مستمسك العروة الوثقى - ج6

- السيد محسن الطباطبائي الحكيم المزيد...
616 /
203

بل في الظهر أيضاً على الأقوى [1].

________________________________________________

الاستحباب بقرينة الإجماع المدعى في كلام الجماعة.

نعم استشكل في الجواهر بعد نقله الإجماع المذكور بقوله : « لكن ظني أن المراد منه مطلق الرجحان مقابل وجوب الإخفات في الظهر في غير يوم الجمعة ، لعدم التصريح بالندب قبل المصنف (ره) على وجه يكون به إجماعاً. نعم حكي عن مصباح الشيخ ، وإشارة السبق ، والسرائر ، والإصباح ، بل عن المنتهى : أنه أجمع كل من يحفظ عنه العلم على أنه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة ، ولم أقف على قول للأصحاب في الوجوب وعدمه. بل في كشف اللثام : أكثر الأصحاب ذكروا الجهر فيهما على وجه يحتمل الوجوب ». وحينئذ يشكل رفع اليد عن ظاهر النصوص ، وكون الأمر به في مقام توهم الحضر فلا يدل على الوجوب ـ لو تمَّ ـ لا يطرد في الجميع. فتأمل جيداً.

[1] للنصوص الآمرة به كصحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد الله (ع) : « قال (ع) لنا : صلوا فيذ السفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة ، وأجهروا بالقراءة ، فقلت إنه ينكر علينا الجهر بها في السفر ، فقال (ع) : اجهروا بها » (1) ، وخبر محمد بن مروان قال : « سألت أبا عبد الله (ع) عن صلاة ظهر يوم الجمعة كيف نصليها في السفر؟ فقال (ع) : تصليها في السفر ركعتين ، والقراءة فيها جهراً » (2) ، ولعله ظاهر صحيح عمران الحلبي قال : « سئل أبو عبد الله (ع) : عن الرجل يصلي الجمعة أربع ركعات أيجهر فيها بالقراءة؟ قال (ع) : نعم » (3) ونحوه مصحح الحلبي قال : « سألت أبا عبد الله (ع) عن القراءة في الجمعة إذا صليت وحدي

____________

(1) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 6.

(2) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 7.

(3) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

204

( مسألة 21 ) : يستحب الجهر بالبسملة [1] في الظهرين للحمد والسورة.

________________________________________________

أربعاً أجهر بالقراءة؟ فقال (ع) : نعم » (1) المحمولة على الاستحباب بقرينة صحيح جميل : « سألت أبا عبد الله (ع) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر ، فقال (ع) : يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظهر ، ولا يجهر الامام فيها بالقراءة ، إنما يجهر إذا كانت خطبة » (2) ، ونحوه صحيح ابن مسلم (3) فيحمل النهي على نفي الوجوب بناء على وجوبه في صلاة الجمعة ، أو نفي تأكد الاستحباب بناء على استحبابه.

لكن قد يشكل ذلك بعدم ظهور كونه جمعاً عرفياً ، ولأجله يتعين الأخذ بظاهر النصوص الأول المعول عليها عند الأصحاب وحمل النهي في الصحيحين على التقية كما عن الشيخ (ره) ، ويشير اليه ما في صحيح ابن مسلم الأول. وحينئذ فالقول بالوجوب مطلقاً أحوط إن لم يكن أقوى ، إذ ما عن ابن إدريس (ره) من المنع مطلقاً ترجيحاً لنصوص المنع لاعتضادها بإطلاقات الإخفات في صلاة النهار في غير محله ، بعد ما عرفت من النصوص الكثيرة المعول عليها المحكي عن الخلاف الإجماع على صحة مضمونها ، وكذا ما عن المرتضى (ره) من التفصيل بين الامام فيجهر ، وغيره فلا لخبر ابن جعفر (ع) : « عن رجل صلى العيدين وحده والجمعة هل يجهر فيهما؟ قال (ع) : لا يجهر إلا الإمام » (4) لمعارضته بمصحح الحلبي المتقدم المعول عليه دونه ، مع ضعفه في نفسه.

[1] في المعتبر : جعله من منفردات الأصحاب ، وفي التذكرة : نسبته

____________

(1) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 3.

(2) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 8.

(3) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 9.

(4) الوسائل باب : 73 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 10.

205

________________________________________________

إلى علمائنا ، وعن الخلاف : دعوى الإجماع عليه. ويشهد له صحيح صفوان : « صليت خلف أبي عبد الله (ع) أياما ، فكان إذا كانت صلاة لا يجهر فيها جهر بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) وكان يجهر في السورتين جميعاً » (1) وخبر أبي حفص الصائغ : « صليت خلف جعفر (ع) بن محمد (ع) فجهر بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) » (2) والمرسل عن أبي حمزة : « قال علي بن الحسين (ع) : يا ثمالي إن الصلاة إذا أقيمت جاء الشيطان الى قرين الامام فيقول : هل ذكر ربه؟ فان قال : نعم ، ذهب ، وإن قال : لا ، ركب على كتفيه فكان إمام القوم حتى ينصرفوا ، فقال : جعلت فداك أليس يقرأون القرآن؟ قال (ع) : بلى ليس حيث تذهب يا ثمالي إنما هو الجهر بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) » (3) ، وخبر الفضل بن شاذان عن الرضا (ع) في كتابه إلى المأمون قال (ع) : « والإجهار بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في جميع الصلوات سنة » (4) ، وما في جملة من النصوص من عده من علامات المؤمن (5) وعن أبي الصلاح : وجوبه في ابتداء الحمد والسورة في الأولتين ، وربما يحكى عن القاضي في المهذب والصدوق وجوبه مطلقاً حتى في الأخيرتين ، وكأنه لخبر الأعمش عن جعفر (ع) : « والإجهار بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) في الصلاة واجب » (6) ، وخبر سليم بن قيس عن أمير المؤمنين

____________

(1) الوسائل باب : 21 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 21 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 8.

(3) الوسائل باب : 21 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 4.

(4) الوسائل باب : 21 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 6.

(5) راجع الوسائل باب : 56 من أبواب المزار ومستدرك الوسائل باب : 17 من أبواب القراءة في الصلاة. وباب : 30 من أبواب الملابس. فهناك أحاديث : تدل على ذلك.

(6) الوسائل باب : 21 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 5.

206

________________________________________________

(عليه السلام) في خطبة طويلة : « .. وألزمت الناس بالجهر بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) » (1). وفيه : أن ضعف الخبرين في نفسهما ، وإعراض الأصحاب عنهما مانع من الاعتماد عليهما في ذلك ، مضافاً الى عدم تعرض ثانيهما للصلاة. فتأمل ، وأما صحيح الحلبيين عن أبي عبد الله (ع) : أنهما سألاه عمن يقرأ بـ ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) حين يريد أن يقرأ فاتحة الكتاب قال (ع) : نعم ، إن شاء سراً وإن شاء جهراً ، قلت : أفيقرؤها مع السورة الأخرى؟ فقال (ع) : لا » (2) ، فما في ذيله من الترخيص في ترك البسملة في السورة يقرب وروده مورد التقية فلا يصلح لنفي الوجوب. اللهم إلا أن يفكك بين صدره وذيله. فتأمل.

وعن ابن الجنيد : تخصيص الاستحباب بالإمام ، وكأنه للنصوص الواردة فيه. لكنها لا تصلح لتقييد المطلق الشامل للمنفرد ولا سيما مع إبائه عن ذلك ، وعن الحلي : تخصيص الحكم بالأولتين لاختصاص الأدلة بالصلاة الإخفاتية التي يتعين فيها القراءة ولا تتعين القراءة إلا في الأولتين ، مضافا الى قاعدة الاحتياط ، إذ لا خلاف في صحة صلاة من لا يجهر بالبسملة وفي صحة صلاة من جهر فيها خلاف.

وفيه : أن جملة من نصوص الباب خالية عن التقييد بالأولتين ، فالعمل على إطلاقها متعين ، وبها ترفع اليد عن قاعدة الاحتياط ، مع أنها مبنية على عدم جواز الجهر في الأخيرتين ، وعلى كون المرجع في الشك في الشرطية والجزئية قاعدة الاحتياط ، والثاني ممنوع ، والأول محل إشكال كما يأتي ، ولذا قال في المعتبر : « قال بعض المتأخرين : ما لا يتعين فيه القراءة لا يجهر فيه لو قرئ ، وهو تخصيص لما نص عليه الأصحاب ودلت عليه الروايات .. ».

____________

(1) روضة الكافي ج : 8 صفحة : 61 الطبعة الحديثة.

(2) الوسائل باب : 12 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

207

( مسألة 22 ) : إذا جهر في موضع الإخفات ، أو أخفت في موضع الجهر عمداً بطلت الصلاة [1] ، وإن كان ناسياً أو جاهلا ولو بالحكم صحت ، سواء كان الجاهل بالحكم متنبهاً للسؤال ولم يسأل أم لا [2] ، لكن الشرط حصول قصد القربة منه ، وإن كان الأحوط في هذه الصورة الإعادة.

( مسألة 23 ) : إذا تذكر الناسي أو الجاهل قبل الركوع لا يجب عليه إعادة القراءة [3] ، بل وكذا لو تذكر في أثناء القراءة حتى لو قرأ آية لا يجب إعادتها ، لكن الأحوط الإعادة [4] خصوصاً إذا كان في الأثناء.

________________________________________________

[1] كما عرفت.

[2] للإطلاق الشامل للصورتين جميعاً ، واستظهر في الجواهر من منظومة الطباطبائي (ره) وجوب الإعادة في المتنبه ، بل حكى التصريح به عن غير واحد لدعوى انصراف الصحيح ، لكنه (ره) قوى خلافه ، وهو في محله ، ومن هنا يظهر أن المراد من الصورة في قوله في المتن : الأحوط في هذه الصورة ، الصورة الأولى لا الثانية كما يقتضيه ظاهر العبارة.

[3] كما عن غير واحد التصريح به ، لإطلاق النص ، ولإطلاق حديث : « لا تعاد الصلاة » (1). في صورة النسيان وكذا في صورة الجهل بناء على ما هو الظاهر من عمومه لها ، كما سيأتي إن شاء الله في محله. ومن ذلك يظهر نفي الإعادة أيضاً لو تذكر في أثناء القراءة.

[4] كأن وجهه احتمال اختصاص الصحيحين بصورة الالتفات بعد الفراغ ، فيكون المرجع ما دل على وجوب التدارك قبل تجاوز المحل. وفيه

____________

(1) تقدم مراراً. راجع مسألة : 18 من فصل القيام.

208

( مسألة 24 ) لا فرق في معذورية الجاهل بالحكم في الجهر والإخفات بين أن يكون جاهلا بوجوبهما ، أو جاهلا بمحلهما [1] ـ بأن علم إجمالا أنه يجب في بعض الصلوات الجهر وفي بعضها الإخفات إلا أنه اشتبه عليه أن الصبح مثلا جهرية والظهر إخفاتية ، بل تخيل العكس ـ أو كان جاهلا

________________________________________________

ما عرفت من إطلاق الصحيحين ، ولو سلم فوجوب التدارك يتوقف على دعوى كون الجهر والإخفات من شرائط القراءة ، فإذا فاتا بطلت ، ووجب التدارك إذا كان الالتفات قبل الدخول في الركن. لكن الدعوى المذكورة خلاف ظاهر النصوص ، إذ ظاهرها وجوب الجهر أو الإخفات في القراءة لا أنهما شرط فيها ، وحينئذ لا يمكن تداركهما إلا بإعادة الصلاة من رأس ، وهو خلاف حديث : « لا تعاد الصلاة ». كما تقدم نظيره في مسألة القراءة جالساً ، ويأتي توضيحه في مبحث الخلل.

ثمَّ إنه ربما يتوهم اختصاص الصحيحين بالتذكر بعد الفراغ بقرينة قوله (ع) في أحدهما : « وقد تمت صلاته ». وفيه : أن المراد منه تمامية المقدار الواقع منها ، ولا سيما بملاحظة عدم صدق العمد ، والمدار في الإعادة عليه كما تقتضيه الشرطية الأولى فيه ، والشرطية الثانية من قبيل التصريح بمفهومها. مع أن في الصحيح الآخر كفاية بالإضافة إلى خصوص الناسي.

[1] كما صرح بذلك في جامع المقاصد ، لكن في الجواهر : « إن شمول الدليل لمثل ذلك محل نظر أو منع ، فيبقى تحت القاعدة ». وفيه : أنه لا يظهر الوجه في النظر أو المنع ، لصدق « لا يدري » في المقامين ، إذ الظاهر منه أنه لا يدري أن الجهر أو الإخفات الذي فعله مما لا ينبغي ، وهو حاصل في الصورتين ولعدم صدق العمد معه.

209

بمعنى الجهر والإخفات [1] فالأقوى معذوريته في الصورتين كما أن الأقوى معذوريته إذا كان جاهلا بأن المأموم يجب عليه الإخفات عند وجوب القراءة عليه وإن كانت الصلاة جهرية فجهر [2] ، لكن الأحوط فيه وفي الصورتين الأولتين الإعادة.

( مسألة 25 ) : لا يجب الجهر على النساء [3] في الصلاة الجهرية ،

________________________________________________

[1] كما في جامع المقاصد. واستغربه في الجواهر ، لضرورة عدم سوق الدليل لبيان حكم ذلك. وفيه أن الضرورة المدعاة غير ظاهرة ، فإنها خلاف إطلاق النص المؤيد بمناسبة الحكم والموضوع كما لا يخفى ، ولا يصدق أنه فعل ذلك عمداً الذي هو المدار في وجوب الإعادة كما يستفاد من الشرطية الأولى.

[2] كما صرح به بعض لإطلاق النص ، ودعوى الانصراف عنه ، ممنوعة. نعم لو كان وجوب الجهر أو الإخفات بعنوان غير الصلاة من خوف أو نحوه لم تبعد دعوى انصراف النص عنه.

[3] إجماعا كما في جامع المقاصد ، بل نقل الإجماع عليه مستفيض أو متواتر. ويشهد له خبر ابن جعفر (ع) : « أنه سأل أخاه عن النساء هل عليهن الجهر بالقراءة في الفريضة؟ قال (ع) : لا ، إلا أن تكون امرأة تؤم النساء فتجهر بقدر ما تسمع قراءتها » (1) ، وضعفه بعبد الله بن الحسن العلوي منجبر بما عرفت ، وما في ذيله محمول على الندب لعدم القائل به كما في الجواهر ، وفي كشف اللثام : « لم أظفر بفتوى توافقه » ، ونحوه ما في غيره ، ولا سيما بملاحظة عدم وجوب ذلك على الرجل المقتضي لعدم وجوبه على المرأة بقاعدة الاشتراك أو بالأولوية.

____________

(1) الوسائل باب : 31 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 3.

210

________________________________________________

وعن جماعة من الأساطين : الاستدلال على الحكم في المقام : بأن صوتها عورة يحرم إسماعه للأجنبي ، بل في كشف اللثام : « قلت : لاتفاق كلمة الأصحاب على أن صوتها عورة يجب عليها إخفاؤه عن الأجانب ». وفيه : منع ذلك لعدم الدليل عليه ، والسيرة القطعية والنصوص على خلافه. مع أنه إنما يفيد مع سماع الأجنبي لا مطلقاً كما هو المدعى. اللهم إلا أن يكون المراد من كونه عورة أنه يجب إخفاؤه في الصلاة كجسدها. كما يقتضيه ظاهر الاستدلال به على عموم نفي الجهر على المرأة ولو لم يسمعها الأجانب لكنه كما ترى ـ مع أنه يقتضي حرمة الجهر لا مجرد عدم وجوبه ، وهو خلاف ظاهر قولهم : « ليس على النساء جهر » ، بل في الجواهر : « أنه خلاف مذهب المستدل به فإنه يذهب الى التخيير بينه وبين الإخفات » ـ أنه مخالف لما دل على جواز رفع صوتها بالقراءة إذا أمت النساء ، كصحيح ابن جعفر (ع) : « عن المرأة تؤم النساء ما حد رفع صوتها بالقراءة أو التكبير قال (ع) : قدر ما تسمع » (1) ، ونحوه صحيح ابن يقطين (2) ، فان الظاهر من « تسمع » كونه مبنياً للمفعول أو للفاعل على أن يكون من باب الافعال ، يعني بقدر ما يسمعها الغير ، كما يقتضيه ـ مضافا الى كونه وارداً في مقام تقدير رفع صوتها ـ ما ورد من أنه ينبغي للإمام أن يسمع من خلفه كل ما يقول. فان مساق الجميع واحد.

ومن ذلك يظهر لك الاشكال فيما قيل : من أن المراد منه بقدر ما تسمع نفسها فلا يدل على جواز الجهر. وبالجملة : الاستدلال بأن صوتها عورة إن كان المراد منه : أنه يحرم إسماعه للأجنبي فلا وجه لعموم الدعوى ، وإن كان المراد : وجوب إخفائه فلا وجه لجواز الجهر منها.

____________

(1) الوسائل باب : 31 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 31 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

211

بل يتخيرن بينه وبين الإخفات [1] مع عدم سماع الأجنبي ، وأما معه فالأحوط إخفاتهن [2] ، وأما في الإخفاتية فيجب عليهن الإخفات [3].

________________________________________________

ثمَّ إنه قال في الذكرى : « ولو جهرت وسمعها الأجنبي فالأقرب الفساد مع علمها ، لتحقق النهي في العبادة » وتبعه عليه غير واحد ، منهم كاشف اللثام. لكن حكى في الجواهر عن الحدائق وحاشية الوحيد : الاشكال عليه : بأنه لا وجه للفساد ، لكون النهي عن أمر خارج ، قال في الجواهر : « وفيه أن ليس الجهر إلا الحروف المقروءة ، ضرورة كونها أصواتاً مقطعة ، عالياً كان الصوت أو خفياً ، فليس هو أمراً زائداً على ما حصل به طبيعة الحرف مفارقا له كي يتوجه عليه البطلان كما هو واضح ».

وقد يشكل : بأن الجهر زيادة في الصوت فتكون مرتبة من مراتب الوجود تختص بالنهي ، ولا يسري الى غيرها من صرف الوجود ، لكن في كون الفرق بين الجهر والإخفات من قبيل الفرق بين الشديد والضعيف والأكثر والأقل تأمل ونظر ، إذ الجهر ـ كما سيأتي ـ منتزع من ظهور جوهر الصوت ، ويقابله الإخفات ، وظهور جوهر الصوت يحصل غالباً من زيادته.

[1] كما يقتضيه رفع الجهر وعدم الدليل على وجوب الإخفات.

[2] قد عرفت وجهه وضعفه.

[3] كما هو الأشهر ، بل قيل إنه المشهور ، ويقتضيه تعرضهم لنفي الجهر من دون تعرض لنفي الإخفات ، فإن ذلك ظاهر في ثبوته عليهن ، وعن جماعة : التخيير بينه وبين الجهر ، لعدم الدليل على وجوب الإخفات عليهن ، لاختصاص الصحيح الدال على لزومه بالرجل ، وفيه : أن مقتضى قاعدة الاشتراك التعدي إلى المرأة ، كما في غيره من الموارد.

212

كالرجال ، ويعذرن فيما يعذرون فيه [1].

( مسألة 26 ) : مناط الجهر والإخفات ظهور جوهر الصوت وعدمه [2] ، فيتحقق الإخفات بعدم ظهور جوهره وإن سمعه من يجانبه قريباً أو بعيداً.

________________________________________________

[1] كما استظهره في جامع المقاصد لقاعدة الاشتراك.

[2] قد اختلفت عباراتهم في مقام الفرق بين الجهر والإخفات ، ففي الشرائع : « إن أقل الجهر أن يسمع القريب الصحيح السمع إذا استمع ، والإخفات أن يسمع نفسه إن كان يسمع » ، ومقتضاها ـ لو قدر الإخفات معطوفا على الجهر ـ أن يكون أقل الإخفات أن يسمع نفسه ، فيكون أكثر الإخفات أن لا يسمع نفسه ، فحينئذ لا يكون تصادق بين الجهر والإخفات مورداً. وأما ما ذكره غير واحد : من أن لازمه أن يكون الأكثر أن يسمع غيره فيكون بينهما تصادق ، فغير ظاهر ، لأن أكثر الإخفات أشد مراتبه خفاء ، وإسماع الغير ليس أشد خفاء من إسماع النفس.

ومن ذلك يظهر اندفاع الاشكال على عبارة النافع : « وأدنى الإخفات أن يسمع نفسه ». بأنها كالنص في أن للاخفات فرداً آخر يتحقق بإسماع الغير ، مع أنه يصدق عليه أيضاً حد الجهر ، فيلزم تصادق الجهر والإخفات مع أنهما من المتضادين ، فان ذلك حمل للعبارة على خلاف ظاهرها.

نعم اتفاقهم ظاهراً على عدم صحة القراءة إذا لم يسمع نفسه ولو تقديراً مانع أيضاً من حمل الكلام على ما ذكرناه. وعليه فالإشكال على عبارة النافع متوجه على كل حال ، أما عبارة الشرائع فيدفع الاشكال عنها جعل العطف فيها من قبيل عطف الجملة على الجملة ، فيكون مفادها مفاد عبارة القواعد : « أقل الجهر إسماع القريب تحقيقاً أو تقديراً ، وحد الإخفات إسماع نفسه » ، ونحوها عبارتا الذكرى والدروس على ما حكي بناء على

213

________________________________________________

أن المراد منها التحديد في الإخفات من طرفي الأقل والأكثر ـ كما هو مقتضى إطلاقها ـ فيكون التحديد بالنسبة إلى الجهر بالإضافة إلى الأقل ، وبالنسبة إلى الإخفات بالإضافة الى كل من الأقل والأكثر ، وعن الموجز : « إن أعلى الإخفات أدنى الجهر » ، وإشكال التصادق وارد عليها كاشكال المساهلة في التعبير ، إذ العبارة التي يؤدي بها التصادق بلا مساهلة هي : « إن أدنى الجهر أدنى الإخفات » لا أعلى الإخفات ، لما عرفت من أن أعلى الإخفات أشد إخفاتاً.

وكيف كان فظاهر الجميع : أن المائز بين الجهر والإخفات إسماع الغير وعدمه ، غاية الأمر أن مقتضى بعض العبارات أنه يعتبر في الإخفات عدم إسماع البعيد ، فيكون بينهما العموم من وجه ، لا عدم الاسماع أصلا ـ كما يقتضيه البعض الآخر منها ـ ليكون بينهما التباين.

والذي ذكره المحقق الثاني ومن تأخر عنه أن المائز بينهما إظهار الصوت على النحو المعهود وعدمه ، فالجهر إظهار الصوت ويلزمه إسماع الغير ، وإخفاؤه وهمه إخفات وإن سمعه القريب ، وقد يظهر من عبارته أن ذلك مراد الأصحاب قال (ره) : « الجهر والإخفات حقيقتان متضادتان كما صرح به المصنف (ره) في النهاية ، عرفيتان يمتنع تصادقهما في شيء من الافراد الى أن قال : وربما وقع في عبارات الفقهاء التنبيه على مدلولهما من غير التزام لكون ذلك التنبيه ضابطاً ، فتوهم من زعم أن مرادهم من ذلك الضابط أن بينهما تصادقا في بعض الافراد ، وبطلانه معلوم ».

هذا ولأجل أنه لم يرد من قبل الشارع الأقدس تحديد لهما فمقتضى الإطلاق المقامي الرجوع فيهما الى العرف كسائر المفاهيم المأخوذة موضوعا للأحكام في الكتاب والسنة ، وما ذكره المحقق (ره) هو الموافق للعرف فيتعين الركون اليه. ودعوى الإجماع على خلافه ممنوعة ، ولو سلمت فالإجماع

214

( مسألة 27 ) : المناط في صدق القراءة قرآناً كان أو ذكراً أو دعاء ما مر في تكبيرة الإحرام من أن يكون بحيث يسمعه نفسه [1] تحقيقاً أو تقديراً بأن كان أصم أو كان هناك

________________________________________________

الذي لا يأبه به هو وأتباعه من الأساطين لا يؤبه به ، ولا سيما بعد احتمال أن يكون ذلك مرادهم من تلك العبارات كما ذكره ، وان كان احتمال ذلك في بعض عباراتهم بعيداً ، فإنها آبية له جداً. قال في المنتهى : « أقل الجهر الواجب أن يسمع غيره القريب أو يكون بحيث يسمع لو كان سامعاً ، بلا خلاف بين العلماء ، والإخفات أن يسمع نفسه أو بحيث يسمع لو كان سامعاً ، وهو وفاق ، لأن الجهر هو الإعلان والإظهار وهو يتحقق بسماع الغير القريب فيكتفى به ، والإخفات السر ، وإنما حددناه بما قلنا لأن ما دونه لا يسمى كلاما ولا قرآناً ، وما زاد عليه يسمى جهراً » ، فان استدلاله على ما ذكره : من أن الجهر الإعلان والإظهار وأن الإخفات السر ، كالصريح في غير ما ذكره المحقق (ره) ، فالعمدة في عدم الركون الى الإجماع المذكور عدم ثبوته بنحو يوجب الاعتماد عليه.

نعم في الجواهر استشكل فيما يستعمله كثير من المتفقهة من الإخفات بصورة المبحوح ، بل لو أعطي التأمل حقه أمكن دعوى تسمية أهل العرف مثله جهراً ، كما أنه يسلبون عنه اسم الإخفات ، لا أقل من أن يكون ذلك مشكوكا فيه أو واسطة لا يندرج في اسم كل منهما. انتهى ، وقريب منه كلام غيره ، لكن لا يبعد كونه من الإخفات عرفا ، ومع الشك في ذلك فلأجل أن الشبهة مفهومية فمرجع الشك الى الشك في التكليف كان المرجع فيه أصل البراءة ، ووجوب الاحتياط في الشك في المحصل إنما يكون إذا كان المورد من قبيل الشبهة المصداقية لا المفهومية ، كما فيما نحن فيه.

[1] قد مر فيه بعض الكلام.

215

مانع من سماعه ، ولا يكفي سماع الغير [1] الذي هو أقرب إليه من سمعه.

( مسألة 28 ) : لا يجوز من الجهر ما كان مفرطاً خارجا عن المعتاد [2] كالصياح فان فعل فالظاهر البطلان.

________________________________________________

[1] لإطلاق ما دل على اعتبار سماع النفس من النص (1) والفتوى ودعوى كون سماعه ملحوظاً طريقاً الى العلم بوجوده ، فاذا تحقق وجوده بسماع الغير كفى فيها ـ مع أنها خلاف ظاهر النص والفتوى ـ : أن لازمها عدم الحاجة الى السماع لو علم وجوده ، ولا يظن إمكان الالتزام به.

[2] كما صرح به في الجواهر حاكياً له عن العلامة الطباطبائي (ره) وغيره ، وعن الفاضل الجواد في آيات أحكامه : نسبته الى الفقهاء الظاهر في الإجماع عليه. ويقتضيه قوله تعالى ( وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ) (2) بعد تفسيره برفع الصوت شديداً كما في موثق سماعة (3) ، وفي صحيح ابن سنان « على الامام أن يسمع من خلفه وإن كثر؟ قال (ع) : ليقرأ قراءة وسطاً يقول الله تبارك وتعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها » (4) ، فان المراد من الوسط ـ ولو بقرينة الموثق المتقدم ـ ما يقابل رفع الصوت شديداً ، ولأجل أن الظاهر من النهي في المقام الإرشاد إلى المانعية يتجه البطلان على تقدير المخالفة. نعم لو كان النهي مولويا فاقتضاؤه للبطلان يتوقف على سرايته للقراءة كما أشرنا إليه آنفاً.

____________

(1) الوسائل باب : 33 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1 و 4 و 6.

(2) الاسرى : 110.

(3) الوسائل باب : 33 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(4) الوسائل باب : 33 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 3.

216

( مسألة 29 ) من لا يكون حافظاً للحمد والسورة يجوز أن يقرأ في المصحف [1] ، بل يجوز ذلك للقادر الحافظ أيضاً على الأقوى [2].

________________________________________________

[1] وإن تمكن من الائتمام ، إجماعاً كما عن الخلاف ، وفي المنتهى : « إنه قول أكثر أهل العلم » ، لإطلاق الأدلة من دون مقيد ، وللنص الآتي مع أنه مقتضى أصالة البراءة.

[2] كما عن التذكرة ونهاية الاحكام وغيرهما ، ونسب الى ظاهر الشرائع وغيرها. ويقتضيه ـ مضافاً الى الأصل والإطلاق لصدق القراءة معه ـ مصحح أبان عن الحسن بن زياد الصيقل : « سأل الصادق (ع) ما تقول في الرجل يصلي وهو ينظر في المصحف يقرأ فيه يضع السراج قريباً منه؟ قال (ع) : لا بأس بذلك » (1) ، نعم في خبر ابن جعفر (ع) : « عن الرجل والمرأة يضع المصحف أمامه ينظر فيه ويقرأ ويصلي؟ قال (ع) : لا يعتد بتلك الصلاة » (2) ، لكن الجمع يقتضي الحمل على الكراهة.

ومن ذلك يظهر ضعف ما عن جماعة من الأعاظم منهم الشهيدان ، والمحقق الثاني ، والعلامة الطباطبائي (قدس سرهم) : من المنع عنه اختياراً للانصراف عنه ، ولأنه المعهود ، ولأن القراءة في المصحف مكروهة إجماعاً ولا شيء من المكروه بواجب ، ولأن الصلاة معها في معرض البطلان بذهاب المصحف أو عروض ما يمنعه أو نحوهما ، ولخبر ابن جعفر المتقدم بعد حمل المصحح على النافلة ، والجميع كما ترى!! إذ الأولان : ممنوعان ، والكراهة في العبادة لا تنافي الوجوب ، والرابع : ممنوع في بعض الأحوال ، ولو اتفق لا يقدح في صحة العبادة ، والجمع بين الخبرين بما ذكر لا شاهد له ، وأما

____________

(1) الوسائل باب : 41 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 41 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

217

كما يجوز له اتباع من يلقنه آية فآية [1] ، لكن الأحوط اعتبار عدم القدرة على الحفظ وعلى الائتمام.

( مسألة 30 ) : إذا كان في لسانه آفة لا يمكنه التلفظ يقرأ في نفسه ، ولو توهماً [2] والأحوط تحريك لسانه بما يتوهمه

________________________________________________

خبر عبد الله بن أبي أوفى : « إن رجلا سأل النبي (ص) فقال : إني لا أستطيع أن أحفظ شيئاً من القرآن فما ذا أصنع؟ فقال (ص) له : قل سبحان الله والحمد لله » (1) حيث لم يأمره بالقراءة في المصحف فلا مجال للاستدلال به في المقام ، لأن مورده صورة الاضطرار التي تجوز فيها القراءة في المصحف إجماعا كما عرفت.

[1] الكلام فيه قولا وقائلا ودليلا في الجملة كما سبق.

[2] ويكتفي بذلك عن القراءة كما مال إليه في الجواهر ، مستدلا عليه بما ورد فيمن منعه عن القراءة خوف ، ونحوه كصحيح علي بن جعفر (ع) عن أخيه موسى بن جعفر (ع) قال : « سألته عن الرجل هل يصلح له أن يقرأ في صلاته ويحرك لسانه بالقراءة في لهواته من غير أن يسمع نفسه؟ قال (ع) : لا بأس أن لا يحرك لسانه يتوهم توهما » (2). ونحوه خبره الآخر المروي عن قرب الاسناد (3) ، ومرسل محمد بن أبي حمزة : « يجزيك من القراءة معهم مثل حديث النفس » (4).

____________

(1) ذكر البيهقي هذا الحديث في سننه الكبرى ج : 2 صفحة : 381 بألفاظ مخلفة.

ففي بعضها : « إني لا أحسن القرآن فعلمني شيئاً يجزيني من القرآن ». وفي بعضها : « لا أحسن شيئا من القرآن .. » ، وفي ثالثة : « لا استطيع ان آخذ من القرآن شيئاً فعلمني .. ».

غير ان المفاد واحد.

(2) الوسائل باب : 52 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(3) الوسائل باب : 52 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 4.

(4) الوسائل باب : 52 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 3.

218

( مسألة 31 ) الأخرس يحرك لسانه [1].

________________________________________________

وفيه : أن الأخذ بظاهر الأولين غير ممكن ، وحملهما على ما نحن فيه لا قرينة عليه ، والثالث وارد في غير ما نحن فيه ، والعمل به في المقام غير ظاهر ، والمتعين الأخذ بإطلاق خبر السكوني عن الصادق (ع) : « تلبية الأخرس وتشهد وقراءته القرآن في الصلاة تحريك لسانه وإشارته بإصبعه » (1) إذ موضوع المسألة إما أحد أفراد الأخرس أو أنه أحد أفراد المراد منه ، فحمل الخبر على غيره غير ظاهر ، وكأنه لذلك جعل المصنف (ره) الأحوط تحريك اللسان ، وإن كان الأولى له الاحتياط بذكر الإشارة أيضاً ، وأولى منه ما ذكرنا من إجراء حكم الأخرس في المقام.

[1] بلا خلاف أجده في الأول كما في الجواهر. نعم عن نهاية الشيخ : الاكتفاء بالإيماء باليد مع الاعتقاد بالقلب ، ولعله ـ كما في مفتاح الكرامة ـ أراد بالاعتقاد تحريك اللسان معه ، وإن كان ذلك بعيداً ، وعن جماعة منهم الفاضلان ، والمحقق ، والشهيد الثانيان : عدم ذكر الإشارة بالإصبع هنا ، وكأنه لأجل أن إضافة الإشارة إلى الضمير تقتضي إرادة الإشارة المعهودة له ، وهي في خصوص ما يعتاد الإشارة إليه بالإصبع لا مطلقاً ، وثبوت ذلك بالنسبة إلى الألفاظ المقروءة لا يخلو من إشكال أو منع ، نعم تعارف الإشارة إلى معاني الألفاظ قطعي لكنها لا يعتبر قصدها كما عرفت ، وفي كشف اللثام : « عسى أن يراد تحريك اللسان إن أمكن ، والإشارة بالإصبع إن لم يمكن ، ويعضده الأصل ». وهو كما ترى خلاف الظاهر. ومثله احتمال رجوع الإشارة بالإصبع في الخبر الى التشهد خاصة.

ثمَّ إن المذكور في كتب المحقق والعلامة وغيرهما وجوب عقد القلب بها أيضاً ، وقرّب في الجواهر أن يكون المراد عقد القلب بمعنى اللفظ ،

____________

(1) الوسائل باب : 59 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

219

ويشير بيده [1]

________________________________________________

وحكاه أيضاً عن الدروس ، والذكرى ، وحكي عن جامع المقاصد منع ذلك لعدم الدليل عليه في الأخرس ولا في غيره ، ولو وجب ذلك لعمت البلوى أكثر الخلائق ثمَّ قال : « والذي يظهر لي أن مراد القائلين بوجوب عقد قلب الأخرس بمعنى القراءة وجوب القصد بحركة اللسان الى كونها حركة للقراءة ، إذ الحركة صالحة لحركة القراءة وغيرها فلا يتخصص إلا بالنية .. ».

أقول : قد عرفت سابقاً أن القراءة حكاية للألفاظ المقولة ، فالمعنى المستعمل فيه لفظ القارئ نفس الألفاظ الخاصة ، أما معانيها فأجنبية عنها ، فكيف يمكن أن يدعي وجوب قصدها تفصيلا أو إجمالا؟! كيف؟! وتصدق القراءة في حال كون اللفظ المقروء مهملا لا معنى له أصلا ، وعليه فلا بد أن يكون المراد عقد القلب بنفس الألفاظ المحكية بالقراءة ، وهو ظاهر الخبر أيضاً تنزيلا لأقواله الصلاتية منزلة أقواله العادية في بدلية تحريك اللسان والإشارة عنها ، على اختلاف المحكي من حيث كونه لفظاً تارة كباب الحكاية والقراءة ، وغيره أخرى كما في بقية موارد الافهام والاعلام ، وعدم إمكان ذلك في بعض أفراد الأخرس مثل الأصم الذي لم يعقل الألفاظ ولا سمعها ولم يعرف أن في الوجود لفظاً ممنوع إن أريد القصد الإجمالي ، لأن قصده الى فعل ما يفعله الناطق على الوجه الذي يفعله قصد للفظ إجمالا ، وهو في غاية السهولة ، ولعل ذلك هو مراد جامع المقاصد. فتأمل جيداً.

[1] المذكور في النص الإصبع (1) ، إلا أن الظاهر منه الجنس الشامل للواحد والكثير ، وهو المراد من اليد إذ الإشارة بها إنما تكون بأطرافها أعني الأصابع. فتأمل.

____________

(1) تقدم في أول المسألة السابقة.

220

إلى ألفاظ القراءة بقدرها [1].

( مسألة 32 ) من لا يحسن القراءة يجب عليه التعلم وإن كان متمكناً من الائتمام [2]

________________________________________________

[1] إشارة الى ما تقدم من عقد القلب بالألفاظ المحكية ولو إجمالا

[2] فلو تركه وائتم أثم وصحت صلاته ، كما نسب الى ظاهر الأصحاب.

ووجهه غير ظاهر وإن قلنا بوجوب القراءة تعييناً ، وأن قراءة الإمام مسقطة له ، لأن المسقط عدمه شرط للوجوب ، فاذا كان وجوب القراءة مشروطاً بعدم المسقط كان وجوب التعلم كذلك ، سواء أكان غيرياً أم إرشادياً ، فضلا عما لو قيل بوجوب القراءة تخييراً بينها وبين الائتمام ، ضرورة عدم الإثم بترك أحد فردي الواجب التخييري مع فعل الآخر.

نعم يتم ذلك لو كان وجوب التعلم نفسياً ، إلا أنه لا دليل عليه. وما في المعتبر ، والمنتهى : من الإجماع على وجوبه لا يمكن الاعتماد عليه في إثباته ، لقرب إرادة وجوبه غيرياً أو إرشادياً مع غض النظر عن إمكان الائتمام أو متابعة الغير أو نحو ذلك مما لا يكون غالباً. قال في المعتبر : « أما وجوب التعلم فعليه اتفاق علماء الإسلام ممن أوجب القراءة ولأن وجوب القراءة يستدعي وجوب التعلم تحصيلا للواجب ». وهذا ـ كما ترى ـ ظاهر في الوجوب الغيري ، وأما المنتهى فلم أجد فيما يحضرني من نسخته نقل الإجماع على الوجوب ، وعلى تقديره فالظاهر منه ما ذكره في المعتبر ونحوه ذكر الشهيد في الذكرى ، وكأنه لأجل ما ذكرنا قال العلامة الطباطبائي (ره) في محكي مصابيحه : « إن ثبت الإجماع كما في المعتبر والمنتهى ( يعني على وجوب التعلم ) وإلا اتجه القول بنفي الوجوب ». نعم لو احتمل عدم التمكن من الإتمام أمكن القول بالوجوب.

ثمَّ إن المراد بالتعلم إن كان تمرين اللسان على النطق الصحيح فوجوبه

221

وكذا يجب تعلم سائر أجزاء الصلاة [1] ، فإن ضاق الوقت مع كونه قادراً على التعلم فالأحوط الائتمام [2] إن تمكن منه.

________________________________________________

حيث يكون غيري ، وإن كان معرفة النطق الصحيح وتمييزه من الغلط فوجوبه إرشادي الى ما يترتب على تركه من خطر المعصية. هذا إذا لم يمكن الاحتياط وإلا وجب أحد الأمرين منه ومن الاحتياط بناء على عدم اعتبار الجزم بالنية في العبادة.

[1] يظهر الكلام فيه مما سبق.

[2] لعدم الدليل على صحة الصلاة الاضطرارية ، إذ الأخبار الآتية من خبر مسعدة ونحوه موردها غير ما نحن فيه ، وقاعدة الميسور مما لم ينعقد الإجماع على العمل بها مع التقصير في التعلم ، لما عن الموجز وشرحه : من إيجاب القضاء فيه ، وقولهم (ع) : « الصلاة لا تسقط بحال » (1) قد عرفت الإشكال في سنده ، ولو سلم فلا يدل على صحة الصلاة الاضطرارية مع التمكن من الائتمام كما لعله ظاهر.

اللهم إلا أن يقال : مع التمكن من الائتمام يعلم بوجوب الصلاة عليه وصحتها منه ، ويشك في وجوب الائتمام ، والأصل البراءة. نعم لو كان الائتمام أحد فردي الواجب التخييري تعيين مع تعذر القراءة ، لكن الظاهر من الأدلة أنه مسقط ، ولا دليل على وجوب فعل المسقط ، ولا سيما مع العلم بالسقوط للتعذر. نعم لو لم يتمكن من الائتمام لا يعلم بوجوب الصلاة أداء عليه ، وإنما يعلم إجمالا بوجوب الأداء أو القضاء ، فيجب الجمع بينهما من باب الاحتياط. فافهم.

ومما ذكرنا يظهر الاشكال على المصنف (ره) ، حيث جزم بوجوب الائتمام في مبحث الجماعة ، وتوقف فيه هنا ، إذ مقتضى ما ذكرنا الجزم بعدم

____________

(1) تقدم في المسألة : 9 من مسائل تكبيرة الإحرام.

222

( مسألة 33 ) : من لا يقدر إلا على الملحون أو تبديل بعض الحروف ولا يستطيع أن يتعلم أجزأه ذلك [1] ولا يجب عليه الائتمام وإن كان أحوط [2] ، وكذا الأخرس لا يجب عليه الائتمام [3].

________________________________________________

وجوب الائتمام ، مع أن التشكيك في عموم نصوص البدلية للمقام غير ظاهر ، لعموم مثل صحيح ابن سنان الآتي ، وخصوصية المورد ـ وهو من دخل في الإسلام ـ ملغاة بقرينة صدر الحديث ، فإنه ظاهر في وروده مورد القاعدة وعلى هذا فلا ينبغي التأمل في الاجتزاء بالبدل ، وعدم لزوم الائتمام.

[1] كما عن غير واحد التصريح به. بل قيل : « لا خلاف فيه على الظاهر ولا إشكال » ، ويقتضيه خبر مسعدة : « سمعت جعفر بن محمد (ع) يقول : إنك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح ، وكذلك الأخرس في القراءة في الصلاة والتشهد ، وما أشبه ذلك فهذا بمنزلة العجم. والمحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح » (1) ، وخبر السكوني عن الصادق (ع) عن النبي (ص) : « إن الرجل الأعجمي في أمتي ليقرأ القرآن بعجمته فترفعه الملائكة على عربيته » (2) ، والنبوي : « سين بلال شين عند الله تعالى » (3) ، ومن إطلاقها يظهر الاجتزاء بها ولو مع إمكان الائتمام ، ولا يتوقف على القول بكون قراءة الإمام مسقطة. بل لو قيل بأن الصلاة جماعة أحد فردي الواجب التخييري أجزأت.

[2] قد عرفت من بعض أن الظاهر عدم الخلاف في عدم وجوبه ،

[3] لإطلاق دليل الاجتزاء بحركة لسانه وإشارته بإصبعه.

____________

(1) الوسائل باب : 59 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 30 من أبواب قراءة القرآن حديث : 4.

(3) مستدرك الوسائل باب : 23 من أبواب قراءة القرآن حديث : 3.

223

( مسألة 34 ) : القادر على التعلم إذا ضاق وقته قرأ من الفاتحة ما تعلم [1] وقرأ من سائر القرآن عوض البقية [2]

________________________________________________

[1] بلا خلاف ولا إشكال. بل عن المعتبر ، والذكرى ، والروض ، وإرشاد الجعفرية ، والمدارك ، والمفاتيح : الإجماع عليه. وعن المنتهى : نفي الخلاف فيه لقاعدة الميسور ،

[2] كما اختاره جماعة منهم الشهيد في الذكرى ، والدروس ، وابن سعيد في الجامع ، وجعله في جامع المقاصد أقرب القولين. بل نسب إلى الأشهر بل المشهور.

وقيل : « يجوز الاقتصار على تعلمه » كما في المعتبر ، والمنتهى ، وعن التحرير ، ومجمع البرهان ، والمدارك ، لأصالة البراءة من وجوب العوض بعد عدم الدليل عليه ، إذ هو إن كان عموم ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ ) (1) ـ كما استدل به في جامع المقاصد ـ فغير ظاهر في الصلاة ، وحمله عليها بقرينة ظهور الأمر في الوجوب ليس بأولى من حمل الأمر على الاستحباب ، بقرينة عدم وجوب الميسور في الصلاة ولا في غيرها. وإن كان عموم : « لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب » (2) الدال على بطلان الصلاة بفقد الفاتحة المقتصر في الخروج عنه على صورة الإتيان بالبدل ، ففيه : أنه ـ بعد قيام الإجماع على وجوب الصلاة في المقام ـ لا بد أن يحمل العموم المذكور على كون الواجب الأولي هو المشتمل على الفاتحة ، والخالي عنها ليس بواجب أولي ، ولا واجد لمصلحته ، سواء أكان مشتملا على البدل أم خالياً عنه ، فيسقط بمجرد تعذر الفاتحة ولو بعضها ، والكلام هنا في وجوب واجب آخر لمصلحة أخرى ، ولأجل أنه قام الإجماع على الوجوب فاذا تردد موضوعه

____________

(1) المزمل : 20.

(2) مستدرك الوسائل باب : 1 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 5 و 7.

224

والأحوط مع ذلك تكرار ما يعلمه بقدر البقية ، وإذا لم يعلم منها شيئاً قرأ من سائر القرآن [1].

________________________________________________

بين الأقل والأكثر كان المرجع أصل البراءة ، ولا مجال للتمسك بالعام المذكور لإثبات وجوب المشتمل على البدل. وإن كان خبر الفضل بن شاذان المتقدم في إثبات وجوب السورة الظاهر في كون قراءة القرآن في نفسها ذات مصلحة وقراءة خصوص الفاتحة ذات مصلحة أخرى فغاية مدلوله كون صرف طبيعة القراءة ذات مصلحة ، وهو حاصل بقراءة البعض.

ثمَّ إنه لو بني على وجوب التعويض ، فهل يجب التعويض بغير ما تعلم من سائر القرآن ـ كما ذكره المصنف (ره) ، وعن الروض : نسبته الى المشهور ، ويقتضيه الاعتماد في وجوب التعويض على عموم ( فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ ) ، وعلى خبر الفضل ـ أو يجب التعويض بما تعلم بتكريره ـ كما عن بعض لأنه أقرب الى الفائت ـ؟؟ وجهان : أقربهما الأول. ومن ذلك تعرف الوجه في الاحتياط المذكور في المتن.

[1] كما هو المشهور ، ويشهد له : ـ مضافاً الى خبر الفضل المتقدم في مبحث وجوب السورة (1) ـ صحيح عبد الله بن سنان : « قال أبو عبد الله (ع) : إن الله فرض من الصلاة الركوع والسجود ، ألا ترى لو أن رجلا دخل في الإسلام لا يحسن أن يقرأ القرآن أجزأه أن يكبر ويسبح ويصلي؟ » (2) ، والنبوي : « إذا قمت إلى الصلاة فإن كان معك قرآن فاقرأ به ، وإلا فاحمد الله تعالى وهلله وكبره » (3) فان ظاهر الجميع اعتبار

____________

(1) راجع أول فصل القراءة.

(2) الوسائل باب : 3 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(3) سنن البيهقي ج : 2 صفحة : 380. وكنز العمال ج. 4 صفحة : 93 حديث : 1946 بتغيير يسير.

225

بعدد آيات الفاتحة بمقدار حروفها [1]

________________________________________________

القراءة في الجملة ، وأن الانتقال الى الذكر إنما هو بعد تعذرها. ومنه يظهر ضعف ما يظهر من الشرائع : من التخيير عند تعذر قراءة الفاتحة بين القراءة من غيرها والذكر.

[1] كما عن نهاية الأحكام ، وفي جامع المقاصد ، وعن الجعفرية وشرحيها : « إن أمكن بغير عسر ، فان عسر اكتفى بالمساواة في الحروف وان لم يكن بعدد الآيات » ، وعن المشهور : اعتبار المساواة في الحروف فقط مطلقاً ، وفي المعتبر : « قرأ من غيرها ما تيسير » ، ونحوه في المنتهى ، وهو ظاهر محكي الخلاف ، والنهاية ، والنافع وغيرها. وكأن المراد بما تيسر مطلق القراءة ، فإنه مقتضى أصالة البراءة بعد عدم دليل على اعتبار التقدير ولا على لزوم تمام الميسور ، إذ غاية ما يستفاد من صحيح ابن سنان ، وخبر الفضل ، والنبوي أن في نفس القراءة مصلحة ملزمة ، ومقتضاه وجوب ما يسمى قراءة عرفاً ، فيرجع في وجوب مقدار بعينه الى الأصل النافي. بل ظاهر ما في خبر الفضل : من أن العلة في وجوب قراءة الفاتحة أنه جمع فيها من جوامع الخبر والكلم ما لم يجمع في غيرها ـ عدم لزوم التقدير المذكور لفوات العلة المذكورة. نعم لو كان المستند في وجوب قراءة غيرها قاعدة الميسور كان اعتبار التقدير في محله ، لكنه لا يخلو من إشكال صغرى وكبرى.

ثمَّ إنه لو بني على اعتبار القاعدة فمقتضاه التقدير بلحاظ عدد الحروف ، لا الآيات ، ولا الكلمات ، ولا سائر الخصوصيات مثل : الحركة ، والسكون والمعاني ، والنسب التامة ، والناقصة ، وغير ذلك فان ذلك كله خارج عن منصرف الميسور عرفاً ، فلا يفهم وجوبه من القاعدة. ومجرد الاشتراك والمشابهة غير كاف في تطبيقها ، وإلا كان اللازم المساواة في جميع ما ذكر ، ولم يعرف احتماله من أحد.

226

وإن لم يعلم شيئاً من القرآن سبح وكبر وذكر [1] بقدرها [2]

________________________________________________

[1] المحكي عن جماعة : أنه يكبر الله ويسبحه ويهلله ، وعن الحدائق : نسبته الى المشهور ، وعن نهاية الأحكام : زيادة التحميد ، وعن الخلاف : الاقتصار عليه ، وعن اللمعة : الاقتصار على الذكر ، وعن الكاتب ، والجعفي : تعين التسبيح الواجب في الأخيرتين ، وعن جماعة من متأخري المتأخرين : متابعتهما ، والمذكور في صحيح ابن سنان المتقدم : « أنه يكبر ويسبح ويصلي » (1) وعن الأردبيلي : احتمال أن يكون المراد من التكبير فيه تكبيرة الإحرام ، فيكون التسبيح وحده كافياً ، وفي النبوي المتقدم : « التحميد والتهليل والتكبير » (2) ، وفي النبوي المروي في المنتهى (3) والتذكرة : « قل : سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم » ورواه في الذكرى (4) الى قوله : « إلا بالله ».

لكن الاعتماد على غير الصحيح لا يخلو من إشكال ، لضعف السند ، وعدم ثبوت الانجبار بالعمل ، على أن النبوي الأخير غير ظاهر في الصلاة على رواية الذكرى والمنتهى. فالقول بالاكتفاء بالتكبير والتسبيح وحده قوي جداً.

[2] كما هو المشهور بين المتأخرين كما عن الحدائق ، وفي المعتبر : استحباب المساواة ، وتبعه عليه جماعة ، وهو ظاهر محكي المبسوط لعدم الدليل عليها ، والأصل والإطلاق ينفيانها. اللهم إلا أن يدعى انصراف الإطلاق إلى المقدار المساوي فيكون حاكما على أصل البراءة ، لكنه غير ظاهر.

____________

(1) راجع صفحة : 224.

(2) راجع صفحة : 224.

(3) ج : 1 صفحة : 274.

(4) في المسألة : 6 من واجبات القراءة. وذكره البيهقي في سننه الكبرى ج : 2 صفحة : 381.

227

والأحوط الإتيان بالتسبيحات الأربع بقدرها ويجب تعلم السورة أيضاً [1] ، ولكن الظاهر عدم وجوب البدل لها [2] في ضيق الوقت وإن كان أحوط.

( مسألة 35 ) : لا يجوز أخذ الأجرة على تعليم الحمد والسورة [3] ،

________________________________________________

[1] الكلام فيه هو الكلام في تعلم الفاتحة.

[2] لقصور دليل البدلية عن شمول السورة ، أما الإجماع فظاهر ، بل عن غير واحد دعوى الإجماع على عدم وجوبه مع الجهل بها ، وأما النصوص فموردها جاهل القراءة كلية ، فلا تشمل صورة معرفة الفاتحة والجهل بالسورة.

نعم مع الجهل بالفاتحة أيضاً ظاهر النصوص بدلية التسبيح عنها وعن الفاتحة ، ولا حاجة إلى تكريره بدلا عن كل منهما وإن كان هو الأحوط.

[3] المشهور شهرة عظيمة عدم جواز أخذ الأجرة على العمل الواجب ، وفي جامع المقاصد في كتاب الإجارة : نسبة المنع عنه الى صريح الأصحاب من غير فرق بين الواجب العيني ، والكفائي ، والعبادي ، والتوصلي ، وفي الرياض : نفى الخلاف فيه ، وأن عليه الإجماع في كلام جماعة ، واستدل له تارة : بالإجماع المتقدم ، وأخرى : بأنه أكل للمال بالباطل لعدم وصول فائدة عوض الأجرة للمستأجر ، وثالثة : بمنافاة ذلك للإخلاص ، ورابعة : بأن الوجوب يوجب كون العمل الواجب مستحقاً لله تعالى فلا سلطنة للمكلف على تمليكه لغيره ، وخامسة : بأن الوجوب يوجب إلغاء مالية الواجب وإسقاط احترامه ، ولذا يجوز أن يقهر عليه مع امتناعه عن فعله وعدم طيب نفسه به.

وهذه الوجوه لا تخلو من إشكال أو منع ، فان نقل الإجماع معارض بحكاية الخلاف من جماعة ، ونقل الأقوال الكثيرة في المسألة ، والاستدلال

228

________________________________________________

لها بالوجوه المختلفة. وأما أنه أكل للمال بالباطل فممنوع إذا كان العمل موضوعاً لغرض صحيح للباذل الذي دعاه الى البذل. وأما المنافاة للإخلاص فلا تطرد في التوصليات ، وتقتضي المنع أيضاً في المستحبات مع بنائهم على الجواز فيها ، مضافاً الى أنها ممنوعة عند جماعة كثيرة إذا كانت الأجرة ملحوظة بنحو داعي الداعي. وكون الوجوب مقتضياً لكون الفعل مستحقاً لله سبحانه أول الكلام ، بل ممنوع ، إذ لا يساعده عقل ولا عرف ، ومثله إلغاء الوجوب لمالية الواجب بحيث يكون أخذ المال بإزائه أخذاً للمال بالباطل ، ومجرد جواز القهر عليه من باب الأمر بالمعروف عند اجتماع شرائطه لا يقتضي ذلك ، كما أن عدم ضمان القاهر أعم منه.

وقد يتوهم أن الوجوب يوجب نفي سلطنة المكلف على الواجب فتكون الإجارة صادرة من غير السلطان فتبطل. وفيه : أن الوجوب إنما ينفي السلطنة التكليفية ، ولا ينفي السلطنة الوضعية ، وهي المعتبرة في صحة الإجارة لا التكليفية.

وفي مفتاح الكرامة : استدل على عدم صحة الإجارة على الواجب المطلق : بعدم إمكان ترتب أحكام الإجارة عليه ، لعدم إمكان الإبراء ، والإقالة ، والتأجيل وعدم قدرة الأجير على التسليم ، ولا تسلط على الأجير في إيجاد ولا عدم. انتهى ، وانتفاء الأولين غير ظاهر ، مع أنه أعم ، كما في الإجارة من الولي حيث لا مصلحة في الإبراء والإقالة ، وكذا انتفاء الثالث ، بل هكذا انتفاء الرابع إلا إذا كان بمعنى عدم جواز الفعل ، وعدم تسلط الأجير في الإيجاد مصادرة ، لأنه إذا صحت الإجارة تسلط المستأجر على الأجير فيه ، وعدم التسلط على الأجير في العدم ثابت لكنه لا يدل على البطلان ، فإن الإجارة على الفعل المباح لا تقتضي التسلط على الأجير في العدم مع أنها صحيحة.

ولأجل ما ذكرنا استشكل جماعة في الحكم المذكور ، إلا إذا علم من

229

بل وكذا على تعليم سائر الأجزاء الواجبة من الصلاة ، والظاهر جواز أخذها على تعليم المستحبات [1].

________________________________________________

الدليل وجوب فعله مجاناً كما ادعاه المصنف (رحمه الله) في حاشية المكاسب بالنسبة إلى تعليم الجاهل ، أو فهم منه كونه حقاً من حقوق غيره على نحو يستحقه على العامل مجاناً كما قد يدعى بالنسبة إلى تجهيز الميت وتعليم الجاهل. لكن قال شيخنا الأعظم (رحمه الله) في مكاسبه : « تعيين هذا يحتاج الى لطف قريحة » ، وكذا تعيين الأول. نعم الظاهر انعقاد الإجماع على وجوب تعليم الأحكام مجاناً فيما كان محل الابتلاء ، وهذا هو العمدة فيه.

ثمَّ إن المفهوم من كلام المتقدمين حيث قيدوا المنع بالواجب جواز أخذ الأجرة على فعل المستحب ، وعن مجمع البرهان ، والكفاية : أنه المشهور لعموم ما دل على صحة الإجارة ونفوذها من دون مانع ، وإن كان بعض أدلة المنع في الواجبات جار في المستحبات أيضاً.

والتحقيق : أن العبادات واجبات كانت أم مستحبات ، إذا كانت يفعلها الإنسان لنفسه لا يجوز له أخذ الأجرة عليها ، لمنافاة ذلك للإخلاص المعتبر فيها ، ويكفي في إثبات هذه المنافاة ارتكاز المتشرعة ، بل بناء العقلاء عليها ، وأما غير العبادات فلا بأس به إذا كان للمستأجر غرض مصحح لبذل الأجرة ، وأما العبادات التي يفعلها عن غيره فلا بأس بأخذ الأجرة عليها إذا كانت مما تقبل النيابة ، وكذا غير العبادات ، لعدم المانع كما يأتي إن شاء الله في مبحث قضاء الصلوات ، ولا فرق بين الواجبات والمستحبات.

[1] لم يتضح الفرق بين تعليم المستحبات والواجبات ، فإن أدلة لزوم التعليم شاملة للمقامين ، فان كان المانع من أخذ الأجرة الوجوب فهو مشترك وإن كان ظهور الدليل في المجانية فهو كذلك. فتأمل جيداً.

230

( مسألة 36 ) : يجب الترتيب بين آيات الحمد والسورة [1] ، وبين كلماتها وحروفها ، وكذا الموالاة [2] ،

________________________________________________

[1] بلا خلاف ظاهر فيه ، وقد صرح به جماعة كثيرة من دون تعرض لخلاف أو إشكال ، لدخوله في مفهوم الحمد والسورة الموجب لفواتهما بفواته.

[2] كما عن الشيخ ، والفاضلين ، والشهيدين ، والمحقق الثاني ، وغيرهم : التصريح به ، بل في الجواهر : « لا أجد فيه خلافا بين أساطين المتأخرين ». واستدل له بالتأسي ، وتوقيفية العبادة ، وانصراف إطلاق القراءة إلى خصوص صورة الموالاة. والجميع لا يخلو من إشكال أشرنا إليه سابقاً.

نعم لو كان السكوت الطويل أو ذكر اللفظ الأجنبي مما يخل بالهيئة الكلامية المعتبرة في صحة كونه كلاما كان اعتبار عدمها في محله ، لظهور الأدلة في وجوب قراءة القرآن على النهج الصحيح العربي ، والمفروض كون الموالاة بين أجزاء الجملة دخيلة فيه كحركات الاعراب والبناء والسكنات وغيرها مما يجب في الكلام الصحيح العربي ، فكما أن المتكلم لو أراد أخبار صاحبه بأن زيداً قائم ، فقال : زيد ، ثمَّ سكت سكوتاً طويلا ثمَّ قال : قائم ، كان ذلك غلطاً ولم يكن الكلام عربياً ، كذلك لو أراد قراءة زيد قائم وكذلك الكلام في الفصل بالأجنبي الذي لا يجوز الفصل به.

لكن هذا المقدار لا يسوغ إطلاق اعتبار الموالاة في القراءة ـ كما في المتن وغيره ـ الظاهر في لزومها بين الجمل نفسها وفيما بين أجزائها ، فإن ذلك مما لم يقم عليه دليل ظاهر ، بل اللازم منها خصوص ما يعتبر في صحة الكلام العربي لو كان خبراً أو إنشاء من عدم السكوت الطويل ، أو الفصل بالأجنبي بين المبتدأ والخبر ، والفعل ومتعلقاته ، والموصوف وصفته ، والشرط وجزائه ، والمضاف والمضاف اليه ، ونحوها مما يخرج الكلام عن كونه عربياً صحيحاً ، ويكون معدوداً في علم العربية غلطاً ، دون ما عداه ، لعدم الدليل

231

فلو أخل بشيء من ذلك عمداً بطلت صلاته [1].

________________________________________________

على اعتباره ، وينبغي تنزيل ما ذكره الأصحاب وأرسلوه إرسال المسلمات من إطلاق اعتبار الموالاة على خصوص ما ذكر. وأما ما ورد من الأمر بالدعاء وسؤال الرحمة ، والاستعاذة من النقمة عند آيتيهما (1) ، ورد السلام (2) ، والحمد عند العطسة ، وتسميت العاطس (3) ، وغير ذلك فلا ينافيه ، لعدم تعرضه لهذه الجهة ، ولا إطلاق له يشمل صورة فوات الموالاة ، كما لعله ظاهر.

[1] كما عن نهاية الأحكام ، والذكرى ، والبيان ، والألفية ، وجامع المقاصد ، والروض ، وغيرها للزيادة العمدية ، ومنه يظهر ضعف ما عن المبسوط ، والتذكرة ، والدروس ، والمدارك ، وغيرها من وجوب استئناف القراءة لا الصلاة. وكأن وجهه : ظهور الزيادة العمدية في خصوص ما وجد في الخارج زائداً ، والقراءة قبل فعل ما يوجب فوات الموالاة ليست كذلك وإنما صارت زائدة بفعله ، فالمقام نظير ما لو قرأ بعض السورة ثمَّ عدل إلى سورة أخرى حتى أتمها.

نعم لو كان ما يوجب فوات الموالاة مبطلا في نفسه ـ كما لو تكلم بكلام الآدميين ـ كان البناء على بطلان الصلاة في محله ، ولذا قال في مجمع البرهان : « إنه ـ يعني بطلان الصلاة في العمد ـ غير واضح. نعم لو ثبت بطلان الصلاة بالتكلم بمثل ما قرأ في خلالها ، بدليل أنه كلام أجنبي وإن

____________

(1) الوسائل باب : 18 و 20 من أبواب القراءة في الصلاة. والمستدرك باب : 14 و 16 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الوسائل باب : 16 من أبواب قواطع الصلاة. والمستدرك باب : 15 من أبواب قواطع الصلاة.

(3) الوسائل باب : 18 من أبواب قواطع الصلاة. والمستدرك باب 52 من أبواب أحكام العشرة.

232

( مسألة 37 ) : لو أخل بشيء من الكلمات أو الحروف أو بدل حرفا بحرف حتى الضاد بالظاء أو العكس بطلت [1] ، وكذا لو أخل بحركة بناء ، أو إعراب [2] ، أو مد واجب ، أو تشديد ، أو سكون لازم ، وكذا لو أخرج حرفا من غير مخرجه بحيث يخرج عن صدق ذلك الحرف في عرف العرب.

________________________________________________

كان قرآناً ، أو ذكراً غير مجوز لتحريمه ، فيلحق بكلام الآدميين ، فتبطل بتعمده الصلاة لو صح مذهب الجماعة ، ولكن فيه تأمل إذ قد يمنع ذلك ».

وفيه : أن العموم الدال على بطلان الصلاة بالزيادة العمدية إنما هو عموم : « من زاد في صلاته فعليه الإعادة » (1) ، والخارج منه بحديث : « لا تعاد الصلاة » (2) ، أو نحوه لا يشمل ما نحن فيه ، فعموم البطلان فيه محكم ، كما أن مقتضاه البطلان في العدول من سورة إلى أخرى لو لا النصوص المرخصة فيه ، ومما ذكرنا يظهر أنه لو فاتت الموالاة سهواً استأنف القراءة لا غير ـ كما عن المشهور ـ لفواتها بفوات شرطها ، ولا موجب لاستئناف الصلاة. نعم بناء على ما تقدم من معنى الموالاة الواجبة إنما يستأنف خصوص الجملة التي فاتت بفوات موالاتها ، كما عن الشيخ وجماعة.

[1] يعني : القراءة بلا خلاف ، ويقتضيه اعتبار ذلك فيها الموجب لفواتها بفواته ، وكذا الحال فيما لو أخل بحركة أو سكون أو نحوهما مما سيذكره.

[2] إجماعا كما عن المعتبر ، وبلا خلاف كما عن المنتهى ، ولا نعرف فيه خلافا كما عن فوائد الشرائع ، إذ لا فرق بين المادة والصورة في الاعتبار وخروج اللفظ بفقدان أيتهما كانت عن القرآن. كذا في كشف اللثام ، وعن السيد (رحمه الله) : جواز تغيير الإعراب الذي لا يتغير به المعنى وأنه مكروه

____________

(1) الوسائل باب : 19 من أبواب الخلل في الصلاة حديث : 2.

(2) الوسائل باب : 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 4.

233

( مسألة 38 ) : يجب حذف همزة الوصل في الدرج [1] مثل همزة ( الله ) و ( الرحمن ) و ( الرحيم ) و ( اهدنا ) ونحو ذلك ، فلو أثبتها بطلت [2] ، وكذا يجب إثبات همزة القطع كهمزة ( أنعمت ) فلو حذفها حين الوصل بطلت.

( مسألة 39 ) : الأحوط ترك الوقف بالحركة [3]

________________________________________________

وفي كشف اللثام : « ضعفه ظاهر ». لما عرفت.

[1] كما نص عليه أهل العربية ، كابن الحاجب ، وابن مالك ، وشراح كلامهما ، من دون تعرض لخلاف فيه. قال الأول : « وإثباتها وصلا لحن وشذ في الضرورة » ، وقال الثاني :

« للوصل همز سابق لا يثبت * * * إلا إذا ابتدئ به كاستثبتوا »

واستشهد الشيخ الرضي (ره) لثبوتها في ضرورة الشعر بقوله :

« إذا جاوز الاثنين سر فإنه * * * يبث وتكثير الوشاة قمين »

[2] يعني : القراءة ، فلا بد من استئنافها ولو باستئناف الصلاة من رأس إذا كان ذلك عمداً ، وكذا الحال فيما بعده.

[3] قال ابن الحاجب : « الوقف قطع الكلمة عما بعدها ، وفيه وجوه مختلفة في الحسن والمحل ، فالاسكان المجرد في المتحرك ، والروم في المتحرك وهو أن تأتي بالحركة خفيفة وهو في المفتوح قليل ، والإشمام في المضموم وهو أن تضم الشفتين بعد الإسكان .. » ، ولعل ظاهر قوله : « مختلفة في الحسن والمحل » عدم وجوب هذه الأحكام. كما أن ما في شرح الرضي من قوله (رحمه الله) : « إن ترك مراعاة هذه الأحكام خطأ » يحتمل أن يكون المراد به مخالفة المشهور المعروف لا اللحن. نعم عن المجلسي (رحمه الله) اتفاق القراء وأهل العربية على عدم جواز الوقف بالحركة. انتهى.

لكن عدم الجواز عند القراء لا يقتضي الخروج عن قانون اللغة. نعم

234

والوصل بالسكون [1].

( مسألة 40 ) : يجب أن يعلم حركة آخر الكلمة [2] إذا أراد أن يقرأها بالوصل بما بعدها ، مثلا إذا أراد أن لا يقف على ( الْعالَمِينَ ) ويصلها بقوله ( الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) يجب أن يعلم أن النون مفتوح ، وهكذا. نعم إذا كان يقف على كل آية لا يجب عليه أن يعلم حركة آخر الكلمة.

________________________________________________

عدم الجواز عند أهل العربية يراد به ذلك ، إلا أن استفادته من كلامهم لا تخلو من إشكال ، والأصل في المقام ـ لكون الشبهة مفهومية ـ يقتضي البراءة من مانعية التسكين. فتأمل جيداً. نعم الذي صرح به في المستند عدم الدليل على وجوب قراءة القرآن على النهج العربي ، ولكنه في موضع من الغرابة ، فإن الهيئة مقومة للقرآن كالمادة ، مع أنه يلزم منه عدم لزوم المحافظة على حركات البنية أيضاً. فلاحظ.

[1] مقتضى إطلاق كلام أهل العربية في الحركات الاعرابية والبنائية واقتصارهم في الاستثناء على خصوص حال الوقف : هو وجوب التحريك في الوصل ، وحمل كلامهم على عدم جواز إبدالها بحركات أخرى بعيد جداً. لكن في مبحث الأذان والإقامة يظهر من غير واحد بل هو صريح الشهيد الثاني (رحمه الله) في الروضة والروض وكاشف الغطاء جواز الوصل بالسكون وأنه ليس لحناً ولا مخالفة لقانون اللغة ، وقد يستشهد له بقول الصياد حين يرى الغزال : غزال غزال ، يكرر ذلك على عجلة مع تسكين اللام ، وعد ذلك غلطاً بعيد ، وعليه يكون جواز الوصل بالسكون في محله ، كما أنه كذلك لو تمَّ ما تقدم عن المستند.

[2] الكلام فيه هو الكلام في وجوب التعلم كلية.

235

( مسألة 41 ) : لا يجب أن يعرف مخارج الحروف على طبق ما ذكره علماء التجويد [1] ، بل يكفي إخراجها منها ، وإن لم يلتفت إليها ، بل لا يلزم إخراج الحرف من تلك المخارج ، بل المدار صدق التلفظ بذلك الحرف وإن خرج من غير المخرج الذي عينوه [2] ، مثلا إذا نطق بالضاد

________________________________________________

[1] بل ذكره غيرهم. قال ابن الحاجب في الشافية : « ومخارج الحروف ستة عشر تقريباً ، وإلا فلكل مخرج ، فللهمزة والهاء والألف أقصى الحلق ، وللعين والحاء وسطه ، وللغين والخاء أدناه ، وللقاف أقصى اللسان وما فوقه من الحنك ، وللكاف منهما ما يليهما ، وللجيم والشين والياء وسط اللسان وما فوقه من الحنك ، وللضاد أول إحدى حافتيه وما يليها من الأضراس ، وللام ما دون طرف اللسان الى منتهاه وما فوق ذلك ، وللراء منهما ما يليها وللنون منهما ما يليهما وللطاء والدال والتاء طرف اللسان وأصول الثنايا ، وللصاد والزاي والسين طرف اللسان والثنايا ، وللظاء والذال والثاء طرف اللسان وطرف الثنايا ، وللفاء باطن الشفة السفلى وطرف الثنايا العليا ، وللباء والميم والواو ما بين الشفتين ».

ثمَّ إن عد المخارج ستة عشر ـ كما هو المحكي عن سيبويه ـ مبني على كون مخرج الهمزة والألف واحداً ، ومن فرق بينهما جعلها سبعة عشر كما عن الخليل وأتباعه من المحققين ، وعن الفراء وأتباعه أنها أربعة عشر بجعل مخرج النون واللام والراء واحداً. قال الشيخ الرضي (رحمه الله) : « وأحسن الأقوال ما ذكره سيبويه ، وعليه العلماء بعده ».

[2] الذي يظهر من كل من تعرض لذلك : امتناع خروج الحرف من غير المخرج الذي ذكر له ، فيكون ما في المتن من قبيل الفرض الذي لا واقع له ، وإن كان لا يمتنع من قبوله علماء التجويد ولا غيرهم. لكن الإنصاف

236

أو الظاء على القاعدة ، لكن لا بما ذكروه من وجوب جعل طرف اللسان من الجانب الأيمن [1] ، أو الأيسر على الأضراس العليا [2] صح ، فالمناط الصدق في عرف العرب ، وهكذا في سائر الحروف ، فما ذكره علماء التجويد مبني على الغالب.

( مسألة 42 ) : المد الواجب هو فيما إذا كان بعد أحد حروف المد [3] ، وهي : الواو المضموم ما قبلها ، والياء

________________________________________________

يقتضي البناء على إمكان إخراج جملة من الحروف من غير مخارجها ، فان طرف اللسان وما دونه إذا لصق بأي موضع من اللثة أو الحنك الأعلى أمكن النطق بالنون واللام ، وكذا الكلام في غيرهما. فاختبر.

[1] فان الاختبار يساعد على أن وصل الحافة بما فوق الأضراس كاف في إخراج الضاد ، وكذا لو لصق بالحنك الأعلى. فاختبر.

[2] الأسنان على ما ذكروا أربعة أقسام ، منها أربعة تسمى ثنايا : ثنيتان من فوق ، وثنيتان من تحت من مقدمها ، ثمَّ أربعة تليها من كل جانب واحد تسمى رباعيات ، ثمَّ أربعة تليها كذلك تسمى أنيابا ، ثمَّ الباقي تسمى أضراساً منها أربعة تسمى ضواحك ، ثمَّ اثنى عشر طواحن ، ثمَّ أربعة نواجذ تسمى ضرس الحلم والعقل ، وقد لا توجد في بعض أفراد الإنسان.

[3] اجتماع حرف المد والهمزة الساكنة إن كان في كلمة واحدة يسمى المد بالمتصل ، وإن كان في كلمتين يسمى بالمنفصل ، والأول واجب عند القراء. وعن أبي شامة : أنه حكى عن الهذلي جواز القصر في مورده.

لكن عن الجزري : إنكار ذلك ، وأنه تتبع فلم يجده في قراءة صحيحة ولا شاذة ، بل رأى النص بالمد عن ابن مسعود يرفعه عن النبي (ص) : « إن ابن مسعود كان يقرئ رجلا فقرأ الرجل : إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَراءِ

237

المسكور ما قبلها ، والألف المفتوح ما قبلها همزة ، مثل : « جاء » و « سوء » و « جيء » ، أو كان بعد أحدها سكون لازم [1] خصوصاً إذا كان مدغماً في حرف آخر مثل ( الضّالِّينَ ).

________________________________________________

وَالْمَساكِينِ (1) مرسلة. فقال ابن مسعود : ما هكذا أقرأنيها رسول الله (ص) فقال : كيف أقرأها يا أبا عبد الرحمن؟ فقال : أقرأنيها « إنما الصدقات للفقراء والمساكين » فمدها. ثمَّ قال الجزري : هذا حديث جليل حجة ونص في هذا الباب ، ورجال إسناده ثقات ، رواه الطبراني في معجمة الكبير » وقال بعض شراح مقدمته : « لو قرأ بالقصر يكون لحناً جليا ، وخطأ فاحشاً مخالفاً لما ثبت عن النبي (ص) بالطرق المتواترة ».

هذا ولا يخفى أن المد المذكور لم يتعرض له في علمي الصرف والنحو ، وظاهر الاقتصار في الاستدلال عليه على مرفوع ابن مسعود المتقدم والتواتر عن النبي (ص) الاعتراف بعدم شاهد عليه في اللغة ، وحينئذ لا وجه للحكم بوجوبه ، إذ التواتر ممنوع جداً ، والمرفوع إن صح الاستدلال به فهو قضية في واقعة لا يمكن استفادة الكلية منه ، بل مقتضى قراءة الأعرابي بالقصر واحتجاج ابن مسعود بفعل النبي (ص) عدم لزومه في اللغة كما هو ظاهر ، وأما المد المنفصل فهو المسمى عندهم بالجائز لاختلاف القراء فيه كما قيل ، فان ابن كثير والسوسي يقصرانه بلا خلاف ، وقالون والدوري يقصرانه ويمدانه ، والباقون يمدونه بلا خلاف ، وعلى هذا فموضوع كلام المصنف (ره) هو الأول المتصل الذي مثل له بالأمثلة المذكورة في المتن لا ما يشمل المنفصل.

[1] يعني : لا يختلف حاله باختلاف حالي الوقف والوصل ، ويسمى المذكور المد اللازم ، وهو على قسمين لأن الحرف الساكن إما مدغم ـ كما في مثال المتن ـ ويسمى لازماً مشدداً ، وإما غير مدغم ـ كما في فواتح السور

____________

(1) التوبة : 60.

238

________________________________________________

من ( ص ) و ( ق ) ونحوهما ـ ويسمى لازماً مخففاً. ثمَّ إنهم اختلفوا في أن أيهما أشبع تمكيناً من الآخر ، فعن كثير منهم : أن الأول أشبع تمكيناً من الثاني ، وقيل بالعكس ، وقيل بالتساوي لأن الموجب له وهو التقاء الساكنين موجود في كل منهما.

هذا وتقييد السكون باللازم لأجل أن السكون إذا لم يكن لازماً كما لو كان عارضاً من جهة الوقف كما لو وقف على آخر الآية مثل ( الْعالَمِينَ ) و ( الرَّحِيمِ ) و ( الدِّينِ ) و ( نَسْتَعِينُ ) ـ فالمد جائز عندهم بلا خلاف كما قيل ، وكذا لو كان السكون عارضاً من جهة الوصل لاجتماع حرفين متماثلين فسكن أولهما نحو : ( الرحيم ) ، ( ملك ) ، ( فيه هدى ) على قراءة أبي عمرو برواية السوسي.

ثمَّ إن وجه المد اللازم على ما ذكروا هو أنه لا يجمع في الوصل بين الساكنين ، فإذا أدى الكلام اليه حرك أو حذف أو زيد في المد ليقدر محركا وهذا موضع الزيادة ، وهذه العلة لا يفرق فيها بين حرف اللين وحرف المد ، مع أن الأول لا يجب فيه المد عند المحققين ـ كما قيل ـ بل يجوز فيه القصر ، ولأجل ذلك يشكل المراد من قول الرضي (رحمه الله) في شرح الشافية : « وجب المد التام في أول مثل هذيه الساكنين ، وثقل المد في حرف اللين إذا كانت حركتها من غير جنسها » إلا أن يحمل على إرادة المد الطبيعي المقوم للحرف ، لا الزائد عليه الواجب أو الجائز ، أو على إرادة الوجوب في خصوص حرف المد ، لكن لم أقف على مصرح بوجوبه من علماء العربية.

اللهم إلا أن يكون أغناهم عن ذلك توقف النطق بالحرف الساكن عليه ، لكنه ممنوع جداً ، وربما يشير اليه خبر محمد بن جعفر المروي في الوسائل في باب كراهة قتل الخطاف. قال (ع) : « وتدرون ما تقول الصنينة ( هكذا ) إذا هي مرت وترنمت تقول : بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ

239

( مسألة 43 ) : إذا مد في مقام وجوبه أو في غيره أزيد من المتعارف لا يبطل ، إلا إذا خرجت الكلمة عن كونها تلك الكلمة.

( مسألة 44 ) : يكفي في المد مقدار ألفين [1] وأكمله إلى أربع ألفات ، ولا يضر الزائد ما لم يخرج الكلمة عن الصدق.

( مسألة 45 ) : إذا حصل فصل بين حروف كلمة

________________________________________________

رَبِّ الْعالَمِينَ ، وقرأ أم الكتاب فاذا كان في آخر ترنمها قالت : وَلَا الضّالِّينَ ، مدها رسول الله (ص) وَلَا الضّالِّينَ » (1) فوجوب المد اللازم لا يخلو من إشكال ونظر.

[1] قال بعض شراح الجزرية : « اعلم أن القراء اختلفوا في مقدار هذه المراتب عند من يقول بها ، فقيل : أول المراتب ألف وربع. قال زكريا : هذا عند أبي عمرو وقالون وابن كثير ، ثمَّ ألف ونصف ، ثمَّ ألف وثلاثة أرباع ، ثمَّ ألفان ، وقيل : أولها ألف ونصف ، ثمَّ ألفان ، ثمَّ ألفان ونصف ، ثمَّ ثلاث ألفات ، وهذا هو الذي اختاره الجعبري ، وقيل : أولها ألف ، ثمَّ ألفان ، ثمَّ ثلاث ، ثمَّ أربع. قال الرومي : وهذا مذهب الجمهور. انتهى. ولا يخفى عليك أن المراد بالألف ـ يعني في القول الأخير ـ ما عدا الألف الذي هو المد الأصلي ، للإجماع على ذلك ، وأما معرفة مقدار المدات المقدرة بالألفات فان تقول مرة أو مرتين أو زيادة وتمد صوتك بقدر قولك : ألف ألف ، أو كتابتها ، أو بقدر عقد أصابعك في امتداد صوتها ، وهذا كله تقريب لا تحديد » ، انتهى كلام الشارح. ومنه يظهر : أن منتهى المد أربع ألفات زائداً على الألف التي هي المد الأصلي الذي هو قوام الحرف ،

____________

(1) الوسائل باب : 39 من أبواب الصيد حديث : 3.

240

واحدة اختياراً أو اضطراراً بحيث خرجت عن الصدق بطلت [1] ، ومع العمد أبطلت [2].

( مسألة 46 ) : إذا أعرب آخر الكلمة بقصد الوصل بما بعده فانقطع نفسه ، فحصل الوقف بالحركة فالأحوط إعادتها [3] وإن لم يكن الفصل كثيراً اكتفى بها.

( مسألة 47 ) : إذا انقطع نفسه في مثل ( الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ ) بعد الوصل بالألف واللام ، وحذف الألف ، هل يجب إعادة الألف واللام بأن يقول : ( الْمُسْتَقِيمَ ). أو يكفي قوله : ( مستقيم )؟ الأحوط الأول [4] ، وأحوط منه إعادة الصراط أيضاً ، وكذا إذا صار مدخول الألف واللام غلطاً كأن صار مستقيم غلطاً ، فإذا أراد أن يعيده

________________________________________________

فيكون منتهى المد خمس ألفات لا كما يظهر من العبارة ، وما عن الجعبري من أن حده أربع ألفات يراد منه الزائد على المد الأصلي كما قيل.

[1] لما عرفت من أن الهيئة من مقومات الكلمة.

[2] الكلام فيه هو الكلام في ترك الموالاة عمداً ، وقد تقدم.

[3] مبني على ما تقدم من الاحتياط.

[4] لاحتمال كون الفصل بمقدار النفس مضراً بهيئة الكلمة المعرفة باللام فتبطل ، ومثله وصل اللام بما قبلها مع هذا الفصل بينها وبين مدخولها ، ولأجله كان الأحوط إعادة ( الصِّراطَ ) أيضاً ، لكن الظاهر قدح ذلك عرفاً في المقامين غالباً ، فيتعين إعادتهما معاً ، ولا يحتاج إلى إعادة ( اهْدِنَا ) وإن جرى عليه أحكام الدرج من حذف الألف ، لأن أحكام الدرج لا يتوقف إجراؤها على الدرج بالقرآن كما لا يخفى.

241

فالأحوط أن يعيد الألف واللام أيضاً [1] ، بأن يقول : ( الْمُسْتَقِيمَ ). ولا يكتفي بقوله : ( مستقيم ). وكذا إذا لم يصح المضاف إليه فالأحوط إعادة المضاف ، فاذا لم يصح لفظ ( الْمَغْضُوبِ ) فالأحوط أن يعيد لفظ غير أيضاً.

( مسألة 48 ) : الإدغام في مثل مدّ وردّ مما اجتمع في كلمة واحدة مثلان واجب [2] ، سواء كانا متحركين ـ كالمذكورين ـ أو ساكنين ـ كمصدرهما.

( مسألة 49 ) : الأحوط الإدغام [3] إذا كان بعد النون الساكنة أو التنوين

________________________________________________

[1] لما سبق ، وكذا عليه أن يعيد ( الصِّراطَ ) لا لما سبق ، إذ الوصل بالمفرد الغلط لا يوجب فوات هيئة الموصول ، بل لأنه لو اقتصر على ( الْمُسْتَقِيمَ ) لزم الفصل بالأجنبي بين الموصوف وصفته ، إلا أن يبنى على جوازه في ضرورة الغلط كما هو الظاهر ، ومع الشك في ذلك فالأصل البراءة من وجوب الإعادة ، وكذا الحال في المضاف والمضاف إليه ، فإنه لا حاجة الى إعادة المضاف إذا جاء بالمضاف اليه غلطاً ، إذ الفصل به لا يقدح لغة في الهيئة المعتبرة بينهما.

[2] إذا كان الأول ساكناً والثاني متحركا وجب الإدغام ، سواء أكان في كلمة واحدة ، أم كلمتين ، إذا لم يكن الأول حرف مد أصلي أو ما هو بمنزلته وإن كانا معاً متحركين ، وكانا في آخر الكلمة ، ولم يكن الأول منهما مدغماً فيه ، ولا كان التضعيف للإلحاق ، وجب الإدغام أيضاً في الفعل ، أو في الاسم المشابه للفعل غالباً ، وتفصيل ذلك موكول الى محله.

[3] الذي صرح به ابن الحاجب والرضي (رحمه الله) هو الوجوب ،

242

أحد حروف يرملون مع الغنة ، فيما عدا اللام والراء [1] ، ولا معها فيهما ، لكن الأقوى عدم وجوبه [2].

( مسألة 50 ) : الأحوط القراءة بإحدى القراءات السبع [3] وإن كان الأقوى عدم وجوبها ، بل يكفي القراءة على النهج العربي وإن كانت مخالفة لهم في حركة بنية أو إعراب.

________________________________________________

أما في كلمتين فمطلقاً ، وأما في كلمة واحدة ، فإذا لم يكن لبس كانمحى أدغم ، وإن كان لبس لم يجز الإدغام.

[1] حكى الرضي (ره) عن سيبويه وسائر النحاة أن الإدغام مع الغنة ، وقال هو : « إن كان المدغم فيه اللام والراء فالأولى ترك الغنة وبعض العرب يدغمها فيهما مع الغنة ، وإن كان المدغم فيه الواو والياء فالأولى الغنة وكذا مع الميم لأن في الميم غنة ».

[2] هذا غير ظاهر مع حكاية الوجوب ممن تقدم ، ولا سيما بملاحظة كون المقام من باب الدوران بين التعيين والتخيير.

[3] القراء السبعة هم : نافع بن أبي نعيم المدني ، وعبد الله بن كثير المكي ، وأبو عمرو بن العلاء البصري ، وعبد الله بن عامر الدمشقي ، وعاصم ابن أبي النجود ، وحمزة بن حبيب الزيات ، وعلي بن حمزة النحوي ، الكوفيون فإذا أضيف إلى قراءة هؤلاء قراءة أبي جعفر يزيد بن القعقاع ، ويعقوب ابن إسحاق الحضرمي ، وخلف ابن هشام البزاز ، كانت القراءات العشر.

هذا والمنسوب الى أكثر علمائنا وجوب القراءة بإحدى السبع ، واستدل له : بأن اليقين بالفراغ موقوف عليها ، لاتفاق المسلمين على جواز الأخذ بها إلا ما علم رفضه وشذوذه ، وغيرها مختلف فيه ، وبخبر سالم أبي سلمة : « قرأ رجل على أبي عبد الله (ع) وأنا أستمع حروفا من القرآن ليس على

243

________________________________________________

ما يقرؤها الناس ، فقال (ع) : كف عن هذه القراءة ، اقرأ كما يقرأ الناس حتى يقوم القائم ، فإذا قام القائم قرأ كتاب الله تعالى على حده وأخرج المصحف الذي كتبه علي (ع) » (1) ومرسل محمد بن سليمان عن بعض أصحابه عن أبي الحسن (ع) : « جعلت فداك إنا نسمع الآيات من القرآن ليس هي عندنا كما نسمعها ، ولا نحسن أن نقرأها كما بلغنا عنكم فهل نأثم؟ فقال (ع) : لا ، اقرءوا كما تعلمتم فسيجيء من يعلمكم » (2).

وفيه : أن اليقين بالبراءة إن كان من جهة تواترها عن النبي (ص) دون غيرها ـ كما عن جملة من كتب أصحابنا ، بل عن جماعة دعوى الإجماع عليه ، بل في مفتاح الكرامة : « والعادة تقضي بالتواتر في تفاصيل القرآن من أجزائه وألفاظه وحركاته وسكناته ووضعه في محله لتوفر الدواعي على نقله من المقر ، لكونه أصلا لجميع الأحكام ، والمنكر لا بطال كونه معجزاً فلا يعبأ بخلاف من خالف أو شك في المقام » ففيه : أن الدعوى المذكورة قد أنكرها جماعة من الأساطين ، فعن الشيخ في التبيان : « إن المعروف من مذهب الإمامية والتطلع في أخبارهم ورواياتهم أن القرآن نزل بحرف واحد على نبي واحد ، غير أنهم أجمعوا على جواز القراءة بما يتداوله القراء وأن الإنسان مخير بأي قراءة شاء قرأ ». ونحوه ما عن الطبرسي في مجمع البيان ، ومثلهما في إنكار ذلك جماعة من الخاصة والعامة كابن طاوس ، ونجم الأئمة في شرح الكافية في مسألة العطف على الضمير المجرور ، والمحدث الكاشاني ، والسيد الجزائري ، والوحيد البهبهاني ، وغيرهم على ما حكي عن بعضهم ، وعن الزمخشري : أن القراءة الصحيحة التي قرأ بها رسول الله (ص) إنما هي في صفتها ، وإنما هي واحدة ، والمصلي لا تبرأ ذمته من الصلاة

____________

(1) الوسائل باب : 74 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 1.

(2) الوسائل باب : 74 من أبواب القراءة في الصلاة حديث : 2.

244

________________________________________________

إلا إذا قرأ بما وقع فيه الاختلاف على كل الوجوه ، كملك ومالِكِ ، وصِراطَ وسراط. انتهى.

وفي مصحح الفضيل : « قلت لأبي عبد الله (ع) : إن الناس يقولون إن القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال (ع) : كذبوا أعداء الله ولكنه نزل على حرف واحد من عند الواحد » (1). وعليه لا بد من حمل بعض النصوص المتضمن لكون القرآن نزل على سبعة أحرف على بعض الوجوه غير المنافية لذلك.

وإن كان من جهة اختصاصها بحكم التواتر عملا ، ففيه : أنه خلاف المقطوع به من سيرة المسلمين في الصدر الأول ، لتأخر أزمنة القراء السبعة كما يظهر من تراجمهم وتاريخ وفاتهم ، فقيل : إن نافع مات في سنة تسع وستين ومائة ، وابن كثير في عشرين ومائة ، وابن العلاء في أربع أو خمس وخمسين ومائة ، وابن عامر في ثماني عشرة ومائة ، وعاصم في سبع أو ثمان أو تسع وعشرين ومائة ، وحمزة في ثمان أو أربع وخمسين ومائة ، والكسائي في تسع وثمانين ومائة ، ومن المعلوم أن الناس كانوا يعولون قبل اشتهار هؤلاء على غيرهم من القراء ، وفي مفتاح الكرامة : « قد كان الناس بمكة على رأس المائتين على قراءة ابن كثير ، وبالمدينة على قراءة نافع ، وبالكوفة على قراءة حمزة وعاصم ، وبالبصرة على قراءة أبي عمرو ويعقوب ، وبالشام على قراءة ابن عامر ، وفي رأس الثلاث مائة أثبت ابن مجاهد اسم الكسائي وحذف يعقوب ، ولم يتركوا بالكلية ما كان عليه غير هؤلاء كيعقوب وأبي جعفر وخلف .. ».

ومن هذا كله يظهر لك الإشكال في حمل النصوص المذكورة وغيرها على خصوص قراءة السبعة ، أو أنها القدر المتيقن منها ، لصدورها عن

____________

(1) الوافي باب : 18 من أبواب القرآن وفضائله : حديث : 2.

245

________________________________________________

الصادق (ع) والكاظم (ع) قبل حدوث بعض هذه القراءات أو قبل اشتهاره ولا سيما قراءة الكسائي فكيف يحتمل أن تكون مرادة بهذه النصوص؟ بل مقتضى النصوص اختصاص الجواز بما كان يقرؤه الناس في ذلك العصر لا غير ، فيشكل الشمول لبعض القراءات السبع إذا لم يعلم أنها كانت متداولة وقتئذ.

هذا ولكن الظاهر من النصوص المنع من قراءة الزيادات التي يرويها أصحابهم (ع) عنهم (ع) ولا نظر فيها التي ترجيح قراءة دون أخرى فتكون أجنبية عما نحن فيه. والذي تقتضيه القاعدة أن ما كان راجعاً الى الاختلاف في الأداء من الفصل والوصل ، والمد والقصر ، ونحو ذلك لا تجب فيه الموافقة لاحدى القراءات فضلا عن القراءات السبع ، وما كان راجعاً الى الاختلاف في المؤدى يرجع فيه الى القواعد المعول عليها في المتباينين ، أو الأقل والأكثر ، أو التعيين والتخيير ، على اختلاف مواردها ، لكن يجب الخروج عن ذلك بالإجماع المتقدم عن التبيان ومجمع البيان ، المعتضد بالسيرة القطعية في عصر المعصومين (ع) على القراءة بالقراءات المعروفة المتداولة في الصلاة وغيرها من دون تعرض منهم (ع) للإنكار ، ولا لبيان ما تجب قراءته بالخصوص الموجب للقطع برضاهم (ع) بذلك كما هو ظاهر.

نعم في صحيح داود بن فرقد والمعلى بن خنيس قالا : « كنا عند أبي عبد الله (ع) فقال : إن كان ابن مسعود لا يقرأ على قراءتنا فهو ضال ثمَّ قال (ع) : أما نحن فنقرأ على قراءة أبي » (1) إلا أنه لا يصلح للخروج به عما ذكر ، ولو كان المتعين قراءة أبي أو أبيه (ع) ـ على الاحتمالين في كلمة « أبي » ـ لما كان بهذا الخفاء ، ولما ادعي الإجماع على جواز القراءة بما يتداوله القراءة ، فلا بد أن يحمل على بعض المحامل ، ولعل المراد هو أن

____________

(1) الوافي باب : 18 من أبواب القرآن وفضائله : حديث : 3.

246

( مسألة 51 ) : يجب إدغام اللام مع الألف واللام [1] في أربعة عشر حرفا وهي : التاء ، والثاء ، والدال ، والذال ، والراء ، والزاي ، والسين ، والشين ، والصاد ، والضاد ، والطاء والظاء ، واللام ، والنون ، وإظهارها في بقية الحروف ، فتقول في : ( اللهِ ) ، و ( الرَّحْمنِ ) ، و ( الرَّحِيمِ ) ، و ( الصِّراطَ ) و ( الضّالِّينَ ) ، مثلا بالإدغام. وفي ( الْحَمْدُ ) ، و ( الْعالَمِينَ ) ، و ( الْمُسْتَقِيمَ ) ، ونحوها بالإظهار.

( مسألة 52 ) : الأحوط الإدغام في مثل ( اذْهَبْ بِكِتابِي ) ، و ( يُدْرِكْكُمُ ) ، مما اجتمع المثلان في كلمتين مع كون الأول ساكناً ، لكن الأقوى عدم وجوبه [2] ،

( مسألة 53 ) : لا يجب ما ذكره علماء التجويد من المحسنات كالامالة ، والإشباع ، والتفخيم ، والترقيق ، ونحو ذلك ، بل والإدغام غير ما ذكرنا وإن كان متابعتهم أحسن.

( مسألة 54 ) : ينبغي مراعاة ما ذكروه من إظهار التنوين

________________________________________________

قراءة ابن مسعود تقتضي في بعض الجمل انقلاب المعنى بنحو لا يجوز الاعتقاد به. والله سبحانه أعلم.

[1] يعني لام التعريف. قال ابن الحاجب : « واللام المعرفة تدغم وجوبا في مثلها وثلاثة عشر حرفا ». وقال الرضي (رحمه الله) « : المراد بالثلاثة عشر النون .. » كما ذكره في المتن.

[2] المصرح به في الشافية وفي شرحها للرضي (رحمه الله) هو الوجوب ولا يستثنيان من ذلك إلا الهمزة على لغة التخفيف ، وإلا الواو والياء إذا كانت الأولى منهما مدة أصلية أو بمنزلتها.

247

والنون الساكنة إذا كان بعدهما أحد حروف الحلق وقلبهما فيما إذا كان بعدهما حرف الباء [1] ، وإدغامهما إذا كان بعدهما أحد حروف يرملون ، وإخفاؤهما إذا كان بعدهما بقية الحروف [2]. لكن لا يجب شيء من ذلك [3] حتى الإدغام في يرملون كما مر [4].

( مسألة 55 ) : ينبغي أن يميز بين الكلمات ، ولا يقرأ بحيث يتولد بين الكلمتين كلمة مهملة [5] كما إذا قرأ الْحَمْدُ لِلّهِ بحيث يتولد لفظ « دلل » أو تولد من لِلّهِ رَبِّ لفظ « هرب » وهكذا في مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ تولد « كيو » وهكذا في بقية الكلمات. وهذا ما يقولون أن في الحمد سبع كلمات مهملات

________________________________________________

[1] قال الشيخ الرضي (رحمه الله) في أحكام النون الساكنة : « إن تنافرت هي والحروف التي تجيء بعدها وهي الباء فقط كما يجيء في عنبر قلبت تلك النون الخفيفة إلى حرف متوسط بين النون وذلك الحرف وهي الميم ».

[2] قال الشيخ الرضي (رحمه الله) : « وذلك بأن يقتصر على أحد مخرجيه ولا يمكن أن يكون ذلك إلا الخيشوم ، وذلك لأن الاعتماد فيها على مخرجها من الفم يستلزم الاعتماد على الخيشوم بخلاف العكس فيقتصر على مخرج الخيشوم فيحصل النون الخفية ».

[3] إذ لا وجه له مع كون ذكر تلك من باب الأفضل الأفصح كما هو ظاهر.

[4] ومر الاشكال فيه.

[5] قد عرفت الإشارة سابقاً الى أن للكلمة هيئة خاصة ، ناشئة من

248

وهي « دلل » و « هرب » و « كيو » و « كنع » و « كنس » و « تع » و « بع ».

( مسألة 56 ) : إذا لم يقف على أَحَدٌ في قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ ووصله باللهُ الصَّمَدُ يجوز أن يقول أَحَدٌ اللهُ الصَّمَدُ بحذف التنوين من أَحَدٌ [1] ، وأن يقول أحدن الله الصمد بأن يكسر نون التنوين ، وعليه ينبغي أن يرقق اللام من اللهُ [2] وأما على الأول فينبغي تفخيمه كما هو القاعدة الكلية من تفخيمه إذا كان قبله مفتوحاً أو مضموماً وترقيقه إذا كان مكسوراً.

________________________________________________

توالي حروفها على نحو خاص ، عند أهل اللسان ، فاذا فاتت تلك الهيئة بطلت الكلمة ، وعليه فلو فصل بين الحروف وأوصل آخر الكلمة بأول ما بعدها بنحو معتد به ، بحيث تفوت تلك الهيئة المقومة للكلمة عرفاً لم يجتزأ بها. نعم إذا لم يكن الفصل معتداً به لقلته لا يقدح ، وعليه يحمل ما في المتن ، وإلا فهو غير ظاهر كما لا يخفى بالتأمل.

[1] كما قرئ ذلك حكاه الزمخشري والشيخ الرضي ، والطبرسي نسبه الى أبي عمرو ، ومثله في الشعر : « وحاتم الطائي وهاب المائي » وقوله :

« فألفيته غير مستعتب * * * ولا ذاكر الله إلا قليلا »

والمعروف عند أهل العربية أنه لا يحذف التنوين في الاسم المتمكن المنصرف إلا في المضاف الى « ابن » الواقعة بين علمين مثل : جاء زيد ابن عمرو. ولا يبعد أن تكون القراءة المذكورة كافية في مشروعيته ، فإنها لو لم تكن حجة على ثبوت المقروء فهي حجة على صحة الأداء والحكاية كذلك وأنها من النهج العربي ، ولذا قال الزمخشري : والجيد هو التنوين.

[2] ذكر ابن الحاجب : أن الحروف الهجائية الأصلية ثمانية وعشرون

249

( مسألة 57 ) : يجوز قراءة مالِكِ وملك يَوْمِ الدِّينِ [1]

________________________________________________

حرفا ، والمتفرع عليها الفصيح ثمانية : همزة بين بين ثلاثة ، والنون الخفية ، وألف الإمالة ، ولام التفخيم ، والصاد كالزاي ، والشين كالجيم. والمستهجن خمسة : الصاد كالسين ، والطاء كالتاء ، والفاء كالباء ، والضاد الضعيفة ، والكاف كالجيم ، فلا التفخيم متفرعة على اللام الأصلية الرقيقة ، وتفخيمها يكون إذا كانت تلي الصاد ، أو الطاء ، إذا كانت هذه الحروف مفتوحة أو ساكنة ، وكذا لام الله إذا كان قبلها ضمة أو فتحه ، وهذا التفخيم ليس بواجب عند أهل العربية.

[1] فإن الأول : قراءة عاصم والكسائي من السبعة ، وخلف ويعقوب من غيرهم ، والثاني : قراءة بقية القراء من السبعة وغيرهم. والذي يظهر من سراج القارئ في شرح الشاطبية : أن المصاحف كذلك مرسومة بحذف الألف ، واختاره الزمخشري وغيره ، لأنه قراءة أهل الحرمين ، ولقوله تعالى ( لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ) (1) ولقوله تعالى ( مَلِكِ النّاسِ ) (2) ولأن الملك يعم والمالك يخص ، وزاد الفارسي قوله تعالى ( فَتَعالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ ) (3) و ( الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ ) (4) ، واستشهد للأول بقوله تعالى : ( وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلّهِ ) (5) وقوله تعالى ( يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئاً ) (6) انتهى. لكن لو تمَّ الاستشهاد للأول بما ذكر فلا يصلح لمعارضة ماسبق

____________

(1) غافر : 16.

(2) الناس : 2.

(3) طه : 114.

(4) الحشر : 23.

(5) الانفطار : 19.

(6) الانفطار : 19.

250

ويجوز في الصراط بالصاد والسين [1] بأن يقول : ( السراط المستقيم ) ، و ( سراط الذين ).

________________________________________________

للثاني ، ولا سيما الوجه الأول ـ مضافاً إلى كثرة العدد ، وكونه المرسوم في المصاحف على ما سبق عن شرح الشاطبية ، فالبناء على رجحانه متعين ، وعن أبي حنيفة أنه قرأ ( ملك يوم الدين ) بلفظ الفعل ونصب اليوم ، وعن أبي هريرة أنه قرأ ( مالكَ ) بالنصب ، وغيره ( ملكَ ) بالنصب أيضاً ، وغيرهما ( مالكُ ) بالرفع ، ومقتضى ما سبق جواز القراءة بالجميع ، لأنه اختلاف في في الأداء ، والكل حكاية على النهج العربي عدا الأول ، فجواز العمل به ـ لو ثبت ـ لا يخلو من إشكال ، لعدم ثبوت تداوله.

[1] فان المحكي عن قنبل ـ أحد الراويين عن ابن كثير ـ : أنه قرأ الصراط بالسين في جميع القرآن. وفي مجمع البيان حكايته عن يعقوب من طريق رويس ، وعن خلف القراءة بإشمام الصاد بالزاي في جميع القرآن ، وفي مجمع البيان حكايته عن حمزة عن جميع الروايات إلا عبد الله بن صالح العجلي وبرواية خلاد بن خالد ومحمد بن سعدان النحوي عن حمزة : أن الإشمام المذكور في الأول من الفاتحة ، وفي غيره من جميع القرآن قراءته بالصاد الخالصة ، وعن الكسائي من طريق الى حمدون إشمام الصاد بالسين. هذا ولا بأس بالقراءة بكل من الصاد والسين لما سبق ، ولا سيما وان الذي ذكره الزمخشري والطبرسي والفيروزآبادي والطريحي : أن الأصل السين ، وأن الصاد فرع عليها ، وأن كلا منهما لغة ، وأن الأفصح الصاد (1).

____________

(1) قال الطريحي في مجمعه في « ص د غ » : وربما قيل « سدغ » بالسين لما حكاه الجوهري عن قطرب محمد بن جرير المستنير أن قوماً من بني تميم يقلبون السين صاداً عند أربعة أحرف عند الطاء والقاف والغين والخاء يقولون سراط وصراط وبسطه وبصطه وسيقل وصيقل ومسغبة ومصغبة وسخر لكم وصخر. ( منه مد ظله )

251

( مسألة 58 ) : يجوز في كُفُواً أَحَدٌ أربعة وجوه : كفُؤاً بضم الفاء وبالهمزة [1] ، و ( كفْءاً ) بسكون الفاء وبالهمزة و ( كُفُواً ) بضم الفاء وبالواو ، و ( كُفْواً ) بسكون الفاء وبالواو ، وإن كان الأحوط ترك الأخيرة.

( مسألة 59 ) : إذا لم يدر إعراب كلمة أو بناءها أو بعض حروفها أنه الصاد مثلا أو السين أو نحو ذلك يجب عليه أن يتعلم ، ولا يجوز له أن يكررها بالوجهين [2] لأن الغلط من الوجهين [3] ملحق بكلام الآدميين [4].

________________________________________________

[1] هذا هو المشهور بين القراء ، وفي مجمع البيان : « قرأ إسماعيل عن نافع وحمزة وخلف ورويس ( كفْءاً ) ساكنة الفاء مهموزة ، وقرأ حفص مضمومة الفاء مفتوحة الواو غير مهموزة ، والباقون قرءوا بالهمزة وضم الفاء » ، ولم يذكر الوجه الأخير. نعم في كتاب غيث النفع للصفاقسي : « قرأ حفص بإبدال الهمزة واواً وصلا ووقفاً ، والباقون بالهمزة ، وقرأ حمزة بإسكان الفاء والباقون بالضم لغتان ». وهو أيضاً ساكت عن الوجه الأخير. نعم مقتضى أن الإسكان لغة جوازه مع إبدال الهمزة واواً وعدمه ، ولعله لذلك كان الأحوط ترك الأخيرة.

[2] تقدم أنه يصح على أحد الوجهين مع الاقتصار عليه إذا كان مطابقاً للواقع ، لكنه لا يجتزأ به عقلا حتى تثبت المطابقة للواقع.

[3] يعني الغلط المعلوم المردد بين الوجهين.

[4] ربما يحتمل أن يكون حكمه حكم الدعاء والذكر الملحونين ، لأنه قراءة ملحونة ، وفيه أن اللحن لا يقدح في صدق الذكر والدعاء ، ويقدح في صدق قراءة القرآن ، لتقوم القراءة بالهيئة والمادة ، فالقراءة الملحونة.

252

( مسألة 60 ) : إذا اعتقد كون الكلمة على الوجه الكذائي من حيث الأعراب أو البناء أو مخرج الحرف فصلى مدة على تلك الكيفية ثمَّ تبين له كونه غلطاً فالأحوط الإعادة أو القضاء وإن كان الأقوى عدم الوجوب [1].

فصل في الركعات الأخيرة

في الركعة الثالثة من المغرب ، والأخيرتين من الظهرين والعشاء ، يتخير بين قراءة الحمد أو التسبيحات الأربع [2]

________________________________________________

ليست قراءة للقرآن.

[1] لحديث : « لا تعاد الصلاة » (1). بناء على عمومه للجاهل بالحكم ، إذا كان حين العمل يرى أنه في مقام أداء المأمور به ، والخروج عن عهدته ، كما هو غير بعيد. نعم لا يشمل العامد ولا الجاهل الذي لا يرى أنه تبرأ ذمته بفعله ، لانصراف الحديث الى العامل في مقام الامتثال ، وسيأتي إن شاء الله تعالى في مبحث الخلل ما له نفع في المقام. فلاحظ والله سبحانه أعلم.

فصل في الركعات الأخيرة

[2] بلا خلاف كما عن جماعة ، بل عن الخلاف ، والمختلف ، والذكرى والمهذب ، وجامع المقاصد ، والروض ، والمدارك ، والمفاتيح ، وغيرها الاتفاق عليه في الجملة. ويشهد له جملة من النصوص التي هي ما بين صريح في التخيير ومحمول عليه ، كموثق ابن حنظلة عن أبي عبد الله (ع) : « عن

____________

(1) الوسائل باب : 1 من أبواب قواطع الصلاة حديث : 4.