نظرات معاصرة في القرآن الكريم

- د. محمد حسين الصغير المزيد...
139 /
55

في التفسير ، بل هو أول من ألقى دورساً منظمة في التفسير. ولمدة سنتين لم ينقطع خلالها فيما رتبه لنفسه على النحو الذي يشير إليه بدقة ميدانية : أبو عبد الله محمد بن الجهم بن هارون السمري ( ت : 268 هـ ) بقوله لدى تدوينه معاني القرآن ، « هذا كتاب فيه « معاني القرآن » أملاه علينا أبو زكريا : يحيى بن زياد الفراء يرحمه الله ، عن حفظه من غير نسخة ، في مجالسه : أول النهار ، من أيام : الثلاثاوات والجمع ، في شهر رمضان ، وما بعده من سنة إثنتين ، وفي شهور سنة ثلاث ، وشهور من سنة أربع ومائتين » (1).

وتشوق الناس إلى كتب الفراء ، بعد إنتشار المعاني. وكان أبو العباس ، أحمد بن يحيى المعروف بثعلب ( ت : 291 هـ ) إمام الكوفيين في زمانه ، قد نسب له الحريري في ( درة الغواص ) كتاباً إسمه ( معاني القرآن ) (2).

ويبدو أنه يدور في فلك الفراء من حيث العرض والأسلوب ، لأن هذا هو الشائع في العصر آنذاك.

وأبو بكر بن الأنباري ( ت : 328 هـ ) يعد من أبرز تلامذة ثعلب ، وأكثرهم أخذاً عنه ، وقد أتقن اللغة وتفسير القرآن ، فألف كتاب : الوقف والابتداء في القرآن الكريم ، وهو المعروف بـ « كتاب الايضاح في الوقف والابتداء » وقد لمحت له طبعة حديثة جيدة ، ومنه عدة نسخ خطية في مكتبات العالم (3).

وكان أبو بكر السجستاني ( ت : 330 هـ ) تلميذ أبي بكر بن الانباري ، وله كتاب طريف اسمه : « اشتقاق أسماء نطق بها القرآن ، وجاءت بها السنن والاخبار » وهذا العنوان والكتاب ، هو المحفوظ خطياً في الأسكوريال : ثاني / 1326.

ويذهب بروكلمان أن عنوان الكتاب هو : نزعة القلوب أو ( المكروب ) في غريب القرآن أو في ( تفسير كلام علاّم الغيوب ) وهو لا يذكر مواد

____________

(1) ظ : الفراء ، معاني القرآن : 1 / 1.

(2) ظ : بروكلمان ، تأريخ الادب العربي : 2 / 199.

(3) ظ : المصدر نفسه 2 / 216.

56

المفردات اللغوية من حيث اشتقاقها ، بل يرتب المفردات على حروف المعجم (1).

بعد هذا العرض الموجز لمصاقبه مدرسة النحو واللغة والاعراب ، لمدرسة التفسير القرآني في الكوفة ، وسير الأولى بركاب الثانية ، وإستناد الثانية على حصيلة الأولى ، نستطيع أن نقطع حازمين أن إرساء قواعد هذه المدرسة يعود إلى سببين :

الأول : الأثر التدويني فيما أثر من روايات وأحاديث تفسيرية للقرآن أو لبعض القرآن في القرن الأول والثاني من الهجرة ، في جهود طبقة الرواة الثقات ، وطبقة المؤلفين الروّاد.

الثاني : الأثر اللغوي المستند في أغلبه إلى آراء شيوخ مدرسة الكوفة : ابتداء من أبي جعفر الرؤاسي مؤسس هذه المدرسة ، ومروراً بنفحات الكسائي ومؤلفاته وقراءته ، ووقوفاً عند جهود الفراء المشتركة بين القرآن واللغة ، لا سيما في : « معاني القرآن » ، واستئناساً بما أداه ثعلب في : ( معاني القرآن ) من إستشراف أستاذه الفراء فيه ، وما أبداه ابن الانباري من نضج لغوي في إطار قرآني بالوقف والابتداء ، وما أورده أبو بكر السجستاني من شذرات لغوية مرتبة ترتيباً عصرياً مزج فيها مفردات القرآن باللغة ، وفقه اللغة.

وهذا العرض تقريبي وزمني بوقت واحد ، وقد لا يكشف عن تمام العمق الدلالي للمدرسة الكوفية المقارنة بهذا الملحظ ، ولكنه يكشف عن أصالة الجهود المتميزة على سبيل الانموذج الاصلح ، كما يحيط المتتبع علماً بأن الأصل الموضوعي لمدرسة النحو واللغة الصرف في الكوفة ما هو إلا خدمة القرآن العظيم ليس غير ، حتى أن من أعطى جهداً لغوياً خالصاً ، أو تراثياً محضياً لا يمزج معه ألقاً من القرآن ، قد يعمد بإزائه إلى ابتكار طريقة مثلى لخدمة القرآن بشكل يتصوره ويخطط له فينفذه.

ولعل من طريف ما ذكره ابن النديم ( ت : 380 هـ ) في هذا المدرك :

____________

(1) ظ : بروكلمان ، تاريخ الأدب العربي : 2 / 217.

57

أن أبا عمرو إسحاق بن مرار الشيباني الكوفي ( ت : 206 هـ ) وهو تلميذ المفضل الضبي الكوفي ( ت : 170 هـ ) كان راوية للشعر ، ولكنه كان متحرجاً من كتابته ، فأخذ عهداً على نفسه ، إذ كتب شعراً لقبيلة من العرب كتب بإزائه مصحفاً يضعه في المسجد ، فعّد ما كتب من مصاحف فوجد نيفاً وثمانين مصحفاً بخط يده ، لأنه كتب أشعار نيف وثمانين قبيلة من قبائل العرب (1).

وفي هذا دلالة على مدى العناية بالقرآن ، حتى كأن الجهد الذي يبذل في غيره ضياع ، فلا بد والحال هذه من تقديم جهدنا في القرآن ، إن لم يكن تأليف أو مدارسة ، فهو استنساخ على الأقل كما فعل الشيباني ، وأضرابه كثير.

وهذا الملحظ هو الذي إمتد به فضل الكوفة ، وريادتها الأولى إلى بغداد ، فأدى إلى تأسيس مدرسة بغداد في اللغة والتفسير والبيان العربي. إذ كان رئيس هذه المدرسة ومؤسسها الحقيقي هو ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ). وقد ولد أبو عبد الله بن مسلم ابن قتيبة في الكوفة عام ( 213 هـ ) وانتقل إلى بغداد ، وظل يزاول التدريس والتعليم : تفسيراً ونحواً وبلاغة إلى أن توفي في أول رجب عام 276 هـ / 30 اكتوبر 889 م.

وهناك ألف كتبه القيمة الثمينة السيّارة مع كل جيل (2) ، وكان كتابه « تأويل مشكل القرآن » (3) من عجائب المصنفات جودةً وإتقاناً وتبويباً ، وهو ـ وإلى اليوم ـ أصل من أصول البحث التفسيري واللغوي والبلاغي في سياق متناسق.

وقد نشأ في ظلال ابن قتيبة وجهوده المبتكرة ـ وامتد من بعده ـ كيان مستقل عظيم للقرّاء في مدرسة بغداد ، حتى نشأ أبو بكر بن مجاهد التميمي ( ت : 324 هـ ) فكان إمام القراء ـ دون منازع ـ وكبير المتنفذين دينياً

____________

(1) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 101.

(2) ظ : بروكلمان ، تأريخ الأدب العربي : 2 / 222.

(3) ظ : قوائم مؤلفاته في كل من : ابن النديم : 77 + ياقوت ، معجم الأدباء : 1 / 160 + بروكلمان ، تأريخ الادب العربي : 2 / 224.

58

وسياسياً في بغداد ، وهو أول من سبع القراءات القرآنية في كتابه : « القراءات السبع » (1) وقد حقّقه ونشره أستاذنا الدكتور شوقي ضيف.

لقد كان المنهج الموضوعي الذي اختطته مدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم ، منهجاً يواكب أحدث المداليل العصرية للبحث المبتكر ، وكان نموذج هذا المنهج ـ فيما بعد عصري التكوين والتأصيل ـ هو أبو زكريا الفرّاء ( ت : 207 هـ ) في « معاني القرآن » ، فقد كان إمتداداً تراثياً متطوراً لما سبق ، وممثلاً جامعياً للتدوين المنظم والمتسلسل ، فقد فسر القرآن الكريم سورة سورة حتى أتى عليه ، وهو يبحث في هذا النوع من التفسير اللغوي المتميز ، المفردات العلمية التالية في الأعم الاغلب ؛ وهي : تراكيب الجمل والاعراب والاشتقاق ، القراءات أصولها وموقفه الاجتهادي منها ، فقدم وأخر وأفتى وأستنبط ، ورجح وقوم بذائقة فنية. وقد عني بالايقاع السمعي للألفاظ ، والجرس الناغم في الكلمات ، واسترسل في بيان الميزان الصرفي للمفردات ، وملاحظة النسق الصوتي في الفواصل ، وأظهر القيمة الصوتية في العبارات ، وقد قارن بين وزن الشعر ووزن القرآن ، وتحدث عن مراعاة السياق ، وترتيب السجع ، وعرض لجملة من أصناف البديع ، وترشحت من خاطره مباحث بلاغية معدودة من نظراته الثاقبة ، وفكره النير أملتها عليه طبيعة البحث اللغوي ، فكان للتشبيه نصيب مما كتب ، وللتمثيل إطار خاص ، وللمجاز مجال جميل ، وللأستعاره معانٍ قرآنية متأصلة ، وهو في كل ذلك لم يخرج عن المنهج اللغوي للتفسير ، وإن استعان على فهم الآية بأختها ، وعلى كشف النص بالرواية ، وعلى تدوين اللغة من الأثر.

لقد أثر هذا المنهج للمدرسة الكوفية بعامة ، كما أثر غيره من إفاضات مدرسة الكوفة في المناحي الانسانية ، في ثلاثة من عمالقة التفسير القرآني ، هم :

1 ـ أبو جعفر ، محمد بن جرير الطبري ( ت : 310 هـ ) في تفسيره الكبير « جامع البيان في تفسير آي القرآن ». فالطبري وإن اعتمد على التفسير بالمأثور بدقّة متناهية ، فلا تكاد تجد رأياً في تفسيره إلا قد أسند برواية

____________

(1) حققه الدكتور سيد أحمد صقر تحقيقاً فريداً ، مطبعة عيسى الحلبي ، القاهرة.

59

إلى النبي أو السلف الصالح ، فالآية وجزؤها : كالعبارة القرآنية التي تحمل رأياً واحداً ـ يثبته لها ، ثم يذكر منشأ هذا الرأي ، ومصدر ذلك التأويل في رواية متسلسلة السند أو محذوفته ، وإن كان في ذلك عدة آراء فهو يبسطها رأياً رأياً ، ويصوغها تفسيراً تفسيراً ، ثم يعقب على كل رأي بالروايات القائلة به ، ثم يرجح ويوازن ويقارن. هذا هو منهجه الأصل. ولكنك تحده في مسائل الاعراب ، واختلاف القراءات ، وأسباب النزول ، وعدد الآي ، والميزان الصرفي ، والبعد النحوي ، طالما يستند إلى مدرسة الكوفة ، ويحقق القول فيما تقتضيه. والدراسة الاحصائية لترجيحاته اللغوية نحواً وصرفاً ، أو اشتقاقاً ، أو تركيباً تثبت صحة هذه الدعوى ، وهو من عمل المتخصصين بالدراسات النحوية ، وإن كان لا يهمل آراء البصريين بل ويسرد كثيراً منها في حدود بدت لها أضيق دائرة من ريادته في مدرسة الكوفة.

2 ـ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي ( ت : 460 هـ ) في تفسيره المعروف « التبيان في تفسير القرآن » ، وهذا التفسير الكريم قائم على أساس الدفاع عن بيضة الاسلام ، والنضال المستميت عن كلمة التوحيد من أجل توحيد الكلمة ، لذلك جعله مقارناً بين كل المذاهب الاسلامية وأهل الكلام فهو عارض بأمانة ، ومقرّب بصدق ، وموضوعي بحق ، وقد يرجح رأى الامامية باعتباره مرجعها الاعلى آنذاك ، ولكنه لا يقدح برأي صادر عن مسلم قط ، بل يورده وإن لم يمثل وجهة نظره ، عسى أن يستفيد به غيره ، وهذا معنى الغيرة والحمية الصادقة على العروبة والاسلام.

وطريقة الشيخ الطوسي في تفسيره طريقة الطبري في الرواية ، ولكنه يؤكد مباحث الاعراب والنحو والحجة واللغة ، ويضيف أسباب النزول وعدد الآي وتأريختها مدنية أو مكية ، كما يتناول القراءات ويناقش مصادرها ، وفي خلال ذلك تلمس المدرسة الكوفية متمثلة بشخصيته الأخاذة ، وإن ذكر جملة من آراء المدرسة البصرية.

هذا التفسير ـ من خلال وجهة نظري القاصر ـ تفسير جامع مانع كما

60

يقول أهل المنطق ، لم يكتب مثله بمستواه دراية ورواية وإجتهاداً للملاحظ الآنفة.

وكان الهدف الرئيسي فيه ـ كما يبدو من مباحثه ـ ردّ شبهات الملحدين ، وتوحيد صفوف المسلمين ، بعد أن نزغ الشيطان بينهم ، وتشتّتت الآراء وغلبت الأهواء ، وذلك حينما ظهر التصوف مقارناً للمذهب الفلسفي ، فألقى كل منهما بجرانه في ساحة الوطن العربي ، وأقطار العالم الاسلامي ، فأولى كل منهما للرياضة النفسية والمجاهدة ما أولاها ، وقدمها على ما سواها من البحث الموضوعي ، فأستخدمت الفلسفة في تفسير النص ، والحكمة في إثبات المراد والمسالك الصوفية في تأويل القرآن ، وبقي أهل الحديث على قدمهم متعبدين بالظواهر المحضة للرواية ، وإن خالفت الكتاب أحياناً ، واصطدمت بنزاهة الرواة ، وتشعب الاسانيد ، وتابعهم على هذا جملة من المحدثين ، فقبعوا على الاختلاف والاسفاف بين وثاقة الرواة والاختلاف ، وغزت العزلة المسلمين ، فقنعوا بترهات الحياة عن الواقع ، ولجأوا بالابتعاد ـ عن الناس ـ إلى الفرار ، فتذرعوا بتفسير الباطن حيناً ، وحجب الظواهر الدلالية في اللغة حيناً آخر ، كما تعلقوا بالتأويل الاشاري والمنهج الصوفي بعض الأحايين.

وأناخت فلسفة المتكلمين بكلكلها ، وحطت مذاهب الاحتجاج بثقلها ، فتعصب كل لقضيته ، ونصر كل كلامي مذهبه ، فتشتت الحقائق بيد النزعات ، وخلد قوم إلى الفلسفة الاغريقية ، فأخضعوا القرآن لرياضات مفترضة ، فتأولوا كثيراً من مسلمات الاعتقاد في القرآن : كالحياة بعد الموت ، والبعث والنشور ، والجنة والنار ، وحدوث السماوات والأرض ، تأويلاً يلائم عناصر الفلك ، وحساب النجوم ، وتعدد البروج ؛ وهي ـ بجملتها ـ مقاييس فجة تتجافى مع طبيعة القرآن التشريعية (1).

وهنا يبرز دور الشيخ الطوسي في تسخير طاقاته التفسيرية والبيانية والاصولية والفقهية والكلامية في ارساء الاسس التفسيرية المقارنة ، وهو بذلك قد أفاد من تجارب المؤصلين ، وأضاف من معالم التجديد اللمسات

____________

(1) ظ : المؤلف ، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم : 79.

61

الأخيرة ، جاعلاً من مدرسة الكوفة القرآنية والتشريعية واللغوية مضماراً لآرائه الثاقبة ، ومقارنته الفريدة.

وقد يتصور كثير من الباحثين أن منهجه المتطور هذا مقدمة للعمل بالرأي ، وهذا غير وارد على الاطلاق في حق الشيخ الطوسي لأنه لم يعمل بالرأي طرفة عين أبداً بالمعنى الدقيق للرأي في الاصطلاح التشريعي (1).

وذلك أن النظر المقترن بالتحكيم الموضوعي بعد الجهد والتمحيص ، والقائم على أساس الاستنباط ، عملية اجتهادية محضة ، والاجتهاد ليس تفسيراً بالرأي أو عملاً به ، وهو الذي يقول به الامامية لأن باب الاجتهاد لديهم مفتوح.

ومن هذه الزاوية الاجتهادية ـ وان كان مجالها الحقيقي في تطبيقات علمي الفقه والأصول ـ كان استناد الشيخ الأكبر إلى مدرسة الكوفة في اللغة والنحو من خلال ظاهرتين :

الأولى : اختياره مذهب الكوفيين في جملة مسائل الخلاف في النحو ، ومواطن الافتراق في اللغة ، ومظاهر التمايز في القراءة ، وتنصيصه على ذلك في كل الكتاب.

الثانية : استعماله المصطلحات الدقيقة عند الكوفيين كالتعبير : عن النفي بالجحد ، وعن الكسر بالخفض ، وعن العطف بالنسق ، وعن الحروف بالأدوات ، وعن الصفة بالنعت ، مما هو مطروح في مباحث الحجة واللغة والاعراب في تفسيره التبيان.

3 ـ أبو علي ، الفضل بن الحسن الطبرسي ( ت : 548 هـ ) في تفسيره الشهير : « مجمع البيان في تفسير القرآن » (2). وأصل شهرة هذا التفسير مضافاً إلى النية الصادقة أنه طبع عدة مرات قبل تفسير الشيخ الطوسي ، ومع ما للطبرسي من المكانة العلمية ، والاضطلاع بتصريف شؤون البيان ، إلا أنه استند إلى تفسير الطوسي استناداً حقيقياً ، إن لم

____________

(1) ظ : المؤلف : المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم ، مبحث : منهج الرأي : 90 ـ 97.

(2) طبع عشرات الطبعات ، ومن أفضلها طبعة صيدا ، 1333.

62

يكن قد استنسخه نسخاً فعلياً ، وهذا جارٍ في سيرة السلف الصالح أن ينشر اللاحق علم السابق ، ولكن بإضافات قيمة ، توسع فيها خصوصاً في المقارنة ، ولا أدل على ذلك من إجماع هيأة كبار العلماء في القاهرة على اختياره تفسيراً يجمع آراء المسلمين كافة ، فقرروا طبعه ببادرة من دار التقريب لهذا الملحظ طبعة جديدة غير طبعة صيدا : 1333 هـ.

ولما كان هذا التفسير حاوياً لعلم الشيخ المؤسس الطوسي ، وجامعاً لتفسيره بكل جزئياته ، مع الاضافات الجوهرية الثمينة ، فما قيل عن « التبيان » فيما سبق ، يقال عن « مجمع البيان » جملة وتفصيلاً.

وبعد هذا العرض التلميحي لمدرسة الكوفة في تفسير القرآن العظيم ، يجب أن نضع بين أعيننا جادين ، أن هذه المدرسة هي خلاصة تجارب الامام علي الريادية في التشريع والتفسير والبلاغة والفلسفة وعلم الكلام والفقه والاصول والنحو واللغة ، فهو المؤسس الحقيقي لميادين هذه المدرسة ، جزءاً من إعداده القيادي من قبل الرسول الاعظم (صلى الله عليه وآله وسلم) القائل بإيجاز : « أنا مدينة العلم وعلي بابها »

63

أثرُ القرآنِ الكريمِ في الحِفاظِ

عَلَى أَصَالَةِ اللغةِ العربيةِ

ألقي في المؤتمر العلمي الخامس المنعقد في كلية الفقه في النجف الأشرف / جامعة الكوفة للفترة 5 ـ 7 جمادى الأولى 1410 هـ = 3 ـ 5 / 12 / 1989 م ، تحت شعار « العروبة والاسلام من منظور معاصر » وانعقد المؤتمر في قاعة الإدارة المحلية المجاورة للكلية في النجف الأشرف.

64

-

65

القدرة البيانية في نصوص القرآن الكريم ، تجاوزت حدود المعرفة الانسانية العجلى ، حتى عادت ضرباً من الاعجاز ، وسنخاً جديداً من البيان العربي الذي لا يدانيه نصٌ أدبي.

الفن القولي في كلام العرب ، ذو أصناف ثلاثة : شعر ونثر وقرآن ، الشعر بما تدرج عنه من قصائد ومقطّعات وأبيات وأراجيز وشواهد ، والنثر بما تفرع عنه من قصص وحكايات وأساطير وأمثال وخطب وأسجاع ورسائل ، والقرآن وإن اشتمل على بحور الشعر كافة ، وتمثلت به أرقى نماذج النثر الفني بعامة ، إلا أننا لا نستطيع أن نسميه شعراً ، كما لا نستطيع أن نسميه نثراً ، لأنه ليس هذا وذاك ، بل هو قرآن وكفى.

والقرآن اسم علم غير مشتق خاص بكلام الله تعالى كما يراه الشافعي ويرجحه السيوطي وعليه أئمة الأصوليين (1).

وقد يكون مشتقاً من القراءة ومرادفاً لها باعتباره مصدراً (2). وقد يكون مشتقاً من القرائن لأن الآيات فيه يصدق بعضها بعضاً ، ويشبه بعضها بعضاً كما يراه الفراء (3).

وقد يكون معناه القراءة في الأصل ، أو مصدر قرأت بمعنى تلوت ، وهو المروي عن ابن عباس (4) ومنه قوله تعالى : ( إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرءَانَهُ (17)

____________

(1) ظ : السيوطي ، الأتقان في علوم القرآن : 1 / 51.

(2) ظ : محمد عبد الله دراز ، النبأ العظيم : 7.

(3) ظ : الألوسي ، روح المعاني : 1 / 11.

(4) ظ : الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 14.

66

فَإِذَا قَرأنَهُ فَاتَّبِع قُرءَانَهُ (18) ) (1) ثم نقل من هذا المعنى وأصبح إسماً لكلام الله تعالى ، ولا نميل إلى ما رجحه بعض المحدثين من أن العرب عرفوا القراءة لا بمعنى التلاوة ، بل أخذوها عن أصل آرامي لذلك ، وكان ذلك كافياً لتعريبه ، وإستعمال الاسلام له في تسميته كتابه الكريم (2) : بل الله سماه بذلك : ( إِنَّهُ لَقُرءَانٌ كَرِيمٌ (77) فِي كِتَابٍ مَّكنُونٍ (78) ) (3) وعلى ذلك لغة العرب دون أصل أجنبي (4).

وقد سبق في لوح الغيب أن اللغة العربية أشرف اللغات وأنصعها ، فأختارها الله تعالى لأشرف كتبه ، حتى أثبتت الدراسات المعاصرة إمتياز العربية وأولويتها في سلامتها وفصاحتها وأصالتها ، وهي تنطلق من صحارى الجزيرة ، ومفاوز الحجاز ، مخترقة مناخها الاقليمي ، وبقعتها الجغرافية إلى بقاع العالم ، ضاربة بأطنابها صوب المغرب والمشرق ، مما عجزت عن تحقيقه اللغات الحية ، وقصرت عن تناوله فصائل اللغات السامية ، حتى هجر جملة من علماء الاسلام ألسنة لغاتهم الأصلية ، تمحّضوا للغة القرآن فاحصين وباحثين ، فذاع صيتهم في الآفاق ، واشتهروا باسم العربية.

وكان القرآن الكريم أصل إفتتانهم بلغة العرب ، وأسلوبه مصدر حياتهم اللغوية المتنوعة ، فتعددت المعارف ، وتفتحت المدارك ، فكانت الإسهامات الحضارية ، والنقلة الثقافية تغزو المجتمعات والامم والشعوب والقبائل ، وتحرر العقول والذهنيات والألباب ، قال ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) : « إنما يعرف فضل القرآن من كثر نظره ، واتسع علمه ، وفهم مذاهب العرب وإفتنانها في الأساليب ، وما خصّ الله به لغتها دون جميع اللغات » (5).

وكانت لغة قريش هي الأصل الذي نزل به القرآن على أفصح قريش

____________

(1) القيامة : 17 ـ 18.

(2) صبحي الصالح ، مباحث في علوم القرآن : 12.

(3) الواقعة : 77 ـ 78.

(4) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : مادة : قرأ.

(5) ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 11.

67

فيما نسب إليه « أنا أفصح العرب بيد أني من قريش » (1) فكانت هذه اللغة مصونة بالقرآن ، ومحفوظة به ، نتيجة تضافر جهود علماء العروبة والاسلام في نفي الشوائب ، ودرئ الأخطار حتى سلمت هذه اللغة من التدهور والانحطاط اللذين عرضا لجملة من لغات العالم ، وعلى العكس من ذلك فقد إرتفعت لغة القرآن عن مستوى الانصهار في غيرها من اللغات ، وإعتصمت بمخزونها عن الدخيل من الألفاظ ، وهي بين هذه وذاك تصارع حركات العامية ، وتدحض شُبه الانقضاض على التراث ، وتسمو عن مسيرة الإذابة بالرطانات الأعجمية واللهجات الاقليمية ، حتى كتب لها الخلود ببركة القرآن العظيم ، وظلت رمز الشموخ الوضاء.

لا أريد التوسع في هذا الملحظ ، ولا التأكيد على هذا الجانب ، فهما من البداهة بمكان ، بل أحاول الاشارة من خلال ثلاث ظواهر جديرة بلفت النظر العلمي ، كانت أساساً صلباً لحفاظ القرآن المجيد على أصالة العربية :

الظاهرة الأولى :

وتتجلى في تسيير القرآن الكريم لعلومه المثلى ، وفنون معارفه العليا ، مما أعطى ظاهرة ذات ذائقة جديدة ، ولجت أبواب الوعي العربي في التصنيف والتأليف والبحث الجدي والمتابعة الفذة من قبل فحول العلماء وعلية القوم ، وكان تفسير القرآن يمثل الشطر الاكبر من هذه الظاهرة ، فبدأت مصادره تتألق ، وموارده تتواكب ، فكانت مدرسة مكة المكرمة ، ومدرسة المدينة المنورة ، ومدرسة الكوفة في تفسير القرآن الكريم ، معلماً بارزاً من معالم رفد العربية بكل ما هو أصيل ومبتكر ، فكانت مدرسة مكة ، وهي أندر عطاء ، وأغلى قيمة ، تستمد قوامها من النبي وآله وأصحابه ، وكان قوامها النخبة الرائدة من أصحاب ابن عباس ( ت : 68 هـ ) وابن عباس نفسه ، ومولاه عكرمة ( ت : 104 هـ ) ومجاهد بن جبر ( ت : 103 هـ ) وأمثالهما من الرواد الأوائل

____________

(1) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة : 60.

68

وكانت مدرسة المدينة المنورة ، قد إمتازت بالتجرد والموضوعية ، والكشف عن مراد الله من كتابه ، فيما أثر عنها من روايات محددة ، وكان قوامها ثلاثة من أئمة أهل البيت هم : الامام علي بن الحسين زين العابدين ( ت : 95 هـ ) والامام محمد الباقر ( ت : 114 هـ ) والامام جعفر الصادق ( ت : 148هـ ) كما اعتمدت طائفة من تلامذة أبي بن كعب ( ت : 105 هـ ) وأصحاب زيد بن أسلم ( ت : 136 هـ ).

وكانت مدرسة الكوفة غنية بعطائها الثّر في إتجاه تدريسي يمثله ابن مسعود ( ت : 32 هـ ) وجملة من تلامذته ، وفي طليعتهم مسروق بن الأجدع ( ت : 63 هـ ) والأسود بن يزيد ( ت : 75 هـ ) والربيع بن خثيم ، وعامر الشعبي ( ت : 105 هـ ) وأمثالهم.

وقد برز في الكوفة إتجاه نصّي يمثله تلامذة الامامين محمد الباقر وجعفر الصادق (عليهما السلام) نشأت عنه طبقتان تقيدت بنقل النصوص رواية وكتابة ، وكان في طليعة الرواة : زرارة بن أعين الكوفي ، وفي طليعة المؤلفين فرات بن إبراهيم الكوفي.

ولا ينسى دور مدرسة البصرة فيما أثر عن أبي عمرو بن العلاء ( ت : 145 هـ ) وعيسى بن عمر الثقفي ( ت : 149 هـ ) وقبلهما الحسن البصري ( ت : 114 هـ ) فيما أُصّلَ عنده من جهود تفسيرية منتشرة في أمهات التفاسير.

كانت هذه المدارس بما أبقت لنا من تراث تفسيري ضخم يعتمد الرواية حيناً ، والاستنباط العقلي حيناً آخر سبيلاً إلى نشوء حركة التفسير التسلسلي المنظم عند العرب والمسلمين فبدأ ذلك متكاملاً في محتوياته عند أبي جعفر محمد بن جرير الطبري ( ت : 310 هـ ) في تفسيره الشهير ( جامع البيان ) واستمر العطاء الجزل إلى اليوم حافلاً بتفسير القرآن بالقرآن ، والتفسير البياني ، والتفسير التشريعي ، والتفسير المعجمي ، والتفسير الموضوعي ، وكان البعد الاحتجاجي متوافراً في التفسير الكلامي والوعي الفلسفي ، والأثر العرفاني ، والمنهج الاشاري ، وكان المناخ العقلي يتقلب بين شؤون الجدل المنطقي ، وسمات الروح الصوفي ، فصقلت الحياة

69

العقلية بمزيج من الآراء الكلامية يتخير من ثمارها العربي ما أراد.

وكان هذا الزخم الحضاري حرياً بطرح كل الفروض الفكرية في رحاب العربية ولغتها الفياضة ، فأنت معه في معين مترافد لا ينضب ، وشعاع متألق لا يخبو ، هذا كله إلى جنب علوم القرآن وما أورثته للعربية من التفتح على آفاق جديدة في ظاهرة الوحي ، وأسباب النزول ، وجمع القرآن ، وخضم القراءات ، وحياة النسخ ، ومجال الامثال ، وطرق التشريع ، وإرساء المصطلح في المحكم والمتشابه ، والمجمل والمبين ، والخاص والعام ، والمطلق والمقيد ، وما أضاف ذلك من تنظير فجائي في لغة الجدل ، وعالم الحجاج ، مما كانت معه العربية حافلة بقيّم خلاقة جديدة ، نوّرها القرآن في علومه حتى قال ابن مسعود :

« من أراد علم الأولين والآخرين فليثور القرآن » (1). وتثوير القرآن يعني التدبر فيه ، والبحث عن جزئياته ، والعكوف على حيثياته الكبرى ، وفي هذا دعوة واضحة إلى الاجتهاد ، وإعمال الفكر مما تتسع له دائرة علوم القرآن في ميادينها عند رد الأصول إلى الفروع ، والنظم إلى متعلقات التركيب ، واللغة إلى جذورها في التصريف والاشتقاق.

وهكذا ظهر لنا التأريخ الحضاري المشترك بين اللغة العربية والقرآن الكريم مما شكل مظهراً إجتماعياً متلازماً ، فالحفاظ على اللغة يعني الحفاظ على القرآن ، وصيانة لغة القرآن يقتضي صيانة لغة العرب ، لارتباط وجودها التأريخي بوجوده التشريعي ، وأستمرار رقيها بلمح من إستمراره ، ولما كان القرآن الكريم ، معجزة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) الخالدة ، وهو مرقوم بهذه اللغة الشريفة ، فالخلود متصل بينهما رغم عادية الزمن ، وهذا أمر يدعو إلى الاطمئنان على سلامة اللغة ، وأصالة منبتها. وهنا يتجلى أثر تيسير القرآن في تفسيره وعلومه بالكشف عن أسرار العربية وكنوزها دون عناء ومشقة (2).

____________

(1) ابن الاثير ، النهاية في غريب الحديث : 1 / 229.

(2) ظ : المؤلف ، المبادئ العامة لتفسير القرآن الكريم : 38.

70

الظاهرة الثانية :

وتبرز ملامحها في تيسير القرآن العظيم ، لمعالم اللغة ، ومعاني النحو ، ودلالة الألفاظ ، مما أوجد حركة لغوية دائبة ، وأصالة إعرابية متجددة ، نشأت عنهما مناهج اللغة من جهة ، ومدارس النحو من جهة أخرى.

فالمنهج اللغوي عند العرب مدين بإرساء قواعده لأصالة القرآن ، فهذا الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 180 هـ ) وسيبويه ( ت : 180 هـ ) والفراء ( ت : 207 هـ ) وأبو عبيدة ( ت : 210 هـ ) وابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) إنما كتبوا العين ، الكتاب ، معاني القرآن ، مجاز القرآن ، غريب القرآن ، فلأن رائدهم الحثيث إلى هذا التوجه هو العناية بلغة القرآن ، فكان مددهم بمعين المفردات والصيغ والتراكيب في اللغة والحجة والنحو والصرف والقراءات ، ألم يكن مضمارهم في الإبانة عن إستعمالات العرب ، وطرق بيانهم ، فابتنى الأصل اللغوي عندهم بكثير من أبعاده على الغريب والشكل والأوابد والشوارد في الألفاظ والكلمات والمشتقات مما كان أصلاً للبناء اللغوي والنحوي والصرفي ، فكان القرآن عندهم مظنة إستنباط القواعد لاستلهام الحجة إثر الحجة في ميدان المعرفة اللغوية ، وجلاء معاني مفردات العربية ، وكانت إستعمالات القرآن أساس الدربة في البحث عند تتبع غريب العربية ، وإستقصاء معجم ألفاظها اللغوية.

قال الراغب ( ت : 502 هـ ) : « فألفاظ القرآن هي لب كلام العرب وزبدته ، وواسطته وكرائمه ، وعليها إعتماد الفقهاء في أحكامهم وحكمهم ، وإليها مفزع حذاق الشعراء والبلغاء في نظمهم ونثرهم » (1).

وكان إستئناس أعلام العرب بمفردات القرآن دليلاً حافزاً لأعلام الأوروبيين في فهرسة ألفاظ القرآن بإطارها العلمي ، المنظّم ، فحينما تأصلت الفكرة عند المستشرق الألماني الأستاذ جوستاف فلوجل ( 1802 م ـ 1870 م ) ألف أول معجم مفهرس للقرآن في اللغة العربية عني بألفاظ القرآن ومفرداته ، وأسماه : « نجوم الفرقان في أطراف القرآن » وطبع لأول مرة عام

____________

(1) الراغب ، المفردات : 6.

71

1842 م في لا يبزج ، وكان هذا العمل الجليل أساساً محكماً لما إعتمده الاستاذ محمد فؤاد عبد الباقي في وضع : ( المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم ) (1).

وقد إستأنس مجمع اللغة العربية في القاهرة بهذا المنهج الرائد ، فأصدر معجم ألفاظ القرآن الكريم في مجلدين ضخمين ، قام بإعداده جماعة من الأساتيذ والعلماء والمتخصصين ، فعرضوا لمفردات القرآن كافة ، فكان العمل أوسع ، والدائرة أشمل ، والأحصاء أكثر ، فكل كلمة ترد في القرآن تشرح شرحاً لغوياً ، ويحصر تردد ورودها في القرآن ، وينص على المعاني المختلفة للكلمة الواحدة ، ويشار إلى مجازية بعض المفردات ، كما يشار إلى مواطن الاستعمال الحقيقي.

أما مدارس النحو العربي فكان سعيها وراء ضبط قراءة القرآن وأدائه سليماً على النحو العربي الفصيح ، دون الوقوع في طائلة اللحن ، وتساهل العامة في القراءة ، ليسلم النص القرآني من التحريف والايهام معرباً بإبانة ، ومشرقاً بوضوح ، فبداية الضبط في نقط المصحف من قبل أبي الأسود الدؤلي ، أو يحيى بن يعمر العدواني ، أو نصر بن عاصم (2) إنما كان صيانة للقرآن من اللحن على حد تعبير النووي : « ونقط المصحف وشكله مستحبٌ لأنه صيانة من اللحن والتحريف » (3). وبدأ التحوط على القرآن فيما وضعه أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) من معالم النحو على روايات منها :

أ ـ حينما سمع إعرابياً يقرأ ( لاَّ يَأكُلُهُ إِلاَّ الخَطِئوُنَ (37) ) (4) ، فوضع النحو.

ب ـ حينما دخل عليه أبو الأسود على الامام علي (عليه السلام) فوجد في يده رقعة ، يقول أبو الأسود ، فقلت : ما هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال : إني

____________

(1) ظ : المؤلف ، المستشرقون والدراسات القرآنية : 62.

(2) ظ : ابن عطية ، مقدمتان في علوم القرآن : 276 + الزركشي ، البرهان : 1 / 250.

(3) السيوطي ، الاتقان في علوم القرآن.

(4) الحاقة : 37.

72

تأملت كلام العرب فوجدته قد فسد بمخالطة هذه الحمراء يعني الاعاجم ، فأردت أن أضع شيئاً يرجعون إليه ، ويعتمدون عليه ، وإذا الرقعة فيها :

الكلام كله : اسم وفعل وحرف ، فالاسم ما أنبأ عن المسمى ، والفعل ما أنبئ به ، والحرف ما أفاد معنى. وقال لي : أنحُ هذا النحو ، وأضف إليه ما وقع إليك » (1).

ومهما يكن من أمر فإن الاستاذ أحمد أمين يميل إلى أن شكل المصحف في نقطه وإعجامه خطوة أولية في سبيل النحو تتمشى مع قانون النشوء ، يمكن أن تأتي من أبي الأسود (2).

والحقيقة أن اللحن في قراءة القرآن ـ بعد أن اتسعت رقعة الاسلام ـ كان سبباً مباشراً في تأسيس النحو العربي ، حتى روي لنا لحن الحجاج والحسن البصري (3).

وكانت البداية التأسيسية ـ بالاضافة إلى ما سبق ـ على يد البصريين حينما ألف عبد الله بن أبي إسحاق ( ت : 117 هـ ) كتاباً في الهمز (4).

وتبعه عيسى بن عمر الثقفي ( ت : 149 هـ ) فألف كتابين هما : الأكمال والجامع (5).

حتى إذا نبغ الخليل ( ت : 175 هـ ) وأخذ بزمام الدرس النحوي ، قامت مدرسة البصرة في النحو على يديه ، ونشأ مترعرعاً في ظلال توجيهه تلميذه سيبويه ( ت : 180 هـ ) فأتسمت ملامح المدرسة بمناهجه ، وتأصلت مسائلها بفضله ، فكان « الكتاب » أول أصل مدرسي جمع مادة النحو العربي ، وكان منهجه متأثراً بالقرآن الكريم جزئياً في توجيه الاعراب حيناً ، وتيسير القواعد حيناً آخر ، لأن القياس هو الأولى عند البصريين ، وإن كان

____________

(1) ابن الانباري ، نزهة الالبا : 4 ـ 7.

(2) أحمد أمين ، ضحى الاسلام : 2 / 286.

(3) ظ : الجاحظ ، البيان والتبيين : 2 / 219.

(4) ظ : السيوطي ، المزهر : 2 / 398.

(5) ظ : ابن النديم ، الفهرست : 68.

73

الهدف تقويم اللسان العربي عن اللحن والخطأ ، للحفاظ على سلامة القرآن الأدائية.

حتى إذا نشأت مدرسة الكوفة على يد أبي جعفر الرؤاسي ( ت : 148 هـ ) وتلميذه النابه علي بن حمزة الكسائي ( ت : 189 هـ ) وأشهر تلاميذ الكسائي : يحيى بن زياد الفراء ( ت : 207 هـ ) ، كان الاستناد إلى القرآن أكثر شيوعاً والاستدلال بشواهد من آياته أرحب مجالاً ، لأن الكوفيين « يؤمنون أن القرآن جاء بلغات فصيحة ، فهو أحق بالقبول ، وأجدر بالأخذ ، حينما تبنى قاعدة ، أو يقرر حكم ، أو يصحح أسلوب » (1).

فكان عمل الكوفة في ظواهر الكتاب حيناً ، وفي القياس النحوي حيناً آخر ، وليتهم إكتفوا بالشاهد القرآني وحده ، ولم يخضعو لسلطان القياس ، لكان القرآن هو المرجع ليس غير.

إن نشوء هاتين المدرستين في ظل العلم العراقي الفياض ، كان هو الأساس لسلامة اللغة العربية ، وعليه سار المتأخرون من النحاة ، فكان الثروة الطائلة في كل زمان ومكان ، لأن مصادر الدرس النحوي في تفتقت عنهما ، وهما وحدهما موارد هذا العلم لمن أراد الإستزادة ، وكان الدافع الحقيقي وراء هذه الجهود المترامية الأطراف هو الدفاع عن القرآن ، وصيانة التراث من الهجمات المضادة ، وإبقاء العربية علماً شامخاً في حياة اللغات.

الظاهرة الثالثة :

وتتجلى مظاهرها في حياة البلاغة العربية ، فقد نشأت البلاغة العربية في أحضان الاعجاز القرآني ، وتلألأ نجمها في قضايا البيان في القرآن ، فكان الجاحظ ( ت : 255 هـ ) من أوائل من أكدوا هذا الجانب في جملة من أسراره الجمالية ، فخصص كثيراً من مباحثه في « نظم القرآن » لاستيفاء كنوز العبارة القرآنية ، وإستخراج ما فيها من مجاز وتشبيه بمعانيهما الواسعة ، وكذلك صنع في « البيان والتبيين » فتجد المجاز إلى جنب الكناية القرآنية ،

____________

(1) عبد العال سالم مكرم ، القرآن الكريم وأثره في الدراسات النحوية : 123.

74

والاستعارة مستقاة من تشبيهات القرآن ، وعمله هذا وإن كان مفرقاً ومجزءاً إلا أنه كان مناراً لمعالم الطريق.

حتى إذا جاء ابن قتيبة ( ت : 276 هـ ) وجدناه يؤكد دلائل مادة علمي المعاني والبيان في صدر كتابه « تأويل مشكل القرآن » مستنداً إلى التنظيرات البلاغية من القرآن في ضوء طرق القول ومأخذه عند العرب في الاستعارة والتمثيل والقلب التقديم والتأخير والحذف والتكرار والإخفاء والإظهار والتعريض والافصاح والكناية والايضاح ، مما أورده مستنيراً بآيات القرآن ودلائله في أبواب المجاز (1).

وكان علي بن عيسى الرماني ( ت : 386 هـ ) في « النكت في إعجاز القرآن » وحمد بن سليمان الخطابي ( ت : 388 هـ ) في « بيان القرآن » وأبو هلال العسكري ( ت : 395 هـ ) في « الصناعتين » وأبو بكر الباقلاني ( ت : 403 هـ ) في « إعجاز القرآن » والسيد الشريف الرضي ( ت : 406 هـ ) في « تلخيص البيان في مجازات القرآن » قد استمدوا من كتاب العربية الأكبر روافد الاعجاز البياني ، وروائع الفن البلاغي ، فتلمس آثار قضايا الاعجاز ، وتلمح بصمات كتاب الله في ثنيات جوهر البلاغة وأساسها ، والتدوين المشترك بين أصول البلاغة وشواهد الآيات يعطيك نماذج التطبيق.

فإذا استقريت جهود عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 هـ ) تجده بحقٍّ مؤسس الفن البلاغي ، ومشيد أركانه في ضوء القرآن العظيم ، فالفاحص لكتاب « دلائل الاعجاز » يلحظ مباحثه منصبَّة بسيولها المتشعبة حول علم المعاني بكل تفريعاته الجمالية والاسلوبية ، والمستقري لكتاب : « أسرار البلاغة » يجده متخصصاً بعلم البيان وصوره كافة ، باستثناء الكناية التي قدم عنها بحثاً مفصلاً في الدلائل.

إن الجزئيات التي أثارها عبد القاهر ، والأبواب التي أستوفى الحديث عنها ؛ تعدّ بحق الحجر التأسيسي لمفاهيم علم البلاغة مستمدة من القرآن ؛ في المستوى التطبيقي والنظري ، وهو بذلك الفكر المخطط الرائد لجملة هذه الأفكار ، والمنظّر المتمكن من هذا الفن.

____________

(1) ظ : ابن قتيبة ، تأويل مشكل القرآن : 15.

75

من خلال هذا الاختصار فيما قدمت ، تجد التفاعل الحضاري قائماً بين كتاب الله وعلم البلاغة العربية الذي هو جزء متسلسل عن القرآن ، ويتعرف الباحث بتأكيد بالغ أن هذا العلم إنما قام ونهض وترعرع ـ فضلاً عن نشوئه ـ من أجل إثبات بلاغة القرآن ، فكل بلاغة دونها ، وكل بليغ لا يصل إليه ولا يواكب تلاطم أمواجه ، مما يدفع ما وسم به هذا التراث العربي الاسلامي المحض من سمات لا أساس لها ، فلا الأصل اليوناني ينطلق من واقع علمي ، ولا الأثر الاعجمي بحقيقة تأريخية ، بل البلاغة في أصولها وفروعها وتضاعيفها مستندة إلى القرآن في ينابيعه الأولى ، فالعربي على فطرته البدوية الصافية تهزه الكلمة العذبة ، وتطربه العبارة الفصيحة ، وتمتلك نفسه الاستعارة الهادفة ، وتسترعيه الكناية المهذبة ، ويستهويه التشبيه المعبر ، ويقف عند المجاز السيّار ، وكان ذلك من بركات القرآن وجليل آثاره البيانية ، وسبق فنه القولي فنون العرب في الأداء والاسلوب والنظم ورصانة التأليف.

لقد بهر العرب بجمال القرآن وروعه ، ونظروا إلى التغيير الجذري الذي أحدثه هذا الوحي الهادر ليس في العادات المفاهيم والتقاليد فحسب ، بل في القول وفنون الكلام والنظم البياني ، فقد نظروا إلى لغتهم وهي تتجه ـ فجأة ـ نحو الاستقامة والاستقرار والصعود ، فحدبوا على عطاء هذه اللغة يختزنونه ، وعمدوا إلى مرونتها يستغلونها إستغلال يسر وسماح ، فكان هذا المخزون جمالاً بلاغيَّا لا يبلى ، وكان ذلك الاستغلال موروثاً بيانياً لا ينفد ، وما ذاك إلا نتيجة إستجلائهم دلالات القرآن الادبية ، وتغلغلهم بأعماق فنونه البلاغية ، فالقرآن إلى جانب عطائه اللغوي والاسلوبي قد خلص اللغة من فجاجة الوحشي والغريب ، وهذّب طبع ألفاظها من التنافر والتعقيد ، فلم يعد العربي بعد بحاجة إلى إقصاء ذلك وإستبعاده ، فكأنه لم يكن ، فقد تكفل القرآن بتذليل الصعاب.

العرب اليوم مدعوون إلى تأكيد هذا التلاحم الفاعل بين كتاب الله تعالى وبين الفن البلاغي ، وذلك بالكشف عن خبايا هذا الكتاب وكنوزه ، وإستكناه وجوه الاعجاز البياني في ظلال آياته ، إذ لا شوائب في لغة القرآن وألفاظه ، ولا معاناة في تحسس جماله العام ، والجهد الكبير المتواصل

76

كفيل بالوصول إلى الأمثلة النادرة ، ففيها وحدها يتقوم الأصل البلاغي الموروث ، بعد أن كان الطبع السليم عند العرب يكشف عن هذا الملحظ بذائقته الخالصة.

وما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ونعم الوكيل

77

الأسلوب النفسي لمكافحة الجريمة في

القرآن الكريم

ألقي في المؤتمر العلمي الرابع المنعقد في كلية الفقه في النجف بشعار « دور العقيدة والتشريع الاسلامي في مكافحة الجريمة بتأريخ 17 ـ 18 مايس 1989 ، ونشر في وقائع مؤتمر اعجاز القرآن نيسان 1990 / بغداد ».

78

-

79

بسم الله الرحمن الرحيم

الاسلوب النفسي لمكافحة الجريمة في القرآن

الجريمة ما يقترفه الجاني من جرم في حق نفسه أو أسرته أو مجتمعه ، أو وطنه أو قومه.

قال الخليل بن أحمد الفراهيدي ( ت : 175 هـ ) : فلان له جريمة ، أي : جرم ، وهو مصدر الجارم الذي يجرم على نفسه وقومه شراً.

والجرم الذنب ، وفعله الاجرام ، والمجرم المذنب ، والجارم : الجاني (1) وكذا في لسان العرب ، فالجريمة هي الجرم مصدر الجارم ، ويأتي بما أورد الخليل لا يزيد عليه (2).

وقد وردت الجريمة ـ مادة ـ في القرآن الكريم أكثر من ستين مرة ، ولم ترد بلفظها ولا مرة واحدة (3).

وردت الألفاظ الآتية : الاجرام ، أجرمنا ، أجرموا ، تجرمون ، مجرمون ، مجرمين ، مجرميها ، من هذه المادة للدلالة على اسم المصدر : الجريمة.

في هذه الالفاظ عرض القرآن الكريم لسيماء المجرمين ، وأوصافهم ، وحالاتهم وأعمالهم ، وحسراتهم ، ومفارقاتهم ، وصورهم ، وانذارهم ،

____________

(1) الخليل ، العين : 6 / 118 ـ 119.

(2) ظ : ابن منظور ، لسان العرب : 14 / 375.

(3) ظ : محمد فؤاد عبد الباقي ، المعجم المفهرس لالفاظ القرآن الكريم : مادة جرم.

80

وتحذيرهم ، وارشادهم عن غيهم ، ووازنهم بسواهم من الصالحين والمسالمين والبررة.

هذا الحشد الهائل من المفردات يتسع لأكثر من بحث موضوعي ، وهنا نستطيع أن نلمس فيه صورة متميزة أخاذة للاسلوب النفسي الذي اعتمده القرآن العظيم لمكافحة الجريمة من خلال التأثر والتأثير في الوعد والوعيد والترغيب والترهيب والاصلاح

الاجرام كما يصوره لنا القرآن الكريم ذو ظاهرتين :

الأولى : الاجرام الفردي وهو الذي يتحدث به عن المجرم ذاته ، ويراد به كل جنس المجرم أنّى كان جرمه ، ويمثله قوله تعالى :

أ ـ ( يُبَصَّرُونَهُم يَوَدَّ المُجرِمُ لَو يَفتَدِى مِن عَذَابِ يَومِئِذٍ بَبَنِيهِ (11) وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ (12) ) (1).

ب ـ ( إِنَّهُ مَن يَأتِ رَبَّهُ مُجرِماً فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لاَ يَمُوتُ فِيهَا وَلاَ يَحيَى (74) ) (2).

وقد يبرز الاجرام الفردي في هذا الملحظ مزعوماً ، دون جريمة كقوله تعالى :

( قُل إِنِ افتَرَيتُهُ فَعَلَىَّ إِجرَامِي وَأَنَا بَرِيءُُ مِّمَّا تُجرِمُونَ ) (3).

فليس هناك افتراء ، وليس هناك اجرام ، ولو ثبت الافتراء افتراضاً لتحقق الاجرام ، ولو تحقق الاجرام ، فلا تؤخذون بجرمي ولا أؤخذ بجرمكم ، وفيه تأكيد على اجرام الكافرين فيما يبدو.

الظاهرة الثانية : الاجرام الجماعي ، وهو الذي يتحدث به القرآن عن الجماعات المجرمة في مقارفتها الجريمة ومعايشتها ، ويمثله قوله تعالى :

أ ـ ( سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجرَمُوا صَغَارٌ عِندَ آللهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمكُرُونَ ) (4).

ب ـ ( إِنَّ الَّذِينَ أَجرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ ءَامَنُوا يَضحَكُونَ (29) ) (5).

____________

(1) المعارج : 16.

(2) طه : 74.

(3) هود : 35.

(4) الانعام : 124.

(5) المطففين : 29.

81

جـ ـ ( وَكَذَلِكَ جَعَلنَا فِي كُلِّ قَريَةٍ أَكَابِرَ مُجرِمِيهَا لِيَمكُرُوا فِيهَا ) (1).

بعد تشخيص هاتين الظاهرتين نجد القرآن متحدياً عن سمات المجرمين وأوصافهم في كل من النشأتين الحياة الأولى ، والحياة الآخرة.

وتبدأ مشخصات الجريمة في القرآن بالقتل المتعمد ، وبقطع الطريق ، وبالسرقة ، وبالزنا ، وكبائر المحرمات ، وأحاول فيما يلي القاء الضوء على بعض هذه المفردات ، ومعالجتها في القرآن نفسياً ، دون الدخول في التفصيلات المضنية.

1 ـ القتل : يعتبر القتل من أبشع الجرائم في القوانين السماوية ، وهو كذلك في القوانين الوضعية ، وقد حدد الله تعالى هذا المعلم بأسبابه ودوافعه ونتائجه ، وهو نوعان : قتل العمد ، وقتل الخطأ ، ولهما في الشريعة الاسلامية حدود في القصاص والديات ، ولا يتعلق حديثنا لمثل هذه الحدود وإنما بالمشخصات الجرمية فحسب.

أ ـ قال تعالى : ( وَلاَ تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِ وَمَن قُتِلَ مَظلُومًا فَقَد جَعَلنَا لِوَلِيّهِ سُلطَنًا فَلاَ يُسرِف فِي القَتلِ إِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً (33) ) (2).

فقد حددت هذه الآية عدة معالم لحالة القتل :

الأولى : عدم جواز قتل النفس التي حرم الله الا بالحق.

الثانية : من قتل مظلوماً فلوليه الحق بالقصاص.

الثالثة : الاكتفاء في المقاصة الشرعية عن الاسراف.

وقد كرّر تعالى الملحظ الأولى في آية أخرى فقال :

( وَلاَ تَقتُلُوا النَّفسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالحَقِ ذَلِكُم وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُم تَعقِلُونَ ) (3).

ب ـ وفيما اقتص الله تعالى من خير ابني آدم حددت معالم آخرى لجواز القتل وحرمته مع الارشاد الموحي ، قال تعالى :

____________

(1) الانعام : 123.

(2) الاسراء : 33.

(3) الأنعام : 151.

82

( مِن أَجلِ ذَلِكَ كَتَبنَا عَلَى بَنِي إِسرَاءِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفسًا بِغَيرِ نفسٍ أَو فَسَادٍ فِي الأَرضِ فَكأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَن أَحيَاهَا فَكَأَنَّمَآ أَحيَا آلنَّاسَ جَمِيعًا ) (1).

وتحدد استنباطات الفقهاء ان القتل يجب في مواضع الكفر بعد الايمان على تفصيل به في مسألة الارتداد ، والزنا بعد الاحصان ، والفساد في الأرض كالعصابات المسلحة ، وقطاع الطرق ، وفي حالة القصاص.

والأول والثاني مستفادان من السنة الشريفة ، والثالث والرابع من النص القرآني السابق.

وقد عالج القرآن ظاهرة القتل المتعمد نفسيّاً في عدة ملامح تحذيرية وترغيبية وإصلاحية.

أولاً : حذر القرآن الكريم من قتل الأولاد خشية الفقر بأن ربط الرزق بالله ، فنها عن القتل لهذا الملحظ فقال في آيتين :

أ ـ ( وَلاَ تَقتُلُوا أَولَدَكُمُ مِّن إِملاَقٍ نَّحنُ نرزُقُكُم وَإِيَّاهُم ) (2).

ب ـ ( وَلاَ تَقتُلُوا أَولَدَكُم خَشيَةَ إِملاَقٍ نَّحنُ نَرزُقُهُم وَإِيَّاكُم ) (3).

ويلاحظ هنا الذوق البلاغي في القرآن إذ استعمل في آية الأنعام ( من املاق ) وفي آية الاسراء ( خشية املاق ) وفي الأولى قدم ضمير الخطاب ( نرزقكم ) على ضمير الغائب ( اياهم ) وفي الثانية عكس الامر فاستعمل مكان المخاطب الغائب ( نرزقهم ) ومكان الغائب المخاطب ( اياكم ) وهو ملحظ دقيق تفصيله في غير هذا البحث.

ثانياً : الانكار الشديد بصيغة الاستفهام ، قال تعالى :

( وَإِذَا المَوءُدَةُ سُئِلَت (8) بِأَيِّ ذَنبٍ قُتِلَت (9) ) (4).

ثالثاً : الوعيد بالخلود في النار ، وغضب الله تعالى ولعنه وهو أشد ،

____________

(1) المائدة : 32.

(2) الأنعام : 151.

(3) الاسراء : 31.

(4) التكوير : 8 ـ 9.

83

وإعداد العذاب العظيم وهو أقطع ، ويمثل هذا الاتجاه قوله تعالى :

( وَمَن يَقتُل مُؤمِنًا مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً (93) ) (1).

رابعاً : الثناء المطلق والوعد الجميل مع الوعيد باعتبار الذين يتصفون بعدم القتل من عباد الرحمن ، قال تعالى في صفتهم :

( وَالَّذِينَ لاَ يَدعُونَ مَعَ اللهِ إِلَهًا ءَاخَرَ وَلاَ يَقتُلُونَ آلنَّفسَ الَّتِي حَرَمَ آللهُ إِلاَّ بِالحَقِ وَلاَ يَزنُونَ وَمَن يَفعَل ذَلِكَ يَلقَ أَثَامًا (68) ) (2).

خامساً : التبكيت والتسفيه والخسران فيما قال تعالى : ( قل أغير الله أتخذُ وليّاً فاطرِ السمَوَات والأرض وهو يُطعِمُ ولا يُطعَمُ قل إني اُمِرتُ أن أكون أول من أسلم ولا تكونَنَّ من المشركين ) (3).

وهكذا نجد القرآن العظيم قد استقطب مختلف الاساليب لدرء جريمة القتل بين الوعد والوعيد وتهيأة المناخ النفسي ليطمئن المجتمع وتصان الأرواح.

2 ـ السرقة : لقد حدد القرآن حكم السرقة ؛ واعتبرها من الجرائم التي يعاقب عليها بقطع اليد بنص قوله تعالى :

( وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقطَعُوا أَيدِيَهُمَا جَزَاءً بِما كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللَّهِ وَآللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (38) ) (4).

هذا الحكم له حدود وله قيود في تعيّن مبلغ السرقة ، وهوية السارق ، ومكان القطع ، وللفقهاء فيه كلام طويل ، وكذلك الحال في نوعية السرقة غصباً أو سلباً أو أغار سراً أو علانية ، لكن المهم هو وقع الحكم على الاسماع وشدته لدى التنفيذ ، وهذا ما دفع بحملة من الأوربيين والمستشرقين إلى تصوير الاسلام بأنه دين وحشي ، وليس الأمر كذلك ، لأن الظروف المعيشية التي سخرها الله لعباده ، هي أكبر وأكثر من ظروف الاعتداء على أموال الآخرين ، ولأن الامانة سر من أسرار الخليقة ، يعود الانسان بدونها متردياً للحضيض الاوهد ، ويحضرني في ردّ هذه الشبهة ، ما أبانه أبو العلاء المعري ، متسائلاً عن حكمة قطع اليد بقوله :

____________

(1) النساء : 93.

(2) الفرقان : 68.

(3) الأنعام : 14.

(4) المائدة : 38.

84

يد بخمس مئين عسجد فديت --ما بالها قطعت في ربع دينار

فأجابه السيد المرتضى علم الهدى ( ت : 436 هـ ) :

عز الامانة أغلاها وأرخصها --ذل الخيانة فأنظر حكمة الباري

3 ـ الزنا ، وهو جريمة يقاربها من لا عائلة له يحافظ على شرفها ، ولا زوجة يصون حرمتها ، ولا بنت يغار عليها ، ولا أخت يثأر لكرامتها لأن الزنا دين كما يقول العرب و « كما تدين تدان » ، وقد جعل الله سبحانه وتعالى في الزواج غنى عن هذه الجريمة الخلقية في أمراضها وأضرارها ونتائجها. قال تعالى :

( وَلاَ تَقرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً (32) ) (1).

وقد عالج القرآن هذه الظاهرة عملياً بالطرق الشرعية المسنونة ، وشدد عليها عقاباً في البكر فقال تعالى :

( الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجلَدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنهُمَا مِائَةَ جَلدَةٍ وَلاَ تَأخُذكُم بِهِمَا رَأفَةٌ فِي دِينِ اللهِ إِن كُنتُم تُؤمِنُونَ بِاللهِ وَاليَومِ الأَخِرِ وَليَشهَد عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ المُؤمِنِينَ (2) ) (2).

ثم هز القرآن الكريم الحمية والغيرة والكرامة ، وأنه ليربأ بالنفس الانسانية عن هذا المسلك الوخيم فقال تعالى :

( الزَّانِي لاَ يَنكِحُ إِلاَ زَانِيَةً أَو مُشرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لاَ يَنكَحُهَا إِلاَّ زَانٍ أَو مُشرِكُُ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى المُؤمِنِينَ (3) ) (3).

لهذا كان قذف المحصنات والتشهير بالنساء البريئات من المحرمات التي يعاقب عليها الله تعالى ، وانظر إلى قوله :

( وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَانَتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدوهُم ثَمَانِينَ جَلدَةً وَلاَ تَقبَلُوا لَهُم شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الفَسِقُونَ (4) ) (4).

ولنبتعد قليلاً عن هذا المناخ إلى عظمة قوله تعالى في صد هذا

____________

(1) الاسراء : 32.

(2) النور : 2.

(3) النور : 3.

(4) النور : 4.

85

المناخ : ( وَمِن ءَايَتِهِ أَن خَلَقَ لَكُم مِّن أَنفُسِكُم أَزوَاجًا لِتَسكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُم مَّوَدَّةً وَرَحمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَاتٍ لِّقَومٍ يَتَفَكَّرُونَ (21) ) (1).

اثرى الهدوء النفسي والاطمئنان الروحي مهيئاً بالزنا وبالمحرمات الاخرى كاللواط والسحاق والعادة السرية ، إنها لموبقات حقاً.

( وَلاَ تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتْعَنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ آلحَيَاةِ الدَّنْيَا ) (2).

ألا تنظر إلى قوله تعالى وهو يرغب بنعيم الجنة في ملذاتها الحسية :

( وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَلِدُونَ ) (3).

وإلى قوله تعالى :

( وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ ) (4).

إنني أدعو الشباب المثقف إلى الزواج بسن مبكرة من أجل مكافحة جريمة الزنا ، فالزواج المبكر سنّة سار عليها سلفنا الصالح ، وأدعو الآباء والامهات إلى التخفيف من غلاء المهور وشروط الزواج ، فالمسلم كفء المسلمة ، قال تعالى :

( وَأَنكِحُوا الأَيَامَى مِنكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُم إِن يَكُونُواْ فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ وَاللهَ وَسِعٌ عَلِيمٌ (32) ) (5).

والزواج حاجة يحتاج إليها الشباب بخاصة كالاحتياج إلى الاكل والشرب بالضبط ، ولا حياء في الدين (6).

4 ـ كبائر المحرمات : وهي عبارة عن المحرمات التي ذكرها الكتاب العزيز ونص عليها علماء التشريع الاسلامي مما يعتبر الوقوع فيها منافياً لعدالة المسلم ووصفه بالفسق حيناً ، وبالكفر حيناً آخر ، ولنا في صدد عدها ، فمنها : عقوق الوالدين ، أكل مال اليتيم ، أكل الربا ،

____________

(1) الروم : 21.

(2) طه : 131.

(3) البقرة : 25.

(4) آل عمران : 15.

(5) النور : 32.

(6) ظ : للتفصيل في الحث على الزواج ، عز الدين بحر العلوم : الزواج في القرآن والسنة.

86

شهادة الزور ، كتمان الشهادة ، شرب الخمر ، ترك ما فرض الله تعمداً ، ما تقدم من قتل النفس المحترمة والزنا والسرقة ، قطيعة الرحم ، الكذب ، أكل الميتة والدم ، ولحم الخنزير ، وما أهل به لغير الله ، والقمار ، وأكل السحت ، والرشوة ، والبخس في المكيال والميزان ، والغيبة ، والنميمة والبهتان ، وغش المسلمين ، وأمثال ذلك مما يعتبره القرآن جريمة يعاقب عليها في الدنيا أو الاخرة ، وهنا نلقي نظرة فاحصة لسبيل مكافحة الجرائم بتلميح موجز يتعلق بإصلاح المجتمع والنفس الانسانية والعودة بها إلى الفطرة الخالصة النقية من كل وضر وشائبة وذلك أننا في كثير من الدول النامية نعيش أزمة أخلاقية تأثرت بمفاهيم الغرب غير الدقيقة ، هذه المفاهيم هي التي تؤدي إلى الجريمة ، فالخروج عن التقاليد العربية الاصيلة ، والابتعاد عن واقع الرسالة الاسلامية المقدسة ، والتهور ضد الاعراف الانسانية النبيلة كل أولئك مما يوقع في هذه الجرائم آنفة الذكر ، الولد مثلاً لا يعرف قيمة والديه والطالب لا يقدر جهود مربيه ، والصديق يعامل صديقه بالاثرة لا الايثار والاخ يضرب صفحاً عن أخيه ، والجار يطوي كشحاً عن جاره ، والكذب والبهتان والنميمة ديدن الكثيرين ، وأفضل الناس من شغلته عيوبه عن عيوب الآخرين فلسنا معصومين ، والتفاهم في لغة المحبة والاخوة الصادقة عاد ضرباً من الهذيان ، وحب لأخيك ما تحب لنفسك ليست من أخلاقنا ، والكلمة الطيبة صدقة نسخت من معجمات الحديث الشريف و ( وَتَعَاونُوا عَلَى البِرِّ وَالتَّقوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالعُدْوَانِ ) (1) كأنها ليست من كتاب الله.

وقوله تعالى :

( ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ ) (2) لا نجد مفهوماً لها في تعاملنا مع الناس.

وقوله تعالى :

____________

(1) المائدة : 2.

(2) فصلت : 34.

87

( فَبِمَا رَحمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُم وَلَو كُنتَ فَظّاً غَلِيظَ القَلبِ لاَنفَضُّوا مِن حَوْلِكَ ) (1) ، كأنه ليس من أخلاق رسولنا العربي الامين.

حتى عاد التواضع ضعة واللين ضعفاً ، والاخلاق تملقاً ، والحديث ثرثرة والادب عدم اتزان.

أن درء المفاهيم الخاطئة ، وهذه المتخلفات الذهينية ، هو الذي أن نحارب الجريمة ، ونكافح انتشارها والا فنحن في عداد المجرمين

( إِلاَّ أَصْحَابَ اليَمِينِ (39) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (40) عَنِ المُجْرِمِينَ (41) مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (42) ) (2).

قال الزمخشري ( ت : 538 هـ ) :

« ما سلككم في سقر ليس ببيان للتساؤل عنهم ، وإنما حكاية قول المسؤولين عنهم ، لأن المسؤولين يلقون إلى السائلين ما جرى بينهم وبين المجرمين ، فيقولون ، إلا أن الكلام جيء به على الحذف والاختصار كما هو نهج التنزيل في غرابة نظمه » (3).

وإذا لم يكافح كل منا الجريمة من موقعه ، والانانية الذاتية في داخله ، والقوقعة على النفس ، كان ما قدمناه كلاماً فارغاً لا يسمن ولا يغني من جوع.

ومما توفيقي إلا بالله العلي العظيم ، عليه توكلت وإليه أنيب ، وهو حسبنا ، ونعم الوكيل.

____________

(1) آل عمران : 159.

(2) المدّثر : 39 ـ 42.

(3) الزمخشري ، الكشاف : 1874.

88

-

89

تحريم الخمر في القرآن الكريم

ألقي في المؤتمر الطبي المنعقد في القاعة الكبرى لجامعة الكوفة بشعار « الخمرة وأضرارها الاجتماعية والصحية » في 28 شعبان 1418 هـ = 29 / 12 / 1997 وقد نظمت المؤتمر نقابة الأطباء بالتعاون مع كلية الطب في جامعة الكوفة في النجف الأشرف.

90

-

91

بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحِيمِ

الخمر لغةً : ما أسكر من عصير العنب لأنها خامرت العقل.

قال ابن الاعرابي : وسميت الخمر خمراً لأنها تركت فاختمرت ، وإختمارها تغير ريحها.

والخمر : ما خمر العقل ، وهو المسكر من الشراب.

وهي : خمرة وخمر وخمور بزنةِ : تمرة وتمر وتمور (1).

والعرب تسمي العنب خمراً باعتبار ما يؤول إليه ، فالتسمية مجازية ، وعليه حمل قوله تعالى :

( إِنِّي أَراَنِي أَعصِرُ خَمراً ) (2). فهو يعصر العنب الذي سيصير خمراً.

والخمرة محرمة شرعاً ، وحرمتها ثابتة تشريعاً في نصوص قرآنية غير قابلة للتأويل ، ومنصوص عليها ، روائياً في أحاديث غير خاضعة للاجتهاد ، فلا إجتهاد مقابل النص.

ليس لنا بعد هذا أن نبيح ما حرّم الله ، وليس لنا أيضاً أن نحرم ما أباح الله ، سواءً أكان ذلك صادراً عن الله في كتابه ، أو عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في سنته ، أو عن الائمة الطاهرين في صحاح ما روي عنهم.

كل أولئك لما ورد أن : حلال محمد حلال إلى يوم القيامة ، وحرام محمد حرام إلى يوم القيامة. « متّفقٌ عليه ».

هذا التحديد الصارم في المنظور لأحكام الشريعة بعامة ، له منطلق

____________

(1) ابن منظور ، لسان العرب : 5 / 339 / مادة : خمر.

(2) يوسف : 36.

92

واحد ، واعتبار واحد : إنه قانون السماء الذي لا يصح التحكم في ثوابته المطلقة حساً وعقلاً وتجربة وشرعاً وعرفاً ، ذلك أن قانون السماء مصدر غيبي عتيد لا يخضع للعلم التجريبي ، ولا يقوم على أسس الدساتير الفيزياوية والرياضية ، ولا يكون نتيجة للفرز المختبري ، ولا يصح حيثية للاختيار البشري ، كما هو القانون الوضعي من جهة ، والكشف العلمي من جهة أخرى ، لأن الأنظمة السماوية لها منظورها الخاص الصادر من وراء الغيب ، وطبيعتها الملكوتية النازلة بتعليمات الوحي وإذا كان الامر كذلك ، وهو كذلك فليس لنا أن نقول : لم؟ وكيف؟ ولو؟ فهذه اعتبارات أرضية لا ترتبط بالبعد الآلهي الذي قدّر فهدى.

وليس للانسان المحدود التعقل والتفكير والاستنتاج أن يتدخل في شؤون ذلك النظام الدقيق الذي تديرهُ القوة الغيبية المدبرة ، لأنه عاجز عن تدبير نفسه إلا باذن من الله مرتبط بالإساءة ، فكيف به لهذا العالم الفسيح الهائل.

في هذا الضوء من الاستقرار يمكننا التحدث عن تحريم الخمر في القرآن الكريم ضمن نصوصه التي لا تقبل الردّ أو الاجتهاد لأنها نصوص مقدسة أملاها الوحي من كلام الله على رسوله الأمين.

( وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ العَلَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الأَمِينُ (193) عَلَى قَلبِكَ لِتَكُونَ مِنَ المَنذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ (195) ) (1).

ويتكفل البحث في معالجة هذا الموضوع إنطلاقاً من تلك النصوص بحسب أسبقيتها في النزول ـ مكيّها ومدنيّها ـ لنصل إلى رؤية معاصرة تتولى رعاية هذا الملحظ الجدير بالأهمية.

أولاً : الذي يبدو للبحث أن أول ما نزل في الموضوع : قوله تعالى :

( قُل إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغىَ بِغَيرِ الحَقِّ ) (2).

والفواحش في تصوّر أولي هي تلك المعاصي الكبيرة التي يبالغ في سَوءَتِها إلى درجة التشنيع ، والأثم هو الذنب الذي يورث المرء هواناً

____________

(1) الشعراء : 192 ـ 195.

(2) الأعراف : 33.

93

وإنحداراً عن الاسراع في تحصيل الثواب. قال الراغب ( ت : 502 هـ ) : « الاثم اسم للأفعال المبطئة عن الثواب » (1). هذا في معناه العام ، ولكنه ، قد يخصص بالخمر وحده ، وذلك لاشتهار الخمر عند العرب وفي الشرع باسم الإثم.

ففي الوسائل : عن علي بن يقطين عن الامام موسى بن جعفر (عليه السلام) ، وهو يتحدث عن الآية أعلاه ، قال : « وأما الاثم فإنها الخمر بعينها » (2).

قال أبو علي الطبرسي ( ت : 548 هـ ) :

« والأثم : قيل هو الذنوب والمعاصي عن الجبائي ، وقيل : الاثم ما دون الحد عن الفراء. وقيل : الاثم الخمر ، وأنشد الأخفش :

شربتُ الأثمَ حتى ضلَّ عقلي --كذاكَ الأثمُ يَذهبً بالعقول

وقال الآخر :

نهانا رسول الله أن نقرب الخفا --وأن نشربَ الأثم الذي يوجب الوزرا (3)

وقد ظهر مما تقدم : أن الاثم لا يخلو من معنيين ، فإما أن يكون هو المعاصي والذنوب ، والخمر أحد مفرداته ، وأبرز مصاديقه وإما أن يكون هو الخمر بعينها كما تسنده الرواية ، ويؤيده لغة الشاهدان الشعريان المتقدمان ، وعلى كلا المذهبين في المعنى ، فالخمر محرمة بهذه الآية ، إما لكونها أحد مصاديق الاثم ، وإما لأنها الاثم بذاته ، وإما بهما معاً كما هو واضح.

ثانياً : وفي مجال إحصاء ما يتخذه الناس من ثمرات النخيل والاعناب قال تعالى :

( وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعنَبِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَراً وَرِزقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذَلِكَ لأَيَةً لِقَومٍ يَعقِلُونَ (67) ) (4).

قال الراغب : « والسُكرُ حالة تعرض بين المرء وعقله ، وأكثر ما يستعمل ذلك في الشراب ... والسَكَر ـ

____________

(1) الراغب ، المفردات في غريب القرآن : 10.

(2) الحر العاملي ، وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة : 17 / 241.

(3) الطبرسي ، مجمع البيان : 2 / 414.

(4) النحل : 67.

94

بفتحتين ـ اسم لما يكون منه السكر » (1).

وفي الآية ـ وهي مكية أيضاً كسابقتها ـ تفصيل لما يتّخذه الناس بعامة ـ دون الخواص ـ من النخيل والأعناب ، وذلك على نوعين : ما هو مسكر كالخمر ومشتقاتها ، وما هو من الرزق الحسن كالتمر والخل والزبيب والدبس وسواها.

وتقييد الرزق بكونه حسناً ، إشارة دقيقة يلمحها البلاغي في تحقيقه ، والمتشرع في إستنباطه ، إلى أن هناك ما ليس بحسن وهو السَكَر ، فكأن هناك رزقين رزقاً طيباً وصف بالحسن ، وهو المباح من ثمرات النخيل والأعناب كالتمر والزبيب وسواهما ، ورزقاً غير طيب ، وهو المحرم مما تتخذ منه المسكرات ، فكان بين الاثنين مقابلة في البين. وليس في ذلك أدنى إشارة إلى تحليل المسكرات.

قال الطباطبائي في الميزان « ولا دلة في الآية على إباحة استعمال المسكر ، ولا على تحسين استعماله ، إن لم تدل على نوع من تقبيحه من جهة مقابلته بالرزق الحسن ، وإنما الآية تعد ما ينتفعون به من ثمرات النخيل والأعناب ، وهي مكية بخاطب المشركين ، وتدعوهم إلى التوحيد » (2).

ثالثاً : وفي عملية لفرز مضار الخمر عن منافعها المتصورة قال تعالى :

( يَسئَلُونَكَ عَن الخَمرِ وَالمَيسَرِ قُلْ فِيهِمَا إِثمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثمُهُمَا أَكبَرُ مِن نَّفعِهِمَا ) (3).

فبيّن سبحانه وتعالى أن في الخمر والميسر إثماً كبيراً ، والإثم هو الوزر العظيم ، وفيهما أيضاً « منافع للناس » بما يتخيلونه نفعاً من أثمانها في بيعها وشرائها ، وما يتوهمونه من النشوة في شرب الخمر ومعاقرتها ، وما يأخذونه من السحت في لعب القمار ، وما يجدونه من الغلبة حيناً فيها ، وما

____________

(1) الراغب ، المفردات في غريب القرآن : 236.

(2) الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 12 / 290.

(3) البقرة : 219.

95

يتمتعون به من اللهو واللعب والعربدة في الاجتماع عليهما.

إلا أن الله عز وجل عقب على ذلك بقوله تعالى فرقاناً بين الآمرين « وإثمهما أكبر من نفعهما » إذن : ما فيهما من الإثم أكبر مما فيهما من النفع ، وعبر تعالى بأكبر دون أكثر مع العلم أن الكبر يستعمل في قياس الاحجام ، كما أن الكثرة تستعمل في المعدودات ، فإن الملحظ غير هذا باعتبارهما وصفين يتعلقان بالقياس النظري أو التطبيقي « فهما وصفان إضافيان بمعنى أن الجسم أو الحجم يكون كبيراً بالنسبة إلى آخر أصغر منه ، وهو بعينه صغير بالنسبة إلى آخر أكبر منه ، ولولا المقايسة والاضافة لم يكن كبر ولا صغر ، كما لا يكون كثرة ولا قلة ، ويشبه أن يكون أول ما تنبه الناس لمعنى الكبر إنما تنبهوا له في الأحجام التي هي من الكميات المتصلة وهي جسمانية ، ثم إنتقلوا من الصور إلى المعاني ، فاطّردوا معنى الكبر والصّغر فيها » (1).

وهذا النفع المتصور ينحصر بالمضاربات المالية وما يترتب عليها في البيع والشراء ، وما يصاحب ذلك من العبث واللهو والاسراف في كل من الخمر والميسر ، وكل أولئك منافع على سبيل الحياة الدنيا فهي من المعاني الاعتبارية الزائلة ؛ ولكن الاثم بهما مما يوجب الغضب المطبق في الآخرة ، ويستنزل سخط الباري ، وهذا مما لا يقوم له شيء ، فالأثم إذن أكبر من النفع.

قال الطبرسي ( ت : 548 هـ ) وفي الآية تحريم الخمر من وجهتين : ( أحدهما ) قوله : « وإثمهما أكبر » فإنه إذا زادت مضرة الشيء على منفعته إقتضى العقل الامتناع عنه.

( الثاني ) أنه بيّن أن فيهما الاثم ، وقد حرم في آية أخرى الأثم فقال :

( إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ آلفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثمَ وَالبَغىَ بِغَيرِ الحَقِّ ) (2) إنتهى كلام الطبرسي أعلى الله مقامه (3).

____________

(1) محمد حسين الطباطبائي ، الميزان في تفسير القرآن : 2 / 196.

(2) الأعراف : 33.

(3) الطبرسي ، مجمع البيان : 1 / 316.

96

وآية الأعراف مكية سبقت هذه الآية المدنية ، والإثم هناك منصوص عليه إما بإعتباره خمراً ، وإما بإعتبار الآية تحرم مطلق الاثم ، والخمر أجد مصاديق هذا الاثم. وفي هذه الآية على إقتراف الاثم ، وإقتراف الاثم من المحرمات ، فالخمر حرام بدلالة الآيتين معاً. وهذا مَعلَمٌ دقيق المسلك.

رابعاً : ولدى تجاوز المسلمين ـ بعضهم بالطبع ـ بعض هذه التعليمات الصريحة في دلالتها نزل قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا آلَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُم سُكَرَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) (1) وفي الآية نهي صريح عن مقاربة الصلاة حال السكر متلبسين بذلك ، وفيه إشارة إلى تحريم السكر قبل الصلاة لأن الاتجاه بالصلاة إلى الله ينافيه ابطال العمل بالسكر ، فالمعنى ليس لكم أن تسكروا وتتجهوا إلى الصلاة ، فللصلاة مقام عظيم في نهج المرء التعبدي ، وهذا المقام ينبغي أن يضل ملازماً للطهارة الروحية والبدنية ، والسيطرة في تخليص النفس من الرجس العارض لتلك الطهارة إنما يتم بالعقل المسيطر في إدراك علما يقينا بعيدا عن التلوث والتدرن بسكر الخمر ، فإذا لم يعلم ما يقول ، وقد فقد أعز ما يملك وهو العقل الدال على إرادة فعل الصلاة إمتثالاً للأمر المولوي فلا معنى لتلك العبادة الفاقدة لشرائطها في الانتهاء عن الخمر ، فإذا هم انتهوا عن ذلك ، وطهروا نفوسهم عن شربها ، ولا معنى لامتثال أمره تعالى مع عبادة غيره ، لا سيما وأن هذه العبادة بالذات تقتضي حضور القلب ، ولا حضور لغائب العقل حتى يعلم ما يقول ، وكيف له أن يعلم ما يقول وهو يعاقر الخمرة التي تذهب بالعقول.

وليس المراد أن الصلاة قد تصح من السكران لو علم ما قال ، فهذا لا يقول به أحد من المسلمين بل على العكس.

قال الطبرسي « وفي الآية دلالة على أن السكران لا تصح صلاته ، وقد حصل الاجماع على أنه يلزمه القضاء » (2). وقد تأتي سكارى بالمعنى

____________

(1) النساء : 43.

(2) الطبرسي ، مجمع البيان : 2 / 53.

97

المجازي ، أو أنها تحمل على المعنى المجازي ، بمعنى إتيان الصلاة متكاسلاً أو متثاقلاً ، أو مستغرقاً بالانصراف عنها بأثار النوم والنعاس كما في تفسير العياشي عن الامام محمد الباقر (عليه السلام) أنه قال : « لا تقم إلى الصلاة متكاسلاً ولا متقاعساً ولا متثاقلاً فإنها من خلل النفاق ، فإن الله نهى المؤمنين أن يقوموا إلى الصلاة وهم سكارى » (1).

فقد يكون هذا من باب التشبيه التمثيلي للمتكاسل والمتقاعس والمتثاقل بحال السكران ، والله أعلم. ولا يصح لنا علمياً القول بأن هذه الآية قد نزلت قبل تحريم الخمر كما عن بعض المفسرين ، لأن آية التحريم المكية قد سبقت إلى ذلك ، والآية مدنية بالأجماع. وقد سبقتها آية البقرة وهي مدنيّة أيضاً.

خامساً : وكان آخر ما نزل بتحريم الخمر قوله تعالى : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِنَّمَا الخَمرَ وَالمَيسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزلاَمُ رِجسٌ مِّن عَمَلِ الشَّيطَنِ فَاجتَنِبُوهُ لَعَلَّكُم تُفلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَنُ أَن يُوقِعَ بَينَكُمُ العَدَوَةَ وَالبَغضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهِ وَعَنْ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُمْ مُّنتَهُونَ (91) ) (2).

هاتان الآيتان بالانضمام للآيات السابقة الناطقة بتحريم الخمر ، قد توحي جميعاً بدلالة تدرج الشارع المقدس بتحريم الخمر ، ولكن ليس التدرج القائل بالسكوت عن حرمة الخمر ، بل ببيان أنها إثم فحسب دون التعقيب على ذلك بالحرمة ، ومن ثم حرّم الاقتراب من الصلاة في حالة السكر ، وحينما إستجابت النفوس ، وتحسست المدراك بضرورة تنفيذ الأوامر الألهية جاء النهي المطلق العام بجميع الحدود والأبعاد في آيتي سورة المائدة.

هذا التدرج التشريعي لما يأتِ بمعنى المرحلية التدرجية من بيان للإثم فحسب ، أو كراهة للاستعمال للضرر ، إلى تحريم نهائي ، إذ لم يكن هناك إيهام فيحتاج إلى بيان ، ولا إبهام فيحتاج إلى تصريح « بل بمعنى أن الآيات تدرجت في النهي عنها بالتحريم على وجه عام وذلك قوله « والإثم » ثم

____________

(1) الطباطبائي ، الميزان : 4 / 361 ، وانظر مصدره.

(2) المائدة : 90 ـ 91.

98

بالتحريم الخاص في صورة النصيحة : ( قُلْ فِيهِمَا إِثمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا ).

وقوله تعالى : ( لاَ تَقرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُم سُكَرَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) إن كانت الآية ناظرة إلى سكر الخمر لا إلى سكر النوم ، ثم بالتحريم الخاص بالتشديد البالغ في آيتي المائدة » (1).

والآية الأولى من سورة المائدة إعتبرت الخمر رجساً من عمل الشيطان الخاص به ، وعمل الشيطان يدعو إلى الضلال ، وأكدت ذلك « بإنما » حصراً ، وطلبت الاجتناب أمراً ، وعلقت على هذا الاجتناب رجاء الفلاح والسعادة الأبدية ، وعقبت ذلك بأن الشيطان في رجسه هذا يريد إيقاع العداوة والبغضاء بين بني البشر ، ويصد الناس عن ذكر الله ، وختم ذلك بقوله : « فهل أنتم منتهون » دلالة على أن طائفة من المسلمين لم ينتهوا عن شرب الخمر وسواها حتى قرعوا بهذا الإستفهام الإنكاري تأنيباً وتوبيخاً.

والحق أن تحريم الخمر على هذا النمط من التدرج تقتضيه طبيعة المناخ الجاهلي والبيئة العربية لارتباطهما بالخمرة أدبياً وإجتماعياً وتجارياً مما يقتضي التدرج من الصعب إلى الأصعب فقد كان شعر الخمر شائعاً في العصر الجاهلي يتغنى به وتحيا به الأندية والمحافل ، وكانت المقدمة الخمرية متعارفة في التناول والتدوال والايقاع الفني ، ولا أدل على ذلك من مطلع معلقة عمرو بن كلثوم : (2)

ألا هبي بصحنك فأصبحينا --ولا تبقي خمور الاندرينا

على أن النماذج المروية لنا في الخمرة قليلة بالنسبة لغيرها ، والتعليل لهذه الظاهرة أن الاسلام حينما حرم الخمر إمتنع الرواة من رواية الشعر المتمثل لها وبها.

ومن جهة أخرى فإن الخمرة مرتبطة بالسلوك الاجتماعي والمسيرة العرفية في المحفل الجاهلي لدى التشريفات والسهرات تقديماً ومعاقرة وإستئناساً ، ولذا كان الاقلاع عنها ـ والإسلام قريب عهد بالجاهلية ـ يدعو

____________

(1) الطباطبائي ، الميزان : 6 / 117.

(2) الزوزني ، شرح المعلقات السبع : 165.

99

إلى تغيير العادات والتقاليد الموروثة مما يقتضي جهداً مضاعفاً ، وعملاً مرناً في معالجة الموضوع ، فكان التدرج في التحريم وسيلة لذلك.

وهناك عامل مهم يرتبط بالمناخ الاقتصادي لقريش ، فلقريش رحلتان مهمتان للتجارة صيفاً وشتاءً ، وكان الخمر إحدى مفردات هذه التجارة ، فهو مرتبط بأرزاق القوم إرتباطاً وثيقاً ، وكل أمر يصطدم بالرزق يستدعي الرفض والمجابهة ، قال تعالى :

( لإِيلاَفِ قُرَيشٍ (1) إِلاَفِهِم رِحلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيفِ (2) فَليَعبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيتِ (3) الَّذِي أَطعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَءَامَنَهُم مِّن خُوفٍ (4) ) (1).

لذلك كان التدرج في التحريم ضرورةً تقتضيه مرحلية هذا المناخ ، فكان التحريم متدرجاً من الشديد إلى الأشد.

وقد ظهر ممّا تقدم حرمة الخمر حرمة تشريعية قد بدأت في مكة حينما حرم الاثم في آية الأعراف. وفي آية النحل وهي مكية أيضاً إيماء إلى أن السَكَر ليس من الرزق الحسن ، إذ هي لا تتضمن حكماً تكليفياً بل هي في مقام تعداد ما يتخذ من مشتقات النخيل والأعناب طيباً أو غير طيّب ، حسناً أو غير حسن ، سواء أكان ذلك المتخذ من الطيبات أو من الخبائث.

وفي آية البقرة ـ وهي أول سورة مدنية ـ ظهر أن في الخمر إثماً ، وأن إثمه أكبر من نفعه ، وأن التشديد في أداء الصلاة بطهارة نفسية وروحية متكاملة يقتضي الأستمرار في عدم تناول المسكر كما في آية النساء :

( يَا أَيُّهَا آلَّذِينَ ءَامَنُوا لاَ تَقرَبُوا الصَّلاَةَ وَأَنتُم سُكَرَى حَتَّى تَعلَمُوا مَا تَقُولُونَ ) (2).

وفيها إشارة إلى أن بعض المسلمين لم يكونوا قد إنتهوا من شرب الخمر ، فهم يعاقرونها مع أدائهم الصلاة.

وقد إنتهى هذا الأمر بالتشديد في التحريم مع التوبيخ والزجر والتعنيف في آيتي المائدة.

____________

(1) قريش ، الايلاف : 1 ـ 4.

(2) النساء : 43.

100

ومن خلال هذه الآيات البينات يخلص لنا أن الخمر كما في بعض الروايات « أم الكبائر » وذلك لضررها الفادح الذي يعيث في كيان الفرد والمجتمع معاً ، ويجعل كلاً منهما مترهلاً كسيحاً لا ينتفع منه بشيء.

وإذا تجاوزنا القرآن العظيم إلى الحديث الشريف ، رأيتَ الأمر هائلاً في تحريم الخمر ، وبيان السلبيات ، والنذير الصارخ بإعتبارها من أفظع المآثم ، وقد أحصيت في كتاب الوسائل وحدها أكثر من مئتين وخمسين حديثاً تعالج تحريمها وبيعها وشرائها وأحكامها وأقسامها ومتعلقاتها مما تقف معه أكثر إندهاشاً وأعمق تعجباً (1).

1 ـ ففي وصية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمير المؤمنين (عليه السلام) ، قال : « يا علي شارب الخمر كعابد وثن » (2).

2 ـ وعن الإمام الصادق (عليه السلام) ، قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « مدمن الخمر يلقى الله كعابد وثن » (3).

3 ـ وقيل لأمير المؤمنين (عليه السلام) : إنك تزعم أن شرب الخمر أشد من الزنا والسرقة!! قال : نعم.

« إن صاحب الزنا لعله لا يعدوه إلى غيره ، وإن شارب الخمر إذا شرب الخمر زنا وسرق ، وقتل النفس التي حرم الله ، وترك الصلاة » (4).

4 ـ وعن الإمام الصادق (عليه السلام) ، قال ، قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) : « من شرب خمراً حتى يسكر لم يقبل منه صلاته أربعين يوماً » (5).

5 ـ وعن الإمام محمد الباقر (عليه السلام) : « أما الخمر فكل مسكر من الشراب إذا أخمر فهو خمر ، وما أسكر كثيره ، فقليله حرام » (6) ، رداً على من اعتبر قليل الخمر حلال ، كما فعل وعّاظ السلاطين لطواغيت العصور.

____________

(1) ظ : الحر العاملي ، وسائل الشعية : 17 / 221 ـ 307.

(2) المصدر نفسه : 17 / 252.

(3) المصدر نفسه : 17 / 255.

(4) المصدر نفسه : 17 / 252.

(5) المصدر نفسه : 17 / 238.

(6) المصدر نفسه : 17 / 222.

101

6 ـ وقد تحدث الإمام الصادق في مقام إكمال الشرائع فآعتبر تحريم الخمر أصلاً فيها ، وقال : « ما بعث الله نبياً قط ، إلا وقد علم الله أنه إذا أكمل له دينه كان فيه تحريم الخمر ، ولم تزل الخمر حراماً » (1).

7 ـ وعن الإمام الصادق (عليه السلام) : « إن الله حرّم الخمر بعينها ، فقليلها وكثيرها حرام ، كما حرّم الميتة والدم ولحم الخنزير » (2).

8 ـ وقد وردت البشارة العظمى على لسان الإمام الصادق (عليه السلام) لمن ترك المسكر في ذات الله ، فقال : « من ترك المسكر صيانة لنفسه سقاه الله من الرحيق المختوم » (3).

إن السنة الشريفة شارحة للقرآن ، ومفصلة لمجمله ، ومبينة لإبهامه ، وفيما تقدم من الأحاديث غنية لمن ألقى السمع وهو شهيد.

بعد هذا يمكننا أن نتحدث عن بعض أضرار الخمر في ضوء قوله تعالى : « وإثمهما أكبر من نفعهما » على الوجه الآتي : الضرر فيما يبدو على أنواع ، نوجز الكلام حولها :

1 ـ الضرر الاجتماعي ، وذلك أن شارب الخمر هو عضو في الهيئة الانسانية ويمثل جزءاً من هذه البنية القائمة على أساس التعارف والإجتماع ، إلا أن هذا الجزء قد أصبح مشلولاً في الفكر والحركة ، بعيداً عن الأحساس والعقل السليم ، همته ملذاته وشهواته ، ووكده نشوته وإنفعالاته ، والمجتمع الإنساني متكافل في الحقوق والواجبات ، وشارب الخمر لا يعطي من نفسه الحق ، ولا يقوم بواجبه تجاه الآخرين ، وما ذاك إلا أنه انحرف عن المسرى الصحيح ، وأتخذ له طريقاً يبتعد به عن مجتمع الطهر والشرف ، وإقترب من مجتمع الرجس والآثام ، وإذا توافر هذا النموذج المنحرف في هذا الكيان الإجتماعي ، ذاب المجتمع ، وتهرأت أوصاله في خضم الشهوات الموبقة والذنوب المهلكة.

____________

(1) الحر العاملي ، وسائل الشيعة : 17 / 237.

(2) المصدر نفسه : 17 / 259.

(3) المصدر نفسه : 17 / 239.

102

2 ـ الضرر الأسري : شارب الخمر في أسرته يرشح هذه الأسرة لاقتراف هذه الكبيرة الموبقة ، ورب الأسرة هو الشاخص الماثل في كيان الأسرة ، يقتدى به ، وينظر إلى تصرفاته ، وفي الأسرة الزوج والولد والأخ ، فأما أن يقتدوا بعمله ، وذلك ما يفتت جسم هذه الأسرة وينذرها بالفناء ، وإما أن يتمردوا عليه ، فيصبح شريداً منبوذاً ، وبذلك أيضاً يتفكك التركيب الأسري ، ويركب كل طريقه دون توجيه ، والحديث يقول : « كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته » فأين هي المسؤولية هنا ، ورب الأسرة في الهوة الدنيا من الانحراف الاخلاقي ، والأسرة متشرذمة في هذا الجو القاتم.

3 ـ الضرر الفردي : ويتمثل في جناية المرء على نفسه ، وتدهوره صحياً وخلقياً وعقلياً ونفسياً ومالياً ، وهذا مما سنقف عنده قليلاً :

أ ـ الضرر الصحي ، وأطباؤنا أعرف بهذا الضرر على المرء في أمراض شتى ، لعل من أبرزها : أمراض المعدة والكبد والطحال والعيون والأعصاب ؛ أضف إلى ذلك ما تتأثر به الجينات الوراثية ، وما يورثه الأب للأبناء من الاصابات الخطيرة ، حيث ثبت أن ذرية معاقري الخمرة أكثر تعرضاً للأمراض ، والأمراض تشيع فيهم تأصلاً دون غيرهم من الأبناء من ذرية غير المدنيين.

ب ـ الضرر الخلقي ، هناك إنحراف في أخلاقية المتناول للخمر ، فالفحش والبذاء وهما محرمان في الشريعة الإسلامية ملازمان له في الأغلب ، والتطاول على الآخرين بالكلم النابي ، والحديث الفج ، والسليقة المعوجة ، والترهل في التصرفات ، والامبالاة في القول والعمل ، وكل أولئك مما تتقاصر معه الأخلاق ، وتتدانى به التقاليد والأعراف ، وتتآكل فيه بنية الهرم الإنساني فيسود الغضب والاعتداء ، وتتحكم الأنانية والأثرة بأسوأ صورهما.

جـ ـ الضّرر العقلي : لا ريب أن معاقرة الخمر مما يفتقد معها العقل كلاً أو جزءاً ، فإذا فقد كلاً فقد خرج المرء عن دائرة بشريته ، وإذا فقد جزءاً ، فهو تضييع للجوهرة الانسانية الفريدة التي وهبها الله لهذا المخلوق دون سائر مخلوقاته « ولقد كرمنا بني آدم ».

103

وإضاعة هذا التكريم إضاعة لأغلى هبة منحها الله لعبده ، والعقل هو مناط التكليف ، وبه تتقدم البشرية ، وتتفاضل المجتمعات الراقية ، وضياع هذا العقل في قارعة الطريق بين موائد الخمر ومباذل الشهوات إجهاز فعلي على إبراز مقومات الروح الانساني.

د ـ الضرر النفسي : وتبدو الآثار النفسية بأبشع صورها عند شاربي الخمور ، وأبرزها الخمول الذهني ، والوهن العصبي ، والتقوقع على الذات ، وفقدان السيطرة على الإرادة ، يلوح عليه التردد ، ويصاحبه الفشل والخذلان ، يتوقع التهرب من الواقع السيء ليقع في واقع أسوأ ، كمن يطفىء النار بالحطب.

لقد صورت الحضارة الغربية للشبان أن التخلص من مشكلات الحياة مقترن بشرب الخمور ، وأن التغلب على مكاره الدهر يكمن في حب الشهوات ، وكلا العلاجين المزعومين لا نصيب لهما من الصحة ، بل على العكس تماماً ، فهو يفرّ من الهموم ليقع في الغموم ، وهو ينفس عن الكربات بأسوأ منها من الموبقات.

هـ ـ الضرر المالي ، ويتمثل بهذا النوع من العبث والاسراف بالمال دونما وضعه في موقعه المشروع الذي يراد منه وله ، والمرء يسأل غداً عن ماله ممّ إكتسبه ، وفيم أنفقه ، فلا يجوز التكسب بالحرام بيعاً وشراء ، والتصرف ببيع الخمور وشرائها من الحرام ، وهو محرم حرمة تشريعية ، وتترتب عليها أحكام فقهية. يقول الشيخ الأنصاري ( ت : 1281 هـ ).

« يحرم التكسب بالخمر مسكر مائع إجماعاً نصاً وفتوى » (1). ويقول السيد السيستاني مدّ ظله العالي : « لا يجوز التكسب بالخمر ، وباقي المسكرات المائعة ... ولا فرق بين أنواع التكسب من البيع والشراء وجعلها ثمناً في البيع ، وأجرة في الإجارة ، وعوضاً عن العمل في الجعالة ، وغير ذلك من أنحاء المعاوضة عليها ، وفي حكم ذلك جعلها مهراً في

____________

(1) الأنصاري ، المكاسب : 1 / 116.

104

النكاح ، وعوضاً في الطلاق الخلعي ، وكذا هبتها والصلح بلا عوض على الأظهر » (1).

ومع هذا التفصيل عند السيد السيستاني فقد ذهب إلى أكثر من هذا كله ، فقال « يحرم بيع العنب ليعمل خمراً ، وكذا تحرم ولا تصح إجارة المساكن لتباع فيها الخمر ، أو تحرز فيها ، وكذا تحرم ولا تصح إجارة السفن أو الدواب وغيرها لحمل الخمر ، والأجرة في ذلك محرمة » (2).

وهذه الفتاوى المدويّة في تحريم بيع وشراء الخمور ومتفرعاتها ، مستنبطة من أدلتها الشرعية في ضوء الروايات الصحيحة متناً وسنداً كما في الكافي للكليني ، ومن لا يحضره الفقيه للصدوق ، والتهذيب والاستبصار للطوسي ، والوسائل للحر العاملي في باب المكاسب المحرمة ، وهي مناقشة علمية رصينة في كتب الفقه الاستدلالي.

بقي أن نقول : إن الخمر قد حرمت لإسكارها ، فما كان مسكراً فهو حرام ، كالويسكي والبراندي والبيرة وبقية المشروبات المادية التي تسمى جزافاً بالمشروبات الروحية لأنها ترتبط بالمادة ، ولا علاقة لها بالصفاء الروحي على الإطلاق ، ولكنها المفاهيم الغربية التي فرضت شهرتها على الشرق.

هذه الحرمة مبتنية على قاعدة أصولية يذهب بها الإمامية ، وهي القول بقياس منصوص العلة ، فإن علة تحريم الخمر هو الاسكار ، فكل مسكر إذن حرام ، مهما تعددت أسماؤه ، واختلفت تركيباته.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

-النجف الأشرف / 28 شعبان المعظم 1418 هـ 29 / 12 / 1997 م

الدكتور محمد حسين علي الصغير

____________

(1) السيستاني ، منهاج الصالحين : 2 / 5.

(2) المصدر نفسه : 2 / 9