غاية الآمال في شرح كتاب المكاسب - ج2

- الشيخ محمد حسن المامقاني المزيد...
180 /
318

كالسرقة و الغرق و الإباق لقاعدة من أتلف و بعدمه فيما لا يكون (كذلك) كما لو غصبها منه غاصب مقتدر لا يقدر هو على انتزاعها منه و الذي يقتضيه النظر هو البناء على ظهور كلمة على فيقوله (عليه السلام) على اليد ما أخذت فبذلك مضافا الى ما سمعته من قاعدة الإتلاف بتقريب ان الغاصب الحائل بين المالك و ماله بسبب غصبه العين و إخراجها عن حيطة سلطنة المالك يكون متلفا عليه اليد و سلطنة التصرفات و بعبارة أخرى يكون متلفا عليه المالية فيشمله قاعدة من أتلف مال غيره فهو له ضامن فان قلت هذه الكلية الدائرة في السنة الأصحاب لم يثبت بها رواية من طرفنا قلت هذه الكلية بهذه العبارة و ان لم تكن رواية الا انها مستفادة من مضامين جملة من الروايات الواردة في الأبواب المتفرقة التي منها ما ورد في ضمان واطئ البهيمة لمالكها معللا بأنه قد أفسد على المالك ماله و منها ما دل على تغريم الشهود إذا رجعوا عن الشهادة و منها ما ورد في ضمان من أعتق شقصا من المملوك المشترك بينه و بين غيره القيمة للشريك معللا بقضية الإفساد ففي الصّحيح عن الصّادق (عليه السلام) عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه قال ان ذلك فساد على أصحابه لا يقدرون على بيعه و لا مؤاجرته قال يقوم قيمة فيجعل على الذي أعتق عقوبة و انما جعل ذلك عليه عقوبة لما أفسده و بمعناه موثقة سماعة سئلته عن المملوك بين شركاء فيعتق أحدهم نصيبه فقال هذا فساد على أصحابه يقوم قيمة و يضمن ثمن الذي أعتقه لأنه أفسد على أصحابه و أنت إذا تتبعت الاخبار وجدت الكلية المزبورة من القواعد المحكمة التي لا مجال للمناقشة فيها أصلا بعد استفادتها من الروايات و فتاوى الأصحاب فتدبر

قوله لكن ظاهر كلمات بعضهم التعبير بالتعذر و هو الأوفق بأصالة عدم تسلط المالك على أزيد من إلزامه برد العين فتأمل

الظاهر ان الأمر بالتأمل للإشارة الى عدم العبرة بأصالة عدم تسلط المالك بعد ملاحظة إطلاق قوله (عليه السلام) الناس مسلّطون على أموالهم بالتقريب الذي ذكره فيما لو كان التعذر مختصا بزمان و كان يرتفع بعد ذلك من ان تسلط المالك على ماله الذي فرض كونه فيعهده الغاصب يقتضي جواز مطالبته إياه بالخروج عن عهدته ضرورة ان لا فرق بين كون التعذر مختصا بزمان و بين ما لو كان التعذر مستندا الى انتفاء مقدّمات لا تتيسر و لا تحصل الا بعد السعى في تحصيلها في زمان من حيث كون المال فيعهده الغاصب من جهة استيلاء يده عليه و حيلولته بينه و بين مالكه فان كان كون المال فيعهده الغاصب هناك يوجب جريان قوله (عليه السلام) الناس مسلّطون على أموالهم لزمه الجريان هيهنا (أيضا)

قوله ثم ان المال المبذول يملكه المالك بلا خلاف

يعنى المال المبذول بدلا للحيلولة

قوله فالمبذول هنا كالمبذول مع تلف العين في عدم البدل له

يعنى للمال المبذول مع تلف العين فكما أنه غرامة و ليست العين بدلالة (كذلك) الحال في المبذول بدلا للحيلولة

قوله لم يبعد انكشاف ذلك عن انتقال العين الى الغارم

كان الاولى ان يقول كشف ذلك

قوله بل لو استلزم رده ضررا ماليا على الغاصب أمكن سقوطه فتأمل

الظاهر ان الأمر بالتأمل للإشارة إلى ان الأمر بردها و ان كان مجرّد تكليف لا يقابل بالمال و لا يغرم شيئا لو تركه الا ان مجرد ذلك لا يستلزم جواز سقوط الرد عند استلزامه ضرر الان المفروض ان العين الخارجة عن حين التقويم ملك للمغصوب منه فله تشبث به و له حق فيه و قد صار الغاصب سببا لحرمانه عنه و انقطاع سلطنته عليه فلا يسقط عنه الرّد عند استلزامه الضرر كما لا يسقط عنه رد العين المغصوبة الباقية على قابلية التقويم عند استلزامه الضّرر المالي عليه من حيث انه هو الّذي أقدم على التّعدي و التسبب لان يلحقه التكليف بالرّد و الخروج عن العهدة

قوله و لعل ما عن (المسالك) من ان ظاهرهم عدم وجوب إخراج الخيط المغصوب عن الثوب بعد خروجه عن القيمة بالإخراج فتعيّن القيمة فقط محمول على صورة تضرّر المالك بفساد الثوب المخيط أو البناء المستدخل فيه الخشبة كما لا يأبى عنه عنوان المسئلة فلاحظ

ما حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن (المسالك) منقول بالمعنى لانه قال فيها في مسئلة وجوب رد المغصوب إذا غصب خشبة و أدرجها في بنائه أو بنى عليها لم يملكها الغاصب بل عليه إخراجه من البناء و رده الى المالك الى ان قال ثم إذا إخراجها و ردها لزمه أرش النقص ان دخلها نقص و لو بلغت حد الفساد على تقدير الإخراج بحيث لا يبقى لها قيمة فالواجب تمام قيمتها و هل يجبر على إخراجها (حينئذ) نظر من قوات المالية و بقاء حق المالك في العين و ظاهرهم عدم الوجوب و انها تنزل منزلة المعدوم و لو قيل بوجوب إعطائها المالك لو طلبها كان حسنا و ان جمع بين القيمة و العين انتهى و وجه حكاية هذا عنه في إخراج الخيط المغصوب عن الثوب هو انه صرح بعد ذلك فيذيل قول المحقق (رحمه الله) و لو خاط ثوبه بخيوط مغصوبة (انتهى) بان الخيط المغصوبة أن خيط به ثوب و نحوه فالحكم كما في البناء على الخشبة فللمالك طلب نزعه و ان أفضى إلى التلف و يضمن الغاصب النقص ان اتفق و ان لم يبق له قيمة ضمن جميع القيمة و لا يخرج بذلك عن ملك المالك كما سبق فيجمع بين العين و القيمة انتهى و لذلك جمع (المصنف) (رحمه الله) في مقام الحمل بين الثوب المخيط و البناء المستدخل فيه الخشبة و قد كان كلامه (رحمه الله) في الخيوط المغصوبة من حال ذكر عبارة القواعد الى هنا عنوان المسئلة الذي أشار إليه فهو عبارة عن مثل قول المحقق يجب رد المغصوب ما دام باقيا و لو تعسر كالخشبة تستدخل في البناء و اللوح في السفينة و الوجه فيعدم إباء العنوان هو انه مطلق شامل لما إذا فسد الخيوط أو الخشب بالنزع و اما إذا لم يفسد كما ان عدم فسادهما بالنزع أعم من ان يكون في النزع ضرر على مالك الثوب أو البناء و هو الغاصب و ان لا يكون ضرر عليه فيقيد إطلاق وجوب الرد بما إذا لم يلزم مع فسادهما بالنزع ضرر على مالك البناء أو الثوب و ذلك بمعونة الأدلة النافية للضرر و معلوم ان الإطلاق لا يأبى عن التقييد هذا غاية ما وسعني من إيضاح المقصود و لكنك خبير بأنه يمكن دفع الالتزام بالتقييد (حينئذ) بأن الضرر إذا كان متوجها الى الغاصب كان مما أقدم هو عليه فلا يصلح وجود الضرر (حينئذ) لنفي الحكم فتدبّر و الحكم بكون يوم التعذر بمنزلة يوم التّلف مع الحكم بضمان الأجرة و النماء الى دفع البدل و ان تراخى عن التعذر مما لا يجتمعان ظاهرا يعنى ان الحكم بكون يوم التعذر مثل يوم تلف العين في عدم استحقاق المالك لارتفاع قيمتها مع كون الحكم بضمان اجرة العين و نمائها المتصل كالسمن أو المنفصل كالصوف و اللبن مسلما عندهم مما لا يجتمعان فيجب ان يحكم بضمان ارتفاع القيمة كما حكموا بضمان الأجرة و النماء

قوله إذا ارتفع تعذر رد العين و صار ممكنا وجب رده على مالكه كما صرّح به في جامع المقاصد فورا و ان كان في إحضاره مؤنة كما كان قبل التعذر لعموم على اليد ما أخذت حتى تؤدى

لا يخفى ان التمسك بالحديث موقوف على افادته للحكم التكليفي الذي هو وجوب الرّد و قد بينا سابقا عدم افادته له و ان مؤداه ليس الا بيان الحكم الوضعي الذي هو ثبوت الضمان

319

و الخروج عن عهدة المال المأخوذ بسبب الأخذ الى ان يرده الى صاحبه و لا يتوهم ان كون الغاية من قبيل الأفعال الاختيارية يقتضي مطلوبيته من المختار كما فيقولك الزم زيدا حتى يوفيك حقك و منه قوله (تعالى) فَإِنْ بَغَتْ إِحْدٰاهُمٰا عَلَى الْأُخْرىٰ فَقٰاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتّٰى تَفِيءَ إِلىٰ أَمْرِ اللّٰهِ فيفيد الحديث مطلوبية الرد على هذا الوجه لأنا نقول ما ذكر انما هو بمعونة المقام و الا فمجرد كون الغاية من قبيل الأفعال الاختيارية لا يدلّ على ذلك لأنه أعم و العام لا يدل على الخاص ففيما نحن فيه لم يعلم كون مطلوبية الرّد مقصودة مرادة من هذا الحديث فلا يدلّ عليها لفظ الحديث إلا بالقرينة و بعد ثبوت وجوب الرّد من الخارج و المفروض ان المراد هنا إثبات وجوب الرد به فلا يتم المطلوب فتدبر

قوله و كون العين مضمونة بها لا بشيء أخر في ذمة الغاصب

بالجر عطف على ما قبله من المجرور بعلى اعنى قوله ملك مالك العين

قوله و مجرد عود التمكن لا يوجب عود سلطنة المالك حتى يلزم من بقاء مالكيته على الغرامة الجمع بين العوض و المعوض

يعنى ان مجرد عود تمكن الغاصب من العين عود سلطنة مالكها حتى يلزم من بقاء مالكية مالكها على الغرامة الجمع بين العوض الذي هو الغرامة و المعوض الذي هو سلطنة مالكها

قوله غاية ما في الباب قدرة الغاصب على إعادة السّلطنة الفائتة المبدلة عنها بالغرامة و وجوبها عليه

ليس مراده بالسّلطنة الفائتة خصوص السّلطنة الفائتة في الزّمان السابق حتى يتجه عليه ان ذلك مما لا يمكن إعادته بل مراده جنس السّلطنة و قوله وجوبها بالجر عطف على ما قبله من لفظ الغرامة المجرور بالباء

قوله و لو لم يدفعها لم يكن له مطالبة الغرامة أولا إذ ما لم يتحقق السّلطنة لم يعد الملك الى الغارم فإن الغرامة عوض السّلطنة لا عوض قدرة الغاصب على تحصيلها للمالك فتأمل

هذه الجملة عطف على قوله فان دفع العين و الضمير المنصوب بقوله لم يدفع عائد إلى العين يعنى انه لو لم يدفع الغاصب العين لم يستحق مطالبة الغرامة قبل دفع العين لأن الغرامة بدل عن السّلطنة التي انتزعها الغاصب من لمالك العين و ما لم يتحقق المبدل منه و لم يوجد لم يرتفع ملك مالك العين عن البدل و ليست الغرامة بدلا عن قدرة الغاصب على تحصيل السّلطنة لمالك العين بدفع العين اليه حتى يصحّ ان يقال انه قد تحقق ما أبدلت الغرامة عنه فتخرج الغرامة عن ملكه الى ملك الغارم الذي هو الغاصب و امّا الأمر بالتأمل فهو للإشارة إلى تحقق ما ذكره و تثبيته و دفع توهم ان المقام نظير البيع و ان لكل من البائع و المشترى ان يمتنع من تسليم ماله حتى يتسلم مال الأخر و انهما يتقابضان و وجه اندفاع ذلك التوهم هو ان كلا من الثمن و المثمن عوض عن الأخر و لهذا عرف البيع بالمعاوضة و المبادلة بخلاف ما نحن فيه فان أحدهما عوض و هي الغرامة و الأخر معوض و هي السّلطنة و ما لم يتحقق العوض لم يرتفع للعوض

قوله و لذا لا يباح لغيره بمجرد بذل الغرامة

يعنى ان المالك للعين لو بذل الغرامة وحدها للغاصب بان قال ما أريد منك الغرامة أوردها اليه على وجه البذل و العطية بعد أخذها منه لم يصر مجرد بذلها موجبا لإباحة العين للغاصب و لو كانت الغرامة عوضا عن مطلق سلطنة المالك و قد بذل العوض بعد قبضه أو قبله كان ذلك بمنزلة بذل المعوض عنه و كان من اللازم سقوط سلطنة المطالبة بل اباحة العين للغاصب

قوله و فيه ان العين بنفسها ليست عوضا و لا معوضا

هذا الاعتراض بيان للواقع من عدم كون العين بنفسها عوضا و لا معوضا فلا يتوهم منه انه ينبئ عن تسليم جواز الحبس من كل من صاحبي العين و الغرامة و لما ذكرنا عقب الكلام بقوله و الأقوى هو الأول

قوله و الأقوى هو الأول

الوجه فيه ما بيناه في وجه الأمر بالتأمل المذكور و قد عرفت دفع التوهم في الحاشية السابقة

قوله و اما اشتهر من ان الغاصب مأخوذ بأشق الأحوال فلم نعرف له مأخذا واضحا

وجدت فيما حرره بعض الفضلاء مما افاده الشيخ الفقيه المحقق موسى بن جعفر الغروي (رحمه الله) في مجلس البحث تقييد هذه القاعدة المشهورة بما إذا كانت المشقة في الغرامة و المؤنة احترازا عما إذا كانت المشقة في الكيفية كما لو كان الرد مشتملا على العسر قال في مسئلة وجوب رد المغصوب الى صاحبه و لو ادى رده الى عسر العسر الذي لا نضايق عنه في الإلزام برد العين هو ما لم يصل الى حد المشقة الغير المتحمّلة عادة فلو وصل الى ذلك الحد فهو فيحكم التعذر بل الظاهر انهم كلما يعبرون بالتعذر مع الإطلاق يريدون به ما يعم هذا النوع من التعسر الذي كاد يكون من التعذر الحقيقي العادي ان قلت لم لا يجوز الإلزام برد العين و ان ادى الى عسر غير متحمل و من أين إلحاق هذا النوع من العسر بالتعذر بل الدليل على الحاقه بالعسر الغير المضايق عن لزومه موجود و هو ما اشتهر عندهم من ان الغاصب يؤخذ بالأشق قلنا المراد بقولهم المذكور انما هو أخذه بالأشق في الغرامة لا في غيرها و المشقة الحاصلة في الرد ليس مما ذكروا فيها الأخذ بالأشق فلو كانت للنقل مثلا مؤنة فهي على الغاصب لما ذكر و هكذا فلا تذهل انتهى

الكلام في شروط المتعاقدين

[من شرائط المتعاقدين البلوغ]

قوله المشهور كما عن (الدروس) و الكفاية بطلان عقد الصّبي

قال في الدروس و نعني بكمال المتعاقدين بلوغهما و عقلهما فعقد الصبي باطل و ان اذن له الولي أو اجازه أو بلغ عشرا على الأشهر انتهى و يدل قوله على الأشهر على ان القول بالصحة و لو في الجملة ليس قولا نادرا و كيف كان فالذي وجدناه من الأقوال نقلا و تحصيلا في مقابل المشهور وجوه أحدها جواز بيعه إذا بلغ عشرا و جعله في التذكرة وجها قال و في وجه لنا و للشافعية جواز الاختيار و في وجه لأبي حنيفة انعقاد بيع المميّز بغير اذن الولي موقوفا على اجازة الولي و في وجه أخر لنا جواز بيعه إذا بلغ عشرا انتهى و نسبه في التحرير إلى رواية حيث قال و في رواية حيث قال و في رواية لنا صحة بيعه إذا بلغ عشر سنين رشيدا انتهى و في جامع المقاصد فلا عبرة بعقد الصبي و ان بلغ عشرا خلافا لبعض الأصحاب انتهى و في (المسالك) عند قول المحقق (رحمه الله) و كذا لو بلغ عشرا عائلا على الأظهر ما لفظه هذا هو الأقوى و قيل بجواز بيعه بالوصفين و هو ضعيف انتهى و في شرح الإرشاد للمحقق الأردبيلي (رحمه الله) قيل بجواز عقده بيعه إذا بلغ عشرا و في المفاتيح و للشيخ قول بجواز بيع الصبي إذا بلغ عشرا عاقلا انتهى و قد وجدنا في المبسوط ما نصه و لا يصح بيع الصبي و شراؤه اذن له الولي أم لم يأذن و روى انه إذا بلغ عشر سنين و كان رشيدا كان جائزا انتهى و في الخلاف ما لفظه لا يصح بيع الصبي و شراؤه سواء اذن له الولي فيه أو لم يأذن و به قال الشافعي و قال أبو حنيفة ان كان بإذن الولي صحّ و ان كان بغير اذنه وقف على اجازة الولي دليلنا ان البيع و الشّراء حكم شرعي و لا يثبت الا بالشرع و ليس فيه ما يدل على ان بيع الصبي و شرائه صحيح و (أيضا) قوله (صلى الله عليه و آله و سلم) رفع القلم عن ثلاثة عن المجنون حتى يفيق و عن الصبي حتى يبلغ و عن النائم حتى يستيقظ انتهى لعل صاحب المفاتيح عثر عليه فيغيرهما من كتبه و في الرياض بعد حكاية هذا القول عن الشيخ (رحمه الله) ما لفظه

320

و لم أقف على مستنده سوى القياس بجواز وصيّته و عتقه و تلاقه و فيه منع القياس أولا ثم المقيس عليه ثانيا الا ما قام الدليل المعتد به عليه و كونه مع الفارق ثالثا لتضمن الفرض تكاليف ليس محلها دون الأمور المزبورة انتهى و لكن لا يخفى ما في الأخير لجواز تعلق التكاليف بالولي أو به بعد البلوغ و ان لم يجز في الحال الا ان يقال ان مراد القائل هو الصّحة بمعنى ترتب جميع ما يترتب على بيع الكامل ثانيها ما افاده كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) من جواز بيعه و سائر معاملاته إذا كان يصير مميزا رشيدا يعرف نفعه و ضرّه في المال و طريق الحفظ و التصرف و الذي يصلح حجة لهذا القول وجوه الأول الإطلاقات و العمومات الدالة على صحة البيع و غيره من المعاملات الثاني السيرة المستمرة من زماننا الى زمان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) المفيدة لصحة معاملاته فان المسلمين في جميع الأعصار يجرون على معاملاته آثار الصّحة الثالث ما افاده كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال و بالجملة إذا جوز عتقه و وصيته و صدقته بالمعروف و غيرها من القربات كما هو ظاهر الروايات الكثيرة لا يبعد جواز بيعه و شرائه و سائر معاملاته إذا كان بصير مميّزا رشيدا يعرف نفعه و ضرّه في المال و طريق الحفظ و التّصرف كما نجده في كثير من الصّبيان فإنه قد يوجد بينهم من هو أعظم في هذه الأمور من ابائهم فلا مانع له من إيقاع العقد خصوصا مع اذن الولي أو حضوره بعد تعيينه الثمن الا ان يقال قد لا يقصد لجهله أو علمه بعدم عقابه و لكن ذلك قد يندفع من العلم بحاله قال في التذكرة و هل يصحّ بيع المميّز و شراؤه بإذن الولي الوجه عندي لا يصحّ انتهى أقول من جملة الروايات التي أشار إليها رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا اتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له فيما له ما أعتق أو تصدق أو اوصى على حد معروف و حق فهو جائز و أورد على الأول بأن العمل بالعمومات و الإطلاقات مشروط بالفحص خصوصا مع تطرق الوهن إليها بكثرة التخصيص و لا بد من وقوع الفحص في مظانه و ليست الا فتاوى الفقهاء (رضي الله عنه) و عملهم بها فإنه يعلم من عملهم بها عدم تطرق التخصيص إليها في المورد الذي عملوا بها و لم نجدهم قد عملوا بها في نفى اشتراط البلوغ و لم يحكموا الا ببطلان معاملاته من البيع و غيره فلا يصحّ التمسك بالإطلاقات و العمومات في الحكم بصحتها لكونها موهونة و على الثاني بأن قيام السيرة على اجراء حكم الصّحة على معاملاته ناشىء من مسامحتهم في أمر الدين و عدم مبالاتهم بمخالفته أحكام الإسلام فليس حال هذه السيرة إلا مثل حال استقرار سيرتهم على غيبة المسلمين و كيف لا يكون (كذلك) و قد نص الفقهاء (رضي الله عنه) على اشتراط البلوغ في المتعاقدين المستلزم لبطلان عقده فيعلم من ذلك عدم تحقق السّيرة في الحقيقة لأن أعظم من يقوم به السيرة هم الفقهاء (رضي الله عنه) فكيف يصير عمل غيرهم الناشي عن المسامحة حجة و على الثالث بأنه لا يتم الا بعد إثبات الملازمة بين العتق و الوصية و الصّدقة و بين البيع و الإجارة و غيرهما من المعاملات و هي ممنوعة فإن صحة الثلاثة الأول منه حكم تعبدي ثبت في مورده فلا يتعدى منه الى غيره الا بدليل و إذ ليس فليس ثالثها صحة بيع المميّز مقيدا بكون ذلك عن اذن الولي رابعها ما حكى عن العلامة (رحمه الله) وفاقا لغيره من بعض العامة و بعض الخاصة من صحة بيعه في مقام الاختبار مع التمييز و سيأتي الكلام في صحة النسبة و عدم صحتها عند حكاية (المصنف) (رحمه الله) هذا القول عنه في التحرير و كيف كان فمستند هذا القول قوله (تعالى) وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ نظرا الى ظهوره فيكون الاختبار قبل البلوغ و لازم الأمر به صحة ما أوقعه من عقد و غيره و لكن فيه ان الاختبار غير منحصر في إيقاع نفس العقد لحصوله بغير ذلك من المقدمات التي منها المساومة و المماكسة فلا يتأتى منه جواز عقده و كونه مما يعتد به شرعا خامسها ما ذهب اليه صاحب المفاتيح (رحمه الله) من صحة عقده في مقامين المحقرات و المورد الّذي هو فيه بمنزلة الإله و استند فبذلك الى لزوم الحرج في تركه قال (رحمه الله) فيها و الأظهر جواز بيعه و شرائه فيما جرت العادة به

منه في الشيء الدون دفعا للحرج في بعض الأحيان و كذا فيما كان فيه بمنزلة الإله لمن له الأهلية انتهى و فيه انه لا حرج في ترك معاملة الصبي مضافا الى انه على تقدير تحققه فيه لا يكون الحرج مشرعا للحكم حتى يحكم بصحة عقد الصّبي و ان كان عند لزوم الحرج من ترك معاملته يجوز تناول ما في يده للضرورة و يترتب عليه الضمان على حد جواز أكل المخمصة فإن جواز أكل مال الغير (حينئذ) لا يلزم منه صحة معاملته و لا يقتضي انتقال ذلك المال إلى الأكل فيترتب عليه الضمان و يؤكد الإيراد اعترافه بكون الجرح في بعض الأحيان فإنه (حينئذ) يقال انه لو كان الحرج غالبيا أو دائميا لم يكن يتأتى منه شرعية عقده فمع كون الحرج في بعض الأحيان لا يثبت شرعيته بالطريق الاولى سادسها ما اختاره صاحب الرياض (رحمه الله) من الاقتصار على استثناء الصّبي الذي هو بمنزلة الإله فحكم فيه بجواز عقده و معاملته مستندا فيه الى السّيرة المستمرة قال (رحمه الله) بعد موافقة الأكثر في اشتراط البلوغ في المتعاقدين ما لفظه نعم الأظهر جوازه فيما كان فيه بمنزلة الإله لمن له الأهلية لتداوله في الأعصار و الأمصار السّابقة و اللاحقة من غير نكير بحيث بعد مثله إجماعا من المسلمين كافة لكن ينبغي تخصيصه بما هو المعتاد في أمثال هذه الأزمنة فإنه الذي يمكن فيه دعوى اتفاق الأمة انتهى و أورد عليه بان دليله لا ينطبق على مدعاه لان مدعاه انما هو تجويز معاملة الصبي الذي هو بمنزلة الإله و الذي جرى عليه طريقة الناس هو الأخذ من هؤلاء الصّبيان المباشرين للمعاملات و فيهم من ليس صادرا عن أمر وليه الشرعي أما لاستقلاله أو لكونه صادرا عن أمر امه أو أخيه أو غيرهما من أقاربه أو خواص أبيه فلا يثبت من هذه السيرة ما هو بصدده من صحة معاملة من كان إله للولي و الذي قامت عليه لا يلتزم به هو (رحمه الله) مضافا الى ان ما بيناه كاشف عن كون عملهم ناشئا من عدم المبالاة و سيأتي في كلام (المصنف) (رحمه الله) زيادة توضيح لذلك (إن شاء الله) (تعالى) مضافا الى ما قيل في رده من ان مقتضى كونه بمنزلة الإله هو ان الصّحة فيه على طبق القاعدة و ذلك مستلزم لعموم الحكم للمجنون و السكران بل البهائم حتى في الأمور الخطيرة إذا المعاملة في الحقيقة انما هي بين الكاملين فلا فرق بين الجميع فلا جهة للاقتصار على الصبي في المحقرات و ان أمكن ذلك لن تمسك لذلك بالسّيرة من دون إدخاله تحت القاعدة لأنه المتقين من موردها و لكن قد يدفع ان الأخذ بذلك من باب الأخذ بالقدر المتيقّن (صح) أو بان مدرك الآلية (أيضا) هي السّيرة إذ لا قاعدة تقتضيها و بذلك يندفع الإجمال الذي أورده (المصنف) (رحمه الله) إذ لا سيرة على التفصيل الذي ذكره و انما المتيقن منها مع تسليمها في الجملة هي الصورة المزبورة و امّا منعها (مطلقا) فلا وجه له سابعها ما سيأتي حكايته في كلام (المصنف) (رحمه الله) عن العلامة (رحمه الله) في (المختلف) من انه حكى في باب المزارعة عن القاضي كلاما يدلّ على صحة بيع الصّبي و ظاهره الإطلاق و عدم التقييد بما قيد به أرباب الأقوال الأخر من المجوزين

321

في الجملة و لعلّ مستنده الإطلاقات الدالة على شرعية المعاملات من دون تقييد فيها بما يدلّ على الاختصاص بالبالغين مثل قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و قوله (عليه السلام) الصّلح جائزين للمسلمين و أمثالهما و لم يثبت تقييد من الخارج هذا و يجرى عليه ما أورد على التمسك بالإطلاقات للقول الثاني ثم ان مستند القول المشهور من الاشتراط البلوغ في المتعاقدين هو أصل أعني أصالة فساد المعاملة و عدم ترتب الأثر عليها الّذي هو عبارة عن انتقال مال كلّ من المالكين إلى الأخر في البيع و (قس) عليه الحال فيغيره من العقود و فيه الكفاية ما لم يقم دليل على الصّحة و (لكنك) خبير بان لعمومات و الإطلاقات الواردة في العقود وافية بالخروج عن الأصل المزبور الا ان يثبت تخصيصها أو تقييدها بما يقتضي خروج عقد الصّبي الا ان يقال انها قد تطرق إليها الوهن بكثرة التخصيص مضافا الى ما تعرّفه في كلام (المصنف) (رحمه الله) من الاخبار

قوله و في معناها روايات أخر

منها رواية هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام و هو أشده و ان احتلم و لم يونس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله

قوله و يشهد له الاستثناء في نقض تلك الاخبار بقوله الا ان يكون سفيها

أشار به الى رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إذا بلغ أشده ثلث عشر سنة و دخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المسلمين احتلم أم لم يحتلم و كتبت عليه السّيئات و كتبت له الحسنات و جاز له كلّ شيء الا ان يكون ضعيفا أو سفيها و وجه شهادة الاستثناء هو ان استثناء السفيه انما هو من الاستقلال فلا يجوز له ذلك و لهذا قالوا انه لو اذن له الولي في النكاح الذي فيه مصلحته التي سوغت للولي الإذن فيه جاز ان عين له المهر و الزوجة و نحو ذلك بحيث يؤمن معه من إتلاف المال بلا خلاف و (كذلك) الحال في البيع فيجوز للولي الإذن فيه مع تعيين العوضين على المشهور كما يجوز له اجازة البيع الذي أوقعه إذا راى المصلحة فيه عند الأكثر خلافا لما حكى عن الشيخ (رحمه الله) و القاضي في كل من صورتي الإذن السابق و الإجازة اللاحقة فحكما ببطلان البيع في الصورتين و من هنا علم ان استشهاد (المصنف) (رحمه الله) بالاستثناء انما يتم على مذهب الأكثر لا على مذهب الشيخ (رحمه الله) و القاضي الذي قد يحكى عن غيرهما (أيضا)

قوله ففيه أولا ان الظاهر منه قلم المؤاخذة لا قلم جعل الأحكام

أورد عليه بعض المعاصرين بان الظهور المزبور على وجه يضرّ بالمطلوب ممنوع و لو بقرينة فيهم المشهور و بقرينة جعله علة لكون عمدهما خطاء تحمله العاقلة كما فيظاهر بعض النصوص المروية عن قرب الاسناد فإن ذلك لا يتم إلا بإرادة ما هو أعم من رفع الإثم من رفع القلم و الا فلا وجه بذلك أصلا و رأسا و أقرب ما يراد به رفع قلم البالغ و ان لم يترتب عليه اثم بل انما ترتب عليه حكم وضعي كنقل المال عنه و اليه و نحو ذلك فإذا ارتفع عنه ذلك (مطلقا) لم يكن لعقده أثر أصلا و رأسا و لعل ذكر النائم و نحوه مشعر بإرادة ذلك فان المرفوع عنه انما هو قلم المستيقظ لا (مطلقا) و كذا عن المجنون قلم العاقل و هكذا لا ان (مطلقا) القلم مرتفع عنه و (حينئذ) فلا ينافي ثبوت ضماناتهم و عقوباتهم و تقريراتهم و شرعية عباداتهم و نحو ذلك مما هو عام لجميع الحالات أو خاص بحال الصبا و نحوه هذا مع إمكان إرادة الثاني و التزام التخصيص بذلك كله الا انه بعيد جدا بل قد يقطع بعدمه و لكن قد يورد على الأوّل بإمكان منع كون تأثير العقد من قلم البالغ كي يرتفع عنه فلعله من قلم الصّبي (أيضا) كجنايته و إتلافه و قد يدفع بعدم العبرة بمجرد الإمكان ما لم يقم عليه برهان ثم قال و قد يراد من رفع القلم ارتفاع العقوبة الأخروية و الدنيوية المتعلقة بالنفس كالقصاص أو بالمال كغرامة الدية من ماله فإذا قصد ذلك لم يترتب عليه ذلك كما يترتب على البالغ لو قصد ذلك و (حينئذ) فلو عقد و لو بإذن الولي لم يترتب عليه عقوبة كدفع العوض من ماله و ليس ذلك الا لسلب اعتبار قصده و عدم العبرة و إنشائه و لو باذن وليه و فيه ان ذلك مع بعده في نفسه و مع عدم صدق العقوبة على دفع العوض عرفا مستلزم لعدم ضمانه بإتلافه لمال غيره و التزام التخصيص بذلك كالمقطوع بعدمه كالتزام اللازم كما عن ظاهر بعض و لعلّه لذا قيل بأنه معلول لقوله (عليه السلام) عمدهما خطاء يعنى انه لما كان قصدهما بمنزلة العدم في نظر الشارع في الواقع رفع القلم عنهما و (حينئذ) فيختص دفع القلم بالافعال التي يعتبر في المؤاخذة عليها قصد الفاعل فيخرج عنه مثل الإتلاف و تدخل فيه العقود و الإيقاعات الا انه مع شدة بعده في نفسه موقوف على عموم قوله (عليه السلام) عمدهما خطأ لغير الجنايات الا انه ممنوع في الخبر المزبور و انى مسلم في غيره كما لا يخفى على المتدبر فيه انتهى أقول الإنصاف ان حديث رفع القلم مجمل محتمل لمعان ثلاثة رفع قلم المؤاخذة و رفع قلم جعل الأحكام (مطلقا) و رفع قلم أحكام البالغين بالنسبة إلى الصّبي و القدر المتيقن منه رفع قلم المؤاخذة فلا مجال للاستدلال به على ما زاد على ذلك

قوله لكن الإنصاف ان جواز الأمر في هذه الرّوايات ظاهر في استقلاله في التصرف الى قوله و كذا لوقع إيجاب النكاح أو قبوله لغيره باذن وليه

قال بعض المعاصرين قد تدفع هذه المناقشة بعدم القول بالفصل كما اعترف به جماعة ممن تأخر بين اذن الولي و عدمها و بين كون العقد على ماله أو مال غيره و التردد أو الخلاف السابق غير قادح فيه و بان المراد من امره تصرّفه الفعلي أو القولي و هذا معنى سلب عبارته الذي اشتهر التعبير به في كتب الأصحاب على وجه لا تنفعه اجازة الولي و لا اذنه و لا أجازته بنفسه بعد بلوغه لعدم قابليته للتأثير و (حينئذ) فلا جهة للمناقشة (أيضا) بأنه لا منافاة بين صحة عقده و بين عدم دفع المال اليه كما وقع لبعضهم و لكن لا شاهد على ارادة ذلك مع تسليم ظهور خلافه عرفا انتهى و أنت خبير بأنّ الوجهين في مرتبة دعوى لا شاهد (صح) عليها ان لم يقم الشاهد على خلافها فتدبر

قوله و لذا بنينا كالمشهور على شرعية عبادات الصّبي

يعني لكون المراد برفع القلم هو رفع قلم المؤاخذة قلنا بشرعية عباداته و ذلك لان إطلاقات العبادات و غيرها مثل قوله (عليه السلام) الصّلوة قربان كل تقى و الصوم جنة من النار مما ليس مشتملا على الإيجاب و الإلزام شاملة لكل من كان قابلا للإتيان بها و مثلها قوله (تعالى) أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ و الصّلح جائز بين المسلمين و من تلك الجملة الصّبي المميّز فلا بدّ في خروجه عن تحتها من مقيّد على حد خروج المسافر عن إطلاق الأمر بالصّوم و الهم عن إطلاق الصّلوة الجمعة و العبد عن إطلاقات الأمر بالنكاح و أمثال ذلك و ينبغي تفصيل القول في شرعية عبادات الصبي فنقول ان المراد به الصّبي المميّز و الصّبي الغير المميّز فلا خلاف لهم في سقوط عباداته و عباراته عن درجة الاعتبار كما لا يخفى و (حينئذ) نقول انهم اختلفوا في كون عبادة الصّبي المميز شرعية مستندة الى أمر الله يستحق من أجلها الثواب (صح) أو تمرينية و استظهر في الرياض من عبارة المنتهى عدم الخلاف في شرعيتها بيننا قال فيها و يصحّ الصّوم من الصّبي المميّز وفاقا للشيخ (رحمه الله) جماعة منهم الفاضلان بل يظهر من ثانيهما في المنتهى عدم خلاف فيه بيننا فإنه قال لا خلاف بين أهل العلم في شرعية ذلك لان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم)

322

أمر ولي الصّبي بذلك و من طرق الخاصة ما رواه الشيخ في الحسن عن الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه قال انا نأمر صبياننا بالصّيام إذا كانوا بنى سبع سنين ما أطاقوا من صيام اليوم فإذا غلبهم العطش أفطروا لأن فيه تمرينا على الطاعة و منعا عن الفاسد فكان شرعه ثابتا في نظر الشرع إذا ثبت ذلك فان صومه صحيح شرعي و نيته صحيحة شرعية و ينوي الندب لانه الوجه الذي يقع عليه فلا ينوي غيره و قال أبو حنيفة انه ليس بشرعي و انما هو إمساك عن المفطرات و فيه قوة انتهى و أورده عليه بعض من تأخر بالمنع عن دلالة عبارة العلامة (رحمه الله) التي حكاها على ما استظهره منها و ذلك لان استظهار عدم الخلاف ان كان من قوله (رحمه الله) لا خلاف فلا يتأتى منه ذلك لان الاستدلال على الشرعية التي نفى عنها الخلاف بأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر ولي الصّبي بذلك و بالحديث الأخر الذي وقع التصريح فيه بالتمرين يدلّ على ان المراد بها مطلق الثبوت في الشرع أعم من التمرين و الشرعية بالمعنى الأخصّ الذي هو مستلزم لكون الفعل مما ثياب عليه لتوجه الطلب اليه من الشارع و ان كان من نسبة الخلاف الى أبي حنيفة بتقريب انه لو كان في الحكم مخالف من أصحابنا كان اللازم نسبة الخلاف اليه دون أبو حنيفة ففيه ان تقويته لما نسبه الى ابى حنيفة يدلّ على ان به قائلا من أصحابنا و ليس مخالفا لما أطبقوا عليه أقول الذي يظهر لي انه اشتبه الأمر على صاحب الرياض (رحمه الله) و من أورد عليه اعنى بعض من تأخر في الوصول الى مراد العلامة (رحمه الله) و ذلك لان هنا أمرين أحدهما انه يسحب للولي أمر الصبي و تمرينه بالعبادة و ثانيهما ان نفس عبادة الصّبي هل هي شرعية توجه إليه الأمر بها من جانب الشارع و لو على وجه الندب و ان الذي لا خلاف فيه انما هو الأوّل و الذي وقع الخلاف فيه هو الثاني و الذي يوضح هذا المدعى عبارة العلامة (رحمه الله) في التذكرة حيث قال فيها يستحب تمرين الصّبي بالصّوم إذا أطاقه و حدّه الشيخ (رحمه الله) ببلوغ تسع سنين و يختلف حاله بحسب المكنة و الطاقة و لا خلاف بين العلماء في مشروعية ذلك لان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر ولي الصّبي بذلك رواه العامة و من طريق الخاصة قول الصّادق (عليه السلام) انا نأمر صبياننا بالصّيام إذا كانوا بنى سبع سنين بما أطاقوا من صيام اليوم فإذا غلبهم العطش أفطروا و لاشتماله على التمرين على الطاعات و المنع عن الفساد ثم قال (رحمه الله) تذنيب الأقرب ان صومه صحيح شرعي و نيته صحيحة و ينوي الندب لانه الوجه الذي يقع عليه فعله فلا ينوي غيره و قال أبو حنيفة انه ليس بشرعي و انما هو إمساك على المفطرات تأديبا و لا بأس به و قد ظهر بما قلناه ان البلوغ شرط في الوجوب لا في الصّحة و ان العقل شرط فيهما معا انتهى و ذلك لان لفظ ذلك فيقوله و لا خلاف بين العلماء في مشروعية ذلك إشارة إلى التمرين و الأمر الذي هو فعل الولي و يدلّ على ذلك تعليله بأن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمر ولي الصّبي بذلك ضرورة ان أمر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الولي لا يقتضي ابتداء الا استحبابه في حق الولي و كذا الحديث الأخر و أوضح منهما تعليله باشتماله على الطاعات و المنع عن الفساد و يدل على ذلك افراده بالعنوان بقوله تذنيب الأقرب ان صومه صحيح شرعي (انتهى) و مثله قوله في عبارة المنتهى إذا ثبت ذلك فان صومه صحيح شرعي و الظاهر ان الوجه في تفريع شرعية الصوم على ثبوت الاستحباب في حق الولي هو الاستكشاف بذلك عن محبوبية صدور العبادة من الصبي كما سيأتي لا كون الأمر بالأمر امرا لانه أنكره في النهاية و كتاب المنتهى و ان لم يكن حاضرا عندي حتى ألاحظ صدر العبارة المحكية الا ان كونها على سبك عبارة التذكرة يشهد بما قلنا انه هو المراد و كيف كان فالشرعية بالمعنى الأخص و هو ان يكون فعل الصبي مما توجه اليه الطلب و ترتب عليه الثواب مما وقع الخلاف فيه على أقوال أحدها إثباتها فعبارته شرعية محضة و هو المحكي عن الشيخ (رحمه الله) و العلامة (رحمه الله) في جملة من كتبه و اللمعة و (الدروس) و صرح به المحقق الأردبيلي (رحمه الله) و ثانيها نفيها فهي تمرينية محضة كما

في (المختلف) و عن الإيضاح و (البيان) و المحقق الثاني و في الروضة و ظاهر الفقيه و يستفاد من كلام المحقق الأردبيلي (رحمه الله) مصير الأكثر الى هذا القول بل كونه مشهورا ثالثها انها شرعية تمرينية لا شرعية أصلية و المراد بذلك ان إتيان الصّبي بهذه الأفعال و تركه لهذه التروك مطلوب للشارع لا لأنفسها بل لحصول التعود و التمرن على العمل بعد البلوغ فصلاة الصّبي فيها جهتان إحديهما جهة كونها صلاة و هذا الجهة ملقاة في نظر الشّارع بالنسبة إلى صلاة الصبي لا فرق بين كونها صلاة (صح) أو قياما أو قعودا أو نوما أو نحو ذلك فيعدم رجحان أصلي فيه بالنسبة اليه و عدم وجود أجر فيها من جهة كونها صلاة و الثانية كونها تعوّدا على شيء يكون مطلوبا بعد البلوغ و ان كان لاغيا في حاله هذا في حد ذاته و هذه الجهة مطلوبة للشارع يثيبه بنفيها و بعبارة أخرى التمرن مستحب دون الصّلوة و الصّوم و هذا القول محكي عن جماعة ممن نشأ و أبعد ألف و مائتين الى خمس و أربعين و ربما ينسب الى الشهيد الثاني (رحمه الله) و عبارته لا تساعد على ذلك بل تنفيه لانه صرّح في (المسالك) بان صومه تمريني لا شرعي و كذا في الروضة و الظاهر انه سرى الوهم إلى الحاكي من حكمه بأنه صحيح تمريني فتوهم ان الصّحة عبارة عن موافقة الأمر فيكون مأمورا به و تمرينيا و هو اشتباه لأنه (رحمه الله) قال في (المسالك) في ذيل عبارة المحقق (رحمه الله) المتضمنة للحكم بصحة نية الصّبي و شرعية صومه ما نصه اما صحة نيته و صومه فلا اشكال فيه لأنها من باب خطاب الوضع و هو غير متوقف على التكليف و اما كون صومه شرعيا ففيه نظر لاختصاص خطاب الشرع بالمكلفين و الأصح أنه تمريني لا شرعي انتهى و قال في الروضة عند قول الشهيد (رحمه الله) و يعتبر في الصّحة التمييز و ان لم يكن مكلفا و يعلم منه ان صوم المميز صحيح فيكون شرعيا و به صرّح في الدّروس ثم قال و يمكن الفرق بأن الصّحة من أحكام الوضع فلا تقتضي الشرعية و الاولى كونه تمرينيا لا شرعيا و يمكن معه الوصف بالصّحة كما ذكرناه خلافا لبعضهم حيث نفى الأمرين انتهى و غرضه (رحمه الله) هو ان صحة كل شيء عبارة عن مطابقته عند وقوعه في الخارج للوجه المقرر له بحسب أصله و طبيعته فالعبادة الصادرة من الصبي يصح وصفها بالصّحة و ان قلنا بكونها لمجرد التمرين إذا وقعت مطابقة للوجه المقرر لها كما يصحّ وصفها بالصحة لو قلنا بكونها مطلوبة مأمورا بها شرعا إذا وقعت موافقة للوجه المقرر المأمور به فالاتصاف بالصّحة لا يقتضي الاتصاف بالشرعية لكون الأول أعم من الثاني هذا رابعها ما يستفاد من كلام (المصنف) (رحمه الله) في بعض تحقيقاته التي املائها متفرقة من انها شرعية أصلية و شرعية تمرينية فقد اجتمع فيها جهتا شرعية بمعنى انها مطلوبة بالأصالة و مطلوبة للتمرين و حيث كان التمرن مطلوبا من الصّبي مأمورا به كانت من هذه الجهة (أيضا) شرعية و لهذا قال (رحمه الله) ما نصه الأقوى اتصافه يعنى صوم الصبي بالشرعية سواء قصد به امتثال نفس الأوامر العامة المتعلقة بذلك العمل أو قصد بذلك حصول الاعتياد عليه ليسهل عليه بعد البلوغ انتهى و وجه الاستفادة ان قصد امتثال نفس الأوامر العامة لا يصحّ الا (صح) الا بان تكون

323

متوجهة اليه و لازم هذا هو الشرعية و ان استتباع قصد الاعتياد للثواب يقتضي كون الاعتياد مطلوبا و مأمورا به خصوصا بعد تصريحه بالشرعية على هذا التقدير (أيضا) فتدبر خامسها ما ذهب اليه صاحب المستند (رحمه الله) من التفصيل بين صومه المستحب (مطلقا) و بين صومه الواجب بالشرعية في الأوّل و التمرينية دون الشرعية و الصّحة في الثاني احتج المثبتون بوجوه الأوّل ان الأوامر المفيدة للاستحباب متوجهة إليه قطعا و يتم المطلوب في الواجبات بالإجماع المركب و عدم القول بالفصل إذ لم يفصّل أحد بين الواجبات و المندوبات فمن قال بتوجه الأمر بالأولى قال بتوجّه الأمر بالثانية و إنكار الإجماع المركب كما صدر من الفاضل النراقي (رحمه الله) لا وجه له أقول لا يخفى ما في هذه الحجة لأن المقدمتين كليتهما في مرتبة الدّعوى إذ لم يعلم تسليم الخصم توجه الأوامر المفيدة للاستحباب اليه كما انه لم يعلم تحقق عدم التفصيل على وجه يكون مقصودا لهم كاشفا عن قول الحجة (عليه السلام) حتّى يكون المفصل مخالفا له (عليه السلام) الثاني ان الإطلاقات الدالة على تشريع المندوبات لا بصيغة الأمر مثل قوله (عليه السلام) الصّوم جنة من النار و الصّلوة قربان كلّ تقى تشمل الصبي قطعا و بعدم القول بالفصل بينها و بين الواجب يتم المطلوب و فيه أوّلا ان أمثال هذه الخطابات مسوقة لبيان مجرد التشريع من دون نظر الى من شرع في حقه فلا وجه للتمسّك بإطلاقها و ثانيا ما عرفته في سابقه من عدم تحقق عدم القول بالفصل الثاني أوامر الإطاعة مثل قوله (تعالى) أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ فإنه لا ريب في شمولها بإطلاقها للصّبي المميز على حد شمولها لغيره و فيه ان توجه أوامر الإطاعة فرع توجه سائر الأوامر لكونها ناظرة إليها فهي بأنفسها مع قطع النظر عن تلك الأوامر لإطلاق لها الرابع إطلاق موارد الأوامر كقوله أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ و قوله (تعالى) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و أمثال ذلك فان تعلق الطلب بها يكشف عن كونها محبوبة عند الشارع و ان كان فاعلها هو الصبي غاية ما في الباب ان الشارع لم يوجه اليه الطلب بالفعل لكون المحبوبية كافية في ترتب الثواب و فيه انه لا يبقى لإطلاق المادة وجه بعد تقيدها بمقتضى الهيئة و بعد ذلك نقول ان أريد ان تعلق الطلب بالمادة يكشف عن كونها محبوبة في الجملة فهو مسلم لكن لا يحصل من ذلك سوى القضية الجزئية المتحققة بمحبوبية المادة في حق الكامل بالبلوغ و العقل و غيرهما من شرائط صحة التكليف و ان أريد ان تعلقه بها يكشف عن كونها محبوبة على وجه الإطلاق المنحل الى العموم الشامل للصّبي (أيضا) فهو ممنوع الخامس الأخبار الناطقة بأمر الولي بأن يأمر الصّبي بالصّلوة و الصّوم و الاستدلال بها يصح تقريبه بوجهين أحدهما ان يقال انا نستكشف بأمر المولى بذلك عن محبوبية الصّلوة و الصّيام و بذلك يترتب عليه الثواب و ثانيهما ان يقال ان الأمر بالأمر أمر فيكون أمر الولي بأمر الصّبي بالصّلوة مثلا امرا للصبي بها و يشهد بهذا فهم الصّحابة فإنهم فهموا من قوله (عليه السلام) في حق النساء مروهن بان؟؟ تستجين؟؟

وجوب الاستنجاء في حقهن لكن لا يخفى ما في هذا الاستشهاد لان قوله (عليه السلام) مروهن ليس من قبيل الأمر بالأمر بل قد علم ان مقصود النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) أمرهن بذلك و لما كان ذلك عسيرا بحسب العادة جعلهم مبلغين لحكمه (عليه السلام) إليهن و الا فهو الأمر لهن حقيقة و ليس الرجال مستقلين في الأمر و انما اعتبروا مبلغين و الا لكان جميع أوامر اللّه عز و جلّ بالنسبة إلينا من قبيل الأمر بالأمر فإن اللّه (تعالى) قال لنبيه (صلى الله عليه و آله و سلم) قل للناس كذا و كذا فجميع أوامره (تعالى) بالنسبة إلينا من قبيل قوله (تعالى) قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصٰارِهِمْ (انتهى) وَ قُلْ لِلْمُؤْمِنٰاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصٰارِهِنَّ (انتهى) فتأمل ثم لا يخفى ما في أصل تقريب الاستدلال و ذلك للمنع من كون الأمر بالأمر امرا بالنسبة الى الثالث و لأن الأخبار المذكورة و ان كانت يستكشف بها عن كون صدور العبادات محبوبا من الصّبي الا أن المحبوبية أعمّ من كون وقوعها على وجه التعبد بها و كون وقوعها على وجه التمرين و لا دلالة للعام على الخاص السادس ما أيد به المحقق الأردبيلي (رحمه الله) مختاره الذي هو شرعية عبادة الصّبي من الفتوى المشهورة التي ادعى عليها الشيخ (رحمه الله) و العلامة (رحمه الله) الإجماع و نفى عنها الشهيد الثاني (رحمه الله) المخالف القادح في انعقاد الإجماع و هي ان الصّبي إذا أحرم ثم كمل قبل المشعر اجزاء و احتسب حجة ذلك حجة الإسلام و تقريب الدلالة ان جملة من أفعاله صدرت منه في حال الصغر فلو لم تكن صحيحة لم يكن وجه لاجزاء حجه من حجة الإسلام قال (رحمه الله) في مسئلة حج الصّبي و المجنون عند قول العلامة (رحمه الله) و لو حجا أو حج عنهما لم يجزء عن حجة الإسلام و لو حجا ندبا ثم كملا قبل المشعر اجزء ما نصه اما سقوط الحج على تقدير كما لهما برفع المجنون و بالبلوغ قبل المشعر فأدركا كاملين مع وجود باقي الشرائط مثل حصول الاستطاعة من مكانه على ما أزعم لا من بلده كما قيل فهو انهما أدركا ما يجزى للمضطر فيجزي مثله مع إدراكها باقي المناسك بأمر الشارع و هذا أوضح عندي لأني أقول بصحة عبادة الصّبي المميّز شرعا مع الشرائط و هذه المسئلة تؤيده فافهم و في الخبر الدال على الاجزاء من العبد لو أدركه معتقا كما مر إشارة الى اجزاء من الصّبي (أيضا) و لا يبعد ذلك في المجنون المميّز (أيضا) و لا ينبغي الحكم ممن يقول بعدم شرعية أفعال الصّبي بل محض التمرين لعدم صحّة الإحرام و سائر الأفعال بخلاف العبد فعلى ما قلناه ينوي وجوب الوقوف فقط فيقطع و على المشهور ينبغي تجديد الإحرام (أيضا) و هو مشكل فتأمل انتهى و كذا ما دل من الاخبار على جواز إمامة الصّبي و افتى بمضمونها جماعة و ان كانت المسئلة خلافية كاختلاف اخبارها فأفتى جماعة بجواز إمامته و اخرى بعدم جوازها بل هو مذهب الأكثر كما ذكره المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال في شرائط إمام الجماعة ما لفظه كونه مميّزا شرط بغير خلاف و وجهه ظاهر و امّا المميّز الذي يصلّى تمرينا ففيه خلاف و الظاهر ان الأكثر على العدم لعدم كون عبادته شرعية فكيف تنبئ عليها العبادة الشرعية ثمّ ذكر ما دلّ من الاخبار على المنع و ما دلّ على الجواز ثم قال فيحمل الاولى على الكراهة أو على غير من يصلح لذلك للجمع و للرواية عن العامة و لتجويز إمامته لأمثاله و في مثل الاستسقاء حتى جوزه بعض المانعين (أيضا) و يؤيده تحقق الجماعة بمأموميته فإنه فرع صحته شرعا فإنه مؤيد لكون عبادته شرعية كما تقدم و بالجملة أظن كون عبادته شرعية مثل غيره فإذا حصل الاعتماد مع عدالته مع الأمن من ان يعتمد على عدم العقاب و يترك يمكن ان يصحّ إمامته للكل و الا فلا و الأحوط المنع و هو مذهب الأكثر انتهى ما أردنا نقله من كلامه و كذا ما نطق من الاخبار باعتداد غيره بأذانه و لو لا صحة عمله لم يكن له وجه و الخبر الدال على ذلك معمول به قال المحقق المذكور (رحمه الله) و يدل على جواز الاعتداد بأذان الصّبي الخبر بل الإجماع المنقول على الظاهر و لعل المراد به المميّز و الخبر مرويّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يقول لا بأس بأن يؤذن الغلام قبل ان يحتلم و لا بأس بأن

324

يؤذن المؤذن و هو خبيث و لا يقيم حتى يغتسل و لا يضر عدم صحة السّند مع انها صحيحة في باب الزيارات انتهى أقول إجزاء حجة المذكور عن حجة الإسلام و ان كان أقوى مما تقدمه من الأدلّة على شرعية عبادته و ان لم يرد به نص و دعوى المحقق المذكور دلالة النص الوارد في اجزاء حج العبد الّذي أعتق قبل المشعر عن حجة الإسلام ممنوعة الا ان في الإجماعات المنقولة التي تقدم ذكرها غنى و كفاية لإفادتها الاطمئنان بالحكم و لكن اقتران المجنون بالصّبي في حكم اجزاء حجة أوهن دلالة ما حكموا فيه على الشرعية ضرورة عدم شرعية عبادة المجنون لأنه ان لم يكن له شعور مصحّح للتكليف فعبادته لا تكون شرعية لعدم صحة تكليفه و ان كان له شعور مصحّح للتكليف فليس بمجنون مضافا الى انه يمكن منع الدلالة من أصله لأن التفضل بالتكميل الناقص و قبوله في عداد الكامل لا يستلزم كونه كاملا بحسب أصله ألا ترى ان من دخل في الصّلوة قبل حلول وقتها بزعم حلوله ثم دخل الوقت في أثنائها صحّت صلوته مع ان الصّلوة قبل الوقت غير مشروعة و كذا من كان جاهلا بكون اليوم من رمضان أو ناسيا و قد علم أو ذكر قبل الزوال فجدّد النية فإنّه في حال جهله و نسيانه لم يكن مأمورا مخاطبا بالصّوم و لم يكن إمساكه السابق بغير نية إمساكا شرعيّا و قد قبل الشارع منه الإمساك المركب من المأمور به و غيره بدل المأمور به و اما إمامته للمكلف فإنها و ان كانت مستلزمة لشرعية صلوته الا ان الكلام في أصل المبنى الّذي هو جواز إمامته لاختلاف الاخبار و تعارضها و كون ما دلّ على المنع معتضدا بمصير الأكثر و لا أقل من التساقط و اما جواز إمامته فبخصوص صلاة الاستسقاء فهو بعد تسليمه لا دلالة فيه لان اختصاص الجواز فيها و عدم جواز إمامته في غيرها يدلّ على انها لكونها مندوبة وسع فيها الشارع بانعقادها بالايتمام بالصّلوة التمرينية بل ربما كان تقديم من لم يكتب عليه المعاصي و الذنوب أقرب الى استجابة الدّعاء و اما الاعتداد بأذانه فالخبر الدال عليه مطلق شامل للمميّز و غيره مع ان الثاني ليس ممن قالوا بشرعية عبادته فمقتضى الخبر هو ان لا يكون اعتداد السامعين للأذان به منوطا بشرعية أذان المؤذن فتدبر و اما جواز إمامته لمثله فلا دلالة فيه أصلا لاحتمال كون صلوتهما جميعا للتمرين كما لا دلالة له فيما دلّ على انعقاد الجماعة به إذا كان مأموما مثل ما روى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) مسندا في التهذيب قال (عليه السلام) الصّبي عن يميز الرّجل في الصّلوة إذا ضبط الصف جماعة و ذلك لإمكان كفاية مأموميته صورة على القول بكون عبادته تمرينية في حصول فضيلة الجماعة للإمام تفضلا من اللّه تعالى على عباده كما تفضّل على الواحد الذي لا يتيسر له الجماعة بفضيلتها ففي خبر الجهني عن زرارة إني أكون في البادية و معي أهلي إلى قوله و انهم يتفرقون فأبقى أنا وحدي فأؤذن و أقيم و أصلي وحدي أ فجماعة انا فقال نعم المؤمن وحده جماعة و يعلم من ذلك ما في تأييد القول بصحة عبادة الصبي شرعا (صح) بحصول فضيلة الجماعة بايتمامه بغيره كما صدر من المحقق المذكور مضافا الى انه يمكن ان (يقال) ان الرواية المذكورة ليست مسوقة لبيان ان الصبي و امامه ينعقد بهما الجماعة و انما هي مسوقة لبيان دفع توهم كون عدم البلوغ سببا لكون تحلله بين الامام و المأمومين موجبا للبطلان فأفاد ان الصّبي إذا كان حائلا بين الامام و المأمومين على حد لا يخرج عن صفّهم يعد من أهل الجماعة فلا يوجب حيلولته بينه و بينهم انفصالهم عن الامام و لا يتوهم ان عدم حصول عدد الجمعة بالصّبي يدلّ على عدم شرعية عبادته لكونه أعم من ذلك كما يشهد به عدم كون المرية متممة لعدد الجمعة ضرورة شرعيّة (صح) عباداتها السابع قاعدة التسامح في أدلّة السنن و مدركها أمران أحدهما الأخبار الناطقة بان من بلغه ثواب على عمل فعمله كان له ذلك الثواب و يصدق فيما نحن فيه من جهة فتوى جماعة منهم الشيخ و الفاضلان على ما حكى عنهم بشرعية عبادة الصّبي و صحتها و استحبابها الشرعي فيحقه انه بلغه ثواب على عمل و هو إتيانه بما يجب على البالغ أو يستحب فإنهم قالوا باستحباب جميع ذلك في حقه و ثانيهما الحسن العقلي فإن العقل يحكم مستقلا بحسن الإتيان بما احتمل انه مطلوب للمولى و منشأ الاحتمال قد يكون هو ضعف السّند و قد يكون هو ضعف الدلالة فمفهوم الوصف و غيره من المفاهيم الضعيفة الّتي لا يعبأ

بها في الأحكام الإلزامية مما يوجب الاحتمال فبهذا المقام فيعبأ بها و كذا الأفراد النادرة للمطلق الّذي ينصرف الى غيرها و كذا ما هو أندر الافراد بالنسبة إلى المطلقات بل العمومات فان دلالتها على ذلك ضعيفة لا يعبأ بها في الأحكام الإلزامية لكنها في مقام الاستحباب لما أورثت قيام الاحتمال اعتبر بها بل عن صاحب الجواهر (رحمه الله) في بعض ابحاثه انه لو وقع في قلب المجتهد رجحان بملاحظة مذاق الشرع و ان لم يكن عليه دليل و لا فتوى جاء هناك قاعدة التسامح من باب الحسن العقلي و فيما نحن فيه لا إشكال في حصول الرجحان بملاحظة فتوى جماعة و ملاحظة الوجوه المذكورة فيجيء قاعدة التسامح و فيه ان قاعدة التسامح لا تفيد في إثبات صيرورة الفعل المأتي به بذلك العنوان مستحبا شرعيا فلا يثبت بها الشرعية في مقابل التمرين الثامن ان المستقلات العقلية كحسن الإحسان و رد الوديعة و نحو ذلك لا ريب في ان من امتثل بها مستحق للثواب في نظر العقل من دون فرق بين البالغ و الصبي و حكم الفعل لا يقبل التخصيص و الجزاء لا ينفك عن العمل الحسن عقلا و نقلا فكيف يعقل القول بعدم ترتب الثواب على ذلك مع تسليم هذه المقدمات و دعوى عدم حكم العقل بحسن رد الوديعة أو الإحسان في الصّبي مما ينكره الوجدان و ينفيه العيان و لا فرق بين ما يستقل به العقل و غيره و فيه ان العقل يحكم بوجوب رد الوديعة لا مجرد حسنة فان لم يكن فرق بين الصّبي و غيره فاللازم ترتب العقاب على تركه بحكم العقل و كذا العقل بقبح الظلم منه كغيره و لا يعاقب الشارع على شرب الخمر و لا على الظلم فيعلم من ذلك افتراق الحكم الشرعي عن الحكم العقلي بحسب الشرائط و عدم صحة المقايسة بينهما و السر في ذلك ان للشارع ان يقرر لطلبه الوجوبي أو الندبي شرائط و يتصرف في الحكم العقلي الكاشف عن حكمه بجعل شرط له كما ان له ان يجعل لاحكامه الصادرة منه شرطا و قد رفع ذلك في الخارج فجعل البلوغ شرطا فحكم العقل في الحقيقة و ان كان مستقلا بحسب الموضوع و المحمول الا انه مشروط بعدم المانع فهو يحكم بوجوب رد الوديعة ان لم يمنع منه مانع لكن مصداق المانع قد يكون مما يدركه العقل و يعرفه ككونه فاقدا للشعور و التّمييز و قد يكون مما لا يدركه و لا يعرفه الا الشارع فإذا بينه و كشف عنه ارتدع العقل عن حكمه في المورد الذي كف عنه الشارع و محصّل ما ذكرناه يؤل إلى انه لم يعلم كون صدور ما وجب على البالغ مندوبا و حسن في حق الصّبي و لم يعلم توجه الأمر من الشارع اليه لاحتمال كون الندب مشروطا بالبلوغ كالوجوب التاسع ان قضية اللطف عدم خلو هذا العمل الصادر من الصّبي عن الثواب فان من اتى بعمل حسن قاصدا به وجه ربه الكريم فحرمانه من الجزاء و الثواب مناف للطف و ما دلّ من الكتاب و السنة على انه من تقدم الى اللّه شبرا تقدم اليه ذراعا و فيه ان مساقه يعطي ان مراده باللطف انما هو التفضل

325

و لا نسلم (حينئذ) وجوبه و اللطف الّذي نلتزم بوجوبه انّما هو ما كان مقرّبا إلى الطّاعة على وجه لو لم يتفق هو لم يتفق تحصيل المأمور به و اين هذا مما نحن فيه فان اجراء الثواب على إتيان الصّبي بمثل ما يجب على البالغ ليس مما يقرب إلى الإتيان بالمأمور به على الوجه المذكور و ان أريد باللطف إثبات أمر اللّه إياه بالمندوبات و الواجبات في حق غيره على وجه الاستحباب فكون الأمر المذكور لطفا ممنوع (أيضا) العاشر الاعتبار العقلي فإن من البعيد الفرق بين ما قبل البلوغ بساعة و ما بعده فان المراهق المقارب للبلوغ جدا لا ريب في انه بمكان من الإخلاص و العبودية للّه (تعالى) كما بعد البلوغ بل في الحالة الأولى ربما يكون أقوى منه في الحالة الثانية فيبعد كونه مأجورا على الثانية دون الاولى و فيه انه يرتفع البعد بملاحظة افتراق الحالتين من جهة الحكم الوجوبي و التحريمي و صدور الأمر في إحديهما دون الأخرى الحادي عشر ما دلّ من الاخبار على ان لكل كبد حرى اجرا فإنّه عام شامل للصّبي و البالغ و هو يشير الى ان العلّة إنما هي حرارة الكبد و لا ريب في حرارة بعض الكبد الضبيان في بعض الأوقات شوقا الى اللّه تعالى أزيد من البالغين و فيه أولا ان هذا لا يفيد إلا في بعض من اشتد شوقه بخلاف من كان شوقه دون ذلك و ثانيا ان الحديث المذكور انما يبيّن ثبوت الأجر للملهوف الّذي اصابه ما يؤلمه أو فاته ما يلائمه و اين هذا من حال من اشتاق الى ارتكاب عمل فارتكبه هذا و ليعلم ان من قال بكون عبادة الصّبي شرعية انما يقول به في غير الأموال لكونه محجورا فلا يجوز له التصرف فيها فيمنع من التصدق و نحوه و لا ينافي ذلك تعلق الحق بماله كما لو حصل من ماله ربح فإن جماعة يقولون بوجوب الخمس فيه لان ذلك خطاب متوجه إلى الولي و ليس هو المخاطب بالإخراج و ان تعلق الحق بماله احتج القائلون بكون عبادة الصّبي تمرينية بوجوه الأول الأصل بمعنى أصالة عدم الشرعية و ذلك لان القائلين بالشرعية يدّعون ان ما هو واجب في حق المكلفين أو مندوب فهو مستحب في حق الصّبي شرعا بمعنى انه توجه إليه أمر من الشارع على وجه الندب فإذا شك في ذلك فالأصل عدمه الثاني ما تمسك به في الرياض و في المستند من ظواهر الأخبار كرواية الزهري الطويلة و فيها ان الصّوم على أربعين وجها فعشرة أوجه منها واجبة كوجوب صوم شهر رمضان و عشرة أوجه منها حرام و أربعة عشر وجها منها صاحبها بالخيار ان شاء صام و ان شاء أفطر و صوم الاذن و صوم التأديب ثم ذكر (عليه السلام) في أقسام ما فيها بالخيار كثيرا من أقسام الصّوم المندوب الى ان قال و اما صوم التأديب فإنه يؤخذ الصّبي إذا راهق بالصّوم تأديبا و ليس ذلك بفرض و (كذلك) المسافر إذا أكل من أول النهار ثمّ قدم اهله و كذلك الحائض إذا طهرت و في الفقه الرضوي و اما صوم التأديب فإنما يؤمر الصّبي إذا بلغ سبع سنين تأديبا و ليس ذلك بفرض و ان لم يقدر الا نصف النهار يفطر إذا غلبه العطش و (كذلك) من أفطر لعلّة في أول النهار ثم نوى بقية يومه أمر بالإمساك بقية يومه تأديبا و ليس بفرض و (كذلك) المسافر إذا أكل من أوّل النهار ثم قدم أهله أمر بقية يومه بالإمساك تأديبا و ليس بفرض و في حسنة الحلبي المتقدمة في صدر المسئلة تعليل أمرهم (عليه السلام) صبيانهم بالصّيام إذا كانوا بنى سبع سنين بان فيه تمرينا على الطاعة و منعا عن الفساد الثالث ما دلّ من الاخبار على أمر الصّبي بإمساك بعض النهار إذا لم يطق إمساك جميعه فان ذلك يدلّ على انه لمجرّد التمرين و الّا فلم فليس يوجد في الشرع صيام بعض النهار و من هنا يعلم ان كلا من حسنة الحلبي و الفقه الرضوي يدل على هذا القول من وجهين الاجتزاء ببعض النهار و الاشتمال على التأديب و التمرين الرابع حديث رفع القلم عن الصبي و تقريب الدلالة انه ليس المراد برفع القلم خصوص رفع المؤاخذة كما قيل بل المراد ما يعم جميع الأحكام الخمسة التكليفية و وجهة ان القلم انما استعمل هنا من باب المجاز فان معناه الحقيقي هو إله النقش و لما كان المكلفون من شأنهم ان الكرام الكاتبين يكتبون أعمالهم بأسرها من واجبات و مندوبات و محرمات و مكروهات أراد النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الاخبار عن ان الصّبي ليس مورد التعرض اعماله فقد

رفع عنه القلم فلا يكتب له و لا عليه شيء فرفع القلم في الحديث كناية عن عدم الاعتداد بحاله بشيء من الأحكام التكليفية فهذا المعنى هو الأقرب الى ما هو معنى القلم حقيقة و يؤيد ذلك بل يدلّ عليه انّه اقترن الصّبي بالمجنون في رفع القلم عنه في قوله (عليه السلام) رفع القلم عن ثلاثة عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتى يفيق و عن المغمى عليه حتّى يصح كما انّ الأحكام الندبيّة مرفوعة عن المجنون فكذا عن الصبي بل الحال ذلك في المغمى عليه ما دام مغمى عليه بحسب الاعتبار و كذا بحسب العرف و لسانه لسان الحكومة فلا يضرّ كون النسبة بينه و بين العمومات هي العموم من وجه في مثل ما لو قيل من قرء سورة الفاتحة فله كذا فإنه شامل للصّبي و غيره و حديث رفع القلم عن الصبي (صح) شامل للفاتحة و غيرها من الأعمال فيكون حاكما على كلّ ما كان من العمومات و الإطلاقات قابلا لان يحكم عليه مثل قوله (تعالى) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا و اما ما كان هو خارجا عنه من أصله مثل يا ايّها الذين أمنوا فلا اشكال فيه فتكون العمومات و الإطلاقات بأسرها متوجهة إلى البالغين دون غيرهم فقد ورد الحديث المذكور على طبق استعمال أهل التعارف فإنهم إذا قالوا ان فلانا مرفوع عنه القلم أرادوا به ان لا يوجه طلب إلى أفعاله و لا الى تروكه (مطلقا) لا على وجه الإلزام و لا على غيره و لا ينافي هذا ترتب الأحكام الوضعية على أفعاله لأنه لا يوجه اليه طلب في ضمنها بل لو كان هناك طلب فقد توجه إلى الولي أو انه يتوجه اليه بعد التكليف فالتعرض المنفي بحديث رفع القلم ليس ثابتا في الأحكام الوضعية فتخصيص حكم الحديث المذكور بنفي المؤاخذة غير سد كالقول بتعميم حكمه بالنّسبة إلى الأحكام الوضعية و التكليفية جميعا كما ذهب اليه بعضهم الخامس رواية محمّد بن مسلم متى يصلى الصّبي قال (عليه السلام) إذا عقل الصّلوة بتقريب ان عقل الصّلوة كناية عن البلوغ فقبله لا صلاة في حقه فيكون للتمرين و لا يخفى ضعفه لان الظاهر من عبارة الحديث هو السؤال عن وجوب الصّلوة فينطبق عليه الجواب و نفى الوجوب قبل البلوغ أعم من الندب و التمرين فتعيين أحدهما بخصوصه تحكم السّادس ما تمسك به العلامة (رحمه الله) بعد تصريحه بأن الأقرب انه على سبيل التمرين و اما انه تكليف مندوب إليه فالأقرب المنع من قوله (رحمه الله) لنا ان التكليف مشروط بالبلوغ و مع انتفاء الشرط ينتفي المشروط انتهى و أنت خبير بما فيه لان اشتراط التكليف المندوب بالبلوغ عين المتنازع فيه فلا وجه للاستدلال به حجة القول الثالث اما على نفى الشرعية الأصلية فهي بعينها أدلّة القول بالتمرين (مطلقا) على ما عرفت و اما على ثبوت الشرعية التمرينية فهي ان النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال مروهم بالصّلوة أبناء سبع و مقتضاه استحباب التمرين من الولي و يلزمه استحباب التمرن و محبوبيته و مطلوبيته و الا لزم ان يكون الأمر بالتمرين لغوا و وجه اللزوم ظاهر لأن الأمر بالشيء لا بد فيه من غاية و مع قصد الأمر عدم ترتبها أو عدم قصده ترتبها يلزم اللغو و العبث في الأمر المجرد عن الغاية لكن هذا انما يتم على القول بكون الأمر بالأمر امرا و الا لم يتحقق الأمر بالتمرن في حق الصّبي و ان استلزم محبوبيته لكن الفعل بمجرد المحبوبية لا يصدق عليه انه شرعي و ان كان إتيانه يستلزم الثواب إذا كان بعنوان المحبوبية لأن الشرع

326

عبارة عن الجعل و إذا لم يكن أمر لم يكن جعل و لهذا فسروا الشرعي بمعنى المأمور به حجة القول الرابع و اما على كونها شرعية أصلية فهي عموم خطاب مثل يا ايّها الناس و مثل قوله (تعالى) وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا للصّبي و لا مخرج له عن تحتها سوى ما يتوهم من حديث رفع القلم و لكنه غير صالح لذلك لان رفع القلم كناية عن رفع المؤاخذة فيكون مخرجا له عن عنوان المؤاخذة و خروجه عنه غير مستلزم لخروجه عن عنوان توجه الخطاب الندبي اليه و امّا على كونها شرعية تمرينية فهي أمر النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) الأولياء بأن يأمروا الصّبيان بالصّلوة و لو لا كون حصول التمرن محبوبا و مطلوبا لم يكن أمر الأولياء إلا لغوا و لكنك خبير بان المتبادر المنساق من رفع القلم خلاف ما ذكره و هو مطلق التعرض لحاله بتوجيه الطلب اليه و ان توجه العمومات إلى الصّبي و غيره يستلزم استعمال اللفظ في معنيين لأنها بالنسبة إلى البالغين لا بد و ان يكون المراد بها هو الوجوب و بالنسبة إلى غيرهم لا بد و ان يراد بها الندب و القدر الجامع الذي هو الرجحان و ان كان موجودا الا ان إرادته من الخطاب تمنع من انفهام كون تكليف كل من الصنفين شيئا معيّنا معلوما من الحكم و اما وجه كون التمرين شرعيّا فهو مبنى على القول بكون الأمر بالأمر امرا للثالث و هو ممنوع نعم يلزم منه كون الغاية التي هي التمرن محبوبة و هو لا يستلزم كونها مأمورا بها حتى تصير شرعية حجة القول الخامس ما ذكره في المستند في طي قوله امّا الأولون يعني القائلين بعدم الشرعية فإن كان مرادهم عدم صحّة الصوم منه (مطلقا) سواء كان من شهر رمضان أو غيره من الواجب و المستحب و كان كلّ صوم منه محض التمرين و التأديب فكلامهم غير صحيح إذا المقتضي لصحة صومه في الجملة و شرعية موجود و المانع مفقود امّا الأول فلعموم بعض الاخبار في الصّوم المستحب كما في مرسلة سهل في سبعة و عشرين من رجب فمن صام ذلك اليوم كتب اللّه له صيام ستين شهرا و مثلها من الاخبار كثير جدا و القول بأن الأوامر الاستحبابية مسوقة لبيان أصل الاستحباب فاما من يستحب له فالمتضمن للمستحبات بالنسبة إليه مجمل و بان المتبادر منها من عدا الصبيان فاسد جدا لأن شيئا منهما لا يجري في مثل ما ذكرنا و ان أمكن في بعض أخر و امّا الثاني فللأصل و عدم تصور مانع غير الأدلّة الّتي ذكروها و الكل مردود أمّا الأصل فبالعموم المذكور و امّا حديث رفع القلم فيمنع العموم فيه إذ ليس المراد بالقلم و لا برفعه حقيقته و مجازه متعدّد فلعله قلم التكليف أو قلم المؤاخذة أو قلم كتابة السّيئات كما ورد في حديث يوم الغدير أنّه يأمر اللّه سبحانه الكتبة أن يرفعوا القلم من محبّي أهل البيت (عليه السلام) الى ثلاثة أيام و لا يكتبوا خطاء و لا معصيته و اما كون الأمر تكليفا فهو ممنوع بإطلاقه و انما هو في الإيجابي و لو سلم فاشتراط مطلق التكليف بالبلوغ ممنوع و امّا الاخبار فلان الظاهر منها هو صيام شهر رمضان و هو الذي يحتاج إلى التأديب و امّا الآخرون فان كان مرادهم ان كل صوم منه شرعي مندوب في حقه فهو مما لا دليل عليه و كون الأمر بالأمر امرا ممنوع و إطلاق الأوامر مخصوص ببعض المستحبات و ان تعدى إلى الباقي بالإجماع المركب و اما الايجابيات فمخصوصة بالمكلفين إذ لا وجوب على الصّبي و تعميم الأوامر الوجوبية و رفع المنع عن الترك في الصّبي فيبقى الندب استعمال اللفظ في الحقيقة و المجاز و هو غير جائز و المراد بشرعية صومه ان كان رضا الشارع به فهو غير الأمر بل هو كرضاه بذهاب الحمار من الطريق الفلاني إذا قال لصاحبه اذهب به من هذا الطريق و ان كان امره به فهو غير متحقق في جميع افراد الصّيام و بما ذكرنا ظهر ان الحق شرعية صومه المستحب (مطلقا) و تمرينية الواجب لا شرعيته و صحته و ان أريد بالشرعية مطلق رضا الشارع أو انه أمر الولي بتمرينه عليه فلا مشاحة كما انه لا مضايقة في ان يوصف بالصحة بمعنى الموافقة للأمر الصادر عن أمر الشارع أو لأمر من له الإلزام انتهى و قد علم مما تقدم مواضع النظر فيه فتدبر تنبيه يحصل من كلماتهم ظهور ثمرة الخلاف في موارد الأوّل الأجر فإنه على القول الأوّل و الثالث و الرابع يستحق الأجر و الثواب و على القول الثاني

لا يستحقه و على الخامس يستحقه في المندوب دون الواجب ثم انه تفترق تلك الأقوال في انه على الأول يستحق أجر نفس العبادة و على الثالث أجر التمرن و على الرابع أجر ما نوى منها الثاني نية العبادة فعلى القول الأول ينوي الندب و على الثاني ينوي الوجوب و على الثالث يجوز كل منهما باعتبار و اما على الرّابع فان نوى امتثال الأوامر العامة نوى الندب و ان نوى الاعتياد و التمرن نوى الوجوب و حال القول الخامس في الواجبات حال القول الثاني و في المندوبات حال القول الأوّل هيهنا و في جميع ما يأتي من موارد الثمرة و بما ذكر يعلم ما في كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة مع قوله بأن عبارة الصّبي تمرينية حيث خيره في النية بين نية الندب و نية الوجوب إذ لا مجال للأولى (حينئذ) و ان وجهه بعض المحشين بأنها مبنية على كون عبادته أشبه بالمندوب منها بالواجب لان ذلك لا يقتضي تسويغ نية الندب فيه خصوصا مع الحكم بكونها اولى من نية الوجوب كما صرّح به هو (رحمه الله) اللّهمّ الا ان يلتزم بكون نفس التمرين مما تعلق به الطلب على وجه الندب فيجوز له نية الندب بذلك الاعتبار و الظاهر انّه بملاحظة حكمة بالتخيير في النية استفاد بعض؟ الأواخر؟ منه (رحمه الله) انه يقول بالشرعيّة التمرينية الثالث النيابة فعلى القول الأول تجوز نيابته عن ميت أو حي بأجرة و بدونها و على القول الثاني لا تجوز لعدم كفاية العمل الغير المأمور به عن المأمور به و على القول الثالث (أيضا) لا تجوز لان رجحان العمل بناء عليه رجحان التمرن لا رجحان عبادة فلا يجزى عن العبادة و على القول الرابع تجوز نظرا الى كون عمله مطلوبا بالأصالة و لولاه لم يجد مطلوبية التمرن في قيامه مقام العمل المشروع و يمكن المناقشة فيه على قول من يقول بأن أخذ الأجرة عند الإجارة على الواجبات انما هو على تنزيل نفسه منزلة المنوب عنه و انه بعد تنزيل نفسه ينوي القربة و ان المتقرب (حينئذ) هو المنوب عنه دون النائب و بهذا أجاب بعض المحققين (رحمه الله) عن إشكال أخذ الأجير الأجرة على الواجبات فيقال هيهنا انه بناء على ذلك يجوز ان ينوي الصّبي القربة بعد تنزيل نفسه منزلة زيد بالنيابة فالمتقرب هو زيد دون العامل و (حينئذ) لا يعمل الصبي لنفسه عملا حتى يكون مما لا يمكن التقرب به اللّهم الا ان يجاب بان العمل الصادر من الصبي لو كان قابلا لان يتقرب به لأمر الشارع به و لو ندبا فمع عدم امره به ينكشف عدم قابليته هذا نعم يتم الثمرة المذكورة بلا اشكال فيما لو فعل الصّبي عبادة و اهدى ثوابها الى ميت مثلا فإنه على الشرعية تصحّ عبادته دون التمرينية و كذا على مذهب من يقول بأن النائب هو المتقرب دون المنوب عنه الرّابع ما لو عزم الصّبي على الصّوم ليلا و تلبس به نهارا ثم انه بلغ قبل الزوال بما لا يبطل الصّوم و جدّد النية فإنه يصحّ صومه على القول الأول و الرابع فيجب عليه الإمساك بعده الى الغروب بخلافه على القول الثاني و الثالث فلا يجب عليه إتمام صيام ذلك اليوم الى الغروب و لكن ذكر في المستند

327

انهم قالوا يتفرع على الخلاف ما لو بلغ في أثناء النهار قبل الزوال بغير المبطل فعلى الصّحة يعني الشّرعية يجب الإتمام و على عدمها فلا ثمّ قال و فيه نظر إذ على فرض الندبية و الصّحة فما الدليل على الوجوب في البالغ في الأثناء و لم يثبت علينا الوجوب إلّا في المستجمع للشرائط في تمام النهار و الحمل على من قدم اهله قبل الزوال و نحوه قياس باطل و الأصل يقتضي عدم وجوب الإتمام و لا القضاء على القولين على ان من القائلين بالصّحة (أيضا) من يقول بوجوب الإتمام تأديبا لا صوما انتهى أقول اما ما ذكر أولا من اعتبار تجديد النية فإنه لازم حتى على القول بعدم وجوب قصد الوجه لان المفروض انه صام بنته الندب و إمساكه بعد البلوغ واجب نعم لو قلنا بجواز نية الوجوب في المندوب و بالعكس لم يلزم تجديد النية و اما ما أورده صاحب المستند (رحمه الله) من وجه النظر أولا فهو صحيح لكن ما ذكره أخيرا من ان من القائلين بالصّحة (أيضا) من يقول بوجوب الإتمام تأديبا لا صوما محلّ نظر لان كون الإتمام بناء على أحدهما صوما و على الأخر تأديبا يكفي في تحقق الثمرة فتدبر الخامس ما لو توضأ للصّلوة أو اغتسل لها ثم بلغ قبل التلبس بالصّلوة فإنه يصلّى بتلك الطهارة على القول الأوّل و الرابع دون القولين المتوسطين بينهما و كذا لو بلغ في أثناء الوضوء أو الغسل بما لا يبطل هما فإنه يصحّ له على القول الأوّل و الرابع ان يتمهما و يعتد بهما للصّلوة دون القولين المتوسطين بينهما السادس ما لو نذر أحد أو وقف أو اوصى لمن صلى أو صام مثلا صلاة شرعية أو اتى بعبادة شرعية فعلى القول الأوّل و الرابع يستحق الصّبي ذلك النفع المقرر المجعول و على القول الثاني و الثالث لا يستحق السّابع ما ذكره صاحب (المدارك) حيث قال و يتفرع على ذلك يعنى الخلاف في الشرعية و التمرينية وصف العبادة الصادرة منه بالصّحة و عدمه فان قلنا انه شرعية جاز وصفها بالصّحة و عدمه لأنها عبارة عن موافقة الأمر و ان قلنا انها تمرينية لم توصف بصحة و لا بفساد ثم حكى عن جده ما ينبئ عن نفى هذه الثمرة فقال و ذكر الشارع (قدس سرّه) انه لا إشكال في صحّة صومه لأن الصّحة من باب خطاب و الوضع هو غير متوقف على التكليف و ان كان صومه تمرينيا و هو غير جيد لأن الصّحة و البطلان الّذين هما موافقة الأمر و مخالفته لا يحتاج الى توقيف من الشارع بل يعرف بمجرد العقل ككونه مؤديا للصّلوة و تاركا لها فلا يكون من حكم الشرع في شيء بل هو عقلي مجرد كما صرح به ابن الحاجب و غيره انتهى و أنت خبير بأنه مع كون الثمرة المذكورة ممّا ليس له كثير وقع لان جواز الوصف بالصّحة و عدمه ممّا لا طائل تحته يعتد به مبنى على كون الصّحة عبارة عن موافقة الأمر و كون الفساد عبارة عن عدم موافقته و على هذا فينتفيان على القول بعدم الأمر و يثبتان على القول بوجوده و ليس الأمر (كذلك) لأن الصّحة عبارة عن معنى كلى هو كون وجود الشيء على ما يجب ان يكون عليه و هذا المعنى هو المعبّر في عنه الفارسية بقولهم درستى غاية ما هناك انه يختلف باختلاف الموارد و الانظار فصحّة كلّ شيء بحسب حاله و من هنا ترى ان الصّحة عند الفقهاء توجد في ضمن إسقاط القضاء لتعلق غرضهم بأحكام العبادات في دار الدنيا و صحة المتكلمين في ضمن موافقة الأمر لتعلق غرضهم بالبحث عن التكليف و المكلف و كذا الحال في الاختلاف بحسب المورد فصحة العبادة شيء مما عرفت من الأمرين و صحة المعاملة ترتب الأثر عليها و الظاهر ان نظر الشهيد الثاني في تفكيكه بين الصّحة و الشرعية الى هذا المعنى فيكون هو القول الفضل و يسقط ما أورده عليه جمال المحققين (رحمه الله) من ان الصّحة عبارة اما عن موافقة الأمر أو سقوط القضاء و ظاهر ان شيئا منهما لا يعقل في فعل ما لم يتعلّق به أمر و خطاب من الشارع نعم الصّحة في المعاملات بمعنى ترتب الأثر و هو لا يقتضي الشرعيّة الا ان يمنع كون عبادة الصبي عبادة و (يقال) ان الصّحة فيها (أيضا) بمعنى ترتب الأثر كخروج الولي عن العهدة مثلا و (حينئذ) فلا يقتضي الشرعية و هو بعيد فتأمل انتهى و اماما أورده صاحب (المدارك) فهو مبنى على القول بكون الأحكام الوضعية مجعولة من جانب الشارع قد تعلق بها الخطاب من اللّه (تعالى) كما هو مقتضى ظاهر التعبير بخطاب الوضع المستلزم

لكونها من أقسام الخطاب و ظاهر كلماته في تمهيد القواعد و لكن تصدّى جمال المحققين (رحمه الله) لدفعه فقال و اما الإيراد على الشارح (رحمه الله) بأن الصحة بمعنى موافقة الأمر ليست من خطاب الوضع بل يعرف بمجرد العقل ككونه مؤديا للصّلوة أو تاركا لها على ما صرّح به ابن الحاجب و غيره كما أورده صاحب (المدارك) فلا وقع له هيهنا إذ ليس هيهنا مقام تحقيق هذه المسئلة و يكفى لحكم الشارح (رحمه الله) بكونها من خطاب الوضع ذهاب بعض الأصوليين اليه و القول بكونها ليست من خطاب الوضع بل هي عقليّة لا يضرّ بما هو غرضه هيهنا بل يؤكده فلا وقع كثير المثل هذا الإيراد عليه هنا على ان ذلك انما يتوجه على تفسير الصحة بما فسره و امّا لو فسرت بالتفسير الأخر فلا يبعد القول بكونها من الخطاب الوضع كما قيل و حكم ابن الحاجب بكونها عقلية على التفسيرين منظور فيه ثم بما ذكرنا من توجيه كلام الشارح (رحمه الله) لدفع ما أوردنا عليه يندفع هذا الإيراد (أيضا) إذا الصّحة بمعنى ترتب الأثر من خطاب الوضع كما هو المشهور فتأمل انتهى و أنت خبير بأنه لا وقع لما دفع به الإيراد فتدبر

قوله و ثالثا لو سلمنا اختصاص الأحكام حتى الوضعية بالبالغين لكن لا مانع من كون فعل غير البالغ موضوعا للأحكام المجعولة في حق البالغين

(انتهى) أوردنا عليه بأنه مخالف للإجماع ظاهرا فيصير هو قرينة على صرفه عن هذا المعنى فتأمل

قوله و لذا تردد المحقق (رحمه الله) في الشرائع في إجارة المميّز بأن الولي بعد ما جزم بالصّحة في العارية

قال (رحمه الله) في كتاب العارية فلا يصحّ اعارة الصّبي و لا المجنون و لو اذن الولي جاز للصّبي مع مراعاة المصلحة انتهى و قال في كتاب الإجارة فلو آجر المجنون لم ينعقد إجارته و كذا الصّبي الغير المميّز و كذا المميّز إلا بإذن وليّه و فيه تردد انتهى و قال العلامة (رحمه الله) في التحرير في باب العارية و لو كان الصّبي مميزا و اذن له الولي في الإعارة جاز مع المصلحة و لا فرق بين ان يعير ما يملكه أو يكون نائبا عن غيره انتهى و قال في باب العارية من القواعد لو اذن الولي للصّبي في الإعارة جاز مع المصلحة انتهى و قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرح العبارة لا شك في الجواز مع المصلحة و العبرة (حينئذ) بإذن الولي لا بعبارة الصّبي انتهى و لا يخفى عليك ان فتح هذا الباب يقتضي الحكم بصحة جميع معاملات الصّبي بإذن المالك لأن العبرة إذا كانت باذنه دون عبارة الصّبي فهو موجود في غير هذا المورد (أيضا) فلا وجه للفرق بين هذا المقام و غيره هذا و لكن قال في (المسالك) في شرح عبارة المحقق (رحمه الله) الّتي حكيناها عن كتاب العارية ما لفظه قد تقدم في البيع ان عقد الصّبي لا عبرة به و ان اذن له الولي و انما جاز هنا لأن العارية لما كانت جائزة و لا يختصّ بلفظ بل كل ما دلّ على رضا المعير و هو هنا الولي كان إذنه للصّبي بمنزلة الإيجاب فالعبرة (حينئذ) بإذنه لا بعبارة الصّبي و على هذا فلا فرق بين المميّز و غيره ثم قال و ينبغي ان يكون المجنون (كذلك) لاشتراكهما في الوجه فلا وجه لتخصيص الصّبي بعد ذكرهما انتهى و بذلك يندفع ما أوردناه من الاشكال

328

على المحقق الثاني (رحمه الله) و يتجه الاشكال على (المصنف) (رحمه الله) لو كان مراده جعل جزم المحقق (رحمه الله) بالصّحة في العارية جزء في النقض و الاشكال على الحكم بعدم صحة بيع الصّبي و لعلّه من عبارة (كذلك) أخذ بعض المعاصرين ما ذكره في مقام عدم انتقاض معاقد الإجماع على عدم صحة عقد الصّبي من تعليله بقوله لإمكان استثناء العارية مع تسليم الصّحة فيها على وجه تنافي مسلوبية عبارته و الا فلا ترد نقضا أصلا انتهى و لكن لا يخفى عليك انه يبقى هنا شيء و هو ان ما ذكره في (المسالك) من كون اذن الولي للصّبي بمنزلة الإيجاب لا يتم الّا بان يقال انه لا يعتبر في العقود الجائزة ما يعتبر في العقود اللازمة من توجيه أحد المتعاقدين الخطاب إلى الأخر في مقام العقد و الا فلا يتم ذلك هذا و لكن ناقش بعض من تأخر في دلالة ما ذكره المحقق (رحمه الله) في العارية بأنه لعلّ المراد بذلك حصول مجرّد الإباحة دون العقد قلت هذا التقرير سالم عن الابتناء على ما ابتنى عليه عبارة (المسالك) الا انه خلاف ظاهر العبارة المسوقة لإفادته لأن ظاهرها تحقق عقد العارية فتدبر

قوله و استشكل فيها في (القواعد) و (التحرير)

انه استشكل في الإجارة في الكتابين قال في كتاب الإجارة من (القواعد) و لا بد فيه من الإيجاب و القبول الصادرين عن الكامل الجائز التصرف فلا ينعقد اجارة المجنون و لا الصّبي الغير المميّز و لا المميز و ان اذن له الولي على اشكال انتهى و في كتاب الإجارة من التحرير و يشترط فيهما يعنى المتعاقدين البلوغ و العقل و جواز التصرف فلا يصحّ إجارة الصّبي و ان كان مميّزا و لو اذن له الولي على اشكال إيجابا و قبولا انتهى و قال المحقق الثاني (رحمه الله) في ذيل العبارة التي حكيناها عن (القواعد) بيانا لوجه اشكاله ما نصه ينشأ من انجبار نقصه بإذن الولي و من قوله (عليه السلام) رفع القلم عن ثلاثة منهم الصّبي فإنه إذا رفع القلم عنه (مطلقا) لم يعتد بعبارته شرعا في حال من الأحوال و لأن اذن الولي لا يصير الناقص كاملا انّما يؤثر في الكامل المحجور عليه بسبب أخر و هو السفيه و الا صح عدم الصّحة انتهى و لا يخفى ما فيه من التهافت لأنه ان دل الدليل على كون اذن الولي جابر النقص المولى عليه لم يكن وجه لحكمه بأن اذن الولي لا يصير الناقص كاملا و كان حاكما على قوله (عليه السلام) رفع القلم على تقدير تسليم دلالته على كون عبارته مسلوبة الأثر و ان لم يدلّ عليه دليل لم يكن وجه لجعله وجها لأحد طرفي الإشكال الذي هو الجواز و في (المسالك) في شرح عبارة المحقق التي حكيناها عنه في الإجارة ما لفظه قد تقدم الكلام في نظير هذه و ان الأقوى البطلان (مطلقا) لان عبارته مسلوبة بالأصل فلا يصحها الاذن و لا الإجازة لرفع القلم عنه و هو يقتضي عدم الاعتداد بعبارته شرعا في حال و اذن الولي لا يصير الناقص كاملا نعم يؤثر في الكامل المحجور عليه بسبب عرضي كالسفه انتهى

قوله و قال في (القواعد) و في صحة بيع المميّز بإذن الولي نظر

قاله في ذيل الفصل الأوّل من باب الحجر و قال المحقق الثاني (رحمه الله) في شرحه ينشأ يعنى النظر من ان البلوغ شرط لاعتبار الصّيغة و من ان اذن الولي مصيّر لها بمنزلة الصّيغة من البائع و ليس ببعيد البناء على ان أفعال الصّبي و أقواله شرعية أم لا و الا صح انه لا يصحّ انتهى

قوله و اختار في التحرير صحة بيع الصّبي في مقام اختبار رشده

قال (رحمه الله) في باب الحجر منه ما لفظه وقت الاختبار قبل البلوغ مع التمييز و مع اذن الولي يصحّ تصرفه و بيعه انتهى و لكن جعل العلامّة (رحمه الله) في التحرير نفس البيع و الشراء من جملة ما يختبر به الرشد لا مقدماتهما قال (رحمه الله) انّما يعلم رشده باختباره بتفويض التصرفات الّتي يتصرف فيها أمثاله كولد تاجر يفوض اليه البيع و الشراء فان سلم من المغانبة عرف رشده و ولد الكبار الّذين يصان أمثالهم عن الأسواق يدفع إليه نفقة مدة ليضعها في مصالحه فان كان فيها حافظا يستوفى على يومه و ليله و يستعصى كان رشيدا و المرية يعلم رشدها بملازمتها لصلاح شأنها و الاعتناء بما يلائمها من الغزل و الاستغزال و غيرهما من حرف النّساء فان وحدت حافظة لما في يدها قادرة على التكسب من غير مغابنة فهي رشيدة انتهى منه سلّمه اللّه تعالى 1316 لا يخفى عليك ان ظاهر عبارة التحرير هو كون مناط جواز بيع الصّبي انما هو اذن الولي لا مجرد وقوعه في حال الاختبار و الظاهر ان (المصنف) (رحمه الله) استفاد ما نسبه الى التحرير بضميمة ما ذكره في كتاب البيع حيث قال يشترط في المتعاقدين البلوغ فلا يصحّ بيع الصّبي و لا شراؤه و ان اذن له الولي سواء كان مميزا أو غير مميز انتهى فجعل (المصنف) (رحمه الله) ما ذكره في باب الحجر بمنزلة المستثنى مما ذكره في كتاب البيع فيكون ما هو الصّحيح من عقد الصبي عنده ما وقع بإذن الولي في مقام الاختيار بخصوصه

قوله نعم لقائل أن يقول ان ما عرفت من المحقق و العلامة (رحمه الله) و ولده و القاضي و غيرهم خصوصا المحقق الثاني (رحمه الله) الذي بنى المسئلة على شرعية أفعال الصّبي يدلّ على عدم تحقق الإجماع

قال بعض المعاصرين بعد حكاية مناقشة (المصنف) (رحمه الله) بما عرفت من الترددات و الخلاف و بعد حكمه بعدم صراحة معاقد الإجماع في إرادة ما يشمل صورة الإذن للصّبي ما لفظه الا ان الإنصاف أنها يعني معاقد الإجماع ان لم تكن صريحة في ذلك و لو بملاحظة السياق و القرائن الداخلة و الخارجة فلا ينكر ظهورها في ذلك كما لا يخفى على التدبر فيها كما ان نحو التردد أو الخلاف المزبور مع تسليمه غير قادح لإمكان استثناء العارية مع تسليم الصّحة فيها على وجه تنافي مسلوبية عبارته و الا فلا ترد نقضا أصلا و لإمكان كونها حجة على المخالف بناء على حجية أمثالها كما هو الظاهر مع ان هذه الترددات انما هي في مقام الاجتهاد و اما في مقام العمل فالظاهر ان بنائهم انما هو على أصالة عدم ترتب الأثر و نحوها إذا الخروج عنها بالعمومات و الإطلاقات مع تسليم صدقها و تسليم أنها للأعم كأنه في غير محلّه و لو بعد الشهرة العظيمة على خلافها و (حينئذ) فلا مجال للمناقشة في الأصول بالخروج عنها بذلك انتهى و لا يخفى ما فيه اما أولا فلان منع وقوع الخلاف أو التشكيك فيه بعد ما عرفت من كلماتهم كما يعطيه قوله مع تسليمه مما لا وجه له و اما ثانيا فلان قوله و لإمكان كونها حجة على المخالف بناء على حجية أمثالها مما لا ارتباط له بالمقصود في هذا المقام فان مثل الكلام الّذي ذكره انما يكون له وقع لو كان قد ذكر أحد من الفقهاء التمسّك بالإجماعات في عداد الأدلّة على الاشتراط و كان قد أورد عليه (المصنف) (رحمه الله) مثلا بأنه لا وجه لذكرها فان مثل الكلام الذي ذكره كان يصير (حينئذ) عذر المن ذكرها في عداد الأدلة و ليس (المصنف) (رحمه الله) في ذلك المقام و انما هو بصدد تحقق حال تحقق الإجماع و عدم تحققه و بيان عدم انعقاده بوقوع التردد و صدور كلمات دالة على عدم كون الحكم بالفساد من قبيل المسلمات و تحقق الحكم بالصحة من جماعة في الجملة فلا وجه لمقابلة من هو بصدد التحقيق بإمكان كون ذكر معاقد الإجماعات حجة على المخالف بناء على حجية أمثالها و امّا ثالثا فلان ما ذكره من اتفاقهم في مقام العمل لا مساس له بصيرورة المسئلة إجماعية الا ترى ان من توقف في هذه المسئلة في مقام الاجتهاد غير مثبت لشرطية البلوغ فيصير مخالفا و اتفاق موافقته لمثبت الشرطية بعد الرجوع الى الأصول العملية و كون الأصل العملي في المقام مقتضيا للفساد لا يوجب الاتفاق في الحكم بل ذلك عين الخلاف فيه و هو واضح لكونه من ضروريات أهل العلم

قوله الا انه لا إشعار في نفس الصّحيحة بل و غيرها بالاختصاص بالجنايات

لا يخفى ان قوله (عليه السلام) عمدهما خطاء يحمله العاقلة في رواية قرب الاسناد عن أبي البختري الاتى ذكرها في كلام (المصنف) (رحمه الله) يدل على الاختصاص بالجنايات لعدم جريان حمل العاقلة إلا فيها و احتمال إرجاعه الى بعض افراد العام بعيد جدا و لهذا لم يشتهر الاستدلال بها في المقام مع اشتهاره في الجنايات

قوله و الحاصل ان مقتضى ما تقدّم من الإجماع المحكي في البيع و غيره من العقود و الاخبار المتقدمة بعد انضمام بعضها الى بعض عدم الاعتبار بما بصدد من الصّبي من الأفعال المعتبر فيها القصد الى مقتضاها كإنشاء العقود أصالة و وكالة

(انتهى) قد صرح (رحمه الله) سابقا بأنه إذا ساوم وليه متاعا و عين قيمته و أمر الصبي بمجرد إيقاع

329

العقد مع الطرف الأخر كان باطلا و هذا القدر مرتبة كاملة في عدم الاعتبار و ذكر هنا انه لا يصحّ ما يصدر منه من العقود وكالة (أيضا) و في المقابيس انّه يمكن الاستناد لجواز وكالته بما رواه الكليني مسندا عن أبي إبراهيم بن أبي يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال تزوج رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) أم سلمة و زوجها إياه عمر بن أبي مسلمة و هو صبي لم يبلغ الحلم فإن أجاز وكالته في النكاح (فكذلك) في غيره بالطريق الاولى و لعدم القائل بالفرق ثم قال و هو لضعف سنده و احتمال عدم مباشرته لنفس العقد و إمكان النسخ لا يصلح للاعتماد و الاعتماد على قول الصّبي في غير العقود و الإيقاعات لا يقتضي جهة صدورها و يكفي في الفساد عدم الدليل على صحته و الأدلة السّابقة و الحكمة المقررة و المخالفة لمن ديدنه القياس في الشريعة و الاعراض عن الأدلّة المعتبرة و مخالفة العترة (صلوات اللّه عليهم) انتهى

قوله و لو قال مستحق الدين للمديون سلم حقي الى الصّبي فسلم مقدار حقه اليه لم يبرء عن الدّين و بقي المقبوض على ملكه و لا ضمان على الصّبي لأن المالك ضيعه حيث رفعه اليه و بقي الدين لأنه في الذمة و لا يتعين الا بقبض صحيح كما لو قال ارم حقي في البئر

يؤل الى توكيل من عليه الدين في تعيينه في الشيء الشخصي الّذي يريد ان يرميه في البحر و مثله ما لو قال سلمه الى الصّبي و (حينئذ) لا يبقى مجال للحكم ببقاء من عليه الحق مشغول الذمة و قد اعترف (المصنف) (رحمه الله) في تصوير وجوه المعاطاة بأنه لو قصد المبيح بقوله ابحث لك ان تبيع مالي لنفسك ان ينشأ توكيلا له في بيع ماله له ثم نقل الثمن الى نفسه؟؟ بالهيئة؟؟ أو في نقله أولا إلى نفسه ثم بيعه كان صحيحا

قوله حتّى ان العلامة (رحمه الله) في التذكرة لما ذكر حكاية ان أبا الدرداء اشترى عصفورا من صبي فأرسله ردها بعدم الثبوت و عدم الحجية و بتوجيهه بما يخرجه عن محلّ الكلام

و هو انه جاز ان يكون عرف انه ليس ملكا للصّبي فاستنقذه و أورد عليه في المقابيس بان إرساله مناف لذلك الا ان يكون مأذونا فيه ثم قال و الاولى ان يجاب بما ذكره أولا و بعدم ثبوت النقل و باحتمال الاستيذان من الولي و تسليم الثمن اليه و ارادة الصّبي في العرف و ان كان بالغا في الشرع و لا عموم في حكاية القضية انتهى فافهم

قوله و قال كاشف الغطاء (رحمه الله) بعد المنع عن صحة عقد الصّبي أصالة و وكالة ما لفظه نعم ثبت الإباحة في معاملة المميزين إذا جلسوا مقام أوليائهم و تظاهروا على رؤس الاشهاد حتّى يظن ان ذلك من اذن الأولياء خصوصا في المحقرات ثم قال و لو قيل بتملك الأخذ منهم لدلالة مأذونيته في جميع التصرفات فيكون موجبا قابلا لم يكن بعيد انتهى

محصّل الكلام في هذا المقام ان القائل بصحة معاملة الصّبي اما ان يقول بكون معاملته بخصوصها عنوانا يلحقه حكم الصّحة كأرباب الأقوال السّبعة التي ذكرناها فإنهم لا يخرجونها عن عنوانها و لكن يحكمون بصحتها من جهة السّيرة و غيرها من الأدلّة التعبدية فبيع الصّبي عندهم بيع الا انه مع كونه معنونا بهذا العنوان صحيح اما (مطلقا) لعدم اشتراط البلوغ فيه كما هو مقتضى ما حكى عن القاضي أو في نوع منه فيكون مستثنى عن عنوان مطلق البيع الذي قد ثبت فيه الاشتراط بشرائط منها البلوغ و اما ان يقول بصحة نوع من معاملة الصّبي تطبيقا له على القاعدة و إدراجه في عنوان يكون مقتضاه الصّحة و قد وقع هذا على وجوه أحدها ما عن صاحب مفتاح الكرامة (رحمه الله) و ربما تبعه غيره من ان الشروط المعتبرة في البيع من البلوغ و العقل و تعيين العوضين و أمثال ذلك انما تعتبر في عقد البيع و غيره من العقود و اما المعاطاة فلا يعتبر فيها ما يعتبر في العقود من الشرائط بل هي معاملته مستقلة كما ذهب اليه الشهيد (رحمه الله) لم يثبت فيها تلك الشروط بل قد قامت السيرة على صحتها و ان لم تكن جامعة للشرائط التي اعتبرها الفقهاء (رضي الله عنه) في العقود مما أشرنا اليه على خلاف ما افاده المحقق الأردبيلي (رحمه الله) حيث قال في ذيل قول العلامة (رحمه الله) و يشترط صدوره من بالغ عاقل مختار مالك أو مأذون له ما نصه الظاهر ان ذلك كله شرط في عقد البيع على الوجه الذي قلناه و عممناه و على الوجه الذي قالوه لاشتراك الدّليل فيشترط ذلك في المعاطاة (أيضا) لاشتراك الدليل و ان كان ظواهر عباراتهم هنا خالية عن ذلك انتهى ثانيها ما هو محتمل صدر عبارة كشف الغطاء المذكورة و محصّله ان ولى الطفل الذي أجلسه في مقام نفسه أباح لمن يشترى من الطفل ماله بعوض و جلوس الطفل دليل على ذلك فإن أفاد القطع فهو و الا فلا أقل من افادته لا يخفى ما في اكتفائه بالظن بعدم الدّليل على اعتباره منها منه للظن فالأخذ من الطفل يأخذ بظن ان المالك أباح له المال بعوض و هذا مبنى على ان يكون المراد بالإباحة في صدر العبارة اباحة الأولياء أو يكون المراد بقوله حتى يظن ان ذلك من اذن الأولياء حصول الظن من جلوسهم و تظاهرهم بان اقامة الأولياء إياهم مقام أنفسهم إذن منهم للآخذ في الأخذ و هذا هو الذي أوضحه بعض المحققين بأنه ينطبق على القاعدة من جهة دخول مثل ذلك في المعاطاة و انه يكفى فيها مجرد وصول عوض كل من المالين الى صاحب الأخر كما في كوز الحمامي و الموضع الّذي أعده السقاء لوضع الفلوس فيه فالصّبي هنا بمنزلة كوز الحمامي مثلا هذا و لكن الظاهر ان المراد بالإباحة هي الإباحة الشرعية و ان لفظة ذلك إشارة إلى قيامهم مقام الأولياء و تظاهرهم و ان لفظة من تشوية فيصير المحصّل اعتبار معاملة المميّز بإذن الولي غاية ما في الباب ان الاذن هنا غير معلوم و انما قامت عليه الأمارة الظنية فتدبر ثالثها ما افاده ذيل كلام كاشف العطاء (رحمه الله) و هو قوله و لو قيل بتملك الأخذ منهم لدلالة مأذونيته في جميع التصرفات فيكون موجبا قابلا لم يكن بعيد أو محصّله ان جلوس الطفل في ذلك المقام و تظاهره على رؤس الاشهاد دليل على ان الآخذ من الطّفل مأذون من جانب المالك الذي هو ولى الطفل فيكون الأخذ موجبا من جهة و قابلا من أخرى فإذا اشترى من الطفل كان موجبا على وجه الفرعية لتفرعه عن إذن ولي الطفل و قابلا بالأصالة لكونه مشتريا بالأصالة و لو باع على الطفل كان الأمر بالعكس فكان الأخذ وكيل عن المالك و يندفع الأوّل بابتنائه على ما لا نقول به من كون المعاطاة معاملة مستقلة و الثاني بأن الإباحة العامة بلا عوض كما في المضيف و نحوه و ان كانت تفيد جواز التصرف الا ان تأثير الإباحة العامة بعوض غير مسلم و لم يدلّ عليه دليل بمعنى ان صيرورة العوض ملكا يجرى عليه آثار الملك و جواز التصرف فيه على حد جواز تصرفات الملاك في أموالهم مما لا دليل عليه و ان كان مجرد قبضه ليس حراما فتأمل مضافا الى ما أورد عليه من منع السيرة المعتبرة على الإباحة مع المظنة بالرضا و انما نسلم مع العلم العادي به هذا و الثالث بأنه ليس هناك اذن سابق مفيد للتوكيل و غاية ما هناك وجود الرضا من المالك و مجرد الرضا لا يتأتى منه التوكيل فيصير من قبيل الفضولي و التصرّف فيما اشتراه فضولا

محرم الا بعد لحوق الإذن اللفظي و لهذا لو علم رجل برضا صاحبه ببيع ماله فباعه لم يكن له التصرف في الثمن الذي يقبضه فان تصرف فعل حراما بل قد يقال في رد هذا الوجه بأن صيرورة القابض من الصّبي موجبا قابلا باذن وليه مخالفة للإجماع و السّيرة (أيضا) فإنا لا نجد ذلك لا في أنفسنا و لا في أنفس سائر المتعاملين مع الصّبيان بل الموجود عند الجميع عدمه

330

[و من جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد]

قوله و من جملة شرائط المتعاقدين قصدهما لمدلول العقد الذي يتلفّظان به

لا يخفى ان هذه العبارة قد احتوت اشتراط القصد الى اللفظ بان لا يكون غالطا في التلفظ به و اشتراط القصد الى المعنى بان لا يكون مريدا له على وجه لطيف و ذلك لان من أراد البيع فغلط و قال أجرت ليس قاصدا الى مدلول العقد الّذي تلفّظ به لانه تلفّظ بالإجارة و المفروض انه قاصد الى البيع و كذا من تلفظ بكلمة بعت و أراد الاخبار أو الهزل أو نحو ذلك فإنه غير قاصد الى مدلول عقد البيع و هو إنشاؤه

قوله أو إنشاء معنى غير البيع مجازا أو غلطا

هذا الغلط غير الغلط السّابق لان ذلك في التلفظ بكلمة بدل كلمة و هذا في استعمال اللفظ في خلاف ما وضع له بغير علاقة

قوله من القصد المتحقق في صدق مفهوم العقد

الظرف الأخير متعلق بالتحقق و المراد بالقصد المذكور الالتفات الى استعمال لفظ العقد في معناه الذي هو له

قوله و اما معنى ما في (المسالك) فسيأتي في اشتراط الاختيار

قد ذكر هناك ان المراد بالقصد الذي نفاه عن المكره هو القصد الى وقوع اثر العقد و مضمونه في الخارج لا أخلاء الكلام من المعنى و عدم إرادته منه و استشهد لذلك بأنه قرن بين المكره و بين الفضولي في الحكم عليهما بأنهما لم يقصدا الى مدلول اللفظ ضرورة ان الفضولي ليس ممن يتلفظ بالعقد من دون ارادة معناه

قوله و اعلم انه ذكر بعض المحققين ممن عاصرناه

هو صاحب المقابيس (رحمه الله)

قوله و ان يميز البائع من المشترى إذا أمكن الوصفان في كل منهما

بان لم يكن أحد العوضين من قبيل النقود بل كان كلاهما من قبيل العروض كالحنطة مثلا فيمكن هنا ان يقول العاقد مثلا بعت منا من حنطة أحد موكلي بمن في حنطة الأخر و يمكن ان يقول بعت عن قبل موكّلي فلان منّا من حنطة من موكلي فلان (صح) بمن من حنطته مثلا فيتعين الثاني إذ بمثله يحصل تمييز البائع بوصفه العنواني عن المشترى بوصفه العنواني دون الأوّل هذا و لكن الإشكال في إقامة الدليل على خصوص تميز الوصفين و ما سيذكره من الدليل اعنى بقاء الملك بدون مالك لا يفي بإثبات الحكم في هذا الفرض بخصوصه و هذا الاشكال لا دخل له بما يورده (المصنف) (رحمه الله) لانّ هذا يتجه على تقدير اندفاع ذلك (أيضا)

قوله كما لو دار الأمر بين نفسه و غيره

فإنه ينصرف الإطلاق إلى نفسه و هو ظاهر

قوله (عليه السلام) و الدليل على اشتراط التعيين و لزوم متابعته في هذا القسم

يعنى ما لو توقف تعين المالك على التعيين مال العقد في مقابل القسم الأخر الذي يأتي في كلامه و هو ما لم يتوقف تعين المالك على التعيين حال العقد (صح)

قوله و ان لا يحصل الجزم بشيء من العقود التي لم يتعين فيها العوضان

يعنى انه في صورة عدم تعيين المالكين اعنى البائع و المشترى يلزم عدم حصول الجزم فيما إذا لم يكن العوضان من قبيل الأعيان بل كانا من قبيل الكلّي و ذلك لان الكلي لا يتعيّن إلا بإضافته إلى شخص فلا يحصل الجزم بتحقق البيع كغيره من المعاوضات و لا بشيء من أحكام الملكية المترتبة على شيء من العوضين لأن شيئا منهما إذا لم يتعيّن و لو بإضافة ما كان كلّيا الى شخص معين لا يكون هناك مجال لجريان أحكام ملكيته

قوله و على هذا فلو اشترى الفضولي لغيره في الذّمة

أراد بقوله في الفقه (صح) كون الثمن كليّا و ليس مراده ذمة خاصة من ذمته أو ذمة غيره كما لا يخفى على من تدبر في أطراف الكلام

قوله بان يكون العوضان معينين و لا يقع العقد فيهما على وجه يصحّ الا لمالكهما

(11) الظاهر ان العطف من باب عطف اللازم على الملزوم و ان المراد بالصحة هي الصحة الفعلية الحاصلة في حال الإطلاق

قوله أو التفصيل بين التصريح بالخلاف فيبطل و عدمه فيصحّ

(12) يعنى انه لو صرّح بعد العقد بعدم تعيينه حال العقد بطل و الا فلا و وجه كون هذا الوجه أقوى عنده هو ان ما ذكره يشتمل على دعويين و السّر في أوليهما ان عدم التعيين مقتض لبطلان العقد و العاقد اعرف بما نواه هو في حال العقد فيحكم بالبطلان و امّا الثانية فالدّليل عليها انه إذا لم يصرّح بالخلاف بعد العقد بقي على إطلاقه و معلوم ان الإطلاق ينصرف الى تعيّن المالك فيكون فيحكم تعيينه

قوله فصحّ على ما ذكرنا ان تعيين المالك (مطلقا) غير معتبر سواء في العوض المعين أو في الكلى و ان اعتبار التعيين فيما ذكره من الأمثلة في الشق الأوّل من تفصيله انما هو لتصحيح ملكية العوض بتعيين من يضاف الملك اليه لا لتوقف المعاملة على تعيين ذلك الشخص بعد فرض كونه مالكا

(13) أقول لا يخفى ان الغرض الأصلي من البيع انما هو التمليك لا مجرد المعاوضة بين الأعيان كائنا من كان المالك بدون نظر اليه كما هو واضح لمن تدبّر في معنى البيع و لا حظ أغراض الناس في معاملاتهم بل نقول ان البيع عبارة عن التمليك و ان لم يكن التمليك منحصرا فيه بل هو منحصر فيه عند (المصنف) (رحمه الله) و لذلك عرفه (رحمه الله) بأنه إنشاء تمليك عين بمال و صرّح بأنه لا تمليك سواه ردا على من قال ان التمليك ينصرف الى البيع و قد استدل صاحب المقابيس (رحمه الله) على لزوم تعيين البائع و المشترى و تمييز أحدهما من الأخر بأنه لولا ذلك لزم بقاء الملك بلا مالك في نفس الأمر فصحّ ان يقال ان تعيين المالك شرط في البيع الذي هو التمليك و لم يصحّ ان يقال ان تعيين المالك (مطلقا) غير معتبر نعم تعيّن الأعيان في الخارج مع معلومية ملاكها محصّل لذلك الشرط محقق له فيكون مسقطا للتعيين و مغنيا عنه و قد تكلم (المصنف) (رحمه الله) على ما هو المركوز في الطبائع حيث قال فالقصد الى العوض و تعيينه يغني عن تعيين المالك و معلوم ان إسقاط معلومية مالك الأعيان و إغنائها عن تعيينها مؤكد لاشتراط تعيين المالك و ليس منافيا و اما ما ذكره من نفى كون تعيين المالك لتوقف المعاملة على تعيين ذلك الشخص ليدفع على ما ذكرناه من كون وضع المعاملة على التمليك و انه مع عدم تعيين المالك يبقى الملك بغير مالك في الواقع بأنه لتوقف المعاملة عليه من جهة ثبوت اشتراطها به مضافا الى ان لقائل أن يقول انتصارا لصاحب المقابيس (رحمه الله) انّه انما ذكر اعتبار تعيين المالك و لم يقيّد بكون الاعتبار من جهة توقف المعاملة عليه فكلامه مطلق بالنسبة إلى صورتي كون الاعتبار بالأصالة و كونه بالعرض و اما ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) من الإيراد على ما ذكره في القسم الثاني و هو ما لو كان العوضان معنيين فالإنصاف انه متجه

قوله و اما ما ذكره من مثال من باع مال نفسه عن غيره فلا اشكال فيعدم وقوعه عن غيره و الظاهر وقوعه عن البائع

(14) غرضه (رحمه الله) من هذا الكلام دعوى ان هذا المعنى مبنى على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) و مؤيد له و ذلك لانه ذكر ان مقتضى المعاوضة هو ان ينتقل كل من العوضين الى مكان العوض الأخر و من هنا صح أصل المعاملة وافى قصد كونها للغير

قوله الّا ان (يقال) ان وقوع بيع مال نفسه لغيره انما لا يعقل إذا فرض قصده للمعاوضة الحقيقية

(15) (انتهى) هذا استدراك من حكمه بصحة المعاملة للمالك و لغوية قصد كونها للغير و محصّله الحكم ببطلان المعاملة استنادا الى أحد الأمرين من عدم قصده (صح) المعاوضة الحقيقة و من قصده لها على وجه التنزيل و مع عدم قصد المعاوضة الحقيقية يكون البطلان واضحا و كذا مع قصدها و إيقاع المعاملة مع غير المالك الحقيقي من جهة انتفاء ركن العقد حيث ان اضافة العوض الى غير مالكه توجب خروج المضاف عما هو عليه و لكنّه (رحمه الله) دفع هذا بقوله و لكن الأقوى صحة المعاملة المذكورة

قوله الأقوى هو الأول عملا بظاهر الكلام الدال على قصد الخصوصية و تبعيّة العقود للقصود

(16) لا يخفى ان هاتين المقدمتين انما تنتجان صحة العقد الواقع و تعيين ان المراد به انما هي الخصوصية و اما انه يجب على من يريد العقد ان يقصد الخصوصية عند إيقاعه كما هو المبحوث عنه في المقام فلا يلزم من المقدمتين المذكورتين فتدبر

قوله و يرد على الوجه الأول من وجهي الفرق

331

ان كون الزوجين كالعوضين انّما يصحّ وجها لوجوب التعيين في النكاح لا لعدم وجوبه في البيع

يمكن دفع هذا الإيراد بأن المانع من صيرورته وجها لعدم وجوب التعيين في البيع و انه لم يصرّح بما هو سبب عدم وجوب التعيين و الغدر في ذلك ان سببه ليس امرا وجوديا زائدا على انتفاء ما ذكره من الوجه في النكاح و معلوم ان انتفاء ذلك من البيع يعلم بالمقايسة و حكم المقابلة لأن ذكر ان الزوجين في النكاح بمنزلة العوضين في سائر العقود في مقام الفرق بينه و بينها يعطي أن المتعاقدين في سائر العقود ليسا بمنزلة العوضين فلا يجري حكمه فيها

قوله و لا ينافي ذلك عدم سماع قول المشترى في دعوى كونه غير أصيل فتأمل

الظاهر ان الأمر بالتأمل للإشارة إلى وجه التدبر في عدم المنافاة بين ان يكون الظاهر من حال البائع الناشي من الغلبة عدم تعلق غرضه بخصوص مشتر دون أخر و عدم قصده الى كون المخاطب بخصوصه هو المشترى و بين ان يكون الظاهر من حال المشترى هو الشراء لنفسه اما من جهة غلبة ذلك في المباشرين للاشتراء أو من جهة ظهور لفظ المشتمل على اسناد الفعل الى ضمير المتكلم في مثل اشتريت أو تملكت بل في مثل قبلت مع كون وضعه لمجرّد قبول ما صدر من الموجب المقتضى للعموم بالنسبة الى ما لو كان الإيجاب عبارة عن أنشأ التمليك له أو لموكله أو لمن له عليه ولاية و وجه الظهور هو ان مقتضى انصراف إطلاق اللفظ بمعنى الإتيان به عاريا عن القيد انما هو كون القبول له دون غيره و (حينئذ) يقال ان مقتضى كون قول المشترى في دعوى انه غير أصيل مخالفا للظاهر هو عدم قبول قوله فبذلك

قوله و لعل الوجه عدم تعارف صدق هذه العنوانات على الوكيل فيها فلا يقال للوكيل الزوج و لا الموقوف عليه و لا الموصى له و لا الوكيل بخلاف البائع و المستأجر فتأمل حتّى لا يتوهم رجوعه الى ما ذكرنا سابقا و اعترضنا عليه

أراد دفع توهم رجوع وجه الفرق الذي ذكره هو (رحمه الله) و وجه به الاستشكال في ان يقال زوجتك مريدا كون المخاطب وكيل الزوج الى وجه الفرق الذي نقله في طي ما حكاه بقوله و قد يقال و اعترض عليه و هو ان معنى قوله بعتك كذا بكذا رضاه بكونه مشتريا للمال المبيع و المشترى يطلق على المالك و وكيله و وجه اندفاع توهم الرجوع هو ان مناط ما ذكره ذلك القائل هو دعوى ان معنى بعتك رضيت بكونك مشتريا و هو يطلق على الأصيل و الوكيل و معنى زوجتك رضاها بكونه زوجا و الزوج لا يطلق الا على الأصيل و لذلك اعترض (رحمه الله) عليه بان معنى بعتك انما هو جعلتك مالكا و لا يصدق على الوكيل و ليس معناه رضيت بكونك مشتريا و مناط الفرق الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) هو تعارف اسناد الفعل الى غير من هو له أو إيقاعه عليه في البيع و الإجارة دون النكاح و ما أشبهه و توضيح ذلك انه (رحمه الله) يقول انه و ان كان من المسلمات عندنا ان حقيقة قيام الفعل بالفاعل هو قيامه بالأصيل دون الوكيل فإسناده الى الثاني مجازي و ان حقيقة وقوع الفعل على المفعول وقوعه على الأصيل دون الوكيل فتعليقه بالثاني تعليق مجازي الا انه تعارف في البيع و الإجارة إسناد الفعل الى الوكيل و تعليقه به و لم يتعارف في النكاح و شبهه و لما كان أقل ما يعتبر في العقود كونها جارية على الاستعمال المتعارف فلذلك صحّ في القسم الأوّل من دون لزوم تعيين كون من قام به العقد أصيلا دون القسم الثاني فيعتبر فيه تعيين كونه أصيلا ثم وجه بهذا الوجه استشكال المستشكل و انما لم تقرر التوجيه في خصوص العقود اللازمة لأنه جرى في طي الاستشكال ذكر وكلتك خطابا الى وكيل الوكيل و معلوم ان الوكالة ليست من العقود اللازمة و بما ذكرنا من البيان لا يتوجه الإيراد على (المصنف) (رحمه الله) بأنه لم يعتبر قرب المجاز المستعمل في العقود اللازمة فإن ذلك كان مذهب المحقق الثاني (رحمه الله) و انما اعتبر كون المجاز لفظا قرينته لفظية فتدبر

و من شرائط المتعاقدين الاختيار

قوله و المراد به القصد الى وقوع مضمون العقد عن طيب نفس في مقابل الكراهة و عدم طيب النفس لا الاختيار في مقابل الجبر

تعريض بصاحب الجواهر (رحمه الله) حيث قال و من المعلوم انتفاء ارادة معنى العقد من المكره لعدم تصور الإكراه عليه ثم استشهد بكلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة من انه في معنى الإكراه بيع التلجئة و هو ان يخاف ان يأخذ الظالم ملكه فيواطئ رجلا على إظهار شرائه منه و لا يريد به بيعا حقيقيا ثم قال بل ربما استظهر منه الإجماع عليه إذ لا وجه له الا ما عرفته من عدم ارادة العقد بما ذكره من ألفاظه انتهى و الفرق بينهما واضح لانه بناء على ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) يكون المكره غير قاصد الى المعنى فيكون اللفظ خاليا عن المعنى و على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) يكون قاصدا الى المعنى و لكن لا يطيب بذلك نفسه فلا يريد وقوعه في الخارج فيصير نظير الكذب في الاخبار و يظهر اثر ذلك فيما لو رضى المكره بعد ذلك فإنه على ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) يكون بمنزلة الفضولي لأنه عقد غير فاقد لشيء مما يعتبر فيه الا الرضا فإذا لحقه مضى و على ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) لا يفيد الرضا بعد ذلك ضرورة انه إذا لم يقصد معنى اللفظ لم يتحقق العقد حتى يفيده الرضا اللاحق استكمالا و لهذا قال المحقق الثاني (رحمه الله) في ذيل ما أفاده العلامة (رحمه الله) من ان عقد المكره ينفذ لو رضى بعد الاختيار حيث زعم ان معنى الإكراه عبارة عن عدم القصد الى المعنى ما لفظه و اعلم ان هذه المسئلة ان كانت اجماعية فلا بحث و الا فللنظر فيها مجال لانتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرضا و لا يتحقق العقد المشروط بالقصد إذا تحقّق الرضا لان الظاهر من كون العقود تابعة للقصود اعتبار القصد المقارن لها دون المتأخر انتهى و لهذا (أيضا) قال صاحب الجواهر (رحمه الله) بعد حكم المحقق (رحمه الله) بان عقد المكره ينفذان رضى بعد زوال عذره ما نصه لكن لا يخفى عليك بعد التأمل فيما قدمناه انه ان لم تكن المسئلة اجماعية فللنظر فيها مجال كما اعترف به فيجامع المقاصد ضرورة عدم اندراجه في العقود بعد فرض فقدان قصد العقدية و ان صدور اللفظ منه كصدوره من الهازل و المجنون و نحوهما و قصد نفس اللفظ الذي هو بمعنى الصوت غير مجد كما انه لا يجدى في الصّحة تعقب ارادة العقد بذلك خصوصا بعد ما عرفت من اعتبار مقارنة النية بمعنى القصد للعمل و الا لا جزء تعقبها للهازل و نحوه مما هو معلوم العدم و بذلك افترق عن الفضولي الذي قصد العقد بما ذكره حتى جعل الرضا فيه كاشفا قبله لا ناقلا كما ستعرف فاستنباط حكم ما نحن فيه من فحوى الصحة فيه كما ترى الى ان قال فظهر (حينئذ) ان العمدة في المسئلة الإجماع ان ثمّ لكن قد يناقش في تمامه بإطلاق اشتراط الاختيار من بعضهم على وجه يظهر منه ان اشتراطه كاشتراط البلوغ و العقل بل ربما ظهر من إطلاق معقد إجماع الخلاف ذلك قال فيما حكى عنه طلاق المكره و عتقه و سائر العقود التي يكره عليها لا تقع إجماعا منا الى ان قال نعم لو فرض تصور قصد المكره على اللفظ معنى اللفظ مع عدم الرضا منه و قلنا ان الإكراه على اللفظ لا يخرجه عن صلاحية التأثير جرى عليه حكم الفضولي بل و كذا لو لم يكن مكرها بل كان مختارا و لكن صرّح بالقصد المزبور دون الرضا بناء على تصور انفكاكهما و لعل منه ما سمعته من

332

التذكرة من بيع التلجئة و لا ريب في كونه (حينئذ) كالفضولي ثم قال (رحمه الله) فالمتجه بناء البحث على ذلك فالمكره القاصد للفظ و مدلوله على نحو سائر أفعال العقلاء كالمكره على الأكل و الشرب و نحوهما حكمه حكم الفضولي و المكره الذي قد جرد نفسه عن قصد العقد بما يتلفظ به على وجه لم يصدر منه الا اللفظ الصّرف باطل و ان تعقبه الرضا بعد ذلك لفوات القصد و لعلّ إطلاق الأصحاب الصّحة في المكره مبنى على غلبة كونه بالمعنى الأوّل ضرورة عدم منافاة الإكراه لذلك انتهى و مما ذكرنا تعرف غرابة ما ذكره الشهيد (رحمه الله) في (الدروس) حيث قال بعد اشتراط الاختيار في المتعاقدين ما لفظه فعقد المكره باطل الا ان يرضى بعد الإكراه و الأقرب ان الرضا كاف فيمن قصد الى اللفظ دون مدلوله فلو اكره حتى ارتفع قصده لم يؤثر الرضا كالسكران انتهى و مثله ما افاده الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة في توجيه صحة عقد المكره ان رضى به بعد زوال إكراهه بقوله لانه بالغ رشيد قاصد الى اللفظ دون مدلوله و انما منع عدم الرّضا فإذا زال المانع اثر العقد كعقد الفضولي حيث انتفى القصد اليه من مالكه مع تحقق القصد الى اللفظ في الجملة فلما ألحقته اجازة المالك أثرت و لا يعتبر مقارنته للعقد للأصل بخلاف العقد المسلوب بالأصل كعبارة الصّبي فلا يجيره اجازة الولي و لا رضاه بعد بلوغه انتهى و ذلك لان اللفظ الخالي من القصد لا يكون عقدا فكيف جعلاه منه مضافا الى ان اللفظ الخالي عن المعنى غير قابل للرضا به و لحوق الإمضاء له غير معقول و مفروضهما انّما هو قصد المكره الى اللفظ دون المعنى فتدبر مضافا الى ما أورده في جامع المقاصد على الأول بعد ذكره بقوله و ليس لهذا معنى محصّل فإن الإكراه لا يبلغ مرتبة يصير به في اللفظ كالسكران إذ ليس هو من الأفعال التي يحدثها المكره على سبيل الإلجاء كما لو و جر الطعام في فيه أو أخذ يده فوضع فيها سكينا ثم قبضها بيده و قطع بالسّكين شيئا فإنه لا فعل له (حينئذ) امّا الإكراه على اللفظ فلا يكون الا على وجه واحد و الفرق ان حركات اللسان التي يتحقق النطق بها غير مقدورة و الفرق بينه و بين السّكران ظاهر فإنه لا أهلية له أصلا لانتفاء حضور عقله بخلاف المكره فإن أهليته بحالها و انما المانع عدم رضاه انتهى و لكن الإنصاف ان هذا الإيراد غير متجه لان ارتفاع قصده الى اللفظ بالإكراه لا ينحصر فيما كان من قبيل ما لو وجر في حلقه الطعام حتى يكون من قبيل فعل الغير حتى يقال ان مثل ذلك في التلفظ غير معقول بل قد يقترن الإكراه بالضّرب و الإيلام و المنع من الطعام و الشراب و النوم و تلقينه اللفظ في مثل تلك الحالة فيتلفظ به غير قاصد اليه كالسكران و مثل ذلك ليس شيئا منكرا و لا امرا عزيزا هذا و قد علم من جميع ما ذكرنا ان قصد المعنى من اللفظ غير الرّضا به و ان ما يجوز ان يتأخر عن العقد و يقترن به انما هو الثاني دون الأوّل فإنه لا بد من اقترانه بالعقد ثم ان من جملة ما يؤيد ما بنى عليه (المصنف) (رحمه الله) من كون مرادهم بالإكراه انتفاء طيب النفس لا عدم قصد المعنى من اللفظ انّهم قيدوا المكره بكون إكراهه بغير حق و حكموا بصحة عقد من اكره بحق فان هذا لا يتم مع قصد اللفظ بدون المعنى ضرورة ان لا اتر له بدونه

قوله مضافا الى الاخبار الواردة في طلاق المكره

منها ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سالته عن طلاق المكره و عتقه فقال ليس طلاقه بطلاق و لا عتقه بعتق فقلت انى و جل تاجر أمرّ بالعشار و معى مال فقال غيبه ما استطعت وضعه مواضعه فقلت فإن حلفني بالطلاق و العتاق فقال احلف له ثم أخذ تمرة فحفر بها من زبد كان قدامه فقال ما أبالي حلفت لهم بالطلاق و العتاق أو أكلها و منها ما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول لو ان رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتى يتخوّف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء و منها ما رواه يحيى بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سمعته يقول لا يجوز طلاق في استكراه و لا تجوز يمين في قطعية رحم الى ان قال و انما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه و لا إضرار الحديث

قوله بل يظهر ذلك من بعض كلمات العلامة (رحمه الله)

لعله إشارة الى ما سيحكيه (المصنف) (رحمه الله) من الفرع عن التحرير و يحتمل كونه إشارة الى ما استشهد به صاحب الجواهر (رحمه الله) عن عبارة التذكرة المشتملة على حكم البيع التلجئة و لكن الإنصاف ان تلك العبارة لا يظهر منها عدم القصد الى المعنى و ذلك لأنه (رحمه الله) قال الاختيار شرط في المتعاقدين فلا يصحّ بيع المكره و لا شرائه لقوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ مِنْكُمْ و في معنى الإكراه بيع التلجئة و هو ان يخاف ان يأخذ الظالم ملكه فيواطئ رجلا على إظهار شرائه منه و لا يريد بيعا حقيقيا ذهب إليه علماؤنا اجمع و به قال احمد و أبو يوسف و محمّد لأنهما لم يقصدا البيع و كانا كالهازلين و قال أبو حنيفة و الشافعي يصحّ بيع التلجئة لانه تم بأركانه و شروطه خاليا عن مقارنة مفسد فصحّ كما لو اتفقا على شرط فاسد ثم عقدا بغير شرط و نمنع المقدمات و كذا القصد شرط في البيع إجماعا انتهى و ذلك لانه يحتمل ان يكون المراد بقوله و لا يريد بيعا حقيقيا انه لا يريد وقوع المفهوم في الخارج لعدم طيب نفسه به حتى صار كالكذب في الاخبار و كذا المراد بقوله لأنهما لم يقصدا البيع و تشبيههما بالهازل يقتضي قصدهما الى المعنى كما في الهازل بل نقول ان الظاهر من العبارة ان بيع المكره ليس خاليا عن القصد لانه استدل على بطلانه بانتفاء الرّضا لا بانتفاء القصد الى مفهوم اللفظ و لانه صرّح باشتراط القصد في ذيل كلامه مستقلا و ذلك دليل على المغايرة و لانه ذكر ان أبا حنيفة و الشافعي يصححان بيع المتلجئة و لو كان مما لا قصد فيه الى مفهوم اللفظ أصلا لم يكن وجه لحكمهما بصحته

قوله و ليس مرادهم

(انتهى) لا يخفى بعد التوجيه

قوله و انه لا طلاق الّا مع ارادة الطلاق

عطف على طلاق المكره يعنى استدلالهم بالأخبار الواردة في أنه لإطلاق إلا مع ارادة الطلاق و قد عقد في الوسائل لهذه الاخبار بابا مفردا عن باب عدم صحة طلاق المكره و عنونه بأنه يشترط في صحة الطلاق القصد و ارادة الطلاق و الا لبطل و ذكر منها رواية زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال لا طلاق الا ما أريد به الطلاق و رواية اليسع قال سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول في حديث و لو ان رجلا طلق على سنة و على طهر من غير جماع و اشهد و لم ينو الطلاق لم يكن طلاقه طلاقا

قوله و فيما ورد فيمن طلق مداراة

إشارة الى ما رواه منصور بن يونس قال سالت العبد الصالح (عليه السلام) و هو بالعريض فقلت له جعلت فداك انى تزوجت امرأة و كانت تحبني فتزوجت عليها أنبه خالي و قد كان لي من المرأة ولد فرجعت الى بغداد فطلقتها واحدة ثم راجعتها ثم طلقتها الثانية ثم راجعتها ثم خرجت من عندها أريد سفري هذا حتى إذا كنت بالكوفة أردت النظر إلى أنبه خالي فقالت أختي و خالتي لا تنظر إليها و اللّه ابدا حتى تطلق فلانه فقلت و يحكم و اللّه مالي إلى طلاقها من سبيل فقال لي هو ما شأنك ليس لك الى طلاقها من سبيل فقلت انه كانت لي منها أنبه و كانت ببغداد و كانت هذه بالكوفة و خرجت من عندها قبل ذلك بأربع

333

فأبوا الى الا تطليقها ثلاثا و لا و اللّه جعلت فداك ما أردت اللّه و لا أردت الا ان أداريهم عن نفسي و قد امتلاء قلبي من ذلك فمكث طويلا مطرقا ثم رفع رأسه و هو متبسم فقال اما بينك و بين اللّه فليس بشيء و لكن ان قدموك الى السّلطان ابانها منك وجه الدّلالة انه لو لم يقصد مفهوم اللفظ لم يكن وجه لاضطرابه و سؤاله خصوصا مع دلالة قوله ما أردت اللّه و لا أردت الا ان ادارهم على ان الغرض من إيقاع الطلاق كان ذلك فهو قد أوقع الطلاق قاصدا الى مفهومه لكن لغاية مداراتهم لا لغاية تحصيل ما جعله اللّه تعالى طلاقا

قوله و يكفي في ذلك ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من ان المكره و الفضولي قاصدان الى اللفظ دون مدلوله

غرضه (رحمه الله) انه يكفى في كون مرادهم بالقصد الذي نفوه عن المكره هو القصد الى وقوع اثر لعقد و مضمونه ما ذكره الشهيد الثاني (رحمه الله) من وصف الفضولي بأنه قاصد الى اللفظ دون المعنى ضرورة ان من البين ان الفضولي لا يذكر اللفظ خاليا عن المعنى و مجرّدا عنه فتشبيه الفضولي ببيع المكره في كلامه (رحمه الله) فيما ذكر يقتضي ان المكره (أيضا) قاصد الى مفهوم اللفظ قال (رحمه الله) في مقام بيان وجه الفرق بين المكره و غيره من جهة صحة عقد الأول بالإجازة اللاحقة دون الثاني ما لفظه الفرق بينهم و بين المكره واضح إذ لا قصد لهم الى العقد و لا أهلية لهم لفقد شرطه و هو العقل بخلاف المكره فإنه عاقل بالغ و ليس ثم مانع الا عدم القصد الى العقد حين إيقاعه و هو مجبور بلحوق الإجازة فيكون كعقد الفضولي حيث انتفى القصد اليه من مالكه الذي يعتبر قصده حين العقد فلما لحقه القصد بالإجازة صح و (حينئذ) فلا مانع من الصحّة إلا تخيل اشتراط مقارنة القصد للعقد و لا دليل عليه و ينبه على عدم اعتباره عقد الفضولي و عموم الأمر بالوفاء بالعقد يشمله فلا يقدح فيه اختصاص عقد الفضولي بنص و بهذا يظهر ضعف ما قيل هنا من انتفاء القصد أصلا و رأسا مع عدم الرّضا و ان الظاهر من كون العقود بالقصد المقارن لها دون المتأخر و يمكن ان يقال ان القصد من المكره حاصل دون من سبق لان غير العاقل لا يقصد الى اللفظ و لا الى مدلوله بخلاف المكره فإنه باعتبار كونه عاقلا قاصد الى ما يتلفظ به و يفعله لتعوده لكنه بالإكراه غير قاصد الى مدلوله و ذلك كاف في صلاحيته و قبوله للصحّة إذا لحقه القصد الى مدلوله بإجازته و مثله القول في عقد الفضولي فإنه قاصد الى اللفظ الصادر منه لان المفروض أهليّته و جمعه للشرائط المعتبرة في صحة العقد لا الملك و لا يتحقق منه لو قصد مدلوله اعنى نقل الملك و التسليط على التصرّف و غيرهما من أحكام العقد لان ذلك من وظائف المالك فإذا اجازه المالك و قصد الى ذلك يصحّ هذا كلامه (رحمه الله) و لا يخفى على من تأمل في أطرافه على انّ حمله على ما استشهد به (المصنف) (رحمه الله) في غاية البعد كما لا يخفى على من له حظّ من الوصول إلى حقائق الأمور ان الرّضا بمضمون العقد غير القصد اليه و ان ما لا يلزم اقترانه بالعقد انما هو الرضا و امّا القصد الى مضمون مدلول اللفظ و مفهومه فلا بد من اقترانه الاقتران به و الا لم يتحقق مصداق العقد و ان الرّضا انما يؤثر صحة العقد مع وقوع القصد الى مفهوم العقد من العاقد في حال وقوعه و بعبارة اخرى ان الرّضا اللاحق انما يصحّح العقد و مع عدم قصد المفهوم من اللفظ لا يتحقق عقد حتى يصححه الرضا اللاحق و من المعلوم ان القصد الى مفهوم اللفظ قد صدر من العاقد الفضولي و بقي الرضا من المالك الذي هو عبارة عن طيب نفسه بوقوع مضمون العقد و ترتب الأثر عليه و حيث لم يكن وقوعه من العاقد المذكور غير مستلزم لرضا المالك بقي العقد موقوفا عليه فلما لحقه ثمّ و ترتب عليه الأثر

قوله نعم ذكر في التحرير و (المسالك) في فروع المسئلة ما يوهم ذلك

التعرض للفروع التي أشار إليها قد وقع في الكتابين في باب طلاق المكره كما هو طريقة الفقهاء (رضي الله عنه) من التعرض لتفصيل مسئلة الإكراه هناك و عبارة (المسالك) موافقة لعبارة التحرير مع زيادة يسيرة كما يأتي ذكره في كلام (المصنف) (رحمه الله)

قوله ثم ان حقيقة الإكراه لغة و عرفا حمل الغير على ما يكره

(انتهى) اعتبر المحقق (رحمه الله) في كتاب الطلاق في تحقق حقيقته أمورا ثلاثة أحدها كون المكره قادرا على فعل ما توعد به بولاية أو تغلب أو نحوهما و زاد جماعة التقييد بكون ذلك مع عجز المأمور عن دفعه بنحو فرارا و مفارقة أو استعانة و ثانيها غلبة الظن بأنه يفعل ذلك مع امتناع المأمور و ثالثها ان يكون ما توعد به مضرا بالمأمور في نفسه خاصة أو من يجرى مجرى نفسه كالأب و الولد و عن أنوار الفقاهة انّه لو توعد بقتل أحد الشيعة تحقق له الإكراه بل لو توعد بقتل مسلم (مطلقا) من أي فرقة كان ممن لا يحكم بكفره و أنت خبير بما فيه لان ذلك مما لا يساعد عليه معنى الإكراه و لا دليل أخر لأن الإكراه (صح) يتحقق بالحمل على مكروه للفاعل بتهديده بما يصعب عليه وقوعه حتى انه لأجل التفصي عنه يلتجئ الى ما اراده المكره حمله عليه و اين هذا من التهديد بقتل أحد الشيعة أو أحد المسلمين و الى ما ذكرنا أشاروا بالتقييد بالإضرار في نفسه أو من يجرى مجرى نفسه نعم لو فرض المكره مثل سلمان و ابى ذر ممن يعز عليه هلاك المسلم بل يرى ان نفس كل مسلم أعز من نفسه احتمل بعيدا تحقق الإكراه بالنسبة إليه بالتوعد بقتل مسلم كما لو قيل له اما ان يبتغى ثوبك و امّا ان اقتل مسلما و مما ذكرنا يظهر سقوط ما حكى عنها (أيضا) من احتمال تحقق الإكراه بالتوعد بإتلاف مال مسلم و قد أجاد الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) حيث قال فاما ان كان الوعيد بنزول الضرر بالغير مثل ان يخوف بأخذ المال الغير و بضرب الغير فلا يكون إكراها إلا إذا كان ذلك الغير يجرى مجراه مثل ولده أو والده انتهى ثم لا فرق في الضّرر المتوعد به بين القتل و الجرح و الشتم و الضّرب و لكن الإكراه بالأخيرين يختلف باختلاف منازل المكرهين في احتمال الإهانة و عدمه فرب وجيه تنقصه الشتمة الواحدة فضلا عن الضربة بخلاف المبتذل و ليس (كذلك) المخرج و القتل الذي يستوي فيهما جميع الناس من جهة إلا لم و الذي بنى عليه صاحب الجواهر (رحمه الله) هو ان الوظيفة في أمثال المقام انما هو الرجوع الى العرف و اللغة إذ ليس له وضع شرعي قال (رحمه الله) و لا يخفى عليك ان إيكال الأمر الى ما سمعت يعنى العرف و اللغة أولى ضرورة عدم اعتبار غلبة الظن بالفعل بل يكفى تحقق الخوف كما سمعته في المرسل لو انّ رجلا مسلما مر بقوم ليسوا بسلطان فقهروه حتّى يتخوف على نفسه ان يعتق أو يطلق ففعل لم يكن عليه شيء منه دام ظلّه في المرسل فضلا عن العرف بل زائد لا يعتبر فيه عدم التمكن من الفرار من بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك ممّا فيه ضرر عليه و بالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذرا و متعسر فايكال عنوان الحكم في النص و الفتوى الى العرف الى بل لا يعتبر فيه عدم التمكن من الفرار من بلاده أو التوسل بالغير أو نحو ذلك مما فيه ضرر عليه و بالجملة تحديد مثل ذلك على وجه جامع متعذر أو متعسّر فايكال عنوان الحكم في النص و الفتوى الى العرف اولى و لا ريب في تحققه بالتخويف بأخذ المال المعتد به أو المضر بحاله على اختلاف القولين و ان تركه (المصنف) (رحمه الله) انتهى و هو جيد متين

قوله الذي يظهر من النصوص و الفتاوى عدم اعتبار العجز عن التورية لأن حمل عموم الإكراه و خصوص النصوص الواردة في طلاق المكره و عتقه

334

و معاقد الإجماعات و الشهرات المدعات في حكم المكره على صورة العجز عن التورية لجهل أو دهشة بعيد جدا بل غير صحيح في بعضها من جهة المورد كما لا يخفى على من راجعها

قال في الجواهر و لا يعتبر عندنا في الحكم ببطلان طلاق المكره عدم التمكن من التورية بأن ينوي غير زوجته أو إطلاقها من الوثاق أو يعلقه في نفسه بشرط و نحو ذلك و ان كان يحسنها و لم تحصل له الدهشة عنها فضلا عن الجاهل بها و المدهوش عنها لصدق الإكراه خلافا لبعض العامة فأوجبها للقادر انتهى و في كشف اللثام و لو ترك التورية بأن يقصد بقوله أنت طالق اى من وثاقي أو يعلقه بشرط في نيته أو بالمشية أو يقصد به الاخبار مع علمه بالتورية و اعترافه بأنه لم يدهش بالإكراه ليترك له التورية لم يقع (أيضا) لتحقق الإكراه و انتفاء القصد الى الطلاق انتهى و اما ما ذكروه من انه إذا أنكر متاعه عند العشار يلزمه التورية فإن ذلك من جهة التخلّص من الكذب و ليس هنا كذب فافهم ثم ان ما افاده من بعد حمل النصوص و غيرها على صورة العجز عن التورية مما لا ريب فيه و اما ما افاده من ان حمل بعض النصوص على صورة العجز عن التورية غير صحيح من جهة المورد فإنه لم يظهر لنا وجهه من الاخبار التي عثرنا عليها في باب طلاق المكره و عتقه فالأخبار الواردة في طلاق المكره رواية زرارة و رواية عبد اللّه بن سنان و رواية يحيى بن عبد اللّه التي تقدم ذكرها في ذيل قول (المصنف) (رحمه الله) مضافا الى الاخبار الواردة في طلاق المكره و ما رواه إسماعيل الجعفي في حديث انه قال لأبي جعفر (عليه السلام) أمر بالعشار فيحلفني بالطلاق و العتاق قال احلف له و رواية السّكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال كل طلاق حائز إلا طلاق (صح) المعتوه أو الصّبي أو البرسام داء معروف و في بعض كتب الطب انه ورم حاد يعرض للحجاب الذي بين الكبد و المعاء ثم تصير بالدّماغ مصباح المنير مبرسم أو مجنون أو مكره و قد سمعت رواية يونس فيمن طلق مداراة بأهله و اما ما ورد في عتق المكره فالذي عثرنا عليه منها ثلاثة رواية زرارة السّابقة و رواية أخرى عنه عن أبي جعفر (عليه السلام) قال سئلته عن عتق المكره فقال ليس عتقه بعتق و رواية أخرى مطابقة لها بحسب المتن و هذه الاخبار بين ما ليس له مورد و بين ماله مورد لا يأبى عن حمل الخبر على صورة العجز عن التورية و لو من جهة جهل المكره بالفتح بها حكما أو من جهة عدم الالتفات إليها موضوعا و من المعلوم غلبة الجهل بالتورية بين الناس موضوعا و حكما بل لا يعلم بها الا الخواص و من المعلوم (أيضا) بالضرورة تحقق العجز عن التورية بالجهل بها بل لا عجز أعظم من ذلك نعم قد عرفت بعد حمل الأخبار المذكورة على صورة العجز عنها

قوله و ربما يستظهر من بعض الاخبار عدم اعتبار العجز عن التفصي بوجه أخر غير التورية (أيضا) في صدق الإكراه مثل رواية ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال لا يمين في قطيعة رحم

(انتهى) الظاهر ان منشأ الاستظهار هو قوله (عليه السلام) في ذيل الحديث و يكون الإكراه من الزوجة و الام و الأب نظرا الى ان التفصي من هؤلاء بغير التورية أمر ممكن من جهة الرأفة أو انتفاء كمال السّلطنة

قوله و ما ذكرناه و ان كان جار في التورية الا ان الشارع رخص في ترك التورية بعد عدم إمكان التفصي بوجه أخر

فيؤل الكلام الى ان جريان حكم الإكراه مع القدرة على التورية و عدم القدرة على غيرها من وجوه التفصي تعبدي و معلوم انه على هذا التقدير يكون الفرق بين إمكان التفصي بالتورية و إمكانه بغيرها بحسب الحكم و لهذا قال بعد إنهاء ذيل الكلام ان الاولى ان يفرق بين إمكان التفصي بالتورية و إمكانه بغيرها بتحقق الموضوع يعنى موضوع الإكراه في الأوّل دون الثاني

قوله و هذا المعنى يصدق مع إمكان التورية و لا يصدق مع التمكن من التفصي بغيرها

المناسب للفقرات و الاجزاء اللاحقة في العبارة هو ان يكون هذا المعنى عبارة عن الإكراه المعتبر فيه انه مع اعتقاد الآمر مع تخلف المأمور و امتناعه يرتب عليه المتوعد به فإنه الذي يصدق مع إمكان التورية و لا يصدق مع التفصي بغيرها و يناسبه سائر ما ذكره في ذيل الكلام

قوله ثم ان ما ذكرنا من اعتبار العجز عن التفصي انما هو في الإكراه المسوغ للمحرمات و مناطه توقف دفع ضرر المكره على ارتكاب المكره عليه و امّا الإكراه الرافع لأثر المعاملات فالظاهر ان المناط فيه عدم طيب النفس بالمعاملة

(انتهى) أراد بهذا الكلام التفرقة بين الإكراه المسوغ للمحرمات كشرب الخمر و إفطار الصّوم و الولاية من قبل الجائر و غير ذلك و بين الإكراه الموجب لفساد المعاملة بأنه يعتبر في الأوّل العجز عن التفصي و يكفى ما دون ذلك في الثاني من جهة ان المناط في صحة المعاملة انما هو طيب النفس فكل ما أوجب ارتفاعه أوجب فساد المعاملة من جهة انتفاء شرطها و اما حدود اللّه فلا مسوغ للتعدي عنها الا عند الاضطرار و قد سبقه الى هذه التفرقة صاحب المقابيس (رحمه الله) و هذه هي الحق الذي لا محيص عنه و ان كان مخالفا لما يظهر من الشيخ (رحمه الله) في كتاب الطلاق حيث قال و اما بيان الإكراه فجملته ان الإكراه يفتقر الى ثلاثة شرائط أحدها ان يكون المكره قاهرا غالبا مقتدرا على المكره مثل سلطان أو لص أو متغلب و الثاني ان يغلب على ظن المكره انّه ان امتنع من المراد منه وقع به ما هو متوعد به و الثالث ان يكون الوعيد بما يستضر به في خاصة نفسه فان ظاهر الشّرط الأول كون المكره عاجزا عن التفصي و ذكره في تفسير الإكراه المأخوذ انتفاؤه في صحة الطلاق يعطي ان المناط في الإكراه على الطلاق ذلك و لا فرق بينه و بين العقود و سائر الإيقاعات فتأمل

قوله و قد ينعكس كما لو قال بع مالي أو طلق زوجتي و الا قتلتك و الأقوى هنا الصّحة لأن العقد هنا من حيث انه عقد لا يعتبر فيه سوى القصد الموجود في المالك المكره إذا كان عاقد أو الرضا المعتبر من المالك موجود بالفرض فهذا اولى من المالك المكره على العقد إذا رضي لاحقا

محصّل العبارة هو انه ان كان المالك راضيا و كذا الطرف الأخر فيما يحتاج إليه بأن كان الواقع شيئا من العقود و كان الوكيل غير راض بل كان مكرها على إيقاع الصّيغة سواء كان إكراهه من المالك أو من الطرف الأخر أو من أجنبي فالأقوى عند (المصنف) (رحمه الله) صحة العقد ابتداء من دون حاجة الى تعقب رضا المكره إذ لا مانع من صحة العقد سوى الإكراه على إيقاعه و الإكراه إنما يرفع حكما ثابتا على المكره لولا الإكراه و لأثر للعقد هنا بالنسبة إلى المتكلم به لولا الإكراه و استوجه صاحب الجواهر (رحمه الله) البطلان من رأس بعد ذكره احتمال الصّحة قال (رحمه الله) و لو كان الإكراه من المالك للأجنبي على نفس الصيغة احتمل الصّحة من غير حاجة الى تعقب رضاه بل أقصاه الالتزام بالأجرة و الوجه البطلان لرفع ما اكره و منه رفع قابليتها للتأثير و الا لبقي حكمها بل الظاهر عدم العبرة برضاه بعد ذلك و ان قلنا بالاكتفاء به في المكره على بيع ماله ضرورة وقوع الصيغة فاسدة فلا يجدى الرضا المتعقب و كذا لو كان المكره غير المالك و بذلك يفرق بينه و بين الفضولي الذي لم يكرهه أحد على إيقاع الصّيغة فتأمل جيّدا فإنه ربما ظهر من بعض مشايخنا اتحاد حكم المكره من غير فرق بين الفضولي و غيره و اللّه اعلم انتهى و يظهر ما فيه مما تقدم و قد تعرض لدليله و رده (المصنف) (رحمه الله) في الكتاب و توقف في صحته الشهيد الثاني (رحمه الله) في (المسالك) و حكى عن شرح القواعد

335

ان مقتضاه انه لو كان الإكراه من المالك للأجنبي على نفس الصّيغة لم ينفذ حتى يرضى بعد الاختيار من العاقد ثمّ ان الحاكي أورد عليه بأنه لا مدخل لاختيار العاقد المكره على إيقاع مجرد اللفظ مع وجود رضا المالك و انه لا وجه لتعميم الإكراه بالنسبة إلى الوكيل لانه خارج عن عنواناتهم كما يشهد بذلك ملاحظة عبارة القواعد و غيرها فما ذكروه من ان رضا المكره يوجب صحة العقد الذي أوقعه في حال إكراهه ناظر الى غير الوكيل فلا يجرى فيه ما ذكروه أصلا و (حينئذ) فالوجه ما اختاره (المصنف) (رحمه الله) من الحكم بالصّحة من أوّل الأمر أو ما اختاره صاحب الجواهر (رحمه الله) من الحكم بالبطلان من رأس أو ما صار اليه الشهيد الثاني (رحمه الله) من التوقف هذا و عندي ان عبارة شرح القواعد غير مسوقة لبيان حال مثل الوكيل الذي فرضه و هو الوكيل في مجرد إيقاع الصيغة فلا يستفاد منها حكمه و انما هي ناظرة إلى بيان حكم الوكيل في التصرف الذي من جملته إيقاع الصّيغة

قوله نعم ربما يستشكل هنا في الحكم المذكور بان القصد الى المعنى و لو على وجه الإكراه شرط في الاعتناء بعبارة العقد و لا يعرف الا من قبيل العاقد فإذا كان مختارا أمكن إحرازه بأصالة القصد في أفعال العقلاء الاختيارية دون المكره عليها اللّهم الّا ان يقال ان الكلام بعد إحراز القصد و عدم تكلم العاقد لاغيا أو موريا و لو كان مكرها مع انه يمكن إجراء أصالة القصد هنا (أيضا) فتأمل

قد عرفت ان الإكراه يقع على وجهين أحدهما ان لا يقصد المكره الى المعنى أصلا كما قد يتفق ذلك قصعا في مقام الخوف من المكره و الغفلة و نحوهما و هذا هو الذي لا يفيده الرضا اللاحق أثر الصّحة و ثانيهما ان يقصد الى المعنى لكن لا يطيب بذلك نفسه و هذا هو الذي يفيده الرضا اللاحق الاتصاف بالصّحة فإن علم صدور العقد من المكره بشيء من الوجهين لم يكن إشكال في ترتب حكمه عليه و انّما يقع الاشكال فيما لو وقع منه عقد على وجه الإكراه ثم انه رضى به و أمضاه في حال الاختيار و لم نعلم انه قصد المعنى حتى يكسوه الرّضا اللاحق لباس الصحة أم لم يقصد المعنى حتى لا يصير قابلا لتأثير الرّضا بلحوقه و مثله الاشكال فيما لو وقع منه العقد مكرها و علمنا انه قصد منه معنى لكن لم نعلم انه أراد منه معنى مجازيا على سبيل التورية و خلاف الظاهر أم أراد المعنى الحقيقي الذي هو الظاهر من اللفظ و يرتفع هذا الإشكال بالبناء على الظاهر بحكم أصالة الحقيقة المتفق عليها في تشخيص المراد من اللفظ بعد تميز المعنى الحقيقي من المجازي و يبقى الإشكال الأول و هو ما لو لم يعلم منه أصل قصد المعنى و وقع الشك فيه فنقول قد جعل بعض المعاصرين حمل كلامه على كونه صادرا عن قصد على نحو كلام المختار و استند في ذلك الى حمل فعله على الصحّة و أنت خبير بما فيه لأنه ان أراد بذلك قاعدة حمل فعل المسلم على الصّحيح المستفادة من مثل قوله (عليه السلام) ضع أمر أخيك على أحسنه فلا يخفى سقوطه لان تلك القاعدة مختصة بالمسلم فلا تجري إذا كان العاقد المكره كافرا و ان أراد بذلك قاعدة الصحة المعمولة في العقود حيث قالوا انه إذا اتفق المتعاقد ان على وقوعه و اختلفا في وقوعه على وجه الصحة و الفساد قدم قول مدعى الصّحة فسقوطه (أيضا) واضح لان مدرك تلك القاعدة انّما هو الإجماع و مورده انما هي العقود المذكورة و لا مساس له بما نحن فيه و لعلّه لذلك لم يستند (المصنف) (رحمه الله) الى أصالة الصحة بل جعل وجه الصّحة هو أصالة القصد و لكنه (رحمه الله) أشار الى المناقشة في التمسّك بها من جهة ان أصالة القصد انما تعتبر في الأفعال الاختيارية الصادرة من العقلاء و ما نحن فيه خارج عن العنوان لكون الفعل مما قد اكره عليه ثم استدرك ذلك بان يقال ان الكلام انّما هو بعد إحراز القصد و عدم تكلم العاقد لاغيا أو موريا و لكن لا يخفى عليك بطلان هذا المقال لعدم انحصار الكلام فيما بعد إحراز القصد بل الكلام انّما هو فيما لو لم يعلم صدور الكلام عن قصد و عدمه و سياق كلام (المصنف) (رحمه الله) يعطى انه لم يصدر منه (رحمه الله) عن ثقة به ثمّ انه (رحمه الله) ذكر وجها أخر و هو انه يمكن إجراء أصالة القصد هنا (أيضا) بأن (يقال) ان موارد أصالة القصد في أفعال العقلاء لا يختص بالأفعال الاختيارية فتجري في أفعال المكره (أيضا) إذا شك في تحقق القصد إليها و عدمه و أورد عليه بعض من تأخر بأن مدرك اعتبار أصالة القصد انّما هو الإجماع و بناء العقلاء و هما انّما قاما باعتبار الأصل المذكور في أفعال العاقل المختار دون أفعال المكره إذا شك في صدورها عن قصد فلا دليل على اعتباره في أفعاله قلت لعلّ (المصنف) (رحمه الله) قد أشار الى هذا الوجه بالأمر بالتأمل في ذيل الكلام ثم ان ذلك البعض ادعى ان إطلاق كلام الأصحاب صحة العقد الذي وقع من المكره بالرضا به بعد ذلك يعطي صحة عقد المكره الذي لم يعلم حاله من جهة صدور مجرد اللفظ أو صدور العقد منه قاصدا الى مدلول الكلام و ان كان لم يطب نفسه بذلك و يرد عليه ان المكره لا (يخلو) في الواقع عن أحد الوصفين القصد الى مدلول اللفظ و عدم القصد إليه أصلا و مجهول الحال عندنا لا (يخلو) حاله في الواقع عن أمد الوجهين و من المعلوم كما قررناه ان عقد قاصد المعنى قابل للصّحة بتعقب الرّضا و ان عقد من لم يقصد المعنى غير قابل للصّحة بتعقب الرّضا فكيف يصحّ التّمسك بإطلاق عباراتهم و نفس الحكم بصحة العقد عند تعقب الرضا قرينة على كون مرادهم بالعقد الواقع من المكره ما هو قابل لذلك و مجهول الحال المندرج في أحد القسمين في الواقع غير قابل للحكم عليه (مطلقا) بالصّحة عند تعقب الرّضا لاحتمال كونه في الواقع من ذلك القسم الأخير الغير القابل للانصاف بالصحة كيف لا و لو

كان الأمر كما ذكره ذلك البعض فلم لا يقول بشمول إطلاق كلامهم لصورة العلم بالخلو عن قصد المعنى (أيضا) فلا يبقى الا ان يكون المراد بعقد المكره المحكوم عليه بالصحة عند تعقب الرّضا هو العقد المقصود به مفهوم اللفظ دون ما لم يقصد به المعنى و يبقى المردد بين الأمرين موقوفا على قيام أمارة معتبرة يتبع مؤداها في الحكم بكونه من أحد القسمين بخصوصه فان حصلت فذاك و الا كان اللازم التوقف و الرجوع الى الأصول في مقام العمل كأصالة عدم انتقال كل من المالين عن مالكه الى الأخر لكن يمكن دفعه بان رضا المكره لما كان على وجهين صحيح يترتب عليه الأثر و فاسد لا يترتب عليه الأثر و الأول ما كان مسبوقا بالقصد الى مدلول اللّفظ و الثاني ما لم يمكن مسبوقا به و انّما كان مسبوقا بمجرد ذكر اللفظ فإذا قال المكره بعد زوال إكراهه رضيت بالبيع أو بمضمون العقد الذي أوقعته في حال الإكراه أو قال رضيت بان يصير المال الذي كنت مكرها على بيعه لزيد مثلا و نحو ذلك فمقتضى القاعدة حمله على الصّحيح كما انه لو قال بعت و نحوه من ألفاظ العقود أو الإقرار بها لزم الحمل على الصّحيح و مقتضى حمله على الصّحيح هو ان يصير مسبوقا بوجود شرطه الذي هو القصد الى مدلول لفظ الصّيغة في حال إيقاعها فحمل الرضا الصادر منه في حال الاختيار على الصّحيح يكفي في إثبات كونه في حال الإكراه قاصدا الى معنى اللفظ و الا وقع منه الرّضا لغوا لا يترتب عليه اثر بل مخالفا للمشروع من حيث انه يريد بإظهاره للرّضا ترتيب الأثر عليه و هو انتقال المال منه الى غيره و ارادة ذلك من دون تحقق السبب الشرعي للنقل مخالفة للمشروع و على هذا فقولهم ان المكره يصحّ عقده بلحوق الرّضا منه و ان كان قرينة على خروج ما علم انه لم يقصد فيه المعنى من جهة عدم قابليته للحوق الرّضا و عدم أهلية اللفظ المجرد للتأثير و افادة النقل و لو بعد الرضا لكن يبقى تحت اطلاقه ما كان قابلا للصحة بواسطة

336

لحوق الرّضا فيشمل القسمين اللذين هما ما علم قصد المكره الى مدلوله و ما لم يعلم لكنه أحرز قصده بأصالة صحة رضاه بما أوقعه الّتي لا تحصل الا بمسبوقيته بالقصد ثم انّه قد يعترض بمثل ما ذكر من وجه الدفع على ما افاده المحقق الثاني (رحمه الله) من بناء الحكم على الإجماع و قوله انه ان لم تكن المسئلة اجماعية فللنظر فيها مجال و على ما ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) من موافقته (رحمه الله) في أوّل كلامه من جهة ان ذلك مبنى على فهمهما من كلمات الأصحاب كونها ناظرة إلى قصد المكره للفظ دون المعنى و على (المصنف) (رحمه الله) من حيث انه خصّ كلمات الأصحاب بالدلالة على كون المكره قد علم قصده لمدلول اللفظ هذا و لكن الإنصاف ان غاية ما يتحصل من هذا البيان انما هو مجرد صلاحية عباراتهم للانطباق على ما ذكره و الشمول للقسمين و الّا فلا شاهد يدلّ على تعيين المدعى و ذلك لان كلماتهم كما تحتمل ما ذكره تحتمل ما ذكره (المصنف) (رحمه الله) بان يكون كلامهم مسوقا لبيان المسبوق بالقصد الى مدلول اللفظ لأنه الذي يقبل الصّحة في الواقع و بحسب حقيقته و ان مجهول الحال غير قابل بالأصالة الا أن أصالة صحة الرّضا اللاحق تفيد صحته بحسب الظاهر فيحتمل ان يكون كلامهم مسوقا لبيان ما هو أهل للصحّة بحسب الأصل غاية ما في الباب ان أصالة الصّحة تحرز الأهلية عند الشك فيها و يكون بيان حال المشكوك قد أهمل في كلماتهم اعتمادا على الأصل بل لقائل أن يقول ان كلماتهم ظاهرة في بيان حكم ما هو أهل للصحّة بالذات فتأمل ثمّ انّه قد وقع لبعض المعاصرين في هذا المقام كلاما يعجبني ذكره قال لو لم يعلم قصد المكره ففي حمل كلامه على المقصود به ظاهره على نحو كلام المختار وجهان أقربهما ذلك حملا لفعله على الصّحة و لقوله على ظاهره و أصالة حقيقته و لأصالة القصد في أفعال العقلاء و ان كانوا مكرهين كما قيل و دعوى ان الإكراه و لو بحق قرينة صارفة عن ذلك كله محلّ منع و لعل إطلاق الأصحاب الصّحة فعلا أو بعد زوال العذر و الرضا به مبنى على ذلك إذ صورة العلم بعدم القصد المزبور و لو مع التورية في غاية الندرة فلم يلتفتوا إليها و لعلّ ذلك اولى من تنزيل كلامهم على صورة إحراز القصد و عدم تكلم العاقد لاغيا أو موريا فتأمل جيدا انتهى قلت قد عرفت ما في بعض ما اشتمل كلامه عليه سابقا و نقول هنا لا يخفى عليك ما في بعضه الأخر و هو الاعتذار عن عدم تعرّضهم لصورة العلم بعدم القصد المزبور بأنها في غاية الندرة فلم يلتفتوا إليها و ذلك لان كون الفرض نادرا لوقوع يقع على قسمين أحدهما ان يكون في المبحث فروض بعضها شائع الوقوع و بعضها نادر الوقوع فيترك الثاني لندرته و ثانيهما ان يكون عنوان كلى ذكروه و حكموا عليه بحكم باعتبار بعض افراده دون بعض و الاعتذار بترك البعض لندرة وقوعه انما يتجه في الأول دون الثاني و ما نحن فيه من قبيل الثاني دون الأوّل فلا يتجه فيه الاعتذار خصوصا مع كون الفرد الذي ادعى تركه لندرة وقوعه من قبيل ما يساوى المذكور في الانسباق من اللفظ ضرورة ان من علم عدم قصده للمعنى و من علم قصده و من لم يعلم منه شيء منهما في الانسباق من لفظ المكره على حد سواء غاية ما في الباب ان العلم بعدم قصد المعنى نادر الوقوع في الخارج فلا يصير ندرة وقوعه الخارجي (حينئذ) عذرا في ترك البيان لان عباراتهم (حينئذ) تصير مما يفيد خلاف المقصود و هذا مما لا يعذر فيه صاحبها بل نقول ان العلم بعدم قصد المعنى ان كان نادرا فليس ندرته الا من جهة ندرة العلم بالضمائر و هذه الجهة موجودة في العلم بقصد المعنى (أيضا) فيكونان على حد سواء فالاعتذار بندرة أحدهما دون الأخر من عجائب الأمور

[فروع]

[الإكراه على بيع عبد من عبدين]

قوله لو أكرهه على بيع واحد غير معيّن من عبدين فباعهما أو باع نصف أحدهما ففي التذكرة إشكال

لا يخفى ان الإكراه عنوان قد حكم بعدم صحة عقد من تعلق به و يقع الحال فيه على وجوه لانه قد يعلم تحقق العنوان فيحكم بالبطلان و قد يعلم بعدم تحققه فيحكم بالصّحة و قد يقع الشك تحققه أو الظن به أو بعدمه و ينشأ من ذلك فروع كثيرة منها ما تعرض له (المصنف) (رحمه الله) و قد تعرضوا لكلّ منها بالبحث عنه بخصوصه على ما يقتضيه المورد لكن الاولى و الأهم تنقيح قاعدة كلية يرجع إليها عند الشّك في تحقق الإكراه من الصّحة أو البطلان و قد أشار إليها صاحب الجواهر (رحمه الله) بقوله ثمّ لا يخفى عليك ان لفظ المكره كغيره من الألفاظ يراد به المحمول على المكروه له واقعا و لكن اكتفى في تحققه بظاهر الحال المستفاد من تعقب الفعل للتهديد فلو فرض حصول ما يرفع الظهور المزبور منه حكم بصحة الطلاق لعمومات بناء على ان الإكراه مانع و لم يتحقق أو حصول ما يظهر منه الاختيار بناء على انّه الشرط فيكفي في الحكم بتحققه ظهوره و على كلّ حال فقد ذكروا ان من ذلك ما إذا خالف المكره و اتى بغير ما حمله عليه فان مخالفته له شعير بالاختيار فيرفع ظهور الكراهة ثم ذكر جملة من الصور و الفروع ثم قال و كان الاولى تحرير الأصل المزبور و الا فكثير من غير هذه الفروع محل للنظر حتى فيما نفوا الشبهة عن عدم الإكراه فيه فإنه قد يكون وقوعه بالإكراه و لتحقيق في الأصل المزبور الحكم بالصحة مع الشك في تحقق الإكراه و لذا كانت البيّنة على مدعيه انتهى و قد علم من كلامه (رحمه الله) لزوم الحكم بالصّحة عند الظن بانتفاء الإكراه بطريق اولى دون ما لو كان انتفاؤه موهوما لادلك عبارة أخرى عن ظهور تحقق الإكراه لكن يبقى هنا أمران أحدهما انّه لا دليل على ما التزم به من تحققه بظاهر الحال فنطالبه بالدليل عليه و ثانيهما انه مع تسليم كون الإكراه مانعا لا مجال للتمسّك بالعمومات الواردة في الطلاق أو غيره لان الشبهة مصداقية فليست قابلة لان يتمسّك فيها بالعمومات فليس المرجع إلا الأصول و انما قلنا ان الاولى و الأهم تنقيح قاعدة يرجع إليها عند الشك لان الشك في تحقق الإكراه في الفروع المذكورة ان لوحظ بالقياس الى المكره نفسه فلا وجه له لأنه أعرف بقصده و بداعيه الذي صدوا عنه فلا حاجة الى الاطناب فيما هو اعرف به من غيره و ان لوحظ بالقياس الى الحاكم عند اختلاف المتعاقدين في وقوع لعقد عن إكراه و عدمه فالمرجع هناك لا بد و ان يكون هو الأصل الذي هو في المقام عبارة عن قاعدة الصحة عند اختلاف المتعاقدين في وقوع العقد صحيحا أو فاسدا بعد تسالمهما على أصل وقوعه فيكلف مدعى الإكراه بالبيّنة مضافا الى موافقة قول مدعى الصّحة للأصل من جهة أخرى و هي ان الأصل صدور الفعل عن قصد حيث شك في وقوعه عن قصد أو عن إكراه و ان لوحظ بالقياس الى من يريد الشراء منه أو غيره من المعاملات فان رجع الشك في شيء من الفروع التي ذكروها الى معنى الإكراه و ما وضع له لفظه كان اللازم هو الرجوع الى العرف و اللغة و ان لم يرجع الى معنى الإكراه كما هو (الظاهر) من تعليلاتهم التي ذكروها للفروع حيث انها تنبئ عن طريق التوصل الى مقصود من يحتمل في حقه الإكراه و العلم بالداعي الذي صدر منه الفعل بسببه مثل ما قيل فيمن لو اكره على ثلث طلقات فأوقع واحدة من أنه بالمخالفة المزبورة يظهر منه الاختيار و كذا التعليلات التي ذكرها (المصنف) (رحمه الله) لما ذكره من الفروع كان الاستناد الى الوجوه و التعليلات المذكورة استنادا إلى الأمارات و أسباب الظن التي هي من قبيل غير الظهورات اللفظية و لا دليل على اعتبارها و الحكم بمقتضاها فلا بد من الرجوع الى الأصل و مقتضاه فيما نحن فيه هي الصّحة

[الإكراه على معين فضم غيره إليه]

قوله لكن في سماع دعوى البائع ذلك مع عدم الأمارات نظر

يعنى انه لو ادعى البائع الإكراه عند الحاكم فان وحدت امارة على صدقه سمع دعواه و قبلت منه للزوم اتباع الامارة و ان لم يكن هناك امارة تدل على صدقه ففي سماع دعواه نظر من انتفاء ما يدل على مدعاه و من انه اعرف بما في ضميره من غيره فيكون من دعوى ما لا يعلم الا من قبله هذا و قد عرفت انه لا دليل على اعتبار الظهور الغير اللفظي الحاصل من الأمارات نعم يثمر ذلك في صيرورة من عاضدت قوله منكر أ يطالب خصمه بالبينة بناء على جعل معيار التمييز بين المدعى و المنكر هو موافقة قوله الظاهر و عدمها

[الإكراه على الطلاق]

قوله و عن بعض الأجلة انه لو علم انه لا يلزمه الا اللفظ

(انتهى) الظاهر انه كاشف اللثام قال بعد حكاية قول العلامة (رحمه الله) في التحرير و لو اكره على

337

الطلاق فطلق ناويا له فالأقرب انّه غير مكره إذ لا إكراه على القصد يعنى ان ظنّ انّه يلزمه الطّلاق لا مجرد لفظه بالإجبار و ان كان لا يريده اما لو علم انه لا يلزمه الا اللّفظ و له تجريده عن القصد فلا شبهة في عدم الإكراه انتهى

قوله ثم ان بعض المعاصرين ذكر الفرع عن (المسالك) و بناء على ان المكره لا قصد له أصلا

(انتهى) أراد به صاحب الجواهر (رحمه الله) فإنه قال و لو قصد المكره إيقاع الطلاق ففي (المسالك) و غيره في وقوعه وجهان من ان الإكراه أسقط أثر اللفظ و مجرد النية لا تعمل و من حصول اللفظ و القصد و هذا هو الأصحّ ثم قال (رحمه الله) قلت مرجع ذلك الى ان الإكراه في الظاهر دون الواقع و قد تكرر من العامة و الخاصة خصوصا الشهيد الثاني (رحمه الله) في (المسالك) و الروضة في المقام و في البيع ان المكره حال الكراهة لا قصد له للمدلول و انّما هو قاصد للفظ خاصة و فيه منع واضح ضرورة تحقق الإنشاء و القصد منه و لذا ترتب عليه الأثر مع الإكراه بحق و مع تعقب الإجازة بالعقد بل ظاهر قوله (عليه السلام) انّما الطلاق ما أريد به الطلاق من غير استكراه (انتهى) تحقق الإرادة من المكره بل لعل عدم القصد للمدلول في المكره من التورية الّتي لم نوحيها عليه و (حينئذ) فالمكره قاصد على نحو غيره الا انّه قصد إكراه لا قصدا اختيار و ان شئت عبرت عن ذلك بالرّضا و عدمه و من هنا يظهر لك ما في عنوان الوجهين السابقين المبنى على كون المكره غير قاصد و عليه كان المتجه إدراجه في الشرط الرابع لا ان يجعل شرطا مستقلا نعم قد يقال ان الهازل يقصد اللفظ دون المبنى فلا إنشاء (حينئذ) و به يتضح الفرق بينهما أو يقال انّه قاصد (أيضا) الا انه قصد هزلي لا اثر له في الشرع للأدلّة الخاصة و لو تعقبه الرّضا بل قد عرفت اشتمالها على بطلان طلاق الغضبان و ان كنت لم اعرف من افتى به الا مع ذهاب العقل به أو القصد انتهى ثم لا يخفى عليك ان عبارة التحرير مما لا (يخلو) عن إجمال لأنه محتمل لوجوه أحدها ان يكون المراد بقوله فطلق ناويا انّه طلق قاصدا الى مضمون الصّيغة و هو الطلاق و يكون هذا الفرع مبنيا على زعمه (رحمه الله) ان المكره انما يقصد اللفظ دون المعنى كما زعمه جماعة و على هذا فإذا قصد المعنى خرج عن كونه مكرها و صار مختارا و هذا التفسير مع كمال ملائمته لقوله ناويا من جهة ان النية عبارة عن القصد يؤيّده قوله (رحمه الله) في القواعد بعد اشتراط القصد فلا يقع طلاق السّاهي و الغافل و الغالط و تارك النية انتهى و ذلك لانه ذكر ترك النية في مقابلة القصد و لا يتوهم انّه إذا كان المكره غير قاصد يكون اشتراط الاختيار مغنيا عن اشتراط القصد و قد جمع بينهما في الاشتراط فقهاؤنا و منهم العلامة (رحمه الله) لان عقد المختار و غيره لمن فعاله يقع عن قصد و عن غير قصد و المتصف بالصّحة انما هو الأوّل فمجرد اشتراط الاختيار لا يغني كما ان مجرد القصد لا يغني إذ يمكن تحقق القصد مع الإكراه كما في المكره الذي غلبت عليه الدهشة و في الجاهل الذي ذكره (المصنف) (رحمه الله) فالنسبة بين القصد و الاختيار عموم من وجه و زعم خلو عبارة المكره عن قصد المعنى و ان لم يقع صريحا في كلام العلامة (رحمه الله) الا انه وقع في كلام الشهيد الثاني (رحمه الله) و قد عرفت انه ذكر في هذا الفرع وجهين من ان الإكراه أسقط أثر اللفظ و مجرد النية لا تعمل و من حصول اللفظ و القصد ثانيها ما صرّح باختياره بعض من تأخر و هو الذي أفاده كلام صاحب المقابيس (رحمه الله) من ان مراد العلامة (رحمه الله) هو ان المأمور بالطلاق لم يكن راضيا به و لكن المكره لما أكرهه و كان يحصل التفصي عن شره و عن وقوع ما توعد به تجرد إيقاع اللفظ إذا لم يكن القصد مما يقبل وقوع الإكراه عليه لكونه امرا باطنيا يتبع الدواعي الباطنية فحيث قصد المعنى خرج عن كونه مكرها في ذلك القصد و أوقعه عن اختياره لانه حيث لم يكن مما يحيط به علم المكره و لا يتيسّر له الإكراه لم يكن وقوعه مستندا الى فعله الذي هو الإكراه و هذا المعنى معتبر في صدق الإكراه قطعا قال ذلك البعض ان هذا هو الذي ليس بديهي الصّحة و لا بديهي الفساد فيصحّ للعلامة (رحمه الله) الافتداء بكونه أقرب و للشهيد الثاني (رحمه الله) التردد فيه لما عرفت من وجهي الطرفين أعني إسقاط الإكراه أثر اللفظ و كون مجرد النية لا تعمل و حصول اللفظ و القصد ثم انّه عدل عن هذا التوجيه معللا بأنه يستلزم القول بوجوب التورية و لم يقل به أحد من أصحابنا أقول هذا التوجيه لا يستلزم وجوب التورية بخصوصه و انّما يستلزم وجوب عدم

القصد إلى إيقاع الطلاق مثلا و هذا مما يندرج تحته فردان أحدهما التورية و الأخر عدم القصد الى المدلول أصلا غاية ما في الباب ان اتفاق أصحابنا على عدم وجوب التورية يصير قرينة على ان مراده (رحمه الله) هو انه يلزم ان لا يقصد المكره بلفظه معناه فإذا قصد المعنى خرج عن كونه مكرها بل الاولى ان يقال (حينئذ) في تقريره ان وظيفة المكره انما هي التفصي عما توعد به المكره و هو يحصل بإيجاد اللفظ بدون المعنى فمع التّخطي عنه الى قصد المعنى يكون تخطّيه مستندا اليه فيكون مختارا و لا يكون مستندا الى المكره حتى يكون مكرها هذا و لكن هذا التوجيه ينافي ما ذكروه من انّ المكره إذا رضي بعد زوال إكراهه صح ما أوقعه من العقد نظرا الى ما تقدم من ان الرّضا اللاحق لا اثر له إذا تعقب اللفظ الخالي عن المعنى ثالثها ان المراد بقوله طلق ناويا هو انه نوى وقوع الطلاق في الخارج و ترتب الأثر عليه فيه و لا يتوهم انه لا وجه (حينئذ) لتعبير العلامة (رحمه الله) بقوله فالأقرب وقوع الطلاق لبداهة وقوع الطلاق (حينئذ) كما لا وجه لتردد الشهيد الثاني (رحمه الله) و حكاية سبطه البطلان قولا لاندفاعه بالتأمل فيما افاده الشهيد الثاني (رحمه الله) في مستند الوجهين الا ترى انه جعل وجه البطلان ان الإكراه أسقط أثر اللفظ و مجرد النية لا تعمل فان المانع على تقريره انما يجيء من وقوع اللفظ مكرها نظرا الى ان الإكراه يسلب اللفظ أثره فلا يكون تأثير رضاه الباطني عند وقوع لفظه في حال الإكراه من البديهي المسلم فافهم فان ما افاده الشهيد الثاني (رحمه الله) بيان لما أفاده العلامة (رحمه الله) و بيان مراد مثله ينبغي ان يصدر من مثله

قوله و الحكم في الصورتين لا يخلو عن إشكال

أراد بالصورتين ما لو كان الداعي هو الإكراه و لكن مع كون الضرر عائدا إلى المكره بالكسر فيريد المكره بالفتح دفعه عنه و ما لو كان الداعي شفقة دينيّة على المكره بالكسر

[في صحة عقد المكره إذا تعقبه الرضا]

قوله ثم المشهور بين المتأخرين انه لو رضى المكره بما فعله صحّ العقد

بل المشهور ذلك (مطلقا) في كثير من العبارات بل ظاهر كثير من العبارات الاتفاق عليها

قوله فظهر مما ذكرنا ضعف وجه التأمل في المسئلة كما عن الكفاية و مجمع الفائدة تبعا للمحقق الثاني (رحمه الله) في جامع المقاصد

قال فيما حكى عن الكفاية انهم قالوا لم يصحّ عدا المكره استنادا الى تعليلات اعتبارية من غير نص فالمسئلة محلّ اشكال انتهى و قال في مجمع الفائدة مشيرا الى قول العلامة (رحمه الله) فلو باع الطفل أو المجنون أو المغمى عليه أو السكران و ان اذن لهم أو المكره لم يصحّ و لو أجاز و أبعد الكمال الا المكره فالتفريع كله ظاهر الا قوله و لو أجازوا إلا المكره فان الاستثناء غير واضح بل (الظاهر) البطلان (حينئذ) (أيضا) لعدم حصول القصد بل و عدم صدور العقد عن تراض و الظاهر اشتراطه على ما هو ظاهر الآية و لانه لا اعتبار بذلك الإيجاب في نظر الشارع فهو بمنزلة العدم و هو ظاهر لعدم الفرق بينه و بين غيره من الطفل و غيره و الفرق بين كلامهم بأنه لا اعتبار به بخلاف كلام المكره فإنه معتبر الا انه لا رضا معه فإذا وجد الرضا صحّ لوجود شرطه بعيد جدا و بالجملة لا إجماع فيه و لا نص و الأصل و الاستصحاب و عدم الأكل بالباطل الا ان تكون تجارة عن تراض و ما مرّ يدل على عدم الانعقاد و هو ظاهر الا ان المشهور الصحة و ما نعرف لها دليلا و هم (رحمهم الله) اعرف و لعل لهم نصا ما نقل إلينا انتهى و لا يخفى عليك ان كلامه مبنى على ان المكره غير قاصد الى المعنى المفهوم من اللفظ و انه استظهر البطلان و لم يقتصر على مجرد التأمل كما حكاه (المصنف) (رحمه الله) و اما عبارة جامع المقاصد فقد تقدم ذكرها في صدر المسئلة هذا و قد استظهر بعض المعاصرين أيده اللّه (تعالى) التوقف من عبارة (المسالك) و لا ارى لوجها فإنها ظاهرة في الحكم بالبطلان و قد تقدم حكايتها نعم لا أرى

338

بأسا بما ادعاه بعض الأواخر من كون البطلان مقتضى إطلاق بعضهم شرطية الاختيار على وجه يظهر منه انه كالبلوغ و العقل بل عن الخلاف ان طلاق المكره و عتقه و سائر العقود التي يكره عليها لا تقع إجماعا منا و به قال كثير من العامة و قال بعضهم بان طلاقه و عتقه واقع و كذا كل عقد يلحقه فسخه فان لم يلحقه فسخ كالصّلح و البيع و الإجارة انعقد عقدا موقوفا فإن أجازها صحت و الا بطلت هذا و قد يستدل للقول بالصّحة باستظهار الإجماع عليها من جماعة و فهمه من عبارات اخرون بعموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ الشامل لمحل البحث (أيضا) و لكن لما علمنا مانعية الإكراه عن تأثير العقد شرعا أوقفناه على زواله فإذا زال عمل المقتضى عمله كما في نظائر ذلك بل لو سلم كون الاختيار أو الرّضا من قبيل الشّرط للعقد شرعا لا كون الإكراه مانعا كما هو مقتضى ظاهر قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ و الآية المذكورة لا دلالة لها على اشتراط حق الرّضا فتأمل فإنّ ظاهر اللفظة عن؟؟؟ الدلالة على ذلك و يأتي الكلام في مسئلة الفضولي إنشاء اللّه تعالى منه دام ظله العالي فلا نسلم شرطية مقارنته له للأصل و لمساواته للفضولي الثابت بالنص في جامعيّة الشرائط في حال وقوعه عدا الرضا من المالك فإذا تعقبه الرّضا اثر و لزم و لكن قد يفرق بينهما بعدم القصد أصلا و رأسا في المكره بخلاف الفضولي فإنه قاصد للنقل و مريد له قصعا و ان توقف مضيه على رضا المالك و لا يصغى الى دعوى ان الفضولي قاصد للفظ العقد دون مدلوله كالمكره كما لا يصغى الى دعوى ان المكره (مطلقا) قاصد له (أيضا) و مريد له الا ان نفسه غير طيبة به كما ان نفس المالك غير طيبة به في الفضولي فهما سواء في غير طيب النفس بل التحقيق انّ الإكراه يقع على الوجهين من قصد المعنى و انتفاء مجرد طيب النفس (صح) و من عدم قصد منه الا الى اللفظ و الأول يصحّ بالرّضا للاحق دون الثاني و الفرق قابلية الأول له دون الأخير و لعل المراد بلفظ الموثوق بعبارته في كلام المحقق (رحمه الله) هو القسم الأول و هو ما قصد به المعنى فتدبر ثم انّه قد يستشكل في التمسّك بالآية بأن المأمور به انما هي العقود المعهودة المتعارفة في زمن النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فلا بد من إثبات ان العقد الذي أوقعه المكره بعد زوال العذر برضا كان معهودا في ذلك الزمان حتى تشمله الآية إذ ما لم يكن معهودا يقع الشك في شمول الخطاب له و توجهه اليه و يجاب بان العلم بذلك لا يلزم ان يكون تفصيلا بالاطلاع على أحوال زمانه على وجه الخصوص لإمكان حصول العلم بغير ذلك الوجه و هو تداول الفتوى بصحة عقد المكره بعد رضاه في كتب فقهائنا (رضي الله عنه) فيعلم من ذلك كون مثل ذلك معهودا في زمانه (تعالى) لأنهم لا يفتون الا عن خبرة

قوله و ان انتصر لهم بعض من تأخر عنهم بقوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ الدال على اعتبار كون العقد عن التراضي مضافا الى النبوي المشهور الدال على رفع حكم الإكراه

و قال بعض المعاصرين انه قد يستدل على الثاني يعنى على عدم صحة عقد المكره بالرضا اللاحق بالأصول و بحديث رفع القلم بناء على عمومه لذلك كما سبق لظهوره في اتحاد المرفوع عن الصبي و المكره و نحوهما و بعدم الفرق بين الجميع و بعدم القصد حال العقد مع ظهور النصوص و غيرها في اعتبار مقارنته له بل قد يدعى انتفاء اسم العقد بانتفائه إذ ليس هو اسما للفظه على كل حال و بعدم الرضا حاله مع ظهور الكتاب و السّنة في اعتبار مقارنته له (أيضا) أو في اعتبارها في مفهومه الى غير ذلك و لكن في الجميع نظر انتهى أقول لم يجمع بين الصبي و المكره في حديث رفع القلم فان حديث رفع القلم كما حكاه فيما تقدم من كلامه هو قوله (عليه السلام) رفع القلم عن ثلاثة عن الصّبي حتى يبلغ و عن النائم حتى يستيقظ و عن المجنون حتى يفيق و مثله غيره و الحديث النبوي المصدر بقوله رفع عن أمتي تسعة غير مشتمل على المجنون و الصّبي فلا وجه لتقريب الاستدلال بان المرفوع عن الصبي إذا كان هو بطلان معاملته على وجه (صح) لا يصحها الرضا اللاحق فكذا في المكره اللّهم الا ان يدعى ان سياق الحديثين واحد فإذا كان المرفوع عن الصّبي هو الصّحة على الوجه المذكور كان المرفوع عن المكره (أيضا) ذلك (فتأمل) ثم لا يخفى عليك سقوط الجميع امّا الأوّل فلارتفاعه بالدليل و قد عرفت التمسّك بقوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ و امّا الثاني فلانه على تقدير تسليم اجتماع المكره و الصّبي و المجنون في حديث واحد لا يلزم من اشتراكها في الرفع اتحاد كيفية الرفع و الجامع عدم صحة العقد في حال وقوعه على وجه يترتب عليه جميع الآثار و لا ينافيه الاختلاف في الكيفية بان يترتب على أحدها حكم الصحة بلحوق الرّضا دون الأخر و مع وقوعها في اخبار متعددة يكون عدم لزوم اشتراكها في اتحاد الكيفية بطريق الاولى و امّا الثالث و هو عدم الفرق بين الجميع فلم يقع إلا في كلام بعضهم و ليس مما وقع الإجماع عليه و لا حجة في كلام البعض و كلامنا انما هو في مقابلة من يدعيه فالتمسّك به مصادرة و امّا الرابع و هو عدم القصد حال العقد فلانه خارج عن مفروض البحث فان من يحكم بالصّحة بعد لحوق الرّضا و الإجازة انما يحكم بها مع كون المكره قاصدا الى معنى اللفظ و مفهومه غاية ما في الباب انّه لم يطب بذلك نفسه و من هنا قيل فإنه لعلّ النزاع موضوعي أو لفظي بين الأكثر أو الجميع كما يومي اليه مع التدبر في أدلّة الطرفين تقييد بعضهم الصحّة بان لا يبلغ الى الخلو عن القصد و فهم المعنى و قول صاحب الجواهر (رحمه الله) مع كونه من المانعين انه لو فرض تصور قصد المكره للمعنى مع عدم الرّضا به و قلنا بأن الإكراه على اللفظ لا يخربه عن قابلية التأثير جرى عليه حكم الفضولي بل و كذا لو كان مختارا و صرّح بالقصد دون الرضا بناء على إمكان انفكاكهما و لعلّ منه بيع التلجئة و لا ريب و كونه (حينئذ) كالفضولي الى ان قال و لعلّ إطلاق الأصحاب الصّحة في المكره مبنى على غلبة هذه الصورة انتهى و امّا الخامس فللمنع من ظهور الكتاب و السنة في اعتبار مقارنة الرضا و ستعرف عدم دلالة قوله (تعالى) إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ على انحصار طريق الحل في كون العقد مسبوقا بالرّضا

قوله مؤيدا بالنقض بالهازل مع انهم لم يقولوا بصحته بعد لحوق الرّضا

قال في (المسالك) في ذيل كلامه لكن يبقى في هذا كله اشكال من وجه أخر و هو ان الهازل قد حكموا بفساد عقده و لم يذكر و لزومه و لو لحقه الرّضا به و ظاهر حالة انه قاصد الى اللفظ دون مدلوله لانه بالغ عاقل فاللازم (حينئذ) اما إلحاقه بالمكره في لزوم عقده مع لحوق الرّضا أو إبداء الفرق بكونه غير قاصد للفظ و فيه تأمل انتهى و غرضه (رحمه الله) انه إذا لم يصحّ عقد الهازل بحكمهم لم يصح عقد المكره و يمكن دفعه بان الهازل قاصد الى اللفظ دون المعنى بخلاف المكره (صح) فإنه قاصد الى المعنى غير مقرون بطيب النفس به

قوله و الكل كما ترى لأن دلالة الآية على اعتبار وقوع العقد عن التراضي اما بمفهوم الحصر و اما بمفهوم الوصف و لا حصر كما لا يخفى لان الاستثناء منقطع غير مفرّغ

لا يخفى ان اشترط سبق الرّضا على العقد لا يتم إلا بدلالة الآية على الحصر بان يكون الإباحة الناشئة من الاستثناء من النهى المفيد للتحريم منحصرة في التجارة الناشئة عن الرضا بمعنى كونه مسبوقا و مقرونا بها حتى تخرج التجارة الملحوقة بالرضا عن حكم الإباحة فلا يؤثر في صحتها فتقى محكوما عليها بالحرمة و (المصنف) (رحمه الله) قد منع من دلالتها على الحصر مستندا الى ان الاستثناء منقطع غير مفرّغ و ظاهر كلامه (رحمه الله) ان كلا من القيدين له دخل في منع الحصر فلو كان الاستثناء متصلا أفاد الحصر كما ان المنقطع لو كان مفرغا أفاد الحصر فهنا دعويان إحديهما ان الاستثناء المنقطع الغير المفرغ لا يفيد الحصر و الأخرى ان الاستثناء المنقطع المفرغ يفيد الحصر أما الأولى فالوجه فيها هو ان الحصر يتألف من عقدين إيجابي بالنسبة إلى موضوع و سلبي بالنسبة الى ما عداه فإذا قال المتكلم ما جائني القوم الا زيد كان افادته للحصر من جهة انّه نفى المجيء عن القوم الشامل له و لغيره ثم إذا أثبته لزيد حصل من ذلك نفى المجيء عما عدا زيد من افراد القوم و ثبوته له فانحصر المجيء من بين القوم في زيد و قس عليه الحال في قولنا جائني القوم الا زيد الان الاستثناء من النفي إثبات و بالعكس على ما هو المشهور المعروف و افاده الاستثناء للحصر مبنى عليه و هذا لا يجري في مثل ما جائني القوم إلا حمار أو ذلك لان أصل الكلام انما أفاد نفى المجيء عن القوم و الاستثناء انما أفاد إثبات المجيء للحمار و لا يتأتى من مجموع المستثنى

339

و زياد الكلام انّما أفاد نفى المجيء عن القوم و الاستثناء انما أفاد إثبات المجيء للحمار و لا يتأتى من مجموع المستثنى الى و الكلام المشتمل على المستثنى منه نفى المجيء من غير الحمار من سائر أفراد الحيوان كالفرس و البقر و نحوهما لعدم وفاء شيء من الجزئين به إذ ليس الحمار من افراد عنوان القوم حتى يقال انّه حصل حصر المجيء فيه من إثبات الحكم لبعض افراد القوم و نفيه عن بعضها و امّا الثانية و هي افادة المنقطع المفرغ للحصر كما لو قيل ما جائني إلا حمار فلان ترك المستثنى منه في الكلام انما يكون مع العلم به و بشموله المستثنى فيصير المراد بأصل الكلام نفى المجيء عن كل ما هو صالح للمجيء و أهل له فإذا ثبت للمستثنى و هو الحمار في المثال المذكور أفاد حصر المجيء من بين ما هو صالح للمجيء و أهل له في الحمار هذا و لكن لا يخفى عليك ان هذا المطلب و ان كان فيحد ذاته حقا الا ان لازم ذلك عدم كون الاستثناء منقطعا على التقرير المذكور لانه يصير المستثنى من جنس المستثنى منه و من جملة ما يندرج تحته فيصير تقييد (المصنف) (رحمه الله) بقوله غير مفرغ مستدركا إذ لا يوجد على التقرير المذكور مفرغ منقطع حتى يكون من حكمه عدم افادة الحصر لتحرز عنه بالتقييد المذكور و لا يتوهم انّه يصحّ ان يكون المستثنى منه في مثل قولنا ما جائني الا حمار مفهوما كليا غير شامل للحمار كالقوم و نحوه و يقام قرينة للدلالة على ذلك المستثنى منه لأنا نقول ان ذلك لا يجدى في استقامة كلام (المصنف) (رحمه الله) لأن إفادة مثل ذلك الكلام للحصر ممنوع مضافا الى ان الظاهر من مساق كلمات النحاة انهم لا يريدون بالمفرغ الا ما كان المستثنى منه المنوي شاملا للمستثنى و يدل على هذا كلام الشيخ الرضي (رحمه الله) حيث قال في طي كلام له في ذيل قول ابن الحاجب و يعرب على حسب العوامل إذا كان المستثنى منه غير مذكور و هو في غير الموجب ما نصه و في المفعول المطلق إذا كان للتأكيد و وقع بعد إلّا اشكال كقوله (تعالى) إِنْ نَظُنُّ إِلّٰا ظَنًّا و ذلك لان المستثنى المفرغ يجب ان يستثني من متعدد مقدر معرب بإعراب المستثنى المستغرق لذلك الجنس كما تقدم حتى يدخل فيه المستثنى بيقين ثم يخرج بالاستثناء و ليس مصدر نظن محتملا مع الظن غيره حتى يخرج الظن من بينه و حله ان يقال محتمل من حيث توهم المخاطب إذ ربما تقول ضربت مثلا و قد فعلت غير الضرب مما يجرى مجراه كالتهديد و الشروع في مقدمات الضرب فتقول ضربت ضربا لرفع ذلك التوهم كما انك إذا قلت جائني زيد جاز ان يتوهم انه جائك من يجرى مجراه فتقول جائني زيد زيد لرفع هذا الوهم فلما كان قولك ضربت محتملا للضرب و غيره من حيث التوهم صار المستثنى منه فيما ضربت الا ضربا كالمتعدد الشامل للضرب غيره من حيث (صح) الوهم فكأنك قلت ما فعلت شيئا إلا ضربا قال و ما اغترّه الشيب الّا اغترارا قال ابن يعيش هذا الكلام محمول على التقديم و التأخير اى ان نحن الا نظن ظنا و ما اغتره الا الشيب اغترارا و هو تكلف انتهى و كيف كان فالاية المذكورة قد اجتمع فيها القيدان و لو فرض انه لا مدخل للقيد الثاني لم تفد الحصر (أيضا) لكون الاستثناء منقطعا لأن مؤدى أصل الكلام انما هو النهى عن أكل المال بالباطل و استثنى منه التجارة الناشئة عن التراضي المسبوقة به فيثبت الإباحة بالنسبة إليها و لا يلزم من ذلك حرمة التجارة التي لحقها التراضي لعدم دخولها في أكل المال بالباطل فلا مانع من ان تكون هي (أيضا) كالمسبوقة مباحة فلم تفد الآية المذكورة الحصر

[الرضا المتأخر ناقل أو كاشف]

قوله ثم على القول بالكشف هل للطرف الغير المكره ان يفسخ قبل رضا المكره أم لا يأتي بيانه في الفضولي (إن شاء الله) (تعالى)

اعلم انه لا إشكال في جواز تصرف المكره في ماله قبل الرّضا بالعقد المكره عليه و لا يتوقف على إنشاء فسخ منه و احتمال توقفه عليه مدفوع بالأصل بل بظاهر الأدلّة و اما الطرف الأخر المقابل للمكره فالذي ذكره فيه بعض المعاصرين انه لا يبعد ان له التصرف في ماله (أيضا) للأصل و الاستصحاب و العمومات و ان لم يكن له فسخه و في الجواهر ان عقد المكره حيث يكون كالفضولي فيجب انتظار غير المجبور و ليس له الفسخ قبل فسخ المجبور و عن بعضهم ان القول بوجوب انتظاره مخالف لظاهر الشريعة و (المصنف) (رحمه الله) بنى المسئلة على القول بالكشف نظرا الى ان الإجازة على القول بالنقل لها مدخل في العقد شرطا أو شطرا فما لم يتحقق الشرط أو الجزء لم يجب الوفاء على أحد من المتعاقدين لان ما أمر بالوفاء به انما هو العقد المقيد الذي لا يوجد الا بعد القيد و هذا هو الذي صرّح به فيما سيأتي (إن شاء الله) (تعالى) في مقابل ما استظهره من المحقق الثاني (رحمه الله) من عدم جواز تصرف الأصيل في ماله حتى على القول بالنقل و على هذا فيبقى الكلام على القول بالكشف فالذي حكاه هناك عن جماعة منهم العلامة (رحمه الله) و السيّد عميد الدين و المحقق الثاني (رحمه الله) هو عدم جواز التصرف و ما حكاه عن بعض معاصريه هو الجواز و ستعرف التفصيل (إن شاء الله) (تعالى) و وجه الفرق بين القول بكون الإجازة ناقلة و كونها كاشفة هو انه على الأول لم يتحقق قبل صدورها عمن من شانه صدورها عنه انتقال ماله الى غيره و الإجازة ان صدرت من أهلها و انما تفيد النقل من حين صدورها فيجوز له التصرف فيه و امّا على الثاني فإن شأن الإجازة لما كان هو الكشف عن الصحّة العقد و انتقال المال من حين وقوع العقد و قد كان من المحتمل لحوقها سرى هناك احتمال كون المال في الواقع ملكا للطرف الأخر فلا يجوز له التصرف فيه فيجب عليه الانتظار الى ان يعلم الحال من جانب المكره انه يخبر أو يرد و ليس له التمسك بأصالة عدم وقوع الإجازة من المكره بعد ذلك من جهة الشك في انه هل تصدر منه في المستقبل أم لا لان العقل يحكم بالاحتياط و الانتظار فيما وقع عنوان دار امره بين كونه ممّا يترتب عليه حكم إلزامي بالفعل لكن لم يعلم به المكلف و ينكشف بعد ذلك و بين كونه مما لم يترتب عليه ذلك و أدلة الأصول اللفظية اما منصرفة الى غير مثل هذا المورد أو مخصّصة بحكم العقل لكون طريقي الإطاعة و العصيان موكولين اليه و لذلك حكموا في منذور الصدقة به على تقدير غير معلوم التحقق بلزوم الانتظار و عدم جواز التصرف فلو نذر أضحية شاة ان قدم مسافرة لم يجز له التصرف فيها الى ان يتبين وقوعه أو عدمه هذا و قد يحتمل التفصيل في أصل المسئلة بان الطرف الأخر ان كان عالما بكون صاحبه مكرها على المعاملة لم يجز له التصرف في ماله و وجب عليه انتظار مال حال المكره من الإجازة أو الرد لأنه أقدم على معاملة المكره الّتي هي مما يحتمل فيه الأمران بسوء اختياره فلا بد من ان يلتزم بلازم ذلك و ان لم يكن عالما جاز له التصرف من دون فرق في القسمين بين القول بالنقل و بين القول بالكشف غاية ما في الباب انه في صورة جهله بكون صاحبه مكرها يثبت له الخيار من جهة ان انتظار المكره الى ان يرد أو يخبر ضرر عليه و هذا و ان لم يكن مندرجا تحت عنوان خاص من عناوين الخيار المقررة الا ان اقسامه غير منحصرة في العناوين الخاصة المقررة بل كل مورد يجيء فيه الضرر من جهة الصّبر و الانتظار يجيء فيه الخيار و ربما ظهر من بعض من تأخر الميل الى اختياره لكنه ينافي ما بنى عليه في كثير من الموارد من ان التمسك بأدلّة الضرر و نحوها من العمومات التي تطرق إليها كثرة التخصيص لا يعمل بها إلا في المورد الذي

340

افتى فيه الأصحاب بمقتضاها فتدبر ثم لا يخفى عليك انه على القول بصحّة عقد المكره بلحوق الإجازة لو حصل الرّضا بعد العقد بلا فصل فلا إشكال في صحته و لو وقع منه الفسخ (كذلك) فلا ريب في بطلانه اما لو استمر الجبر بلا فسخ ثم تعقب الرضا فالمنقول عن شرح القواعد ما ينبئ عن التردد في الصّحة قال (رحمه الله) و لو حصل الرضا بعد تمام العقد بلا فصل فلا بحث على القول بالصّحة و لو فسخ فسد العقد و لو استمر الجبر بلا فسخ ثم تعقب الرّضا قوى وجه الصّحة و في كونه كاشفا أو ناقلا وجهان اقويهما الأوّل انتهى و في الجواهر بعد الإشارة إليه ما نصه لعل وجه العدم انه قد يقال بكفاية استمرار عدم الرضا في فساد العقد بحيث لا تنفع معه الإجازة إذ دعوى احتياج فسخه الى لفظ يدلّ عليه مريدا للإنشاء به لا دليل عليه انتهى و قد يدفع بمخالفته لظاهرهم بل كلامهم كالنص في شموله لصورة الاستمرار في الجملة ان لم تكن هي المنساقة من كلماتهم و أدلتهم نظرا الى ان غالب أفراد الإكراه المتعقبة بالرضا في الخارج انما هو ما لو استمر عدم الرّضا لانه لا يتبدل بالرّضا غالبا الا بعد انقضاء مدة يزول فيها ألم الإكراه مضافا الى ان كفاية مجرد استمرار عدم الرّضا و قيامه مقام الرّد ممّا لا وجه له و لا دليل عليه لان الرد كالإجازة يحتاج إلى إنشاء بلفظ أو ما يقوم مقامه و مجرد استمرار عدم الرضا ليس إنشاء

تنبيهات

الأوّل ان الإكراه و ان كان امرا واقعيّا الّا ان اعتقاد المكره طريق اليه

فيترتب عليه أحكام الإكراه و عدمه فلو كان المتغلب قد توعد على ترك امتثال أوامره على وجه كلّى ثمّ انه صدر منه أمر ببيع شيء من أمواله بقصد الإرشاد فزعم المخاطب ان المراد به الحتم و الإلزام فباعه مكرها لا عن طيب نفس ترتب عليه حكم العقد المكره عليه و لو انعكس الأمر بأن كان مقصود الأمر هو التوعد على ترك البيع و الإكراه على فعله على سبيل الحقيقة فزعم المأمور ان ذلك من باب المزاح و المطايبة فباع لا عن إكراه وقع البيع صحيحا و هو ظاهر بعد التنبيه

الثاني انه لو اكره على نفس العقد غير مقيد بقيد

بان إكراه على بيع داره مثلا فباع مكرها ثمّ انه بعد زوال الإكراه اجازه مقيّدا بقيد مثل ان يقول رضيت ببيع الدار بشرط ان يكتب لي قرانا مثلا لم يفد الرضا في صحة العقد الواقع و إجازته لأنه ليس اجازة لما وقع بل هو أمر مغاير له و مثله العكس بان باع مشروطا بشرط ثمّ أجاز (مطلقا) لمغايرة العقد الواقع لما تعلق به الإجازة و ليس هذا مثل العفو عن الشرط المقيّد به العقد و إسقاطه لتحقق العقد و الشرط هناك الا انه أسقط حقه الثابت سابقا و هنا إنشاء إجازة عقد لم يقع ضرورة ان الواقع غيره الا ان يقصد إمضاء العقد المقيد ثم يسقط حقه و هو خارج عن المفروض

الثالث انه قال في (المسالك) و اعلم ان بيع المكره انما يتوجه اليه البطلان إذا كان بغير حق

فلو إكراه بحق بان توجه عليه بيع ماله لوفاء دين عليه أو شراء مال أسلم إليه فيه فاكرهه الحاكم عليه صحّ بيعه و شراؤه فإنه إكراه بحق و مثله تقويم العبد على معتق نصيبه منه و تقويمه في فكه من الرق ليرث و إكراهه على البيع لنفقته و نفقة زوجته مع امتناعه و بيع الحيوان إذا امتنع من الإنفاق عليه و العبد إذا أسلم عند الكافر و العبد المسلم و المصحف إذا اشتراهما الكافر و سوغناه فإنهما يباعان عليه قهرا و الطعام عند المخمصة يشتريه خائف التلف و المحتكر مع عدم وجود غيره و احتياج الناس اليه فكل هذه الصور مستثناة من قولهم ان بيع المكره غير صحيح و ضابطها الإكراه بحق كما قدمناه انتهى و قد صرّح بصحة بيع المكره بحق كما هو الضابط الذي ذكره (رحمه الله) كثير من فقهائنا بل لم يعرف فيه خلاف بل ظاهرهم الاتفاق عليه و عن الغنية انه لا خلاف فيه و ظاهرها نفى الخلاف بين المسلمين و لعلّه (كذلك) و ظاهرهم انه صحيح بنفسه و هو حق مع قصده للنقل و ليس مرادهم بكون بيع المكره بحق صحيحا الا هذا القسم و الا فالحكم بصحته مع عدم القصد الى النقل الذي هو مضمون الصّيغة مما لا وجه له فلا بد من الحكم بفساده و لا إشكال في صحة الصّيغة الصادرة من المكره بحق بعد ان جعله المالك الحقيقي سببا للنقل و ان كان المكره فاقدا للرضا بمضمون الصّيغة ثم اعلم انه مع امتناع المالك عن بيع ما يلزمه بيعه ان تمكن الحاكم من إكراهه و إجباره على البيع كانت وظيفته ذلك دون مباشرته بنفسه إذ لم يثبت من الشرع ترخيصه في المباشرة و مع الشك في مضى البيع الذي باشره بنفسه فالأصل عدم مضيه و الأصل بقاء مال كل من المالكين على ملكه ثم انه ان لم يتمكن من إجبار المالك على البيع باشره هو بنفسه و لكن ظاهر كلام صاحب الجواهر (رحمه الله) ان الحاكم يباشر بنفسه البيع مع التمكن من إجبار المالك قال (رحمه الله) في ذيل كلامه على الإكراه هذا كله في الإكراه بغير حق اما فيه فقد صرح غير واحد بالصحة معه لكن قد يقال ان الإكراه بالحق للحاكم و من قام مقامه انما يقتضي تصرف الجابر و لا حاجة الى وقوع اللفظ من المجبور لانه هو الوالي له في هذا الحال و احتمال الإلزام له بمباشرة اللفظ الحالي عن القصد و الرّضا لا دليل عليه و قيام الحاكم مقامه فيهما يقتضي قيامه في اللفظ الذي هو أسهل من ذلك على انه لو اعتبر اللفظ أشكل بإمكان عدم يتسره منه لشدة عناده أو غير ذلك بل قد يشك في صحة العقد الذي يكره عليه و الفرض كونه فاقد القصد و الرضا و لو حصلا من الحاكم ضرورة كونه تبعيضا في العقد لم يعلم شرعيته انتهى و أنت خبير بأن ولاية الحاكم في صورة تيسر إجبار المالك على مباشرة البيع لم يثبت بأزيد من ذلك فيكون المباشرة الحاكم بنفسه للبيع مما لا ولاية له عليه فدعوى انه هو الولي و انه لا حاجة الى صدور اللفظ من المالك المكره مصادرة كما انه لا يخفى سقوط ما ذكره من نفى الدليل على إلزام المالك بمباشرة اللفظ الخالي عن القصد و الرّضا و ذلك لان الرّضا من المالك غير حاصل على كل من تقديري مباشرة المالك و مباشرة الحاكم و قد أسقطه المالك الحقيقي عن درجة الاعتبار و جعل المناط هنا رضاه الحاصل برضا الحاكم الشرعي و ان المفروض انما هو ما لو قصد المالك المجير مضمون الصّيغة فان هذا هو الذي نقول بصحته وفاقا للأصحاب و اما اللفظ الخالي عن المدلول فلا يقول أحد بصحة العقد به و المعتبر انما هو اللفظ المقصود به المعنى بل ما سبقه الرضا أو لحقه و قد كان المعتبر صدور العقد من المالك مع الرّضا فإذا تعذر مباشرة المالك و جاء مداخلة الحاكم كان اللازم ان يقدر الضرورة بقدرها فيأمره الحاكم بمباشرة العقد و افتراق محلّ الرضا عن محلّ القصد الى مدلول الصّيغة لا مانع منه و قد تحقق في الفضولي و دعوى قيام الحاكم مقام المالك في القصد لا وجه له و اسهلية قيامه مقامه في اللفظ وجه اعتباري لا يصلح لصيرورته مستندا شرعيا و الاستدلال بأنه لو اعتبر اللفظ أشكل بإمكان عدم تيسره منه لشدة عناده أو غير ذلك مما لا يفضى الى المطلوب ضرورة انه عند عدم تيسره يتبدل العنوان فيندرج تحت من تعذر إجباره فيقوم الحاكم مقامه (حينئذ) كما عرفت فرع لو أكرهه الحاكم على أمرين و كان الإكراه في

أحدهما بحق و في الأخر بغير حق و لو مع اشتباه الحاكم في الموضوع حتى لا ينافي مضىّ حكمه شرعا أو فرض ان المتغلب امره بعقدين فرضي بإيقاع أحدهما

341

باطنا و أوقع الأخر عن كره كان لكلّ منهما حكمه فيصحّ في الأول ما اكره عليه بحق دون ما اكره عليه (صح) بغير حق و في الثاني ما أوقعه عن رضا دون ما أوقعه عن كره

[و من شروط المتعاقدين اذن السيّد لو كان العاقد عبدا]

قوله و من شروط المتعاقدين اذن السيّد لو كان العاقد عبدا فلا يجوز للمملوك ان يوقع عقدا إلا بإذن سيّده

لا يخفى ما في عبارة (المصنف) (رحمه الله) من شوب الإجمال لأن ظاهر قوله لا يجوز انما هو نفى الجواز الذي هو من الأحكام التكليفية لأن معناه المتعارف في السّنة المتأخرين و ظاهر ما استدل به من قول أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد اللّه (عليه السلام) المملوك لا يجوز نكاحه و لا طلاقه إلا بإذن سيّده و انما هو نفى الحكم الوضعي لأن الجواز معناه في عرفه عامة العرب انما هو المضي و عليه جرى كلامه فيذيل الخبر حيث قال فهو شرعا بمنزلة العدم لا يترتب عليه الأثر المقصود منه و قد وقع من غيره (أيضا) ما ظاهر لفظه هو بيان الحكم التكليفي قال في القواعد و ليس للمملوك ان يبيع أو يشترى إلا بإذن مولاه و عن شرحها انه فسر العبارة بأنه ليس يباح للملوك ان يبيع أو يشترى إلا بإذن مولاه و الذي يظهر لي ان (المصنف) (رحمه الله) عبّر في صدر العبارة بقوله لا يجوز روما للتعبير عن المدلول عليه بما يفيده لفظ الدليل بل الظاهر ان نفى الجواز في عبارة (المصنف) (رحمه الله) و في عبارة الحديث بمعناه اللغوي الذي هو نفى المضي يشمل الحكم التكليفي و الحكم الوضعي فيصدق على المحرم انه غير ماض شرعا كما انه يصدق على ما لا يترتب عليه الأثر انه غير ماض و كيف كان فينبغي تحرير الكلام تارة في الحكم التكليفي و اخرى في الحكم الوضعي فلا بد من رسم مقامين الأول في التكليفي و تفصيل القول فيه انه لا ريب و لا إشكال في حرمة مباشرة العبد للأمور العظيمة كالتجارة و السفر الى البلاد و أقسام الاكتساب المعتبر فيها عمل أو زمان معتد به و نحو ذلك بدون اذن المولى حتى فيما لو لم يصدر منه النهى عن ذلك فيكفي في الحرمة مجرد الشك في الاذن كما انه لا ريب و لا اشكال من جهة الحكم الوضعي في ان عبارة العبد ليست مسلوبة الأثر كعبارة الصّبي بحيث لا تكون قابلة لان يفيدها اذن المولى سابقا أو لا حقا ترتب الآثار عليها فهي قابلة للتأثير بانضمام الإذن إليها فذلك مما لا كلام فيه و انّما الكلام في إباحة الأفعال الجزئية الزائدة على قدر الضرورة كالتكلم بما زاد عن قدر الحاجة و إيقاع لفظ الصّيغة وكالة عن غيره و المشي زيادة على القدر اللازم المحتاج اليه و نحو ذلك فالّذي أفاده (المصنف) (رحمه الله) فيما يأتي في طي كلامه هو منع حرمة تلفظه بألفاظ العقد و نحوه من التصرفات الجزئية استنادا إلى السيرة على مكالمة العبيد و نحو ذلك من المشاغل الجزئية و في الجواهر نفى البعد عن حرمة التصرفات المذكورة في باب دين المملوك قال عند قول المحقق (رحمه الله) لا يجوز للمملوك ان يتصرف في نفسه بإجازة و لا استدانة و لا غير ذلك من العقود و لا بما في يده ببيع و لا هبة إلا بإذن سيّده و لو حكمنا بملكه لما عرفته سابقا من كونه محجورا عليه و انه لا يقدر على شيء بل لا يبعد عدم جواز التصرف له في نفسه لنفسه بما يزيد على ضروريات تعيشه و ما علم من السّيرة و غيرها من عدم تسلط المولى على منعه منها من بعض حركات بدنه و نحوها كالعلم بعدم توقف الرخصة في بعض الأحوال له على اذن السّيد بل الظاهر انها رخصة شرعية حتى ينهاه السيّد هذا ما أهمنا من كلامه (رحمه الله) و عن أنوار الفقاهة الحكم بالحرمة حتى في الأفعال القلبية الا انه نفى البعد عن استثناء الأفعال القلبية الّتي هي من قبيل الخيرات كالتفكر في نظم الأمور الّتي هي من الخيرات أو في المسائل العلميّة و نحو ذلك و حجته على ذلك ان لسان العبد و قلبه و سائر جوارحه مملوكه للمولى و التصرف في مال الغير بدون اذنه حرام و المسئلة غير محررة في كلمات أعيان الفقهاء (رضي الله عنه) صريحا و الذي يمكن ان يكون مستندا للقول بالحرمة انما هو كونه تصرفا في ملك الغير بغير إذنه ضرورة أن لسانه و غيره من جوارحه ملك لمولاه فلا يجوز له التصرف فيها إلا باذنه و ما أشار إليه صاحب الجواهر (رحمه الله) من قوله (تعالى) عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ بتقريب ان نفى القدرة على شيء بعد صرفه عن معناه الأصلي يعطي عدم كونه مأذونا فيه و عدم كونه مما يترتب عليه الأثر فيفيد الحكم التكليفي الذي هو هنا الحرمة و الحكم الوضعي الذي هو الفساد و العمومات الناطقة بحرمة التصرف في مال الغير و رواية زرارة عنهما (عليه السلام) المذكورة في كلام (المصنف) (رحمه الله) بناء على

صحة كونها دليلا برأسها في أرض الآية كما يكشف عنه ما فعله (المصنف) (رحمه الله) و بعض من تبعه و قول أبي جعفر (عليه السلام) في رواية أخرى لزرارة انه لم يعص اللّه و انما عصى سيده بتقريب انه عبر عن فعله بغير اذن سيده بالعصيان و معلوم ان عصيان العبد لسيّده حرام و اما نفى عصيانه للّه فإنما هو باعتبار انه ليس عصيانا للّه ابتداء و ليس من الأمور التي نهى اللّه (تعالى) عنها بخصوصياتها و عناوينها فلا ينافي عروض التحريم و كونه معصية للّه باعتبار كونه عصيانا للسيّد و قد يناقش في الأول بأن حرمة التصرف في مال الغير عقلي و العقل لا يحكم بالحرمة إلا في الأشياء الخطيرة التي يوجب التصرف فيها الضرر على المالك دون الأمور اليسيرة كالاستناد إلى حائط الغير و الاستظلال بظله مع عدم نهى المالك و اما مع نهيه فالمشبه به (أيضا) محرم و على هذا فيرجع في الأمور اليسيرة الى الأصل الإباحة فليس حال العبد الا مثل حال الحر الذي هو مملوك للّه (تعالى) و الأشياء الغير الضرورية للعيش التي ليس فيها أمارة المضرة و المفسدة مباحة في حقه من جهة حكم العقل بالإباحة و في الثاني بأن الخطابات الدالة على حرمة التصرف في مال الغير انما هي من قبيل المطلقات و هي لا تنصرف إلى أمثال التصرفات المذكورة كما لا يخفى على المتأمل المنصف الا ترى ان من سمع الخطابات المذكورة لا ينتقل ذهنه منها إلى حرمة تكلم العبد مع غيره بدون اذن سيّده أو الأذكار المندوبة أو مجرد إيقاع الصّيغة وكالة عن غيره أو تناول يد من عثر فأشرف على الوقوع في ماء أو نحوه و أمثال ذلك و على هذا فلا بدّ فيما خرج عن تحت الإطلاقات المذكورة من الرجوع الى أصالة الإباحة و في الثالث بان المنساق منه انّما هو الحكم الوضعي دون الحكم التكليفي و قد وقع دعواه في كلام بعض المعاصرين و في الرابع بان مجرد التعبير بلفظه عصى لا يفيد كونه محرما إذ ليس متعلق العصيان هو اللّه (تعالى) حتى يكون حراما و انما متعلقة السّيد و المفروض في الحديث انه لم يصدر من السيّد نهى عن نكاحه و انما فعل فعلا بغير اذنه و العصيان بهذا المعنى ليس مما يسلم حرمته فينتجه المنع على كلية الكبرى و هي ان عصيان السيّد بالمعنى المذكور عصيان للّه (تعالى) فيقال ان حرمة اقدام العبد على الفعل بدون اذن من السيّد (مطلقا) بحيث تشمل الأفعال اليسير الجزئية أوّل الكلام فمعنى الحديث انه انما فعل فعلا غير مأذون فيه فإذا حصل منه الاذن بعد ذلك جاز لعدم الفرق بين الاذن السابق و الاذن اللاحق هيهنا و من المعلوم ان مجرد التعبير بلفظ العصيان لا يوجب كونه جراما شرعا كما في قوله (تعالى) وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ فهنا أولى لأن مفعول عصى في الآية هو الرب و مفعوله في الحديث هو السيّد و إذا لم يكن التعبير بلفظ معصية الرب مستلزما للحرمة فالتعبير بلفظ معصية السيّد اولى و قد صرّح الفاضل القمّي (رحمه الله) بكون المراد بمعصية السيّد في الحديث

342

هو عدم الاذن مستشهدا على ذلك بان مخالفة السيّد أيضا معصية فلو لم يكن المراد بمعصية السيّد عدم الاذن لم يكن وجه لقوله (عليه السلام) في الحديث لم يعص اللّه و أنت خبير بان نفس مدعاه و ان كان حقا الا ان الاستشهاد ليس في محلّه لانه لا يعين ذلك ما ذكره من كون المراد بالمعصية عدم الإذن لإمكان ارتفاع التناقض في الحديث بوجه أخر ذكره صاحب الجواهر (رحمه الله) و هو ان يكون المراد انه لم يعص اللّه في أصل النكاح و انما عصى في أمر عارض له قال (رحمه الله) في باب نكاح الإماء و تحقيق ذلك على وجه يجدي في غير المقام (أيضا) ان المعصية المنفية في قوله لم يعص اللّه ليست مطلق المعصية بل المراد منها معصية مخصوصة تقتضي فساد النكاح و المعنى انه لم يعص اللّه سبحانه عصيانا يوجب الفساد كما في نكاح المحرمات و النكاح في العدة و غيرهما مما يحرم لعينه أو وصفه اللازم كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) انّما اتى شيئا حلالا و قوله (عليه السلام) ان ذلك ليس كإتيانه (انتهى) و الا فعصيان السيّد يستلزم عصيان اللّه لان اللّه أوجب على العبد طاعة سيده فإذا عصى سيّده فقد عصى اللّه فلا يصحّ نفى المعصية عنه (مطلقا) و انما يصحّ نفى المعصية الناشئة عن أصل النكاح فإن معصية اللّه في نكاح العبد بدون اذن سيّده إنّما نشأت من عصيان سيّده و هو أمر خارج عن النكاح مفارق إياه و حاصل الوجه المذكور ان المعصية الموجبة لفساد النكاح هي مخالفة أمر اللّه تعالى في نفس النكاح و عصيان المملوك في نكاحه بدون اذن سيّده ليس (كذلك) فإنه قد حصل في نكاحه معصيتان معصية لسيده في أصل النكاح و معصية للّه تعالى باعتبار مخالفته لسيّده و ان شيئا منهما ليس عصيانا للّه في أصل النكاح فلا يكون عصيانه موجبا لفساد النكاح فمعنى قوله (عليه السلام) انه لم يعص اللّه و لكن عصى سيّده انه لم يعص اللّه عصيانا راجعا إلى أصل النكاح حتى يفسد نكاحه و انما عصى سيّده معصية موجبة لعصيان اللّه فيما هو خارج عن النكاح فذلك لا يوجب فساده و هو صريح فيما اخترناه من التفصيل في الأصول حجة على كلّ من أطلق القول بالفساد و عدمه لا يقال ان ذلك يقتضي الصّحة و ان لم تحصل الإجازة و هو معلوم البطلان لأنا نقول عد الصحة مع فقد الإجازة ليس للتحريم بل لاشتراط رضى المولى في صحة النكاح و ان كان متأخرا عن العقد فمع حصوله لم يبق إلا عصيانه في فعله ذلك و قد عرفت انه لا يقتضي الفساد فيصح العقد (حينئذ) لوجود المقتضى و ارتفاع المانع فقوله (عليه السلام) لم يعص (انتهى) إشارة الى الثاني و قوله فإذا أجاز (انتهى) إشارة إلى الأول كما ان ما يقال انه لا دليل على خصوص المعصية المنفية التي تكون مدار الفساد يدفعه ما عرفت من ظهور الخبرين في عدم اقتضاء المعصية بأمر خارج الفساد و اقتضائها ذلك فيما لو كان راجعا إلى أصل النكاح أو وصفه اللازم كما يشهد به قوله (عليه السلام) انما اتى حلالا (انتهى) على انه لا إشكال في دلالة الخبرين المزبورين على بطلان إطلاق القول بالفساد و عدمه و ذلك يستلزم التفصيل و ليس في المسئلة تفصيل أخر يمكن الحمل عليه كما يدفع ما عساه يقال ان من العصيان مخالفة الأمر و السؤال لم يقع الا عن التزويج بغير إذن الذي هو العنوان في كلام الفقهاء (رحمه الله) فالمراد من العصيان (حينئذ) هو الوقوع بغير اذن و لا شك في ان العمومات تقتضي صحته بل المفروض فيما إذا كان هناك دليل شرعي يقتضي الصّحة و (حينئذ) يكون معنى قوله لم يعص اللّه ان فعل العبد موافق لقول اللّه الذي يقتضي الصحة غاية ما في الباب انه وقع بغير اذن السّيد فلو كان السيد هو المعقود له بغير اذنه تكون الإجازة له فكذا العقد على عبده لاتحاد دليل الصحة و مقتضيها فالخبر (حينئذ) دال على عدم اى عدم اقتضاء النهى للفساد في النكاح و أمثاله مما هو من قبيل المعاملات بالمعنى الأعم منه مد ظله الاقتضاء كما عليه المعظم و لو أريد من العصيان ظاهره لم يصحّ الحكم بأنه لم يعص اللّه (انتهى) بل كان الأمر بالعكس إذ المفروض انّه لم يقع منه نهى و انما عصى اللّه في عقد بدون اذن سيّده لنهيه عن ذلك بدون اذن مولاه متعلق بقوله كما يدفع ما عسا تعالى منه سلمه اللّه تعالى بان العصيان انما يستعمل في مخالفة الحكم الشرعي و إطلاقه على مخالفة الحكم الوضعي كمخالفة الصّحة غير معهود

و انما المعهود فيه إطلاق الفساد و البطلان مع انّ الحمل عليه لا يستقيم في قوله (عليه السلام) و انّما عصى سيّده إذ ليس للسيّد قول يقتضي الصحة حتى يكون فعل العبد مخالفا له و حمل العصيان هنا على حقيقته مع ارادة المعنى المذكور في قوله لم يعص تفكيك ركيك لا يلائمه الحصر فإنّه انّما هو بالقياس الى ما نفى في قوله (عليه السلام) لم يعص اللّه فيكون إثباتا للمعنى المنفي هناك فلا يصحّ التفكيك على الحقيقة على ان الحقيقة في قوله عصى سيده متعذرة بناء على ما ذكر من ان العصيان مخالفة الأمر فينبغي حمله على ما يوجب العقوبة في الجملة و ان لم يكن لمخالفة الأمر فيلزم الخروج عن ظاهر اللفظ في الموضعين مع التفكيك بحمله فيهما على معنيين مختلفين مع ان امتناع الحقيقة في قوله عصى سيده انّما اقتضى الصّرف عن الظاهر في قوله لم يعص اللّه للزوم التفكيك بدونه على ما يفهم من كلامه و الا فالحمل على الظاهر فيه ممكن بإرادة نفى العصيان على بعض الوجوه فالعدول عنه ليس الا للفرار عن لزوم التفكيك و الحمل على المعنى المذكور كره فيما أريد الفرار منه فالصواب ان يقال ان العصيان في قوله لم يعص اللّه جار على أصله اعنى مخالفة الأمر و المعنى انّه لم يخالف أمر اللّه في النكاح فإنه لم يمنعه من النكاح و لم يحرم عليه و في قوله عصى سيده مبنىّ على تنزيل العلة المعادة منزلة النهي فإنها قاضية بمنع استقلال العبد بالنكاح و أشباهه مما يجب ان يصدر عن أمر المولى و رايه أو محمول على فعل ما يوجب العقوبة و ان لم يكن لمخالفة الأمر مجازا و لا يلزم التفكيك القبيح (حينئذ) للمناسبة الظاهرة بين المعنيين و صحة الحصر بالقياس الى المعنى المنفي بخلاف الحمل على مخالفة مقتضى الصحة على ما عرفت و يمكن حمله في الموضعين على ما يوجب العقوبة (مطلقا) اما في عصيان السيّد فلتعذّر الحقيقة الموجبة للحمل على المجاز و امّا في عصيانه فلئلا يختلف و (حينئذ) فلا يلزم التفكيك غاية الأمر حصول المعنى في أحدهما بمخالفة الأمر و في الأخر بأمر أخر غير ذلك و هذا لا يوجب التفكيك في المعنى المراد من لفظ العصيان كما هو واضح انتهى و لكن لا يخفى عليك انه بعد ما عرفته منه من التعب العظيم في معنى الخبر لم يأت للفظه عصى سيّده بمعنى مصحّح للتركيب منطبق على قانون الاستعمال امّا قوله في التفسير الأوّل و انّما عصى سيّده معصية موجبة لعصيان اللّه فيما هو خارج عن النكاح لانه لم يفد لعصيان السيّد معنى أصلا فلم يعلم منه انّه عبارة عن اى شأو اما قوله ثانيا ان العصيان في قوله عصى سيّده مبنى على تنزيل العادة العلة منزلة النهي فإنها قاضية بمنع استقلال العبد بالنكاح و أشباهه مما يجب ان يصدر عن أمر المولى و رايه فإنه لم يفد لعصيان السيّد معنى (أيضا) و انما أفاد ما يصلح ان يكون نكتة في التعبير عن عدم اذن السيّد كما هو مفروض السؤال في الحديث بالعصيان فلا وجه لإنكار كون المراد بعصيان السيّد ارتكاب ما لم يأذن فيه و يكون الوجه في التعبير تشبيه التعدي عن الاستيذان الذي هو مقتضى العادة بمخالفة الأمر و تسميته باسمه فيكون من باب الاستعارة و من المعلوم ان مفروض السؤال في الحديث انّما هو عدم الاذن و لا كلام فيه لأحد و اما قوله أو محمول على فعل ما يوجب العقوبة و ان لم يكن لمخالفة الأمر مجازا فإنه ان أراد به ان معنى عصيان السيّد هو فعل ما يوجب عقوبة السيّد ففيه ان ذلك ليس بأولى من ان يقال فعل ما لم يأذن فيه السيّد لان المحذور فيه ان كان هو عدم العلاقة و المناسبة بين العصيان و بين عدم اذن السيّد فقد عرفت ان اقتضاء العادة للاستيذان يجعل التخلف عنه مشابها للتخلف عن

343

الأمر و ان كان هو التفكيك فهو لازم على ما ذكره (أيضا) لأنه يصير مآل الحديث إلى انه لم يعص اللّه و انّما فعل ما يستحق به عقوبة المولى و معلوم ان التفكيك يلزم بتغاير المعنيين و هو هنا موجود و الاعتذار عنه بأنه لا يلزم التفكيك القبيح (حينئذ) للمناسب الظاهرة بين المعنيين لا يخفى ما فيه لان مجرد المناسبة لا يرفع التفكيك و لو سلمنا أن المناسبة الظاهرة ترفع قبح التفكيك و ان لم ترفع أصله كما هو ظاهر كلامه قلنا ان المناسبة بين عدم العصيان و عدم الاستيذان مع قضاء العادة بلزومه (أيضا) ظاهره فيقال انه لم يعص اللّه و انّما فعل ما لم يأذن فيه المولى مع لزوم استيذانه فيه و امّا ما ذكره أخيرا من ان المراد بالفقرتين هو انّه لم يفعل ما يوجب عقوبة ربه و انما فعل ما يوجب عقوبة سيّده ففيه ان توافق مغني اللفظين ليس أمر معتبرا لازما حتى يصرف لأجله اللفظ عن حقيقته فإذا ذكر لفظ في مقامين أريد به في أحدهما معناه الحقيقي لعدم الصارف و في الأخر معنى مجازي لقيام قرينة على إرادته لم يكن مانع من ذلك و تسمية ذلك تفكيكا لو أراد به هذا المعنى لا يوجب بطلانه و ان أراد بالتفكيك عدم مراعاة مقتضى المقابلة بين المعنيين و انه ركيك ففيه انّه كلما سلم بين المتخاطبين وقوع أمر و توهم المخاطب شيئا و كان الواقع عند المخاطب خلافه صحّ للمتكلم إثبات الثاني في مقابلة نفى الأول فيصحّ للمتكلم ان يقول للمخاطب بعد مسلمية وقوع أمر و توهم انه وقعت حجارة من السماء و كان الواقع في الحقيقة موت زيد لم تقع حجارة من السّماء (صح) و انما مات زيد و هذا واضح عند من له خبرة بطرق تأدية المقاصد و من البين ان الأمر في الحديث على هذا المنوال لحكم جماعة من العامة ببطلان العقد المبنى على حرمته و ليت شعري ما وجه القبح في قول القائل ان العبد (حينئذ) لم يعص اللّه و انما فعل فعلا لم يأذن فيه المولى و على هذا فإذا اذن المولى و أجاز جاز العقد و لفظ الحديث مرادف لهذه العبارة فالوجه عندي ان معصية السيّد إنّما أريد بها عدم الاذن منه بقرينة ما سبقه من سؤال الراوي عن صورة عدم الاذن و ما لحقه من قوله (عليه السلام) فإذا أجاز جاز و ان المناسبة ما عرفت من ان مقتضى العادة لما كان هو لزوم الاستيذان و قد تركه صحّ التعبير عنه بالعصيان و إذ قد عرفت ذلك كله علمت ان كون الفعل بغير اذن من السيّد حراما انما هو من أحكام الفعل شرعا و لا مدخل له بنفس الموضوع فلا يتأتى من الحديث حرمته بل نقول ان الحديث يدل على ان العقد بنفسه قبل اجازة المولى و وقوع ترتيب الأثر من العبد عليه ليس حراما كما قالوا في الفضولي من عدم حرمة نفس العقد و انّ المحرم انّما هو تسليم المال و نحوه من آثار العقد و ذلك لانه (عليه السلام) حكم بأنه لم يعص اللّه و الحال ان معصية المولى معصية اللّه فيصير المعنى انه لم يفعل محرما أصلا و انما فعل ما لم يأذن فيه السيّد و هو العقد و انه ليس محرما فإذا أجاز المولى جاز و على هذا البيان يصير هذا الحديث من أدلّة جواز الارتكاب العبد للأمور الجزئية الزائدة على مقدار الحاجة من التعيش و الا فليس للحديث مساس بما نحن بصدده لان كلامنا انما هو فيما زاد على القدر اللازم في التعيش مما ليس من الأمور الخطيرة و معلوم ان النكاح باعتبار اثاره من الأمور الخطيرة فلا ربط للخبر المذكور بما نحن بصدده فالاستدلال به للقول بالحرمة كما صدر عن بعض من تأخر ليس في محلّه إذ ليس في الحديث سوى التعبير بلفظ العصيان و قد عرفت انه لا يدلّ على الحرمة فافهم ثم ان في الحديث المذكور و ما في معناه وجها أخر أفاده بعض الأواخر نظرا إلى انه و ما في معناه معارض بصحيح منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن مملوك تزوج بغير اذن مولاه أ عاص للّه (تعالى) قال (عليه السلام) عاص لمولاه قلت حرام هو قال (عليه السلام) ما أزعم انه حرام قل له ان لا يفعل فقد قيل انه كالنص في إرادة خلاف الاولى مع سيّده من معصيته و انه ينبغي له ان لا يعقد بدون اذن سيّده و به مع عدم القول بالفصل بينه و بين باقي العقود و نحوها قد تخص العمومات الناهية عن التصرف في مال الغير ان لم تنصرف الى غير ذلك

و دعوى اشتهار العمل بها على وجه يقصر الصحيح عن تخصيصها محلّ نظر سيّما مع عدم تعرض الأكثر لذلك ظاهرا أقول هذا الوجه وجيه بل أوجه مما قدمناه بعد ملاحظة صحيح منصور المذكور فإن الأخبار يكشف بعضها عن بعض و لا غائلة في التمسّك به من جهة اشتماله على لفظ الزعم الذي حكى فيه عن الأزهري ان أكثر ما يكون هو فيما يشك فيه و لا يتحقق و في المصباح انّه قال بعضهم هو كناية عن الكذب و قال المرز و في أكثر ما يستعمل فيما كان باطلا أو فيه ارتياب و قال ابن القوطية زعم زعما قال خبر إلا يدرى أحق هو أو باطل قال الخطابي و لهذا قيل زعم مطية الكذب انتهى لأن إرادة غير معنى الاعتقاد على تقدير ثبوت وضعه لما فيه ارتياب و نحوه غير مناسب لشأن المعصوم (عليه السلام) فصدور الكلام منه (عليه السلام) قرينة على ارادة الاعتقاد و قد صرح في المصباح بإطلاقه على الاعتقاد تنبيه ان سلم دلالة الحديث المذكور على إباحة إيقاع العبد للصيغة فهو و الا فبعد إبطال ما استدل به على الحرمة لا يصير المعوّل إلا الأصل الذي ذكر ان مقتضاه الإباحة و قد استفيد من كلام (المصنف) (رحمه الله) و صاحب الجواهر (رحمه الله) الاستدلال على الإباحة في محلّ البحث بالسيرة لقيامها على اجراء حكم الإباحة على الأمور المذكورة ما لم ينه عنها المولى و قد يحتمل ان الإباحة فيها انما هي بشهادة حال المولى بالاذن و لكن لا يخفى عليك ان الاذن المدلول عليه بشهادة الحال ليس عاما لجميع الموالي فقد لا يشهد حال بعضهم بذلك بل كثيرا ما يشهد بخلافه و من ذلك القبيل ما لو كان المولى بخيلا لا يرضى بقضاء حوائج الناس فلا يشهد حاله بالاذن بان يصير عبده وكيلا في إجراء العقود و إيقاع صيغ الإيقاعات و منه ما لو كان المولى عاميّا فلا يشهد حاله بالإذن في ارتكاب عبده للمندوبات الموظفة في مذهب الخاصة و كذا العكس هذا و ممّا يؤيد ما ذكرناه من ان مناط الحرمة في أفعال المملوك هو كون الفعل الصادر منه منافيا لخدمة مولاه لا مجرد كون المولى مالكا له بتمامه من لسانه و سائر جوارحه تعرض الفقهاء (رضي الله عنه) لعدم صحة صومه إلا بإذن المولى مع عدم تعرضهم للمنع من الصّلوات المندوبة في أبواب الصلاة و ان كان قد يحتمل جواز العبادات المندوبة بأسرها من دون توقف على اذن المولى الا ان تخصيص بعضها بالذكر يعطى ما قلناه و كذا الحال في تعرضهم للمنع عما هو مثل الصوم في المنع من خدمة المولى كالحج و غيره قال في (المبسوط) في كتاب الصوم و اما صوم الاذن فثلاثة أقسام أحدها صوم المرأة تطوعا بدون اذن زوجها فان صامت بغير اذنه لم ينعقد صومها و كان له ان يفطرها و اما ما هو واجب عليها من أنواع الواجبات فلا يعتبر فيه اذن الزوج و (كذلك) المملوك لا يتطوع إلا بإذن سيّده و لا يعتبر اذنه في الواجبات انتهى و قال في كتاب الاعتكاف منه و لا يصحّ الاعتكاف ممن عليه ولاية إلا بإذن من له ولاية عليه كالمرأة و مع زوجها و العبد مع سيّده و المكاتب قبل كمال حريته و المدبر و الأجير و الضعيف إلا بإذن مضيفه لأنهم ممنوعون من الصوم تطوعا إلا بإذن من له ولاية عليهم و الاعتكاف لا يصحّ الا بصوم انتهى و قال في موضع أخر منه و من كان بعضه مملوكا و بعضه حرّا ما فإن جرى بينه و بين سيّده مهاياة بان يكون له من

344

نفسه ثلاثة أيام فصاعدا و لسيّده مثله صحّ منه الاعتكاف في أيامه بغير اذن سيّده و ان لم يكن بينهما مهاياة أو كان أقل من ثلاثة أيام كان كالقن سواء انتهى و قال في الشرائع في كتاب الصّوم و المحظور تسعة و عد منها صوم المرأة تطوعا بغير اذن زوجها أو مع نهيه لها ثم قال و كذا المملوك انتهى و قال في كتاب الاعتكاف منها في مقام ذكر شرائطه الخامس اذن من له ولاية كالمولى لعبده و الزوج لزوجته الى ان قال المملوك إذا هاياه مولاه جاز له الاعتكاف في أيامه و ان لم يأذن له مولاه انتهى و في جامع المقاصد ان هذا إذا لم يضر بالسّيد في نوبته و الا لم يجز انتهى و يلوح من هذا الكلمات ان المنع من الصوم أو الاعتكاف انما هو لكونهما مانعين عن خدمة المولى و ما يستحقه منه كما ان المنع في المرأة انما هو من جهة منع الصوم عن حق الزوج و ولايته عليها خصوصا مع ملاحظة عدم تعرضهم للمنع من الصّلوات المندوبة نظرا إلى انه ليس من شأن الصّلوة بنوعها المنع من خدمة المولى و قضاء حقوقه و في القواعد في كتاب الحج و شرط المندوب ان لا يكون عليه حج واجب و اذن الوالي على من له عليه ولاية كالزوج و المولى و الأب انتهى و قال في التذكرة لا ينعقد للعبد الصوم تطوعا إلا بإذن مولاه لانه مملوك ليس له التصرف في نفسه و منافعه مستحقة لغيره و ربما تضرر السّيد بضعفه بالصوم فان اذن له مولاه صحّ انتهى و قال في كتاب الحج منها و ليس له ان يحرم بحج أو عمرة الا بإذن مولاه بلا خلاف لان منافعه مستحقة لمولاه و يجب عليه صرف زمانه في أشغاله فلا يجوز ان يفوت حقوق مولاه الواجبة عليه بالتزام ما ليس بلازم عليه فان أحرم بغير اذن مولاه لم ينعقد إحرام و للسّيد منعه منه و لا يلزمه الهدى و لا بد له لأن إحرامه لم ينعقد و لانه لا يملك ان يحرم لقوله (تعالى) عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ انتهى و قال في باب دين المملوك من التذكرة ليس للعبد ان ينكح بدون اذن سيّده سواء اضطر إليه أم لا و الا لكان له الوطي متى شاء و ذلك يورث ضعف البنية و يتضرر به السّيد و كذا كل تصرف يتعلق برقبة العبد اما الهبة منه و الوصية له فإنّه هبة للسيّد و وصيّة له إذ لا يصحّ ان يملك العبد شيئا فإن قبل المولى أو العبد باذنه ملك المولى و الا فلا و لا يصحّ قبول العبد من دون اذن السيّد لعدم رصاه بثبوت الملك و به قال بعض الشافعية و قال اخرون منهم يصحّ قبول العبد من دون إذن مولاه لأنه اكتساب لا يستعقب عوضا فأشبه الاصطياد بغير اذنه و لان العبد لو خالع زوجته صحّ و ثبت العوض و دخل في ملك السّيد قهر فكذا هنا و قال في الباب المذكور (أيضا) لو ضمن بغير اذن لسيد فالأقرب الجواز لانه تصرّف في الذمّة لا في العين ثم ان علم المضمون له بالعبودية قبل الضمان لم يكن له الرجوع و الا رجع لإعساره و سيأتي تمامه (إن شاء الله) (تعالى) و بالجملة فغير المأذون له في الاستدانة أو التجارة ممنوع من التصرّف في نفسه و ما في يده ببيع و اجارة و استدانة و غير ذلك من جميع العقود إلا بإذن مولاه فان له إيقاعه و ان كره المولى انتهى و مقتضى التعليل بتضرر السيّد ان المنع يدور مدار الضرر و كذا تعليل جواز الضمان بأنه تصرف في الذمة لا في العين يقتضي ان ما لا يعد تصرفا في العين لا مانع منه و يؤكد الدلالة المذكورة ما ذكره في ذيل قوله و بالجملة من جعل متعلق المنع هي البيع و الإجارة و غيرهما من العقود قال المحقق الأردبيلي (رحمه الله) عند قول العلامة (رحمه الله) و إذا أذن لعبده في الاستدانة لزم المولى ما لفظه الذي يقتضيه انتظر ان العبد يملك قال في (الدروس) و غيره انه المشهور و ان قال في التذكرة ان المشهور انه لا يملك و قد سبقت هذه المسئلة و يمكن كونه محجورا عليه و لا شك في ذلك فيما إذا كان مستلزما للتصرف في نفسه بحيث يتصور ضرر على المولى فلا يجوز بدون اذنه و اما (مطلقا) حتى قول اشتريت أو بعت من غير لزوم محذور فيمكن عدم الحجر عليه كما نقله عن بعض العامة في التذكرة و لكن يمكن ان يؤل إلى المنازعة و الخصومة فيؤثر

ضررا و يمكن كونه مجمعا عليه عند الأصحاب انتهى ثم بعد ذلك كله فالذي نعول عليه انما هي السيرة المقتضية لجواز تصرف العبد في نفسه بما لا يتضرّر به المولى و لا يوجب فوات خدمته و ترك مراعاة حقوقه الّتي ينتفع بها من المملوك مما زاد على القدر اللازم في التعيش و لا إشكال في ثبوتها ثم لو فرضنا عدم استقرار السيرة على ذلك كان المرجع هو الأصل الذي مقتضاه الإباحة لعدم دليل صالح للمنع مضافا الى ما عرفت من مساعدة كلماتهم على ان الممنوع منه من تصرفاته انّما هي ما ينافي الخدمة و يوجب ترك إيفاء حق المولى هذا تمام الكلام في المقام الأول و يأتي الكلام في المقام الثاني عند قول (المصنف) (رحمه الله) و كيف كان فأنشأ الى العبد لا يترتب عليها آثارها

قوله سواء كان لنفسه في ذمته أو بما في يده أم لغيره

إشارة إلى الخلاف في بعض صور المسئلة كما أشار إليه في التحرير قال لو باع العبد ما في يده باذن سيّده صحّ و بغير اذنه يقف على الإجازة و كذا لو اشترى بما في يده و لو اشترى في الذمة قال الشيخ (رحمه الله) الأقوى انه لا يصحّ شراؤه انتهى

قوله قال اللّه (تعالى) ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ و عن الفقيه بسنده إلى زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) و أبي عبد اللّه (عليه السلام)

(انتهى) أقول لا يخفى عليك ان الآية مع قطع النظر عن البيان الواقع لها في الحديث ليست ظاهرة في الدلالة على المطلوب لانّ الظاهر من الوصف كونه للتقييد دون وصف الجنس و معلوم ان دلالتها موقوفة على كون جملة لا يقدر وصفا للجنس و هو خلاف الظاهر لكن لما استشهد (عليهما السلام) بها لعدم جواز تصرف العبد دل ذلك على المراد بها فالاية انّما تدلّ على المطلوب بمعونة تفسير الحديث لها و على هذا فالجمع بينهما بالاستدلال بكل منها على وجه الاستقلال لا (يخلو) عن حزازة

قوله و كيف كان فانشاءات العبد لا يترتب عليها آثارها من دون اذن المولى اما مع الاذن السابق فلا اشكال و اما مع الإجازة اللاحقة فيحتمل عدم الوقوع لان المنع فيه ليس من جهة العوضين اللذين يتعلق بهما حق المجيز

(انتهى) أقول هذا هو المقام الثاني الذي و عدناك سابقا فيقع البحث فيه عن الحكم الوضعي بعقد المملوك من بيعه و غيره فإذا باع ما يملكه كفاضل الضّريبة أو دية الجناية عليه كما قيل لو أوقع العقد على وجه يستتبع التصرف في ملك مولاه أو صار وكيلا في إيقاع العقد بين المتبايعين أو الزوجين أو غيرهم من أطراف العقد بدون اذن سابق من مولاه ا يحكم عليه بالصحة بلحوق الإجازة منه لم لا فنقول انه قد وقع الخلاف في مسئلة نكاح المملوك على أقوال ليس هذا محل تفصيلها و التعرض لها و قد ورد النص ببعض تلك الأقوال فالحق بالنكاح غيره من العقود بعدم القول بالفصل و حكم بصحة سابق عقوده إذا لحقها الإجازة فعلى هذا يجرى عليه حكم عقد الفضولي إذا لحقه الرّضا و لكن الكلام هنا انما هو في صحة عقوده بحسب القاعدة بمعنى انا ان حكمنا بصحة عقد الفضولي و نفوذه بلحوق الإجازة يجري حكمه في عقد المملوك الغير المسبوق بالإذن أم لا فنقول ان العقد الذي يوقعه المملوك لا (يخلو) عن قسمين أحدهما ان يوقعه على وجه يستتبع التصرف في مال مولاه كما لو باع ما هو ملك للمولى فإنه يستلزم تسليط المشترى على التصرف فيه و كما لو أوقع عقدا النكاح لنفسه فإنه يستتبع الوطي و هو تصرف في ملك مولاه من حيث كونه مورثا للضعف في بدنه و كذا يستتبع المهر و النفقة على المولى و هذا القسم يصير بهذا الاعتبار الذي ذكر من أقسام الفضولي و اجازة المولى (حينئذ) مؤثرة تفيد التزامه

345

بالآثار التي تترتب على العقد من المهر و النفقة و غيرهما و اشكال (المصنف) (رحمه الله) و احتماله عدم الوقوع ليس ناظرا الى هذا القسم فافادة الإجازة اللاحقة (حينئذ) مسلمة عنده (أيضا) و ثانيهما ان يوقع العقد على وجه لا يستتبع التصرف في ملك المولى بان يبيع ما يملكه كفاضل الضريبة أو أرش الجناية أو يتزوج على وجه يضمن النفقة و المهر في ذمته فان ذلك مما وقع التصريح بجوازه في كلام جماعة من فقهائنا و حكمه (حينئذ) انه يتبع به بعد العتق و لا يزاحم به المولى و هذا القسم هو الذي استشكل فيه (المصنف) (رحمه الله) فاحتمل ان الإجازة اللاحقة لا تقيده الصّحة بحسب القاعدة و ان قلنا بصحّة الفضولي بلحوق الإجازة و ذلك لان إجازة عقد الفضولي انّما تؤثر من جهة كون قابليته للإجازة محرزة و اما ما لم يحرز قابليته فالإجازة لا تفيد حدوث القابلية فيه لأن الشيء إذا وقع على وصف لم يخرج عما وقع عليه الى غيره و المفروض ان مضمون العقد الذي هو نقل العوضين مما لا دخل له بالمولى فلا يبقى الا صدور لفظ الصّيغة من عبده الذي يستحق هو منافعه و يلزم استيذانه في صدورها منه و قد وقع العقد منه في حال وقوعه غير مأذون فيه من جانب المولى بل مستقلا به العبد و قد أفادت الاية الكريمة كونه غير قادر بمعنى كونه غير مستقل في فعله بنفسه بل لا بد من استيذانه من المولى و انّ فعله الذي استقل به غير ماض فلا يترتب عليه الأثر و من المعلوم ان الرّضا اللاحق لا يجعل الفعل الذي استقل بإيقاعه العبد من دون اذن المولى مأذونا فيه حال وقوعه مقدورا له واقعا باذن المولى في حال وقوعه و إلا لزم خروج الشيء عما هو عليه عند وقوعه فالمحل غير قابل للحوق الإنشاء إذ لا بد من كون المحلّ بحيث لو قلنا بكون الإجازة كاشفة صحّ الاستكشاف بها عن وقوع العقد صحيحا في حال وقوعه و مثل هذا العقد الذي صدر عن المملوك من دون استيذان السيّد ليس قابلا لان يستكشف بالإجازة عن وقوعه صحيحا هذا و أورد عليه بان هذا القسم الثاني يدخل في التصرفات الجزئية التي منع (المصنف) (رحمه الله) عن حرمتها استنادا إلى السّيرة المستمرة على مكالمة العبيد و نحو ذلك من المشاغل الجزئية فلا يحرم و لا يتوقف على الإجازة حتى يمنع إفادتها الصحّة في هذا القسم فهو خارج عن محلّ الكلام كما انّه خارج عن عنوان الآية لخروج التصرفات الجزئية بالسّيرة و يمكن دفعه بأنّه ليس كل ما كان من قبيل العقد المجرد مما لا يتوقف على اذن المولى و يندرج في التصرّفات الجزئية فإن منها عقد النكاح المتعارف إيقاعه في محفل يدعى إليه جماعة كثيرة مع ما يجرى فيه من المكالمة فيما بين أولياء الطرفين في تقدير المهر و اشتراط الشرائط و ما يجرى من استنطاق المعقودة و اعادة السؤال عن التوكيل عليها مرادا عديدة و غير ذلك مما قد ينافي خدمة المولى و يفوت حقه بل هو؟؟؟؟

قطعا و كذا غير ذلك من العقود و قد يتوقف وقوعه على طور زمان كالصّلح المتعارف إجراؤه في المجالس التي يجتمع فيها التّجار لقطع المحاسبة و فصل المنازعة بين شخصين وقع بينهما الخلاف منهم و الظاهر ان هذه القضية الجزئية التي أشرنا إليها مما لا ينبغي الارتياب فيه كما لا ينبغي التأمل في أنّها كافية في تصحيح كلام (المصنف) (رحمه الله) وافية بدفع الإيراد عنه لوجود المصداق لما تعرض (رحمه الله) لحكمه

قوله الا ان الأقوى هو لحوق اجازة المولى لعموم أدلّة الوفاء بالعقود المخصص انّما دلّ على عدم ترتب الأثر على عقد العبد من دون مدخلية المولى أصلا سابقا و لاحقا لا مدخلية اذنه السابق و لو شك (أيضا) وجب الأخذ بالعموم في مورد الشك

أورد عليه بان هذا ينافي ما أفاده (رحمه الله) من عدم قابلية الإنشاء الصادر من المملوك على وجه لا يكون تصرفا في مال المولى كما لو فرض انّه صار وكيلا في مجرد إيقاع الصّيغة و غير ذلك للحوق الإجازة و وجه المنافاة انّه ان كان الإنشاء غير قابل للإجازة و ليس له صلاحية اكتساء لباس الصّحة بواسطتها كما أفاده (رحمه الله) بقوله فكل ما صدر عنه من دون مدخلية المولى فهو شرعا بمنزلة العدم فكيف يصحّ التمسّك بالعمومات في تصحيحه في صورة الشك و غيره بل كيف يتصور الشك في المورد الذي لا يليق به الا الجزم بعدم الصّحة ضرورة انه إذا كان إنشاؤه بمنزلة العدم لا يعقل ان يفيد الإجازة صحته ضرورة انّها لا تجعل المعدوم شيئا موجود أولا يخفى اندفاعه لأنه (رحمه الله) لم يحكم بكونه غير قابل للإجازة و ليس مراده بكون ما صدر منه كالعدم الا كونه (كذلك) في صورة عدم مدخلية المولى كما صرّح بالتقييد به في العبارة المذكورة بل انما حكم بان المراد بعدم قدرة العبد عدم استقلاله في الأمور حتى انه لو استقل كان ما أوقعه فاسدا و لهذا قال (رحمه الله) فانشاءات العبد لا يترتب عليها آثارها من دون اذن المولى اما مع الاذن السابق فلا إشكال يعني في الصّحة لأنه لم يستقل بالعمل و انّما صدر عن اذن المولى ثم انه (رحمه الله) احتمل عدم الوقوع مع الإجازة اللاحقة نظرا الى ان العقد في حال وقوعه لم يكن صادرا عن اذن المولى و صدق على إيقاعه الاستقلال و المباشرة بدون اذن المولى و الإجازة اللاحقة لا تصير ما وقع بغير اذن واقعا باذن ثم دفع (رحمه الله) هذا الاحتمال بان عموم قوله (تعالى) أَوْفُوا بِالْعُقُودِ واف بوجوب الوفاء بعقد العبد لصدق اسم العقد عليه و قوله (تعالى) لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ معناه انه غير مستقبل بحيث يؤثر مع عدم انضمام رضا المولى اليه سابقا و لاحقا فالتخصيص الحاصل من الآية الثانية بالنسبة إلى الآية الاولى ليس باشتراط الاذن السابق بل ما هو أعم منه و من الرضا اللاحق فلا يكون العقد الملحوق بالرّضا و الإجازة مما استقل به المملوك و الحاصل انّه (رحمه الله) ما يدعى انقلاب ما وقع بغير اذن عما وقع عليه حتى يقال ان ذلك محال و انما يريد ان مباشرة العقد الذي يلحقه الإجازة ليست استقلالا و ان شئت عبرت عن ذلك بعبارة أخرى فقلت ان المؤثر ليس فعله وحده بل هو و اجازة المولى جميعا و أنت ان كنت ممن يتفطن لدقائق العبارات أمكنك بعد ما نبهناك عليه الإحاطة بجميع أطراف كلام (المصنف) (رحمه الله) و اكتناء حقيقة مقصوده فتدبر

قوله و يؤيد إرادة الأعم من الإجازة الصحيحة السّابقة فإن جواز النكاح يكفيه لحقوق الإجازة فالمراد بالاذن هو الأعم

أورد عليه بأنّه بعد البناء على ان عقد المملوك غير قابل للحوق الإجازة و الاتصاف بالصحة بواسطتها و بعد دعوى دلالة قوله (تعالى) لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ على ذلك لا مجال لدلالة الصحيحة على إفادة الإجازة اللاحقة على صحة العقد بلحوقها فدعوى دلالتها على ذلك بعد دعوى دلالة الآية المذكورة على عدم قابلية عقده للحوق الإجازة مما لا وجه له لان غير القابل لا يمكن ان يصير قابلا قطعا نعم لو قلنا بان الآية المذكورة مجملة كما هو مقتضى التحقيق كان التمسك بالصحيحة في إثبات كفاية لحوق الإجازة متجها هذا و لا يخفى عليك اندفاعه بعد ما بيناه في دفع ما قبله من الإيراد في الحاشية السّابقة لأنك قد عرفت انه (رحمه الله) فسر عدم القدرة بالاستقلال على وجه لا يكون للسيّد مدخل فيه غاية ما في الباب انّه (رحمه الله) احتمال عدم كفاية الرضا اللاحق فيكون التمسك بالصّحيحة لدفع ذلك الاحتمال فافهم

قوله و لا يلزم تأخير البيان لان الكلام المذكور مسوق لبيان نفى استقلال العبد في الطلاق

هذا جواب عن سؤال مقدر و هو انه إذا كان الاذن في قولهما (عليه السلام) المملوك لا يجوز نكاحه و لا طلاقه إلا بإذن سيّده أعم من الاذن السابق و الإجازة اللاحقة و المفروض ان الثانية لا تفيد في الطلاق و كما اعترف به و صرّح بخروجه عن هذا الإطلاق بالدليل (فحينئذ) يلزم تأخير البيان باعترافه و تقرير الجواب ان الاذن في الكلام المذكور اى قولهما (عليه السلام) مملوك

346

لا يجوز نكاحه و لإطلاقه إلّا بإذن سيّده أعم من الاذن السّابق و الإجازة اللاحقة و المفروض ان الثانية لا تفيد في الطلاق كما اعترف به و صرّح بخروجه عن هذا الإطلاق بالدليل (فحينئذ) يلزم تأخير البيان باعترافه الى و تقرير الجواب ان الاذن في الكلام المذكور اى قولهما (عليه السلام) المملوك لا يجوز نكاحه و لإطلاقه إلا بإذن سيّده و ان كان أعم من الإجازة اللاحقة بقرينة عد النكاح مما يعتبر فيه الإذن الا ان الغرض المسوق له ذلك الكلام ليس هو بيان تفاصيل أحكام الطلاق حتى يلزم تأخير البيان بترك بعضها و انّما الغرض هو بيان ان الاستقلال في الطلاق المعبد بان يباشره من دون اطلاع المولى بل كراهته منفي في الشرع عن العبد فالكلام مسوق لمجرد بيان جنس الحكم الّذي هو عدم مشروعية الاستقلال في حقه و ان شئت قلت ان تأخير البيان عن وقت الحاجة انّما هو الممنوع دون تأخير البيان عن وقت الخطاب و مع فرض كون الكلام مسوقا لبيان جنس الحكم لا يكون محلّ حاجة المخاطب ما زاد على ذلك بدلالة كون المتكلم حكيما بل معصوما فلا يلزم بالسكوت عما زاد عليه تأخير البيان عن وقت الحاجة و اما مع فرض كون الغرض بيان التفاصيل فقد يكون وقت الخطاب وقت الحاجة فيلزم التأخير عن وقتها و الحديث من قبيل الأوّل دون الثاني

قوله و يؤيد المختار بل يدلّ عليه ما ورد في صحة نكاح العبد الواقع بغير اذن المولى إذا أجازه معللا بأنه لم يعص اللّه و انما عصى سيّده فإذا أجازه جاز

(انتهى) اعلم انه قد استفاد بعضهم (هو العلامة الطباطبائي (قدس سرّه) من هذه الرّواية ان مناط فساد المعاملة عبارة عن كون النهى قد نشأ من تلك المعاملة اما من ذاتها أو من جزئها أو من وصفها اللازم الغير المفارق بدلالة قوله (عليه السلام) ان ذلك ليس كإتيانه ما حرمه اللّه عليه من نكاح في عدة و أشباهه فإن النّهي عن النكاح في العدة إنما ينشأ منه لا من أمر خارج فان كان منشأ النهي هو الأمر الخارج لم يوجب فساد المعاملة و قد استفاد بعض (هو شريف العلماء (رحمه الله) أخر منها ان مناط فساد المعاملة انما هو تعلق النهى بذات المعاملة فإن تعلق بها كان ذلك موجبا لفسادها و ان لم يتعلق بها لم يكن موجبا لفسادها و استشهد عليه بقوله (عليه السلام) ان ذلك ليس كإتيانه ما حرمه اللّه عليه من نكاح في عدة و أشباهه نظرا الى ان النهى قد تعلق بذاتها و الفرق بين القولين هو انه لو قال بعت مثلا في حال تضيق وقت الصّلوة كان قوله ذلك من قبيل ما تعلق النهى بذاته و لم يكن من قبيل ما نشأ منه النهى فيفسد على الثاني دون الأوّل و زعم بعض من تأخر ان (المصنف) (رحمه الله) استفاد منها انه ان كان النهى مما يمكن ان يتبدل بالرضا كنواهى المخلوقين حيث يبدوا لهم فيستدل رضاهم بالكراهة كما قد يتبدل كراهتهم بالرضا فلا يوجب مثل ذلك النهى الفساد فإذا تبدل بالرّضا صحت المعاملة و ان كان مما لا يتغير و لا يتبدل كنواهى اللّه سبحانه فإنها لا تتبدل بالرضا و الإجازة فيوجب مثل ذلك النهى الفساد ثم أورد عليه ذلك البعض بان المنساق من الرواية انما هو الأوّل فمناط فساد المعاملة هو لا غيره و ما ذكره الامام (عليه السلام) من قوله فإذا أجازه جاز بيان للصحة الحاصلة في هذا المورد الخاص و بعبارة أخرى هو بيان لكون المورد مورد الإجازة و ليس بيانا لمعيار فساد المعاملة بالنهي و الحاصل انه (عليه السلام) بين ان معيار فساد المعاملة هو كونها منشأ النهى و لما كان في هذا المورد الّذي هو معاملة العبد قد يتبدل عدم الاذن بالرضا نبه (عليه السلام) على خاصة المورد و هي كونه بحيث إذا تبدّل بالرضا صح فتكون الإجازة على هذا مؤثرة و يدفعه ان (المصنف) (رحمه الله) ليس بصدد استفادة معيار فساد مطلق المعاملة من الرواية و ان المعيار في الفساد عدم تبدل النهى بالرضا و في الصحة تبدلّه به و ليس في مقام التنبيه على معيار فسادها أصلا و مقصوده (رحمه الله) انّما هو استفاد معيار صحة معاملة المملوك و فساده و انّه إذا تبدل عدم الاذن في معاملته بالاذن صحت و الا فلا الا ترى الى قوله (رحمه الله) فيكون الحاصل ان معيار الصّحة في معاملة العبد بعد كون المعاملة في نفسها ممّا لم ينه عنه الشارع هو رضى سيّده بوقوعه سابقا أو لاحقا و انه إذا عصى سيّده بمعاملة ثم رضى السيّد بها صحّ إلى أخر ما قال كيف قيد معيار الصحة بكونه في معاملة العبد بل اعتبر التقييد بكون المعاملة في نفسها ممّا لم ينه عنه الشارع و اين هذا من بيان معيار فساد مطلق المعاملة بالنهي

قوله بتقريب ان الرواية تشمل ما لو كان العبد هو العاقد على نفسه و حمله على ما إذا عقد الغير له مناف لترك الاستفصال

غرضه (رحمه الله) بهذا الكلام هو الإشارة الى ان لفظ الصّيغة الصادر بغير إذن إذا لحقه اجازة السيّد افادته تأثير أو السرّ في ذلك انه إذا أوقع المملوك صيغة النكاح بنفسه اجتمع هناك جهتان إحديهما حرمة التصرّف في ملك المولى بالوطي و كذا إلزام المولى بالنفقة و المهر و الأخرى التلفظ بصيغة النكاح بدون اذن المولى فالإجازة اللاحقة تفيد الصّحة من الجهة الأولى فيترتب الآثار على صيغته بلحوقها و كذا من الجهة الثانية فإن لحوقها يجعل الصّيغة بمنزلة المأذون فيها ابتداء و بهذا يتمّ الكلام في الصّيغة التي أوقعها المملوك وكالة عن الغير و نحوه

قوله و من ذلك يعرف ان استشهاد بعض بهذه الروايات على صحة عقد العبد و ان لم يسبقه اذن و لم يلحقه اجازة بل و مع سبق النهي (أيضا)

(انتهى) قال في الجواهر ان القول بالصّحة و ان لم يأذن المولى بل مع نهيه لا يخلوا من قوة و ان أثم العبد بإيقاعها لأنه من منافعه المملوكة للسيّد الا ان الحرمة لا تنافي الصّحة هنا بعد ان لم تكن للمعاملة من حيث كونها (كذلك) كما صرّح به شيخنا في شرحه في المقام بل يومي اليه ما ورد في تزويج العبد نفسه فضولا عن مولاه فاجازه إذ لا ريب في إثمه بإيقاع نفس العقد الذي هو تصرف في لسان العبد المملوك للسيّد بالنسبة الى ذلك فظهر (حينئذ) ان معصيته العبد في الفرض لا تنافي الصّحة و الا لم تنفع اجازة المولى بعد ذلك في الصحة ضرورة تحقق الإثم الذي لا يرفعه الا الاستغفار و التوبة انتهى و محصّل الكلام في هذا المقام هو انه لا يخلو امّا ان يكون عقد العبد على مال المولى أو على ما في يد العبد و امّا ان يكون على مال الغير بإذنه أو على أمر يكون في ذمته كضمانه المال عن غيره أو زوجية أو نحوهما امّا القسم الأول فلا ريب في توقفه على الاذن من المولى حتى فيما في يد العبد و ان قلنا بملكه بدلالة الكتاب و السنة و ظهور الإجماع عليه القاضية بكونه محجورا عليه فان قوله (تعالى) لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ يفيد الحجر عليه و ان لم يكن نصّا و لا ظاهرا في حرمة تصرفه و لا فرق بين الاذن السّابق و الاذن اللاحق بل قد يقال ان الاذن اللاحق مما يفيد الصّحة حتى في صورة سبق النهى من المولى عن عقده عليه تمسّكا بظاهر النص و امّا القسم الثاني فتفصيل المقال فيه انه قد اختلف فيه كلماتهم فالمحكي عن ظاهر كثير من العبارات انه يحكم بصحته مع الإذن فهي موقوفة عليه فان تحقق سابقا و لاحقا حكم بصحته و الا فلا و الذي حكاه (المصنف) (رحمه الله) عن بعض هو صحة العقد و ان لم يسبقه اذن و لم يلحقه اجازة بل سبقه النهى فان أراد به صاحب الجواهر (رحمه الله) فعبارته لا تعطى الصّحة مع انتفاء الإجازة اللاحقة فإن غاية ما يستفاد منها هو الصحة مع عدم الاذن بل النهى السّابق بل نقول ان الظاهر من العبارة المذكورة هو كون اعتبار الإجازة مسلما كما يفصح عنه قوله و الا لم تنفع اجازة المولى بعد ذلك في الصّحة (انتهى) و كيف كان (فالمصنف) (رحمه الله) اختار الأول و بين ان الحرمة لا تصير سببا في فساد العقد و يشهد له انه لو قال في أثناء

347

الصّلوة أو في الوقت الضيق لواجب بعت أو أنكحت فقيل صاحبه لم يقع العقد فاسدا بل يحكم عليه بالصحة إجماعا و بين (رحمه الله) ايضا ان التحقيق ان المستند في الفساد هو الآية المتقدّمة و أورد عليه أولا بأن الآية ظاهرة في مجرد الحكم التكليفي و انه لا يسوغ لي شيء بدون اذن سيّده و ليس فيها دلالة على الحكم الوضعي و ثانيا بان المتبادر من نحو الآية انه لا يقدر على شيء يعود اليه بحيث ينافي مالكية المولى له و سلطنته عليه و ذلك غير قاض بعدم قدرته على ما يعود الى غيره أو إليه بعد عتقه كضمانه عن الغير في الذمة أو ضمانه لمهر زوجته في حال العقد عليها فإنه يصحّ ضمانه و يتبع به بعد عتقه أو ما يعود اليه بالفعل لكن على وجه لا ينافي مالكية المولى كطلاقه لزوجته الّتي ليست مملوكة لمولاه و قد يشعر بذلك رواية المرادي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن العبد هل يجوز طلاقه فقال ان كان لأمتك فلا ان اللّه تعالى يقول لا يقدر على شيء و ان كان لامة قوم اخرين أو حرّة جاز طلاقه و في نصوص كثيرة ان الطلاق الى العبد إلّا إذا تزوج امة مولاه فالأمر بيد مولاه و عليها يحمل ما نطق بإطلاق عدم صحة الطلاق من المملوك بل في جمله من الاخبار دلالة على ان المراد بالشيء الذي نفى القدرة عليه من العبد انّما هو خصوص الطلاق أو خصوص النكاح و الطلاق كما عن التهذيبين و الفقيه انه لا يقدر على شيء الشيء الطلاق و في خبر الشعيب عن الصادق (عليه السلام) عن طلاق العبد فقال (عليه السلام) ليس له طلاق و لا نكاح اما تسمع قوله تعالى لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ قال لا يقدر على طلاق و لا نكاح إلا بإذن مولاه و عن تفسير على بن إبراهيم لا يقدر على شيء قال لا يتزوج و لا يطلق الى غير ذلك مما قد يقضى بعدم إرادة حقيقة العموم و احتمال إرادته و التزام التخصيص بعيد جدا و لا أقل من احتمال الشك على وجه يقدح في الاستدلال به على الفساد و ثالثا ان من المحتمل قريبا إرادة انه لا يقدر على التصرّف المالي خاصة كما قد يشعر به مقابلته بمن رزقناه منا رزقا حسنا فهو ينفق منه الآية أقول لا يخلو اما ان يكون كلام المورد ناظرا الى نفس الآية مع قطع النظر عما ورد في بيانها من الاخبار و امّا ان يكون ناظرا إليها باعتبار ما ورد في بيانها امّا على الأوّل فيأبى عما ذكره المورد سياق الآية و ملاحظة ما قبلها و ما بعدها لان اللّه عزّ و جلّ قال وَ اللّٰهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوٰاجاً وَ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوٰاجِكُمْ بَنِينَ وَ حَفَدَةً وَ رَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبٰاتِ أَ فَبِالْبٰاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَ بِنِعْمَتِ اللّٰهِ هُمْ يَكْفُرُونَ وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ شَيْئاً وَ لٰا يَسْتَطِيعُونَ فَلٰا تَضْرِبُوا لِلّٰهِ الْأَمْثٰالَ إِنَّ اللّٰهَ يَعْلَمُ وَ أَنْتُمْ لٰا تَعْلَمُونَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ وَ مَنْ رَزَقْنٰاهُ مِنّٰا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَ جَهْراً هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّٰهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لٰا يَعْلَمُونَ وَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمٰا أَبْكَمُ لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ وَ هُوَ كَلٌّ عَلىٰ مَوْلٰاهُ أَيْنَمٰا يُوَجِّهْهُ لٰا يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلىٰ صِرٰاطٍ مُسْتَقِيمٍ و ذلك لان الآيات وردت في ذم عبدة الأصنام و لهذا قال في المجمع أ فبالباطل يؤمنون يريد بالباطل الأوثان و الأصنام و ما حرم عليهم و زيّنه الشيطان من؟؟ البحائر؟؟ و غيرها اى فبذلك يصدفون و بنعمة اللّه التي عددها يجحدهم يكفرون اى و قيل يريد بنعمة اللّه التوحيد و القران و رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) انتهى و يشهد بما قلناه قوله تعالى وَ يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّٰهِ مٰا لٰا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً و ما ذكره في المجمع من قوله فَلٰا تَضْرِبُوا لِلّٰهِ الْأَمْثٰالَ أي لا تجعلوا اللّه الأشباه و الأمثال في العبادة فإنه لا شبه له و لا مثل و لا أحد يستحق العبادة سواه و انما قال ذلك في اتخاذهم الأصنام إلهه انتهى و ما ذكره فيه (أيضا) من قوله ثمّ بين سبحانه للمشركين أمر ضلالتهم فقال ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ أي بين اللّه مثلا فيه بيان المقصود تقريبا للخطاب إلى إفهامهم ثمّ ذلك المثل فقال عَبْداً مَمْلُوكاً لا يقدر من امره على شيء وَ مَنْ رَزَقْنٰاهُ مِنّٰا رِزْقاً حَسَناً يريد

و حرا رزقناه و ملكناه مالا و نعمة فهو ينفق منه سرّا و جهرا لا يخاف من أحد هل يستوون و لم يقل يستويان لأنه أراد بقوله و من رزقناه و قوله عبدا مملوكا الشيوع في الجنس لا التخصيص يريد ان الاثنين المتساويين في الخلق إذا كان أحدهما مالكا قادرا على الإنفاق و الأخر عاجزا عن الإنفاق لا يستويان فكيف يسوى بين الحجارة التي لا تعقل و لا تتحرك و بين اللّه عزّ اسمه القادر على كلّ شيء الخالق الرازق بجميع خلقه و هذا معنى قول مجاهد و الحسن و قيل ان هذا المثل للكافر و المؤمن فإن الكافر لا خير عنده و المؤمن يكسب الخير عن ابن عباس و قتادة نبه اللّه سبحانه بذلك على اختلاف حاليهما و دعي الى حال المؤمن و صرف عن حال الكافر انتهى و بعد الإحاطة بما ذكر يعلم ان المراد بعدم القدرة انّما هو معناه الحقيقي و هو عدم التمكن رأسا من إيجاد الفعل لا معناه المجازي الذي هو عدم ترتب الأثر على ما أوجده أو حرمته بشهادة السّياق و دلالة أصل الحقيقة و ان فائدة توصيف العبد به انما هو التقييد على ما هو الأصل في الوصف و انه ليس من أوصاف الجنس و يشعر بهذا عدم كون قوله (تعالى) لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ عقيب قوله (تعالى) أَحَدُهُمٰا أَبْكَمُ وصف للجنس و إذ قد عرفت ذلك كله علمت ان دعوى ظهور عدم القدرة في الحكم التكليفي الّذي هو الحرمة واضحة السقوط كما ان دعوى كون المتبادر من نحو الآية عدم القدرة على شيء يعود اليه بحيث ينافي مالكية المولى و سلطنته إلى أخر ما ذكره في الإيراد الثاني واضحة الفساد إذ محصلها عدم ترتب الأثر على تصرفه المنافي لسلطنة المولى و مالكيته فلا مساس لشيء منهما بما هو الغرض المسوق له الكلام كما لا مساس لما ذكر في الإيراد الثالث من ان الاحتمال القريب في الآية هو ان يكون المراد عدم ترتب الأثر على تصرّفه المالي خاصة لما عرفت من اندفاعه بشهادة السّياق و دلالة الحقيقة هذا و امّا على الثاني فيتجه عليه انه قد ورد الخبر في عدم صحة طلاقه و لو كان خصوص طلاق امة مولاه و قد استشهد فيه بها فدعوى ظهور الآية في الحكم التكليفي مع ملاحظة ما ورد في بيانها في غاية السقوط مضافا الى ما يتجه على المورد أوّلا من ان دعوى ظهور الآية في الحكم التكليفي كما هو مقتضى الإيراد الأول ينافيها دعوى ان المتبادر منها نفى الحكم الوضعي بالنسبة إلى شيء يعود اليه بحيث ينافي مالكية المولى و سلطنته عليه و ثانيا ان الالتزام بكون الشيء المنفي عبارة عن الطلاق وحده أو عبارة عنه و عن النكاح على وجه الخصوص مما لا يخفى قبحه و منافاته لمثل قوله (عليه السلام) انما الطلاق مما يعطي إرادة العموم و امّا ما ذكره من الاخبار فليست صريحة و لا ظاهرة في كون الشيء عبارة عن خصوص الطلاق أو عنه و عن النّكاح لاحتمال ان يراد منها بيان الفرد الخفي الذي لم يعلم المخاطب اندراجه في العموم و مثل هذا التعبير المشتمل على الحمل من قبيل المتعارف في مقام رد إنكار المخاطب و رفع جهله الا ترى انه يقال في مقابل من قال لا عالم في البلد العالم زيد و العالم عمرو حتى في صورة عدم انحصار العالم فيهما أو في أحدهما لكن عند كونهما من الافراد الخفية و هذا انّما هو بالنسبة الى الحديث الأوّل و امّا الأخيران فافادتهما

348

في غاية الخفاء و دلالتهما على كون المقصود بيان ما هو من افراد العام أظهر هذا و أبعد الأمور المذكورة دعوى ظهور الآية في الحكم التكليفي و ان أبيت إلّا عن دلالتها عليه فاجعلها أعم منه و من الحكم الوضعي كما هو المحتمل من كلام العلامة (رحمه الله) في التذكرة فإنه قد استدل بالنسبة إلى الحكم الوضعي في موارد و تقدم في ذيل أوّل ما علقناه على هذه المسئلة منه (رحمه الله) ما يحتمل ارادة الاستدلال بها على الحكم التكليفي حيث قال و لانه لا يملك ان يحرم لقوله تعالى عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْءٍ انتهى و لكن الإنصاف أن الآية مجملة لا مجال للاستدلال بها و ان تمسك بها من تمسك في موارد كثيرة

[فرع أمر العبد أن يشتري نفسه من مولاه]

قوله لو أمر العبد آمر ان يشترى نفسه من مولاه فباعه مولاه صحّ و لزم

هذا الفرع قد وقع التعرض له في هذا المقام من المحقق (رحمه الله) و غيره و اختلف انظار الناظرين فيه فقيل ان الغرض منه التنبيه على التوسعة في اذن المولى حيث كان المقام مقام البحث عنه فالمقصود من ذكر هذا الفرع هو الإشارة الى ان اذن المولى المصحح شامل لمثل هذا الاذن الحاصل منه في ضمن البيع و قيل انّ الغرض منه هو الإشارة إلى دفع ما قد يتوهم في هذا المقام الذي هو ذكر مقام شرائط (صح) البيع من ثبوت شرط أخر له و هو مغايرة المشتري للمال الذي اشتراه فالمقصود بالفرع هو التنبيه على انه لا مانع من كون المشترى عين المشترى و قيل ان الغرض منه الإشارة إلى انه لا مانع من اتحاد الموجب و القابل و هي مسئلة وقع الخلاف فيها بين القدماء قال الشيخ (رحمه الله) في (المبسوط) المرأة البالغة الرشيدة تزوج نفسها و تزوج غيرها بنفسها مثل بنتها و أختها و يصحّ ان تكون وكيلة في إيجاب و قبول و فيه خلاف انتهى خلافا للقاضي في هذه المسئلة بخصوصها زعما منه انها من باب اتحاد الموجب و القابل و لهذا علل بهذا التعليل كما أشار إليه (المصنف) (رحمه الله) هذا و لكن لا يخفى عليك ان الأوسط في غاية البعد لكونه ممّا لا اشارة اليه في اللفظ و لا في المقام و انه لو كان المقصود بالعبارة ذلك لزم ان يكون الاعتماد في الوصول اليه على المكاشفة دون الطرق الدلالات المتعارفة و الأقرب الى اللفظ و الأنسب بالمقام انما هو الأوّل و لكن جعل المخالف في المسئلة هو القاضي دون غيره كما فعله (المصنف) (رحمه الله) يؤيد كون مراده هو الثالث بل لا يناسب غيره من جهة تعليله باتحاد عبارته مع عبارة السيّد فيتحد الموجب و القابل و على كل حال فالحق هو القول بالصحة امّا على الأول و هو ان يكون محلّ الكلام هو توسعة الاذن فلان تعريض المولى إياه للبيع اذن له في الشراء و بعبارة أخرى هو اذن له في قبوله الوكالة من جانب الغير و المباشرة للاشتراء و كذا صدور إيجاب البيع من المولى مخاطب به إياه يدلّ على الاذن له في ذلك و امّا على الأخير و هو اتحاد الموجب و القابل فلانا نمنع كون الاتحاد قادحا مضافا الى انا لو سلمنا كونه قادحا لم يلزم منه بطلان هذا العقد الصادر من المولى و عبده إذ ليس هذا المورد من أقسام اتحاد الموجب و القابل ضرورة تعدد الموجب و القابل فالمولى موجب و العبد قابل و دعوى اتحاد عبارة العبد و عبارة السيّد واضحة السقوط ضرورة تغاير الشخصين ثم لو فرضنا ان مناط البحث انّما هو الأوسط كان الوجه هو القول بالصّحة (أيضا) لأن اتحاد المشترى و المشترى من الأمور الاعتبارية التي لا دليل على قدحها

قوله هذا إذا أمره الأمر بالاشتراء من مولاه فإن أمره بالاشتراء من وكيل المولى فعن جماعة منهم المحقق و الشهيد الثانيان انه لا يصحّ لعدم الاذن من المولى

قال في (المسالك) عند قول المحقق (رحمه الله) و لو أمره أمران يبتاع نفسه من مولاه قيل لا يجوز و الجواز أشبه ما لفظه وجه المنع اعتبار التغاير بين المتعاقدين و عبارة العبد كعبارة سيّده أو اشتراط اذن المولى في تصرف العبد و لم يسبق له منه اذن و يندفع الأول بأن المغايرة الاعتبارية كافية و من ثم اجتزءنا بكون الواحد الحقيقي موجبا قابلا فهنا اولى و الثاني بأن مخاطبة السيّد له بالبيع في معنى التوكيل له في تولى القبول و به يظهر جواب ما قيل من ان قوله من مولاه مستدرك لانّه لا يشترى إلّا منه فإنه ربما احترز به عن شرائه نفسه من وكيل مولاه فإنه قد لا يصحّ نظرا الى وقوعه بغير اذن المولى بخلاف ما لو وقع من المولى فإنه في معنى الاذن و الأقوى الجواز انتهى و قد يلوح من كلام (المصنف) (رحمه الله) اختيار القول بعدم الصّحة في مفروضنا الذي هو الشراء من وكيل المولى و اختار بعض من تأخر القول بالصّحة نظرا الى ان إطلاق وكالة الوكيل يجعله في حكم المالك الذي هو المولى فيكون تعريضه العبد للبيع أو إيجابه إذنا للعبد في قبول الوكالة و بذلك يصحّ المعاملة و امّا كون وكالة الوكيل مخصوصة بالبيع فإنه خارج عن مفروض المقام فجعل الخلاف ناظرا الى تلك الصّورة عدول عن محلّ الكلام هذا و أنت خبير بما فيه إذ لم يحرر أحد من الفقهاء هذا النزاع في الوكيل المطلق حتى يخرج فرضه في الخاص بالبيع عن محلّ الكلام و هو واضح فالتحقيق ان يقال ان كانت وكالة الوكيل مطلقة شاملة لإذن المملوك صار حكم الفرض حكم الشراء من المولى بنفسه و ان كانت وكالته خاصة بالبيع فلم تشمل غيره لم يصحّ البيع لا من جهة النهي فإنه في مثل المقام لا يفيد الفساد بل من جهة ما دلّ على عدم صحة تصرفات العبد من دون اذن سيّده اللّهم الا ان يلتزم باندراج مثل ذلك في عنوان الفضولي و جريان أدلّة صحته بلحوق الإجازة فيه

و ليكن هذا أخر الجزء الثاني من كتاب غاية الآمال و يتلوه الكلام في الجزء الثالث في اشتراط كون المتبايعين مالكين أو مأذونين من المالك أو الشارع و يجرى فيه الكلام في الفضولي و الحمد للّه رب العالمين و السّلام على سيّدنا و إله الطيبين الطاهرين