مستمسك العروة الوثقى - ج6

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
616 /
103

والاستقلال [1] حال الاختيار ، فلو انحنى قليلا ، أو مال إلى أحد الجانبين بطل ،

________________________________________________

لم تتحرك فصلّ قائماً ، وإن كانت خفيفة تكفأ فصل قاعداً » (1) بناء على ظهوره في تقديم الاستقرار جالساً على القيام متحركاً ، فلو لا وجوبه لم يكن لترجيحه على الواجب وجه. وفيه : أن الظاهر من قوله (ع) : « لم تتحرك » ـ بقرينة الشرطية الثانية ـ أنها لا تكفأ ، فتدل على ترجيح الجلوس بلا انكفاء على القيام مع الانكفاء ، فتكون أجنبية عما نحن فيه. ودعوى : أن الظاهر من قوله (ع) : « تكفأ » هو التحرك ، إذ من الواضح عدم انقلاب السفينة بقيام واحد فيها. من دفعة : بأن المراد من « تكفأ » أنها تكفأ من قام فيها ، لا أنها هي تنكفئ. والوجه في انكفاء القائم هو حركتها بنحو لا يقوى على القيام ، كما يظهر ذلك لمن قام على ظهر الدابة وكأن هذا نشأ من توهم أن معنى « تكفأ » تنكفئ. فاذاً العمدة في دليله الإجماع كما سبق.

وليعلم أن اعتبار الاستقرار في القيام في تكبيرة الإحرام والقراءة مساوق لاعتباره فيهما ، فذكر اعتباره فيهما كاف عن ذكر اعتباره فيه. وهذا بخلاف القيام بعد الركوع ، فإنه واجب فيه لنفسه كما هو ظاهر.

[1] على المشهور ، بل عن المختلف : دعوى الإجماع عليه ، لدخوله في مفهوم القيام ـ كما قد يظهر من القواعد والذكرى ونسب إلى ظاهر المحقق الكركي وفخر المحققين ـ أو لانصراف نصوص اعتبار القيام اليه أو لأنه المعهود من النبي (ص) فيدخل تحت قوله : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (2) ، أو لصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (ع) : « لا تمسك

____________

(1) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 2.

(2) كنز العمال ج : 4 صفحة : 62 حديث : 1196.

104

________________________________________________

بخمرك وأنت تصلي ، ولا تستند إلى جدار وأنت تصلي ، إلا أن تكون مريضاً » (1) ، وخبر ابن بكير المروي عن قرب الاسناد ، قال : « سألت أبا عبد الله (ع) عن الصلاة قاعداً أو متوكئاً على عصا أو حائط ، قال (عليه السلام) : لا ، ما شأن أبيك وشأن هذا ، ما بلغ أبوك هذا بعد » (2) أو مفهوم الخبر المروي عن دعوات الراوندي : « فان لم يتمكن من القيام بنفسه اعتمد على حائط أو عكازة » (3).

لكن الجميع لا يخلو عن إشكال ، لمنع الأولين ، وعدم تمامية الثالث ومعارضة الصحيح وغيره بصحيح ابن جعفر (ع) : سأل أخاه موسى بن جعفر (ع) : « عن الرجل هل يصلح له أن يستند إلى حائط المسجد وهو يصلي ، أو يضع يده على الحائط وهو قائم من غير مرض ولا علة؟ فقال (ع) : لا بأس. وعن الرجل يكون في صلاة فريضة فيقوم في الركعتين الأولتين ، هل يصلح له أن يتناول جانب المسجد فينهض يستعين به على القيام من غير ضعف ولا علة؟ فقال (ع) : لا بأس به » (4) ، وموثق ابن بكير عن أبي عبد الله : « عن الرجل يصلي متوكئاً على عصا أو على حائط ، فقال (ع) : لا بأس بالتوكؤ على عصا والاتكاء على الحائط » (5) ونحوهما غيرهما.

وحمل الأخيرة على صورة عدم الاعتماد ، والأولى على صورة الاعتماد

____________

(1) الوسائل باب : 10 من أبواب القيام ، حديث : 2. والخمر ـ بالفتح والتحريك ـ : ما وراءك من شجر وغيره.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 20.

(3) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 7.

(4) الوسائل باب : 10 من أبواب القيام حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 10 من أبواب القيام حديث : 4.

105

وكذا إذا لم يكن مستقراً أو كان مستنداً على شيء من إنسان أو جدار ، أو خشبة ، أو نحوها. نعم لا بأس بشيء منها حال الاضطرار [1]. وكذا يعتبر فيه عدم التفريج بين الرجلين فاحشاً بحيث يخرج عن صدق القيام [2] ، وأما إذا كان بغير الفاحش فلا بأس [3].

________________________________________________

لا شاهد عليه ، فلا يكون جمعاً عرفياً. بل الجمع العرفي حمل الأول على الكراهة ، والأخذ بظاهر الثانية من الجواز ، ولو فرض التعارض فالترجيح للثانية ، لأنها أكثر وأشهر. وكأنه لذلك اختار أبو الصلاح الجواز على كراهة ، وعن المدارك ، والكفاية ، والبحار ، والتنقيح ، وفي الحدائق ، والمستند : تقويته. والطعن في النصوص الأخيرة بموافقة العامة ، غير قادح في الحجية ، ولا موجب للمرجوحية إلا بعد فقد الترجيح بالأشهرية. نعم العمدة : وهنها بالشذوذ ، وإعراض الأصحاب عنها المسقط لها عن الحجية. فتأمل.

[1] إجماعاً كما في المستند ، وفي الجواهر : « لا تأمل لأحد من الأصحاب في اعتبار الاختيار في شرطية الاقلال ، أما لو اضطر اليه جاز بل وجب وقدم على القعود ، بلا خلاف أجده فيه بيننا ، بل عن ظاهر المنتهى الإجماع عليه ». ويشهد له ذيل صحيح ابن سنان ، وصريح خبر الدعوات ، ويشير اليه ذيل خبر ابن بكير.

[2] كما عن جماعة التصريح به ، لأن ذلك مخالفة لما دل على وجوب القيام.

[3] في الذكرى ، وجامع المقاصد ، وعن الألفية ، والدروس ، والروض ، وغيرها : أن التباعد بين الرجلين إذا كان فاحشاً يخل بالقيام

106

والأحوط الوقوف على القدمين دون الأصابع وأصل القدمين [1]

________________________________________________

وعن البحار : « أنه المشهور » وهو غير بعيد. وعن المقنعة ، والمقنع : التحديد بالشبر ، وكأنه لصحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى ، دع بينهما فصلا ، إصبعاً أقل ذلك إلى شبر أكثره » (1) ، واحتمله في الحدائق لأنه المفهوم من النصوص. وفيه : أن النصوص المتعرضة لذلك ظاهرة في كونها في مقام الآداب والسنن لا الأجزاء والشرائط ، فلا يعول عليها في دعوى الوجوب ، ولا سيما مع ظهور اتفاق الأصحاب على الاستحباب.

[1] فقد أوجبه في الجواهر للأصل والتأسي ، ولأنه المتبادر المعهود ولعدم الاستقرار بالوقوف على الأصابع لا القدمين ، ولخبر أبي بصير عن أبي جعفر (ع) : « كان رسول الله (ص) يقوم على أطراف أصابع رجليه فأنزل الله سبحانه ( طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) (2) » (3) وقريب منه خبره الآخر (4) المحكي عن تفسير القمي. وفيه : أنه لا مجال للأصل مع إطلاق دليل اعتبار القيام ، مع أن الأصل البراءة ، ودليل التأسي قد عرفت إشكاله ، والتبادر بدوي لا يعول عليه في رفع اليد عن الإطلاق ، وعدم الاستقرار ممنوع كلية ، وخبر أبي بصير إنما يجدي لو دل على نفي المشروعية لا نفي الإلزام ، ولعل الظاهر منه الثاني ، نظير قوله تعالى : ( ما يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ ) (5) و ( يُرِيدُ اللهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ

____________

(1) الوسائل باب : 17 من أبواب القيام حديث : 2.

(2) طه : 1.

(3) الوسائل باب : 3 من أبواب القيام حديث : 2.

(4) الوسائل باب : 3 من أبواب القيام حديث : 3.

(5) المائدة : 6.

107

وإن كان الأقوى كفايتهما أيضاً ، بل لا يبعد إجزاء الوقوف على الواحدة [1].

( مسألة 9 ) : الأحوط انتصاب العنق أيضاً [2] ، وإن كان الأقوى جواز الاطراق.

________________________________________________

بِكُمُ الْعُسْرَ ) (1).

[1] للإطلاق الموافق لأصل البراءة ، وفي الذكرى : « الأقرب وجوب الاعتماد على الرجلين معاً في القيام ، ولا تجزئ الواحدة مع القدرة » ونحوه في الدروس ، واختاره في كشف اللثام ، واستظهره في الجواهر ، وجزم به في كشف الغطاء ، بل في مفتاح الكرامة : « لا إشكال في البطلان لو اقتصر على وضع واحدة منهما ». لما تقدم من أن الأصل والتأسي ، ولأنه المتبادر ، ولعدم الاستقرار ، وللمروي عن قرب الاسناد عن ابن بكير عن أبي عبد الله (ع) : « أن رسول الله (ص) بعد ما عظم أو بعد ما ثقل كان يصلي وهو قائم ، ورفع إحدى رجليه حتى أنزل الله تعالى ( طه ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى ) فوضعها » (2) وفي الجميع ما عرفت. فرفع اليد عن الإطلاق غير ظاهر.

[2] لما عن الصدوق (ره) من القول بوجوبه ، ولم يعرف ذلك لغيره. والمصرح به في كلامهم العدم ، ويشهد للصدوق مرسل حريز عن رجل عن أبي جعفر (ع) : قلت له : « ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ ) (3) قال (ع) : النحر : الاعتدال في القيام ، أن يقيم صلبه ونحره » (4)

____________

(1) البقرة : 185.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب القيام حديث : 4.

(3) الكوثر : 2.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب القيام حديث : 3.

108

________________________________________________

( مسألة 10 ) : إذا ترك الانتصاب ، أو الاستقرار ، أو الاستقلال ناسياً صحت صلاته وإن كان ذلك في القيام الركني [1] ، لكن الأحوط فيه الإعادة.

لكن لإعراض المشهور عنه وضعفه في نفسه لا مجال للاعتماد عليه. بل عن الحلبي : استحباب إرسال الذقن إلى الصدر ، وإن كان وجهه غير ظاهر.

[1] لحديث : « لا تعاد الصلاة » (1) الدال بإطلاقه على صحة الصلاة مع الإخلال بجزء منها ، أو شرط لها ، أو لجزئها عدا الخمسة المذكورة ، الحاكم على ما دل على الجزئية أو الشرطية ، الشامل بإطلاقه للعمد والسهو ، ومنه المقام. نعم لو تمَّ القول بدخول الانتصاب أو الاستقرار أو الاستقلال في مفهوم القيام عرفا كان انتفاؤه موجباً لانتفاء القيام فاذا كان القيام ركناً ـ كالقيام في التكبير أو المتصل بالركوع ـ بطلت الصلاة لفوات الركن ، لكن عرفت أن القول المذكور ضعيف ، ولا سيما بالنسبة إلى الأخيرين.

فإن قلت : إذا لم يكن واحد من الأمور المذكورة داخلا في مفهوم القيام ، فقد تقدم أن كل واحد منها شرط فيه ، فاذا انتفى انتفى القيام لانتفاء المشروط بانتفاء شرطه ، فاذا كان القيام ركنا بطلت الصلاة لفواته.

قلت : يتم هذا لو كان موضوع الركنية هو القيام المشروط ، لكنه غير ثابت ، فان دليل ركنية القيام في التكبير موثق عمار المتقدم (2) ، والموضوع فيه ذات القيام. ودليل ركنية المتصل بالركوع الإجماع ، والمتيقن منه ذلك أيضاً.

هذا كله لو كانت شرطية الأمور المذكورة مستفادة من دليل لفظي مطلقاً ، أما لو كانت مستفادة من الإجماع ـ كما في الاستقرار على ما عرفت ـ

____________

(1) تقدم مراراً. راجع أول فصل تكبيرة الإحرام.

(2) تقدم ذكره في أول فصل القيام

109

( مسألة 11 ) : لا يجب تسوية الرجلين في الاعتماد [1] فيجوز أن يكون الاعتماد على إحداهما ، ولو على القول بوجوب الوقوف عليهما.

________________________________________________

فلا يحتاج في تصحيح الصلاة إلى حديث : « لا تعاد » ، بل إجمال دليله وعدم إطلاقه الشامل لحال السهو كاف في الرجوع إلى أصالة البراءة من شرطيته في حال السهو ، كما هو ظاهر ، وأشرنا إليه في مسألة وجوب الاستقرار في تكبيرة الإحرام ، فإن ذلك من صغريات المقام ـ أعني ترك الاستقرار سهواً في القيام الركني ـ لما عرفت في هذه المسألة. من أن وجوب الاستقرار في القيام المقارن للتكبير والقراءة مساوق لوجوب الاستقرار في حالي التكبير والقراءة.

ومن هنا يظهر التنافي بين فتوى المصنف (ره) بوجوب الاستقرار حال التكبير على نحو الركنية فتبطل الصلاة بفواته سهواً ، وبين فتواه هنا بصحة الصلاة بفوات الاستقرار سهواً حال القيام الركني ، مع أن الدليل في المقامين واحد ، فاما أن يكون له إطلاق يشمل السهو أولا ، أو يكون الإطلاق على تقدير وجوده محكوما بحديث : « لا تعاد الصلاة » أولا ، فتأمل جيداً.

[1] تسوية الرجلين في الاعتماد. تارة : يراد منها التسوية في مرتبة الاعتماد ، بأن يكون الاعتماد على إحداهما بمقدار الاعتماد على الأخرى. وأخرى : يراد منها التسوية في أصل الاعتماد ، بأن يكون الاعتماد على كل منهما لا على إحداهما مع مجرد مماسة الأخرى للموقف. إما التسوية بالمعنى الأول فالظاهر أنه لا إشكال في عدم وجوبها ، كما يقتضيه إطلاق أدلة وجوب القيام. وأما التسوية بالمعنى الثاني فنسب القول بوجوبها إلى الذكرى ، وجامع المقاصد ، والجعفرية ، وشرحها والروض ، والمدارك ، وكشف اللثام ، لما فيها من أن الأقرب وجوب الاعتماد على الرجلين معاً ، مستدلين على ذلك بالتأسي ، وأنه المتبادر ، وبعدم

110

( مسألة 12 ) : لا فرق في حال الاضطرار بين الاعتماد على الحائط ، أو الإنسان ، أو الخشبة [1]. ولا يعتبر في سناد الأقطع أن يكون خشبته المعدة لمشيه ، بل يجوز له الاعتماد على غيرها من المذكورات.

( مسألة 13 ) : يجب شراء ما يعتمد عليه عند الاضطرار أو استئجاره مع التوقف عليهما [2].

________________________________________________

الاستقرار ، وبقوله (ص) : « صلوا كما رأيتموني أصلي » (1).

واستشكل في جميع ذلك في الجواهر ـ تبعاً لما في مفتاح الكرامة ـ وهو في محله كما عرفت. ولأجله احتمل فيها أن يكون مرادهم منها ما يقابل رفع إحدى الرجلين بالكلية ، فإنها واجبة حينئذ. ولذا فرع في الذكرى ، وجامع المقاصد على ذلك بقوله : « ولا تجزئ الواحدة مع القدرة » ، وقد عرفت أن المسألتين من باب واحد ، والأدلة المذكورة إن تمت في الثانية تمت في الأولى ، فالتفكيك بينهما في ذلك غير ظاهر.

[1] كما صرح بذلك كله في الجواهر. والعمدة فيه ظهور الإجماع على عدم الفرق ، وإلا فلو احتمل تعين واحد من ذلك كانت المسألة من موارد الشك في التعيين والتخيير ، التي يكون المرجع فيها أصالة الاحتياط ، المقتضية للتعيين كما هو المشهور. وليس في صحيح ابن سنان أو غيره ـ مما سبق ـ (2) إطلاق ينفيه.

[2] لأجل أن الاعتماد على الشيء في الصلاة ليس تصرفاً صلاتياً ، فاذا كان الاعتماد محرماً لكونه اعتماداً على المغصوب لا تفسد الصلاة ، فالشراء والاستئجار الراجعان الى ملك العين أو المنفعة مما لا تتوقف عليهما الصلاة ،

____________

(1) كنز العمال ج : 4 صفحة : 62 حديث : 1196.

(2) تقدم ذكرها في المسألة : 8 من هذا الفصل.

111

( مسألة 14 ) : القيام الاضطراري بأقسامه من كونه مع الانحناء ، أو الميل إلى أحد الجانبين ، أو مع الاعتماد ، أو مع عدم الاستقرار ، أو مع التفريج الفاحش بين الرجلين [1] مقدم على الجلوس [2].

________________________________________________

فلا يجبان بالوجوب الغيري ، وإنما يجبان عقلا فراراً عن الوقوع في الحرام ، فالمقام نظير شراء الدابة أو استعارتها أو نحو ذلك ، من أسباب استباحة التصرف في ركوبها في سفر الحج عند عدم القدرة على سلوك طريقه إلا بركوبها ، وليس وجوب الشراء أو نحوه من الوجوب الغيري ، بل هو عقلي بملاك وجوب الجمع بين غرضي الشارع. وقد أشرنا إلى ذلك في مسألة وجوب التيمم على الجنب للوصول الى الماء الكائن في المسجد لا غير ، بقصد الاغتسال منه. فراجع.

[1] ستأتي دعوى الجواهر : عدم معرفة الخلاف في تقديمه على الجلوس ، والاعتماد عليها في الخروج عن إطلاق ما دل على وجوب الجلوس على من لم يستطع القيام لا يخلو من إشكال. واستفادة ذلك من صحيح ابن يقطين الآتي ـ كما ادعاه في الجواهر ـ غير ظاهرة ، للفرق بين الحالتين ودعوى أنه ميسور القيام فيقدم على القعود لا تجدي إلا بعد ثبوت هذه الكلية بحيث يعارض بها إطلاق بدلية الجلوس عن القيام. ودليله غير ظاهر.

[2] بلا إشكال ظاهر إلا في بعض صوره كما ستأتي الإشارة اليه. ويمكن أن يستفاد تقديم القسم الأول من القيام ـ أعني الفاقد للانتصاب ـ من صحيح علي بن يقطين عن أبي الحسن (ع) : « سألته عن السفينة لم يقدر صاحبها على القيام ، يصلي فيها وهو جالس يومئ أو يسجد ، قال (ع) : يقوم وإن حنى ظهره » (1).

____________

(1) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 5.

112

________________________________________________

كما يمكن أيضاً أن يستفاد تقديم القسم الثاني ـ أعني الفاقد للاستقلال ـ من صحيح ابن سنان المتقدم (1) في وجوب الاستقلال ، بضميمة الإجماع على أنه إذا جاز وجب. ويقتضيه ظاهر المروي عن دعوات الراوندي (2) وإطلاق ما دل على وجوب القيام ، وما دل على اختصاص مشروعية الجلوس بمن لا يتمكن من القيام.

وأما تقديم القسم الثالث من القيام ـ أعني الفاقد للاستقرار ـ فالوجه فيه أظهر ، إذ قد عرفت أن العمدة في دليل وجوبه الإجماع ، والمتيقن منه في غير حال الاضطرار ، فالمرجع فيه إطلاق ما دل على وجوب القيام. فوجوب الصلاة قائماً حينئذ ليس من باب قاعدة الميسور ، وجعل البدل الاضطراري ، كي يحتاج الى دليل ـ كما في الفرضين السابقين وغيرهما من موارد جعل البدل الاضطراري ـ بل هو من باب الوجوب الأولي في عرض الوجوب حال الاختيار. ولو سلم إطلاق دليل وجوبه فإطلاق ما دل على اختصاص مشروعية الجلوس بمن لا يقدر على القيام يقتضي تعين القيام ولو بلا استقرار.

ومن ذلك يظهر ضعف ما ذكره الشهيد (ره) في الذكرى : من ترجيح القعود الواجد للاستقرار على القيام الفاقد له. قال : « ومن عجز عن القيام مستقراً ، وقدر على القيام ماشياً أو مضطرباً من غير معاون ، ففي جواز ترجيحه على القيام ساكناً بمعاون ، أو على القعود لو تعذر المعاون نظر ، أقربه ترجيحهما عليه ، لأن الاستقرار ركن في القيام ، إذ هو المعهود من صاحب الشرع ». وتبعه عليه العلامة الطباطبائي (قده) حيث قال :

« ومن قرار في القيام عدما * * * فللجلوس بالقيام قدما »

____________

(1) في المسألة : 8 من أحكام القيام. ومرت الإشارة إليه في المسألة : 12 من هذا الفصل.

(2) المتقدم في مسألة : 8 من احكام القيام.

113

________________________________________________

ويمكن أن يستشهد له برواية الغنوي عن الصلاة في السفينة « فقال (ع) : إن كانت محملة ثقيلة قمت إذا فيها لم تتحرك فصل قائماً ، وإن كانت خفيفة تكفأ فصل قاعداً » (1). وفيه : انك عرفت في مبحث الاستقرار في القيام عدم صلاحية الرواية لإثبات اعتباره ، فلا تدل على ترجيح القعود على القيام الفاقد له.

ووجهه في الجواهر : بأن الاستقرار مأخوذ في مفهوم القيام ، فالعجز عنه عجز عن القيام الذي هو موضوع بدلية الجلوس. ولكن استشكل فيه أيضاً : بمنع ذلك ، وأن الاستقرار واجب آخر زائد على القيام فيكون المقام من تعارض وجوب القيام ووجوب الاستقرار كما في الفرضين الآخرين ووجوب القيام مقدم على وجوب الاستقرار كتقديمه على وجوب الانتصاب والاستقلال ، خصوصاً بعد ما ورد في بعض نصوص السفينة (2) من تقديم القيام فيها مع انحناء الظهر ولو بما يخرجه عن صدق القيام. بل لم يعرف خلاف بين الأصحاب في تقديم كل ما يقرب الى القيام من التفخج الفاحش ونحوه على القعود. هذا ولكن الاحتياج الى ذلك كله إنما يكون بعد فرض إطلاق دليل وجوب الاستقرار ، وإلا فالمرجع إطلاق وجوب القيام كما عرفت.

والمتحصل من ذلك كله : أنه يقدم القيام الفاقد للاستقرار على القعود الواجد له. ووجهه : إما عدم الدليل على وجوب الاستقرار في حال الاضطرار فلا يكون القيام حينئذ بدلا اضطرارياً. أو لأن الدليل على وجوبه زائداً على وجوب القيام وإن كان شاملا لحال الاضطرار ، لكنه لا مجال لتشريع الجلوس ، لاختصاص دليل مشروعيته بالعجز عن القيام ، وهو غير حاصل. أو لأنه داخل في مفهوم القيام ، إلا أنه يستفاد مما ورد

____________

(1) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 5. وتقدمت في أول التعليقة.

114

ولو دار الأمر بين التفريج الفاحش والاعتماد ، أو بينه وبين ترك الاستقرار قدما عليه [1] ، أو بينه وبين الانحناء ، أو الميل إلى أحد الجانبين قدم ما هو أقرب إلى القيام [2]. ولو دار

________________________________________________

في السفينة ومن الإجماع أن القيام الناقص مقدم على القعود.

ثمَّ إن الدوران بين الأحوال المذكورة في هذا المقام ليس من باب التزاحم الذي يكون الحكم عقلا فيه الترجيح ، إذا علمت الأهمية في واحد بعينه ، أو احتملت كذلك ، والتخيير ، إذا احتملت الأهمية في كل من الطرفين ، أو علمت المساواة بينهما ، لاختصاص ذلك بصورة تعدد المقتضيات وتزاحمها في مقام الامتثال لعدم قدرة المكلف على ذلك. وليس المقام كذلك ، إذ مصلحة الصلاة واحدة ، وإنما التردد فيما يكون محصلا تلك المصلحة ، والحكم فيه عقلا وجوب الاحتياط بالتكرار إلا أن يقوم دليل بالخصوص على الاجتزاء بأحد الطرفين ، من إجماع أو غيره ، أو يكون هو مقتضى الجمع بين الأدلة ، فإذا لم يكن الأمر كذلك تعين الاحتياط بالجمع والتكرار. وعلى هذا يجب الجري في المسائل المذكورة في هذا المقام.

[1] لما سبق في تقديمهما على الجلوس.

[2] قد عرفت أن الانحناء في الجملة. وكذا الميل الى أحد الجانبين لا يمنع من صدق القيام. وحينئذ لا مجال للتأمل في تقديمهما على التفريج الفاحش ، إذ غاية ما يقتضي الاضطرار سقوط اعتبار الانتصاب ، ولا وجه لرفع اليد عن القيام ، فإطلاق دليل وجوبه محكم. نعم إذا كان الانحناء والميل يمنعان عن صدق القيام فقد يشكل الترجيح ، لاحتمال التعيين في كل من الطرفين كما يحتمل التخيير واللازم في مثل ذلك الاحتياط بالتكرار. وترجيح ما هو أقرب الى القيام بقاعدة الميسور يتوقف على وضوح الأقربية على وجه يصدق الميسور عليه عرفا لا غيره ، ولكنه غير ظاهر.

115

الأمر بين ترك الانتصاب وترك الاستقلال قدم ترك الاستقلال [1] فيقوم منتصباً معتمداً ، وكذا لو دار بين ترك الانتصاب وترك الاستقرار قدما ترك الاستقرار [2] ولو دار بين ترك الاستقلال وترك الاستقرار قدم الأول ، فمراعاة الانتصاب أولى من مراعاة الاستقلال والاستقرار ، ومراعاة الاستقرار أولى من مراعاة الاستقلال.

________________________________________________

[1] هذا ظاهر لو كان الانتصاب داخلا في مفهوم القيام ، لأنه حينئذ يدور الأمر بين ترك القيام وترك الاستقلال. ومشكل لو بني على وجوبه في القيام ، إذ حينئذ يكون كالاستقلال ، وترجيح أحدهما على الآخر من غير مرجح ظاهر. اللهم إلا أن يحتمل تعينه ولا يحتمل تعين الاستقلال ، فيدور الأمر بين التعيين والتخيير ، أو يدعى أن المفهوم من صحيح ابن سنان (1) المسوغ للاعتماد للمريض مشروعية الاعتماد للمضطر ولو بلحاظ فوات الانتصاب. لكن لو سلم يرد مثله في صحيح ابن يقطين (2) المشرع للانحناء مع الاضطرار.

[2] لما عرفت من إجمال الدليل الدال على وجوبه ، وعدم إطلاقه الشامل لهذا الحال ، بخلاف دليل الانتصاب. لكن عليه يشكل الوجه في تقديم الاستقرار على الاستقلال الذي ذكره بعد ذلك ، بل يتعين تقديم الاستقلال عليه ، وكأن ما في المتن مبني على إطلاق أدلة الوجوب في الجميع ، وأن الموارد المذكورة من قبيل الدوران بين التعيين والتخيير. أو لأن تقديم ما ذكره فيها لأنه أقرب إلى أداء المأمور به ، بناء على ثبوت الكلية المذكورة ولو بالإجماع ، لكنه غير ظاهر ما لم يصدق الميسور عرفا.

____________

(1) تقدم في مواضع منها : في المسألة : 8 من احكام القيام.

(2) تقدم في أول المسألة.

116

( مسألة 15 ) : إذا لم يقدر على القيام كلا ولا بعضاً مطلقاً [1] حتى ما كان منه بصورة الركوع [2] صلى من جلوس [3] وكان الانتصاب جالساً

________________________________________________

[1] قد عرفت الإشكال في تقديم مثل التفخج الفاحش على الجلوس.

[2] كما يفهم من صحيح ابن يقطين المتقدم في المسألة السابقة. ويظهر من حكاية الخلاف في ذلك عن الشافعي في أحد قوليه : أنه لا مخالف فيه منا.

[3] هو مذهب علمائنا كما في المعتبر ، وعليه إجماع العلماء كما في المنتهى ، وبالنصوص والإجماع كما في كشف اللثام ، ويشهد له جملة من النصوص ، كالنبوي المروي عن الفقيه : « المريض يصلي قائماً ، فان لم يستطع صلى جالساً ، فان لم يستطع صلى على جنبه الأيمن ، فان لم يستطع صلى على جنبه الأيسر ، فان لم يستطع استلقى وأومأ إيماء وجعل وجهه نحو القبلة وجعل سجوده أخفض من ركوعه » (1) ، والصادقي المروي عنه أيضاً : « يصلي المريض قائماً ، فان لم يقدر على ذلك صلى جالساً » (2) وصحيح جميل : « سألت أبا عبد الله (ع) : ما حد المرض الذي يصلي صاحبه قاعداً؟ فقال (ع) : إن الرجل ليوعك ويحرج ولكنه أعلم بنفسه ، إذا قوي فليقم » (3) وموثق زرارة : « سألت أبا عبد الله (ع) عن حد المرض الذي يفطر فيه الصائم ، ويدع الصلاة من قيام ، فقال (ع) : بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ، هو أعلم بما يطيقه » (4) ، لظهورهما في أن

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 15.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 13.

(3) الوسائل باب : 6 من أبواب القيام حديث : 3.

(4) الوسائل باب : 6 من أبواب القيام حديث : 2.

117

بدلا عن القيام فيجري فيه حينئذ جميع ما ذكر فيه حتى الاعتماد وغيره [1] ،

________________________________________________

موضوع الجلوس أن لا يقوى على القيام ولا يطيقه. ونحوها مصحح ابن أذينة عن أبي عبد الله (ع) (1) ، وفي صحيح الحلبي ـ في حديث ـ أنه سأل أبا عبد الله (ع) : « عن الصلاة في السفينة فقال (ع) : إن أمكنه القيام فليصل قائماً ، وإلا فليقعد ثمَّ يصلي » (2) وفي خبر سليمان بن خالد : « سألته عن الصلاة في السفينة ، فقال (ع) : يصلي قائماً ، فان لم يستطع القيام فليجلس ويصلي » (3) ، وفي صحيح حماد بن عيسى : « سمعت أبا عبد الله (ع) يقول : كان أهل العراق يسألون أبي عن الصلاة في السفينة فيقول : إن استطعتم أن تخرجوا الى الجدد فافعلوا ، فان لم تقدروا فصلوا قياماً ، فان لم تقدروا فصلوا قعوداً » (4) ، ونحوها غيرها مما يتضمن الانتقال الى الجلوس عند عدم التمكن من القيام.

[1] كما استظهره في الجواهر : كما يومئ اليه المرسل الآتي ، ولأنه بدله ، وبعض قيام. ثمَّ قال (ره) : « وإن كان لا يخلو من بحث ، لاختصاصه بالدليل دونه ». والظاهر أن مراده بالمرسل النبوي المتقدم في صدر المسألة ، وكأن وجه إيمائه ظهوره في بدلية الجلوس عن القيام.

أقول : أما البدلية فلا ريب فيها ، لكنها إنما تنفع في وجوب الشرائط المذكورة لو كانت مجعولة بلحاظ جميع الأحكام ، وهو غير ظاهر. بل الظاهر البدلية عن القيام في وفائه بمصلحته في الجملة ، بحيث يثبت له

____________

(1) الوسائل باب : 6 من أبواب القيام حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 10.

(4) الوسائل باب : 14 من أبواب القيام حديث : 12.

118

ومع تعذره صلى مضطجعاً [1]

________________________________________________

وجوبه لا غير. وأولى منه بالإشكال التعليل بأنه بعض قيام ، ومثله ما ذكره أخيراً من اختصاص أدلة اعتبارها بغيره ، مع أن ما دل على وجوب الانتصاب ـ مثل : « لا صلاة لمن لم يقم صلبه في الصلاة » (1) وما دل على وجوب الاستقلال من صحيح ابن سنان المتقدم (2) ـ مطلق شامل للجلوس. ودعوى انصرافه الى القيام غير ظاهرة. وكذا ما دل على وجوب الاستقرار من إطلاق معاقد الإجماعات على وجوبه في أفعال الصلاة : من التكبير ، والقراءة ، والتسبيح ، والذكر ، ورفع الرأس من الركوع ، وغيرها لا فرق فيه بين حالي القيام والجلوس فلاحظ.

[1] بلا خلاف فيه بين الأصحاب كما عن المدارك ، والبحار ، والحدائق وفي المعتبر : « هو مذهب علمائنا » ، ونحوه في المنتهى ، وبالنصوص والإجماع كما في كشف اللثام.

ويشهد له النصوص الكثيرة كمصحح أبي حمزة عن أبي جعفر (ع) في تفسير قوله تعالى ( الَّذِينَ يَذْكُرُونَ ) (3) قال (ع) : « وَعَلى جُنُوبِهِمْ : الذي يكون أضعف من المريض الذي يصلي جالساً » (4) ، وموثق سماعة : « سألته عن المريض لا يستطيع الجلوس. قال (ع) : فليصل وهو مضطجع وليضع على جبهته شيئاً إذا سجد » (5) ، وخبر علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) : « سألته عن المريض الذي لا يستطيع القعود

____________

(1) مضمون صحيح زرارة. الوسائل باب : 2 من أبواب القيام حديث : 1 وتقدم في أول المسألة الثامنة.

(2) تقدم في المسألة : 8 من هذا الفصل. الوسائل باب : 10 من أبواب القيام حديث : 2

(3) آل عمران : 191.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 5.

119

على الجانب الأيمن [1] كهيئة المدفون ،

________________________________________________

ولا الإيماء كيف يصلي وهو مضطجع؟ قال (ع) : يرفع مروحة إلى وجهه » (1) والنبوي المتقدم في صدر هذه المسألة وغيرها. وكلها متفقة على وجوب الصلاة مضطجعاً.

وفي بعض النصوص : أنه يصلي مستلقياً ، كخبر عبد السلام الهروي عن الرضا (ع) عن آبائه : « قال : قال رسول الله (ص) : إذا لم يستطع الرجل أن يصلي قائماً فليصل جالسا ، فان لم يستطع جالساً فليصل مستلقياً ناصباً رجليه بحيال القبلة يومئ إيماء » (2) ، ونحوه مرسل محمد بن إبراهيم عمن حدثه عن أبي عبد الله (ع) (3) ، ومرسل الفقيه عن الصادق (ع) (4) ، وغيرهما. والجميع يتعين تقييده بما سبق إن أمكن ، أو بالحمل على التقية.

[1] كما عن جماعة كثيرة. بل عن البحار : أنه المشهور ، وفي كشف اللثام : « عليه المعظم » ، بل هو مذكور في معقد إجماع المعتبر والمنتهى ، حملا منهم للمطلق على المقيد كالنبوي المروي عن الفقيه المتقدم في صدر المسألة ، وموثق عمار عن أبي عبد الله (ع) : « المريض إذا لم يقدر أن يصلي قاعداً كيف قدر صلى إما أن يوجه فيومئ إيماء ، وقال (ع) : يوجه كما يوجه الرجل في لحده ، وينام على جنبه الأيمن ، ثمَّ يومئ بالصلاة إيماء ، فان لم يقدر أن ينام على جنبه الأيمن فكيف ما قدر فإنه له جائز ، وليستقبل بوجهه جانب القبلة ، ثمَّ يومئ بالصلاة إيماء » (5).

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 21.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 18.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام ملحق حديث : 13.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 13.

(5) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 10.

120

________________________________________________

وظاهر الشرائع. التخيير بين الجانبين ، وحكي عن المقنعة ، وجمل السيد ، والوسيلة ، والنافع ، وغيرها. وكأنهم اعتمدوا في ذلك على المطلقات الآمرة بالاضطجاع لضعف المقيد سنداً كالنبوي أو دلالة كموثق عمار.

نعم في المعتبر (1) : أنه استدل بما رواه أصحابنا عن حماد عن أبي عبد الله (ع) : « المريض إذا لم يقدر أن يصلي قاعداً يوجه كما يوجه الرجل في لحده ، وينام على جانبه الأيمن ، ثمَّ يومئ بالصلاة ، فان لم يقدر على جانبه الأيمن فكيف ما قدر فإنه جائز ، ويستقبل بوجهه القبلة ، ثمَّ يومئ بالصلاة إيماء » وفي الذكرى (2) ، وعن الروض : موافقته في ذلك ، بل حكي عن بعض نسخ التهذيب ، ودلالتها خالية عن القصور.

لكن استظهر في الجواهر أنها رواية عمار عبر فيها بـ « حماد » سهواً من القلم ، فان تمَّ ذلك لم يجد في تمامية الدلالة للاضطراب ، وإلا فهي رواية مرسلة عن حماد. اللهم إلا أن ينجبر ضعفها بما عن المعتبر : من أنها أشهر وأظهر بين الأصحاب ، وما في الذكرى : من أن عليها عمل الأصحاب لكن الظاهر أن مرادهما من الرواية التي هي أشهر وأظهر وعليها العمل سنخ الرواية الدالة على الترتيب بين الأيمن والأيسر لا خصوص رواية حماد.

هذا ولكن الإنصاف أن إرسال الفقيه بمثل : « قال رسول الله (ص) » يدل على غاية الاعتبار عنده وكفى به سبباً للوثوق. ومتن رواية عمار وإن كان لا يخلو من تشويش وقصور إلا أن قوله (ع) : « يوجه .. » وقوله (ع) بعد ذلك : « فان لم يقدر .. » ظاهر ان في تعين الاضطجاع على الأيمن ، فيمكن لذلك رفع اليد عن إطلاق المطلق من تلك النصوص ، والعمدة موثق سماعة (3) لظهور عدم ورود غيره في مقام البيان من هذه الجهة فلاحظها

____________

(1) في المسألة الثالثة من احكام القيام. صفحة : 170.

(2) في المسألة التاسعة من احكام القيام.

(3) تقدم في صدر التعليقة السابقة.

121

فإن تعذر فعلى الأيسر [1] عكس الأول. فإن تعذر صلى مستلقياً [2] كالمحتضر. ويجب الانحناء للركوع والسجود [3] بما أمكن ، ومع عدم إمكانه يومئ برأسه [4]

________________________________________________

فإذاً العمل على المشهور أقوى ، مع أنه أحوط.

[1] كما نسب إلى المشهور ، ويشهد له النبوي المرسل في الفقيه ، وبه يقيد إطلاق ما في موثق عمار من قوله (ع) : « كيفما قدر » ، مع إمكان المناقشة في إطلاقه : بقرينة وقوع مثله في صدره ، فكأن المراد أنه لا يكلف بغير المقدور بل على حسب القدرة ، وليس المراد أنه يصلي كيف شاء ليكون مخيراً بين الكيفيات المقدورة. ومن ذلك يظهر ضعف ما قيل : من أنه إذا عجز عن الاضطجاع على الأيمن صلى مستلقياً ، إذ الظاهر أن مستنده الموثق الذي لو تمَّ إطلاقه فهو مقيد بالمرسل.

[2] بلا خلاف فيه ظاهر. ويشهد له النبوي وغيره مما دل على وجوب الصلاة مستلقياً عند تعذر الجلوس ، بناء على حمله على صورة تعذر الاضطجاع.

[3] إذا أمكن له الركوع والسجود فلا ينبغي التأمل في وجوب فعلهما ، لإطلاق أدلة وجوبهما. وما في النص والفتوى من الإيماء يراد به صورة عدم إمكانهما كما هو الغالب في موردهما ، ولو أمكن له ميسور الركوع والسجود لأنفسهما قيل : وجب بلا شبهة ، وهو كذلك لو كان بحيث يصدق الركوع والسجود ولو الفاقدان لشرطهما. وفي المنتهى : « لو عجز عن السجود رفع ما يسجد عليه ولم يجز الإيماء إلا مع عدمها أو عدم التمكن ، خلافاً للشافعي .. » وظاهره الإجماع عليه ، ونحوه كلام غيره. ويشهد به خبر إبراهيم الكرخي الآتي. نعم قد ينافيه صحيحا الحلبي وزرارة الآتيان في وضع الجبهة على شيء فلاحظ. وسيأتي الكلام فيه.

[4] بلا خلاف ، ويشهد له النصوص المتقدمة وغيرها كمرسل الفقيه :

122

ومع تعذره فبالعينين بتغميضهما [1]

________________________________________________

« قال أمير المؤمنين (ع) : دخل رسول الله (ص) على رجل من الأنصار ، وقد شبكته الريح فقال : يا رسول كيف أصلي؟ فقال (ص) : إن استطعتم أن تجلسوه فأجلسوه ، وإلا فوجهوه إلى القبلة ومروه فليومئ إيماء ، ويجعل السجود أخفض من الركوع » (1) ، وخبر إبراهيم الكرخي : « رجل شيخ لا يستطيع القيام الى الخلاء لضعفه ، ولا يمكنه الركوع والسجود ، فقال (ع) : ليومئ برأسه إيماء ، وإن كان له من يرفع الخمرة فليسجد ، فان لم يمكنه ذلك فليومئ برأسه » (2) ، الى غير ذلك.

[1] كما نسب إلى المشهور ، ويشهد له مرسل الفقيه عن الصادق (ع) : « يصلي المريض قائماً ، فان لم يقدر على ذلك صلى جالساً ، فان لم يقدر أن يصلي جالساً صلى مستلقياً : يكبّر ثمَّ يقرأ ، فإذا أراد الركوع غمض عينيه ثمَّ سبح ، فاذا سبح فتح عينيه ، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من الركوع ، فإذا أراد أن يسجد غمض عينيه ثمَّ سبح فاذا سبح فتح عينيه ، فيكون فتح عينيه رفع رأسه من السجود ، ثمَّ يتشهد وينصرف » (3) ، ونحوه في ذلك خبر محمد بن إبراهيم عمن حدثه عن أبي عبد الله (ع) (4). ومورد الخبرين خصوص المستلقي ، كما أنه لم يذكر فيهما الإيماء بالرأس. ومثلهما خبر عبد السلام (5) الوارد فيمن تدركه الصلاة وهو فوق الكعبة.

ومقتضى الجمود على ذلك انحصار بدل الركوع والسجود في المستلقي

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 16.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 11.

(3) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 13.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام ملحق حديث : 13.

(5) الوسائل باب : 19 من أبواب القبلة حديث : 2.

123

________________________________________________

بالتغميض لا غير ، كما هو ظاهر القواعد ، وعن النهاية والمبسوط ، والوسيلة والمراسم ، والغنية ، والسرائر ، وجامع الشرائع ، والموجز ، حيث لم يذكر فيها أن الإيماء بالرأس مقدم على تغميض العينين ، بل اقتصر على ذكر تغميض العينين بدلا عن الركوع والسجود ، ومال إليه في الحدائق ، بل والى انحصار البدل في المضطجع بالإيماء بالرأس لا غير عكس المستلقي قال فيها ـ بعد ما ذكر : « إن التغميض مستفاد من مرسلة محمد بن إبراهيم ، إلا أن موردها الاستلقاء ، ومورد الإيماء بالرأس في الروايات المتقدمة الاضطجاع على أحد الجانبين ، والأصحاب قد رتبوا بينهما في كل من الموضعين ، والوقوف على ظاهر الأخبار أولى ».

أقول : الإيماء كما ورد في المضطجع ورد في المستلقي أيضاً ، كما صرح به في الجواهر وغيرها فلاحظ النبوي المروي عن الفقيه ، وخبر عبد السلام المتقدمين (1) ، وفي موثق سماعة المروي عن الفقيه : « عن الرجل يكون في عينيه الماء ، فينزع الماء منها ، فيستلقي على ظهره الأيام الكثيرة أربعين يوماً ، أقل أو أكثر ، فيمتنع من الصلاة إلا إيماء وهو على حاله ، فقال (ع) : لا بأس بذلك » (2). بل يمكن أن يستفاد أيضاً من موثق عمار ، ومرسل الفقيه عن أمير المؤمنين (ع) المتقدمين (3) وغيرهما.

ومن ذلك يظهر الإشكال فيما ذكره غير واحد : من أن الاقتصار على ذكر التغميض في المستلقي لأنه لمزيد الضعف فيه لا يمكنه الإيماء بالرأس غالباً. هذا والجمع العرفي بين هذه النصوص يقتضي الحمل على التخيير لا الترتيب ، كما هو المشهور.

____________

(1) الأول في صفحة : 116. والثاني في صفحة : 119.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام ملحق حديث : 6.

(3) الأول في صفحة : 119. والثاني في صفحة : 122.

124

وليجعل إيماء سجوده أخفض منه لركوعه [1] ، ويزيد في غمض العين للسجود على غمضها للركوع [2] ،

________________________________________________

ودعوى : اختصاص نصوص الإيماء في المستلقي بصورة إمكانه ، فتكون أخص مطلقاً من خبري التغميض لشمولهما لصورتي إمكان الإيماء وعدمه ، فيتعين الجمع بحمل خبري التغميض على صورة عدم إمكان الإيماء ، ويثبت الترتيب المذكور في المضطجع بعدم القول بالفصل. معارضة : باختصاص خبري التغميض أيضاً بصورة إمكانه ، فتكون من هذه الجهة أخص من نصوص الإيماء ، فيكون التعارض بالعموم من وجه ، ولا وجه لترجيح تخصيص أحدهما على تخصيص الآخر. مع أن دعوى عدم الفصل بين المستلقي والمضطجع عهدتها على مدعيها.

[1] عن الذكرى : نسبته إلى الأصحاب ، ويشهد له النبوي (1) المرسل في الفقيه الذي ذكر فيه الإيماء في المستلقي ، والعلوي (2) الشامل له وللمضطجع المتقدمان ، وكفى بهما حجة ، ولا سيما بعد اعتماد الأصحاب عليهما ، وتأييدهما بغيرهما مما تضمن الأمر بذلك لمن يصلي ماشياً أو على راحلته : من روايات سماعة ، ويعقوب بن شعيب المذكورة في الوسائل في باب جواز الفريضة ماشياً وجواز النافلة في المحمل (3).

[2] كما عن ابن حمزة ، وسلار ، وابن سعيد ، والمحقق والشهيد الثانيين وغيرهم ، للفرق ، ولايماء الأمر به في الإيماء اليه. وهو كما ترى. إذ الفرق غير ظاهر الوجوب ، ولو سلم فلا ينحصر بذلك. وإيماء الأمر ليس بحجة بنحو يقيد إطلاق النص ، مع أن الغمض لا يقبل الزيادة إلا في المدة ، وهي

____________

(1) تقدم في صفحة : 116.

(2) تقدم في صفحة : 122.

(3) الوسائل باب : 15 من أبواب القبلة حديث : 14 و 15.

125

والأحوط وضع ما يصح السجود عليه على الجبهة [1] ،

________________________________________________

غير مرادة لهم ظاهراً وان حكيت عن الموجز الحاوي ، فتأمل جيداً. ولذا نفى في كشف اللثام الدليل على هذا الحكم.

[1] لما عن جماعة ، منهم الشهيدان ، والكركي ، والمقداد ، والصيمري : من وجوب تقريب جبهته الى ما يصح السجود عليه ، أو تقريبه إليها ، لأن ملاقاة الجبهة له واجبة ، فلا تسقط بتعذر غيرها. ويشهد لهم موثق سماعة : « عن المريض لا يستطيع الجلوس ، قال (ع) : فليصل وهو مضطجع ، وليضع على جبهته شيئاً إذا سجد ، فإنه يجزئ عنه ، ولن يكلف الله ما لا طاقة له به » (1) ومرسل الفقيه : « سئل عن المريض لا يستطيع الجلوس ، أيصلي وهو مضطجع ويضع على جبهته شيئاً؟ قال (ع) : نعم ، لم يكلفه الله إلا طاقته » (2) فيقيد بهما إطلاق الإيماء لو كان.

وربما يجمع بينهما بالتخيير بين الإيماء المجرد والوضع كذلك ، لظهور الخبرين المذكورين في بدلية الوضع المجرد عن الإيماء تعييناً ، وظهور نصوص الإيماء في بدليته تعييناً مجرداً عن الوضع ، فترفع اليد عن ظهورهما في التعيين ، بشهادة صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : قال « سألته عن المريض ، قال (ع) : يسجد على الأرض ، أو على مروحة ، أو على مسواك يرفعه ، وهو أفضل من الإيماء » (3) ، ومصحح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) : « عن المريض إذا لم يستطع القيام والسجود. قال (ع) : يومئ برأسه إيماء ، وإن يضع جبهته على الأرض أحب الي » (4).

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 5.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 14.

(3) الوسائل باب : 15 من أبواب ما يسجد عليه حديث : 1.

(4) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 2.

126

________________________________________________

وقيل : بأن الوضع بدل عند تعذر الإيماء ، حملا لنصوص الوضع على ذلك ، بشهادة خبر ابن جعفر (ع) : « عن المريض الذي لا يستطيع القعود ولا الإيماء ، كيف يصلي وهو مضطجع؟ قال (ع) : يرفع مروحة إلى وجهه ، ويضع على جبينيه ، ويكبر » (1).

وربما حكي القول بوجوب الوضع فقط للمضطجع والمستلقي ، وعدم وجوب الإيماء عليه ، عملا بالموثق والمرسل ، وطرحا لنصوص الإيماء.

أقول : أما القول الأخير ففي غاية الضعف ، إذ الطرح والترجيح فرع التعارض وعدم إمكان الجمع ، لكنه ممكن كما سيأتي. ولو سلم فنصوص الإيماء أرجح ، لأنها أصح سنداً وأشهر رواية ، بل لعلها متواترة إجمالا ، ولا سيما مع تأيدها بنصوص الإيماء في الموارد الكثيرة ، مثل ما ورد في الراكب والماشي (2) ، والعاري (3) ، ومن يخاف الرعاف (4) ، ومن يخاف على عينه (5) ، وغير ذلك. فكيف يرجح الموثق والمرسل عليها؟!

وأما القول الذي قبله ففيه : أن خبر ابن جعفر (ع) ـ مع أنه لا يخلو من إشكال ، لظهوره في أن وضع المروحة على الجبين إنما هو حال التكبير فلا يكون مما نحن فيه ـ لا يصلح شاهداً للجمع ، لعدم منافاته لكل من الطائفتين ، فكيف يصلح للجمع بينهما؟! مع أن الموثق ظاهر في أن الوضع على الجبهة حال الإيماء المراد من قوله (ع) : « إذا سجد » فكيف يحمل على حال العجز عن الإيماء؟!. وأما المرسل فغير ظاهر في وجوب الوضع ،

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 21.

(2) الوسائل باب : 16 من أبواب القبلة حديث : 14 و 15.

(3) الوسائل باب : 50 من أبواب لباس المصلي حديث : 1.

(4) الوسائل باب : 8 من أبواب القيام حديث : 1.

(5) الوسائل باب : 7 من أبواب القيام حديث : 2.

127

________________________________________________

لأن الظاهر من السؤال ـ بقرينة قوله (ع) في الجواب : « نعم لم يكلفه .. » ـ هو السؤال عن جواز الاجتزاء بذلك ، فلا يصح الاستدلال به على الوجوب ، لا جمعاً مع الإيماء ، ولا تخييراً بينهما ، ولا تعييناً ، ولا ترتيباً ، كما لا يخفى.

وأما القول الذي قبله ففيه : أن ظهور كل من الدليلين في البدلية على الاستقلال ـ لو سلم ـ فهو ضعيف جداً ، لا يقوى على مدافعة ظهور كل من الطائفتين في الوجوب التعييني ، بل الثاني أقوى فيقدم عليه ، ولازمه وجوب الجمع. وأما الصحيح والمصحح فلا يصلحان للشهادة على التخيير ، لأن السجود على الأرض ووضع الجبهة عليها إنما يكونان بالإيماء ، فكيف يصح أن يدعى دلالته على الاكتفاء بمجرد الوضع؟!. نعم لو كانت العبارة هكذا : « وأن يضع على جبهته شيئاً أحب إلي أو أفضل من الإيماء » كان للتوهم المذكور مجال ، لكنه ممنوع جداً في المصحح ، لظهوره في أن الوضع مع الإيماء أحب إليه من الإيماء وحده ، لا أن الوضع المجرد أحب إليه من الإيماء المجرد. نعم لا يبعد ذلك في الصحيح ، وإن كان لا يخلو من تأمل ، ولو تمَّ فإنما هو في العبارة الفرضية لا الفعلية ، إذ قد عرفت أن الظاهر من قوله : « يسجد على الأرض » أنه يومئ الى أن تصل جبهته إلى الأرض.

وأما القول الأول فقد عرفت أن المرسل لا يصلح حجة له لعدم ظهوره في وجوب الوضع. وأما الموثق فهو ـ وإن دل على وجوبه ـ معارض بصحيح زرارة ومصحح الحلبي لظهورهما في استحباب الوضع زائداً على الإيماء ، كما عرفت ، وحملهما على مثل قوله تعالى : ( قُلْ ما عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِنَ اللهْوِ .. ) وقولهم : « السيف أمضى من العصا » لا داعي اليه. ومخالفتهما للإجماع المحكي عن المنتهى وظاهر غيره ممنوعة ، لاختصاص الإجماع بصورة الانحناء الكثير الذي لا يبلغ المقدار الواجب ، ولا يشمل صورة الإيماء بالرأس على نحو يلاقي المروحة ونحوها. والخبران إن لم يكونا ظاهرين فيه ،

128

والإيماء بالمساجد الأخر أيضا [1] وليس بعد المراتب المزبورة حد موظف [2] ، فيصلي كيف ما قدر ، وليتحر الأقرب إلى صلاة المختار [3] ، وإلا فالأقرب إلى صلاة المضطر على الأحوط.

________________________________________________

فلا أقل من إمكان حملهما عليه ، فيرتفع التنافي. ودعوى : أن ظاهر معقد الإجماع الشمول للصورة الثانية. مندفعة : بوضوح الخلاف فيها ، فاذاً الاكتفاء بالإيماء المجرد أقوى.

[1] كما في حاشية النجاة لشيخنا الأعظم ، ولم أقف عليه لغيره. وكأن وجهه : احتمال كون موضوع الإيماء جميع المساجد لا خصوص الجبهة وفيه : أنه خلاف المصرف من الإيماء المذكور في النصوص ، ولا سيما بعد اشتمال بعض النصوص على التقييد بالرأس ، فلا محل للتوقف فيه.

ثمَّ إنه لا ينبغي التأمل في اختصاص ذلك على تقدير القول به بصورة إمكانه ، كما في المضطجع أما الجالس فلا يتأتى ذلك منه بالنسبة إلى الركبتين وإبهامي الرجلين ، وكذا المستلقي فإنه قد لا يستطيع الإيماء بها الى القبلة.

[2] لخلو النصوص عن التعرض لغير ما سبق.

[3] إن كان الوجه فيه قاعدة الميسور فقد عرفت الإشكال في الدليل عليها ، والإجماع عليها في المقام بنحو يقتضي وجوب بدل آخر قريب من بدله غير ثابت ، فان الظاهر منها الميسور للأصل لا لبدله. ومنه يظهر ضعف ما عن كشف الغطاء : من أنه لو تعذر الإيماء بالرأس والعين انتقل إلى الإيماء بباقي الأعضاء. انتهى ، وإن قال في الجواهر : « وهو لا يخلو من وجه وإن كان ظاهر الأصحاب خلافه ». وإن كان الوجه فيه أصالة التعيين لكون المورد من قبيل ما يتردد فيه بين التعيين والتخيير ففي محله ، فاذا شك في وجوب الإيماء بباقي الأعضاء فالمرجع أصل البراءة ، وإذا لم يتمكن من الجلوس ولا الاضطجاع ولا الاستلقاء ، ويتمكن من أن يكون

129

( مسألة 16 ) : إذا تمكن من القيام لكن لم يتمكن من الركوع قائماً جلس وركع جالساً [1] ، وإن لم يتمكن من الركوع والسجود صلى قائماً وأومأ للركوع والسجود [2] وانحنى لهما بقدر الإمكان [3] ، وإن تمكن من الجلوس جلس لايماء السجود [4] ،

________________________________________________

مكبوبا على وجهه ، وتردد في وجوب أن يكون مكبوبا على أحد الجانبين بحيث يصير قريباً من المضطجع ، وعدمه فيتخير ، كان اللازم الأول ، عملا بأصالة الاحتياط المقتضية للتعيين عند الدوران بينه وبين التخيير ، فليست الفروض كلها على نسق واحد.

[1] لأنه الميسور له ، هذا إذا لم يتمكن من الانحناء أصلا ، أما إذا تمكن منه في الجملة ـ وإن لم يكن على الوجه المعتبر ـ فسيأتي في مبحث الركوع أنه يجتزئ بالانحناء اليسير الممكن ، ويأتي وجهه إن شاء الله.

[2] لما سبق من بدلية الإيماء عنهما.

[3] قد تقدم في المسألة السابقة اختصاص ذلك بصورة صدق الركوع الناقص ، لا السجود كذلك ولو بدفع ما يسجد عليه ، فاذا لم يصدق ذلك أجزأ الإيماء ، لعموم بدليته ، ولا تجب زيادة الانحناء ، للأصل.

[4] كما هو أحد القولين في المسألة ، واختاره العلامة الطباطبائي في منظومته ، قال (قدس سره) :

وكل إيماء عن السجود من * * * غير قيام ما خلا العاري الأمن.

وكأنه لقاعدة الميسور. وفيه : أن الجلوس لا يعتبر في السجود لا شرطاً ولا ظرفاً ، إذ السجود الواجب وضع المساجد على الأرض ، فإذا فرض تعذر ذلك وبدلية الإيماء لم يكن وجه لوجوب الجلوس إلا كونه أقرب الى حال الساجد ، وقد عرفت أن هذا المقدار لا تصلح قاعدة

130

والأحوط وضع ما يصح السجود عليه على جبهته [1] إن أمكن.

( مسألة 17 ) : لو دار أمره بين الصلاة قائماً مومياً أو جالساً مع الركوع والسجود فالأحوط تكرار الصلاة [2] ، وفي الضيق يتخير بين الأمرين.

________________________________________________

الميسور لإثباته. نعم يشكل الحال في الجلوس الواجب بين السجدتين ، فان مقتضى القاعدة المذكورة وجوبه حال تعذر السجود وبدلية الإيماء. وسقوط السجود بالتعذر لا يقتضي سقوطه ، لكن لم أقف على من تعرض له ولعل نظر القائل بوجوب الجلوس اليه لا الى الجلوس حال السجود. فتأمل.

[1] تقدم الكلام فيه.

[2] اختار في الجواهر في أول كلامه تعين الأول ، حاكياً عن بعض التصريح به ، مستظهراً من آخر انه المشهور بل المتفق عليه ، حاكياً عن الرياض عن جماعة دعوى الاتفاق عليه ، لاشتراط الجلوس بتعذر القيام في النصوص ، ولأن الخطاب بأجزاء الصلاة مرتب ، فيراعي كل جزء حال الخطاب به بالنسبة اليه وبدله ، ثمَّ الجزء الثاني ، وهكذا الى تمام الصلاة. ولما كان القيام أول أفعالها وجب الإتيان به مع القدرة عليه ، فاذا جاء وقت الركوع والسجود خوطب بهما ، فان استطاع ، وإلا فبدلهما ، ثمَّ قال : « ويحتمل ـ كما مال إليه في كشف اللثام ـ تقديم الجلوس والإتيان بالركوع والسجود » بل قال : « وكذا إذا تعارض القيام والسجود وحده ، ولعله لأنهما أهم من القيام ، خصوصاً بعد أن ورد : « أن الصلاة ثلث طهور وثلث ركوع وثلث سجود » (1) ، « وأن أول الصلاة الركوع » (2) ونحو ذلك. ولأن أجزاء الصلاة وإن كانت مترتبة في الوقوع إلا أن الخطاب

____________

(1) الوسائل باب : 9 من أبواب الركوع ، حديث : 1 والحديث منقول ـ هنا ـ بالمعنى

(2) الوسائل باب : 9 من أبواب الركوع حديث : 6.

131

________________________________________________

بالجميع واحد حاصل من الأمر بالصلاة ، فمع فرض تعذر الإتيان بها كما هي اختياراً وجب الانتقال الى بدلها الاضطراري ، ولما كان متعدداً ـ ضرورة كونه إما القيام وحده ، أو الجلوس مع استيفاء باقي الأفعال ـ وجب الترجيح بمرجح شرعي ، ولعل الأهمية ونحوها منه ، وأنها أولى بالمراعاة من السبق لما عرفت ، ومع فرض عدم المرجح أو عدم ظهور ما يدل على الاعتداد به يتجه التخيير ، كما احتمله في كشف اللثام هنا تبعاً للمحكي عن المحقق الثاني ». ثمَّ حكى عبارة جامع المقاصد الظاهرة في تردده في التخيير وترجيح الجلوس. ثمَّ قال : « والمسألة لا تخلو من إشكال وإن كان احتمال تقديم الجلوس قوياً ».

أقول : لا ينبغي التأمل في أنه لو استفيد من نصوص الباب ـ مثل صحيح أبي حمزة : « الصحيح يصلي قائماً » (1) ، وصحيح جميل : « إذا قوي فليقم » (2) ، ونحوهما ـ : أن القدرة شرط شرعي لوجوب القيام والركوع والسجود وغيرها من الأجزاء الاختيارية ، وجب تقديم السابق على اللاحق وإن كان اللاحق أهم ، لحصول القدرة على السابق في حاله ، فيثبت وجوبه ، ولا يزاحم بوجوب اللاحق ، لعدم وجوب إبقاء القدرة عليه الى زمان فعله ، لأن الوجوب المشروط لا يقتضي حفظ شرطه ، فاذا لم يجب شرعاً ولا عقلا إبقاء القدرة إلى زمان فعل الثاني لم يكن للمكلف عذر في ترك الأول والانتقال الى بدله لحصول شرط وجوبه ، فتركه معصية له جزماً. وإن لم يستفد من النصوص المذكورة شرطية القدرة للوجوب شرعاً لعدم دخلها في ملاكه بل كانت شرطاً عقلياً لتنجز التكليف بالجزء لا غير جاء الإشكال ، لأن التكليف بالجزء الأول يقتضي صرف قدرة

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القيام حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 6 من أبواب القيام حديث : 3.

132

________________________________________________

المكلف فيه ، والتكليف بالجزء الثاني يقتضي أيضاً حفظ القدرة لتصرف فيه ، فان كان مرجح لأحد الاقتضائين لأهمية الملاك قدم وإن كان متأخراً زماناً ، وإلا يتخير ، والتقدم الزماني لا أثر له في الترجيح في نظر العقل.

نعم لو قيل بعدم وجوب حفظ القدرة إلى زمان الفعل وجب القول بتعين فعل الأول ، لعدم المزاحم له حال فعله. لكنه خلاف التحقيق ، إذ لا فرق في نظر العقل في حرمة تفويت الواجب بتفويت مقدمته بين ما قبل وقته وما بعده ، والرجوع الى العقلاء شاهد بذلك. اللهم الا أن يقال : التكليف بالثاني لا يوجب سلب القدرة الخارجية على الأول قطعاً ، كما أنه إنما يوجب سلب القدرة التشريعية عليه لو كان الثاني أهم ، أما لو كان مساوياً للأول في الاهتمام فلأجل مزاحمته بالأول لا يصلح لسلب القدرة عليه تشريعاً ، ومع وجود القدرة الخارجية والتشريعية للمكلف على الأول لا عذر له في تركه فكيف يسوغ له تركه؟!.

فان قلت : ما الفرق بين المتزاحمين العرضيين والتدريجيين ، مع أنه لا ريب في التخيير بين الأولين. قلت : الفرق بينهما أن القدرة الخارجية في العرضيين ليست عرضية حاصلة بالإضافة الى كل منهما في عرض الآخر بل بدلية حاصلة بالإضافة الى كل في ظرف عدم الآخر ، ومنتفية عن كل في ظرف وجود الآخر ، فاذا فعل المكلف أحدهما وترك الآخر صح له الاعتذار عن تركه بعدم القدرة الخارجية عليه ، وليس الحال كذلك في التدريجيين ، فإن الأول منهما مقدور بالقدرة الخارجية بلا شرط ، والثاني مقدور بشرط عدم فعل الأول ، فإذا ترك الأول لم يصح الاعتذار عن تركه بعدم القدرة عليه ، وإذا فعله وترك الثاني صح له الاعتذار عن تركه بعدم القدرة عليه ، وقد عرفت أنه لا نقص في القدرة التشريعية أيضاً إذا لم يكن الثاني أهم ، فإذا كان الأمر بالثاني لا يوجب نقصاً في القدرة

133

________________________________________________

الخارجية ولا التشريعية على الأول لعدم الأهمية لم يكن للمكلف عذر في تركه.

هذا غاية ما يقال في تقريب وجوب تقديم الأول. وفيه : أنك عرفت أن التكليف بالثاني إذا كان يقتضي حفظ القدرة عليه ـ كما هو مقتضى البناء على حرمة تفويت المقدمات قبل الوقت ـ فالمكلف في زمان الأول ليس له قدرة عرضية خارجية على فعله وعلى حفظ قدرته للثاني ، بل القدرة الخارجية عليهما بدلية كالعرضيين ، وحينئذ يتخير بين فعل الأول جريا على مقتضى التكليف به وبين حفظ قدرته للثاني جريا على مقتضى التكليف به ، ولا وجه لترجيح الأول على الثاني ، كما لا وجه لترجيح الثاني على الأول.

فالعمدة في وجوب ترجيح الأول دعوى كون القدرة شرطاً في الوجوب كما يقتضيه الجمود على عبارة النصوص المشار إليها آنفاً ، لكن فيها : أنها خلاف المرتكزات العرفية ، فالأخذ بإطلاق ما دل على وجوب القيام والركوع والسجود وغيرها ، وحمل النصوص المذكورة على أنها في مقام بيان موضوع التكليف الفعلي إرشاداً الى ما عند العقل أولى من تقييد تلك الإطلاقات كما هو ظاهر ، وعليه العمل في أكثر المقامات. نعم لو لم يكن في المقام ذلك الإطلاق كان البناء على شرطية القدرة للوجوب في محله ، لكنه خلاف الواقع وعليه يتعين القول بالتخيير إلا إذا كان الثاني أهم فيتعين الأخذ به.

هذا وأما فرض المسألة ، فالدوران فيه بين الجلوس فيفوته ركنان : القيام حال التكبير ، والقيام المتصل بالركوع ، وواجب غير ركن : وهو القيام حال القراءة ، وبين القيام فيفوته ركنان : الركوع والسجود. ولا تبعد دعوى أهمية الركوع والسجود كما يقتضيه ما تضمن : « أن الصلاة ثلث ركوع وثلث سجود » ، « وأن أول الصلاة الركوع » (1) ، « وأنه لا تعاد

____________

(1) تقدما في صدر التعليقة.

134

( مسألة 18 ) : لو دار أمره بين الصلاة قائماً ماشياً أو جالساً ، فالأحوط التكرار أيضاً [1].

________________________________________________

الصلاة إلا من الوقت والقبلة والطهور والركوع والسجود » (1) ، كما أشار الى ذلك في محكي كشف اللثام ، ويساعده ارتكاز المتشرعة ، والمقام وان لم يكن من باب التزاحم كي يحكم العقل بوجوب ترجيح الأهم أو محتمل الأهمية ـ كما أشرنا إليه آنفاً ـ ، بل من باب الدوران في تعيين البدل الاضطراري ، للتردد في تطبيق قاعدة الميسور الدالة على وجوب الميسور وبدليته عن التام ، فالتردد في أن كلام من الأمرين ميسور أو أحدهما بعينه هو الميسور دون الآخر ، والوجوه المذكورة تستدعي كون الميسور هو الثاني فيتعين ، لا الأول فلا يجتزأ به في البدلية. ولا ينافي ما ذكرنا ما دل على اشتراط بدلية الجلوس بتعذر القيام ، لاختصاص ذلك بغير المقام.

هذا وظاهر كلمات الجماعة : أن المقام من باب التزاحم ، فإن الأخذ بالأهم أو الأسبق إنما يكون في المتزاحمات ، لكنه ليس كذلك ، ولعل مرادهم ما ذكرنا وإن بعد. نعم يبقى الإشكال في إطلاق قاعدة الميسور ، لأجل أن دليلها الإجماع الذي لا مجال له مع وجود الخلاف. ويدفع : بأن الخلاف ليس في القاعدة ، وإنما الخلاف في مورد تطبيقها ، فالعمل بها مع العلم بالانطباق لازم.

[1] المحكي عن جماعة منهم المفيد ، والفاضل ، والشهيد ( (قدس سرهم) ) : ترجيح الصلاة ماشياً على الصلاة قاعداً ، وربما يستشهد لهم برواية سليمان ابن حفص المروزي : « قال الفقيه (ع) : المريض إنما يصلي قاعداً إذا صار بالحال التي لا يقدر فيها على أن يمشي مقدار صلاته .. الى أن يفرغ

____________

(1) الوسائل باب : 10 من أبواب الركوع ، حديث : 5 وتقدم نقله مراراً.

135

________________________________________________

قائماً » (1) ـ مضافا الى أن الماشي إنما فقد الاستقرار وهو كفقد الاستقلال مقدم على القعود الرافع لأصل القيام.

وأورد عليه بضعف الرواية سنداً بعدم توثيق سليمان ، ودلالة باحتمال أن يكون المراد تحديد العجز المسوغ للجلوس تعبداً ، بأن لا يتمكن من المشي بقدر صلاته كما حكي عن المفيد ومحتمل النهاية ، أو الكناية عن العجز عن القيام ، لغلبة تلازم القدرتين ، أو أنه إذا لم يقدر على المشي قدر الصلاة جاز له الجلوس وإن قدر على القيام بمشقة ، فالمقصود تحديد المشقة التي تكون في القيام بالعجز عن المشي مقدار الصلاة ، وبأن القيام الحاصل في المشي غير القيام المعتبر في الصلاة ، إذ المراد منه الوقوف الذي تنافيه الحركة فضلا عن المشي.

وفيه : أن الذي صرح به في المختلف في مبحث مفطرية الغبار وثاقة سليمان ، والمعنى الأول مخالف للأخبار الصحيحة المتضمنة نفي تحديد العجز ، وإيكال معرفته الى نفس المصلي ، وغلبة تلازم القدرتين ممنوع جداً. كيف والمشي مقدار الصلاة فيه من المشقة ما يزيد كثيراً على القيام مقدار الصلاة؟ مع أن القدرة على المشي مقدار الصلاة أخفى من القدرة على القيام ذلك المقدار ، فكيف يجعل الأخفى طريقاً لمعرفة الأجلى؟ وأما المعنى الثالث فبعيد جداً ، ولا قرينة عليه ، فكيف تحمل عليه الرواية؟ وكون المراد من القيام ما تنافيه الحركة فضلا عن المشي ممنوع جداً ، بل المستفاد من النصوص والفتاوى أن المشي إنما ينافي الاستقرار المعتبر في أفعال الصلاة لا أصل القيام ولذا استدل على وجوب الاستقرار برواية السكوني الواردة في من يريد أن يتقدم وهو في الصلاة قال (ع) : « فليكف عن القراءة » (2) ولم يستدل

____________

(1) الوسائل باب : 6 من أبواب القيام حديث : 4.

(2) الوسائل باب : 34 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

136

( مسألة 19 ) : لو كان وظيفته الصلاة جالساً وأمكنه القيام حال الركوع وجب ذلك [1].

( مسألة 20 ) : إذا قدر على القيام في بعض الركعات دون الجميع وجب أن يقوم إلى أن يتجدد العجز [2] ، وكذا

________________________________________________

بها على وجوب القيام في القراءة. هذا والانصاف أن الرواية من حيث السند لا قصور فيها بعد اعتماد جماعة من الأعيان عليها ، ورواية الأجلاء لها ، وظاهرها وإن كان تحديد العجز المسوغ للجلوس تعبداً ، لكن بقرينة معارضتها تحمل على إرادة عدم جواز الصلاة جالساً إن أمكن فعلها قائماً فإنه أقرب المعاني بعد المعنى الأول ولا سيما بعد مساعدة القاعدة المشار إليها في ذيل الاستدلال ، فالبناء على وجوب الصلاة ماشياً في فرض المسألة قوي جداً.

[1] تحصيلا للقيام المتصل بالركوع الذي عرفت أنه ركن ، وللقيام ما دام الركوع الذي هو واجب ، فان ذلك مقتضى قاعدة الميسور المعول عليها في مثل المقام. نعم يشكل ذلك فيما لو تجددت القدرة على القيام بنحو يمكن استئناف الصلاة قائماً ، إذ يمكن أن يقال حينئذ إن ذلك يكشف عن فساد الصلاة من أول الأمر ، فيجب الاستئناف ولا يجزئ القيام للركوع فقط ، وهذا يتم لو لم يكن إطلاق لأدلة البدلية يقتضي ثبوت البدلية في جميع آنات العجز وإن لم يستمر ـ كما هو مبنى القول بجواز البدار لذوي الأعذار ـ ولو فرض ثبوت الإطلاق المذكور كان القول بالاستئناف مخالفاً لقاعدة الاجزاء ، هذا وقد عرفت غير مرة من هذا الشرح الإشكال في ثبوت الإطلاق المذكور لأدلة البدلية ، فإطلاق وجوب المبدل منه المقتضي لوجوب الاستئناف محكم.

[2] قد عرفت في المسألة السابعة عشرة أن المرجع : قاعدة الميسور

137

إذا تمكن منه في بعض الركعة لا في تمامها. نعم لو علم من حاله أنه لو قام أول الصلاة لم يدرك من الصلاة قائماً إلا ركعة ، أو بعضها ، وإذا جلس أو لا يقدر على الركعتين قائماً أو أزيد مثلا ، لا يبعد وجوب تقديم الجلوس ، لكن لا يترك الاحتياط حينئذ بتكرار الصلاة ، كما أن الأحوط في صورة دوران الأمر بين إدراك أول الركعة قائما والعجز حال الركوع أو العكس أيضا تكرار الصلاة [1].

( مسألة 21 ) : إذا عجز عن القيام ودار أمره بين الصلاة ماشياً أو راكبا ، قدم المشي على الركوب [2].

________________________________________________

والظاهر أن الميسور يحصل بالقيام ثمَّ الجلوس ، وبالجلوس أولا ثمَّ القيام ، ولا ترجيح لأحد الفردين على الآخر بالنظر الى نفس الميسور ، ولكن الظاهر من العقلاء ترجيح التطبيق الأول على الثاني ، ومع الشك يكون المقام من موارد الدوران بين التعيين والتخيير والمرجع فيه الاحتياط.

[1] اختار في الجواهر ـ فيما لو قدر على القيام زماناً لا يسع القراءة والركوع ـ تقديم القراءة والجلوس للركوع ، حاكياً التصريح به عن بعض وحكايته عن آخرين ، وعن المبسوط والنهاية والسرائر والمهذب والوسيلة والجامع أنهم قدموا الركوع على القراءة ، وعن المبسوط نسبته إلى رواية أصحابنا ، لكن الرواية لم تثبت ، والقاعدة التي أشرنا إليها تقتضي ما ذكر في الجواهر ، ولعل الرواية التي أشار إليها في المبسوط : ما ورد من أن الجالس إذا قام في آخر السورة فركع عن قيام يحسب له صلاة القائم ، لكنها في غير ما نحن فيه.

[2] هذا لا إشكال فيه بناء على تقديم المشي على الجلوس ، وكذا

138

( مسألة 22 ) : إذا ظن التمكن من القيام في آخر الوقت وجب التأخير ، بل وكذا مع الاحتمال [1].

________________________________________________

بناء على تقديم الجلوس عليه ، من أجل أهمية الاستقرار الجلوسي من القيام بلا استقرار ، لفوات الاستقرار حال الركوب ، فيتعين المحافظة على القيام أما بناء على أن تقديم الجلوس عليه لأن المشي غير القيام ، كما تقدم احتماله أو القول به فيرجع الى عموم : « من لا يستطيع الصلاة قائماً يصلي جالساً » (1) يتعين في الفرض تقديم الركوب على المشي ، لأن الركوب جلوس بلا استقرار ، لكن عرفت ضعف الأخير ، فما في المتن قوي.

[1] لا ريب في أن مقتضى إطلاق دليل الواجب الاختياري أنه لو تعذر فعله في جزء من الوقت يتعين عليه في الجزء الآخر ، فان تعذر في الأول تعين التأخير ، وإن تعذر في الآخر تعين البدار ، وأما أدلة الابدال الاضطرارية فإن كان لها إطلاق يقتضي ثبوت البدلية بمجرد تحقق الاضطرار في جزء من الوقت وإن لم يستمر الى آخر الوقت ، جاز الانتقال الى البدل لو تحقق الاضطرار في أول الوقت ، وان علم بارتفاعه في آخر الوقت ، وإن لم يكن لها هذا الإطلاق لم يحكم بثبوت البدلية بمجرد ذلك وحينئذ يتعين الرجوع الى إطلاق أدلة الواجب الاختياري الذي قد عرفت أن مقتضاه وجوب التأخير. هذا وقد عرفت قريباً الإشارة الى عدم ثبوت هذا الإطلاق لأدلة الابدال الاضطرارية ، فيتعين التأخير مع العلم بالزوال.

نعم مع احتماله لا بأس بالمبادرة إلى فعل البدل الاضطراري ، لاحتمال استمرار العذر ، فان انكشف الاستمرار انكشفت الصحة ، وإن انكشف زوال العذر انكشف البطلان ، بل لو قطع باستمرار العذر فبادر الى فعل البدل الاضطراري ثمَّ انكشف زوال العذر انكشف البطلان أيضاً. وعلى

____________

(1) هذا مستفاد من عدة أحاديث. راجع الوسائل باب : 1 و 14 وغيرهما من أبواب القيام.

139

( مسألة 23 ) : إذا تمكن من القيام ، لكن خاف حدوث مرض أو بطء برئه جاز له الجلوس [1] ، وكذا إذا خاف من الجلوس جاز له الاضطجاع ، وكذا إذا خاف من لص أو عدو أو سبع أو نحو ذلك.

( مسألة 24 ) : إذا دار الأمر بين مراعاة الاستقبال أو القيام فالظاهر وجوب مراعاة الأول [2].

________________________________________________

هذا فوجوب التأخير مع الاحتمال يراد منه عدم الحكم بالاجتزاء لو بادر الى البدل ، لا الحكم بعدم الاجتزاء واقعاً.

[1] بلا خلاف ظاهر ولا إشكال ، ويشير اليه صحيح ابن مسلم : « سألت أبا عبد الله (ع) عن الرجل والمرأة يذهب بصره فيأتيه الأطباء فيقولون : نداويك شهراً أو أربعين ليلة مستلقياً كذلك يصلي؟ فرخص في ذلك وقال (ع) : فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ » (1) ونحوه غيره. بل لمستفاد من النص والفتوى أن الإبدال الاضطرارية أبدال عند سقوط الواجب الاختياري سواء أكان المسقط الاضطرار أم الحرج ، فلو كان القيام مقدوراً لكنه حرجي انتقل الى الجلوس أيضاً ، وهكذا في بقية المراتب. ففي خبر عبد الله بن جعفر (ع) : « عن رجل نزع الماء من عينيه أو يشتكي عينيه ويشق عليه السجود هل يجزئه أن يومئ وهو قاعد؟ أو يصلي وهو مضطجع؟ قال (ع) : يومئ وهو قاعد » (2).

[2] لأهمية الاستقبال من القيام كما يشير اليه صحيح : « لا تعاد الصلاة » (3) حيث استثني فيه فقد الاستقبال ولم يستثن منه فقد القيام.

____________

(1) الوسائل باب : 7 من أبواب القيام حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 7 من أبواب القيام حديث : 2.

(3) تقدم في آخر مسألة : 17.

140

( مسألة 25 ) : لو تجدد العجز في أثناء الصلاة عن القيام انتقل إلى الجلوس [1] ولو عجز عنه انتقل إلى الاضطجاع ولو عجز عنه انتقل إلى الاستلقاء ويترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال إلى أن يستقر [2].

________________________________________________

لكنه معارض بما دل على ركنية القيام ، بل ما دل على صحة الصلاة مع الانحراف الى ما بين اليمين واليسار ، يدل على عدم ركنية الاستقبال مطلقاً وحينئذ فلو دار الأمر بين القيام مع الانحراف الى ما بين اليمين واليسار وبين ترك القيام واستقبال نقطة القبلة يتعين الأول ، لعدم فوات الركن فيه بخلاف الثاني ، ولو دار الأمر بين القيام مع الاستدبار وبين الاستقبال وترك القيام ، لم يكن مرجّح لأحدهما على الآخر ، لكن عرفت سابقاً أن المدار في الترجيح تطبيق قاعدة الميسور ، ولا يبعد أن يكون تطبيقها على واجد تمام الأجزاء فاقد الشرط ، أولى من تطبيقها على فاقد الجزء واجد الشرط ومقتضى ذلك ترجيح القيام على الاستقبال مطلقاً. بل لو قيل بأن القيام شرط فترجيح مثله مما كان له وجود خارجي عيني على ما لم يكن كذلك بل كان إضافة خارجية كالاستقبال غير بعيد.

[1] ولا يجب عليه الاستئناف ، بلا خلاف ظاهر ، كما يظهر من ملاحظة كلماتهم في المقام. نعم عن بعض العامة القول بالاستئناف وعدم الاجتزاء بصلاة ملفقة من الأحوال. وفيه : أنه خلاف إطلاق أدلة البدلية الشامل للعجز الطارئ في الأثناء شموله للعجز الطارئ قبل الدخول في العمل. بل لا يجوز الاستيناف لأنه تفويت للجزء الاختياري المأتي به قبل طروء العجز.

[2] كما عن جماعة منهم الكركي والأردبيلي وسيد المدارك ، لأن الاستقرار شرط مع القدرة ، ولم يحصل في الهوى ، لكن عن الأكثر أنه

141

( مسألة 26 ) : لو تجددت القدرة على القيام في الأثناء انتقل اليه [1] ، وكذا لو تجدد للمضطجع القدرة على الجلوس

________________________________________________

يقرأ في حال الانتقال. بل عن الذكرى نسبته إلى الأصحاب ، واستدل لهم بأن الهوي أقرب الى القيام فتجب المبادرة حاله الى الإتيان بما أمكن من القراءة والذكر ، وفوات الاستقرار لا يقدح ، لأنه شرط مع الاختيار لا مطلقاً ، ومع الدوران بينه وبين ما هو أقرب الى القيام يتعين الأخذ بالثاني ، لأن فوات الوصف أولى من فوات الموصوف. وفيه : أنه إنما يتم لو كان الهوي من القيام ، إذ يكون الفرض من قبيل ما لو دار الأمر بين القيام مضطرباً والجلوس الذي لا إشكال في وجوب تقديم الأول ، لكن من الواضح أن الهوي ليس من القيام في شيء. نعم هو أقرب الى القيام من الجلوس ، لكن مجرد ذلك غير كاف في رفع اليد عن إطلاق ما دل على وجوب الجلوس لمن لا يتمكن من القيام ، وقاعدة الميسور بنحو تقتضي ذلك غير ثابتة ، ولذا لو دار الأمر مع تعذر القيام بين الصلاة في حال النهوض أو الهوي ، وبينها في حال الجلوس يتعين الثاني ، أخذاً بدليل بدلية الجلوس من غير معارض.

[1] بلا خلاف فيه منا ظاهر. نعم عن بعض العامة لزوم الاستئناف كما في المسألة السابقة ، لما سبق مما عرفت ضعفه. نعم يتوجه بناء على عدم جواز البدار لذوي الأعذار ، فإن تجدد القدرة مع اتساع الوقت للاستئناف كاشف عن عدم مشروعية الفعل من أوله ، كما أنه لو بني على جواز البدار كان البناء على عدم وجوب الاستئناف في محله ، وكذا لو كان الوقت يضيق عن الاستئناف ، لأن الفعل حينئذ مشروع من أول وقوعه فلا موجب لاستئنافه. هذا ومما ذكرنا يظهر أن إطلاق المصنف (ره) الحكم بالانتقال في هذه المسألة لا يناسب ما سبق في المسألة الثانية والعشرين.

142

أو للمستلقي القدرة على الاضطجاع ويترك القراءة أو الذكر في حال الانتقال [1].

( مسألة 27 ) : إذا تجددت القدرة بعد القراءة قبل الركوع قام للركوع ، وليس عليه إعادة القراءة [2] ، وكذا لو تجددت في أثناء القراءة لا يجب استئنافها ولو تجددت بعد الركوع فان كان بعد تمام الذكر انتصب للارتفاع منه [3] ، وإن كان قبل تمامه ارتفع منحنياً إلى حد الركوع القيامي [4] ، ولا يجوز له الانتصاب ثمَّ الركوع [5] ، ولو تجددت بعد رفع الرأس من الركوع لا يجب عليه القيام للسجود لكون انتصابه الجلوسي بدلا عن الانتصاب القيامي [6] ، ويجزئ عنه لكن الأحوط القيام للسجود عنه.

________________________________________________

[1] الظاهر أنه لا إشكال هنا فيما ذكره ، لعدم تأتي ما في المسألة السابقة لإمكان الإتيان بالواجب الأصلي الاختياري كما هو ظاهر.

[2] عدم لزوم إعادة القراءة ، بل عدم لزوم استئناف الصلاة مبني على ما في المسألة السابقة إطلاقا وتقييداً كما هو ظاهر.

[3] تحصيلا للقيام بعد الركوع.

[4] تحصيلا للذكر حال الركوع القيامي.

[5] لئلا تلزم زيادة الركوع.

[6] فاذا وقع منه بقصد امتثال الأمر الاضطراري أجزأ عن المبدل منه الاختياري ، والفرق بينه وبين القيام قبل الركوع ـ الذي تقدم وجوب فعله لو تجددت القدرة بعد القراءة ـ أن ذلك القيام لا يتشخص بدلا إلا باتصاله بالركوع ، فما لم يتحقق الركوع لم يتحقق ، فيجب فعله لو تمكن

143

( مسألة 28 ) : لو ركع قائماً ثمَّ عجز عن القيام فان كان بعد تمام الذكر جلس منتصبا ثمَّ سجد ، وإن كان قبل الذكر هوى متقوسا إلى حد الركوع الجلوسي ثمَّ أتى بالذكر.

( مسألة 29 ) : يجب الاستقرار حال القراءة والتسبيحات وحال ذكر الركوع والسجود [1] ، بل في جميع أفعال الصلاة وأذكارها ، بل في حال القنوت والأذكار المستحبة [2] ،

________________________________________________

منه قبل الركوع وليس القيام بعد الركوع كذلك ، بل هو مجرد قيام فاذا تحقق بدله وهو مجرد الانتصاب أجزأ عنه. نعم لو كان القيام بعد الركوع هو القيام المتصل بالهوي الى السجود كان الواجب تداركه عند تجدد القدرة ما لم يسجد ، كما في القيام المتصل بالركوع.

وبالجملة : إن كان القيام بعد الركوع من توابع الركوع فقد حصل بدله ، وإن كان من توابع السجود لم يحصل ، ووجب فعله مع الإمكان ، وسيأتي الكلام في ذلك في مباحث الركوع والسجود.

[1] قد تقدم في تكبيرة الإحرام والقيام الإشارة إلى وجهه وأن العمدة فيه الإجماع.

[2] إجماعا كما في الجواهر ذكره في مبحث القيام مستشهداً بما ذكره العلامة الطباطبائي (ره) في منظومته حيث قال :

« لا تصلح الصلاة في اختيار * * * إلا من الثابت ذي القرار

وذاك في القيام والقعود * * * فرض وفي الركوع والسجود

يعم حال فرض تلك الأربعة * * * الندب بالإجماع في فرض السعة

وهي بمعنى الشرط في المندوب * * * فلا ينافي عدم الوجوب »

لكن الاعتماد على مثل هذا الإجماع وإن عظم ناقلاه لا يخلو من إشكال

144

كتكبيرة الركوع والسجود. نعم لو كبّر بقصد الذكر المطلق في حال عدم الاستقرار لا بأس به ، وكذا لو سبح ، أو هلل ، فلو كبّر بقصد تكبير الركوع في حال الهوي له أو للسجود كذلك [1] أو في حال النهوض يشكل صحته فالأولى لمن يكبر كذلك أن يقصد الذكر المطلق. نعم محل قوله : بحول الله وقوته ، حال النهوض للقيام.

( مسألة 30 ) : من لا يقدر على السجود يرفع موضع سجوده إن أمكنه وإلا وضع ما يصح السجود عليه على جبهته كما مر [2].

________________________________________________

إذ لم أقف على من تعرض لذلك في مباحث القنوت والأذكار المستحبة ، بل المنسوب الى المشهور عدم اعتبار الاستقرار في جلسة الاستراحة ، فكيف يحصل الوثوق بنقله؟ ولا سيما وأن الطمأنينة ليست شرطاً عندهم في جميع ما تجب فيه ، فكيف تكون شرطاً في القنوت والأذكار المستحبة وغيرها من المستحبات في الصلاة؟ ولا بد من المراجعة والتأمل.

[1] الخلل في التكبير في حال الهوي ليس من أجل فقد الاستقرار ، بل من جهة فقد المحل ، فان محل التكبير للركوع والسجود حال الانتصاب لا حال الهوي ، فالإتيان به في حال الهوي إتيان به في غير محله ، وحينئذ يقع الكلام في صدق الزيادة القادحة بمجرد ذلك وعدمه ، وقد تقدم منه في المسألة الثالثة الجزم ببطلان الصلاة للزيادة لو قنت جالساً ، وقد تقدم في أوائل هذا الفصل الاشكال فيه فراجع.

[2] الذي مر منه : التوقف في وجوب الوضع ، وقد مر الكلام فيه في المسألة الخامسة عشرة.

145

( مسألة 31 ) : من يصلي جالساً يتخير بين أنحاء الجلوس [1]. نعم يستحب له أن يجلس جلوس القرفصاء [2] ، وهو أن يرفع فخذيه وساقيه ، وإذ أراد أن يركع ثنى رجليه [3] ، وأما بين السجدتين وحال التشهد فيستحب أن يتورك [4].

________________________________________________

[1] لإطلاق الأمر بالجلوس له ـ مضافا الى صحيح عبد الله ابن المغيرة وصفوان وابن أبي عمير عن أصحابهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) في الصلاة في المحمل « صل متربعاً وممدود الرجلين وكيف أمكنك (1).

[2] المصرح به في القواعد وغيرها استحباب أن يتربع حال القراءة ، وعن المعتبر نسبته الى مذهبنا ، وعن المدارك إلى علمائنا ، بل عن الخلاف انه إجماعي ، لحسن حمران عن أحدهما (ع) : « كان أبي إذا صلى جالساً تربع فاذا ركع ثنى رجليه » (2) والمذكور في كلام جماعة ، بل نسب الى المشهور تفسيره بنصب الساقين والفخذين وهو القرفصاء ، وكأن الوجه في حملهم له على هذا المعنى ـ مع أنه أحد معانيه ـ كونه أقرب الى القيام وأنسب بمقام العبادة.

[3] استحبابه حال الركوع من حيث الفتوى كسابقه ، ويشهد له حسن حمران السابق ، وعن عدة من الأصحاب التصريح بأنه افتراش الرجلين تحته بحيث إذا قعد يقعد على صدرهما بغير إقعاء.

[4] عن كشف الرموز حكاية استحبابه في التشهد عن الشيخ (ره) في المبسوط وأتباعه ، وعن غيره نسبته أيضاً الى سائر المتأخرين. نعم في الشرائع نسبته الى القبل ، وعن جامع ابن عمه التصريح باستحباب التربع ،

____________

(1) الوسائل باب : 11 من أبواب القيام حديث : 5.

(2) الوسائل باب : 11 من أبواب القيام حديث : 4.

146

( مسألة 32 ) : يستحب في حال القيام أمور : ( أحدها ) : إسدال المنكبين [1]. ( الثاني ) : إرسال اليدين. ( الثالث ) : وضع الكفين على الفخذين قبال الركبتين اليمنى على الأيمن واليسرى على الأيسر. ( الرابع ) : ضم جميع أصابع الكفين.

( الخامس ) : أن يكون نظره إلى موضع سجوده. ( السادس ) : أن ينصب فقار ظهره ونحره [2].

________________________________________________

وكأنه لإطلاق حسن حمران السابق ، لكنه قيل إنه لا يصلح لمعارضة ما دل على استحباب التورك في مطلق التشهد كصحيح زرارة الآتي إن شاء الله في محله ، والعمدة أن ظاهر الحسن استحباب التربع فيما قبل الركوع لا مطلقاً ، فتأمل. وأما استحبابه بين السجدتين فاستظهره في الجواهر ، ويشهد له صحيح حماد الوارد في بيان كيفية الصلاة ، وقد عرفت الإشكال في حسن حمران.

[1] ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) : « إذا قمت في الصلاة فلا تلصق قدمك بالأخرى دع بينهما فصلا إصبعاً أقل ذلك الى شبر أكثره وأسدل منكبيك وأرسل يديك ولا تشبك أصابعك وليكونا على فخذيك قبالة ركبتيك وليكن نظرك الى موضع سجودك » (1) ومنه ومن صحيح حماد يستفاد أكثر ما ذكر من المستحبات قال في الثاني : « فقام أبو عبد الله (ع) مستقبل القبلة منتصباً فأرسل يديه جميعاً على فخذيه قد ضم أصابعه وقرب بين قدميه حتى كان بينهما ثلاث أصابع مفرجات واستقبل بأصابع رجليه جميعاً القبلة لم يحرفهما عن القبلة بخشوع واستكانة .. » (2).

[2] لما تقدم من مرسل حريز في تفسير قوله تعالى : ( فَصَلِّ لِرَبِّكَ

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث : 1.

147

( السابع ) : أن يصف قدميه [1] مستقبلا بهما متحاذيتين بحيث لا تزيد إحداهما على الأخرى ولا تنقص عنها. ( الثامن ) : التفرقة بينهما بثلاث أصابع مفرجات ، أو أزيد إلى الشبر. ( التاسع ) : التسوية بينهما في الاعتماد. ( العاشر ) : أن يكون من الخضوع والخشوع ، كقيام العبد الذليل بين يدي المولى الجليل.

فصل في القراءة

يجب في صلاة الصبح والركعتين الأولتين من سائر الفرائض قراءة سورة الحمد [2] ،

________________________________________________

وَانْحَرْ ) قال (ع) : « النحر الاعتدال في القيام أن يقيم صلبه ونحوه » (1).

[1] في محكي الرضوي : « فصف قدميك .. إلى أن قال : ولا تتكئ مرة على رجلك ومرة على الأخرى » (2) ومنه يظهر وجه المستحب التاسع.

فصل في القراءة

[2] إجماعاً كما عن الخلاف والوسيلة والغنية والمنتهى والتذكرة والذكرى والروض والمدارك والبحار والحدائق وغيرها ، وفي الجواهر : « يمكن دعوى تواتر الإجماع عليه ». واستفادته من النصوص المتفرقة في أبواب القراءة قطعية كصحيح محمد بن مسلم : « عن الذي لا يقرأ فاتحة الكتاب في صلاته.

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب القيام حديث : 3.

(2) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب أفعال الصلاة حديث : 7.

148

وسورة كاملة غيرها [1] بعدها

________________________________________________

قال (ع) : لا صلاة له إلا أن يقرأ بها في جهر أو إخفات » (1) وموثق سماعة : « عن الرجل يقوم في الصلاة فينسى فاتحة الكتاب. قال (ع) : فليقل أستعيذ بالله من الشيطان الرجيم إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ. ثمَّ ليقرأها ما دام لم يركع فإنه لا صلاة له حتى يقرأ بها في جهر أو إخفات » (2) ونحوهما غيرهما. نعم ليس فيها تعرض ظاهر لوجوبها في كل ركعة من الأولتين ، لكن وضوح الحكم يمنع من التوقف فيه لذلك.

[1] كما هو الظاهر من المذهب ، أو مذهب الأصحاب ، أو الأظهر من مذهبهم ، أو إجماعي ، أو نحو ذلك من العبارات المحكية عنهم في مقام نقل فتوى الأصحاب ، وعن جماعة نسبته الى المشهور.

واستدل له بجملة من النصوص. منها : صحيح منصور : « قال أبو عبد الله (ع) : لا تقرأ في المكتوبة بأقل من سورة ولا بأكثر » (3). وفيه : أنه ظاهر في النهي عن تبعيض السورة والقران بين السورتين ، ولا تدل على وجوب السورة التامة.

ومنها : مصحح عبد الله بن سنان عن أبى عبد الله (ع) : « يجوز للمريض أن يقرأ في الفريضة فاتحة الكتاب وحدها؟ ويجوز للصحيح في قضاء صلاة التطوع بالليل والنهار » (4). وفيه : أن مفهوم الوصف ليس بحجة ، إذ يجوز أن يكون النكتة في التعرض للمريض بخصوصه عدم تأكد الاستحباب في حقه ، كما يشير اليه تخصيص قضاء صلاة النافلة بذلك

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 28 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 4 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(4) الوسائل باب : 2 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 5.

149

________________________________________________

مع أن أداءها لا تجب فيه السورة أيضاً.

ومنها : صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (ع) : « لا بأس بأن يقرأ الرجل في الفريضة بفاتحة الكتاب في الركعتين الأوليين إذا ما أعجلت به حاجة أو تخوف شيئاً » (1). وفيه : أن هذا اللسان من البيان يناسب الاستحباب جداً ، وقد ورد نظيره في ترك الأذان ففي خبر أبي بصير : « إن صليت جماعة لم يجزئ إلا أذان وإقامة وإن كنت وحدك تبادر أمراً تخاف أن يفوتك يجزئك الإقامة إلا الفجر والمغرب » (2) وفي صحيح أبي عبيدة : « رأيت أبا جعفر (ع) يكبر واحدة واحدة في الأذان. فقلت له : لم تكبر واحدة واحدة؟. فقال (ع) : لا بأس به إذا كنت مستعجلا » (3).

ومنها : صحيح معاوية بن عمار : « قلت لأبي عبد الله (ع) : أقرأ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في فاتحة الكتاب؟ قال (ع) : نعم. قلت : فإذا قرأت الفاتحة أقرأ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ مع السورة؟ قال (ع) : نعم » (4).

وفيه : أنه وارد في مقام بيان جزئية البسملة لكل سورة ، ولذا لم يتعرض فيه للصلاة فضلا عن خصوص الفريضة.

ومنها : صحيح زرارة عن أبي جعفر (ع) الوارد في المأموم المسبوق : « قرأ في كل ركعة مما أدرك خلف الإمام في نفسه بأم الكتاب وسورة فان لم يدرك السورة تامة أجزأته أم الكتاب » (5). وفيه : أنه ليس وارداً

____________

(1) الوسائل باب : 2 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 7 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 21 من أبواب الأذان والإقامة حديث : 4.

(4) الوسائل باب : 11 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 5.

(5) الوسائل باب : 47 من أبواب صلاة الجماعة حديث : 4.

150

________________________________________________

في مقام تشريع وجوب السورة ، وإنما هو وارد في مقام إبقاء مشروعيتها على ما هي عليه من الوجوب والاستحباب ، لدفع توهم سقوط القراءة عن المأموم مطلقاً حتى المسبوق.

ومنها : صحيح محمد عن أحدهما (ع) : « عن الرجل يقرأ السورتين في الركعة؟ فقال (ع) : لا لكل ركعة سورة » (1). وفيه : أنه ظاهر في كون الموظف والمشروع لكل ركعة سورة في قبال توظيف السورتين للركعة ، لا أنه يجب لكل ركعة سورة.

ومنها : صحيح معاوية بن عمار : « من غلط في سورة فليقرأ : ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) ثمَّ ليركع » (2) ، وفيه : أن تخصيص ( قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ) بالذكر شاهد بأن المراد أنها تجزئ عن السورة التي غلط فيها ، وصحيح محمد بن إسماعيل قال : « سألته (ع) قلت : أكون في طريق مكة فننزل للصلاة في مواضع فيها الأعراب أيصلي المكتوبة على الأرض فيقرأ أم الكتاب وحدها أم يصلي على الراحلة فيقرأ فاتحة الكتاب والسورة؟ قال (ع) : إذا خفت فصل على الراحلة المكتوبة وغيرها وإذا قرأت الحمد وسورة أحب إلي ولا أرى بالذي فعلت بأساً » (3). قال في الوسائل حاكياً ذلك عن بعض المحققين : « لو لا وجوب السورة لما جاز لأجله ترك الواجب من القيام ». وفيه : أن ظاهر الجواب أن تعين الصلاة على الراحلة إنما هو من جهة الخوف في النزول ـ كما هو ظاهر السؤال ـ لا من جهة ترجيح السورة على القيام ، وإلا فلا ريب في ترجيح القيام والاستقبال والاستقرار على السورة ، فلو فرض ظهور الرواية في خلاف ذلك وجب طرحه ـ مع

____________

(1) الوسائل باب : 8 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 43 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(3) الوسائل باب : 4 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

151

________________________________________________

أن قوله (ع) : « وإذا قرأت الحمد وسورة أحب إلي » ، ظاهر في استحباب السورة. ومنه أيضاً يظهر سقوط الاستدلال به بتقريب أن ظاهر السؤال اعتقاد السائل وجوب السورة ، فلو لم تكن كذلك لوجب ردعه فان قوله (ع) : أحب إلي صالح للردع.

ومنها : خبر الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) أنه قال : « إنما أمر الناس بالقراءة في الصلاة لئلا يكون القرآن مهجوراً مضيعاً وليكون محفوظاً مدروساً فلا يضمحل ولا يُجهل وإنما بدأ بالحمد دون سائر السور .. » (1) وفيه : أنه ليس في مقام التشريع ، بل في مقام حكمة التشريع على إجماله من الوجوب والندب ، مع احتمال أن يكون المراد البدأة بالإضافة إلى الركوع.

ومنها : خبر يحيى بن عمران الهمداني : « كتبت الى أبي جعفر (ع) : جعلت فداك ما تقول في رجل ابتدأ ببِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ في صلاته وحده في أم الكتاب فلما صار الى غير أم الكتاب من السورة تركها ، فقال العباسي ( العياشي خ ل ) : ليس بذلك بأس. فكتب بخطه : يعيدها مرتين على رغم أنفه » (2) ( يعني العباسي ). وفيه : أن من المحتمل قريباً أن يكون المراد من الإعادة إعادة السورة من جهة ترك جزئها وهي البسملة ، فالمراد أن السورة بلا بسملة لا تجزئ عن السورة المأمور بها سواء أكان للوجوب أم الاستحباب ـ مع أنها لو كانت ظاهرة في إعادة الصلاة أمكن أن يكون ذلك للتبعيض لا لجزئية السورة.

واستدل أيضاً بمداومة النبي (ص) على فعلها. وفيه : أنها أعم من

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 11 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 6.

152

________________________________________________

الوجوب ، وتتميمه بقوله (ص) : « صلوا كما رأيتموني أصلي (1) » قد تقدم الاشكال فيه بأن الكلام الشريف مجمل الدلالة في نفسه على الوجوب والاستحباب وغيرهما ، ضرورة اشتمال صلاته على بعض المندوبات والمباحات والتمييز محتاج إلى قرينة كانت موجودة في وقت الخطاب غير ظاهرة لدينا.

وبالأخبار الدالة على تحريم العدول من سورة التوحيد والجحد الى ما عدا سورة الجمعة والمنافقين يوم الجمعة كصحيح الحلبي : « إذا افتتحت صلاتك بقُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ وأنت تريد أن تقرأ بغيرها فامض فيها ولا ترجع إلا أن تكون في يوم الجمعة » (2). وفيه : أن حرمة العدول لا تنافي الاستحباب ولا تلازم الوجوب.

هذا ولو سلم دلالة ما ذكر على الوجوب فهي معارضة بما دل على جواز الاقتصار على الفاتحة ، كصحيح علي بن رئاب عن أبي عبد الله (ع) : « سمعته يقول بأن فاتحة الكتاب تجوز وحدها في الفريضة » (3) والجمع العرفي بينها حملها على الاستحباب ، أما الحمل على حال المرض أو الاستعجال أو الخوف ـ كما عن الشيخ (ره) ـ فهو بعيد ، ولا سيما الأول ، وليس بناؤهم على ارتكابه في أمثال المقام ، ولذا قال في المعتبر : « واعلم أن ما ذكره الشيخ (ره) تحكم في التأويل والظاهر أن فيه روايتين وحمل إحداهما على الجواز والأخرى على الفضيلة أقرب » ونحوه ما في المنتهى في آخر الفرع الرابع في مسألة جواز التبعيض.

وأما الحمل على التقية فهو وإن كان قريباً في نفسه لكنه خلاف القواعد المقررة في باب التعارض من أن ارتكابه مشروط بتعذر الجمع العرفي الموجبة

____________

(1) كنز العمال ج : 4 صفحة : 62 حديث : 1196 وتقدم في فصل تكبيرة الإحرام.

(2) الوسائل باب : 69 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 2 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.