مستمسك العروة الوثقى - ج6

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
616 /
453

________________________________________________

مناقب ابن شهر اشوب : « سئل علي بن الحسين (ع) : ما افتتاح الصلاة؟ قال (ع) : التكبير. قال : ما تحريمها؟ قال : التكبير. قال : ما تحليلها؟ قال (ع) : التسليم » (1) ، وعن جماعة كثيرة من القدماء والمتأخرين إرسال خبر : تحريم الصلاة التكبير وتحليلها التسليم عن النبي (ص) وفي المنتهى : ان هذا الخبر تلقته الأمة بالقبول ، ونقله الخاص والعام ، ومثل هذا الحديث البالغ في الشهرة قد يجبر روايته الاعتماد. انتهى ، وعن المختلف ، وجامع المقاصد : أنه من المشاهير ، وعن الروض : أنه مشهور.

وبعد ذلك كله لا مجال للمناقشة في سنده كما عن المدارك تبعاً لشيخه (قدس سرهما) ولا سيما بملاحظة اعتماد الأصحاب عليه ، واستدلالهم به ، وفيهم من لا يعمل إلا بالقطعيات كالسيدين (قدس سرهما).

كما لا مجال للمناقشة في دلالته على حصر المحلل فيه : بأن المراد بالأخبار الإسناد في الجملة لا دائماً ، فيجوز الإخبار بالأعم من وجه كزيد قائم وبالأخص مطلقاً كحيوان يتحرك كاتب. وبمنع كون إضافة المصدر للعموم لجواز كونها للعهد والجنس ، وبأن التحليل قد يكون بالمنافيات وان لم يكن الإتيان بها جائزاً ، وحينئذ فلا بد من تأويل التحليل بالذي قدره الشارع ، وحينئذ كما يمكن إرادة التحليل الذي قدره على سبيل الوجوب يمكن إرادة الذي قدره على سبيل الاستحباب. وبأن الخبر غير مراد الظاهر لأن التحليل ليس نفس التسليم فلا بد من إضمار ولا دليل على ما يقتضي الوجوب. لظهور ضعف ما ذكر ، إذ قد يكون المراد من الاخبار حصر الخبر بالمبتدإ ، ويتعين حمل الكلام عليه إذا كان ظاهراً فيه كما في المقام ، وكون الإضافة للعهد لا قرينة عليه كما لا قرينة على كونه للعموم فيتعين بمقدمات الحكمة ارادة الطبيعة المطلقة ـ كما في سائر موارد الحكم بالإطلاق ـ

____________

(1) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 1.

454

________________________________________________

فيكون مفاده مفاد العموم في الدلالة على الحصر.

هذا والظاهر من التحريم والتحليل في الخبر الوضعيان ، بمعنى قدح المنافيات في الصلاة وعدمه ، ولذا يعم الفريضة والنافلة ، فالتكبير يوجب قدح وقوعها في صحة الصلاة ، والتسليم يوجب عدم قدحه فيها فتصح الصلاة إذا وقعت بعد التسليم. وعليه فلا مجال للنقض بتحقق التحليل بالمنافيات قبله ، فان المنافيات إذا اقتضت بطلان الصلاة لم يكن مورد لحصر المحلل بالتسليم ولا يكون ذلك نقضاً عليه ، بل البناء على قدح المنافيات قبل التسليم التزام بحصر المحلل به كما لا يخفى. ويصح حمل التحليل على التسليم بنحو من العناية كما في زيد عدل ، ولا حاجة الى التقدير كي يدعى الإجماع.

وبالجملة : ظهور الخبر في الحصر ـ ولا سيما بملاحظة بعض النصوص المتقدمة ـ أوضح من أن يهتم لدفع المناقشات المذكورة فيه. نعم لا دلالة فيه على جزئية التسليم ، لأن انحصار المحلل به أعم من كونه جزءاً وشرطاً وأجنبياً.

نعم يدل على جزئيته موثق أبي بصير : « سمعت أبا عبد الله (ع) يقول في رجل صلى الصبح فلما جلس في الركعتين قبل أن يتشهد رعف. قال (ع) : فليخرج فليغسل أنفه ثمَّ ليرجع فليتم صلاته ، فان آخر الصلاة التسليم » (1) ، وموثقه الآخر : « إذا نسي الرجل أن يسلم فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد فرغ من صلاته » (2) ، وخبره : « وتقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة » (3) فتأمل. ويشير اليه صحيح زرارة

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 8.

455

________________________________________________

في صلاة الخوف : « فصار للأولين التكبير وافتتاح الصلاة ، وللآخرين التسليم » (1) ، وفي مصحح علي بن أسباط عنهم (ع) فيما وعظ الله سبحانه عيسى (ع) في وصف النبي (ص) : « ويفتتح بالتكبير ويختتم بالتسليم » (2) ، ونحوهما غيرهما مما يشعر أو يظهر في جزئيته للصلاة على نحو جزئية غيره من أجزائها. مضافا الى الأمر به في النصوص الكثيرة الواردة في الأبواب المتفرقة المدعى تواترها. لظهورها في اعتباره في الصلاة اعتبار غيره من أجزائها ، وان كان لا يخلو من تأمل لورود أكثر تلك النصوص في مورد بيان حكم آخر فلا حظ.

هذا ، وحكي القول باستحباب التسليم عن المقنعة ، والنهاية ، والسرائر وكثير من كتب المتأخرين ، وعن الخلاف : أنه الأظهر من مذهب أصحابنا وعن جامع المقاصد : « ذهب إليه أجلاء الأصحاب » ، وفي الذكرى : « هو مذهب أكثر القدماء » وعن المدارك وأكثر المتأخرين ، وعن البهائي أنه مذهب مشايخنا المتأخرين عن عصر الشهيد.

واستدل لهم ـ مضافا الى أصالة البراءة المحكومة لما سبق ـ بصحيح ابن مسلم المتقدم في التشهد : « إذا استويت جالساً فقل : أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، ثمَّ تنصرف » (3) وصحيح ابن جعفر (ع) عن أخيه (ع) : « عن الرجل يكون خلف الامام فيطول الامام بالتشهد فيأخذ الرجل البول ، أو يتخوف على شيء يفوت أو يعرض له وجع كيف يصنع؟ قال (ع) : يتشهد هو وينصرف ويدع الإمام » (4).

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب صلاة الخوف حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 2.

(3) تقدم في المورد الأول من واجبات التشهد.

(4) الوسائل باب : 64 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 2.

456

________________________________________________

وفيه ـ مع أن الصحيحين المذكورين خاليان عن ذكر الصلاة على النبي (ص) ، وأن المحكي عن الفقيه وموضع من التهذيب رواية ثانيهما : « يسلم وينصرف » (1) ـ : أن المراد بالانصراف التسليم ، بقرينة مثل صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) : « وان قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت » (2) ، وخبر أبي كهمس عن أبي عبد الله (عليه السلام) : « سألته عن الركعتين الأولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وأنا جالس : السلام عليك أيها النبي انصراف هو؟ فقال (ع) : لا ، ولكن إذا قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف » (3) وصحيح محمد بن مسلم : « إذا انصرفت من الصلاة فانصرف عن يمينك » (4) ونحوه موثق سماعة (5).

واستدل له أيضا بصحيح الفضلاء : محمد ، وزرارة ، والفضيل عن أبي جعفر (ع) : « إذا فرغ الرجل من الشهادتين فقد مضت صلاته ، فان كان مستعجلا في أمر يخاف أن يفوته فسلم وانصرف أجزأه » (6). وفيه ـ مع أنه خال عن ذكر الصلاة على النبي كسابقيه ـ : أن ما في ذيله من الأمر بالتسليم في مورد السؤال ـ أعني الاستعجال ـ دليل على

____________

(1) راجع : الفقيه ج : 1 صفحة : 261 والتهذيب ج : 2 صفحة : 283.

لكن في صفحة : 349 من ج 2 من التهذيب تجد الحديث خالياً عن ذلك كما في نسخة الوسائل وقرب الاسناد المطبوع في إيران صفحة : 95.

(2) الوسائل باب : 4 من أبواب التسليم حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 4 من أبواب التسليم حديث : 2.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 13.

(5) الوسائل باب : 12 من أبواب التشهد حديث : 1.

(6) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 5.

457

________________________________________________

وجوبه ، فيتعين حمل قوله (ع) في الصدر : « مضت صلاته » على مضي معظمها. أو ما كان من سنخ العبادة ، أو نحو ذلك مما لا ينافي وجوب التسليم.

وبصحيح معاوية بن عمار : « إذا فرغت من طوافك ، فأت مقام إبراهيم (ع) ، فصل ركعتين ، واجعله أمامك واقرأ في الأولى منهما قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ، وفي الثانية قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ ، ثمَّ تشهد واحمد الله تعالى وأثن عليه وصل على النبي (ص) واسأله أن يتقبل منك » (1). وفيه ـ مع أن الوجه في ترك ذكر التسليم عدم كونه في مقام بيانه كالركوع والسجود وغيرهما من الواجبات ـ : أنه بقرينة ما سبق يتعين حمل التشهد فيه على ما يعم التسليم ، فيكون الحمد والثناء بعد التسليم. ومثله صحيح زرارة الوارد في الشك بين الثنتين والأربع ، قال (ع) : « يركع ركعتين وأربع سجدات وهو قائم بفاتحة الكتاب ، ويتشهد ولا شيء عليه » (2).

وبموثق يونس بن يعقوب قال : « قلت لأبي الحسن (ع) : صليت بقوم فقعدت للتشهد ، ثمَّ قمت فنسيت أن أسلم عليهم. فقالوا : ما سلمت علينا. فقال (ع) : ألم تسلم وأنت جالس؟ قلت : بلى. قال (ع) : فلا بأس عليك » (3) وفيه : أن تعليق نفي البأس على تسليمه وهو جالس ظاهر في وجوب التسليم ، والظاهر أن المراد من التسليم عليهم الذي نسيه هو صيغة : « السلام عليكم » ، ومن تسليمه وهو جالس صيغة : « السلام علينا .. » ، وفيه دلالة على أن استعمال التشهد فيما يعم التسليم متداول مألوف ، كما حملنا عليه الروايات السابقة.

وبأنه لو وجب التسليم لبطلت الصلاة بتخلل المنافي بينه وبين التشهد

____________

(1) الوسائل باب : 71 من أبواب الطواف حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 11 من أبواب الخلل في الصلاة حديث : 3.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 5.

458

________________________________________________

واللازم باطل فالملزوم مثله. أما الملازمة فإجماعية ، وأما بطلان اللازم فلصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « سأله عن الرجل يصلي ثمَّ يجلس فيحدث قبل أن يسلم ، قال (ع) : تمت صلاته ، وان كان مع امام فوجد في بطنه أذى فسلم في نفسه وقام فقد تمت صلاته » (1) ، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) : « إذا التفت في صلاة مكتوبة من غير فراغ فأعد الصلاة إذا كان الالتفات فاحشا ، وان كنت قد تشهدت فلا تعد » (2) وموثق غالب بن عثمان عنه (ع) : « عن الرجل يصلي المكتوبة فيقضي صلاته ويتشهد ثمَّ ينام قبل أن يسلم ، قال (ع) : تمت صلاته ، وإن كان رعافا فاغسله ثمَّ ارجع فسلم » (3) ، ونحوها صحيح زرارة المتقدم في وجوب التشهد (4) ، وخبر الحسن بن الجهم المتقدم في كيفية الشهادتين (5).

وأورد عليه بمنع الإجماع على الملازمة المدعاة لتحقق القول بالوجوب وعدم الجزئية الملازم للقول بعدم البطلان بتخلل المنافي بينه وبين الصلاة وإن وجب. وفيه : أن عمدة الأدلة المتقدمة على الوجوب نصوص التحليل (6) وأنه آخر الصلاة (7) ، وبه تنقطع (8) ، وبه يفرغ منها (9) ، ونحو ذلك مما لا يمكن حمله على الوجوب مع البناء على الصحة بتخلل المنافي. نعم

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 4.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 6.

(4) راجع صفحة 432.

(5) راجع صفحة : 439.

(6) راجع أول الفصل :.

(7) راجع صفحة : 454.

(8) راجع صفحة : 454.

(9) راجع صفحة : 454.

459

________________________________________________

البناء المذكور لا ينافي الأخذ بظاهر الأمر به في بعض النصوص أعني الوجوب. لكن عرفت أن الاستناد في دعوى وجوبه الى ظاهر الأمر محل إشكال. ومثله في الاشكال دعوى كون المراد من التسليم في النصوص المذكورة التسليم الأخير ، لشيوع استعماله فيه كما عن جماعة ، ويشير إليه موثقة أبي بصير الطويلة (1) ، وحديث ميسر (2) ، وخبر الفضل بن شاذان (3) ، وخبر عبد الله بن الفضل الهاشمي (4) ، إذ لو تمت اقتضت حمل نصوص التحليل عليه ، فيتعين حملها على الاستحباب لعدم وجوبه ، وكذا غيرها مما أطلق فيه التسليم : كموثق أبي بصير الأول (5) ، والنصوص المتضمنة للأمر به إذ الفرق بين الطائفتين غير ظاهر. مع أن هذه الدعوى لا تتأتى في صحيح زرارة ، ولا في خبر الحسن بن الجهم لعدم ذكر التسليم فيهما ليحمل على هذا المعنى. اللهم إلا أن يكون الوجه في سقوطهما عن الحجية في المقام ظهورهما في الحدث قبل الصلاة المجمع على قاطعيته.

وكيف كان فالأولى أن يقال : إن النصوص المذكورة معارضة بما دل على انحصار المحلل بالتسليم ، والجمع بينهما ـ بحمل الثانية على الاستحباب ـ ليس عرفياً ، لأن نصوص التحليل ظاهرة في أن التحريم الثابت بالتكبير ، سواء أكان وضعياً كما هو الظاهر أم تكليفياً ينحصر رافعه بالتسليم ، وحملها على أن التحريم يرتفع قبل التسليم ويثبت تحريم تنزيهي يرتفع بالتسليم مما تأباه تلك النصوص جداً على اختلاف ألسنتها ، فيتعين الرجوع الى الترجيح ، وهو مع نصوص التحليل كما سبق ، لمخالفتها للعامة ، واتحاد لسان الأولى

____________

(1) تقدمت في المورد السابع من مستحبات التشهد.

(2) الوسائل باب : 12 من أبواب التشهد حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 12 من أبواب التشهد حديث : 3.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 3.

(5) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 4.

460

________________________________________________

مع لسان مثل صحيح زرارة (1) وخبر ابن الجهم (2) المجمع على خلاف ظاهرهما. مضافا الى الاضطراب في صحيح زرارة الأول (3) لظهور صدره في تمامية الصلاة بدون التسليم ، وظهور ذيله في توقفها عليه. بل لا تبعد دعوى ذلك في مصحح الحلبي (4) ، وموثق عثمان (5) ، فان مرجع ذيل أولهما الى عدم قدح الالتفات الفاحش من غير فراغ المنافي لصدره ومرجع ذيل ثانيهما الى وجوب التسليم المنافي لصدره ، فلأجل ذلك كله لا تصلح لمقاومة تلك النصوص. نعم لو أمكنت دعوى اختصاصها بغير صورة العمد أمكن تقييد نصوص التحليل بها فتحمل على صورة العمد ، لكن ـ مع أنه لا قرينة عليه ـ يصعب الالتزام به مع بناء الأصحاب على عدم الفصل.

ثمَّ إنك عرفت وجود القول بالوجوب وعدم الجزئية فيجوز وقوعه حال وجود موانع الصلاة وفقد شرائطها اختياراً ، وحكي عن ظاهر الجعفي وصريح ابن جمهور ، والحبل المتين ، والمفاتيح ، وجماعة أخرى جمعاً بين الأمر به في النصوص وبين ما تضمن الفراغ من الصلاة قبل التسليم ، كصحيح عبد الله بن أبي يعفور عن أبي عبد الله (ع) فيمن نسي التشهد الأول : « فقال (ع) : يتم صلاته ثمَّ يسلم » (6) ، وصحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) : « وإن لم يذكر حتى يركع فليتم صلاته ، حتى إذا فرغ

____________

(1) تقدم في أول فصل التشهد صفحة : 432.

(2) تقدم في المورد الثاني من واجبات التشهد.

(3) تقدم في صفحة : 457.

(4) تقدم في صفحة : 458.

(5) تقدم في صفحة : 458.

(6) الوسائل باب : 7 من أبواب التشهد حديث : 4.

461

فيجب فيه جميع ما يشترط فيها : من الاستقبال ، وستر العورة ، والطهارة ، وغيرها ، ومخرج منها ، ومحلل للمنافيات المحرمة بتكبيرة الإحرام ، وليس ركناً ، فتركه عمداً مبطل لا سهواً ، فلو سها عنه وتذكر بعد إتيان شيء من المنافيات عمداً وسهواً أو بعد فوات الموالاة لا يجب تداركه [1] ،

________________________________________________

فليسلم » (1) ، وما في صحيح زرارة المتقدم : « وإن كان الحدث بعد الشهادتين فقد مضت صلاته » (2) ، وما في صحيحه الآخر : « فيمن يجلس فيحدث قبل أن يسلم. قال (ع) : تمت صلاته » (3) ، والنصوص المتضمنة صحة الصلاة مع تخلل المنافي المتقدمة.

لكن عرفت الإشكال في جميع ذلك ، وأنه لا يصلح لمعارضة نصوص التحليل المعتضدة بما دل على أنه آخر الصلاة ، وبه يفرغ منها ، وبه تنقطع ونحو ذلك المستفاد من مجموعة الجزئية ، وعدم جواز إيقاع المنافيات قبله. وأن الاعتماد على ظاهر الأمر محل إشكال لعدم كونه في مقام التشريع ليدل على الوجوب ، فلاحظ وتأمل.

[1] كما اختاره غير واحد من شراح الشرائع ، لعموم حديث : « لا تعاد الصلاة » (4) الموجب لسقوطه عن الجزئية في حال السهو كغيره من الأجزاء التي يلزم من ثبوت جزئيتها في حال السهو الإعادة. اللهم إلا أن يقال : مجرد السقوط عن الجزئية غير كاف في تحقق المحلل للمنافيات فما لم يثبت وقوع المحلل بدليل فالمنافيات على حالها في اقتضاء البطلان.

____________

(1) الوسائل باب : 7 من أبواب التشهد حديث : 3.

(2) راجع أول فصل التشهد.

(3) تقدم في هذه التعليقة.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب

462

________________________________________________

نعم لو كان مفاد حديث : « تحليلها التسليم » (1) أن محلليته بلحاظ كونه الجزء الأخير ، فإذا فرض سقوطه عن الجزئية كان الأخير هو ما قبله ، فالمنافي يكون بعد الفراغ فلا يكون قادحا ، لكن الظاهر من الخبر انحصار المحلل بالتسليم مع قطع النظر عن كونه آخر الاجزاء ، فمع فقده لا يتحلل من الصلاة وإن كان قد فرغ منها.

وبالجملة : لو قصرنا النظر على أدلة المنافيات كان مقتضاها البطلان لو وقعت في أثناء الصلاة ، ولم تقتضه لو كانت قبلها أو بعدها. وبلحاظ هذا الحديث يكون المدار في البطلان وقوعها قبل التسليم ، فيكون الحديث تأسيساً لحكم لا تفيده تلك الأدلة. فإن قلت : إذا كان حديث : « لا تعاد الصلاة » شاملا للتسليم المنسي أمكن أن يستفاد من الحكم بعدم إعادة الصلاة لتركه الحكم بمحللية التشهد للملازمة فتكون محللية التشهد مدلولا التزامياً له. قلت : الحديث المذكور لأنظر فيه إلا الى صحة الصلاة من جهة نقص التسليم ، وصحتها من هذه الجهة لا تلازم صحتها من وجود المحلل ، وإنما تكون الملازمة بين صحة الصلاة من جميع الجهات في حال نسيان التسليم وبين ثبوت المحلل ، لكن صحتها كذلك ليس منظوراً إليها في الحديث.

اللهم إلا أن يقال : لازم البناء على كون تحليلها التسليم تأسيساً البناء على كون تحريمها التكبير كذلك ، ومقتضى ذلك عدم حرمة إيقاع المنافيات قبل تمام التكبير ، وهو مناف لإطلاق ما دل على عدم جواز إيقاعها في أثناء الصلاة ، بل لا يظن الالتزام من أحد بجواز وقوعها في حال التكبير قبل تمامه ، فاذا وجب صرف « تحريمها التكبير » الى كونه أول الأجزاء فلا يكون تأسيساً وجب بقرينة المقابلة صرف « تحليلها التسليم » الى كونه آخر الأجزاء لا غير ، لا أقل من الاجمال الموجب للرجوع إلى أصالة البراءة من إبطال

____________

(1) راجع صفحة : 452.

463

نعم عليه سجدتا السهو للنقصان بتركه [1] ، وإن تذكر قبل ذلك أتى به [2] ولا شيء عليه إلا أن يتكلم فيجب عليه سجدتا السهو [3] ، ويجب فيه الجلوس [4] ، وكونه مطمئناً وله صيغتان هما : « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين »

________________________________________________

المنافي. وفيه : أن المنافاة المذكورة إنما تقتضي كون المحرم الشروع في التكبير بأن يكون المراد منه الطبيعة السارية في الأجزاء لإتمامها ، فالبناء على ظهور كل من قوله (ع) : « تحريمها التكبير » ، وقوله (ع) : « تحليلها التسليم » متعين. وأما النصوص الواردة في نسيان التسليم كموثق أبي بصير الآتي في التحليل بالصيغة الأولى وغيره فلا إطلاق لها يشمل صورة وقوع المحلل ، بل مقتضى الأمر بالتسليم فيها الاختصاص بصورة عدمه وبقائه على الجزئية لا سقوطه عنها.

وأما الاستدلال على المقام بالنصوص المتقدمة في الحدث قبل التسليم فغير ظاهر الوجه بعد عدم ظهورها في نسيان التسليم ، بل ظهورها في عدمه وامتناع الأخذ بظاهرها لا يصحح حملها على خلاف الظاهر والاستدلال به وكأنه لذلك اختار في الشرائع وغيرها البطلان.

[1] بناء على وجوبهما لكل زيادة ونقيصة.

[2] لعدم الموجب لسقوط وجوبه.

[3] لما يأتي إن شاء الله من وجوبهما للكلام ساهياً.

[4] بلا خلاف ظاهر ، وعن جماعة التصريح به ، وفي المستند : أنه الأظهر ، كما يستفاد من عمل الناس في جميع الأعصار بل من مطاوي الأخبار. انتهى. وكأنه يريد بالأخبار مثل موثقة أبي بصير الطويلة مما تضمن أنه كالتشهد.

464

و « السلام عليكم ورحمة الله وبركاته » ، والواجب إحداهما [1]

________________________________________________

[1] على التخيير ، فيتحلل بكل منهما كما عن جماعة ، بل عن بعض نسبته الى المشهور ، وآخر نسبته إلى المتأخرين ، وفي المنتهى : « لا نعرف خلافا في أنه لا يجب عليه الإتيان بهما » ، وفي الذكرى : « لم يقل به أحد فيما علمته » ، ويدل على التحليل بالأول جملة من النصوص المتقدم بعضها كصحيح الحلبي قال أبو عبد الله (ع) : « كلما ذكرت الله عز وجل به والنبي (ص) فهو من الصلاة ، وإن قلت : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد انصرفت » (1) وخبر أبي كهمس عن أبي عبد الله (ع) : « سألته عن الركعتين الأولتين إذا جلست فيهما للتشهد فقلت وأنا جالس : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، انصراف هو؟ قال (ع) : لا ، ولكن إذا قلت السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فهو الانصراف » (2) وخبر أبي بصير عن أبي عبد الله (ع) : « إذا كنت إماماً فإنما التسليم أن تسلم على النبي (ص) وتقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين ، فاذا قلت ذلك فقد انقطعت الصلاة ، ثمَّ تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة : السلام عليكم ، وكذلك إذا كنت وحدك تقول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين » (3) ، وموثقه : « إذا نسي الرجل أن يسلم فإذا ولى وجهه عن القبلة وقال : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فقد فرغ من صلاته .. » (4) الى غير ذلك.

وعلى التحليل بالثاني إطلاقات التسليم التي قد عرفت احتمال اختصاصها

____________

(1) الوسائل باب : 4 من أبواب التسليم حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 4 من أبواب التسليم حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 8.

(4) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 1.

465

________________________________________________

به فضلا عن شمولها له ، بل بعض ما ورد في الأول ظاهر في أن الاكتفاء به لأنه من بعض أفراد التسليم ، مثل ما عن كتاب الرضا (ع) الى المأمون : « ولا يجوز أن تقول في التشهد الأول : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين لأن تحليل الصلاة التسليم ، فاذا قلت هذا فقد سلمت » (1) ، ونحوه خبر الأعمش (2).

وكأنه في الجواهر يشير الى هذه الإطلاقات في استدلاله على الخروج بالثاني بالإجماع بقسميه ، بل الضرورة والنصوص المتواترة ، وإلا فلم نقف في النصوص على ما يتعرض له بالخصوص غير صحيح ابن أذينة وغيره في صلاة النبي (ص) في المعراج (3) ، وخبر أبي بكر : « إني أصلي بقوم فقال (ع) : تسلم واحدة ولا تلتفت ، قل : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته ، السلام عليكم » (4) ، وما عن جامع البزنطي عن عبد الله بن أبي يعفور : « سألت أبا عبد الله (ع) عن تسليم الامام وهو مستقبل القبلة. قال (ع) : يقول السلام عليكم » (5).

نعم ورد في جملة من النصوص التعرض له ، لكن لم يظهر منها أنه محلل ، ففي مرسل الفقيه : « قال رجل لأمير المؤمنين (ع) : ما معنى قول الامام السلام عليكم؟ فقال (ع) : .. » (6) ، وفي خبر المفضل : « لم لا يقال : السلام عليك والملك على اليمين واحد ، ولكن يقال : السلام عليكم؟ قال (ع) : .. » (7) ، وفي موثق يونس بن يعقوب :

____________

(1) الوسائل باب : 12 من أبواب التشهد حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 29 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 2.

(3) تقدم في صفحة : 435.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 9.

(5) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 11.

(6) الوسائل باب : 4 من أبواب التسليم حديث : 4.

(7) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 15.

466

________________________________________________

« قلت لأبي الحسن : صليت بقوم صلاة ، فقعدت للتشهد ، ثمَّ قمت ونسيت أن أسلم عليهم ، فقالوا ما سلمت علينا. فقال (ع) : ألم تسلم وأنت جالس؟ قلت : بلى. قال (ع) : فلا بأس عليك ، ولو نسيت حتى قالوا لك ذلك استقبلتهم بوجهك وقلت : السلام عليكم » (1) ، ونحوها غيرها. بل لعل مثلها خبر ابن أبي يعفور المتقدم (2).

وكيف كان فمما ذكرنا في وجه محللية الأول يظهر ضعف ما نسب إلى الأكثر أو المشهور من تعين الثاني لها. كما أن مما ذكرنا في وجه محللية الثاني يظهر ضعف ما عن جامع ابن سعيد من تعين الأول لها. كما أن من كل منهما يضعف جداً ما قيل أو يقال من وجوب الجمع بينهما.

هذا وعن فاخر الجعفي وجوب التسليم على النبي (ص) منضما الى أحد التسليمين ، وكأنه استند الى ما في رواية أبي بكر ، وخبر أبي بصير المتقدمين (3) وفيه ـ مع حكاية الإجماع على خلافه ، وعن البيان : أنه مسبوق بالإجماع وملحوق به ـ : أنه مخالف لصحيح الحلبي ، وخبر أبي كهمس المتقدمين (4) أيضاً ، وكذا حديث ميسر (5) ومرسل الفقيه (6) ، بل لا يبعد ذلك في خبر أبي بصير فيكون حجة عليه لا له. اللهم إلا أن يكون مراده وجوب السلام على النبي (ص) في قبال التسليم

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب التسليم حديث : 5.

(2) راجع الصفحة السابقة.

(3) تقدم الأول في صفحة : 465 والثاني في صفحة : 464.

(4) راجع صفحة : 464.

(5) راجع صفحة : 459.

(6) راجع صفحة : 465.

467

فإن قدم الصيغة الأولى كانت الثانية مستحبة [1]

________________________________________________

الذي به الانصراف كالصلاة عليه (ص) ، فلا تصلح النصوص المذكورة لنفي وجوبه.

فالعمدة حينئذ في دفعه الإجماع وما يستفاد من سبر جملة من النصوص من عدم وجوب شيء من التسليم إلا ما يكون به انصراف. فلاحظ صحيحة الفضلاء (1) وغيرها ، أما الأمر بالتسليم في الآية الشريفة (2) فغير ظاهر فيما نحن فيه ، والإجماع على عدم وجوبه في غير الصلاة لا يكفي في وجوبه فيها لا مكان حمله على الاستحباب ، ولا سيما مع كون عدم الوجوب مظنة الإجماع.

[1] كما هو المشهور ، وحكي في الذكرى عن ابن طاوس (رحمه الله) في البشرى احتمال أنها واجبة ، وان كان الخروج بـ « السلام علينا » ، قال في الذكرى : « للحديث الذي رواه ابن أذينة عن الصادق (ع) في وصف صلاة النبي (ص) في السماء : أنه لما صلى ، أمر الله أن يقول للملائكة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إلا أن يقال : هذا في الإمام دون غيره » ثمَّ قال : « ومما يؤكد وجوبه رواية زرارة ومحمد بن مسلم ـ وأورد التي ذكرناها آنفاً يعني روايتهما عن الباقر (ع) ـ : إذا فرغ من الشهادتين فقد مضت صلاته ، وإن كان مستعجلا في أمر يخاف أن يفوته فسلم وانصرف أجزأه ».

أقول : أما صحيح المعراج (3) فالذي يظهر من ملاحظة ما فيه أنه في مقام بيان المستحب والواجب فلا يصلح للدلالة على أحدهما كما لا يصلح

____________

(1) تقدمت في صفحة : 456.

(2) وهي قوله تعالى ( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً ). الأحزاب : 56.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث : 10.

468

بمعنى كونها جزءاً مستحباً [1] لا خارجا ، وإن قدم الثانية اقتصر عليها [2] ،

________________________________________________

للدلالة على الوجوب التعييني ، مضافا الى أنه لم يذكر فيه الصيغة الاولى ، فلا يصلح حجة للدلالة على وجوب الثانية عند سبقها بها. وأما الصحيح الآخر (1) فلا يظهر وجه تأكيده للوجوب إلا إذا كان المراد من التسليم فيه الصيغة الاولى ، ومن الانصراف « السلام عليكم » لكنه خلاف الظاهر وقد يستدل له بما تضمن الأمر بالتسليم الظاهر في الصيغة الثانية ، فإن إطلاقه شامل لصورة الإتيان بالأولى ، فتجب وإن أتى بها ، ولا ينافيه الخروج بها عن الصلاة كما تضمنته النصوص. وفيه : أن الذي يظهر من ملاحظة النصوص أن التسليم مأمور به بما هو محلل ، فاذا ثبت التحلل بالصيغة الأولى كانت أحد فردي الواجب المسقط لأمره وفرغ به من الصلاة. وحينئذ فالأمر به بعدها يكون استحبابياً ـ كما في نظائره ـ لا أنه يحمل على الوجوب النفسي لأجل عدم منافاته مع الخروج ، إذ عدم المنافاة عقلا غير مسوغ لارتكاب خلاف الظاهر عرفا.

[1] قد تقدم في نية الوضوء الإشكال في كون الشيء جزءاً للواجب مستحباً ، وسيأتي إن شاء الله في أوائل مباحث الخلل ، فالاجزاء المستحبة أمور مستحبة ، محلها الواجب لا أنها أجزاء منه. نعم تفترق عن المستحبات الأجنبية أن مصلحتها من سنخ مصلحة الواجب ، ومن مراتبه بخلاف المستحبات الأجنبية.

[2] لعدم الدليل على استحباب إيقاع الثانية بعدها ، كما اعترف به غير واحد ، منهم الشهيد على ما حكي. نعم هو ظاهر المحقق وجماعة ، فان أمكن الاعتماد على قاعدة التسامح لفتواهم أمكن البناء على الاستحباب.

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 5.

469

وأما « السلام عليك أيها النبي » فليس من صيغ السلام بل هو من توابع التشهد [1] ، وليس واجباً بل هو مستحب وإن كان الأحوط عدم تركه لوجود القائل بوجوبه [2] ، ويكفي في الصيغة الثانية : « السلام عليكم » بحذف قوله : « ورحمة الله وبركاته » [3] وإن كان الأحوط ذكره ،

________________________________________________

[1] كما يشير اليه خبر أبي كهمس المتقدم (1) ، وان كان الذي يظهر من خبري أبي بكر ، وأبي بصير المتقدمين (2) ، وموثقة أبي بصير الطويلة (3) أنه من توابع التسليم ، كما تقتضيه مناسبة الحكم والموضوع.

[2] قد عرفت حكايته عن الجعفي في الفاخر ، وعن كنز العرفان : أنه الذي يقوى في ظني. وقد عرفت وجهه وضعفه.

[3] كما نسب إلى الأكثر ، ويقتضيه الاقتصار عليه في جملة من النصوص : كروايات الحضرمي (4) ، وابن أبي يعفور (5) ، وأبي بصير (6) ، ويونس بن يعقوب (7) نعم في صحيح ابن جعفر (ع) : « رأيت إخوتي موسى (ع) وإسحاق ومحمداً بني جعفر (ع) يسلمون في الصلاة عن اليمين والشمال : السلام عليكم ورحمة الله ، السلام عليكم ورحمة الله » (8) ، وقد

____________

(1) راجع في صفحة : 464.

(2) تقدم في صفحة : 465 والثاني في صفحة : 464.

(3) راجع صفحة : 449.

(4) راجع صفحة : 465.

(5) راجع صفحة : 465.

(6) راجع صفحة : 464.

(7) تقدم صدرها ومصدرها في صفحة : 457.

(8) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 1.

470

بل الأحوط الجمع بين الصيغتين بالترتيب المذكور ، ويجب فيه المحافظة على أداء الحروف والكلمات على النهج الصحيح [1]

________________________________________________

تقدم في صحيح المعراج : أنه (ص) قال : « السلام عليكم ورحمة الله وبركاته » (1) وكأنه لذلك اختلفت فتاواهم المحكية في المقام ، فعن ابن زهرة ، والألفية ، وفوائد الشرائع ، وظاهر البيان ، والتنقيح ، وتعليق النافع ، والمسالك وجوب الأخير وعن الحلبي وجوب الثاني ، ونسب أيضاً الى السيد (رحمه الله) ، وعن الأردبيلي الميل اليه ، وعن الأكثر الأول ، وهو الأقوى لما عرفت ، الذي لا يصلح غيره لمعارضته لأنه عمل مجمل ، ولا سيما وفي المنتهى وعن المفاتيح : أنه لا خلاف في استحباب « وبركاته » وأن صحيح ابن جعفر مشتمل على التكرار الذي لم يقل بوجوبه أحد.

ودعوى : أن ما في النصوص الأول محمول على الاكتفاء عن ذكر الكل بذكر البعض ، غير ظاهرة ، ولا سيما وأن المتعارف في التسليم على الجماعة الاقتصار على « السلام عليكم ». ومثلها دعوى أن ما عدا خبر أبي بكر غير ظاهر في التحلل بها كما سبق ، إذ الظاهر بل المقطوع به أن ذلك هو التسليم المحلل لو لم يسبقه تسليم آخر ، لا أنه تسليم آخر. مع أن في خبر أبي بكر كفاية ، ولا سيما مع مطابقته لمقتضى أصالة البراءة.

اللهم إلا أن يقال : أصل البراءة إنما ينفي الجزئية أو الشرطية ، ولا يثبت المحللية ، فالمرجع استصحاب بقاء التحريم حتى يثبت المحلل. ثمَّ إن ظاهر النص والفتوى اعتبار الصيغة الأولى بتمامها ، لكن في نجاة العباد : أن الأصح الاجتزاء بـ « السلام علينا » ، وكأنه لصدق التسليم عليه ، لكنه غير ظاهر في قبال ما عرفت.

[1] لما سبق من ظهور الدليل في ذلك.

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث : 10.

471

مع العربية والموالاة. والأقوى عدم كفاية قوله : « سلام عليكم » بحذف الألف واللام [1].

( مسألة 1 ) : لو أحدث أو أتى ببعض المنافيات الأخر قبل السلام بطلت الصلاة. نعم لو كان ذلك بعد نسيانه بأن اعتقد خروجه من الصلاة لم تبطل ، والفرق أن مع الأول يصدق الحدث في الأثناء ، ومع الثاني لا يصدق [2] لأن المفروض أنه ترك نسياناً جزءاً غير ركني فيكون الحدث خارج الصلاة.

________________________________________________

[1] لكونه غير المأمور به في النصوص ، ولا دليل على الاكتفاء به ، ومنه يظهر ضعف ما في المعتبر : من أنه لو قال « سلام عليكم » ناويا به الخروج فالأشبه أنه يجزي انتهى ، ونحوه ما في التذكرة : من أن الأقرب الاجزاء. وان استدل عليه الأول بوقوع اسم التسليم عليه ، وبوروده في القرآن (1) فإن الإطلاق مقيد بما سبق ، والورود في القرآن لا يصلح حجة في المقام ، ومثله ما عن التذكرة : من أنه الأقرب ، لأن علياً (ع) كان يقول ذلك عن يمينه وشماله ، ولأن التنوين يقوم مقام اللام. إذ الأول غير ثابت ، بل في المعتبر (2) حكاية التعريف عنه (ع) في خبر سعد ، والثاني ممنوع بنحو يشمل المقام.

[2] قد عرفت الاشكال فيه ، وأن المعيار في البطلان وعدمه وقوع المنافي قبل المحلل وعدمه ، لا وقوعه في الأثناء وعدمه كما ذكر. وأما النقض

____________

(1) راجع سورة الانعام : 54 والأعراف : 46 والرعد : 24 والنحل : 32 والقصص : 55 والزمر : 73.

(2) راجع آخر مسألة وجوب التسليم صفحة : 191.

472

( مسألة 2 ) : لا يشترط فيه نية الخروج من الصلاة [1]

________________________________________________

عليه بما ذكره سابقاً من وجوب السجود للكلام لو سها عن التسليم وتخيل الفراغ فتكلم. ففيه : أن وقوع الكلام لا يلازم إلغاء جزئية التسليم فيكون في الأثناء ، بخلاف الحدث فإنه يوجب إلغاءها فيكون بعد الفراغ ، فلا تنافي بين الحكم بالصحة مع الحدث وبالسجود للسهو في الكلام ناسيا. فلاحظ.

[1] قال في المنتهى : « وهل يجب عليه أن ينوي بالتسليم الخروج من الصلاة؟ لم أجد لأصحابنا فيه نصا ، والأقرب أنه لا تجب ». لإطلاق الأدلة ، بل مقتضى ما تقدم من كتاب الرضا (ع) الى المأمون ، وخبر الأعمش (1) الخروج به وإن قصد عدم الخروج ، ومثلهما حسن ميسرة : « شيئان يفسد على الناس بهما صلاتهم : قول الرجل : تبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك ، وإنما هو شيء قالته الجن بجهالة فحكى الله تعالى عنهم. وقول الرجل : السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين » (2) ، وقريب منه مرسل الفقيه (3). ومن المعلوم أن فعل الناس إنما كان بقصد عدم الخروج لأنه في التشهد الأول. نعم لو كان قصد عدم الخروج راجعاً الى عدم قصد الأمر بطل لفوات التقرب ، وفي الذكرى : « حكي عن المبسوط أنه قال : ينبغي أن ينوي به ذلك ، ثمَّ قال : وليس بصريح في الوجوب ، ووجه الوجوب أن نظم السلام يناقض الصلاة في وضعه من حيث هو خطاب للآدميين ، ومن ثمَّ تبطل بفعله في أثنائها عمداً وإذ لم تقترن به نية تصرفه الى التحليل كان مناقضاً للصلاة ومبطلا لها ». وهو كما ترى.

____________

(1) راجع صفحة : 452.

(2) الوسائل باب : 12 من أبواب التشهد حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 12 من أبواب التشهد حديث : 2.

473

بل هو مخرج قهراً وإن قصد عدم الخروج لكن الأحوط عدم قصد عدم الخروج ، بل لو قصد ذلك فالأحوط إعادة الصلاة.

( مسألة 3 ) : يجب تعلم السلام على نحو ما مر في التشهد [1] ، وقبله يجب متابعة الملقن إن كان ، وإلا اكتفى بالترجمة وإن عجز فبالقلب ينويه مع الإشارة باليد على الأحوط والأخرس يخطر ألفاظه بالبال ويشير إليها باليد أو غيرها.

( مسألة 4 ) : يستحب التورك في الجلوس حاله على نحو ما مر [2] ، ووضع اليدين على الفخذين ، ويكره الإقعاء.

( مسألة 5 ) : الأحوط أن لا يقصد بالتسليم التحية حقيقة [3]

________________________________________________

[1] ومر هناك الوجه المشترك بينه وبين المقام.

[2] كأنه لتبعيته للتشهد في ذلك.

[3] بل جزم في نجاة العباد بعدم جوازه للمنفرد ولا للإمام ولا للمأموم ، فلو فعل أحدهم بطلت الصلاة. وفي الجواهر لم يستبعد البطلان للنهي عن ابتداء التحية في الصلاة ، لأصالة عدم التداخل ، ولأنه من كلام الآدميين ، ولغير ذلك ، بعد أن احتمل عدم الخلاف في عدم وجوب نوع هذا القصد فضلا عن خصوصيات المقصود ، للأصل ، وإطلاق الأدلة ، وعموم بعضها ، والسيرة المستمرة في سائر الأعصار والأمصار من العلماء والعوام التي تشرف الفقيه على القطع بالعدم ، خصوصاً في مثل هذا الحكم الذي تعم به البلوى والبلية ، ولا طريق للمكلفين الى معرفته إلا بالألفاظ.

أقول : أما أصل القصد في الجملة ولو إجمالا وارتكازاً في الواجبات القولية غير القراءة ومنها التسليم فالظاهر وجوبه ، لظهور ما دل على وجوب التكبير ، والذكر في الركوع ، والسجود ، والركعتين الأخيرتين ، والشهادتين

474

________________________________________________

والصلاة على النبي (ص) ، والتسليم في وجوب تلك المفاهيم الإنشائية أو الخبرية المؤداة بالألفاظ الحاكية لها كما في سائر المعاني الخبرية والإنشائية ، ووجوب أدائها بالألفاظ الخاصة لا يقتضي كون الواجب هو الألفاظ الخاصة غير الملحوظ معانيها : لا معاني مفرداتها ، ولا معاني هيئاتها ، إذ لا وجه لذلك ، بل هو مقطوع بخلافه ، ضرورة وضوح كون التكليف بها ليس من قبيل التكليف بالألفاظ المهملة ، أو بالمفردات غير المرتبط بعضها ببعض مثل : « زيد عمرو بكر » لا يراد منه إلا أداء نفس الأصوات الخاصة.

وأما حضور القصد المذكور عند أداء الكلام فالظاهر عدم وجوبه ، للسيرة القطعية على عدمه ، بل لا يتفق ذلك إلا للأوحدي من الناس. يعرف ذلك كل إنسان عند مراجعة نفسه وقت الصلاة ، وأنه إن لم يتعذر ذلك منه إلا بعد رياضة كاملة فلا أقل من أنه متعسر.

وأما الالتفات إلى خصوصية المعنى فعدم وجوبه أوضح ، إذ يقتضيه ـ مضافا الى ذلك ـ الجهل بالخصوصيات بالنسبة إلى غالب المكلفين ، ولا سيما الأجانب عن اللغة العربية.

وأما جواز القصد التفصيلي إلى المعنى بخصوصياته فلا ينبغي أن يكون محلا للإشكال ، إذ معه يكون الامتثال بأوضح الأفراد وأجلاها. نعم يتوقف على العلم بالخصوصيات الملحوظة للشارع الأقدس عند الأمر به ، فاذا جهلها كان القصد التفصيلي موجباً للشك في الامتثال لاحتمال عدم الإتيان بالمأمور به ، إلا أن يكون قصد الخصوصية من باب الخطأ في التطبيق. مثلا إذا تردد في المراد بكاف الخطاب في « السلام عليكم » أنه الملائكة الموكلون بكتابة الحسنات أو السيئات ، أو هما معاً ، كان القصد الى صنف بعينه موجباً للشك في إتيان المأمور به ، وكذا لو تردد في أن الباء من « وبحمده » زائدة أو للاستعانة ، فإذا قصد واحداً منهما بعينه شك في إتيان المأمور به ، فلا يجزي

475

________________________________________________

عقلا إلا إذا كان القصد إلى الخصوصية من باب القصد الطولي المجامع لقصد المعنى الواقعي للكلام. وكذا لو قامت الحجة على خصوصية المعنى ، إذ ذلك إنما يقتضي العذر في قصده لا الصحة الواقعية على تقدير المخالفة ، فالأحوط في السلام قصد المعنى الواقعي بلا ملاحظة خصوصية التحية والدعاء ولا خصوصية الموضوع من كونه الملكين أو غيرهما ، وأحوط منه قصد المعنى على تقدير اعتباره لا مطلقاً.

هذا ومما ذكرنا يظهر لك النظر فيما ذكره في الجواهر : من عدم جواز قصد التحية ، كما يظهر لك النظر في وجهه ، فان ما دل على وجوب التسليم بعنوان التحية مقيد للنهي عن ابتداء التحية في الصلاة ، وللنهي عن كلام الآدميين فيها ورافع لموضوع أصالة عدم التداخل. اللهم إلا أن يمنع كون التسليم الواجب معنوناً بعنوان التحية فقصدها موجب للشك في الامتثال لكنه خلاف ظاهر النصوص ولا سيما ما يأتي.

وأشكل منه ما ذكره أولا من عدم وجوب القصد أصلا ، وأن الواجب صورة اللفظ لا غير ـ كما صرح به في آخر كلامه ـ فان ذلك خروج عما هو ظاهر الأدلة كما عرفت ، وإن قال (رحمه الله) : أنه اجتهاد منشؤه الغرور بالنفس ، وأنه قد يظهر لها ما يخفى على غيرها ، وإلا فمن لاحظ النصوص والفتاوى مع التأمل جزم بعدم اعتبار ذلك خصوصاً في المنفرد .. فإنه لم يظهر بعد التأمل ما يوجب عدم اعتبار القصد أصلا ولو إجمالا ، وأن الواجب مجرد التلفظ باللفظ الخاص ، وكون التسليم إذناً ـ كما في موثق عمار (1) ، ويستفاد من خبر أبي بصير السابق (2) ، وأنه يترجم به الامام عن الله عز وجل بالأمان من عند الله كما في مرسل الفقيه (3)

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب التسليم حديث : 7.

(2) راجع صفحة : 464.

(3) راجع صفحة : 465.

476

بأن يقصد السلام على الإمام أو المأمومين أو الملكين. نعم لا بأس بأخطار ذلك بالبال ، فالمنفرد يخطر بباله الملكين الكاتبين حين السلام الثاني [1] ،

________________________________________________

وغيره ـ لا يدل على ذلك لو لم يدل على خلافه ، وكذلك الإطلاق والسيرة اللذان استدل بهما فإنهما على ما قلناه أدل كما عرفت.

نعم إطلاق : « إذا قلت السلام علينا .. » أو « قل : السلام عليكم » ، وإن كان يقتضي ما ذكر من أن الواجب مجرد التلفظ إلا أنه لا يجوز التعويل عليه ، لأنه تقييد لدليل وجوب التسليم بالمعنى الإنشائي فالمعول عليه إطلاق ذلك الدليل ، وقد عرفت أنه يقتضي ملاحظة المعنى. كيف لا؟! وموثقة أبي بصير الطويلة (1) كافية في إثبات ما ذكرنا ، إذ احتمال كون التكليف بنفس الألفاظ المشتملة عليها بما هي لقلقة لسان كاحتمال التفكيك بين الواجب والمستحب ، أو بين التسليم الواجب والمستحب مما لا يقبله الذوق ، والمظنون وقوع الخلط بين حضور القصد حال الكلام وبين القصد الإجمالي ، والله سبحانه أعلم.

ثمَّ إن الظاهر عدم جريان أحكام التحية على مثل السلام المذكور لانصرافها إلى التحية في الخطابات المتعارفة ، وللسيرة القطعية على خلافها ، فما عن الذكرى : من أن المأموم يقصد بأول التسليمتين الرد على الامام فيحتمل أن يكون على سبيل الوجوب ، لعموم قوله تعالى ( وَإِذا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْها أَوْ رُدُّوها ) (2) ضعيف ، بل في الجواهر : « إنه غريب من مثل الشهيد ».

[1] كما في خبري عبد الله بن الفضل الهاشمي ، والمفضل بن عمر (3).

____________

(1) تقدمت في صفحة : 449.

(2) النساء : 86.

(3) تقدما في صفحة : 452.

477

والامام يخطرهما مع المأمومين [1] والمأموم يخطرهم مع الامام [2] وفي « السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين » يخطر بباله الأنبياء والأئمة والحفظة (ع) [3].

( مسألة 6 ) : يستحب للمنفرد والامام الإيماء بالتسليم الأخير [4] إلى يمينه. بمؤخر عينه أو بأنفه أو غيرهما على

________________________________________________

[1] كما في خبر المفضل.

[2] كما قد يستفاد من خبر المفضل.

[3] هذا كأنه مأخوذ من نفس الجملة.

[4] قال في الذكرى : « فالمنفرد يسلم تسليمة واحدة بصيغة ( السلام عليكم ) ، وهو مستقبل القبلة ، ويومئ بمؤخر عينيه عن يمينه ». ونسب ذلك الى الشيخين ، والفاضلين ، والشهيدين ، وغيرهم. وكأن وجهه ـ على ما أشار إليه في الذكرى ـ الجمع بين صحيح عبد الحميد بن عواض عن أبي عبد الله (ع) : « إن كنت تؤم قوماً أجزأك تسليمة واحدة عن يمينك وإن كنت مع إمام فتسليمتين ، وإن كنت وحدك فواحدة مستقبل القبلة » (1) وخبر أبي بصير : « قال أبو عبد الله (ع) : إذا كنت وحدك فسلم تسليمة واحدة عن يمينك » (2) ، بحمل الثاني على الإيماء بالعين الذي لا ينافي الاستقبال بالوجه ، الظاهر فيه الصحيح بقرينة المقابلة بالتسليم عن اليمين في الإمام.

لكن الجمع المذكور بعيد لا شاهد له ، ومثله الجمع بالتخيير بين الأمرين ، فإن التفصيل في الحديثين قاطع للشركة. نعم في رواية المفضل : « لأي علة يسلم على اليمين ولا يسلم على اليسار؟ قال (ع) : لأن الملك

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 12.

478

________________________________________________

الموكل يكتب الحسنات على اليمين ، والذي يكتب السيئات على اليسار ، والصلاة حسنات ليس فيها سيئات ، فلهذا يسلم على اليمين دون اليسار. قلت فلم لا يقال : السلام عليك والملك على اليمين واحد ، ولكن يقال : السلام عليكم؟ قال (ع) : ليكون قد سلم عليه وعلى من على اليسار وفضل صاحب اليمين بالإيماء إليه. قلت : فلم لا يكون الإيماء في التسليم بالوجه كله ولكن كان بالأنف لمن يصلي وحده ، وبالعين لمن يصلي بقوم؟ قال (ع) : لأن مقعد الملكين من ابن آدم الشدقين ، وصاحب اليمين على الشدق الأيمن ، وتسليم المصلي عليه ليثبت له صلاته في صحيفته. قلت : فلم يسلم المأموم ثلاثا؟ قال (ع) : تكون واحدة رداً على الامام وتكون عليه وعلى ملكيه ، وتكون الثانية على يمينه والملكين الموكلين به. وتكون الثالثة على من على يساره وملكيه الموكلين به ، ومن لم يكن على يساره أحد لم يسلم على يساره إلا أن تكون يمينه على حائط ويساره الى من صلى معه خلف الامام فيسلم على يساره. قلت : فتسليم الامام على من يقع؟ قال (ع) : على ملكيه والمأمومين ، يقول لملكيه : اكتبا سلامة صلاتي مما يفسدها ، ويقول لمن خلفه سلمتم وأمنتم من عذاب الله تعالى » (1) ، ومقتضاها أن المنفرد يومئ بأنفه إلى اليمين ، والامام يومئ بعينه. لكنها مع ضعف سندها وإعراض المشهور عن ظاهرها ومخالفتها للصحيح السابق يشكل الاعتماد عليها ، وإن كان هو ظاهر الصدوق (رحمه الله) في محكي الفقيه والمقنع.

وأما الامام فالمذكور في كلام جماعة ـ منهم الشهيد في الذكرى بل نسب الى المشهور ـ أنه يومئ بصفحة وجهه عن يمينه. ويشهد له ـ كما في الذكرى ـ ما تقدم في صحيح عبد الحميد ، لكنه يعارضه جملة أخرى

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 15.

479

________________________________________________

كصحيح أبي بصير قال أبو عبد الله (ع) : « إذا كنت في صف فسلم تسليمة عن يمينك ، وتسليمة عن يسارك ، لأن عن يسارك من يسلم عليك. وإن كنت إماماً فسلم تسليمة وأنت مستقبل القبلة » (1) ، وما في خبره المتقدم : « ثمَّ تؤذن القوم فتقول وأنت مستقبل القبلة : السلام عليكم » (2) وخبر ابن أبي يعفور : « عن تسليم الامام وهو مستقبل القبلة قال (ع) : يقول : السلام عليكم » (3) ، وخبر الحضرمي : « إني أصلي بقوم ، فقال (ع) : سلم واحدة ولا تلتفت قل .. » (4) ، وخبر الكاهلي : « صلى بنا أبو عبد الله (عليه السلام) .. الى أن قال : وسلم واحدة مما يلي القبلة » (5).

والجمع بينها بما ذكر وإن كان قريباً إلا أنه لا شاهد له ومخالف للتفصيل فيها القاطع للشركة ، ومثله ما في المتن تبعاً للجواهر وغيرها من المساواة بين الامام والمنفرد في أنهما يسلمان إلى القبلة لنصوص الاستقبال فيهما ، ويومئان بنحو لا ينافي الاستقبال من غير تخصيص بمؤخر العين ، أو بالعين ، أو بصفحة الوجه ، أو بالوجه قليلا ، أو بالأنف ، أو بطرفه ، أو بغير ذلك أخذاً بإطلاق نصوص الإيماء فيهما أيضاً ، فإنه وإن سلم من إشكال التخصيص بما به الإيماء لكنه غير سالم من إشكال المخالفة للتفصيل بين الامام والمأموم في النصوص من حيث الاستقبال والإيماء إلى اليمين القاطع للشركة ، ومن هنا كان المحكي عن الجمل ، والعقود ، والمبسوط : من أن الامام والمنفرد يسلمان تجاه القبلة وكأنه طرح لنصوص الإيماء لمعارضتها في المقامين بما هو أرجح منها.

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 8 وتقدم في صفحة : 464.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 11.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 9.

(5) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 17.

480

وجه لا ينافي الاستقبال. وأما المأموم فان لم يكن على يساره أحد فكذلك [1] ، وإن كان على يساره بعض المأمومين

________________________________________________

[1] بلا إشكال ، لاتفاق النصوص على تسليمه الى اليمين والى الشمال إذا كان هناك أحد. ففي صحيح أبي بصير. « إذا كنت في صف فسلم تسليمة عن يمينك وتسليمة عن يسارك ، لأن عن يسارك من يسلم عليك » (1) وفي خبره : « فاذا كنت في جماعة فقل مثل ما قلت وسلم على من على يمينك وشمالك ، فاذا لم يكن على شمالك أحد فسلم على الذي على يمينك ، ولا تدع التسليم على يمينك إن لم يكن على شمالك أحد » (2) ، وفي صحيح منصور : « الامام يسلم واحدة ، ومن وراءه يسلم اثنتين ، فان لم يكن عن شماله أحد يسلم واحدة » (3) ، ونحوها غيرها.

ثمَّ إنه قد يستظهر من هذه النصوص كون الإيماء على النحو المتعارف بأن يلتفت بوجهه ، ويكون حينئذ منافياً لما دل على وجوب الاستقبال في التسليم ، فاما أن يكون مقيداً له ، أو يحمل على الإيماء بنحو لا ينافي الاستقبال لكن الإطلاق الشامل لذلك غير ظاهر ، فضلا عن الظهور. هذا وفي صحيح زرارة ، ومحمد ، ومعمر بن يحيى ، وإسماعيل عن أبي جعفر (ع) قال : « يسلم تسليمة واحدة إماماً كان أو غيره » (4) ، وفي خبر ابن جعفر (ع) : « عن تسليم الرجل خلف الإمام في الصلاة كيف؟ قال (ع) : تسليمة واحدة عن يمينك إذا كان على يمينك أحد أو لم يكن » (5). ولعلهما محمولان على نفي وجوب الزائد ، أو نفي تأكده. وعن الشيخ حمل الأول على ما إذا

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 8.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 4.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 5.

(5) الوسائل باب : 2 من أبواب التسليم حديث : 16.

481

فيأتي بتسليمة أخرى مومياً إلى يساره ، ويحتمل استحباب تسليم آخر للمأموم بقصد الامام [1] ، فيكون ثلاث مرات.

( مسألة 7 ) : قد مر سابقاً في الأوقات أنه إذا شرع في الصلاة قبل الوقت ودخل عليه وهو في الصلاة صحت صلاته ، وإن كان قبل السلام أو في أثنائه ، فاذا أتى بالسلام الأول ، ودخل عليه الوقت في أثنائه تصح صلاته. وأما إذا دخل بعده قبل السلام الثاني أو في أثنائه ففيه إشكال. وإن كان يمكن القول بالصحة ، لأنه وإن كان يكفي الأول في الخروج عن الصلاة ، لكن على فرض الإتيان بالصيغتين يكون الثاني أيضاً جزءاً ، فيصدق دخول الوقت في الأثناء [2] ، فالأحوط إعادة الصلاة مع ذلك.

________________________________________________

لم يكن على يساره أحد.

[1] كما أفتى به في محكي الفقيه ، قال : « وإن كنت خلف إمام تأتم به فسلم تجاه القبلة واحدة رداً على الامام وتسليمة عن يمينك واحدة وعلى يسارك واحدة إلا أن لا يكون على يسارك إنسان فلا تسلم على يسارك إلا أن تكون بجنب حائط » (1). ويقتضيه خبر المفضل (2). لكن المشهور العدم ، كما يقتضيه ظاهر النصوص.

[2] قد عرفت في أوائل مبحث القيام أن الأجزاء المندوبة ليست أجزاء للماهية ولا للفرد المأمور به ، وإنما هي أمور مستحبة في الواجب مصلحتها

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج : 1 صفحة : 210 طبع النجف الحديث.

(2) تقدم في أول المسألة.

482

فصل في الترتيب

يجب الإتيان بأفعال الصلاة على حسب ما عرفت من الترتيب [1] ، بأن يقدم تكبيرة الإحرام على القراءة ، والقراءة على الركوع ، وهكذا. فلو خالفه عمداً بطل ما أتى به مقدماً ، وأبطل من جهة لزوم الزيادة ، سواء كان ذلك في الأفعال أو الأقوال ، وفي الأركان أو غيرها. وإن كان سهواً

________________________________________________

من سنخ المصلحة الصلاتية ومن مراتبها ، وحينئذ ظاهر قوله (ع) في خبر ابن رباح : « فدخل الوقت وأنت في الصلاة » (1) ، إن كان مطلق الطبيعة الصلاتية تمَّ ما في المتن ، أما لو كان خصوص الصلاة المأمور بها التي اختتامها وتحليلها التسليم ، تعين البناء على وجوب الإعادة. وهذا إن لم يكن أظهر ـ كما هو كذلك ـ فلا أقل من الاجمال ، الموجب للرجوع إلى أصالة البطلان بفوات الوقت. وهكذا الحال لو شك في صحة الصلاة وهو في التسليم المستحب ، فإنه يبني على الصحة لقاعدة الفراغ. مع أنه يكفي في الصحة قاعدة التجاوز. والله سبحانه أعلم.

فصل في الترتيب

[1] بلا إشكال في ذلك ظاهر ، وإن قل من تعرض له بعنوان مستقل.

نعم يستفاد من كلماتهم في تعداد أفعال الصلاة ، وفي مبحث الخلل حينما يتعرضون لنسيان الجزء وذكره بعد الدخول فيما بعده ، وفي قاعدة التجاوز ،

____________

(1) الوسائل باب : 25 من أبواب المواقيت حديث : 1.

483

فان كان في الأركان بأن قدم ركناً على ركن ، كما إذا قدم السجدتين على الركوع فكذلك ، وإن قدم ركناً على غير الركن كما إذا قدم الركوع على القراءة ، أو قدم غير الركن على الركن كما إذا قدم التشهد على السجدتين أو قدم غير الأركان بعضها على بعض ، كما إذا قدم السورة ـ مثلا ـ على الحمد فلا تبطل الصلاة إذا كان ذلك سهواً. وحينئذ فإن أمكن التدارك بالعود بأن لم يستلزم زيادة ركن وجب. وإلا فلا. نعم يجب عليه سجدتان لكل زيادة أو نقيصة تلزم من ذلك [1].

( مسألة 1 ) : إذا خالف الترتيب في الركعات سهواً ، كأن أتى بالركعة الثالثة في محل الثانية ، بأن تخيل بعد الركعة الأولى أن ما قام إليه ثالثة فأتى بالتسبيحات الأربع وركع وسجد ، وقام إلى الثالثة وتخيل أنها ثانية فأتى بالقراءة والقنوت لم تبطل صلاته ، بل يكون ما قصده ثالثة ثانية ، وما قصده ثانية ثالثة قهراً ، وكذا لو سجد الأولى بقصد الثانية ، والثانية بقصد الأولى [2].

________________________________________________

ويستفاد من النصوص الواردة في جزئية الأجزاء ومحالها ، والواردة في الشك في الجزء بعد الدخول فيما بعده ، والواردة في نسيان تكبيرة الافتتاح ، والقراءة ، والركوع ، والسجود ، والتشهد ، وغيرها ، وما تضمن أن تحريمها التكبير وتحليلها التسليم ، وغير ذلك ، ويأتي إن شاء الله تعالى في مبحث الخلل التعرض للأحكام المذكورة في المتن.

[1] يأتي إن شاء الله التعرض لوجوب السجود لمطلق الزيادة والنقيصة.

[2] تقدم في فصل الركعات الأخيرة التنبيه على أن الصحة في المقام

484

فصل في الموالاة

قد عرفت سابقاً وجوب الموالاة [1] في كل من القراءة والتكبير ، والتسبيح ، والأذكار ، بالنسبة إلى الآيات ، والكلمات ، والحروف ، وأنه لو تركها عمداً على وجه يوجب محو الاسم بطلت الصلاة. بخلاف ما إذا كان سهواً فإنه لا تبطل الصلاة وإن بطلت تلك الآية أو الكلمة فيجب إعادتها. نعم إذا أوجب فوات الموالاة فيها محو اسم الصلاة بطلت. وكذا إذا كان ذلك في تكبيرة الإحرام ، فإن فوات الموالاة فيها سهواً بمنزلة نسيانها [2]. وكذا في السلام ، فإنه بمنزلة عدم الإتيان به ، فاذا تذكر ذلك ومع ذلك أتى بالمنافي [3] بطلت صلاته. بخلاف ما إذا أتى به قبل التذكر ، فإنه كالإتيان به بعد نسيانه.

________________________________________________

ونحوه من أجل كون عنوان الثانية أو الثالثة ملحوظاً داعياً الى العمل ، لا قيداً في موضوع الامتثال ، فلو اتفق ملاحظته قيداً وجبت الإعادة ، لفوات الامتثال.

فصل في الموالاة

[1] تقدم ذلك في المسألة السادسة والثلاثين من مسائل فصل القراءة.

[2] لأن فوات الموالاة بين أجزائها توجب بطلانها ، فيكون بمنزلة ما لو تركها نسيانا ، ويجب عليه استئنافها.

[3] يعني : أتى بالمنافي بعد ما تذكر أنه قد ترك الموالاة في السلام

485

وكما تجب الموالاة في المذكورات تجب في أفعال الصلاة ، بمعنى عدم الفصل بينها على وجه يوجب محو صورة الصلاة [1] ، سواء كان عمداً ، أو سهواً مع حصول المحو المذكور. بخلاف ما إذا لم يحصل المحو المذكور فإنه لا يوجب البطلان.

________________________________________________

لأنه إذا تذكر ذلك كان مكلفاً بإتيان السلام ، فاذا أتى بالمنافي كان واقعا في أثناء الصلاة ، فتبطل به. ولا مجال لحديث : « لا تعاد الصلاة » (1) لإسقاط جزئية السلام ، إذ ليس بقاؤه على الجزئية موجباً للإعادة ، لأن المفروض أنه تذكر قبل إتيان المنافي ، لأن بقاءه على الجزئية إنما يوجب تداركه نفسه لا غير. بخلاف الصورة الثانية التي أشار إليها بقوله : « بخلاف ما إذا أتى » ، فإن بقاء الجزء على الجزئية حال النسيان يستوجب الإعادة فتنتفي جزئيته بحديث : « لا تعاد الصلاة ». لكن عرفت أن الأظهر فيه البطلان أيضاً. فراجع.

[1] مرجع اعتبار الموالاة بهذا المعنى ، الى اعتبار وصل الاجزاء بعضها ببعض ، على نحو يحصل لها هيئة خاصة مقومة لمفهوم الصلاة ، بنحو يفوت بفواتها ولا يصدق بفقدها. واشتراط الموالاة بهذا المعنى ، مما لا ينبغي أن يكون محلا للإشكال. ضرورة اعتبار صدق المفهوم في الجملة في تحقق الامتثال وسقوط الأمر ، من غير فرق بين العمد والسهو.

نعم الإشكال في تعيين الصغرى ، وأن المرجع فيه العرف ، أو ارتكاز المتشرعة ، أو الأدلة الخاصة ، من إجماع ، أو غيره. لكن لا ينبغي التأمل في عدم صلاحية الأول للمرجعية في ذلك ، لعدم كون الصلاة ونحوها من العبادات المخترعة مما يرجع في تحديدها الى العرف ، لعدم تحصلها لديهم.

____________

(1) الوسائل باب : 7 من أبواب التشهد حديث : 1.

486

( مسألة 1 ) : تطويل الركوع ، أو السجود ، أو إكثار الأذكار ، أو قراءة السور الطوال ، لا تعد من المحو [1] فلا إشكال فيها.

( مسألة 2 ) : الأحوط مراعاة الموالاة العرفية بمعنى متابعة الأفعال بلا فصل [2] ، وإن لم يمح معه صورة الصلاة وإن كان الأقوى عدم وجوبها. وكذا في القراءة والأذكار.

( مسألة 3 ) : لو نذر الموالاة بالمعنى المذكور فالظاهر انعقاد نذره لرجحانها ولو من باب الاحتياط ، فلو خالف

________________________________________________

كما لا ينبغي التوقف في صلاحية ارتكاز المتشرعة للمرجعية ، لكونه مأخوذاً يداً بيد الى زمان الشارع ، بحيث يقطع بأنه لو لا صحته لردعهم عنه. بل ثبوت الارتكاز المذكور لا بد أن يكون بطريق التلقي منه ، فوجوده يدل على وجوده ، كما لعله ظاهر. ثمَّ إن أكثر الأصحاب لم يتعرضوا لشرطية الموالاة بالمعنى المذكور ، وإنما تعرضوا لقاطعية السكوت الطويل. ذكروا ذلك في مبحث القواطع ومنها الفعل الكثير ، وإبطال الجميع للصلاة بمناط محو الاسم. وفي كون ذلك مبطلا حال السهو إشكال يأتي في مبحث القواطع التعرض له إن شاء الله تعالى.

[1] لأنه إنما يكون بالأجنبي ، وليس المفروض منه.

[2] لأجل أن العمدة في الاستدلال على اعتبار الموالاة بالمعنى المذكور النصوص البيانية الفعلية ، التي يشكل الاستدلال بها لإجمال الفعل. ودعوى : انصراف إطلاق التكليف بها الى خصوص صورة حصول الموالاة. يمكن منعها ، كما تقدم في التيمم وغيره. والإجماع على وجوبها غير متحقق. كان المرجع في وجوبها الأصل ، وهو يقتضي البراءة. نعم الأحوط فعلها خروجا عن شبهة الخلاف.

487

عمداً عصى. لكن الأظهر عدم بطلان صلاته [1].

فصل في القنوت

وهو مستحب [2] في جميع الفرائض اليومية ، ونوافلها

________________________________________________

[1] قد تقدم في مسألة نذر سورة معينة الإشكال في ذلك ، وأن الصلاة بدون الموالاة تصرف في موضوع النذر وإعدام له ، فيكون مخالفة للنذر ، لأنه يقتضي حفظ موضوعه ، فيكون فعلها حراماً ، فتبطل. نظير ما لو نذر أن يتصدق بشاة معينة على زيد ، فتصدق بها على عمرو. ويأتي في مبحث نذر الصلاة جماعة التعرض لذلك أيضاً.

فصل في القنوت

قال في القاموس : « القنوت الطاعة ، والسكون ، والدعاء ، والقيام في الصلاة ، والإمساك عن الكلام ». وعلى الأول : حمل قوله تعالى ( وَكانَتْ مِنَ الْقانِتِينَ ) (1). وعلى الثاني : قوله تعالى ( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) (2) كما عن زيد بن أرقم. وعلى الرابع : قوله تعالى ( أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ) (3). وعلى الثالث : حمل ما ورد من الأمر به في الصلاة ، فقد نسب الى المشهور والمتشرعة أنه بمعنى الدعاء. لكن يتعين حمل الدعاء حينئذ على ما يشمل الذكر ، على ما سيأتي من الاكتفاء به في أداء وظيفته. والذي يظهر من كلمات أهل اللغة وملاحظة موارد الاستعمال أنه في اللغة نحو من العبادة والتذلل واستشعار لبعض مظاهرهما سواء أكان بنحو الدعاء ، أم السكوت ، أم الخشوع ، أم غير ذلك. ولا يهم تحقيق ذلك بعد كون المراد منه في لسان الشارع والمتشرعة مفهوم آخر كسائر الماهيات المخترعة. وسيأتي في رفع اليدين بعض الكلام فيه.

[2] إجماعاً. كما عن المعتبر ، والمنتهى ، والتذكرة ، وغيرها. لكن

____________

(1) التحريم : 12.

(2) البقرة : 238.

(3) الزمر : 9.

488

________________________________________________

في صحة نسبة الإجماع إلى الأولين إشكال أو منع ، فإنهما بعد ما حكيا اتفاق أصحابنا ـ كما في الأول ـ أو علمائنا ـ كما في الثاني ـ نقلا القول بالوجوب عن ابن بابويه ، فان ذلك يدل على أن المراد حكاية الاتفاق على مجرد المشروعية. نعم في التذكرة بعد ما حكى الاتفاق المذكور قال : « وقد يجري في بعض عبارات علمائنا الوجوب. والقصد شدة الاستحباب ». وكيف كان فنسب القول بالوجوب الى الصدوق. ويقتضيه ظاهر محكي الفقيه : « القنوت سنة واجبة ، ومن تركها متعمداً في كل صلاة فلا صلاة له. قال الله عز وجل ( وَقُومُوا لِلّهِ قانِتِينَ ) » ، وعن المقنع والهداية : « من تركه متعمداً فلا صلاة له » ، ونحوه المحكي عن ابن أبي عقيل ، وفي الذكرى نسب اليه القول بالوجوب في خصوص الجهرية. وعن الحبل المتين أن ما قال به ذلك الشيخان الجليلان غير بعيد عن جادة الصواب.

هذا والعمدة فيما يستدل به على الوجوب إطلاق الأمر به في جملة من النصوص (1) ، وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع) : « إن نسي الرجل القنوت في شيء من الصلاة حتى يركع فقد جازت صلاته وليس عليه شيء وليس له أن يدعه متعمداً » (2) ، وخبر الفضل بن شاذان في كتاب الرضا (ع) الى المأمون : « والقنوت سنة واجبة في الغداة والظهر والعصر والمغرب والعشاء » (3) وخبر الأعمش : « والقنوت في جميع الصلوات سنة واجبة في الركعة الثانية قبل الركوع وبعد القراءة » (4).

لكن يدفع ذلك كله صحيح البزنطي عن الرضا (ع) قال : « قال

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 7 و 9.

(2) الوسائل باب : 15 من أبواب القنوت حديث : 3.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 4.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 6.

489

________________________________________________

أبو جعفر (ع) في القنوت : إن شئت فاقنت وان شئت فلا تقنت. قال أبو الحسن (ع) : وإذا كانت التقية فلا تقنت وأنا أتقلد هذا » (1). فإنه كالصريح في جواز تركه لا لتقية. ولا يضر ما عن موضع من التهذيب (2) والاستبصار (3) من روايته « في الفجر » بدل قوله : « في القنوت » ، وروايته بطريق آخر : « القنوت في الفجر .. » (4). لعدم احتمال التفصيل بين الفجر وغيرها ، ولا سيما مع احتمال تعدد المتن. فتأمل. وحينئذ يتعين حمل ما سبق على تأكد الاستحباب ، ولا سيما مع تأيده بمثل صحيح وهب عن أبي عبد الله (ع) : « القنوت في الجمعة والمغرب والعتمة والوتر والغداة ، فمن ترك القنوت رغبة عنه فلا صلاة له » (5). فان تخصيص الحكم بالرغبة عنه لا يخلو عن ظهور في جواز تركه لا لذلك. بل ما في صدره من تخصيص الثبوت بالصلوات المذكورات دلالة على نفي إطلاق الوجوب. وأصرح منه في التخصيص صحيح سعد عن أبي الحسن الرضا (ع) : « سألته عن القنوت ، هل يقنت في الصلوات كلها أم فيما يجهر فيه بالقراءة؟ فقال (ع) : ليس القنوت إلا في الغداة والجمعة والوتر والمغرب » (6) وموثق سماعة : « سألته عن القنوت في أي صلاة هو؟ فقال (ع) : كل شيء يجهر فيه بالقراءة فيه قنوت » (7).

____________

(1) الوسائل باب : 4 من أبواب القنوت حديث : 1.

(2) التهذيب ج : 2 صفحة : 161 طبع النجف الحديث.

(3) الاستبصار ج : 1 صفحة : 345 طبع النجف الحديث.

(4) الوسائل باب 4 : من أبواب القنوت ملحق حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 2 من أبواب القنوت حديث : 2.

(6) الوسائل باب : 2 من أبواب القنوت حديث : 6.

(7) الوسائل باب : 2 من أبواب القنوت حديث : 1.

490

بل جميع النوافل [1] ، حتى صلاة الشفع على الأقوى [2] ويتأكد في الجهرية من الفرائض [3]

________________________________________________

هذا ولا تصلح هذه النصوص لإثبات وجوبه في الجهرية ـ كما نسب أيضاً الى ابن أبي عقيل ـ لعدم ظهورها في الوجوب ، لورودها في مقام بيان ما يقنت فيه من الصلوات ، لا في مقام تشريع حكمه. اللهم إلا أن يكون ذلك مقتضى الجمع بينها وبين مطلقات الأمر به. لكنه أيضاً مدفوع بما سبق من صحيح البزنطي.

[1] إجماعا. كما عن غير واحد. قال في التذكرة : « وهو مستحب في كل صلاة مرة واحدة ، فرضاً كانت ، أو نفلا ، أداء ، أو قضاء ، عند علمائنا أجمع ». ونحوه عبارات المعتبر ، والمنتهى. ويشهد له جملة من النصوص ، كصحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (ع) قال : « سألته عن القنوت ، فقال (ع) : في كل صلاة فريضة ونافلة » (1) وصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (ع) : « القنوت في كل صلاة في الفريضة والتطوع » (2) ، ونحوهما غيرهما.

[2] تقدم الكلام في ذلك في المسألة الأولى من فصل أعداد الفرائض ونوافلها.

[3] كما عن السيد ، والشيخ ، والحلي ، والعلامة ، والشهيدين ، والمحقق الثاني ، وغيرهم. للنصوص المتقدمة المخصصة له بها بعد حملها على التأكد جمعاً بينها وبين غيرها. لكن في موثق أبي بصير : « سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن القنوت ، فقال (ع) : فيما يجهر فيه بالقراءة. فقلت له : إني سألت أباك (ع) عن ذلك فقال (ع) لي : في الخمس كلها ،

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 8.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 12.

491

خصوصاً في الصبح ، والوتر ، والجمعة [1] بل الأحوط عدم تركه في الجهرية ، بل في مطلق الفرائض. والقول بوجوبه في الفرائض ، أو في خصوص الجهرية منها ، ضعيف. وهو

________________________________________________

فقال (ع) : رحم الله أبي (ع) إن أصحاب أبي أتوه فسألوه فأخبرهم بالحق ، ثمَّ أتوني شكاكا فأفتيتهم بالتقية » (1) وقد يظهر منه أن تخصيصه بالجهرية كان لأجل التقية وأنه في الواقع لا فرق بين الجهرية وغيرها. ويشير اليه موثق ابن مسلم : « سألت أبا جعفر (ع) ، عن القنوت في الصلوات الخمس فقال (ع) أقنت فيهن جميعاً ، قال : وسألت أبا عبد الله (عليه السلام) بعد ذلك عن القنوت فقال (ع) لي : أما ما جهرت به فلا شك » (2) وموثق زرارة عن أبي جعفر (ع) : « القنوت في كل الصلوات قال محمد بن مسلم فذكرت ذلك لأبي عبد الله (ع) فقال (ع) : أما ما لا يشك فيه فما جهر فيه بالقراءة » (3). اللهم إلا أن يكون الوجه في الشك في غير الجهرية قلة ما ورد فيه من الأمر ، بالإضافة الى ما ورد في الجهرية من التأكيد الكاشف عن مزيد الاهتمام ، ويكون اتقاؤه (عليه السلام) في الاقتصار على ذكر الجهرية ملاحظته لغير الواقع من العناوين المصححة للاقتصار على ذكر الأفضل لا غير. فتأمل جيداً.

[1] المحكي عن جماعة أن الخصوصية من بين الصلوات الجهرية للصبح والمغرب. واستدل لهم بصحيح سعد المتقدم (4). لكن ينبغي ذكر الوتر والجمعة معهما لذكرهما في الصحيح. ولأجله يشكل وجه ما في المتن من ترك المغرب.

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 10.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القنوت حديث : 7.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب القنوت حديث : 4 و 5.

(4) راجع صفحة : 489.

492

في كل صلاة مرة ، قبل الركوع من الركعة الثانية [1] ، وقبل الركوع في صلاة الوتر [2].

________________________________________________

[1] بعد القراءة إجماعاً. كما عن الخلاف ، والغنية ، والتذكرة ، والذكرى ، والمفاتيح ، وغيرها. لكن في المعتبر : « يمكن أن يقال بالتخيير وإن كان تقديمه على الركوع أفضل. ويدل على ذلك ما رواه معمر بن يحيى عن أبي جعفر (عليه السلام) قال : « القنوت قبل الركوع وإن شئت بعده » (1) ، وقال في مقام آخر : « ومحله الأفضل قبل الركوع وهو مذهب علمائنا ». ويشهد للأول صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « القنوت في كل صلاة في الركعة الثانية قبل الركوع » (2) ، وفي صحيح يعقوب بن يقطين : « سألت عبداً صالحاً (ع) .. الى أن قال : قبل الركوع حين تفرغ من قراءتك » (3) ، وفي موثق سماعة : « قبل الركوع وبعد القراءة » (4) ، ونحوها غيرها. والانصاف أن الجميع لا يصلح لمعارضة خبر معمر ، لإمكان حملها على الأفضلية كما ذكر المحقق. وحمل الشيخ للخبر على حال القضاء ، أو حال التقية ، ليس من الجمع العرفي جزماً. نعم في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (ع) : « ما أعرف قنوتاً إلا قبل الركوع » (5). والجمع بالحمل على الأفضلية بعيد جداً ، ولا سيما بملاحظة النصوص الواردة فيمن نسيه حتى ركع. فالبناء على المشهور متعين.

[2] بلا خلاف ظاهر ويشهد له النصوص الكثيرة ، كصحيح معاوية

____________

(1) الوسائل باب : 3 من أبواب القنوت حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب القنوت حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب القنوت حديث : 5.

(4) الوسائل باب : 3 من أبواب القنوت حديث : 3.

(5) الوسائل باب : 3 من أبواب القنوت حديث : 6.

493

إلا في صلاة العيدين [1] ، ففيها في الركعة الأولى خمس مرات وفي الثانية أربع مرات. وإلا في صلاة الآيات ، ففيها مرتان ، مرة قبل الركوع الخامس ، ومرة قبل الركوع العاشر ، بل لا يبعد استحباب خمسة قنوتات فيها في كل زوج من الركوعات

________________________________________________

ابن عمار : « أنه سأل أبا عبد الله (ع) عن القنوت في الوتر ، قال (ع) : قبل الركوع » (1) ، ونحوه غيره. ثمَّ إن المحقق في المعتبر ذكر أن في الوتر قنوتين ، كالجمعة ، وتبعه عليه في التذكرة ، والدروس ، والروضة ـ على ما حكي ـ لما روي عن أبي الحسن موسى (ع) : « أنه كان إذا رفع رأسه من آخر ركعة الوتر قال : هذا مقام من حسناته نعمة منك وشكره ضعيف ، وذنبه عظيم ، وليس لذلك إلا رفقك ورحمتك ، فإنك قلت في كتابك المنزل على نبيك المرسل (صلى الله عليه وآله وسلم) ( كانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ ما يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ ) طال والله هجوعي ، وقل قيامي ، وهذا السحر وأنا أستغفرك لذنوبي استغفار من لا يملك لنفسه ضراً ولا نفعاً ، ولا موتا ولا حياة ولا نشوراً. ثمَّ يخر ساجداً » (2) ، وفي خبر أحمد الرازي قال (ع) : « اللهم إنك قلت .. » (3) واستشكل فيه غير واحد بأن استحباب الدعاء المذكور لا يقتضي استحباب قنوت آخر ، إذ ليس كل دعاء قنوتاً ، وإلا لزم استحباب القنوت في الركوع والسجود وفيما بين السجدتين ، الى غير ذلك من الموارد ، وهو خلاف النص والفتوى.

[1] يأتي الكلام في ذلك في محله. وكذا صلاة الآيات.

____________

(1) الوسائل باب : 18 من أبواب القنوت حديث : 5.

(2) مستدرك الوسائل باب : 16 ـ النوادر ـ من أبواب القنوت حديث : 2.

(3) مستدرك الوسائل باب : 16 ـ النوادر ـ من أبواب القنوت حديث : 1.

494

وإلا في الجمعة ، ففيها قنوتان في الركعة الأولى قبل الركوع ، وفي الثانية بعده [1].

________________________________________________

[1] كما نسب الى المشهور ويشهد له صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) : « سأله بعض أصحابنا وأنا عنده عن القنوت في الجمعة ، فقال (ع) له : في الركعة الثانية ، فقال له : حدثنا به بعض أصحابنا أنك قلت له : في الركعة الأولى ، فقال (ع) : في الأخيرة ، وكان عنده ناس كثير ، فلما رأى غفلة منهم قال (ع) : يا أبا محمد في الأول والأخيرة ، فقال له أبو بصير بعد ذلك : أقبل الركوع أو بعده؟ فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) : كل قنوت قبل الركوع ، إلا الجمعة ، فإن الركعة الأولى القنوت فيها قبل الركوع ، والأخيرة بعد الركوع » (1) ، وصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) في حديث : « على الامام فيها ـ أي في الجمعة ـ قنوتان : قنوت في الركعة الأولى قبل الركوع ، وفي الركعة الثانية بعد الركوع ومن صلاها وحده فعليه قنوت واحد في الركعة الأولى قبل الركوع » (2) ، ونحوه موثق سماعة (3). والظاهر ـ كما يشهد به بعض النصوص ـ أن التخصيص بالإمام في قبال المنفرد ، لا المأموم ، لا أقل من وجوب حمله على ذلك بقرينة إطلاق ما سبق. ومن هذا يظهر ضعف ما عن صريح جماعة وظاهر آخرين من التخصيص بالإمام. ولا سيما ومن البعيد جداً أن يقنت الامام ويسكت المأموم.

هذا وعن الفقيه أنه قال : « الذي أستعمله وأفتي به ومضى عليه مشايخي (رحمهم الله) تعالى هو أن القنوت في جميع الصلوات في الجمعة وغيرها

____________

(1) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 12.

(2) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 4.

(3) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 8.

495

ولا يشترط فيه رفع اليدين [1]. ولا ذكر مخصوص

________________________________________________

في الركعة الثانية بعد القراءة قبل الركوع ». وفيه : أنه طرح للنصوص المذكورة وغيرها مما يأتي الإشارة إليه من غير وجه ظاهر. وعن السرائر : « والذي يقوى عندي أن الصلاة لا يكون فيها إلا قنوت واحد ، أية صلاة كانت. هذا الذي يقتضيه مذهبنا ، وإجماعنا ، فلا يرجع عن ذلك بأخبار الآحاد ، التي لا تثمر علماً ولا عملا ». فإن أراد ما عن الفقيه ، ففيه ما عرفت. وإن أراد ما عن المقنعة والمختلف من أن فيها قنوتاً واحداً في الأولى ، فهو وان كان قد يقتضيه جملة وافرة من النصوص ، كصحيح ابن حنظلة : « قلت لأبي عبد الله (ع) : القنوت يوم الجمعة ، فقال : أنت رسولي إليهم في هذا ، إذا صليتم في جماعة ففي الركعة الأولى ، وإذا صليتم وحداناً ففي الركعة الثانية » (1) ، وخبر أبي بصير : « القنوت يوم الجمعة في الركعة الأولى بعد القراءة » (2) ، ونحوه صحيح سليمان ابن خالد (3) ، وصحيح معاوية في الإمام (4). إلا أن الجمع بينها وبين ما سبق يقتضي الحمل على بيان الأفضل ، أو نحو ذلك ، مما لا ينافي التعدد ، المصرح به فيما سبق.

[1] كما عن جماعة التصريح به ، وأنه مستحب فيه لا غير. لكن في الجواهر وغيرها ـ تبعاً لكشف اللثام ـ الميل الى دخوله في مفهومه. لإرادته من القنوت المنهي عنه لدى التقية في صحيح البزنطي المتقدم (5) دليلا لنفي الوجوب ، ولخبر علي بن محمد بن سليمان : « كتبت الى الفقيه (ع)

____________

(1) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 5.

(2) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 6.

(4) الوسائل باب : 5 من أبواب القنوت حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 4 من أبواب القنوت حديث : 1 وقد تقدم في أول الفصل.

496

بل يجوز ما يجري على لسانه [1] من الذكر ، والدعاء ،

________________________________________________

أسأله عن القنوت ، فقال (ع) : إذا كانت ضرورة شديدة فلا ترفع اليدين وقل ثلاث مرات : « بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » (1) ، وموثق عمار : « أخاف أن أقنت وخلفي مخالفون ، فقال (ع) : رفعك يديك يجزي ـ يعني رفعهما كأنك تركع ـ » (2).

فان تعليق السقوط في الأول على الضرورة الشديدة إنما يناسب كونه مقوماً للقنوت ، كالاجتزاء به عند التقية فإن الظاهر أن ذلك لأنه الميسور الذي لا ينطبق على ما هو خارج. هذا مضافا الى ما يظهر من النصوص المتضمنة أنه تقول في القنوت ، وما يقال في القنوت ، ونحو ذلك من جعله ظرفا للقول ، الدال على المغايرة بينهما. والى أن رفع اليدين لو لم يكن داخلا في مفهومه كان كل دعاء وذكر قنوتاً ، ولا يظهر وجه للاختصاص. فلاحظ.

[1] ففي صحيح إسماعيل بن الفضل : « سألت أبا عبد الله (ع) عن القنوت وما يقال فيه قال (ع) : ما قضى الله على لسانك ، ولا أعلم فيه شيئاً موقتاً » (3) ، وفي مصحح الحلبي : « سألت أبا عبد الله (ع) عن القنوت في الوتر ، هل فيه شيء موقت يتبع ويقال؟ فقال (ع) : لا ، أثن على الله عز وجل ، وصل على النبي (ص) ، واستغفر لذنبك العظيم ، ثمَّ قال (ع) : كل ذنب عظيم » (4) ، وفي مرفوع إسماعيل ابن بزيع عن أبي جعفر (ع) : « سبعة مواطن ليس فيها دعاء موقت : الصلاة على الجنائز والقنوت .. » (5).

____________

(1) الوسائل باب : 12 من أبواب القنوت حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 12 من أبواب القنوت حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 9 من أبواب القنوت حديث : 1.

(4) الوسائل باب : 9 من أبواب القنوت حديث : 2.

(5) الوسائل باب : 9 من أبواب القنوت حديث : 5.

497

والمناجاة ، وطلب الحاجات. وأقله « سبحان الله » ، خمس مرات [1] أو ثلاث مرات [2] ، أو « بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ » ، ثلاث مرات [3] ، أو « الحمد لله » ، ثلاث مرات [4]. بل يجزي « سبحان الله » ، أو سائر ما ذكر ، مرة واحدة [5]. كما يجزي الاقتصار على الصلاة على النبي وآله « ص » ، ومثل قوله : « اللهم اغفر لي » ، ونحو ذلك. والاولى أن يكون جامعاً للثناء على الله تعالى ، والصلاة على محمد وآله ، وطلب المغفرة له وللمؤمنين والمؤمنات [6].

________________________________________________

[1] كما في خبر أبي بصير : « سألت أبا عبد الله (ع) عن أدنى القنوت ، فقال (ع) : خمس تسبيحات » (1) ، وفي مرسل حريز : « يجزيك عن القنوت خمس تسبيحات في ترسل » (2).

[2] كما في خبر أبي بكر بن أبي سماك عن أبي عبد الله (ع) : « ويجزي من القنوت ثلاث تسبيحات » (3).

[3] كما تقدم في خبر علي بن محمد بن سليمان (4).

[4] لم أقف على نص فيه.

[5] كما يقتضيه إطلاق نفي التوقيت فيه.

[6] لما سبق في صحيح الحلبي (5).

____________

(1) الوسائل باب : 6 من أبواب القنوت حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 6 من أبواب القنوت حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 6 من أبواب القنوت حديث : 3.

(4) راجع صفحة : 495.

(5) راجع صفحة السابقة.

498

( مسألة 1 ) : يجوز قراءة القرآن في القنوت [1] ، خصوصاً الآيات المشتملة على الدعاء [2] كقوله تعالى ( رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ) ونحو ذلك.

( مسألة 2 ) : يجوز قراءة الأشعار المشتملة على الدعاء والمناجاة [3] ، مثل قوله :

« إلهي عبدك العاصي أتاكا * * * مقراً بالذنوب وقد دعاكا »

ونحوه.

( مسألة 3 ) : يجوز الدعاء فيه بالفارسية ونحوها من اللغات غير العربية [4] ، وإن كان لا يتحقق وظيفة القنوت إلا بالعربي ، وكذا في سائر أحوال الصلاة وأذكارها. نعم الأذكار المخصوصة لا يجوز إتيانها بغير العربي.

________________________________________________

[1] كما يشهد له خبر علي بن محمد بن سليمان المتقدم (1).

[2] كما يشهد به المروي (2) من قنوتاتهم (ع) ، فقد اشتملت على كثير من أدعية القرآن ، وفي منظومة الطباطبائي :

« والفضل في القنوت بالمأثور * * * فهو بلاغ وشفا الصدور

وفوقه أدعية القرآن * * * وليس في ذلك من قران »

[3] للإطلاق السابق.

[4] المحكي عن الصدوق في الفقيه وكثير من القدماء جواز القنوت بالفارسية ، بل نسب الى المشهور ، بل في محكي جامع المقاصد « أنه لا يعلم

____________

(1) راجع صفحة 495.

(2) مستدرك الوسائل باب : 6 و 8 و 16 من أبواب القنوت.

499

________________________________________________

قائلا بالمنع ، سوى سعد بن عبد الله ». وعن الفقيه (1) الاستدلال له بما أرسله عن أبي جعفر (ع) : « لا بأس أن يتكلم الرجل في صلاة الفريضة بكل شيء يناجي به ربه عز وجل » (2) ثمَّ قال بعد هذا الخبر : ( لو لم يرد هذا الخبر لكنت أخبره بالخبر الذي روي عن الصادق (ع) أنه قال : « كل شيء مطلق حتى يرد فيه نهي » (3). والنهي عن الدعاء بالفارسية في الصلاة غير موجود ، والحمد لله ).

أقول : النصوص المذكورة وغيرها مثل صحيح ابن مهزيار : « سألت أبا جعفر (ع) عن الرجل يتكلم في صلاة الفريضة بكل شيء يناجي به ربه؟ قال (ع) : نعم » (4) ، وصحيح الحلبي : « كلما ذكرت الله عز وجل به والنبي (ص) فهو من الصلاة » (5) إطلاقها من حيث اللغة غير ظاهر. بل دعوى انصرافها الى خصوص اللغة العربية ، بمناسبة كون الأقوال الصلاتية عربية ، قريبة جداً. ولذا استقرب في الحدائق ، وعن شرح المفاتيح للوحيد المنع. ولو سلم إطلاقها ، فلا تصلح لإثبات مشروعية القنوت بغير العربي لعدم الملازمة. ولذا استدل بعضهم على ذلك بما سبق من نفي التوقيت فيه.

لكن الظاهر من نفي التوقيت التعميم من حيث المضمون ، لا من حيث اللغة. بل لا تبعد دعوى الانصراف فيه الى أنه كسائر الموظفات الصلاتية لا بد أن يكون باللغة العربية. ولذا قال في الجواهر : « قد يقوى في النظر عدم الاجتزاء به عن وظيفة القنوت ، وان قلنا بعدم بطلان الصلاة مع الدعاء

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج : 1 صفحة : 208 طبع النجف الحديث.

(2) الوسائل باب : 19 من أبواب القنوت حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 19 من أبواب القنوت حديث : 3.

(4) الوسائل باب : 19 من أبواب القنوت حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 4 من أبواب التسليم حديث : 1.

500

( مسألة 4 ) : الأولى أن يقرأ الأدعية الواردة عن الأئمة صلوات الله عليهم [1] والأفضل كلمات الفرج [2]

________________________________________________

به. للأصل فيهما. وإمكان دعوى حصول القطع من ممارسة أحوال الشرع في العبادات ، واجبها ومندوبها ، والمعاملات ، والإيقاعات ، وغيرها ، بعدم اعتبار غير اللغة العربية ، فارسية ، وغيرها ، وكل ما أمر فيه بلفظ وقول وكلام ونحوها لا ينساق الى الذهن منه إلا العربي الموافق للعربية .. » والاشكال في بعض ما ذكره لا يهم فيما هو المقصود من دعوى الانصراف في المقام الى خصوص اللغة العربية على نهجها الصحيح.

نعم يمكن الرجوع الى أصالة البراءة من المانعية في جواز الدعاء بالفارسية بعد عدم شمول ما دل على قادحية الكلام عمداً لذلك ، كما أشار إليه في الجواهر. ومن هنا يتجه التفصيل في المتن بين الدعاء بالفارسية فيجوز ، والقنوت به فلا يصح ولا تؤدى به وظيفته. والله سبحانه أعلم.

[1] المذكور في كلام غير واحد استحباب ذلك. وكأنه للتأسي بهم. ولكنه كما ترى ، إذ اختيار فرد لا يدل على خصوصية فيه. وكأنه لذلك قال في المتن : « الأولى ». اللهم إلا أن يكون الاستحباب لقاعدة التسامح بناءً على الاجتزاء بالفتوى في تطبيقها.

[2] كما صرح به جماعة ، بل في الذكرى ، وعن البحار نسبته إلى الأصحاب. ولم يظهر له دليل سوى ما رواه في الفقيه (1) من الأمر بها في الوتر والجمعة ، وخبر أبي بصير (2) الوارد في قنوت الجمعة ، والمرسل عن السيد ، والحلي : « روي أنها ـ أي كلمات الفرج ـ أفضله ». وهو

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج : 1 صفحة : 310. لكن في قنوت الوتر فقط. اما في قنوت الجمعة فلم نعثر عليه.

(2) الوسائل باب : 7 من أبواب القنوت حديث : 4.

501

وهي : « لا إله إلا الله الحليم الكريم ، لا إله إلا الله العلي العظيم سبحان الله رب السموات السبع ، ورب الأرضين السبع ، وما فيهن ، وما بينهن ، ورب العرش العظيم ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [1] ، ويجوز أن يزيد بعد قوله : « وما بينهن » « وما فوقهنّ وما تحتهنّ » [2].

________________________________________________

كاف ، بناءً على قاعدة التسامح. وعن الرضوي : « قل في قنوتك بعد فراغك من القراءة قبل الركوع : اللهم أنت الله لا إله إلا أنت الحليم الكريم ، لا إله إلا أنت العلي العظيم ، سبحانك رب السماوات السبع ، ورب الأرضين السبع ، وما فيهن ، وما بينهن ، ورب العرش العظيم ، لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، صل على محمد وآل محمد ، واغْفِرْ لِي ، وَلِوالِدَيَّ ، ولجميع المؤمنين والمؤمنات ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثمَّ اركع » (1).

[1] كما في مصحح زرارة (2) الوارد في تلقين المحتضر ، ونحوه مصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) (3) ، إلا أنه قدم فيه « العلي العظيم » على « الحليم الكريم ». والجمع يقتضي التخيير. لكن الأولى الأول ، لاعتضاده برواية عبد الله بن ميمون القداح الواردة في التلقين عن أبي عبد الله (ع) (4) وخبر أبي بصير الوارد في قنوت الجمعة. كما أن فيه إبدال « سبحان الله رب السماوات السبع » بـ « لا إله إلا الله رب السماوات السبع ». والأولى الأول ، لصحة السند ، والاعتضاد.

[2] أما زيادة « وما فوقهن » ، فلم أقف على مأخذ لها. وأما زيادة

____________

(1) مستدرك الوسائل باب : 6 من أبواب القنوت حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 38 من أبواب الاحتضار حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 38 من أبواب الاحتضار حديث : 2.

(4) الوسائل باب : 38 من أبواب الاحتضار حديث : 3.

502

كما يجوز أن يزيد بعد قوله : « العرش العظيم » وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ [1]. والأحسن أن يقول بعد كلمات الفرج : « اللهم اغفر لنا ، وارحمنا ، وعافنا ، واعف عنا ، إِنَّكَ عَلى كُلِّ

________________________________________________

« وما تحتهن » ، فهي ـ على ما حكي ـ مذكورة في مصحح الحلبي (1) على رواية التهذيب ، وفي مرسل الفقيه المطابق له.

[1] قال في الذكرى : « يجوز أن يقول فيها هنا ( وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ ) ذكر ذلك جماعة من الأصحاب ، منهم المفيد ، وابن البراج ، وابن زهرة ، وسئل عنه الشيخ نجم الدين في الفتاوى ، فجوزه ، لأنه بلفظ القرآن ، مع ورود النقل ». والنقل الذي أشار إليه ، غير ظاهر. نعم ذكرت في الرضوي (2) الوارد في التلقين ، ومحكية في كشف اللثام ، عن الفقيه (3). وعلى هذا فالأولى الإتيان بهذه الزيادات رجاء الخصوصية.

نعم عن المصباح أنه روى سليمان ابن حفص المروزي عن أبي الحسن الثالث (ع) : « لا تقل في صلاة الجمعة في القنوت وَسَلامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ » (4) لكنه لضعف سنده لا يصلح للاعتماد عليه في المنع في مورده ، فضلا عن غيره ، ولذلك قال في محكي المدارك : « لا ريب في الجواز ». وأما احتمال أن يكون من التسليم المحلل ، فضعيف ، إذ قوله (ع) : « تحليلها التسليم » ناظر إلى إثبات المحللية للتسليم ، لا الى كيفيته ، فلا إطلاق له من حيث الكيفية مع أنك عرفت اتفاق الأصحاب على انحصار المحلل بغيره.

____________

(1) كما في الوسائل باب : 38 من أبواب الاحتضار حديث : 2. يرويه هكذا عن الكافي مسنداً وعن الفقيه مرسلا. اما التهذيب فلم يوجد فيه ذلك ولم نجد من يرويه عنه.

(2) مستدرك الوسائل باب : 28 من أبواب الاحتضار حديث : 2.

(3) وهي مصححة الحلي التي يرويها الصدوق مرسلة في الفقيه ج : 1 صفحة : 77.

(4) الوسائل باب : 7 من أبواب القنوت حديث : 6.