غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج2

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
180 /
268

في المسئلة عن ابن إدريس (رحمه الله) في باب البيع و عن العلامة (قدس سرّه) في (المختلف) و سنذكر عبارته في التنبيه السابع في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) ثم انهم اختلفوا في تعيين القيمة (انتهى)

[الكلام في النبوي المشهور على اليد ما أخذت إلخ]

قوله و يدل عليه النبوي (المشهور) على اليد ما أخذت حتى تؤدى

الكلام في هذا الحديث يقع تارة بالنّظر الى سنده و اخرى بالنظر الى دلالته امّا الأوّل فقد أشار (المصنف) (رحمه الله) الى ما يجبره بل عن شرح (القواعد) انه مجمع على مضمونه فشهرته تغني عن النظر الى سنده و امّا الثاني فجمل القول فيه انه لو أريد به ما يقتضيه مواقع ألفاظه على قانون الوضع كان معناه ان ما هو مقبوض باليد و مأخوذ بها فهو فوقها ما دامت قابضة له فإذا أدته إلى غيره خرج عن كونها فوقها و هذا معنى بديهي لا يليق بالنّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بيان مثله فلا بد من صرفه الى غيره و بعد ملاحظة ان مقتضى شأنه انّما هو بيان الأحكام لا بد من صرفه الى خصوص ما كان من غير البديهيات حكما شرعيّا وضعيا كان أم تكليفيا و ذلك يتم ببيان أمرين أحدهما ان اليد هنا عبارة عن صاحبها باعتبار الاستيلاء أو القهر و الغلبة و الأوّل أعمّ من الثاني و إرادته من اللفظ أظهر يعنى على المستولي على شيء ضمانه و هذا نظير التعبير عن الرؤية بالعين و عن الترجمان باللسان و عن المستمع خصوصا عند المبالغة في كمال استماعه بالاذن و ثانيهما انه لما كان الوصول المذكور فيه عبارة عن الذات و ليست صالحة لتعلّق الحكم الشّرعي بها فلا بدّ هناك من تقدير فعل متعلّق بالذات حتى يتعلّق به الحكم الشّرعي كالحفظ و الضمان و الرّد و الأداء و (حينئذ) فقد يتخيل انه يجب الحكم بالإجمال هنا لدوران الأمر بين الأفعال المذكورة و لا مرجح لبعضها على بعض لكن التحقيق كما وقع الإشارة إليه في كلام بعضهم هو ان الأخيرين غير صالحين للتقدير في هذا المقام لعدم ملائمتهما للغاية المذكورة في ذيل الكلام إذ لا معنى لقولنا على اليد أداء ما أخذت أورد ما أخذت حتى تؤدى فتعين أحد الأولين و (حينئذ) نقول ان تحقق مرجح لأحدهما تعين و الا لزم الحكم بالإجمال لان مقتضى تقدير الأوّل هو افادة الحديث للحكم التكليفي و مقتضى تقدير الثاني هو افادته للحكم الوضعي لكن الإنصاف تحقق المرجح لأنا إذا عرضنا مثل هذا الخطاب على العرف لم يسبق إلى أذهانهم سوى كون عهدة المأخوذ باليد و ضمانه عليها و من المقرر في محله انّه ان تيسر تحصيل مراد المتكلم بما يفهمه أهل العرف من خصوص كلامه كان ذلك هو المقصد الأصلي و لهذا يقدم ما يفهمونه من خصوص الخطاب الشخصي على ما يقتضيه القواعد العامة المقررة في مباحث الألفاظ و هذا واضح مضافا الى ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان الظرف إذا أسند الى مال من الأموال كان ظاهرا في الحكم الوضعي كما (يقال) عليه دين فان لفظة على (حينئذ) لمجرّد الاستقرار في العهدة عينا كان أو دينا و زاد بعض من تأخر في هذا المقام انه لو كان المقدر هو الحفظ لم يتجه التعبير عن الحافظ باليد لان الحفظ لا يكون بها حتى يبتنى على قاعدة التعبير بما به قوام المعنى كما في التعبير عن الرّؤية بالعين بخلاف الضمان باعتبار أنه يقتضي دفع المضمون به و إعطائه و هو انما يتحقق باليد و ان أعيان العلماء من العامة و الخاصة من قديم الزمان فهموا من الحديث معنى الضمان و استدلوا به عليه و أنت خبير بما فيهما امّا الأوّل فلان التعبير باليد انما هو مبنى على كون قوام الأخذ به و هو كاف في ثبوت نكتة في التعبير بها مع ان قوام معنى الضّمان ايضا بنفسه ليس باليد و إرجاعه إلى الإعطاء و الدفع تكلف بين لا تهتدي إليه الأذهان و امّا الثاني فلما ستعرف من صدور خلافه ممّن هو من الأعيان كالشّيخ و العلامة (قدس سرّهما) هذا و اعلم ان الذي يتحصل من كلمات أصحابنا في كيفية دلالة الحديث و مقدار دلالته طرق أحدها انه يدل على الحكم التكليفي و ان متعلقة انما هو حال بقاء العين و لا يفيد حكم ما بعد تلفها و هؤلاء لهم مسلكان أحدهما انه لا يتحصّل منه الا وجوب ردّ العين في حال بقائها و هذا هو الّذي يعطيه كلام الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) حيث قال تحريم الغصب معلوم بالأدلة العقلية و بالكتاب و السّنة و الإجماع قال اللّه (تعالى) لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ و الغصب ليس عن تراض و قال اللّه (تعالى) إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوٰالَ الْيَتٰامىٰ ظُلْماً إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً و من غصب مال اليتيم فقد ظلمه و قال (تعالى) وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتٰالُوا عَلَى النّٰاسِ يَسْتَوْفُونَ وَ إِذٰا كٰالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ و ما

أشبه ذلك و روى انس عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفس منه و روى الأعمش عن ابى و إبل عن عبد اللّه بن مسعود انّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قال حرمة مال المسلم كحرمة دمه و روى عبد اللّه بن السائب عن أبيه عن جده عن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال لا يأخذن أحدكم متاع أخيه جادّا و لا لاعبا من أخذ عصا أخيه فليردها و روى يعلى بن مرّة الثقفي ان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال من أخذ أرضا بغير حقها كلف ان يحمل ترابها الى المحشر و روى عنه (عليه السلام) انه قال من أخذ بشرا من الأرض بغير حقه طوقه يوم القيمة من سبع أرضين و روى عنه (عليه السلام) انه قال ليأتين على الناس زمان لا يبالي الرّجل بما يأخذ مال أخيه بحلال أو حرام و روى عن الحسين عن سمرة انّ النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال على اليد ما أخذت حتى تؤدى و الإجماع ثابت على ان الغصب حرام فإذا ثبت تحريم الغصب فالاموال على ضربين حيوان و غير حيوان فامّا غير الحيوان فعلى ضربين ماله مثل و ما لا مثل له فماله مثل ما تساوت اجزاؤه و معناه تساوت قيمة أجزائه فكل هذا له مثل كالحبوب و الادهان و التمور و الاقطان و الخلول التي لا ماء فيها و الأثمان و نحو هذا كله له مثل فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما رده و ان كان تالفا فعليه مثله لقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و لان مثله يعرف مشاهدة و قيمته تعرف بالاجتهاد و ما يعلم يقدم على ما يجتهد فيه و لأنه إذا أخذ المثل أخذ وفق حقه و إذا أخذ القيمة ربما زاد أو نقص فكان المثل أولى فإذا ثبت انه يضمن بالمثل فان كان المثل موجودا طالبه به و استوفاه و ان أعوز المثل طالبه بقيمته انتهى فان ذكره في عدم أدلة حرمة الغصب دليل على انه فهم منه معنى قولنا على اليد أداء ما أخذت و هو وجوبه و الا فلا يستفاد من ضمان المأخوذ حرمة أخذه و يؤيّده انه استدلّ على ثبوت المثل بقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ (انتهى) و لم يستدل بالحديث المذكور و ان كان يمكن المناقشة في هذا التأييد بأن الاستدلال على ثبوت المثل بالآية انما هو في مقابلة ثبوت القيمة كما ينبئ عنه ما استدل به بعد الآية و أوضح من كلامه في الدلالة على ان المراد به وجوب ردّ المأخوذ ما دام موجودا عبارة العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) حيث قال و بالجملة كل متلف عينا بالمباشرة فإنه ضامن لها يجب عليه ردّ مثلها ان كانت من ذوات الأمثال و ان كانت من ذوات القيم وجب عليه القيمة لقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ

269

و كل من يثبت يده على مال الغير و لا حق له في إمساكه و كان المال باقيا وجب عليه ردّه على مالكه بلا خلاف لقول النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) على اليد ما أخذت حتّى تؤدى و لان حق المالك متعلّق بماليته و ماليته لا تتحقق الا بردّه اليه انتهى و ثانيهما ما يفيده كلام الفاضل النراقي (رحمه الله) في العوائد من ان المراد به وجوب حفظ المال الى ان يرده الى مالكه نظرا الى ان تقديره الحفظ هنا متعين فيلزمه دلالته على بيان الحكم التكليفي الّذي هو الوجوب لكن متعلقا بالحفظ دون الرّد و ذلك لقيام القرينة في متنه على ذلك فانّ التقييد بالغاية أعني قوله (عليه السلام) حتى تؤدى إنما يلائم كون الحكم هو وجوب الحفظ الى حين الأداء و لا يلائم كون الحكم هو ثبوت الضمان الى حين الأداء و لا وجوب الأداء الى حين الأداء و ذلك لان عائد الموصول محذوف و هو مفعول أخذت و كذا مفعول تؤدّى فالتقدير انّه على اليد ما أخذته حتّى تؤديه أي خصوص ذلك الشيء الّذي أخذته فعلى تقدير الضمان يصير المعنى على اليد ضمان ذلك الشيء حتى تؤديه و هذا لا يتم في صورة التلف لأن أداء المتلف محال و المثل و القيمة ليسا عين ذلك الشيء فيتعين تقدير الحفظ بهذه النكتة فيصير محصله إيجاب حفظ المال الذي أخذه إلى حين الأداء فلا يدلّ على الضّمان و لا بأس بأن نذكر كلامه (رحمه الله) بعينه فنقول قال و إذا عرفت ذلك نقول الاستدلال بالحديث على ضمان المثل أو القيمة بعد التلف انما هو على فرض تقدير الضمان الشامل لردّ العين مع البقاء و المثل أو القيمة مع التلف و لا دليل لهم على تعيينه أصلا فإن قيل استدلال الفقهاء و احتجاجهم على الضمان خلفا بعد سلف و فهمهم ذلك دليل على انه كان لهم قرينة على تقديره و ان خفيت علينا قلنا مع انه لم يعلم ذلك من جميع الفقهاء و لا أكثرهم و ان علم من كثير منهم و ليس ذلك من الأحكام الشرعية التي يحكم فيها بالاتفاق بضميمة الحدس و الوجدان و لا يصلح عمل جماعة دليلا لشيء و لا يدل على انّه لقرينة تقدير الضمان بل لعله لاجتهادهم تقدير جميع المحتملات عند عدم تعيين المقدّر أو لمظنة شيوع تقديره أو لدليل اجتهادي أخر فإن قيل المتبادر من هذا التركيب إثبات الضمان قلنا ممنوع جدا و لو راجعت إلى أمثال هذه التراكيب التي ليس الذهن فيها مسبوقا بالشّبهة يعلم عدم التبادر مع انه على فرض التّسليم لا يفيد لأصالة تأخر حدوث التبادر حيث ان ذلك ليس من مقتضى الوضع اللغوي لهذا التركيب فان قيل ليس هنا شيء أخر يصلح ان يكون غايته الأداء إلا الضمان لعدم إمكان غيره عند التلف فيجب تقدير الضمان الّذي يمكن ثبوته في صورتي بقاء العين و تلفها فمع البقاء يؤدّى العين و مع التلف المثل أو القيمة قلنا أداء المثل أو القيمة ليس أداء ما أخذت بل أداء شيء أخر فلا يكون حتى تؤدّى غاية للضمان في صورة التلف أيضا فإن مقتضى تقدير المفعول ان يكون مفعول تؤدّى أو نائب فاعله على تقدير كونه بصيغة المجهول ما يرجع الى الموصول اى ما أخذت و معنى أداء ما أخذت أداء عينه دون المثل أو القيمة بل إطلاق الأداء على الغير غير صحيح فلا يتحقق أداؤه في صورة التلف أصلا و على هذا تكون الرّواية لبيان حكم صورة البقاء و لا يعلم منه حكم صورة التلف و لا يلزم ان يستفاد من كلّ حديث حكم جميع صور الواقعة و لما لم يكن لتقدير الرّد أو الأداء معنى سليس إذ ليس قولك يجب أداء ما أخذ أورده حتى تؤدّى بسليس فالأظهر تقدير الحفظ من الضياع و التلف أو نحوه و على فرض عدم تعين تقدير ما أخذت للمفعول فلا شك في إجماله و معه فالحكم بتقدير الضمان غير موجّه قطعا فلا دلالة في الرّواية على ثبوت ضمان المثل أو القيمة بل في دلالته على وجوب أداء العين مع البقاء نظر لان الاستدلال له بها امّا لأجل تقدير الأداء أو الرّد و هو غير معلوم لجواز تقدير الحفظ و نحوه فيكون معنى الحديث يجب على ذي اليد حفظ ما أخذت إلى زمان أدائه أو لأجل قوله حتّى تؤدّى و لا دلالة له أيضا لأن وجوب الحفظ مثلا الى زمان الأداء لا يدل على وجوب الأداء كما إذا قال (الشارع) عليك بقصر الصّلوة في السفر حتّى تدخل الوطن فإنه لا يدل على وجوب دخول الوطن أصلا و منه يظهر عدم تماميّة الاحتجاج بها

على وجوب ردّ العين ايضا و ان كان ذلك ثابتا بأدلة أخرى انتهى فقد استظهر تقدير الحفظ و قد عرفت ان لازمه بيان الحكم التكليفي لكن لا على الوجه الّذي أفاده الشيخ و العلامة (قدس سرّهما) و امّا قوله بعد ذلك و هو غير معلوم لجواز تقدير الحفظ و نحوه فإنّما هو في مقام المسامحة مع الخصم بإبداء الاحتمال على خلاف ما يحكم بتعينه و قد وقع منه في طي كلامه ما هو رد على كلام الشّيخ و العلامة على زعمه هذا و من تأمل فيما ذكرنا من عبارته و أسرنا إليه في ذيلها علم ان ما نسبه اليه بعض من تأخر عنه نشا من عدم الوصول الى مقصوده و ذلك انه قال زعم بعضهم ان الخبر لا يدل الا على ضمان العين مع بقائها و امّا على ضمان المثل أو القيمة عند التلف فلا نظرا الى ان ظاهر كلمة ما أخذت انما هو الشيء المأخوذ بنفسه و مفعول تؤدى محذوف راجع الى ما أخذت فيكون مضمون الرّواية ضمان العين حتّى تؤدّى الى صاحبها و لا دلالة فيها على شيء من المثل أو القيمة لو تلفت بل لا دلالة فيها على صورة التلف بشيء من الدلالات مضافا الى ان دفع المثل أو القيمة ليس أداء لما أخذت فكيف يدخل تحت الرّواية ثم قال و هذا الكلام مختل النّظام و ان صدر عن المعاصر النراقي (رحمه الله) لانه بعيد عن مذاق الفقه و العرف لأنا إذا بيننا في فهم الخبر على ملاحظة صرف العرف من دون التفات الى قوانين الشّرع و قرائن كلام (الشارع) لدل على ذلك فضلا عن ملاحظة القرينة نظر الى ان المراد بالضمان عند الناس و عند أهل العرف ليس الا هذا المعنى إذ ليس للضمان معنى جديد في الشرع فإن أهل العرف مع قطع النظر عن الشرع إذا أرادوا تضمين مال بشخص لا يريدون الا انه يردّ عينه مع وجوده و يدفع بدله و هو ما يقوم مقامه مع تلفه أو تعذر ردّه و نحو ذلك و هذا شيء واضح لا سترة فيه هذا كلامه و لكنه قد أخطأ في فهم كلام من حكى عنه و بعد ذلك نقول ان ما ذكره الفاضل النراقي (رحمه الله) بعد ما عرفت من تفسير؟؟؟ غير صحيح فانا نسلم ان الضمير المنصوب بقوله (عليه السلام) حتى تؤدّى المحذوف من اللفظ يعود الى الموصول اعنى ما أخذت و مع ذلك نقول ان الحديث يدل على أداء بدل المال بعد تلفه و ذلك لان الضمان عبارة عن كون الشيء على عهدة شخص بمعنى انه يلزمه الخروج عن عهدته لو تلف و ان شئت قلت يلزمه الخروج عن عهدة تلفه و هذا المعنى الكلي الذي هو كون الشيء بحيث يلزمه الخروج عن عهدة تلفه يحصل للعين المأخوذة بمجرّد الأخذ و يستمر الى ان يتحقق الغاية الّتي هي أداء نفس العين و لا يتفاوت الحال بين بقائها و تلفها لأنها إذا تلفت تحت

270

يده صدق عدم تحقق أداء نفس العين الى صاحبها (حينئذ) فيكون عليه ضمانها المحكوم به مستمرا الى حصول الغاية و لا يتوهم انه يلزم استعمال اللّفظ في معنيين نظرا إلى حالتي البقاء و التلف لأن غاية ما هناك انه تتحقق لمفهوم التلف مصداق في الخارج على الثّاني دون الأوّل و ذلك لا يوجب اختلافا فيما استعمل فيه اللّفظ حتى يحتمل انه استعمال غير جائز فيلزم العدول الى غيره فقد تبين ان عدم حصول الغاية التي هي أداء العين المأخوذة لا يتفاوت الحال فيه عند عدم تحقق تسليمه الى مالكه بين حال البقاء و حال التلف فيجيء الحكم بالضمان من حال الاستيلاء على مال الغير الى زمان أدائه فإذا تلف و لم تتحقق الغاية تنجز ما كان معلقا و لا وجه لتعميم الأداء بالنّسبة إلى العين و بدلها و أجاب بعض من تأخر بوجه أخر و هو ان دلالة الحديث على ضمان المثل أو القيمة في صورة التلف مبنية على دعوى ان المثل أو القيمة عين ذلك المتلف و ان أداء شيء منهما عند تلف الأصل أداؤه و ان أدائه عند التلف عبارة عن أداء شيء منهما و على هذا فيتم تقدير الضمان و أقول ان ما ذكره من أمر الدّعوى مجرّد دعوى فلا تقبل إلا ببينة و برهان و انى له ذلك ثانيها ما ذكره بعضهم و هو ان الحديث المذكور مسوق لبيان الحكم الوضعي لكن بالنّسبة إلى خصوص صورة التّلف و لا يدل على وجوب ردّ العين بنفسها الّذي هو حكم تكليفي و لا على ضمانها ما لم تتلف و محصله كون تلف العين تحت يده سببا لتعلق الغرامة به و ذلك لانه مسوق لبيان ترتب الغرامة و يصح التركيب بان يقدر لفظ العهدة مضافا الى الموصول فيصير المعنى على اليد عهدة ما أخذت بمعنى غرامته فيلزمه الخروج عن عهدته بأداء الغرامة و لا لتحقق مفهوم الغرامة إلا بالإتلاف و قوله (عليه السلام) حتى تؤدّى مرتبط (حينئذ) بما قبله و ان كان مفعوله الذي هو الضمير المنصوب محذوفا لأنه (حينئذ) يعود الى المضاف و التقدير على اليد غرامة ما أخذت حتّى تؤدبها أو بان يقدر الغرامة أو البدل أو نحوهما مفعولا لقوله (عليه السلام) حتى تؤدّى أو بان يجعل الضّمير المحذوف عائدا الى ما أخذت لكن بدعوى كون البدل عين ما أخذت و يقيّد بصورة التلف حتى يخرج صورة بقاء العين و الحاصل ان الحديث مسوق لبيان سببية اليد للضمان بعد تلف العين المأخوذة و افاده سببيّتها لتعلق الغرامة بالأخذ بعد تلفها و لا بأس بأن نذكر كلامه بعينه فنقول انه بعد ان فسر الضمان بأنه يلزم رد عينه مع وجوده و دفع بدله مع تعذر ردّه قال بل نقول لا يراد من الضمان الا دفع المثل و القيمة عند التعذّر و هو المعبر عنه بتحمل الغرامة إذ لا يكاد يعقل لضمان العين معنى محصل فان دفع عين المال الى مالكه لا بعد ضمانا و لا غرامة إذا عرفت هذا فنقول ان الخبر دل على ان ضمان ما أخذته اليد ثابت عليه و لو كان معناه ان عينه يجب دفعه الى المالك لم يكن لذلك محصل و ينافيه ظاهر العبارة إذ وجوب الدفع الى المالك لا يعبر عنه بهذه العبارة بل ينبغي ان (يقال) يجب دفع أموال الناس الى ملاكها و اين هذا من قوله على اليد ما أخذت فإنّه (ظاهر) بل صريح في إرادة الغرامة و ليس المعنى الا لزوم دفع ما قام مقامه إذا لم يمكن و هذا المعنى مما لا يشك فيه مشكك بعد ملاحظة فهم العرف حتى من لم يتشرع بشرعنا ايضا و لو لوحظ ما هو المعهود من الشرع أيضا في التغريم للغصاب و غير ذلك من أبواب الفقه فقد يحصل القطع بان المراد من الغرامة الثابتة على اليد في هذه الرّواية عبارة عن دفع المثل و القيمة عند التعذر فكيف يعقل إنكار عدم استفادة هذا المدعى من الخبر كيف و لو بنينا في فهم الأدلة على ما هو المذكور فيه صريحا لم يتم لنا من الفقه الا عشر معشار ما هو بأيدينا و هو أجنبي عن طريقة السّلف و الخلف مقطرع بفساده و بالجملة نحن ندعي ان ظاهر هذا الخبر الضمان و الغرامة بلا شبهة و معناه عرفا دفع ما يخرج به عن عهدة المال و ينتفي به الضرر و هو اما بدفع عين المال أو ما هو أقرب إليه لو تعذر و لا ريب ان في المثلي لا يحصل الخروج عن العهدة إلا بدفع المثل عرفا لأنه الأقرب الى الأصل ذاتا و ارسافا؟؟؟ [أوصافا] و قيمة و في القيمي لا بد من

دفع القيمة دفعا لضرر المالية مع تعذر العين و ما وافقه في الصّفات انتهى و أنت خبير بان كون الحديث مسوقا لبيان ترتب الغرامة على اليد مجرد دعوى بل هو خلاف ظاهر اللّفظ كما لا يخفى على من تأمّل في الرّواية و في ما ذكرناه في معناها و ان ما ذكره من التقدير و إرجاع الضّمير المنصوب بقوله حتى تؤدّى الى المضاف المحذوف تكلف ركيك لا يكاد يستفاد المقصود منه من الكلام أصلا و كذا دعوى كون البذل عين المبدل منه خصوصا مع الالتزام بالتقييد الذي لم يقم عليه قرينة توجب انفهام هذا المعنى من الكلام ثالثها ما حكاه بعض من تأخر عن بعضهم و هو انه مسوق لإفادة المعنيين جميعا اعنى وجوب رد المأخوذ و كونه؟؟؟ على عهدة الأخذ بمعنى ضمانه له و فيه انه لا (يخلو) امّا ان يستفيد وجوب الرّد من قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت أو من قوله حتّى تؤدى و لا يتم المدعى على شيء منهما امّا الأوّل فلان لازم افادته للحكم التكليفي انما هو تقدير الرد و لازم الحكم الوضعي تقدير الضمان بمعنى كون المأخوذ على عهدة الأخذ و انه لو تلف كان عليه بدله فافادته للحكمين تتوقف على تقديريهما معا و ذلك مما لا يفي الكلام بإفادته فهو أشبه شيء باستعمال الخطاب في انشائين بل هو من قبيله و امّا الثاني فلان غاية ما هناك انّ ثبوت الضّمان معنى بالأداء و ان معنى اللفظ هو ان لزوم الخروج عن عهدته لو تلف ثابت الى حين الأداء و هذا يلائم عدم وجوب الأداء قبل التلف كما يلائم وجوبه فهو أعم منهما و لا دلالة للعام على تعيين الخاص نعم وجوب الأداء فيما لم يكن المالك راضيا يثبت من دليل خارج هذا و قد عرفت ان الوجه هو انسياق الحديث لبيان الحكم الوضعي من حال استيلاء اليد عليه معنى بأداء العين فهو ثابت في حال بقائها تحت يد الأخذ و في حال تلفها و انه مغاير للطرق الثلاثة المذكورة ثمّ انه ينبغي تحقيق القول في عموم دلالته بحسب الأخذ و الآخذ و المأخوذ امّا الأوّل فقد (يقال) ان دلالته مختصة بالأخذ على وجه القهر و الغلبة و لعله مبنى على دعوى ظهور الأخذ فيه على حدّ ظهور المطلق في أظهر افراده و لكنّك خبير بأن الأخذ بالنّسبة إلى الأصناف التي تحته من الأخذ على وجه القهر و الغلبة و الأخذ على وجه السرفة بل الأخذ على وجه العارية و الوديعة و غيرهما من قبيل المتواطى دون المشكك و لو سلم تحقق التشكيك فإنما هو من قبيل التشكيك البدوي غاية ما في الباب انه خرج ما خرج مثل يد المؤتمنة و بقي الباقي و امّا الثاني فتوضيحه انه لا بدّ في صدق مؤدّى الحديث من كون الأخذ على وجه يعد فاعله مختارا في الأخذ كما هو الشأن في كل فعل اختياري أسند إلى فاعله فإنه لا يصحّ الإسناد إلا عند صدوره

271

عن اختيار و على هذا فلو أمسك على شيء من المنقولات و استولى عليه و هو نائم لم يدخل تحت عنوان الحديث و لم يتم الاستدلال به على الحكم بالضمان فيه و كذا الحال في الطفل الّذي لا يعد الأخذ في حقه فعلا اختياريّا لعدم شعوره و اما الصّبيّ المميّز المستشعر فيصدق في حقّه الأخذ على وجه الاختيار وفاقا (للمصنف) (رحمه الله) حيث قال و من هنا كان المتجه صحّة الاستدلال به على ضمان الصّغير بل المجنون إذا لم تكن يدهما ضعيفة لعدم التميز و الشعور خلافا لبعض من تأخر حيث ذكر ان الحديث يعم باعتبار الأخذ من كان ذا شعور و غيره كالصّبي و المجنون و النائم و لعله أراد غير اليد الضّعيفة و يشكل تصوير الضعف في النائم و قد صرّح به بخصوصه في عداد من يعمّه فالحاصل انه يعتبر كون الفاعل مختارا في فعله و لا يعتبر أزيد من ذلك فيعم الحديث ما لو كان صاحب اليد عالما بالحكم الذي هو الحرمة أو جاهلا كما يعم ما لو كان عالما بالموضوع ككونه مال الغير و كونه (مطلقا) مغصوبا أو مقبوضا ببيع فاسد و ما لو كان جاهلا به كمن زعم انه ماله أو انه وكيل عليه و نحو ذلك ثمّ انه لا فرق بين كون اليد اصلية و بين كونها تابعة كيد وكيل الغاصب مع عدم علم الوكيل بالغصب و أمين الحاكم في المال مع كونه في الواقع مغصوبا و انما فرضنا الكلام على هذا الوجه لتصحّ الوكالة و لو في (الظاهر) و لو بالنّسبة إلى الوكيل و كذا الحال في الوكيل في قبض المبيع بالبيع الفاسد و ذلك لانّه يعتبر في صحّة الوكالة كون متعلّقها مباحا و لذا قال في (المسالك) في ذيل قول المحقق (قدس سرّه) و لو وكله في بيع فاسد لم يملك الصّحيح كما لو قال اشتر لي كذا إلى إدراك الغلات أو مقدم الحاج أو بعد كذا أو ما شاكله و لا فرق في ذلك بين ان يكونا عالمين بالفساد أو جاهلين أو بالتفريق و انما لم يملك الصّحيح لعدم التوكيل فيه فيقع فضوليا و رد بذلك على ابى حنيفة حيث زعم انه يقتضيه و كما لا يملك الصّحيح لا يملك الفاسد لان اللّه (تعالى) لم يأذن فيه و الموكل لم يملكه فالوكيل اولى فلو اشترى به و سلم الثمن أو باع (كذلك) و سلمه المبيع ضمن انتهى ففي الصورة المذكورة يكون الوكيل هو الذي يدخل في عنوان الحديث دون الموكل فان قلت قد تقرر عندهم ان يد الوكيل يد الموكّل و كذا يد الأمين يد الحاكم و على هذا فلا يعد يد أحد منهما في العرف يدا قلت قد أجيب عن السّؤال بان ذلك غير مانع عن صدق الاستيلاء و التّسلّط عرفا فان الوكيل مسلّط على المال و كون يده يد الموكل معناه إجراء أحكام يد الموكل عليه في التصرّفات لا انه ليس يدا فلا يتوهم ان المالك لا رجوع له على الوكيل بل على الموكل لانه صاحب اليد فلا فرق في اليد المترتبة على يد سابقة ان تكون تابعة لها أو مستقلة كالمشتري و المستعير و نحو ذلك و هو حسن لان قولهم يد الوكيل يد الموكل قد برز في ذي الحكومة و معناه كما اعترف به المجيب هو ان أحكام يد الموكل تجري على يد الوكيل و (حينئذ) نقول ان قبض الوكيل لما من شأنه أن يقبضه الموكل كقبض الموكّل بمعنى انه لو قبضه بنفسه كان قبضه مبرء لذمّة المقبوض منه فقد اجرى هنا بهذا الاعتبار على يد الوكيل حكم يد الموكل و فيما نحن فيه لو أريد إثبات الضمان على الموكل بقبض الوكيل كان الأمر بالعكس لانه يلزم اجراء حكم الضمان الثابت للوكيل على الموكل و هذا ليس معنى قولهم يد الوكيل يد الموكّل فافهم هذا و ليعلم انّ ما ذكرناه انّما هو بحسب دلالة لفظ الحديث بخصوصه و ان فرض ثبوت ما زاد على مؤدّاه من الحكم بالضمان فيما خرج عن مؤداه من دليل أخر و ان المقصود به ثبوت حكم الضمان بسبب استيلاء اليد على المال و ان لم يكن المستولي متلفا فلو فرض وقوع التلف كان ذلك بآفة سماوية مثلا في حال كونه تحت يده ثمّ انه لا فرق بين ما لو كانت اليد واحدة بأن انفردت بالأخذ و بين ما لو كانت متعددة بان شاركها غيرها فيه أو ترتبت احدى اليدين على الأخرى و ذلك مسئلة تعاقب الأيدي على المغصوب و ان كان في كيفية التضمين اشكال ليس هنا محل ذكره و امّا الثالث فبيانه ان ما يحتمل ان يتعلق به الأخذ امّا ان

يكون من قبيل الأعيان أو من قبيل المنافع أو من قبيل الحقوق أو من قبيل ما لا يجرى عليه التّسلّط بالتّملك أو الاستحقاق كالحر و كالخمر و الخنزير بالنّسبة إلى المسلم فالأول على قسمين ما هو من قبيل المنقولات و ما هو من قبيل غيرها كالعقار امّا الأوّل فلا إشكال في صدق أخذ اليد على الاستيلاء عليه بالقبض و نحوه فلو ركب دابة الغير تحقق الاستيلاء و صدق مؤدّى قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت و ان كانت الدابة واقفه لم يحركها من مكانها و امّا الثاني فإن إثبات اليد عليه حقيقة حتى يحصل الاستيلاء الموجب للضمان و ان كان غير ممكن لانه لا يحصل تحت اليد لكن التصرف فيه بالدخول و نحوه ممكن و (حينئذ) نقول انه على قسمين أحدهما ما هو موجب لصدق الاستيلاء عليه كدخول الظّالم دار غيره للتصرّف و التّسلط أو السّكنى فيها مثلا و هذا القسم لا إشكال في صدق مؤدّى قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت عليه لتحقق الاستيلاء و السّلطنة فيحكم عليه بالضمان و ثانيهما ما هو غير موجب لصدق الاستيلاء و التسلّط عليه كما لو دخل دار الغير أو بستانه لغرض غير التصرّف و التسلّط كالتفرج و التنزه فهذا غير موجب لصدق الاستيلاء و لا لصدق مؤدّى قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى لو فرض ان الدّخول بغير اذن المالك و قد صرّح به العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) حيث قال و لو دخل دار غيره أو بستانه لم يضمن بنفس الدّخول من غير استيلاء سواء دخلها بإذنه أو بغير اذنه و سواء كان صاحبها فيها أم لم يكن انتهى و لا فرق في هذا القسم اعنى الأعيان بين ما لو كان معينا و ما لو كان مشاعا لإطلاق اللفظ الشامل للقسمين فمن سكن دار غيره مع مالكها قهرا يعدّ زائدا على النصف و لهذا قال العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) و لو لم يزعج المالك و لكنّه دخل و استولى مع المالك كان غاصبا لنصف الدّار لاجتماع يدهما و استيلائهما عليه نعم لو كان الداخل ضعيفا و المالك قويا لا يعد مثله مستوليا عليه لم يكن غاصبا لشيء من الدّار انتهى و كذا الشريك فإنه ذو يد على نصف الشريك الأخر لو تصرّف فيه و دعوى ان الاستيلاء لا يتحقق الا على الشيء المعيّن ممنوعة لأنّه أمر عرفي فيتحقق في المشاع كما يتحقق في المعيّن و لا يتوهم ان قوله (عليه السلام) حتّى تؤدى ينافي ما ذكرناه نظرا الى ان أداء المشاع غير ممكن لان ذلك ممنوع ضرورة جواز الأداء الى صاحبه و التخلية بينه و بينه و ناهيك تصريحهم بان بيع المشاع صحيح و ان قبضه جائز كالمقسوم هذا و امّا تعميم هذا القسم بالنّسبة إلى الكلي أيضا كما صدر عن بعض الأواخر فلا يخفى ما فيه ضرورة ان الكلى لا يدخل تحت اليد الا ان يتشخص في ضمن فرد و معه يخرج عن عنوان الكلى و هل يعتبر كون العين مما له مالية و قيمة أم يكفي

272

مجرّد الملك الوجه هو الثاني لإطلاق لفظ ما أخذت الشامل لغير المتمول ايضا مع كونه مضافا الى المالك الموجب لصدق الأداء و لا ينافيه لزوم دفع القيمة في صورة التلف إذ هو على تقدير تعذر المثل مع كون التالف مما له قيمة فلا مانع من دخول غير المتمول و دعوى كون المتبادر ما كان له قيمة ممنوعة لإطلاق اللّفظ الا ان (يقال) انه لا يتم تقدير الضمان الذي هو عبارة عن الخروج عن العهدة لو تلفت العين إلا في صورة كون العين مما له قيمة ان كانت من قبيل القيميات أو مثلا ان كانت من قبيل المثليات و لا بد من شمول الحديث للقبيلتين ثم لا فرق كون المال المأخوذ باقيا أو مستحيلا أو ممزوجا أو مغيرا أو تالفا كلا أو بعضا أو وصفا مفوتا و لا بين كون كل ذلك معيوبا بفعل اللّه أو بفعل ذي اليد أو بفعل أجنبي فإنه يتعلّق الضمان بصاحب اليد في الصّور كلّها و ان كان له ايضا رجوع على المتلف أو الغار أو نحو ذلك فان ذلك كلام أخر و المقصود دلالة الحديث على الضمان باليد و كيفيته و لا فرق في الأعيان بعد دخولها تحت اليد بين ان تكون مقصودة بالذات في الاستيلاء عليها و بين ان يتحقق الاستيلاء عليها بالتبع و لهذا قال في الرّياض و يضمن حمل الدّابة لو غصبها و كذا غصب الأمة الحامل غصب لحملها بلا خلاف أجده ظاهرا لانّه مغصوب كالأم و الاستقلال باليد حاصل بالتبعية لها و ليس (كذلك) حمل المبيع فاسدا حيث لا يدخل في البيع لانه ليس مبيعا فيكون امانة في يد المشتري لأصالة عدم الضمان و لان تسلمه بإذن البائع مع احتمال الضمان لعموم على اليد ما أخذت حتى تؤدى مع الشّك في صدق الامانة عليه و به قطع المائن في (الشرائع) انتهى و الثاني أعني المنافع على قسمين أحدهما المنافع التي لم يستوفها من اثبت اليد على العين كما لو استولى على دابة غيره فغصبها منه غاصب قبل استيفاء الأوّل شيئا من منافعها فان المنافع بالنّسبة إلى الأوّل غير مستوفاة فلا تدخل تحت عنوان قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت و ان قلنا بضمان الثاني لها لمباشرته للاستيفاء بدليل أخر و كذا الحال لو بقيت تحت يده و لا يستعملها و لا ينتفع بها فإنه لا يصدق على المنافع (حينئذ) انّها مأخوذة لعدم استيفائه لها و عدم تعلق فعل منه بها و ان قلنا بأنه ضامن لها (حينئذ) لعنوان أخر من أسباب الضمان و هو سببيته لتلفها على المالك و من هنا قال العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) مانع الأموال من العبيد و الثياب و العقار و غيرها مضمونة بالتفويت و الفوات تحت اليد العادية فلو عصب عبدا أو جارية أو ثوبا أو عقارا أو حيوانا مملوكا ضمن منافعه سواء أتلفها أو فاتت تحت يده بان بقيت في يده و لا يستعملها عند علمائنا اجمع انتهى و ثانيهما المنافع المستوفاة كما لو استعمل العين المغصوبة و انتفع بها على مرور الزّمان بان ركب الدابة أو استخدم العبد أو الجارية مثلا و هذا القسم و ان كان قد انتفع به المستولي على العين و بينه و بين القسم سابق فرق من هذه الجهة الا ان أخذ اليد للمنفعة بمعنى استيلاء من اثبت يده على المنفعة غير صادق وفاقا لبعض من تأخر لأن الاستيلاء انما يتحقق بالنّسبة إلى الشيء الموجود و المنفعة غير موجودة لا يجتمع طرفاها في زمان واحد و انما تندرج في الوجود فلا يتحقق الاستيلاء عليها من المستولي على العين حتّى في صورة استيفائها و ان تحقق لها سبب أخر للضمان و هو الإتلاف على المالك و عبارة العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) التي تقدم حكايتها تدل على هذا ايضا خلافا لصاحب (الجواهر) (رحمه الله) حيث تمسّك به في المنافع المستوفاة قال في كتاب العارية و لو استعار مستعير من الغاصب و هو لا يعلم بغصبه كان قرار الضمان للمنفعة الفانية على الغاصب لغروره و ان كان للمالك أيضا إلزام المستعير بما استوفاه من المنفعة أو فاتت في يده لعموم من أتلف و على اليد كما هو (المشهور) بين الأصحاب هنا و في الغصب عند ذكر حكم الأيادي المترتبة على يد الغاصب انتهى و الثالث اعنى الحقوق يظهر حاله مما بيناه في سابقه فالوجه عدم دخوله في عنوان الحديث لانه ليس ممّا يصدق عليه انه مأخوذ باليد و انه يؤدّى و محصله انه لا ينساق منه كون الحق إذا غصبه غاصب لا بد من أدائه الى صاحبه و ذهب بعض الأواخر بعد اختيار دخول المنفعة إلى انه كما يكون المأخوذ

منفعة يكون حقا من الحقوق التي من شأنها العوض و التأدّية بقرينة ذيل الرّواية كحق التحجير و حق السبق الى المشتركات من مثل السّوق و المسجد و الخان و غير ذلك من الحقوق فإنّه أيضا يدخل تحت اليد لانّه يتحقق عليه الاستيلاء عرفا نعم هما إشكال يأتي في دخول المنافع و الحقوق تحت الرّواية و هو ان قوله (عليه السلام) ما أخذت (الظاهر) منه بعد ذكر الأخذ كونه عينا خارجيّا أو كليا مشاعا و امّا مثل المنفعة و الحق فلا (يقال) فيهما أخذت و هذا يدل على عدم إرادتهما من الرواية مضافا الى ان (الظاهر) من قوله (عليه السلام) حتى تؤدّى كون المال المأخوذ قابلا للأداء الى صاحبه و لا ريب ان المنفعة بنفسها غير قابلة للأداء إلى صاحبها و كذا الحق فلا وجه لإدخالهما تحت الخبر و رجه الدفع ان المراد بالأخذ ليس هو القبض كما بيّناه و الاستيلاء يحصل فيهما عرفا و التأدية لا ينافي دخولهما لان تأدية كلّ شيء بحسبه و (يقال) في العرف لدفع المثل أو القيمة انه تأدية للمال الى صاحبه انتهى و لا يخفى ما فيه من التكلف المستغنى عنه باقتضاء الظواهر التي لا داعي للعدول عنها و لكن وافقه بعض من اختار عدم دخول المنافع تحت عنوان الحديث ممّن نأخر و يتجه عليه مضافا الى ما ذكر مما أوردناه على من سبقه؟؟؟ انه ينافي اختياره عدم دخول المنافع تحت عنوان الحديث ضرورة ان الحق أدنى مرتبة من المنفعة و لا أقل من التساوي و الاشتراك في عدم كونهما عينا المانع من صدق الأخذ و الأداء و هو و ان أجاب عن هذا الوجه بعد إيراده عليه بأنّ المقصود هو دخول العين الّتي تعلق بها الحق في مثل حق التحجير و حق السبق الى المشتركات فالمراد ان العين الّتي تعلق بها الحق كالعين التي تعلق بها الملك الا انه غير مفيد لانه خروج عن محل البحث الذي هو تحقيق حال الحق من حيث هو و تنقيح انه داخل في عنوان الحديث و تكرار لما تقدم تحقيقه و هو دخول الأعيان و معلوم ان مثل ذلك أمر مرغوب عنه و الرابع حكمه على ما ذكره بعض الأواخر هو عدم الدّخول استنادا الى ان المراد بما الموصولة أي الشيء المأخوذ و هو ما كان مملوكا نظرا الى ان (الظاهر) من الخبر هو الضمان كما بيّناه و لا ضمان في غير المملوك بمجرد اليد و لأن غاية الضمان هو الأداء و الأداء هو الدّفع الى من يجب الدّفع اليه كالمالك و نحوه و الشيء الغير المملوك لا تأدية فيه لعدم وجود المؤدّى اليه فخروجه عن الرّواية واضح ثمّ قال و لا فرق في غير المملوك بين ان يكون غير قابل للتملّك من أصله كالحر المسلم و خنزيره و غير ذلك فان ذلك لا يضمن باليد أو كان قابلا و لكن لم يجر عليه ملك أحد كالمباحات فإنه لا ضمان في أخذه ثم قال

273

و علل جماعة من الأصحاب في الحر بأنه لا يدخل تحت اليد فان كان مرادهم من ذلك انه لا يدخل تحت اليد شرعا فهو (كذلك) لكن المراد في الخبر بمقتضى القواعد هو الاستيلاء العرفي و لا مدخل للشرع في ذلك مضافا الى انه لو أريد اليد الشّرعي لزم عدم ضمان الغاصب لانه لا يدله شرعا على المال و لزم ضمان من له يد على المال شرعا كالأولياء و هذا عكس المدعى و بالجملة لا شبهة في ان المراد باليد العرفي و ان كان مرادهم انّه لا يدخل تحت اليد عرفا فهو ممنوع إذ الحريّة و الرقية أمران اعتباريان لا مدخل لهما في الصّدق العرفي فإن كل من تسلّط على الإنسان بحيث يتصرّف فيه كيف يشاء (يقال) انه مسئول عليه و هو في يده سواء كان حرا أو عبدا و لو أريد ان الإنسان من جهة استقلاله في الأمور و الإرادات و التصرفات لا يدخل تحت اليد فالعبد (كذلك) و بالجملة لا فرق في اليد العرفي بين المملوك و الحر فالأنسب ان (يقال) في عدم ضمانه انه غير داخل تحت دليل الضمان من جهة ان المتبادر منه المملوك سيّما بقرينة قوله (عليه السلام) حتّى تؤدّى و نحو ذلك فلا يشمل ما لا يقبل الملك كالحر و الخمر للمسلم و امّا الخمر للكافر المسالم فهي محترمة مملوكة له على المختار فهي داخلة تحت عموم الخبر و تقييد بعضهم له بالمستتر امّا لان الإجهار يخرجها عن ملكه فيكون كالمسلم و امّا لانّه يسقط احترامها و ان كانت ملكا فلا ضمان كمال الحربي و هذا هو الأقوى و بالجملة عدم الضمان فيها و في مال الحربي انما هو لدليل من خارج و الا فهي داخلة في عموم خبر على اليد لأنّها ملك حتى في الحربي انتهى و لا يخفى ما فيه لان المناط هنا في الدّخول و عدمه انما هو صدق المفهوم من الحديث عرفا و معلوم ان مفهومه ليس الا ان ما استولى عليه الرّجل فعليه ضمانه بمعنى انه لو تلف كان عليه الخروج عن عهدته الى حين الأداء و قد اعترف هو بان المراد باليد انما هو اليد العرفية و من البين ان كل عين لها تعلق بشخص بواسطة تملكه له أو ثبوت حق له فيه كالأوقاف و نحوها و قد استولى عليها غيره يجرى فيها الأخذ و الأداء فيجري فيها الحديث و امّا اعتبار كون المأخوذ مملوكا شرعا فلا دخل له في صدقهما و هو ممّا لا يخفى على من له ادنى خبرة بأوضاع الألفاظ العربية و مواقعها و ليت شعري من اين ادعى تبادر كون المأخوذ مملوكا و ليس في الأخذ و الأداء إشعار بذلك و (حينئذ) نقول ان خمر المسلم و خنزيره من جملة مصاديق الحديث لثبوت الإضافة العرفيّة إلى المسلم الموجبة لصدق الأداء اليه المجعول غاية في الكلام و تحقق الاستيلاء المقتضى لصدق أخذ اليد و (كذلك) الحال في الأوقاف العامة و الخاصة لثبوت الإضافة إلى الموقوف عليهم المستلزم لتحقق الأخذ و الأداء إذا استولى عليها غيرهم نعم يخرج الحر بواسطة عدم قابليته للأداء من جهة عدم تحقق من يؤدّي اليه و لو عرفا لانه لا يضاف الى أحد بالمملوكية و الاستحقاق و لو عرفا و لو لا التقييد بالغاية لقلنا بان من استولى على الحر و اثبت يده عليه ضمنه لو تلف تحت يده لصدق قوله على اليد ما أخذت بالمعنى الّذي بيناه و هو كون ضمانه عليه و الخروج عن عهدته لو تلف و لكن هذا بالنّسبة إلى عينه و امّا منافعه فهي خارجة من جهة عدم قابليتها لإثبات اليد عليها كما قلنا في منافع الأموال و الأعيان المملوكة بل هنا اولى و من هنا يعلم دخول مال الحربي لولا الدليل على كونه غير محترم هذا و قد بقي الكلام في معنى قوله (عليه السلام) حتى تؤدّى و تحقيقه ان الغاصب إذا استولت يده على مال المالك ضمن و لا يرتفع ضمانه بمجرّد اذن المالك له في إبقائه تحت يده نعم لو اذن له في ذلك ارتفع الإثم و العدوان و لا ملازمة بينه و بين ارتفاع الحكم الوضعي أعني الضمان فهو باق لا يرتفع إلا بتسليمه الى المالك و تأديته إليه كما هو مؤدّى الخبر المذكور نعم لو و كله المالك في التسلم من قبله فتسلم ما كان غاصبا له بعد اذن المالك و توكيله عنه أمكن ان (يقال) انه (حينئذ) يرتفع الضمان لان يد الوكيل يد الموكل فالغاصب لكونه وكيلا الان صار قبضه و تسلمه كتسلم المالك موجبا للبراءة و دفع الضمان و استشكال بعض الفقهاء الأواخر بأن ظاهر الحديث المذكور يقضى ببقاء الضمان

ما لم يحصل التسليم الى يد المالك خرج عنه التسليم الى يد الوكيل إذا كان غير الغاصب بالإجماع و امّا الغاصب الوكيل فخروجه غير معلوم و الأصل يقضي بالعدم مدفوع بأن أدلة الوكالة ان تمت كانت حاكمة على أدلة الضّمان و لا يبقى مجال للفرق بين الوكيل الغاصب و غيره و الا لم يكن وجه لخروج الوكيل الغير الغاصب إذ ليس هو بخصوصه مورد الإجماع حتى يمتاز عن الغاصب ثمّ لا يخفى ان (الظاهر) من التأدية إلى المالك هو ان يجعله مستوليا عليه و مستقلا في إثبات يده عليه فكما ان مجرّد وضع اليد على ثوب الغير ليس غصبا له (كذلك) مجرّد وضع المالك يده على ما غصب منه من غير استيلائه عليه كما لو وضع يده على ثوبه الّذي لبسه الغاصب فإنه ليس رافعا للضمان الحاصل بسبب الغصب ممن هو لابس له فمن غصب نقدا من أخر ثم دفعه الى المالك لينقده كالصراف فتلف بآفة سماويّة أو أخذه ثالث من يده لم تبرأ ذمّة الغاصب بل هي مشغولة بالمغصوب و الضمان باق على حاله بدلالة الحديث المذكور إذ ارتفاع الضمان فيه معلق على التأدية و من (الظاهر) انه لا يصدق التأديّة الى أحد إلا إذا استولى عليه الا ترى ان تسليم النقد الى الصّرّاف لينقده لا يسمى تأدية إليه مضافا الى الإجماع المستنبط من تتبع كلماتهم و الى الأصل مع الإغضاء عن دلالة الحديث و قيام الإجماع فتلخص من ذلك ان الذي يوجب رفع الضمان انما هو إيصال المغصوب الى المالك أو من في حكمه من وكيله أو وصيّه أو وليّه على نحو يكون مستوليا عليه و انه بدون الاستيلاء لا عبرة بالإيصال بل لا عبرة حقيقة إلا بالاستيلاء فلو حصل استيلاء للمالك على المغصوب ارتفع الضمان عن الغاصب سواء كان حصول ذلك الاستيلاء بإيصال الغاصب أو غيره فلو أخذه المالك من الغاصب قهرا أو بدون اطلاعه و استولى عليه ارتفع ضمان الغاصب و تبرأ ذمته و ان لم يصدر منه إيصال فالمناط في حصول البراءة و سقوط الضمان عنه انما هو وصول المال الى المالك على وجه يكون مستوليا عليه لكن يبقى الإشكال في ان هذا الحكم مطلق غير مقيّد بنوع من أنواع الوصول و الاستيلاء أو مقيّد ببعض الأنواع دون بعض فان هناك أنواعا متعدّده للإيصال و الوصول إذ قد يصل المال الى المالك بعنوان الامانة سواء لم تكن ضمانية كالوديعة أو كانت (كذلك) كالعارية المضمونة أو عارية الذهب و الفضة (مطلقا) و قد يصل اليه بعنوان التمليك الضمانى كالبيع منه أو الهبة المعوضة أو الإجارة أو نحو ذلك و قد يصل اليه بعنوان التمليك المجاني كالهبة الغير المعوضة و قد يصل اليه بعنوان انه ملكه يتصرف فيه تصرف الملاك فالذي اختاره الشّهيد الثاني (قدس سرّه) هو ان التسليم

274

التام الموجب لارتفاع الضّمان هو إيصاله اليه على الوجه الأخير و احتمل بعض الفقهاء الأواخر في هذا المقام وجوها أحدها ان يضاف اليه التمليك المجاني (أيضا) (فيقال) ان الرافع للضمان عبارة عمّا يعم الأمرين نظرا الى ان التّسليط المجاني (أيضا) يتضمّن التّسليط على التصرّف كتصرف؟؟؟ الملاك غايته ان المالك يحسب ان المال انتقل اليه بملك جديد و توهم انه لا يكفي لأنّه قد يتصرّف المالك في ملكه الجديد بما لا يتصرّف في ملكه القديم فيكون مغرورا إن أتلفه فاسد لان مثل ذلك لا يعد من الغرور و ثانيها ان يضاف إليهما التمليك الضمانى دون الامانة بقسميها و ثالثها ان يضاف الى هذه الثلاثة (حينئذ) الامانة الضمانية و رابعها ان يضاف الى الثلاثة المذكورة الامانة بقسميها الى غير ذلك من المحتملات ثمّ اختار ان التحقيق الّذي يدل عليه قوله (عليه السلام) حتى تؤدّى هو ان كلّ واحد من تلك الأقسام يكفي في رفع الضمان فيكفي إيصاله إلى يد المالك على اى نحو كان فلو غصب مال أحد ثمّ أودعه عنده فتلف بآفة لم يكن للمالك الرّجوع عليه بشيء لارتفاع الضّمان عنه بإيصاله اليه على نحو الاستيداع عنده لصدق التأدية بذلك و لا ينحصر سقوط الضمان فيما ذكره الشّهيد الثاني (قدس سرّه) من التّصريح بان هذا ملك لك بل قد تجر الحاجة و الدّواعي العادية الى كتمان الغصب فيوصل ماله اليه بعنوان انّه هدية أو زكاة أو خمس أو عارية أو وديعة أو هبة معوضة أو بيعه منه و هكذا و لا بأس في شيء من ذلك و يسقط الضمان على جميع تلك الوجوه أخذا بظاهر الحديث المذكور و يدلّ عليه حديث التّحاكم بالسّلسلة و رفعها في الشرائع السّابقة و لكن الأقوى ان المناط في التأدية الموجبة للبراءة انما هو ما كان على الوجه المتعارف المنصرف إليه الإطلاق و انه ليس دفعه اليه بعنوان الوديعة أو العارية أداء موجبا للبراءة كما انه ليس منه أداؤه اليه على وجه الدس في أمواله مع فرض عدم الدّاعي له الى ذلك و لا أقل من الشّك فيبقى استصحاب الضمان سليما مضافا الى انّ المجعول غاية للضمان هو الأداء و مع الشك فيه يشك في البراءة و الأصل بقاؤه ثمّ اعلم انه كما ان إيصال المغصوب الى المالك يوجب سقوط الضّمان عن الغاصب (كذلك) إتلاف المالك أباه بدون استيلاءه عليه كما لو غصب دابة فرماها مالكها من دون علمه بأنها ماله فقتلها فإنه (حينئذ) تبرأ ذمّة الغاصب و يسقط ضمانه و الوجه في ذلك مع ان ظاهر الحديث المذكور حصر البراءة في التأدية هو أولويّة؟؟؟

القطعيّة المعتبرة بشهادة التتبع في خصوص المقام فلا تذهل لكن لا يخفى ان ما نجعله من الإتلاف في حكم القبض و الاستيلاء الموجبين لسقوط الضمان انما هو الإتلاف الّذي لو تعلق بغير مال المتلف لكان ضامنا له كما لو غصبه المالك بزعم انه له و أتلفه و امّا لو لم يكن (كذلك) بان يكون إتلافا غير موجب للضمان كإتلاف الضّيف ما فأمه المضيف اليه من الطعام بالأكل فالتحقيق انّه لا يوجب سقوط الضمان فلو غصبه من المالك و أطعمه إياه بعنوان الضيافة (فحينئذ) و ان استولت يد المالك على ما اكله و أتلفه بالأكل لكنه لا يوجب سقوط ضمان الغاصب لتقريره للمالك بل قد يتأكد الضمان على ذلك و يتكرر سببه بمعنى ان الثاني سبب شأني عقيب الأوّل لا بمعنى اجتماع سببين مؤثرين بالفعل على اثر واحد و ذلك لان الغصب أولا سبب لضمانه ثم تقريره للمالك حتى اكله سبب أخر في ضمانه فان الغار سبب أقوى من المغرور المباشر و لهذا يستقر الضّمان على الغار لو أكل المغرور مال ثالث بتقريره و بالجملة كما ان من غصب دابة أحد ثم قتلها تحقق هناك سببان شأني و فعلى فالأوّل هو الغصب و الأخر هو الإتلاف بالقتل (كذلك) من غصب مال أحد ثم أطعمها من صاحبه فإنه يتحقق هناك سببان فعلى و شأني أحدهما الغصب و الأخر تقريره للغير حتى أتلفه فإن هذا سبب مستقل للضمان لو لم يكن هناك غصب و من ثم لو قال لغيره ان هذا مالي و أبحت لك أكله فأكله ضمنه و ان لم يستول عليها أصلا و هذا (ظاهر) و قد اتضح ممّا ذكرنا ان السر في عدم ارتفاع الضمان من الغاصب فيما ذكره الشهيد (قدس سرّه) في لمعة و غيره من الفقهاء من انه لو غصب شاة فأطعمها المالك جاهلا بكونها شاته ضمنها الغاصب له ليس هو انه ليس هناك تسليم تام لعدم التّصريح بأنه ملكه و عدم اطلاعه على انه مملوكه كما ذكره الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في الشرح كيف لا و التسليم هناك موجود و الاستيلاء حاصل و من و من هنا لو اكله من دون اذن الغاصب باعتقاد انه مال الغاصب كان متلفا و سقط بذلك ضمان الغاصب لحصول الاستيلاء و ان لم يعلم بكون ما وصل اليه ماله أو لحصول الإتلاف الموجب لسقوط الضمان بطريق اولى فافهم بل السر في ان ذلك التقرير سبب أخر في الضمان فكيف يكون سببا في رفعه و السر في كون التقرير سببا للضمان ان الغار يضمنه لتسبّبه للإتلاف بل هو أقوى من المباشر و لذا يستقر الضمان عليه و و يرجع المغرور عليه لكن فيه تأمّل إذ لا نسلم كونه سببا أقوى بل المباشر أقوى لكونه فاعلا مختارا غير مضطر و قوّة السّبب انما تحقق فيما لو ضعف المباشر بحيث يكون كالالة للسّبب و هنا ليس (كذلك) و من هنا ينقدح اعتراض أخر على الشّهيد الثاني فالتحقيق ان السر في كونه سببا للضمان هي القاعدة الناطقة بأن المغرور يرجع على من غرّه بل (الظاهر) ان ذلك الكلام مروي و هو الوجه في استقرار الضمان على الغار إذا كان المغرور متصرّفا في ملك الغير هذا و لو باعه ماله الّذي غصبه منه و شرط عليه إتلافه كما لو باعه حنطته المغصوبة منه و شرط عليه إحراقه اليوم فاشتراه فأحرقه فهل هذا أيضا في حكم الغرور و من اقسامه حتى لا يوجب سقوط الضمان بل يؤكده أم لا فيه اشكال و لا يبعد ترجيح الأوّل لصدق الغرور على مثله عرفا

قوله و يدل على الحكم المذكور ايضا قوله (عليه السلام) في الأمة المبتاعة إذا وجدت مسروقة بعد ان أولدها المشتري أنه يأخذ الجارية صاحبها و يأخذ الرّجل ولده بالقيمة فإن ضمان الولد بالقيمة مع كونه نماء لم يستوفه المشترى يستلزم ضمان الأصل بطريق اولى و ليس استيلادها من قبيل إتلاف النماء بل من قبيل احداث نمائها غير قابل للملك فهو كالتالف لا المتلف

لما كان الاستدلال بالحديث موقوفا على ان لا يكون هناك سبب للضمان غير اليد و قد كان يحتمل ان (يقال) في المقام ان الضّمان هنا له سبب أخر و هو الإتلاف حيث انه أتلف الولد على المالك بمعنى أنه أخرجه عن تحت سلطنته بالحرية أراد (رحمه الله) إتمام الاستدلال بان ما في الحديث انما هو من باب التالف لا من باب ما أتلفه الرّجل لأن الإتلاف عبارة عن افناء ما كان موجودا و ليس الحال فيما نحن فيه على هذا المنوال لأنه أوجد النماء بإلقاء النطفة في رحمها غاية ما في الباب انه أوجد النماء غير قابل للملك من أول وجوده حيث القى في رحمها

275

نطفته التي هي نطفة حر و من شأنها أن يتبعها الولد فيصير من قبيل التالف و ان شئت عبرت عن هذا المطلوب بعبارة أخرى و هي ان احداثه منه حيث القى نطفته و حريته ليست منه لأنها حكم من جانب اللّه (تعالى) فلا يتحقق هنا الإتلاف الّذي هو سبب أخر للضمان و (حينئذ) فيبقى الضمان مستندا إلى إثبات اليد عليه و يتم المطلوب من الاستدلال بالحديث و أورد عليه بعض من تأخر بأن (المصنف) (رحمه الله) قد اعترف بأنّه من قبيل التالف و لا ريب انّ الرّجل صار سببا للتلف و ان لم يكن متلفا مباشرا للإتلاف و ذلك لأنّه ألقي نطفته التي هي نطفة الحر في رحمها فحكم اللّه على المخلوق منها بالحرية فتحقق سببيّته و ان لم يتحقق مباشرته و من المقرر فيما يليق به من أبواب هذه الصّناعة ان من جملة أسباب الضمان سببيّة الإتلاف و ان كان عند اجتماع السّبب و المباشر يقدم الثاني الا ان يكون ضعيفا في جنب الأول فإن ذلك غير مانع عن عد سببيّته الإتلاف من أسباب الضّمان كما هو (ظاهر) و من البين ان مجرّد نفى سبب من الأسباب الأخر للضمان و هو الإتلاف لا يكفي في كون ما نحن فيه من قبيل ما صار فيه إثبات اليد سببا للضمان بل لا بد من نفى غيره من الأسباب التي كل واحد منها عنوان مستقل موجب للضمان و من جملتها سببيته الإتلاف

[في بيان القاعدة المعروفة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده]

قوله من جزئيات القاعدة المعروفة

وصف القاعدة في الرّياض بالشهرة و في كتاب الإجارة منها بكونها متفقا عليها و في شرح (القواعد) بالشهرة و بكونها مجمعا عليها و كونها موافقة للقواعد الشّرعية

قوله و هذه القاعدة أصلا و عكسا و ان لم أجدها بهذه العبارة في كلام من تقدم على العلامة (قدس سرّه)

ظاهره أنها موجودة في كلام العلامة (قدس سرّه) و الذي عثرت عليه في كلامه ما ذكره في كتاب الرّهن من (التذكرة) حيث قال إذا فسد الرّهن و قبضه المرتهن لم يكن عليه ضمان لانه قبضه بحكم انه رهن و كل عقد كان صحيحة غير مضمون ففاسده ايضا (كذلك) و كل عقد كان صحيحة مضمونا ففاسده مثله امّا الأوّل فلانّ الصّحيح إذا أوجب الضّمان فالفاسد اولى باقتضائه و امّا الثاني فلان من اثبت اليد عليه أثبته عن اذن المالك و لم يلتزم بالعقد ضمانا و لا يكاد يوجد التسليم و التّسلم الا من معتقدي الصحّة انتهى و في (الروضة) فإن قبض المشترى المبيع و الحال هذه يعنى انّ البيع فاسد بشيء من الوجوه التي ذكرها كان مضمونا عليه لان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و بالعكس هذا كلامه و في كتاب الرّهن من لك لو رهنه الرّاهن على الدّين المؤجل و شرط له انه لم يؤدّى الدّين في ذلك الأجل يكون الرّهن مبيعا له بالدين أو بقدر مخصوص فإنّه لا يصحّ الرّهن و لا البيع امّا الرّهن فلانه لا يتوقف الا بالوفاء و امّا البيع فلانه لا يتعلق الى ان قال إذا تقرر ذلك فلو قبضه المرتهن على هذا الوجه ضمنه بعد الأجل لا قبله لأنه في مدة الأجل رهن فاسد و بعده مبيع فاسد و فاسد كلّ عقد يتبع صحيحة في الضمان و عدمه فحيث كان صحيح الرّهن غير مضمون كان فاسده (كذلك) و حيث كان صحيح البيع مضمونا على المشترى ففاسده ايضا (كذلك) هذا كلامه و في معنى العبارة المذكورة للقاعدة عبارة أخرى ذكرها في (التذكرة) حيث قال لو فسند عقد المسابقة و ركض المتسابقان على فسادها و سبق الذي لو صحت المسابقة لاستحق السّبق المشروط قال الشيخ (قدس سرّه) لا يستحق شيئا على باذل المال لانه لم يعمل له شيئا و فائدة عمله ترجع اليه بخلاف ما إذا عمل في الإجارة أو الجعالة الفاسدتين فإنه يرجع العامل إلى أجرة المثل لأن فائدة العمل ترجع إلى المستأجر و الجاعل و للشافعية قولان أحدهما انه لا يستحق الفاصل شيئا لأنه لم يفوت عليه عمله و لا عاد نفع ما فعله اليه و قال أكثرهم يجب له اجرة مثله لان كل عقد استحق المسمّى في صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل كالإجارة و العمل في القراض و قد لا ينتفع به المالك و مع ذلك يكون مضمونا فعلى هذا ان كان الفساد لخلل في السّبق كتعذر تموله بان يكون خمرا أو خنزير أو مجهولا فالرّجوع إلى أجرة المثل إلى أخر ما قال و لكن لا يخفى عليك ان مؤدّى هذه العبارة لا يجري في العارية لأن المالك يستحق المسمّى في صحيحها ما دام موجودا فإذا هلك استحق عوضه ان كانت العارية مضمونة و كذا في فاسدتها فلا يجرى فيها ان كل عقد استحق المسمّى في صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل و مثلها عبارة الشهيد الثاني (قدس سرّه) الآتية الا ان (يقال) ان هذه قاعدة أخرى أخصّ من القاعدة التي كان عليها الكلام كما ان اجرة المثل في عبارة الشّهيد الثاني انما هي بالنّظر الى المورد و لهذا عبروا في العارية المضمونة الفاسدة بالعبارة الاولى فافهم

قوله و لم أجد من تأمل فيها عدا الشّهيد (قدس سرّه) في (كذلك) فيما لو فسد عقد السّبق فهل يستحق السابق اجرة المثل أم لا

قال (رحمه الله) بعد تقسيم الفساد الى قسمين أحدهما ان يكون ابتدائيا بحيث لم ينعقد العقد أصلا و الأخر ان يكون طارئا بأن ظهر العوض مستحقا مع عدم اجازة المالك فان كان فساده من الجهة الأولى فقد قطع (المصنف) (رحمه الله) بأنه لا شيء للسّابق و هو اختيار الشّيخ (قدس سرّه) و وجهه انه لم يعمل شيئا و لا فوت عليه عمله و لا عاد نفع ما فعله اليه و انما فائدة عمله راجعة إليه بخلاف ما إذا عمل في الإجارة و الجعالة الفاسدتين فإنه يرجع الى أجرة مثل عمله لأن فائدة العمل للمستأجر و الجاعل و ذهب العلامة (قدس سرّه) و جماعة المتأخرين إلى وجوب اجرة المثل لانه عقد استحق المسمّى في صحيحة و إذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل و لا نسلم ان وجه وجوب اجرة المثل في العقدين و نظائرهما لرجوع عمل العامل الى من يجب عليه العوض لان العمل في القراض قد لا ينتفع به المالك و مع ذلك يكون مضمونا ثم قال و عندي فيه نظر لان الالتزام لم يقع الا على تقدير العقد الصّحيح و الأصل برأيه الذمّة من وجوب شيء أخر غير ما وقع عليه العقد و الفرق بين هذا العقد و بين ما يجب فيه اجرة المثل من العقود واضح لا من جهة ما ذكروه من رجوع نفع عمل العاقل الى من يخاطب بالأجرة حتى يرد عليه مثل العمل الذي لا يعود به عليه نفع في القراض بل لان تلك العقود اقتضت أمر العامل بعمل له اجرة في العادة فإذا فسد العقد المتضمن للعوض المخصوص بقي أصل الأمر بالعمل الموجب لاجرة المثل بخلاف هذا العقد فإنه لا يقتضي أمرا بالفعل فان قوله سابقتك على ان من سبق منافله كذا و نحو ذلك من الألفاظ الدّالة على المراد و ليس فيها أمر و لا ما يقتضيه بفعل له اجرة و الأصل براءة الذمة من وجوب شيء أخر غير ما تضمّنه العقد و قاعدة ان كل ما كان صحيحة موجبا للمسمّى ففاسده موجب لاجرة المثل لا دليل عليها كلية بل النزاع واقع في بعض مواردها فكل ما لا إجماع و لا دليل صالح بدل على ثبوت شيء فالأصل يخالف مدعى القاعدة هذا ما أهمّنا ذكره من كلامه و وافقه في التأمّل في القاعدة المذكورة المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في شرح قول العلامة (قدس سرّه) و المقبوض بالسوم أو البيع الفاسد مضمون على المشترى و سيجيء ذكره و كان (المصنف) (رحمه الله) لم يراجع كلامه

[الكلام في معنى القاعدة]

قوله (رحمه الله) بل مما كان فيه شائبة الإيقاع

276

أو كان أقرب إليه فيشمل الجعالة و الخلع

أفاد (قدس سرّه) ان الجعالة و الخلع من قبيل ما اشتمل على جهتي العقد و الإيقاع و يبغى الإشارة الى ما يوضح ذلك فنقول امّا الأولى فقد اختلف فيها كلمات الأصحاب من حيث كونها عقدا أو إيقاعا و يظهر الوجه فيما افاده (قدس سرّه) ممّا وقع منهم في ذلك المقام فلا بد من التعرّض لها لتوضيح المقصود فنقول قال العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) الجعالة عقد جائز من الطّرفين إجماعا لكلّ منهما فسخها قبل التّلبس بالعمل و بعده قبل تمامه لأن الجعالة تشبه الوصيّة من حيث انّها تعليق استحقاق بشرط و الرّجوع عن الوصيّة جائز و كذا ما يشبهها و امّا بعد تمام العمل فلا معنى للفسخ و لا أجر لأن الجعل قد لزم بالعمل انتهى و في (جامع المقاصد) ان ظاهرهم أن الجعالة من العقود فيكون القبول فيها فعليّا و مفهوم قول (المصنف) (رحمه الله) بعد ذلك و لا القبول نطقا يعطى هذا انتهى و في (الروضة) و لا يفتقر الى قبول لفظي بل يكفى فعل مقتضى الاستدعاء به انتهى و غرضه الاكتفاء بالقبول الفعلي كما هو الشّأن في العقود الجائزة بل في (الجواهر) عن بعضهم حمل كلام من نفى القبول بقول مطلق على نفى القبول اللّفظي و كلام ابن إدريس (رحمه الله) في (السرائر) صريح في كونها عقدا قال في باب البيع ما لفظه و امّا الوكالة و العارية و الوديعة و القراض و الجعالة فلا يمنع من دخول الخيارين فيها مانع لان هذه العقود جائزة من جهة المتعاقدين غير لازمة فمن أراد الفسخ فسخ انتهى و أراد بالخيارين خيار المجلس و خيار الشّرط كما دل عليه ما تقدّم على العبارة من كلامه و استظهر في (الجواهر) من قول المحقق (قدس سرّه) في (الشرائع) في كتاب الجعالة و النظر في الإيجاب و الأحكام و اللواحق امّا الإيجاب فهو ان يقول من ردّ عبدي أو ضالتي أو فعل كذا فله كذا و لا يفتقر الى قبول كونها إيقاعا حيث اقتصر على ذكر الإيجاب في أوّل الكلام و نفى القبول بقول مطلق في كلام أخر مضافا الى وضعها في قسم الإيقاعات من كتابه المذكور ثمّ قال و لعله الأصحّ فتحصل من ذلك ان لهم قولين في المسئلة أحدهما انها من قبيل العقود الجائزة و قبولها فعلى و هو مباشرة العامل؟؟؟ للعمل و ثانيهما انّها من قبيل الإيقاعات فلا قول لها أصلا و الّذي يصلح حجة للقول الأول خبر على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) المروي عن كتابه مسئلته عن رجل قال لرجل أعطيك عشرة و تعلّمني علمك و تشاركني أ يحل له ذلك قال إذا رضى فلا بأس بتقريب انه (عليه السلام) نفى البأس بشرط رضى صاحب الجاعل الذي هو عبارة عن القبول المقتضى بمفهومه ثبوت البأس مع عدم رضاه و لا شيء من الإيقاعات يعتبر فيه رضى صاحب الموقع و أجاب عنه في (الجواهر) بان مجرّد الرّضا لا يصير قبولا فهو أعم ممّا يوجد في ضمن القبول و ليس المراد منه قبول العقدي بل المراد منه مجرّد تراضيهما بل المراد منه مجرّد تراضيهما على ذلك إذ لا دلالة للفظ على ما زاد عليه فلا يدل الخبر على اشتراط القبول الذي به قوام معنى العقد حجّة القول الثاني وجوه ذكرها صاحب (الجواهر) (رحمه الله) أحدهما صحّة عمل المميز في الجعالة بدون اذن وليّه بل قيل في غير المميّز و المجنون قولا وجهان و من المعلوم عدم صحة ذلك مع فرض اعتبار القبول فيها و لو فعلا لسلب قابلية الصّبي و المجنون قولا و فعلا عن ذلك و لذا لا يجوز معه عقد من العقود الجائزة ثانيها صحتها من غير مخاطب خاص و العقد يقصد فيه التعاقد من الطرفين و هو منتف هنا خصوصا ان قلنا بصحّتها ممن لم يسمع عبارة الجعل ممّن يقصد العوض كما هو أحد الاحتمالين في (القواعد) بل في (الدروس) انه الأقرب و عن الإيضاح انه الأصحّ بل هو خيرة الكركي ره أيضا إذا لم يكن الراد عالما بان العمل بدون الجعل تبرع و ان قصد العامل العوض لعدم انفكاكه من التبرّع (حينئذ) بخلاف غير العالم و على كلّ حال فوجهه صدق عنوان الجعالة مع فرض كون الصّيغة تشمل العامل و قصده الرّجوع فالمقتضي (حينئذ) موجود و المانع مفقود و دعوى اعتبار قصده بالعمل جوابا بإيجابه في الرّجوع بالعوض لا دليل عليها بل مقتضى إطلاق الأدلة خلافها بل ظاهر الفاضل (قدس سرّه) في (القواعد) احتمال الاكتفاء في الرّجوع بالرّد لا على قصد التبرّع و لا الاستحقاق ثالثها انه لا يعتبر فيها المقارنة بين الإيجاب و بين ما يتخيل كونه قبولا في هذا المقام و كذا غيرها

ممّا يعتبر في العقود مع انه لا دليل على إخراجها عنها كالوكالة قال (رحمه الله) بل يقوى في الظن ان الجعالة على نحو التّسبيب الصّادر من (الشارع) نحو من فعل كذا فله كذا المعلوم كونه غ ير عقد و ادعى (رحمه الله) ان إطلاق اسم العقد عليها و ان وقع في كلام جماعة منهم المحقق (قدس سرّه) حيث قال و يجوز ان يكون العمل مجهولا لانه عقد جائز الا انه يمكن حمله على ارادة العهد منه بل ينبغي القطع به لصدوره ممن ظاهره أو صريحه الإيقاعية ثمّ انه زاد على ذلك كله ما ذكره بقوله و يؤيده زيادة على ما ذكرنا ترتب أثرها على من لم يرد الفعل أو لا ثم أراد و فعل حتّى لو تلبس بالعمل ثم رفع يده عنه ثمّ عاد اليه و ان توقف فيه بعضهم بل بناء على العقديّة و الإيقاعيّة لكن التحقيق صحته للصّدق و ليس ذلك إلا لأنّها من باب التسبيب و الا فمع فرض كون ذلك فسخا أو كالفسخ لا بد من إيجاب جديد و جواز مثله في الوكالة من باب الاذن لا من بقاء عقدها على ان القبول هنا في الصّيغة العامة إذا كان العمل قابلا للتكرار يقتضي كونها بمنزلة عقود متعدّده حتّى يكون الفسخ من بعضهم مختصّا به دون غيره و بالجملة فالتأمل التام خصوصا بعد ما تسمعه من الأحكام التي لا توافق قواعد العقود العامة مع فرض عدم دليل مخرج لها يقتضي أنها بالتّسبيب أشبه و دعوى أنّها كالوصيّة التي من إيجابها افعلوا كذا و نحوه لا يخفى عليك ما فيها بعد الإحاطة بما ذكرناه في الوصيّة و انّها قسمان وصيّة عهديّة و ليست من العقود في شيء و اخرى عقدية و هي بمنزلة الهبة و من هنا لا نمنع إيقاع الجعالة في بعض إفرادها على نظم العقد المشتمل على الإيجاب و القبول و انما الكلام في أصل مشروعيّتها على وجه إذا فقد بعض ما يعتبر في العقود تكون باطلة الى ان قال و على كل حال فالأصحّ عدم اعتبار ما يعتبر في العقود (صح) المصطلحة في الجعالة بل تصح بدون ذلك و ان كان له فعلها بكيفية العقد بل لا يبعد اعتبار ما يعتبر فيه (حينئذ) تنبيه حكى عن (المسالك) انه تظهر الفائدة في النزاع في كون الجعالة إيقاعا أو عقدا فيما لو فعل العامل لا بقصد العوض و لا بقصد التبرع بعد الإيجاب فعلى الأول يستحق العوض لوجود المقتضى له و هو الصّيغة مع العمل و على الثاني لا يستحق و ان كان قد عمل لان المعتبر من القبول الفعلي ليس هو مجرّد الفعل بل لا بد معه من انضمام الرّضا و الرّغبة منه لأجله كما نبه عليه في الوكالة و الذي ذكره في الوكالة عدم الاكتفاء في قبولها العقد بفعل ما و كل فيه بل لا بد فيه مع ذلك من اقترانه بالرغبة و الرّضا و وقوعه قبل ان يرد و كان مراده اعتبار قصد ارتباط القبول بالإيجاب و عقده به و امّا الثاني أعني الخلع فتوضيح القول فيه يتوقف على ذكر جملة من كلمات الأصحاب ففي كشف اللّثام انه لو قالت طلقني أو خالعني بألف مثلا فالجواب على الفور لما عرفت من ان سؤالها بمنزلة القبول و ان الخلع من المعاوضات و لا بد في بيعها من تقارن الإيجاب و القبول فإن أخر و انى بلفظ الطّلاق و لم نعقبه قبول فالطّلاق واقع و لكن رجعي إن جازت الرّجعة الأعلى ما عرفته من احتمال البطلان إذ لم يقصد الا الطّلاق بعوض و لا عوض عليها انتهى و هذا الكلام يعطى كونه من العقود و فيه (أيضا) و إذا قال خالعتك أو خلعتك

277

على كذا فلا بدّ من القبول ان لم يسبق منها السؤال فإنه اقتداء و بمنزلة المعاوضة لا يتم الا برضا الطرفين فان سبق السؤال منها وجب ان يقع الإيجاب عقيبه بلا فصل فيكون السّؤال بمنزلة القبول و كأنه لا خلاف في ذلك و يدل عليه الأصل و ظواهر الاخبار و كونه طلاق و امّا الاتصال فلئلا ينطرق احتمال رجوعها عما رضيت به من العوض و لا ينحصر لفظ السّؤال في شيء و لعل السر في انحصار اللّفظ من طرفه دونها لزومه من طرفه دونها انتهى و هذا الكلام يستفاد منه أمران أحدهما انه بمنزلة المعاوضة و ليس معاوضة حقيقة و قد صرّح في مسئلة مخالفتها على عين مستحقة بأنه ليس معاوضة حقيقة محضة و ثانيهما انه لازم من طرف الزّوج جائز من طرف الزوجة و قد أشار إليه في (الروضة) حيث عرفه بأنه طلاق بعوض مقصود لازم لجهة الزّوج و في (الروضة) و في صحته يعنى بذل الفدية من المتبرّع بالبذل من ماله قولان أقربهما المنع لان الخلع من عقود المعاوضات فلا يجوز لزوم العوض لغير صاحب المعوض الى ان قال و وجه الصّحة أنه اقتداء و هو جائز من الأجنبي كما تقع الجعالة منه على الفعل لغيره و ان كان طلاقا هذا ما أهمنا من كلامه و هو يعطي ان لهم فيه وجهين و ان لم يتحقق لنا ان لهم فيه قولين على الطرفين من كونه عقدا عند بعض و إيقاعا عند أخر و مثله ما في كشف اللثام عن العلامة (قدس سرّه) في (إلخ) قال بعد قوله في (القواعد) نعم لو رجعت هي في البذل جاز له الرجوع في العدّة كما دلت عليه الاخبار و (الظاهر) انه لا خلاف فيه و لكن قال ابن حمزة (رحمه الله) امّا أطلقا أو قيدت المرأة بالرّجوع فيما افتدت و الرّجل بالرجوع في بعضها و كلاهما جائز فإن أطلقا لم يكن لأحدهما الرّجوع بحال الا برضا الأخر و ان قيدا لم (يخلو) اما لزمتها العدة أو لم تلزم فان لزمتها جاز له الرّجوع ما لم تخرج عن العدّة فإن خرجت منها أو لم يلزم العدة لم يكن لهما الرجوع الا بعقد جديد و مهر مستأنف و نفى عنه البأس في (المختلف) بناء على انه معاوضة فلا بد من التراضي انتهى و في كشف اللثام ايضا و هل يصحّ البذل من المتبرع الأقرب المنع وفاقا للشيخ (قدس سرّه) و غيره لخروجه عن معنى الخلع فإنما أضيف الاقتداء في الآية و الاخبار إليها و يحتمل الصحة بناء على ان البذل ليس الا اقتداء أو جعالة و ما يوقعه الزوج ليس إلا إيقاعا و يجوز الاقتداء من غير المفدي و الجعالة كما يجوز التزام مال ليعتق عبده أو يطلق زوجته هذا ما أهمنا نقله من كلامه و من تأمل فيه و فيما قبله من عبارة (الروضة) اتضح له جهة كون الخلع إيقاعا لان البذل في الخلع ان كان من قبيل الجعالة التي لا بد و ان تكون في مقابل عمل من المجعول له و هو هنا عبارة عن ازالة قيد النكاح فلا يكون الخلع إلا عبارة عن ازالة قيد النكاح التي هي إيقاع محض و لا يبقى وجه لكونه عقدا حتى على القول بكون الجعالة عقدا ضرورة انه من قبيل متعلق الجعالة (حينئذ) لا نفسها و كذا الافتداء فإنه من المرأة عبارة عن إعطائها زوجها ما لا حتى تتخلص منه قال في المجمع قدت المرأة نفسها من زوجها و اقتدت أعطت ما لا حتى تخلصت منه بالطلاق و مع فرض كون ما يوقعه الزوج ليس إلا إيقاعا كما وقع في كلامه (رحمه الله) لا يكون الاقتداء إلا عبارة عن مجرّد البذل لداعي إيراث ميل المبذول له إلى الإقدام على العمل المطلوب فلا يكون بذل عوض حتى يكون المجموع من بذلها و طلاق الزّوج عقدا و قد أوضح هذا المعنى غاية الإيضاح بتمثيله بما لو التزم رجل ما لا لرجل ليعتق عبده أو يطلق زوجته فان ذلك لا يصير بذل عوض و انما بذل لداعي حصول الرغبة لمن بيده الأمر فيما يريده منه فكما ان عتق العبد في الصورة المفروضة و طلاق الزوجة فيها ليسا الا من قبيل الإيقاع و لا يخرجان الى الاتصاف بكونهما من قبيل العقود (كذلك) الحال في الخلع بعد كون البذل فيه افتداء على ما أوضحناه و كما ان المجموع من بذل الباذل و عتق صاحبه لعبده أو تطليقه زوجته لا يصير عقدا (كذلك) المجموع من بذل الزوجة و تطليق الزّوج لا يصير عقدا و من جميع ما ذكرنا ظهر انه لو لم يكن الالتزام بأن الجعالة و الخلع من قبيل الإيقاع

أقوى فلا أقل من اشتمالهما على شائبته أو كونهما أقرب إليه كما افاده (المصنف) (رحمه الله) فتدبر

قوله و المراد بالضمان في الجملتين هو كون درك المضمون عليه بمعنى كون خسارته و دركه في ماله الأصلي فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه منه و اما مجرّد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكا له كما يتوهم فليس هذا معنى للضمان أصلا فلا (يقال) ان الإنسان ضامن لأمواله

اعلم ان لفظ الضمان في الفاسد ممّا لا اشكال فيه و امّا الضمان في الصّحيح فقد فسره العالم الجليل الشيخ على (رحمه الله) في حواشي (الروضة) بكون تلفه من مال من أريد تعلق الضّمان به في القاعدة قال فيما علقه على عبارة القاعدة معنى قولهم في القاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده كل عقد يضمن المال أو الشيء فيه بسبب كونه صحيحا يضمن بسبب كونه فاسدا بمضي ان صحة العقد ان كانت سببا للضمان كانّ الفساد كذلك فالبيع الصحيح مثلا سبب في كون المبيع إذا تلف كان من مال المشترى فكذا البيع الفاسد و ما لا يضمن بصحيحة كالعارية و مال المضاربة الوديعة و نحو ذلك فان صحيح مثله لا يوجب الضمان فكذا فاسده انتهى و هذا هو الّذي أشار (المصنف) (رحمه الله) الى دفعه بقوله اما مجرد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكا له كما يتوهم فليس هذا معنى للضمان (انتهى) و زعم بعض من تأخر ان صاحب (الجواهر) (رحمه الله) قد فسر الضمان بكون تلفه في ملكه و انه (المقصود) بتعريض (المصنف) (رحمه الله) و ستقف على حقيقة الحال (إن شاء الله) (تعالى) ثمّ ان ذلك البعض اعترض على (المصنف) (رحمه الله) بان تفسير الضّمان بما ذكره لا (يخلو) من احتمالين أحدهما ان المشترى بالعقد الصّحيح إذا تلف عنده المبيع كان ضامنا له بماله الأصلي يعني الثمن الذي كان سابقا من مال المشترى فالمراد بضمان العقد الصّحيح هو وجوب أداء ما كان مالا له سابقا عند تلف المبيع بإزاء ما كان ملكا للبائع سابقا و هو المبيع الذي هو ملك المشترى بالفعل فتسمية وجوب أداء الثمن الذي ليس من ماله بالفعل في مقابل المبيع الذي هو ماله بالفعل ضمانا انما هو باعتبار الحالة السّابعة بمعنى (صح) وجوب دفع ما كان مالا له سابقا في مقابل التالف الذي كان في الزمن السابق مالا للبائع ثانيهما ان التعبير بالضمان ليس باعتبار ملاحظة الحالة السابقة كما كان في سابقا بل باعتبار دفع ما هو ماله الأصلي في مقابل ما هو ماله بالفعل فالمراد بالضّمان وجوب أداء ما هو من ماله الأصلي يعني الثّمن في مقابل ماله الفعلي الذي هو المبيع فيصير مآل التعبير بالضمان الى دفع مال في مقابل مال و لا وجه لشيء منهما امّا الأوّل فلأنه يتجه عليه أمران الأول ان دفع ما كان مالا للدافع سابقا مع خروجه عن ملكه بالفعل الى ملك المدفوع إليه في مقابل ما كان مالا للمدفوع اليه سابقا مع خروجه عن ملكه بالفعل الى ملك الدافع ليس من معنى الضّمان حقيقة بل هذا أداء الدين في الحقيقة لأنه

278

بوقوع عقد البيع صحيحا صار المبيع ملكا للمشتري و انتقل الثمن الى ملك البائع فإذا قبض المشترى المبيع و تلف عنده بعد قبضه فاداء الثمن (حينئذ) ليس الا من قبيل أداء الدين الواجب عليه فلا يكون من ضمان المبيع بعوضه لان المفروض انه بنفس العقد انتقل المبيع إلى المشتري فلا معنى لضمانه بعوضه في حال التلف الذي هو متأخر عن المعاوضة و انتقال كل من المالين الى صاحب المال الأخر الثاني ان هذا المعنى ليس مراد الأصحاب إذ لم يريد و انه يطرء الضمان عند التلف مع تأخره عن العقد الذي هو البيع مثلا حتى (يقال) ان خسارته و دركه في ماله الأصلي بمعنى وجوب دفع ما كان مالا له سابقا مع خروجه عن ملكه بالفعل الى ملك المدفوع إليه في مقابل ما كان مالا للمدفوع اليه سابقا و انما أراد و انه يتحقق الضمان بنفس العقد و امّا الثاني فلان محصا ليس الا ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من التفسير و هو كون التلف في ملكه و انه يذهب من كيسه و هو معنى كونه يتلف مملوكا لان وجوب دفع ماله الأصلي في مقابل ماله الفعلي ليس إلا عبارة أخرى عن كون التالف يتلف من ماله و يذهب من كيسه و هو الذي ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) في تفسير الضّمان فهو كر على ما فر منه هذا ما ذكره ذلك البعض و أقول لم يرد (المصنف) (رحمه الله) ان الضمان متأخر عن وقت العقد الى وقت التلف حتى (يقال) ان أداء عوض ما تملكه بالعقد المسمّى فيه عبارة عن أداء الدّين و ليس ضمانا للمعوّض عنه و انه متأخر عن العقد و ليس ذلك مراد الفقهاء و انما أراد و ان معنى الضمان بالعقد الصّحيح هو ان كلا من المتعاقدين بمجرّد التعاقد يضمن مال الأخر و يلتزم بعهدته بماله الأصلي و التقييد بالأصلي انما هو في مقابل المال الذي يحصله بنفس العقد و هو مال صاحبه الأصلي فمراده (رحمه الله) ان العقد الصّحيح يضمن به بمعنى انه يلتزم بعهدة المال الذي يحصله بنفس العقد و يضمنه بماله الأصلي انه لو تلف ذلك المال التزم بخسارته و دركه من ماله الأصلي فإن قلت لو كان مراد (المصنف) (رحمه الله) كما تقول من ان العقد هو الذي يحدث ضمان المال الذي يريد ان يحصله بماله الأصلي في حال وقوعه فلم قيد بالتلف المفيد لكون الضمان وقت التّلف قلت ذكر التلف لإحراز موضوع الخسارة لا لتوقيت الضمان به و ذلك لاه مع عدم التلف لا يجرى عليه خسارة من جهة انه يأخذ عوض ما يعطيه بخلاف صورة التلف فإنه بتلفه يصير كان لم يأخذه و يقع خسارته عليه و يلزمه الخروج عن عهدته تلفه فمعنى ضمان شيء بصحيح العقد هو انه بمجرّد العقد يلزم المشترى مثلا انه لو تلف المبيع لزمه الخروج عن عهدة تلفه و وقع عليه خسارته و لهذا اتى بذكر التلف بصورة التفريع و قال فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه منه و مراد صاحب (الجواهر) (رحمه الله) ليس الا ما افاده (المصنف) (رحمه الله) و توضيح الحال انّه قد تعرض سلطان العلماء (رحمه الله) في حواشي (الروضة) لتفسير القاعدة فقال اى كما يضمن المشتري بصحيحه لو فات بيده بمعنى انه يذهب من ماله و يلزم عليه إيصال الثمن إلى البائع (كذلك) المشترى يضمن بفاسده و يلزم عليه ردّ المبيع و إيصاله إلى البائع مع نمائه و كذا في سائر العقود اللازمة فيعتبر ما قلنا في حق الموجر و المستأجر و أمثالهما انتهى و تبعه على هذا التفسير صاحب الرّياض (قدس سرّه) فذكر ما ذكره بعبارته الى قوله مع نمائه و وافقه على ذلك صاحب (الجواهر) (رحمه الله) فذكر العبارة المذكورة بعينها الى قوله مع نمائه و زاد في ذيله التعليل بأنه باق على ملكه فإذا تلف كان مضمونا عليه انتهى و لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام انه لم يقتصر على قوله يذهب من ماله حتى يوهم ان المراد بالضّمان مجرّد تلف المال الذي أخذه من صاحبه في ملكه أعني الأخذ بحيث يتلف مملوكا له بل عطف عليه على وجه التفسير قوله و يلزم عليه إيصال الثمن إلى البائع و معلوم ان المراد به وجوب الخروج عن عهدته و هو الّذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) و ما ذكره العلّامة (قدس سرّه) في العبارة الأخرى من ان كلّ عقد استحق المسمّى في صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل و ما ذكره الشّهيد الثاني (قدس سرّه) من ان كل ما كان صحيحة موجبا للمسمّى ففاسده موجب لاجرة المثل منطبقان على ما

ذكروه من التفسير لان لازم كون المال الذي بيد انسان مستحقا لغيره هو وجوب دفعه اليه و ضمانه له فتدبر ثمّ اتى بعد ما حررت المقام عثرت على كلام لبعض المعاصرين في كتابه حيث قال بعد المناقشة في مدرك القاعدة ما نصّه مع انها قد يظن بأنها غير متضحة المراد و لا واضحة المفاد ففي شرح (القواعد) انها صريحة في أصل الضمان الا انها تحتمل وجهين الضمان بمقدار ما أقدم عليه من المقابل و الضمان بمثله أو قيمته ما بلغت و هو (الظاهر) لانّ التقييد غير مفهوم منها و فيه ان ظهورها في اتحاد معنى الضمان في الصّحيح و الفاسد القاضي بإرادة الأول مما لا مساغ لإنكاره نعم قد يقطع بعدم إرادتهم له فلا بد من ارادة الثاني و اليه يرجع ما يظهر من لك من ان المراد بها ان كل عقد يوجب صحيحة المسمّى ففاسده يوجب المثل أو القيمة أو اجرة المثل بل ربما جزم بعضهم بان المراد بها انه كما يضمن المشتري بصحيحة لو فات في يده يعنى يذهب من ماله و يلزمه إيصال الثمن إلى البائع (كذلك) يضمن بفاسده و يلزم عليه رد المبيع و إيصاله إلى البائع مع نمائه لأنه باق على ملكه فإذا تلف كان مضمونا عليه بمثله أو قيمته و لكن قد يدفع بأنّ الذّهاب من ماله ليس معنى للضمان أصلا فلا (يقال) ان الإنسان ضامن لأمواله و ان كان قد يذبّ عنه بتعذر الحقيقة القاضي بإرادة ذلك مع تعذر غيره و دعوى ان المراد بالضمان فيهما كون درك المضمون عليه بمعنى كون خسارته و دركه في ماله الأصلي فإذا تلف وقع نقصان فيه لوجوب تداركه منه فتارة يكون بعوضه الجعلي كما في الصّحيح و اخرى بعوضه الواقعي و هو المثل أو القيمة أو اجرة المثل كما في الفاسد أو بأقل الأمرين منهما كما قيل به في بعض الموارد و يدفعها ان حقيقة الضّمان ليست إلا الثاني المتعذر إرادته في الجملة الاولى مع انه لا تدارك في الصّحيح و لا يعد دفع الثمن خسارة عرفا و ان كان تلف المثمن قد يعد خسارة فلعل إطلاق الضّمان عليه لذلك فيكون مجاز إلا حقيقة و التفكيك بين الجملتين للقرينة غير قادح بل لعله اولى من إلزام ارادة (قدس سرّه) مشترك بينهما فرارا من لزومه سيما مع شدة بعده كما هو واضح و قد يراد بها ان الصّحيح إذا كان موجبا للضمان قبل إيصال المبيع مثلا إلى المشتري فالفاسد موجب له بعد إيصاله اليه و اختلاف الضامن في الجملتين لعله اولى من اختلاف معنى الضمان اللهمّ الا ان (يقال) باختلافه هنا أيضا لأن الضمان (حينئذ) في الصّحيح انما هو بمعنى رجوع المال إلى البائع و الثمن إلى المشتري لا الضمان حقيقة فتأمل جيدا انتهى و فيه مواقع للنظر يعلم وجهه في بعضها ممّا تقدم أحدها انه زعم ان الضمان في عبارة سلطان العلماء (قدس سرّه) التي تداولها جماعة ممن تأخر عنه (صح) عبارة عن الذهاب من ماله و قد عرفت انه ضم اليه لزوم إيصال الثمن إلى البائع و ان (المصنف) (رحمه الله) لم يرد بقوله و اما مجرّد كون تلفه في ملكه بحيث يتلف مملوكا له كما يتوهم الإشارة إلى رد سلطان العلماء (رحمه الله) و موافقيه بل أراد الإشارة الى ما حكيناه عن العالم الجليل الشّيخ على (رحمه الله) (محشي) (الروضة)

279

كيف لا و ليس ما ذكره الا محصّل ما أفاد (رحمه الله) و العجب منه انّه حكى عبارة سلطان العلماء (رحمه الله) بتمامها و لم يلتفت الا الى مؤدّى صدر بها ثانيها ان ما ذكره في ردّ دعوى التي ذكر بها ما افاده (المصنف) (رحمه الله) من ان حقيقة الضمان ليس إلا عبارة عن وجوب أداء المثل أو القيمة لا وجه له لان الضمان ليس إلّا عبارة عن الالتزام بالمال قال في المصباح ضمنت المال و به ضمانا أو انا ضامن و ضمين التزمته و يتعدى بالتضعيف (فيقال) ضمنته المال ألزمته إياه انتهى و في القاموس ضمن الشيء و به كعلم ضمانا و ضمنا فهو ضامن و ضمين كفله انتهى و بعبارة أخرى هو التعهد بالمال و قد تعهد و التزم بالمبيع عند اشترائه من مالكه بإيقاع العقد و ليس المثل أو القيمة جزء من معناه نعم لما كان لازم معنى الضمان هو وجوب الخروج عن عهدة المال عند تلفه انصرف إطلاقه إلى الالتزام بالمثل أو القيمة بل يستفاد من كلام الشّهيد الثاني (قدس سرّه) في أوّل كتاب الضمان انه عبارة عن مطلق التعهد الشامل لأدائه بنفسه أو بدله لا خصوص التعهّد ببدله عند التلف قال (رحمه الله) و المراد به الضمان بالمعنى الأخص قسيم الحوالة و الكفالة لا الأعم الشامل لهما انتهى فإنه يستفاد منه ان الضّمان بالمعنى الأعم يشمل الكفالة التي هي التعهد بالنفس بمعنى التزام إحضار المكفول متى طلبه المكفول له و على هذا فليس ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) قدرا مشتركا جعليا فقد استعمل الضمان في معناه في المقامين غاية ما في الباب ان الخروج عن العهدة يتحقق في كلّ منهما بأمر مغاير للآخر و لا تفكيك و لا خروج عن حقيقة الضمان و الالتزام انما يصير بالعقد و عند تلف ما أراد تحصيله بعوض يعدّ الالتزام بعوضه و دفعه خسارة و ان كان عند عدم تلفه لا يعد خسارة ثالثها ان ما ذكره من ان معنى القاعدة هو ان الصحيح إذا كان موجبا للضمان قبل إيصال المبيع مثلا إلى المشتري فالفاسد موجب له بعد إيصاله إليه مما لا يخفى فساده على من له خبرة بكلماتهم إذ لا تنطبق القاعدة بهذا المعنى على الموارد التي أجروها فيها و قد عرفت تعبيرى العلامة (قدس سرّه) و الشّهيد الثاني بالعبارة الأخرى المنافرة لهذا المعنى و المعاضدة لما افاده (المصنف) (رحمه الله) فافهم

قوله (رحمه الله) فاحتمال ان يكون المراد بالضمان في قولهم يضمن بفاسده هو وجوب أداء العوض المسمى نظير الضمان في العقد الصّحيح ضعيف في الغاية

تعريض بما في شرح (القواعد) حيث قال بعد ذكر القاعدة و هي صريحة في أصل الضمان الا انها يحتمل فيها وجهان أحدهما الضمان بمقدار ما أقدم عليه من المقابل و ثانيهما قيمته ما بلغت و هو (الظاهر) لان التقييد غير مفهوم منها انتهى و يمكن المناقشة بان ما ذكره من الاحتمال الأول عبارة عن الضمان بمقدار العوض المسمى و ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) هو نفس العوض المسمّى و هما متغايران

قوله إذ يكفي في تحقق فرض الفساد بقاء كل من العوضين على ملك مالكه و ان كان عند تلف أحدهما بتعين الأخر للعوضية

بأن ينتقل التالف منهما عند تلفه انا ما الى صاحب الأخر في مقابله و كذلك الأخر فيجيء تعين الباقي للعوضية من هذا الباب و قد احتمل (المصنف) (رحمه الله) نظير هذا في المعاطاة على القول بالإباحة في كون تلف أحد العوضين مملكا للآخر بان (يقال) ان التالف ينتقل انا ما الى من أبيح له في مقابل ما بذله فيتلف في ملكه فيستقر ملك الباقي من العوضين لمن بذل له لكن لا يخفى عليك ان مثل ذلك لا يقصد به الا مجرّد التّصوير و يبقى الحكم به موقوفا على قيام الدّليل

قوله لا لان معنى الضمان في الصّحيح مغاير لمعناه في الفاسد حتى يوجب ذلك تفكيكا في العبارة

الوجه في عدم لزوم التفكيك واضح لان معنى الضمان بصحيح العقد ليس الا الالتزام بعهدة المال الذي أقدم على أخذه من صاحبه بحيث لو تلف كان خسارته في ماله الأصلي و هذا هو المراد بضمان فاسد العقد الا ان المصداق للمال الأصلي الذي يدفع عوضا عن التالف مختلف فهو في العقد الصحيح ما تراضيا عليه من حيث ان (الشارع) قد أمضاه و في العقد الفاسد المثل أو القيمة و من المعلوم ان اختلاف المصاديق لا يوجب تعدّد المفهوم من اللفظ الواحد المكرر حتى يلزم التفكيك

قوله و لعل المراد عادية غير الذهب و الفضة و غير المشروط ضمانها

الاولى ترك المشروط ضمانها بناء على ما يفسر القاعدة بها من كون اقتضاء الصحيح للضمان بنفسه لانه يصدق على العارية المشروط ضمانها انها بنفسها غير مقتضية للضمان و المقتضى له انّما هو الشرط

قوله ثم المتبادر من اقتضاء الصّحيح للضمان اقتضاؤه له بنفسه

(انتهى) كما ان المتبادر أو القدر المتيقن ضمان نفس متعلق العقد دون توابعه ففي الإجارة مثلا نفس متعلّق العقد هي المنفعة و العين تابعة له من جهة ان استيفاء المنفعة بدون تسلم العين بنفسه أو من يقوم مقامه في الاستيفاء غير ممكن و كذا في البيع فان نفس متعلق العقد هي العين و المنافع تابعة و إذا كان المتبادر أو القدر المتيقن من مؤدّى القاعدة هو ضمان نفس متعلق العقد فلا تجري بالنّسبة إلى العين في الإجارة و بالنّسبة إلى المنافع في البيع لأن مؤديها هو ان كل عقد يضمن نفس متعلقة بصحيحه يضمن نفس متعلقة بفاسده فتكون القاعدة ساكتة عما خرج عن نفس متعلق العقد من التوابع و يظهر اثر هذا التفسير في المنافع الغير المستوفاة فإنها غير مضمونة في العقد الصّحيح مع انّها مضمونة في العقد الفاسد و قد أورد بها (المصنف) (رحمه الله) النقض على القاعدة و بما ذكرناه من التفسير يندفع ما أورده من النقض لسكوتها عن حال التوابع الّتي من جملتها المنافع الغير المستوفاة

قوله و يظهر من الرّياض اختيار الضمان بفاسدها (مطلقا)

اى بفاسد العارية المضمونة سواء كان الحكم بضمانها مسبّبا من الشرط كالعارية المشروط فيها الضمان أو من نفس العين المستعارة كعارية الذهب و الفضّة قال في كتاب العارية و لو استعار من الغاصب مع العلم بالغصب ضمن كلا من المنفعة و العين مع التلف (مطلقا) و لو لم تكن عاريتها عارية مضمونة و كذا لو كان جاهلا لكن استقرار الضمان هنا على الغاصب إلا إذا كانت مضمونة فيضمن العين خاصة و للمالك في المقامين إلزام أيهما شاء بالعين التالفة و ما استوفاه من المنفعة فإن الزم المستعير كان له ان يرجع هو على المعير بما يعزم مع جهله لانه اذن في استيفائها بغير عوض عنها و عن العين لو تلفت و لا (كذلك) مع علمه لاستقرار الضمان عليه بسببه فليس له الرّجوع بما عزمه و ان الزم الغاصب لم يرجع على المستعير الا مع علمه أو كون العين مضمونة فيرجع عليه فيهما لاستقرار الضمان عليه في الأول و إقدامه في الثاني على الضمان مع صحة العارية فكذا عليه الضمان مع الفساد للقاعدة الكلية ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده لكن هذا لا يوجب الا ضمان العين دون المنفعة فإنّها ليست بمضمونة بالكلية و لو في الذهب و الفضة بل المضمون فيهما هو العين خاصة و لا خلاف في شيء من ذلك فيما أجده الا من الماتن (رحمه الله) في (الشرائع) و الفاضل (قدس سرّه) في (القواعد) فلم يجوزا رجوع المالك الى المستعير مع جهله لضعف مباشرته بالغرور و السّبب الغار أقوى و (المشهور)

280

الأول لما تغرر في كلامهم من ان كل من ترتبت يده على المغصوب فان يده يد ضمان عالما كان أو جاهلا و لعله لعموم على اليد و هو أقوى انتهى و وجه ظهوره فيما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من اختيار صاحب الرياض (رحمه الله) الضمان في العارية المضمونة (مطلقا) سواء تسبب ضمانها من الشرط أم من نفس العين إطلاق قوله أو كون العين مضمونة الشامل للقسمين خصوصا مع تصريحه بأضعف الفردين من المضمونة اعنى الذهب و الفضّة في قوله فإنها ليست بمضمونة و لو في الذهب و الفضّة و انّما قلنا ان الذهب و الفضّة أضعف فردي المضمونة لأن الفرد الأخر عبارة عما اشترط فيه الضمان و هو أقوى فردي المضمونة من جهة التصريح فيه بالضمان لفظا مضافا الى ان ثبوت حكم الضمان في حق مستعير الذهب و الفضة مع عدم علمه بالغصب خفي

قوله (رحمه الله) تبعا

(الظاهر) الى حيث قال في شرح قول المحقق (رحمه الله) و لو استعار من الغاصب و هو لا يعلم كان الضمان على الغاصب و للمالك إلزام المستعير بما استوفاه من المنفعة و يرجع على الغاصب لانه اذن في استيفائها بغير عوض و الوجه تعلق الضمان بالغاصب حسب و كذا لو تلفت العين في يد المستعير من الغاصب كانت يده يد ضمان كما في كل من ترتبت يده على يده سواء كان عالما بالغصب أم جاهلا على أصح القولين في المسئلة لكن مع جهل المستعير له الرّجوع بما اعزمه المالك لدخوله على ان تكون العين و المنفعة غير مضمونه و يستثني منه ما إذا كانت العارية مضمونة فإنه لا يرجع (حينئذ) على الغاصب بالقيمة لو تلفت في يده و رجع بأجرته للمنفعة إذا أخذها منه المالك و (كذلك) يرجع بعوض النقصان قبل التلف لانه غير مضمون عليه و ان كانت مضمونة كما سيأتي و وجه ما اختاره (المصنف) (رحمه الله) من اختصاص الضّمان بالغاصب حيث لا تكون العارية مضمونة ان المستعير مغرور فضعفت مباشرته فكان السّبب الغار أقوى و (الشارع) الأول و الحاصل ان المالك مخير في الرّجوع على كل منهما فان رجع على المستعير رجع على الغاصب ان لم تكن العارية مضمونة و الا رجع عليه بعين ما تقدم على ضمانه و ربما احتمل؟؟؟ هنا ضعيفا رجوعه (مطلقا) لان استحقاق العين أوجب فساد العارية فلا تكون مضمونة و هو مغرور مع الغصب فيرجع على من غره و يضعف بان غروره في الغصب لا مدخل له هنا في الضمان لأنا لم نضمنه من حيث الغصب بل من حيث كونها عارية مضمونة و دخوله على ذلك فإذا تبين فسادها لحق حكم الفاسد بالصحيح كما سلف من القاعدة و ان رجع المالك على الغاصب لم يرجع على المستعير ان لم تكن مضمونة و الا رجع عليه بما كان يضمنه لو كانت صحيحة و لا فرق في ذلك كله بين المنفعة و الاجراء و العين و إطلاق (المصنف) (رحمه الله) رجوع المستعير على الغاصب و اختصاص الضمان به غير جيد بل كان عليه ان تستثنى العارية المضمونة انتهى و وجه ظهوره إطلاق المضمونة الشامل لما اشترط فيه الضمان ان لم نقل بأنّه أظهر الفردين

قوله (رحمه الله) فتأمل

إشارة إلى دفع ما (يقال) انه في مورد مسئلة خيار التأخير ثلثه أيام و هو ما لو باع و لم يقبض الثمن و لا اقبض المبيع و لا اشتراط التأخير فيهما المحكوم فيه بلزوم البيع على المتبايعين جميعا الى ثلاثة أيام و بأنه بانقضائها يثبت الخيار للبائع خاصة قد اختلفوا في ان تلف المبيع في أثناء الثلاثة من المشترى كما عن المفيد (رحمه الله) و كثير ممن تبعه بل عن الانتصار و الغنية الإجماع عليه أو ان تلفه من البائع كما حكى عن جماعة أخرى بل وصفه (المصنف) (رحمه الله) فيما يأتي من محله (إن شاء الله) (تعالى) بالشهرة و ان كان يظهر منه هناك ترجيح الثاني فلا يصحّ إطلاق القول بان تلف المبيع قبل القبض من مال البائع لأن القاعدة الجارية بين كافة العلماء السارية بين عامتهم لا تكون مبنية على مذهبه بل لا بد ان تنساق على وجه يصح ان تتداول بينهم على اختلاف مذاقهم بان يراد به معنى كلى جامع ينطبق على مذهب كل من المختلفين فيكون العقد في الصورة المفروضة عند القائلين بأن تلف المبيع في الثلاثة من مال المشترى سببا تاما لضمانه لعدم اشتراطه فيها بالقبض و وجه الدفع ان (المصنف) (رحمه الله) اعتبر السّببية أعم من الناقصة و العلة و مع عمومها لا يتفاوت الحال لانه بعد الثلاثة سببية البيع لضمان المشتري مشروطة بقبضه اتفاقا فلا بد من ان يراد معنى عام حتى يشمل القسمين كما ذكره (المصنف) (رحمه الله) و لا يراد خصوص أحدهما حتى يشكل الأمر بما هو من مصاديق الأخر أو انه اشارة إلى دفع ما (يقال) من ان البائع لو مكن المشترى من القبض في مورد خيار التأخير فلم يتسلم ارتفع به الضمان و ان لم يتحقق القبض من المشترى على ما حكى عن الشيخ و قواه (المصنف) (قدس سرّهما) فلا يكون القبض بنفسه (حينئذ) معتبرا حتى يعد جزء للسّبب فيكون السّبب هو العقد بنفسه و يكون علة تامة و وجه الدفع ان الشرط أحد الأمرين من قبض المشتري أو مجرد تمكين البائع إياه من القبض و ان لم يقبض فلا يكون عقد البيع علة تامة أو انه اشارة إلى دفع ما يمكن ان (يقال) من ان كون تلف المبيع من مال البائع انما هو إذا كان التلف بآفة سماوية و امّا إذا كان التلف من المشترى فقد استظهر (المصنف) (رحمه الله) فيما يأتي عدم الخلاف في كونه بمنزلة القبض في سقوط الضمان و في إتلاف البائع أو الأجنبي خلاف أو وجوه مذكورة في كلام (المصنف) (رحمه الله) فيما يأتي من محله فلا يكون القبض (مطلقا) شرطا حتى يمتنع كون العقد علة تامة و وجه الدفع مثل ما تقدم

[الكلام في مدرك القاعدة]

قوله (قدس سرّه) ثم ان المدرك لهذه الكليّة على ما ذكره في (المسالك) في مسئلة الرّهن المشروط بكون المرهون مبيعا بعد انقضاء الأجل هو إقدام الأخذ على الضمان

قال فلو قبضه المرتهن على هذا الوجه ضمنه بعد الأجل لا قبله لأنه في مدة الأجل رهن فاسد و بعده مبيع فاسد و فاسد كل عقد يتبع صحيحة في الضمان و عدمه فحيث كان صحيح الرهن غير مضمون كان فاسده (كذلك) و حيث كان صحيح البيع مضمونا على المشترى ففاسده (كذلك) و السر في ذلك انهما تراضيا على لوازم العقد فحيث كان مضمونا فقد دخل القابض على الضمان و دفع المالك عليه مضافا الى قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) على اليد ما أخذت حتى تؤدّى و هو واضح و حيث يكون غير مضمون يكون التسليم واقعا على اعتقاد صحّة العقد فلم يقصد المسلم ضمانا بل سلم على قصد العدم و لم يلتزم المتسلم ضمانا (أيضا) فينتفي المقتضي له و هذا القسم انّما يتم لو كانا جاهلين بالفساد أو عالمين به لإذن الدافع في القبض فيكون بمنزلة الامانة و كذا لو كان الدافع عالما به و القابض جاهل امّا لو انعكس أشكل من حيث ان القابض أخذ بغير حق و الدافع توهم اللزوم و الا لما رضى بدفع ماله فينبغي ان يكون مضمونا لعموم الخبر السالف الا ان الأصحاب و غيرهم أطلقوا القول في هذه القاعدة لم يخالف فيها أحد و يمكن توجيهه أيضا بأن المالك اذن في قبضه على وجه لا ضمان فيه و المتسلم تسلمه منه (كذلك) و عدم رضاه لو علم بعدم اللّزوم غير معلوم فالإذن حاصل و المانع غير معلوم انتهى و لكنه في مسئلة قبض المشترى ما ابتاعه بالعقد الفاسد جعل نفس القاعدة في عرض الدليلين المذكورين فاستدل بالأمور الثلاثة على نفس الضمان في تلك المسئلة حيث قال لا إشكال في ضمانه إذا كان جاهلا بالفساد لانه قدم على ان يكون مضمونا عليه فيحكم عليه به و ان تلف بغير تفريط و لقوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدّى و من القواعد المقررة في هذا الباب ان كلّ عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده هذا

281

ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و كيف كان فالدّليلان اللذان تمسّك بهما للقاعدة للمناقشة فيهما مجال كما أشار إليها (المصنف) (رحمه الله) في الكتاب

قوله اللهمّ الا ان يستدل على الضمان فيها بما دلّ على احترام مال المسلم

مثل ما في (التذكرة) بطريق العامة عن جابر ان رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في خطبة يوم النحر دماؤكم و أموالكم حرام كحرمة يومكم هذا من شهركم هذا و عن ابى بكر ان النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال في خطبة يوم النحر ان دماؤكم و أموالكم و أعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا و أورد بعض من تأخر بأن الخبرين و أمثالهما إنما يستفاد منها حرمة التصرّف في مال المسلم أو امّا انّه بعد التصرف مضمون فلا ثمّ انه استدرك صحّة الاستدلال بها في المنافع المستوفاة و الأعمال التي وقعت من المسلم لغيره لتمسكهم بقاعدة احترام عمل المسلم و ماله فيها و استدلال (المصنف) (رحمه الله) في هذا المقام فهو في محله

قوله و انه لا يحل الا عن طيب نفسه

مثل ما في (المبسوط) مرسلا عن انس عن النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه قال لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفس منه و أورد عليه بعض من تأخر بأن هذا الخبر و ما في معناه لا يدل الا على ان التصرّف في مال المسلم بدون اذنه محرّم منع عنه (الشارع) و امّا انه بعد التصرّف مضمون على المتصرّف بمعنى انه يجب عليه رد بدله من مثل أو قيمة فلا دلالة فيه على ذلك و لعل وجه الاستدلال به هو ان حله بعد تلفه عبارة عن سقوطه عن ذمته و أنت خبير بأنه بعد التلف ينتفي الموضوع للحكم المذكور في الحديث لأنه ينتفي ماله المضاف اليه فلا يبقى مال مضاف الى المسلم حتى لا يحل الا بطيب نفس منه فوجوب ردّ بدله يحتاج الى دليل أخر (فتأمل)

قوله و ان حرمة ماله كحرمة دمه

في (المبسوط) انه روى الأعمش عن ابى و إبل عن عبد اللّه بن مسعود ان النّبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) قال حرمة مال المسلم كحرمة دمه و لكن في دلالته على الضمان نظر لان دلالته عليه موقوفة على ارادة التشبيه فيما يترتب على اراقة دم المسلم من المقاصة بأن يراد ان دم المسلم كما لا يبطل (كذلك) ماله لا يتلف بغير ضمان عوضه و هذا غير منساق منه و انما المساق ان احترام مال المسلم من حيث حرمة الاقدام على اكله بغير حق كحرمة دمه من حيث حرمة إراقته بغير حقّ و يؤيد هذا ان الشّيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) ذكر الخبر المذكور في عداد ما استدل به على حرمة الغصب و يؤيده (أيضا) الخبران المذكوران من طريق العامة في (التذكرة) المتقدم ذكرهما و وجه التأييد أنه شبه فيهما حرمة الدماء و الأموال بحرمة يوم النحر و معلوم ان يوم النحر لا ضمان له مضافا الى ما في الثاني منهما من الجمع بينها و بين الاعراض التي لا ضمان فيها

قوله و انه لا يصحّ ذهاب حق أحد

أورد عليه بعض من تأخر بأن المراد بذهاب الحق كون التصرف فيه و الابتداء باستباحته مرخصا فيه و اين هذا من الضمان أقول الإنصاف ان اضافة الذهاب إلى الحق بخصوصه تقتضي ان حق أحد إذا ثبت على ذمة غيره فان ذلك الحق لا يصح ذهابه و بطلانه و فواته بغير عوض و على هذا يدلّ على الضمان ثمّ لا يخفى عليك ان قول (المصنف) (رحمه الله) و انه لا يحل الا عن طيب نفسه و ان حرمة ماله كحرمة دمه و انه لا يصحّ ذهاب حق أحد بمجموعه عطف على قوله احترام مال المسلم على وجه التفسير و ذلك لان احترام مال المسلم كلى و هذه المفاهيم الثلاثة المدلول عليها بالاخبار عينه ففي الحقيقة أراد (المصنف) (رحمه الله) التمسّك للمنافع و الأعمال المضمونة بدليلين قاعدة احترام مال المسلم و أدلة نفى الضرر و لذا ثناهما في عبارته الآتية فقال لقاعدتي الاحترام و نفى الضرار فافهم

قوله مضافا الى أدلة نفى الضّرر فكلّ عمل وقع من عامل لأحد بحيث يقع بأمره و تحصيلا لغرضه فلا بد من أداء عوضه لقاعدتي الاحترام و نفى الضّرار

لا يخفى عليك انّه (رحمه الله) لهذا البيان خصّ مورد قاعدتي الاحترام و نفى الضرار في الأعمال بما إذا وقعت بأمر من يراد تغريمه و لتحصيل غرضه و وجهه واضح إذ لو لم يصدر منه الأمر و لم يتعلق غرضه بصدوره من الفاعل لم يصدق عليه انه أضر العامل و لا انه ترك احترام عمل المسلم فلا يشمل موردهما مثل السّبق في المسابقة الفاسدة فهما أخص من قاعدة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده كما ان قاعدة اليد أخصّ منها باعتبار اختصاص هذه بالأعيان و عموم تلك القاعدة لها و لغيرها من المنافع و الأعمال المستأجر عليها و غيرها و احتمال ضم عدم القول بالفصل إليهما أو الى قاعدة اليد و نحوهما مدفوع بعدم ثبوته كما لا يخفى على المتتبع لمواردها فقد حكم كثير منهم في كثير منها بعدم الضمان في الفاسد و قد عرفت من (المسالك) انها لا دليل عليها كلية بل النزاع واقع في بعض مواردها فكل ما لا إجماع أو نحوه على ضمانه فالأصل بخلافها فتحصل مما ذكرناه ان دليل القاعدة بالنسبة إلى المنافع و الأعمال أخصّ من نفس القاعدة لجريانها بمفهومها في الأعمال التي لم يأمر بها الطرف الأخر من العقد و لم يستوفها كما في المسابقة الفاسدة مع ان قاعدتي احترام مال المسلم و نفى الضرار لا تجريان فيه و قد وقع الخلاف في المسابقة الفاسدة كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) بقوله فقد تخلفت القاعدة فيها بمعنى انه وقع الخلاف فيها مع كونها من موارد القاعدة و الخلاف في المورد مناف للاتفاق على نفس القاعدة الا ان يلتزم بالغفلة و هو بعيد بل نقول ان التحقيق ان قاعدة ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده قضيته متنزعة من أحكام الموارد التي دل الدليل فيها على الضمان و ليست بنفسها مما قام عليه الدليل و ان ادعى عليه الإجماع في شرح (القواعد) فيما عرفت مما تقدم الا ان مثل هذه القاعدة مما لم ينطق به أحد قبل العلامة (قدس سرّه) و غاية ما هناك انه صدر من الشيخ (قدس سرّه) اشارة تصلح للحمل على ارادتها لا يمكن فيه تحقق الإجماع فكل مورد قام على الضمان فيه دليل تحكم به اعتمادا على ذلك الدليل دون القاعدة و كل مورد لم يقم عليه فيه الدّليل لا نحكم به

قوله (رحمه الله) فيبقى عليه ما ذكر سابقا من النقض و الاعتراض

النقض عبارة عما افاده من كون النسبة بين مورد التعليل الّذي هو الاقدام و بين الضمان هي العموم من وجه و الاعتراض عبارة عمّا ذكره من ان الاقدام انما هو على نحو خاص و هو التراضي بالعوض المخصوص و اين ذلك من الضمان بالمثل أو القيمة مما هو مغاير لما أقدما عليه

قوله ثم انه لا فرق فيما ذكرنا من الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد و بين علمه مع جهل القابض

(انتهى) هذا التعميم ناظر إلى أصل المسئلة و هو ضمان المبيع بالبيع الفاسد و توضيح الحال انه لا (يخلو) اما ان يكون البائع و المشترى كلاهما عالمين بالفساد أو جاهلين أو يكون البائع جاهلا به و المشترى عالما أو يكون الأمر بالعكس فيكون البائع عالما و المشترى جاهلا و (المشهور) هو الحكم بالضمان في الصور الأربع كلها و ان تلف بغير تفريط لقوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى و هو يعمها بأسرها و قد يتمسك بقاعدة الإقدام على ان يكون مضمونا عليه فيحكم عليه بالضمان و بقاعدة ان كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و هما ايضا على تقدير التعويل عليها يجريان في الصّور كلها بل في (الجواهر) انه يظهر من إطلاقهم و معقد إجماعهم ما صرّح به شيخنا في شرحه و الفاضل في الرّياض من عدم الفرق فيما

282

سمعته بين علمهما بالفساد و جهلهما به أو علم أحدهما ضرورة اشتراك الجميع فيما ذكرناه لان العلم بالفساد لا ينافي اختصاص ما صدر منهم من الاذن كما لا ينافيه إيقاعهم التقابض و نحوه على انه من مقتضيات العقد الفاسد المعامل معاملة الصّحيح و لو للإبداع أو التشريع و كذا لا ينافيه الجهل بالفساد إذ أقصاه في بعض الأحوال عدم الإثم و هو يجامع الضمان كما في إتلاف الساهي و النائم و غيرهما لا الاذن من المالك بذلك هذا كلامه و احتمل الشهيد الثاني (قدس سرّه) في (المسالك) عدم الضمان فيما لو علم البائع بالفساد لتسليطه على إتلافه مع علمه بكونه باقيا على ملكه و كذا لو كانا عالمين بالفساد لكنّه بعد ذلك قال ان الأقوى ثبوته يعنى الضمان في جميع الصّور و قوى المحقق الأردبيلي (رحمه الله) في صورة جهل القابض بالفساد عدم الضمان استنادا الى الأصل و جعل عدمه في صورة علم الأخر عند جهله بالفساد أقوى و اما في صورة علم القابض بالفساد فان لم يعلم بوجوب الردّ فقد قال ان الضمان غير ظاهر و لا بأس بأن نذكر كلامه بعينه فنقول قال في شرح قول العلامة (قدس سرّه) و المقبوض بالسوم أو البيع الفاسد على مضمون على المشترى ما نصّه و كذا المأخوذ بالبيع الفاسد سواء كان القابض عالما بالفساد أو جاهلا دليلهم الخبر (المشهور) على اليد ما أخذت حتّى تؤدى و القاعدة المشهورة كل عقد يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و صحتهما غير ظاهرة و الأصل يقتضي العدم و هو مع الجهل بالفساد قوى و مع علم الأخر أقوى و مع ذلك قال لا إشكال في الضّمان مع الجهل بالفساد (فتأمل) و مع علمه بالفساد و بعدم جواز تصرّفه و حفظه و وجوب رده الى مالكه معجّلا كالمغصوب و ذلك قد يكون بعلمه بطلب من المالك على تقدير الفساد و عدم رضاه بكونه عنده و فتوى العلماء له بذلك فهو ضامن للأصل و ما يتفرع عليه كما قيل في الغصب حتى انه يضمن العين و المنفعة و ان لم ينتفع بها مثل اجرة الدابة في المدة التي كانت عنده و امّا مع الجهل بالفساد سيما في أمر غير ظاهر الفساد و كذا بعد العلم به و لكن مع عدم العلم بوجوب الرّد في الحال فالضمان غير ظاهر و لو ظن ان المالك رضى لهذا المال بالبدل المعلوم فهو راض بان يتصرف فيه عوضا عما في يده فالأكل (حينئذ) ليس أكلا بالباطل بل بالرّضا فإنه رضى بالتصرّف فيه بان يجوز له التصرّف في بدله و قد جوز صاحبه ذلك (فحينئذ) يجوز تصرف كل واحد في بدل ماله و ان لم يكن بسبب البيع بل بسبب الاذن المفهوم مع البدل و كأنه يرجع الى المعاطاة و الإباحة مع العوض من غير بيع و لا نجد منه مانعا غاية الأمر ان يكون لكل واحد الرّجوع عن قصده الأوّل و أخذ ماله عينا و زيادة نعم إذا علم عدم الرّضا الا بوجه البيع أو اشتبه ذلك يتوجه عدم جواز التصرّف و الضمان على تقدير فهم عدم الرضا بالمكث عنده و كونه امانة على تقدير غيره و يحتمل جواز التصرف على تقدير التقاص (أيضا) في بعض المحال بان غاب المالك و امتنع الاطلاع عليه و إيصاله اليه و أخذ ماله منه كما في غير هذه الصّورة و بالجملة دليل الحكم (المشهور) بينهم و هو جعل حكم المقبوض بالسوم و العقد الفاسد مثل الغصب في أكثر الأحكام حتى في إلزامه بالإيصال الى صاحبه فورا فلا يصح عباداته في أول وقتها على تقدير القول بمنافاة حقوق الأدمي لها كما هو (الظاهر) غير ظاهر فالحكم مشكل و لا شك انه ينبغي ملاحظة ذلك مهما أمكن انتهى و قد علم من كلام كل منهما وجه لعدم الضّمان فالمستند وجهان أحدهما الأصل مع الشّك في شمول دليل الضمان لذلك و الأخر تسليط المالك إياه على ماله و هناك وجه ثالث ذكره له بعض الأواخر و هو فحوى قاعدة رجوع المغرور على من غره و لكن الجميع كما ترى واضح الضعف اما الأول فلانه لا جهة للشك المزبور و (حينئذ) فلا مجال للأصل و امّا الثاني فلان التسليط انما هو على وجه مخصوص و لم يحصل و الجهل بعدم حصوله ليس عذرا مسقطا للضمان و لا الإثم إذا كان عن تقصير منه و اما الثالث فلانه ليس هناك الا جهل القابض و علم المالك مع إيقاعه العقد المخصوص و ليس شيء منهما و لا المجتمع منها موجبا لغرور العالم إياه هذا و قد يورد على الوجه الثاني بوجه أخر و

هو ان التّسليط المذكور لو قضى بعدم الضمان هنا لقضى به في العالمين بالفساد بل لعله اولى فيهما إذ لا مجال لقصد الصحيح منهما فلا بد ان يكون إذنهما بالقبض على كل حال لا على وجه مخصوص و (حينئذ) فلا ضمان عليهما لاستناد الإتلاف إلى اذن المالك فإذا لم يضمنا به لم يضمنا بالتلف عندهما بطريق اولى و يدفع بإمكان قصد الوجه المخصوص و لو على وجه الإبداع و التشريع كما يساعد عليه الوجدان و (حينئذ) فلا فرق بين العالم و الجاهل في سبب الضمان و عدمه هذا و الحق ما هو (المشهور) من الحكم بالضمان (مطلقا) لإطلاق قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت الشامل للصّور كلها و دعوى ان البائع إذا علم بالفساد يسلّط المشترى على التصرف في المبيع على كل حال لان تسليمه الى المشترى مع علمه بفساد البيع امارة التسليط على كل حال ممنوعة لما عرفت من إمكان قصد الوجه المخصوص و لو على وجه التشريع و ان قيل بنظيره في الشراء من الغاصب مع علم المشترى بكون المال مغصوبا نظرا إلى انه إذا علم بكون المبيع مغصوبا فقد سلّط الغاصب على إتلاف ماله مجانا فليس بعد ذلك متسلّطا على استرداده و لهذا مال صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) على ما حكى عنه الى ان جميع ما لا يصح بيعه شرعا كالحشرات و الخمر و الخنزير و أمثال ذلك إذا بذل المشترى المال في تقابلها كان ذلك من قبيل رفع اليد عن ماله بغير اقتضاء عوض نظير ما لو قال بعتك بلا ثمن و لكن الأدلة على خلافه فان ما دل على كون ثمن الخمر سحنا و نحوه في غيرها مطلق شامل لصورتي العلم و الجهل جميعا و الحكم المذكور في الشراء من الغاصب ان كان مما قام عليه الإجماع فهو الفارق و الا فللنظر فيه ايضا مجال هذا و قد بقي هنا نكتة ينبغي التّنبيه عليها و هي ان قول (المصنف) (رحمه الله) لا فرق فيما ذكرناه بين جهل الدافع بالفساد و بين علمه مع جهل القابض قد اشتمل على ثلث من صور المسئلة بتقريب ان جهل الدافع بالفساد على قسمين أحدهما ان يكون القابض ايضا جاهلا و الأخر ان يكون القابض عالما و علم الدافع مع جهل القابض يصير ثالثها و يبقى ما لو كانا كلاهما عالمين و كان اللازم مراعاة حق الإشارة إليه حتى يعلم أطراف تفصيل المفصل جزما أو احتمالا

[الكلام في بيان قاعدة كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده]

قوله و امّا عكسها و هو ان ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده

أقول ممن يظهر منه كونه من قواعد الأصحاب المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و ان توقف هو فيه في مسئلة ضمان المقبوض بالبيع الفاسد قال في شرح قول العلامة (قدس سرّه) و المستأجر أمين لا يضمن الا بالتفريط أو التعدي أو تسلم العين بغير اذن لا بالتضمين اى لا يضمن المستأجر بأن يشترط عليه الموجر الضمان و ان لم يفرط لانه شرط مخالف لما ثبت

283

شرعا و هو كون المستأجر أمينا لا يضمن الا بالتفريط فلا يصح هذا الشّرط و يمكن ان يبطل ببطلانه المشروط ايضا كما هو مقتضى الشّرطية و يحتمل بطلان الشرط فقط و الأول أوضح دليلا إذ الرضا ما وقع الا بالشّرط و ما حصل و بدونه ما حصل و بالجملة (الظاهر) بطلان المشروط لبطلان شرطه الا ان يكون دليل على الصحّة بخصوصها و على تقدير بطلان الشّرط عدم الضمان معلوم و كذا مع بطلان العقد أيضا للأصل و لما تقرر عندهم من ان كل ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده انتهى و توقف فيه صاحب (الجواهر) مع اعترافه بصحة أصل القاعدة قال بعد كلام له في جريانها فظهر (حينئذ) ان القاعدة المزبورة لا ريب فيها على إطلاقها كما اعترف بذلك في الرّياض و غيره نعم قد يتوقف فيما صرحوا به من مفهومها على وجه القاعدة أيضا و هو ان ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده كالمال في الهبة و العارية و نحوهما و قال في كتاب العارية في مسئلة الاستعارة من الغاصب عند قول المحقق (قدس سرّه) و لو استعار من الغاصب و هو لا يعلم كان الضمان على الغاصب لانه اذن في استيفائها بغير عوض و الوجه تعلّق الضّمان بالغاصب حسب و كذا لو تلفت العين في يد المستعير و لم تكن مضمونة عليه بل قيل ان الرّجوع عليه ظلم محض لانه جاهل الا ان ذلك كما ترى لا يقتضي عدم الرّجوع على المستعير لقاعدة اليد و الإتلاف و قول على (عليه السلام) في المرسل و خبر إسحاق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و ابى إبراهيم (عليه السلام) إذا استعيرت عارية بغير اذن صاحبها فهلكت فالمستعير ضامن و انما يتوجّه له الرجوع بقاعدة الغرور و هو لا ينافي أصل ضمانه اللهم الا ان (يقال) ان قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده تقتضي ذلك و لعلها المدرك في الحكم بعدم الضمان الى ان قال نعم يمكن الرّد على؟؟؟ (المصنف) (رحمه الله) بإنكار الدّليل عليها في المقام إذ من المعلوم ان المسلم من هذه القاعدة ما وافق الأدلّة منها ضرورة عدم دليل عليها بالخصوص و ليس الفاسد من حيث كونه فاسدا يترتب عليه ما يترتب على الصّحيح بل مقتضى فساده عدم ترتب اثر الصّحيح عليه كما هو واضح و ليس في الأدلة ما يوافق مضمونها بل قد عرفت ان قاعدة اليد و عموم من أتلف و المرسل و الخبر الضمان و ان اقتضت قاعدة الغرور الرّجوع على الغاصب و دعوى؟؟؟ الإجماع عليها معلومة الفساد في المقام إذ (المشهور) بين الأصحاب الضمان هنا مع الجهل و ان رجع بقاعدة المغرور هذا كلامه و ذكر بعض من تأخر ان العكس المذكور على وجه القاعدة على حد أصله منقوض بما لو استعار من الغاصب عالما عامدا فإن العارية (حينئذ) فاسدة و يترتب عليها ضمان المستعير مع ان صحيح العارية لا يترتب عليه ضمان الا مع الشرط أو كون المستعار ذهبا أو فضة الا ان تلتزم بالاختصاص في مورد القاعدة و قصر الحكم بعدم ضمان الفاسد على ما هو فاسد بالعرض بعد تحقق أركان العقد التي هي في المقام عبارة عن العين المعارة و المعير و المستعير بمعنى كمالهما بارتفاع الحجر عنهما و ذلك بان يكون الفاسد مستندا إلى إفساد الصّيغة أو أمر أخر طار كالاستعارة المحرم الصّيد من المحلّ في حال الإحرام على القول بفسادها فتأمل

قوله كما صرّح به في (القواعد) و (التحرير)

اى صرّح بعدم ضمان العين المستأجرة فاسدا فيهما ففي (القواعد) ما لفظه العين امانة في يد المستأجر لا يضمنها الا بتعد أو تفريط في المدة أو بعدها إذا لم يمنعها مع الطلب سواء كانت الإجارة صحيحة أو فاسدة انتهى و في (التحرير) ما لفظه إذا كانت الإجارة فاسدة لم تكن العين مضمونة أيضا إلا بالتعدّي انتهى

قوله و حكى عن (التذكرة)

قال في كتاب الإجارة منها إذا كانت الإجارة فاسدة لم يضمن المستأجر العين أيضا إذا تلفت بغير تفريط و لا على وان لانه عقد لا يقتضي صحيحة الضمان فلا يقتضيه فاسدة كالوكالة و المضاربة و حكم كل عقد فاسد حكم صحيحة في وجوب الضمان و عدمه فما وجب الضمان في صحيحة وجب في فاسده و ما لم يجب في صحيحة لم يجب في فاسده و لأن الأصل برأيه الذمّة من الضمان لانه قبض العين باذن مالكها فلم يجب عليه ضمانها انتهى

قوله الا ان صريح الرّياض الحكم بالضمان

قال في ذيل ما ذكره في شرح قول المحقّق (قدس سرّه) و يثبت اجرة المثل في كل موضع تبطل فيه الإجارة ما لفظه و العين مضمونة في يد المستأجر (مطلقا) كما نسب الى المفهوم من كلمات الأصحاب و لعله لعموم الخبر بضمان ما أخذته اليد انتهى

قوله و (الظاهر) ان المحكي عنه هو المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في مجمع الفائدة

قال المحقق المذكور في طي ما حرره في شرح قول العلامة (قدس سرّه) و كل موضع يبطل فيه العقد يثبت فيه اجرة المثل مع استيفاء المنفعة أو بعضها زادت عن المسمّى أو نقصت ما نصه ثم ان (الظاهر) ان العالم كالغاصب لا يجوز له التصرّف و لا يستحق شيئا لما مر من ان الاذن انما علم بالعقد لاعتقاد انه صحيح و يلزم الطرف الأخر ما يلزمه و قد بطل و هو عالم بالفرض فيبقى أصل المنع على حاله كما قيل في البيع الباطل بل يفهم من كلامهم الضمان مع الجهل ايضا هذا ما أهمنا نقله من كلامه (رحمه الله) فان حكمه بحرمة التصرف و كون العالم كالغاصب و قوله انه يفهم من كلامهم الضمان بعد إثبات أجرة المثل و بيان الدليل عليها ظاهر في ان المراد بالضمان ضمان العين

قوله و الأقوى عدم الضمان فالقاعدة المذكورة غير مخصصة بالعين المستأجرة و لا متخصصة

وجه عدم كون الضمان هو الأقوى يعلم مما يذكره في جواب السؤال إلا في من التمسك بعموم ما دل على ان من لم يضمنه المالك سواء ملكه إياه بغير عوض أو سلطه على الانتفاع به أو استأمنه عليه لحفظه أو دفعه اليه لاستيفاء حقه أو العمل فيه بلا اجرة أو معها أو غير ذلك فهو غير ضامن

قوله بناء على فساد العارية

(الظاهر) انه لا قائل صريحا بفساد العارية و انما هو احتمال أبداه في (المسالك) قال (رحمه الله) عند قول المحقق (قدس سرّه) و لا يجوز للمحرم ان يستعير من محلّ صيد الا انه ليس له إمساكه و لو أمسكه ضمنه و ان لم يشترط عليه ما لفظه لا شبهته في عدم جواز استعارة المحرم الصيد من المحل و المحرم لما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من تحريم إمساكه عليه فلو استعاره بعقد العارية فهل يقع العقد فاسدا يحتمله للنهى و عدمه لان المعاملات لا يبطلها النّهي إلا بدليل خارج و عبارة (المصنف) (رحمه الله) و غيره لا تدل على أحد الأمرين صريحا لان عدم الجواز أعم من الفساد كما ذكرناه انتهى ما أهمنا نقله هنا

قوله (رحمه الله) و لذا ناقش الشهيد الثاني (قدس سرّه) في الضمان على تقديري الصّحة و الفساد

يعنى انه لكون صحيح العارية لا يضمن به ناقش الشّهيد في ضمان المحرم الصّيد بالقيمة للمالك على كلّ من احتمالي صحة عقد عارية الصيد للمحرم و عدمه لأنّها ان كانت صحيحة فلا ضمان في صحيح العارية و ان كانت فاسدة فما لا يضمن بصحيحة لا يضمن في فاسده قال في شرح عبارة المحقق المذكور و مقتضى عبارة (المصنف) (رحمه الله) و جماعة انه يضمنه مع التلف للمالك (أيضا) بالقيمة لأنهم جعلوها من العواري المضمونة و ان لم يشترط فيها الضّمان و دليله غير واضح إذ مجرّد تحريم استعارته لا يدل على الضمان سواء قلنا بفساد العقد أم بصحّته اما مع صحّته فالأصل في العارية عندنا ان تكون غير مضمونة الا ان يدل دليل عليه و لم يذكروا هنا دليلا

284

يعتمد عليه و امّا مع فسادها فلان حكم العقد الفاسد حكم الصحيح في الضّمان و عدمه كما أسلفناه في مواضع قاعدة كليّة و يمكن الاستدلال على ضمانه هنا بإطلاق النّصوص ان المحرم لو أتلف صيدا مملوكا فعليه فداؤه لمالكه فيدخل فيه صورة النزاع و فيه نظر لمعارضته بالنص الصّحيح الدال على ان العارية غير مضمونة فكما يمكن تخصيص الأول بالصّيد المأخوذ بغير اذن المالك يمكن تخصيص الثاني بغير الصّيد فالترجيح غير واضح انتهى

قوله الا ان (يقال) ان وجه ضمانه بعد البناء على انه يجب على المحرم إرساله و أداء قيمته ان المستقر عليه قهرا بعد العارية هي القيمة

(انتهى) هذا الكلام أخذه من العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) حيث قال لا يحل للمحرم استعارة الصيد من المحرم و لا من المحلّ لانه يحرم عليه إمساكه فلو استعاره وجب عليه إرساله و ضمن للمالك قيمته و لو تلف في يده ضمنه أيضا بالقيمة لصاحبه المحل و بالجزاء للّه (تعالى) بل يضمنه بمجرّد الإمساك و ان لم يشترط صاحبه الضمان عليه فلو دفعه الى صاحبه يرى منه و ضمن للّه (تعالى) هذا كلامه و في (جامع المقاصد) بعد نقله ما لفظه و في موضعين منه إشكال أحدهما ان وجوب الإرسال مع كون الصّيد ملكا لادمى و حق الأدمي مقدّم على حق اللّه غير ظاهر و انما الّذي يقتضيه الدّليل ردّه على مالكه و وجوب الجزاء للّه (تعالى) الثاني وجوب القيمة للمالك المحل لو تلف في يده بغير تفريط مع عدم اشتراط الضمان (أيضا) غير ظاهر لأن غاية ما هناك أنها عارية فاسدة و كل عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و لان المالك لما أعاره فقد رضى بعدم ثبوت الضمان عليه الذي هو مقتضى العارية فلا وجه لتضمينه فالحاصل ان الذي يقتضيه النّظر خلاف الأمرين لكن لم أظفر الى الان بمخالف فان (المصنف) (رحمه الله) في (التحرير) قد صرّح بالثاني و كذا المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) انتهى و بعد ذلك كله لا يخفى ما في إيراد (المصنف) (رحمه الله) بالنقص المذكور من الوهن إذ لم يظهر من التمسّكين بالقاعدة فساد العارية المذكورة بل لم يظهر به قول و انما ذكره المحقق الثاني من باب الإلزام و ذكره الشّهيد الثاني (رحمه الله) من باب الاحتمال و إيراد النقض بناء على الاحتمال أشبه شيء بإحداث البناء على غير أساس ثم انى أقول ان النقض المذكور و ما بعده مما ذكره (المصنف) (رحمه الله) يتعلق بعكس القاعدة و عندي انه يتجه النقض على أصل القاعدة بأمرين أحدهما النكاح دواما و انقطاعا و ذلك لان عقد النكاح إذا وقع صحيحا موجب لاستقرار نصف المهر و ان كان نصفه الأخر متزلزلا و إذا تحقق الدّخول استقر تمامه مع ان فاسده ليس (كذلك) و لو في بعض الصور و يوضح هذا ما ذكره العلامة في (القواعد) و هو ممن تكرّر في كلامه الاستناد إلى القاعدة في باب النكاح المنقطع و نصه و لو ظهر فساد العقد اما بظهور زوج أو بكونها أخت زوجته أو غيرهما فلا مهر ان لم يدخل و لو قبضته استعاره و ان دخل فلها المهر ان جهلت و الا فلا و قيل تأخذ ما قبضت و لا تسلم الباقي و يحتمل مهر المثل انتهى و في (الروضة) و لو تبين فساد العقد اما بظهور زوج أو عدة أو كونها محرمة عليه جمعا أو عينا أو غير ذلك من المفسدات مهر المثل مع الدخول و جهلها حالة الوطي لانه وطي محترم فلا بد له من عوض و قد بطل المسمّى فيثبت مهر مثلها في المتعة المخصوصة و قيل تأخذ ما قبضته و لا يسلم الباقي استنادا إلى رواية حملها على كون المقبوض بقدر مهر المثل اولى من إطلاقها المخالف للأصل و قبل الدخول لا شيء لها لبطلان العقد المقتضى لبطلان المسمّى فان كانت قد قبضته استعاده و ان تلف في يدها ضمنته (مطلقا) اى و ان لم تفرط و كذا يعنى يحكم بضمانها المهر المقبوض لو دخل و هي عالمة بالفساد لأنها بغي و لا مهر لبغي انتهى فقد أفاد كل منهما الحكم بأنها لا تستحق المهر الا مع فساد العقد و تحقق الدخول و علمها بالتحريم حالة الوطي و اما قول العلامة (قدس سرّه) و يحتمل مهر المثل فهو ناظر إلى صورة جهلها بالتحريم كما صرّح به في كشف اللثام و انما جعلنا مناط النقض صورة الدخول مع ان صورة عدم الدّخول ايضا مع فرض فساد العقد مثلها في انه لا مهر لان مجرى القاعدة أو القدر المتيقّن من مجريها انما هو ما لو تسلم المعوض كما لو قبض المبيع فإنه (حينئذ) يضمن ثمنه كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) في بيان معنى القاعدة و أشار إليه الشهيد الثاني (قدس سرّه) في عبارته التي حكيناها عنه في كتاب الرّهن من (المسالك) بقوله و حيث كان صحيح البيع مضمونا على المشترى ففاسده (كذلك) ضرورة ان ضمان المبيع انما يستقر على المشترى بعد قبضه و الا فضمانه انما هو على البائع و لا مجال لان يجاب عن هذا النقض بان المهر بعد قبض الزّوجة إياه مضمون عليها في العقد الفاسد لان هذا المعنى غير مراد من القاعدة كما يرشدك اليه قول العلامة (رحمه الله) في العبارة الأخرى كل عقد استحق المسمّى في

صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل كالإجارة و العمل في القراض هذا مضافا الى ان الزوجة لا تضمن المهر الذي قبضته في الصّحيح ثمّ ان ما ذكر قد وقع في باب عقد المتعة على ما عرفت و ذكروا في غيره ما يشمله و الدّوام قال في (القواعد) و لو زوجها الوكيلان أو الأخوان مع الوكالة من رجلين صح عقد السابق و ان دخلت بالثاني فرّق بينهما و لزمه المهر مع الجهل قال في كشف اللثام اى جهلها و الا فهي بقي هذا كلامه فتحصل مما ذكرنا ان صحيح النكاح يضمن بصحيحه المهر المسمّى و لا يضمن بفاسده مهر المثل مع علمها بفساده حالة الوطي و لو فرض وقوع الخلاف فيما ذكرناه من مسألتي النكاح قلنا ان وقوع الخلاف ايضا نقض في القاعدة لأنها ليست مختصة بواحد من طرفي الخلاف لان الغرض منها إثبات قاعدة كلية مسلّمة بين أهل الصّناعة فكيف يصح ان (يقال) ان ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده و فاسد النكاح ممّا اختلف في ضمانه فافهم الثاني الخلع فإن صحيحة يوجب ضمان الزوجة الفدية للزوج و فاسده غير موجب لبذلها بنفسها و لا لبذل بدلها و قد عرفت تعميم (المصنف) (رحمه الله) القاعدة بالنسبة اليه و ما ضاهاه كالجعالة مثلا قال العلامة (قدس سرّه) في (القواعد) و لو خالعها و الأخلاق ملتئمة لم يصح الخلع و لم يملك الفدية و لو طلقها (حينئذ) بعوض لم يملكه و وقع رجعيا انتهى و في كشف اللثام بعد قوله لم يصح الخلع بالإجماع و النص من الكتاب و السّنة هذا و قال في (الروضة) مازجا عبارته بعبارة الشهيد (قدس سرّه) و لا يصحّ الخلع الا مع كراهتها له فلو طلقها يعنى خالعها و الأخلاق ملتئمة و لم تكره بطل البذل و وقع الطلاق رجعيّا من حيث البذل و قد يكون بائنا من جهة أخرى ككونها غير مدخول بها أو كون الطلقة ثالثة انتهى فحصل من ذلك ان صحيح الخلع يضمن به بمعنى ان الزوجة تضمن الفدية المسماة للزوج و فاسده لا يضمن به عينها و لا بدلها فتدبر

قوله و يشكل اطراد القاعدة أيضا في البيع فاسدا بالنسبة إلى المنافع التي لم يستوفها

(انتهى) قد أسلفنا ما يندفع به هذا النقض و هو ان متعلق الضمان عبارة عن متعلق العقد بنفسه دون توابعه فراجع و تأمل

285

قوله و يمكن نقض القاعدة أيضا بحمل المبيع فاسدا على ما صرّح به

في (ظاهر) و (الشرائع) و (التذكرة) و (التحرير) من كونه مضمونا على المشترى ففي (المبسوط) من غصب جارية حاملا ضمنها و حملها معا و ولد المشتراة شراء فاسدا مثل ذلك و في (الشرائع) و غصب الأمة الحامل غصب لولدها لثبوت يده عليها و كذا يضمن حمل الأمة المبتاعة بالبيع الفاسد و المقبوضة على وجه السوم لان يده على الام و الولد معا انتهى

قوله خلافا للشّهيدين (قدس سرّهما) و المحقق الثاني (رحمه الله) و بعض أخر (صح) تبعا للعلامة (قدس سرّه) في (القواعد)

قال في (القواعد) و يضمن خلل الغصب لا حمل المبيع بالفاسد و السوم و قال في (الدروس) و غصب الحامل غصب الحمل اما حمل المبيع فاسدا أو حمل المستام فلا ضمان فيه و قال في (الروضة) و غصب الحامل غصب للحمل لانه مغصوب كالحامل فالاستقلال باليد عليه حاصل بالتّبعيّة لامّه و (كذلك) حمل المبيع فاسدا حيث لا يدخل في المبيع لانّه ليس مبيعا فيكون امانة في يعد المشتري لأصالة عدم الضمان و لان تسلمه بإذن البائع مع احتماله لعموم على اليد (انتهى) و قال في (جامع) (المقاصد) في شرح العبارة الّتي تقدم حكايتها عن (القواعد) امّا حمل الغصب فإنّه مغصوب كالأصل و اما حمل المبيع فإنه ليس مبيعا إذ لا يندرج الحمل في بيع الام فيكون امانة في يد المشتري لأصالة عدم الضمان و لان تسلمه باذن المالك الذي هو البائع و قال المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) و اما عدم الضمان في المأخوذ بالبيع الفاسد أو المأخوذ بالسّوم فان الحمل و ان كان مقبوضا الا انه غير مبيع بالبيع الفاسد و لا مأخوذ بالسوم فلا يدخل تحت ما يدل على ضمانه مثل ما يضمن بصحيحه يضمن بفاسده نعم ان اشترى مع الحمل يكون حكمه حكم الحامل هنا (فتأمل) انتهى

قوله مع ان الحمل غير مضمون في البيع الصّحيح بناء على انّه للبائع

فيكون ممّا لا يضمن بصحيحه و قد حكم في (المبسوط) و (الشرائع) و (التذكرة) و (التحرير) بالضّمان الفاسد فانتقض قولهم ان ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده هذا

قوله و عن (الدروس) توجيه كلام العلامة (قدس سرّه) بما إذا اشترط الدخول و البيع و (حينئذ) فلا نقض على القاعدة

مراده (رحمه الله) بكلام العلامة (قدس سرّه) هو كلامه في (التذكرة) و (التحرير) إذ قد عرفت ان له قولا أخر في (القواعد) مول ضالما في (الدروس) و اما في (الدروس) فهو قوله بعد كلامه المتقدم ذكره و قال الفاضل يضمن الحمل في البيع الفاسد و لعله أراد مع اشتراط دخوله انتهى و وجه اندفاع النقض (حينئذ) انه يكون مضمونا بصحيح البيع و فاسده

قوله ثمّ ان مبنى هذه القضية السالبة على ما تقدّم من كلام الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) هي الأولوية

تقدم كلام الشيخ قبل بيان معنى القاعدة و لكن لم يذكره هناك أيضا الا على وجه الإجمال فالأولى ان نذكر كلامه بتمامه قال إذا رهن رجل عند غيره شيئا بدين شهر على انه ان لم يقبض الى محلّه كان مبيعا منه بالدّين الّذي عليه لم يصحّ الرّهن و لا البيع إجماعا لأن الرّهن موقت و البيع متعلق بزمان مستقبل فان هلك هذا الشيء في يده في الشهر لم يكن مضمونا عليه لان صحيح الرّهن غير مضمون عليه فكيف فاسده و بعد الأجل فهو مضمون عليه لأنه في يده مبيع ببيع فاسد و البيع صحيح و الفاسد مضمون عليه إجماعا انتهى ثمّ ان ما يصلح دليلا على القضية المذكورة أمور الأوّل الأصل بعد ضعف قوله (عليه السلام) على اليد (انتهى) بحسب السند أو بسبب إعراض الأكثر في مورد القاعدة السّببيّة و فيه انّه مشهور معمول به فيما بين العامة و الخاصّة فهو مجبور بالعمل و أعراض الأكثر عنه في مورد القاعدة السّببيّة غير معلوم إذ لم يتحقق لنا تمسّك الأكثر بهذه القاعدة و انما المعلوم تمسّك جماعة معدودة بل قد يسبق الى الوهم ان هذه القاعدة من قواعد العامّة المتلقّاة منهم لا من اخبار أهل العصمة (عليه السلام) حيث انّها لو لم تكن متداولة بينهم لم يستندوا إليها و قد عرفت سابقا انه قال العلامة في مسئلة المسابقة الفاسدة و للشافعيّة قولان أحدهما انّه لا يستحق الناصل شيئا لأنه لم يفوت عليه عمله و لاعاد نفع ما فعله اليه و قال أكثرهم يجب له اجرة مثله لان كلّ عقد استحق المسمّى في صحيحة فإذا وجد المعقود عليه في الفاسد وجب عوض المثل الثاني انهما قد أقدما على المجانية فلا ضمان و فيه ان ما أقدما عليه عنوان خاص صحيح و قد انتفى و قد يكون حكمه غير حكم الفاسد بل (الظاهر) ان انتفاء الصّحيح من نوع يقتضي كون الفاسد على خلاف ذلك الصحيح الثالث الأولوية التي استفادها (المصنف) (رحمه الله) من كلام الشيخ (قدس سرّه) و أوضحها و منعها بما لا حاجة الى تفصيله و شرحه الرابع الأدلة الدّالة على عدم الضّمان فيما كان من قبيل الأمانات كالوكالة و الوديعة و نحوهما و ذلك كعموم ما دل على ان من استأمنه المالك على غير ملكه غير ضامن بل ليس لك ان تتهمه و ضم (المصنف) (رحمه الله) الى ذلك الفحوى بالنّسبة إلى مثل الهبة فإنه إذا لم يضمن فيما لم يكن فيه بذل المال بل كان مجرد استيمان ففيما كان فيه بذل المال يكون عدم الضّمان اولى بالقبول و أورد عليه بعض من تأخر بأن الكلام انّما هو في مثل الشركة الفاسدة و كذا الإجارة الفاسدة بالنّسبة إلى العين و في مثل حمل المبيع بالبيع الفاسد على القول بأنه مضمون مع عدم الضمان في صحيحة و في مثل استعارة المحل من المحرم على تقدير كون العارية فاسدة و (حينئذ) نقول ان العموم المذكور و نحوه من أدلة الاستيمان لا يستفاد منها الا حكم ما كان استئمانا محضا مقصودا منه مصلحة المالك كالوكالة و الوديعة أو ما كان مثل العارية و نحوها بالنّسبة إلى الصّحيح منها الّذي هو مورد الاذن دون غيره إذ ليس في المورد إلّا الإذن المقيّد بكونه في ضمن العارية الصّحيحة أو الإجارة الصّحيحة مثلا و قد انتفى القيد فينتفى المقيد بانتفائه و لا نسلم ان مطلق الاذن في التسلم يسقط الضمان الا ترى الى المقبوض بالسوم قد وقع الاذن في قبضه و (المشهور) فيه الضمان نعم لو قلنا بكون الرّضا التقديري رافعا للضمان ارتفع هنا ايضا عند وجوده ثم قال ان الحق ان هذه القاعدة لم يقم عليها دليل فكل مورد قام الدّليل على عدم ضمان المقبوض باليد جعلناه مخرجا عن تحت عنوان قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت و كل مورد لم يقم فيه الدّليل على عدم الضمان فالحكم انما هي القاعدة المستفادة من هذا الحديث و قال بعض المعاصرين بعد ذكر قاعدة الاقدام و الأولوية التي تقدم ذكرها عن الشّيخ (قدس سرّه) ما لفظه و المانع لهما مستظهر سيّما مع علم القابض بالفساد و جهل الدافع به و (حينئذ) فان لم يكن ثمة إجماع عليها فلا مخرج عن قاعدة اليد الّتي مقتضاها الضّمان في الصّحيح أيضا الّا انه قد خرج منها بما دل على عدم الضمان فيه و لا مخرج للفاسد منها أصلا و لا غرور من الدافع كي يتجه سقوط الضّمان عن المدفوع إليه بقاعدة رجوع المغرور عن من غره فالمتجه وفاقا لبعض من تأخر هو الضمان (مطلقا) الا ان يقوم إجماع على عدمه في بعض الموارد و دعوى الإجماع عليه (مطلقا) فيكون هو

المدرك للقاعدة المزبورة في غير محلّها كدعوى ان ما دل عليه في الصّحيح دال عليه في الفاسد ايضا و هو عموم ما دل على ان من لم يضمنه المالك سواء ملكه إياه بغير عوض أو سلّطه على الانتفاع به أو استأمنه عليه لحفظه أو دفعه اليه لاستيفاء حقّه أو العمل فيه بلا اجرة أو معها أو غير ذلك فهو غير ضامن كعموم ما دل على ان من استأمنه المالك على ملكه

286

غير ضامن بل ليس لك ان تتهمه و لفحوى ذلك مع عدم القول بالفصل قد يستدل على خروج الهبة الفاسدة فإن الاستيمان إذا اقتضى عدم الضمان اقتضى التّسليط المطلق مجانا عدمه بطريق اولى لوضوح عدم ثبوت العموم المزبور على وجه يعم الفاسد ايضا و النّهى عن اتهامه انما هو في بعض الموارد الصّحيحة لا (مطلقا) بل ربما يمنع على وجه يعم جميع افراد الصّحيح و انما المسلم منه عدم الضمان في عنوانات خاصّة كالعارية و الوديعة و الرهن و نحو ذلك و دعوى أنّها شاملة للصّحيح و الفاسد فيثبت (المطلق) محل منع بل لا ينكر تبادر الصّحيح من إطلاقها ان لم تكن حقيقة فيه مع ان الأمانة المالكية منتفية في نحو المقام لأن المأذون فيه عنوان خاص و المفروض انتفاؤه فينتفى الجنس بانتفاء فصله و لا أمانة شرعية قطعا فلم يصدق عليه عنوان الأمين و المؤتمن و نحوهما انتهى ثمّ ان بعض من تأخر أورد على القضية السلبية بالنقض على وجهين أحدهما ان من المسلم عندهم ان صحيح العارية لا ضمان فيه مع انه لو أعاد مال الغير سهوا عن كونه مال الغير كان المستعير ضامنا قطعا كضمان المعير فقد تحقق في فاسد العارية الضمان مع عدم الضمان في صحيحها فلا ينطبق عليها ان كلّ عقد لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده و ثانيهما انه بعد البناء على مذاق (المصنف) (رحمه الله) من اختصاص أصل القاعدة بما لو اقتضى أصل العقد الضمان و انه لا مدخل للضّمان بالشّرط في معناها يصير معنى العبارة الّتي عبّروا بها عنها ان كل عقد لا يقتضي صحيحة الضمان بالذات لا يقتضي فاسده الضمان و (حينئذ) نقول ان العارية المشروط فيها الضمان لا يقتضي صحيحها الضّمان بالذات لعدم اقتضاء العارية بنفسها مجرّدة عن الشرط للضمان مع ان فاسده العارية المشروط فيها الضمان تقتضيه (فتأمل)

قوله فان قلت ان الفاسد و ان لم يكن له دخل في الضمان الّا ان مقتضى عموم على اليد هو الضمان خرج منه المقبوض بصحاح العقود التي يكون مواردها غير مضمونة على القابض و بقي الباقي

لا يخفى ان هذا السّؤال مقطوع عما قبله و غاية ما يمكن توجيه ارتباطه به هو ان (يقال) انه استفيد من مجموع كلامه انه يلتزم بقاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده في الجملة و لو بعد خروج موارد النقض فإن إيراد النقض عليها بما ذكر دليل على انه (رحمه الله) التزم بكونها كالعام المخصّص فالسّؤال انّما يتوجه الى الحاصل من مجموع الكلام و هو ان قاعدة ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده معتبرة و لو في الجملة فتدبر و افهم

الثاني من الأمور المتفرعة على عدم تملك المقبوض بالبيع الفاسد

قوله و (الظاهر) انه ممّا لا خلاف فيه على تقدير عدم جواز التصرّف فيه كما يلوح من مجمع الفائدة

لأنه قال في العبارة الّتي حكيناها عند تعرض (المصنف) (رحمه الله) لعدم الفرق في الضمان في الفاسد بين جهل الدافع بالفساد و بين علمه ما لفظه و مع علمه بالفساد و بعدم جواز تصرّفه و حفظه و وجوب ردّه الى مالكه معجّلا كالمغصوب و ذلك قد يكون بعلمه بطلب من المالك على تقدير الفساد و عدم رضاه بكونه عنده و فتوى العلماء له بذلك فهو ضامن هذا فالضّمير في قوله يلوح عائد الى عدم جواز التصرّف و مجمل القول في أصل حرمة التصرّف هو ان القابض للمبيع بالبيع الفاسد لا (يخلو) امّا ان يكون عالما بالفساد أو جاهلا امّا الأوّل فيحكم فيه بعدم جواز التصرّف و قد استظهر من مثل قول المحقق (قدس سرّه) و لو قبض المشترى ما ابتاعه بالعقد الفاسد لم يملكه و كان مضمونا بل قطع به بعضهم نظرا الى ان احتمال الجواز مع الضمان بعيد ان لم يقطع بعدمه مثل هذه العبارة و ان لم يكن يفيد ذلك الا انه الحقّ لأن المفروض ان المال لم ينتقل اليه و انّه باق على ملك غيره و التصرّف في ملك الغير محرم و دعوى ان القابض مأذون من المالك في التصرّف حيث دفعه اليه خصوصا مع علم الدافع بالفساد لانه لو لم يرض بتصرفه فيه لم يدفعه إليه مدفوعة بأن الاذن انما هو في ضمن البيع و المقيد ينتفي بانتفاء قيده حتّى انّ تسليمه المبيع في صورة علمه بالفساد انّما هو (صح) من جهة تفرعه على البيع الفاسد و اما ما وقع في كلام بعض الأواخر من انه مع علمه بالفساد اما ان يبيح التصرّف (مطلقا) حتى في الإتلاف فيصير من قبيل المعاطاة و امّا ان يبيح له مجرّد الانتفاع مع إبقاء العين فيصير (صح) إذنا في التصرّف فهو خروج عن الفرض لان مفروض المقام انّما هو قبض المبيع بالبيع الفاسد من حيث كونه منوطا بالبيع الفاسد و مستندا اليه و تعقبه برضا أخر و اذن جديد أمر أخر طار و لو كان البناء على اعتبار غير الإذن الّذي هو في ضمن البيع كان لقائل أن يقول بكفاية الرّضا التقديري على القول به لو فرض وجوده في المقام و امّا الثاني فيحكم فيه أيضا بالحرمة بمعنى ترتّب الإثم و العقاب و ان لم يصحّ توجيه الخطاب فعلا بناء على ظاهر إطلاق جماعة ترتبه على التصرّف في المقبوض بالبيع الفاسد من دون تقييد بصورة العلم فيشمل الصّورتين و عن جماعة تخصيص التحريم بصورة العلم بالفساد و نفيه عن الجاهل بالفساد و قد أشار (المصنف) (رحمه الله) في ذيل الكلام الى توجيه كلام من أطلق عدم الإثم على ما حكاه بأنه لا يبعد إرادة صورة الجهل لانّه لا يعاقب و ناقش فيه بعض من تأخر بأن نفى الإثم و العقاب عن الجاهل لا يوافق ما قرروه في الأصول من كون الجاهل بالأحكام عن تقصير إثما معاقبا و لا ريب ان الجهل بالفساد هنا انما هو من الجهل بالحكم لان جهله بصحّة العقد و فساده إنما ينشأ من الجهل بشرائط العقد و أحكامه مثل ان الشرط المنافي للعقد فاسد أو مفسد للعقد و كذا الشرط المخالف لكتاب اللّه و قس على ذلك سائر الأحكام و سائر أسباب الفساد و معلوم انه يجب عليه العمل على طبق أحكام اللّه (تعالى) بعد تحصيل العلم بها الّذي هو مقدّمة لها فإذا كان مقصرا في تطبيق العمل على الواقع كان مستحقا للإثم و العقاب على تفويت الواقع و أجاب عنها تارة بأن مرادهم بالجهل هنا انّما هو الجهل المركب و معلوم انه لا يجوز توجيه الخطاب الى صاحبه بالفعل فلا يترتب عليه العقاب من هذه الجهة و ان ترتب عليه من جهة أخرى أعني تفويت الواقع و اخرى بأن مرادهم بالجهل هنا ما يعم الجهل البسيط فهو ايضا داخل في عنوان حكمهم و ذلك لان المنقول عن المحقق الثاني (رحمه الله) هو انّه لا ريب في انه مضمون عليه كالصّحيح و إذا علم بالفساد لم يجز له التصرّف عندنا لانّه فرع الملك انتهى و (حينئذ) نقول ان التقييد بالعلم بالفساد احتراز عن الجاهل به لكنّ الاحتراز عنه يقع على وجهين أحدهما ان يكون احترازا عنه بمعنى انه لا يستحقّ الإثم أصلا و ليس هذا بمراد و ثانيهما ان يكون احترازا عن الجهل البسيط من جهة انه إذا شك في صحّة المعاملة و فسادها كان عليه الفحص لاستناد جهله الى الجهل بالحكم حق يعلم ان المال له فيمسكه أو لمالكه الأوّل حتى يدفعه اليه و ليس له في هذا المقام الا استصحاب عدم انتقال المال من مالكه اليه و هذا مع فرض كون الشبهة حكمية غير

مفيد لوجوب الفحص عن الدّليل قبل العمل بالأصل و الفحص هنا عبارة عن الرّجوع الى مظانّ الحكم فان كان مجتهدا فعلى حسب حاله و ان كان مقلدا فكذلك و (حينئذ) نقول ان الاحتراز عن الجاهل جهلا بسيطا

287

انما هو من جهة انّه في حال الفحص لا يجب عليه الرّد لاحتمال انّه له فلا وجه لردّه الى مالكه الأوّل فهو في حال الفحص غير مأمور بالرّد بخلاف العالم فليس له حالة فحص يمهل قبل انتهاءها نعم إذا أدى فحص الجاهل الى العمل بالأصل أو الى العلم بعدم كون المال له فهناك يكون مخاطبا بالرّد و معاقبا على تركه و إذا لم يترتب على الجهل البسيط عقاب لعدم توجه الخطاب اليه لم يترتب على المركب ايضا عقاب بالطريق الأولى أو بحكم العقل من جهة اتحاد عنوانيهما عنده أقول لا يبعد ان يكون المراد بالجهل في كلامهم هو الجهل بالموضوع الغير الساري إليه من باب الجهل بالحكم كما لو علم ان الشراء من الغاصب موجب للضمان محرم فاشترى من أحد ما لا ثم شك في انّه مغصوب أم لا أو انه اشتراه منه و كان في الواقع مغصوبا و لم يلتفت الى احتمال كونه مغصوبا أصلا بل هذا هو (الظاهر) و إذ قد عرفت ذلك نقول هل يحب ردّه فورا أم لا فالّذي أفاده (المصنف) (رحمه الله) هو انه عند القائلين بحرمة التصرّف في المقبوض بالبيع الفاسد لا خلاف في وجوبه لأن الإمساك أيضا و لو كان انا ما نوع من التصرّف المحرم فيجب تركه و هو معنى وجوب ردّه فورا ثمّ انه ذكر بعض من تأخر انه وقع الخلاف في طريق التخلص من الغصب من جهة انه عبارة عن الردّ و الإيصال إلى المالك أو انه عبارة عن التخلية بينه و بين المال المغصوب و انه اختار في كتاب الغصب كونه عبارة عن إيصال المال الى مالكه و لو كان موقوفا على مؤنة و لو كانت كثيرة بل قد (يقال) انه يجب عليه الإيصال و لو كان فيه تلف نفسه مع كون المال يسير اخماء لعدوانه ثمّ قال نقول هنا بمثل ما قلنا في باب الغصب فيجب عليه الرّد فيحرم عليه الإمساك الذي هو عدم الرّد و لكن لقائل أن يقول ان ذلك محل تأمل أوّلا من جهة الأصل فإنه يمكن ان (يقال) هناك بان اللّازم انما هو ما كان أسرع في التخلص و قد يكون الاعلام و التخلية بينه و بينه أسرع في التخلّص لكون قدرته على النقل أكمل من قدرة الغاصب مثلا أو يكون أصلح بحال المالك كما لو كان هو في بلد و المال في بلد أخر و غرضه بالمال هو التجارة و كان بلد المال أعود من بلده مضافا الى الاحتياج إلى مؤنة النقل و كون الغاصب لم يغصب المال إلا في بلده و ثانيا ان جريان جميع أحكام الغصب في المقبوض بالبيع الفاسد مما يطالب بالدليل عليه و ان وقع في عبارة المحقق الأردبيلي (رحمه الله) تشبيهه بالمغصوب و الحكم بعدم جواز تصرّفه و حفظه و وجوب ردّه الى مالكه معجلا هذا و ظاهر كلام (المصنف) (رحمه الله) حيث قيد نفى الخلاف في وجوب الفور بالرّد بقوله على تقدير عدم جواز التصرّف فيه هو عدم بناء المسئلة على كون طريق التخلّص في الغصب هو الرّد الى المالك و الإيصال إليه بل بناؤه إيّاها على عدم جواز التصرّف و يتضح ذلك بملاحظة ما استدل به على ذلك

قوله و يدل عليه ان الإمساك انا ما تصرّف في مال الغير بغير اذنه فلا يجوز

هذا استدلال على وجوب الفور بالرّد بعد الفراغ عن حرمة التصرّف في المبيع بالبيع الفاسد أقول لا يخفى أن الإمساك يقع على وجهين أحدهما ان يكون بنيّة التخلية بين المال و بين مالكه بان لا ينتفع به و لا يستعمله أصلا بل يضعه في مكان مناسب له بنيّة تمكين المالك منه و ثانيهما ان يكون بنيّة منعه و عدم تمكينه منه مع عدم استعماله و الانتفاع به و لا ريب ان شيئا من الوجهين ليس تصرفا لغة و اما بحسب العرف فالوجه الثاني تصرّف دون الأوّل فلا يدل حرمة التصرّف على حرمة الوجه للاوّل و هو (قدس سرّه) قد التفت الى ذلك بعض الالتفات و لذلك قال و لو نوقش في كون الإمساك تصرفا كفى عموم قوله (عليه السلام) لا يحل مال امرء مسلم لأخيه إلا عن طيب نفسه حيث يدل على تحريم جميع الأفعال المتعلقة به التي منها كونه في يده و أقول ان دلالة قوله (عليه السلام) لا يحلّ (انتهى) على تحريم الإمساك على الوجه الأوّل من كونه في يده بنيّة التخلية و التّمكين لا (تخلو) عن نظر بل منع فتأمل ثمّ ان بعض المعاصرين قال انه قد يستدل عليها يعني الفورية بخبر اليد ثمّ قال انّ ذلك لعلّه للتلازم بين الفورية و بين الضمان و لكنه محل منع كما في العارية المضمونة و المقبوض بالسوم و كثير من الموارد هذا كلامه

قوله و لكن الّذي يظهر من (المبسوط) عدم الإثم في قبضه

(انتهى) هذا تصريح بما ظهر من التقييد بقوله على تقدير عدم جواز التصرّف فيه من وجود قول أخر في مقابله ضرورة ان القبض بعد العلم بالفساد من جملة التصرّفات و ان قلنا بأن الإمساك بنيّة التخلية و تمكين المالك في صورة وقوع القبض في حالة جهله بالفساد ليس من قبيل التصرّف لوضوح الفرق بين الأمرين ثم ان بعض من تأخر وافق (المصنف) (رحمه الله) في ردّ هذا القول بأن الاذن انما صدر مقيدا بكونه في ضمن البيع فينتفي بانتفائه كما هو الشأن في كلّ مقيّد من الانتفاء بانتفاء قيده الا انه استدرك صورة و هي ما لو كان مقصود المالك بقاء المال عند من باعه منه في (الظاهر) و لم يكن مقصوده البيع حقيقة الا انه احتال لبقائه عنده ببيعه منه في (الظاهر) فإن الإذن (حينئذ) موجود و أنت خبير بان ذلك خروج عن الفرض لان الكلام انّما هو في قصد البيع حقيقة و اين مثل ما ذكره مما نحن فيه هذا و قد وجه بعض المعاصرين كلام الشيخ في صورة علمهما بالفساد حيث قال و اولى بالمنع دعوى ان ذلك بإذنه لأنه قد دفعه اليه باختياره لوضوح انّه انما ملكه إيّاه عوضا من ماله و لم يسلم له شرعا و المفروض عدم قصد التمليك بغير السّبب المخصوص و عدم قصد اباحة التصرّف بدون ملك و عدم قصد كونه امانة عنده على جهة الوديعة و نحوها و عدم حصول القطع بالرضا بالإمساك أو بالتصرّف بل و عدم حصول الظنّ المعتبر شرعا بذلك كي لا يجب عليه الرّد فورا و يباح له الإمساك الى ان يطالبه المالك به و لكن الاتصاف انه مع علمهما بالفساد لا ينكر حصول أحد هذه الأمور سيّما بالنّسبة إلى مجرّد الإمساك بل لو ردّه فورا الى المالك لا تكره عليه بل لو علل ذلك بعدم رضاه بالإمساك لعدّه سفيها غير عارف بالخطابات و لعله لهذا قبل بعدم الإثم في إمساكه كما عن طاهر (المبسوط) معللا بأنه قد قبضه باذن مالكه بل عن (السرائر) و غيرها التّصريح بذلك بل عنها (أيضا) نسبته إلى الأصحاب و حملها على صورة الجهل خاصة لنفى العقاب معها بعيد جدا ان لم يقطع بعدمه انتهى و لا يخفى ما فيه من مواقع النظر اما أولا فلان حصول أحد الأمور المذكورة و ان كان موجبا لإباحة الإمساك الا ان ذلك خروج عن الفرض لان الكلام انما هو في المبيع بالبيع الفاسد من حيث هو و الا فعند حصول العوارض الخارجية المبيحة لا مجال لإنكار الإباحة و قد تقدم الإشارة إليه سابقا (أيضا) و امّا ثانيا فلان قوله لعدّه سفيها غير عارف بالخطابات ممّا لا أصل له و هو واضح إذ لا مقتضى للسّفه في هذا المقام

288

عند الناس و من الواضح (أيضا) انه لا دلالة الخطاب المبايعة على الاذن و الإباحة حتى على تقدير فسادها حتى يعدوا المال الى المالك غير عارف بالخطابات و امّا ثالثا فلان كلام (المبسوط) مطلق و توجيهه بما يختص بصورة علمهما بالفساد و حمل كلامه على ما ذكره من التّوجيه غير وجيه و أشنع منه التّعريض (بالمصنف) (رحمه الله) من حيث حمل كلامه على صورة الجهل خاصة ضرورة انه لا فرق بين ما ذكره من التوجيه و بين الحمل الّذي أفاده (المصنف) (رحمه الله) في كون كلّ منهما تقييدا للإطلاق فتدبر تنبيه فصّل في (حينئذ) (القواعد) في كيفية التخلّص من المال المقبوض بالبيع الفاسد فقال بأنّه ان كان القابض غارا وجب ردّ المال الى المالك و الا لم يجب عليه أزيد من التخلية بينه و بينه و لا ترى عليه دليلا و لا بد قائلا و ذكر بعض المعاصرين ما لفظه و في شرح (القواعد) انه حيث يجب الرّد فان كانت العين باقية ردّها ان كان غارا أو خلى بينه و بينها ان لم يكن غارا مع ما بقي من توابعها الجوهرية و العرضية ما لم تكن من ماله و كان معذورا فإنه يضرب بنسبتها ان بقيت و الا دفع اليه قيمتها ان تلفت بعد الرّد إلى أخر ما فيه ممّا لا (يخلو) عن نظر أو تدافع و ان أمكن دفع الأخير بأن المراد بالرّد الواجب مجرد عدم جواز التصرّف مع ان دليل وجوب الرّد عام للغار و غيره ما لم يكن مغرورا بل و ان كان مغرورا الا انه يرجع بمؤنة الرّد على الغار مع انه قد يتأمل في تحقق الغرور في نحو المقام الّذي مرجعه الى الجهل بالحكم دون الموضوع الا انه قد يكون من الجهل بالموضوع كما لا يخفى على المتدبّر انتهى الثّالث انه لو كان المبتاعة منفعة استوفاها المشترى قبل الرّد كان عليه عوضها

[الثالث في ضمان المنفعة المستوفاة من العين المقبوضة بالبيع الفاسد]

قوله بل ظاهر ما تقدم من السّرائر كونه بمنزلة المغصوب الاتفاق على الحكم

و سيجيء من عبارة (التذكرة) في مسئلة المنافع الغير المستوفاة في كلام (المصنف) (رحمه الله) ما هو صريح في دعوى اتفاق علمائنا على الضمان في المنافع المستوفاة و غيرها

قوله و يدل عليه عموم قوله (عليه السلام) لا يحل مال امرء مسلم الا عن طيب نفسه بناء على صدق المال على المنفعة و لذا يجعل ثمنا في البيع و صداقا في النكاح

لا يخفى ما فيه لان الحديث مسوق لبيان الحكم التكليفي لا لبيان حكم الوضعي الّذي هو صيرورة المال على عهدته بان يلزمه الخروج منها على تقدير التلف مضافا الى ان المنفعة و ان كانت مستوفاة لا يصدق عليها المال و صيرورتها ثمنا في البيع و صداقا في النكاح لا يدل على ذلك فانا قد استفدنا من الشّرع ان الأعيان و المنافع تصير ثمنا في البيع و صداقا في النّكاح و ليس في الأدلة الشّرعيّة ما يدل على ان غير المال لا يصير ثمنا و لا صداقا حتى نستكشف بصيرورتها ثمنا و صداقا عن ذلك و (الظاهر) ان نظر (المصنف) (رحمه الله) في الاستدلال بالحديث مع ظهوره في الحكم التكليفي و انه ليس ممّن تخفى عليه الدفائق فكيف بمثل هذا الظّهور هو ان حمل المال المتلف عبارة عن عدم تعلقه بذمّة المتلف و عدم كونه مطالبا بالأداء و بعد تسليم هذا المعنى يصحّ لاستدلال به بالنّسبة إلى ولد الشاة و اللّبن و الصّوف و الوبر و نحوها مما هو من التوابع التي هي من قبيل الأعيان التي يصدق عليها المال إذا تلفت و بضميمة عدم القول بالفصل بينها و بين المنافع يتم الحكم فيها ايضا و من هنا استدل على الضّمان فيما نحن فيه من المنافع المستوفاة بقوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتّى تؤدّى و بقاعدة الضمان المعبر عنها بان من أتلف مال الغير فهو له ضامن و بما دل على احترام مال المسلم بالنّسبة الى ما عرفت من التوابع التي هي من قبيل الأعيان مع تلفها بل و يتسلّط الناس على أموالهم بالنّسبة إليها أيضا مع وجودها و اثبت الضّمان للمنافع بضميمة عدم القول بالفصل

قوله خلافا للوسيلة فنفى الضّمان محتجا بان الخراج بالضمان كما في النبوي المرسل

لكن ظاهر غيره من الأصحاب عدم الفرق بين علم المتبايعين بالفساد و جهلهما به و هو قد خصّ الحكم بالجاهلين به و لم يتعرض لغيرهما فيمكن ان يكون الحكم في غيرهما عنده ضمان المنافع المستوفاة أو عدم ضمان شيء من العين و المنافع (مطلقا) أو في حقّ العالم خاصة إذا كانا مختلفين في العلم و الجهل أو غير ذلك و لا بأس بأن نأتي بكلامه (رحمه الله) بعينه قال بعد ذكر أقسام البيع الفاسد فإذا باع أحد بيعا فاسدا و انتفع بالمبتاع و لم يعلما بفساده ثم عرفا و استرد البائع المبيع لم يكن له استرداد ثمن ما انتفع به أو استرداد الولدان حملت الام عنده و ولدت لانه لو تلف المبيع عنده لكان من ماله و الخراج بالضمان انتهى و تحقيق (صح) المسئلة يتوقف على التعرّض لذكر متن الحديث و مأخذه فنقول لم نعثر على ذكره في كتب الأخبار المأثورة عن الخاصّة و لكن قال في القسم (النوع) الأوّل من كتاب الأشباه و النظائر القاعدة العاشرة الخراج بالضمان حديث صحيح رواه احمد و أبو داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجة و ابن حيان من حديث عائشة و في بعض طرقه ذكر السّبب و هو ان رجلا ابتاع عبدا فأقام عنده ما شاء اللّه ثمّ وجد به عيبا فخاصمه إلى النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فردّه عليه فقال يا رسول اللّه قد استعمل الغلام فقال (صلى الله عليه و آله و سلم) الخراج بالضمان قال أبو عبيدة الخراج في هذا الحديث غلة العبد ليشتريه الرّجل فيستعمله زمانا ثمّ يعثر منه على عيب دلّه البائع فيرده و يأخذ جميع الثمن و يفوز بغلّته كلها كان في ضمانه هلك هلك من ماله انتهى و في الفائق كلّ ما خرج من شيء فهو خراجه فخراج الشجر ثمره و خراج الحيوان درّة و نسله انتهى و ذكر فخر الإسلام في أصوله ان هذا الحديث من جوامع الكلم لا يجوز نقله بالمعنى و قال أصحابنا في باب خيار العيب ان الزيادة المنفصلة المتولدة من الأصل لا تمنع من الرّد بالعيب كالكسب و الغلة و تسلم للمشتري و لا يضر حصولها له مجانا لأنها لم تكن جزء من المبيع فلم يملكها بالثمن و انما ملكها بالضمان و بمثله يطيب الربح للحديث ثم قال في الكتاب المذكور و هنا سوء الان لم أرهما لأصحابنا أحدهما انه لو كان الخراج في مقابلة الضمان لكانت الزوائد قبل القبض للبائع إذا تم العقد و انفسخ لكونه في ضمانه و لا قائل به و أجيب بأن الخراج يعلّل قبل القبض بالملك و بعده به و بالضمان معا و اقتصر في الحديث على التعليل بالضمان لأنه أظهر عند البائع و اقطع لطلبه و معياره ان الخراج للمشتري انتهى الثاني انه لو كانت الغلة للضمان لزم ان تكون الزوائد للغاصب لان ضمانه أشدّ من ضمان غيره و بهذا احتج لأبي حنيفة في قوله ان الغاصب لا يضمن منافع الغصب و أجيب بأنّه (صلى الله عليه و آله و سلم) قضى بذلك في ضمان الملك و جعل الخراج لمن هو مالكه لأنه إذا تلف تلف على مالكه و هو المشترى و الغاصب لا يملك المغصوب و بان الخراج و هو المنافع جعلها لمن عليه الضمان و لا خلاف في انّ الغاصب لا يملك المغصوب بل إذا أتلفها فالخلاف في ضمانها عليه فلا يتناول موضع الخلاف و ذكر الجلال السّيوطى و قال أبو يوسف و محمّد فيما إذا دفع الأصيل الدين الى الكفيل قبل الأداء عنه فربح الكفيل فيه و كان ممن تعين انّ الرّبح بطيب له و استدل لهما في فتح الغدير بالحديث و قال الامام يرده إلى الأصيل في رواية و يتصدّق به في رواية و قالوا في المبيع فاسدا إذا فسخ فإنه يطيب

289

للبائع ما ربح لا للمشتري و الحاصل ان الحدث ان كان لعدم الملك فان الربح لا يطيب كما إذا ربح في المغصوب و الامانة و لا فرق بين المتعين و غيره و ان كان لفاسد الملك طاب فيما لا يتعين لا فيما تعين ذكره الزبلعى في البيع الفاسد و قال الجلال السّيوطى خرج عن هذا الأصل مسئلة اخرى و هي ما لو أعتقت المرأة عبدا فإن ولاية يكون لابنها و لو جنى جناية خطأ فالعقل على عصبتها دونه و قد يجيء مثله في بعض الغصبات يعقل و لا يرث انتهى هذا تمام ما في الأشباه و النظائر و إذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى بيان معنى الحديث فنقول انه محتمل لوجوه أحدها ان المنفعة للضامن بمعنى ان من حكم عليه بضمان شيء شرعا و صار تلفه على عهدته كانت منافعه له (مطلقا) سواء كان ضمان ذلك الشيء بالتملك أم باستيلاء يده على مال الغير و سواء كان استيفاء المنفعة في حال التملك كالعبد الّذي اشتراه فاستقله ثمّ ردّه بالعيب السابق فان مقتضاه ان تكون الغلة للمشتري أم في غير حاله كما لو انتفع البائع بالمبيع الذي تلف قبل قبض المشترى فان منافعه التي استوفاها البائع منه تكون له لان ضمانه عليه بمعنى انه ينتقل اليه آنا ما عند التلف فيتلف من ماله و سيتضح لك الحال فيما نذكره من الوجوه الآتية (إن شاء الله) (تعالى) و على هذا الوجه من اكترى دابة مثلا الى مكان خاص فتجاوزه فإنه بتجاوزه يحكم عليه بأنّه ضامن لها شرعا فيصير منفعة المال للضامن بسبب ضمانه أو في مقابل ضمانه للعين على ما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من معنى الباء و سيأتي في صحيحة أبي ولاد أن أبا حنيفة أفتى بذلك في كراية البغل الذي اكتراه فتجاوز به عن المكان المشروط فيما بينهما و قس على ذلك غيره كالغاصب للمال فان ما ذكرناه مثال لكن هذا المعنى و ان كان مقتضى ظاهر اللّفظ الا انه لا يتم الحكم به الا على فتوى من عرفت و انه عند أصحابنا منقوض بالغاصب و القابض للسّوم و نحوهما و كيف يستقيم الحكم به و لازمه ان كلّ من أراد ان يصير منافع شيء من أموال النّاس له تصرف فيه على وجه الغصب المستعقب للضمان فتصير المنافع له ثانيها ان يكون المراد بالضّمان الذي بإزائه المنفعة هو الضّمان اختيارا بمعنى التزام الشّيء على نفسه و تقبله مع إمضاء (الشارع) و هذا كالبيع الصّحيح فإنه لما التزم المشترى المبيع و تقبله على ان يكون له و انّه لو تلف لذهب من ماله و خرج من كيسه كان له منافع المبيع بإزاء ضمانه له و هذا هو الّذي أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) و أشار الى انّه ينتقض بالعارية المضمونة لأن المستعير قد أقدم على ضمانها و ليس له منافعها و هذا المعنى يخرج منه أمر ان أحدهما ما ليس فيه ضمان و التزام اختياريّ حتّى مثل المال الموروث فإنه ليس على حد المال المشترى في ان المشترى يلتزم به اختيارا بمعنى انه لو تلف لذهب من ماله و خرج من كيسه و ثانيهما ما لم يمضه (الشارع) و ان كان من قبيل ما التزم به اختيارا ثالثها ان يكون المراد بالضّمان هو الضّمان اختيارا لكن لا بقيد كونه مما أمضاه (الشارع) بل (مطلقا) فتكون المنافع بإزاء إقدامه على الالتزام به اختيارا و ان لم يمضه (الشارع) كما في البيع الفاسد و الصّحيح و هذا الوجه قد يعطيه صدر كلام (المصنف) (رحمه الله) كما ان سابقه يعطيه ذيله و على التقادير الثلاثة يمكن ان يكون المراد بكون الخراج للضمان هو كونه ملكا له و يمكن ان يكون المراد بذلك كونه لا يعزم بدله و لا يطالب به رابعها ان لا يكون المراد بالضّمان خصوص الالتزام اختيارا و لا الضّمان بمعنى لزوم الخروج عن عهدته بأداء مثله أو قيمته إذا تلف بل يكون المراد به هو كون تلف المال المضمون من مال الضّامن حقيقة و لو من جهة كشف التلف عن دخوله في ملكه آنا ما قبله على نحوما قيل في المعاطاة على القول بالإباحة و ان الفائدة غير مضمونة عليه بسبب ضمان أصل المال بمعنى ان ضمانه صار سببا لارتفاع ضمان الفائدة لكونها تابعة لأصل العين و على هذا فيكون مال معنى هذا الحديث الى انّ المنافع تابعة لأصل العين (صح) و لو كانت العين في حال الا الانتفاع ليست ملكا للضامن و قد انتفع بها قبل الانتقال اليه بالتلف آنا ما قبله فإذا اتفق انتقال العين اليه بالتلف آنا ما لم يكن مطالبا بالمنافع التي استوفاها قبله كما في

تلف المبيع قبل القبض فإنّه يتلف من مال البائع بالانتقال اليه آنا ما فإذا كان قد استوفى منافعه قبل تلفه فإنه لا يطالب إذا تلف قبل القبض لضمانه بالأصل الّذي تكون المنافع تابعة له و لا يطالب بها فيكون المراد بالضّمان هنا مثله في قولهم يضمن بصحيحه على قول من فسره بمجرّد كون التلف من ماله و على هذا الوجه يكون المراد بالضمان مطلق التلف من ماله سواء كان سببه اختياريا بان أقدم على الضمان كما في الشراء حيث ان المشترى يقدم على ضمان المال الّذي اشتراه أم كان سببه اضطراريّا كما في المال الّذي انتقل إليه بالإرث كما ان الانتقال أعم من ان يكون على وجه الدّوام أو آنا ما كما في تلف المبيع قبل القبض و هذا الوجه قد أشار إليه بعض المعاصرين و مال اليه بعض من تأخر مستشهدا على ذلك بقوله (عليه السلام) في مقام الاستشهاد على كون منفعة المبيع في زمان الخيار للمشتري الا ترى انها لو أحرقت كانت من مال المشترى خامسها ما وجدته في كلام الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) قال فصل في ان الخراج بالضمان إذا كان لرجل مال فيه عيب فأراد بيعه وجب عليه ان يبين للمشتري عيبه لا يكتمه أو يتبرّء اليه من العيوب و الأول أحوط فان لم يبيّنه و اشتراه انسان فوجد به عيبا كان المشترى بالخيار ان شاء رضى و ان شاء ردّه بالعيب و استرجع الثمن فان اختار فسخ البيع و ردّ المبيع نظر فان لم يكن حصل من جهة المبيع نماء ردّه و استرجع ثمنه و ان كان حصل نماء و فائدة فلا (يخلو) من ان يكون كسبا من جهته أو نتاجا و ثمرة فإن كان كسبا مثل ان يكتسب بعمله أو تجارته أو يوهب له شيء أو يصطاد شيئا أو يحتطب أو يحنش فإنه يرد المعيب و لا يرد الكسب بلا خلاف لقوله (عليه السلام) الخراج بالضمان فالخراج اسم للغلّة و الفائدة التي تحصل من جهة المبيع و يقال للعبد الّذي ضرب عليه مقدار من الكسب في كلّ يوم أو في كل شهر عبد مخارج و قوله (عليه السلام) الخراج بالضّمان (صح) معناه ان الخراج لمن يكون المال يتلف من ملكه و لما كان المبيع و يتلف من ملك المشترى لأن الضمان انتقل اليه بالقبض كان الخراج له فامّا النتاج و الثمرة فإنهما أيضا للمشتري و ان حصل من المبيع نماء قبل القبض كان ذلك للبائع إذا أراد الرّد بالعيب لان ضمانه على البائع لظاهر الخبر انتهى و هو يغاير الوجه السابق في تخصيص مضمون الحديث بالبيع حيث قال فالخراج اسم للغلة و الفائدة التي تحصل من جهة المبيع و (الظاهر) ان مراده انه في هذا الحديث قد عبر به عن فائدة المبيع و الا فلا يساعد عليه كلمات أهل اللغة ففي المصباح ان الخراج و الخرج ما يحصل من غلة الأرض و لذلك أطلق على الجزية انتهى و عن بعضهم انه في الأصل اسم لغلة الأرض و ما يحصل من عمل العبد لغيره ثم صار اسما لما يأخذه السّلطان من الرّعية و كيف كان فلا يشمل تفسيره غير المبيع كالإرث و نحوه بل مقتضى الجمود على ظاهره هو انه لا يشمل سائر عقود المعاوضات ايضا كالصّلح و نحوه و قد صرّح العلامة (قدس سرّه) في البحث الثالث من الفصل الثالث من كتاب الغصب من (التذكرة) بأن الخبر

290

ورد في البيع و لا يدخل فيه الغاصب لانه لا يجوز الانتفاء بالمغصوب بالإجماع الثاني و بهذا الاعتبار يغاير ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) ايضا من الوجه الثاني حيث انه (قدس سرّه) جعل الضمان عبارة عن مطلق الالتزام و التقبل الشامل للبيع و غيره و ان ذكر البيع بخصوصه مثالا كما انه يغايره من جهة كون ما ذكره الشيخ (قدس سرّه) أعم من الاختياري و القهري لأنه قال و ان حصل من المبيع نماء قبل القبض كان ذلك للبائع إذا أراد الرّد بالعيب لان ضمانه على البائع (لظاهر) الخبر و ذلك لكون هذا الضمان ليس مما أقدم عليه المتبايعان حتى يكون الخراج بإزائه و انما هو أمر قهري حكم به (الشارع) كما قاله (المصنف) (رحمه الله) في رد ابن حمزة و شهيد يحكم (الشارع) بضمان المقبوض بالسوم و المغصوب بخلاف الوجه الثاني الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) فإنك قد عرفت انه اعتبر فيه كون الضمان بالاقدام و الاختيار سادسها ما في نهاية ابن الأثير حيث قال الخراج بالضمان يريد بالخراج ما يحصل من غلة العين المبتاعة عبدا كان أو أمة أو ملكا و ذلك بان يشتريه فيستغله زمانا ثم يعثر منه على عيب قديم لم يطلعه البائع عليه أو لم يعرفه فله رد العين المبيعة و أخذ الثمن و بكون للمشتري ما استغله لان المبيع لو كان تلف في يده لكان من ضمانه و لم يكن له على البائع شيء و الباء في بالضمان متعلّقة بمحذوف تقديره الخراج يستحق بالضمان اى بسببه و منه حديث شريح قال لرجلين احتكما إليه في مثل هذا فقال للمشتري رد الدابة اليه و لك الغلة بالضمان انتهى و يوافقه الذي ذكره في شرح القاموس من ان قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) الخراج بالضمان معناه ان غلة العبد للمشتري بسبب انه في ضمانه بمعنى ان الغلة و المنفعة الحاصلة من عمل العبد المشترى يصير للمشتري ثم قال و تصوير المسئلة انه إذا اشترى أحد من غيره عبدا فاشغله مدة فحصل عنده من اعمال ذلك العبد مقدار من المنافع ثم انه ردّه على مالكه لأوّل العيب قديم ستره البائع و أخفاه على المشترى أو ان البائع أيضا لم يكن مطلعا على عيبه (فحينئذ) يسترد المشترى من البائع تمام الثمن الذي بذله في مقابلة العبد و يصير الغلة الحاصلة من اعمال العبد قبل الرّد للمشتري و ليس للبائع ان يطالب المشترى بها لان العبد المشترى لو كان قد تلف تحت يده كان من ماله و لم يكن له مطالبة البائع بشيء مما دفعه إليه بإزاء العبد ثمّ قال و الحديث المذكور مثل حديث العزم بالغنم من أقسام جوامع الكلم و الباء في قوله بالضمان للسّببية متعلق بكلمة مستحق مقدرة في نظم الكلام و التقدير الخراج مستحق بالضّمان أو ان الباء للمقابلة و المضاف محذوف و التقدير (صح) بقاء الخراج في مقابلة الضمان فهو بمنزلة ما لو قيل منافع المبيع بعد القبض تبقى للمشتري في مقابل الضمان اللازم عليه بتلف المبيع ثم قال و العبد هنا على طريق التمثيل فهو جار في الأمة و سائر أعيان الاملاك انتهى و هذا الوجه و ان وافق ما ذكره الشّيخ (قدس سرّه) في كون المراد بالضمان هو الالتزام بالمبيع بسبب البيع و انه يختص حكم الحديث بناء عليهما بالبيع الا ان مقتضى كلام الشيخ (قدس سرّه) هو كون المنافع في مقابلة الضمان (مطلقا) و ان لم يكن الانتفاع في حال الملكية كما يكشف عنه بكون منافع المبيع الذي تلف قبل قبض المشتري إياه للبائع من جهة ان ضمانه عليه و ظاهر انه في حال حصول المنفعة لم يكن ملكا للبائع و انما كان ملكا للمشتري غاية ما في الباب انه عند التلف انتقل إلى البائع آنا ما فتلف في ملكه و معلوم ان الانتقال الى ملكه متأخر عن وقت حصول المنفعة و لكن مقتضى وجه الأخير هو ان المنفعة الحاصلة في حال الملكية للمالك كما يكشف عنه البيان الذي ذكره في رد العبد الّذي استغله بالعيب السابق و قوله أخيرا فهو بمنزلة ما لو قيل منافع المبيع بعد القبض للمشتري في مقابلة الضّمان اللازم عليه بتلف المبيع فتدبر و لعل (المصنف) (رحمه الله) بنى على ان البيع من باب التمثيل لمطلق الالتزام بضمان العين و انه السّبب في كون المنفعة له و لهذا ذكر هو (رحمه الله) البيع مثالا و إذ قد عرفت ذلك فلنرجع الى الاستدلال ابن حمزة (رحمه الله) فنقول ان الحديث المذكور لا يصلح سندا له بشيء من معانيه امّا الأوّل فلأنّه لم يقل به أحد من علمائنا و الا لا تنقض بالغاصب و القابض

للسوم و نحوهما و قد عرفت في كلام العلامة (قدس سرّه) الإجماع على انه لا يجوز الانتفاع بالمغصوب نعم هذا المعنى موافق لمذهب أبي حنيفة كما يستفاد من صحيحة أبي ولاد و امّا الثاني فلأنه ان كان هو المراد لم يدخل فيه محل البحث لان الضمان فيه وجهين أحدهما حكم (الشارع) بضمان المقبوض بالبيع الفاسد بالعوض الحقيقي الذي هو المثل أو القيمة فإن كان مناط الاستدلال تطبيق الحديث على هذا النّوع من الضمان اتجه عليه انه ليس ممّا أقدم عليه المتبايعان حتى يكون الخراج بإزائه و انما هو أمر قهري حكم به (الشارع) كما حكم بضمان المقبوض بالسوم و المغصوب و ثانيهما دخول المشترى في البيع على ان يكون المبيع له بإزاء ما يدفعه الى التابع و انه إذا تلف ذهب من ماله فان كان مناط الاستدلال تطبيق الحديث على هذا النّوع من الضمان اتجه عليه ان هذا النّوع من الضمان ليس مما (انتهى) أمضاه (الشارع) و بهذا البيان يعلم ما في عبارة (المصنف) (رحمه الله) من قصورها بظاهرها عن افادة تمام المطلوب لأنه (رحمه الله) اكتفى بالوجه الأول حيث قال في ردّه و فيه ان هذا الضمان ليس مما أقدم عليه المتبايعان حتى يكون الخراج بإزائه (انتهى) و امّا الثالث فلأنه ان كان هو المراد اتجه على المستدل انه لا مساس للحديث (حينئذ) بمطلوبه لان الضّمان الّذي أقدم عليه في البيع الفاسد لم يمضه (الشارع) و بهذا يعلم ما في كلام بعض المعاصرين حيث قال و ان أريد به يعنى بالحديث ان الفائدة له أو غير مضمونة عليه بسبب اقدامه عليه (مطلقا) و ان لم يمضه (الشارع) أمكن الاستدلال به الا انه لا شاهد على إرادته انتهى و امّا الرابع فلأنه ان كان هو المراد بالحديث لم ينطبق على محلّ البحث لان مقتضاه ان المنافع تابعة للملك بمعنى انّها ان حصلت في زمان يحكم فيه بكون العين لشخص و حصلت في زمان تعقبه الملك القهري له كما في تلف المبيع قبل القبض كان منافعها له و ليس الحال في البيع الفاسد على هذا المنوال اما عدم حصول المنافع في زمان يحكم فيه بكون العين المشتراة بالبيع الفاسد للمشتري فواضح ضرورة ان المفروض فساد البيع و امّا عدم حصولها في زمان يتعقبه الملك القهري فلان ذلك موقوف على الحكم بكون المبيع بالبيع الفاسد ينتقل عند تلفه آنا ما إلى المشترى ثم يتلف في ملكه و هذا محتاج الى الدّليل و لا دليل عليه و امّا الخامس فلمثل ما ذكرنا في سابقه و امّا السّادس فلان محصله هو ان المنافع الحاصلة في حال كون العين لشخص تكون له و اين هذا من المبيع بالبيع الفاسد بالنّسبة إلى المشترى و الا لم يكن فاسدا (هذا خلف) فتحصل من جميع ذلك انّه لا مجال لتمسّك ابن حمزة بالحديث لكون المنافع التي استوفاها المشترى له هذا و لكن ذكر بعض المعاصرين انه يمكن الاستدلال بالحديث بناء على ارادة الوجه الأوّل منه و هو ان يكون المراد بالضمان مطلقة الشامل لجميع أقسامه غاية ما في الباب انه (يقال) قد خرج عنه ما خرج من بعض الأفراد بإجماع و نحوه كخبري الجارية المسروقة و البغل و نحوهما و (حينئذ) فلا يتجه المنع على استدلال ابن حمزة بالخبر لان خروج بعض الافراد عن تحت العام أو المطلق لا يخرجه عن الحجيّة بالنّسبة الى ما لم يدل دليل على خروجه عن تحته و هذا الكلام متجه لو كان اللّفظ ظاهرا فيه بحيث يكون ظهورا عرفيّا

291

معتبرا و امّا ان لم يكن هناك ظهور عرفي معتبر كما هو عليه الحال فيما نحن فيه عند التأمّل و الإنصاف فلا يجدى كون أحد المعنيين المحتملين من اللّفظ المجمل منطبقا على مورد الاستدلال ثمّ ان هذا كله ان أريد بكون الخراج في مقابلة الضمان كونه ملكا للضامن و امّا ان كان المراد به ان الخراج الذي استوفاه الضامن لا يطالب به لان الخراج يصير في مقابلة الضمان فلا يطالب به و لا يسترد منه فهذا المعنى مطابق لما قصده ابن حمزة (رحمه الله) بان (يقال) في تقريب الاستدلال ان المبيع بالبيع الفاسد و ان لم يملكه المشترى كما لا يملك منافعه الا انه لا يطالب بالمنافع لكونها في مقابلة الضمان بمعنى انها تصير له في مقابلته فلا يطالب بها الا ان اللّفظ ليس ظاهرا فيه بحيث يصحّ الرّكون اليه و الاعتماد في الحكم الشرعي عليه لكون اللّفظ محتملا لما لا يفي بمطلوبه و هو ان يكون المراد بالحديث ان الفائدة مملوكة له لانه ملكه حال الانتفاع به كما قيل في تفسير الضمان بصحيحه

قوله مثل قوله (عليه السلام) في مقام الاستشهاد على كون منفعة المبيع في زمان الخيار للمشتري ا لا ترى انها لو احترقت كانت من مال المشتري

إشارة الى ما في رواية إسحاق بن عمار قال حدثني من سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) و سئله رجل و انا عنده فقال رجل مسلم احتاج الى بيع داره فجاء إلى أخيه فقال أبيعك داري و هذه تكون لك أحب الى من ان تكون لغيرك على ان تشترط لي ان أنا جئتك بثمنها إلى سنة ان ترد على فقال لا بأس بهذا ان جاء بثمنها إلى سنة ردها عليه قلت فإنها كانت فيها غلة كثيرة فأخذ الغلة لمن تكون الغلة فقال الغلة للمشتري الا ترى انه لو احترقت لكانت من ماله

قوله (رحمه الله) و نحوه في الرّهن

إشارة إلى رواية إسحاق بن عمّار قال قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام) الرجل برهن الغلام و الدار فتصيبه (الافتقار) على من تكون قال على مولاه ثم قال أ رأيت لو قتل قتيلا على من يكون قلت هو في عنق العبد قال الا ترى فلم يذهب مال هذا ثم قال أ رأيت لو كان ثمنه مائة دينار فزاد و بلغ مأتي دينار لمن كان يكون قلت لمولاه قال (كذلك) يكون عليه ما يكون له

قوله و ربما ينتقض ما ذكرناه في معنى الرّواية بالعارية المضمونة حيث انه أقدم على ضمانها مع ان خراجها ليس له لعدم تملكه للمنفعة و انما تملك الانتفاع الذي عينه المالك (فتأمل)

وجه التأمل انّه يمكن ان (يقال) ان معنى الرّواية هو ان الخراج في مقابلة ضمان العين بعنوان كونها من ماله و كونها ملكه في حال الانتفاع الّذي هو السّبب لكون تلفها منه و العارية المضمونة لم تضمن بعنوان كون عينها ملكا للمستعير حتى تكون ملكه في حال الانتفاع فيصير خراجها له في مقابلة الضمان

قوله و أضعف من ذلك رده بصحيحة أبي ولاد

وجه كونه أضعف هو كون مورد الصّحيحة هو الغصب مجرّدا عن عنوان البيع فلا مساس لها بمسئلة ضمان المقبوض بالبيع الفاسد أصلا

قوله لكن يشكل الحكم بعد تسليم كون المنافع أموالا حقيقة بأن مجرّد ذلك لا يكفي في تحقق الضمان الا ان يندرج في عموم على اليد ما أخذت و لا إشكال في عدم شمول الموصول للمنافع و حصولها في اليد بقبض العين لا يوجب صدق الأخذ

أشار (قدس سرّه) بقوله بعد تسليم (انتهى) الى ان كون المنافع مما قد يجرى عليه حكم المال لا يوجب كونها أموالا حقيقة ثم أفاد انه بعد التسليم لا تندرج في عموم على اليد من جهة المانع عن ذلك و هو تضمن الحديث لفظ الأخذ و هو لا يصدق على المنافع المقبوض متبوعها الّذي هو العين و ذكر بعض من تأخر أن الوجه هو الحكم بضمان المنافع الفائتة بغير استيفاء و ان المستند هو عموم على اليد لان الفقهاء استندوا إليه في الحكم بضمانها فقد فهموا منه معنى عاما يشمل ما نحن فيه و عندي ان فهمهم لا حجة فيه بعد ظهور اللفظ في خلاف ما فهموه و لا صارف عن (الظاهر) و لم يعلم استنادهم اليه جميعا و ان استند اليه بعضهم أو جماعة فلعل أصل الحكم مجمع عليه أو استندوا الى الاخبار التي أشار إليها (المصنف) (رحمه الله) بعيد هذا فالحق انه ان ثبت الإجماع كما في العبارة الّتي يحكيها (المصنف) (رحمه الله) عن (التذكرة) فهو و الّا فالوجه هو التّوقف كما جعله (رحمه الله) مقتضى الإنصاف

[الرابع في أنه إذا تلف المبيع فإن كان مثليا وجب مثله]

قوله إذا تلف المبيع فان كان مثليا وجب مثله بلا خلاف

اعلم ان الكلام في المقبوض بالبيع الفاسد يقع في أمور أحدها أصل وجوب رده مع بقائه و ثانيها وجوب أداء بدله في الجملة عند تلفه مع قطع النظر عن كون البدل عبارة عن المثل أو القيمة و ثالثها البحث عن انه بعد ثبوت وجوب البدل مقتضى الأصل هو لزوم إعطاء المثل أو القيمة امّا الأوّل فيدل عليه قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت على بعض الوجوه المتقدّمة في تفسيره و محصل ذلك ان منهم من جعل الحديث ناظرا الى خصوص صورة بقاء العين و بنى على سكوته عن حال التلف و منهم من جعله ناظرا الى خصوص صورة تلف العين بتقريب ان معناه انّ على اليد ضمان ما أخذت بمعنى الخروج عن عهدته على تقدير تلفه و لهذا قيل ان معنى الضمان معنى تعليقي و ذلك لأنه عبارة عن الخروج عن عهدة الشيء على فرض تلفه و ليس المراد بكونه تعليقيا انه لو قبض شيئا و أخذه لزمه الخروج عن عهدته و ان شئت عبرت عن ذلك بأنه تعليق بعد القبض لا انه معلق على نفس القبض و منهم من جعله ناظرا الى الصّورتين جميعا بتقريب ان معنى قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت انه على اليد الخروج عن عهدة ما أخذته و هذا معنى عام شامل لصورتي وجود المقبوض و تلفه فيكون الخروج عن العهدة في الأوّل يرد نفس المقبوض و في الثاني بدفع بدله و على التفسير الأوّل و الثّالث يصح الاستدلال بالحديث على وجوب ردّ المقبوض مع بقائه و على أحدهما يبتنى استدلال العلامة قدم (التذكرة) به على وجوب ردّ العين المغصوبة مع بقائها و على التفسير الثاني لا يتم الاستدلال به على ذلك هذا و التحقيق عندي انه ليس المراد بالحديث الا التفسير الثاني لأن اختصاصه بصورة بقاء العين أو شموله لصورتي بقائها و تلفها مما ينافيه التقييد بقوله (عليه السلام) حتى تؤدّى فلا يتم الاستدلال به على وجوب رد العين مع بقائها الا ان يتمسك في ذلك بالأولوية (فيقال) انه إذا وجب أداء بدلها عند التلف كان ردها مع بقائها واجبا بطريق اولى و امّا الثاني فيدل عليه القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان في المغصوبات و الأمانات المفرط فيها مثل ما في الوسائل عن محمّد بن علىّ بن الحسين قال قال (عليه السلام) إذا استعيرت عارية بغير باذن صاحبه فهلكت بالمستعير ضامن منه مد ظلّه العالي 1316 عن محمد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى عن محمد بن الحسن قال كتبت الى ابى محمّد (عليه السلام) رجل دفع الى رجل وديعة و امره أن يضعها في منزله أو لم يأمره فوضعها في منزل جاره فضاعت هل يجب عليه إذا خالفت عن امره و أخرجها عن ملكه فوقع (عليه السلام) هو ضامن له (إن شاء الله) (تعالى) و رواية الحلبي قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تكارى دابة إلى مكان معلوم فنفقت الدابة قال ان كان جاز الشرط فهو ضامن و ان دخل واديا لم يوثقها فهو ضامن و ان سقطت في بئر فهو ضامن لانه لم يستوثق منها و عن كتاب على بن جعفر (عليه السلام) عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن رجل استأجر دابة فوقعت في بئر فانكسرت ما عليه قال هو ضامن ان كان

292

لم يستوثق منها فإن أقام البيّنة أنه ربطها فاستوثق منها فليس عليه شيء و رواية أبان بن عثمان عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في الرّهن إذا ضاع من عند الرّاهن من غير ان يستهلكه رجع بحثه على الراهن فأخذه و ان استهلكه تراد الفصل بينهما مضافا الى قوله (تعالى) وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و قوله (تعالى) جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا و قوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ على أحد الوجوه و تفصيل المقال ان هذه الآية الأخيرة محتملة لوجوه أحدها ان تكون ما مصدرية و يكون المعنى اعتدوا عليه بمثل ما اعتدائه و تكون وجه الشبه كون كلّ منهما ممّا يصدق عليه مفهوم الاعتداء من دون نظر الى إفادة تحديد مقدار الاعتداء و عدم التجاوز عن القدر الّذي اعتدى به الشخص الأوّل و لا الى بيان شيء من الكيفيات و الخصوصيات و يصير المحصل هو الرخصة في تدارك ما أتلفه المتلف بأخذ بدله من دون تعيين صنف البدل أو شخصه ثانيها ان تكون ما مصدرية (أيضا) و المراد بالمماثلة و التشبيه هو التشبيه الخاص بمعنى عدم التجاوز في مقدار الاعتداء عن مقدار اعتداء الأوّل من دون نظر الى المعتدى به و لا يفيد كون المعتدى به الثاني مثلا للأول أو قيمة ثالثها ان تكون ما مصدرية و يكون المراد المماثلة أو التّشبيه في الاعتداء أو المعتدى به و هذا على قسمين أحدهما ان يكون المراد بيان حال النّوع المعتدى به بان يكون الاعتداء بالمثل في النّوع الّذي هو مثلي و بالقيمة في النّوع الّذي هو قيمي و ان اتفق نادرا في القيمي المشابهة بين التالف و العوض في جميع الأوصاف التي هي محط انظار العقلاء في المالية كما قد يتفق في الكرباس و في الإماء و العبيد و على هذا فلا يكون المناط إلا القيمة حتى في صورة المماثلة فيما بيّناه و الى هذا بنظر كلام الشيخ (قدس سرّه) حيث استدل بالآية على ضمان المثل بالمثل و القيمي بالقيمة بتقريب ان مماثل ما اعتدى به هو المثل في المثلي و القيمة في القيمي و ثانيهما ان يكون المراد بيان حال الأشخاص بأن يكون كل جزئي من جزئيات الشخصية التي هي من مال المعتدى إذا كان مماثلا للمعتدى به جاز أخذه بدلا له و لو لم يكن من مقتضى نوعه المماثلة كما في مثال الكرباس و المماليك و على هذا تدل الآية على جواز أخذ المثل في بعض افراد ما هو قيمي بحسب النّوع فقد تحصل مما بيناه في الآية وجوه أربعة و هناك وجه خامس و هو ان تكون ما موصولة عبارة عن المعتدى به و التقدير فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى به عليكم و إذ قد عرفت ذلك فلمت ان ما يصحّ الاستدلال بها من الوجوه المذكورة انما هو الوجه الأوّل دون الوجوه الأخر الا ان (يقال) ان إثبات الخاص يستلزم إثبات العام فإنه إذا ثبت الرخصة في الاعتداء بمقدار الاعتداء الأول أو بما يماثل المعتدى به نوعا أو شخصا ثبت ان المعتدى ضامن و يجب عليه دفع البدل هذا و عندي انه لا وجه للاستدلال بالآية على أصل الضمان و وجوب دفع البدل على المعتدى لا على الوجوه الأخر و لا على الوجه الأوّل لأن غاية ما تفيده الآية انما هو كون المعتدى عليه مرخصا في أخذ المثل أو القيمة و ثبوت الرخصة في حقه لا يقيد (يقتضي) وجوب الدفع على المعتدى فلو فرض ان المعتدى فلو فرض ان المعتدى عليه غافل عن ان المعتدى أتلف ماله أو جاهل و لكن المعتدى عالم باعتدائه و ملتفت اليه لم يتأت من الآية انه يجب عليه دفع البدل الى المالك و انما يتأتى منها ان المعتدى عليه مرخص في الاعتداء بمثل ما اعتدى عليه إنشاء و اين هذا من إثبات وجوب دفع البدل على المعتدى بل نقول انه لو كان الاعتداء بالمثل واجبا على المعتدى عليه لم يستلزم وجوب الدفع على المعتدى بنفسه حتى يكون ذلك من وظيفته في صورة جهل المعتدى عليه ايضا اللهم الا ان يدعى الملازمة عرفا بين ترخيص المعتدى عليه في الاعتداء بالمثل و بين ضمان المعتدى و وجوب دفع البدل عليه و هي ممنوعة و امّا الثالث فسيجيء الكلام عليه عند تعرض (المصنف) (رحمه الله) له

قوله بلا خلاف الا ما يحكى عن (ظاهر) الإسكافي

قال في (الجواهر) انه قال ان تلف المضمون ضمن قيمته أو مثله ان رضى صاحبه انتهى و ظاهره انه يضمن القيمة ابتداء ثم انه يجوز له إعطاء المثل ان رضى صاحبه بذلك و المضمون مطلق شامل للمثلي و القيمي لكن قال صاحب (الجواهر) (رحمه الله) لعله يريد القيمي

[الكلام في تعريف المثلي و القيمي]

قوله انه ما يتساوى اجزاؤه من حيث القيمة

قال الشيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) فما له مثل ما تساوت اجزائه و معناه ما تساوت (صح) قيمة أجزائه فكلّ هذا له مثل كالحبوب و الادهان و التمور و الاقطان و الخلول التي لا ماء فيها و الأثمان و نحو هذا كله له مثل فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما ردّه و ان كان تالفا فعليه مثله انتهى

قوله و المراد باجزائه ما يصدق عليه اسم الحقيقة

أشار بهذا التفسير الى دفع ما أورد على التعريف المذكور من ان من جملة المثلي بل من أظهر أفراده عندهم الحنطة و الشعير و نحوهما و لا ريب ان كلا منهما مشتمل على جنّات مشتملة على قشور و لباب فاجزاء الصّبرة الخاصّة مثلا على قسمين قشور و لباب و معلوم ان هذين الجزئين ليسا متساويين من حيث القيمة و وجه الدفع ان المراد باجزاء الحنطة مثلا هي الأجزاء التي يصدق عليها الحقيقة (فيقال) عليها أنها حنطة و مثلا ليست إلا الحصّة المشتملة على الحبّات المشتملة (صح) على القشور و اللباب فتخرج الأجزاء التي لا يصدق عليها اسم الحقيقة التي هي الحنطة اعنى القشور وحدها أو اللباب وحدها هذا و لكن يبقى بعد ذلك أمور الأوّل انه أورد المحقق الثاني (قدس سرّه) على التعريف المذكور في (جامع) (المقاصد) فقال بعد حكايته عن الشيخ بقوله و هو ما تساوى قيمة أجزائه كالحنطة و الشعير و غيرهما من الحبوب و الادهان و ما أشبه ذلك ما نصّه و نقض بالثوب و نحوه فإن قيمة أجزائه متساوية و ليس بمثلي هذا و المحقق المذكور و ان تصدّى لدفع النقض بعد ذكر حمل من الكلام بقوله و (الظاهر) ان المراد بهذا ضبط المثلي بحيث يتميز فصل تميز لا التعريف الحقيقي أو يكون قوله كالحنطة و الشعير و غيرهما من الحبوب و الادهان داخلا في التعريف فيكون انكشافه بهذه الأمثلة انتهى الا ان المحقق الأردبيلي (رحمه الله) أورد عليه بقوله و يمكن ان (يقال) ان هذا لا ينفع إذ الغرض من فضل التميز معرفة المثلي ليحكم عليه بالحكم المخصوص به فان حصل التميز التام بحيث امتاز عما عداه فيحصل المطلوب و يصلح التعريف لدفع النقوض و الا فما حصل المطلوب و بقي مجهولا غير متميز و ان ميز في الجملة و ذلك غير كاف هنا و ايضا ان أخذ الحنطة إلى أخرها في التّعريف لا ينفع لأنه إن اقتصر على ذلك المذكور فقط كما هو ظاهر كلامه لمن البيانية ففيه انه غير جامع لخروج كثير من المعرف مثل الادهان و الا لبان و الدبس و الماء و غيره على انه ما كان في عبارة التعريف منحصرا بل قال و ما أشبه ذلك و ان أراد أشباهها كما كان فما حصل التميز التام إذ يمكن ان (يقال) ان الثوب من ذلك و الأرض (كذلك) أو ليس الا لبان منه و الدبس و الماء (كذلك) و كذا ان لم يرد الحصر في ذلك و ان أراد ان الغرض الانكشاف لا التّعريف

293

الجامع المانع و بدخول الأمثلة يحصل أكثر فهو صحيح و لكنّه خلاف (الظاهر) مع انه يرد عليه ما تقدّم على قوله ان المراد ضبطه ما ذكره قبل ذلك بقوله ان هذا الأمر الّذي هو مبنى أحكام كثيرة لا بد لأخذه من مأخذ يكون حجة من كتاب و سنة و إجماع و عقل و ليس بظاهر انتهى و يمكن دفع الجميع امّا الأوّل فلان مراده ان المقصود عند الفقهاء واضح الا انّهم لم يراعوا كون التعريف جامعا مانعا لاكتفائهم بحصول فضل تميز لأن غاية ما هناك انه اتجه عليه نقض واحد و هو خروج الثياب فيمكن ان (يقال) ان المثلي ما تساوت قيمة أجزائه ممّا عد الثياب قيمته و ليست بمثليه و امّا الثاني فلأنه يفهم الى فيفيد ما هو مقصودهم من التعريف و لو لم يكن المثلي معلوما عندهم واضحا لديهم لم يمكنه في إيراد النقض دعوى ان الثّياب قيمته و ليست بمثلية و امّا الثاني فلأنه يفهم ممّا ذكره الشيخ (قدس سرّه) من الأمثلة و هي الحبوب و الادهان و التمور و الاقطان و الخلول التي لا ماء فيها و الأثمان مع تعقيبها بقوله و نحوها ان الألبان و الدبس و الماء داخلة في المثلي و لا مجال لاحتمال ان هذه الثلاثة مثلا ليست من مشابهات ما ذكره من الأمثلة و امّا الثالث فلان الموضوع الّذي هو المثلي و القيمي ممّا أخذ في معقد إجماعهم و قد عرفت انه أمر واضح لديهم إذ لا يعقل إجماعهم على حكم موضوع لم يعرفوه غاية ما في الباب انهم في مقام التعريف عرفوه بلازمه زعما منهم ان كون الشيء ممّا يتساوى قيمة أجزائه لازم لكون الشيء مثليا الثاني انه يرد على التّعريف المذكور انه لو مزج من الحنطة الجيدة بمثله من الحنطة الردية مع وجود التفاوت بينهما في القيمة فإنّه لا يصدق على المجتمع منهما انّه ما يتساوى (صح) قيمته اجزائه الّتي يصدق عليها اسم الحقيقة مع كونه مثليا الثالث انهم عرفوا القيمي بما لا يتساوى قيمة اجزائه و ليس الاجزاء فيه عبارة عن التي يصدق عليها اسم الحقيقة و هو واضح و على هذا فما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من كون المراد بالاجزاء في تعريف المثلي عبارة عن الاجزاء التي يصدق عليها اسم الحقيقة يوجب التفكيك في لفظ الإجزاء بالنّسبة إلى التّعريفين الرّابع انه قد توهم من عبارة (المصنف) (رحمه الله) ان مراده ان الجماعة أرادوا بالاجزاء في التعريف الجزئيات و ان محصل التعريف ان المثلي عبارة عن كلّى تساوى جزئياته بحسب القيمة و يظهر اندفاعه ممّا ذكرناه في تفسير وجه الدفع تفسير الكلامه فان مقتضى ذلك ان يكون هناك اجزاء يصدق عليها اسم الحقيقة فيعتبر هناك أمران و لا يكفي أحدهما و لم يقع في عبارة (المصنف) الا ان المراد باجزائه ما يصدق عليه اسم الحقيقة و هو لا يقتضي كون المراد بلفظ الاجزاء هي الجزئيات لما عرفت من البيان كيف لا و شأنهم أجل من ان لا يفرقوا بين الاجزاء و الجزئيات فيستعملوا أحدهما مكان الأخر و ذلك من الأمور المطروحة في الطّريق يعرفه المبتدئون في التعلم كما ان شأن (المصنف) (رحمه الله) أعز من ان يحمل كلامهم على ذلك فتدبر

قوله قلت و هذا يوجب ان لا يكون الدّرهم الواحد مثليا إذ لو انكسر نصفين نقص قيمة نصفه عن نصف قيمة المجموع

أقول يمكن دفعه بان مراد الشّهيد الثاني (قدس سرّه) بنقص قيمة الأجزاء المنفصلة نقص قيمة بعضها عن بعض و لهذا فرض الكلام في المصنوع من النقدين لا نقص نفس الجزء بعد الانفصال عما كان يساويه من القيمة قبله و الا فغالب المركبات بنقص قيمة جزئه بعد الانفصال من قيمته التي كانت قبله و ذلك لان مراده بالمصوغ من النقدين هو المصوغ منهما بعد اذابتهما و مزجهما و صوغه منهما فإذا فرض انفصال الفضة الّتي هي أحد الجزئين و قيمتها ناقصة عن قيمة الذهب الّذي هو الجزء الأخر فليس جزء (انتهى) متساويين من جهة القيمة و معلوم ان هذا النّوع من النقص لا يجري في الدّرهم المنكسر نصفين لأنّ اجزائه الجوهرية من صنف واحد

قوله فلا يرد ما قيل من انّه ان أريد التساوي بالكلية (فالظاهر) عدم صدقه على شيء من المعرف

(انتهى) المورد هو المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في شرح الإرشاد قال انه ان أريد التساوي بالكلية (فالظاهر) عدم صدقه على شيء من المعرف إذ ما من شيء الا و اجزاؤه مختلفة في القيمة في الجملة مثل الحنطة و الشعير و جميع ما قيل انه مثلي فإن حنطة يساوى صغارها عشرين و الأخر عشر شاميات و بالجملة التفاوت معلوم و ان أريد التساوي في الجملة فهو في القيمي أيضا موجود مثل الأرض و نحوها و ان أريد مقدار خاص فهو حوالة على المجهول انتهى و (المصنف) (رحمه الله) نقل العبارة على غير وجهها و الداعي الى ذلك قصد التلخيص أو الاختلاف في النسخة الّتي حضرته

قوله (رحمه الله) و قد لوح هذا المورد في أخر كلامه الى دفع إيراده بما ذكرناه من ان كون الحنطة مثلية معناه ان كل صنف منه متماثل الاجزاء

(انتهى) ليس في كلامه ما استفاده (المصنف) (رحمه الله) سوى انه قال و بالجملة تحقيقه مشكل جدا و هو مبنى أحكام كثيرة و الذي يقتضيه القواعد انه لفظ بنى عليه أحكام بالإجماع و كأنه بالكتاب (أيضا) مثل ما تقدم و السنة (أيضا) و له تفسير في الشّرع بل ما ذكر اصطلاح الفقهاء و لهذا وقع فيه الخلاف فيمكن ان بحال الى العرف إذ (الظاهر) انه ليس بعينه مراد فان المثل هو المشابه و المساواة في الجملة و هو موجود بين كلّ شيء كما صرّح في مسئلة لا يستوى و قالوا المراد المساواة بحسب التعارف لا من كلّ وجه و لا من جميع الوجوه فإن الأوّل موجود و الثاني موقوف على الاتحاد فكلّ شيء يكون له مثل في العرف و (يقال) له ان هذا له مثل عرفا فيؤخذ ذلك فان تعذر المثل اى لم يكن (يمكن) أصلا فالقيمة للتعذر و يؤيده انه على تقدير ثبوت كون المتلف مثليا مثل الحنطة لا يؤخذ بها كل حنطه بل مثل ما تلف عرفا و قيمة مثل سن الجمل بمثله من الجمل و الأعلى بمثله لا بآخر و كذا في غيره فيمكن ارادة ذلك مع المساواة في القيمة فإذا كان ثوب مثل ثوب أخر في اللون و القماش و بقيمته يكون ذلك المثل و كذا الغرس العتيق خاص تحته خاص و قيمته متعينة يكون مثلها بمثلها و هكذا و عليه يحمل ما في الكتاب و السنة و الإجماع انتهى و لكنك خبير بان المستفاد منه مراعاة مماثلة الشخص و ذلك معنى أعلى مما استفاده (المصنف) (رحمه الله) من كون المدفوع مماثلا للمتلف في الصّنف كما يدل على ذلك قوله كلّ شيء (الط) في ذلك و قوله سنّ الجمل بمثله مع كون صنف الجمل ليس الا من القيميات عندهم و (كذلك) الفرس العتيق فتدبر

قوله لكن الإنصاف ان هذا خلاف ظاهر كلماتهم فإنهم يطلقون المثلي على جنس الحنطة و الشعير و نحوهما مع عدم صدق التعريف عليه

يعنى على الجنس بناء على ارادة تماثل اجزاء الصّنف أقول الوجه ان (يقال) ان لفظة ما في التعريف عبارة عمّا هو أعم من النّوع و الصّنف بل الشخص و تحقيق ذلك ان التعريف انما هو للمهية و بالمهية لكن الغرض منه جعله مرآة لمعرفة حال المصاديق من جهة انطباقه عليها فالتعريف للمثلي على وجه كلى ليعرف حال مصاديقه و لفظة ما يراد بها كلى تحته صنفان بل ثلثه أصناف اى النّوع و الصّنف و الشخص ليعرف حال مصاديقها فالمراد به ان كلّ نوع أو صنف إذا وجد في الخارج كانت أجزاؤه الخارجية متساوية القيمة لو لم يطرء أمر عارض بعد الوجود كمزج الجيد بالردي

294

من الحبوب مثلا أو قبل الوجود كما في الحاصل من زرع المخلوط جيده برديه فهو مثلي بل نقول انه ان وجد منهما فرد واحد و لم يوجد لهما فرد أخر حتّى يكون مماثلا له كالدّهن الّذي عمله بعض الحكماء لسلطان پورسيا و طلى به بنادق عسكره عند المقاتلة مع سلطان الفرانسه فحصل له الغلبة عليه بذلك حيث احترق منه معسكره و هلكت من رائحته جنوده في سنة ألف و مائتين و سبعة و سبعين فإنه يكون مثليا لمساواة قيمة أجزائه غاية الأمر انه حيث لم يوجد له مماثل يكون مما تعذر مثله فيجري عليه حكمه و ذلك لا يخرج الموضوع عن عنوان كونه مثليا و من هنا يعلم ان توهم كون العطر ليس من قبيل المثلي نظرا الى ان ما يتخذ منه من مادة متحدة بحسب النوع كالورد و الصندل و نحوهما مما يعز وجود فردين متساويين منه من جهة اختلاف أفراد أصل المادة بحسب قوة الرائحة و ضعفها و قوة الجرم و ضعفه و كيفية إيقاد النار تحته و نحو ذلك كماء الورد الّذي يختلف افراده بما عرفت من أسباب الاختلاف و غيرها ليس في محلّه لان ما وجد منه متساوي الأجزاء اندرج في التعريف و صدق عليه انه مثلي و غرة وجود المماثل في الخارج لا يخرجه عن كونه مثليا فان وجد له مماثل مساو له جاز دفعه و الا انتقل إلى القيمة كما هو الشّأن في كلّ مثلي تعذر مثله و كذا الحال في الفرد الّذي إذا وجد تساوت اجزاؤه و ليس ما ذكرناه من جهة إضمار الوجود في نظم الكلام حتى (يقال) انه مخالف للأصل و (الظاهر) بل ذلك يفهم من نظمه بالنظر الى كون الوصف الذي ذكروه له و هو كونه متساوي الأجزاء بحسب القيمة من قبيل ما يثبت له في الوجود الخارجي كما لو قلنا ان السكر حلو و قد حققنا في محله ان الوصف و الحكم كما قد يثبتان للموضوعات بحسب الوجود الذهني في بعض الأحيان كما في قولنا الإنسان كلى (كذلك) قد يثبتان لها بحسب الوجود الخارجي في بعض الأوقات و تساوى الاجزاء من هذا القبيل فتحصل من ذلك ان المثلي يكون وصفا لكلّ من النوع و الصنف و الفرد و لكن باعتبار وجودها الخارجي و ان شئت قلت ان المثلي وصف للفرد الذي هو الموجود الخارجي و ذلك لأوّل النّوع و الصّنف باعتبار الوجود في الفرد الّذي هو الموجود الخارجي فيكون المراد بالتعريف ان المثلي هو الموجود الخارجي الذي تتساوى اجزاؤه بحسب القيمة بل هو المنساق من لفظ التّعريف و قد عرّفوا المثلي الذي هو عبارة عمّا من شأنه ان يكون له مثل بهذا التّعريف نظرا منهم الى ان ذلك لازم كون الشيء مما له مثل بحيث لا ينفك عنه هذا و لكن لا يخفى عليك ان هذا بحسب مقتضى ظاهر اللّفظ و ان الّذي يقتضيه التدبر في كلماتهم هو ان (يقال) ان المثلي عندهم وصف للنّوع دون الصّنف و الفرد و ذلك لان لازم كونه وصفا لهما هو انّه لو اتفق في صنف أو فرد من النّوع الذي هو قيميّ مختلف الاجزاء بحسب القيمة كونه متساوي الأجزاء بحسبها كان ذلك الصّنف أو الفرد بخصوصه مثليا مضمونا بالمثل فلو كان صنفا من الأراضي متساوي الأجزاء بحسبها أو من جهة أوصافها كقوة تربيتها للزّرع و تساوى أجزائها في الاشتمال على الملوحة و عدمه فلازم ما ذكر ان يحكم على ذلك الصّنف بأنه مثلي و قد وجدنا منهم خلاف ذلك فقد عدّا العلامة (قدس سرّه) في (التذكرة) في ذيل تعريف غير المثلي الأراضي من غير المثلي بقول مطلق قال (رحمه الله) و غير المثلي ما لا يتساوى اجزاؤه كالحيوان و الأراضي و الأشجار و غير ذلك انتهى و كذا لو كان اتفق فرد من الثوب متساوي الأجزاء بحسب القيمة من جهة تساوى قوة القطن أو الحرير أو الصوف المتخذ منه الاجزاء و من جهة تساوى كيفية الغزل و النّسج و نحو ذلك فاللازم ان يحكموا على ذلك الفرد بكونه مثليا و بضمانه بمثله و قد صرّح الشّيخ (قدس سرّه) في (المبسوط) بكون الثياب من القيمي بقول مطلق قال فان غصب ما لا مثل له و معناه ما لا يتساوى اجزاؤه أي لا يتساوى قيمة أجزائه فلا (يخلو) من أحد أمرين امّا ان يكون من جنس الأثمان أو من غير جنسها فان كان من غير جنسها كالثياب و الخشب و الحديد و الرصاص و النحاس و العقار و نحو ذلك من الأواني كالصّحاف و غيرها فكل هذا و ما في معناه مضمون بالقيمة انتهى بل غير الأواني و العقار من الأمثلة الّتي ذكرها كلها

مما يتحقق فيه صنف أو فرد متساوي الأجزاء قيمة و مع ذلك جعلها من قبيل القيمي الغير المتساوي عند وجوده في الخارج فهو مثلي و تعريف القيمي ناظر الى نفى ذلك الى الاجزاء فتعريف المثلي مأخوذ على وجه الغلبة بمعنى ان كل نوع و عنوان من العنوانات المعتبرة بأنفسها كان متساوي الأجزاء غالبا عند وجوده في الخارج فهو مثلي و تعريف القيمي ناظر الى نفى ذلك بمعنى ان كلّ نوع لم يكن تساوى اجزائه عند وجوده في الخارج غالبيا فهو قيمي فالحاصل ان الموصوف بالمثلية و القيمية انّما هو النوع لكن بحسب وجوده الخارجي و استفدنا اعتبار النّظر الى الغالب من الجمع بين مقتضى التعريفين للمثلي و القيمي و انهم يجعلون من قبيل القيمي ما قد يتفق فيه تساوى الاجزاء فتحصل مما ذكرنا ان المراد هو كون النّوع مما له مثل دون الصّنف و الفرد لما عرفت لكن بحسب الوجود الخارجي بمعنى ان كلّ نوع إذا وجد في الخارج في ضمن فرد كانت أجزاؤه متساوية في القيمة بحسب القالب كان مثليا فيخرج ما لا يغلب فيه تساوى الاجزاء كما كالأراضي و الثياب و مرادنا بالنّوع ما هو عنوان من العناوين المتعارفة كالحنطة و الأرز و الدهن و نحو ذلك من العناوين فلا ينافيه تعبير (المصنف) (رحمه الله) بالجنس و لا يقدح في ذلك ان كلا منها مشتمل على أصناف متفاوتة و انه إذا غصب فرد من صنف كان اللازم دفع ما هو من افراد ذلك الصّنف فان ذلك مدلول عليه بلفظ المثل الّذي هو من متعلقات الحكم في قولهم كل ما هو مثلي يضمن بمثله و قد أشار الى بعض ما ذكرناه في الجواهر حيث قال و لعل المراد تساوى قيمة أجزاء الصّنف من النوع منه بل الأشخاص من الصّنف بل على ان يكون ذلك المتساوي من حيث الذات لا الاتفاق و (حينئذ) فالمن من شخص الحنطة الخاصة مثلا و الدّهن الخاص مثلا قيمة أجزائه متساوية ضرورة كون الرّطل بدرهم مع فرض كون المن بدرهمين و هكذا و لا يرد النقض بالثواب و الأرض الّذي يمكن دفعه بعدم غلبة ذلك فيهما و فرض بعض الافراد (كذلك) لا يناسب اطراد قواعد الشرع انتهى ما أهمنا ذكره من كلامه (رحمه الله) و يستفاد من المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) و (المصنف) (رحمه الله) انهما فهما من التعريف المذكور كون المثلي عندهم وصفا للنوع بمعنى أخر غير ما ذكرنا و هو ان يكون تساوى الاجزاء بحسب القيمة وصفا للنّوع باعتبار ان كل موجود خارجي منه جزء فوصف الحنطة بالمثلية مثلا انما هو باعتبار ان لها اجزاء مثل صبرة زيد و صبرة عمرو و صبرة بكر و هكذا فكل صبرة جزء لهذا الجنس المركّب و انها متساوية بحسب القيمة و لهذا قال المحقق المذكور (رحمه الله) في طي عبارته التي حكيناها عنه في مقام الاستشكال في التعريف فإن حنطة صغارها يساوى عشرين و الأخر عشر شاميات فان كون صغار من حنطة يساوى عشرين و كون صغار من الأخرى يساوى عشرا لا يتجه الإيراد

295

به على تساوى اجزاء شخص واحد من صبرة مثلا بحسب القيمة و قال (المصنف) فيما سيأتي عن قريب مضافا الى انه يشكل اطراد التعريف بناء على هذا بأنه ان أريد تساوى الاجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساويا حقيقا فقلما يتفق ذلك في الصّنف الواحد من النّوع لان اشخاص ذلك الصّنف لا تكاد تتساوى في القيمة لتفاوتها بالخصوصيات الموجبة لزيادة الرّغبة و نقصانها كما لا يخفى و ان أريد تقارب اجزاء ذلك الصّنف من حيث القيمة و ان لم تتساو حقيقة تحقق ذلك في أكثر القيميات فان لنوع الجارية أصنافا متقاربة في الصّفات الموجبة لتساوي القيمة هذا و ذلك لان عدم تساوى اشخاص الصّنف لا يرد نقضا على اعتبار تساوى اجزاء الشخص الموجود الخارجي من النّوع بحسب القيمة لأن كلّ شخص من الصنف موجود خارجي من النّوع لا انه جزء منه و كذا في نوع الجارية فإن تقارب أصنافه في الصفات لا يرد نقضا على اعتبار تساوى اجزاء الشخص الخارجي و انما يرد نقضا لو كانت اجزاء جارية خاصة متساوية في القيمة فافهم و لا يخفى عليك بعد ما ذكر (انتهى) من مثلهما ثمّ ان مقتضى ظاهر لفظ التعريف المذكور كون الأقمشة الانكريزية الافرنجية (صح) مثليه دون الكتب المطبوعة لتساوي أجزاء الأولى التي يصدق عليها اسم الحقيقة في القيمة دون الثانية ضرورة صدق اسم الكرباس مثلا على ذراع من الطّول كصدقه على تمامه و مع ذلك أجزاؤه متساوية في القيمة فإن كل ذراع منه فرض كان مساويا للآخر في القيمة كما ان الغالب مساواة نفس كلّ طول أو طاقة فرض للآخر في المقدار و الأوصاف بخلاف كتاب (الروضة) المطبوعة مثلا فإنه لا يصدق على جزء منه كتاب الرّوضة فعلى هذا لا يصدق على شخصين من مطبوع متحد في الصنف ما ذكر من التّعريف هذا و للمحقق الأردبيلي (قدس سرّه) في معيار تمييز المثلي عن القيمي مسلك أخر و هو الرّجوع في المماثلة إلى العرف و ظاهره بل صريحه ان كل شيء شخصيّ له مماثل عرفا فهو مثلي كما تقدم الإشارة إليه في ذيل كلامه المتقدّم نقله المصدر بقوله و بالجملة تحقيقه مشكل جدا و هو مبنى أحكام كثيرة و الّذي يقتضيه القواعد انه لفظ بنى عليه أحكام بالإجماع فإنك قد عرفت انه قال في ذيل ذلك الكلام فكل شيء يكون له مثل في العرف و (يقال) له ان هذا مثل له عرفا فيؤخذ ذلك فان تعذر المثل اى لم يمكن أصلا فالقيمة للتعذّر و يؤيده انه على تقدير ثبوت كون المتلف مثليا مثل الحنطة لا يؤخذ بها كل حنطة بل مثل ما تلف عرفا و قيمة مثل سنّ الجمل بمثله من الجمل و الا على بمثله لا بآخر و كذا في غيره فيمكن ارادة ذلك مع المساواة في القيمة فإذا كان ثوب مثل ثوب أخر في اللون و القماش و بقيمته يكون ذلك المثل و كذا الفرس العتيق خاص تحته خاص و قيمته متعيّنة يكون مثلها بمثلها و هكذا و عليه يحمل ما في الكتاب و السنة و الإجماع انتهى و معلوم ان قوله كلّ شيء ظاهر في الأشياء الشخصيّة و انّ الجمل و الفرس العتيق من قبيل القيمي عندهم بحسب النّوع و قد حكم بأنه إذا وجد للمتلف منهما ما يساويه في أخص الأوصاف و في القيمة كان هو الذي يلزم دفعه فحصل من ذلك الرّجوع الى العرف في مماثله الأشخاص و اعترض عليه في (الجواهر) بعد نقل حاصل ما ذكرناه من كلامه بان ذلك كله كما ترى مخالف للإجماع بقسميه بل و لما هو كضرورى الفقه بين العامة و الخاصة ثم أخذ هو (رحمه الله) مسلكا ثالثا و هو ان معيار كون الشيء مثليا هو ان يكون له مماثل في غالب ماله مدخل في مالية ذلك الشيء و حمل التعريف السابق و غيره من التعريفات عليه قال بعد هذا الاعتراض ما لفظه فيمكن ان (يقال) بملاحظة ذلك يعني الإجماع و ملاحظة الأمر بالقيمة في الحيوانات و المنافع و السفرة الملتقطة في الطريق و كان فيها بيض و لحم و غيرهما و غير ذلك مما ورد فيه الأمر بالقيمة و له أمثال عرفية انه لا يراد المثل العرفي بل هو شيء فوق ذلك و هو المماثلة في غالب ماله مدخلية في مالية الشيء لا المماثلة من جميع كل وجه المتعذرة و لا مطلق المثل العرفي الذي يطلق مع وجود الشّبه في الجملة و هذا لا يكون إلا في الأشياء المتساوية المتقاربة في الصفات و المنافع و المعلوم ظاهرها و باطنها و من هنا كان الحيوان قيميا باعتبار انه و ان وجد له مثل عرفا لكن لم يعلم باطنه

المختلف أشدّ اختلاف و كذا الثّوب بل و الأرض الّتي فيها قطع متجاورات و المنافع المختلفة كل اختلاف باعتبار الاستيفاء و فرض وجود المثل المنطبق على المعنى المصطلح في بعض الافراد لا يوافق اطراد قواعد الشّرع فلذا كان المدار على النّوع بل الصّنف ثم قال و بذلك يتضح لك المراد في تعريف (المشهور) كما في (المسالك) و غيرها للمثلي بأنه هو ما يتساوى قيمة اجزائه و زاد بعضهم التمثيل بالحنطة و الشعير و غيرهما من الحبوب و الادهان و ما أشبه ذلك الى ان قال و قد عرفت ان المراد بالمساواة في غالب ماله مدخلية في المالية و تفاوت افراد الحنطة و ان كان معلوما إلا انّك قد عرفت المساواة في اشخاص الأصناف و لا يكفى الاتحاد في اسم النّوع المنافي لقاعدة لا ضرر و لا ضرار و لغيرهما و لعله أشار الى ما ذكرنا الشّهيد (قدس سرّه) في (الدروس) بتعريفه المثلي بأنه المتساوي الاجزاء و المنفعة المتقارب الصفات بل هو في الحقيقة كشف لتعريف (المشهور) لا انه تعريف أخر و ان توهمه غير واحد بل لعلّه المراد من تعريفه له في غاية المراد بأنه ما يتساوى اجزاؤه في الحقيقة النوعيّة على معنى إرادة التساوي المزبور لا ان المراد به الاتحاد في اسم القليل و الكثير منه كالماء و الحنطة كي يرد عليه الانتقاض بالأرض و اليه يرجع ما في (التذكرة) عن بعض من انه ما لا يختلف اجزاء النّوع الواحد منه في القيمة و ربما (يقال) في الجرم و القيمة و يقرب منه قول من قال انه الّذي يتشاكل في الخلقة و معظم المنافع أو ما تتساوى أجزاؤه في القيمة و المنفعة و زاد بعض من حيث الذّات لا من حيث الصّفة بل لعله المراد ايضا من تعريفه بالمقدر بالكيل و الوزن على معنى غلبة التساوي في اجزائها على الوجه المزبور في كثير من إفرادها المتعارفة فلا يرد النقض بالمعجونات و من هنا زيد فيه اشتراط جواز السلم فيه أو اشتراط جواز بيع بعضها ببعض لتشابه الأصلين في قضية التقابل فلا يرد ما في (المسالك) من انه اعترض على العبارات الثلث بان القماقم و الملاعن المتخذة من الصفر موزونة و يجوز السلم فيها و بيع بعضها ببعض و ليست مثلية مضافا الى ما أورد هو عليه بمنع جواز السلم فيها لاختلافها و عسر ضبطها و الى ما ذكرناه سابقا من ان المراد التساوي ذاتا لا اتفاقا بصنع صانع و نحوه بل لا يرد عليه ما قيل من اقتضائه كون الشيء مثليا في بلد و قيميّا في أخر لمكان اختلافهما في الكيل و الوزن و عدمهما إذ قد عرفت ان المراد به المتعارف في الغالب باعتبار كشفه عن تساوى اجزائه لا ان المراد مثليته من حيث الكيل و الوزن المختلفين باختلاف البلدان و بالجملة فالمراد من التعاريف واحد و هو التساوي الذّاتي في غالب ماله مدخلية في الرّغبة و القيمة و ان يكون ذلك غالبا في افراد الأصناف لا اتفاقا بل لعله

296

المراد (أيضا) مما في الإرشاد و شرحه الإسعاد لبعض الشافعية من تعريفه بأنه ما أمكن ضبطه بكيل أو وزن و جاز السلم فيه بل لعله المراد (أيضا) مما حكاه في الرياض عن خاله في دفع ما سمعته من المقدس الأردبيلي (قدس سرّه) من انه لعل المراد التقارب المعتد به عند أهل العرف اى ما يكون متساوي الأجزاء عرفا يكون مثليا و غير المتساوي (كذلك) غير مثلي و أيضا المثلي ما تعارف تحقق المثل له بحيث يساويه و يماثله في الطبيعة و المميز النّوعي و الصنفي و هو أقرب إليه من كل جنس و ان كان مثل الدّرهم و الدّينار انتهى و اختار هذا المسلك اعنى ما افاده صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من معيار المثلي و القيمي و تطبيق تعريف (المشهور) عليه و رد سائر التعاريف اليه بعض من تأخر ثم فرع على ذلك اتضاح الحال في موارد الخلاف كالرّطب و الذهب و الفضة الغير المسكوكين و الأرض فقال ان المتجه على ذلك كون الأخير قيميّا و كون ما عده مما ذكر مثليا و انه ان فرض بقاء الشّك في بعض الموارد أمكن الرّجوع الى آية الاعتداء فيحكم بكونه مثليا بتقريب ان مقتضاها إثبات الرّجوع الى المثل في جميع المتلفات سواء كانت مثلية أم قيمية الا انه خرج عن تحتها ما كان من قبيل العبد و الأمة و البغل و نحوها بالتقريب الّذي يأتي في استناده خروجها عن تحتها من الاخبار و مقتضى الآية و ان كان ثبوت الضّمان بالمثل العرفي الذي هو المماثل للشيء في الأوصاف و الخواص و المالية و القيمة فيما هو مثلي عند الفقهاء دون المثل الاصطلاحي الا انه قد ثبت الضمان بالمثل الاصطلاحي بحكم الإجماع على ثبوته فيه (فحينئذ) يلتزم باندراجه في إطلاق الآية بحكم (الشارع) و تنزيله منزلة المثل العرفي و يحكم في كلّ مورد شك في كونه من قبيل القيمي المخرج عن تحتها بحكم الإجماع و الاخبار أو من قبيل المثلي المندرج تحتها بحكم (الشارع) بالمثل العرفي لما عرفت من البيان و أقول تحقيق المقام ان ما ذكره المحقق الأردبيلي (قدس سرّه) مما انفرد به و لا يوافقه كلام أحد من القدماء و لا من المتأخّرين و لذا أورد عليه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) بأنّه تخالف للإجماع بل لما هو كضرورى الفقه امّا عدم موافقة كلمات القدماء فلأنهم أخذوا في معقد الإجماع لفظ المثلي و هو باعتبار ياء النّسبة يدل على انتسابه الى المثل و اختصاصه به في مقابل القيمي الّذي قد يتفق له مثل (فظاهر) لفظ المثلي على هذا هو كونه بنوعه أو صنفه مما له مماثل فان الفرد الّذي اتفق له مماثل كالجمل أو الفرس لا (يقال) عليه انه مثلي بهذا المعنى و امّا عدم موافقة كلمات المتأخرين فلما عرفت من كون كلماتهم صريحة أو ظاهرة في كون المثلي عبارة عن النّوع أو الصّنف مثل ما في غاية المراد من انه ما يتساوى اجزاؤه في الحقيقة النّوعية مضافا الى ان لازم ما ذكره هو انه ان وجد لفرد من القيمي مماثل لو فرض وجوده في مثل الأراضي أو الحيوان كان الحكم هو دفع المثل (حينئذ) و لم يقل به أحد و هو الّذي أشار إليه صاحب (الجواهر) (رحمه الله) من كونه مخالفا للإجماع و ما هو كضرورى الفقه فالوجه انما هو اعتبار الصّنف أو النّوع و استفدنا ذلك من حديث السفرة الملتقطة التي فيها لحم و بيض ففي أخر كتاب اللقطة من الوسائل عن محمّد بن يعقوب عن على بن إبراهيم عن أبيه عن النوفلي عن السّكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوم ما فيها ثمّ يؤكل لانه يفسد و ليس له بقاء فان جاء طالبها غرموا له الثمن فقيل يا أمير المؤمنين لا يدرى سفرة مسلم أو سفرة مجوسي فقال (عليه السلام) هم في سعة حتى يعلموا حيث حكم (عليه السلام) فيها بالقيمة من دون استفصال مع انه لو كان الحكم بالمثل منوطا بالفرد الموجود في الخارج كان اللازم ان يستفصل و يفصل (عليه السلام) بين ما لو وجد له مثل و غيره لا مكان تحصيل مماثل لذلك الفرد و ان لم يكن نوعه أو صنفه مثليا و كذا مما في مرسل الفقيه فان وجدت طعاما فقومه على نفسك لصاحبه ثمّ كله فان جاء صاحبه فرد عليه القيمة وجه الدلالة انه (عليه السلام) حكم في الطعام بالقيمة لكون نوعه ليس من ذوات الأمثال و ان كان قد يتفق لفرد منه مثل فعلم

ان المدار على النّوع أو الصّنف و امّا الاستدلال بصحيحة أبي ولاد حيث حكم فيها بلزوم قيمة البغل فلا ينطبق على ما نحن بصدده لان لقائل أن يقول ان حكمه (عليه السلام) بالقيمة مبنىّ على انه لا يوجد للحيوان مماثل إذ لا أقل من اختلاف قواه الباطنية الموجبة لاختلاف الأعمار و ذلك أمر لا يتيسر العلم به و امّا ما ذكره صاحب (الجواهر) (رحمه الله) فيتجه عليه أولا ان اعتبار المماثلة في غالب ماله مدخلية في مالية الشيء رد الى المجهول و (الظاهر) ان الحامل له على ذلك هو تعذر المماثلة من كل وجه و ان اعتبار المماثلة في الجملة يوجب دخول أكثر القيميّات بل كلها كما يدل على ذلك قوله لا المماثلة من كل وجه المتعذرة و لا مطلق المثل العرفي الذي يطلق مع وجود الشبه في الجملة و من البين ان انتفاء الأمرين لا يوجب تعيين ما بنى عليه من المماثلة في غالب ماله مدخلية في مالية الشيء لوجود أمر أخر و هو المماثلة في جميع ماله مدخل في مالية الشيء و هو غير متعذر بالضّرورة و تعذر المماثلة من كلّ وجه الشاملة لماله مدخل في المالية و لغيره لا يقتضي تعذر المماثلة في جميع ماله مدخل في مالية الشيء التي هي أخص منها و لو قال في غالب الأوصاف و فسره بجميع ماله مدخل في ماليته لكان متّجها و ثانيا ان ذلك مما لا وجه له لان اعتبار المماثلة في غالب ماله مدخل في ماليته ليس معناه الا ان تخلف بعض الأوصاف التي لها مدخل في المالية غير قادح في تحقق المثلية و حكمها الذي هو دفع مثلها و لازم ذلك انه إذا أتلف الغاصب مال المغصوب منه جاز دفع ما ينقص عن التالف ببعض الأوصاف المالية و ذلك لا وجه له من جهة تفويت شيء من المالية عنه و ثالثا ان ما ذكره في تقريب مدعاه و دفع ما افاده المحقق المذكور من قوله و فرض وجود المثل المنطبق على المعنى المصطلح في بعض الافراد لا يوافق اطراد قواعد الشرع فلذا كان المدار على النّوع بل الصّنف غير صحيح ضرورة ان القاعدة عبارة عن قضيّة كلية يتعرف منها أحكام جزئيّات موضوعها و انتقاضها عبارة عن تخلف بعض الافراد ففيما نحن فيه لو قلنا بان (الشارع) قد حكم على كل موجود خارجي شخصي بأنه إذا أتلفه الغاصب وجب عليه دفع مثله سواء كان مما له مثل بحسب النوع أو الصّنف أم لا و التزمنا بان الجمل أو الثوب أو الفرس الشخصيّات المتلفات مثلا تضمن بأمثالها كما التزمه المحقق المذكور تحقق هناك قاعدة مطردة غير منتقضة و هو واضح لعدم خروج شيء من افراد الموضوع عن الحكم و اطراد قواعد الشرع ليس إلا عبارة عن عدم تخلف الحكم عن بعض افراد ما أخذه (الشارع) موضوعا في القضية و ان أريد مثل ما قيل في حكمة غسل الجمعة من ان عادة (الشارع) جزت على عدم ادارة الحكم مدار الحكمة فذلك غير مرتبط بالمقام لان ذلك بيان لما وقع و علم من (الشارع) عموم الحكم و خصوص الحكمة و ليس مما يصلح لتأسيس تعميم حكم غير معلوم الكيفية و ان

297

أريد معنى غير ما ذكرنا فهو غير مسلم فافهم فالوجه ان (يقال) ان المثلي عبارة مما له مشابه يندرج معه تحت نوع أو صنف مع كون المشابهة في جميع ماله مدخل في مالية الشيء و يدخل فيه الادهان و الحبوب و أصناف الرطب و التمر و العنب و الخوخ و المشمش و الإجاص و أمثال ذلك دون مثل البطيخ و الرمان و النارنج و الليمو لغلبة الاختلاف في القطر و غيره مما يختلف باختلافه الرّغبة و كذا يدخل أصناف القطن و الصّوف و ما كان من قبيل المصعد و الدّهن المتخذين من مادة متحده بالصّنف كماء الورد و العطر المتخذ منه أو من الصندل أو غيرهما و كذا ما كان من قبيل الدهن المتخذ من مادة بسيطة أو مركبة و ان كان مخترعا لم يوجد له مثل في الدّنيا الا انه بصنفه قابل للوجود و كذا ما كان من الأقمشة الافرنجية المتحدة في الصّنف و الكتب المطبوعة المتحدة بالصنف بمعنى كون البدل و المبدل منه من طبع واحد لا من طبعين بخلاف مثل الغزل و الأراضي لتحقق الاختلاف فيها كثيرا حتى ان القطعتين المتجاورتين تختلفان غالبا في تنمية الزرع و الأشجار و في الملوحة و القيمة و غير ذلك كما لا يخفى على من راجع أهلها و يعلم من ذلك عدم كون افراد صنف من الحيوان كالعبدين و الأمتين و الفرسين مثلا مثليات بطريق اولى لعدم تساويها في القوم الباطنية لو فرض تساويها في الأوصاف الظاهرية لأن أقل ما يكون هناك اختلافها بحسب الاستعداد الباطني المقتضى لمقدار من البقاء و الأعمار و ما ذكرناه من التجديد بالتساوي في جميع الأوصاف التي لها مدخل في مالية الشيء يلوح من كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة حيث قال كل من غصب شيئا وجب عليه رده الى المالك سواء طالب المالك برده أم لا ما دامت العين باقية بلا خلاف لقول النبي (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى و لان حق المغصوب منه متعلق بماله و لا يتحقق ذلك الا برده فان تلفه العين فقد تعذر الرد عليه فلا بد لإبراء ذمته من سبيل دفعا للحرج و لا سبيل الى ذلك الا برد بدله و ما يساويه إذ الغرض الكلى أصل المالية و انما يتعلق بالجزئيات الأغراض النادرة فيجب (حينئذ) رد بدله و هو ما يقوم مقامه في المالية لقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ ثمّ ينظر فان كان من ذوات الأمثال وجب رد المثل لان المثل أقرب الأشياء اليه و من القيمة و هو مماثل له من طريق الصّورة و المشاهدة و المعنى و اما القيمة فإنها مماثلة من طريق الظن و الاجتهاد فكان ما هو من طريق المشاهدة مقدم كما يقدم النص على القياس عند القائلين به لكون النص طريقة الإدراك بالسّماع و القياس طريقة الظن و الاجتهاد انتهى و ذلك لان المثل لو لم يكن مساويا في جميع الأوصاف التي لها مدخل في مالية الشيء بل ما كان مساويا في غالبها لم يكن أقرب الأشياء لكون المساوي في الجميع أقرب منه و لا مماثلا له من حيث المعنى ثم ان لازم ما ذكرناه من التحديد هو ان يتساوى المتماثلان في القيمة أيضا و لا يتصوّر الاختلاف بينهما بحسبها الا بحسب الزمان أو المكان و لهذا قال العلامة (رحمه الله) في التذكرة لو غصب المثلي فتلف تحت يده أو أتلف المثلي على غيره و ان لم يكن غاصبا و مضى عليه زمان زادت قيمة المثل فيه فله مطالبة بالمثل و ان زادت القيمة و لو نقصت القيمة فله المثل خاصة ليس له سواء و به قال العامة و فرقوا بين مضى الزمان و مغايرته للأول و بين المكان عند القائلين بأنه لا يطالب بالمثل في غير ذلك المكان بان العود الى المكان الأول ممكن فجاز انتظاره و رد الزمان الأول غير ممكن فقدمناه بصورة المثل و ان لم يكن ذلك مثلا حقيقة لأن التّساوي في القيمة معتبر في المثلين و للزمان اثر ظاهر في تفاوتها انتهى و مما ذكرناه من البيان في تحديد المثلي ظهر لك سقوط ما في الرياض من ان المثلي ما تعارف تحقق المثل له بحيث يساويه و يماثله في الطبيعة و المميز النوعي و الصنفي و هو أقرب إليه من كل جنس و ان كان مثل الدرهم و الدينار انتهى فإنه و ان كان الظاهر منه ان قوله و هو أقرب (انتهى) من اجزاء التعريف فيستفاد منه ما اعتبرناه من الموافقة في جميع الأوصاف التي لها مدخل في مالية الشيء الا ان اعتبار تعارف تحقق المثل مما لا وجه له

ضرورة انه لا يعتبر في صيرورة الشيء مثليا وجود مماثل له فكيف يكون ذلك متعارفا الا ان يحمل على إرادة الثانية و هو في غاية البعد من لفظه بقي هنا أمران الأوّل ان اعتبار حكم العرف بالمماثلة في مفهوم المثلي و ان صدر عن بعضهم الا ان ذلك مما لا وجه له و لوجه انما هو اعتبار المماثلة في الواقع فيعتبر المماثلة في جميع ماله مدخل في مالية الشيء بحسب الواقع غاية ما في الباب ان اعتقادهما طريق الى الواقع ان توافقا و ان رضى المالك بشيء سقطت كلفة تحصيل الواقع فان لم يعلما و لم يرض المالك بشيء كان اللازم هو الرجوع الى أهل الخبرة لكونه طريقا الى الواقع على ما هو الشأن في أمثال ذلك من الموارد الثاني انك قد عرفت ان صاحب الجواهر (رحمه الله) ارجع تعاريف المثلي بأسرها إلى معنى واحد فلا يكون الاختلاف إلا في التعبير و هو الذي يقتضيه ظاهر كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) في (المسالك) حيث قال قد اختلف عبارات الفقهاء في ضبط المثلي و المشهور بين الأصحاب ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من ان المثلي ما يتساوى قيمة أجزائه إلى آخر ما قال و مقتضى ظاهر كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة في طي عبارته التي نحكيها لك في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) الى غير ذلك مما حكاه في التذكرة عن العامة و ان كان هو وقوع الخلاف بحسب المعنى الا ان ظاهر ان ذلك بالنظر الى ما جرى فيما بين فقهاء العامة و انه لا خلاف بين الخاصة بحسب المعنى في تفسير المثلي الواقع في معقد إجماعهم إلا في التعبير فيكون ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) من رجوع الجميع الى معنى واحد حقا الا ان كيفية الرجوع التي ذكرها محل منع من حيث إرجاعه سائر التعاريف الى التعريف المشهور بدلالتها اللفظية و من المعلوم عدم وفائها بالدّلالة على ما يدل عليه بل التحقيق ان المثلي ليس له معنى مصطلح عليه و انما له معنى عرفي و هو ما بيناه و ان كل من ذكر شيئا من التعاريف فقد عرّف ذلك المعنى العرفي بلازمه فمن عرفه بأنه ما يتساوى اجزاؤه بحسب القيمة تخيل ان هذا المفهوم لازم ذلك المعنى العرفي و كل من عرفه بأنه المتساوي الاجزاء و المنفعة تخيل ان هذا المفهوم هو اللازم المساوي لذلك المعنى و هكذا غاية ما في الباب انه قد وقع الخطاء في انطباقها على المعرف و يدل على ما ذكرناه من كون معنى المثلي ما بيناه انه المتبادر و المنساق من لفظه و على ما ادعيناه من عدم اختلاف المعرفين اختلافا معنويا و عدم استقرار الاصطلاح على ما يغاير المعنى العرفي انّه لا معنى الاختيار كلّ شخص من الفقهاء أو جماعة منهم اصطلاحا مغايرا (صح) لاصطلاح الأخر أو الأخرى خصوصا مع ملاحظة أن منهم من عرفه في كتاب بشيء من التعاريف و في كتاب أخر بتعريف أخر الا ترى ان العلامة (رحمه الله) اختار في التذكرة تعريف الشيخ و هو ما يتساوى قيمة اجزائه و كذا في القواعد مع انه عرفه في التحرير بأنه ما يتماثل اجزاؤه و يتقارب صفاته و مثل له بالحبوب و الادهان و قد عرفت ان الشهيد (رحمه الله) في (الدروس) عرفه بأنه المتساوي الاجزاء و المنفعة المتقارب الصفات و قد عرفه في غاية المراد بأنه ما يتساوى

298

اجزاؤه في الحقيقة النوعية و من المعلوم انه لا وجه لدعوى ال شخصا واحدا يصطلح في كل زمان على شيء

قوله و إطلاق المثلي على الجنس باعتبار مثلية أنواعه أو أصنافه و ان لم يكن بعيدا الا ان انطباق التعريف على الجنس بهذا الاعتبار بعيد جدا

لتوقفه على الإضمار في نظم الكلام بان يقال ان التعريف في تقدير قولهم ما يتساوى قيمة أجزاء أنواعه أو أصنافه فافهم

قوله الا ان يهملوا خصوصيات الأصناف الموجبة لزيادة القيمة و نقصانها كما التزمه بعضهم غاية الأمر وجوب رعاية الخصوصيات عند أداء المثل عوضا عن التالف أو القرض و هذا أبعد

محصّله انه لو قيل بان تعريفهم للجنس بأنه ما يتساوى قيمة أجزائه انما هو باعتبار إهمال الخصوصيات الصنفية الموجبة للتفاوت بان يكون مرادهم ان اجزاء الجنس متساوية مع قطع النظر عن الخصوصيات و معلوم انه لا بد (حينئذ) من اعتبار التساوي في الجملة و مع ذلك لا بد من مراعاة لخصوصيات عند أداء المثل كان ذلك أبعد من جهة ان مثل الأراضي مما هو قيمي و لا يتساوى قيمة أجزائه بحسب الأصناف يصدق عليه انه مع إهمال الخصوصيات و قطع النظر عنها يتساوى قيمة أجزائه مع انه ليس من المعرف و مع ذلك يبعده ان الخصوصية إذا كانت مقصودة يلزم مراعاتها في مقام أداء المثل فلا وجه لقطع النظر عنها و إهمالها في مقام التعريف فانّ ذلك مناف للغرض

قوله مضافا الى انه يشكل اطراد التعريف بناء على هذا بأنه ان أريد تساوى الاجزاء من صنف واحد من حيث القيمة تساويا حقيقيا

(انتهى) قد عرفت ان هذا الكلام مبنى على ان مرادهم بالتعريف كون كل موجود خارجي من افراد الصنف مباين للآخر قد اعتبر جزء من الصنف و انه مما لا وجه له بل مرادهم ان اجزاء الصنف باعتبار وجوده الخارجي إذا كانت متساوية بمعنى تساوى اجزاء الموجود الخارجي كان مثليا

قوله و لذا اختار العلامة (رحمه الله) في باب القرض من التذكرة على ما حكى عنه ان ما يصح فيه السلم من القيميات مضمون في القرض بمثله

اعلم ان القرض و السلم لا يدوران مدار المثلية و لهذا قال الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) كل حيوان يجوز بيعه يجوز السلم فيه من الرقيق و الإبل و البقر و الغنم و الخيل و البغال و الحمير و غير ذلك انتهى فيجوز الإسلاف في القيمي لكن بشرائطه التي منها وصف المسلم فيه و ضبطه و ذكروا في القرض انه يصح إقراض كل ما يضبط وصفه الذي تختلف القيمة باختلافه و قدره ان كان من شانه التقدير و لو لتوقف الضبط عليه و في الجواهر انه لا ريب في طرده بمعنى صحة قرض مضبوط الوصف و القدر بل لا خلاف فيه لإطلاق الأدلة إنما الكلام في عكسه و هو ان كل ما لا يضبط وصفه و لا قدره لا يجوز قرضه إذ يمكن منعه للإطلاق المزبور خصوصا على المختار من ان الثابت في قرض القيمي قيمته التي لا مدخلية في ثبوتها في الذمة لضبط الوصف الذي يراد منه دفع المثل وفاء كما انه قد يمنع وجوب اعتبار ضبط الوصف سابقا على القرض في صحته على وجه لا يجدى اعتباره بعد القرض و القبض لعدم الدليل الصالح لتقييد الإطلاق المعتضد بإطلاق جملة من الأصحاب الذين لم يذكروا هذا الشرط كبني زهرة و حمزة و إدريس و غيرهم و التعليل بان ذلك مقدمة للوفاء لا يقتضي بالاشتراط المزبور بل قد يقال بعدم فساد القرض بالإخلال به أصلا إذا قضاه ثبوت مثله أو قيمته في الذمة فإن علما بقيمته و نحوها وجب تاديتهما و الا رجع الى الصلح و (كذلك) الكلام في القدرة هذا و لما عرفت قالوا يجوز إقراض المثلي إجماعا و كذا القيمي الذي يمكن السلف فيه و فيما لا يضبطه الوصف كالجوهر و اللحم و الجلد قولان يجوز اقتراض الذهب و الفضة و زنا و الحنطة و الشعير كيلا و وزنا و الخبز وزنا بلا خلاف بل الإجماع عليه لكن بعد ضبط الوصف و كذا يجوز عددا عندنا نظرا الى المتعارف للإجماع المحكي و الاخبار و كذا يجوز إقراض الجواري بلا خلاف غاية ما هناك انه ان كان العين المقترضة مثلية ثبت في الذمة مثلها و ان كانت قيميّة ثبت في الذمة قيمتها وقت التسليم و انفرد المحقق (رحمه الله) بأنه لو قيل يثبت مثله كالمثلي كان حسنا و لكون الثابت في فرض المثلي هو المثل و كون الثابت في قرض القيمي هي القيمة استشهد (المصنف) (رحمه الله) بما ذهب إليه العلامة (رحمه الله) من ان ما يصح فيه السلم من القيميات مضمون في القرض بمثله

قوله و قد عد الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) الرطب و الفواكه من القيميات مع ان كل نوع منها مشتمل على أصناف متقاربة في القيمة

قال (رحمه الله) في أواخر كتاب الغصب منه فان غصب شجرا فأثمر و كالنخل و نحوها فالثمار لصاحب الشجر لانّه عين ماله نمى و زاد فإذا ثبت انه ماله رده ان كان رطبا بحاله و ان تلف رطبا فعليه قيمته لان كل رطب من الثمار كالرطب و التفاح و العنب و نحوها انما تضمن بالقيمة انتهى

قوله فعن التحرير انه ما تماثلت اجزاؤه و تقاربت صفاته

الظاهر انه أريد بالأجزاء هنا الجزئيات باعتبار ان جنس الصفر أو الحديد أو الحنطة مثلا شيء واحد و ان الصفر الحاصل من معدن من معادن الهند مثلا جزء منه و ان الصفر الحاصل من معدن من معادن مملكة إيران جزء أخر منه و انهما متماثلان في الخلقة بمعنى انهما مشتركان في أصل الجوهر كما يتضح وجه التماثل انا قيس أحدهما بجوهر الحديد و قس عليه الحال في الحنطة و الحديد و غيرهما و قد أخذ التشاكل في الخلقة جنسا في بعض تعاريف العامة ثم ان ظاهر لفظ التعريف يقتضي عود الضمير المجرور المضاف إليه في صفاته الى الموصول و انه بظاهره غير مستقيم لأن الأوصاف الثانية للمركب بنفسه غير متماثلة ألا ترى ان الصفر المعدود من قبيل المثلي من جملة أوصافه كون جوهره برّاقا و كونه يتخذ منه الأواني و كونه مورنا مثلا و ليس شيء من هذه الأوصاف متقاربة و ليس مراد المعرف ذلك قطعا و انما المراد هو كون أوصاف الاجزاء متقاربة فلا مناص من التزام إضمار لفظ الاجزاء مضافا الى الضمير فالتقدير تقاربت صفات اجزائه أو ادعاء كون صفات الاجزاء صفاتا له و على كل حال فالمراد تقارب صفات اجزائه و احترز بالتقييد به عن كون شيء من الصفر قد صنع ملعقة و كونه شيء أخر منه قد صنع إبريقا فإنهما ليسا متقاربين في الصفة بخلاف المعلقتين أو الابريقين و ان كان بين كل اثنين من قسم واحد اختلاف بحسب القطر في الجملة فإنه يصدق عليهما انهما متماثلان و متقاربان في الصفة و بعد ذلك كله نقول الظاهر ان هذا التعريف أعم من التعريف الأول لأن تماثل اجزائه و تقارب اوصافهما قد يوجدان فيما لا يتساوى قيمة أجزائه كما هو المشاهد في صفر الهند و صفر الايران فإنهما مع اتفاقهما في المقدار و الصفة يختلفان في القيمة فلا يستلزم ذلك تساوى قيمتهما

قوله و عن الدروس و الروضة انه المتساوي الاجزاء و المنفعة المتقارب الصفات و عن (المسالك) و الكفاية انه أقرب التعريفات إلى السلامة

الظاهر ان هذا التعريف أخص من التعريف السابق لانه اعتبر هنا بعد اعتبار المساواة في القيمة المعتبرة هناك مساواته في المنفعة و تقاربه في الصفات و معلوم انه إذا كانت صبرة زيد بحيث يحصل من مقدار منها الخبز أكثر مما يحصل من ذلك المقدار من صبرة عمر و لكن كان خبر الثانية

299

ألذ من خبر الاولى فتساويا في القيمة من هذه الجهة صدق التعريف السّابق عليهما دون هذا التعريف لعدم اعتبار التساوي في المنفعة هناك على خلاف هذا التعريف و كذا الحال في تقارب الأوصاف فإذا فرض ان قسمين من النجاس متساويين في أصل الجوهر صنع من أحدهما إبريق و من الأخر طشت مثلا و كان مقدار من الأول يساوى مثل ذلك المقدار من الثاني في القيمة صدق عليه التعريف السّابق التساوي الجزئين في القيمة بخلاف التعريف الثاني لعدم تساويهما في الصّفات هذا ان أريد يتساوى الاجزاء في هذا التعريف تساويها بحسب القيمة و ان أريد تساويها بحسب أصل الجوهر فالظاهر كون هذا التعريف (صح) أخص (أيضا) لأن هذه الخاصة المركبة التي هي تساوى جوهر الاجزاء و تساوى منفعتها و تقارب صفاتها لها لازم أعم و هو تساوى قيمة الاجزاء و انما قلنا انه لازم أعم لوجوده فيما لو تساوى الجوهران و اختلف الصّفات أو المنافع على وجه يكون كل من الصفتين أو المنفعتين المتخالفتين معارضة للأخرى فإنه (حينئذ) يتساوى القيمتان مع عدم تساوى المنفعتين أو الصّفتين و لعل (المصنف) (رحمه الله) أشار بتعقيب هذا التعريف بما حكى عن لك و الكفاية من انّه أقرب التعريفات إلى السّلامة إلى كونه أخص من التعريف السّابق فتأمل

قوله و عن غاية المراد ما تساوى أجزاؤه في الحقيقة النوعية

قال في (المسالك) و مرجعه الى ما يكون اسم القليل و الكثير منه واحدا كالماء و الدبس و الحنطة ثم قال و ينتقض بالأرض انتهى

قوله و عن بعض العامة انه ما قدر بالكيل أو الوزن

قال في (المسالك) و نقض بالمعجونات و زاد اخرون عليه اشتراط جواز السلم فيه ليسلم من النقض و زاد ثالث اشتراط بيع بعضها ببعض ليشابه الأصل في قضية التقابل انتهى و سيجيء في عبارة التذكرة ذكر ما يمتنع بيع بعضه ببعض عندهم (صح)

قوله الى غير ذلك مما حكاه في التذكرة عن العامة

و ينبغي نقل عبارتها بتمامها لاشتمالها على ما يفيد البصيرة في المقام قال (رحمه الله) القسم الثالث الأعيان المالية الصامتة و هي قسمان إما مثلية أو غير مثلية و قد اختلف في تفسير المثلي فقال الشيخ (رحمه الله) المثلي ما يتساوى قيمة أجزائه كالحنطة و الشعير و غيرهما من الحبوب و الادهان و ما أشبه ذلك و غير المثلي ما لا يتساوى اجزاؤه كالحيوان و الأراضي و الأشجار و غير ذلك و قال جماعة من الفقهاء المثلي ما يتماثل اجزاؤه و يتقارب صفاته كالحبوب و غيرها و قال أبو حنيفة و الشافعي و احمد المثلي كل مقدر بكيل أو وزن و زاد بعضهم اشتراط جواز السلم فيه لان المسلم فيه لا يثبت بالوصف في الذمة و الضمان يشبهه لانه يثبت في الذمة و زاد القفال و غيره اشتراط جواز بيع بعضه ببعض لتشابه الأصلين في قضية التماثل و اعترض على العبارات الأخيرة الثلث بان القماقم و الملاعق و المغارف المتخذة من الصفر و النحاس موزونة و يجوز السلم فيها و بيع بعضها ببعض و ليست مثلية و منع بعض الشافعية من جواز السلم في القماقم و نحوها لاختلافها و انما جاز في الاسطال المربعة و الظروف المصبوبة في القوالب و لا يبعد ممن صار الى العبارات الحكم عليها بأنها مثلية و قال بعضهم المثليات هي التي تقسم بين الشريكين من غير حاجة الى تقويم و يشكل بالأرض المتساوية الأجزاء فإنّها تقسم من غير تقويم و ليست مثلية و قال اخرون المثلي ما لا يختلف اجزاء النوع الواحد منه في القيمة و ربما (يقال) في الجرم و القيمة و يقرب منه قول من قال المثليات هي الّتي تتشاكل في الخلقة و معظم المنافع أو ما يتساوى اجزاؤه في المنفعة و القيمة و زاد بعضهم من حيث الذات لا من حيث الصفة و قصد به الاحتراز عن الملاعق و المغارف و ضبحات الميزان المتساوية فإن تساويها حسا من حفظ التشابه في الصفة و الا فالمصنوعات مختلفة في الغالب و القائل ان يقول الملعقة و نحوها لو وردت على الضابط المذكور اما ترد لتماثل اجزائها و هي ملعقة أو لتماثل اجزاء جوهرها فقط و الأول باطل لان اجزاء المعلقة غير متماثلة في المنفعة و امّا الثاني فالصفر الذي هو جوهر الملعقة إذا كان مثليا كان تماثل اجزائه من حيث الذات لا الصنعة و إذا لم تؤثر الصفة في تماثل الاجزاء فكيف يقال ما يتماثل جزائه من حيث الذات لا الصفة (صح) و الحق ان اثر الصنعة في تماثل الاعداد و أوضاع أجزائها لا غير و اعلم ان ما ذكره أبو حنيفة ينتقض بالمعجونات و قول القفال بجواز بيع البعض بالبعض بعيد عن اصطلاح الشافعية فإنهم أعرضوا عن هذا الشرط و قالوا امتناع بيع البعض بالبعض لرعاية التماثل في حال الكمال بمعزل عما نحن فيه و الاعتبار بالقسمة باطل بما تقدم و ما لا يختلف اجزاء النوع الواحد منه ان أريد بالأجزاء فيها كل ما يتركب منه الشيء لزمه ان لا تكون الحبوب مثلية لأنها تتركب من القشور و اللب و القشر و اللب مختلفان في القيمة و المنفعة و كذا التمر و الزبيب لما فيهما من النوى و العجم و ان أريد الأجزاء التي يقع عليها اسم الجمل لزم ان لا يكون الدراهم و الدنانير مثلية لما يقع في الصّحاح من الاختلاف في الوزن و الاستدارة و وضوح السكة و خفائها و ذلك مما يؤثر في المنفعة و القيمة و النظر الى الجرم بعيد لان الحبوب و التمور متماثلة و معلوم ان نوعا منها لا يخلو من اختلاف الحبات في الصغر و الكبر و استحسن بعض الشافعية كلّ متقدر بكيل أو وزن يجوز السّلم فيه الا ان ينبغي ان يقال المثلي كل ما يحصره الكيل أو الوزن و يجوز السّلم فيه و لا يقال كل مكيل أو موزون لان المفهوم منهما ما يعتاد كليه و وزنه فيخرج منه الماء و هو المثلي و كذا التراب و هو مثلي على الأصح عندهم و اعلم انه ينشأ من اختلاف العبارات الخلاف في الصّفر و النحاس و الحديد و الرصاص لان اجزائها مختلفة الجواهر و لان زبيدة متفاوتة الأجرام و في التبر و السّبيكة و المسك و العنبر و الكافور و الثلج و الجمد و القطن لمثل ذلك و في العنب و الرطب و سائر الفواكه الرطبة لامتناع بيع بعضها ببعض و كذا في الدقيق و الأظهر عندهم أنها بأجمعها مثلية و في السكر و المعسل المصفى بالنار و الفانيد و اللحم الطري للخلاف في جواز بيع كل منها بجنسه عندهم و في الخبز لامتناع بيع

بعضه ببعض للخلاف في جواز السلم فيه عندهم و اما الحبوب و الادهان و السمن و المخيض و الخل الذي لم يستعن في اتخاذه بالماء و الزبيب و التمر و نحوها فهي مثلية بالاتفاق و كذا الدراهم و الدنانير لكن قضية العبارة المستحسنة عند بعض الشافعية إثبات خلاف فيها لأن في السلم فيها خلافا و لأنهم جعلوا المكسرة على الخلاف في التبر و السبيكة لتفاوت القراخيات في الجرم و مثل ذلك يفرض في الصّحاح فيلزم مجيئ الخلاف فيها و هذا في الدنانير و الدراهم الخالصة و اما المغشوشة فأمرها عندهم مبنى على جواز التعامل بها ان جوزوه فهي مثلية و الا فمتقومة لان ما لا يملك بالعقد لا يملك بالقبض عوضا عن متلف و اعلم ان الحق ما نقلناه عن الشيخ (رحمه الله) انتهى و في جامع المقاصد و ربما ضبط بأن المثلي ما يكون اسم القليل و الكثير منه واحدا كان و الدبس و الدهن و نقض بالأرض انتهى

قوله ثم لا يخفى انه ليس للفظ المثلي حقيقة شرعية و لا متشرعية و ليس المراد معناه اللغوي

300

إذا المراد بالمثل لغة المماثل فإن أريد من جميع الجهات فغير منعكس و ان أريد من بعضها فغير مطرد و ليس في النصوص حكم يتعلق بهذا العنوان حتى يبحث عنه نعم وقع هذا العنوان في معقد إجماعهم على ان المثلي يضمن بالمثل و غيره بالقيمة و من المعلوم انه لا يجوز الانكال في تعيين معقد الإجماع على قول بعض المجمعين مع مخالفة الباقين و (حينئذ) فينبغي ان يقال كلّما كان مثليا باتفاق المجمعين فلا إشكال في ضمانه بالمثل

(انتهى) هذا الكلام مبنى على أمرين أحدهما ان (المصنف) (رحمه الله) بنى على ان الاختلاف في التعاريف معنوي لا في مجرد التعبير و راى ان مقتضياتها مختلفة فقد تجتمع في مورد و قد تفترق في مورد أخر و ثانيهما انه وجد جملة من الموارد قد وقع الخلاف فيها بخصوصها فمنهم من صرّح بكونها مثلية و منهم من صرّح بكونها قيمية فحيث راى هذين الأمرين حكم بان ما اتفق المجمعون على ضمان المثلي بمثله و ضمان القيمي بقيمته على كونه مثليا أو على كونه قيميّا يترتب عليه حكمه و ان ما اختلفوا فيه لا بد فيه من الرجوع الى الأصل و لذلك تصدى أولا لتوضيح الكلام في الأمرين المذكورين ثم تعرض لتأسيس الأصل (صح) حتى يرجع اليه عند الشك و قد سبقه الى نظير ذلك صاحب الرياض (رحمه الله) و ان كان مسلكه عند الشك هو الاحتياط بالرجوع الى الصّلح و التراضي عند إمكانه و ترجيح مختار الأكثر بالشهرة قال (رحمه الله) بعد ذكر جملة من تعريفات المثلي ما لفظه و لا يذهب عليك عدم ظهور حجة لهذه التعريفات عدا العرف و اللغة و هما بعد تسليم دلالتهما على تعيين معنى المثل المطلق و ترجيحهما أحد الآراء لا دلالة لهما إذ هي فرع تعليق الحكم بلفظ المثل في دليل و ليس بموجود عدا قوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و فيه نظر لاحتمال كون المراد بالمثل فيه مثل أصل الاعتداء لا مثل المعتدى فيه الذي هو ما نحن فيه فتأمل هذا مع انه لم يظهر حجة على أصل اعتبار المثل في المثلي و القيمة في القيمي عدا الإجماع و الاعتبار و ليس فيهما ما يرجح أحد التعريفات فليرجع في خصوص الافراد الى ما اجمع على كونه مثليا أو قيميا و لا اشكال فيما ظهر فيه و يشكل الأمر فيما عداه و ينبغي الاحتياط في مثله بالرجوع الى الصّلح و التراضي إن أمكن و الا فلا يبعد ترجيح مختار الأكثر لرجحانه بالشهرة و لولاها لكان العمل بالتخيير بين الآراء متجها كما هو الحال في ترجيح الأقوال المختلفة التي لا مرجح لأحدها على الأخر من الأدلة هذا كلامه (رحمه الله) و يتجه على الأمر الأول ما عرفت من ان لفظ المثلي من جملة الألفاظ العرفية التي يلزم الرجوع في استفادة مفهومها الى العرف و لم يثبت لهم اصطلاح خاص فيه لما تقدم و المنساق و المتبادر منه ما عرفت من المساوي في جميع الأوصاف التي لها مدخل في مالية الشيء و ان التعاريف ليست ناظرة الّا الى بيان معنى واحد هو المتبادر و ان الاختلاف في عبارات التعاريف انما نشأ من تعريفهم لذلك المعنى الواحد باللّازم و يشهد بما ذكرناه ما عرفت من ظهور عبارة (المسالك) في ذلك و انه لا وجه لجعل كل من أهل الصّناعة اصطلاحا برأسه خصوصا مع ما عرفت من ان منهم من عرفه بشيء من التعاريف في كتاب و بآخر في كتاب أخر فحصل من ذلك ان ليس المجمعون مختلفين في مفهومه و ان ما يظهر من التذكرة من كون الاختلاف بحسب المعنى فذلك انما هو بالنظر الى كلمات العامة دون أصحابنا الذين أخذوا لفظ المثلي في معقد إجماعهم و يتجه على الأمر الثاني ان ذلك من باب اختلاف المجمعين في اندراج بعض المصاديق تحت العنوان الذي أو خلف؟

في معقد إجماعهم مما هو من قبيل المبين مفهوما و ذلك لا يورث الخلاف في نفس العنوان الذي أجمعوا على حكمه فلا ضير في ذلك هذا و اما ما ذكره صاحب الرياض (رحمه الله) من ترجيح مختار الأكثر بالشهرة فلا يخفى ما فيه لأن الشهرة إنما تصلح مرجحة للخبرين المتعارضين لا الفتويين المجردتين عن الدليل حتى على القول باعتبار مطلق الظن لأنها (حينئذ) تصير بنفسها من قبيل الأدلة دون المراجحات الا ان يريد بمرجح أحد الأقوال ذلك بان يجعلها مستندا له فيبقى الأخر خاليا عن المدرك (الدليل) و يطلق عليه اسم المرجح بهذا الاعتبار

قوله فلا بد من ملاحظة ان الأصل الذي يرجع اليه عند الشك هو الضمان بالمثل أو بالقيمة أو تخيير المالك أو الضامن بين المثل و القيمة و لا يعبد ان يقال ان الأصل هو تخيير الضامن

(انتهى) هذا الكلام إشارة إلى تأسيس الأصل و توضيح المقام انه قد يقال انه إذا فرض أصل المسئلة من قبيل ما شك فيه من جهة ان المأمور به بعد وجوب دفع البدل هو ما ساوى المبدل منه في الأوصاف المعتبرة عند العقلاء في مقدار ماليته و قيمته و ساواه (أيضا) في الخواص و في رغبة الناس اليه و يعبر عن هذا بالمثل أو هو ما ساواه في مجرد مقدار المالية فيكون عبارة عن القيمة أو فرض الشك في بعض الافراد من حيث كونه مثليا أو قيميا مع العلم بكون بعضها قيميا و بعضها مثليا كان المقام من قبيل ما دار الأمر فيه بين الأقل و الأكثر لما عرفت من كيفية الشك و الدوران بين طرفيه فيكون المرجع هو أصل البراءة فيكتفى بالأقل و هو مجرد المساوي في مقدار المالية و هو القيمة فتكون هي الموافقة للأصل هذا و لكنه يندفع بما حقق في محلّه من ان المناط في الحكم بالبراءة و الاشتغال انما هو إحراز عنوان المأمور به و عدمه فان لم يتحقق إحرازه كان الحكم هي البراءة و ان تحقق إحرازه كان الحكم هو الاشتغال حتى لو كان المورد من قبيل الأقل و الأكثر المتصورين فيما نحن فيه و قد تحقق إحراز العنوان هيهنا لانه قد اشتغلت ذمته بالمال الذي أتلفه و قد وقع الشك في بدلية القيمة عنه حتى تسقطه فتبرء ذمته و الأصل عدم قيامه مقامه و بدليته عنه و كل مورد رجع الشك إلى البدلية بعد ثبوت الاشتغال بالأصل صحّ رفع البدلية بأصالة عدمها و هي أصل موضوعي يترتب عليه الحكم فيترتب عليه بقاء التكليف بأصل المأمور به و هذا بحسب التدقيق و التحقيق من كون العبرة بالأصل الموضوعي فيما لو دار الأمر بينه و بين الأصل الحكمي و ان شئت الجريان على مقتضى الظاهر و ترك التعمق و التدقيق قلت ان أصل الاشتغال و الاستصحاب عدم سقوط التكليف بأصل المال الذي أتلفه جاريان في المقام فلا يكون مقتضى الأصل هي البراءة و انما يكون مقتضاه هو الاشتغال و يلزمه كون ضمان القيمة هو مقتضى الأصل دون ضمان المثل ثم ان هذا كله انما هو بحسب النظر الجليل و اما ما يقتضيه التحقق و يرتضيه النظر الدقيق فهو ان يقال ان هذا المقام ليس من موارد البراءة و الاشتغال بان يكون حد الأمرين موافقا للبراءة و الأخر موافقا للاشتغال لكون المقام من قبيل ما دار الأمر فيه بين المتباينين و ذلك لانه لو كان كيفية وقوع الشك في المقام هي الشك في ان

301

من أتلف عبد غيره مثلا ا يلزمه دفع عبد بدلا عما أتلفه كيفما كان العبد بعد كونه من مصاديق مسمّى هذا الاسم أم يلزمه دفع عبد مساو لما أتلفه في الأوصاف و الخواص و رغبة الناس كان من موارد البراءة و الاشتغال و ليس الحال في المقام على هذا المنوال بل الأمر هنا دائر بين وجوب دفع عبد مساو لما أتلفه فيما ذكر و بين دفع القيمة التي هي من قبيل النقد و هما متباينان بالضرورة فلا يكون أحدهما موافقا لأصل الاشتغال نعم لو أريد البناء على مقتضى الاشتغال لزم الجمع بينهما في الدفع أو تحصيل رضى المالك بما أمكن فيكون مقتضى الأصل في المورد هو دفع المثل و القيمة جميعا أو تحصيل رضى المالك لكن الأول مما لم يقل به أحد بل لإجماع على خلافه لإطباقهم على كفاية أحدهما و (حينئذ) نقول انه بعد ملاحظة الإجماع ان المأمور به انما هو دفع أحدهما و انه ليس الوظيفة هو الجمع بينهما يؤل الأمر إلى أصل البراءة لان مقتضى ما عرفت من المقدمات اعنى ثبوت التكليف بالبدل و ان المقام من قبيل ما دار فيه الأمر بين المتباينين و ان الوظيفة انّما هي أحدهما بحكم الإجماع هو تخير الضامن في دفع أيهما شاء لكن هذا (أيضا) مما قام الإجماع على خلافه و ذلك انهم مطبقون على ان المأمور به انما هو أحدهما معيّنا و ليس هناك تخيير بينهما بشيء من الوجهين و لهذا جعل (المصنف) (رحمه الله) الأصل تخيير المالك لأصالة عدم براءة ذمة الضامن بدفع ما لا يرضى به المالك ثم أضاف إليه التمسك بعموم قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى ثم قوى ان الأصل هو تخيير المالك قبل إبطال براءة ذمة الضامن بقيام الإجماع على خلافها نظرا الى ان ذمته قد اشتغلت بحق المالك الذي ليس من قبيل الأقل و الأكثر حتى مجرى البراءة من الزائد عند الشك فلا يخرج عن عهدة حقه الا برضاه فإن رضي بالمثل كان هو المخرج و ان رضى بالقيمة كانت هي الموجبة للخروج عن عهدة حقه فلا يبقى مجال الأصالة براءة ذمته لما عرفت من عدم الشك في الزيادة بعد تحقق القدر المتيقن فتدبر

قوله نعم يمكن ان يقال بعد عدم الدليل لترجيح أحد الأقوال و الإجماع على عدم تخيير المالك بالتخيير في الأداء

(انتهى) قد يقال انه (رحمه الله) أراد انه بعد ملاحظة كون الشبهة في أصل المسئلة في الحكم نظر الى ان حكم اللّه فيها غير معلوم من جهة عدم إمكان الترجيح بين الأقوال ان مقتضى الأصل هو تخيير المجتهد من باب الاضطرار كما فيما قام الإجماع بين الأمة على أحد القولين و لم يقم على أحدهما بخصوصه دليل فإنه يتخير من باب الاضطرار بحكم العقل فيختار أحدهما و يفتي به في حق مقلده لا انّ المقلد هو بنفسه مخير بين المثل و القيمة ثمّ يعترض عليه بانا لم نجد في الأموال الحكم بالتخيير في الشرع كما لا يخفى على من لاحظ الفروع السطورة في كتاب الصّلح التي منها ما لو أودع رجل درهمين و أخر درهما عند غيرهما ثم تلف درهم حيث قالوا تبعا للنص انه يقسم بينهما أحد الدرهمين الباقيين و حمل على الصّلح القهري و راجع حكم تعارض البينات فليس فيها حكم بالتخيير بل يحكم بالصّلح أو القرينة مثلا فليس في المقام أصل يعول عليه و أنت خبير بما فيه اما أولا فلأنه قد اشتبه عليه مقصود (المصنف) (رحمه الله) لأنه (رحمه الله) لا يريد ان الأمر يرجع الى المجتهد فيحكم هو بالتخيير و انما أراد انه يمكن ان يقال بتخيير الضامن في الأداء من جهة ان امره دائر بين المحذورين عدم اجزاء المثل بخصوصه و عدم اجزاء القيمة بعينها و لا متيقن يحصل به البراءة للضامن عند عدم التزام المالك بما يدفعه هو فيصير المقام نظير تخيير المجتهد في الفتوى بما يختاره من المحذورين اللذين دار امره بينهما فقوله الإجماع على عدم تخيير المالك معطوف على لفظة عدم المضاف إليها كلمة بعد و قوله بالتخيير متعلق بقوله يقال و معناه تخيير الضامن في الأداء و اما ثانيا فلانا لو سلمنا ان مراد (المصنف) (رحمه الله) هو ما فهمه ذلك القائل لكن نقول ليس محصل ما اعترض به الا الاستقراء و عدم وجدان التخيير و من المقرر في محله ان الاستقراء لا حجة فيه و ان عدم الوجدان لا يدل على عدم الوجود خصوصا في مثل المقام الذي قد وجد ما يصلح موجبا للحكم بالتخيير و هو الاضطرار بعد المقدمات التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) فكيف يقال ان عدم وجدان التخيير في غيره من الموارد لا يدلّ على ان الحكم هنا ليس هو التخيير و امّا ثالثا فلان ما أشار إليه من موارد انما هي من قبيل الشبهات الموضوعية و ما نحن فيه من قبيل الشبهة الحكمية و التخيير في الشبهات الحكمية فوق حد الإحصاء فلا وجه لقياسها على الشبهات الموضوعية في الأموال هذا و لكن يمكن ان يقال ان بناء العلماء في مسائل الحياة التي لا يستفاد أحكامها من النص على الصّلح دون التخيير فتأمل فإن هذا (أيضا) يحتاج إلى إثبات بنائهم عليه بحيث يكون إجماعا و الا فلا حجة فيه مضافا الى انه على تقدير ثبوت الحكم بالإجماع في هذا المورد لا يلزم منه ثبوته في غيره من الموارد فلا بد من إثبات الإجماع على حكم كل واحد منها أو إثبات الإجماع على قاعدة كلية و هي ان ما لم يعلم فيه الحكم من الأموال فلا بد فيه من الصّلح

قوله (فتأمل)

(الظاهر) انه اشارة إلى منع قيام الإجماع على عدم تخيير المالك الذي هو مقدمة من مقدمات مطلوبه الذي هو تخيير الضامن في الأداء

قوله و لكن يمكن ان يقال ان القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان في المغصوبات و الأمانات المفرط فيها و غير ذلك هو الضمان بالمثل لأنه أقرب الى التالف من حيث المالية و الصّفات ثم بعده قيمة التالف من النقدين و شبههما لأنه أقرب من حيث المالية لأن ما عداهما يلاحظ مساواته للتالف بعد إرجاعه إليهما

لما فرغ (رحمه الله) من الإشارة الى الأصل العملي حاول بيان الحال على مقتضى القواعد الشرعيّة و لكن ليس مقتضاها مطابقا لمقتضى الأصل العملي المذكور كما توهمه بعض من تأخر لان مقتضى ذلك انما كان هو التخيير و مقتضى هذه انما هو الترتيب و التدريج بمعنى ان اللازم أولا هو المثل و بعد انتفائه فاللازم قيمة التالف و مما يدل على ان مراده (رحمه الله) ما ذكرناه قوله (رحمه الله) و قد استدل في (المبسوط) على ضمان المثلي بالمثل و القيمي بالقيمة بقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ و تفضيل المقام انه يمكن ان يقال ان اللازم عليه بحسب القواعد الشرعية ابتداء انما هو مماثل المال الشخصي الذي أتلفه من جميع الجهات المعتبرة في المالية و الأوصاف الخاصة المعتبرة عند العقلاء في المرغوبية و القيمة و غيرها سواء كان من قبيل المثلي المتعارف عند الفقهاء الذي جرا؟ اصطلاحهم على تسميته مثليا و هو ما كان بنوعه أو صنفه مماثل أم لا حتى انه لو أتلف العبد ضمنه بمثله ان اتفق له مثل من جميع الجهات مع ان الحيوان (مطلقا) ليس مثليا عندهم و كذا الكتب و البسط و الفرش و الدواب و غير ذلك فالمتلف يضمن ابتداء مماثل ما أتلفه من جميع الجهات الا ما كان ملغى في نظر العقلاء و ذلك لان مسئلة الإتلاف و الضمان أمر يعم به البلوى بل يمكن ان يقال انه ليس في الأمور

302

التي يعمّ بها البلوى ما يزيد عليه في شدة الحاجة اليه و مع ذلك أطلق الشارع الضمان في كثير عن الموارد كالمغصوبات و الأمانات و غيرها و لم يتعرض لبيان ان الضمان بالمثل أو بالقيمة أو بغيرهما فيعلم من ذلك انه (عليه السلام) حيث قال على اليد ما أخذت حتى تؤدى أحال أمر رعيّته على ما هو المتعارف بينهم مما يضمنون و يضمنون به و من المعلوم من عادتهم الجارية على مر الدهور المستقرّ عليها سيرتهم ان من أتلف شيئا من مال غيره ثم ادّى ما يماثله و مع تعذره ادى قيمة التالف رضى المالك بذلك و كف عن المطالبة كائنا ما كان المال المتلف من قيمي على مصطلح الفقهاء أو مثلي و حيث ثبت للناس عادة مستقرة و طريقة مستمرة و لم يصدر من الشارع بيان ما يخالفها كان للازم اتباعها و الا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة و هذه قاعدة كلّية سارية في كل ما ثبت للناس طريقة مستمرة و لم يبين الشارع خلافها مع الحاجة الى البيان فيتبع الا ان يأتي من قبل الشارع مخرج عنه و كذا الحال في سائر الأخبار المطلقة الناطقة بالضمان بل لنا ان نقول انه يستفاد ما قررناه من لفظ الشارع الذي هو من قبيل الموضوع المستنبط دون الموضوع الصرف و ذلك لأنا إذا عرضنا قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى على أهل التعارف لم يفهموا منه الأداء ما يماثله من جميع الجهات على ما وصفناه ابتدأ و مع تعذره فاللازم أداء القيمة فقوله (عليه السلام) حتى تؤدى يفيد ذلك بدلالته العرفية لأن ما ذكر أقرب شيء إلى التالف في المقامين بحيث يمكن ان يقال عرفا انه هو عين ذلك التالف بل يمكن ان يقال انه بعد البناء على كون الحديث مسوقا لبيان ضمان المتلف بخصوصه أو لبيان ما يشمله بان يكون مسوقا لبيان رد ما هو باق في يده و رد بدل التالف جميعا لا يعقل بالنسبة إلى التالف إلا إرادة ما هو أقرب إليه بحسب المقام الذي يلزمه الخروج عن عهدة التالف لان قوله (عليه السلام) حتى تؤدى قد حذف منه الضمير المنصوب العائد الى الموصول الذي هو عبارة عن المال المقبوض هذا و على هذا القياس الآيات الواردة في هذا الباب لاشتمالها على لفظ المثل الذي لا بد من ان يحمل على ما هو مماثل لذلك الشيء التالف في كل مقام بحسبه من المثل أو القيمة عند تعذره دون ما هو المصطلح عليه فيما بين الفقهاء (رضي الله عنه) قال اللّه (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و قال (تعالى) وَ إِنْ عٰاقَبْتُمْ فَعٰاقِبُوا بِمِثْلِ مٰا عُوقِبْتُمْ بِهِ و قال (تعالى) وَ جَزٰاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهٰا و دعوى ان ما مصدرية أو انها موصولة و لكنها عبارة عن المعنى المصدري خلاف (الظاهر) مضافا الى ان يمكن الاستدلال على ما ادعيناه من ضمان المثلي بمثله بقوله (عليه السلام) الميسور لا يسقط بالمعسور بل يمكن الاستدلال به على ضمان ماله مثل من القيمي (أيضا) بمثله كما هو الحال في سائر الأدلّة المذكورة هذا و ربما يستأنس لذلك بما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) من فتوى جماعة منهم الشّهيدان (رحمه الله) في (الدروس) و (المسالك) بجواز رد العين المقترضة إذا كانت قيميّة و بما افاده كلام المحقق (رحمه الله) في كتاب القرض من (الشرائع) حيث قال و كل ما يتساوى اجزاؤه يثبت في الذمة مثله كالحنطة و الشعير و الذهب و الفضة و ما ليس (كذلك) يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم و لو قيل يثبت مثله (أيضا) كان حسنا انتهى و لهذا نسب إليه في محكي (الدروس) و (المسالك) الميل الى كون ضمان القيمي بالمثل بل في الثاني انه لعله افتى به و بما استقر به في التذكرة من ضمان القيمي المنضبط بالوصف بمثله فإنه (رحمه الله) فصل بينه و بين غير المنضبط بالوصف قال (رحمه الله) مال القرض ان كان مثليا رد مثله إجماعا فإن تعذر المثل وجب رد قيمته عند المطالبة و ان لم يكن مثليا فان كان مما ينضبط بالوصف و هو ما يصحّ السّلف فيه كالحيوان و الثياب فالأقرب أنه يضمنه بمثله من حيث الصّورة لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) استقرض بكرا فرد بازلا و البكر الفتى من الإبل و البازل الذي تم له ثمان سنين انتهى و بما افتى به فقهاؤنا من جواز إقراض الخبز و ثبوت مثله في الذمة قال في التذكرة يجوز إقراض الخبز عند علمائنا و هو أحد قولي الشافع و به قال أبو يوسف و محمّد و احمد بن حنبل

للحاجة العامة اليه و اطباق الناس و لان صباح بن سيابة سئل الصّادق (عليه السلام) انا نستقرض الخبز من الجيران فيه أصغر و أكبر فقال (عليه السلام) نحن نستقرض الجوز الستين و السّبعين عددا و فيه الصّغير و الكبير فلا بأس الى ان قال يجوز رد مثله عددا أو وزنا انتهى و لا يخفى عليك ان صحة الفرض في مثل الخبز تعطي ان الأمر في القرض أوسع من السّلم لعدم صحّة الإسلاف في الخبز مع صحة القرض فيه ثم ان هذه و ان كانت مما ثبت بالنص الا ان المستفاد منه هو ان الشارع قد اكتفى بالمثل العرفي حتى فيما هو من قبيل القيمي عند الفقهاء و ليس في نظره مثل خاص و بما ذكره المحقق (رحمه الله) في كتاب الصّلح من انه لو أتلف رجل ثوبا قيمته درهم فصالحه عنه على درهمين أو أقل صحّ على الأشبه لأن الصّلح وقع عن الثوب لا عن الدرهم انتهى و قد فهم منه الشهيد الثاني (رحمه الله) تبعا لجامع المقاصد و الدروس كون ضمان القيمي بالمثل فيكون الثابت في الذمة ثوبا و يكون هو متعلق الصّلح دون الدّرهم حتّى يلزم الربا من معاوضته بالدرهمين و ان كان صاحب الجواهر (رحمه الله) ذكر ما يعطى المنع من دلالة العبارة على ما فهموه في شرحها و بما ذهب إليه جماعة من فقهائنا من انه لو أتلف القيمي لزمه دفع قيمة يوم الأداء لا قيمة يوم التلف و هذا لا يتم الا بان يقول بضمان القيمي بالمثل حتى يبقى المثل على ذمته فينتقل إلى القيمة يوم الأداء و الا أمكن ان يقال ان الانتقال إلى القيمة يحصل بمجرد التلف فيلزمه أداء قيمة يوم التلف دون غيره هذا و يؤيد ما ذكرناه كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة الذي حكيناه في ذيل ما اخترناه من تحديد المثلي و بينا انه يلوح منه ذلك فراجع و ان كان ذلك الكلام مسوقا لوجوب المثل في المثلي و القيمة في القيمي و هو خلاف ما نحن بصدده هنا من وجوب المثل (مطلقا) الا ان كلام في نفسه حق و ان كان الغرض الذي دعاه الى هذا الكلام لا يترتب عليه فافهم و يظهر اثر ما ذكرناه في المثل من اعتبار التساوي في القيمة (أيضا) فيما لو زاد أو نقص القيمة بتفاوت الأزمنة أو الأمكنة كما لو أتلف ماء غيره في طريق مكة و أراد دفع ما يساويه في المقدار في شاطئ الفرات أو دجلة مثلا فإنه لا يكون مثله على ما ذكرناه بخلاف ما ذكره الأصحاب فإنه يعد مثلا له و حاصل جميع الأدلة المتقدمة كون التلف (مطلقا) مثليا كان التالف أم قيميّا موجبا للضمان بالمماثل في جميع الصّفات سواء كانت من الصّفات الموجبة لزيادة القيمة أم كانت مما يوجب مجرد الكمال في الموصوف و كذا في القيمة و يجعل هذا أصلا في المقام يتمسّك به في موارد الشك ممّا لم يقم إجماع على كون المضمون فيه القيمة هذا و لكن يشكل الأمر بأن الالتزام بمقتضى الأصل المذكور خلاف الإجماع لإجماعهم على ان القيمي إذا اتفق له مماثل ليس الحكم فيه ضمانه بمماثله

303

و الى هذا أشار (المصنف) (رحمه الله) بقوله نعم الإنصاف عدم وفاء الآية كالدليل السّابق عليها بالقول المشهور لان مقتضاهما وجوب المماثلة العرفيّة في الحقيقة و المالية و هذا يقتضي اعتبار المثل حتى في القيميات (انتهى) مضافا الى إجماعهم على عدم ضمان المماثل على الوجه المذكور حتّى في المثليات لعدم حكمهم بضمان الصّفات المكملة و لا باعتبار المماثلة في القيمة و احتمل بعض الأواخر ان يقال ان مقتضى القاعدة انما هو الضمان بالقيمة لأنه لا دليل على ضمان ما ليس له دخل في مالية الشيء من أوصافه و خصوصياته التي لا بد من اعتبارها في المماثلة بالمعنى الذي ذكر فعلى هذا إذا أتلف انسان عبد غيره و هو متصف بأوصاف خاصة فما كان مما له مدخل في ماليته و قيمته فهو مضمون و ما لم يكن له مدخل في ماليته و قيمته فلا دليل على ضمانه و على هذا فيكون المناط هو مقدار المالية الذي هو القيمة و يكون أصل الضمان بمقدار المالية و الأوصاف المحصّلة له انما تعتبر بتلك الواسطة فيكون الأصل هو القيمة لكن رده بأنه لم يقل به أحد من الأصحاب و أنت خبير بما فيه من النظر مع قطع النظر عن عدم مصير أحد من الأصحاب إليه فتدبر

[في ضمان المثلي بالمثل و بيان حق المسألة]

قوله و قد استدل في (المبسوط) و (الخلاف) على ضمان المثلي بالمثل و القيمي بالقيمة بقوله (تعالى) فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ بتقريب ان مماثل ما اعتدى هو المثل في المثلي و القيمة في غيره

غرضه (رحمه الله) من هذا الكلام هو تأييد ما ذكره من القاعدة بأنه قد استدل الشيخ (رحمه الله) بالآية على ما يوافق مقتضاها من إثبات الضمان بالمثل أو لا بالقيمة ثانيا هذا و قد راجعت كتاب الغصب من الخلاف فلم أجد تمسكه بالآية في شيء من ضمان المثل و ضمان القيمة و الموجود في (المبسوط) غير موافق لما حكا (رحمه الله) عنه لانه قال فيه ما لفظه و إذا ثبت تحريم الغصب فالاموال على ضربين حيوان و غير حيوان فاما غير الحيوان فعلى ضربين ما له مثل و ما لا مثل له فماله مثل ما تساوت اجزاؤه و معناه تساوت قيمة أجزائه فكل هذا له مثل كالحيوات و الادهان و التمور و الاقطان و الخلول الّتي لا ماء فيها و الأثمان و نحو هذا كله له مثل فإذا غصب غاصب من هذا شيئا فإن كان قائما رده بعينه و ان كان تالفا فعليه مثله لقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ الى ان أخذ في حكم غصب ما لا مثل له و تعريفه و تقسيمه و لم يتمسّك بالآية فبذلك المقام

قوله و ربما يناقش في الآية بان مدلولها اعتبار المماثلة في مقدار الاعتداء لا المعتدى به

هذه المناقشة أو ردها في الرياض

قوله و فيه نظر

كتب (رحمه الله) في الحاشية لبيان وجه النظر ما نصه لان ظاهرها اعتبار المماثلة في الاعتداء و المعتدى به انتهى فعلى هذا يتم الاستدلال به مع قطع النظر عما سيورده هو (رحمه الله) أو رد عليه بعض من تأخر بناء على ما توهمه من ان مقصوده (رحمه الله) إثبات ان الأصل هو الضمان بالمثل العرفي بإطلاقات الضمان و الآية الكريمة في المثلي و القيمي فقال ان التّمسك بآية الاعتداء اولى من التّمسك بالإطلاقات المذكورة لظهورها كما عرفت في الحكم بالمماثل في الاعتداء و المعتدى به (و حينئذ) لا يحتاج في إثبات كون الثابت في الذمة هو المثل الى الرجوع الى الخارج من العرف أو غيره و لكن يرد عليه ان الآية معارضة بالأخبار المثبتة للقيمة في الموارد الخاصة فمنها صحيحة أبي ولاد حيث قال السّائل قلت أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني ذلك قال نعم قيمة بغل يوم خالفته فاستفيد منها ان البغل الذي هو من قبيل ما ليس له مماثل فيغالب ما يعتبر في المالية يضمن بالقيمة كما استفيد مما ذكر فيها قبل هذه الفقرة ضمان المنفعة التي استوفاها حيث قال (عليه السلام) ارى له عليك مثل كرى البغل ذاهبا من الكوفة إلى النيل (انتهى) و منها قوله (عليه السلام) في الأمة المبتاعة إذا وجدت مسروقة بعد ان أولدها المشتري أنه يأخذ الجارية صاحبها و يأخذ الرّجل ولده بالقيمة فإنه (عليه السلام) قد حكم بضمان الولد الذي هو من قبيل ما لا يوجد له مماثل في غالب ماله مدخل في المالية بالقيمة و منها الأخبار الدالة على ضمان المعتق لبعض العبد المشترك حصة شركائه كرواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سئلته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه فقال ان ذلك فساد على أصحابه فلا يستطيعون بيعه و لا مؤاجرته فقال يقوم قيمة تجعل على الّذين أعتقه عقوبة و انما جعل ذلك عليه عقوبة لما أفسده و نحوها غيرها و منها خبر السّكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان أمير المؤمنين (عليه السلام) سئل عن سفرة وجدت في الطريق مطروحة كثير لحمها و خبزها و جبنها و بيضها و فيها سكين فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) يقوم ما فيها ثم يؤكل لانه يفسد و ليس له بقاء فان جاء طالبها غرموا له الثمن و منها الأخبار الدّالة على ان المرتهن إذا فرط في الرهن لزمه ضمانه و تراد الفضل بينهما بناء مثل ما في رواية أبان بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال في الرهن الذي ضاع من عند المرتهن بتفريطه انه ان استهلكه تراد الفضل بينهما بناء على كون الغالب في الدين انه من قبيل الأثمان و الرهن من قبيل الأعيان التي لا يوجد لها مماثل في غالب ماله مدخل في المالية و قد حكم (عليه السلام) بضمان القيمة لذلك فتأمل و منها ما دل على ان من زرع أو غرس في أرض مغصوبة فله الزرع و عليه أجرة الأرض لصاحبها و إزالتهما و تقريب الدلالة انه لم يحكم بان اللازم على الغاصب ان يسلم مثل الأرض الذي زرع أو غرس فيها حتى يزرع أو يغرس فيها المغصوب منه فيستوفي مثل المنفعة التي استوفاها الغاصب من أرضه ثم انه تعرض لتوضيح وجه الإيراد بالأخبار المذكورة نذكر أنها شاملة لصورة وجود المثل العرفي في مواردها و ان التأمل الصّادق فيها و لو بضميمة الإجماع على اعتبار القيمة في القيمي يقضى يكون مراد الشارع في هذه الموارد إعطاء قاعدة كلية ببيان بعض الخصوصيات نظرا الى ان تخصيص ما ذكر فيها بالذكر انما هو من باب المثال فيلزم الحكم في جميع ما هو من قبيل الموارد المذكورة مما لم تتساو افراد صنفه بحسب الغالب في غالب ماله مدخل في المالية بالقيمة لعدم الاعتداد بالفرد النادر و ح فتخصّص بها الاية فيخرج عن تحتها القيميات بأسرها و يبقى جميع المثليات مندرجة تحت الآية فيحكم فيها بالمثل المعتبر عند الفقهاء دون العرف لإجماعهم على ذلك في المثلي و ان كان مقتضى ظاهر الآية هو الثاني و على هذا فيتضح الحال في جميع موارد الخلاف لكونها على ما ذكرناه داخلة في المثلي أو القيمي لانه اما ان يكون الشيء مما يتساوى افراد صنفه بحسب الغالب في غالب ماله مدخل في المالية فيدخل في الأول و اما ان لا يكون (كذلك) فيدخل في القيمي و لا يبقى اشكال و لو فرض وقوع شك في شيء من حيث كونه من قبيل ما ذكر في موارد الأخبار المذكورة و عدمه حكمنا بضمانه بالمثل العرفي كما هو مقتضى الآية على ما أسلفناه عملا بأصالة الحقيقة بقدر

الإمكان غاية ما في الباب

304

انه خرج ما خرج و هو ما لو اتفق للقيمي مماثل عرفي بحكم الإجماع و بقي الباقي و دعوى انصراف المثل في الآية الى المماثل بحسب الصّورة و ان لم يكن مماثلا في القيمة لا شاهد لها إذ لا منشأ لذلك سوى غلبة الوجود التي لا تصلح لذلك كما قرره في محله هذا و لكنك خبير بما فيه اما أوّلا فلما عرفت من ان (المصنف) (رحمه الله) أراد إثبات أحد الأمرين مرتبا و لا ينافيه الأخبار المذكورة و اما ثانيا فلان خروج شيء أو أشياء عن تحت الأصل لا يخرج الأصل عن كونه أصلا ففيما نحن فيه لو قيل بأنه يستفاد من الآية الكريمة ان الأصل هو ضمان المثل لم يكن ثبوت الضمان بالقيمة في جملة من الموارد أو في القيميات مخرجا للأصل عن كونه أصلا و هو واضح و اما ثالثا فلانه بعد الإغماض عما ذكر يتجه على جعل الاخبار المذكورة مخصّصة للاية الكريمة ان المراد بالمثل فيها انما هو مثل العرفي دون المصطلح كما اعترف به المورد و قد قام الدليل على ضمان جملة من افراد القيمي الّذي قلنا انه عبارة كما كان وجود المماثل له نادرا بالقيمة في موارد خاصة فيحتاج إلى استفادة جامع بينها و (حينئذ) يتحقق الاشكال من وجهين أحدهما تحصيل ان الجامع بين الافراد المذكورة هو ما لم يكن له مماثل في الغالب حتى يجعل الأخبار المشتملة عليها باعتبار ما استفيد منها من الجامع مخصّصة للاية الناطقة بأن الضمان انما هو بالمثل بقول (مطلقا) و وجه الاشكال انه يحتمل ان يكون الجامع غيره و ثانيهما انه على تقدير كون الجامع ذلك كما لو فرضنا انه ذكر في اللفظ ان كلّما لم يكن له مماثل في الغالب فهو مضمون بالقيمة كان ذلك من المخصّص المجمل المنفصل لاختلاف مراتب الغلبة فلا بد في مقام الشك من الرجوع الى عموم الآية بضمان المثل و معلوم ان المثل فيها عبارة عن المثل العرفي كما عرفت فيرجع في مقام الشك اليه و هو غير ما ذكره الأصحاب و بنوا عليه من ضمان المثلي بالمعنى المصطلح عليه بمثله و في القيمي الذي هو ما لا مماثل له الا نادرا بقيمته و الى مثل هذا أشار (المصنف) (رحمه الله) بقوله ان الإجماع على ضمان القيمي بالقيمة على تقدير تحققه لا يجدى بالنسبة الى ما لم يجمعوا على كونه قيميا ففي موارد الشك يجب الرجوع الى المثل بمقتضى الآية بناء على ما هو الحق المحقق من ان العام المخصّص بالمجمل مفهوما المتردد بين الأقل و الأكثر لا يخرج عن الحجية بالنسبة إلى موارد الشك تنبيه بعض من غفل عما نبه عليه (المصنف) (رحمه الله) من ان مقتضى إطلاقات الضمانات هو الرّجوع الى ما هو المتعارف من المضمون به مثلا أو قيمة و مؤدى الآية الاعتداء هو أخذ ما هو مماثل في أي مرتبة كان فزعم ان مقتضاهما هو المثل ذكر تفريعا عليه الاستشكال في انه حيث حكمنا بضمان المثل المقتضى الاية هل يلزم اجزاء جميع أحكام المثل عليه من الانتقال إلى القيمة بتعذره و كون المدار في القيمة قيمة يوم التلف أو يوم المطالبة أو أعلى القيم أو نحو ذلك و ذكر ان الاشكال ينشأ من كون الثابت بالآية هو المثل و ان ما ذكر من لوازم المثلي و من ان بين ما افادته الآية من المثل و بين اما اعتبره الأصحاب منه عموما من وجه فقد يضمن بالمثل بمقتضى الآية و لا يضمن به عند الأكثر لما تقدم من ان مقتضاها الضمان بالمثل حتى في القيميات فإذا تلف ذراعا من كرباس طوله عشرون ذراعا متساوية الأجزاء فمقتضى الآية إلزام المتلف بتحصيل ذراع أخر منه و لو بأضعاف قيمته و دفعه الى المالك و الأكثر لا يقولان بذلك و قد يضمن بالقيمة بمقتضى الآية و بالمثل عند الأكثر كما إذا فرض نقصان قيمة المثل عن قيمة التالف نقصانا فاحشا فان المشهور إلزام المالك بقبول هذا المثل و مقتضى الآية عدم وجوب إلزامه به لان مقتضاها اعتبار المماثلة في الحقيقة و المالية كما تقدم سابقا و قد يجتمعان كما في أكثر الأفراد المثلي و (حينئذ) نقول ان مقتضى الآية اعتبار المماثلة العرفية أعني المماثلة في الحقيقة و المالية و حيث شك في كونه مثليا أو قيميّا بحسب الواقع فالحكم بوجوب دفع مثله و إثبات كونه مثليا بمقتضى الاية لا يوجب إثبات لوازم المثل له لأن إثباتها له انما هو بمقتضى الإجماع و المفروض كون محلّ البحث مشكوكا عند العلماء في كونه مثليا أو قيميا و غاية ما ثبت بالآية و هو وجوب دفع المثل و اما الانتقال إلى القيمة بالتعذر فيحتاج الى دليل

و أنت خبير بسقوط ذلك بعد ما عرفت من ان مراد (المصنف) (رحمه الله) هو ان الإطلاق مبنى على المتعارف و ان الآية مسوقة البيان لزوم ما هو مماثل في المرتبة لعدم توجه الإشكال أصلا إذ لقائل أن يقول ان من المتعارف عندهم الرجوع الى القيمة حيث تعذر المثل فينطبق عليه الإطلاقات و ان القيمة عند تعذر المثل يعد مماثلا عرفا فتنطبق عليه الآية فتدبر

قوله نعم الإنصاف عدم وفاء الآية كالدليل السابق عليه بالقول المشهور لان مقتضاهما وجوب المماثلة العرفية في الحقيقة و المالية و هذا يقتضي اعتبار المثل حتى في القيميات سواء وجد المثل فيها أم لا

الظاهر ان غرضه (رحمه الله) نفى وفاء الآية بنفسها بالقول بالمشهور و الا فلا مانع من ان يقال خرجت القيميات عن حكم الآية بضمان المماثل ابتداء بدليل الإجماع و بقي الباقي فإن ذلك مما لا غبار عليه

قوله و كذا لو أتلف عليه عبد أوله في ذمة المالك بسبب القرض أو السلم عبد موصوف بصفات التالف

هذا الكلام مبنى على صحّة إقراض العبيد و الاسلاف فيهم و هي كما يظهر من يعضهم من قبيل المسلمات قال في الجواهر فيجوز إقراض الجواري بلا خلاف فيه بنينا كما في (كذلك) و ما عن المبسوط و الخلاف لا نص لنا و لا فتيا في إقراض الجواري و قضية الأصل الجواز ليس خلاف ضرورة ارادة النص بالخصوص بل ظاهره أو صريحه الجواز كما هو (كذلك) لإطلاق الأدلة و صحة السّلف فيها كالعبيد انتهى و ما أردنا ذكره من كلامه (رحمه الله)

قوله كما يشهد به ملاحظة كلماتهم في بيع عبد من عبدين

فإن الأكثر حكموا ببطلان ذلك البيع و من اجازه فإنما اجازة بالنص لا من باب اتباع القاعدة قال الشيخ (رحمه الله) في باب السّلم من الخلاف انه لو قال اشترى منك أحد هذين العبدين أو هؤلاء العبيد لم يصحّ الشراء و به قال الشافعي و قال أبو حنيفة إذا شرط فيه الخيار ثلاثة أيام جاز لان هذا غرر يسير و اما في الأربعة فما زاد عليها فلا نحو دليلنا انه بيع مجهول فيجب ان لا يصحّ و لانه بيع غرر لاختلاف قيمتي العبدين و لانه لا دليل على صحة ذلك في الشرع و قد ذكرنا هذه المسئلة في البيوع و قلنا ان أصحابنا رووا جواز ذلك في العبدين فان قلنا بذلك تبعنا فيه الرواية و لم يقس غيرهما عليهما انتهى و عبارته التي ذكرها في باب البيوع هي انه روى أصحابنا انه إذا اشترى عبدا من عبدين على ان للمشتري ان يختار أيهما شاء انه جائز و لم يردوا في الثوبين شيئا الى ان قال دليلنا إجماع الفرقة و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) المؤمنون عند شروطهم انتهى و لا ريب ان حكمهم بالبطلان انما هو من جهة عدم المماثلة أولا

305

لصحّ البيع و سقط وجوب أداء المبيع عن البائع بتسلم واحد منهما و لهذا حكموا بصحة البيع فيما إذا كان مثل ذلك في متساوي الأجزاء كقفيز من الكر و كذا فيما إذا قصد المتبايعان بيع النصف المشاع من العبدين قال في (الشرائع) و يجوز ابتياع جزء من معلوم بالنسبة مشاعا سواء كانت أجزاؤه متساوية أو متفاوتة و لا يجوز ابتياع شيء مقدر منه إذا لم يكن متساوي الأجزاء كالذراع من الثوب أو الجريب من الأرض أو عبد من عبدين أو من عبيد أو شاة من قطيع و كذا لو باع قطيعا و استثنى منه شاة أو شياها غير مشار الى عينها و يجوز ذلك من المتساوي الأجزاء كالقفيز من كر و كذا يجوز لو كان من أصل مجهول كبيع مكوك من صبرة مجهولة القدر انتهى فانتفاء المماثلة هو الذي يوجب جهالة المبيع و عدم بدليّة أحد المحتملين عن الأخر و عدم قيامه مقامه في إسقاطه عن البائع فلا يتجه على (المصنف) (رحمه الله) ان حكمهم بعدم صحة البيع للجهالة و الغرر أمر و عدم إسقاط أحدهما الأخر أمر أخر و ان مقصوده هو الثاني و ان ما افاده كلماتهم انما هو الأول

قوله و اما مع عدم وجود المثل القيمي التالف فمقتضى الدليلين عدم سقوط المثل من الذمة بالتعذر كما لو تعذر المثل في المثلي فيضمن بقيمته يوم الدفع كالمثلي و لا يقولون به

لا يخفى عليك انه لا مانع من كون مقتضى الدليلين ذلك لكنه خرج ما إذا كان المثل مماثلا للقيمي بحكم الإجماع و بقي ما لو كان مماثلا للمثلي و ان عدم مصيرهم الى ضمان القيمي بقيمة مماثلة يوم الدفع كالمثلي انما هو من جهة قيام الإجماع على ضمان القيمي بالقيمة و ان وجد له مماثل فلا يقدح في صحة الاستدلال بهما على تقدم المثل على القيمة فيما لم يخرج عن تحت حكمهما و هو المثلي

قوله و (أيضا) فلو فرض نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة نقصانا فاحشا فمقتضى ذلك عدم وجوب إلزام المالك بالمثل لاقتضائها اعتبار المماثلة في الحقيقة و المالية مع ان المشهور كما يظهر من بعضهم إلزامه به و ان قوى خلافه بعض

المناسب للمعنى هو ان يكون لفظ ذلك إشارة إلى الدليلين و ان كان ذلك لا يخلوا عن خرازة بحسب اللفظ ثم لا يخفى عليك ان (المصنف) (رحمه الله) بصدد بيان ان الدليلين لا ينطبقان على المذهب المنسوب إلى الشهرة و ليس بصدد بيان ما هو الواقع و الا فالذي يقتضيه التحقيق ان الشهرة لو كانت محققة لم تكن حجة على أحد فكان لنا ان نلتزم بمقتضى الدليلين من عدم جواز إلزام المالك بالمثل الذي نقصت قيمته فكيف مع كون الشهرة منقولة بل مستظهرة لا مصرحا بها فالوجه (حينئذ) هو الالتزام بمقتضى الدليلين ثمّ ان لفظ الوجوب في كلامه (رحمه الله) اما سهو من قلم الناسح أو ان المراد به الجواز كما لا يخفى

قوله كما في المثالين المتقدمين

و هما ما لو أتلف ذراعا من كرباس طوله عشرون ذراعا متساوية من جميع الجهات و ما لو أتلف عليه عبد أوله في ذمة المالك بسبب القرض أو السلم عبد موصوف بصفات التالف

قوله و قد ينعكس الحكم كما في المثال الثالث

و هو ما لو فرض نقصان المثل عن التالف من حيث القيمة لأن المذهب المشهور هنا على ما استظهره من بعضهم إلزام المالك بالمثل و مقتضى الدليلين عدم إلزامه به و قد كان مقتضى المذهب المشهور في المثالين عدم ثبوت المثل و مقتضى الدليلين ثبوته فيهما

قوله و قد يجتمعان في المضمون به كما في أكثر الأمثلة

تثنية الضمير في قوله (رحمه الله) يجتمعان باعتبار عدا الدليلين شيئا واحدا في طرف الاجتماع و كون المذهب المشهور طرفا أخر و أراد بأكثر الأمثلة أكثر الأمثلة الواقعيّة للضمان و لم يرد به الإشارة إلى أنه ذكرها في كلامه

قوله فحاصل الكلام ان ما اجمع على كونه مثليا يضمن بالمثل مع مراعاة الصّفات التي تختلف بها الرغبات و ان فرض نقصان قيمته في زمان الدفع أو مكانه عن قيمة التلف بناء على تحقق الإجماع على إهمال هذا التفاوت

فهذا بيان لحاصل ما يترتب على البناء على الدليلين اللذين ذكرهما من تفصيل الحال في حكم موارد اليقين و موارد الشك و الذي أحوجه الى هذا التفصيل هو انّه زعم ان التعاريف للمثلي مختلفة بحسب المعنى دون مجرد التعبير و قد عرفت خلاف ذلك و ان الجميع ناظر الى معنى واحد و ان المماثلة عبارة عن المماثلة في جميع ماله مدخل في مالية الشيء و هو أمر مبين لا إجمال فيه الّا ان يتفق الإجمال في المصاديق فيرجع الى أهل الخبرة كما هو الشأن في سائر الموارد و انما قيّد بقوله بناء على إهمال هذا التفاوت لان مقتضى الدليلين هو المثل الذي هو عبارة عن المساوي في الأوصاف و في مقدار المالية و لازم هذا ان ذلك المثل بخصوصياته يبقى في الذمة إلى يوم الدفع فإذا تعذر دفعه بتلك الخصوصيات التي منها القيمة انتقل في ذلك الوقت الى قيمته فيه و لكن لما قام الإجماع على إهمال التفاوت المذكور صار مقيّدا للاية و الدليل المشار اليه

قوله مضافا الى الخبر الوارد في ان اللازم على من عليه دراهم و أسقطها السّلطان و روج غيرها هي الدراهم الاولى

و رد بهذا المعنى خبر ان ذكرهما العلامة (رحمه الله) في كتاب الدين من التذكرة و وصفهما بالصحة قال (رحمه الله) و قد روى يونس في الصّحيح قال كتبت الى ابى الحسن الرضا (عليه السلام) انه كان لي على رجل دراهم و ان السّلطان أسقط تلك الدراهم و جائت و دراهم أعلى من تلك الدّراهم و لهم اليوم وضيعة فأي شيء لي عليه الاولى التي أسقطها السّلطان أو الدراهم التي أجازها السّلطان فكتب (عليه السلام) الدّراهم الاولى و في الصحيح عن صفوان قال سئله معاوية بن سعيد عن رجل استقرض دراهم من رجل و سقطت تلك الدراهم أو تعيرت و لا يباع بها شيء الصاحب الدراهم الأولى أو الجائزة التي تجوز بين الناس قال فقال لصاحب الدراهم الدراهم الاولى

قوله فتأمل

لعلّه إشارة إلى دفع توهم ان الخبر الذي أشار إليه ممّا له معارض و هو خبر موصوف بالصحة كما في الجواهر و هو قوله (عليه السلام) لك ان تأخذ منه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس و ذلك لانه و ان كان صحيحا الا انه ليس له قوة المعارضة للصحيحين المعمول عليهما عند جماعة كثيرة من جهة العدد و انطباقهما على القاعدة و عمل الأصحاب إذ لم يعمل بالأخير غير الصدوق (رحمه الله) فيما حكى عنه في المقنع بل هو (رحمه الله) (أيضا) لم يعمل به في غيره و قد حكى العلامة (رحمه الله) في التذكرة انه قال عقيب رواية يونس كان شيخنا محمّد بن الحسن يروى حديثا في ان له الدراهم التي تجوز بين الناس و انه قال و الحديثان متفقان غير مختلفين فمتى كان للرجل على الرجل دراهم بنقد معروف فليس له الا ذلك النقد و متى كان له على رجل دراهم بوزن معلوم بغير نقد معروف فإنما له الدراهم التي تجوز بين الناس انتهى و الأظهر انه اشارة الى أن

306

الخبر الذي أشار إليه ليس له دخل بمفروض المقام لان المفرض اعتبار مراعاة الصّفات التي تختلف بها الرغبات و ان تحقق مجرد نقص القيمة و الدراهم التي أسقطها السّلطان فاتتها المرغوبية و الرواج كما هو مقتضى دلالة لفظ الاسقاط و قد أشار في الصّحيح الثاني الى و ما هو أوضح مما ذكرنا حيث قال و سقطت تلك الدراهم أو تغيرت و لا يباع بها شيء و على هذا فقد خرجت الدراهم عن كونها مماثلة لما أخذه و اشتغلت به ذمته و قد أشار الى اعتبار المرغوبية في المماثلة في الصحيح الأخير حيث قال لك ان تأخذ فيه ما ينفق بين الناس كما أعطيته ما ينفق بين الناس فإنه أفاد ان له أخذ ما هو مماثل لما أعطاه في الإنفاق بين الناس و المرغوبية

قوله و ما شك في كونه قيميّا أو مثليا يلحق بالمثلي مع عدم اختلاف قيمتي المدفوع و التالف و مع الاختلاف (صح) الحق بالقيمي

قد يورد عليه بان المستند في هذا التفصيل ان كان هي الآية فهي غير وافية به لان مقتضاها انما هو إعطاء المثل و هو انّما يتم فيما تحقق له مثل و امّا ما لم يتحقق كونه مثليا فلا يأتي منها شيء بالنسبة إليه فضلا عن كونها ناطقة بالتفصيل و ان كان هو إجماعهم فإنه من المعلوم عدم قيام عليه و الجواب ان هذا مبنى على ما ذكره من الدليلين فان مقتضاهما ذلك و بيانه انه ذكر في الدليل الأوّل أعني القاعدة المستفادة من إطلاقات الضمان ان مقتضاه مراعاة الأقرب فالأقرب فالمثل أقرب الى التالف من حيث المالية و الصّفات ثم بعده قيمة التالف أقرب من حيث المالية و على هذا يتفاوت و الحال في مورد الشك من القسمين فما شك في مثليته مع مساواة البدل الموجود في القيمة يكون أقرب الى التالف من نفس القيمة ضرورة انه مع مساواته لها في المالية قد وجد فيه من توافق الأوصاف ما اشتبه الأمر فيه من حيث المالية و على هذا يتفاوت الحال في مورد الشك من القسمين فما شك في مثليته مع مساواة البدل الموجود في القيمة بكون أقرب الى التالف من نفس القيمة ضرورة انه مع مساواته لها في الثانية قد وجد فيه من توافق الأوصاف ما أشبه إليه أمر فيه من حيث الى كونه مثليا أو قيميّا و نفس القيمة مغايرة للتالف في الأوصاف قطعا فيكون البدل المذكور أقرب الى التالف بهذا الاعتبار فيجب دفعه بمقتضى تلك القاعدة و اما في صورة الاختلاف في القيمة فلا شك في ان البدل أبعد منها بالنسبة إلى التالف قطعا مع وقوع الشك في المثلية فتكون القيمة المساوية للتالف في المالية أقرب من البدل المشابه له في مجرد الصّفات لاعتناء العقلاء بالقيمة (حينئذ) فلو فرض ان قيمة البدل مع مشابهته في الصفات أقل لم يرض المالك بأخذه بدلا قطعا و أخذ القيمة و لو فرض انه رضى به عدة أهل المعروفة بالمعاش من قبيل السّفهاء أو الجهال و كذا لحال لو فرض ان قيمة البدل أزيد و دفعه المتلف الى مالك مع تمكنه من دفع القيمة فيلومونه على انه اعطى ما يزيد على حقه الا ان يكون بقصد التفضل و نية القربة هذا كله بالنّسبة إلى الدليل الأوّل و امّا الآية فان مقتضاها المثل العرفي و أهل العرف يعدون البدل المساوي للمشكوك المثلية في الأوصاف و القيمة مثلا كما انّهم يعدون البدل المخالف في القيمة للمشكوك المثلية مثلا تغليبا لجانب المالية و كون المساواة فيها قطعية و كون المثلية مشكوكة و الاولى ان يقال ان مقتضى الآية (أيضا) هو مراعاة الأقرب فالأقرب فيجري في تطبيقها على المورد ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في الدليل الأوّل ثم انه ذكر بعض من تأخر ان ما افاده (المصنف) (رحمه الله) هنا انما يتم لو قلنا بأن آية الاعتداء انما تثبت مجرد الضمان بالمثل من دون لوازم ذلك مثل انه إذا بقي المثل في الذمة ثم تعذر في وقت من الأوقات انتقل إلى قيمة ذلك المثل في ذلك الوقت و الآية محتملة للأمرين فيحتمل ان يكون المراد بها إثبات جميع ما هو من أحكام المثل بل نقول ان الظاهر منها ذلك و يندفع بما تقدم لأن آية الاعتداء كالاطلاقات على مذاق (المصنف) (رحمه الله) تفيد ان اللازم هو الخروج عن عهدة التالف بما هو أقرب إليه كما صرح به فيما يأتي من كلامه و أقرب شيء إلى التالف هو ما شك في كونه مثلا له مع تساوى القيمتين فتدبر

قوله فتأمل

الظاهر انّه اشارة الى الأمر بالتدبر في وجه المقصود حتى لا يتوهم التنافي بين ما ذكره هنا من التفصيل في اتفاق قيمتي المدفوع و التالف و اختلافهما و بين ما تقدم منه سابقا من انّ مقتضى الآية و الدليل السّابق وجوب المماثلة العرفية في الحقيقة و المالية و وجه اندفاع توهم التنافي هو ان ذلك انّما هو فيما إذا تحققت المثلية و هذا التفصيل انّما هو في مورد يشك في تحقق المثلية من جهة عدم اندراجه في المجمع على مثليّة و لا في المجمع على قيمته و لأن ان الأقرب (حينئذ) هو ما أفاده (رحمه الله) على التفصيل المذكور و لا يتوهم (أيضا) وقوع التنافي بين هذا التفصيل و بين ما ذكره قبل التعرض لبيان حاصل الكلام من انه في موارد الشك يجب الرجوع الى المثل بمقتضى الدليل السابق و عموم الآية نظرا الى ان العام المخصّص بالمجمل مفهوما حجة في موارد الشك لان ما ذكره هنا بيان للمثل المذكور هناك بحكم العرف على ما عرفت من البيان الذي أوضحناه

الخامس [في أنه هل يجب الشراء لو لم يجد المثل إلا بأكثر من ثمن المثل أم لا]

قوله و وجهه عموم النص و الفتوى بوجوب المثل في المثلي

(الظاهر) انّه (رحمه الله) أراد بعموم النّص عموم آية الاعتداء و استدل بعض من تأخر بعد التأمل في ظهور دلالة الآية بالإجماع الذي استظهره من عدم الخلاف و بان الحكم بعد وجوب الشراء على الغاصب يستلزم الضرر على المالك ثم دفع توهم ان ضرر المالك معارض بضرر الغاصب فيصير المقام من تعارض الضررين بان ذلك ضرر أقدم هو عليه فلا يعارض ضرر المالك و استشهد على ذلك بأنهم حكموا بأن أداء العين المغصوبة الغير التالفة لو توقف على مؤنة كثيرة تزيد على أضعاف قيمتها كما لو كان المغصوب عينا تساوى درهما و كان المالك في أقصى البلاد بحيث يتوقف إيصالها اليه على صرف الاف درهم وجب على الغاصب إيصالها اليه و تحمل المؤنة المذكورة

قوله و لكن الأقوى مع ذلك وجوب الشراء وفاقا للتحرير كما عن الإيضاح و الدروس و جامع المقاصد بل إطلاق السرائر و نفى الخلاف المتقدم عن الخلاف لعين ما ذكر في الصورة الاولى

و هو إطلاق النص و الفتوى و اما ما ذكره (رحمه الله) مما يمكن ان يستدل به لاختيار عدم وجوب الشراء من قوله بحيث يعد بذل ما يريد مالكه بإزائه ضرر اعرفا بعد تتميمه بتقريب ان هذا الضرر على الغاصب ليس من قبيل ما هو المعتاد في الأموال من تفاوتها بحسب القيمة السوقية المتعارفة بحسب الأوقات و الأحوال ففي الحقيقة هذا الضرر قد توجه اليه من ظلم مالك المثل و تعديه عن ثمن المثل و انه عند التحقيق لا ظلم في الصورة الأولى بخلاف هذه الصورة و وجه الفرق طريقة العقلاء و تفاوت أغراضهم في مقاصدهم بحسب المقامات الا ترى ان كل و من وجد المتاع يباع بالقيمة السّوقية لا يشق عليه شراؤه و ان كانت زائدة على القيمة المتعارفة في سائر الأزمنة بخلاف من وجده عند من يبيعه بأزيد من القيمة السوقية اليومية بشيء يسير فإنه

307

لا يقدم على شرائه أصلا و لا يعد الأول ضررا بخلاف الثاني فإنه يعد ضررا و ان من يصرف مالا كثيرا في الأعراس و الضيافات بالطوع و الرغبة لو تلف منه درهم بضياع أو سرقة يعد ذلك ضررا و ليس ذلك الا لتفاوت المقامات في فوات المال و تفوية و ليستدل العبرة في الضرر بقلة مقدار المال الفائت و كثرته فجوابه ان هذا ضرر قد تسبب هو له و أقدم عليه فلا رفع عنه الضمان و امّا ما ذكره من الطرف الأخر للتردد و هو ان الموجود بأكثر من ثمن المثل كالمعدوم كالرغبة في الكفارة و الهدى فيدفعه ان إلحاق ذلك بل المعدوم يحتاج الى دليل و ليس هذا من قبيل الأفراد النادرة للمطلقات حتى تنصرف الى ما عداه و اجراء حكم الرغبة و الهدى عليه قياس لا نقول به بثبوت الحكم فيهما بالدليل بخلافه و امّا ما ذكره من انه يمكن معاندة البائع و طلب أضعاف و القيمة هو ضرر فيدفعه مع كونه أخص من المدعى إذ قد يكون الداعي لطلب البائع زيادة القيمة لغرض معتبر عند العقلاء ما عرفت من انه ضرر قد تسبب هو له و أقدم عليه هذا و قد يقال في هذه الصّورة بعدم وجوب الشراء فيدفع القيمة استنادا الى ان دليل الحكم بوجوب المثل في المثلي انما هو الإجماع دون آية الاعتداء لعدم ظهورها حتى يجرى حكمها فيصوره عدم وجود المثل الا عند من يبذله بأعلى من ثمن مثله كما هو مفروض المقام و لا إجماع هنا لمكان الخلاف و لم يثبت قبل هذا اشتغال ذمته بالمثل حتى يستصحب في مورد الشك و (حينئذ) يقال ان تكليفه بالشراء بما يطلبه البائع من الزائد على ثمن المثل مستلزم للضرر على الغاصب و هذا مما لا يكلف به ثم ان ذلك القائل بين الفرق بين هذا الضرر و الضرر في الصّورة الاولى و هي ما لو كانت الزيادة بسبب ارتفاع القيمة السوقية على الوجه الذي بيناه ثم قال انه لو وقع الشك في ذلك من جهة الخلاف و عدم ظهور الأدلة في شيء من الطرفين فمقتضى الأصل براءة ذمته من وجوب الشراء و أيّد ما ذكره بأنه لا يجب تحصيل المثل لو وجد في خارج البلد فان ذلك يدل على ان التكليف انما هو بحسب المتعارف و أنت خبير بأنه لو كان المثل موجودا في حال التلف ثم طرء التعذر الا عند من يبيعه بأزيد من ثمن المثل جرى استصحاب بقائه في ذمته من دون اشكال و ان ما ذكره أخيرا من ان المرجع هو أصل البراءة عند الشك ممنوع لتحقق الاشتغال بحق الغير و لا يحصل الفراغ الا برضا المالك فيلزمه إرضاؤه بأي وجه كان و قد اعترف القائل عند تأسيس الأصل بذلك و قد لا يرضى المالك الا بالمثل و مع رضاه بالقيمة فلا كلام و هو ظاهر السّادس لو تعذر المثل في المثلي

[السادس في حكم ما لو تعذر المثل]

قوله لو تعذر المثل في المثلي فمقتضى القاعدة وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالك

اعلم ان الكلام هنا يقع من جهتين إحديهما في الحكم الوضعي بمعنى ان حق المالك (حينئذ) ينقلب من المثل إلى القيمة و الأخرى في الحكم التكليفي بمعنى ان دفع الحق الذي هو القيمة (حينئذ) واجب و لازم هذا انه يصير (حينئذ) فاسقا عند التأخير لو كانت العين مقبوضة بالبيع الفاسد و لم يكن تلفها بما يوجب الفسق لو لا قبض المبيع بالبيع الفاسد و تبطل صلوته مثلا لو أخر على القول بأنّ الأمر بالشيء يقتضي النهي عن ضده فيما ذكروا فيما لو كانت مغضوبة أمّا الثانية فلا ريب و لا إشكال في ان الحكم فيها هو الوجوب و ان التأخير محرم فلو أخر عصى الا ان يرضى المالك به و ان الغصب ليس مثل الدين من جهة ان دفع الدين غير واجب ما لم يطالب المستحق و انما يتحقق الوجوب عند مطالبته بلسان المقال أو بلسان الحال كما قالوا في وجوب أداء الزكاة إلى الفقراء فورا و كون التأخير معصية من جهة ان مستحقيها مطالبون بها بلسان الحال حيث انهم محتاجون إليها و اما المغصوب فالغاصب مأمور برده ابتداء فيجب عليه رد عينه مع بقائها ثم رد مثله ان كان مثليا و رد قيمته ان كان قيميا أو تعذر المثل و اما المقبوض بالبيع الفاسد فان قلنا بحرمة التصرف فيه كما قال (المصنف) (رحمه الله) انها تلوح من مجمع الفائدة كان إمساكه حراما بكونه نوعا من التصرف و ان قلنا بعدم حرمة التصرف فيه كما قاله في السرائر من كونه في حكم المغصوب إلا في ارتفاع الإثم عن إمساكه لم يجب رده الا بعد المطالبة فهو يفارق المغصوب على قول دون أخر فقد تحصّل مما قدمناه ان الغاصب مأمور بتفريغ ذمته سواء طالب المالك أم لا من دون فرق بين بقاء العين المغصوبة و عدمه و وجود المثل و عدمه المقتضى للانتقال إلى القيمة فيلزمه أداء الحق على حسب المراتب فيلزمه المبادرة إلى أداء ما هو الأقرب فالأقرب بخلاف المديون فإنه إن طالب الدائن وجب الفور بالأداء و الا فلا و الفرق ان الغاصب ظالم اشتغلت ذمته بحق المظلوم فيجب عليه رفع ظلمه عنه بخلاف المديون فإنه ليس ظالما إلا إذا امتنع من الأداء مع المطالبة و القدرة و امّا الاولى اعنى انقلاب حق المالك من المثل إلى القيمة بعد تعذر المثل فلا اشكال فيه في الجملة و لو مع مطالبة المالك و عدم وجود المثل أصلا فإنه و ان كان مخالفا للأصل من جهة ان مقتضاه عدم سقوط حقه من الأصل بالتعذر كما لا يسقط الدين بتعذره إذا كان مثليا الا انه يدل عليه وجوه أحدها الإجماع فإنه و ان لم نجد من صرح به الا انه يظهر من ارسالهم لذلك إرسال المسلمات و ثانيها ان منع المالك ظلم و ثالثها قوله (تعالى) فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ و قد بينهما (المصنف) (رحمه الله) ثم ان الانتقال فيها من المثل إلى القيمة انّما هو في حال الدفع سواء عصى بالتأخير أم دفعها في حال تعذر المثل ابتداء و على تقديرين يلزم قيمة يوم الدّفع و التعبير بحال المطالبة كناية عن حال الدفع نظرا الى كون الغالب اقترانه بالدفع و الا فمجرد المطالبة لا دخل لها في الانتقال من المثل إلى القيمة و تقييد (المصنف) (رحمه الله) بقوله مع مطالبة المالك ان كان لتقييد الحكم التكليفي الذي هو الوجوب حتى لا يحرم التأخير عند عدم مطالبته المالك فقد عرفت مما ذكرنا انه غير صحيح بالنسبة إلى المغصوب و كذا بالنسبة إلى المقبوض بالبيع الفاسد على القول بحرمة إمساكه و ان كان صحيحا على القول بعدم حرمة إمساكه كما هو الظاهر إذ لا دليل عليها و الفرق بينه و بين المغصوب واضح لكون المكلف ظالما بالثاني دون الأول لأنه قبضه باذن من المالك و طيب نفسه غاية ما هناك انه قبضه بعنوان التمليك فلم يحصل من جهة فساد سببه الذي هو البيع فلا يكون ظالما في قبضه و لا في إمساكه الا ان يعلم ان المالك يكره بقائه عنده بعد علمه بفساد البيع و ان كان لتقييد الحكم الوضعي الذي هو الانتقال إلى القيمة المدلول عليه في كلامه بدفع القيمة فهو صحيح و إذ قد عرفت ذلك نقول انه ذكر بعض من تأخر ان الفقهاء (رضي الله عنه) عبروا بوجوب القيمة عند تعذر المثل و ظاهره ان مجرد تعذر المثل يوجب تحقق الوجوب الذي هو من الأحكام التكليفية و ان لازم

308

هذا هو إجبار المالك على الأخذ أو الرّضا بإسقاط حقه من المبادرة إلى أدائه و الفور به ثم ذكر ان (المصنف) (رحمه الله) و صاحب الجواهر (رحمه الله) حكما بعدم الوجوب الا مع مطالبة المالك استشهادا بكلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة يعني ما ذكره (رحمه الله) (المصنف) و كلام فخر المحققين (رحمه الله) في الإيضاح ثم أورد عليها بان وجوب أداء القيمة يثبت بمجرد تعذر المثل فورا كما يجب أداء المثل عند وجوده فورا و أداء العين في حال بقائها (كذلك) و ليس الوجوب منوطا بمطالبة المالك فان حكم الغصب مغاير للدين و ان لازم ما ذكراه هو عدم جواز إلزام المغصوب منه بالأخذ و أورد (أيضا) بأنّ ما ذكره العلامة (رحمه الله) في العبارة المذكورة انما هو بيان وقت الانتقال عن المثل إلى القيمة و هو حال الدفع و ذلك أمر أخر غير جواز تأخير الغاصب أو وجوب دفع القيمة فورا فان من يقول بوجوبه فورا (أيضا) يقول لو أخر و بقي المثل في الذمة لزمه قيمة يوم الدفع و ان أثم بالتأخير مع عدم رضا المالك و أنت خبير بان ما ذكره غير متجه على (المصنف) (رحمه الله) لانه ليس بصدد بيان الحكم التكليفي الذي هو وجوب المبادرة و ليس غرضه (رحمه الله) الا بيان الحكم الوضعي و التعبير بوجوب دفع القيمة انما هو من باب تحقق الملازمة بينه و بين الحكم الوضعي و التقييد بقوله مع مطالبة المالك انما هو لإفادة ان الحكم الوضعي و هو الانتقال إلى القيمة انما هو عند المطالبة و الا فالمثل باق في الذمة لا يتبدل بغيره و ما ذكرناه من الحكم انما هو الذي يلزمه إلزام المالك بقبول القيمة دون الحكم التكليفي الذي هو وجوب المبادرة إلى الأداء إذ لا مساس له بذلك ضرورة انه يصحّ ان يكون أداء القيمة واجبا على الغاصب فورا و لا يلزم المالك قبوله فله ان يصبر فيسقط الفور عن الغاصب و اما إذا كان وظيفة الغاصب أداء القيمة فلو لم يلزم المالك قبولها لزم التعاسر الذي من شأن الشارع رفعه عما بين الناس فلا يجوز منه احداثه و لما ذكرنا عبّر (المصنف) (رحمه الله) في مقابل قوله فمقتضى القاعدة وجوب دفع القيمة مع مطالبة المالك بقوله و امّا مع عدم مطالبة المالك فلا دليل على إلزامه بقبول القيمة و لم يقل فلا دليل على وجوب دفع القيمة و عبارة العلامة (رحمه الله) منطبقة على ما رامه (المصنف) (رحمه الله) مفيدة لما قصد الاستشهاد بها عليه و التأييد بما في باب القرض (أيضا) في محله فافهم بقي هيهنا شيء و هو ان (المصنف) (رحمه الله) لم يقيد القيمة بكونها قيمة المثل أو قيمة العين التي يكون المثل بدلا عنها حتى لا يبقى مجال للتشقيق في مباني الاحتمالات كما ستعرف ذلك في كلامه (رحمه الله) إنشاء اللّه تعالى

قوله فليتأمل

إشارة الى ان التعبير بيوم المطالبة (أيضا) يجب ان يكون المراد به يوم الدفع ضرورة ان المطالبة بمجردها لا تصلح سببا لانتقال الحق من المثل إلى القيمة في ذلك و الا لزم الانتقال إلى قيمة يوم المطالبة فيما لو طالب فلم يقدر من عليه الحق على الأداء أو عصى فاخر الى ان زادت القيمة أو نقصت بمعنى عدم اجزاء غيرها و ليس (كذلك) فالتعبير بيوم المطالبة انما هو بالنظر الى الغالب الذي هو اتحاده مع يوم الدفع من جهة تعقب الدفع لها غالبا و يشهد بهذا انه (رحمه الله) قال عقيب قوله و حاصل جميع الاحتمالات في المسئلة انه اما ان نقول باستقرار المثل في الذمة إلى أو ان الفراغ منه بدفع القيمة و هو الذي اخترناه تبعا للأكثر من اعتبار القيمة عند الإقباض فالحاصل ان يوم المطالبة و يوم الدفع و ان كانا أمرين متغايرين بحسب المفهوم و قد قال باعتبار كل منهما قائل من العامة كما ستعرف (إن شاء الله) في عبارة التذكرة الا ان مراد (المصنف) (رحمه الله) ما ذكرناه

[في أن المعتبر في قيمة المثل يوم الدفع]

قوله و كيف كان فلنرجع الى حكم المسئلة

لا يخفى عليك ان البحث عن ان اللازم هو قيمة يوم الدفع أو قيمة يوم تعذر المثل و غير ذلك ليس بحثا عن حكم المسئلة و انما هو بحث عن موضوعها و لعله (رحمه الله) عبر عن تعيين القيمة بالحكم باعتبار تفرعه على ما ذكره من وجوبها بتعذر المثل فافهم

قوله ان المشهور ان العبرة في قيمة المثل المتعذر بقيمته يوم الدفع

اعلم ان الأحوال التي يحتمل اعتبار قيمة المثل المعتذر بالقياس اليه خمسة يوم الغصب و يوم تلف المغصوب و يوم تعذر المثل و يوم المطالبة و يوم الدفع و للعامة في المسئلة وجوه و أقوال يأتي ذكرها إنشاء اللّه تعالى و ليس فيما بين فقهائنا الا مذهبان أحدهما ان المعتبر في قيمة المثل المتعذر قيمة يوم الدفع و ثانيهما ان المعتبر قيمة وقت تعذر المثل

قوله ثم ان في المسئلة احتمالات ذكر أكثرها في (القواعد)

لما ذكر (المصنف) (رحمه الله) قولين في المسئلة ليس لفقهائنا غيرهما تعرض للاحتمالات الجارية في المقام فذكر ان أكثر الاحتمالات الأخر مذكورة في القواعد و ذلك لان جميع ما يذكره (المصنف) (رحمه الله) في ذيل قوله و حاصل جميع الاحتمالات في المسئلة المتضمن لذكر القولين المذكورين و غيرهما ثمانية أحدها ما اختاره هو و ثلاثة على تقدير القول بان المثل المستقر في الذمة صار قيميا و احتمالان على تقدير القول بان التالف ان قلب قيميا و احتمالان على تقدير القول بان المشترك بين العين و المثل صار قيميا و لم يذكر العلامة (رحمه الله) في (القواعد) القول الثاني من القولين المذكورين في عداد الاحتمالات الخمسة التي ذكرها و بعد افراده و افراد القول الأول الذي هو مختار (المصنف) (رحمه الله) يبقى من الاحتمالات ستة و هي الاحتمالات المغايرة للقولين المذكورين و قد ذكر في (القواعد) خمسة منها و معلوم ان الخمسة أكثر الستة هذا و اما عبارة القواعد التي أشار إليها (المصنف) (رحمه الله) فهي ما ذكره العلامة فيها بقوله و لو تلف المثلي في يد الغاصب و المثل موجود فلم يعزمه حتى فقد ففي القيمة المعتبرة احتمالات الأوّل أقصى قيمته من يوم الغصب الى التلف و لا اعتبار بزيادة قيمة الأمثال الثاني أقصى قيمة من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز الثالث أقصى القيم من وقت الغصب إلى الإعواز الرابع أقصى القيم من وقت الغصب الى وقت دفع القيمة الخامس القيمة يوم الإقباض انتهى

قوله و حاصل جميع الاحتمالات في المسئلة

التقييد بقوله في المسئلة يعطي انه (رحمه الله) قصد بيان جميع ما يتصور من الاحتمالات في هذه المسئلة و الظاهر انه (رحمه الله) لم يحضره كتاب الغصب من التذكرة عند تحرير هذا المقام و الا فهو قد تضمن ذكر احتمالات لم يذكرها هو (رحمه الله) و يدل على عدم حضوره عنده قوله (رحمه الله) بعد احتمال الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب الى دفع المثل و وجّهه في محكي التذكرة و قوله (رحمه الله) في تفسير إعواز المثل ثم ان المحكي عن التذكرة لمن المراد بإعواز المثل (انتهى) ضرورة انّه لو كان قد عثر عليه هو بنفسه لم يكن لاقحام لفظ المحكي وجه و نحن نذكر عبارة التذكرة بعينها و ما لإثبات صدق المقال و تسهيلا لمن أراد الاطلاع على ما لم يجر ذكره في كلام (المصنف) (رحمه الله) فنقول قال فيها إذا غصب عينا من ذوات الأمثال و تلفت في يده أو أتلفها و المثل موجود فلم يسلمه حتى فقد أخذت منه القيمة لتعذر المثل فأشبه غير المثلي و المراد من العقد ان لا يوجد في ذلك البلد و ما حواليه فإذا لم يقبض القيمة وقت الإعواز حتى مضت مدة يختلف فيها القيمة

309

وجب عليه القيمة يوم الإقباض لا يوم الإعواز و لو اعوض فحكم الحاكم بالقيمة فزادت أو نقصت لم يلزم ما حكم به الحاكم و حكم بالقيمة وقت تسليمها لان الثابت في الذمة انما هو المثل و قال الشيخ (رحمه الله) يكون له المطالبة بقيمة يوم القبض و لا اعتبار بحكم الحاكم و للشافعية في القيمة المعتبرة عشرة أوجه أحدها انّه أقصى قيمة من يوم الغصب الى يوم التلف و لا اعتبار بزيادة قيمة أمثاله بعد تلفه كما في المقومات و لان المثل جاز في الوجوب مجرى المغصوب فإذا تعذر صار بمنزلة تلف المغصوب و المغصوب إذا وجبت قيمته وجب أكثر ما كان من حين الغصب الى حين التلف و ثانيهما أنه قصي قيمة من وقت تلف المغصوب إلى الإعواز لأن المثل هو الواجب الا انه لما فقد تعذر الوصول اليه فينظر الى قيمته من وقت وجوبه الى التعذر و ربما بنى هذان الوجهان على ان الواجب عند إعواز المثل قيمته المغصوب لأنه الذي تلف على المالك أو قيمته المثل لانه الواجب عند التلف و انما رجعنا إلى القيمة لتعذره و فيه وجهان لبعض الشافعية ان قلنا بالأول اعتبرنا بالأقصى من الغصب الى وقت تلف المغصوب لان المثل (حينئذ) يجب الى وقت الانقطاع و الإعواز و ثالثها و هو الأصحّ عندهم القيمة المعتبرة أقصى القيم من يوم الغصب الى يوم الإعواز لأن وجود المثل كبقاء عين المغصوب من حيث انه كان مأمورا بتسليم المثل كما كان مأمورا برد العين فإذا لم يفعل عزم أقصى قيمته في المدتين كما ان المتقومات تضمن بأقصى قيمتها لهذا المعنى و لا نظر الى ما بعد انقطاع المثل كما لا نظر الى ما بعد تلف المغصوب من المتقوم و رابعها أقصى القيم من وقت الغصب الى وقت تغريم القيمة و المطالبة بها لان المثل لا يسقط بالإعواز ألا ترى ان المغصوب منه لو صبر الى وجدان المثل ملك المطالبة به و انما المصير إلى القيمة عند تغريمها و خامسها إنها أقصى القيم من وقت الانقطاع المثل و إعوازه إلى وقت المطالبة بالقيمة لأن الإعواز وقت الحاجة الى العدول إلى القيمة فتعين الأقصى من يومئذ و سادسها إنها أقصى القيم من وقت تلف المغصوب الى وقت المطالبته لان الضمان يومئذ يجب و سابعها ان الاعتبار بقيمة اليوم الذي تلف فيه المغصوب و ثامنها ان الاعتبار بقيمة يوم الإعواز لأنه وقت العدول إلى القيمة و تاسعها و به قال أبو حنيفة و مالك ان اعتبار بقيمة يوم المطالبة لأن الإعواز (حينئذ) يظهر و يتحقق و قد يبدل لفظ المطالبة و التغريم بالحكم بالقيمة و المرجع بهما إلى شيء واحد و عاشرها انه ان كان منقطعا في جميع البلاد فالاعتبار بقيمة يوم الإعواز و ان فقد في تلك البقعة فالاعتبار بقيمته يوم الحكم بالقيمة و قال بعضهم المعتبر قيمة يوم أخذ القيمة لا يوم المطالبة و لا يوم التلف و قال أبو حنيفة الاعتبار بقيمة يوم المطالبة و القبض و هو الوجه عندي و قال احمد بالوجه الثامن و لو غصب مثليا فتلف و المثل مفقود فالقياس ان يجب على الوجه الأول و الثالث أقصى القيم من يوم الغصب الى التلف و على الثاني و السابع و الثامن قيمة يوم التلف و ان يعود الرابع و السادس و التاسع بحالها و على الخامس أقصى القيم من يوم التلف الى يوم التغريم و لو أتلف مثليا على انسان من غير غصب و إثبات يد عليه و كان المثل موجودا فلم يسلمه حتى فقد فعلى الوجه الأول يجب قيمة يوم الإتلاف و على الثاني و الثالث أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى الإعواز و على الرابع من يوم الإتلاف إلى التقويم و القياس عود الوجوه السابقة و لو أتلفه و المثل مفقودة فالقياس ان يقال على الوجه الأوّل و الثاني و الثالث و السابع و الثامن تجب قيمته يوم الإتلاف و على الرابع و الخامس و السادس أقصى القيم من يوم الإتلاف إلى يوم التّغريم و على التاسع قيمة يوم التغريم و على العاشر ان كان منقطعا في جميع البلاد وجب قيمته يوم الإتلاف و الا فقيمة يوم التغريم و مهما عزم الغاصب أو المتلف القيمة لإعواز المثل ثم وجد المثل هل للمالك رد القيمة و طلب المثل الأقرب المنع لبراءة ذمة الغاصب بأداء بدل المثل فلا تعود الذمة مشغولة بالمبدل كما لو صام الفقير عن الكفارة ثم استطاع العتق بخلاف ما لو غرم قيمة العبد ثم وجد لأن القيمة ليست بدلا عن العبد حقيقة و انما هي مأخوذة للحيلولة و لان العبد عين حق المغصوب منه و المثل بدل حقه

و لا يلزم من تمكين المال من الرجوع الى عين حقه تمكينه من الرجوع الى بدل حقه انتهى

قوله و اما ان نقول بصيرورته قيميّا عند الإعواز

كان الاولى في التعبير ان يقول و اما ان نقول بالانتقال إلى القيمة عند الإعواز و ذلك لان الضمير المضاف اليه اما ان يعود الى المثل كما هو ظاهر مساق العبارة أو الى المغصوب و على كل من التقديرين لا مجال لإجراء الاحتمالين فيه من القول بان المثل ينقلب قيميا و القول بان المغصوب انقلب قيميا لان ذلك مثل تقسيم الشيء إلى نفسه و الى غيره بل هو عينه في المعنى و اما ما ذكرناه من الانتقال إلى القيمة فمفهومه أمر عام صالح لان يذكر في مقابل الاستقرار المثلي في الذمة إلى أو ان الفراغ قابل لإجراء الاحتمالين المذكورين فيه و يمكن توجيه العبارة بأن (يقال) ان الضمير يعود إلى المثلي و ان المراد بصيرورة المثل قيميا معنى عام و هو تبدله بالقيمة أعم من ان تكون القيمة بدلا عنه بنفسه أو بدلا عما هو بدل عنه و بهذا المعنى قابل للتقسيم الى القسمين فتدبر

قوله فإذا صار كذلك فاما ان نقول ان المثل المستقر في الذمة قيمي

(انتهى) محصله ان المثل المستقر في الذمة انقلب قيميا بتعذر عينه و لهذا قابله بقوله و اما ان نقول ان المغصوب انقلب قيميا بعد ان كان مثليا و هذا و ان كان خلاف ظاهرا الجملة الاسمية التي هي اسم ان و خبرها و غير ملائم لفظة لو في قوله بمعنى انه لو تلف وجب قيمته الا انه هو المراد قطعا كما لا يخفى على من التفت الى ما هو المقصود بالكلام و تأمل في قوله و اما ان نقول بصيرورته قيميا عند الإعواز و قوله فإذا صار كذلك فان لفظ الصيرورة يدل على ما بيناه

قوله فان جعلنا الاعتبار في القيمي بيوم التلف كما هو أحد الأقوال في المسئلة

اعلم انهم بعد ما حكموا في القيمي بضمان القيمة اختلفوا في القيمة المضمونة إن اختلفت بحسب الأزمنة على أربعة أقوال أحدها ان المضمون قيمة يوم الغصب و حكى القول به عن موضع من (المبسوط) و اختاره المحقق (رحمه الله) في النافع و نسبته في (الشرائع) إلى الأكثر و ان أنكر صحة النسبة في (الرياض) و ثانيها ان المضمون قيمة يوم التلف و حكى القول به عن القاضي و العلامة في (المختلف) و في (الرياض) انه نسبه في الدّروس إلى الأكثر و ثالثها ان المضمون أعلى القيم عن حين الغصب الى حين التلف و حكى القول به عن الشيخ (رحمه الله) في (النهاية) و (الخلاف) و موضع من (المبسوط) و ابن حمزة و ابن إدريس و غيرهم و في (الرياض) عن (المختلف) و التنقيح وصفه بأنه أشهر و رابعها ان المضمون أعلى القيم من حين الغصب الى حين الرد و حكى القول به عن المحقق (رحمه الله) في أحد قوليه و عن المولى المحقق البهبهاني (رحمه الله) في حاشية شرح الإرشاد و هذا القول يصحّ ان يصير مبنى لاحتمال

310

الاعتبار بأعلى القيم من حين الغصب الى يوم دفع القيمة فيما نحن فيه فلا ينحصر مبناه فيما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من القول بان المشترك بين العين و المثل صار قيميا و لا يتوهم انه يتولد من ذلك زيادة احتمال على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الاحتمالات إذ ليس هناك الا اختلاف المبنى و الاحتمال انّما هو الاعتبار في المثلي المتعذر مثله بأعلى القيم من حين الغصب الى يوم دفع القيمة فقد يبتنى على القول بان الحكم في القيمي انما هو ذلك بناء انّه بتعذر المثل صار بنفسه قيميا و قد يبتنى على القول بان القدر المشترك بين عين المغصوب و مثله صار قيميّا

قوله و ان جعلنا الاعتبار فيه بزمان الضمان كما هو القول الأخر في القيمي

(انتهى) المراد بزمان الضمان هو وقت الغصب و النكتة في التعبير به عنه هي ان وقت الغصب أوّل وقت دخول العين في ضمان الغاصب فهو إشارة إلى أوّل الأقوال الأربعة الّتي ذكرناها

قوله لأنّه أوّل أزمنة وجوب المثل في الذّمة المستلزم لضمانه بقيمته عند تلفه

إشارة إلى وجه تطبيق ما نحن فيه على القول باعتبار زمان الضمان لان ضمان المثل الذي هو قيمي بالفعل انّما تحقق في زمان تلف العين فيضمن المثل بقيمته المقرّرة و هي قيمة وقت الضمان فقوله عند تلفه متعلّق بقوله لضمانه و ليس صفة و تقييد القيمة صفة و تقييد

قوله و هذا مبنى على القول بالاعتبار في القيمي بوقت الغصب كما عن الأكثر

يعنى انّ اعتبار قيمة زمان تلف العين مبنى على القول باعتبار القيمة يوم الغصب في القيمي و ذلك لان المفروض هو الكلام على تقدير الالتزام بأنّ المثل يتصف بكونه قيميّا بالفعل عند إعوازه و (يقال) عليه قبل ذلك انه قيمي بمعنى انه لو تلف وجب قيمته كما أشار إليه (المصنف) بقوله ان المثل المستقر في الذمة قيمي فيكون القيمية صفة للمثل بمعنى انه لو تلف وجب قيمته و (حينئذ) نقول ان زمان تعلق المثل الذي هو قيمي بذمته لتلف العين زمان ضمانه الذي هو غصبه و ان كان التعبير بتعلقه بذمته بالغصب الذي هو فعل الغاصب مع انه لم يغصب المثل ابتداء مبنيا على صدور سببه الذي هو غصب العين منه اختيارا و ان المستند إلى المقدمة الاختيارية اختياري فيكون زمان تلف العين بناء على ما ذكر زمان غصب المثل الذي هو قيمي فيبتني الحكم باعتبار قيمة ذلك الزمان على القول باعتبار قيمة زمان الغصب

قوله و ان قلنا ان التالف انقلب قيميّا احتمل الاعتبار بيوم الغصب كما في القيمي المغصوب

المراد بالقيمي المغصوب المشبّه به هو القيمي بالأصل و هو مغاير لما كان مثليا بالأصل ثم انقلب قيميا فصحّ التشبيه المبنى على المغايرة و ليس المراد بانقلاب التالف المثلي قيميّا انقلاب حقيقة لاستحالة ذلك لأنك قد عرفت ان المثلي عندهم ما يتساوى اجزاؤه و القيمي ما لا يتساوى اجزاء (صح) و من المعلوم انه يستحيل ان ينقلب متساوي الأجزاء غير متساويها و لا صيرورته في حكم القيمي لأن ذلك خلاف ما يقتضيه ظاهر لفظ الانقلاب بل المراد انه بتعذر المثل يتوجه الخطاب الى الغاصب بالخروج عن عهدة التالف المثلي المغصوب بإذا قيمته بعد ان كان المتوجه اليه بعد التلف و قبل تعذر المثل هو أداء مثله في مقابل ما ذكره (رحمه الله) من صيرورة المثل قيميا المقصود به انه بتعذر المثل توجه الخطاب الى الغاصب بأداء قيمة المثل بعد ان كان المتوجه اليه بتلف العين الى ما قبل إعواز المثل هو أدائه و (حينئذ) نقول ان مجرد الخطاب بأداء قيمة المغصوب لا يعين خصوص فرد منها بعد اختلافها بحسب الأوقات فيحتمل الاعتبار بيوم الغصب كما هو مذهب القائل به في القيمي بالأصل و يحتمل الاعتبار بأعلى القيم من يوم الغصب الى يوم التلف كما هو مذهب القائل به في القيمي بالأصل و انما اقتصر (المصنف) (رحمه الله) هنا على ذكر احتمالين و لم يذكر مقتضى القول الثالث في القيمي من الاعتبار بقيمة يوم تلف القيمي لوجود المانع من جريانه هنا لان الكلام في المثلي الذي تعذر مثله و من المعلوم انه عند تلف العين مع وجود المثل كان مخاطبا بأداء المثل دون قيمة العين و لهذا لم يلزم المالك القبول لو دفعها الغاصب يومئذ فلا يصحّ ان يكون المناط قيمة العين عند تلفها هذا ما يخطر بالبال في وجه تركه (رحمه الله) المقتضى ذلك و لا ارى له وجها غيره و لكنه يمكن المناقشة فيه بان اجتماع المتنافيين و المتضادين انّما يمتنع في زمان واحد و الزمان هنا مختلف فيصحّ ان يخاطب عند وجود المثل بأدائه و عند تعذره بأداء قيمة العين يوم تلفها و لا منافاة ثم لا يخفى عليك ان إجماعهم على ان القيمي إنما يضمن بالقيمة لا يشمل القيمي بهذا المعنى الذي عرفت و هو المثلي الذي خوطب بأداء قيمته بعد تعذر مثله لما عرفت من تفسيرهم للقيمي في معقد إجماعهم بما لا يتساوى اجزاؤه و نحو ذلك مما لا ينطبق على نحن فيه و لهذا صحّ (للمصنف) (رحمه الله) القول بكون العبرة في قيمة المثل المتعذّر بقيمته يوم الدفع مع ابدائه لهذا الاحتمال فلا بد لمن يريد الفتوى به من تنقيح مدرك أخر له غير الإجماع المذكور و يتولد مما ذكرناه هنا و ما عرفته منا سابقا من انحصار الفتوى بين الإمامية في القولين الأولين اللذين ذكرهما (المصنف) (رحمه الله) ان ذكر الاحتمالات و ذكر مبانيها مداركها متعبة بلا ثمر خصوصا مع كون ذكر المباني على وجه مجرد الاحتمال من دون طريق الى تعيين شيء منها من الأدلّة الشرعيّة

قوله و ان قلنا ان المشترك بين العين و المثل صار قيميا جاء احتمال الاعتبار بالأعلى من يوم الضمان الى يوم تعذر المثل

هذا الكلام عطف على قوله فإذا صار كذلك فاما ان نقول (انتهى) فيصر ثالثها للاحتمالين المتفرعين على قوله و اما ان نقول بصيرورته قيميّا عند الإعواز و كان الاولى بعد التعبير عن قوله و اما ان نقول بصيرورته قيميا عند الإعواز بما ذكرناه من التعبير ان يذكر هذا الاحتمال على وجه الإجمال في ذيل إجمال الاحتمالين فيقول بعد قوله و اما ان نقول ان المغصوب انقلب قيميّا و اما ان نقول بان المشترك بين العين و المثلي صار قيميّا ثم يأتي بالتفصيل لما أجمله أولا فيعطف بعض الاحتمالات المذكورة على وجه الإجمال على بعض و يعطف بعض التفاصيل على بعض حتى يتسق الكلام على وجه أحسن مما اتى به من التعبير ثم ان المراد بصيرورة المشترك قيميا هو توجه الخطاب الى الغاصب بإعطاء قيمة الحق الذي عليه الصادق على العين و على مثلها فيجري احتمال اعتبار أعلى القيم من يوم غصب العين الى وقت تعذر المثل

قوله و احتمل الاعتبار بالأعلى من يوم الغصب الى دفع المثل

عطف على قوله جاء احتمال الاعتبار بالأعلى من يوم الضمان الى يوم تعذر المثل و هذا هو الوجه الرابع من الوجوه التي ذكرها في التذكرة الا انه كما عرفت في عبارتها التي حكيناها عبر فيها بوقت تغريم القيمة كما انه في (القواعد) عبر بوقت دفع القيمة و (المصنف) (رحمه الله) عبر بدفع المثل و هما متحدان بحسب الصّدق في المفروض الذي هو تعذر المثل نظرا الى ان دفعه عبارة عن دفع

311

قيمته و يحتمل ان يكون عطفا على قوله (رحمه الله) ذكره في (القواعد) ثالث الاحتمالات فان هذا الاحتمال هو الرابع من المحتملات التي ذكرها في (القواعد) (أيضا) و ان لم يصرّح به (المصنف) (رحمه الله) كما صرّح (صح) في الاحتمالات الأخر بمرتبتها في عبارة (القواعد)

[في ضمان المثلي و تحقيق القول فيه]

قوله إذا عرفت هذا فاعلم ان المناسب لإطلاق كلامهم لضمان المثل في المثلي هو انه مع تعذر المثل لا يسقط المثل عن الذمة

لما أشار الى مباني الوجوه أراد بهذا الكلام بيان تعين بعض تلك المباني على مقتضى كلمات الفقهاء (رضي الله عنه) و جريان جملة منها على التحقيق الذي قدم ذكره سابقا في دلالة أدلّة الضمان

قوله و يمكن ان يخدش فيه بان التمكن من المثل ليس بشرط لحدوثه في الذمة ابتداء كما لا يشترط في استقراره استدامة على ما اعترف به مع طرف التعذر بعد التلف

يعنى انه اعترف بعدم اشتراط التمكن من المثل في استقراره في الذمة استدامة و عدم سقوطه لانه اختار ان المعتبر قيمة يوم الإقباض و لو كان التمكن من المثل شرطا في صحة تعلقه بالغاصب كان اللازم سقوط المثل بمجرد تعذره و تحقق الانتقال إلى القيمة و قد قال في جامع المقاصد في شرح قول العلامة (رحمه الله) الخامس القيمة يوم الإقباض ما نصه هذا هو الأصح لأن الواجب هو المثل فإذا دفع بدله اعترف البدلية حين الدفع (فحينئذ) يعتبر القيمة انتهى

قوله و لذا لم يذكر أحد هذا التفصيل في باب القرض

يعنى انه من جهة عدم مدخلية التمكن من المثل في تعلقه بالذمة ابتداء لم يذكر أحد التفصيل بين وجود المثل و عدمه في إقراض المثلي بأن يقولوا انه مع التمكن من المثل في المثلي يثبت في ذمة المقترض مثله و مع عدم التمكن منه يثبت قيمة العين المقترضة بل أطلقوا القول في ذلك و قالوا ان العين المقترضة ان كانت مثلية ثبت مثلها في ذمة المقترض و ان كانت قيمته يثبت قيمتها

قوله و قد يقال على المحقق المذكور ان اللازم مما ذكره انّه لو ظفر المالك بالمثل قبل أخذ القيمة لم يكن له المطالبة و لا أظن أحدا يلتزمه و فيه تأمل

وجه التأمل ان عدم تنجز التكليف بالمثل عليه لا ينافي وجود التكليف به مشروطا بوجوده و معلوم ان لازم ذلك هو انه متى وجد المثل لزمه أداؤه

قوله ثم ان المحكي عن التذكرة ان المراد بإعواز المثل ان لا يوجد في البلد و ما حوله و زاد في (المسالك) قوله مما ينقل عارة منه اليه كما ذكروا في انقطاع المسلم فيه و عن جامع المقاصد الرجوع فيه الى العرف

قال في التذكرة إذا غصب عينا من ذوات الأمثال و تلفت في يده أو أتلفها و المثل موجود فلم يسلمه حتى فقد أخذت منه القيمة لتعذر المثل فأشبه غير المثلي و المراد من الفقدان لا يوجد في ذلك البلد و ما حواليه انتهى و قال في جامع المقاصد و اعلم ان المراد من تعذر المثل ان لا يوجد في ذلك البلد و ما حواليه كذا ذكر في التذكرة و لم يجده ما حواليه و (الظاهر) ان المرجع فيها الى العرف انتهى و لا يخفى عليك ان ظاهر كلام (المصنف) (رحمه الله) هو ان مراد جامع المقاصد هو كون المرجع في الإعواز إلى العرف و لكن عبارة جامع المقاصد صريحة في ان المرجع في حواليه الى العرف لا في نفس الإعواز بدليل قوله و لم يجد ما حواليه مع تأنيث الضمير المجرور فيقوله فيها و لا يتوهم ان الضمير المجرور بلفظ في قوله و عن جامع المقاصد الرجوع فيه الى العرف يعود الى ما حوله لانه يأبى عن ذلك قوله بعد هذا نعم لو انعقد الإجماع على ثبوت القيمة عند الإعواز تعين ما عن جامع المقاصد فان (الظاهر) منه انه لا بد (حينئذ) من الرجوع الى ما فيه من الرجوع الى العرف في الإعواز المأخوذ في معقد الإجماع اللّهم الا ان يقال ان مراده ان يتعين في الإعواز ما عن جامع المقاصد في حواليه

قوله و يمكن ان يقال ان مقتضى عموم وجوب أداء مال الناس و تسليطهم على أموالهم أعيانا كانت أم في الذمة وجوب تحصيل المثل كما كان يجب رد العين أينما كانت و لو كانت في تحصيله مؤنة كثيرة و لذا كان يجب تحصيل المثل بأي ثمن كان

لا يخفى ان مراده بعموم وجوب أداء مال الناس انما هو مثل قوله (عليه السلام) المغصوب مردود بناء على ارادة ما يشمل رد المثل أو القيمة من الرد فيه لا قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى لأنه قد تقدم في كلامه (رحمه الله) انه مسوق لبيان الحكم الوضعي دون التكليفي هذا و في الجواهر بعد ذكر ما عرفت نقله عن التذكرة و (المسالك) و جامع المقاصد مع اضافة نقل نحو ما عن (المسالك) عن الكفاية ما لفظه و فيه انه ليس في شيء من الأدلة العنوان بذلك حتى يرجع اليه بل مقتضى تكليف الغاصب بالأشق لزوم تحصيل المثل و لو من البلاد النائية التي لا ينقل منها عادة ان لم يستلزم التكليف بالمحال و لعله لذا قال في التحرير و غيره لو وجد المثل بأكثر من ثمن المثل فالوجه وجوب الشراء و فيه انه مناف لما دل على نفى الضرر و الحرج في الدين و الخروج عنه في خصوص رد العين المغصوبة لا يقتضي الخروج عنه في مثلها فالمتجه جعل المدار على ذلك انتهى كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) و اختار بعض من تأخر عدم وجوده في البلد و ما ينقل اليه عرفا و عادة استناد الى لزوم الضرر على الغاصب لو كلف بأزيد من ذلك و أخذ الغاصب بأشق الأحوال ليس خبر أو مورده في كلامهم انما هي العين و الى انهم ذكروا مثل ذلك في الدين و لم يفرقوا فيه بين ما لو تعلق بالذمة بسبب مباح أو بسبب محرم و ان المغصوب بعد تلف عينه و تبدله بالمثل دين فيجري عليه حكمه الذي نصوا عليه و يظهر من الاخبار و كلمات الأصحاب ان أمر الدين مبنى على الوسعة دون الكلفة و لهذا لم يحكموا بإجبار المديون على التكسب إذا لم يكن عنده ما يقضى به دينه و لا ببيع داره و كتبه و خادمه اللائقة بحاله و الى قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى بتقريب انه يدل على كون الغاية هو الأداء المتعارف دون غيره و في الأوّل نظر لكونه ضررا قدم هو عليه بنفسه و في الثاني تأمل من جهة افرادهم للغصب بابا أخر و اما الثالث فيمكن المناقشة فيه بأن الأداء لو فرض اختلافه كان المعتبر منه هيهنا ما يفهم عرفا من لفظه و اين هذا من وجوب تحصيل العين المغصوبة التي يجب أداؤها من البلاد البعيدة أو من البلد و ما ينقل اليه عرفا فرع لو تعذر عليه تحصيل المثل لا لتعذر في ذاته بل لتعذر وصوله بخصوصه اليه؟؟ حبس؟؟ و نحوه جرى عليه حكم التعذر الذاتي

قوله نعم ورد في بعض اخبار السّلم انه إذا لم يقدر المسلم اليه على إيفاء السّلم فيه تخير المشترى

الظاهر انه أشار بذلك الى ما رواه في الوسائل في باب انه إذا تعذر وجود المسلم فيه عند الحلول كان له الفسخ و أخذ رأس المال و له ان يأخذ بعضه و رأس مال الباقي من رواية الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يسلم دراهم في خمسة مخاتيم من حنطة أو شعير إلى أجل مسمى و كان الذي عليه الحنطة أو الشعير لا يقدر على ان يقبضه جميع الذي له إذا حل فسال صاحب الحق ان يأخذ نصف الطعام أو ثلثه أو أقل من ذلك أو أكثر و يأخذ رأس مال ما بقي من الطعام دراهم قال لا بأس و الزعفى ان يسلم فيه الرجل دراهم فبعشرين مثقالا أو أقل من ذلك أو أكثر قال لا بأس ان لم يقدر الذي عليه الزعفران ان يعطيه جميع ماله ان يأخذ نصف حقه أو ثلثه أو ثلثيه و يأخذ رأس مال ما بقي من حقه دراهم و لعلّ دلالتها

312

على التخيير انما هي من اشعار قوله (عليه السلام) لا بأس بالطرف الأخر بضميمة موثقة ابن بكير المنقولة في (الحدائق) عن (التهذيب) و (النهاية) قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أسلفه في شيء يسلف الناس فيه من الثمار فذهب زمانها و لم يستوف سلفه قال فيأخذ رأس ماله أو يستنظره و الرواية الاولى و ان كان موردها في عدم القدرة على البعض على خلاف الرّواية الثانية حيث ان ظاهرها عدم وجدان شيء من السلف فيه الا انه يظهر من ملاحظة الاخبار انه لا فرق بين الصّورتين ففيما عن الكافي و (التهذيب) بسند صحيح أو حسن عن عبد اللّه بن سنان قال سئلت أبا عبد اللّه (عليه السلام) الى ان قال أ رأيت ان أو فانى بعضا و عجز عن بعض أ يجوز ان أخذ بالباقي رأس مالي قال نعم ما أحسن ذلك و مثله غيره من الاخبار و قد ظهر مما حررنا ان مراد (المصنف) (رحمه الله) عن عدم قدرة السلم اليه على إيفاء السلم فيه أعم من عدم قدرته على إيفائه بجميعه و عدم قدرته على إيفائه ببعضه كما هو المراد بعنوان الباب في الوسائل كما يكشف عنه ذكره الاخبار العجز عن البعض فيه ثم ان المراد يتخير المشترى في العبارة هو تخيره بين الفسخ و الصّبر و قد وصف هذا القول بالشهرة في (الحدائق) حيث قال المشهور بين الأصحاب انه إذا حل الأجل و تأخر التسليم ثم طالب المشترى بعد انقطاعه و كان بالخيار بين الفسخ و الصبر ثم قال و عن ابن إدريس (رحمه الله) إنكار الخيار في هذه المسئلة تمسكا بان العقد ثابت بالإجماع و آية أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و انه لا دليل على فسخه و يدل على القول المشهور الخبر الخامس عشر من الاخبار المتقدمة يعنى موثق ابن بكير المذكور و هو نص في الباب ثم قال و يؤيده الأخبار المذكورة ثمة الدالة على جواز أخذ رأس المال فإنك قد عرفت انها محمولة على فسخ العقد مع ان ظاهرها ان المسلم فيه غير معدوم يومئذ و ان لم يوجد عند البائع فإذا جاز الفسخ مع وجوده فمع تعذره بطريق اولى و به يظهر بطلان ما ذهب اليه ابن إدريس (رحمه الله) و قيل في المسئلة قول ثالث و هو انه لا يفسخ و لا يصير بل يأخذ قيمته الآن قال في (المسالك) و هو حسن لأن الحق هو العين فإذا تعذرت رجع الى القيمة حيث يتعذر المثل أقول لا ريب ان هذا القول هو الموافق للأصول الشرعية و يؤيده الأخبار المتقدمة الدالة على القول المشهور هنا و بعد بيعه على من هو عليه و أخذ قيمته يومئذ الا ان موثقة ابن بكير المذكورة ظاهرة الدلالة على القول المشهور و المسئلة لا تخلو عن ثبوب الاشكال انتهى كلام صاحب (الحدائق) و قد ذكرناه و ان كان له محل أخر ليفيد بصيرة في المقام

قوله ثم ان في معرفة قيمة المثل مع فرض عدمه اشكالا من حيث ان العبرة بفرض وجوده و لو في غاية العزة كالفاكهة في أول زمانها أواخره أو وجوده المتوسط الظاهر هو الأول

الوجه في احتمال الوجه الثاني هو انه ينبغي ان يكون المعيار هو الوجود المتعارف كما هو الحال في سائر الشرعيات و الظاهر ان ما ذكره (رحمه الله) من استظهار الأول مبنى على القاعدة لأنه لم يعتبر خصوص الوجود العزيز و لا الأعز بل ما هو أعم من ذلك كما يكشف عنه قوله و لو في غاية العزة و وجه انطباقه على القاعدة هو انه لا يخلوا ما ان يقال باعتبار قيمة يوم الدفع كما هو مذهب (المصنف) (رحمه الله) أو يقال باعتبار يوم التعذر كما حكاه عن ابن إدريس و أيهما كان فهو تاريخ معين فان صادف عزة الوجود كان اللازم هو القيمة على حسبها و ان صادف التوسط فكذلك و ان صادف الابتداء فكذلك فتدبر

قوله و اما مع تعذره و كان قيمة المثل في بلد التالف مخالفا لها في بلد المطالبة فهل له المطالبة بأعلى القيمتين أم يتعين قيمة بلد المطالبة أم بلد التلف وجوه

الأوجه ان يقال فيما لو أتلف المال في بلد فصادف المالك المتلف في بلد أخر فلم يوجد مثله فيه و كان قيمته في ذلك البلد مخالفة لقيمة بلد التلف ان العبرة انما هي ببلد المطالبة لكون المثل باقيا في ذمته و للمالك مطالبته به متى شاء و أينما شاء لأن الحق له فيكون المناط قيمة زمان الدفع و مكانه فحال المكان حال الزمان في ذلك فافهم السابع لو كان التالف المبيع فاسدا قيميا

[السابع في أنه لو كان التالف المبيع فاسدا قيميا كان مضمونا بالقيمة]

قوله و يدل عليه الاخبار المتفرقة في كثير من القيميات فلا حاجة الى التمسك بصحيحة أبي ولاد الاتية في ضمان البغل و لا بقوله (عليه السلام) من أعتق شقصا من عبد قوم عليه

يعنى ان الاخبار المتفرقة الواردة في كثير من قيميات المبيعة بالبيع الفاسد على ما هو محل البحث دالة على المطلوب فلا حاجة الى التمسك بالصّحيحة المذكورة و الخبر المذكور مع ورودهما في غير المبيع بالبيع الفاسد المقتضى لتوقف الاستدلال بهما على إثبات الملازمة بين الغصب و عتق جزء العبد و بين المبيع بالبيع الفاسد و في كلامه (رحمه الله) تعريض بصاحب الجواهر (رحمه الله) فإنه قال في كتاب الغصب بعد حكم المحقق بضمان القيمي بقيمته ما نصه نعم تقدم (للمصنف) (رحمه الله) في كتاب القرض ضمان القيمي بمثله و قد سمعت الكلام فيه هناك كما انك سمعت الكلام في المحكي عن ابن الجنيد المحتمل لإرادة ما لا ينافي المشهور منه و على تقديره فلا ريب في ضعفه لظهور صحيح ابى ولاد و غيره مما دل على ضمان الحيوان عبدا كان أو غيره في كون اللازم القيمة و منه نصوص العتق لشريك المقتضى للسراية المأمور فيها بالتقويم فليس للمتلف دفع المثل العرفي إلا مع رضى المالك كما انه ليس للمالك اقتراحه انتهى ثم اعلم ان في بعض أخبار العامة عن عائشة انها قالت صنعت حفصة طعاما فبعثت به الى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) فأخذني إلا فكل فكسرة الإناء و قلت يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) ما كفارة ما صنعت فقال إناء مثل الإناء و طعام مثل الطعام و عن أنس ان امرأة كسرت قصعة أخرى فدفع النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قصعة الكاسرة الى صاحبه المكسورة و حبس المكسورة في بيته و اخبار عنهما صاحب الجواهر (رحمه الله) بعدم حجيتهما عندنا مع إمكان حمل الأخير منهما على علم النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) بحصول الرضا منهما بل و إمكان حمله و الأول على تحقق المثلية فيهما و غير ذلك انتهى

قوله و على تقديره ففي شموله لصورة يتسر المثل من جميع الجهات تأمّل خصوصا مع الاستدلال عليه كما في (الخلاف) و غيره بقوله (تعالى) فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدىٰ عَلَيْكُمْ

الضمير المضاف اليه لفظ التقدير يعود إلى الإجماع يعنى انه على تقدير ثبوت الإجماع و وجه التأمل في شمول الإجماع لصورة يتسر المثل من جميع الجهات هو انّ الإجماع دليل لبى و القدر المتيقن منه صورة عدم تيسر المثل من جميع الجهات (صح) و وجه الخصوصية المشار إليها في كلامه (رحمه الله) هو انه لا بد من ان يكون مؤدى الدليلين اللذين يستدل بهما على مطلوب واحد واحدا ففيما نحن فيه إذا استدل على ما استدل عليه بالإجماع من ثبوت القيمة في القيمي بالآية (أيضا) و ليس مؤدها الا ثبوت القيمة بعد عدم تيسر المثل كان معقد الإجماع (أيضا) ذلك لما عرفت

قوله و كيف كان فقد حكى الخلاف في ذلك عن الإسكافي

قال في كتاب الغصب من غاية المراد أطبق الأصحاب على ضمان المثلي و هو ما يتساوى اجزاؤه في الحقيقة النوعية بالمثل الا ما يظهر من كلام ابن الجنيد فإنه قال ان أتلف المغصوب دفع قيمته أو مثله ان رضى صاحبه و لعله يريد به القيمي فان في ضمانه بالمثل خلافا و ظاهر مذهب الشيخ المحقق نجم الدين في بعض المواضع ضمانه بالمثل و المشهور خلافه انتهى و لا يخفى ان كلام ابن الجنيد (رحمه الله) ليس في خصوص المقبوض بالبيع الفاسد بل في المغصوب فعد

313

(المصنف) (رحمه الله) ما حكى عنه خلافا في هذه المسئلة مبنى على اتحاد حكمها و حكم الغصب ثم ان ظاهر الكلام المحكي ان المغصوب (مطلقا) سواء كان مثليا أم قيميّا يضمن بالقيمة ثم ان ضمانه بالمثل منوط برضى صاحبه فإن رضي أخذ المثل و الا فلا و هذا مبنى على جعل قوله ان رضى قيدا في المثل وحده دون ما قبله و على هذا التفسير لا يصحّ عد ابن الجنيد (رحمه الله) مخالفا في ضمان التالف القيمي بالقيمة كما صنعه (المصنف) (رحمه الله) لأن إعطاء المثل في القيمي إذا رضى به المالك مما لا ينكره أحد فلا يكون مخالفا الا في ضمان المثلي بالمثل و هو خارج عما عليه كلام (المصنف) (رحمه الله) هنا و يحتمل ان مراده (رحمه الله) بالمغصوب خصوص القيمي كما احتمله الشهيد (رحمه الله) و هذا يحتمل وجهين أحدهما ان يكون قوله ان رضى قيدا في المثل وحده و على هذا تكون فتواه موافقة للمشهور و لا يصحّ عده مخالفا (أيضا) لهذه الجهة و الظاهر ان احتمال صاحب الجواهر (رحمه الله) موافقة قول ابن الجنيد (رحمه الله) لقول الأكثر مبنى على هذا الوجه و ثانيهما ان يكون قوله ان رضى قيدا في المثل و ما قبله الذي هو القيمة و يصير (حينئذ) حاصل الكلام ان المغصوب القيمي يضمن اما بالقيمة و اما بالمثل و التخيير في تعيين شيء منهما الى المالك و (حينئذ) يكون مخالفا للأكثر من جهة حكمهم بتعين القيمة و لكن لا يخفى ان مخالفة قوله لقول الأكثر على هذا البيان مغايرة لمخالفة قول الشيخ (رحمه الله) و المحقق (رحمه الله) للأكثر حيث انهما يقولان بتعين ضمان القيمي بالمثل كما ستعرف (إن شاء الله) (تعالى)

قوله و عن الشيخ و المحقق في الخلاف و الشرائع في باب القرض

قال في الباب المذكور من الشرائع و ما يتساوى اجزاؤه يجوز قرضه و يثبت في الذمة مثله كالحنطة و الشعير و الذهب و الفضة و ما ليس (كذلك) يثبت في الذمة قيمته وقت التسليم و لو قيل يثبت مثله (أيضا) كان حسنا و في الجواهر بعد هذه العبارة ما نصه لانه يعنى المثل أقرب الى الحقيقة من القيمة و لما روى عن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) انه أخذ قصعة أمرية كسرت قصعة (صح) اخرى و حكم بضمان عائشة إناء حفصة و طعامها بمثلهما و انه استقرض بكر أورد باذلا تارة و اخرى استقرض بكرا فأمر برد مثله و في الدّروس و (المسالك) نسبة (المصنف) (رحمه الله) الى الميل اليه بل في الثاني انه لعلّه افتى به الا انه لا يعلم به قائل من أصحابنا كما يشعر به قوله و لو قيل كما ان في الأول و تظهر الفائدة فيما إذا وجد مثله من كل الوجوه التي لها مدخل في القيمة و دفعه الغريم فعلى الثاني يجب القبول و على المشهور لا يجب و فيما إذا تغيّرت أسعار؟ القيمي فعلى المشهور المعتبر قيمته يوم القبض و على الأخر يوم دفع العوض و هو ظاهر الخلاف قلت و منه يظهر موافقته (للمصنف) (رحمه الله) كما ان ظاهر (التذكرة) ذلك (أيضا) و ان كان لم يطلق كإطلاق (المصنف) (رحمه الله) قال مال القرض ان كان مثليا وجب رد مثله إجماعا و ان لم يكن مثليا فان كان مما ينضبط بالوصف و هو ما يصح السّلف فيه كالحيوان و الثياب فالأقرب انه يضمن بمثله من حيث الصورة لأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) استقرض بكرا إلى أخر ما سمعت و هو قول أكثر الشافعية و قال بعضهم انه يعتبر في القرض بقيمته لانه لا مثل له فإذا استقرضه ضمنه بقيمته كالإتلاف الى ان قال بعد ان فرق بين القرض و الإتلاف و اما ما لا يضبط بالوصف كالجواهر و ألفي و ما لا يثبت السّلف فيه يثبت قيمته و هو أحد قولي الشافعية هذا ما افاده صاحب الجواهر (رحمه الله) أقول لا يخفى على من لاحظ ما عدا الأول من اولة القول بثبوت المثل في القيمي المقترض و تأمل في عبارة التذكرة انه يظهر من أرباب القول بثبوت المثل في القيمي في القرض إثبات الفرق بين الغصب و بين القرض و انه لا مجال لإجراء حكم أحدهما على الأخر فتدبر

قوله كما ذكروا ذلك احتمالا في مسئلة تعيين القيمة متفرعا على هذا القول

يعني انهم ذكروا وجوب قيمة يوم دفعها احتمالا متفرعا على القول بكون القيمة عند القائلين بالمثل في القيمي بدلا عن المثل و المراد بمسئلة تعيين القيمة هي المسئلة التي وقع فيها البحث عن ان الواجب هل هو قيمة يوم القبض أو قيمة يوم التلف أو أعلى القيم أو غير ذلك

قوله و لو من جهة ان ظاهر كلمات هؤلاء

يعني الشيخ (رحمه الله) و المحقق (رحمه الله) و من وافقهما في لزوم المثل في القيمي

قوله ثم انهم اختلفوا في تعيين القيمة في المقبوض بالبيع الفاسد فالمحكي في غاية المراد عن الشيخين و أتباعهما تعين قيمة يوم التلف

ذكر في غاية المراد في المسئلتين قولين فإنه قال في شرح قول العلامة (رحمه الله) في كتاب البيع و المقبوض بالسوم أو البيع الفاسد مضمون على المشترى الى قوله و لو تلف فالقيمة يوم التلف على راى ما نصه نازع ابن إدريس (رحمه الله) في باب البيع في ضمان المقبوض بالسوم و وافقه شيخنا (المصنف) (رحمه الله) في (المختلف) محتجا بالأصل و بان المشتري إنما أخذه اختيارا ليشتريه ان استصلح و الا رده فهو كالأمانة و زعم في باب الغصب انه مضمون و هو اختيار شيخنا في أكثر كتبه و أكثر الأصحاب لعموم قوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت حتى تؤدى و امّا الضمان بالقيمة يوم التلف فان الواجب العين و انما تحقق الانتقال إلى القيمة بالتلف و تفاوت الرغبات خارج عن عين المضمون و هو مذهب الشيخين و أتباعهما و خالف ابن إدريس (رحمه الله) فبذلك و أوجب ضمانه بأعلى القيم من حين القبض الى حين التلف لانه كالغاصب المأخوذ بأشق الأحوال و لان العين مضمونة في جميع الأوقات السالفة و قد فوت ذلك على المالك انتهى و اختار المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) قولا ثالثا و هو ضمانه بقيمته يوم قبضه و ربما نسب هذا القول إلى الأكثر و اختار الشهيد الثاني (رحمه الله) في (المسالك) رابعا و هو ضمانه بأعلى القيم من حين القبض الى حين التلف بشرط ان يكون التفاوت بسبب نقص في العين أو زيادة فلو كان باختلاف السوق لم يضمن و اعتبر قيمة العين يوم التلف لكن لا يخفى ان هذا القول انما يصير تفصيلا في المسئلة لو كان محلّ النزاع أعم من المسبّب من الزيادة و النقيصة العينين و من المسبّب من اختلاف السوق و ان خصّ بما كان مسبّبا من اختلاف السوق كان هذا عين القول و حكى بعض من تأخر قولا خامسا و هو ضمان قيمة يوم الأداء و في الجواهر عن المقنعة و النهاية و عن ابى الصلاح و القاضي في خصوص ما لو كان فساد البيع بسبب احالة تعيين الثمن الى حكم أحدهما ضمان قيمة يوم البيع الا ان يكون الحاكم هو المشترى فيحكم على نفسه بالأكثر فيجب (حينئذ) أو يكون الحاكم هو البائع فيحكم بالأقل فيتبع حكمه (حينئذ) ثم ان مقتضى الأصل كما قد يترائى من بعضهم هو الاشتغال كما هو مستند من قال بضمان أعلى القيم نظرا الى حصول الاشتغال قطعا و لا يحصل اليقين بالبراءة الّا بدفع أعلى القيم (صح) و لكن التحقيق ان مقتضى الأصل انما هو البراءة لدوران الأمر بين الأقل و الأكثر المستقلين الّذي حكمه ذلك كما قرر في محله فليس حال ما نحن فيه الا من قبيل حال الديون الدائر أمرها بين الأقل و الأكثر و من هنا قلنا في باب القضاء ان حكم جماعة من الأصحاب بان من علم ان عليه فوائت لا يعلم عددها يلزمه الإتيان بما يتيقن معه بالبراءة كما هو المشهور بل ادعى عليه الإجماع ليس على وفق القاعدة كما ان حكم بعضهم بان من علم يتعلّق الزكاة بماله و قد نسي مقدارها يلزمه إعطاء ما يتيقن معه بالبراءة مخالف لما ذكرناه من القاعدة فالأصل

314

المعوّل عليه في المقام انما هي البراءة و مقتضاها لزوم أقل القيم من حين القبض الى حين التلف الا انه يبقى هنا اشكال و هو ان لزوم ذلك دون غير مخالف لجميع الأقوال المأثورة في المسئلة و يمكن دفعه بان تحقق الإجماع المركب المستلزم لنفى ما عدا ما تحقق من الأقوال ممنوع لاستناد كل منهم الى وجه اعتباري ناظر إلى إثبات مدعاه و لم يعلم من حالهم نفى ما زاد على الأقوال و يمكن دفعه بوجه أخر على تقدير تحقق الإجماع المركب بما ذهب اليه صاحب الفصول (رحمه الله) من انه إذا لزم من العمل بالأصول مخالفة العلم الإجمالي فلا بأس بذلك لكونه حكما ظاهريا و مخالفة الحكم الظاهري للواقع و لما هو المعلوم إجمالا غير قادحة و إذ قد عرفت ذلك فلنذكر حجج الأقوال و ان تقدم الإشارة إلى بعضها فحجة القول الأول ان الضمان قبل التلف أمر معلّق لا تنجز له و انما يتنجز بالتلف و حجة القول الثاني انه كما ان أصل العين مضمون (كذلك) زيادتها و مقتضى الاشتغال وجوب الخروج عن العهدة و ان القابض للمبيع بالبيع الفاسد كالغاصب المأخوذ بأشق الأحوال و حجة القول الثالث ان يوم القبض وقت تعلق الخطاب بالخروج عن العهدة و ان كان ترتيبا فالقبض هو السّبب في الضمان فيعتبر وقته مضافا الى خبر البغل المتمّم بعدم القول بالفصل بين مورده الذي هو الغصب و بين المقام و حجة القول الرابع ان المضمون لا بد و ان يكون أمرا متأصلا متسلطا عليه و ليس إلا الزيادة العينية و اما زيادة القيمة السّوقية فهي أمر اعتباري فلا تضمن مضافا الى دعوى دلالة خبر البغل عليه و حجة القول الخامس ان ضمان القيمي انما هو بالمثل ابتداء و بتعذره عند الأداء ينتقل إلى القيمة فلا بد من اعتبار وقت الانتقال إلى القيمة و حجة القول السادس اما على ضمان قيمة يوم البيع في غير ما استثناه القائل فهي حجة القائل بلزوم قيمة يوم القبض و اما على وجوب اتباع حكم المشترى لو حكم بالأكثر و اتباع حكم البائع لو حكم بالأقل فهي ان الحق إليهما فيصح منهما البذل و العفو

[في بيان محل الاستشهاد من صحيحة أبي ولاد]

قوله اما بإضافة القيمة المضافة إلى البغل اليه ثانيا يعني قيمة يوم المخالفة للبغل فيكون إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة

محصّل هذا الوجه بعد ملاحظة حكمه بإضافة القيمة المضافة إلى البغل الى يوم المخالفة ثانيا و ملاحظة ان إسقاط حرف التعريف من البغل للإضافة هو ان المضاف و المضاف اليه بعد اعتبار إضافة الأول إلى الثاني أضيفا إلى يوم المخالفة و ليس في كلمات النحاة تنبيه على ذلك بل هو مما يأباه كلماتهم كما لا يخفى على من تدبر

قوله و اما ما احتمله جماعة من تعلق الظرف بقوله نعم القائم مقام قوله (عليه السلام) يلزمك يعنى يلزمك يوم المخالفة قيمة بغل

فيكون هذه الفقرة على هذا التقدير ساكتة عن تعيين كون قيمة البغل عبارة عن قيمة يوم المخالفة أو قيمة يوم التلف أو على القيم أو غير ذلك و انما تفيد ثبوت اللزوم في يوم المخالفة من دون افادة أمر أخر ثم ان الاحتمال المذكور مما قد عثرت عليه في مفتاح الكرامة و الجواهر و المستند و غيرها قال في الجواهر بعد الاستدلال في الصّحيح لضمان قيمة يوم الغصب ما لفظه و فيه احتمال تعلق الظرف بالفعل المدلول عليه بقوله نعم فيكون المراد يلزمك يوم المخالفة قيمة البغل لو عطب بمعنى انها تتعلق بك ذلك اليوم و (حينئذ) فحدّ القيمة غير مبين فيه فلا ينافي ما دل على القيمة يوم التلف الذي عرفت انه الأصحّ انتهى

قوله لأن السائل إنما سئل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان كما يدلّ عليه أ رأيت لو عطب البغل أو نفق أ ليس كان يلزمني فقوله نعم يعنى يلزمك بعد التلف بسبب المخالفة قيمة بغل يوم خالفته

أما دلالة قوله أ ليس كان يلزمني ذلك على علم المتكلم الذي هو السائل باللزوم عليه بعد التلف بسبب المخالفة فلا اشكال فيه لان مثل هذا الاستفهام انما يقع في مقام العلم بثبوت ما تعلق به أداة النفي الواقعة في خير الاستفهام كما في قوله (تعالى) أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ و لهذا يقع هذا النوع من الاستفهام في مقام التقرير و اما ان السائل قد سئل عما يلزمه بعد التلف بسبب المخالفة بعد العلم بكون زمان المخالفة زمان حدوث الضمان (فالظاهر) انه انما استفاده (رحمه الله) من كون أصل اللزوم معلوما فلا يبقى وجه للسئول عنه فيجب صرفه إلى السؤال عما يلزم من حيث ان السؤال عن أصل اللزوم بعد العلم به لغو و (لكنك) خبير بان لفظ السؤال لا يساعد على تعلقه بما يلزم أصلا و انما هو مسوق لاستعلام أصل اللزوم ضرورة ان الضمير في قوله ا ليس كان يلزمني يعود الى البغل و المعنى أ لم يكن البغل يلزمني على تقدير التلف بسبب المخالفة و معنى لزومه انما هو لزوم قيمته فيصير السؤال سؤالا عن نفس لزوم القيمة لا سؤالا عن تعيين اللازم لعدم دلالة اللفظ على ذلك أصلا نعم لو كان الفاعل للفعل ما وقع التردد بين كونه فاعلا و بين كون غيره فاعلا كما لو قال ا قام زيد أو أ ليس قام زيدا فيما لو كان أصل صدور القيام من فاعل مسلما و كما في قوله (تعالى) أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ الواقع في مقام التقرير بكون اللّه تعالى هو ربهم بعد معلومية ان لهم ربا صح توجه الاستفهام على وجه التقرير أو غيره الى تعيين الفاعل و لكن ليست عبارة الحديث على هذا المنوال إذ ليس هناك تردد بين لزوم البغل بالمعنى الذي عرفت و بين لزوم غيره نعم لو كان السائل قد قال أ ليس كان يلزمني قيمة يوم المخالفة كان مجال لان يقال ان السؤال عن تعيين اللازم من جهة تردده بين قيمة يوم المخالفة و بين قيمة يوم التلف و غيرهما و كذا لو كان السائل قد قال فما الذي يلزمني كان سؤالا عن اللازم ثم ان النكتة في التعبير في السؤال بعبارة العالم بالمسئول عنه هو ان السائل لما كان قد سمع من أبي حنيفة قوله فخالف فركبه الى النيل و الى بغداد فضمن فيه البغل و أسقط الكراء و قد سمع من المعصوم (عليه السلام) بطلان حكمه بسقوط الكراء وقع في نفسه وسوسة من نفس ضمان البغل فأراد تقرير ما قد علم سابقا بعد حصول الوسوسة في قلبه فسئل بقوله ا ليس كان يلزمني و غاية ما في الباب ان المعصوم (عليه السلام) أفاد تقرير المسول عنه مع زيادة التفضل ببيان تعيين القيمة الّتي تلزمه و لا مانع منه عقلا و لا عرفا كما لا يخفى على من له خبرة بأساليب الكلام و لكن لا يخفى عليك انا لا ننكر مع ذلك ظهور كون قوله (عليه السلام) يوم خالفته قيدا للقيمة و النكتة في تنكير لفظ بغل المضاف اليه لفظ القيمة هو الجريان على المتعارف من ان القيمة للشيء التالف أو غيره انما يستعملها أهل الخبرة بقياسه إلى أمثاله و الا فالشيء الخاص الذي هو جزئي حقيقي ليس له قيمة مرسومة مقررة عندهم و محصّل المقال في هذا المقام هو ان الفقرة المذكورة من الحديث ظاهرة فيكون المناط هي قيمته يوم المخالفة الذي هو يوم الغصب و هذا هو الذي يجب الأخذ به لكونه مدلول الخبر الصّحيح الظاهر في المطلوب و قد افتى به جماعة بل قيل ان القائلين بهذا القول هم الأكثر و لا عبرة بالقواعد العامة مع ورود الخبر

315

الخاص و هو ظاهر

قوله و قد أطنب بعض في جعل الفقرة ظاهرة في تعلّق الظرف بلزوم القيمة عليه و لم يأت بشيء يساعده التركيب اللغوي و لا المتفاهم العرفي

وجه تخصيص هذا البعض بالذّكر هو عدم اكتفائه بالاحتمال و بناؤه على دعوى الظهور و الا فهو (أيضا) يقول بتعلّق الظرف بقوله (عليه السلام) نعم المفيد لمؤدي قولنا يلزمك كما حكى احتماله عن جماعة و هو المراد بقول (المصنف) (رحمه الله) تعلق الظرف بلزوم القيمة عليه مضافا الى انهم قد استفادوا منه بعد تعلقه بيلزمك كون الفقرة ساكتة عن تعيين القيمة بخلافه فإنه استفاد منها بعده الدلالة على قيمة يوم التلف و أراد (رحمه الله) بقوله و لم يأت بشيء (انتهى) نفى مساعدة الألفاظ اللغوية المرتبة في السّمع بحسب الدّلالة اللغوية على ظهور الفقرة المزبورة في تعلق الظرف بقوله (عليه السلام) نعم و نفى مساعدة مساق الكلام بحسب مذاق أهل التعارف عليه و (الظاهر) انه (رحمه الله) أشار بهذا الكلام الى ما حكاه صاحب الجواهر (رحمه الله) في كتاب الغصب بقوله نعم ربما قيل انه ظاهر فيه يعني في تعلق الظرف بالفعل المدلول عليه بقوله (عليه السلام) نعم باعتبار ان سؤال الراوي عن الضمان بسبب التلف لا بسبب المخالفة فمطابقة الجواب للسؤال يقتضي ان يكون المراد منه نعم يلزمك يوم خالفته هذا الحكم يعنى يصير حكمك في هذا اليوم لزوم قيمة البغل ان هلك و المتبادر منه بعد معلوميّة انه ليس المراد قيمته ميتا هو أقرب زمان حيوته الى الموت و هو ما قبل التلف و هذا معنى قيمة يوم التلف بل لعلّ تنكير بغل يومي الى ذلك (أيضا) إذ هو إشارة إلى أنه يفرض الميت حيا و الا فلا ريب انه لا يكفي قيمة أي بغل يكون و هو مناسب لكون الظرف لغوا متعلّقا بقوله يلزمك و الا فلا يناسب التنكير إذ البغل يوم المخالفة حي بالفرض و الاستصحاب فالأولى تعريفه انتهى

قوله فإن إثبات قيمة يوم الاكتراء من حيث هو يوم الاكتراء لا جدوى فيه لعدم الاعتبار به

قال في الجواهر ان الظاهر بناء قوله (عليه السلام) حين اكترى على غلبة عدم التفات في هذه المدّة القليلة و على الاستصحاب و الا فلم يقل أحد باعتبار القيمة حين الكرى كما هو واضح

قوله لان الظاهر من صدر الرواية انه خالف المالك بمجرد خروجه إلى الكوفة

هكذا في النسخ المتداولة و الصواب من الكوفة كما في بعض النسخ و يمكن توجيه ما في النسخ المتداولة بتعليق الظرف اعنى قوله إلى الكوفة بقوله خالف و لكنه لا يخلو مع ذلك عن خرازة من جهة كون ذكر الظرف مستغنى عنه بحسب الغرض المسوق له هذا الكلام فافهم

قوله فالمعنى عليك أداء الأرش يوم رد البغلة

لما كان تعلق الظرف بقوله عليك محتملا لمعنى أخر و هو ان يراد انه يلزمك قيمة ما بين الصّحة و العيب يوم رد البغلة فيكون اليوم ظرفا لنفس حدوث اللزوم و كان ذلك غير صحيح من جهة ان الضمان المعلق عليه يثبت بالمخالفة و لضمان المحقق يثبت بحدوث العيب فلذلك فرع على تعلق الظرف بقوله عليك ان المعنى يلزمك أداء الأرش يوم رد البغلة

قوله فهذا الاحتمال من هذه الجهة ضعيف (أيضا)

يعنى ان احتمال كون قوله (عليه السلام) يوم تردده قيدا للعيب ضعيف كضعف احتمال كونه قيدا للقيمة

قوله و حيث عرفت ظهور الفقرة السابقة عليه و اللاحقة له في اعتبار يوم الغصب تعين حمل هذا (أيضا) على ذلك

اما ظهور الفقرة السابقة عليه و هي قوله (عليه السلام) نعم قيمة بغل يوم خالفته في اعتبار قيمة يوم الغصب فظاهر و اما ظهور الفقرة اللاحقة له و هي قوله (عليه السلام) أو يأتي صاحب البغل بشهود يشهدون ان قيمة لبغل يوم اكترى كذا و كذا فلما أشار إليه من ان إثبات قيمة يوم الاكتراء من حيث هو يوم الاكتراء (صح) لا جدوى فيه لعدم الاعتبار به حيث ذكر (رحمه الله) هذا الكلام على وجه إرسال المسلمات و ضم اليه ان الظاهر من صدر الرواية هو اعتبار قيمة يوم المخالفة و محصّل ذلك كله ظهور الفقرة اللاحقة بواسطة القرينة الخارجية التي هي مسلمته عدم اعتبار قيمة يوم الاكتراء و القرينة الداخلة التي هي انضمام صدور الرواية إليها فيما ذكر

قوله نعم يمكن ان يوهن ما استظهرناه من الصّحيحة بأنه لا يبعد ان يكون مبنى الحكم في الرواية على ما هو الغالب في مثل مورد الرواية من عدم اختلاف قيمة البغل في مدة خمسة عشر يوما

ما استظهره (رحمه الله) عبارة عن كون المناط هو قيمة يوم المخالفة و مراده (رحمه الله) بالحكم هو حكمه (عليه السلام) باعتبار قيمة يوم الاكتراء و غرضه من إثبات الموهن تطبيق الصّحيحة على القول باعتبار قيمة يوم التلف من حيث ان التلف ان فرض وقوعه كان واقعا في أثناء المدة المذكورة و يحتمل ان يكون مراده (رحمه الله) بالحكم في الرواية هو الحكم الذي قصد الامام (عليه السلام) بيانه فيها و هو الحكم باعتبار قيمة يوم التلف و يحتمل ان يكون مراده (رحمه الله) بالحكم هو حكمه باعتبار قيمة يوم المخالفة و محصّل مراده (رحمه الله) على الاحتمالات هو انه وقع التعبير فيها عن يوم التلف بيوم الاكتراء لغلبة عدم اختلاف القيمتين و أنت خبير بان ما نفى عنه البعد من قبيل الاحتمالات البعيدة التي لا يصادم الظهور سريانها و لا يعدل عن الظاهر إليها إلا لصارف قوى و لا يعبأ بمجرد قيامها و انّى له ذلك

قوله و يكون السر في التعبير بيوم المخالفة دفع ما ربما يتوهمه أمثال صاحب البغل من العوام ان العبرة بقيمة ما اشترى به البغل و ان نقص بعد ذلك

لا يخفى ان ما ذكره من السر لا يصلح لان يكون سرا في مثل ما نحن فيه مما وقع فيه العدول عن أحد المتباينين الى الأخر مع صلاحية المعدول عنه للغرض الذي زعم (رحمه الله) انه وقع العدول لأجله ألا ترى ان وقع توهم أمثال صاحب البغل من العوام من كون المناط هو الثمن الذي اشترى به البغل كان يحصل بان يقول (عليه السلام) نعم قيمة يوم التلف فيبقى العدول خاليا عن النكتة بل يكون مما لا يسوغ لتضمنه الأعزاء بالجهل من جهة عدم قيام قرينة مفيدة للمراد فليس ما ذكره الأمثل أن يقول المتكلم عند مجيئ زيد في الواقع و الاخبار عنه جاء عمر و لدفع توهم المخاطب أن الجائي بكر مضافا الى انه لو كان غرضه (عليه السلام) دفع توهم ان المناط هو الثمن لاكتفى بقوله نعم قيمة البغل من دون ذكر التقييد بقوله يوم خالفته بناء على ان الثمن عبارة عما وقع عليه العقد و القيمة عما يساويه الشيء عند أهل الخبرة مع ان الاكتفاء بقيمة البغل أو ما يساويها في الإفادة مما هو من قبيل الاكتفاء عن الخاص بالعام و ان كان ممن هو جائز مرتبة الصلاحية الا ان إثبات الوقوع يحتاج الى دليل من قرينة مقام أو سياق عبارة يقتضي ان الغرض المسوق له الكلام انما هو ما يتأدى باللفظ العام الا ترى انه يصلح ان يقول من يريد من مخاطبة إحضار زيد جئني بإنسان لكن إثبات ان غرضه إحضار خصوص زيد دون مطلق من كان من افراد الإنسان من عمرو أو بكر أو غيرهما يتوقف على قيام دليل يدل على ذلك و الا لكان المأمور به هو إحضار مطلق الإنسان في ضمن اى فرد كان بدلالة الظاهر

قوله و يؤيده التعبير عن يوم المخالفة في ذيل الرواية بيوم الاكتراء فان فيه اشعارا بعدم عناية المتكلم بيوم المخالفة من حيث انه يوم المخالفة

التقييد بالحيثية للإشارة إلى ان العناية بيوم المخالفة انما هي من حيث انطباقه على عنوان أخر و لا يصح ان يكون مراده (رحمه الله) بذلك العنوان خصوص يوم الاكتراء

316

لما عرفت في كلامه (رحمه الله) من عدم الجدوى فيه لعدم الاعتبار به فلا بد من ان يكون مراده به خصوص يوم التلف و (حينئذ) نقول انه يلزمه (رحمه الله) الالتزام بأن شيئا من التعبيرين اعنى التعبير بيوم المخالفة و التعبير بيوم الاكتراء غير مسوق لبيان ما هو الواقع و ان مجرد الاختلاف في التعبير دليل على عدم اعتنائه بشيء منهما و لا يخفى ما فيه إذ لا وجه لتطويل الكلام و التعبير بعبارات متعددة كلها غير مطابقة للواقع الا ان يكون هناك داع قوى من خوف أو تقية أو غير ذلك أو تقوم هناك قرينة صارفة عن الظاهر معينة لغيره و هذا بخلاف ما لو قلنا بأنّ التعبير بيوم المخالفة لبيان الواقع على ما هو الأصل في الكلام و ان العدول عنه الى التعبير بيوم الاكتراء في ذيل الرواية باعتبار غلبة انطباقه على ما ذكر أو لا اعتمادا على كونه قرينة على المراد بما ذكر أخيرا و ان النكتة في التعبير بيوم الاكتراء عن يوم المخالفة انما هي كون القيمة في الأول مرآة لاستعلام القيمة في الثاني فإن ذلك مما لا يأبى عنه طريقة أهل التعارف و أهل المحاورات و انه مما يظهر منه المطلوب على وجه معتبر عندهم معول عليه لديهم و لا ريب في حجية مثل ذلك

قوله الا ان يقال ان الوجه في التعبير بيوم الاكتراء مع كون المناط يوم المخالفة هو التنبيه على سهولة إقامة الشهود على قيمته في زمان الاكتراء لكون البغل فيه غالبا بمشهد من الناس و جماعة من المكارين بخلاف زمان المخالفة من حيث انه زمان المخالفة فتغيير التعبير ليس لعدم العبرة بزمان المخالفة بل للتنبيه على سهولة معرفة القيمة بالبينة كاليمين في مقابل قول السائل و من يعرف ذلك (فتأمل)

ما ذكره (رحمه الله) في مقام الاستدراك مبنى على ما عرفت من غلبة مطابقة قيمة يوم الاكتراء لقيمة يوم المخالفة و امّا الأمر بالتأمل فالظاهر أنه للإشارة الى ما سيذكره (رحمه الله) من عدم انطباق تكليف صاحب البغل بالبينة مع حكمه (عليه السلام) بتوجه اليمين اليه على القاعدة و عدم انطباق توجيه اليمين الى المدعى الذي هو صاحب البغل قبل ذلك فيكون الغرض من الأمر بالتأمل تفطن الناظر في الكتاب إلى الإشكال من أوّل الأمر و عدم توهم الاعتراف بصحة ما ذكره (رحمه الله) في مقام الاستدراك و يحتمل ان يكون الأمر بالتأمل للإشارة إلى توهين ما ذكره من تشريك اليمين للبينة في السّهولة من جهة انه لا سهولة فيما تضمنته الصحيحة من اليمين على الكيفية المقررة فيها من توجيه اليمين ابتداء الى صاحب البغل و انه ان ردها الى الغاصب كانت وظيفته و (حينئذ) لا قبل ذلك و ان كان في أصل جعل اليمين على وجه الكلى تسهيل من جهة كونها فاصلة للخصومة رافعة للنزاع الا ان ذلك أمر خارج عما نحن فيه راجع الى التسهيل من جهة رفع الخصومة و ذلك لانّه لا فرق فيما نحن فيه من جهة السّهولة بين ان يكون الحلف أولا وظيفة للمالك و يصير ثانيا وظيفة للغاصب بسبب رده اليه و بين العكس و يحتمل بعيدا ان يكون الأمر بالتأمل للإشارة الى ان مبنى ما ذكر في مقام الاستدراك على غلبة مطابقة قيمة يوم الاكتراء لقيمة يوم المخالفة و لازم الغلبة وقوع التخلف نادرا فيلزم الإغراء بالجهل بالنسبة إلى مورد التخلف و لكنه يندفع بأن أصل المناط مذكور في الصحيحة أو لا صريحا فيكون قرينة على ان المراد بيوم الاكتراء (أيضا) هو ذلك

قوله و اما على تقدير كون العبرة في القيمة بيوم المخالفة فلا بد من حمل الرواية على ما إذا اتفقا على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة أو اللاحق له و ادعى الغاصب نقصانه عن تلك يوم المخالفة و لا يخفى بعده

اما انطباق الصورة الاولى اعنى ما إذا اتفقا على قيمة اليوم السابق على يوم المخالفة و ادعى الغاصب نقصانه و نزوله عن تلك (فظاهر) لان النقصان و النّزول أمر حادث مخالف للأصل فقول منكره الّذي هو المالك موافق للأصل فيكون الحلف وظيفته و امّا انطباق الصّورة الثانية أعني ما إذا اتفقا على قيمة اليوم الأحق ليوم المخالفة و ادعى الغاصب نقصانه (صح) عن تلك يوم المخالفة فلان محصّل قول الغاصب هو انه كانت القيمة يوم المخالفة ناقصة فزادت و الزيادة و التغير عما كان عليه أمر حادث و مقتضى الأصل عدمه فيكون قوله مخالفا للأصل و محصّل قول المالك هو ان القيمة مستمرة على ما كانت عليه لم يتحقق زيادة و يكون قوله موافقا للأصل فيكون هو المنكر الذي وظيفته الحلف بحسب الأصل هذا و لكن لا يخفى عليك ان منشأ البعد فيما ذكره (رحمه الله) انما هو فرض اتفاقهما على خصوص اليوم السابق على يوم المخالفة أو اليوم اللاحق فيمكن توجيه الرواية بما لا بعد فيه بل هو الظاهر منها بان يقال ان من المعلوم ان الغالب الشائع هو معلومية قيمة البغل في الأيام التي تنتهي إلى يوم المخالفة و تفترق مقترن به فيما بين المكارين و غيرهم ممن شاهد البغل بل ذلك أمر مطرد و يحصل من اتصال الغاصب بهم و مقاولتهم اتفاق بينه و بين المالك على قيمة البغل في تلك الأيام فإذا أراد التخلف فلا بد و ان يدعى النقصان الطاري المخالف للأصل فيكون المنكر هو المالك و ما قررناه لك أمر معتاد متعارف بين الناس و لا بعد فيه ثم انك إذا أحطت خبرا بما ذكرناه في ذيل كلمات (المصنف) (رحمه الله) علمت ان الصحيحة ظاهرة الدلالة على كون العبرة بيوم الغصب و معلوم انها حجة بحسب السند و قد وقع الإفتاء بما تضمنته فيكتب جماعة كالمقنعة و المراسم و موضع من المبسوط و النهاية و النافع و كشف الرموز و عن الإرشاد الميل اليه و عن التحرير انه اختيار الأكثر فلا وجه لطرح الرواية الصّحيحة الظاهرة الدلالة و الاجتهاد في مقابلتها فتدبر

قوله و أضعف من ذلك الاستشهاد بالرواية على اعتبار أعلى القيم من حين الغصب الى التلف كما حكى عن الشهيد الثاني (رحمه الله)

قال في الجواهر بعد حكاية ذلك عن (المسالك) ما نصه و قواه في الروضة (أيضا) لمكان هذا الخبر الصحيح مع انه ذكر الاستدلال به للقول السابق يعنى ضمان قيمة يوم الغصب ثم قال و لكن لا يخفى عليك بعد الإحاطة بما ذكرناه عدم إشعار في الصحيح المزبور فضلا عن الدلالة اللهم الا ان يقال انه بناء على تعلق الظرف بالفعل المستفاد من قوله نعم يكون المراد ان ابتداء الضمان من ذلك اليوم الى يوم التلف فيضمن الا على منه (حينئذ) بل ان جعل متعلقا بالقيمة يكون المراد منه ذلك (أيضا) لعدم معقولية ضمان القيمة مع وجود العين فيكون الحاصل انه تلزمه القيمة مع العطب من يوم المخالفة الا ان ذلك كله كما ترى تجشم و خلط بين الضمان التقدير المتحقق بالمخالفة و الضمان التحقيقي الحاصل يوم التلف كما هو واضح انتهى

قوله عدا ما حكاه في الرياض عن خاله العلامة (قدس اللّه تعالى روحهما) من قاعدة نفى الضرر الحاصل على المالك و فيه نظر كما اعترف به بعض من تأخر

(الظاهر) انه أراد به صاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال فيكتاب الغصب في ذيل بيان وجه تردد المحقق (رحمه الله) في اعتبار زيادة القيمة و نقصانها بعد التلف ما لفظه قيل ان وجه القول يعنى القول بضمان أعلى القيم من حين الغصب الى حين التلف قاعدة الضرر و ذلك لان عدم تمكينه منها حين ارتفاع القيمة ضرر عليه و تفويت لتلك المنفعة العليا و من هنا كان هو خيرة العلامة الأكبر الآقا محمّد باقر البهبهاني (رحمه الله) فيما حكى عنه الا انك قد عرفت فيما تقدم اقتضاء لقاعدة المزبورة ضمان الا على مع فواته و ان

317

رد العين نفسها و هو مخالف للإجماع بقسميه بل قد عرفت عدم الضمان فيما لو منعه من بيع ماله بقيمته عالية انتهى

قوله فتأمل

الأمر بالتأمل للإشارة الى ان ما ذكره ليس توضيحا لما استدل به العلامة (رحمه الله) للقول باعتبار يوم الغضب و انما هو اجراء نظير ما ذكره بالنسبة إلى العين في ارتقاء مراتب القيمة و ليس استدلاله (رحمه الله) مبنيا على ما علله به (المصنف) (رحمه الله) بقول و لأجل ذلك استدل العلامة (رحمه الله) في التحرير من مطلق انقطاع السلطنة و ذلك لان ما استدل به العلامة (رحمه الله) انما هو انقطاع السّلطنة الفعلية التي هي كون المال تحت يد المالك حسا و لهذا جعله دليلا على القول باعتبار خصوص قيمة يوم الغصب و لم يتعد الى غيرها و ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) في التوضيح عبارة عما يعمّ السّلطنة الشأنية بمعنى ان العين لو كانت تحت يده كان قادرا على تحصيل الزيادة اى تملكه لها شرعا بتبعيّة ملكية العين و لهذا جعله دليلا على اعتبار أعلى القيم من حين الغصب الى حين التلف و شتان ما بينهما فافهم

قوله ثم انه حكى عن المفيد و القاضي و الحلبي الاعتبار بيوم البيع فيما كان فساده من جهة التفويض الى حكم المشترى

(انتهى) هذه المسئلة بناء على فتوى هؤلاء الجماعة بظاهرها مما ينفرد به المقبوض بالبيع الفاسد عن المغصوب من حيث اعتبارهم خصوص يوم البيع و لا ينطبق على شيء من الأقوال الموجودة في المغصوب و اما بناء على ما احتمله (المصنف) (رحمه الله) من تأويل كلامهم بإرادة يوم القبض من يوم البيع فيطابق من الأقوال الجارية في المغصوب القول باعتبار قيمة يوم الغصب هذا و لكن يبقى الكلام في وجه تخصيصهم الحكم الذي بنوا عليه بما إذا كان فساد البيع من جهة التفويض تعيين الثمن الى حكم المشترى دون غيره من وجوه فساد البيع كما لو كان البائع صغيرا أو مجنونا و نحو ذلك و لم يعلم الوجه في ذلك كما لم يعلم انّهم بماذا يحكمون في غير الوجه المذكور من وجوه فساد البيع

قوله ثمّ ان في حكم تلف العين في جميع ما ذكر من ضمان المثل أو القيمة حكم تعذر الوصول اليه و ان لم يهلك كما لو شرق أو غرق أو ضاع أو أبق

هذا شروع في أحكام الضمان بسبب الضمان المتحقق فعليّته بالحيلولة بين المال و مالكه و جميع ما ذكره بعد هذا من الأحكام الى أخر هذه المسئلة مما يختص به دون غيره من أسباب الضمان و قد وقع التنصيص في كلماتهم على كون الحيلولة سببا للضمان قال المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) إذا تعذّر تسليم المغصوب دفع الغاصب البدل و يملكه المغصوب منه و لا يملك الغاصب العين المغصوبة و لو عادة كان لكل منهما الرجوع و قال الشهيد (رحمه الله) في (القواعد) بعد تقسيم الضمان الى ما يكون بالقوة و ما يكون بالفعل ما نصّه و الضمان الفعلي تارة بعد تلف العين و لا ريب انه مبرّء لذمة الضامن و يكون من باب المعاملة على ما في الذمم بالأعيان و هو نوع من الصّلح و تارة مع بقاء العين لتعذر ردّها و هو ضمان في مقابلة فوات اليد و التصرف و الملك باق على ملك مالكه الى أخر ما قال و هذا الذي أفاد (انتهى) (رحمه الله) بيان على وجه الكليّة و قد وقع التصريح بذلك في الموارد المخصوصة فمنها ما ذكره العلامة (رحمه الله) في القواعد حيث قال و لو أبق العبد المغصوب ضمن في الحال القيمة للحيلولة فإن عاد ترادا و منها ما لو أقر إنسان بما في يده من العين لزيد مثلا ثم أقر بها لعمرو فإنهم حكموا بأنه يغرم للثاني للحيلولة بينه و بين العين بالإقرار و منها ما لو شهدت البينة بالطلاق ثم رجعت عن الشهادة بعد حكم الحاكم بالتفريق بين المرء و زوجته فإنّهم حكموا بان الشهود يغرمون للزوج المهر و كذا الحال في رجوع البينة عن الشهادة في الماليات كل ذلك لمكان الحيلولة المستندة إلى الشهادة و منها ما لو ارتدت الزوجة أو أرضعت من ينفسخ بإرضاعه نكاحها فإنهم حكموا بثبوت مهر المثل للزوج عليها لمكان الحيلولة و منها ما لو ادعى زوجيّة امرأة قد عقد عليها أخر و لم يكن له بينة على دعواه فإن جماعة من الأصحاب قد بنوا على سماع دعواه (حينئذ) بمعنى عدم لغوية الدعوى و انه يوجّه اليمين عليها و قالوا ان فائدة توجه اليمين عليها هنا هو احتمال إقرارها أو رد اليمين عليه فيحلف فتكون زوجته عند طلاقها من الزوج الأول أو موته عنها و بثبوت مهر المثل عليها لحيلولتها بينه و بين البضع بالعقد الثاني و منها ما لو باع أو صالح أو وهب شيئا على انه له ثمّ أقر به لزيد فإنهم حكموا بأنه يعزم للمقر له عوضه مثلا أو قيمته لحيلولته بين المقر له و ماله بالعقد النافل و منها ما لو ادعى زوجيتها اثنان فصدقت أحدهما ثم اعترفت للآخر فإن جماعة من الأصحاب قد صرّحوا بثبوت مهر المثل عليها للثاني لمكان الحيلولة و منها ما ذكروه من ضمان الامام (عليه السلام) المهر للزوج الكافر المهاون إذا هاجرت زوجته الى بلد الامام (عليه السلام) أو نائبه مسلمة ثم طلبها الزوج فمنعه عنها الامام (عليه السلام) فإن أصحابنا قد أجمعوا على ان على الإمام (حينئذ) غرامة المهر للزوج و استدل العلامة (رحمه الله) في المنتهى لهذا الحكم بقضية الحيلولة و منها ما ذكروه من ان على واطئ البهيمة لمالكها القيمة لمكان الحيلولة و منها ما ذكروه في كتاب القصاص من ان من أطلق مستحق القصاص من يد الولي الزم بدفع المال للحيلولة ثم ان تمكن منه الولي لزمه ردّ المال الى القاهر المطلق لأن أخذ المال انما كان للحيلولة و قد زالت الى غير ذلك من الموارد و إذ قد عرفت ذلك فاعلم انه ينبغي تحقيق القول في ان الغاصب حيث يتعذّر عليه تسليم العين و إعادتها إلى المالك هل هو ضامن للمبدل فعلا على نحو ضمانه له في صورة التلف الحقيقي أولا تكون ذمته مشغولة بالبدل و انما يجب عليه دفعه وجوبا تكليفيا محضا احتمالان بل قولان و تظهر الثمرة في كونه دينا ثابتا في ذمته ينفذ إبراؤه و بيعه و إصداقه و الضمان عنه و الحوالة عليه و حصول التهاتر به على الأول بخلافه على الثاني و (أيضا) على الأوّل يجب على المالك القبول لو دفعه إليه بخلافه على الثاني و قد يتخيل انه وقع عبارات الأصحاب في المقام على وجوه ثلاثة فمنها ما هو نص في الضمان الفعلي كالعبارة المتقدمة عن الشهيد (رحمه الله) في (القواعد) و العبارة المتقدمة عن العلامة (رحمه الله) في (القواعد) في مسئلة إباق العبد المغصوب و منها ما هو صريح في الاحتمال الثاني كما قد يتوهم انه صريح كلام (المصنف) (رحمه الله) حيث قال ثم ان ثبوت القيمة مع تعذّر العين ليس كثبوتها مع تلفها في كون

دفعها حقا للضامن بل له ان يمتنع من أخذها و يصبر الى زوال العذر كما صرّح به الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) و يدلّ عليه قاعدة تسلط الناس على أموالهم انتهى و كأنه أخذ هذا المضمون من العلامة (رحمه الله) في التذكرة حيث قال فيها و ليس للغاصب ان يلزمه قبول قيمة الحيلولة لأنها ليست حقا ثابتا في الذمة حتى يجبر على قبوله أو الإبراء عنه بل لو ابرء المالك عنه لم ينفذ انتهى و ما ذكره من التمسك بقاعدة السلطنة لا يخلو من تأمل و منها ما هي محتملة للاحتمالين كعبارة المحقق (رحمه الله) في (الشرائع) و غيره ممن عبر بالدفع الذي هو أعم من كونه من حيث الضمان أو التغريم و ربما يحتمل في المسئلة وجه أخر لم أقف على من نص عليه و حاصله التفصيل بين أسباب التعذر فيقال بالضمان الفعلي فيما تعد العين بسببه تالفة عرفا