيع بلفظ ملكت فقد علم ممّا ذكر في المسئلة قولان أحدهما وقوع البيع بلفظ ملكت و ثانيهما عدم وقوعه به و هناك قول ثالث ذهب إليه العلامة الطباطبائي (قدس سرّه) و هو التّفصيل بين ما لو قيد ملّكت بالبيع و عدمه بالوقوع في الأوّل و عدمه في الثاني و تبعه على ذلك صاحب (الجواهر) (رحمه الله) حجة القول الأول وجوه الأوّل الاتفاق المنقول في غاية المراد و الإجماع المستشعر من (جامع) (المقاصد) و فيه ما عرفت من عدم دلالة كلامهما على ذلك و لا إشعاره به الثاني ما افاده صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بقوله و لعله لكونها حقيقة فيما يشمل البيع فاستعمالها فيه (حينئذ) حقيقة إذا لم يكن على جهة الخصوصيّة الّتي يكون استعمال الكلى فيها مجازا و فيه انّه ان أريد به الخصوصيّة صار مجازا و هو ممنوع عند الجماعة و منهم هو (رحمه الله) و ان لم يرد به الخصوصيّة و انّما جائت من أمر خارج لم يكن اللّفظ بنفسه صريحا لان المراد به ما هو عنوان أعم من البيع و الصّلح و الهبة بعوض الثالث ما افاده ظاهر كلام فخر الدّين (رحمه الله) من كون ملكت في لغة العرب مرادفا لقولهم بعت فإنه قال فيما حكى عنه ان معنى بعت في لغة العرب ملكت غيري و فيه انه ان كان مراده ان ملكت مرادف لبعت فيفيد معنى البيع بالوضع فيكون صريحا فتوجّه المنع إليه جلّي ضرورة أنه للقدر المشترك بينه و بين العطية و الهبة كما نسب الى الفقهاء و أهل اللّغة بل في (جامع المقاصد) و لك في مسئلة انعقاد البيع بلفظ السّلم ما نصّه و لا ريب ان السّلم أقرب الى حقيقة البيع من التمليك المستعمل شرعا استعمالا شائعا في الهبة فإذا انعقد بالأبعد لتأدية المعنى المراد فالأقرب إذا أدّاه أولى انتهى و هما متفقان في العبارة الا انه ليس في (جامع المقاصد) تقييد المستعمل بقوله شرعا و (حينئذ) فلا يكون لفظ ملكت صريحا في البيع و هم مجمعون على اعتبار الصّراحة فذلك قاض بعدم الصحّة و ان أراد التفسير بالأعم لم يكن مفيدا في الدّلالة على (المطلق) من جواز إيقاع البيع به فافهم الرابع ما افاده (المصنف) (رحمه الله) من ان التمليك بالعوض المنحل إلى مبادلة العين بالمال هو المرادف للبيع و انه ان اتصل بها ذكر العوض أفاد المجموع المركب بمقتضى الوضع التركيبي البيع خاصّة فيكون صريحا و فيه ما ذكره بعض المعاصرين من المنع إذ لا يراد بالصراحة في كلامهم ما يشمل ذلك و الا لجرى في نقلته إليك و أدخلته في ملكك و جعلة لك و المفروض عدمه كما لا يخفى على من لاحظ كره و نحوها فتأمّل الخامس ما عن بعض الأساطين (قدس سرّه) في شرح

بيع (القواعد) من ان الأصل في تمليك الأعيان بالعوض هو البيع و في تمليك المنافع هي الإجازة فيكفي (حينئذ) في صيرورته بيعا مجرّد قصد التمليك من غير حاجة الى قصد أخر فضلا عن القيد بخلاف ملك الصّلح و الهبة فإنه لا بد من قصدهما قال في (الجواهر) و لعله على هذا يحمل ما عن المحقق الثاني (قدس سرّه) من ان المفهوم من بعت و ملكت معنى واحد و فيه ان توجه المنع على ما ادعاه من الأصل جلي حجّة القول الثاني وجوه أحدها ان ألفاظ صيغ العقود توقيفية و لم يعلم من (الشارع) تجويز العقد بلفظ ملكت فيبقى أصالة عدم انتقال المال عن ملك صاحبه سليما عن الواقع و فيه ما عرفت سابقا من الإجماع على عدم كونها توقيفية و الا كان اللّازم التعرض لذكر لفظ معيّن رخص فيه (الشارع) بخصوصه أو ألفاظ خاصّة اذن فيها من دون تجاوز الى غيرها و يرتفع الأصل بما دل على وجوب الوفاء بالعقود غاية ما في الباب انه أصابه التخصيص بما يمكن ان يعد كثيرا فتقتصر من مدلوله على ما لم يعرض عنه الأصحاب رأسا و في هذا المورد قد حكم جماعة بانعقاد البيع بلفظ ملكت ان لم نقل بأن الأكثر قد حكموا بذلك ثانيها ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) بقوله قيل بصيغة المجهول من ان التّمليك يستعمل في الهبة بحيث لا يتبادر عند الإطلاق غيرها و لعله إشارة الى ما تقدّم حكاية عن المحقق و الشّهيد الثانيين (قدس سرّهما) و فيه ما افاده بقوله

233

انّ الهبة انما تفهم من تجريد اللّفظ عن العوض لا من مادة التّمليك فهي مشتركة معنى بين ما يتضمن المقابلة و بين ما يتجرّد عنها (انتهى) و امّا ما تقدّم ذكره من إيراد بعض المعاصرين بأنه لإيراد بالصّراحة في كلامهم ما يشمل ذلك فهو مدفوع بان ظاهر جماعة منهم و ان كان ذلك الا ان قول جماعة بمجرّدة لا يبلغ مرتبة الحجيّة ما لم ينته الى حدّ الإجماع و كيف ينتهي الى ذلك الحد و قد خالف فيه جماعة كثيرة و قد عرفت ان مذهبه (رحمه الله) هو ان اللّازم انّما هو التعبير عن العنوان المعتبر في ذلك العقد عند (الشارع) و انه لا يجوز الإجارة بلفظ العارية مثلا و يجوز بلفظ بيع المنفعة و السّكنى و على هذا فيكفي المجموع المركب في إعطاء العنوان عنده و لا يلزم حصوله من المفرد ففي قولنا ملكتك بكذا يصير المجموع المركب مفيد العنوان المعاملة و امّا ما ذكره المعاصر المذكور بقوله و الا لجرى في نقلته إليك و أدخلته في ملكك و جعلته لك و المفروض عدمه ففيه منع الملازمة بالنّسبة إلى الأوّل و الأخير و منع بطلان اللّازم بالنّسبة إلى الأوسط و دعوى ان المفروض عدمه يمكن توجيه المنع عليها بأنه ان أراد بأن المفروض عند الأصحاب كلّهم أو عند (المصنف) (رحمه الله) بخصوصه ذلك فتوجه المنع عليه كنار على علم و ان أراد ان المفروض عند جماعة ذلك فيتجه عليه ان مجرّد فتوى جماعة ممّا لا حجّة فيه ثالثها ان التمليك حقيقة في القدر المشترك بين البيع و العطية و الهبة فإن أريدت خصوصيّة البيع من لفظه صار مجازا و استعمال الألفاظ المجازية في العقود غير جائز و ان لم ترد الخصوصيّة من اللّفظ كان عنوانا عاما غير منطبق على المقصود الّذي هو خصوص البيع و فيه ان هذا انما يتم على القول باشتراط كون الضيقة؟

بنفسها مع عدم انضمام شيء ممّا يكشف عن دلالتها صريحة و امّا على القول بالاكتفاء بكون المجموع المركب صريحا كما يظهر من الأكثر فلا يتم لانّ المجموع المركب من لفظي التمليك و العوض المنضم اليه يصير صريحا في عنوان البيع حجة القول الثالث ما أفاده في محكي المصابيح من انه يشكل الإيجاب بها يعنى لفظة ملكت لاحتمالها لغير البيع و ان كانت نصا في الإيجاب و لا يجدى ذكر العين و العوض لان تمليكها به قد يكون بالهبة و الصّلح فلا يتعين بيعا إلا إذا قيده البائع به فقال ملكتك بالبيع و منه يظهر وجه المنع كما هو ظاهر الجامع مع ضعف إطلاقه كإطلاق غيره و لو حمل المنع فيه على المجرد عن القيد و الجواز في غيره على المقيد زال الاشكال انتهى و حذا حذوه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بزيادة احتمال حمل المنع على ما إذا استعمل فيه مجازا بملاحظة الخصوصيّة و المجاز لا ينعقد به العقد و الجواز على استعماله على جهة الحقيقة و ان استفيدت الخصوصيّة من قيد أخر لكنك قد عرفت ما يتّجه على هذا ثمّ انه (رحمه الله) بعد ذكر جملة من الكلام قال و على كلّ حال فالأقوى صحّة الإيجاب بالتمليك مقيدا بالبيع ثمّ حكى عن المصابيح تحققه بكل ما كان من الألفاظ الموضوعة للقدر المشترك بين البيع و غيره نحو النقل و الإمضاء بل (الظاهر) تحققه عند أدخلته في ملكك بل و بجعلته لك بناء على كون اللّام حقيقة في الملك أو أريد ذلك منها بالقرينة بناء على انّها للقدر المشترك بينه و بين الاختصاص ضرورة اشتراك الجميع في المعنى مع ملكت انتهى يعنى انه يقع إيجاب البيع بهذه الألفاظ بعد تقييدها بما قيّد به ملكتك من قوله بالبيع و لكن يمكن الفرق بين ملكت و ان لم يقيّد بقوله بالبيع و انّما قيد بالعوض و بين غيره على ما عرفت من مذاقنا من التّمسك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فيما لم يعرض عنه الأصحاب و معلوم ان ملكتك متصف بهذا الوصف دون غيره من الألفاظ المذكورة

قوله (قدس سرّه) و امّا الإيجاب باشتريت ففي مفتاح الكرامة انه قد (يقال) بصحّته كما هو الموجود في بعض نسخ كره و المنقول عنها في نسختين من تعليق الإرشاد

أقول (الظاهر) انه تصحيف شريت كما هو الموجود في النسخة التي رأيناها لبعد الاقتصار عليها دون شريت و يؤيده انه لم يذكر اشتريت بالخصوص أحد من الفقهاء في عداد ألفاظ إيجاب البيع و ان كان بعض أهل اللّغة ذكر استعماله في معنى إيجاب البيع و قبوله ففي شرح القاموس (يقال) اشتراه إذا ملكه بالبيع و يقال اشتراه إذا باعه انتهى ثمّ ان (الظاهر) منها بعد ما عرفت هو حصر ألفاظ الإيجاب في بعت و ملكت و شريت لانه قال فيها صيغة الإيجاب بعت أو شريت أو ملكت من جهة البائع و مثله عبارة (الدروس) لانه قال فيها فالإيجاب بعت و شريت و ملكت انتهى و زعم بعض المعاصرين ان عبارة (القواعد) ايضا تفيد الحصر على خلاف صاحب (الجواهر) (رحمه الله) في حكمه بأنها كالصّريح في عدم الحصر قال المعاصر المذكور و ما قيل من انها كالصّريح في عدم الحصر محل نظر بل منع بل لعلها بالعكس سيما بملاحظة الحصر في القبول انتهى و لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام ان الحق ما فهمه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) لانه قال في (القواعد) و لا بد من الصّيغة الدّالة على الرّضا الباطن و هي الإيجاب كقوله بعت و شريت و ملكت و القبول و هو اشتريت أو تملكت أو قبلت انتهى و سياقه يعطى عدم انحصار الإيجاب لأنه حكم أو لا بلزوم الصّيغة الدّالة على الرّضا الباطن و هي أمر كلّي ثمّ حكم عليه بأنه الإيجاب و القبول و ادخل الكاف على ألفاظ الإيجاب و هي ظاهرة بل صريحة في التمثيل و امّا ما ذكره المعاصر المذكور من كون الحصر في القبول قرينة على الحصر في الإيجاب ففيه ان ما ذكره في جانب القبول ليس صريحا و لا ظاهرا في الحصر لاحتمال التمثيل فيه اعتمادا على ما ذكره في جانب الإيجاب و احتمال انه يقول بالحصر في جانب القبول دون الإيجاب هذا و قد نسب القول بالحصر في الثلاثة إلى جماعة و حال اليه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) كما يدل عليه الجمع بين ما ذكره في لفظي بعت و شريت من دعوى الإجماع و بين ما ذكره في ذيل كلامه و محصله ان الصّريح المعتبر عندهم ما كان دالا على خصوص البيع وضعا فلا يكفى ما يدل عليه بالقرينة و لو قرينة المشترك المعنوي و لو كانت لفظية موضوعة لذلك و الا لكفى المجاز كذلك و التّالي باطل عندهم فالمقدم مثله و الملازمة ظاهرة و الاكتفاء بملكت للإجماع ان ثبت لا يقضى بالتّعدية إلى غيرها و دعوى ان منشئه انما هو أصالة البيع في تمليك الأعيان بالعوض فيتعدى منها الى جميع ما كان بمعناها ممّا هو للقدر المشترك بين البيع و غيره محل منع بل لعل منشئه الترادف مع بعت كما نسب إلى الكركي (قدس سرّه) و غيره فلا يلزم منه التّعدية إلى غيرها مع انتفاء ذلك فيه كما هو واضح أو انه لحكمة لا نعرفها كما هو الوجه و دعوى ان الصّريح ما كان دالا بالوضع (مطلقا) في مقابل المجاز فيشمل المشترك المعنوي كاللفظي ممّا يأباه التدبر في عباراتهم و أمثلتهم في موارد شيء لا تخفى على المتتبع و لهذا احتمل كون المدار عندهم على ثبوت ذلك لغة و تعارفه على السنة الفقهاء و عدم رفضهم له فلا يكفى مجرّد الصّحة لغة أو عرفا و لهذا لم يصحّ سلمتك في السّلم مع صحّته لغة و صراحة فيه كما قيل و شمول الإطلاقات لكل لفظ مجازي أو مشترك لفظي أو معنوي أفاد معنى البيع و لو بالقرينة محل نظر بل منع لقرب احتمال انصرافها الى المتعارف و معلوم ان جميع ذلك

234

ليس من ذلك القبيل بل جزم بعضهم بانصراف الآية إلى أشخاص العقود المتعارفة لا إلى أنواعها مضافا الى معلومية كون المعاملات قد شرعت لنظام أمر المعاشى المطلوب لنفسه و توقف أمر المعاد عليه و لما كانت منشأ الاختلاف و التنازع و الترافع وجب ضبطها بالأمر (الظاهر) الكاشف صريحا عن المعاني المقصودة بها من العقد و الحل و الربط و الفك و الا لكان نقضا للفرض الداعي إلى وضع المعاملة و إثباتها في السريعة و القيم بذلك انما هو البيان المعرب عما في ضمير الإنسان من الألفاظ الموضوعة لذلك دون غيرها مما لا يفهم منه المعنى المقصود إلا بالقرائن من الألفاظ الموضوعة للقدر المشترك و المجازات و الأفعال و الإشارات و الكنايات و الكتابات و نحو ذلك ثم انه (رحمه الله) قال في ذيل كلامه و من ذلك كله يظهر لك ان الاقتصار على الألفاظ الدالة وضعا (حينئذ) هو الاولى هذا و مقتضاه عدم جواز الإيجاب بلفظ ملكت و كذا بلفظ شريت بل بعت لكون الأول من المشترك المعنوي و الثانيين من المشترك اللفظي لأنّه احترز عن الأوّل عند منعه عن المشترك المعنوي المقرون بالقرينة بقيام الإجماع عليه فيبقى الأخيران بل كل مشترك لفظي فيلزم ان لا يجوز الإيجاب بذلك لعدم الفرق بينه و بين المشترك المعنوي في الافتقار إلى القرينة و (حينئذ) فيشكل الإيجاب بلفظي بعت و شريت ايضا لكونهما من المشترك اللّفظي باعترافه الا ان يلتزم بخروجهما أيضا بالإجماع و (حينئذ) فلا يبقى لتأسيس هذه القاعدة وجه لبقائها بلا مورد مع ان ما ذكره من انصراف العقود المأمور بالوفاء بها الى العقود المتعارفة ممنوع هذا و لكن مقتضى ما ذكرناه من مذاقنا من كون قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مبينا و انه يصح التمسّك به في الموارد الّتي لم يعرض الأصحاب عن التمسك بها هو جواز الإيجاب بالألفاظ الثلاثة المذكورة و امّا الحصر فيها فلا بل نكتفي بكل لفظ دل على (المقصود) دلالة واضحة صريحة و لو كان ذلك بواسطة القرينة و ان كانت من قبيل الأمور العقلية أو القرائن المقامية

قوله و امّا القبول فلا ينبغي الإشكال في وقوعه بلفظ قبلت و رضيت و اشتريت و شريت و اتبعت و تملكت و ملكت مخففا

(الظاهر) ان عدم لياقة الإشكال في المقام انما هو بحسب مذاقه (قدس سرّه) في وجه الجمع الذي ذكره فإن أخفى الألفاظ السّبعة من حيث الدلالة على القبول انّما هو شريت و هو مقرون بقرينة لفظية اعنى ألفاظ الإيجاب بل ألفاظ المتعلقات التي تذكر للفظ شريت و الا فكلماتهم مختلفة و القدر المتيقن المستفاد من السّرائر هو الاقتصار في القبول على اشتريت و قبلت دون غيرهما بل ذلك ظاهر العبارة التي قدمنا حكايتها عنها عند الكلام على الإيجاب بلفظ بعت و قد يدعى انفهام انحصار ألفاظ القبول فيهما من عبارة الغنية التي قدّمنا حكايتها هناك ايضا و قد تقدّم الكلام في ذلك و في الجواهر للقاضي عبد العزيز بن البراج (رحمه الله) مسئلة إذا قال المشترى للبائع يعني بكذا و قال البائع بعتك هذا هل ينعقد البيع أم لا الجواب لا ينعقد البيع بذلك و انما ينعقد بان يقول المشترى بعد ذلك قبلت أو اشتريت لان ما ذكرناه مجمع على ثبوت العقد و صحته به و ليس (كذلك) ما خالفه و من ادعى ثبوته و صحته بغير ما ذكرنا فعليه الدّليل و أيضا فالأصل عدم العقد و على من يدّعى ثبوته الدليل انتهى و في (التذكرة) و القبول من المشترى قبلت أو اتبعت أو اشتريت أو تملكت و في (القواعد) و القبول و هو اشتريت أو تملكت أو قبلت و في (الدروس) و القبول اتبعت و اشتريت و تملكت و قبلت و أمثال هذه العبارات ممّا اقتصر فيه على ألفاظ خاصّة من دون تصريح بكلمة دالة على انّ (المقصود) انما هو التمثيل يحتمل فيها وجهان أحدهما ان نقول ان المراد بها التمثيل على حد ما وقع فيه كلمة دالة على ذلك مثل ما حكى عن (التحرير) من قوله و القبول اللّفظ الدّال على الرّضا مثل قبلت و اشتريت و نحوهما و ما في الإرشاد حيث قال الأول العقد و هو الإيجاب كبعت و القبول كاشتريت و ما في (الروضة) حيث قال و يشترط وقوعهما الإيجاب و القبول بلفظ الماضي العربي كبعت من البائع و اشتريت من المشترى و شريت منهما لانه مشترك بين البيع و الشراء و ملكت بالتشديد من البائع و التخفيف من المشترى و تملكت انتهى و ما عن صريح الجامع من صحّة القبول ببعت و يدل على هذا الوجه ما ذكره في (جامع المقاصد) عند قول العلامة (قدس سرّه) و القبول هو اشتريت أو تملكت أو قبلت ما لفظه كان الاولى ان يقول كاشتريت لان اتبعت و نحوه قبول قطعا انتهى و يؤيّده ما عن العلامة الطباطبائي (قدس سرّه) من القطع بعدم الفرق بين الصيغ المؤدية للمعنى لا عقلا و لا شرعا و في (الجواهر) و لو توقف النقل على خصوص اللفظ المعين لزم الاقتصار على بعت و اشتريت و قبلت و لم يجز غيرها لعدم ثبوته بعينه من نص و لا إجماع و رضيت في القبول أظهر من ملكت و شريت و أقرب الى مفهوم قبلت فكان اولى بالجواز منهما انتهى بل قد (يقال) بجوازه بكل لفظ موضوع لذلك و لو كان مشتركا معنويا أو بكل لفظ دال على ذلك و لو مجازا على نحو ما سبق في الإيجاب و ثانيهما ان نقول انها مبنية على دعوى حصول القبول ببعض دون بعض أو على وجه دون وجه أخر و ان لم نصل إلى حقيقة و يؤيده ما عن تعليق الإرشاد من التردّد في رضيت بدل قبلت و ان كان بمعناه لاحتمال توقف النقل على الصّيغة المعينة هذا و لكن الإنصاف ان الجمع بين كلمات الأصحاب بحيث يحصل التوافق بين الجميع في هذه المسئلة كما هو الشّأن في كثير من المسائل من جملة القضايا الّتي لا أبا حسن لها و لكن الحكم على مقتضى قاعدتنا التي ذكرناها من التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في كلّ لفظ صدق عليه انّه تحقق العقد به و لم يعرض الأصحاب عن العمل به في ذلك المورد ممّا لا اشكال فيه

قوله (رحمه الله) ثم ان في انعقاد القبول بلفظ الإمضاء و الإجازة و الإنفاذ و شبهها وجهان

لعل منشأ الوجهين انها ليست بصريحة لعدم وضعها لعنوان القبول مثل لفظ قبلت و لا لعنوان طرف المعاملة كاشتريت و قد اشترطوا الصّراحة في ألفاظ العقود مع عدم تصريح منهم بوقوع القبول بها فلا ينعقد بها و ان (الظاهر) ان الصّراحة و اعتبار اللّفظ الحقيقي أو المجازي الّذي قرينة لفظ حقيقي انما هي بالنّسبة إلى الإيجاب وحده و ذلك لكون القبول تابعا ينكشف معناه و اختصاصه بخصوص عقد كالبيع مثلا بواسطة لحوقه الإيجاب الخاص الّذي هو المتبوع و لذا جوزوا الاكتفاء بلفظ قبلت بعد إيجاب البيع مثلا من دون ذكر لفظ البيع مفعولا له استغناء بالاقتران و هذا و ان كان من جملة القرائن المقاميّة الا ان (الظاهر) ان الاستفتاء بمثل ذلك في خصوص القبول الّذي هو من توابع الإيجاب من قبيل المسلمات و يمكن ان (يقال) ان منشأ الوجهين هو التردّد في انه يلزم ان تكون القرينة اللّفظية الحقيقية الّتي اعتبرها (المصنف) (رحمه الله) في كلام من تكلم بالكناية أو اللفظ المجازي الذي تفيدهما القرينة وصف الصّراحة أم يجوز ان يكون اللّفظ الحقيقي الواقع في كلام كل من المتكلم و المخاطب قرينة على المراد بالكناية أو المجاز في كلام الأخر فإن قلنا بالثاني صحّ انعقاد القبول بلفظ الإمضاء و ما بعده لان لفظ الإيجاب المستعمل في معناه على وجه الحقيقة في كلام الموجب قرينة لفظية حقيقية على المراد بالإمضاء و أخواته باعتبار كون ذلك محقّقا لمورد هذا

235

و متعلّقه و لا بعد في هذه الدّعوى فإنه قد وقع في كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في تمهيد القواعد ما يؤيدها لكونه أعظم منها قال في القاعدة الاولى من القسم الثاني من الكتاب المذكور انه لا يشترط في الكلام صدوره من ناطق واحد و بين ذلك بان صورته أن يتواطأ مثلا شخصان على ان يقول أحدهما زيد و يقول الأخر قائم و من فروعها الشرعيّة ما إذا كان له وكيلان بإعتاق عبد أو بيعه أو غير ذلك فاتفقا على ان يقول أحدهما مثلا هذا و يقول الثاني حر و مقتضى القاعدة صحة ذلك لكن لم أقف فيه على كلام لأحد نفيا و لا إثباتا و منها ما إذا قال لي عليك الف فقال المدعى عليه الا عشرة أو غير عشرة أو نحو ذلك فهل يكون مقرا بباقي الألف وجهان من ظاهر القاعدة و من انه لم يوجد منه الا نفى بعض ما قاله خصمه و نفى الشيء لا يدل على ثبوت غيره و هذا أقوى انتهى و المقصود من ذكره التقريب و الا فاصل القاعدة عندنا غير ثابت لم يقم عليها دليل ثم على تقدير ثبوتها فما ذكره في الفرع الثاني من انه لم يوجد من المدعى عليه الا نفى بعض ما قاله خصمه و نفى الشيء لا يدلّ على ثبوت غيره مما لا وجه له لأن أداة الاستثناء مع ما يليها ليست من الألفاظ الّتي تستقل بإفادة النفي بل لا بد في الإفادة من الاتصال بما قبلها فمع فرض دلالتها على النفي لا بدّ من الالتزام فيها بالاتصال بما قبلها و (حينئذ) فلا وجه لدعوى مجرّد نفى شيء من غير ثبوته فتدبر و يؤيد ما ذكرناه ايضا ان العلماء يعتبرون ما يصلح صارفا إذا وقع في كل من كلامي السائل و المسئول في الاخبار قرينة على الأخر هذا ان قلنا بالثاني و ان قلنا بالأول اما (مطلقا) أو في خصوص الإيجاب و القبول المعتبرين في العقود لم يصحّ انعقاد القبول بلفظة الإمضاء و أخواتها

[الكلام في شروط العقد]

[في اعتبار العربية في صحة عقد البيع]

قوله (رحمه الله) المحكي عن جماعة منهم السّيد عميد الدين (رحمه الله) و الفاصل المقداد و المحقق و الشّهيد الثانيان اعتبار العربيّة في العقد يعنى عقد البيع

اعلم ان عقد البيع مساو لسائر العقود اللازمة مما عدا عقد النكاح فان (الظاهر) ان من اعتبر العربيّة فيه اعتبرها فيها جميعا و لذلك قال المحقق الثاني (قدس سرّه) في (جامع المقاصد) في شرح قول العلّامة (قدس سرّه) و لا بدّ من صيغة الماضي انه يشترط وقوعهما يعني الإيجاب و القبول بالعربيّة مراعى فيهما أحكام الاعراب و البناء و كذا في كل عقد لازم انتهى و (كذلك) الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في كتاب البيع من (الروضة) و ان اعتبر العربية في العقد و لم يتعرض لحال سائر العقود الازمة نفيا و لا إثباتا لكنه في كتاب النكاح اعتبر العربيّة في عقده مشبها له بغيره من العقود اللّازمة و امّا عقد النّكاح (فالظاهر) وجود الفرق بينه و بين سائر العقود بكونه أقوى منها لكونه متعلقا بأمر الفروج الذي هو محل الاحتياط و اهتمام (الشارع) يكون الاقدام عليه على وجه معلوم المشروعية فاعتبار العربيّة فيه لا يستلزم اعتبارها فيها ايضا و لهذا ترى جماعة من أعاظم فقهائنا (رضي الله عنه) منهم الشّيخ في (المبسوط) و المحقق في (الشرائع) و العلامة في (القواعد) و (التذكرة) سكتوا عن اشتراط العربيّة في عقد البيع و اعتبروها في عقد النّكاح و صرح الشهيد الثاني في (الروضة) بكون النكاح اولى من غيرها قال و لا يجوز العقد إيجابا و قبولا بغير العربية مع القدرة عليها لان ذلك هو المعهود من صاحب الشرع كغيره من العقود اللازمة بل اولى و ينبغي تحرير البحث في مقامين الأوّل في عقد النكاح قال الشّيخ في كتاب النكاح من (المبسوط) هذا إذا عقدا بالعربية فإن عقدا بالفارسيّة فإن كان مع القدرة على العربيّة فلا ينعقد بلا خلاف و ان كان مع العجز فعلى وجهين أحدهما يصح و هو الأقوى و الثاني لا يصح فمن قال لا يصح قال يوكل من يقبلها عنه أو يتعلمها و من قال يصح لم يلزمه التعلم و إذا أخيّر بالفارسيّة احتاج الى لفظ يفيد مفاد العربيّة على وجه لا يخل بشيء منه فيقول الولي اين زنرا بتو دادم بزنى و معناه هذا المرأة زوجتكها و يقول الزوج پذيرفتم يعنى قبلت هذا النكاح انتهى و قال العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) في كتاب النكاح لا ينعقد الا بلفظ العربيّة مع القدرة فلو تلفظ بأحد اللفظين بالفارسيّة أو غيرها من اللغات غير العربيّة مع تمكنه و معرفته بالعربية لم ينعقد عند علمائنا الى ان قال و اما إذا لم يحسن العربيّة فإن أمكنه التعلم وجب و الّا عقد بغير العربي للضّرورة انتهى و في (الشرائع) و لا يجوز العدول عن هذين اللفظين الى ترجمتهما بغير العربيّة إلا مع العجز عن العربيّة و في حاشية المحقّق الثاني عليها لا ريب في اعتبار وقوع عقد النكاح بالعربيّة فيبطل لو وقع بغيرها و المراد بالعربي ما يكون لفظه باعتبار مادته و صورته و لو غير بنية الكلمة أو لحن في إعرابها لم ينعقد مع القدرة على العربي كما لو اتى بالترجمة مع العلم بلسان العرب اما لو لم يكن عالما بذلك و لم يمكنه التعلم أو امكنه بمشقة العادة فإنه يكفيه الإيقاع بمقدوره و ان تمكن من التوكيل و كذا كل موضع يعتبر فيه اللّفظ العربي انتهى و في (القواعد) و لا يصحّ بغير العربيّة مع القدرة و يجوز مع العجز و قال المحقق الثاني في شرح هذه العبارة فلا ينعقد النكاح و غيره من العقود اللّازمة بغيره من اللغات كالفارسيّة مع معرفة العاقد و تمكنه من النّطق ذهب الى ذلك أكثر الأصحاب و قال ابن حمزة (رحمه الله) ان قدر المتعاقدان على القبول و الإيجاب بالعربيّة عقدا بها استحبابا و الا صحّ الأوّل انتهى و توضيح الحال ان المسئلة تتصور على صور ثلث احديها ان يكون المباشر للعقد عالما بالصّيغة العربيّة فعلا متمكنا من إجرائها كالفقيه العالم باللغة العربيّة و مواقعها أو العربي الفصيح الذي لا مانع له من إجرائها على طبق قواعدها الثانية ان يكون عاجزا عنها فعلا لكن يكون متمكنا من التعلم المتيسر عليه حال الحاجة إليها أو متمكنا من التوكيل الثالثة ان يكون مع عجزه عنها بالفعل عاجزا عن التعلم و التوكيل ايضا امّا الصّورة الأخيرة فلا اشكال و لا خلاف في صحة العقد فيها بغير العربية و لا يكون منهيا عن إيقاع العقد و مأمورا بترك التزوج و حكم هذه الصّورة هو القدر المتيقن ممّا ذكروه من ان العاجز عن العربيّة يعقد بغيرها و مثلها ما لو لم يكن متمكنا من التعلم وحده فلا يجب عليه التوكيل مع تيسّره بل يعقد بمقدوره لأصالة البراءة من وجوب التوكيل و الى هذا أشار العلامة بقوله في العبارة المذكورة و

اما إذا لم يحسن العربيّة فإن أمكنه التعلم وجب و الا عقد بغير العربي للضّرورة انتهى حيث حكم بالعقد بغير العربي على تقدير عدم التمكن من التعلم و صرّح به المحقق الثاني في ذيل حاشية (الشرائع) المتقدم ذكرها و امّا الصّورة الثانية فمقتضى كلام الشيخ الذي حكيناه عن (المبسوط) هو وقوع الخلاف فيها لانه قال و ان كان مع العجز فعلى وجهين و جعل أحدهما الصحّة و قواها و جعل الثاني عدم صحّة العقد بغير العربيّة ثم قال فمن قال لا يصح قال يوكل من يقبلها عنه أو يتعلمها فان كلامه هذا كشف عن وجود القائل و ان المراد بالوجهين في كلامه القولان و كشف ايضا عن ان المراد بالعجز المفروض في كلامه انما هو العجز فعلا دون العجز رأسا إلى أخر أمره

236

و منتهى عمره و الا لم يكن للقائل بعدم الصحّة (حينئذ) ان يحكم بأنه يوكل غيره أو يتعلم و (حينئذ) نقول ان الحق هو القول بالصحّة لأصالة البراءة من وجوب التعلّم و التوكيل فيأتي بمقدوره و يصدق عليه العقد فيجب الوفاء به لقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و اعلم ان وجود المشقة في التعلم و قوت الغرض المقصود بسببه يلحقانه بغير المقدور فيندرج في الصّورة الثالثة فلا يجب التعلم (حينئذ) حتى عند من يوجب التعلم عند القدرة عليه و قد عرفت ما ذكره المحقق الثاني (رحمه الله) في حاشية (الشرائع) المتقدم ذكرها حيث قال و اما لو لم يكن عالما بذلك و لم يمكنه التعلم أو امكنه بمشقة العادة فإنه يكفيه الإيقاع بمقدوره و ان تمكن من التوكيل و في كشف اللثام و يجوز كما قطع به الأصحاب مع العجز عن العربيّة و لو بالتعلّم بلا مشقة و لا فوت غرض مقصود و ربما قيل يلزم التوكيل و هو اولى ليقع باللّفظ المتلقى من (الشارع) لكن الأصل يدفعه انتهى و مقتضى التحقيق ما ذكرناه في سابقه من ان أصل البراءة ينفى وجوب التعلم مع المشقة أو فوت الغرض المقصود و وجوب التوكيل و يصدق على العقد بالفارسي انه عقد فيلزم الوفاء به بحكم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا ينافي ذلك قاعدتنا من العمل به حيث لم يعرض عنه الأصحاب لأن منهم من افتى هنا بصحّة العقد كما عرفت هذا و ذكر و الجواز إيقاع عقد النكاح بغير العربيّة و عدم وجوب التعلم و لا التوكيل وجوها أحدها الأصل أعني أصالة البراءة من وجوب التعلم أو التوكيل و قد أشار إليه المحقق الثاني (رحمه الله) في (جامع المقاصد) حيث قال نعم يجوز لمن لا يعلم الإيقاع بمقدوره و لا يجب التوكيل للأصل نعم يجب التعلم إن أمكن من غير مشقة عرفا انتهى و ثانيها رفع الحرج ذكره في كشف اللّثام و ثالثها فحوى الاجتزاء بإشارة الأخرس ذكره فيه ايضا رابعها عدم النّص الأمر بالعربيّة ذكره فيه ايضا و هذا يحتمل وجهين أحدهما ان يكون المراد به إحراز مورد أصل البراءة فيصير المحصل انه لما لم يكن به أمر كان الشك فيه شكا في أصل التكليف فيرجع الى البراءة و (حينئذ) يكون المراد به عين ما ذكره المحقق الثاني و ثانيهما ان يكون المراد به ان نفس عدم الأمر بالعربيّة مع عموم ابتلاء الناس بالعقود أمارة ظنيّة على عدم اعتبارها لانه كان اللازم (حينئذ) بمقتضى مناصبهم (عليه السلام) بيان ما يجب على الناس و إظهار ما به يصحّ عقودهم كما هو شأنهم (عليه السلام) فحيث لم يبينوا (عليه السلام) مع عموم ابتلاء الناس و حاجتهم الى البيان كان ذلك امارة على عدم اعتبارها كما هو الشأن في كل ما يعم البلوى به و يحتاج الى بيانه و (حينئذ) يصير مغايرا لما ذكره المحقق المذكور و في (الجواهر) بعد التمسّك بفحوى الاكتفاء بإشارة الأخرس ما نصّه مؤيّدا ذلك بعدم العثور فيه على خلاف بين الأصحاب بل في المحكي عن كشف اللّثام الذي قطع به الأصحاب انه يجوز بغير العربيّة للعاجز عنها و لو بالتعلم بلا مشقة و لا فوت غرض مقصود بل (الظاهر) الاجتزاء بذلك و ان تمكن من التوكيل كما صرّح به بعضهم للفحوى المزبورة فما عن بعضهم من اعتبار ذلك في الاجتزاء بها لا (يخلو) من نظر انتهى و مراده بعدم العثور على الخلاف انما هو عدم العثور على الخلاف بحيث يكون المخالف معلوما فلا ينافي ما في كشف اللّثام من قوله و قيل يلزم التوكيل و ما فيها من قوله فما عن بعضهم من اعتبار ذلك في الاجتزاء بها (انتهى) لكون القائل غير معلوم عنده كما هو غير معلوم عندنا إذ لم نعثر على كلام فيما حضرنا عن الكتب مشتمل على التصريح بالقائل و كيف كان فقول كاشف اللثام انه قطع به الأصحاب و ان كان ظاهرا في العموم الا ان نقله القول بلزوم التوكيل قرينة على عدم ارادة العموم و ان المراد قطع أكثر الأصحاب لكنّ الأمر في حكم المسئلة سهل بعد قوة دليل الجواز و وهن المخالف و دليله إذ ليس له الا ما نذكره ممّا عدا الاتفاق و نفى الخلاف في الصورة الاتية من الوجوه و ستعرف وهنها و زاد بعض المعاصرين للقول بالصحّة و الجواز وجها خامسا و هو الإطلاقات المقتصر على خروج القادر على العربيّة فعلا عنها إذ لا نصّ على اعتبارها كي يتمسّك بإطلاقه ثم تنظر فيه و فيما قبله من جملة ممّا ذكرنا ثم قال و لعله لذا مع أصالة عدم السّببيّة لذلك (مطلقا) و انّما الثابت في الجملة قيل باعتبار العجز عن

التوكيل كما عن بعضهم ثمّ قال و ما في مفتاح الكرامة من انه مدفوع بالأصل في غير محلّه و بما ذكرناه من التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يرتفع الأصل انتهى و بعد ذلك كله لا ريب في ان الاولى ما جعله في كشف اللّثام اولى لحسن الاحتياط خصوصا في أمر الفروج و للتيمن باللفظ المتلقى من الشارع هذا و بقي الكلام في الصّورة الأولى فنقول لا ريب في مصير الأكثر و المعظم الى اعتبار العربيّة فيها بل لم يحصل لنا دراية و لا رواية عثور على مخالف في المسئلة عدا ابى جعفر محمّد بن على بن حمزة فإنه قال في كتاب النكاح من الوسيلة و ان قدر المتعاقدان على القبول و الإيجاب بالعربيّة عقدا بها استحبابا و ان عجزا جاز بما يفيدها من اللغات انتهى ثمّ ان ما وقع التمسّك به لقول الأكثر وجوه الأول الأصل فقد تمسّك به بعض المعاصرين و (الظاهر) ان مراده أصالة عدم سببية غيره لحل الاستمتاع و ان ذلك هو مراد المحقّق الثاني (قدس سرّه) في (جامع المقاصد) بقوله لان الناقل هو الألفاظ المخصوصة و غيرها لم يدل عليها دليل و معلوم ان العقود الواقعة في زمن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليه السلام) انّما كانت بالعربيّة انتهى نظرا الى ان ما ذكره انّما هو لإحراز مورد الأصل فكأنه قال ثبت كون ألفاظ مخصوصة من قبيل النواقل الشرعيّة و لم يثبت غيرها و يدل على الأمرين ان العقود الواقعة في زمن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) انما كانت عربيّة فيثبت اعتبار العقود العربيّة و لا يثبت غيرها فيبقى بعد عدم الثبوت على الأصل الّذي هو عدم السّببيّة و مثله عبارة كشف اللثام حيث قال فيه لان العقود متلقاة من (الشارع) مع الأصل الثّاني ان ألفاظ العقود توقيفية كالعبادات و هذا الوجه يحتمله عبارة (جامع المقاصد) و كشف اللثام و عبارة الثاني أظهر في هذا الوجه خصوصا بضميمة ذيل كلامه حيث قال و ابن حمزة (رحمه الله) استحبّ العربيّة لأنه من الألفاظ الصّريحة المرادفة للعربيّة و جوابه منع الكبرى لما عرفت انتهى لان (الظاهر) ان قوله ما عرفت كناية عن كون العقود متلقاة من (الشارع) الثالث الاحتياط في الفروج ذكره في كشف اللثام ايضا الرّابع ان غير العربي غير صريح فهو من قبيل الكنايات الّتي وقع المنع عن استعمالها في العقود في كلمات الفقهاء و هذا الوجه يعطيه كلام العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) لأنه بعد ان حكم فيها بعدم الانعقاد بغير العربيّة عند علمائنا قال و هو أحد وجهي الشافعي و احمد لأنه عدل عن النكاح و التزويج مع القدرة فصار كما لو عدل الى البيع و التمليك و قال أبو حنيفة و أصحابه و الشافعي ايضا انه ينعقد اعتبارا بالمعنى و ليس بجيّد لان غير العربي بالنّسبة إليه كالكناية فلا يعتبر به انتهى الخامس التأسي السّادس ان العقد بغير الماضي ليس صحيحا مع انه عربي اتفاقا فغير العربي اولى بذلك السّابع ان الإيجاب و القبول بغير العربيّة لا يصدق عليه انه عقد بل زاد بعضهم في الطنبور

237

نغمة أخرى و هي ان غير العربيّة من اللغات ليست لسانا و لا لغة لأن غير العرب أعجم و الأعجم هو من لا لسان له بل حكى عنه بعض من تأخر ان إشارة الأخرس و ان كانت كافية الا ان غير العربي لا يحكم عليه بما حكم به على إشارة الأخرس من الاجزاء و لا يخفى عليك ما في الوجوه المذكورة ضرورة انّ الأوّل يرتفع بالدّليل و هو قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و ان توقيفيّة ألفاظ العقود ممنوعة كما تقدم و يعلم من اندفاع الأوّل اندفاع الاحتياط في الفروج و ان الكناية بشيء من معانيها و محتملاتها لا تصدق على العقد بغير العربيّة الا ان يفرض العاقد عربيا بحتا لا يفهم شيئا من ألفاظ العقد و هو خارج عن الفروض و ان التأسّي انما يجب في معلوم الوجه و ما كان ليس من قبيل الأمور العادية و ان بطلان العقد بغير الماضي ليس بذلك الوضوح فهو أوّل الكلام مضافا الى منع الأولويّة لأن غير الماضي بعيد عن معنى الإنشاء بخلاف غير العربي المستعمل في مقام الإنشاء على طبق قواعد تلك اللّغة و امّا الوجه الأخير و ما في ذيله فهو ممّا يلحق بالخرافات الا ان يكون المراد به انصراف الإطلاقات الواردة في المعاملات الى المعهود الّذي هو العربي و سيجيء الكلام عليه في المقام الثاني و زاد بعض الناس في المقام دعوى و هي ان عدم التعرض في كلمات الأئمة (عليه السلام) و اخبارهم لاشتراط العربيّة انما هو من جهة بداهة الاشتراط و كونه من المسلمات و لا يخفى عليك انه معارض بدعوى ان عدم التعرّض انّما هو من جهة بداهة عدم الاشتراط و ان وقوعه من أهل العصمة و اتباعهم (عليه السلام) بالعربية انما هو من جهة كونها لسانهم فكل صاحب لسان يجزيه إيقاع العقد بلسانه فلم يبق في المسئلة الا نفى الخلاف في كلام الشيخ و دعوى عدم الانعقاد عند علمائنا في عبارة (التذكرة) و نفى الرّيب عن عدم الصحّة بغير العربيّة في حاشية المحقق الثاني (رحمه الله) على (الشرائع) و لو لا استنادهم الى الوجوه المذكورة كانت هذه الدّعاوي الثلاثة قويّة الا ان علمنا بمستندهم فيها أورثها الوهن و مع ذلك فلا ينبغي مخالفتهم مع كون المورد ممّا هو مورد الاحتياط هذا و امّا قول ابن حمزة (رحمه الله) فقد عرفت انه لم يتعرض هو لدليله و لكن جماعة ممن حكوا خلافه في المسئلة بينوا لقوله مستندا فمنهم الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في (الروضة) حيث قال و قيل ان ذلك مستحب لا واجب لان غير العربيّة من اللغات من قبيل المترادف فيصح ان يقام مقامه و لان الغرض إيصال المعاني المقصودة ثم قال و هما ممنوعان أقول ليتهم استدلوا لقوله (رحمه الله) بما دلّ على وجوب الوفاء بالعقود و هذا كلّه بالنّسبة إلى جنسه الذي هو جواز إيقاع العقد بغير العربيّة و امّا استحباب اختيار العربيّة فلعلّه مبنىّ على حسن الاحتياط أو التبرك بألفاظ النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الثاني في عقد البيع و قد عرفت ان المحقق الثاني و الشّهيد الثاني (قدس سرّهما) اعتبرا اشتراط العربيّة في كل عقد لازم و حكى مثله عن كنز العرفان فالمقصود هو ان عقد البيع لا اختصاص له من بين العقود اللّازمة بالشّرط المذكور و يجرى هنا جميع ما ذكرناه في اعتبار العربيّة في عقد النكاح في المقام السّابق عدا الاحتياط في أمر الفروج و دعوى عدم الخلاف من الشّيخ (قدس سرّه) و عدم الوقوع بغير العربيّة عند علمائنا من العّلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) و نفى الرّيب في كلام المحقق الثاني (قدس سرّه) في حاشية (الشرائع) لأن كثيرا ممّن اعتبر العربيّة في النكاح سكت عن اعتبارها هنا و الوجوه المذكورة قد عرفت ما فيها و الاتفاق و نفى الخلاف غير قائمان هنا و لكن مع ذلك قال بعض المعاصرين هنا لا نعرف خلافا في اعتبار العربيّة مع القدرة عليها فعلا للأصل لا للتأسّي و لا لان العقد بغير الماضي غير صحيح مع انه عربيّ اتفاقا فغير العربي اولى بذلك لوضوح توجّه المنع إليهما و ربّما يحتمل الصحّة بدونها بل ربما صار إليها بعض من تأخر كما في (الحدائق) و غيرها للأصل و العمومات كتابا و سنة لصدق البيع بل و العقد بدونها قطعا بل و إجماعا ظاهرا لإطلاق الأصحاب و قلة المصرّح باشتراطها بل لم يوجد المصرّح به قبل الثانيين كما قد يظهر من مفتاح الكرامة و الإجماعات على اعتبارها في صيغة النكاح مع تسليمه غير قاض باعتبارها في البيع و نحوه بل عن ابن حمزة انّها غير معتبرة فيه لان غير العربي صريح مرادف له

فيجتزى به فيه فلا تعتبر عنده هنا بطريق أولى الا ان المانع للجميع مستظهر بل قد يدعى انصراف العمومات إلى العربيّة لأنّها هي المعهودة عند المخاطبين بها أو لعدم معلوميّة صدق العقد بل و البيع على غيرها بناء على انّهما اسم للصّحيح أو (مطلقا) بناء على ركنية العربيّة كأصل اعتبار اللّفظ فيه و على ان الركن ممّا يتوقف عليه صدق الاسم عرفا فتدبّر و اولى بذلك عبارات الأصحاب سيّما ما كان ظاهرها الحصر بالألفاظ العربيّة بل قد يستظهر منهم اعتبارها كما عن العميدي و المقداد النّص عليه ايضا بل في الكنز النّص عليها في كلّ عقد لازم و لعلّ غيره (كذلك) ايضا فلاحظه و لعل إهمال الأكثر التصريح بها انما هو لمعلوميّتها أو للاستغناء عنها بذكر الصيغة الخاصّة التي لا يتعدى منها الى مرادفها من العربيّة فكيف يتعدى منها الى مرادفها من غيرها فتأمّل جيدا و اللّه اعلم ثم قال و امّا مع العجز عنها فعلا و لو مع إمكان التعلم المتيسر عليه حال الحاجة إليها فلا نعرف خلافا في الاجتزاء بغيرها كما اعترف به بعضهم بل عن كشف اللثام الذي قطع به الأصحاب انه يجوز بغيرها للعاجز عنها و لو بالتّعلم بلا مشقة و لا فوت غرض و لعلّه الحجّة مضافا الى فحوى الاكتفاء بإشارة الأخرس مع العسر و الحرج بل و للإطلاقات المقتصر على خروج القادر على العربيّة فعلا عنها إذ لا نص على اعتبارها كي يتمسّك بإطلاقه الى غير ذلك ممّا يقضى بعدم اعتبار العجز عن التوكيل كما نص عليه كثير منهم الا ان الجميع محل نظر و لعله لذا مع أصالة عدم السّببيّة لذلك (مطلقا) و انما الثابت في الجملة قيل باعتبار العجز عن التوكيل كما عن بعضهم لانّه القدر المتيقن و ما في مفتاح الكرامة من انه مدفوع بالأصل في غير محلّه بل مقتضى ذلك (أيضا) اعتبار العربيّة الصّحيحة مادة و هيئة و إعرابا و بناء مع الاختيار و مع الضّرورة يجزي غيرها ايضا كما عن صيغ العقود و غيرها هذا كلامه و فيه مواقع للنّظر أحدها انّه نفى الخلاف عن اعتبار العربيّة مع القدرة عليها فعلا مع ان حكم عقد البيع الّذي عليه الكلام سكوت عنه في كلمات كثير منهم بل أكثرهم بل لم يصرّح باشتراطها هنا أحد قبل المحقق الثاني و الشّهيد الثاني و قد اعترف به هو ايضا فكيف ينفى الخلاف عن اعتبار العربيّة في حق المتمكّن فعلا لكن الإنصاف انه يمكن الجواب بان تحقق الخلاف يتوقف على وجود المصرّح به و ليس هنا مصرّح بالخلاف بل الفقهاء (رضي الله عنه) هنا بين فريقين ساكت و ناطق باعتبار العربيّة فصحّ انا لا نعرف الخلاف في اعتبارها في مفروض المسئلة نعم لو كان قد ادعى الاتفاق كان الإيراد (حينئذ) متجها عليه من جهة سكوت جماعة كثيرة و انه لا يتحقق الاتفاق مع السّكوت الثاني ان دعوى انصراف العمومات إلى العربيّة لكونها هي المعهودة عند المخاطبين مما لا وجه له لانّ انصراف العقد الى العقود الواقعة بلسانهم و انصراف البيع الى البيوع الواقعة بلغتهم انما هو من قبيل التشكيك الابتدائي الّذي لا عبرة به كما في انصراف لفظ الماء في بلد واقع على شاطئ الفرات اليه فانصرافه في بلد واقع على شاطئ دجلة الى مائها فهل ترى ان أحدا من سكان بغداد مثلا لو طلب من عبده

238

ماء فأتاه بماء الفرات كان عاصيا غير ممتثل أم يعد مطيعا مع وجود انصراف الماء الى ماء دجلة عندهم في بادى أنظارهم و من المعلوم ان لكل قوم من العرب و العجم و الهندي و الرّومي و غيرهم عقدا و بيعا و ذلك معلوم لكل أحد فمجرد ان قوما مخصوصين تداولوا فردا من افراد الكلّي لا يوجب التشكيك في ذلك الكلى بحيث ينصرف اللّفظ الى ذلك الفرد و هذا أمر مقرّر في الأصول واضح حكمه عند علمائها كما انه واضح عند أهل التعارف و التحاور لمن راجع طريقتهم و عملهم فتدبر الثالث ان ما ذكره من دعوى كون العقد و البيع اسمين للصحيح ممّا لا يخفى سقوطه ضرورة انهما من الألفاظ العرفية العربيّة و ليسا من جملة الحقائق الشرعيّة و لا مما اعتبر (الشارع) في إطلاق اسمه و استعماله قيدا فاستعمله على وجه الخصوصيّة و لو سلّم ذلك في البيع و مثله ممّا هو اسم لعنوان معاملة خاصة كما هو محتمل كلام الشّهيد (قدس سرّه) بناء على جريان نزاع الصّحيح و الأعمّ فيه و في أمثاله لم يسلم في لفظ العقد فإنه من الألفاظ الّتي لم يحتمل أحد جريان نزاع الصّحيح و الأعم فيه بل هو من الألفاظ العرفية العامة الباقية على حالتها الأصلية قطعا الرابع ان ما ذكره من كون العربيّة ركنا في العقد و البيع على القول بكونهما للأعمّ بحسب الوضع الشرعي أو بحسب استعمال (الشارع) كما هو احتمال في جريان نزاع الصّحيح و الأعمّ كما حررناه في الأصول لا وجه له لان معنى جريان نزاع الصّحيح و الأعمّ في المعاملات على غير الكيفية الّتي تجري في العبادات لان كيفيّته في العبادات عبارة عن ان (الشارع) هل وضع ألفاظها للمخترعات الجامعة للاجزاء و الشرائط أو استعملها مجازا عن معانيها اللغويّة في المخترعات المأخوذة على وجه أعمّ من استجماع جميع الاجزاء و الشرائط بخلاف ألفاظ عناوين المعاملات كالبيع و الإجارة و نحوهما فإن كيفية النزاع فيها عبارة عن ان تلك الألفاظ هل هي باقية على معانيها اللّغوية أو العرفية العامة أم هي منقولة عند (الشارع) الى عنوانات المقيدة بجميع القيود المعتبرة في نظره أو مستعملة في لسانه فيها على وجه الخصوصيّة و السر في الفرق هو ان العبادات من مخترعاته فإذا وضع لها الألفاظ جاء الخلاف في وضعها للصّحيح أو للأعمّ بخلاف المعاملات فإنها أمور موجودة في الأصل و ألفاظها موضوعة لمعانيها التي هي أعمّ من مستجمع الشرائط في نظر (الشارع) و غيره فنقل (الشارع) لها من معانيها الأصلية إلى المعنى الأعمّ لغو لا حاجة تدعو اليه و لهذا يتمسّك المنكرون للصّحيح فيها و هم الأكثر بإطلاقها بحسب مفاهيمها العرفية من دون إبداء فرق بين ما هو ركن و غيره بحسب الشّرع حتى من القائلين بالأعمّ الأركاني نعم يعتبرون ما هو الثابت شرعا من القيود و ينفون ما عداه بإطلاق ألفاظها بحسب العرف و على هذا فاعتبار ما هو ركن عند (الشارع) و نفى غيره مما لا مجال له و هذا هو الحال بحسب الواقع و ان شئت قلت لا (يخلو) اما ان يراد بركنيّة العربيّة ركنيتها عند أهل العرف بحسب معانيها العرفية أو يراد ركنيّتها عند (الشارع) فإن أريد الأوّل فهو غلط إذ لم يعتبر في وضع العقد و البيع و نحوهما من ألفاظ المعاملات و العقود كونها واقعة باللّفظ العربي كما لا يخفى على من راجع كتب اللّغة و قياس العربيّة على كون الإيجاب و القبول من قبيل الألفاظ فاسد لان اعتبار اللّفظ (أيضا) ليس من باب الرّكنية بل من جهة كونه كاشفا عن تحقق العقد و العهد و اين ذلك من العربيّة و ان أريد الثاني (فكذلك) إذ لا معنى للقول بالأعمّ في المعاملات و اعتبار وجود الركن الشّرعي لما عرفت من معنى الأعمّ فيها عند القوم و السر الذي بيّناه من صيرورة النّقل في الأعمّ لغوا و لهذا لم يحتمله أحد فإنه يكفي زيادة شرط على المعنى العرفي و اعتباره فيما أمضاه أعني نفس المعاملة و لا حاجة الى التصرّف في اللفظ بنقل أو تجوز فيه باستعماله في المقيّد على وجه الخصوصيّة الخامس انّ استظهار الحصر في الألفاظ العربيّة من عبارات الأصحاب ليس في محلّه فإنه لا يستفاد منها الحصر في العربي غاية ما في الباب انه من جهة كون الكتاب و السّنة و كتب الأصحاب عربيّات تعرضوا لما هو الصّريح من هذه اللّغة فيما بين ألفاظها و دعوى أن إهمال الأكثر التّصريح بها انما هو لمعلوميتها ممنوعة فإن الحكم الشرعي لا بد من بيانه كما انهم تعرضوا لما هو أوضح من ذلك و اجلى و كذا دعوى أن إهماله انما هو للاستغناء عنها بذكر

الصّيغة الخاصّة الّتي لا يتعدّى منها الى مرادفها فان عدم جواز التعدي إلى مرادفها المساوي لها في مرتبة الصّراحة ممنوع و الى ما دونه انما هو من جهة انتفاء الصّراحة الّتي هي شرط في العقد فلا يقاس عليه حال التّعدي الى ما يساويه من التّرجمة بسائر اللّغات

قوله للتأسّي كما في (جامع المقاصد)

ليس في هذا اللّفظ و لا ما هو عبارة أخرى مساوية له في المعنى و قد قدّمنا ذكر عبارته في ذيل الوجه الأوّل من وجوه قول الأكثر باعتبار العربيّة في عقد النكاح و بينا محصله و يحتمل ان (المصنف) (رحمه الله) استفاد التمسّك بالتّأسّي من قوله في ذيل العبارة المتقدّمة و معلوم ان العقود الواقعة في زمن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمة (عليه السلام) انما كانت بالعربية

قوله (رحمه الله) و في الوجهين ما لا يخفى

قد بينا وجه رد الوجهين في ذيل الأدلة

قوله و أضعف منهما منع صدق العقد على غير العربي مع التمكن من العربي

لأن معنى العقد هو العهد المؤكد المستوثق و لم يؤخذ في مفهومه وقوع العهد بالعربيّة مضافا الى انه ان صدق العقد على غير العربي في صورة عدم التمكن كما هو المصرّح في كلماتهم و ينبئ عنه التقييد بقوله مع التمكن من العربي لم يبق وجه لدعوى عدم صدق مفهومه مع التمكن من العربي لأن مفهومه لا يختلف بالتمكن و عدمه و (حينئذ) فيتوجه الاستدلال بأوفوا بالعقود و ليس ممّا اعرض عنه الأصحاب في هذا المقام فما قواه (المصنف) (رحمه الله) من صحة إيقاع عقد البيع بغير العربي هو الأقوى

[في اعتبار عدم اللحن]

قوله الأقوى ذلك بناء على ان دليل اعتبار العربيّة هو لزوم الاقتصار على المتيقن من أسباب النقل

هذا الوجه و ان لم يذكره (المصنف) (رحمه الله) في عداد أدلة القائلين باعتبار العربيّة الا انه أشار إليه المحقق الثاني (قدس سرّه) في أول عبارته الّتي حكيناها عنه في ذيل أول وجوه اعتبار العربيّة في المقام الأوّل و هو عقد النكاح و انّما بنى الحكم باشتراط عربيّة الهيئة على هذا الوجه لان الوجوه الّتي ذكرها مع الإغماض عن عدم أدائها إلى (المقصود) من أصل حكم المسئلة لا تنهض دليلا لاعتبار العربيّة باعتبار الهيئة أمّا التّأسّي فلكونه عبارة أخرى عن ان المتعارف في زمن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) كانت بالعربيّة كما عبر به المحقّق الثاني (قدس سرّه) الّذي نسب التمسّك بالتّأسّي اليه و معلوم انه كما كان في زمان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) يقع من العقود ما هو صحيح بحسب الهيئة (كذلك) كان يقع منها ما هو ملحون بحسبها و امّا الاستدلال بان عدم صحّته بالعربي الغير الماضي يستلزم عدم صحّته بغير العربي بطريق اولى فلان ذلك لا يستلزم اعتبار الصحّة بحسب الهيئة لكونه أعم منها و امّا منع صدق العقد على غير العربي فلان ما كان مادته عربية و هيئته ملحونة من العقود يصدق عليه انه عقد و يصدق عليه انه عقد بالعربيّة و هو طاهر و ليعلم ان من اعتبر بالعربيّة الصّحيحة مادة و هيئة و إعرابا و بناء قد اعتبرها في حال الاختيار امّا مع الضّرورة فيجزي غيرها ايضا كما حكى عن صيغ العقود و غيرها

قوله و لعله العدم معنى صحيح

239

في الأوّل الا البيع بخلاف التّجويز فان له معنى أخر فاستعماله في التّزويج غير جائز

لما كان يتوجه الى فخر الدّين (قدس سرّه) سؤال الفرق فيما حكى عنه بين بعتك بفتح الأوّل و بين ما لو قال جوزتك بدل زوجتك حيث حكم بصحّة العقد بالأوّل دون الثاني تعرض (المصنف) (رحمه الله) لابداء الفرق بينهما بهذا الكلام و؟؟؟

أورد عليه بعض المعاصرين بعد نقله بقوله و قد يدفع أولا بأنّه لا خصوصيّة لهذين اللفظين فقد يكون بعض الأوّل مغيرا للمعنى كما يكون بعض الثاني غير مغير له كما لو قال و زوجتك فإنه ليس له معنى صحيح الا النّكاح فيصحّ مع قصده و ثانيا بان المعنى الأخر غير ملحوظ للمستعمل و انما غرضه معنى زوّجتك و كذا غرض الفخر (رحمه الله) و انما مثل بها دون غيرها لجريانها على بعض الألسنة لا لخصوصيّتها بل قد يدعى الإجماع على عدم الفرق بين التّحريفين فتدبر و ثالثا بأن الثاني لعله اولى من الأوّل بالصّحّة لأن المستعمل الموضوع في الجملة سيما مع صحة التجوّز به خير من المهمل الّذي ليس بموضوع أصلا و لا عبرة بقصد المعنى منه (حينئذ) قطعا مع انه لو منع منه المعنى الأخر لم يكن فيه فرق بين القدرة على التعلم أو التوكيل و بين العجز عنهما إذ العجز غير مصحّح للاستعمال لغة كما هو واضح كوضوح ان مقتضى ذلك ايضا اعتبار اللّغة التي جرت الأسباب الشرعية فيها دون باقي اللغات العربية الصّحيحة بل هي بحكم غيرها في الشك في الاندراج في الإطلاقات و نحوها فما عن الفخر (رحمه الله) (أيضا) من انه لو أبدل القاف كافا في الطلاق صحّ و ان امكنه النّطق بغيره لانه لسان ورد في اللّغة محل نظر ان لم يكن إجماع عليه انتهى و عندي ان هذه الوجوه غير متجهة امّا الأوّل فلانّ دعوى انه لا خصوصية لهذين اللفظين فيرجع الكلام الى مغير الهيئة الصّرفة و ما يكون فيه نوع تغيير للمادة و لو بالتقديم و التأخير و ان من المعلوم ان بعض تغييرات الهيئة قد يصير مغيرا للمعنى كما لو قال بدل بعت بضمّ التاء بعت بفتح التاء و ان بعض تغييرات المادة قد لا يكون مغيرا للمعنى لا يخفى ما فيها لان مقتضى عدم خصوصيّة لبعت بفتح الباء و جوّزتك ليس هو كونهما من باب المثال لتغيير الهيئة و المادة حتى (يقال) انه قد يكون بعض الأوّل مغيّرا للمعنى كما يكون بعض الثاني غير مغير إذ لعل ذكرهما انما هو من باب كون الأوّل مثالا لغير المغير للمعنى و كون الثاني مثالا للمغير و على هذا فيتجه ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) و لا يتجه الإيراد عليه الا بإقامة شاهد من كلام فخر الدين (رحمه الله) صريح أو ظاهر في ان مراده غير ما ذكره (المصنف) (رحمه الله)؟؟؟ و الا فلم يذكره الا مصدرا بقوله لعل لإفادة ان هذا محتمل و امّا الثاني فلان (المصنف) (رحمه الله) (أيضا) لا يدعى ان المعنى الأخر ملحوظ للمستعمل و لا يدعى نسبة هذه الدّعوى الى الفخر و ليس مقصوده مبنيّا على هذه الدعوى و انما يريد ان جوزتك لما كان له معنى أخر فاستعماله في التزويج لا يجوز لكونه من قبيل الكنايات الغير الصّريحة في المقصود بخلاف بعت بالفتح فإنه إذا لم يكن له معنى أخر كان صريحا فصحّ استعماله و امّا ما ذكره من انه قد يدعى الإجماع على عدم الفرق بين التحريفين فليس مما يضر بحال (المصنف) (رحمه الله) لانه لم يختر ذلك مذهبا و انما ذكر توجيها لكلام الفخر (قدس سرّه) على وجه الاحتمال تبرّعا بناء على عادته في مصنفاته و مباحثاته من تعظيم الأكابر و العجب من المعاصر المذكور كيف يقابل مثل (المصنف) (رحمه الله) ممّن هو امام عصره بمثل هذا الإيراد و امّا الثالث فلان كون المستعمل الموضوع في الجملة سيما مع صحّة التجوز به خيرا من المهمل الّذي ليس بموضوع أشبه شيء بالعلل النّحوية التي هي كبيت العنكبوت و ان أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون و لا مدخل له بالقواعد الفقهيّة فهل ترى ان من يقول ان بعت بفتح الباء لعدم وجود معنى أخر له لا يخرج عن الصّراحة بخلاف جوزتك فإنه لكونه موضوعا لمعنى أخر لا يصير صريحا في التزويج و لو فرضنا وجود العلاقة بين المعنيين المصحّحة للتجوز ضرورة ان صحّة التجوز لا تجعل اللفظ صريحا في المعنى المجازي يصح ان يقابل بان استعمال الموضوع اولى من المهمل و ذلك ممّا لا يرضى به ذو مسكة مضافا الى ان لفظ بعت و نحوه من الملحون لا يسمى مهملا و شتان ما بينهما

قوله و منه يظهر ان اللغات المحرفة لا بأس بها إذا لم يتغير بها المعنى

لعدم خروجها عن الصّراحة و عدم إيراث التحريف فيها الخروج عن عنوان العربيّة و لو تبدل وضع اللّفظ الذي يراد استعماله في العقد عند عامة العرب بان صار ضربت بمعنى بعت و بالعكس صحّ استعمال ما استقر العرف على كونه بالمعنى الذي به قوام العقد في إجرائه و إيقاعه في الزمان الّذي هو حقيقة فيه في ذلك الزمان ضرورة كونه من اللغة العربية الا على القول بأن ألفاظ العقود توقيفيّة لا بد و ان ترد من جانب الشارع و انه لا يجوز التعدّي إلى غيرها و لو اصطلح اثنان على وضع ألفاظ خاصة يتحاوران و يتخاطبان بها و كان من جملتها ألفاظ اصطلحا على وضعها للمعاني الّتي بها قوام العقود لم يصحّ لهما ان يتعاقدا به بناء على القول باشتراط العربيّة ضرورة خروجها عن تلك اللّغة لا فرق في ذلك بين ما لو اصطلحا في اللفظ العربي المتداول على غير معناه كما لو جعلا ضربت بمعنى أنكحت و ما لو اصطلحا في لفظ لم تضعه العرب و لم تستعمله على جعله بالمعنى الّذي به قوام العقد سواء كان على هيئة صيغة الفعل الماضي أم لا و هو ظاهر و امّا لو قلنا بعدم اشتراط العربيّة صار حال تلك الألفاظ حال الألفاظ العجمية و هو (أيضا) ظاهر لعدم ثبوت اشتراط التعارف و التداول بين الناس في اللّفظ الّذي يوقع به العقد

قوله و الأقوى هو الأوّل لأن غير العربي كالمعدوم فكأنه لم يذكر في الكلام

و لا يلزم منه الفصل بين الإيجاب و القبول بالأجنبي لارتبات المتعلقات بصيغة العقد المنشئ بها في المعنى و ان كان الكلام غير جار على قانون الاستعمال ثم لا يخفى ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) انما هو مبنىّ على القول باعتبار العربية و امّا على القول بعدم اعتبارها (فالظاهر) هو الصّحة لأنه يصدق على مثل ذلك انه عقد و قد قال اللّه (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فتدبر

قوله نعم لو لم يعتبر ذكر متعلقات الإيجاب كما لا يجب في القبول و اكتفى بانفهامها و لو من غير اللّفظ صحّ الوجه الأوّل

(الظاهر) هو الثاني بدل الأوّل و كأنه سهو من قلم النّاسخ و يمكن ان يتكلف بان المراد بالأوّل ما هو أول بالإضافة لكون الوجه الثاني قبل ما اختاره بقوله و الأقوى

[القول في اشتراط الماضوية في عقد البيع]

قوله (المشهور) كما عن غير واحد اشتراط الماضوية

و قد وقع التّصريح في كلماتهم باعتبارها في الإيجاب و في القبول ففي (الشرائع) و لا ينعقد الا بلفظ الماضي فلو قال اشتر أو ابتع أو أبيعك لم يصح و ان حصل القبول و كذا في طرف القبول مثل ان يقول بعني أو تبيعني لأن ذلك أشبه بالاستدعاء و الاستعلام و في (التذكرة) في عداد شروط الصّيغة ما لفظه الثاني الإتيان بهما بلفظ الماضي فلو قال أبيعك أو قال اشترى لم يقع إجماعا و في (القواعد) و لا بد من وقوعهما بلفظ الماضي و في ير ما نصه لا بد في اللّفظ ان يكون بصيغة الماضي في الإيجاب و القبول دون المستقبل و الأمر و في (الدروس) فالإيجاب بعت و شريت و ملكت و القبول اتبعت و اشتريت و تملكت

240

و قبلت بصيغة الماضي فلا يقع بالأمر و المستقبل انتهى

قوله (رحمه الله) و عن القاضي في الكامل و المهذب عدم اعتبارها

يعنى الماضوية فيقول بوقوع العقد بالأمر و بالمستقبل (أيضا) قال المحقّق الأردبيلي (قدس سرّه) في شرح (الإرشاد) و نقل جوازه بالأمر و مثل بع و المضارع مثل يبيع؟؟؟ عن ابن البراج (رحمه الله) ثم قال و لا بأس بالانعقاد بغير الماضي مع الدلالة على إنشاء العقد إيجابا و قبولا مع صدق البيع و العقد لعموم أدلّة الصحّة و خصوص الاخبار الدّالة عليها بلفظ المضارع كما سيجيء في بيع الآبق و اللبن و ان نقل في كره الإجماع على عدم الانعقاد بقوله أبيعك أو اشترى لاحتمال الأخبار فتأمل و كذا ادعى الإجماع على عدم الانعقاد في الاستفهام نعم لا بد فيها ما يدل على قصد إنشاء البيع لا الطلب و الاخبار فقط كما في الماضي انتهى

قوله و عموم العقود

اعلم انّه قد استقر رأي جماعة على ان قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مجمل لا يصحّ الاستدلال به و ان اختلفوا في بيان كيفية وجه الإجمال على وجوه أحدها ما عن العلامة (قدس سرّه) في المخ من ان معنا و أوفوا بكل عقد على حسب مقتضاه و مؤداه ان جائزا فعلى حسب جوازه و ان لازما فعلى حسب لزومه و (حينئذ) لا يصح الاستدلال به لتمييز ما شك في لزومه أو جوازه من العقود فلا يتأتى منه الدلالة على وجوب الحكم بلزوم ذلك العقد كما لا يتأتى منه الدلالة على جوازه لكن أجيب عنه بان معنى الوفاء بالعقود انما هو الوفاء بمقتضياتها و مؤدّياتها و ليست الا مدلولاتها التي استعملت فيها و اللزوم و الجواز من أحكام العقود شرعا لا من مدلولاتها في حد ذواتها و حكى بعض من تأخر انه (رحمه الله) رجع عما افاده هذا و أقول ان وحي الآية بالإجمال على هذا الوجه انما يوجب سقوطها عن حيز الاستدلال بها على اللزوم عند الشك في اتصاف شيء من العقود به أو بالجواز و لا يوجب سقوطها عن مرتبة الاستدلال بها في مقام الشّك في صحّة عقد و فساده لأنه إذا صدق انه عقد جاء من الآية الحكم بوجوب الوفاء به المساوي للصحّة التي هي أعم من اللزوم و الفساد فتدبّر ثانيها ما ذكره بعضهم من ان الآية نزلت في عقد الخلافة لأمير المؤمنين (عليه السلام) استنادا الى اخبار منها ما رواه علىّ بن إبراهيم القمي (رحمه الله) في تفسيره عن الجواد (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) عقد عليهم لعلى (عليه السلام) بالخلافة في عشرة مواطن ثم انزل اللّه يا ايّها الّذين أمنوا أوفوا بالعقود الّتي عقدت عليكم لعلى (عليه السلام) و أجيب بأن اللّفظ عام فيكون ما نزل فيه الآية من جملة مصاديقه و افراده و ذلك لا يوجب سقوطه عن مرتبة الاستدلال به بالنّسبة إلى سائر مصاديقه و افراده و لو سلمنا دلالة الرّواية على اختصاص الآية بالعقود الّتي عقدت له (عليه السلام) قلنا ان ذلك من البطون و التأويلات فلا ينافي التمسّك بظاهر لفظ الآية ثالثها ان لفظة أوفوا من قبيل خطاب المشافهة و هو مخصوص بالحاضرين و (حينئذ) نقول ان العقود بالنّسبة إليهم على أقسام ثلثه ما كان سابقا على تاريخ نزول الآية و ما كان مقارنا له و ما كان متأخرا عنه و لا بد من الالتزام بان المراد بلفظ الآية هما الأولان لأنه ان أريد معهما الأخير لزم استعمال اللّفظ في أكثر من معنى لأن السّابقة و المقارنة عقود موجودة و المتأخرة غير موجودة فلا بد بالنّسبة إلى الأخيرة من التعليق فيصير المحصل أوفوا بالعقود التي اوجدتموها و أوفوا بالعقود ان وجدت فلا بد من الالتزام باستعمال اللّفظ في غير الأخير تقصيا عمّا ذكر و (حينئذ) نقول ان العقود السابقة على نزول الآية و المقارنة لها غير معروفة عندنا و لا معلومة الحال لدنيا فيصير اللّفظ مجملا و فيه ان ما أريد بلفظ العقود كلّى صالح للقسمين و كون بعض افراد الموضوع مقيدا بالتّعليق غير قادح لانه غير مأخوذ فيما استعمل فيه اللّفظ و جميع الموضوعات الكلية من هذا القبيل الا ترى الى قوله (تعالى) حرمت عليكم الخمر فان حكمه ليس مختصا بالخمر الموجود و كذا قوله (تعالى) حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ الى غير ذلك من الخطابات المشتملة على الموضوعات الكلّية رابعها ما ذكره في الرّياض حيث قال و ممّا حققناه من الأصل و غيره يظهر وجوب الإتيان بكل ما اختلف في اعتباره هنا بل العقود (مطلقا) كالعربيّة و الماضوية و تقديم الإيجاب على القبول و غير ذلك وفاقا لجماعة خلافا للأخيرين فاكتفوا بمجرّد الإيجابين اما (مطلقا) أو مع اعتبار بعض ما مر لا كلا التفاتا إلى انه عقد فيشمله عموم ما دل على لزوم الوفاء به كقوله سبحانه أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و فيه نظر إذ بعد تسليم كون ذلك عقدا يحصل الشك في دخوله في الآية جدا و ان كانت للعموم لغة بناء على عدم إمكان حملها عليه من حيث خروج أكثر العقود منها على هذا التقدير إجماعا فليس مثله حجّة فيكون الإجماع (حينئذ) قرينة على كون المراد بالعقود المأمور بالوفاء بها كل ما تداول في زمان الخطاب لا (مطلقا) و دخول المفروض فيه غير معلوم جدا و لم يصل إلينا ما يدل عليه أصلا فالواجب (حينئذ) الرّجوع الى ما قدّمناه من الأصل قطعا هذا كلامه و أشار بعده الى ان له كلاما أخر فيما سيأتي أورده في دفعه و لا بأس بأن تأتي بجملة من الكلام مفيدة للبصيرة و اتضاح ما

تقدّم من كلامه ثم تعقبها بما أشار إليه عما يورده لدفع كلامه المذكور فنقول ان العموم بالنّسبة إلى العقود يتصوّر على وجوه ثلاثة أحدها العموم بحسب الأفراد الشخصية الخارجيّة ثانيها العموم بحسب الأصناف كالبيوع العربيّة و التي سبق إيجابها على القبول و الّتي وقعت بصيغة الماضي و هكذا ثالثها العموم بحسب الأنواع مثل نوع البيع و الصّلح و الإجارة و غير ذلك و لزوم تخصيص الأكثر في الوجه الأوّل انما هو بخروج أكثر الافراد و ان كان بعنوان صنف أو نوع جامع لها كما لو قال يجب الوفاء بكلّ من افراد العقد الا ما كان منها بغير العربي و كان أكثر الأفراد الخارجية هي غير العربية و لزومه في الوجه الثاني انما هو بخروج أكثر الأصناف و ان كان خروجها بعنوان نوع جامع لها و لا مدخل لاكثرية الافراد و اقليتها (حينئذ) و لزومه في الوجه الثالث انما هو بخروج أكثر الأنواع و لا مدخل الأكثرية الأصناف و الافراد و (حينئذ) فالمدّعى لتخصيص الأكثر في الأوّل لا بد و ان بقول ان الافراد الفاسدة الخارجية أكثر من الافراد الصّحيحة الخارجيّة و سند هذه الدّعوى انه يوجد بحسب انتفاء كلّ شرط من كلّ عقد أفراد كثيرة للعقد ليست ممّا يجب الوفاء بها و كذا افراد العقود الفرضية مثل معاوضة امراة بامرئة أو معاوضة اباحة بإباحة مثلا و كذا افراد العقود الجارية فيما بين الجهال الخارجة عن عنوان العقود المناسبة للشّرع كالتعاقد على معاونة كلّ منهما في قتال عدو الأخر و هكذا و المدّعى لتخصيص الأكثر في الثاني لا بد و ان يقول بخروج الأكثر الأصناف و المدّعى له في الثالث لا بد ان يدّعى خروج أكثر الأنواع فإذا أريد التفصي

241

عن لزومه على مذاق صاحب الرّياض (رحمه الله) حمل على المتعارف من الافراد أو الأصناف أو الأنواع بحسب ما يظهر للحامل إرادته من الأقسام الثلاثة المذكورة كما حمله عليه هو (رحمه الله) لكن مراده (رحمه الله) بالحمل على المتعارف غير معلوم فيحتمل ان اللام فيها على جميع الوجوه للعهد كما هو ظاهرهم و يحتمل ان يكون المدخول مقيدا بالمتعارف و يكون اللام للاستغراق فيفيد العموم العرفي كما في قولهم جمع الأمير الصاغة و كيف كان فإن أريد الأفراد المتعارفة لم يكن مجال للتعدّي إلى غيرها في الحكم فيصير اللفظ مجملا و ان أريد الأصناف المتعارفة كالعقد العربي لم يجز التعدي في الحكم بوجوب الوفاء الى ما خرج عنها كالصّنف الأخر المقابل له الذي هو العقد بغير العربي في المثال و الى هذا ينظر قول من قال ان المعتبر هو اللّفظ معلّلا بأنّه المتعارف و كذا الحال فيما شك في كونه من الصّنف المندرج تحت الأصناف المتعارفة و ان أريد الأنواع المتعارفة صحّ الاستدلال به عند الشّك في حكم إفرادها و أصنافها و لكن لا يصحّ الاستدلال به في الأنواع الغير المتعارفة و سيأتي الإشارة في ذيل كلامه الذي نذكره الى ان نظره في الاشكال بخروج الأكثر انما هو الى إرادة عموم الافراد بلفظ العقود و إذ قد عرفت ذلك فلنذكر كلامه الذي أشار الى أنّه يذكره في دفع الاشكال قال في طي كلام له على ان اجازة المكره مؤثرة أم لا و يمكن الجواب عن الوجهين فالأوّل و هو الأصل باندفاعه بعموم الأمر بالوفاء بالعقد و القدح فيه بخروج الأكثر بالإجماع فيقيد لأجله بالمتداول زمان الخطاب كما مر مع عدم معلوميّة كون ما نحن فيه منه محل نظر لاستلزامه إجماله و عدم التمسّك به في شيء ممّا عدا محل الوفاق و هو مخالف لسيرة العلماء و طريقتهم المسلوكة فيما بينهم بلا خلاف يظهر بينهم في ذلك أصلا من جهة استنادهم إليه في محلّ النزاع و الوفاق فالتحقيق ان الجمع بين الإجماعين يقتضي المصير الى جعل الالف و اللام في العقود للعهد و الإشارة إلى جنس العقود المتداولة في ذلك الزمان المعهودة و المضبوطة الان في كتب فقهائنا كالبيع و الإجارة و نحو ذلك لا خصوص اشخاص كل عقد عقد متداول فيه مع كيفياتها المخصوصة و المتداولة فيه من المحذور و (حينئذ) نقول لا ريب في دخول هذا العقد في جنس تلك العقود و كونه فردا من افراده و ان جهل اشتراكه معها في الخصوصيّات و ذلك كما عرفت لا يوجب القدح في دخوله في العموم بل هو شامل له فيجب الوفاء به بمقتضاه لكن لما كان الإكراه مانعا لم يحكم به فإذا زال وجب الحكم للعموم انتهى فهو قد اعرض عن حمل العقود على عموم الافراد جمعا بين إجماعهم على خروج أكثر أفراد العقود عن عنوان العقود الّتي يجب الوفاء بها و بين إجماعهم على الاستدلال بها فحملها على إرادة الأنواع المتعارفة لذلك و أورد عليه بعض من تأخر أولا بأن إرادة الأنواع خلاف (الظاهر) كما ان ارادة الأصناف خلاف (الظاهر) جدّا فان ارادة استغراق الأنواع أو الأصناف من الألفاظ العامة مما لم يقع في العرف و ليس معهودا فيما بينهم و انما هي من تدقيقات العلماء و يؤيّده ما ورد من وجوب الوفاء بعهود أمير المؤمنين (عليه السلام) تفسير الآية فان مؤداه كونها إشارة إلى العقود الشخصيّة الخارجية فالتحقيق ان المراد بالعقود الأفراد الشخصية الخارجيّة و اللام للاستغراق الحقيقي و لا يلزم تخصيص الأكثر لأن كثرة أفراد العقود الفاسدة بانتفاء الشّروط انما هي بحسب أنواع تلك العقود الفاسدة و الا فالواقع في الخارج صحيحة أكثر من فاسده و من هنا يعلم ان العقود الفرضية و الجعلية التي لم يرد بها الشرع مما لا يتجه الإيراد بها لأن أكثرها ليست مما وقع في الخارج و لا يلزم من وقوع شيء يسير منها خروج الأكثر و لو فرض كون الواقع في الخارج أكثر لم يلزم منه إشكال إذ يكون الصنفان (حينئذ) من قبيل الكثير و الأكثر فلا يتحقق فيه استهجان عرفا و المدار في تخصيص الأكثر على الاستهجان العرفي و ثانيا بأنّ هذا ان كان بيانا لمقصد الأصحاب كما هو ظاهر كلامه (رحمه الله) بل صريحة فلا وجه له لأنهم لا يحملون الآية على ارادة عموم الأنواع و يشهد بذلك ان كل نوع بالنّسبة إلى الفرد الّذي يستدلّون بالآية على حكمه من قبيل المطلق دون العام و هم يعبرون في مقام الاستدلال بالآية بلفظ العموم فيقولون لعموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا يقولون لإطلاق قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فتأمّل لكن ذلك البعض عدل بعد ذلك الى الالتزام بأنهم بنوا على

ان المراد بالعقود هي أنواع العقود الشّرعية المتعارفة و هو الذي احتمله المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) فيما حكى عنه في ايات الأحكام قال بعد ذكر ما ستعرفه من كلام صاحب الكشاف و يحتمل كون المراد العقود الشرعيّة الفقهية ثمّ قال و لعل المراد أعم من التكاليف و العقود الّتي بين الناس و غيرها كالايمان فالايفاء بالكل واجب فالاية دليل وجوب الكل فمنها يفهم ان الأصل في العقود اللّزوم انتهى و هنا سؤال و هو ان تمسّك فقهائنا (رضي الله عنه) بالآية الكريمة مبنىّ على ان المراد بالعقود ما هو جمع العقد بمعناه المصطلح الذي هو المشتمل على الإيجاب و القبول و لهذا لا يتمسّكون بها في الإيقاعات من مثل الطّلاق و غيره و لو كان بناؤهم على انّ المراد بالعقد معناه المتعارف في العرف العام كان اللازم التمسّك به في الإيقاعات و معلوم ان وضع اللّفظ للمعنى المصطلح فيما بينهم متأخر عن تاريخ صدور الآية فكيف تحمل عليه و من اين استفادوا ذلك قلت اما استدلالهم بالآية في العقود المصطلحة فيما بينهم فذلك مما لا ريب فيه و يقابلها (حينئذ) مما يندرج في المفهوم العرفي أمران أحدهما الإيقاعات و الأخر العقود الجعلية فيما بين النّاس ممّا هو خارج عن العناوين المصطلح عليها كالتعاقد من طائفتين على المظاهرة على من قصد إحديهما بسوء أو ظلم و (حينئذ) نقول ان أراد الشائل ان المستدلين بالآية الكريمة بنوا على ان لفظ العقود فيها مستعمل في الأنواع المتعارفة المصطلح عليها فذلك مما لا مجال للالتزام به لكون معنى اللّفظ أعم من ذلك و لا دليل على كون الأنواع المخصوصة معهودة و اصطلاح الفقهاء فيها متأخر عن تاريخ نزول الآية الا ان يكون هناك نص من أهل بيت الوحي (عليه السلام) فيجب اتباعه لانه يكون كاشفا عن اقتران الخطاب بالآية الكريمة مقرونة بقرينة دلت المخاطبين بها على وجه المقصود و قد حكى عن صاحب (بط) (رحمه الله) انه ادعى العثور على نص دال على تفسيرها بالعقود المصطلح عليها لكني قد تصفحت مظانه فلم أجده فلا يكون حجة لا على من عثر عليه و ما عرفته من المحقق الأردبيلي (رحمه الله) فإنما هو مجرّد احتمال و الأقوى في نظره غيره كما لا يخفى على من لاحظ سياق كلامه (رحمه الله) و ان أراد استعلام انه مع كون المراد بالآية هو المعنى العرفي كما هو الشّأن في جميع موارد الكتاب و السّنة كيف انحصر استدلالهم فيما ذكر من العقود المصطلح عليها دون

242

غيره فنقول ان ما وضع له لفظ العقد ليس هو مطلق العهد بل العهد الخاص الذي لا يجري إلا بين اثنين قال الطّبرسي في مجمع البيان العقود جمع العقد بمعنى العقود و هو أوكد العقود و الفرق بين العقد و العهد ان العقد فيه معنى الاستيثاق و الشد و لا يكون الا بين متعاقدين و العهد قد ينفرد به الواحد فكل عهد عقد و لا يكون كل عقد عهدا و أصله عقد الشّيء بغيره و هو وصله به كما يعقد الحبل انتهى و يوافقه ما حكى عن الكشاف و ان لم يكن صريحا في كون العقد لا بد و ان يكون بين اثنين الا انه يمكن استظهاره منه قال في تفسير الآية (يقال) و في بالعهد و اوفى به و منه و الموفون بعهدهم و العقد العهد الموثق شبه بعقد الحبل و نحوه الى ان قال و هي عقود اللّه التي عقدها على عباده و ألزمها إيّاهم من مواجب التكليف و قيل هي ما يعقدون بينهم من عقود الأمانات و يتحالفون عليه و يتفاسخون من المبايعات و نحوها و (الظاهر) انها عقود اللّه عليهم في دينه من تحليل حلاله و تحريم حرامه و انه كلام قدم مجملا ثم عقب بالتفصيل و هو قوله أحلت لكم انتهى و في العوائد بعد نقله (الظاهر) اتحاد ما جعله ظاهرا مع ما ذكره أولا و يحتمل ان يكون مراده من الأوّل ما اختصّ بالواجبات من التكاليف و ما أوجب عليهم فعله و ما جعله ظاهرا يكون أعم انتهى و كيف كان فالغرض الاستشهاد بما فيه من نقل معنى العقد بحسب اللغة لا ما اجتهد فيه من كون المراد بالعقود في الآية المعنى الذي عينه من افراد المعنى اللّغوي و إذ قد عرفت ذلك نقول ان الإيقاعات كالطّلاق و نحوه خارجة عن أصل مفهوم اللّفظ بما عرفت من ان العقد لا يكون الا بين اثنين لكن يبقى ان النّذر عهد مع اللّه (تعالى) فيكون هناك طرفان و كذا في العهد بمعناه المصطلح عليه بين الفقهاء فلم لا يتمسّكون بها فيهما و يمكن ان يجاب بأنّهم استغنوا بالأدلّة الخاصّة الواردة في وجوب الوفاء بهما عن عموم وجوب الوفاء بالعقود أو بأنّ مجرّد وجود الطرفين لا يكفي في صدق العقد الا ان يصدر من كل منهما مقابل ما صدر عن صاحبه و بهذا يفترق الطلاق مثلا عن العقود و الا فالطلاق ايضا لا بد له من متعلق فيتحقق بملاحظته طرفان و لا يتوهم ان هذا ينافي ما ذكره صاحب الكشاف من قوله و هي عقود اللّه التي عقدها على عباده و ألزمها أباهم نظرا الى ان ذلك العقد ليس الا من قبيل صدور الإيقاع من فاعل متعلقا بشخص كالطلاق الّذي يوقعه الرّجل على زوجته لأنا نقول ان كلامه انما هو في تفسير الآية و الخطاب مع المؤمنين و ليس الا قابلين لما عهد إليهم ربّهم فيكون من قبيل العقود دون الإيقاعات هذا و امّا العقود الواقعة بين النّاس كاهل الجاهليّة و أمثالهم من قبيل المعاقدة و للعاهدة على التظاهر و نحو ذلك فإنّها و ان شملتها لفظ العقود بعمومها الا انها خرجت بالدّليل كالاخبار في جملة من مواردها و الإجماع فالحاصل انه لا وجه للإضراب عن حمل اللّفظ على مفهومه العرفي ما لم يصرف عنه صارف و به يتم (المطلق) و (الظاهر) ان المراد بها أنواع العقود دون إفرادها كما قد يستفاد من سياق التفاسير التي ذكروها لها ممّا قد أعرضنا عنه حذرا من التطويل الغير المناسب للمقام و دعوى بعض من تأخر ان عموم الأنواع و الأصناف خلاف (الظاهر) ممّا لا شاهد عليه و بعد كون المراد هو عموم الأنواع صحّ الاستدلال بها للصحة بل اللزوم في كل ما شك من إفرادها و أصنافها كما انه يصحّ لمن قال ان المراد الأنواع المتعارفة الاستدلال بها في كلّ ما شك من افراد تلك الأنواع المتعارفة و أصنافها دون غيرها فافهم و تبصر

قوله و ما دل في بيع الآبق و اللّبن في الضّرع من الإيجاب بلفظ المضارع

امّا ما دل على الأوّل فهو رواية رفاعة النحاس الّتي وصفها في (الجواهر) بالصّحة قال سئلت أبا الحسن موسى (عليه السلام) فقلت له أ يصلح ان اشترى من القوم الجارية الابقة و أعطيهم الثمن و أطلبها أنا فقال لا يصلح شراؤها الا ان تشترى منهم معها ثوبا أو متاعا فتقول لهم اشترى منكم جاريتكم فلانة و هذا المتاع بكذا و كذا درهما فان ذلك جائز و رواية سماعة المروية عنه و عن غيره بطرق متعدّدة المعبر عنها في (الجواهر) بالموثق عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في الرّجل يشترى العبد و هو أبق عن اهله قال لا يصلح الا ان يشترى معه شيئا أخر و يقول اشترى منك هذا الشيء و عبدك بكذا و كذا فان لم يقدر على العبد كان الّذي نقده فيما اشترى منه و امّا ما دلّ على الثاني فهو موثّق سماعه كما في (الجواهر) سئلته عن اللّبن يشترى و هو في الضّرع قال لا الا ان يحلب لك في سكرجة فتقول اشترى منك هذا اللّبن الّذي في السّكرجة و ما بقي في ضرعها بثمن مسمّى فان لم يكن في الضّرع شيء كان ما في السّكرجة بيان قال في المجمع هي بضم السّين و الكاف و الرّاء و التشديد إناء صغير يؤكل فيه الشّيء القليل من الأدم و هي فارسية و أكثر ما يوضع فيها الكواميخ و نحوها قيل و الصّواب فتح الرّاء لانه فارسي معرب و مفتوحة أقول في الوسائل عن محمّد بن يحيى عن احمد بن محمّد عن الحسين بن سعيد عن أخيه الحسن عن زرعة عن سماعة قال سئلته عن اللّبن يشترى في الضّرع فقال لا الا ان يحلب لك منه أسكرجة فيقول اشتر منّى هذا اللّبن الّذي في الاسكرجة و ما في ضروعها بثمن مسمّى فان لم يكن في الضّرع شيء كان ما في الاسكرجة و الإيجاب فيه بلفظ الأمر ان لم يكن قد وقع من الرّواة أو الكتاب اشتباه منفي بالأصل عند الشك فيه فيصير دليلا على جواز الإيجاب بلفظ الأمر

قوله و فحوى ما دل عليه في النّكاح

الدّال على وقوع عقد النّكاح بلفظ المستقبل أخبار كثيرة ذكر أكثرها في الوسائل في باب صيغة المتعة و جملة منها في ضمن الأبواب الأخر مثل أبواب عقد النّكاح و لكن لم أجد منها ما ورد في غير المتعة إلا أنه لا يتفاوت الأمر لكون عقد المتعة عقدا لازما متعلّقا بالفروج الّتي هي محلّ الاحتياط فيتعدّى الى ما كان محله غيرها بالفحوى فمنها رواية أبان بن تغلب قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) كيف أقول لها إذا خلوت بها قال تقول أتزوجك متعة على كتاب اللّه و سنة نبيه لا وارثة و لا موروثة كذا و كذا يوما و ان شئت كذا و كذا سنة بكذا و كذا درهما و تسمّى من الأجرة ما تراضيتما عليه قليلا كان أو كثيرا فإذا قالت نعم فقد رضيت فهي امرأتك و أنت أولى الناس بها و يدل على وقوعه بلفظ الأمر رواية سهل السّاعدي التي نذكرها عند اشارة (المصنف) إليها في المسئلة الاتية مضافا إليها ما في معناها

قوله و لا (يخلو) هذا من قوة

أقول هذا هو المعتمد و الدليل عليه هو عموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الشامل للماضي و غيره بعد فرض تحقق معنى العقد و الإنشاء إذ لا تقول به في غير ذلك و (حينئذ) فدعوى كون المستقبل شبه الوعد مجرّد استحسان

قوله فتأمل

الأمر بالتأمل إشارة إلى وهن اشتراط صراحة المضارع في الإنشاء على وجه لا يحتاج إلى قرينة المقام لأن صراحة الماضي (أيضا) في الإنشاء انما هو بمعونة قرينة المقام الا على قول من قال بأن صيغة الماضي نقلت في العقود الى معنى الإنشاء فصارت حقيقة فيه و لا يخفى ما فيه لان معنى النقل لا يتحقق هنا ضرورة توقفه على هجر المعنى الأوّل و كون استعمال لفظ بعت في الاخبار عن الماضي على وجه الحقيقة مما لا يرتاب فيه

243

عاقل فضلا عن فاضل الا ان يدعى ان ألفاظ العقود انما نقلت في هذا المورد الخاص الّذي هو مقام إنشاء العقد كما حكاه بعض من تأخر عن بعضهم و أنت خبير بان تحقق نقل اللّفظ عن معنى إلى أخر مقيدا بالاقتران بلفظ أو وروده في مقام خاص مما لا يعقل خصوصا في الوضع التعيني فمآل ذلك الى ان الاستعمال مشروط بالقرينة كما فيما نحن فيه فان من اعطى النظر حقه يجزم بان لفظ بعت مثلا لا يصرف من معنى الاخبار الى الإنشاء الا ان تقوم هناك قرينة مفضية إلى كون المراد هو الإنشاء و لكنّ الإنصاف انه لا مانع من النقل إذ ليس حاله اولى من الوضع الأصلي و نحن نرى ان لفظة لما مع المضارع موضوعة للنفي و مع الماضي للظرفية الزمانيّة الماضوية و كذا لفظة قد تفيد التقليل مع المضارع و مجرّد التحقيق العاري عنه مع الماضي و هكذا غيرهما كما لا يخفى على من أمعن النظر في كثير من الألفاظ العربيّة فتدبر

مسئلة الأشهر كما قيل لزوم تقديم الإيجاب على القبول

قوله كما عن الإيضاح و (جامع المقاصد)

قال في الأخير الأصحّ الاشتراط انتهى

قوله و لعله الأصل بعد حمل آية وجوب الوفاء على العقود المتعارفة

لأن الأصل عدم سببية ما شك في سببيته فيبقى استصحاب بقاء المال على ملك مالكه سليما عن الرافع و على هذا القياس لو كان العقد مما يتعلّق بغير المال كالنكاح فإن أصالة عدم سببية الإيجاب المؤخر يقتضي استصحاب عدم حل الاستمتاع بالمرأة المعقود عليها بالعقد المشكوك في صحّته

قوله و زاد بعضهم ان القبول فرع الإيجاب فلا يتقدم عليه و انه تابع له فلا يصح تقدمه

هذا هو الوجه الثاني للقائلين باشتراط تقديم الإيجاب على القبول و اتباع قوله فرع الإيجاب بقوله فلا يتقدم عليه مع اتباع قوله و انه تابع له بقوله فلا يصحّ تقدّمه عليه يؤذن بأنهما دليلان متغايران و الموجود في كلام بعضهم حكايته بقوله انه فرع الإيجاب و مطاوع له و تابع له فلا يتقدم عليه بزيادة وجه ثالث و هو ان القبول اضافة فلا يصحّ تقدمها على المضاف اليه و رابع بان مورد بعتك معوض و مورد اشتريت عوض و العوض فرع المعوض طبعا فيقدم وضعا و يمكن توجيه كلام (المصنف) (رحمه الله) بان مراده الإشارة إلى دليلين بان يجعل الفرعيّة إشارة إلى كونه اضافة و التابعية إشارة إلى كونه مطاوعا أو بالعكس

قوله (رحمه الله) و حكى في غاية المراد عن (الخلاف) الإجماع عليه و ليس في (الخلاف) في هذه المسئلة الا ان البيع مع تقديم الإيجاب متفق عليه فيؤخذ به فراجع

اعتراض على الشّهيد (قدس سرّه) من حيث ان كون تقديم الإيجاب متفقا على صحّته لا يقتضي الاتفاق على اشتراط تقديم الإيجاب على القبول و يمكن التوفيق بين عبارته في الكتاب المذكور و بين ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن (الخلاف) في المؤدّى لأنه ذكر فيه ما نصّه و استدل عليه في (الخلاف) بالإجماع و عدم الدّليل على خلافه انتهى و مراده الإجماع على صحّة ما قدم فيه الإيجاب و عدم الدّليل على صحّة ما قدم فيه القبول فيصير حاصله الأخذ بالمتفق عليه و ترك غيره لكن الإنصاف انه خلاف (الظاهر) و أظهر منه في المعنى الّذي اعترض عليه (المصنف) (رحمه الله) عبارة الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في (المسالك) حيث قال و ذهب جماعة من الأصحاب إلى اعتبار تقديمه بل ادعى عليه الشّيخ في (الخلاف) الإجماع انتهى

قوله خلافا للشيخ في (المبسوط) في باب النكاح و ان وافق الخلاف في البيع الا انّه عدل عنه في باب النكاح

أشار بهذا الكلام الى القول المقابل للأشهر و غرضه ان الشيخ (قدس سرّه) في كتاب النكاح من (المبسوط) حكم بجواز تقديم القبول في عقد البيع على الإيجاب و ان قال في كتاب البيع من (المبسوط) بلزوم تقديم إيجابه على قبوله قال في كتاب البيع عقد النّكاح ينعقد بالإيجاب و القبول سواء تقدّم الإيجاب فقال زوّجتك بنتي فقال قبلت النكاح أو تأخر الإيجاب كقوله زوجني بنتك فقال زوّجتك بلا خلاف فامّا البيع فان تقدّم الإيجاب فقال بعتك فقال قبلت صحّ بلا خلاف و ان تقدّم القبول فقال بعنيه بألف فقال بعتك صحّ و الأقوى عندي انه لا يصحّ حتّى يقول المشترى بعد ذلك قبلت انتهى و ذكر في كتاب النكاح العبارة الّتي سيحكيها (المصنف) (رحمه الله) التي أولها إذا تعاقدا فان تقدم الإيجاب على القبول فقال زوّجتك الى قوله و قال قوم منهم لا يصح حتى يسبق الإيجاب ثمّ قال الشّيخ (قدس سرّه) فامّا ان قال أ تزوجنيها فقال زوّجتكها أو قال أ تبيعنيها فقال بعتكها لم ينعقد حتى يقبل الإيجاب لأن السابق على الإيجاب استفهام انتهى فقد أفتى في كتاب البيع بلزوم تأخر قبوله عن إيجابه و جوز تقدمه على الإيجاب في كتاب النكاح فعدل عما كان قد بنى عليه تنبيهات الأوّل ان الذي استفيد من كلامه (قدس سرّه) من تجويزه تقديم القبول على الإيجاب انما هو خصوص ما لو كان بلفظ الأمر دون غيره تبعا للنص و لهذا صرّح بان تقديم ما هو بلفظ الاستفهام غير جائز لكن يبقى هنا شيء و هو ان تقديم أتزوّجك مثلا كما في خبر ابان بن ثعلب هل يجوز عنده أم لا و غير خفي عليك ان لا تصريح في كلامه لكن يمكن استفادة جواز تقديم مثل ذلك من قوله لان السّابق على الإيجاب استفهام نظرا الى ان معناه ان الاستفهام ليس قبولا و مثل أتزوّجك أو تزوجتك قبول فتأمّل الثاني انه استفيد من كلامه في كتاب البيع انه لا ملازمة بين القول بجواز تقديم القبول في عقد النكاح و بين القول بجواز تقديمه في عقد البيع حتى يلزم القائل بجواز التّقديم في النكاح القول بجوازه في البيع أو غيره من العقود و ذلك لانه جوز التّقديم في النكاح دون البيع و السر في ذلك ما أشرنا إليه من انه استفاد الحكم في النكاح من النص و قد استقر عليه راى ابن إدريس (رحمه الله) في (السرائر) فإنّه ذكر قبل باب المهود بأسطر ما نصه و لا بأس ان يتقدّم القبول على الإيجاب في عقد النّكاح عندنا و لا يجوز ذلك في عقد البيع و لا بد أن يأتي بلفظ الاخبار في الإيجاب و لا يجوز ان يأتي بلفظ الأمر أو الاستفهام لانه لا خلاف في صحة أن يأتي به على ما قلناه و فيما عداه خلاف و ايضا فالعقد حكم شرعي يحتاج في ثبوته الى دليل شرعي انتهى و من هنا تعرف سقوط ما صرّح به بعض المعاصرين من انه لا فرق عندهم بين البيع و باقي العقود في الحكم المزبور لاتحاد المناط انتهى نعم من تعدى عن النكاح الى غيره من شيء من العقود كالبيع مثلا لم يفرق بينه و بين غيره كالإجارة مثلا لان الحكم في غير النكاح لا بد و ان يبتنى على شيء من القواعد أو العمومات كتنقيح المناط أو قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و لا فرق في ذلك بين البيع و غيره و الّذي يمكن فيه سريان احتمال عدم التعدّي انما هو خصوص مورد النّص الذي هو النكاح و لا يمكن حمل كلام المعاصر المذكور على هذا المعنى لان لفظ باقي العقود لا يدل على ارادة خصوص ما عدا النكاح عنها لا وضعا و لا بالقرينة لانتفائهما جميعا الثالث انّه قال الشّهيد (قدس سرّه)

244

في غاية المراد كلام الشيخ (قدس سرّه) يشعر بأنه لو قدم القبول فاتبعه البائع بالإيجاب ثمّ أعاد المشتري القبول انه يصحّ فإن أراد به مع ذكر الثّمن في صلب العقد فسلم و الا فهو ممنوع إذ ذكره في القبول المقدّم لا اثر له انتهى و أنت خبير بان التفصيل الّذي استفيد من الترديد في كلام الشّيخ (قدس سرّه) و توجيه السّؤال اليه و ان كان حقا في الواقع الا ان نفس التّرديد في كلامه و توجيه السّؤال إليه في هذا المقام لا وجه له لان كل مقام يقتضي نوعا من الكلام لا يقتضيه مقام أخر و كل كلام له وجه ليس لغيره ذلك الوجه و هذا الكلام انما هو ناظر الى جواز تقديم القبول و عدم جوازه و امّا وجوب ذكر الثمن أو غيره من المتعلقات في صلب العقد و عدم وجوبه فهي مسئلة اخرى تعنون على حبالها

قوله و كيف كان فنسبة القول الأول إلى (المبسوط) مستند الى كلامه في البيع

المراد بالقول الأوّل هو لزوم تقديم الإيجاب على القبول و قد صدر نسبة الى الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) من الشّهيد (رحمه الله) في غاية المراد

قوله كالمحقق (رحمه الله) في (الشرائع) و العلامة في (التحرير) و الشهيدين في بعض كتبهما و جماعة ممّن تأخر عنهما

قال المحقق (قدس سرّه) و هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول فيه تردّد و الأشبه عدم الاشتراط و قال العلّامة (رحمه الله) في (التحرير) و الأقرب عدم اشتراط تقديم الإيجاب و قال الشّهيد (قدس سرّه) في (الدروس) و لا ترتيب بين الإيجاب و القبول على الأقرب وفاقا للقاضي (رحمه الله) انتهى و بذلك أفتى في اللّمعة و جعله الشّهيد الثاني في (المسالك) هو الأقوى

قوله للعمومات السّليمة عما يصحّ لتخصيصها

(انتهى) جملة الوجوه التي استدل بها للقول بعدم الاشتراط ما ذكره في (المسالك) بقوله وجه العدم من أصالة الجواز و انه عقد فيجب الوفاء به و لتساويهما في كون كلّ منهما ينقل ملكه إلى الأخر فإذا جاز للبائع التقدم جاز للمشتري و لان الناقل للملك هو الرضا المدلول عليه بالألفاظ الصريحة و لا مدخل للترتيب في ذلك و لجواز تقديمه في النّكاح بغير إشكال فإن النكاح مبنىّ على الاحتياط زيادة على غيره انتهى و زاد بعضهم أصالة عدم اشتراط ما شك في شرطيته و هو تقديم الإيجاب و أصالة الصّحة و هي أصل شرعي مستفاد من الشّرع و لعل الدّليل عليه عند مثبتة الإجماع على الحكم بصحّة ما شك في صحّته من العقود و هذا على خلاف مدعى الفاضل القمي (رحمه الله) في (القوانين) من كون الأصل في العقود هو الفساد و تعبير (المصنف) (رحمه الله) بالعمومات يعم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ المشار إليه في عبارة (المسالك) و غيره هذا و توقف العلّامة (قدس سرّه) في (القواعد) و (الإرشاد) و نصّه فيهما و في اشتراط تقديم الإيجاب نظر و جعل في غاية المراد منشأ النظر في جانب إثبات الاشتراط أصالة بقاء الملك الا بسبب شرعي و لم يتحقق كون العقد الذي تقدّم فيه القبول على الإيجاب شرعيّا فيبقى على أصله و في جانب عدم الاشتراط الوجوه التي ذكرها في (المسالك) له ثم قال و أجاب (المصنف) (رحمه الله) عن التمثيل بالنكاح بالفرق بالحياء من المرأة فلا يسهل تقديم الإيجاب و عن الرّضا بأنّه غير كاف حتى يحصل اللفظ فلم قلتم ان هذا اللّفظ صالح انتهى و في (جامع المقاصد) ينشأ يعنى النّظر من اتحاد اللّفظ و المعنى و من الشك في ترتب الحكم مع تأخيره مع ان الأصل خلافه فان القبول مبنىّ على الإيجاب لأنه رضى به فلا بد من تأخره هذا ما أردنا نقله من كلامه

قوله و رواية سهل السّاعدي المشهورة في كتب الفريقين

ففي (التذكرة) ان سهل السّاعدي روى ان امراة أتت النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) انى قد وهبت نفسي لك فقامت قياما طويلا فقام رجل فقال يا رسول اللّه زوجنيها ان لم يكن لك فيها حاجة فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) هل عندك شيء تصدقها إياه فقال ما عندي إلا إزاري هذا فقال النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) ان أعطيتها إياه جلست و لا إزار لك فالتمس شيئا فقال ما أجد شيئا فقال التمس و لو خاتما من حديد فلم يجد شيئا فقال رسول اللّه معك من القران شيء قال نعم سورة كذا و كذا و سماهما فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قد زوجتكها بما معك من القران و قال (رحمه الله) بعد ذكره و ظاهره انه يدل على جواز تقديم القبول لانه لم ينقل بعد ذلك وجود القبول من الزّوج انتهى و بمعنى الرّواية المذكورة رواية أخرى ذكرها في الوسائل في باب جواز كون المهر تعليم شيء من القران و ذكرها في (الجواهر) مع وصفها بالصحّة عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال جائت امرأة إلى النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فقالت زوّجني فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) من لهذه فقام رجل فقال انا يا رسول اللّه زوجنيها فقال ما تعطيها فقال مالي شيء قال لا فأعادت فأعاد رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) الكلام فلم يقم أحد غير الرّجل ثم أعادت فقال رسول اللّه في المرة الثالثة أ تحسن من القران شيئا قال نعم قال قد زوجتكها على ما تحسن من القران فعلمها إياه

قوله بل المحكي عن الميسية و (المسالك) و مجمع الفائدة انه لا خلاف في عدم جواز تقديم لفظ قبلت و هو المحكي عن نهاية الأحكام و كشف اللثام في باب النّكاح

قال في (المسالك) و موضع الخلاف ما لو كان القبول بلفظ ابتعت أو شريت أو اشتريت أو تملكت منك كذا بكذا بحيث يشتمل على ما كان يشتمل عليه الإيجاب امّا لو اقتصر على القبول أو قال قبلت و ان أضاف إليه باقي الأركان لم يكف بغير اشكال هذا و قد اعتمد المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في نفى النزاع عن عدم جواز تقديم لفظ قبلت على نقل (حينئذ) (الشرائع) كما ستعرف الحال عند نقل كلامه و (الظاهر) ان الضّمير في قول (المصنف) (رحمه الله) و هو المحكي عن نهاية الأحكام و كشف اللّثام عائد الى عدم جواز تقديم لفظ قبلت لا الى نفى الخلاف فانى و ان لم يحضرني نهاية الإحكام الا انى راجعت كشف اللّثام فليس فيه الا قوله و يصحّ العقد اتفاقا كما في (المبسوط) مع تقديم القبول بان يقول تزوجت أو نكحت فيقول زوّجتك أو أنكحتك لحصول الرّكنين و عدم الدّليل على اشتراط التّرتيب خصوصا و الإيجاب هنا من المرأة و هي تستحيي غالبا من الابتداء و الولي و الوكيل فرعها و يرشد اليه خبر سهل و ابان و ما قيل من ان القبول انما هو رضى بمضمون الإيجاب فلا معنى له مع التقديم انما يتم في لفظ قبلت و ان قيل معنى تزوجت إنشاء صيرورته زوجا و معنى نكحت إنشاء صيرورته ناكحا و لا يصير شيئا منهما الا بعد تصييرها قلنا بل المعنى (حينئذ) إنشاء جعل نفسه زوجا أو ناكحا هذا تمام كلامه في المقام نقلناه بطوله دفعا للاتهام بالغفلة و ربما يؤيد ما ذكرناه من عود الضّمير الى نفس عدم الجواز ان (المصنف) (رحمه الله) غير نظم الكلام و الا كان اللّازم ان يقول المحكي عن الميسية و (المسالك) و مجمع الفائدة و نهاية الأحكام و كشف اللثام انه لا خلاف هذا و لم يحضرني الميسية أيضا حتى اذكر عبارتها

قوله (رحمه الله) بل المحكي هناك عن ظاهر (التذكرة) الإجماع

المشار اليه بقوله هناك باب النكاح و لكني قد لاحظت مسئلة تقديم الإيجاب على القبول هناك فليس فيها من ذلك اثر نعم قال بعد ذكر رواية سهل السّاعدي و ما في ذيله ممّا قدّمنا ذكره ما لفظه و قال احمد لا يصحّ العقد إذا قدم القبول لان القبول انّما يكون للإيجاب فمتى وجد قبله لم يكن قبولا لعدم معناه فلم يصح كما لو تقدّم بلفظ الاستفهام و لانه لو تأخر عن الإيجاب بلفظ الطلب لم يصحّ فإذا قدم كان أولى كصيغة الاستفهام و لانه

245

لو اتى بالصّيغة المشروعة مقدّمة فقال قبلت هذا النّكاح فقال الولي زوّجتك ابنتي لم يصح فلان لا يصحّ إذا اتى بغيرها كان اولى و لا بأس بهذا القول انتهى فلعل من حكى الإجماع عن ظاهرها استفاد منها دعواه من جهة انه جعل الصّيغة المشروعة الّتي أراد بها بقرينة المثال لفظ قبلت مقيسا عليه في مقام الاستدلال فدل ذلك على ان حكم المقيس عليه مما قام عليه الإجماع و أنت خبير بان ذلك لا يدل على قيام الإجماع على حكمه عندنا لان ما ذكره من الوجوه انما هي أدلة أحمد على مذهبه كما ينادى بذلك أول الكلام و أخره فان لام التعليل لا بد لها من متعلق و ليس الا لفظ قال و قوله و لا بأس بهذا القول يدل على ان شيئا من الوجوه ليس من جملة ما أبداه هو (رحمه الله) و الا لاتبع قوله و لا بأس بهذا القول به فافهم و (حينئذ) نقول ان جعله لفظ قبلت مقيسا عليه انما يدل على كونه أقوى في نظره و لعلّ منشأ ذلك عدم قابلية مفهوم قبلت للتقديم و اين هو من كونه مسلما عند الناس سلمنا لكن ذلك انما يدل على كونه مسلما عند فريقه و اين هو من قيام الإجماع عليه من طريق الخاصّة هذا و ليس في مسئلة تقديم الإيجاب على القبول من كتاب البيع الا دعوى الإجماع على عدم صحّة العقد بتقديم القبول بلفظ الاستفهام قال و لو تقدم بلفظ الاستفهام فيقول أ تبيعنى فيقول بعتك لم يصح إجماعا لأنه ليس بقبول و لا استدعاء انتهى

قوله و يدل عليه مضافا الى ما ذكر و الى كونه خلاف المتعارف من العقد

(انتهى) أورد عليه بعض المعاصرين بان تقديم القبول بلفظ اشتريت و نحوه من ألفاظ القبول خلاف المتعارف ايضا فلا وجه للفرق بينه و بينها بعدم تجويز تقديمه دونها كما ان اشتريت أو نحوه انما يكون قبولا لدلالتها على معنى قبلت و الا فهي صالحة للإيجاب أيضا و لهذا قيل كما عن مجمع الفائدة و غيره انه يصير المشترى موجبا و البائع قابلا و يمكن دفعه أولا بأن مراده (رحمه الله) بالمتعارف ليس هو الشائع الذائع كما قد يراد به ذلك و انما المراد هو ما وقع في العرف و عرف وقوعه في الجملة و و ان لم يكن على حدّ الشّيوع و (حينئذ) نقول لا ريب في ان العقد المقدم فيه لفظ قبلت ليس ممّا عرف وقوعه ان لم تدع العلم بعدم وقوعه بخلاف لفظ اشتريت فإنه قد يتفق و قد علمنا بوقوعه في الجملة في العرف بل في الاخبار كما يشهد به الخبر ان اللذان قدمنا ذكرهما في بيع الآبق في المسئلة السّابقة و كذا الخبر الأوّل الذي ذكرناه هناك في خصوص بيع اللبن في الضرع و كأنه فهم من لفظ المتعارف معنى الشائع حتى حكم بتساوي قبلت و الأمر في كونهما خلاف المتعارف و ثانيا انه كثيرا ما يعبر المصنفون بمثل عبارة (المصنف) (رحمه الله) في مقام الاستدلال أو في مقام الجواب فيقولون و فيه مضافا الى كذا انّه و يجعلون ما هو مؤيّد للدليل أو الجواب مدخول كلمة الى بعد لفظة مضافا و يجعلون الدليل فاعل يدل و الجواب مدخول ان كما لا يخفى على من أمعن النظر في أساليب الكلام و (الظاهر) ان كلام (المصنف) (رحمه الله) مبنىّ على هذا كما قد يؤيّده ان لفظ ما ذكر في كلامه إشارة إلى نفى الخلاف و الإجماع المنقولين بالواسطة في كلام أواخر المصنفين و هو لا يقول بحجيّة الإجماع المنقول في نفسه و قد أحاط خبرا باشتباه كثير منهم في النقل في كثير من الموارد على وجه لم يحصل لغيره و ثالثا ان (المصنف) (رحمه الله) اعترف في ذيل كلامه على اشتريت و أخواته بان تقديمها خلاف المتعارف فلا وجه للإيراد عليه بذلك هذا و لكن يوهن الوجه الأوّل ان (المصنف) (رحمه الله) قال في المسئلة السّابقة ان قصد الإنشاء بلفظ المستقبل خلاف المتعارف و معلوم انه لا يصحّ فيه المعنى الذي ذكرناه لوقوع قصد الإنشاء به في العرف فلا بد و ان يكون المراد بالمتعارف معنى المتداول الشائع

قوله ان القبول الّذي هو أحد ركني عقد المعاوضة

و هو إنشاء النقلي الفعلي في الحال من القابل المتعلق بما له بإزاء مال صاحبه الذي أنشأ نقله إليه بالإيجاب الواقع كما سيوضحه (رحمه الله)

قوله و ليس المراد ان أصل الرضا بشيء تابع لتحققه في الخارج أو لأصل الرضا به حتى يحتاج الى توضيحه بما ذكره من المثال

لا يخلو العبارة عن حزازة و تعقيد و بيان كيفية تحصيل المراد منه هو ان نقول ان أصل الرّضا المذكور أولا أريد به نفس الرضا و كثيرا ما يعبر بلفظ الأصل مضافا الى شيء مرادا به ذات ذلك الشيء الغير المقرونة؟؟؟ بالعوارض نظرا الى اعتبار الذات بهذا الاعتبار أصلا و مبدء للذات المعتبرة بلحاظ عروض العوارض و لو بحسب وجود أخر ذهني أو خارجيّ و المراد بالأصل الثاني ما يعبر عنه بالمبدء و محصل المعنى انه ليس المراد ان نفس الرضا بشيء تابع لتحقق ذلك الشيء في الخارج أو لمبدء الرّضا به و منشئه في الذّهن حتى يحتاج في توضيح كونه تابعا لمبدئه و منشئه دون تحققه الخارجي الى ما ذكره من المثال و هو قوله انا راض بما تعطيني و لفظة أو لأحد الأمرين يعنى ان المراد بكون القبول فرعا ليس أحد هذين المعنيين المذكور أحدهما قبل كلمة أو و الأخر بعدها حتى يحتاج الى توضيح الثاني منهما بالمثال بعد اختياره بل المراد منه معنى ثالث هو ركن في العقد فافهم

قوله و مما ذكرنا يظهر الوجه في المنع عن تقدم القبول بلفظ الأمر كما لو قال بعني هذا بدرهم فقال بعتك

أورد عليه بعض من تأخر بأن جعل المنع من إيقاع العقد بالاستيجاب و الإيجاب مستندا الى المنع عن تقدّم القبول نظرا الى الوجه المذكور لا وجه له لان مقتضى الاستناد في المنع الى وجود المانع الّذي هو هنا عدم جواز تقديم القبول كونه علة تامة للمنع فينتفى بانتفائها فيلزمه جواز القبول بالأمر مؤخرا عن الإيجاب مع ان من البين انه لا يصحّ القبول به مؤخرا (أيضا) فإن قلت الفارق بين الصّورتين موجود لانّه عند تقدم الإيجاب لا بد من ان يقصد بما يتبعه إنشاء القبول و معلوم انه لا يصحّ قصد القبول بلفظ الأمر لأنه لطلب إيجاد الفعل قلت كون المقصود به إنشاء القبول لا بد منه على التقديرين ففي صورة تقديم الأمر لو كان مراد المتكلم بلفظه هو مجرّد الطّلب محتملا ان المخاطب يجيبه الى مطلوبه فيوجب له العقد و محتملا عدمه لم يكن ينعقد به العقد على تقدير اتصال الإيجاب به عند أحد و انما الخلاف بالحكم بصحّة العقد و عدمه فيما لو قصد بالأمر في صورة تقديمه إنشاء القبول و يمكن استفادة هذا الّذي ذكرناه من مثل كلام المحقق (قدس سرّه) حيث قال و كذا في طرف القبول مثل ان يقول يعني أو تبيعني لأن ذلك أشبه بالاستدعاء أو الاستعلام انتهى فإن الذي ينبغي ان يقصد بهذا الكلام هو انه و ان كان مقصود الأمر بالأمر و المستفهم باستفهامه إنشاء القبول في الواقع الا ان الأمر أشبه بالاستدعاء بحسب الصّورة و الاستفهام أشبه بالاستعلام فيكون اللّفظ غير صريح في معناه و قد عرفت ان استعمال الألفاظ الغير الصّريحة في العقود اللازمة غير صحيح و لو لا ارادة هذا المعنى لم يكن افحام لفظ

246

أشبه في العبارة إلا لغوا فالحاصل ان استناد عدم انعقاد العقد بالقبول المتقدّم و الإيجاب المؤخر الى ما ذكره من الوجه انما يتم لو قيل بوقوع القبول في صورة تأخيره بغير الماضي كالأمر و نحوه و الا فلا وجه له هذا و لا يخفى عليك انه يمكن دفعه بان هذا الإيراد انما كان يتجه لو كان مذهب (المصنف) (رحمه الله) عدم جواز إيقاع العقد بغير الماضي و قد عرفت في المسئلة السّابقة انه قوىّ قول القاضي الّذي عبر عنه عند نقله بعدم اعتبار الماضوية فيشمل إيقاعه بالمستقبل و بالأمر و لا مانع من إنشاء القبول بالأمر لوقوعه عرفا في مقام القبول مؤخّرا ألا ترى ان من قيل له أعطيتك هذا الشيء منشأ به الإعطاء يقول أعطني مريدا به القبول من باب ذكر اللازم و ارادة الملزوم من حيث ان الطلب لا يكون الا عن رضا و حبّ لما يأمر به نذكر الأمر في أمثال هذا المقام يراد به إظهار الرضا الذي هو الملزوم دون معناه الأصلي الذي هو الطلب على سبيل الحتم و اللّزوم فإذا قدم صار معناه هو الرّضا بما يوجبه صاحبه في المستقبل و لهذا قال (رحمه الله) في تعليل ما ذكره في المتن لأن غاية الأمر دلالة طلب المعاوضة على الرّضا بها لكن لم يتحقق بمجرّد الرّضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للدّرهم إلى البائع كما لا يخفى انتهى و هما؟؟؟ إذا أخر صار معناه إنشاء الرّضا في الحال بما أوجبه الموجب و نقل الدّرهم إلى البائع الّذي هو لازم قبول المبيع بالعوض و ممّا يشهد بما ذكرنا انّه سيصرح (المصنف) (رحمه الله) بانا لو قلنا بكفاية التقديم بلفظ قبلت يمكن المنع هنا يعني صيغة الأمر بناء على اعتبار الماضويّة فيما دلّ على القبول و انه بناء على مختاره من كفاية (مطلقا) اللفظ العرفي في لزوم البيع ينعقد البيع بالاستيجاب و الإيجاب أيضا و قد أصاب بعض المعاصرين في الالتفات الى مذهب (المصنف) (رحمه الله) حيث قال (الظاهر) انه لا فرق عندهم بين الأمر و المضارع و الماضي بناء على عدم اشتراط الأخير في القبول و الا فلا يصح و ان تأخر كما مر لكن قد جزم بعضهم بالمنع من تقديم القبول بلفظ الأمر لأن غايته دلالة طلب المعاوضة على الرضا بها لكن لم يتحقق بمجرّد الرّضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للثمن إلى البائع كما هو واضح كوضوح وهن دعوى الاتفاق على الصّحّة بمصير الأكثر إلى عدمها مع منع فحوى جوازه في النكاح مع تسليمه في نفسه و الا كما هو مقتضى قصور ما دل عليه فيه سندا و دلالة فالأمر أوضح من ذلك و فيه مع حكاية الاتفاق عليه فيه انّه لا ينكر دلالته على صدق القبول عرفا عليه فيه فيصدق عليه هنا ايضا و ان لم يتساويا في الحكم بالصحّة كما ان محلّ البحث كما اعترف به بعضهم ما لو أريد به إنشاء القبول على حد إنشائه باشتريت و الا فلا نزاع في عدم الصّحة لعدم تحقق القبول الذي هو الركن كما هو واضح كوضوح انه لا مجال لدعوى انّه غير صالح لذلك لعدم معروفية استعماله فيه لغة و لا شرعا و لا عرفا إذ محل البحث (أيضا) انما هو بعد فرض صحّة العقد بالأمر و الا فلا مجال للبحث فيه كما هو واضح كوضوح منع كونه كقبلت أو أولى منها بالمنع بناء على عدم جواز تقديمها (فتأمل) جيدا انتهى و امّا ما أورده عليه (قدس سرّه) من حكاية الاتّفاق على انعقاد عقد النّكاح بالأمر المتقدم و الإيجاب المتأخر فهو من عجائب الأمور لأن (المصنف) (رحمه الله) قد ذكر حكاية الاتفاق و قال انّه موهون بمصير الأكثر و عثر عليه المورد في كلامه و ذكره في طي نقل كلامه (رحمه الله) و مع ذلك قد اعترض بأنه حكى الاتفاق عليه و أعجب منه ما اعترض عليه ثانيا من انّه لا ينكر دلالة الاتفاق المحكي على صدق القبول عرفا على الأمر في النكاح فيصدق القبول على الأمر الواقع في عقد البيع ايضا لاندفاعه أولا بأنّ الأصل الممنوع كيف يتبع دلالته الّتي هي فرعه و ثانيا بأنّه ان أراد من العرف العرف العام على ما هو المتعارف من استعماله غير مقيد بشيء من القيود الخاصّة اتجه عليه انه لا اثر للصّدق العرفي مع علمنا بكون المصدق الذي هو الأمر فاقدا للمعنى المعتبر في القبول على الواقع و ليت شعري هل وقع في الكتاب و السنة انه يكفى في عقد البيع أو غيره القبول المنضم إلى الإيجاب حتى يرجع فيه الى العرف و يتمسّك بإطلاق اللفظ بحسب مدلوله العربي و ان أراد العرف الخاص اعنى عرف الفقهاء

اتجه عليه انه لا يجدى مجرّد صدق القبول في مصطلحهم مع تصريحهم باشتراط القبول بشرائط خاصّة و نزاعهم في ان هذا النّوع من القبول هل يترتب عليه الآثار المترتبة على القبول المعتبر حتى لو فرض انه وقع في الكتاب أو السنة انه يكفى القبول لعدم دوران خطاباتهما مدار عرف الفقهاء لما عرفت من ان المدار فيها على العرف العام نعم لو وقع عنوانا في معقد الإجماع المعتبر صحّ الرّجوع في تفسيره الى مصطلحهم و امّا ما أورده من ان محلّ البحث انّما هو ما لو أريد به إنشاء القبول على حدّ إنشائه باشتريت و الّا فلا نزاع في عدم الصحّة لعدم تحقق القبول الّذي هو الركن فهو الّذي ينبغي ان يبنى عليه عند الإنصاف لعدم قابليّة غيره لإثبات تحقق العقد به و الحكم عليه بالصحّة الا أن الشّأن في إثبات انه يجوز استعمال يعنى بمعنى اشتريت فان ذلك ممّا لا بدّ من اقامة الدّليل عليه و لعلّ (المصنف) (رحمه الله) ينكر ذلك و انه لكون عدم صحّة ذلك الاستعمال مسلما عنده لم يتعرض له و انما تعرض للمعنى الأخر الذي قد يستعمل اللفظ فيه و هو الرضا بل نقول ان مجرد الشّك في صحة مثل ذلك الاستعمال يكفيه لكون اللغات توقيفية و الأصل يساعده على النفي و المورد قد تفطن لحاصل ما قررناه بل ذكر ما يشعر باعترافه بعدم معروفية استعماله فيه لغة و لا شرعا و لا عرفا الا انه دفعه بان محل البحث انما هو بعد فرض صحّة العقد بالأمر و الا لم يبق مجال للبحث عن جواز تقديم القبول بلفظ الأمر بعد عدم صحة أصله و هو لا (يخلو) عن وجه و إذ قد عرفت ذلك كله نقول لتحرير محلّ الخلاف ان استعمال الأمر في مقام العقد قد يكون لمجرد الطلب من دون قصد معنى القبول به أصلا و هذا لا إشكال في عدم كفايته عن القبول و لا يحتمل في حق أحد من فقهائنا القول بصحّة العقد به إذا لحقه الإيجاب من دون اتباعه بالقبول المعتبر و قد يكون لمجرد الدلالة على الرّضا بالمأمور به من دون قصد الى الطلب من باب استعمال اللّفظ الموضوع للازم في الملزوم و هذا هو الّذي ذكر (المصنف) (رحمه الله) انه مثل قبلت فيكون رضى بما يوجبه صاحبه في المستقبل و لا يتحقق الرضا الفعلي بمعنى الرضا في الحال بالإيجاب الواقع الّذي ذكر انه ركن للعقد و هذا ايضا لا إشكال في عدم تحقق القبول به و عدم صحّة العقد بوقوعه و قد يكون مستعملا في معنى اشتريت من باب استعمال اللّفظ الموضوع للملزوم في اللّازم فان طلب البيع يلزمه الانتصاب في مقام قبوله و القيام بالاشتراء فاستعمل اللّفظ في إنشاء ذلك المعنى اللّازم و هذا هو الذي ينبغي ان يكون محلّا للنّزاع دون الأولين لوضوح عدم كفايتهما في تحقق العقد و (الظاهر) وقوع مثل ذلك الاستعمال غاية ما في الباب ان يكون مجازا فيخرج بذلك عن الصراحة و لكنه بانضمام القرينة اللفظية الحقيقية اليه على مذهب (المصنف) (رحمه الله) يصير صريحا و بانضمام مطلق القرينة الموضحة للمقصود و ان كانت من قبيل الأمور العقلية أو القرائن المقاميّة على المختار (كذلك) و لا يبعد ان يكون ذلك من المجازات القريبة فيصح استعماله على مذهب

247

المحقق الثاني (رحمه الله) و الحاصل ان الأمر بالمعنى الثالث يصير حاله حال اشتريت فان جوزنا القبول به مقدما جوزناه بالأمر و الا فلا

قوله و يؤيّده انّه لولاه يلزم الفصل الطّويل بين الإيجاب و القبول

لوقوع حمل متعددة منه (صلى الله عليه و آله و سلم) و من الرجل بين قوله زوجنيها و بين قول النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قد زوجتكها و مضى زمان طويل بينهما بحكم العادة لاقتضائها وجود الفصل بين كلامي كل من المتكلم و المخاطب خصوصا في مثل هذا المورد لان كلا منهما قد يحتاج إلى التأمّل في علاج الأمر و أيضا يؤيّد عدم كون المراد بالأمر في كلام الرّجل هو القبول انه طلب التزويج معلقا بعدم ارادة رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) لها فإنه قال يا رسول اللّه زوجنيها ان لم يكن لك فيها حاجة فإن هذا التعليق يدل على انه لم يكن واثقا بان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) معرض من تزوجها و لا بأنه (صلى الله عليه و آله و سلم) بزوجة إياها و على هذا فكيف يصحّ ان (يقال) انه قصد بقوله زوجنيها إنشاء القبول فتدبّر

قوله منع الفحوى

الوجه في المنع هو ما تقدم إليه الإشارة في كلام الشّهيد (قدس سرّه) في غاية المراد نقلا عن العلامة (قدس سرّه) من الفرق بين النكاح و غيره بان الإيجاب هناك من المرأة و هي تستحيي من الابتداء بالإيجاب فيشقّ عليها ذلك فالمناسب بفضل اللّه سبحانه على عباده هو ان يوسع في أمر عقد النكاح فيرخص في ابتداء الزوج فان كثيرا ما يتفق انه لا يوجد لها وكيل يقوم بالإيجاب بدلا عنها فالمناسب لفضله (تعالى) هو التّوسعة في أمر نفس العقد الأصلي مع قطع النّظر عن قيام التوكيل مقامها و زاد في (جامع المقاصد) بعد بيان الفرق قوله ثم بقي جواز التقديم في العقد مع وكيل المرة و وليها طردا للباب انتهى و في كشف اللثام بعد ذكر استحياء المرأة غالبا ما لفظه الوكيل و الولي فرعها انتهى و يؤيّد منع الفحوى ان ابن إدريس (رحمه الله) ذهب الى جواز تقديم القبول على الإيجاب في النكاح و منعه في غيره كما عرفت و وافقه عليه جماعة

قوله ثم اعلم ان في صحّة تقديم القبول بلفظ الأمر اختلافا كثيرا

لما ذكر ما هو التحقيق عنده أراد ان ينبه على كلمات الأصحاب و ان فيها اختلافا

قوله (رحمه الله) و عن (جامع المقاصد) ان ظاهرهم ان هذا الحكم اتفاقي

قال بعد حكم العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) بعدم انعقاد عقد البيع بالاستيجاب و الإيجاب ظاهرهم ان هذا الحكم اتفاقي و ما قيل بجوازه في النكاح مستند إلى رواية ضعيفة انتهى

قوله و حكى الإجماع أيضا عن ظاهر الغنية

فإنه بعد ان ذكر العبارة التي حكاها (المصنف) (رحمه الله) عنه أتبعها بالاحتراز عن كون المعاطاة بيعا ثم قال يدل على ما قلناه الإجماع المشار اليه و ايضا فما اعتبرناه مجمع على صحّة العقد به و ليس على صحته بما عداه دليل انتهى

قوله و عن (المسالك) (المشهور)

قال المحقق (قدس سرّه) في (الشرائع) و لا ينعقد الا بلفظ الماضي فلو قال اشتر أو ابتع أو أبيعك لم يصح و ان حصل القبول و كذا في طرف القبول مثل ان يقول بعني أو تبيعني و قال في (المسالك) بعد ذيل العبارة نبّه بذلك على خلاف ابن البراج (رحمه الله) حيث جوزه بهما و (المشهور) خلافه

قوله بل قيل ان هذا الحكم ظاهر كل من اشترط الإيجاب و القبول

اعلم انّه قد اختلفت عباراتهم في هذا المقام فمنهم من يظهر منه ان الأمر من المشترى لا يسمى قبولا و ان تعقبه إنشاء النقل من البائع و لهذا عبر عنه و عما يتعقبه بالاستيجاب و الإيجاب كالعلامة (قدس سرّه) في (القواعد) حيث قال و لا بد من الصّيغة الدّالة على الرّضا الباطن و هي الإيجاب كقوله بعت و شريت و ملكت و القبول و هو اشتريت و تملكت أو قبلت و لا تكفي المعاطاة و ان كان في المحقرات و لا الاستيجاب و الإيجاب و هو ان يقول المشتري بعني فيقول البائع بعتك من غير ان يرد المشترى انتهى فقد سمى ما صدر من الطلب من المشترى استيجابا و لم يسمه قبولا و لفظا الاستيجاب و الإيجاب (حينئذ) على الحقيقة لأن الإثبات و الإيقاع هنا انما هو من البائع و المشترى لم يصدر منه إيقاع و من هذا الباب يستظهر من كل من اشترط الإيجاب و القبول و سكت عن التفصيل عدم كفاية الأمر من المشترى و الإيجاب من البائع لأن الأمر لا يسمّى قبولا حتى يتحقق هنا الإيجاب و القبول اللذان هما شرطا تحقق العقد و الى هذا المسلك ينظر عبارة الغنية حيث ذكر فيها في عداد شروط صحّة انعقاد البيع ان يحصل الإيجاب من البائع و القبول من المشترى ثمّ أخذ في الكلام الى ان قال و اعتبرنا حصول الإيجاب من البائع و القبول من المشترى تحرزا عن القول بالانعقاد من الاستدعاء من المشترى و الإيجاب من البائع انتهى و منهم من يظهر منه ان الأمر من المشترى مع تقدمه يسمى قبولا كالشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) فإنه قال في ذيل العبارة الّتي حكيناها عنه من كتاب البيع في أوّل المسئلة و ان تقدّم القبول فقال بعنيه بألف فقال بعتك صحّ و في العبارة الّتي نقلها (المصنف) (رحمه الله) عن كتاب النكاح هنا و اما ان تأخر الإيجاب و سبق القبول فان كان في النكاح فقال الزّوج زوّجنيها فقال زوجتكها صحّ (انتهى) و لكن (الظاهر) ان اختلافهم انما هو في مجرّد التعبير فمن سماه استدعاء فقد نظر الى صوغ اللفظ حيث صيغ بحسب أصل وضعه للاستدعاء و من عبر عنه بالقبول فقد نظر الى المعنى لانه بحسب المعنى لا بد و ان يراد به ما يكون صالحا لتنازع العلماء فيه و الا فمجرد طلب البيع مع عدم علم الآمر في الواقع بأنه هل يقع من المخاطب إيجاب أم لا غير كاف كما قدّمنا بيانه و ان ذلك أم واضح و امّا احتمال ان يكون النزاع لفظيا بان يكون مراد من يقول بأنه لا يصحّ بالاستدعاء هو مجرّد الطّلب و مراد من حكم بالصحّة هو إنشاء القبول به فهو مما لا يليق بالعلماء مع ان هذا الاحتمال لا يجري في كلام الشيخ (قدس سرّه) في كتاب البيع لانه مع تعبيره بالقبول قال في ذيل العبارة و الأقوى عندي انه لا يصح حتى يقول المشترى بعد ذلك اشتريت

قوله بل يمكن نسبة هذا الحكم الى كلّ من جوّز تقديم القبول على الإيجاب بقول مطلق و تمسّك له في النكاح برواية سهل الساعدي المعبر فيها عن القبول بطلب التزويج

أشار بقوله هذا الحكم الى ما حكاه عن الشيخ في باب النكاح من جواز تقديم لفظ الأمر بالبيع على الإيجاب و المراد إمكان نسبة هذا القول الى من جمع بين الأمرين أعني إطلاق جواز تقديم القبول على الإيجاب و الاستدلال لتقديم القبول على الإيجاب في كتاب النكاح برواية سهل وجه الدلالة ان استدلاله هناك برواية سهل يصير قرينة على ان المراد بالقبول هناك ما يعم الأمر من الناكح قطعا فيكون المراد بالقبول هنا ايضا ما يعمه

قوله الا ان المحقق (قدس سرّه) مع تصريحه في البيع بعدم كفاية الاستيجاب و الإيجاب صرّح بجواز تقديم القبول على الإيجاب

يريد (رحمه الله) ان ما ذكرناه من نسبة القول بجواز تقديم القبول بلفظ الأمر على الإيجاب في البيع الى كل من أطلق هنا جواز تقديم القبول على الإيجاب و تمسّك في النكاح لجواز التقديم بلفظ الأمر بخبر سهل الساعدي مبنى على ارتفاع احتمال ان يكون المراد بالإيجاب و القبول معناهما الأخص مع انّ الاحتمال باق غير مرتفع لجواز ان يكون ممن يجوّز تقديم الأمر في النّكاح و لا يجوّز في البيع و انما يجوّز هنا تقديم ما كان قبولا بمعناه الحقيقي

248

الّذي هو القبول بغير صيغة الأمر دون ما هو الفرد الأخر للمعنى الأعم و هو ما كان بصيغة الأمر فيكون مراده (حينئذ) بإطلاق تقديم القبول على الإيجاب معناه الخاص كما يشهد به ان المحقّق (قدس سرّه) هنا تردّد في قول المشتري بعني أو تبيعني مع قول البائع بعتك و مع ذلك اتبعه بالحكم بجواز تقديم القبول على الإيجاب قال في (الشرائع) فلو قال اشتر أو ابتع أو أبيعك لم يصح و ان حصل القبول و كذا في طرف القبول مثل ان يقول بعني أو تبيعني لان ذلك أشبه بالاستدعاء و الاستعلام و هل يشترط تقديم الإيجاب على القبول فيه تردد و الأشبه عدم الاشتراط فقد أراد بالقبول المذكور أخبرا معناه الأخص فهو مفصل في البيع بين تقديم الأمر من المشترى و بين تقديم القبول بمعناه الأخص المتعارف بعدم الجواز في الأوّل و بالجواز في الثاني مع تعبيره بلفظ القبول عنه فلعل من أطلق جواز تقديم القبول على الإيجاب هنا مع استدلاله في النّكاح بخبر السّاعدي يقول بمذهب المحقق (قدس سرّه) من التفصيل فيمنع من تقديم الأمر بالبيع و يجوز تقديم القبول المتعارف في البيع و إطلاقه تقديم القبول على الإيجاب ناظر الى معناه المتعارف فلم تكن القرينة التي هي الاستدلال بخبر السّاعدي معينة للمقصود و هو كون المراد بالقبول هو المعنى الأعم و ان العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) هنا منع من الاستيجاب و الإيجاب و قال بعد ذلك و في اشتراط تقديم الإيجاب نظر و هذا ايضا شاهد بأن إطلاق الإيجاب و القبول لا يلزم ان يراد به المعنى الأعم فقد يراد به المعنى المتعارف فلعلّ من أطلق جواز تقديم القبول على الإيجاب أراد بالقبول ما اراده العلامة (قدس سرّه) بلفظه

قوله و قد عرفت ان القبول على وجه طلب البيع قد صرّح في (المبسوط) بصحّته بل يظهر منه عدم الخلاف فيه بيننا و حكى عن الكامل أيضا فتأمل

أقول (الظاهر) ان الأمر بالتأمل إشارة الى ان الاكتفاء بالقبول على وجه طلب البيع لا يتم حتّى على ما قوّاه لان الاكتفاء باللفظ المنشئ به المعاملة إذا لم يكن مما قام الإجماع على عدم افادته اللزوم انما يصحّ إذا كان ذلك اللّفظ المذكور وافيا بإفادة المعنى الذي تتقوم به المعاملة و قد علمنا ان الأمر في القبول على وجه طلب البيع ليس على ذلك المنوال لما بينه من ان معناه يؤل الى الرّضا بما سيوقعه صاحبه من إنشاء البيع بعد ذلك و انه ليس محصلا للقبول الذي هو ركن في العقد و هو الرّضا بالفعل بما أوقعه صاحبه في الحال و يحتمل ان يكون إشارة إلى توهين نفى الخلاف المستفاد من كلام الشيخ (قدس سرّه) لما عرفت من وقوع الخلاف في كفاية الاستيجاب و الإيجاب و انه قد أنكره جماعة من أعيان فقهائنا (رضي الله عنه) و يحتمل ان يكون إشارة إلى توهين ما افاده سابقا بتقريب أن كفاية الاستيجاب و الإيجاب إذا كانت بحيث ذهب إليها الشيخ و جماعة بل نفى عنها الخلاف فلا بد و ان يكون مرادهم ما يحصل به قوام العقد بان يكون الأمر عندهم بمعنى يتحقق به القبول الذي هو ركن العقد بان يكون بمعنى اشتريت مثلا و الا فلا يمكن منهم الحكم بصحة ما لا يحصل فيه القبول الذي هو ركن العقد لكن هذا بعيد جدا لفوات محل بيانه و انما كان محلّه ما يلي قوله و مما ذكرنا يظهر الوجه في المنع عن تقدّم القبول بلفظ الأمر مضافا الى بعد احالة مثل هذا المطلب المهم لو كان حقا في نظره الى مجرد الأمر (بالتدبر) فتدبر

قوله و ان كان التقديم بلفظ اشتريت أو اتبعت أو تملكت أو ملكت هذا بكذا فالأقوى جوازه

محصّل ما ذكره هو التفصيل بين لفظ قبلت و غيره من الألفاظ بعدم الجواز في الأوّل و الجواز في الثاني بناء على كون النزاع فيما هو أعم من قبلت و غيره كما هو (ظاهر) إطلاق كلمات القدماء و صريح ما اختاره العلامة الطّباطبائي (قدس سرّه) فيما حكى عنه من جواز التقديم حتّى في لفظ قبلت و ما اختاره (المصنف) (رحمه الله) قد وافق فيه الشّهيد الثاني و المحقق الأردبيلي (قدس سرّهما) و ان كان كلامهما ناظرا الى جعل محلّ النزاع في غير قبلت الا ان محصل ما اختار (انتهى) هو الجواز في غير قبلت و عدم الجواز فيه

قوله لأنه إنشاء ملكيّة للمبيع بإزاء ماله عوضا ففي الحقيقة كلّ منهما يخرج ماله الى صاحبه و يدخل مال صاحبه في ملكه (انتهى)

قال في (المسالك) بعد ان قوى عدم اشتراط تقديم الإيجاب على القبول ما لفظه و موضع الخلاف ما لو كان القبول بلفظ اتبعت أو اشتريت أو شريت أو تملكت منك كذا بكذا بحيث يشتمل على ما كان يشتمل عليه الإيجاب اما لو اقتصر على القبول و قال قبلت و ان أضاف إليه باقي الأركان لم يكف بغير اشكال و (حينئذ) فلا فرق بين الإيجاب و القبول و انما كلّ منهما أحد شقي العقد و في الحقيقة هذه الألفاظ المتقدّمة المعدة قبولا قائمة مقامه لا نفسه و انما القبول على الحقيقة قبلت و هو ممّا لا يصحّ الابتداء به انتهى و في مجمع الفائدة عند قول العلّامة (قدس سرّه) في (الإرشاد) و في اشتراط تقديم الإيجاب نظر ما نصه وجه النظر صدق العقد و الأصل عدم اشتراط شيء و سائر ما تقدم و الاحتياط لوجود الخلاف و ان القبول فرع الإيجاب فلا معنى لتقديمه و الأول أظهر و قد فهم مما تقدم و يؤيده جوازه في النكاح مع ان مبناه على الاحتياط التام و الاحتياط ليس بدليل مع انه لا يمكن بعد الوقوع مع ان كون القبول فرع الإيجاب غير (ظاهر) و منقوض بما جوّز في النكاح على انه انما هو مع كونه بلفظ قبلت و نحوه وحده أو مع انضمام هذا المتاع و شرائه بمبلغ كذا و ذلك غير كاف من غير نزاع على ما في (حينئذ) (الشرائع) و انما النزاع إذا اتى بمثل قوله ابتعت أو اشتريت أو تملكت منك هذا المتاع بكذا بحيث يشتمل على جميع ما يعتبر في صحّة العقد في صورة تقديم الإيجاب و لا ينبغي (حينئذ) النزاع فإن البائع كالمشتري فيجوز ابتداؤه بالصّيغة قبل الأخر فيكون موجبا و الثاني قابلا (مطلقا) و سيجيء في بيع الآبق و بيع اللبن في الضرع أخبار دالة على جواز وقوع البيع بلفظ المضارع مع التقديم و بعضها صحيح انتهى و قد اختلف افهام الناظرين في كلام المحقق المذكور فمنهم من فهم منه ان مراده ان القبول يصير إيجابا و الإيجاب ينقلب قبولا و منهم من زعم ان عرضه ان القبول يصير إيجابا و الإيجاب باق بحاله لم يتغير غاية ما هناك ان العقد مركب من إيجابين و منهم من زعم ان مقصوده هو ان كلا منهما إيجاب و قبول بالاعتبارين و لهذا أورد عليه بعض من تأخر بان متنازع الفقهاء انما هو تقديم القبول على الإيجاب المعتبر كل منهما بوصفه العنواني و (حينئذ) نقول ان مثل قول المشترى اشتريت المقدم على قول البائع بعت لا (يخلو) امّا ان يكون باقيا على ما كان عليه من كون المراد به هو المعنى الذي هو قبول أم لا فعلى الأول لا معنى لقول المحقق الأردبيلي فإن البائع كالمشتري فيجوز ابتداؤه بالصّيغة قبل الأخر فيكون الأوّل موجبا و الثاني قابلا (مطلقا) و مثله ما افاده (المصنف) (رحمه الله) من ان المشترى في الحقيقة أنشأ المعاوضة كالبائع و ذلك لانه مع فرض كون لفظ اشتريت باقيا على معناه المراد به في صورة التأخير أعني القبول لا معنى لصيرورته إيجابا لأن الإيجاب عبارة عن نقل الشيء و إعطائه و مع كونه قبولا كيف يصير إيجابا و إعطاء و على هذا القياس نكحت إذا كان مقدما على أنكحت فإنه في صورة التّأخر عبارة عن قبول الإنكاح فعند تقديمه ان أريد به ما كان يراد به عند التأخر لم يكن إيجابا لأن إيجاب النكاح عبارة عن إدخال الزوجة في عنوان الزّوجية فكيف يصير قبول الزوجة للزوجية

249

إيجابا و على الثاني لا (يخلو) اما ان يكون الإيجاب المؤخر باقيا على ما كان عليه من كونه إيجابا فيلزم تركب العقد من إيجابين من دون قبول و ذلك خلاف مهية العقد ضرورة انه عبارة عن الإيجاب و القبول و امّا ان ينقلب قبولا و لا معنى له لأن الإيجاب كما عرفت عبارة عن إعطاء شيء و بذله فلا يمكن انقلابه قبولا الا ترى ان بعت المراد به إنشاء نقل العين إيجاب فلا يعقل ان يصير قبولا و كذا أنكحت المراد به إنشاء إدخال الزوجة تحت سلطنة الزّوج لا يمكن ان يصير قبولا أقول كلام المحقق المذكور صريح في انه إذا قال أحد المتعاقدين اشتريت و قال الأخر عقيب ذلك بعت فإن الأول يصير موجبا و الثاني قابلا فلا مجال للاختلاف في فهم كلامه و لا للترديد و التشقيق للاعتراض عليه غاية ما في الباب انه ساكت عن ان مثل هذا الإيجاب فيه جهة قبول (أيضا) حتى يصحّ ان (يقال) ان فيه اعتبارين فهو إيجاب باعتبار و قبول باعتبار أخر و لكن ذيل كلام (المصنف) (رحمه الله) يعطى الالتزام بذلك حيث تقطن للإيراد بان ما ذكره مخالف للإجماع على انه لا بدّ من صدور القبول من المشترى فأجاب بأن المسلم من الإجماع انّما هو اعتبار القبول من المشترى بالمعنى الشّامل للرضا بالإيجاب و امّا وجوب تحقق مفهوم القبول المتضمّن للمطاوعة و قبول الأثر فلا و ذلك لانه استفيد من كلامه ان هذا المقدار من جهة القبول و هو الرّضا بالإيجاب لا بدّ منه و (الظاهر) ان المحقّق المذكور ايضا يلتزم بذلك لكونه أقلّ ما لا بدّ منه ممّا قام عليه الإجماع كما ان (المصنف) (رحمه الله) يلتزم يكون مثل اشتريت عند ابتداء المشترى به إيجابا لأنه قال في أوّل كلامه ففي الحقيقة إنشاء المعاوضة كالبائع (انتهى) و هذا الكلام بضميمة قوله فليس في حقيقة الاشتراء من حيث هو معنى القبول (انتهى) و بضميمة ذيل ما استشهد به اعنى قول الشهيد الثاني (رحمه الله) و لفظ اشتريت يجوز الابتداء به يفيد انه يلتزم بكونه إيجابا فمجموع كلامه يفيد التزامه بكونه إيجابا و يؤيّده استشعار الاعتراض من على نفسه بما ذكره بقوله فان قلت لأنه أفاد نفى القبوليّة المستلزم لكونه إيجابا باعتبار أن طرفي العقد لا يخرجان عن الإيجاب و القبول و لو لم يفد كلامه كون ذلك إيجابا لم يتجه الاعتراض و لم يفتقر إلى إثبات أقل ما يعتبر في القبول فيه فيكون قبولا بملاحظة ذلك الاعتبار و الحاصل ان كلام (المصنف) (رحمه الله) أفاد الالتزام بكون اشتريت في حال تقديمه إيجابا فيه جهة قبول و كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) صريح في كونه إيجابا و (الظاهر) بدلالة الإجماع على اعتبار القبول من المشترى هو التزامه بما التزم به (المصنف) و امّا الشّهيد الثاني (قدس سرّه) (فالظاهر) انه موافق لهما بدلالة حكمه بأنه بعد إخراج قبلت و رضيت عن محل النزاع لا يبقى فرق بين الإيجاب و القبول في انه يجوز ابتداء إنشاء العقد بكل منهما و ان كلا منهما أحد شقي العقد و حكمه بأنه في الحقيقة هذه الألفاظ المتقدّمة التي تعد قبولا قائمة مقام القبول و ليست نفسه و القبول الحقيقي انما هو قبلت و هو مما لا يصحّ الابتداء به فبملاحظة طرفي الكلام و ملاحظة أن طرفي العقد لا يخرجان عن عنواني الإيجاب و القبول يعلم ان المراد بكونها قائمة مقامه لا نفسه هو ان فيها جهة قبول و انه لذلك تفيد فائدتها فهي إيجاب لان طرفي العقد لا يخرجان عن الإيجاب و القبول و لكنها قائمة مقامه باعترافه فتفيد فائدته فتحصل من جميع ما ذكرنا أن مؤدّى كلام هؤلاء الاعلام الثلاثة معنى و مقصدا واحد و هو ان اشتريت و أخواته في حال التقديم إيجاب لكنها تفيد فائدة القبول لاستلزامها معنى الرّضا بالإيجاب الّذي هو القدر المتيقن من معقد الإجماع على اعتبار القبول من المشترى و إذ قد عرفت ذلك نقول ان ما ذكروه هو الحقّ الّذي لا محيص عنه إذ لم يثبت للإيجاب و القبول حقيقة شرعيّة و لا اصطلاحيّة امّا القبول ففي غاية الوضوح و امّا الإيجاب فلأنه في اللّغة عبارة عن الإلزام و الإثبات قال في المصباح وجب البيع و الحق يجب وجوبا و جبة لزم و ثبت الى ان قال و أوجب البيع بالألف فوجب انتهى و في المجمع وجب الشيء وجوبا كوعد لزم قاله الجوهري و غيره و الوجوب اللّزوم و أوجبه اللّه (تعالى) و استوجبه استحقه و وجب البيع لزم و منه إذا افترق البيعان وجب البيع اى لزم انتهى و في شرح القاموس ان الوجوب على زنة العقود و الجبة

على زنة عدة معناهما اللّزوم و المراد به الثبوت و التمكن (يقال) وجب الشيء وجوبا وجبة من الباب الثاني إذا لزم ثم قال انه على بيان (المصنف) في البصائر مادة الوجوب موضوعة لمعنى السّقوط و الوقوع انتهى و على هذا فإيجاب البيع عبارة عن إثباته و إيقاعه و مثل البيع غيره من العقود فيشتمل على إيجاب و قبول على حد اشتماله عليهما و قد أطلقوا على فعل البادي من المتعاقدين الإيجاب لأنه بابتدائه بعد ان لم يكن صار كأنه يوقعه و يثبته بتمامه و الا فالمعاملة إنما تحصل من فعل الطرفين و امّا الأخر فلما وجد من صاحبه ما يتممه الرضا به سمى فعله قبولا و لم يسم إيجابا و ان أريد بالبيع معنى النقل صار اسناد إيجابه الى البادي أوضح و ان اتفق لك عروض ريب فيما ذكرناه من بقاء الإيجاب على معناه اللغوي و انه لم يقع فيه تصرف و لا نقل فعليك بأصالة عدم النقل فان الغريق يتشبّث بالحشيش و بما ذكرنا كله تحقق ان من ابتدء من المتعاقدين بما من وظيفته الابتداء به كان ذلك إيجابا لصدق مفهومه اللغوي و العرفي و ليس هناك معنى غيره حتّى يتفاوت الأمر بملاحظته و لا يختص الإيجاب بالبائع لعدم وضعه لما يختص به لغة و لا اصطلاحا فصحّ ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) من ان الأول يكون موجبا و الثاني قابلا ضرورة قيام مفهوم الإيجاب بالأوّل و مفهوم القبول بالثاني كما عرفت الوجه فيه من بياننا و امّا ما أورد عليه من انه يلزمه بناء على ما ذكره ان يصير المرأة رجلا و الرّجل امراة و هو (محال) فهو مبنى على زعم ان الإيجاب في كلّ عقد مخصوص بطرف من طرفيه ففي البيع عبارة عن فعل البائع و في النكاح عبارة عن فعل الزّوجة المسلطة للزوج على نفسها و على هذا فلا يتحقق الإيجاب من الرّجل الا بان يصير امراة و هو (محال) و ان كان قد تخيل بعض من تأخر ان المورد زعم ان مراد المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) هو انه إذا قال الرّجل نكحت مقدما على قول المرأة أنكحت فمعنى صيرورة قوله إيجابا و قولها قبولا هو ان يقصد من لفظ نكحت ما تقصده المرأة بأنكحت لكن الأمر ليس (كذلك) لبداهة فساده و انما المقصود ما ذكرناه فالحاصل ان هؤلاء الاعلام يقولون ان الإيجاب عبارة عن إثبات العقد و إيقاعه و من ابتدء منهما بإيقاعه كان فعله إيجابا و كان هو موجبا و كان فعل الأخر قبولا و كان هو قابلا سواء كان هو البائع أم المشترى و هذا معنى صحيح كما عرفت البيان و منه يعلم ان لا وجه لما زعمه الأخيران من الفرق الثلاثة المذكورة للناظرين في كلام المحقق المذكور و لا مجال للتّرديد و التشفيق الّذي ذكره البعض الّذي تقدم ذكره في الرد على كل من الشقوق المذكورة و كذا ما ذكره من ان متنازع الفقهاء انما هو تقديم القبول على الإيجاب المعتبر كل منهما بوصفه العنواني ضرورة ان القبول الّذي هو ركن العقد بوصف انه قبول لا يمكن تقدمه فإثبات الشيء المستحيل و لو من أحد طرفي

250

التشاجر لا يليق بشأن العلماء الاعلام مضافا الى ان البحث عن ان القبول بوصف انه قبول هل يمكن تقدّمه عليه أم لا ليس من مباحث الفقهاء لكون حكمه الإمكان و عدمه العقليّين و الذي يعود الى المسئلة الفقهيّة هو انّ ما يؤتى به للقبول هل يصحّ ان يتقدّم على الإيجاب و ينعقد به العقد أم لا فان هذا هو الّذي يصير بحثا عن فعل المكلّف الذي هو العقد و كذا ما ذكره ذلك البعض من ان الإيجاب عبارة عن النقل و الإعطاء لما عرفت من ان الإيجاب عبارة عن الإثبات و الإيقاع ثم ان بعض المعاصرين بعد ان نفى الفرق بين ألفاظ القبول على القول باشتراط تقديم الإيجاب عليه ذكر انه على القول بعدم الاشتراط (أيضا) قد (يقال) انه (كذلك) و ذكر ما قلنا انه كلام العلامة الطباطبائي (قدس سرّه) ثم قال و في شرح (القواعد) انه لا فرق بين الجميع و ان كان المنع من قبلت أظهر فتدبر و لكن عن نهاية الأحكام و كشف اللثام و الميسية و (المسالك) و (الروضة) و مجمع البرهان و غيرها المنع من تقديم قبلت و رضيت بل ربما قيل بأنه لا معنى له مع التقديم و عن كثير منها انه لا نزاع فيه و انما النّزاع فيما إذا قال المشترى اتبعت و اشتريت و ملكت و نحوها بل عن (ظاهر) كره الإجماع عليه في النكاح مع عدم الفرق بينه و بين باقي العقود و قد يستدل عليه مع ذلك بأنّه خلاف المتعارف من العقد و بأنه هو الفرع و المضاف و التابع للإيجاب فلا يعقل تقدمه عليه و ذلك لان القبول الذي هو أحد ركني العقد ليس المراد منه مجرد الرضا بالإيجاب حتى (يقال) بان الرّضا بشيء لا يستلزم تحقق فعله فقد يرضى الإنسان بالأمر المستقبل بل المراد منه الرضا بالإيجاب على وجه يتضمن إنشاء نقله ماله في الحال الى الموجب على وجه العوضية لأن المشتري ناقل كالبائع و هذا لا يتحقق الا مع تأخّر الرضا عن الإيجاب إذ مع تقدّمه لا يتحقق النقل في الحال فانّ من رضى بمعاوضة ينشئها الموجب في المستقبل لم ينقل في الحال ماله الى الموجب بخلاف من رضي بالمعاوضة الّتي انشئها الموجب سابقا فإنه يرفع بهذا الرّضا يده عن ماله و ينقله الى غيره على وجه العوضيّة و فيه ان تقديمه باشتريت و نحوها خلاف المتعارف ايضا فلا جهة للفرق بينهما بذلك كما ان لفظة اشتريت مثلا انما تكون قبولا لدلالتها على معنى قبلت و الا فهي صالحة للإيجاب (أيضا) و لذا قيل كما عن مجمع البرهان و غيره انه يصير المشترى موجبا و البائع قابلا الا انه خارج عن محل البحث إذ هو في تقديم القبول حقيقة على الإيجاب حقيقة لا في جعل المشترى موجبا و البائع قابلا فإنه مما لا مساغ لإنكاره و من المعلوم ان الحروف مما لا دخل لها في المنع و انما المانع هو المعنى المشترك بين الجميع فالفرق بينها و بين غيرها لا (يخلو) عن تحكم كدعوى انها غير صالحة لإنشاء تملك المثمن بالثّمن فلا يصحّ تقديمها عليه بخلاف اشتريت مثلا فإنها صالحة لذلك فيصحّ تقديمها عليه فتكون قبولا لتضمّنها لمعناها في الجملة أو لمشابهتها لها و ان لم يكن فيها معناها أصلا و رأسا لأنها مرادفة لها و دالة على تمام معناها المستلزم لعدم صحّة تقديمها كقبلت مع انها ان تمّت لزم منها عدم كون تقديم اشتريت من محل النّزاع و كانت قريبة من مقالة المقدس (رحمه الله) ان لم تكن هي هي إذ لا يخفى ان النزاع انما هو في جواز تقديم القبول حقيقة و عدمه لا في جواز تقديم اشتريت التي هي من الألفاظ القبول عندهم مع إخراجها عن القبول و جعلها إيجابا أو قريبة من الإيجاب بأن يراد بها إنشاء ملكية مال صاحبه لنفسه بإزاء ماله الّذي به يصير مشتريا بخلاف البائع فإنه ينشأ ملكية ماله لصاحبه بإزاء مال صاحبه ففي الحقيقة هما سواء في إنشاء المعاوضة بل قد (يقال) بأنه لا إشكال (حينئذ) في الجواز و احتمال لفظية النزاع بان يريد المانع صورة قصد القبول منها خاصة و يريد المجير صورة عدم قصده بعيد جدا ان لم يقطع بعدمه بل (الظاهر) ان النّزاع انّما هو مع قصد القبول منها مع احتمال كونه مع عدمه (أيضا) الّا انّه بعيد جدا هذا و قد يشكل الجواز مع عدمه بالإجماع على اعتبار القبول في العقد و لا قبول مع التقديم باعتراف الخصم و دفعه بأنّ المسلم من الإجماع انما هو اعتبار القبول من المشترى بالمعنى الشامل للرضا بالإيجاب و امّا وجوب تحقق مفهوم القبول المتضمّن للمطاوعة و قبول

الأثر فلا مدفوع بان لا مجال لإنكار كونه على اعتبار القبول الحقيقي فإن كان ذلك المعنى العام هو الحقيقي فلا بأس بتأديته بقبلت ايضا و ان لم يكن هو المعنى الحقيقي فلا دليل على كفايته ان لم تدع الإجماع على عدمها (فتأمل) جيدا انتهى و لا يخفى ما فيها من مواقع النظر اما الأوّل فهو ما ذكره من كون تقديم اشتريت مثل تقديم قبلت في كون الجميع خلاف المتعارف و قد تقدم تفصيله فلا نعيد و امّا الثاني فهو ما ذكره من ان محل النزاع انّما هو تقديم القبول حقيقة على الإيجاب حقيقة لا جعل المشترى موجبا باعتبار من الاعتبارات و جعل البائع قابلا (كذلك) و بنى عليه وجوها من الإيراد على (المصنف) (رحمه الله) لأنك قد عرفت ان القبول حقيقة ليس الا ما لحق الإيجاب و كان مطاوعة له ضرورة ان الكلام انما هو في قبول العقد الّذي هو ركن فيه و هذا ممّا لا يعقل تقدّمه و ليس قابلا لان يتنازع فيه أعيان الفقهاء قديما و حديثا و من الغريب افحام قوله و من المعلوم ان الحروف ممّا لا دخل لها ضرورة انه لم يتوهم أحد ان الفرق بذلك الاعتبار و لا أشعر به قول (المصنف) (رحمه الله) و لا وقع في كلامه ما هو مبنى عليه و انما ذكر (المصنف) الفرق بحسب المعنى كما عرفت و أغرب منه انه ادعى ان المانع من التقديم هو المشترك بين جميع ألفاظ القبول و فرع عليه ان الفرق بين قبلت و غيره تحكم فليت شعري كيف لا يكون دعواه ان المانع من التقديم هو المشترك بين الجميع تحكما و يكون تفرقة (المصنف) (رحمه الله) وفاقا لجماعة من الأعيان تحكما مع اعترافه بأن أكثرهم قالوا ان محل النّزاع انّما هو غير قبلت و هو يدلّ على ان المانع ليس هو المشترك و ان بحثهم من تقديم ما يقع قبولا في العقد بحسب متعارف أهل العرف و ان كان المانع اشتمالها كلا أو بعضها على معنى مانع غير معنى القبول فالقبول جامع بينها في العنوان لا انّه علّة للحكم و الا فالقبول الّذي هو المعتبر في العقد ركنا عندهم لا يعقل تقديمه و لا أقل من قيام هذا الاحتمال المؤيد بعدم قابلية القبول بوصف كونه قبولا للتقديم عقلا فيكون دعواه ان محل البحث انما هو عنوان القبول تحكما ضرورة انه ليس بأولى ممّا ذكرناه من الاحتمال و امّا الثالث فهو انّه جعل من قبيل التحكم ما افاده (المصنف) (رحمه الله) من ان لفظة قبلت غير صالحة لإنشاء تملك المثمن بالثمن فلا يصحّ تقديمها عليه بخلاف اشتريت و ذلك لان ما افاده لا يتوقف الّا على مجرّد التنبيه الى ان مجرّد الالتفات الى مفاهيم الألفاظ الجارية في القبول يكفي في الإرشاد إلى الفرق بينهما بما ذكره و امّا الرابع فهو انه فرّع على الفرق الّذي أفاده (المصنف) (رحمه الله) على تقدير تمامه ان يكون تقديم اشتريت خارجا عن محلّ النّزاع و ذلك لان مجرّد قيام دليل على مطلب نظري

251

لا يوجب خروجه عن محلّ النّزاع و انما يخرج عن محلّ النّزاع ما كان بديهيا (مطلقا) أو عند العلماء خاصة و ما ذكره في شأن اشتريت و أخواته ليس من البديهي عندهم و لا عند غيرهم و هذا بخلاف عدم صحة تقديم القبول المتعلق بإيجاب خاص بحيث يكون مطاوعا له عليه فإنّه من الحكم العقلي البديهي عند العلماء

قوله لان القبول في الحقيقة ما لا يمكن الابتداء به و لفظ اشتريت يجوز الابتداء به

يظهر من هذا وجه كون الأصل في القبول قبلت و يسقط بذلك ما ذكره بعض الأواخر من انا لا نفهم معنى كون الأصل في القبول هو قبلت فتدبّر

قوله و الحاصل انّ المصرّح بذلك فيما وجدت من القدماء الحلي و ابن حمزة

أشار بقوله ذلك الى المنع من تقديم مثل اشتريت المذكور في كلامه قال في السّرائر فبيع الخيار على ثلثه أضرب أحدها ان يعقد العقد بالإيجاب و القبول و يكون الإيجاب مقدّما على القبول فان كان القبول متقدّما على الإيجاب فالبيع غير صحيح فإذا عقداه بالإيجاب و القبول بعده فيثبت لهما الخيار ما لم يفترقا بأبدانهما هذا ما أهمّنا من كلامه و قال في الوسيلة في عداد ما يحتاج اليه البيع في صحته الثامن تقديم الإيجاب على القبول انتهى ما أردنا ذكره من كلامه

قوله و امّا ما لا إنشاء في قبوله الا قبلت أو ما يتضمّنه كارتهنت فقد (يقال) بجواز تقديم القبول فيه إذ لا التزام في قبوله لشيء كما كان في قبول البيع التزاما بنقل ماله إلى البائع

يعنى انه لو كان في قبوله التزام بشيء كما في البيع لم يكن تقديم مجرّد ما اشتمل على القبول مفيدا للالتزام بذلك الشيء و ان كان عند تأخره يفيد الالتزام به فكان يلزم فيه عند تقديم القبول فوات الدلالة على ما كان يلزم الالتزام به بخلاف ما ليس في قبوله التزام بشيء فإن تقديمه لا يستلزم فوات الدلالة على ما كان يلزم الالتزام به

قوله فتقديم القبول على الإيجاب لا يكون إلا في القسم الثاني من كل من القسمين

فالثاني في التقسيم الأوّل هو الالتزام المغاير للالتزام الحاصل من الموجب كالاشتراء و الثاني في التقسيم الثاني هو ما لا يثبت فيه اعتبار أزيد من الرّضا بالإيجاب كالوكالة و العارية و شبههما و الأوّل في التقسيم الأوّل هو الالتزام المماثل للالتزام الحاصل من الموجب كالمصالحة و الأوّل في التقسيم الثاني ما يعتبر فيه عنوان المطاوعة كالارتهان و الاتهاب و الاقتراض و السّر في عدم جواز التقديم في الأوّل من الأخيرين هو انه لما كان التزام القابل مماثلا فلا يستعمل في قبوله الا قبلت أو رضيت كما في الصّلح فإنه لا يقول القابل صالحت بعد قول الموجب صالحت و قد عرفت ان القبول الذي هو ركن في العقد لا يتقدم لانه تابع و في الثاني منهما هو انه يتضمن المطاوعة فلا يعقل تقدّمه لامتناع معنى المطاوعة (حينئذ) هذا و أورد عليه بعض المعاصرين بقوله و فيه ان الذي يقضى به التدبّر في النصوص و كلام الأصحاب انه لا يعتبر في القبول في جميع العقود أزيد من إنشاء الرّضا بالإيجاب و ان ذلك هو المقصود من قبلت و ارتهنت و نحوهما و (حينئذ) فلا مانع عقلا من التقديم في الجميع و ان كانت قاعدة التوقيفيّة تقضى بالمنع منه في الجميع (أيضا) مع عدم ثبوت المخرج عنها كما يظهر ممّا مر فلاحظ و تدبر انتهى و أورد عليه (أيضا) بعض من تأخر بأن التفصيل المذكور مخالف للإجماع إذ لم يقل به أحد قديما و حديثا مضافا الى ان الذي يستفاد من كلام العلّامة (قدس سرّه) و (القواعد) صحة تقديم القبول في الرّهن بلفظ ارتهنت و هو مناف للتفصيل الّذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) على وجه يظهر منه ان مراد الفقهاء ذلك قال في (القواعد) و لو شرك بين الرّهن و سبب الدّين في عقد ففي الجواز إشكال ينشأ من جواز اشتراطه في العقد فتشريكه في متنه أكد و من توقف الرّهن على تمامية الملك لكن يقدم السّبب فيقول بعتك هذا العبد بألف و ارتهنت الدار بها فيقول اشتريت و رهنت و لو قدم الارتهان لم يصحّ انتهى و مثله كلامه في (التذكرة) قال فيها يصحّ عقد الرّهن بعد ثبوت الحق في الذمّة و تقرره و إجماعا لأنه دين ثابت و تدعو الحاجة الى أخذ الوثيقة فجاز أخذها كالضمان و لقوله (تعالى) فَرِهٰانٌ مَقْبُوضَةٌ جعله بدلا من الكتابة فيكون في محلها و محلها بعد وجوب الحقّ لقوله (تعالى) إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ و جعله جزاء للمداينة مذكورا بعدها بقاء التعقيب اما لو قارنه و امتزج الرهن بسبب ثبوت الدّين مثل ان يقول بعتك هذا العبد بألف و ارتهنت هذا الثوب به فقال المشترى اشتريت و رهنت أو قال أقرضتك هذه الدراهم و ارتهنت بها دارك فالأقرب الجواز انتهى و ذلك لان فرض المسئلة في ضمن مثال باطل لا يليق بشأنه لأن المعهود هو فرضها في ضمن مثال صحيح لا كلام فيه الا من جهة النّزاع في المبحث و لهذا يقيدون الأمثلة إذا كانت من موارد الخلاف من جهة أخرى بقولهم على القول بكذا و كذا و هذا غير ما تقرّر عندهم من سوق الكلام لجهة حيث انه لا يشوبها (حينئذ) جهة أخرى لأن ذلك في الأحكام و اين هو من الأمثلة و الفروض أقول ان كنت قد بلغت من مقصد (المصنف) (رحمه الله) قاصيته و ملكت ناصيته علمت ان شيئا منهما مما لا يتجه عليه امّا الأول فلان (المصنف) ايضا يقول بان الرّضا بالإيجاب كاف لكن يقول انه لا يتحقق معنى العقد الا بان يكون الرّضا بالإيجاب على وجه الفعلية و نقل القابل ماله الى الموجب على وجه العوضية بالفعل و هذا مما لا يليق للارتياب فيه خصوصا بعد التنبيه عليه فلا وجه لمقابلته بما حاصله الإغماض و التعامي عن ادراك المقاصد على وجوهها و امّا الثاني فلأنّه (رحمه الله) بصدد تحقيق المقام و الإيراد على العالم البصير بمخالفة مقالته لمقالة عالم أخر مما لا يخفى شناعته عند العلماء فتدبر

[و من جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه و قبوله]

قوله و من جملة شروط العقد الموالاة بين إيجابه و قبوله

و قد يعبر عنها بالفوريّة في كلام بعضهم

قوله ذكره الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) في باب الخلع

لم يذكر (قدس سرّه) اعتبارها على وجه القضية الكلّية السارية في سائر العقود و انما ذكره بالنسبة إلى خصوص الخلع قال إذا طلقهما بألف أو على الف فقد طلقهما طلاقا بعوض الف و يقتضي ان يكون جوابه على الفور فإن تراخى لم يصح ان يطلقهما على ما طلبت أ فإن طلق كان ابتداء طلاق من جهته و يكون رجعيا اللهم الا ان يبتدئ فيقول أنتما طالقان على الف (فحينئذ) إن ضمنتا ذلك على الفور طلقتا به و ان لم تضمنا ذلك سقط كلامه هذا إذا تراخى جوابه و قبوله فامّا ان طلقهما على الفور وقع الطلاق بائنا و استحق العوض و اى عوض يستحق قيل فيه قولان أحدهما مهر المثل على كلّ واحدة منهما و يسقط المسمّى و الثاني يجب المسمّى يقسط ذلك على مهر المثل لكل واحدة منهما فيأخذ منهما بالحصّة من مهر مثلها و هكذا انتهى و قال في مسائل الدّعاوي فإن قال لها طلبت مني طلقة بألف فاجتبك و طلقتك بها على الفوز جوابا لما طلبت فالطلاق واقع و الرجعة ساقطة و الألف لي عليك فقالت ما طلقتني جوابا لكلامي بل خرجت حتّى

252

انقضت مدة الجواب و طلقتني بعد ذلك فالطلاق رجعي و لا ملك لك على فالقول قولها لان تحقيق الكلام طلقتك بعوض فقالت لا بعوض فيكون القول قولها انتهى و ذكر فروعا متعددة من الطّلاق المشروط فصل فيها بين وقوع الجواب فورا و عدمه بالصحّة في الأول و البطلان في الثاني على مذهب العامة و حكم بالبطلان من جهة كون الطلاق مشروطا على وجه يظهر منه تقرير اعتبار الفور

قوله ثم العلامة (قدس سرّه)

الذي عثرت عليه من كلامه انما هو قوله في (القواعد) في كتاب الخلع و لو قالت طلّقني بألف فالجواب على الفور فإن أخر فالطلاق رجعي و لا عوض انتهى

قوله و الشّهيدان (قدس سرّهما)

الذي وفقت عليه من كلام الشّهيد (قدس سرّه) ممّا عدا عبارة (القواعد) التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) انما هو ما ذكره في (الدروس) في عداد شرائط الوقف من قوله و رابعها القبول المقارن للإيجاب إذا كان على من يمكن فيه القبول انتهى و من كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) ما ذكره في كتاب الوقف من (الروضة) بقوله و قيل يشترط يعنى القبول ان كان الوقف على من يمكن في حقه القبول و هو أجود و بذلك دخل في باب العقود لأن إدخال شيء في ملك الغير يتوقف على رضاه للشك في تمام السّبب بدونه فيستصحب فعلى هذا يعتبر فيه ما يعتبر في العقود اللّازمة من اتصاله بالإيجاب عادة و وقوعه بالعربيّة و غيرها انتهى و له كلام أخر في كتاب الخلع مخصوص به

قوله و المحقق الثاني (رحمه الله)

قال في شرح قول العلامة (قدس سرّه) في بيع (القواعد) و لا بد من صيغة الماضي ما لفظه و يشترط وقوع القبول على الفور عادة من غير ان يتخلل بينهما كلام أجنبي انتهى و قال في كتاب النّكاح و كذا يشترط اتحاد مجلس الإيجاب و القبول فلو تعدد المجلس كما لو قالت الزّوجة زوجت نفسي من فلان و هو غائب فبلغه الخبر فقيل لم يصحّ قطعا لان العقود اللازمة لا بد فيها من وقوع القبول على الفور عادة بحيث يعد جوابا للإيجاب و كذا لو تخلل بينهما كلام أخر أجنبي انتهى

قوله و ما ذكره حسن لو كان حكم الملك و اللزوم في المعاملة منوطا بصدق البيع عرفا كما هو مقتضى التمسك بآية الوفاء بالعقود و بإطلاق كلمات الأصحاب في اعتبار العقد في اللّزوم بل الملك امّا لو كان منوطا بصدق البيع أو التجارة عن تراض فلا يضرّه عدم صدق العقد

أقول الدليل على اعتبار الموالاة بين الإيجاب و القبول في البيع و سائر العقود اللّازمة لا (يخلو) امّا ان يكون هو قاعدة توقيفية ألفاظ العقود كما وقع ذكرها في كلام ابن إدريس (رحمه الله) و غيره و قد عرفت سابقا ابطالها و امّا ان يكون هو عدم صدق العقد على ما انفصل قبوله عن إيجابه و هذا يتجه عليه انه ان كان الاتصال مأخوذا في مفهوم العقد لزم اعتباره في العقود الجائزة أيضا لكون الصّنفين مندرجين تحت عنوان العقد المفروض اعتبار الاتصال في مفهومه على مذاق المستدل و لم يعتبره فيها أحد فعلى هذا لو قال الموكّل و كلتك و قال المخاطب بعد سنة للموكل قبلت تلك الوكالة الصادرة منك قبل سنة صحت و هذا من باب المثال و قس عليه أحوال سائر العقود الجائزة فإن أمرها مبنىّ على الوسعة و لا يعتبر فيها ما يعتبر في العقود اللّازمة و لهذا قال الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في أول كتاب الوديعة من (الروضة) و كيف كان لا يجب مقارنة القبول للإيجاب قوليا كان أو فعليا انتهى و لذلك ايضا اكتفوا في وقوع العقود الجائزة بالفعل ايضا كما هو المقرر في كلمات الأصحاب فلم يتحصل في المقام دليل على اعتبار الموالاة على وجه يصحّ الاستناد اليه فلا بد من الرّجوع الى الأصل فالتحقيق (حينئذ) ان (يقال) لا (يخلو) امّا ان نقول بإجمال آية وجوب الوفاء بالعقود من جهة انصرافها الى العقود المتعارفة التي لم يعلم حالها عندنا أو من جهة أخرى مثل لزوم تخصيص الأكثر مثلا كما تقدم الكلام في وجه الإجمال تفصيلا و (حينئذ) فلا بد من الرّجوع الى الأصل الّذي هو أصالة عدم سببيّة العقد المشكوك في صحّته من جهة فوات وصف الموالاة لأثره المقصود منه و امّا ان لا نقول بإجمالها (فحينئذ) نقول لا ريب في تطرق الوهن إليها من جهة كثرة التخصيص و عدم استناد الأصحاب إليها في جميع مواردها التي يصحّ الاستناد إليها بحسب مفهومها فلا بد في التمسّك بها في شيء من الموارد من عدم إعراض الأصحاب عنها في ذلك المورد و قد أعرضوا عن التمسّك بها في الحكم بصحّة العقد الفاقد للموالاة بين الإيجاب و القبول فلا يبقى لنا وثوق في الاستناد إليها فيلزم الرّجوع الى الأصل و مقتضاه عدم سببية العقد الّذي وقع فيه الفصل لأثره و لازمه الجريان على مقتضى اشتراط الموالاة فتدبر بقي الكلام فيما أورده (المصنف) (رحمه الله) على الشّهيد (قدس سرّه) من ان الملك و اللزوم في البيع إذا لم يكونا منوطين بصدق العقد و انما كان بصدق البيع و التجارة عن تراض لم يبق وجه لاعتبار التوالي لصدقهما بدونه ايضا فنقول قد اعترضه بعض من تأخر بأن البيع على قسمين أحدهما ما يتحقق بالفعل كالمعاطاة و ثانيهما ما يتحقق باللّفظ و اجراء حكم اللزوم على ما تحقق باللّفظ انما هو بواسطة اندراجه تحت عنوان العقد و مع فرض عدم صدقه كما هو مقتضى كلامهما لا مجال لجريان قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (تعالى) تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ لان سبب عروض اللّزوم للبيع بالصّيغة انما هو كونه عقدا لا مجرد كونه بيعا و الا لزم صحة التمسك بهما في الصحّة و اللزوم عند اختلال شرائط العقد به مع صدق اسم البيع كما في البيع الفاسد المستند فساده الى ما يخرجه عن العقد مع صدق اسم البيع كما لو أوقع العقد بلفظ لا يفهمه مخاطبة و ليس مما يستعمل في البيع في تلك اللّغة فإنه لعدم صدق العقد عليه (حينئذ) لا يصحّ الحكم بلزومه فتحصل من ذلك انه مع عدم صدق العقد لا يفيد مجرد صدق اسم البيع و التجارة عليه في ترتب اللّزوم فان قلت ان ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من التمسّك بقوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (تعالى) تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مبنى على مذهبه الّذي قرره سابقا في ذيل الكلام على تقديم القبول بلفظ الأمر بقوله ثم ان هذا كله بناء على المذهب (المشهور) بين الأصحاب من عدم كفاية مطلق اللّفظ في اللّزوم و عدم القول بكفاية مطلق الصّيغة في الملك و امّا على ما قويناه سابقا في مسئلة المعاطاة من ان البيع العرفي موجب للملك و ان الأصل في الملك اللزوم فاللازم الحكم باللّزوم في كل مورد لم يقم إجماع على عدم اللّزوم و هو ما إذا خلت المعاملة من الإنشاء باللّفظ رأسا أو كان اللّفظ المنشئ به المعاملة ممّا قام الإجماع على عدم إفادتها اللّزوم و امّا في غير ذلك فالأصل اللّزوم و على هذا فالبيع المنفصل قبوله عن إيجابه و ان لم يصدق عليه انه عقد لكن بصدق عليه اسم البيع و التجارة

الواقعين في الآيتين فيلزم الحكم باللزوم و الحاصل ان مراد (المصنف) (رحمه الله) هو الاعتراض على الشّهيد (قدس سرّه) بأنه ان لم يصحّ صدق العقد على مذهبه فصدق البيع و التجارة عن تراض على ما هو التحقيق يكفى قلت أولا انه بصدد بيان طريقة الأصحاب و ثانيا انه لا يتفاوت الحال بذلك فهل ترى انّه على تقدير القول بكفاية كل لفظ في عقد البيع كما يراه المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) ليس هناك عقد فاسد و انه لأمور و عنده لقولهم انه يحرم التصرّف في المقبوض بالبيع الفاسد و انه لا محلّ عنده لقولهم كل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده (فحينئذ) نقول ان ما كان قد انتفى

253

فيه شرط من الشرائط فاسد فان كان من الشروط التي بها قوام صدق اسم البيع ايضا كان خارجا عن مورد النقض سواء قلنا بقول الأكثر من عدم كفاية مطلق اللفظ و ان كان من الشّروط المتعلقة بصيرورة اللّفظ عقدا كافادته مثلا انتفى صدق العقد مع بقاء صدق البيع كان ذلك مورد النقض و معلوم ان النقض به باق (حينئذ) أيضا و انا أقول لا وقع لأصل الاعتراض كما لا وقع للسّؤال و لا لجوابه امّا الأوّل فلان (المصنف) (رحمه الله) هنا أفاد ان حكى الملك و اللزوم ليسا منوطين بالعقد حتى ينتفيا بانتفاء صدقه و انتفاء جريان آية وجوب الوفاء بالعقود لحصولهما من غيرها فان الملك يحصل من قوله تعالى أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ (أيضا) و بعبارة أخرى صحة البيع يستفاد من هذه الآية و اللّزوم يحصل من قوله (تعالى) وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ اما ان صحة البيع تستفاد من الآية الاولى فواضح و هذا المقدار يكفي في هذا المقام لان الكلام هنا انما هو في كون الموالاة شرطا في صحّة العقد لا في كونها شرطا في اللزوم بعد إحراز الصحّة فصدق البيع على ما وقع فيه الفصل بين إيجابه و قبوله يكفي في الحكم بالصحّة بدلالة قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و ان لم يصدق العقد و امّا ان اللزوم يستفاد من الآية الثانية فلما بينه في الوجوه الثمانية على ان الأصل في الملك اللزوم تشييد لما نسب الى المفيد (قدس سرّه) من إفادة المعاطاة الملك اللازم حيث قال و يمكن الاستدلال (أيضا) بقوله (تعالى) لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ (انتهى) و محصل ما ذكره هناك هو انه بعد فرض المال قد انتقل إلى المشتري فرجوع البائع إليه ليس تجارة عن تراض و قد فصر اللّه (تعالى) الرخصة فيما كان تجارة عن تراض فهو خارج عن المرحص فيه فيكون حراما هذا إذا أريد تقريب الاستدلال بالمستثنى المنضم الى ما قبله و يمكن التمسّك (أيضا) بالجملة المستثنى منها كما ذكره هناك حيث ان أكل المال و نقله عن مالكه بغير رضى المالك أكل و تصرف بالباطل عرفا فراجع فقد علم من ذلك ان كلا من الصحّة و اللزوم ليس منوطا بصدق العقد بل هناك ما يفيد الأول كما ان هناك ما يفيد الثاني فقد حصل اللّزوم مع عدم صدق العقد كما هو مذهب الشهيد (قدس سرّه) من كونه عبارة عن الإيجاب و القبول اللّذين لم يقع بينهما فصل فدعوى ان اللّزوم انما يصير حكما للبيع بواسطة صدق عنوان العقد ممنوعة و امّا ما أورد عليه من النقض فيندفع بأنه مع انتفاء شرطه العقدية لا (يخلو) امّا ان يحصل العلم بفساد البيع أو يحصل العلم بعدم فساده أو يشك فعل الأخيرين يجب الرّجوع الى إطلاق ما دلّ على حل البيع و ما دل على الرّخصة في التجارة عن تراض و لا يلزم منه اشكال و عنى الأوّل لا ملازمة بين الرّجوع الى إطلاقهما و بين كون سبب عروض اللّزوم هو كونه بيعا لان اللّزوم انما يثبت للبيع الصّحيح دون معلوم الفساد إذ لا يبقى للتمسّك بمثل أحل اللّه البيع و تجارة عن تراض محلّ بعد العلم بفساده لانتفاء شيء ممّا علم شرطيته و ان شئت قلت ان أريد انه يلزم التمسّك بقوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ فيما إذا علم عدم فساد البيع أو شك فيه فبطلان اللازم ممنوع و ان أريد انه يلزم التمسك بهما فيما إذا علم فساد البيع فالملازمة ممنوعة و امّا الثاني فلان محصل إيراد (المصنف) (رحمه الله) على الشهيد (قدس سرّه) على ما ذكر في السؤال يؤل الى ان (المصنف) (رحمه الله) يقول ان العقد ان لم يصدق على الإيجاب و القبول المنفصلين عند الشهيد (قدس سرّه) فالبيع أو التجارة عن تراض صادق عندي و ذلك يكفي في الحكم بالصحّة أو اللّزوم و الإيراد على العلماء بفتوى المورد ممّا لا وجه له بل اللازم في مقام الإيراد إلزام صاحب المقالة بما هو مسلم عنده أو إقامة الدّليل المعتبر و مراد (المصنف) (رحمه الله) هو ان العقد و ان كان من قبيل المشتمل على اجزاء مترتّبة فلا بد في صدقه من التوالي عرفا الا ان البيع أو التجارة عن تراض ليس من قبيل ما اشتمل على اجزاء مترتبة حتى يعتبر في تحققه و صدق اسمه توالى اجزائه و هذا أمر واضح لا مجال لوقوع الإنكار عليه من الشّهيد (رحمه الله) أو غيره فان قلت ان الشّهيد (رحمه الله) قد فسر البيع بالإيجاب و القبول الدالين على نقل الملك فيعود البيع من قبيل المؤلف من اجزاء مترتبة فيجري فيه ما يجري في العقد عنده

(رحمه الله) قلت مع ان ذلك لا يجري في قوله (تعالى) تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ من جهة ان التجارة عبارة عما ينبغي التعبير عنه باسم المصدر بل هي مصدر؟؟؟ كما في المصباح حيث قال تجر تجرا من باب قتل و اتجر و الاسم التجارة انتهى و من جعله مصدرا فسّره بانتقال شيء مملوك من شخص الى آخر بعوض مقدر على جهة التراضي كما في المجمع فيه ان (الظاهر) ان ما ذكره الشّهيد (قدس سرّه) من تفسير البيع بالإيجاب و القبول انما هو بيان لمصطلح الفقهاء و لم ينزل القران الا على طبق العرف العام و من ذلك قالوا ان مثل لفظ البيع في قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و مثل قوله (تعالى) وَ ذَرُوا الْبَيْعَ و مثل قوله (تعالى) لٰا تُلْهِيهِمْ تِجٰارَةٌ وَ لٰا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللّٰهِ أريد به المعاملة الخاصّة و هي الحاصلة من الإيجاب و القبول أو بزيادة ما حصل من التعاطي على مذهب من يقول بكون المعاطاة بيعا و امّا الثالث فلما علم مما بيناه في دفع الإيراد بالنقض في ذيل الأوّل

قوله ثمّ ان المعيار في الموالاة موكول الى العرف كما في الصّلاة و القراءة و الأذان و نحوها

و في الجواهر ما لفظه و امّا الاتصال فعن جماعة منهم الفاضل (قدس سرّه) في (النهاية) و الشّهيد و المقداد و المحقق (رحمه الله) انه يشترط ان لا يتأخر القبول بحيث لا يعد جوابا و لا يضر أو ان تنفس أو سعال ثم قال قلت المدار في هذه الموالاة على العرف فإنه الحافظ للهيئة المتعارفة سابقا في العقد الّذي نزلنا الآية عليه فان (الظاهر) عدم تغيرها انتهى و لا فرق ظاهرا بين ما ذكره في ذيل قوله قلت و بين ما ذكره قبله لان قولهم بحيث يعد جوابا ليس معناه الا ان أهل العرف يعدونه جوابا و ان قولهم و لا يضر أوان تنفس أو سعال من باب المثال الّا ان يقال ان الكلام الأخير يدلّ على تشخيص الصغرى؟؟؟ و ان ما زاد على أوان التنفس أو السّعال مانع من عد القبول جوابا إذا وقع بينه و بين الإيجاب و لما كان هذا المعنى غير مرضى عند صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من جهة ان دائرة الاتصال عند أهل العرف أو مع من ذلك عقبه بقوله قلت (انتهى)

قوله و لعل هذا موهن

(انتهى)؟؟؟ للرواية يعنى ان لزوم الفصل الطّويل بين الإيجاب و القبول لو قيل بان قول الصحابي زوجنيها قبول مقدم بلفظ الأمر قد اكتفى به في العقد و لم يقع قبول موهن لها في الاستدلال بها على ما راموا الاستدلال بها عليه من جواز الاكتفاء به مقدما كما ان مصير الأكثر إلى خلاف مضمونه موهن كما أشار إليه في مسئلة تقديم القبول على الإيجاب قبل ردّ الاستدلال بها بقوله و امّا ما يظهر من الاتفاق هنا يعنى تقديم القبول بلفظ الأمر على الصحّة به فموهون بما ستعرف من مصير الأكثر و كما أشار إليه في مسئلة اشتراط الماضويّة بقوله (المشهور) كما عن غير واحد اشتراط الماضوية و يؤيده ما ذكره في (المسالك) في كتاب النّكاح بقوله (المشهور) بين علمائنا خصوصا المتأخرين منهم انه يشترط في عقد النكاح و غيره من العقود اللّازمة وقوعه بلفظ الماضي و كما ان ما ذكره ايضا من انه لم يتحقق بمجرّد الرّضا بالمعاوضة المستقبلة نقل في الحال للدّرهم إلى البائع موهن لها ايضا و هذا و ان كان قد ذكره (رحمه الله) بالنّسبة إلى خصوص البيع لكن لا فرق بينه و بين

254

غيره من العقود و ليس غرضه اختصاص قبول البيع بذلك و على هذا البيان تصير الرّواية مخالفة للقواعد الشرعيّة الّتي مقتضاها عدم صحّة العقد الا بإيجاب و قبول متعلق بذلك الإيجاب مطابق له و لا يتوهم ان هناك أمرين اخرين هما ايضا من قبيل الموهن أحدهما ضعف الدلالة و قد أشار إليه عند ردّ الرّواية سابقا و الأخر ضعف السّند و قد أشار إليه بالتعبير بالرّواية دون الصّحيحة أو الموثقة أو نحوهما إذ لا يخفى ما في التعبير عن قصور الدلالة و السند بالموهن من الوهن مضافا الى ان الشّهيد الثاني (قدس سرّه) وصف الخبر المذكور في (المسالك) بأنّه مشهور بين العامّة و الخاصّة و انه رواه كلّ منهما في الصّحيح و قد عرفت سابقا ان بمعناه رواية موصوفة بالصّحة تنبيهان الأوّل انه اعتبر العلامة (قدس سرّه) في صحّة العقد وقوعه في مجلس واحد قال في كره انما يصحّ العقد إذا صدر في مجلس واحد و لم يتشاغلا عنه؟؟؟ بغيره و ان تراخى أحدهما عن الأخر إذا عد الجواب جوابا للإيجاب لأن حكم المجلس حكم حالة العقد بدليل القبض فيما شرط فيه القبض و ثبوت الخيار في البيع فان تفرقا قبل القبول بطل الإيجاب و لانه لم يوجد معناه فان الاعراض قد وجد من جهته بالتفرق فلا يكون قبولا و كذا لو تشاغلا عنه بما قطعه لأنه أيضا معرض عن العقد بالاشتغال من قبوله انتهى و معلوم ان الحصر يحصل من قضيتين موجبة و سالبة و ان قوله لان حكم المجلس حكم حالة العقد تعليل للقضية الموجبة الّتي هي صحة العقد إذا وقع الإيجاب و القبول في مجلس واحد و لا يخفى ما فيه لوضوح توجه المنع من كون حكم المجلس حكم حالة العقد و الاستدلال عليه بصحة القبض في المجلس غير واف بالدلالة على المطلوب ضرورة انه يقطع الكلام ما لا يقطع غيره الا ترى انه إذا طال الفصل بين الإيجاب و القبول في مجلس واحد بحيث لا يعد القبول قبولا لذلك الإيجاب بطل العقد كما اعترف هو (رحمه الله) به في كتاب النكاح من (القواعد) مضافا الى ان حكم القبض من قبيل التعبّديات فإلحاق غيره به قياس لا نقول به و في (القواعد) تفريعا على اشتراط اتحاد المجلس فلو قال زوّجت نفسي من فلان و هو غائب فبلغه الخبر فقبل لم ينعقد و في (التذكرة) انه لو خاطب غائبا بلسانه فقال زوّجتك ابنتي ثم كتب فبلغه الكتاب أو لم يبلغه و بلغه الخبر فقال قبلت نكاحها بطل لتراخى القبول عن الإيجاب انتهى و هذا التعليل انما هو للقضية السالبة التي هي عدم صحة العقد إذا وقع لا في مجلس واحد و التحقيق ان النّسبة بين تعدّد المجلس و تراخى القبول عن الإيجاب هي العموم من وجه إذ قد يجتمعان و قد ينفق تراخى القبول مع عدم تعدّد المجلس و قد يتفق تعدّد المجلس مع عدم التراخي كما لو قال زوّجت موكلتي من زيد فدخل البيت و قبل بدون تراخ و مهلة فعلم ان التعليل المذكور ليس صالحا للاستدلال به في جميع الصور فان منها ما لا يجرى فيه كالفرض الأخير فلا بد من الاستدلال عليه بخروجه عن قاعدة التخاطب و قد علم من مساق كلماته المذكورة و ما حررناه في ذيلها ان مراده باتحاد مجلس العقد و تعدّده انما هو اتحاده و تعدده بحسب الزمان و امّا تعدد المجلس بحسب المكان فما كان منها ليس موجبا لخروج العقد عن قاعدة التخاطب كالبيتين المتقابلين في دار فجلس في أحدهما الموجب و في الأخر القابل أو البيتين المفصول بينهما بحائط مانع عن الرؤية غير مانع عن التخاطب بحيث يسمع كل من المتخاطبين من طرفيه صوت الأخر من غير حاجة الى اعلائه عن الحد المتعارف فلا إشكال في صحّة العقد معه لجريانه على قائدة التخاطب و لا مانع سواه و ما كان موجبا لخروجها عنها قطعا حكم ببطلانه و ما شك في صدق الاسم و انطباق مفهومه عليه حكم بفساده للأصل المقتضي لعدم انتقال المال عن ملك مالكه الى غيره و لو فرض الشك في الصحّة بعد صدق اسم العقد كان المرجع هو عموم آية وجوب الوفاء إذا كان المورد مما لم يعرض عنه الأصحاب فيه فتدبر الثاني انه قال العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) انه إذا أوجب الولي أو المرأة عقد النكاح ثم زال عقله بإغماء أو جنون أو مرض بطل إيجابه و لم يكن للزوج القبول و به قال الشافعي و احمد لأن الإيجاب جائز من جهته لا يؤل الى اللّزوم لأن الإيجاب لا يكون دون القبول لازما بحال بخلاف البيع إذا أغمي عليه في مدّة الخيار عند الشافعية

فإن العقد يؤل الى اللّزوم بانقضاء المدّة و الوجه عدم الفرق في بطلان العقد و كذا إذا استدعى الزّوج النكاح ثم أغمي عليه قبل الإيجاب بطل الاستدعاء لما سبق و لا تأثير للإيجاب بعد ذلك و ان زال العارض و كذا في القبول و لو زال عقله بنوم ثم استيقظ لم يبطل حكم الإيجاب ان لم يحصل الفصل بطول الزّمان لانه لا يبطل العقود الجائزة فكذا هنا و لو طال الزّمان حتى عد فاصلا بين الإيجاب و القبول لم يصحّ انتهى اعلم ان هذه المسئلة يمكن تقريرها بوجوه أحدها ان الأمور المذكورة إذا حصلت بعد الإيجاب و وقع القبول في حال بقائها فإن ذلك مبطل للعقد و هذا مما لا اشكال فيه لانه بزوال عقله خرج عن ان يصح توجيه الخطاب اليه فيبقى الخطاب بالقبول ليس له محل يوجّه اليه فيخرج العقد عن قاعدة التخاطب ثانيها ان الأمور المذكورة إذا حصلت لم يصحّ وقوع القبول بعد زوالها لأنها توجب وقوع الفصل الطويل بين الإيجاب و القبول المستلزم لفوات الموالاة المعتبرة و هذا ايضا بعد فرض كون الأمور المذكورة موجبة لفوات الموالاة المعتبرة حق لاندراجه في مسئلة اعتبار الموالاة لكن على تقدير كون مفروض البحث هذا الوجه يخرج عنه ما لو كانت الأمور المذكورة قد زالت بأسرع مما يكون موجبا لفوات الموالاة فلا تكون (حينئذ) موجبة لبطلان العقد ان تعقب الإيجاب القبول ثالثها ان الأمور المذكورة مبطلة للإيجاب من أصله حتى انها لو زالت بأدنى ممّا يوجب فوات الموالاة لم يؤثر القبول في انعقاد العقد حتى مع لحوقه للإيجاب بغير تراخ و مهلة و هذا يحتاج الى دليل و قياس ما نحن فيه على العقود الجائزة ساقط عندنا

و من جملة الشّروط الّتي ذكرها جماعة التبخير في العقد

قوله و ممّن صرّح بذلك الشّيخ و الحلي و العلّامة و جميع من تأخر عنه كالشّهيدين و المحقق الثاني و غيرهم (قدس سرّهم)

قال في كتاب الوقف من السّرائر و شيخنا أبو جعفر (رحمه الله) ذهب الى ان دخول الشّرط في نفس الوقف يبطله ذكر ذلك في (مبسوطه) و في مسائل خلافه في كتاب البيوع لان عقد الوقف لازم من الطرفين مثل عقد النكاح انتهى فقد استفيد من التعليل ان كل عقد لازم من الطرفين حكمه التبخير و عدم صحّة دخول الشّرط فيه و لكني لم أجد في (المبسوط) الا حكم الوقف وحده و قال العلامة (قدس سرّه) في كتاب النكاح من (القواعد) و يشترط التنجيز فلو علقه لم يصح و في كتاب الوقف من (التذكرة) يشترط في الوقف التنجيز فلو علقه على شرط أو صفة لم يجز مثل ان يقول إذا جاء زيد فقد وقفت داري أو يقول إذا جاء رأس الشهر وقفت عبدي كما لا يصحّ تعليق البيع و الهبة انتهى و قال في (جامع المقاصد) يشترط في الوقف أيضا أمور أحدها تنجيزه فلو علق بشرط أو صفة مثل ان يقول إذا جاء زيد فقد وقفت داري

255

و إذا جاء رأس الشهر وقفت عبدي لم يصحّ لعدم الجزم به كما لا يصحّ تعليق البيع و الهبة ثم قال و استثنى في (الدروس) ما إذا كان المعلق عليه واقعا و الواقف عالم بوقوعه كقوله وقفت ان كان اليوم الجمعة ثم قال و قد سبق في الوكالة مثل ذلك انتهى و قال في (المسالك) عند قول المحقق (رحمه الله) و لو قال وقفت إذا جاء رأس الشهر أو ان قدم زيد لم يصحّ هذا تفريع على اشتراط التنجيز رتبة مشوشا إذ كان حقه الابتداء بتفريعه و نبه بالمثالين على انه لا فرق بين تعليقه بوصف لا بد من وقوعه كمجيء رأس الشهر و هو الذي يطلق عليه الصّفة و بين تعليقه بما يحتمل الوقوع و عدمه كقدوم زيد و هو المعبر عنه بالشّرط و اشتراط تنجيزه (مطلقا) موضع وفاقا كالبيع و غيره من العقود و ليس عليه دليل بخصوصه انتهى و في كتاب الوقف من (الروضة) و شرطه مضافا الى ما سلف التنجيز فلو علقه على شرط أو صفة بطل الا ان يكون واقعا و الواقف عالما بوقوعه كقوله وقفت ان كان اليوم الجمعة و كذا غيره من العقود انتهى

قوله و كذا غيره من العقود لازمة كانت أو جائزة

و قد عرفت انّه أطلق الشّهيد الثاني (قدس سرّه) ان غير الوقف من العقود مثله و لم يصرح بالتعميم بالنسبة إلى اللازمة و الجائزة و البيع و الهبة في كلام العلامة و المحقق الثاني مذكور ان من باب المثال للعقد اللازم و الجائز و لا خصوصية لهما و يؤيد التّعميم حكمهم ببطلان الوكالة بالتعليق مع كونها من العقود الجائزة و سيأتي في كلام العلامة (قدس سرّه) نقلا عن الشافعي انه حكم بعدم صحّة تعليق الوكالة على الشرط قياسا على الشركة و المضاربة و سائر العقود و في كلام المحقق الثاني (قدس سرّه) الذي تحكيه في مسئلة ان كان لي فقد بعته ما يدل على التعميم بالنسبة إلى الإيقاعات (أيضا) و الذي يستفاد من التعليل الّذي ذكره ابن إدريس (رحمه الله) ان لزوم التنجيز و عدم صحة التعليق من أحكام العقود اللازمة من الطرفين

قوله (رحمه الله) و ظاهر لك في مسئلة اشتراط التنجيز في الوقف الاتفاق عليه

أشار بهذا الكلام الى ما في ذيل العبارة التي قدمنا حكايتها من قوله و اشتراط تنجيزه (مطلقا) موضع وفاق كالبيع و غيره من العقود فان ظاهره ان اشتراط التنجيز في البيع و غيره من العقود ايضا موضع وفاق

قوله حتى ان العلامة (قدس سرّه) ادعى الإجماع على ما حكى عنه على عدم صحّة أن يقول الموكل أنت وكيلي في يوم الجمعة ان تبيع عبدي و على صحة قوله أنت وكيلي و لا تبع عبدي إلا في يوم الجمعة مع كون المقصود واحدا

(الظاهر) ان هذا الكلام مما هو منقول بالمعنى و ان المثالين مما فرضهما الحاكي أو (المصنف) (رحمه الله) و لم أجد من العبارة أثرا فيما حضرني من كتبه و ان كان المعنى موجودا قال في كره لا يصح عقد الوكالة معلقا بشرط أو وصف فان علقت عليهما بطلت مثل ان يقول ان قدم زيد أو إذا باء رأس الشهر فقد وكلتك عند علمائنا و هو أظهر مذهب الشافعي لأنه عقد يملك به التصرف في حال الحياة لم بين على التغليب و السراية فلم يجز تعليقه بشرط كالبيع و لأن الشركة و المضاربة و سائر العقود لا يقبل التعليق فكذا الوكالة و قال بعض الشافعية و أبو حنيفة و احمد يصح تعليقها على الشرط لأن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في جيش موته أميركم جعفر فان قتل فزيد بن حارثة فإن قتل فعبد اللّه بن رواحة و التأمير في معنى التوكيل و لانه لو قال أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج أو وكلتك في شراء كذا في وقت كذا صح إجماعا و محلّ النزاع في معناه و الفرق ظاهر بين تنجيز العقد و تعليق التصرف و بين تعليق العقد إذا ثبت هذا فلا خلاف في تنجيز الوكالة و تعليق العقد مثل ان يقول وكلتك في بيع العبد و لا تبعه الا بعد شهر فهذا صحيح و ليس للوكيل ان يخالف انتهى و تبعه في هذا البيان المحقق الثاني (قدس سرّه) في (جامع المقاصد) الا ان كلامه أوضح في دعوى الاتفاق على بطلان الوكالة المشروطة لأنه قال يجب ان تكون الوكالة منجزة عند جميع علمائنا اجمع فلو علقها بشرط و هو ما جاز وقوعه كدخول الدار أو صفة و هي ما كان وجوده محققا كطلوع الشمس لم يصح و ذهب جمع من العامة إلى جوازها معلقة لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في غزاة موتة أميركم جعفر فان قتل فزيد بن حارثة الحديث و التأمير في معنى التوكيل و لانه لو قال أنت وكيلي في بيع عبدي إذا قدم الحاج صح إجماعا و في كون التأمير توكيلا نظر و الفرق بين محل النّزاع و المفروض ظاهر لان المعلق فيه هو التصرّف لا التوكيل و لا بحث في جوازه انتهى

قوله و فرق بينهما جماعة بعد الاعتراف بان هذا في معنى التعليق

(انتهى) من جملة الجماعة الشهيد الثاني (قدس سرّه) قال في (المسالك) عند قول المحقق (رحمه الله) نعم لو نجز الوكالة و شرط تأخير التصرّف جاز كان يقول وكلتك في كذا و لا تتصرف الا بعد شهر مثلا فإنه يجوز بلا خلاف نقله في (التذكرة) و الوجه ان منعه من التصرّف في الوقت المعيّن شرط زائد على أصل الوكالة المنجزة و هي قابلة للشّروط السّائغة و هذا و ان كان في معنى التعليق الا ان العقود لما كانت متلقّاة من (الشارع) أنيطت بهذه الضوابط و بطلت فيما خرج عنها و ان أفاد فائدتها انتهى و منه يعلم ان المشار اليه بلفظ هذا في كلام (المصنف) (رحمه الله) هو المثال الأخير أعني قوله أنت وكيلي و لا تبع عبدي إلا في يوم الجمعة

قوله و ان شرط المشية للجهل بثبوتها حال العقد و بقائها مدته و هو أحد قولي الشافعي و أظهرهما عندهم الصحّة لأن هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد لانه لو لم يشأ لم يشتر

غرضه (رحمه الله) هو بيان اجراء الحكم بعدم صحّة العقد في صورة تعليقه على مشية المخاطب بان يقول له يعتلف إن شئت و لما كان التعليق على وجه الحقيقة لا يتحقق عنده بالتعليق على أمر موجود حال العقد معلوم للمتكلم فلا بد و ان يكون (المقصود) بالتعليق على المشية غير التعليق على المشية الموجودة حال العقد و (حينئذ) فيتصوّر التعليق على وجهين أحدهما ان يكون المراد بقوله ان شئت انه ان وجد لك مشية بعد كلامي هذا و هذا يتصوّر فيما لو ابتدء العاقد بهذا الكلام قبل التقاول و حصول العلم منه بحال صاحبه و الأخر ان يكون المراد به ان بقيت مشيتك الموجودة إلى زمان تحقق القبول و على الوجهين يكون المعلق عليه من قبيل الأمر الواقع في المستقبل غاية الأمر ان ذلك الأمر في الأوّل وجود المشية و في الثاني بقاؤها في وقت القبول و قد أشار الى وجه بطلان العقد في الأوّل بقوله للجهل بثبوتها حال العقد و الى وجهه في الثاني بقوله و بقائها مدّته ثم ان هذا بيان مختاره أعني العلامة (قدس سرّه) و عقبه ببيان الخلاف في المسئلة فذكر ان أظهر قولي الشافعي عندهم هو الحكم بالصحّة استناد الى ان المعلق عليه و ان كان هو وجود المشية في المستقبل أو بقاؤها فيه و هو المعبّر عنه بالصّفة و قد تقرر عند الفقهاء ان التعليق على الصّفة مفسد للعقد الا ان هذه الصفة من قبيل ما يقتضيه العقد و كل معلق عليه هو من قبيل مقتضى العقد فتعليقه عليه غير قادح في انعقاده حتى لو كان صفة و امّا قوله لانّه لو لم يشأ لم يشتر فالمراد به الاستدلال على ان المشية من قبيل المعلوم في المستقبل الذي يقتضيه العقد و بيانه انها من مقدمات العقد الموقوف عليها لان كل فعل اختياري انما يتحقق بالمشيّة و قد علمنا بأنه يشاء العقد و يرضى بالإيجاب من حيث انه أقدم على الاشتراء و تعرض للمعاملة و لو لم يشأ و لم يعزم على إيقاعه لم يقدم على الاشتراء و لم يتعرض للمعاملة فعلم من اقدامه عليه انه يقبله و يرضى به هذا مبنى على ان الشافعي

256

فرض المسئلة فيما لو تقاول المتعاقدان فعلم من المشترى الرّضا السابق بالعقد و لكنّه أشار الى دفعه بالجهل ببقاء المشية مدّة العقد لان وجود المشية قبل الإيجاب لا يستلزم وجودها بعده فلعله ندم و اعرض عن عزمه فكيف يكون المعلق عليه من قبيل المعلوم وجوده

قوله و مقتضى ذلك ان المعتبر هو عدم التعليق على أمر مجهول الحصول

غرضه (قدس سرّه) ان مقتضى جعل الشرط هو الجزم و كون التعليق مبطلا للعقد من جهة منافاته للجزم هو ان المعتبر في العقد هو عدم التعليق على أمر مجهول الحصول فان جعلنا الحكم بإبطال التعليق للعقد دائرا مدار هذه العلة كان اللازم عدم إبطال محقق الوقوع و هو قسمان أحدهما ما هو محقّق الوقوع في الحال و الأخر ما هو محقق الوقوع في المستقبل و كلاهما عبر مناف للجزم

قوله كما صرّح به المحقق (قدس سرّه) في كتاب الطلاق

الضمير المجرور يعود الى كون المعتبر هو عدم التعليق على أمر مجهول الحصول لا الى الاقتضاء المفهوم من قوله و مقتضى ذلك فان المحقق (قدس سرّه) قال و يشترط تجريدها عن الشرط أو الصفة في قول مشهور لم أقف فيه على مخالف منا الى ان قال تفريع إذا قال أنت طالق في هذه السّاعة ان كان الطّلاق يقع بك قال الشّيخ (قدس سرّه) لا يقع لتعليقه على الشرط و هو حق ان كان المطلق لا يعلم اما لو كان المطلق يعلمها على الوصف الّذي يقع معه الطلاق فينبغي القول بالصحّة لأن ذلك ليس بشرط بل أشبه بالوصف و ان كان بلفظ الشّرط انتهى

قوله و ذكر المحقق و الشّهيد الثانيان (قدس سرّهما) في الجامع و (المسالك) في مسئلة ان كان لي فقد بعته

(انتهى) قال المحقق (قدس سرّه) في كتاب البيع من (الشرائع) و كل موضع يبطل الشراء للموكّل فان كان سماه عند العقد لم يقع عن أحدهما و ان لم يكن سماه قضى به على الوكيل في (الظاهر) و كذا لو أنكر الموكل الوكالة لكن ان كان الوكيل مبطلا فالملك له ظاهرا و باطنا و ان كان محقا كان الشراء للموكّل باطنا و طريق التخلص ان يقول الموكّل ان كان لي فقد بعته من الوكيل فيصحّ البيع و لا يكون هذا تعليقا للبيع على الشرط و يتقاصان و ان امتنع الموكّل من البيع جاز ان يستوفى عوض ما أدّاه إلى البائع عن موكله من هذه السّلعة و يرد ما يفضل عليه أو يرجع بما يفضل له انتهى و قال العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) و لو ادعى الاذن في شراء الجارية بألفين فقال بل أذنت في شراء غيرها أو فيها بألف و حلف فان كان الشراء بألفين بطل العقد ان اعترف البائع ان الشراء لغيره أو بمال غيره و الا حلف على نفى العلم ان ادعاه الوكيل عليه فيغرم الوكيل الثمن للموكّل و لا تحل له الجارية لأنها مع الصّدق للموكّل و مع الكذب للبائع فيشتريها ممّن هي له في الباطن فان امتنع رفع الأمر إلى الحاكم ليأمر صاحبها ببيعها برفق و ليس له جبره عليه فان قال ان كانت الجارية لي فقد بعتكها أو قال الموكل ان كنت أذنت لك في شرائها بألفين فقد بعتكها فالأقرب الصحّة لأنه أمر واقع يعلمان وجوده فلا يضر جعله شرطا و كذا كل شرط علما وجوده فإنه لا يوجب شكا في البيع و لا وقوفه الى أخر ما قال و قال المحقق الثاني (قدس سرّه) في (جامع المقاصد) و ما قربه (المصنف) (رحمه الله) قريب لان التعليق انما ينافي الإنشاء في العقود و الإيقاعات حيث يكون المعلّق عليه مجهول الحصول امّا مع العلم بوجوده فلا لانتفاء الشك (حينئذ) في الإنشاء و لا ريب ان بيع الجارية إنما يتصور إذا كانت ملكا للبائع فهذا شرط بحسب الواقع ذكره أو لم يذكره فإذا ذكره فقد صرح بالواقع هذا ما أهمنا نقله من كلامه و في (المسالك) في شرح قول المحقق (قدس سرّه) و لا يكون هذا تعليقا للبيع على الشرط في العبارة المذكورة ما لفظه انما لم يكن ذلك شرطا مع كونه بصيغته لان الشرط المبطل ما أوجب توقف العقد على أمر يمكن حصوله و عدمه و هذا أمر واقع بعلم الموكل حاله فلا يضر جعله شرطا و كذا القول في كل شرط علم وجوده كقول البائع يوم الجمعة مع علمه به ان كان اليوم الجمعة فقد بعتك كذا و مثله قول منكر التزويج أو الوكالة عقيب دعوى الزوجة ان كانت زوجتي فهي طالق و لو أوقع البيع أو الطّلاق من غير تعليق على الشّرط صحّ ايضا و لم يكن إقرارا بالتوكيل وفاقا للتذكرة انتهى فتحصل من كلمات هؤلاء ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من انه لو علق العقد على معلوم الحصول عند إيقاعه لم يقدح في صحته و ان كان التعليل الواقع في كلام بعضهم يقتضي أن يجوز التعليق على ما هو معلوم الوقوع في المستقبل ايضا لا ان (الظاهر) ان عدم صحته من المسلمات عندهم

قوله لكن الشّهيد (قدس سرّه) في قواعده ذكر في الكلام المتقدم ان الجزم ينافي التعليق لأنه بعرضة عدم الحصول و لو قدر العلم بحصوله كالتعليق على الوصف

غرضه (رحمه الله) من هذا الاستدراك هو ان كلام الشّهيد (رحمه الله) هذا يعطى على ان التعليق على مجهول الحصول كما انه قادح (كذلك) التعليق على معلوم الحصول في المستقبل فهو ملحق بمجهول الحصول فالذي لا يقدح التعليق عليه انما هو معلوم الحصول في حال العقد دون غيره

قوله و علل العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) صحة ان كان لي فقد بعته بأنه أمر واقع

(انتهى) يريد بهذا ان هذا الكلام من العلامة موافق لكلام الشهيد من جهة حصر التعليق الغير المبطل فيما علم وجود الأمر الذي علق عليه العقد في حاله فيبقى التعليق على ما علم انه يوجد في المستقبل كالتعليق على مجهول الحصول مفسدا للعقد و لا يتوهم ان الشرط ليس هنا معلوم الحصول في حال العقد لاحتمال كذب الوكيل و (حينئذ) لا يكون المال ملك الموكل لأن الحاجة الى هذا العقد بل صحّته في نفسه انما هو على تقدير كون الوكيل صادقا في الواقع و امّا على تقدير كذب الوكيل في الواقع فلا حاجة الى هذا العقد و ليس صحيحا و انما هو كلام لغو لا اثر له و عدم العلم بالشرط بل العلم بعدمه (حينئذ) لا يورث اشكالا بعد فساد أصل العقد و كونه لغوا هذا غاية ما يمكن ان (يقال) في توجيه كلام العلامة و هو بعد موضع نظر لان هناك قسما ثالثا و هو ان يكون البائع شاكا باحتماله النّسيان عند البيع أو يكون البائع شخصا ثالثا كما في الفرض الّذي ذكره في (القواعد) فإن بائع الجارية بعشرين غير الوكيل و الموكل و مع فرض بطلان البيع رأسا تعود الجارية إلى البائع الذي هو غيرهما و لا شك ان الغالب عدم تبين الحال عنده

قوله و على التقادير فامّا ان يكون الشرط مما يكون مصححا للعقد ككون الشيء مما يصح تملكه شرعا الى قوله و امّا ان لا يكون (كذلك)

اعلم ان الحاصل من التقسيم الى هنا ثمانية و من جملتها ما لو كان المعلق عليه المعلوم حصوله في المستقبل من قبيل ما هو مصحّح للعقد و قد يتأمل في وجود هذا القسم بل أنكره بعض من تأخر في طي كلماته ثم أورد على (المصنف) (رحمه الله) باشتمال تقسيمه على خرازة من جهة عدم وجود بعض الأقسام و أقول لا يخفى وجود هذا القسم ايضا و من أمثلته ما لو قال بعتك ان أتيت بالقبول بدون فصل مخل يكون القبول قبولا للإيجاب الذي أوقعته مع علمه من حال المخاطب بأنه يقبل على الوجه المعتبر شرعا من جهة الاتصال بالإيجاب و غيره كعلمه عادة بطلوع الشمس مثلا

قوله ثم التعليق امّا مصرّح به و اما لازم من الكلام

(انتهى) لا يخفى ان تغيير أسلوب الكلام يعطي ان ليس مقصوده ضرب القسمين في الأقسام السابقة بل غرضه مجرد إفادة ان الشرط ينقسم الى هذين القسمين في الجملة و الا كان اللازم ان يقول بدل العبارة و على التقادير فالتعليق امّا مصرح به و امّا لازم و قد أجاد (رحمه الله) في ذلك فان التعليق اللازم من الكلام لا يتصوّر

257

في المثال الذي ذكره في صورة القطع بموت مورثه لان المال يصير ماله فيتصرّف فيه من دون تردد و لا تعليق فتدبر

قوله فما كان منها معلوم الحصول حين العقد (فالظاهر) انّه غير قادح

سواء كان من قبيل ما هو مصحّح للعقد أم لا و قد اشتمل كلام المحقق (رحمه الله) على الأول حيث ذكر في التفريع المتقدم ذكره ما إذا قال أنت طالق في هذه السّاعة ان كان الطلاق يقع بك و كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) على الثاني عبارته المتقدم ذكرها ايضا حيث قال كقول البائع يوم الجمعة مع علمه به ان كان يوم الجمعة فقد بعتك كذا

قوله وفاقا لمن عرفت كلامه كالمحقق و العلّامة و الشّهيدين و المحقق الثاني و الصيمري

لا يخفى ما في العبارة من الخرازة لان الكاف ان كان للتمثيل و ذكر من عرف كلامه فلا وجه لذكر الصيمري هنا إذ لم يعرف كلامه و ان كان للتنظير فلا وجه لذكر من قبله لان التنظير لا بد فيه من المغايرة

قوله و حكى عن (المبسوط)

قال الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) بعد تفصيل حكم اختلاف الوكيل و الموكل في التوكيل في شراء الجارية فقال الموكل أذنت في الشراء بعشرة و قال الوكيل بل بعشرين إذا ثبت هذا فما ذا يعمل الوكيل بعد ذلك قال قوم على الحاكم ان يرفق بالأمر للمأمور فيقول ان كنت امرته ان يشتريها بعشرين فقل بعته إياها بعشرين و يقول للآخر قل قبلت ليحل له الفرج و لمن يبتاعه منه ثم قال هذا إذا قال بعتكها بعشرين و ان قال الموكل ان كنت أمرتك ان تشتريها بعشرين فقد بعتك إياها بعشرين و قبل الوكيل ذلك فمن النّاس من قال لا يصح لأنه علقه بشرط؟؟؟ لا يصح و منهم من قال يصح لانه لم يشترط الا ما تقتضيه إطلاق العقد لأنه انما يصحّ بيعه لهذه الجارية من الوكيل ان كان قد اذن له في الشراء بعشرين فإذا اقتضاه الإطلاق لم يضر إظهاره و شرطه كما لو شرط في البيع تسليم الثمن و تسلم المثمن و ما أشبه ذلك انتهى ما أهمنا نقله من كلامه و يظهر منه الاشكال من وجوه أحدها عدم صحّة الحكاية لأنه اقتصر على نقل القولين من دون ترجيح لشيء منهما ثانيها ان (المصنف) (رحمه الله) كيف قال بعد هذا الكلام بل لم يوجد في ذلك خلاف صريح مع ما عرفت من نقل الشيخ (قدس سرّه) للقولين ثالثها ان (المصنف) (قدس سرّه) كيف استظهر من الشيخ (قدس سرّه) ارتضاء القول بالصحّة مع ما عرفت من عدم الدّليل عليه في كلامه و مرجع الأوّل و الأخير إلى شيء واحد الا ان توجه الإشكال في الأول إلى الحاكي و في الأخير إلى (المصنف) (رحمه الله) و يمكن دفع الأوّل بأن الشّيخ و ان اقتصر على ذكر القولين الا ان مدرك القول الأول قاعدة عامة و هي ان التعليق قادح في صحة العقد و مرجع مدرك القول الثاني الى ان هذه القضية الشرطية و ان كانت في صورة التعليق الا انّها ليست في المعنى تعليقا فقد استند القائل بالقول الثاني بما هو مقتض للعدول عن مقتضى مستند القول الأول بعد تسليم أصل القاعدة و هو (رحمه الله) قد ذكر مستند القول الأول كما ذكر مستند القول الثاني فالسّكوت على مثل ذلك يقتضي أنه ارتضى القول بما هو كالمستثنى من الأوّل فليس الحال في مثل ما ذكرناه على حد الحال عند ذكر القولين المتباينين المستندين الى دليلين متباينين في الدلالة على التوقف فقد ظهر ممّا ذكرنا اندفاع الإشكال الأوّل و كذا الأخير و يمكن دفع الثاني بأن الخاصة ليس لهم في المسئلة الا قول واحد هي الصحّة و انما الخلاف فيما بين العامة فالناس في كلام الشيخ (قدس سرّه) عبارة عنهم و يؤيد ذلك ان العلامة في (التذكرة) أسند الاختلاف إلى الشافعية فقال و اختلف الشافعية في ذلك فمنهم من قال ان هذا الشرط لا يكون في كلام الموكل و انما يكون في كلام الحاكم و ينبغي ان يقول الموكل بعتكها بعشرين ليقع البيع فان البيع لا يقبل التعليق بالشرط و لهذا لو قال ان كان قدم فلان فقد بعتك لم يصحّ كذا هنا و قال بعضهم يجوز ان يقول الموكل ذلك و يصح لانه شرط يقتضيه الإيجاب فلا يمنع صحّته لانه لا يصح الإيجاب الا ان يكون الوكيل صادقا فيما قال و قد وقع البيع للموكل كما إذا قال ان كان مالي الغائب سالما فهذه زكوته و ان لم يكن سالما فهي نافلة يصحّ لان ذلك مقتضى الإطلاق و ان كانت الزكاة لا تتعلق بشرط قال بعض الشافعيّة القول الأوّل خطأ لأن الموكل إذا أطلق قوله بعتك يكون ذلك إقرارا منه بالملك و تكذيبا لنفسه فيما ادعاه فلا يؤمر به و امّا الشرط المذكور فلا يضر لأنه أمر واقع يعلمان وقوعه مثل ان يتفقا على ان هذا الشيء ملك أحدهما فيقول ان كان ملكي فقد بعتك فيصح و كذا كلّ شرط علما وجوده لا يؤدى الى وقوف البيع بخلاف ما إذا ذكره انتهى و بعد ذلك كله يبقى هنا شيء و هو ان استدلال (المبسوط) للصحة ليس بعنوان ان كونه معلوم الحصول و انه غير مضر و انما استدل بعنوان كونه من مقتضيات العقد كتسليم الثمن و المثمن و بين العنوانين عموم من وجه و هو (ظاهر) فلا وجه لاستشهاد (المصنف) (رحمه الله) في هذا المقام بما حكى عن (المبسوط) فتدبر

قوله و لذا ادّعى في الرّياض في باب الوقف عدم الخلاف فيه صريحا

قال فيها و يشترط فيه التنجيز فلو علقه على شرط متوقع أو صفة مترتبة أو جعل له الخيار في فسخه منى اراده من دون حاجة بطل بلا خلاف فيه و في الصحّة لو كان المعلق عليه واقفا و الواقف عالم بوقوعه كقوله وقفت ان كان اليوم الجمعة و كذا في غيره من العقود و بعدم الخلاف صرّح جماعة هذا كلامه (رحمه الله) و بعدم قدح التعليق في هذا القسم صرّح في (المسالك) ايضا لكن من دون تعرض لنفى الخلاف قال و يستثني من بطلانه بتعليقه على الشرط ما لو كان الشرط واقعا و الواقف عالما بوقوعه كقوله وقفت ان كان اليوم الجمعة فلا يضر كغيره انتهى ثمّ انك قد عرفت ان كلماتهم في معلوم الحصول حين العقد مطلقة شاملة لما إذا كان المعلق عليه من قبيل ما هو من مقتضيات العقد التي يتوقف عليها صحّته أو غيرها و قد عرفت ايضا وقوع التمثيل له بالقسمين و لكن قال بعض المعاصرين بعد نقل جملة من كلماتهم التي حكاها (المصنف) (رحمه الله) في هذا المقام و اتباعها بما حكيناه عن المحقق (قدس سرّه) في كتاب الطّلاق الى غير ذلك من كلماتهم التي مقتضاها صحة نحو قوله بعتك ان كانت الشمس طالعة أو كان زيد موجودا و نحو ذلك من الأمور المعلوم مقارنتها حال الإنشاء عادة كما مال إليها بعض من تأخر بل ربما استظهرت من الأكثر بل ربما نفى الخلاف فيها كما في الرياض بل ظاهره نسبته الى صريح جماعة أيضا و منها بعتك هذا ان شئت فقال قبلت و عن نهاية الأحكام احتمال الصحّة فيه لان هذه صفة يقتضيها إطلاق العقد فإنه لو لم يشأ يشتر و لكن عنها و عن كره أن إلا صحّ البطلان لأنه في حالة الإيجاب غير عالم بحاله و فيه ان المفروض حصول العلم له بها عادة الا ان يراد به ما عن الشّهيد (قدس سرّه) من ان الانتقال مشروط بالرضا و لا رضي إلا مع الجزم و لا جزم مع التعليق لأنه بعرضة عدم الحصول و لو قدر علم حصوله كالمعلق على الوصف الذي يعلم حصوله عادة كطلوع الشمس لان الاعتبار بجنس الشرط دون أنواعه و افراده اعتبارا بالمعنى العام دون خصوصيات الافراد كما في سائر القواعد الكلية المعللة بأمور حكمية تتخلف في بعض مواردها الجزئية و (حينئذ) فيقتصر الصحّة عندهم على المعلق عليه المعلوم المقارن الذي له دخل فيها و إطلاق المحكي عن الشيخ و الفاضلين و الفخر

258

و الشهيد و المحقق و الشهيد الثانيين و الصيمري و غيرهم لعله منزل على ذلك لا على مطلق المعلوم المقارن كما زعمه بعضهم و ان كان في (المسالك) و نحوها التمثيل بيوم الجمعة و نحوه الا ان نسبة الخطاء إليها في المثال لعلها اولى من نسبة التّعميم الى الجميع فتدبر انتهى و أنت خبير بما فيه لان جعل مدار التعليق المبطل على ما كان بعرضة عدم الحصول على تقدير القول به لا يستلزم قصر الصحة على خصوص ما اجتمع فيه أوصاف ثلاثة المقارنة للعقد و كونه مما له مدخل فيه و علم العاقد بحصوله ضرورة انه إذا كان مدار البطلان كونه بعرضة عدم الحصول ارتفع البطلان بارتفاع عدم كونه بعرضة عدم الحصول و معلوم انّه يرتفع عدم كونه بعرضة عدم الحصول بمجرد وجوده في حال العقد مع العلم به ينه و لا مدخل في ارتفاعه لكون المعلق عليه مما له دخل في العقد و معلوم ان الوصفين اعنى الوجود في حال العقد و كونه معلوما للعاقد كما يوصف بهما ما كان من قبيل الأمور التي لها مدخل في العقد (كذلك) يوصف بهما ما كان من قبيل الأمور الّتي ليس لها مدخل فيه و مما يشهد بما ذكرنا و ان كان غير مفتقر الى شاهد و انما يكفي في التّصديق به مجرّد التنبيه عليه ان الشهيد (قدس سرّه) قال في جواب السّؤال الذي وجهه على نفسه ان هذا تعليق على واقع لا متوقع الحصول فجعل مناط اندفاع السّؤال كون المعلق عليه واقعا و لو كان لكونه مما له دخل في العقد مدخل في اندفاع السؤال كان اللازم ذكره هذا و لا يكاد تعجبي ينقضي مما حكم به على التقدير المذكور من قصر الصحة على خصوص التعليق على معلوم الحصول حال العقد الذي له دخل في العقد و أعجب منه انه جعل نسبة الخطاء الى (المسالك) و غيرها في المثال اولى من نسبة التّعميم الى ماله دخل في العقد و غيره الى الجميع و قد اشتمل كلامهم على الإطلاق و التعميم و ذكر الأمثلة من القسمين و ذلك واضح بعد التنبيه

قوله و ما كان معلوم الحصول في المستقبل و هو المعبر عنه بالصّفة (فالظاهر) انه داخل في معقد اتفاقهم على عدم الجواز

لا يخفى ان معلوم الحصول في المستقبل على قسمين أحدهما ما هو من قبيل ماله مدخل في صحّته العقد و الأخر ما ليس (كذلك) و من أمثلة الأول ما تقدم من مشيه المشترى المعلق عليها أو قبوله أو اجازة المالك لو باع فضولا بان يقول البائع بعتك إن شئت أو بعتك ان قبلت أو بعتك إن أجاز المالك و هكذا و من أمثلة الثاني ما لو قال بعتك ان طلعت الشمس و التقسيم الّذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) مشتمل على القسمين و إطلاق عبارته كعبارات الأصحاب في مقام ذكر اشتراط التجريد عن الشرط و الصّفة شامل لهما و يستفاد من عبارة (التذكرة) المتقدم ذكرها في كلام (المصنف) (رحمه الله) كون التعليق على الصّفة التي لها مدخل في العقد غير قادح في صحته لانه ذكر كون التعليق على الشّرط موجبا لعدم صحة العقد و ان كان الشرط هو المشية و علله بالجهل بثبوتها حال العقد و بقائها مدّته و معلوم ان البقاء في حال القبول من قبيل الأمر المستقبل و ان مقتضى التعليل بالجهل ببقائها هو انه لو علم بقاؤها لم يكن التعليق (حينئذ) قادحا في صحة العقد خصوصا مع كون كلامه هذا في مقابل من قال بأنها صفة يقتضيها العقد فإنه حيث لم يمنع من كون حكم التعليق على الصّفة الّتي هي مقتضى العقد عبارة عن صحة العقد و انما ذكرها؟؟؟ ما يرجع الى منع الصّغرى و هو الجهل ببقائها صار ذلك منه تقرير الكون حكم الصفة الّتي هي من قبيل مقتضيات العقد عبارة عن صحّة العقد

قوله و ما كان منها مشكوك الحصول و ليس صحّة العقد معلّقة عليه في الواقع كقدوم الحاج فهو المتيقن من معقد اتفاقهم

اعلم ان مشكوك الحصول تحته أقسام أربعة لأنه امّا ان لا تكون صحة العقد معلقة عليه في الواقع أو تكون صحّته معلقة عليه و على التقديرين امّا ان يكون حصوله على تقدير تحققه في حال العقد أو في المستقبل فما كان منها مشكوك الحصول و ليست صحة العقد معلقة عليه فقد ذكر (المصنف) (رحمه الله) انه المتيقن من معقد اتفاقهم على فساد العقد بالتعليق عليه لا فرق فيه بين قسميه اللّذين هما ما كان ظرف حصوله على تقدير تحققه حال العقد و ما كان ظرف حصوله على تقدير تحققه الزمان المستقبل

قوله و ما كان صحة العقد معلقة عليه

(انتهى) يعنى ان ما كان من المعلق عليه المشكوك الحصول من قبيل ما يتوقف عليه صحة العقد سواء كان ظرف حصوله على تقدير تحققه هو حال العقد أم كان ظرف حصوله على تقدير تحققه هو الزمان المستقبل مندرج تحت إطلاق قولهم انه ان علق العقد على شرط أو صفة لم ينعقد فيصير التعليق عليه بكل من قسميه قادحا في انعقاد العقد

قوله الا ان الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) حكى في مسئلة ان كان لي فقد بعته قولا من بعض الناس بالصّحة و ان الشّرط لا يضره

قد تقدم ذكر عبارة الشيخ عند قول (المصنف) (قدس سرّه) قبيل هذا و حكى ايضا عن (المبسوط) لكن قد بقي هنا شيء و هو ان قول القائل ان كان لي فقد بعت يتصور وقوعه على وجوه أحدها ان يكون القائل يعلم بان المال له لكنه قد أنكره بحسب الصّورة لداع نفساني دعاه الى ذلك ثانيها ان يكون يعلم بان المال ليس له و لم يصدر منه توكيل في شرائه امّا (مطلقا) أو على الكيفية الّتي يدعيها عليه الوكيل ثالثها ان يكون شاكا لنسيان طرئه في حال إيقاعه البيع المعلق أو لكونه خارجا عن طرف التنازع كما لو ادعى الوكيل الاذن في شراء الجارية للموكل بألفين و ادعى الموكل الاذن في شرائها بألف و حلف ثم حلف البائع للجارية على نفى العلم بان مدعى الوكالة أشتريها له أو لغيره بماله أو بمال غيره ان ادعى الوكيل عليه العلم بذلك و (حينئذ) فالبائع الّذي لها لا يدرى بحقيقة الحال فان كان الوكيل صادقا و الجارية للموكّل و ان كان كاذبا فهي للبائع لعدم إيقاعه البيع للموكل على الوجه الذي أمر به فيبطل فتبقى الجارية على ملك مالكها الأول فالبائع شاك في كونها له و إذ قد عرفت ذلك نقول ان إطلاق كلام القائل بصحّة العقد مع تعليقه على الشّرط بان يقول ان كان لي فقد بعته يشمل وقوعه على كلّ من الوجوه الثلاثة الّتي منها ما لو كان شاكا فيصير المعلق عليه من قبيل المشكوك الذي يتوقف عليه صحّة العقد و قد حكم ذلك القائل بصحّة العقد الموصوف بما عرفت و حاصل ما افاده (المصنف) هو ان الشيخ حكى في المسئلة المذكورة قولا بالصحّة شاملا بإطلاقه لصورة الشّك الا ان (المصنف) (رحمه الله) لم يصرح بشموله لصورة الشك اكتفاء بدلالة سياق الكلام عليه و اعتمادا عليها و لكن الموجود في ذيل عبارة كره التي ذكرناها بعد ذكر كلام الشيخ (قدس سرّه) فيما تقدّم حكاية عن بعض الشافعية ان الشرط المذكور لا يضر لأنه أمر واقع يعلمان وقوعه مثل ان يتفقا على ان هذا الشّيء ملك أحدهما فيقول ان كان ملكي فقد بعتك فيصحّ و كذا كلّ شرط علما وجوده إلى أخر ما تقدّم و يعلم من ذلك ان مفروضهم في الحكم بالصحّة انما هو صورة علمها بان المال كالجارية مثلا للموكل لكن يبقى الإشكال في صورة الشّك

قوله الا ان (الظاهر) ارتضاؤه له

و قد بيّنا الوجه في ارتضائه عند نقل كلام الشّيخ (رحمه الله) في ذيل قول (المصنف) (قدس سرّه) الا ان الشيخ في (ظاهر) حكى في مسئلة ان كان لي فقد بعته (انتهى) و أورد بعض من تأخر على استظهاره بان المحقق (قدس سرّه) حكى عن الشيخ (قدس سرّه)

259

في كتاب الطلاق انه إذا قال أنت طالق في هذه السّاعة ان كان الطلاق يقع بك لم يقع لتعليقه على الشرط لان الشرط المعلق عليه في مفروض الطّلاق انما هو ممّا يتوقف عليه صحّة العقد و مع ذلك حكم بعدم وقوع الطّلاق من جهة تعليقه على الشرط فلو كان التعليق على الشرط الموقوف عليه صحة العقد غير مناف لصحة العقد عند الشّيخ (قدس سرّه) كان حكمه ذلك مناقضا لمذهبه فدل ذلك على ان مقصوده هنا مجرّد الحكاية من دون ترجيح القول بالصحّة

قوله مع ان ظاهر هذا التوجه لعدم قدح التعليق يدل على ان محل الكلام فيما لم يعلم وجود المعلق عليه و عدمه

هذا مرتبط بأول الكلام اعنى قوله الا ان الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) حكى في مسئلة ان كان لي فقد بعته قولا من بعض الناس بالصحّة يعنى انه مضافا الى إطلاق كلامه الشامل لصورة الشك يدل على الشمول لها الوجه الّذي ذكره لعدم قدح التعليق في صحّة العقد و هو ان العاقد لم يشترط الا ما يقتضيه العقد فكون المعلق عليه من قبيل ما يقتضيه العقد إذا كان علّة لصحّة العقد المعلق فهذه العلّة عامة لأنها كما أنّها موجودة في صورة علم العاقد بوقوعه في الحال أو في المستقبل (كذلك) هي موجودة في صورة شكه في وقوعه و عدم وقوعه فعموم العلة أيضا يعطي عموم حكم من قال بصحّة العقد لما إذا كان المعلق عليه الذي هو من قبيل ما يقتضيه العقد مشكوكا ايضا

قوله فلا وجه لتوهم اختصاصه بصورة العلم

يعنى انه لا وجه له بعد ما عرفت لتوهّم اختصاص القول بصحّة العقد عند التّعليق على ما يقتضيه العقد بصورة علم العاقد بحصول المعلق عليه لان ذلك القائل مضافا الى إطلاق كلامه الشامل لصورتي العلم و عدمه استدل على مطلوبه بكون المعلق عليه من مقتضيات العقد لا بكونه معلوما للعاقد و معلوم ان كون المعلق عليه من مقتضيات العقد أعم من ان يكون معلوما و غير معلوم

قوله الا ان ظهور ارتضاء الشيخ (قدس سرّه) له كاف في عدم الظنّ بتحقق الإجماع عليه

يعنى ان ظهور ارتضاء الشيخ (رحمه الله) لهذا النّوع من التعليق بمعنى صحته عنده كاف في عدم حصول الظن بتحقق الإجماع المعهود الذي هو مستند الحكم في المسئلة أعني الإجماع على كون التعليق مفسدا للعقد على هذا النّوع من التّعليق حتّى يكون مندرجا تحت معقده فيكون من جملة المفسد للعقد

قوله و يؤيد ذلك ان الشّهيد (قدس سرّه) في قواعده جعل الأصحّ صحة تعليق البيع على ما هو شرط فيه كقول البائع بعتك ان قبلت

وجه التأييد وجود موافق مثل الشّهيد (رحمه الله) و قد فرض المسئلة فيما يتوقف عليه نفس تحقق البيع و هو الشرط الذي هو قبول المشترى و ليس مفروضة مثل المثال الذي ذكره الشيخ في كون المعلق عليه ممّا يتوقف عليه ترتب الآثار دون نفس العقد فلا يكون ما ارتضاه الشّيخ (رحمه الله) ممّا لا قائل به حتى يحتمل فيه التأويل و كون المراد خلاف ظاهره نظرا الى ان انفراد القائل بشيء ممّا يقرب الى كلامه التأويل

قوله ثم انك قد عرفت ان العمدة في المسئلة هو الإجماع

تحقيق القول في مستند الحكم في هذه المسئلة هو انه ان كان حكمهم هنا مبنيا على القواعد فليس لهم عليه دليل لبطلان الوجوه التي ذكروها في تطبيق الحكم على القاعدة امّا ما تقدّم عن العلامة (قدس سرّه) من ان التعليق ينافي الجزم فلما أورده عليه بعض من تأخر من انه ان أريد أنه ينتفي الجزم بالعقد المطلق فلم ينشئه العاقد حتى يتوقف على الجزم به و ان أريد أنّه ينتفي الجزم بالمقيد بالشرط المعلق عليه فمن البين الذي لا يعتريه و صمة الريب ان الجزم به موجود و ان شئت قلت ان النذر المشرط مثل قوله ان قدم ابني من السفر فاللّه على ان أتصدق بدرهم كيف تحقق فيه الجزم فان قال انه لا جزم فيه قلنا كيف يصحّ بدون الجزم و ان قال ان الجزم هناك موجود قلنا كيف تحقق الجزم مع وجود الشرائط و امّا سائر الوجود الّتي يأتي ذكرها في كلام (المصنف) (رحمه الله) فلما تعرفه في كلامه من دفعها فلا بد من ان يكون مبنيّا على التعبد و التلقي من أهل العصمة (عليه السلام) و يؤيد ذلك ان من العامة من جوز التعليق في الوكالة بل في الطلاق و قد عرفت الاختلاف فيما بين الشافعيّة في صحّة بيع الموكل على وجه التعليق في كلام العلّامة في مسئلة ان كان لي فقد بعته فيعلم من ذلك ان حكمهم باعتبار التنجيز و بطلان الاشتراط لم يكن مما يحتمل انهم تلقوه من العامة و لا مبنيّا على القواعد فاتفا لهم في الحكم التعبّدي لا يكون الا من باب التلقي من أهل العصمة (عليه السلام) و تداوله بينهم عصرا يعد عصر و قرنا بعد قرن فعلى هذا فيلزم الاقتصار في الحكم بفساد العقد المشروط على ما علم قيام الإجماع عليه و يرجع فيما عداه الى عموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ضرورة ان الإجماع على فساد العقد المشروط بالنسبة إلى مورده مخصص لعموم الآية و مع انتفاء المخصّص يؤخذ بعموم العام و من البين ايضا ان عموم الآية دليل اجتهادي رافع لحكم أصالة الفساد التي هي عبارة عن عدم انتقال المال من مالكه الى غيره و ان أردت التعبير بما يعم البيع و غيره فقل أصالة عدم ارتفاع السّلطنة الثابتة للأول بثبوت سلطنة غيره عليه و قد عرفت ان ما قام الإجماع على كونه مورثا لبطلان العقد هو التعليق على معلوم التحقق في المستقبل المعبر عنه بالصفة بقسميه الذين هما ما توقف عليه صحّة العقد و ما لا يتوقف عليه صحّته و ما كان مجهول الحصول في المستقبل المعبر عنه بالشرط بقسميه الذين هما ما توقف عليه صحة العقد و ما لا يتوقف عليه صحته و ما كان مجهول الحصول في حال العقد و ان كان حاصلا في الواقع بقسميه اللّذين هما ما يتوقف عليه صحة العقد و ما لا يتوقف عليه صحّته و امّا ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من حكاية الشّيخ (قدس سرّه) قولا بالصحّة في مشكوك الحصول الّذي هو من قبيل ما يتوقف عليه صحة العقد فقد عرفت ان القائل بذلك انما هو من العامة و امّا ما أشار إليه من ارتضاه الشيخ (قدس سرّه) له فليس عليه دليل يصح الركون اليه و ما ذكرناه من البيان سابقا فإنّما هو لرفع تهمة التحكم عن (المصنف) (رحمه الله) و اما ما كان معلوم الحصول في حال العقد سواء كان من قبيل ما يتوقف عليه صحّة العقد أم لا (فالظاهر) قيام الإجماع على عدم قدح التعليق عليه مثل ان يقول بعتك إن شئت على أحد معنييه المذكورين أو يقول ان كان لي فقد بعته و قد عرفت دعوى صاحب الرياض (قدس سرّه) عدم الخلاف على وجه يعم قسميه و المثال المذكور في كلامه من أمثلة القسم الأخير و يوافق ذلك ما ذكره الشّهيد (قدس سرّه) في (القواعد) فإنه و ان كان قال في أول كلامه ان الجزم ينافي التعليق لأنه بعرضة عدم الحصول و لو قدر العلم بحصوله و علله بأن العبرة بجنس الشرط دون أنواعه الا انه قال في ذيله في خصوص قوله ان كان لي فقد بعته ان هذا تعليق على واقع لا متوقع فحصل منه ان التّعليق على المتوقع قادح و ان كانا معلوم الحصول و ان التعليق على الواقع غير قادح و ان كان يتجه عليه من حيث انه أناط الحكمين في الصّورتين بالقاعدة انه ان كان التعليق على المعلوم غير قادح و لا مناف للجزم فاللازم هو الحكم بالصحّة في الصورتين اعنى التعليق على الواقع و التعليق على المتوقع و ان كان التعليق قادحا حتى فيما إذا كان المعلق عليه معلوما فاللّازم (حينئذ) هو

الحكم بالبطلان في الصورتين

260

فلا وجه للفرق بينهما بحكم القاعدة نعم الفرق بينهما بقيام الإجماع و عدم قيامه متجه و لو فرض طروء شك في تحقق الإجماع على صحّة العقد فيما إذا كان المعلق عليه معلوم الحصول في حال العقد فالمرجع هي وجوب؟؟؟ الوفاء بالعقود كما هو الشأن في كل مورد لم يقم فيه الإجماع على فساد العقد بالتعليق على الشّرط لكونها (حينئذ) بالنسبة الى ذلك المورد مما لم يعرض عنه الأصحاب

قوله (رحمه الله) و ربما يتوهم ان الوجه في اعتبار التنجيز هو عدم قابلية الإنشاء للتعليق و بطلانه واضح لان المراد بالإنشاء ان كان هو مدلول الكلام فالتعليق غير متصور فيه

(انتهى) هذا التقرير الّذي أفاده (المصنف) (رحمه الله) في رد الوجه المتوهم أحسن ممّا ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بقوله ضرورة قبول الأوامر و نحوها له بل و الوصية و الظّهار و نحوهما تقبله انتهى لانه بعد حمله على الوجه الصحيح يؤل الى ما يؤل اليه الشق الثاني ممّا ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الترديد فيكون بيان (المصنف) (رحمه الله) لاشتماله على شقي الترديد أقوى في الإلزام

قوله و يتلو هذا الوجه في الضعف ما قيل من ان ظاهر ما دل على سببية العقد ترتب مسببه عليه حال وقوعه فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين مخالف لذلك

هذا الوجه ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) و هذه العبارة عبارته المذكورة في كتابه يتغيير يسير في أخرها فإنه قال فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين دون (الشارع) معارض لذلك انتهى

قوله (رحمه الله) و فيه بعد الغض عن عدم انحصار أدلة الصحّة و اللّزوم في مثل قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لان دليل حلية البيع و تسلّط الناس على أموالهم كاف في إثبات ذلك

أورد عليه بعض من تأخر بأن الذي سمعناه عن صاحب (الجواهر) (رحمه الله) شفاها في مجلس البحث هو ان أدلة جميع الأسباب ظاهرة في ترتب مسبّباتها على الأسباب عند وجودها و انه (رحمه الله) كان يتمسّك في ترتب الأثر على البيع عند وجوده بان من باع ملك و من هنا كان يقول ان كل ما لم يقم إجماع أو دليل أخر على كونه شرطا في النقل من الأمور المتأخرة في الوجود الخارجي عما هي مرتبطة به و متمة له فاللّازم فيه هو الحكم بالكشف و لهذا قال ان اجازة الفضولي كاشفة و قال في مسئلة اشتراط القبض في الوقف في ذيل كلامه ما نصّه و مع الأعضاء عن ذلك كلّه فالمتجه كونه شرطا كاشفا لا جزء سبب (انتهى) و في ذيل كلامه في مسئلة اشتراط القبض في الهبة فلا محيص (حينئذ) عن القول باعتبار القبض في الصحّة على وجه لا يترتب عليه ملك قبلها الا على احتمال الكشف الذي هو قوى في نفسه و قد قررناه في نظائره غير مرّة الا ان الإجماع بحسب (الظاهر) هنا على خلافه و في كتاب السبق و الرماية في شرح قول المحقق (قدس سرّه) إذا تم النضال ملك الناضل العوض انه لا يبعد دعوى الكشف لما عرفته غير مرة في نظائره (انتهى) فراجع فالحاصل ان ظهور ما دل على السّببيّة في ترتب مسبّبه عليه حال وقوعه غير منحصر في العقود عنده بل هو يجريها فيما عداها من الأسباب (أيضا) و ذكره العقد هنا مبنى على كون البحث هنا فيه و على هذا فليس ترتب مسبّب البيع و أثره عليه الا مثل ترتب اثر العقد عليه فكما انه يترتب عليه في حال وقوعه (كذلك) اثر البيع يترتب عليه في حال وقوعه فليس هو (رحمه الله) يقصر دعوى ظهور دليل السّببيّة في ترتب مسبّبه عليه حال وقوعه في خصوص العقد و قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ في حال وقوعه بطريق النقض بتقريب انّه لو كان العقد سببا لمدلوله في حال وقوعه لم يقع تخلفه عنه و قد وقع كثيرا حتى يورد عليه بمنع الانحصار في قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ فهو يقول ان ما يدل على سببية البيع للملك يدل على ترتب مسبّبه عليه حال وقوعه و (حينئذ) فلا يتجه الإيراد بما أورده (المصنف) (رحمه الله) عليه

قوله ان العقد سبب لمدلوله

مال هذا الإيراد إلى تسليم المقدّمة و هي سببيّة العقد لمدلوله في حال وقوعه و المنع من إنتاج هذه المقدّمة للنتيجة التي أراد المستدل استنتاجها منها و هي كون العقد سببا للملكية المنجزة و انما هو سبب للملكية على حسب مؤداه و مدلوله فان كان (مطلقا) (فمطلق) و ان كان مقيدا فمقيدا

قوله مع ان تخلّف الملك عن العقد كثير جدا

(الظاهر) ان هذا إيراد ثالث على المستدل و ليس من قبيل المؤيد للثّاني و المتمم له و ماله في الحقيقة إلى منع أصل المقدّمة و هي كون العقد سببا لمدلوله في حال وقوعه بطريق النقض بتقريب انه لو كان العقد سببا لمدلوله في حال وقوعه لم يقع تخلفه عنه و قد وقع كثيرا و لكن لا يخفى عليك ان الإيراد بمثل ذلك انّما يتجه لو كان المستدل قد اقام برهانا عقليا و ليس (كذلك) فإن غاية ما ذكره هو ان ظاهر ما دل على السّببيّة انما هو كون المسبّب لا يتراخى عن العقد الذي هو سبب و معلوم انّه يجوز العدول عن ظواهر الأدلّة بدليل أخر مخصّص أو مقيد أو غيرهما فللمستدل (حينئذ) ان يقول خرج ما خرج و بقي الباقي و هو و ان عبر بلفظ السّببية التي قد يترائى منها في بادى النظر ان عدم تخلف المسبّب عن السّبب أمر عقلي الا ان دليله ليس منوطا بإثباتها و انما هو منوط بإثبات كيفية للسّببيّة مستندا فيها الى ظاهر الأدلة ثمّ بعد الإغماض عما ذكرنا نقول ان أراد ان تخلف الملك و تراخى حصوله عن وجود العقد كثير و استند في إثبات هذه الدعوى الى موارد ثبوت الخيار في العقد كما صدر عن بعض من تأخر في بعض كلماته ففيه أن المتراخي و المتخلف عن وجود العقد في الموارد المذكورة انما هو في لزوم الملك لا نفس وجوده فارادة هذا المعنى من اللفظ المذكور خلاف (الظاهر) مضافا الى ان هذا المعنى على تقدير إرادته غير منطبق على كلام المستدل لان الاشتراط المقابل للتنجيز يصير سببا لتوقف أصل حصول الملك على الشّرط فيتراخى أصل حصوله عن وجود العقد و ان أراد ان تخلّف الملك بمعنى عدم تحققه أصلا و رأسا حتى في الزمان المستقبل مع وجود العقد كثير و استند في ذلك الى موارد العقد التي تخلف فيها شيء من شرائط العقد ففيه ان ذلك لا ينطبق على مقصد المستدل لان العقد (حينئذ) يصير فاسدا بانتفاء شرط صحّته و مراد المستدل انما هو دعوى ان العقد الصّحيح لا يتخلف عنه أثره مضافا الى انّه لا ينطبق من جهة أخرى (أيضا) و هي ان مقصود المستدل انما هو منع تراخى المسبّب عن السّبب كما لا يخفى على من أحاط خبرا بمقصده و اين هو من عدم ترتبه أصلا و رأسا هذا و لكن يمكن دفع الإيراد الأخير باختيار ان المراد هو الشق الأوّل استنادا الى وقوع التراخي في موارد منها انتقال العين الموقوفة على صنف خاص الى البطون المتأخّرة فإنه منفصل عن زمان العقد و منها انتقال العين الموصى بها لشخص خاص الى الموصى له بوفات الموصي إذا تقدم القبول من الموصى له عليها و منها انتقال الموهوب الى الموهوب له بالقبض المتراخي عن العقد على ما هو المعروف من مذهب الأصحاب من توقف الملك و غيره من أحكام الهبة عليه فإذا تراخى القبض عن العقد ثم اقبض حكم بانتقال الملك من حين القبض نصّ على ما ذكرناه في (الجواهر) و منها تملك عامل القراض لحصته المقررة له في عقده بظهور الربح فإنه يملكها ملكا متزلزلا (حينئذ) و استقرار الملك مشروط بسلامة الريح و منها تملك عامل المساقات حصته من الفائدة بظهور الثمرة إذا وقع عقدها قبل ظهور الثمرة كما هو القسم المسلم منها الذي لا خلاف في صحته و منها

261

تملك إلزامي للعوض بإتمام النضال على ما هو ظاهر كلام المحقق (قدس سرّه) و جماعة و ان لم يستبعد صاحب (الجواهر) (رحمه الله) كون إتمامه كاشفا؟؟؟ عن تملكه بالعقد و يوهن ذلك كلّه ان ما ذكر هو المراد بقوله مع ان ما ذكره لا يجري في غيره من العقود التي قد يتأخر مقتضاها عنها (فحينئذ) يلزم التكرار في كلامه و لكن التأمل الصّادق يقضى بان مراده من العقد الذي قد يتأخر مقتضاه انما هو مثل الإجارة بأن يواجر الدار مثلا في غرة شهر رمضان سنة كاملة مبدؤها غره شهر شوال فلو علق الإجارة (حينئذ) على مجيء غرّة شهر شوال أو على ما هو ملازم لها في الوجود فإنه (حينئذ) لا يجرى ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من ان ظاهر ما دلّ على سببية العقد هو ترتب المسبّب حال وقوعه و قد صار التعليق موجبا لمخالفة العقد الواقع لمقتضى ظواهر الأدلة فتدبر ثمّ انه يتجه الاشكال على (المصنف) (رحمه الله) من وجه أخر و هو ان تخلف الملك عن العقد سواء أريد به تخلفه عنه بأسباب الخيار أم أريد به تخلفه من جهة أصل وضع العقد و اقتضائه الشرعي كالموارد التي ذكرناها لا يرد نقضا على المستدل لانه قال ان تعليق أثره بشرط من المتعاقدين دون (الشارع) معارض لذلك و ذلك لانه لما لم يكن قد ثبت من جانب (الشارع) تجويز التعليق الّذي يأخذه الموجب في العقد كان منافيا و هذا بخلاف موارد الخيار التي قررها (الشارع) و (كذلك) العقود التي ذكرناها فإنها مجعولة من جانب (الشارع) على ذلك الوجه فلا يكون إيراده مما له مساس بكلام المستدل (فتأمل)

قوله (رحمه الله) مع ان ما ذكره لا يجري في مثل قوله بعتك إن شئت أو ان قبلت فقال قبلت فإنه لا يلزم هنا تخلف اثر العقد عنه مع ان هذا لا يجري في الشرط المشكوك المتحقق في الحال فان العقد (حينئذ) يكون مراعى لا موقوفا مع ان ما ذكره لا يجري في غيره من العقود التي قد يتأخر مقتضاها عنها كما لا يخفى

هذه الوجوه الثلاثة مع اشتراكها في كونها قد سبقت لمنع كلية الدليل تفترق بان الأولين ناظر ان الى منع كلّية قوله فتعليق أثره بشرط من المتعاقدين مخالف لترتب مسبّب العقد عليه في حال وقوعه و الأخير ناظر الى منع كلية ترتب اثر كلّ عقد عليه في حال وقوعه بلا مهلة و تراخ و يتجه عليه نظير ما قدّمناه من ان مدعى المستدل انما هو ظهور الأدلة فيما ذكره و من المعلوم ان (الظاهر) يجوز العدول عنه لدليل مخصص أو مقيد أو غيرهما فللمستدل ان يقول خرج ما خرج و بقي الباقي ثمّ ان بعض المعاصرين بعد ما حكى اعتراضات (المصنف) (رحمه الله) على الدليل المذكور بقوله و اما الثالث يعنى الدليل الذي استند اليه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) فقد يورد عليه أولا بعدم انحصار دليل الصحّة و اللزوم في مثل أَوْفُوا بِالْعُقُودِ بل حلية البيع و نحوها كافية في إثبات ذلك و ثانيا بان العقد سبب لوقوع مدلوله فيجب الوفاء به على طبقه منجزا كان أو معلقا على نحو الوفاء بالعهد إذ لا فرق بينهما بحسب العرف و دعوى ان اثر البيع مثلا هو الملكية المنجزة محلّ منع بل أثره مطلق الملك فان كان منجّزا فأثره الملكية المنجّزة و ان كان معلقا فأثره الملكية المعلقة و هكذا في سائر العقود مع ان تخلف الملك عن العقد كثير جدا و ثالثا بان ذلك لا يجري في قوله بعتك ان قبلت فقال قبلت إذ لا تخلف لأثر العقد عنه بل و لا يجري في الشرط المشكوك ظاهر المتحقق في الحال واقعا فان العقد (حينئذ) يكون مراعى لا موقوفا بل و لا يجري في العقود الّتي قد يتأخر مقتضاها عنها كما هو واضح كوضوح عدم الفرق بين البيع و غيره عندهم قال و لكن قد يدفع الثالث بان الفروض في كلام المستدل انما هو المنع عن التعليق على الشرط المتأخر لا من مطلق التعليق و قيام الدّليل على التخلف في الجملة غير مناف للظهور المزبور إذ هو قرينة على العدول عنه كما هو واضح كوضوح انّه لا مجال لإنكاره حتى من نحو قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ بعد تسليم دلالته على الصحّة (مطلقا) حتى مع خلوه عن العقد فتدبّر فيه و امّا تسلط النّاس على أموالهم فلا دلالة فيه على الصحّة الشرعية و هو واضح كوضوح عدم سند لمنع الدعوى المزبورة هذا انتهى و لا يخفى ما فيه اما أولا فلأنه ليس في كلام المستدل فرض المنع عن التعليق على الشرط المتأخر و انما استدل بما لا ينطبق الا على الشرط المتأخر و يلزم منه فساد أخر في الدليل و هو كونه أخصّ من المدّعى بل نقول ان صدور الفرض من المستدل ممّا لا يعقل له معنى لان الفروض انّما يتحقق في عنوان المسئلة فالمعنون للمسئلة سواء كان متصدّيا للاستدلال أم لا هو الّذي يليق به الاستدلال و امّا المستدل فليس وظيفته الا تطبيق الدّليل على العنوان و لهذا تريهم فيما لو أراد و الاستدلال على بعض المطلوب نبهوا عليه سواء كان ممّا يتم بعدم القول بالفصل أم لا بان كان على البعض الأخر دليل أخر و بالجملة فقد اعتذر المعاصر المذكور بما يلزمه كون الدليل أخصّ من المدّعى فليس حاله في اعتذاره هذا للمستدل الا مثل حال من فرض المطر الى الميزاب و امّا ثانيا فلان الاعتراض على (المصنف) (رحمه الله) بان تسلط النّاس على أموالهم لا دليل فيه على الصحّة الشرعيّة لا وجه له لانه قد تمسّك به سابقا على اللّزوم بالتقريب الّذي تقدّم في مسئلة المعاطاة كما تقدم منه (رحمه الله) بيان دلالة قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ على صحّة البيع و قد قال هنا و فيه بعد الغض عن عدم انحصار أدلة الصحّة و اللّزوم في مثل قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لان دليل حلية البيع و تسلّط الناس على أموالهم كان في إثبات ذلك فأشار بدليل حلية البيع الى دليل الصحّة و بتسلّط الناس على أموالهم إلى دليل اللّزوم فاعتراض المعاصر المذكور عليه بذلك ناش عن الغفلة عمّا ذكره هنا و ما سلفه سابقا و امّا ثالثا فلان الاعتراض عليه بأنه لا سند له على منع دعوى الظهور المذكورة في كلام المستدل واضح السّقوط لان المنع لا يحتاج الى سند خصوصا منع الظهور فعلى المستدل إثباته

قوله ثم الأضعف من الوجه المتقدّم التمسّك في ذلك بتوقيفية الأسباب الشرعيّة الموجبة لوجوب الاقتصار فيها على المتيقن و ليس الا العقد العاري عن التعليق

قد تكرر نظير العبارة ممّا جمع فيه بين اسم التفصيل المقرون باللام و بين لفظة من و ذلك مما منع منه النحاة و لهذا تكلفوا في قول ميمون الأعشى و لست بالأكثر منهم حصى و انّما العنزة للكاثر بوجوه ليس هذا محل ذكرها ثمّ ان التمسّك بتوقيفية الأسباب قد وقع الإشارة إليه في كلام صاحب (الجواهر) (رحمه الله) حيث قال في ذيل الوجه السابق بل هو شبه إثبات حكم شرعي من غير اهله و محصله ان العبادات و أحكامها كما أنها توقيفية (كذلك) العقود فيجب الاقتصار على المتيقّن من إفرادها حيث سرى الشك إلى شيء منها من جهة الكيفية أو غيرها و قد عرفت منا سابقا إنكار قاعدة التوقيفية في ألفاظ العقود هذا و قد تحصل لك من الإحاطة بكلام (المصنف) (رحمه الله) ان المستند في الحكم باعتبار التنجيز عندهم وجوه أحدها الإجماع فهو مخصّص لعموم آية وجوب الوفاء و هو المعتمد عنده و عندنا الثاني هذه القاعدة و قد عرفت إنكارها الثالث ما ذكره العلّامة (قدس سرّه) من انه عند التعليق ينتفي الجزم المعتبر في الإنشاء و تحقق مفهوم العقد و قد عرفت انه انما يتم فيما لو لم يكن منشئ العقد المعلق عالما بتحقق الشرط

262

امّا لو كان عالما كما لو قال ان كانت هند زوجتي فهي طالق و هو يعلم بكونها زوجته فلا فالذي يتأتى منه انما هو بطلان العقد عند التعليق مع عدم العلم بتحقق الشّرط و يبقى غيره خارجا عن مقتضى هذا الدّليل و ان كان بطلان العقد عند التعليق على الصّفة يثبت بالإجماع عليه الرابع ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من اقتضاء ظاهر ما دل على سببيّة العقد اقتران مسبّبه به و قد عرفت الكلام عليه و هناك وجه خامس و هو ان قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ قد تطرق إليه كثرة التخصيص فلم يبق لنا وثوق بدلالته فلا بدّ من الاقتصار في التمسّك بها على المورد الّذي قد تمسّك فيه العلماء به و الاعراض عن التمسّك به في غيره و قد اشترطوا فيما نحن فيه التنجيز و أعرضوا عن الأخذ به في المشتمل على التّعليق فلا يصلح دليلا على وجوب الوفاء بالمعلق فلا بد من الرّجوع الى الأصل الّذي مقتضاه عدم انتقال المال أو ما هو بمنزلته عمن له تسلط عليه و هذا الوجه استند اليه جماعة من الأواخر منهم صاحب (الجواهر) (رحمه الله) حيث قال و للشك في شمول الآية و نحوها و حذا حذوه بعض المعاصرين في كتابه قال بعد نقل الإجماع عن كثير من المصرّحين باشتراط التنجيز ما لفظه مضافا الى الأصول بعد الشّك في اندراج المعلّق في العمومات و لو بعد الاعراض عنها انتهى و هذا الوجه لا مناص منه عند من لم يثبت الإجماع عنده على وجه يصحّ التعويل عليه امّا (مطلقا) ان أنكر ثبوته رأسا أو في المورد الّذي أنكر قيام الإجماع فيه من صور المسئلة فتدبّر

قوله إذ فيه ان إطلاق الأدلة مثل حلية البيع و تسلّط النّاس على أموالهم و حل التجارة عن تراض و وجوب الوفاء بالعقود و أدلة سائر العقود كاف في التّوقيف

قال بعض المعاصرين في مقام حكاية هذا الكلام و دفعه ما لفظه و قد يناقش بالقاعدة يعني قاعدة التوقيفية بأن إطلاق أدلة العقود أو عمومها كاف في الخروج به عنها فلا بأس بها مع صدقها عرفا على المعلق و لكنه ممنوع كما يظهر بالتدبّر فيما مر و غيره فلاحظ و تدبر انتهى و (الظاهر) انه أشار بقوله ما مر الى ما قدمنا حكايته من ان عموم أَوْفُوا بِالْعُقُودِ مما اصابه الوهن بكثرة التخصيص مع إعراض الأصحاب عنه في العقد المعلق فالدّليل الموهون الغير الصالح لإثبات الحكم الشرعي كيف يصحّ ان يصير رافعا لقاعدة التوقيفية كما هو الشّأن في غيرها من الأصول و القواعد و هو وجيه كما لا يخفى

قوله بل (الظاهر) انه لا يقدح اعتقاد عدم ترتب الأثر عليه إذا تحقق القصد الى التمليك العرفي

(انتهى) و في (الجواهر) انه يكفيه قصد الأثر العرفي و يتبعه الشرعي إذا جمع الشرائط و من هنا صحّ العقد مع من لا يرى صحّة العقد كمنعه الذمية و نحوها انتهى تتميم (الظاهر) ان حكم توقيت البيع و نحوه حكم تعليقه و لا يصح بعتك هذا بعد شهر أو بعد سنة مثلا كما عن نص بعضهم بل قيل انه لا خلاف فيه بل هو مجمع عليه ظاهرا و لا يلزم من صحّته في الإجارة صحّته في البيع و نحوه و من جمله شرائط العقد التطابق بين الإيجاب و القبول

[و من جملة شروط العقد التطابق بين الإيجاب و القبول]

قوله فلو اختلفا في المضمون بأن أوجب البائع البيع على وجه خاص من حيث خصوص المشتري أو المثمن أو الثمن أو توابع العقد من الشروط فقبل المشترى على وجه أخر لم ينعقد

أشار (قدس سرّه) بهذا الكلام الى معيار المطابقة بين الإيجاب و القبول و احترز بذلك عن اعتبار المطابقة في اللفظ فإنّها غير معتبرة و لهذا قال العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) لا بد من التطابق في المعنى بين الصّيغتين انتهى و قال في كتاب النكاح منها لا يشترط اتفاق اللّفظ من الموجب و القابل فلو قال الموجب زوّجتك فقال الزوج نكحت أو قال الموجب أنكحتك فقال الزّوج تزوجت صحّ العقد إجماعا انتهى و قد يعبّر بالمطابقة عن عدم انفصالهما على وجه يخرج القبول عن كونه قبولا للإيجاب كما وقع في كلام العلامة (قدس سرّه) في كتاب النكاح من (القواعد) قال بعد اشتراط اتحاد المجلس فلو قالت زوّجت نفسي من فلان و هو غائب فبلغه فقبل لم ينعقد و كذا لو أخر القبول مع الحضور بحيث لا يعد مطابقا للإيجاب انتهى لكن ذلك معنى أخر ينطبق على اعتبار الموالاة بين الإيجاب و القبول و من جميع ما ذكرناه يعلم ان ما غير به (المصنف) (رحمه الله) عن معيار المطابقة المشترطة في هذا المقام أحسن مما عبر به صاحب (الجواهر) (رحمه الله) حيث قال على معنى المطابقة بينهما بالنسبة إلى المبيع و الثمن لا مطلق التطابق للاتفاق على صحّة الإيجاب ببعت و القبول باشتريت بل (الظاهر) صحّة قبلت النّكاح مثلا لإيجاب زوّجتك كما عن جماعة التّصريح به بل المراد المطابقة التي مع انتفائها ينتفي صدق القبول لذلك الإيجاب و بالعكس انتهى و الوجه في ذلك انه اقتصر في أوّل كلامه على اعتبار المطابقة بالنّسبة إلى المبيع و الثمن مع انه يعتبر في المطابقة المبحوث عنها هنا ما زاد على ذلك ممّا ذكره (المصنف) (رحمه الله) و انه اعتبر في أخر كلامه صدق القبول لذلك الإيجاب و هو بإطلاقه يقتضي اعتبار الموالاة بينهما مضافا الى المطابقة بحسب المعنى التي إذا اعتبرت في حدّ ذاتها كانت النسبة بينها و بين الموالاة عموما من وجه و ليس في كلام (المصنف) (رحمه الله) مثله

قوله و هو مأخوذ من اعتبار القبول و هو الرضا بالإيجاب

يعني انهم انما اعتبروا ذلك لتوقف صدق القبول عليه عرفا إذ المتبادر منه انما هو قبول جميع ما وقع عليه الإيجاب من جميع المثمن بجميع الثمن و جميع الشّروط و نحوها ممّا يتضمّنه العقد كتعيين المشترى و نحوه فلو ترك بعض ذلك لم يكن قبولا لذلك الإيجاب السابق نعم لو كان الإيجاب بمنزلة إيجابين لا ربط لأحدهما بالاخر عرفا أو بقرينة المقام لا بأس بقبول أحدهما دون الأخر قال بعض الأواخر و قد يقع الالتباس ظاهرا في بعض المقامات و لذا وقع النزاع أو الإشكال في كثير من الصّور كما لو قال لاثنين بعتكما العبد بألف فقال أحدهما اشتريت أو قبلت نصفه بخمسمائة فقد قيل بأنه لم يقع و لو قال كلّ منهما ذلك لم يبعد الجواز و نحوه و لو قال بعتك العبد بمائة فقال المشترى اشتريت أو قبلت كلّ نصف منه بخمسين و فيه اشكال و عن (المبسوط) و (الخلاف) و جملة من كتب الفاضل و القاضي و غيرهما انه لو قال بعتكما هذا بألف فقال أحدهما قبلت نصفه بنصف الثمن لم يصحّ لظهور ارادة الاجتماع و عن (المختلف) و (التذكرة) الصحّة و ثبوت الخيار للبائع امّا الصحّة فلانّ البائع إنما قصد تمليك كلّ واحد منهما نصف المبيع باللّفظ الدال عليه وضعا فيجب الحكم بها كما لو قال بعتكما هذا بألف نصفه منك بخمسمائة و نصفه من هذا بخمسمائة فإنه يصحّ عند الشيخ و القاضي و لا فرق بينهما و امّا الخيار فلان البائع قصد تمليك كل واحد بشرط الأخر فإذا فقد الشّرط وجب الخيار و فيه ان ذلك ان ثم قضى بعدم الصحّة و الا فلا خيار لأنه (حينئذ) بمنزلة يجابين و قبولين و لعل الفرق تعدّد الصّفقة عرفا في الثاني دون الأوّل و لو قال لهما بعتكما هذين العبدين بألف درهم هذا العبد منك و هذا العبد من الأخر فقبل أحدهما بخمسمائة فعن (المبسوط) انه لم يصحّ لانه قبله بثمن لم يوجب له لأنّ الألف مقسومة على قدر القسيمتين لا على عددهما و هو إجماع و مقتضاه الصحّة مع فرض تساوى القيمتين أو كون القبول بحصة أحدهما بحسب

263

التقويم مع معلوميتها حال العقد كما هو واضح كوضوح عدم الفرق (حينئذ) بين كون المبيع عبدا أو عبدين اللهمّ الا ان (يقال) بأن الأوّل يعد عرفا إيجابا واحدا و صفقة واحدة بخلاف الثاني فإنهما ايجابان و صفقتان و انما عبر بذلك للاختصار فتدبر و لو قال بعتك هذين بألف فقال قبلت أحدهما بخمسمائة لم يصحّ كما عن (المبسوط) و (القواعد) و (الدروس) و (جامع المقاصد) و غيرها لما سبق و لكن عن الأخير احتمال الصحّة لأنه في قوّة عقدين الا انّه ليس بشيء لأن رضى البائع انما وقع على المجموع بالمجموع و عن (المبسوط) انه لو قال قبلت نصف أحدهما بحصة من الثمن لم يصحّ إجماعا لأن حصته مجهولة قيل و كذا لو قال قبلت نصفهما بنصف الثّمن كما عن (المبسوط) أيضا الا أنّ الجهالة المانعة ممنوعة بل ليس المانع الا عدم التطابق نحو ما عنه ايضا من انه لو قال بعتك هذين العبدين بألف فقال قبلت نصفي هذين العبدين بخمسمائة لم يصحّ فتدبر و لو قال بعتك هذا بألف فقال قبلت نصفه بخمسمائة و نصفه بخمسمائة فعن (النهاية) احتمال الصحّة لأنّه تصريح بمقتضى الإطلاق و لا مخالفة فيه و احتمال الفساد لان تفصيله من موجبات تعدّد الصّفقة و البائع أوجب صفقة واحدة و المشترى قبل بيعين لم يوجبهما البائع ففيه مخالفة و ربما صار بعضهم إلى الأول مع احتمال الثاني و قال ايضا انّه لو قال بعتك بألف فقال اشتريت بألف و خمسمائة فالأقوى الفساد لعدم التطابق و عن النهاية احتمال ذلك لان كلّا منهما لم يخاطب صاحبه و احتمال الصحّة لوجود الصّفقة الى غير ذلك من كلماتهم الّتي لا (تخلو) من نظر و لا ثمرة مهمّة في التعرض لها إذ هي في جزئيات نختلف باختلاف القرائن و الأحوال و الّذي يظهر انّه ان ظهر أحد الأمرين و لو بقرينة المقام عول عليه و الا فأصالة بقاء الملك و عدم انتقاله مما لا مخرج عنها كما هو واضح انتهى و ذكر بعض من تأخر انّه إذا اتّحد كلّ من البائع و المشترى و الثمن و المبيع و الشروط في الإيجاب و القبول تحققت المطابقة قطعا و في غيره قد يقع الاشتباه و ممكن بيان معيار ينفع لتمييز الصغريات المشتبهة و يحصل ذلك في ضمن أقسام الأوّل ان يتعدّد الثّمن و ان كان المبيع واحدا كما لو قال بعتك نصف الدار بألف و نصفها بخمسمائة و هذا القسم يحكم فيه بتعدد الإيجاب و البيع و يلزمه انه لو قال قبلت بيع نصفها بخمسمائة كان القبول مطابقا للإيجاب الثاني عكس الأوّل بأن يتعدّد المبيع مع وحدة الثمن كما لو قال بعتك العبد و الجارية أو هذين بألف و يحكم فيه بوحدة البيع و يلزمه انه لو قال قبلت بيع العبد بخمسمائة أو قبلت بيع الجارية مثلا بخمسمائة لم يكن القبول مطابقا للإيجاب فلم ينعقد البيع وفاقا للعلامة (قدس سرّه) في (القواعد) حيث حكم بعدم وقوع العقد لو قال بعتك هذين بألف فقال قبلت أحدهما بخمسمائة أو قبلت نصفهما بنصف الثمن و قيد المحقق الثاني (قدس سرّه) حكمه بعدم الصحّة هنا بقوله على أصحّ الوجهين ثمّ قال و يحتمل الصّحّة لأنه في قوّة عقدين و من ثم افترقا في الشفعة لو اختصت بأحدهما و ليس بشيء لأن ذلك حق ثابت في البيع بالأصالة و رضاهما محمول عليه بخلاف ما هنا لأن رضى البائع انما وقع على المجموع بالمجموع انتهى الثالث ان يتعدّد المشترى لا غير مثل ان يقول بعتكما هذه الدار بألف و حكم هذا القسم وحدة البيع فلو قال أحدهما قبلت نصفها بخمسمائة لم يصح العقد الرابع ان يتعدد البائع كما لو وكل أحد المتشاركين في الدّار مثلا الأخر فقال بعت هذه الدّار بألف أو جمع بين شيئين في البيع فقال بعتك فرسي و فرس موكلي بألف فقال المشترى قبلت بيع نصف الدّار الّذي هو نصيبك بخمسمائة أو قبلت بيع فرسك بخمسمائة و (الظاهر) في هذا القسم تعدّد البيع و صحّة القبول على الوجه المذكور

قوله و لو قال بعت هذا من موكلك فقال الموكل الغير المخاطب قبلت صحّ و كذا لو قال بعتك فأمر المخاطب وكيله بالقبول فقبل

وجه الصحّة مع تصريح بعضهم باعتبار جهة التخاطب في الإيجاب و قد انتفت من جهة كون القابل غير المخاطب هو ان الوكيل و الموكّل بمنزلة شخص واحد و ليسا متغايرين لقيام الوكيل مقام الموكل و صدوره عن امره و كونه بدلا عنه

[و من جملة الشروط ان يقع كل من إيجابه و قبوله في حال يجوز لكل واحد منهما الإنشاء]

قوله (رحمه الله) و من جملة الشروط ان يقع كل من إيجابه و قبوله في حال يجوز لكل واحد منهما الإنشاء فلو كان المشترى في حال إيجاب البائع غير قابل للقبول أو خرج البائع حال القبول عن قابلية الإيجاب لم ينعقد

(انتهى) محصله ان للعقد حالة وحدانية فيكون بقاء الموجب على صفة الإنشاء شرطا لمجموع العقد حتى ان الموجب في حال القبول لا بد من ان يكون متصفا بصفة أهلية الإنشاء و بالعكس قال بعض من تأخر ان هذا الكلام على إطلاقه مما يسري إليه الاشكال لاختلاف الشرائط بحسب الانطباق على القاعدة ففي الموت و الجنون و الإغماء و النّوم و كل ما كان من الشرائط يوجب انتفاؤه خروج من انتفى عنه عن قابلية التخاطب هذا الكلام صحيح و الوجه فيه واضح لانه يعتبر في تحقق معنى العقد و العهد فهم كل من المتعاقدين للمعنى الّذي قصده الأخر و مع الخروج عن قابلية الخطاب ينتفي عنه ما به قوام مفهوم التعاقد و التعاهد فلو أوجب و هو كامل لكنه بمجرّد فراغه من الإيجاب قبل قبول الأخر مات أو جن أو أغمي عليه أو نام فوقع القبول في حال اتصافه بشيء من الأوصاف المذكورة لم ينعقد العقد و كذا لو تلبس الأخر بشيء من الأوصاف المذكورة بل الأمر فيه أوضح لعدم إمكان صدور القبول أو صدوره في حال كون عبارته مسلوبة الاعتبار و هذا بخلاف الشرائط الّتي لا يوجب انتفاؤها خروج من انتفى عنه شيء منها عن قابلية الخطاب كالرّضا و البلوغ و كونه مالكا لأمره فإن تحقق معنى العهد و مفهومه لا مانع منه فلو أوجب في حال عدم رضا القابل لكنّه حصل له الرّضا بمجرّد فراغه من الإيجاب فأوجب و هو راض لم يكن مانع (حينئذ) من تحقق العهد و العقد فان الموجب في حال إيجابه كان متلبسا بجميع ما يعتبر فيه حتى الرّضا لانه المفروض و القابل كان أهلا لتوجّه الخطاب اليه و قد وجهه اليه صاحبه و أسمعه إياه في حال قابلية للمخاطبة فقبل في حال رضاه بالإيجاب فتحقق معنى العقد و لا حاجة في تحقق مفهومه إلى أزيد من ذلك بحكم الوجدان غاية ما هناك انه حال صدور الإيجاب لم يكن راضيا و لا دليل على اعتبار رضاه في حال صدور الإيجاب إذا كان قد تلبس بالرّضا في حال قبوله إذ لا دليل الا على ان كلا منهما لا بد و ان يكون في حال صدور فعله مختارا في فعله راضيا بما يصدر عنه و امّا تلبسه بالرّضا و الاختيار في حال صدور الفعل من الأخر فلا دليل عليه و كذا الحال فيما لو أوجب و المشترى صبي فبلغ بعده و قبل القبول على وجه لا ينافي اتصال القبول بالإيجاب لانه باتصافه بالفهم و قابلية الخطاب في حال الإيجاب يتحقق معنى العقد و قد وقع منه القول في حال

264

بلوغه و عبارته (حينئذ) ليست مسلوبة الاعتبار عند (الشارع) و ان كانت مسلوبة الاعتبار في حال ليس فيه من شأنه الإتيان بالعبارة و انما الإتيان بها شأن غيره و هو حال إيجاب البائع و الّذي يحقق مفهوم العقد هو كونه يفهم معنى الخطاب و كونه قابلا لتوجيهه في حال صدور الإيجاب و هو غير فاقد لذلك و لا دليل على اعتبار البلوغ في حال صدور فعل من غيره اعنى صدور الإيجاب من الموجب و الإيجاب وقع صحيحا بتوجيهه الى من يصحّ توجه الخطاب اليه و لعله لما ذكرنا حكم في أنوار الفقاهة بأن اشتراط البلوغ في القابل انما هو بالنّسبة الى حال قبوله دون حال الإيجاب نعم يعتبر العقل في القابل من أول الإيجاب إلى أخر القبول لانه لو لم يكن عاقلا في حال الإيجاب لم يكن قابلا لتوجيه الخطاب به اليه لانتفاء الشعور عنه و ممّا يؤيّد ما ذكرنا بعد ما عرفت من ان تحقق مفهوم العقد و العهد غير موقوف على بلوغ القابل في حال إيجاب الموجب إذا بلغ حال القبول هو انه ذكر من عدي العلّامة انه يصحّ للصّبي إجازة عقد الفضولي الواقع على ماله في حال الصغر بعد بلوغه و لو لم يتحقق معنى المعاقدة و المعاهدة لم يكن لإجازته وجه و كذا الحال فيمن أوجب فصار محجورا عليه لفلس أو سفه أو مرض موت أورق كما لو أوجبت المشركة التي هي من نساء أهل الحرب فأسرت و استرقت قبل القبول و كذا الحال فيما لو أوجب المفلس فزال عنه الحجر فقبل صاحبه فان المفلس و ان كان محجورا عليه من حيث العقد على ما يملكه الا ان جهة الحجر انما هي خصوص جهة ممنوعية عن التصرّف في ماله لا جهة نفس إيقاع العقد و الا كان ممنوعا من إيقاع العقد بوكالة الغير و التالي (بط) فكذا المقدّم و المفروض انه أوجب في حال يصحّ عنه الإيجاب من حيث هو و لحقه القبول في حال مضى تصرفه في ماله فلم يبق مانع و مما يؤيد ما ذكرنا و يؤكّده ان العقد الصّادر من المحجور عليه لفلس الواقع على ماله مما لم يحكم فيه فقهاؤنا بالبطلان و انما حكموا بأنه يقع موقوفا على اجازة الغرماء فإن أجاز و الزم و لو كان الحجر مانعا عن تحقق معنى المعاقدة و المعاهدة لم يكن وجه للزومه بإجازتهم و امّا ما ذكره (قدس سرّه) من ان حقيقة الوصية الإيصاء و ليست من قبيل ما يحتاج الى القبول و ان القبول فيها انما هو شرط في الحقيقة ففيه ان هذا مخالف لما استقر عليه طريقتهم من كون الوصيّة التمليكية من قبيل العقود الّتي لا بد فيها من إيجاب و قبول و امّا ما ذكره من ان الأصل في جميع ذلك ان الموجب لو فسخ قبل وقوع القبول لغي الإيجاب السّابق فهو و ان كان مسلما لقيام الإجماع عليه و لكن نمنع كون عروض الحجر مثله خصوصا فيما إذا كان الفلس أو الرق أو نحوهما مما يصير العقد الصادر من المحجور عليه معه قابلا للحوق الإجازة منه أو من غيره فان قابليته للحوقها دليل على تحقق معنى العقد و العهد و يدل على انتفاء الملازمة بين لغوية الإيجاب بالفسخ و بين استمرار الشرائط المذكورة من أول الإيجاب إلى أخر القبول ان لغوية الإيجاب بالفسخ موجودة في العقود الجائزة أيضا مع انّه لا يعتبر فيها استمرار الشرائط من أوّل الإيجاب إلى أخر القبول الا ترى انه لو خاطب الصّبي بإيجاب الوكالة فبلغ و قيل لم تكن الوكالة فاسدة (حينئذ) و اما ما ذكره من ان الحكم في المكره الّذي تعقب كراهته الرّضا انما هو على خلاف القاعدة و ان مستنده ليس إلا الإجماع فممنوع بل (الظاهر) انّ ذلك من جهة القاعدة و لو سلّمنا ذلك قلنا ان مقتضى كلامه هو ان مقتضى القاعدة في غير المكره عدم انعقاد العقد و قد عرفت المنع منه أقول يتجه المنع على ما استشهد به من اجازة الصّبي عقد الفضولي انه لا شهادة فيه بمطلوبه لان معنى التعاقد و التعاهد انّما وقع بين الأصيل و الفضولي و لم يقع بين الأصيل و الصّبي و الشهادة انه انما تتحقق على الثاني دون الأوّل فافهم ثمّ ان ما ذكره من ان كون حقيقة الوصيّة هو الإيصاء و كون القبول فيها شرطا في الحقيقة مخالف لما استقر عليه طريقتهم من كون الوصيّة التمليكية من قبيل العقود التي لا بد فيها من إيجاب و قبول مدفوع بان (المصنف) (رحمه الله) ايضا لم ينكر كون الوصيّة مما يعتبر فيه الإيجاب و القبول الا انّه بين انّ حقيقة القبول و ما به قوامه

انما هو الشّرطية بدلالة ما استشهد به و ذلك ليس منافيا لما قام عليه الإجماع إذ لم يقم الا على انّه لا بدّ من الإيجاب و القبول و هو لا ينفى كون القبول شرطا في الحقيقة فتدبر

[فرع اختلاف المتعاقدين في شروط الصيغة]

قوله لو اختلف المتعاقدان اجتهادا أو تقليدا في شروط الصيغة فهل يجوز ان يكتفى كل منهما بما يقتضيه مذهبه أم لا وجوه ثالثها اشتراط عدم كون العقد المركب منهما مما لا قائل بكونه سببا في النقل

(انتهى) توضيح ذلك في ضمن المثال هو انه لو كان البائع مثلا لا يشترط العربية في العقد و المشترى يشترطه فهل يجوز ان يعمل كل منهما بما يقتضيه مذهبه و يوقعا العقد بمقتضى المذهبين بان يوجب البائع البيع بالفارسيّة مثلا و يقبل المشترى باللفظ العربي فيصحّ العقد في حقهما جميعا فيه وجوه أحدها انّه يجوز ذلك فيصحّ العقد في حقهما جميعا (مطلقا) سواء لزم من عمل كلّ منهما على مقتضى مذهبه كون العقد المركب منهما ممّا لا قائل بكونه سببا في النقل أم لا ثانيها انه لا يجوز ذلك و لا يصحّ في حقهما جميعا (مطلقا) ثالثها انه ان لم يلزم كون العقد المركب منهما ممّا لا قائل بكونه سببا صحّ و أثر في حقهما و ان لزم ذلك فلا مثاله ما لو قال المشترى بجواز تقديم القبول على الإيجاب لكن لم يجوز العقد بالفارسي و قال البائع بجواز العقد بالفارسي فقدم المشترى القبول باللفظ العربي عملا بمذهبه و أوجب البائع بالفارسي عملا بمذهبه فحصل من ذلك عقد فارسي مقدم القبول و معلوم ان القائل باشتراط العربيّة يعتبرها في جميع العقد المركب من الإيجاب و القبول فمع كون الإيجاب فارسيّا لا يكون العقد عربيّا بل يصحّ صدق العقد بالفارسي في الجملة فهو يحكم بفساد العقد المذكور من هذه الجهة و القائل بوجوب تأخير القبول عن الإيجاب يحكم بفساده من جهة تقدّم القبول هذا و اعلم انه يمكن هنا تحرير المسئلة بوجه أخر و هو انه إذا أوقع أحد المتخالفين في الفتوى العقد على مقتضى مذهبه فهل يجوز للآخر ترتيب الآثار عليه مع كونه مخالفا له في الفتوى و هذا التحرير جزئي من جزئيات مسئلة نقض الفتوى المقرّرة في الأصول و مآل البحث فيها الى ان الفتوى هل هي كالحكم حتى تمضى في حق غير المفتي و غير مقلده أم لا فلو اشترى ثوبا بالعقد الفارسي جاز لمن يرى بطلان العقد بالفارسي التستر بذلك الثوب في الصّلوة بإذن المشتري أم لا و ان كان لا يجوز له ان يشترى ذلك الثوب من البائع ما دام المشترى متسلّطا عليه غير رافع يده كما لا يجوز لمن يرى ان الرضعات العشر تنشر الحرمة ان يتزوج امرأة هي تحت من هو رضيعها بذلك الوجه و قد زوّجها لكونه يرى ان العشر لا تنشر الحرمة ما دامت هي تحته لفحوى ما دلّ

265

على ان أهل الكتاب يجب إلزامهم بما الزموا به أنفسهم فإنه إذا لم يجز التزوّج بنسائهم التي تحتهم و شراء ما اشتروه من المالك الأوّل السّابق عليهم لم يجز هنا بطريق اولى و لكن كلام (المصنف) (رحمه الله) هنا ناظر الى غير ذلك التحرير و الى جهة غير الجهة الملحوظة في تلك المسئلة فان البحث هنا انما هو في جواز اكتفاء كلّ منهما بما يراه صحيحا و انه يحصل من المجموع عقد صحيح في حقهما أم لا و ان كان يمكن إرجاع صحّة فعل من كان فعله موافقا لما هو القدر المتيقن من الحكم في المسئلة من حيث صحته الغيرية المعتبرة من جهة الاقتران بفعل الأخر إلى تلك الجهة التي اعتبرت في تلك المسئلة مثلا لو فرض ان القابل يعتبر العربيّة في العقد و اتى بالقبول على اللغة العربيّة و ان الموجب يجوز العقد بالفارسي و قد أوجب به فصحة القبول الغيرية المعتبرة باعتبار الانضمام إلى الإيجاب الصّحيح لا تتحقق الّا بان (يقال) ان ما هو صحيح عند المفتي كالإيجاب بالفارسي فيما نحن فيه يجب على غيره من المفتين ترتيب آثار الصحّة عليه و بهذا الاعتبار يتحقق صحة ترتيب القبول ممّن يعتبر العربيّة في العقد على الإيجاب الواقع بالفارسي الا ان صحّة فعل من وقع الخلاف و الشك في فعله كالإيجاب بالفارسي غير منوطة بفعل من فعله صحيح على كلّ قول و على كل حال فلا يتوقف صحّته على الجهة المعتبرة في تلك المسئلة حتى يرجع إليها مضافا الى ان جهات الكلام مختلف بحسب المقامات و ليس جهة كلام (المصنف) (رحمه الله) التي أراد البحث عنها الا ان كلا منهما يصح ان يكتفى بما هو مقتضى مذهبه فيعمل عليه و يحصل منهما عقد صحيح في حقهما و هذه الجهة جارية في الطرفين حتى في فعل من كان فعله في حد ذاته موافقا لما هو القدر المتيقن في الحكم لان مرجع البحث الى ان المتألف من المختلفين و انضمام أحدهما إلى الأخر هل يفيد في حصول العقد و تحققه أم لا

قوله (رحمه الله) أردؤها الأخير

مستنده نظير ما قبل في مسئلة عدم جواز تبعيض التقليد من انه إذا بعض فيه فأخذ حكم بعض الاجزاء أو الشرائط أو الموانع في الصّلوة من بعض و حكم بعضها من بعض أخر فقد يحصل في مقام العمل فعل خاص خارجي لم يقل أحد من المجتهدين بكونه صلوه صحيحة فيكون فعلا خارجا عن الشّريعة و يحصل العلم الإجمالي بفساده و ان لم يعلم سببه بخصوصه و معلوم ان التعبّد بما ليس عبادة في الشرع فاسد و مثله يقال فيما نحن فيه فإنه إذا حصل عقد مركب لم يقل بصحّته أحد يحصل العلم الإجمالي بفساده و ان لم يعلم سببه بخصوصه و لكنه مدفوع بأن المأمور به في الشرع انما هو الرّجوع الى المجتهدين في الأحكام الكليّة كجواز الاكتفاء من التّسبيحات الأربع بمرة واحدة و جواز محاذاة المرأة في الصّلوة و نحو ذلك و ليس خصوص ما حصل لكل من المجتهدين من انضمام بعض فتاويه في الأحكام الكلية الى بعض عنوانا بخصوصه في الشرع حتى يلزم من العلم الإجمالي بكون صلوته الخاصّة الواقعة بالكيفية الخاصّة الحاصلة للمقلد من انضمام فتوى مجتهد الى غيره غير مطابقة للكيفية الخاصّة الحاصلة للصّلوة عند أحد المجتهدين بطلانها و الحكم عليها بعدم الصحّة مضافا الى انه قد (يقال) انّه لا دليل على اعتبار العلم الإجمالي الا أن يؤدّي الى مخالفة العلم التفصيلي أو يستلزم مخالفة خطاب تفصيلي و قد علمنا عدم حصول شيء منهما في المقام

قوله و الأولان مبنيّان على ان الأحكام الظاهريّة المجتهد فيها بمنزلة الواقعية الاضطرارية فالإيجاب بالفارسيّة من المجتهد القائل بصحّته عند من يراه باطلا بمنزلة إشارة الأخرس و إيجاب العاجز عن العربيّة و كصلاة المتيمّم بالنسبة إلى واجد الماء أم هي أحكام عذرية لا يعذر فيها الا من اجتهد أو قلد فيها

هذان الوجهان يبتنى عليهما الخلاف في اقتضاء الأوامر الظاهريّة للاجزاء فعلى الأوّل لا بدّ من اقتضائه الاجزاء كما ان الأمر بالتيمّم في حق من كان متلبسا بشرائطه مقتض له إذ ليس في الواقع (حينئذ) مكلفا الا بالتيمّم و قد امتثل بما هو مأمور به فلا بد من سقوطه عن ذمته و على الثاني لا مجال لاقتضائه ذلك لان الشارع انما أراد الواقع فإن أصابه أحد فذاك و الا كان معذورا من جهة عدم تمكنه من الواقع الّذي هو مغاير لما حصل له من الفتوى بحكم الفرض ما دام غير متمكن من الوصول الى الواقع بدلالة قبح التكليف بما لا يطاق و هذه المعذوريّة الحاصلة له لما ذكر لا يقتضي صيرورة ما حصل له حكما شرعيّا حتّى يوجب امتثاله من حصول المأمور به المستلزم للاجزاء فتختص به من جهة كونه الذي يجري فيه التكليف بما لا يطاق لو كلف بغيره بالفعل و في حكمه مقلده و اما غيرهما ممّن حصل له غير تلك الفتوى من المجتهدين أو اقتفى أثره من المقلدين فلا يجري في حقّه التكليف بما لا يطاق لو لم يأخذ بتلك الفتوى و هذا المبنى يجرى فيما نحن فيه بل قد (يقال) ان عدم الاجزاء هنا اولى من عدمه في العبادات لان البيع و الإجارة و نحوهما من المعاملات و ما يتبعها من الآثار أمور واقعية فاعتقاد ان هذا بيع صحيح مع كونه فاسدا في الواقع و اعتقاد ان هذا مال زيد مع كونه مال عمرو في الواقع لا يصيّر ما ليس ببيع بيعا كما لا يصير ما ليس بمال زيد مالا له في الواقع فالحال فيها على خلاف الحال في العبادات فإنها منوطة بأمر (الشارع) لكن فيه ما لا يخفى لكونهما على حد سواء لان العبادات موضوعات واقعية مشتملة على مصالح واقعية علم بها (الشارع) فأمر بها و كذا البيع و الصّلح و الإجارة و نحوها من المعاملات فإنها و ان كانت سابقة على شرع نبيّنا (صلى الله عليه و آله و سلم) الا ان (الشارع) الخبير بالأسرار المطلع بما وراء الأستار وجد في الصّحيح منها خواص و آثار فأمر بترتيب الآثار عليه و نهى عن ترتيب الأثر على غيره

قوله هذا كله إذا كان بطلان العقد عند كل من المتخالفين مستند الى فعل الأخر كالصّراحة و العربية و الماضوية و الترتيب و اما الموالاة و التنجيز و بقاء المتعاقدين على صفات صحّة الإنشاء إلى أخر العقد (فالظاهر) ان اختلافها يوجب فساد المجموع

هذا الكلام إشارة إلى التفصيل فيما بين الشروط فيصير محصله ان الاختلاف في الشروط الثّلثة المذكورة يوجب فساد العقد من دون ان يبنى على المبنى المذكور فيحكم فيها بالفساد على كل من تقدير به بل على كل من الوجوه الثلاثة في غيرها و اما غيرها ففيه تلك الوجوه الثلاثة التي بنى الوجهان الأولان منها على انّ الأحكام المجتهد فيها هل هي أحكام واقعية اضطرارية أم هي أمور عذريّة

قوله فان الموجب إذا علق مثلا أو لم يبق على صفة صحة الإنشاء إلى زمان القبول باعتقاد مشروعية ذلك لم يجز من القائل ببطلان هذا تعقيب هذا الإيجاب بالقبول و كذا القابل إذا لم يقبل الا بعد فوات الموالاة بزعم صحّة ذلك فإنّه يجب على الموجب اعادة إيجابه إذا اعتقد اعتبار الموالاة

هذا الكلام تعليل للحكم الذي افترقت به

266

الشروط الثلاثة المذكورة عن غيرها و هو فساد العقد بوقوع الاختلاف فيها بين المتعاقدين من اعتبار شيء منها و عدمه و لا بد من ان يكون ناهضا بإفادة الفرق بينها و بين غيرها مما ذكر من الصّراحة و العربيّة و الماضويّة و التّرتيب بين الإيجاب و القبول و لكن يتجه عليه بحسب (الظاهر) انه غير واف بذلك لان غير الثلاثة أيضا يجري فيه هذا التعليل و ذلك لان لقائل أن يقول ان الموجب إذا اتى بالإيجاب بصيغة المضارع باعتقاد مشروعية ذلك لم يجز من القائل ببطلان هذا تعقيب هذا الإيجاب بالقبول و لكنه بعد التأمّل في مقابلة هذا الكلام بقوله هذا إذا كان بطلان العقد عند كل من المتخالفين مستندا الى فعل الأخر كالصّراحة (انتهى) يظهر حقيقة مراده على وجه يتضح به الفرق بين قسمي الشروط و بيان ذلك انه إذا أوجب الموجب بصيغة المضارع مثلا و اتى القائل بالقبول بصيغة الماضي فقد وقع العقد بجزئيه أعني الإيجاب و القبول و لو فرض فيه بطلان عند القابل لم يكن الا من جهة فعل الموجب و هو إيجابه بصيغة المضارع و الا فليس في فعل القابل خرازة أصلا لعدم كونه بنفسه فاقد الشرط معتبر فيه نعم يصح انتزاع صفة للقبول باعتبار متعلّقة الذي هو مصاحبه و ملابسه عنى الإيجاب (فيقال) على مذهب القابل ان هذا القبول فاسد الإيجاب كما هو الشأن في كل من أمرين لأحدهما ملابسة بالنّسبة إلى الأخر (فيقال) في شأن زيد اللئيم إذا كان اخوه كريما زيد كريم الأخ لكن مثل ذلك ليس من قبيل الأوصاف الأصلية الثابتة للموصوف من حيث هو و معيار الفرق في هذا المقام انما هو الوصف الأصلي ففي القسم الأوّل الذي منه مثال الإيجاب بصيغة المضارع لا يثبت عند القابل للعقد فساد الا من جهة الإيجاب و لا يثبت للقبول من حيث هو وصف الفساد و ان ثبتت له الصّفة المنتزعة باعتبار متعلقة التي لا عبرة بها و هذا بخلاف القسم الثاني فإن انتفاء كل من افراده الثلاثة يوجب انتفاء وصف أصلي من العقد الّذي أحد جزئية القبول فلا يجوز للقابل مثلا تعقيب الإيجاب بقبوله لذلك فهو (رحمه الله) و ان لم يصرح بان عدم جواز تعقيب القابل للإيجاب المذكور بالقبول انما هو لفوات الوصف لكن لما صرّح في القسم الأوّل بأنه ليس هناك عند القابل مثلا وجه فساد في العقد سوى فعل الموجب الّذي لا يحصل منه سوى الوصف المنتزع علم ان القسم الثاني لا بد فيه من وجه فساد ليس على حدّ وجه الفساد في الأوّل بأن ينتفي عنه وصف أصلي هذا هو القول على وجه كلى و امّا بيان كون انتفاء كل من الافراد موجبا لانتفاء الوصف فهو ان الموالاة لا يتحقق لها بحسب ملاحظة مادتها و هيئتها معنى الا بين الاثنين فهي صفة معتبرة بين الإيجاب و القبول يتصفان هما بها فبانتفائها يزول من كل من الإيجاب و القبول وصف أصلي و ليس من قبيل ما كان بطلان العقد عند واحد منهما مستندا الى فعل الأخر لفوات وصف من العقد و من كلّ من الإيجاب و القبول بفوات الموالاة عند القائل باعتبارها في العقد و امّا التنجيز فإنّه و ان لم يكن بصيغته مفيد المعنى يجرى بين الاثنين كالموالاة الا انّ التّعليق في أحد الطرفين من الإيجاب و القبول يسرى الى تمام العقد لكونه امرا معنويّا يتغير به المعنى و ليس كالأوصاف اللفظية الّتي لا تسرى من أحدهما إلى الأخر كالماضوية المتصف بها الإيجاب مثلا فإنها لا تسرى الى القبول الذي لم يتع بصيغة الماضي بخلاف التعليق فإنّه يسرى الى صاحبه و الى تمام العقد مثلا لو قال الموجب ان جاء زيد يوم الجمعة فقد بعتك كذا بكذا و قال صاحبه قبلت البيع فان القبول يصير قبولا متزلزلا لانه قبول بيع معلّق على مجيء زيد يوم الجمعة فمع انتفاء مجيئه ينتفي الإيجاب و كذا القبول فلا إيجاب و لا قبول و بهذا الاعتبار يصير مجموع العقد اعنى المفهوم المحصل من الإيجاب و القبول المعبر عنهما بالعقد متزلزلا و بعبارة أخرى هذه المعاقدة و المعاهدة الخاصة متزلزلة و عند انتفاء المعلق عليه تنتفي المعاهدة الخاصة و لا استبعاد في سراية بعض الأوصاف من أحد المتصاحبين الى الأخر لأن ذلك مما بعزّ وجوده فان حلاوة السّكر تسرى الى الماء عند مصاحبته له و النجاسة تسرى من المتنجس إلى ملاقيه كما تسرى من الجزء الملاقي إلى الكل و امّا بقاء المتعاقدين على صفة صحة الإنشاء فالأمر فيه أوضح (مطلقا) عند (المصنف) (رحمه الله) حيث انه يرى ان العقد متصف بصفة الوحدانيّة بمعنى ان كونهما متصفين بصفة صحة الإنشاء من أوّل الإيجاب إلى

أخر القبول شرط في صحّة العقد بتمامه فإذا خرج أحد المتعاقدين عن صفة صحّة الإنشاء فقد انتفى ما هو شرط في تمام العقد و انتفى بانتفاء شرطه بل لا يتحقق للمعاقدة و المعاهدة معنى عند انتفاء البقاء على صفة صحة الإنشاء عند القائل باعتباره على ما عرفت من البيان في كلامه و ان كان هذا الوجه لا يجرى عندنا (مطلقا) بل في بعض الشروط كما عرفت البيان من كلامنا فتدبر

قوله (رحمه الله) فتأمل

(الظاهر) انه اشارة إلى توهين ما ذكره من الفرق بين القسمين و ذلك لان الموالاة و ان كانت بصيغة المفاعلة الا انّها من حيث اعتبارها بين التدريجيات ليس معناها بحسب التدقيق و التحقيق إلّا عبارة عن لحوق المتأخر بالمتقدّم و اتصاله به ضرورة انه ليس للمتقدم خصوصا بعد وجوده حالة يصحّ معها اسناد الاتصال اليه فإذا فرض ان زيدا جاء و جاء بعده عمر و بلا مهلة و وصف مجيئهما بالموالاة لم يكن معناه الا ان عمرو الحق زيدا بلا مهلة إذ ليس لزيد فعل اختياري في اتصال مجيئه بمجيء زيد ففي الحقيقة لا يبقى للمتقدّم الا وصف منتزع من لحوق المتأخر به بلا مهلة و امّا التنجيز فنقول فيه ان ما ذكر في توجيه الفرق بينه و بين القسم الأوّل من كون التّعليق يسرى الى صاحبه و كذا الى مجموع العقد حق في الجملة إلا ان السّاري ليس هو عين ذلك الوصف الحقيقي و انما الساري أمر منتزع عند التدقيق و ليس متأصلا و ان شئت توضيح ذلك فانظر الى المثال الذي تقدّم ذكره بعين البصيرة و الاعتبار و هو ما لو قال الموجب ان جاء زيد يوم الجمعة فقد بعتك كذا بكذا فقبل القابل ذلك البيع بخصوصه فانّ القبول منجز لكنه قبول إيجاب معلّق و القبول المنجز المتعلق بالإيجاب المعلق لا يصير بسبب تعلقه به معلقا حقيقة و انما يصير معلقا على الحقيقة لو علق نفس القبول فقال ان جاء زيد قبلت و على هذا فلو قبل ان القبول معلق فمعناه ان في الإيجاب تعليقا فإذا تحقق المعلق عليه تحقق الإيجاب و إذا تحقق تحقق قبوله المتعلق به و الا فعند التحقيق قبول البيع المعلق على مجيء زيد يوم الجمعة ليس معلقا في الحقيقة و من هنا علم ان ما نحن فيه ليس من قبيل الماء المخلوط بالسّكر و الماء الملاقي للماء المتنجس و امّا البقاء على صفة صحّة

267

الإنشاء فنقول انه لو كان صفة لمجموع العقد كانت العربيّة مثلا ايضا (كذلك) فإذا قيل ان بقاء الموجب حال القبول على صفة صحّة الإنشاء لازم قلنا ان عربيّة قبول الإيجاب الإيجاب العربي لازمة و كذا العكس ضرورة ان من يشترط العربيّة فإنّما يعتبرها في جميع العقد المؤلف من الإيجاب و القبول دون شيء منهما وحدة أو العقد في الجملة إذ لم يقل بهما أحد

[في أحكام المقبوض بالعقد الفاسد]

قوله لو قبض ما اتباعه بالعقد الفاسد لم يملكه و كان مضمونا عليه امّا عدم الملك فلانه مقتضى فرض الفساد

اعلم ان هذا الحكم اعنى عدم تحقق الملك للمقبوض بالعقد الفاسد قد نفى صاحب (الجواهر) (رحمه الله) عنه الخلاف و استدل عليه بالإجماع بقسميه و بالأصل بعد فرض بطلان السّبب الذي أريد به الانتقال و فرض عدم ارادة غيره من أسباب الملك حتى المعاطاة بناء على انّها منها ضرورة ظهور حال تعرضهما للعقد في إرادة الملك المترتب عليه و ان كان قدر منهما التقابض الا انه على كونه من مقتضيات ما أوقعاه من العقد و اثاره لا انّه إنشاء مستقل قصدا ترتب الأثر عليه انتهى و (المصنف) (قدس سرّه) أشار الى مستند الحكم المذكور بقوله فلانه مقتضى فرض الفساد و لم يتعرض للأصل و عدم ارادة غير العقد الواقع من أسباب الملك لوضوحه لان معنى كونه مقبوضا بالبيع الفاسد ان السبب انّما هو ما حكم بفساده ثمّ ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) في هذا المقام جعل إطلاقهم عدم الملك للمقبوض بالبيع الفاسد مع حصول التقابض المحصّل للمعاطاة في ضمنه دليلا على فساد المعاطاة عندهم قال بعد العبارة المذكورة بدون فصل نعم لو علم منهما و لو بالقرائن بعد ذكرهما العقد عدم إرادتهما ذلك بل قصد الإنشاء بتقابضهما و أرادا حصول الملك أو الإباحة جرى عليه (حينئذ) حكم المعاطاة و كان خارجا عما نحن فيه و بذلك ظهر الفرق بين البيع الفاسد و المعاطاة لكن قد عرفت سابقا ان قصد التملك العقدي غير مشخص مع فرض تحقق البيع بالمعاطاة التي منها الصّيغة الملحونة مثلا على انّ الأصحاب قد أطلقوا عدم الملك به و ان لم يكن قصد الا على البيعية فهذا شاهد على عدم صحّة بيع المعاطاة عندهم و من هنا يتجه إطلاقهم عدم الملك انتهى و أنت خبير بأنّ المعاطاة لو كانت عبارة عن مطلق التقابض و لو كان حاصلا مع الصيغة الملحونة و نحوها من افراد العقد الفاسد كما يراه المحقق و الشهيد الثّانيان (قدس سرّهما) كان لدلالة إطلاقهم عدم الملك في المقبوض بالبيع الفاسد على عدم صحة المعاطاة وجه من حيث انّها لو كانت صحيحة كانت مملكة فيحصل الملك بها و لم يكن لإطلاق القول بعدم الملك وجه و لكن الّذي يعلم من كلماتهم قطعا هو ان المعاطاة عبارة عن التقابض الذي ينشأ به البيع اما عند فقد العقد رأسا أو عند علم المتبايعين لفساده و انشائهم البيع بالتعاطي من رأس و امّا عند وجود العقد الصّحيح لكن مع أعراض العاقد عنه و إنشائه البيع بالتعاطي فإن قلت ان كان الاعراض بعد استكمال العقد إيجابا و قبولا بالشرائط المقررة في الشرع لم يكن ذلك الاعراض مفيدا و كان السّبب هو العقد دون المعاطاة لعدم ترتب الأثر عليها بعد صيرورة المال ملكا للمشتري القابض و يحكم بلزوم البيع (حينئذ) لكونه حاصلا بالعقد المفيد لذلك و ان كان قبله صار العقد فاسدا بعدم استكماله و الرّجوع في أثنائه فلا وجه لجعله قسما ثالثا قلت انما يصحّ تصويره فيما لو كان صحّة العقد موقوفة على القبض كما في الصّرف و قد وقع العقد فاعرض العاقد عن عقده (حينئذ) فأنشأ البيع بالإقباض فإن هذا يصير قسما ثالثا في المفروض دون غيره و لا ريب ان القصد في الأفعال المحتملة للوقوع على وجهين أو وجوه أسبابا كانت في الشرع أم لا من جملة المميزات التي يترتب عليها الآثار بل تدور مداره الا ترى الى ضرب اليتيم بقصد التأديب أو الإيذاء و ان إقباض الدراهم و الدنانير محتمل لوجوه كأداء الدين أو إقباض ثمن المبيع بالفعل فلو باع الأثمان بالأثمان ثم بدا له في البيع فقصد بإقباضه أداء دين لصاحبه عليه أو إقراضه أو غير ذلك كانت العبرة بقصده و لا مجال لإنكار ذلك فقد تحصل لك بعد ما ذكرنا من البيان ان إطلاقهم القول بعدم صيرورة المقبوض بالبيع الفاسد ملكا لا يدل على انهم لا يرونها مملكة لأن الدلالة على ذلك انما تتحقق بعد كون المعاطاة عبارة عن مطلق التقابض حتى تحصل في ضمن البيع الفاسد ايضا و قد عرفت منعه

[الأول الضمان]

قوله (رحمه الله) و اما الضمان بمعنى كون تلفه عليه و هو أحد الأمور المتفرعة على القبض بالعقد الفاسد فهو المعروف و ادعى الشيخ (قدس سرّه) في باب الرّهن و في موضع من البيع الإجماع عليه صريحا و تبعه في ذلك فقيه عصره في شرح (القواعد)

و اعتمد بعض من تأخر في حكاية الإجماع على ضمان المقبوض بالبيع الفاسد على ما عن (الخلاف) من انه إذا اشترى جارية بيعا فاسدا فوطئها فإنّه لا يملكها و وجب عليه ردّها و عليه ان كانت بكرا عشر قيمتها و نصف العشر ان كانت ثيّبا بإجماع الفرقة و اخبارهم قال ان مورد كلامه و ان كان خاصا الا ان من المعلوم ان سبب الحكم بالضمان انما هو كون البيع فاسدا و لا خصوصية للمورد و على ما عن كره من ان البيع الفاسد لا يفيد ملكيّة المشتري للمعقود عليه سواء فسد من أصله أو باقتران شرط فاسد أو بسبب أخر و لو قبضه لم يملكه بالقبض و لو تصرف فيه لم ينفذ تصرفه فيه عند علمائنا اجمع انتهى و لكنك خبير بان هاتين العبارتين ليستا صريحتين في الضمان فإنهما إنما تدلان عليه بعد دعوى استلزام عدم الملك وجوب الرد كما في الاولى و عدم الملك بالقبض مع عدم نفوذ التصرّف للضمان ثمّ ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قد نفى وجدان الخلاف و ادعى عليه الإجماع بقسميه و استدل عليه مضافا الى ما يذكره (المصنف) (رحمه الله) بعموم تسلط الناس على أموالهم التي في أيدي غيرهم سواء كانت موجودة أو تالفة و أورد عليه بعض من تأخر بان مؤدّى قوله (عليه السلام) الناس مسلطون على أموالهم ليس الا ان لهم ان يتصرفوا في أموالهم بما شاؤوا من الوجوه التي قررها (الشارع) و جعلها أسبابا في النقل الى غيرهم أو استيفائها من غيرهم و من المعلوم ان اضافة الأموال إليهم تقتضي وجود أموال مضافة إليهم و قد جعل (الشارع) لهم التسلّط في هذا الموضوع الموجود فعند انتفائه ينتفي الحكم و ينتفي وجه التسلّط الذي قرره (الشارع) و قد بين بهذا الحديث الإشارة الى ذلك فيكون ضمان التالف غير مبين به فهو من الوجوه الجعلية الخارجة عن مجعولات (الشارع) المشار إليها و لكن يمكن منع ذلك بدعوى انه لم يخرج بالتلف عن ملك المالك الأوّل و التسلّط على كل شيء إنما يصير بحسب حاله فالتسلط على التالف عبارة عن التسلط عن أخذ بدله فتدبر ثمّ ان الشّهيد (قدس سرّه) في غاية المراد حكى الخلاف