ديوان الإمام علي

- د. محمد عبد المنعم الخفاجي المزيد...
159 /
103

ـ 214 ـ

وينسب اليه من بحر المنسرح :

ما لي على فوت فائت أسفُ * * * ولا تراني عليه ألتهف

ما قدَّر الله لي فليس له * * * عن إلى سواي منصرف

فالحمد لله لا شريك له * * * ما لي قوت وهمي الشرفُ

أنا راض بالعسر واليسار فما * * * بدحاني ذلة ولا صلفُ

ـ 214 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

لا تبخلن بدنيا وهي مقبلة * * * فلن ينقصها التبذير والسرف

وان تولَّت فأحرى أن تجودَ بها * * * فالجود فيها إذا ما أَدبرتْ خلَف

قافية القاف

ـ 215 ـ

وقال الإمام من بحر السريع

اغْنَ عن المخلوق بالخالقِ * * * واغْنَ عن الكاذب بالصادق

واسترزِق الرحمنَ من فضله * * * فليس غير الله من رازقِ

104

من ظنَّ أن الرزقَ في كفِّه * * * فليس بالرحمن بالواثق

أو ظنَّ أنَّ الناس يغنونه * * * زلَّت به النعلان من حالق (1)

ـ 216 ـ

وقال الامام من بحر المتقارب

رضيت بما قسم الله لي * * * وفوَّضت أمري الى خالقي

كما أحسن الله فيما مضى * * * كذلك يُحسنُ فيما بقى

ـ 217 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

أرى الدنيا ستؤذن بانطلاق * * * مشمِّرةً على قدم وساق

فلا الدنيا بباقيةٍ لحيٍّ * * * ولا حيٌّ على الدنيا بباق

ـ 218 ـ

وقال من بحر السريع :

أفٍّ على الدنيا وأسبابها * * * فانها للحزن مخلوقةْ

همومها ما تنقضي ساعة * * * عن ملك فيها وعن سوقة

____________

(1) من الأعلى.

105

ـ 219 ـ

وقال الامام من بحر الرجز :

دونكها مترعة دهاقا * * * كأساً فارغاً (1) مزجت زعاقاً (2)

انّا لقومُ ما نرى ما لاقي * * * أقدَّ هاماً وأقط ساقا

ـ 220 ـ

وينسب اليه (كرم الله وجهه) بحر الرجز :

ما تركتْ بدرٌ لنا صديقاً * * * ولا لنا من خلفنا طريقا

ـ 221 ـ

أتاه رجل فقال أريد أن أبني مسجداً فقال : من حلالك ؟ فسكت ، ثم انه مضى فبنى مسجداً فقال من بحر الطويل :

سمعتُك تبني مسجداً من خيانةٍ * * * وأنت بحمد الله غيرُ موفَّق

كمطعمة الزهَّادِ من كدِّ فرجِها * * * لها الويل لا تزني ولا تتصدَّقُ

____________

(1) كأس دهاق ككتاب ممتلئة.

(2) سم زعاف كغراب بالزاي والعين المهملة والفاء أي قاتل ومثله ذعاف بالذال المعجمة.

(3) الزعاق كغراب بالزي والعين المهملة.

106

ـ 222 ـ

وينسب اليه من بحر الكامل :

لو كان بالحِيلِ الغنى لوجدتُني * * * بنجوم أقطار السماء تعلُّقي

لكن مَنْ رزق الغنى حُرِمَ الحجى * * * ضدَّان مُفترقان أَي تفرُّقِ

ـ 223 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر

أرى حرباً مغَيَّبة وسِلْما * * * وعهداً ليس بالعهد الوثيق

أرى أمراً تُنقَّضُ عروتاه * * * وحبلاً ليس بالحبل الوثيق

ـ 224 ـ

وينسب اليه من بحر المتقارب

تغربتُ أَسأَلُ من عنَّ لي * * * من الناس هل من صديق صدوق

فقالوا عزيزان لا يوجدان * * * صديق صدوق وبيض الأنوق

107

قافية الكاف

ـ 225 ـ

روي أن علياً لما هاجر المدينة ومعه الفواطم جعل أبو واقد الليثيّ يسوق بالرواحل سوقاً عنيفاً فقال له : ارفق بالنسوة فإنهن من الضعايف قال أخاف أن يدركنا الطلب فقال : أرجع عليك وجعل يسوق بهن سوقاً رفيقاً وهو يقول من بحر الرجز :

لا شيء إلا اللهَ فارفع ظنكَا * * * يكفيك ربُّ الناس ما أهمَّكا

ـ 226 ـ

وحمل يوم بدر وزعزع الكتيبة وهو يقول من بحر الرجز :

لن يأكل التمر بظهر مكة * * * من بعدها حتى تكون البركة

ـ 227 ـ

وينسب اليه انه قال في الليلة التي ضرب فيها :

اشدُد حيازيمك للموت * * * فانَّ الموت لاقيكا

ولا تجزعْ من الموت * * * اذا حلَّ بواديكا

فانَّ الدرع والبيضَ * * * ة يوم الرَّوْعِ يكفيكا

كما أضحكك الدهرُ * * * كذاك الدهرَ يبكيكا

فقد أَعرف أَقواماً * * * وإن كانوا صعاليكا

مساريعٌ الى النجد * * * ة للغيِّ متاريكا

ـ 228 ـ

وقال من بحر الرمل المجزوء :

أيها الكاتب ما تك * * * تب مكتوب عليك

فاجعل المكتوب خيرا * * * فهو مردود إليك

108

ـ 229 ـ

وينسب إليه من بحر الكامل المجزوء :

قومي إذا اشتبك القنا * * * جعلوا الصدور لها مسالكْ

اللابسون دروعتهم * * * فوق الصدور لأَجْل ذلكْ

ـ 230 ـ

وينسب اليه من بحر المنسرح :

من لم يكن جده مساعده * * * فحتفه أَن يجد في الحركة

فقل لمن حاله موليَّة * * * لا تعرضنَّ بالحراك للهلكة

ـ 231 ـ

وينسب إليه :

إليك ربي لا الى سواكا * * * أقبلت عمداً أبتغي رضاكا

أسأَلُكَ اليوم بما دعاكا * * * أيوب اذا حلَّ به بلاكا

أنْ يكُ منى قد دنا قضاكا * * * ربِّ فبارك لي في لقاكا

ـ 232 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

العجزُ عن دَركِ الإِدراك ادراك * * * والبحث عن سرِّ ذات السر إشراك

في سرائر همّات الورى همَمٌ * * * عن دركِها عجزت جن وأملاك

109

قافية اللام

ـ 233 ـ

روي ان الامام أمر يوم صفين رجلا من أصحابه يقال له عبد العزيز بن الحارث أن يذهب إلى جماعة من أصحابه اقتطعهم أهل الشام ويبلغهم رسالة أمير المؤمنين فأجاب أمره فقال من بحر الطويل :

سمحت بأمر لا يطاق حفيظة * * * وصدقاً وإخوان الحفاظ قليلُ

جزاك إله الناس خيراً فقد وفتْ * * * يداكَ بفضل ما هناك جزيلُ

ـ 234 ـ

وروي أن معاوية لما بلغه مسير علي الى صفين قال من الرجز :

لا تحسبني يا علي غافلاً * * * لأوردنَّ الكوفة القنابلا

بجمعي العامَ وجمعي قابلاً

فكتب امير المؤمنين (كرم الله وجهه) إلى معاوية من الرجز أيضا :

أصبحت مني يا ابن حربِ جاهلاً * * * إن لم نرامِ منكم الكواهلا

بالحقِّ والحقُّ يزيلُ الباطلا * * * هذا لك العامَ وعامٌ قابلا

ـ 235 ـ

ولما صدر الإمام من صفين أنشأ يقول من بحر الطويل :

وكم قد تركنا في دمشق وأهلها * * * من أشمط موتور وسمطاء ثاكل

110

وغانية صادَ الرماح حليلَها (1) * * * فأضحت تُعَدُّ اليوم بعض الأرامل

وتبكي على بعل لها راح غادياً * * * وليس الى يوم الحساب بقافل

وإنّا أناس لا تصيبُ رماحُنا * * * اذا ما طعنّا القومَ غيرَ المقاتل

ـ 236 ـ

وقال (رضي الله عنه) من بحر الوافر :

رضينا قسمة الجبار فينا * * * لنا عِلْمٌ وللجُهَّال مالُ

فانَّ المال يفني عن قريب * * * وانَّ العلم باقٍ لا يَزَالُ

ـ 237 ـ

وقال عمرو بن العاص في بعض أيام صفين من بحر الرجز :

شدوا على شكَّتي (2) لا تنكشفْ * * * بعد طليحٍ والزبيرِ فالتلفْ

ويوم همدانٍ ويوم للصدف (3) * * * وفي تميم نخوةٌ لا تنحرفْ

أضرَّ بها بالسيف حتى تنصرفْ * * * إِذا مشيتُ مشيةَ العَوْدِ (4) الصَّلِفْ

ومثلُها لحمَيرٍ أو تنحرفْ * * * والربعيُونَ لهم يوم عَصِفْ

فاعترضه علي وهو يقول من الرجز أيضا :

قد علمتْ ذا القرونِ الميلِ * * * والخصْرِ والاناملِ الطُّفُول (5)

أنِّي بنصل السيف خنشليل (6) * * * أحمي وأرمي أول الرعيلِ

بضارم (7) ليس بذي فُلول

____________

(1) الحليل : الزوج.

(2) الشكة بالضم السلاح.

(3) بطن من كندة.

(4) العود : البعير المسن.

(5) الطفول الناعمة ، وهذا البيت مع شطر ثلاث قاله بعض التوابين.

(6) الخنشليل : الماضي. الرعيل : جماعة الجيش.

(7) الصارم : السيف القاطع.

111

ـ 238 ـ

وروي أنه لما أراد الهجرة إلى المدينة قال له العباس إن محمداً ما خرج إلا خفية وقد طلبته قريش أشد طلب وأنت تخرج جهاراً في أثاث وهوادج ومال ورجال ونساء تقطع بهم السباسب والشعاب بين قبائل قريش ما أدري لك ذلك وأرى لك أن تمضي في خفارة خزاعة فقال علي من بحر الكامل :

إنَّ المنيَّة شربةٌ مورودةٌ * * * لا تجزعنَّ وشُدَّ للترحيلِ

إنَّ ابن آمنةَ النبيَّ محمداً * * * رجلٌ صدوقٌ قال عن جبريلِ

ارخِ الزمانَ ولا تخفْ من عائقٍ * * * فالله يرديهمْ عن التنكيلِ

إني بربِّي واثقٌ وبأحمدٍ * * * وسبيلُه متلاحقٌ بسبيلي

ـ 239 ـ

ولما قتل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حيي بن أخطب قال لمن جاء به ما كان يقول حيي وهو يقاد الى الموت ؟ قالوا كان يقول من بحر الطويل :

لعمركَ ما لامَ ابن أخطبَ نفسَهُ * * * ولكنَّه من يخذلِ الله يُخذلِ

جاهد حتى بلغ النفس جهدها * * * وحاول يبغي العز كل مقلقل

فقال أمير المؤمنين (رضي الله عنه) من بحر الطويل :

لقد كان ذا جِدٍّ وجدِّ بكفرهِ * * * فقد اليناء في مجامع يَعْتَلِ

فقلدته بالسيف ضربةَ محْفَظ * * * فسار الى قعر الجحيمِ يكبل

فداكَ مآبُ الكافرين ومن يُطعْ * * * لأمرِ إله الخلقِ في الخُلْدِ ينزل

112

وقد برز طلحة بن أبي طلحة البدري من بني عبد الدار يوم أحدُ ونادى يا محمد تزعمون أنكم تجهزوننا بأسيافكم الى النار ونجهزكم بأسيافنا الى الجنة فمن شاء أن يلحق بجنته فليبرز إلي فبرز اليه أمير المؤمنين وهو يقول من الرجز :

يا طلحَ إن كنتَ كما تقولُ * * * لكم خيولٌ ولنا نُصولُ (1)

فاثبُتْ لننظر أينا المقتولُ * * * وأيُّنا أَولى بما تقولُ

فقد أتاكَ الأسد الصَّؤولُ * * * بصارم ليس له فُلُول

ينصره القاهر والرسولُ

ـ 241 ـ

ومن شعره بعد موت رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) من بحر الرجز المجزوء :

غرَّ جهولٌ أملُهُ * * * يموتُ من جَا أَجلُهْ

ومن دَنَا من حتفِه * * * لم تغن عنه حَيلُهْ

وما بقاءُ آخرٍ * * * قد غابَ عنه أوَّلُهْ

فالمرء لا يصحبُه * * * في القبر إلا عَمَلُهْ

ـ 242 ـ

وقال في بئر ذات العلم في خبر سبق ذكره من بحر الرجز :

أعوذ بالرحمنِ أَن أَميلا * * * من عزفِ جن أَظهرُوا تهويلا

وأوقَدتْ نيرانَها تغويلا * * * وقرَّعتْ مع عزفها الطُّبولا

____________

(1) جمع نصل ، وهو السيف.

113

ـ 243 ـ

وقال من بحر الطويل :

إذا ما عرى خطبٌ من الدهر فاصطبر * * * فانَّ الليالي بالخطوب حوامل

وكلُّ الذي يأتي به الدهرُ زائلٌ * * * سريعاً فلا تجزعْ لما هو زائلُ

ـ 244 ـ

وقال في شكوى الزمان وقيل انه في رثاء الزهراء رضي الله عنهما :

أرى علَل الدنيا عليَّ كثيرةً * * * وصاحبُها حتى المماتِ عليلُ

لكل اجتماع من خليلين فرقةٌ * * * وكلُّ الذي دون الممات قليلُ

وانَّ افتقادي واحداً بعدَ واحدٍ * * * دليلٌ على أن لا يدومَ خليلُ

ـ 245 ـ

وينسب اليه بعضهم هذه الابيات من بحر الوافر :

ألا فاصْبر على الحدَث الجليلِ * * * وداو جواكَ بالصبر الجميلِ

ولا تجزع وان أعسرتَ يوماً * * * فقد أيسرت في الزمن الطويلِ

ولا تيأسْ فانَّ اليأسَ كفرٌ * * * لعلَّ الله يُغني من قليلِ

ولا تظنُن بربك غيرَ خَيْرٍ * * * فانَّ الله أولى بالجميلِ

وإنَّ العُسرَ يتبعُه يسارٌ * * * وقولُ اللهِ أصدقُ كلِّ قيلِ

فلو أَن العقولَ تجرُّ رزقاً * * * لكان الرزقُ عند ذوي العقولِ

وكم من مؤمنٍ قد جاعَ يوماً * * * سيرْوي من رحيقٍ سلسبيلِ

114

ـ 246 ـ

لما آخى رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) بين الصحابة وترك علياً قال له في ذلك فقال له النبي (صلّى الله عليه وسلّم) إنما أخترتك لنفسي أنت أخي وأنا أخوك في الدنيا والآخرة فبكى علي عند ذلك وقال من بحر الطويل :

أَقيكَ بنفسي أيها المصطفى الذي * * * هدانا به الرحمنُ من غُمةِ الجهلِ

وأفديكَ حَوْبائي (1) وما قَدْر مُهجتي * * * لمن أنتمي فيه الى الفزع والأَصلِ

ومن ضمَّني مذ كنتُ طفلاً ويافعاً * * * وأنعشني بالعَلِّ منه وبالنَّهْلِ

ومَنْ جده جَدِّي ومن عَمه أبي * * * ومن نجلُه نجلي ومن بنتُه أهلي

ومن حين آخى بين من كانَ حاضراً * * * هنالك آخاني وبيَّنَ مِنْ فضلي

لك الفضل إنِّي ما حييتُ لشاكرٌ * * * لإِتمام ما أوليتَ يا خاتمَ الرسلِ

ـ 247 ـ

وقال الإِمام من بحر الطويل :

ألم ترَ أن الله أبلى رسوله * * * بلاء عزيز ذي اقتدارٍ وذي فضلِ

بما أنزل الكفارَ دار مذلة * * * فذاقُوا هواناً من إسار ومن قَتْلِ

وأمسَى رسولُ الله قد عَزّ نصرُهُ * * * وكان رسولُ الله أُرْسِلَ بالعدل

فجاء بفرقان من الله مُنزلٍ * * * مُبينةٍ آياتُه لذوي العقلِ

فآمنَ أقوام بذاكَ وأيقنوا * * * وأمسَوْا بحمد الله مجتمعي الشَّمْلِ

وأنكَر أقوامُ فزاغتْ قلوبُهم * * * فزادهُم في العرش خبْلاً على خَبْلِ

وامكن منهم يوم بدر رسولُه * * * وقوماً غضاباً فعلُهم أحسن الفعلِ

____________

(1) الحوياء : النفس.

115

بأيديهمُ بيضٌ (1) خفافٌ قواطعٌ * * * وقد حادثوها بالجلاء وبالصَّقلِ

فكم تركوا من ناشئ ذو حميَّة * * * صريعاً ومن ذي نجدة منهم كهلِ

تبيتُ عيونُ النائحات عليهمُ * * * تجود باسباب الرشاش (2) وبالويل

نوائح تنعى ( عتبة ) الغيِّ وابنه * * * وشيبةُ تنعاه وتنعي أبا جهل

وذا الذحل تنعى وابن جدْعان منهم * * * مُسَلبَة حرى مبيَّنةُ الثَّكل

ثوى منهمُ من دعا فأجابهُ * * * ذوونجدات في الحروب وفي المحْلِ

دعا الغيِّ منهم من دعا فأجابهُ * * * وللغيِّ أسباب مقطعة الوصل

فأضحوا لدى دار الجحيم بمنزل * * * عن البغي والعُدْوان في أشْغلِ الشغلِ

ـ 248 ـ

وقال الإمام من بحر الرمل :

إنما الدنيا كظل زائلِ * * * أو كضيفٍ بات ليلاً فارتحل

او كطيف يراه نائم * * * أو كبرق لاح في أفق الأملْ

ـ 249 ـ

وقال الامام من بحر السريع :

من جاور النعمة بالشكر لمْ * * * يجسر على النعمة مغتالُها

لو شكروا النعمة زادتهمُ * * * مقالةً لله قد قالَها

لئن شكرتم لازيدنكم * * * لكنما كفرُهم غالَها

والكفرُ بالنعمة يدعو إلى * * * زوالها والشكر ابقى لها

____________

(1) البيض : السيوف.

(2) البكاء.

116

وقال الإِمام من بحر المتقارب :

يمثلُ ذو العقلِ في نفسِهِ * * * مصائبه قبل أَن تنزلا

فان نزلتْ بغتةً لم يُرَعْ * * * لما كان في نفسه مَثَّلا

رأى الأمر يفضي الى آخر * * * فصيَّر آخِرَهُ اولا

وذو الجهل يأمنُ أيامهُ * * * وينسى مصارعَ من قد خَلا

فان بدهَتْه صروفُ الزمانِ * * * ببعضِ مصائبهِ أعْوَلا

ولو قدَّمَ الحزمَ في نفسه * * * لعلَّمه الصبر عند البلَى

ـ 251 ـ

وقال الإِمام من بحر الكامل :

ما اعتاض باذل وجهه بسؤاله * * * عوضا ولو نال المنى بسؤال

واذا السؤالُ مع النَّوال وزنْتَه * * * رجَحَ السؤال وخف كلُّ نوال

واذا ابتُليتَ ببذل وجهكَ سائلاً * * * فابذله للمتكرِّم المفضال

إن الكريم اذا حبَاكَ بموعدٍ * * * أعطاكَه سلساً بغير مطالِ

ـ 252 ـ

وقال الإِمام من بحر الوافر :

رأيتُ المشركين بغوا عليها * * * ولجُّوا في الغواية والضلالِ

وقالوا نحنُ اكثرُ إذ نفرنا * * * غداةَ الرَّوْع بالأسَلِ الطوالَ

فان يبغوا ويفتخروا علينا * * * بحمزة وهو في الغُرف العوالي

117

فقد أوْدَى بعتبةَ يومَ بدرٍ * * * وقد ابلى وجاهد غير آلي (1)

وقد فَللتُ خيلهم ببدر * * * وأتبعت الهزيمةَ بالرجال

وقد غادرتُ كبشهم (2) جهاراً * * * بحمد الله طلحة في الضلال (2)

فتل لوجهه (3) فرفعتْ عنه * * * رقيق الحد حودِث بالصِّقَال

كأنَّ الملح خالطه اذا ما * * * تلظى كالعقيقة في الظلال (4)

ـ 253 ـ

دخل جابر بن عبد الله الانصاري على أمير المؤمنين علي فقال له يا جابر قوام الدنيا بأربعة : عالم يستعمل علمه وجاهل لا يستنكف أن يتعلم وغني جواد بمعروفه وفقير لا يبيع دينه بدنيا غيره. فاذا كتم العالم العلم لأهله وزهد الجاهل في تعلم ما لا بد منه وبخل الغني بمعروفه وباع الفقير آخرته بدنيا غيره حل البلاء وعظم العقاب ، يا جابر من كثرت حوائج الناس اليه فان فعل ما يجب لله عليه عرضها للدوام والبقاء وان قصر فيما يجب لله عليه عرضها للزوال والفناء وانشا يقول من بحر السريع :

ما أحسن الدنيا واقبالها * * * اذا أطاعَ اللهَ من نالها

من لم يواسِ الناسَ من فضْله * * * عرَّضَ للإِدبارِ إقبالهَا

فاحذرْ زوالَ الفضل يا جابرُ * * * وأعْط من دنياكَ من سالَهَا (5)

فإنَّ ذا العرش جزيلُ العطا * * * يضعِّفُ بالحبةِ أمثالَها

____________

(1) غير مقصر.

(2) أي زعيمهم.

(3) أي صرع وألقى وفي نسخة فخر.

(4) العقيقة من البرق ما يبقى في السحاب من شماعه والظلال السحاب.

(5) أي سألها.

118

وكم رأينا من ذوي ثروةٍ * * * لم يقيلُوا بالشكر أقبالهَا

تاهُوا على الدنيا بأموالهم * * * وقيَّدوا بالبخل أقفالهَا

لو شكروا النعمةَ جازاهمُ * * * مقالة الشكر التي قالها

لئن شكرتمْ لأزيدنَّكم * * * لكنما كفرهم غالها

ـ 254 ـ

وقال الإِمام من بحر الطويل :

صُن النفسَ وأحملْها على ما يزينها * * * تعش سالماً والقول فيك جميلُ

ولا تريَنَّ الناس إلا تجمَّلاً * * * نبابكَ دهر أو جفاكَ خليلُ

وإن ضاق رزقُ اليوم فاصبرْ إلى غد * * * عَسى نكباتُ الدهر عنكَ تزولُ

يعزَّ غنيُّ النفسِ إِن قلَّ مالهُ * * * ويَغْنى غَني المالِ وهو ذليلٌ

ولا خيرَ في وُدِّ امرئ متلوّن * * * إذا الريح مالتْ مالَ حيثُ تميلُ

جواد إذا استغنيتَ عن أخْذِ مالِهِ * * * وعندَ احتمالِ الفقر عنك بخيلُ

فما اكثر الاخوان حين تعدُّهم * * * ولكنَّهم في النائباتِ قليل

ـ 255 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

هب الدنيا تُسَاقُ اليكَ عفواً * * * أليسَ مصير ذاك إِلى الزوال

وما ترجُو لشيءٍ ليسَ يبقَى * * * وشيكاً ما تغَيِّرهُ الليالي

119

ـ 256 ـ

وقال من بحر الطويل :

لقد خابَ من غرته دنيا دنيةٌ * * * وما هي إنْ غرَّتْ قروناً بطائلِ

وقلتُ لها غرِّي سوايَ فانني * * * عزوفٌ عن الدنيا ولستُ بجاهلِ

وما أنا والدنيا فان محمداً * * * رهينٌ بقفر بين تلك الجنادل (1)

وهبها أتتنا بالكنوز ودُرِّها * * * وأموالِ قارونَ ومُلكِ القبائلِ

أليس جيمعاً للفناء مصيرها * * * وتطلبُ من خُزانها بالطوائلِ

فغري سواي انني غيرُ راغبٍ * * * لما فيك من عزٍّ وملك ونائل

وقد قنعت نفسي بما قد رزقْتهُ * * * فشأنكِ يا دنيا وأهل الغوائِل

فاني أخاف الله يوم لقائه * * * وأخشَى عقاباً دائما غيرَ زائِل

ـ 257 ـ

وقال (كرم الله وجهه) من بحر الطويل :

اذا اجتمع الآفاتُ فالبخلُ شرُّها * * * وشرُّ من البخل المواعيدُ والمطلُ

ولا خيرَ في وعْدٍ اذا كان كاذباً * * * ولا خيرَ في قولٍ اذا لم يكن فِعْلُ

اذا كنتَ ذا علمٍ ولم تكُ عاقلاً * * * فأنتَ كذِي نعلٍ وليس له رجلُ

وإن كنتَ ذا عقل ولم تكُ عالماً * * * فأنت كذي رجْلٍ وليس له نعلُ

أَلا انما الانسان غمد لعقلِهِ * * * ولا خيرَ في غِمدٍ اذا لم يكن نَصْلُ

____________

(1) الجنادل : الصخور.

120

ـ 258 ـ

وينسب اليه من بحر مجزوء الكامل أو مجزوء الرجز :

يا من بدنياه اشتغلْ * * * وغرَّه طول الأمل

الموت يأتي بغتة * * * والقبر صندوق العمل

ـ 259 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

فلا تجزع اذا أُعسرتَ يوماً * * * فقد ايسرت في دهرٍ طويلِ

ولا تيأسْ فأن اليأسَ كفر * * * لعلَّ الله يُغني من قليلِ

ولا تطننْ بربِّك ظنَّ سوء * * * فانَّ الله أوْلَى بالجميلِ

رأيتُ العُسرَ يَتبعُهُ يَسارٌ * * * وقولُ الله اصدقُ كلِّ قيلِ

ـ 260 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

لَنَقْل الضخرِ من قُلَل (1) الجبالِ * * * أحبُّ اليَّ من منَنِ الرجالِ

يقول الناس لي في الكسبَ عارٌ * * * فقلت العارُ في ذل السؤالِ

بلوتُ الناسَ قِرناً بعد قرَنٍ * * * ولم أر مثل مختالٍ بمال

وذقتُ مرارةَ الأشياء طراً * * * فما طعمٌ أمرُّ من السؤال

ولم أرَ في خطوب أشدَّ هولاً * * * وأصعبَ من مقالاتِ الرجالِ

____________

(1) القلل جمع قلة ، وهي قمة الجبل.

121

ـ 261 ـ

وينسب اليه من بحر الطويل :

فان تكن الدنيا تعد نفيسةً * * * فانَّ ثوابَ اللهِ أعلَى وأنبلُ

وان تكن الأرزاقُ حظاً وقسمةً * * * فَقلّةُ حرصِ المرءِ في الكسبِ أجملُ

وان تكن الأموالُ للترك جَمْعُها * * * فما بالُ متروكٍ به الحُرُّ يبخلُ

وان تكن الابدانُ للموت أُنشئتْ * * * فقتلُ امرئ لله بالسيفِ افضلُ

ـ 262 ـ

وينسب اليه من بحر الطويل :

فلا تكثرنَّ القولَ في غير وقتِه * * * وأدْ مِنْ على الصَّمْتِ المزينِ للعقلِ

يموت الفتى من عَثْرةِ بلسانِه * * * وليسَ يموتُ المرءُ من عثرة الرجلِ

ولا تكُ مبثاثاً (1) لقولك مُفْشياً * * * فتستجلب البغضاء من زَلَّة النعلِ

ـ 263 ـ

وينسب اليه في الشيب من بحر المتقارب :

فأهلاً وسهلاً بضيفٍ نزَلْ * * * واستودع اللهَ إِلفاً رحلْ

تولَّى الشبابُ كأن لم يكن * * * وحلَّ المشيبُ كأن لم يَزَلْ

فأمَّا المشيبُ كصُبحٍ بدا * * * وأما الشبابُ كبدر افلْ

سقى الله ذاك وهذا معاً * * * فنعمَ المولِّي ونعمَ البدَلْ

____________

(1) أي مغشيا وناشرا ، من بث الشيء.

122

ـ 264 ـ

وينسب اليه (رضي الله عنه) من بحر المتقارب :

فداري مناخٌ لمن قد نزل * * * وزادي مباحٌ لمن قد أَكل

اقدم ما عندنا حاضر * * * وان لم يكن غير خبز وخل

فأما الكريم فراض به * * * واما اللئيم فما قد ابل

ـ 265 ـ

وينسب اليه (كرم الله وجهه) من بحر الكامل :

الحمد لله الجميلِ المفضلِ * * * المسبغ المولي العطاءَ المجْزلِ

شكراً على تمكينهِ لرسولِه * * * بالنصرِ منه على البغاةِ الجُهَّلِ

كم نعمةٍ لا أستطيعُ بُلُوغَها * * * جَهْداً ولو أعملتُ طاقة مقْولِ

لله اصبح فضلُه متظاهراً * * * منهُ عليَّ سألتُ ام لم اسألِ

قد عاينَ الاحزابُ من تأييدهِ * * * جندَ النبيِّ ذي البيان المرسلِ

ما فيه موعظةٌ لكل مفكر * * * ان كان ذا عقلٍ وان لم يعقلِ

ـ 266 ـ

وينسب اليه (رضي الله عنه) انه قال عن يوم القيامة من بحر المتقارب :

إذا قربتْ ساعةٌ يا لهَا * * * وزلزلتِ الارضُ زلزالهَا

تسيرُ الجبالُ على سرعةٍ * * * كمرِّ السحاب ترى حالها

وتنفطرُ الارضُ من نفخةٍ * * * هنالك تُخْرج اثقالها

ولا بد من سائلٍ قائلٍ * * * من الناس يومئذٍ مالها ؟

123

تحدِّث أخبارها ربَّها * * * وربك لا شكَّ أوْحَى لها

ويصدُر كلٌّ إلَى موقفٍ * * * يقيمُ الكهولَ وأطفالهَا

ترى النفسُ ما عملتْ محْضَراً * * * ولو ذرةً كانَ مثقالهَا

يُحاسبُها ملكٌ قادرٌ * * * فإمَّا عليها وإمَّا لها

ذنوبي ثقالٌ فما حيلتي * * * إذا كنتُ في البعثِ حمَّالَها

ترى الناسَ سَكْرى بلا خمرةٍ * * * ولكن ترى العينُ ما هالهَا

نسيتُ الميعادَ فيا ويْلهَا * * * وأعطيتُ للنفس آمالهَا

ـ 267 ـ

وينسب اليه في العلم من بحر الكامل :

لو كان هذا العلم يحصل بالمنى * * * ما ان يبقي في البريةِ جاهلُ

اجهدْ ولا تكسَلْ ولا تكُ غافلاً * * * فندامةُ العُقْبَى لمنْ يتكاسلُ

ـ 268ـ

وينسب اليه من بحر المتقارب :

كآساد غيل واشبال خيسٍ * * * غداةَ الخميسِ ببيض ٍصقالْ

تجيدُ الضَرابَ وحزَّ الرقابِ * * * امامَ العقابِ غداة النزالْ

تكيدُ الكذوب وتخزي الهَيوبُ * * * وتَرْوي الكُعُوب دماءَ القذالْ

124

ـ 269 ـ

وقال من بحر الزجز :

صبر الفتى لفقره يجلُّه * * * وبذله لوجهه يذلُّهُ

يكفي الفتَى من عيشه أقلُّه * * * الخبزُ للجائعِ الأدامُ كله

ـ 270 ـ

وقال من بحر الرجز :

خوَّفني منجِّم أخو خبَلْ * * * تراجُعَ المريخ في بيتِ الحملْ

فقلت دعني من أَكاذيب الحيلْ * * * المشتري عندي سواء وزُحَلْ

أدفع عن نفسير أفانينَ الدولْ * * * بخالقي ورازقي عزَّ وجلْ

ـ 271 ـ

وقال في رثاء خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها وأبي طالب :

أعينَيَّ جوادا بارك الله فيكما * * * على هالكين لا ترى لهما مِثْلا

على سيِّد البطحاء وابن رئيسها * * * وسيدة النسوان أول من صلَّى

مهذبةٌ قد طيَّب اللهُ خَيْمَها * * * مباركةٌ والله ساقَ لها الفضلا

لقد نصرا في الله دين محمد * * * على من بغى في الدين قد رعيا إلا

____________

الإلُّ : العهد والذمة.

125

ـ 272 ـ

وقال (رضي الله عنه) من بحر الخفيف :

إنَّ يومي من الزبير ومن طل * * * حة فيما يسوءني لطويلُ

ظلماني ولم يكنْ علم اللهُ * * * الى الظلم لي لخلْقٍ سبيلُ

ـ 273 ـ

وقال (كرم الله وجهه) بعد شهادة عمار بن ياسر من بحر الطويل :

ألا أيها الموتُ الذي ليسَ تاركي * * * أرحْني فقد أفنيتُ كلَّ خليلِ

أراك مضراً بالذين أحبُّهم * * * كأنك تنحو نحوهمْ بدليلِ

ـ 274 ـ

وقال (رضي الله عنه) من بحر المنسرح :

يا حار همدان من يمُتْ يَرني * * * من مؤمن أو منافق قَبلا

يعرفني طرفهُ وأعرفُه * * * بنعتِهِ واسمه وما فَعلا

أقول للنار وهي توقَدُ للعر * * * ضِ ذريهِ لا تقربي الرجُلا

ذريه لاتقربيه إنَّ لهُ * * * حبلاً بحبلِ الوصيِّ متصلا

وأنتَ عند الصراط معترضي * * * فلا تخفْ عثرةً ولا زلَلا

أسقيكَ من باردٍ على ظمأ * * * تخالُه في الحلاوة العسلا

126

ـ 275 ـ

روي أن رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) لما سار إلى غزوة تبوك واستعمل على المدينة علياً (ض) فتبعه علي وقال يا رسول الله زعمت قريش أنك إنما خلفتني استثقالا لي فقال (صلوات الله عليه) طالما آذت الامم أنبياءها يا علي أما ترضى بأنك وزيري ووصيي وخليفتي وقاضي ديني ومنجز وعدي ، لحمك لحمي ، ودمك دمي ،أنت مني بمنزلة هرون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي فقال (عليه السلام) : رضيت ثم أنشأ يقول من بحر المتقارب :

ألا باعد الله اهلَ النفاقِ * * * وأهلَ الأَراجيفِ والباطلِ

يقولون لي قد قلاك الرسولُ * * * فخلاَّكَ في الخالف الخاذلِ

وما ذاكَ إلا لأنَّ النبي * * * جفاكَ وما كانَ بالفاعلِ

فسرتُ وسيفي على عاتقي * * * الى الراحم الحاكم الفاصلِ

فلما رآني هفا قلبُهُ * * * وقالَ مقالَ الأخِ السائلِ

أممن أبنَّ لي فأنبأته * * * بإرجاف ذي الحَسدِ الداغلِ

فقال اخي انت من دونهم * * * كهرونَ موسى ولم يأتل (1)

ـ 276 ـ

وينسب اليه من بحر الخفيف :

إن عبداً أطاعَ رباً جليلا * * * وقَفَا الداعي النبيَّ الرسولا

فصلاةُ الإله تترى عليه * * * في دجَي الليل بكرةً وأصيلاً

إنَّ ضرب العداة بالبيض (2) يُرْضي * * * سيداً قادراً ويَشفي غليلا

ليس من كان صالحاً مستقيما * * * مثلَ من كان هاذياً وذليلا

حسبي الله عصمةٌ لأُموري * * * وحبيبي محمدٌ لي خليلا

____________

(1) يأتلي : يقصر.

(2) أي بالسيوف.

127

ـ 277 ـ

وينسب اليه قال في الفخر من الطويل :

أنا الصقرُ الذي حَدَثتْ عنه * * * عتاقُ الطير تتجدلُ انجدالا

وقاسيتُ الحروب أنا ابن سبع * * * فلما شبتُ أفنيتُ الرجالا

فلم تدع السيوف لن عَدواً * * * ولم يدع السخاءُ لديَّ مالا

قافية الميم

ـ 278 ـ

أقبل الحضين (1) بن المنذر وهو يؤمئذ غلام يزحف برايته وكان حمراء فأعجب علياً (عليه السلام) زحفُه فقال من بحر الطويل :

لنا الراية الحمراءُ يخفقُ ظلُّها * * * إذا قيلَ قدِّمْها حُضَيْنُ تقدما

ويدنو بها في الصفِّ حتى يُزيرهَا * * * حمامَ المنايَا تقطرُ الموتَ والدما

تراه إذا ما كان يومُ كريهةٍ * * * أبَى فيه إلا عزّةً وتكرما

واحزم صبراً حين يُدْعَى الى الوغى * * * اذا كان أصواتُ الكماةِ تغمغما

وقد صبرْت عك ولخمٌ وحِمْيَرٌ * * * لمذْحجٍ حتى أورثوها التندما

ونادتْ جُذَامٌ يال مذْحجَ ويلَكُمْ * * * جزي الله شراً أيُّنا كان أظلما

أما تتَّقُون الله في حُرُماتكم * * * وما قرَّبَ الرحمنُ منها وعظَّما

جزى الله قوماً قاتلوا في لقائهم * * * لدي البأس خيراً ما أَعفَّ وأكرما

ربيعة أعني إِنهم أَهلُ نجدةٍ * * * وبأسٍ اذا لاقوا خميساً (2) عرمرما

____________

(1) حضين معجمة الضاد وهو ابن المنذر أبو ساسان وكان معه راية قومه يوم صفين وعاش بعد ذلك دهراً طويلا.

(2) الخميس : الجيشِ الكثير.

128

اذقنا ابن حربٍ طعنَنَا وضِرَابنَا * * * بأسيافنا حتى تولَّى وأحجمَا

وحتَّى ينادي زبرقانَ بنَ أظلمٍ * * * ونادَى كِلاعاً والكريبَ وأَنعمَا

وعمراً وسفياناً وجَهْماً ومالكاً * * * وحَوْشَبَ والغاوي شُريْحاً وأَظْلَمَا

وكُرْز بْنَ نبهانَ وعمَرو بن جَحْدَر * * * وصبَّاحاً القَيْنيَّ يَدْعُوا وأسْلَمَا

ـ 279 ـ

وقال الإمام من بحر الرجز :

ما الدهر الا يقظةٌ ونَوْمُ * * * وليلةٌ بينهما ويومُ

يعيشُ قومٌ ويموتُ قومُ * * * والدهر قاضٍ ما عليه لوْمُ

ـ 280 ـ

وحمل عمرو بن الحضين المذكور على علي لضربه فبادر اليه سعيد بن قيس ففلق صلبه فقال علي (عليه السلام) من بحر الطويل :

ولما رأيت الخيل تقرع بالقنا * * * فوارسها حمُرُ العيون دوامي

وأقبل رهج (1) في السماء كأنه * * * غمامة دجن (2) ملبَس بقتام (3)

ونادى ابن هند ذا الكُلاع ويَحْصُباً * * * وكندةَ في لخْم وحَيَّ جُذَامِ

تيممت هَمْدان الذين هُمُ هُمُ * * * إذا ناب أَمر جُنَّتي (4) وحسامي

وناديت فيهم دعوة فأجابني * * * فوارس من همدان غيرُ لئام

فوارسُ من همدان ليسوا بعُزَّل * * * غداةَ الوَغي من شاكر وشَبامِ

____________

(1) الرهج بالسكون وقد يحرك الغبار.

(2) الدجن الباس الغيم الأرض وأقطار السماء والمطر الكثير.

(3) القتاء كسحاب الغبار.

(4) الجنة بضم الجيم : الترس يحتمي به في الحرب.

129

ومن أرحب (1) الشم المطاعين بالقنا * * * ورهُم (2) وأَحياء السَّبيع (3) ويام (4)

ومن كل حي قد أتتني فوارسُ * * * ذوو نجدَاتٍ في اللقاء كرام

بكل رديني وعصب تخاله * * * إذا اختلف الأَقوامُ شعل ضرام

يقودهم حامي الحقيقة منهم * * * سعيد بن قيس والكريم محامي

فخاضوا لظاها واصطلوا بشرارها * * * وكانوا لدى الهيجا كشرب مدام (5)

جزى الله همدان الجنان فانهم * * * سمام العدى في كل يوم خصام

لهمدان اخلاقٌ ودين يزينهم * * * ولين اذا لاقوا وحسن كلام

متى تأتهم في دارهم لضيافة * * * تبتْ عندهم في غبطةٍ وطعام

ألا انَّ همدان الكرام أعزةٌ * * * كما عز ركن البيت عند مقام

أناسٌ يُحبُّونَ النبيَّ ورهطَه * * * سراعٌ الى الهيجاء غير كهام (6)

اذا كنتُ بواباً على باب جنةٍ * * * أقول لهمدانَ ادخلُوا بسلام

ـ 281 ـ

وروي أن عليا (عليه السلام) بعد رجوعه من وقعه أحد ناول فاطمة سيفه وقال اغسلي عنه الدم فو الله لقد صدقني اليوم ثم قال من بحر الطويل :

أفاطمَ هاك السيفَ غيرَ ذميم * * * فلستُ برعديدٍ ولا بلئيمِ

أفاطمَ قد أبليتُ في نصر أَحمد * * * ومرضاةِ ربِّ بالعباد رحيم

أريدُ ثوابَ الله لا شيء غيرُه * * * ورضوانَه في جنةٍ ونعيم

____________

(1) ارحب فبيلة من همدان.

(2) بطن من العرب.

(3) السبيع كأمير بطن من همدان.

(4) يام بمثناة تحتية بعدها الف وميم فبيلة من همدان.

(5) الشرب بالفتح القوء المجتمعون على الشرب والمدام : الخمر.

(6) قوم كهام كسحاب كليلون بطيئون لاغناء عندهم.

130

وكنتُ امرءاً أسمو إذا الحربُ شمرت * * * وقامتْ على ساقٍ بغير مُلِيم

أنمتُ ابن عبد الدارِ حتى ضربتُه * * * بذي (1) روْنق يَفري العظامَ صميمِ

فغادرته بالقاع فارفض جمعه * * * وأشفيت منهم صدر كلِّ حليمِ

وسيفي بكفي كالشهاب أهزُّه * * * أجزُّ به من عائق وصميم

ـ 282 ـ

وقال الإمام من بحر المتقارب :

إذا كنت في نعمة فارعها * * * فان المعاصي تزيلُ النعم

وحافظ عليها بتقوى الإِله * * * فانَّ الإِله سريعُ النِّقم

فان تعط نفسك آمالَها * * * فعند مناها يحلُّ الندم

فأين القرون ومَنْ حولهم * * * تفانَوا جميعاً وربي الحكم

وكن موسراً شئت او معسراً * * * فما تقطع العيش إِلا بهم

حلاوةُ دنياك مسمومةٌ * * * فلا تأكل الشَّهدَ إلا بسُمْ

محامدُ دنياك مذمومةٌ * * * فلا تكسب الحمدَ إلا بذَم

اذا تمَّ أمر بدا نقصُه * * * توقَّ زوالاً اذا قيل تم

وكم قدر دبَّ في غفلةٍ * * * فلم يشعر الناس حتى هجم

ـ 283 ـ

وقال الإِمام من بحر السريع :

عشْ موسراً إن شئت او معسراً * * * لا بدَّ في الدنيا من الغمِّ

دنياك بالأحزانِ مقرونةٌ * * * لا تقطعِ الدنيا بلا هَمِّ

____________

(1) اي السيف ذي رونق ولمعان.

131

ـ 284 ـ

وقال (رضي الله عنه) لما مر بابن عقبة بن أبي وقاص من أصحابه قتيلا يوم صفين وأصحابه قتلى حوله وهي من بحر الطويل :

جزى الله عنِّى عصبةً أسلميةً * * * صِبَاحَ الوجوهِ صُرِّعُوا حولُ هاشمِ

شقيق وعبدُ اللهِ بشرٍ ومعبدٍ * * * وسفيانُ وابنا هاشمٍ ذي المكارم

وعروةُ لا ينأى فقد كان فارساً * * * اذا الحرب هاجتْ بالقنا والصوارمِ

اذا اختلف الابطالُ واشتبكَ القنا * * * وكان حديث القوم ضرب الجماجم

ـ 285 ـ

وروى أن معاوية كتب أيام صفين في سهم ان معاوية يريد أن يفجر عليكم الفرات فيغرقكم وبعث مائتي رجل معهم المرور والزنابيل يحفرون ورماه في عسكر على فأخبرهم على أنها حيلة ليزيلهم على مكانهم فينزل فيه فلم يقبلوا وارتحلوا فجاء معاوية ونزل مكانهم وارتحل علي وهو يقول من بحر الوافر :

فلو أني أطعتُ عصبْتُ (1) قومي * * * الى ركن اليمامة او شآم

ولكنِّي اذا ابرمتُ أمراً * * * مُنيتُ (2) بخلف آراءِ الطِّغام (3)

ـ 286 ـ

وروي أن علياً بعد ما قتل حريثاً مولى معاوية برز اليه عمرو بن حصين السكسكي فنادى يا أبا حسن هلم الى المبارزة فأنشأ علي يقول من الرجز :

ما علتي أنا شجاعٌ حازم * * * وفي يميني ذو غرار صارمُ

____________

(1) عصبت جمعت.

(2) منيت بليت.

(3) الطخام : الغوغاء.

132

وعن يميني مذحج القماقم * * * وعن يساري وائلُ الخضارمُ

والقلبُ حولي مُضرا الجماجمُ * * * وأقبلت همدانُ والاكرامُ

ـ 287 ـ

وقال من بحر الرجز :

أقسمت بالله العلي العالمِ * * * لا أنثني إِلا برد الراغم

ـ 288 ـ

وقال يرثي اباه ابا طالب من بحر المتقارب :

أبا طالب عصمةَ المستجيرِ * * * وغيثَ المحول ونُورَ الظُّلمْ

لقد هَدَّ فقدُك أهلَ الحفاظِ * * * فعز على فقدك كل الأمم

ـ 289 ـ

وقال الإمام من بحر الطويل :

ليبك على الاسلام من كان باكيا * * * فقد تُركَتْ اركانُه ومعالمهْ

لقد ذهب الاسلام إلا بقيةٌ * * * قليلٌ من الناس الذي هو لازمُهْ

ـ 290 ـ

وقال في قتله عمرو بن عبدود من بحر الكامل :

يا عمرو قد لاقيت فارس همة * * * عد اللقاء معاود الأقدام

133

من آل هاشم من سناءٍ باهرٍ * * * ومهذبين متوجين كرامِ

يدعو الى دين الاله ونصره * * * والى الهدى وشرائع الاسلامِ

بمهنَّد عضب رقيق حدُّه * * * ذي رونق يفري الفقار حسامِ

ومحمد فينا كأنَّ جبينه * * * شمسٌ تجلتْ من خلال غمامِ

والله ناصر دينِهِ ونبيه * * * ومعينُ كلِّ موحدٍ مقدامِ

شهدت قريش والبراهم كلها * * * أن ليس فيها من يقوم مقامي

ـ 291 ـ

وينسب اليه انه قال لما قتل عمرو بن عبدود من بحر الرجز :

ضربتهُ بالسيف فوق الهامةْ * * * بضربةٍ صارمةٍ هدَّامةْ

فبكَّتت (1) من جسمه عظامه * * * وبيَّنت من أنفه أرغامهْ

أنا علي صاحب الصمصامة * * * وصاحب الحوض لدى القيامةْ

اخو رسول الله ذي العلامة * * * قد قال اذ عممني عمامةْ

أنت اخي ومعدن الكرامة * * * ومن له من بعدي الامامة

ـ 292 ـ

وقال الإمام من بحر الطويل :

فمن يحمد الدنيا لعيش يسره * * * فسوف لعمري عن قليل يلومها

اذا أقبلت كانت على المرء حسرةً * * * وإن ادبرتْ كانت كثيراً همومها

____________

(1) اي قطعت.

134

ـ 293 ـ

وقال الإِمام من بحر الرمل المجزوء :

انا بالدهر عليم * * * وأبُو الدهر وامُّهْ

ليس يأتي الدهر يوماً * * * بسرورٍ فيُتمُّه

ـ 294 ـ

وقال في الحارث بن الصمة بن عمرو الانصاري يوم احد :

لاهم إِن الحارث بن صمَّة * * * اهل وفاء صادق وذمة

اقبل في مهامة مهمَّة * * * في ليلة ليلاءَ مُدلهمَّة

بين رماحٍ وسيوف جمة * * * يبغي رسول الله فيها ثمة

ـ 295 ـ

وتذاكروا بالفخر عند عمر (رضي الله عنه) فأنشأ امير المؤمنين يقول :

اللهُ اكرمنا بنصر نبيِّه * * * وبنا اقام دَعائمَ الاسلامِ

وبنا اعزَّ نبيَّه وكتابَهُ * * * وأعزَّنَا بالنصرِ والاقدامِ

ويزورُنا جبريلُ في أبياتنا * * * بفرائضِ الاسلام والأحكامِ

فنكون اولَ مستحل حلَّه * * * ومحرم لله كل حرام

نحن الخيار من البرية كلها * * * ونظامها ونظام كل زمام

الخائضون غمارِ كلِّ كريهة * * * والضامنون حوادث الايام

135

والمبرمون قوى الامور بعزة * * * والناقضون (1) مرائر الابرام

في كل معترك تطير سيوفنا * * * فيه الجماجم عن فراخ الهام

إنا لنمنع من أردنا منعه * * * ونجود بالمعروف للمعتام

وترد عادية الخميس سيوفُنا * * * ونقيم رأس الاصيد القمقام

ـ 296 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

فما نُوِبُ الحوادث باقياتٌ * * * ولا البؤسى تدوم ولا النعيم

كما يمضي سرورُ وهوجم * * * كذلك ما يسوؤك لا يدوم

فلا تهلك على ما فات وجداً * * * ولا تفردْك بالأسف الهموم

ـ 297 ـ

وقال فيما يلزم فعله مع الاخوان من بحر الطويل :

اخٌ طاهرُ الخلاق عذبٌ كأَنهُ * * * جنا النحل ممزوجاً بماء غمام

يزيد على الأيام فضلُ موده * * * وشدَّةُ اخلاص ورعي زمام

____________

(1) من النقض وهو ضد الابرام.

136

ـ 298 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

لا تظلمنَّ اذا ما كنت مقتدراً * * * فالظلم مرتعهُ يفضي إلى الندمِ

تنام عينك والمظلوم منتبهٌ * * * يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ

ـ 299 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

لا تودع السرَّ الا عند ذي كرم * * * والسر عند كرام الناس مكتوم

والسر عند في بيت له * * * قد ضاع مفتاحه والبيت مختوم

ـ 300 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

تنزه عن مجالسة اللئام * * * وألمم بالكرام بني الكرامِ

ولا تك واثقاً بالدهر يوماً * * * فان الدهر منحلّ النظام

ولا تحسد على المعروف قوما * * * وكن منهم تنل السلام

وثق بالله ربك ذي المعالي * * * وذي الآلاء والنعم الجسامِ

وكم للعلم ذا طلب وبحثٍ * * * وناقش في الحلال وفي الحرامِ

وبالعوراء لا تنطق ولكن * * * بما يرضي الالهَ من الكلامِ

وإن خان الصديقُ فلا تخنه * * * ودم بالحفظ منه وبالذِّمام

ولا تحمل على الاخوان ضغناً * * * وخذ بالصفح تنج من الأثام

137

ـ 301 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

كيفية المرء ليس المرء يدركها * * * فكيف كيفية الجبار في القِدَمِ

هو الذي انشأ الأشياءَ مبتدعاً * * * فكيف يُدركه مستحدث النسم

ـ 302 ـ

وينسب اليه من بحر السريع :

كم من اديب فطِن عالمِ * * * مستكمل العقلُ مُقلٍ عديمِ

ومن جَهول مُكثر مالَهُ * * * ذلك تقديرُ العزيز العليمِ

ـ 303 ـ

وينسب اليه من بحر الطويل :

اتصبر للبلوى عزاءً وحسبة * * * فتؤجر أم تسلو سُلوَّ البهائم

خُلقنا رجالاً للتجلد والأسى * * * وتلك الفواني للبُكا والمآتِم

ـ 304 ـ

وينسب إليه من بحر الكامل :

وإذا طلبت الى كريم حاجةً * * * فلقاؤه يكفيك والتسليمُ

واذا رآك مسلِّماً ذكر الذي * * * حمّلته فكأنه مبروم

138

ـ 305 ـ

وينسب اليه من بحر المنسرح :

اصبحت بين الهموم والهمم * * * هموم عجز وهمّة الكرم

طوبى لمن نال قدْر همته * * * او نال عز القنوع بالقسم

ـ 306 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

اما والله إنَّ الظُلم شومٌ * * * ولا زال المسيء هو الظلومُ

الى الدَّيان (1) يوم الدين نمضي * * * وعند الله تجتمعُ الخصومُ

ستعلمُ في الحساب اذا التقينا * * * غدا عند المليك مَنْ الغشومُ

ستنقطع اللذاذة عن أناس * * * من الدنيا وتنقطع الهمومُ

لأمر ما تصرفت الليالي * * * لأمر ما تحركت النجومُ

ـ 307 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

سل الأيامَ عن امم تقضتْ * * * ستخبرُك المعالمُ والرسومُ

تروم الخُلدَ في دار المنايا * * * فكم قد رامَ مثلَك ما ترومُ

تنامُ ولم تنمْ عنك المنايا * * * تنبَّهْ للمنيةِ يا نَؤومُ

لهوتَ عن الفَناء وانت تفنى * * * فما شيء من الدنيا يدومُ

تموت غداً وانت قرير عين * * * من الغضلات في لجج تعوم (2)

____________

(1) الديان : المولى عزوجل.

(2) من العوم : أي تسبح.

139

قافية النون

ـ 308 ـ

وقال كرم الله جهه من بحر البسيط :

لا تخضعنَّ لمخلوق على طمع * * * فانَّ ذلك وَهْنٌ منك في الدين

واسترزق الله مما في خزائنه * * * فانما الامر بين الكاف والنون

إنَّ الذي أنت ترجوه وتأمله * * * من البرية مسكين ابن مسكين

ما أحسن الجودَ في الدنيا وفي الدين * * * واقبحَ البخلَ فيمن صيغ من طين

ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا * * * لا بارك الله في دنيا بلا دين

لو كان باللُّب يزداد اللبيب غنى * * * لكان كل لبيب مثل قارونِ

لكنما الرزق بالميزان من حكمٍ * * * يُعطي اللبيب ويعطي كل مأفونِ

ـ 309 ـ

وقال من بحر الكامل :

لا تكره المكروه عند نزولِهِ * * * إن المكاره لم تزل متباينه

كم نعمة لم تستقل بشكرها * * * لله في طي المكاره كامنه

ـ 310 ـ

وقال يوم بدر من بحر الرجز :

قد عرف الحرب العوان أني * * * بازل عامين حديث سنِّ

سَنَحْنَحُ (1) الليل كأني جني * * * استقبل الحرب بكل فن

____________

(1) نحنح الليل : أي لا أنام فأنا مستيقظ دائما كأني جني.

140

معي سلاحي ومعي مجني * * * وصارم يذهب كل ضغن

أقصي به كل عدو عني * * * لمثلِ هذا ولدتني امي

وقال أيضا :

ما لا يكون فلا يكون بحيلة * * * أبداً وما هو كائن سيكون

سيكون ما هو كائن في وقته * * * وأخو الجهالة مُتعب محزونُ

يسعى القويُّ فلا ينال بسعيه * * * حظاً ويحظي عاجز ومهين

ـ 311 ـ

وينسب اليه أنه قال من بحر الوافر :

ولو أني بليتُ بهاشميِّ * * * خؤولته بنو عبد المَدَانِ

صبرت على عدواته ولكن * * * تعالوا فانظروا بمن ابتلاني

ـ 312 ـ

وقال أيضا من بحر السريع :

هذا زمان ليس إخوانه * * * يا أيها المرء باخوان

إخوانه كلُّهم ظالمٌ * * * لهم لسانان ووجهان

يلقاك بالبشر وفي قلبه * * * داءٌ يواريه بكتمان

حتى إذا ما غبت عن عينه * * * رماك بالزور والبهتان

هذا زمان هكذا أهله * * * بالودِّ لا بصدقك اثنان

يا أيها المرء فكن مفرداً * * * دهرك لا تأنس بانسان

وجانب الناس وكن حافظاً * * * نفسك في بيتٍ وحيطان

141

ـ 313 ـ

وقال من بحر الكامل المجزوء :

دنيا تحول بأهلها * * * في كل يوم مرتينْ

فغدُّوها لتجمُّع * * * ورواحُها لشتات بَيْن

ـ 314ـ

وقال من مخلع البسيط :

الصبر مفتاح ما يرجَّى * * * وكل خير به يكون

فاصبر وإن طالتِ الليالي * * * فربما طاوعَ الحرونُ

وربما نيلَ باصطبار * * * ما قيل : هيهات ما يكون

ـ 315 ـ

وقال من بحر الوافر :

إذا هبَت رياحك فاغتنمها * * * فعقبى كلِّ خافقةٍ سكونُ

ولا تغفل عن الاحسان فيها * * * فما تدري السكون متى يكونُ

ـ 316 ـ

وقال من بحر الطويل :

تنكر لي دهري ولم يدري أنني * * * أعزُّ وروعاتُ الخطوب تهونُ

فظل يريني الخطب كيف اعتداؤه * * * وبتُّ أريه الصَّبرَ كيف يكونُ

142

ـ 317 ـ

وقال من بحر الرمل :

هوِّن الأمر تعشْ في راحةٍ * * * كلُّ ما هوَّنت إِلا سيهونُ

ليس أمرُ المرءِ سهلا كُلَّه * * * إنما المرءُ سهول وحزونُ

تطلبُ الراحةَ في دار العَنَا * * * خابَ من يطلب شيئاً لا يكونُ

ـ 318 ـ

وقال من بحر الخفيف :

عُدَّ من نفسكَ الحياةُ فصنها * * * وتوقَّ الدنيا ولا تأمنها

إنما جئتها لتستقبل الموت * * * وأُدخِلْتَها لتخرجُ عنها

سوف يبقى الحديث بعد فانظر * * * أيَّ أحدوثة تحب فكنُها

ـ 319 ـ

وقال الإِمام من بحر الطويل :

تمتع بها ما ساعفتك ولا تكن * * * عليك شجى في الصدر حين تبين

وإن هي أعطتك الليان فانها * * * لغيرك من خلانها ستلين

وإن حلفت لا ينقض النأي عهدها * * * فليس المخضوب البنان يمين

143

ـ 320 ـ

وقال حين عزى عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) من بحر البسيط :

إنا نعزيك لا أنا على ثقة * * * من الحياة ولكن سنة الدينِ

فلا المعزَّى بباق بعد ميته * * * ولا المعزِّي ولو عاشا إِلى حينِ

ـ 321 ـ

وقال من الكامل المجزوء :

نحن الكرام بنو الكرام * * * وطفلنا في المهد يُكْنَى

إنا إذا قَعَد اللئام * * * على بساط العزِّ قمنا

ـ 322 ـ

وقال لمحمد ابن الحنفية في حرب الجمل من الرجز :

اقحم فلا تنالك الاسنه * * * وإنَّ للموت عليك جُنّة

ـ 323 ـ

وقال من بحر الرجز :

اليوم أبلو حسبي وديني * * * بصارمٍ تحمله يميني

عند اللقاء أحمي به عريني

144

ـ 324 ـ

وخرج يوم النهروان رجل من الخوارج فحمل على الناس وهو يقول من الرجز :

أضْربكمْ ولو أرى أبا الحسنْ * * * ألبستُهُ بصارمي ثوب الغبَنْ

فخرج الإمام وهو يقول من الرجز أيضا :

يا أيهذا المبتغي أبا الحسنْ * * * إليك فانظر أيُّنا يلقى الغبن

وحمل عليه علي وشكه بالرمح وتركه فيه وانصرف وهو يقول : اتاك أبو الحسن فرأيت ما تكره

ـ 325 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

إلهي لا تعذبني فاني * * * مقر بالذي قد كان مني

فما لي حيلة إِلا رجائي * * * بعفوك إنْ عفوت وحسن ظني

فكم من زلة لي في الخطايا * * * عضضت أناملي وقرعت سني

يظنُّ الناس بي خيراً واني * * * لشرُ الخلق إن لم تعف عني

وبين يدي محتبس طويل * * * كأني قد دعيت له كأني

أجنُّ بزهرة الدنيا جنوناً * * * وأفني العمر منها بالتمني

فلو أني صدقت الزهد فيها * * * قلبت لها ظهر المجن

145

ـ 326 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

ومن كرمتْ طبائعُه تحلَّى * * * بآدابٍ مفصلة حسانِ

ومن قلت مطامعه تغطَّى * * * من الدنيا بأثواب الأمانِ

وما يدري الفتى ماذا يلاقي * * * إذا ما عاش من حدث الزمانِ

فان غدرت بك الأيام فاصبر * * * وكن بالله محمود المعاني

ولاتكُ ساكناً في دار ذل * * * فان الذلَّ يُقرَن بالهوانِ

وإن أولاك ذو كرم جَميلاً * * * فكن بالشكر منطلق اللسانِ

ـ 327 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

الدهر أدبني واليأس أغناني * * * والقوت أقنعني والصبر رباني

وأحكمتني من الأيام تجربة * * * حتى نهيت الذي قد كان ينهاني

ـ 328 ـ

وينسب اليه من بحر المتقارب :

اذا المرء لم يرض ما أمكنه * * * ولم يأت من أَمره أَزينهْ

وأعجب بالعجب فاقتاده * * * وتاه به التيه فاستحسنه

فدعه فقد ساء تدبيره * * * سيضحك يوما ويبكي سنة

146

ـ 329 ـ

وينسب اليه من بحر الرجز :

سيف رسول الله في يميني * * * وفي يساري قاطع الوتينِ

فكل من بارزني يجيني * * * أضربه بالسيف عن قريني

محمد وعن سبيل الدين * * * هذا قليل من طلاب العين

ـ 330 ـ

وينسب اليه من بحر الوافر :

إلهي أَنت ذو فضل ومن * * * وإني ذو خطايا فاعفُ عني

وظني فيك يا ربي جميلٌ * * * فحقق يا إلهي حسنَ ظني

ـ 331 ـ

وينسب اليه أيضا :

أنا الغلام القريشيُّ المؤتمن * * * الماجدُ الأبلجُ ليثٌ كالشَّطَنْ

يرضى به السادة من اهل اليمنْ * * * من ساكني نجدٍ ومن أهل عدنْ

ـ 332 ـ

وينسب اليه من بحر الكامل :

لا تأمننَّ من النساء ولو أَخاً * * * ما في الرجال على النساء امينُ

إن الأمين وإن تعفّف جهده * * * لا بدَّ أنَّ بنظرة سيخون

القبر أوفى من وثقت بعهده * * * ما للنساء سوى القبور حصون

147

قافية الهاء

ـ 333 ـ

وقال لرجل كره صحبة رجل من بحر الوافر المجزوء :

فلا تصحب أَخا الجه * * * ل وإياك واياه

فكم من جاهل أردى * * * حليماً حين آخاه

يُقاس المرء بالمرء * * * إذا ما هو ماشاه

وللقلب على القلب * * * دليلٌ حين يلقاه

وللشيء من الشيء * * * مقاييسٌ وأشباه

وفي العين غنى للعين * * * أن تنطق أَفواه

ـ 334 ـ

وقال من بحر الخفيف :

الغني في النفوس والفقر فيها * * * ان تجزَّت فقلَّ ما يجزيها

عَلّلِ النفس بالقنوع والا * * * طلبت منك فوق ما يكفيها

ليس فيما مضى ولا في الذي لم * * * يأت من لذة لمستحليها

انما أنت طول عمرك ما عم * * * رت بالساعة التي أنت فيها

ـ 335 ـ

وقال من بحر الوافر :

أصمُّ عن الكلم المحفظات * * * وأَحلم والحلم بي أَشبهُ

148

واني لأترك حلو الكلام * * * لئلا أجاب بما أَكرهُ

اذا ما اجتررت سفاه السفيه * * * عليَّ فاني أَنا الأسفهُ

فلا تغرر برواء الرجال * * * وان زخرفا لك أو موَّهُوا

فكم من فتى يعجب الناظرين * * * له ألسُنٌ وله أَوجه

ينام اذا حضر المكرمات * * * وعند الدناءة يستنبهُ

ـ 336 ـ

وقال من بحر الكامل :

النفس تجزع أن تكون فقيرة * * * والفقر خير من غنى يطغيها

وغنى النفوس هو الكفاف وان أبت * * * فجميع ما في الأرض لا يكفيها

ـ 337 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

ان المكارم أخلاق مطهرة * * * فالدين أولها والعقل ثانيها

والعلم ثالثها والحلم رابعها * * * والجود خامسها والفضل ساديها

والبر سابعها والصبر ثامنها * * * والشكر تاسعها واللين باقيها

والنفس تعلم أني لا اصادقها * * * ولست أرشد الا حين أعصيها

149

ـ 338 ـ

ندب علي أصحابه في بعض أيام صفين فتبعه منهم ما بين عشرة آلاف الى اثني عشر الفاً وهو أمامهم على بغلة رسول الله (صلّى الله عليه وسلّم) فلم يبق لأهل الشام صف إلا وانتقض حتى أفضوا إلى مضرب معاوية وعلي يضربهم بسيفه ويقول من بحر الرجز :

أضربهم ولا أرى معاوية * * * الأَبرح العين العظيم الحاوية

هوت به في النار أم هاوية * * * جاوره فيها كلابٌ عاوية

ـ 339 ـ

وروي أن معاوية برز في بعض أيام صفين وكر على ميسرة علي وكان علي فيها يعبئ الناس فغير علي لامته وجواده وصمد له معاوية فلما تدانيا انتبه له معاوية فغمز برجليه على جواده وعلي وراءه حتى فاته ودخل في مصاف أهل الشام فأصاب علي رجلا من مصافهم دونه ثم رجع وهو يقول من الرجز :

يا لهف نفسي فاتني معاويه * * * فوق طمر كالعقاب الضاريه

ـ 340 ـ

وينسب اليه من بحر الكامل :

كن للمكاره بالعزاء مقطعاً * * * فلعل يوماً لا ترى ما تكرهُ

فلربما استتر الفتى فتنافست * * * فيه العيون وانه لمموَّهُ

ولربما اختزن الكريم لسانه * * * حذر الجواب وانه لمفوّهُ

ولربما ابتسم الوقور من الأذى * * * وفؤاده من حرِّه يتأوّهُ

150

ـ 341 ـ

وينسب اليه من بحر الرمل :

أَنا للحرب إليها * * * وبنفسي أتقيها

نعمة من خالقٍ * * * من بها قد خصَّنيها

لن ترى في حومة الهيجا * * * ء لي فيها شبيها

ولي السُّبقة في الاسلا * * * م طفلا ووجيها

ولي القربة ان قا * * * م شريف ينتميها

زقَّني بالعلم زقاً * * * فيه قد صرت فقيها

ولي الفخر على النا * * * س بفاطم وبنيها

ثم فخري برسول الله * * * اذ زوجنيها

لي وقعاتٌ ببدرٍ * * * يوم حار الناس فيها

بأحدٍ وحُنينٍ * * * ثم صولات تليها

وأَنا الحامل للرا * * * ية حقاً أحتويها

وإذا أُضرم حربا * * * أحمد قدَّمَنيها

واذا نادى رسول الله * * * نحوي قلت ايها

ـ 342 ـ

وينسب اليه من بحر البسيط :

النفس تبكي على الدنيا وقد علمت * * * أَن السلامة فيها ترك ما فيها

لا دار للمرء بعد الموت يسكنها * * * إلا التي كان قبل الموت بانيها

فان بناها بخير طاب مسكنها * * * وان بناها بشرّ خاب بانيها

أين الملوك التي كانت مسلطنة * * * حتى سقاها بكاس الموت ساقيها

151

أموالنا لذوي الميراث نجمعها * * * ودورنا لخراب الدهر نبنيها

كم من مداين في الآفاق قد بُنيت * * * أَمست خراباً ودان الموت دانيها

لكل نفس وإن كانت على وجل * * * من المنيَّة آمالٌ تقوِّيها

فالمرءُ يبسطها والدهر يقبضُها * * * والنفس تنشرها والموت يطويها

ـ 343 ـ

وينسب اليه من بحر الرجز :

يا أَكرم الخلق على الله * * * والمصطفى بالشرف الباهي

محمد المختار مهما أتى * * * من محدث مستفظع ناهي

فاندب له حيدر لا غيره * * * فليس بالغمر ولا اللاهي

ترى عماد الكفر من سيفه * * * منكساً باطله واهي

هل العدى إلاَّ ذئابٌ عوت * * * مع كل ناسٍ نفسه ساهي

سيهزم الجمع على عقبه * * * بحيدر والنصر بالله

ـ 344 ـ

وقال الإمام من بحر الخفيف :

عجباً للزمان في حالتيه * * * وبلاء ذهبت منه اليه

ربَّ يوم بكيت منه فلما * * * صرت في غيره بكيت عليه

152

ـ 345 ـ

وينسب اليه من بحر الكامل :

لا تعتبنَّ على العباد فانما * * * يأتيك رزقُك حين يُؤْذَنُ فيهِ

سبق القضاء لوقته فكأنه * * * يأتيك حين الوقت أو تاتيهِ

فثق بمولاك الكريم فانه * * * بالعبد أرأفُ على أبٍ ببنيهِ

وأسع غناك وكن لفقرك صائناً * * * يضني حشاك وأَنت لا تشفيهِ

فالحرُّ ينحل جسمه إعدامه * * * وكأنه من جسمه يخفيهِ

قافية الواو

ـ 346 ـ

وقال الإِمام من بحر الطويل :

أرى حُمراً ترعى وتأكل ما تهوى * * * وأُسداً جياعاً تظمأ الدهر ما تروى

وأَشراف قوم ما ينال قوتهم * * * وقوما لئاماً تأكل المنَّ والسلوى

قضاء لخلاّق الخلائق سابقٌ * * * وليس على رد القضا أَحدٌ يقوى

ومن عرف الدهر الخؤون وصرفه * * * تصبر للبلوى ولم يُظهر الشكوى

قافية الياء

ـ 347 ـ

وينسب اليه كرمالله وجهه من بحر الكامل :

ماذا على من شم تربة أَحمد * * * أن لا يشمَّ مدى الزمان غواليا

صُبَّت عليَّ مصائب لو أنها * * * صُبّت على الأيام عُدن لياليا