ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
53

هذا العموم فهو كلام آخر لا مدخل له فيما ذكرته من المناقشة المقتضية لرميها بالإجمال المسقط للاستدلال.

فالحقّ أن يقال: إنّ الرواية بملاحظة ورودها مورد الإهمال، بإرادة المهملة في إحدى قضيّتيها الّتي هي في قوّة الجزئيّة محتملة لوجوه كثيرة، تبلغ إلى ستّة عشر وجها، حاصلة بملاحظة الأربع الجارية في الصدر، من جهة احتمالي التخفيف و التشديد، في احتمالي المعلوم و المجهول في نفس تلك الأربع الجارية في الذيل.

و لا ريب أنّ كلّا من تلك الوجوه- مع ملاحظة ما ذكرناه من قرينة المقام- ممّا يصحّ إرادته من دون أن ينشأ منه محذور، غاية ما في الباب أنّها في بعض تلك الوجوه تصير من أدلّة مطهّريّة الماء، و في بعضها الآخر تصير من أدلّة طهارته أو قبوله الطهارة بعد ما تنجّس، و المفروض كون كلّ من الحكمين مطلوبا في المسألة، فعلى أيّهما دلّت كانت دالّة على ما هو المقصود، و إن كانت دلالتها على الحكم الأوّل- على تقدير الحمل على الوجوه المناسبة له- دلالة على تمام المقصود، و لو من جهة اعتبارها تارة من حيث المطابقة، و اخرى من حيث الالتزام، و عليك باستخراج تلك الوجوه مفصّلة، و استفادة المعنى عن كلّ وجه على حسب ما يقتضيه القواعد العرفيّة في مثل هذه الهيئة التركيبيّة.

و إن شئت نشير إلى بعض تلك القواعد، لتكون بمراعاتها على بصيرة و تدبّر، فلو قيل لأحد: «احبّ مجيئك إيّاي، و لا احبّ مجيئك إيّاي»، فإنّما يقال به و بنظائره عرفا في كلّ موضع يكون موضوع القضيّة ذا حيثيّتين، تعلّق به الإيجاب بالنظر إلى إحداهما و السلب بالنظر إلى الاخرى، على نحو يكون مفاد المثال المذكور فرضا: «أنّي احبّ مجيئك لأنّي مشتاق إلى لقائك، أو لأن أتبرّك بحضورك»، و نحو ذلك ممّا يمكن فرضه، «و لا احبّ مجيئك لأنّه تعب عليك، أو مانعك عمّا هو أهمّ لك» و نحو ذلك، و على هذا القياس باعتبارات شتّى ما لو قيل: «زيد يأكل و لا يأكل»، «يشتغل و لا يشتغل»، «يعطي و لا يعطي»، و ما أشبه ذلك إلى ما لا يعدّ و لا يحصى، كما يظهر لمن تأمّل في العرفيّات.

فحينئذ لو حملنا الصدر و الذيل في الرواية على كونهما معلومين مشدّدين كان الحكمان المختلفان من جهة اختلاف الحيثيّة في أصل الموضوع، و ذلك الاختلاف إمّا باعتبار اختلاف مواضع التطهير، فإنّ منها ما يقبله و منها ما لا يقبله، أو من جهة اختلاف

54

كيفيّات التطهير، فإنّ كلّ كيفيّة قرّرها الشارع تطهّر، و كلّ كيفيّة يخالفها لا تطهّر، أو باعتبار اختلاف الخصوصيّات العارضة للماء من الخارج، كالإباحة و الغصبيّة بالقياس إلى رفع الحدث، فإنّ المباح يرفعه و المغصوب لا يرفعه، و هكذا إلى آخر ما فرض، هذا على احتمال التشديد فيهما و مثله تجري على احتمال التخفيف فيهما.

فحينئذ إمّا أن يرجع الطهر و عدمه إلى نفس الماء فلا حذف معه، أو إلى شيء آخر بواسطته فيلزمه الحذف، و يكون المعنى: «الماء يطهّر به الشيء و لا يطهّر به الشيء»، فعلى الاحتمالين يجري فيهما من القاعدة نظير ما فرضناه فلاحظ، و افرض ما شئت هذا على قراءة المعلومين، و كذلك على قراءة المجهولين مع التشديد أو التخفيف، و أمّا على الاختلاف في المعلوميّة و المجهوليّة فمفاد القضيّة عرفا نظير ما تقدّم الإشارة إليه عنهم في دفع الإيراد الأوّل على الرواية.

هذا مضافا إلى ما أشرنا إليه سابقا، بناء على هذا الاحتمال من كون ذلك لبيان اختلاف النسبة في الحقيقيّة و المجازيّة، و لكنّه مبنيّ على فرض الأوّل مجهولا و الثاني معلوما كما عرفت، فإنّ النسبة في الأوّل حقيقيّة و في الثاني مجازيّة واردة من باب الإسناد إلى السبب بتقريب ما تقدّم، مع ما يحتمل في عكس هذا الفرض من كون القضيّة في الثاني من باب السالبة المنتفية الموضوع، مرادا بها بيان طهارة الماء بحسب الخلقة الأصليّة، فليس ينجّس حتّى يطهّر أو يحتاج (1).

و بالجملة: فلا إشكال في مفاد الرواية من حيث اشتمالها على النفي و الإثبات الواردين على موضوع واحد، فلا وجه لرميها بالإجمال من هذه الجهة، كما لا وجه للحكم عليها بالمطروحيّة كما في رياض السيّد (2).

و أمّا الإشكال من جهة اخرى، كقصورها عن إفادة العموم في أفراد الماء- على فرض توجّهه- فهو شيء آخر غير ما ذكروه.

ثمّ لا يذهب عليك أنّ ما عرفت من الأدلّة على مطهّريّة الماء حتّى- آية الطهور إن تمّت دلالتها- فإنّما تنهض دليلا على نفس المطهّريّة و لو في جميع أفراد الماء، و أمّا

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) رياض المسائل 1: 133.

55

موضع التطهير و ما يرتفع به من النجاسة و كيفيّته و شروطه و آدابه فتبقى مستفادة من الخارج؛ لكون تلك الأدلّة ساكتة عن التعرّض لها نفيا و إثباتا، و ورودها مورد حكم آخر، فلو شكّ حينئذ في شيء أنّه هل يقبل التطهير بالماء كالأدهان المتنجّسة؟ أو في نجاسة أنّها هل ترتفع بالماء وحده كولوغ الكلب؟ أو في تطهير نجاسة أنّه هل يعتبر فيه التعدّد كالبول؟ أو يعتبر فيه النيّة أو إباحة الماء أو المباشرة؟ كغسل الثوب للصلاة، فلا يمكن التمسّك لاستعلامه بالآية و لا غيرها عموما و لا إطلاقا، إذ لم يؤخذ شيء ممّا ذكر عنوانا فيها، فلا يعقل معه بالنسبة إليه حينئذ عموم أو إطلاق، و إنّما الّذي عنون في صريح تلك الأدلّة هو حكم المطهّريّة القائمة بالماء، و العموم بالقياس إليه ثابت، فحينئذ لو شكّ في فرد من أفراده بعد إحراز الفرديّة و صدق الاسم عليه أنّه هل يصلح لكونه مطهّرا و رافعا للخبث أو الحدث- كالماء المستعمل في رفع الحدث من وضوء أو غسل، أو في رفع الخبث كما في الاستنجاء على القول بعدم انفعاله، كما هو المجمع عليه بشروطه الآتية- يحكم بصلوحه له، استنادا إلى عموم الآية أو إطلاقها أو غيرها من الأدلّة المتقدّمة بلا إشكال فيه و لا شبهة تعتريه.

فتقرّر عندنا بما أثبتناه من الحكمين قاعدتان كلّيّتان يجدي الرجوع إليهما في مواضع الشك و الشبهة، إحداهما: طهارة الماء بجميع أفراده عدا ما خرج منها بالدليل، و اخراهما: مطهّريّته كذلك إلّا ما أخرجه الدليل، فليكن ذلك على ذكر منك ليجديك في كلّ موضع وجدتنا نتمسّك بالأصل على الطهارة أو المطهّريّة في شيء، فإنّ مرادنا به إنّما هو إحدى القاعدتين.

***

56

ينبوع [في التغير]

ما عرفت من الحكمين الكلّيّين إنّما يلحقان الماء ما دام باقيا على خلقته الأصليّة و صفاته الأوّليّة كما تقدّم الإشارة إليه، و السرّ في هذا القيد أنّه قد يطرئه بعنوانه الكلّي على النهج المتقدّم من غير استثناء شيء ما يقابل الحكمين لعارض التغيّر من جهة النجاسة، فيحكم بنجاسته حينئذ و عدم صلوحه للمطهّريّة إلى أن يثبت لها مزيل شرعي، و كان ذلك أصل ثانوي ورد على الأصل الأوّلي الدائر بين الحكمين، و لا تعارض بينهما لورود كلّ موضوعا غير موضوع الآخر كما عرفت، و فائدتهما أنّه لو شكّ في نجاسة فرد من المتغيّر يلحق بالثاني لانتفاء موضوع الأوّل، كما أنّه لو شكّ في فرديّة شيء للمتغيّر يلحق بالأوّل لعدم كون موضوع الثاني محرزا، و كيف كان فتحقيق القول في هذا العنوان يستدعي رسم مطالب:

المطلب الأوّل: إذا تغيّر الماء مطلقا بسبب النجاسة في أحد أوصافه الثلاثة، أعني اللون و الطعم و الرائحة،

فقال الأصحاب- قولا واحدا في الجملة-: بأنّه ينجّس، و عليه نقل الإجماعات فوق حدّ الكثرة، و في الدلائل (1): «كونها فوق حدّ الاستفاضة»، و في الجواهر (2): «أنّها كادت تكون متواترة»، و في الحدائق (3): «نفي الخلاف و الإشكال عنه»، و في [حاشية الإرشاد (4)]: «لا خلاف فيه»، و في الرياض (5): «بالإجماع

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) جواهر الكلام 1: 190.

(3) الحدائق الناضرة 1: 178.

(4) و في المصدر [حد]. و المظنون أنّ المراد منه حاشية الارشاد كما أثبتناه في المتن، و لكنّا.

(5) رياض المسائل 1: 133.

57

و النصوص المستفيضة العاميّة و الخاصّيّة»، و في المنتهى (1): «أنّه قول كلّ من يحفظ عنه العلم»، و عن المعتبر (2): «أنّه مذهب أهل العلم كافّة»، و عن السيّد في الناصريّات (3):

«إجماع الشيعة عليه»، و في [حاشية الإرشاد]: «الأخبار في الأخيرين متواترة و في الأوّل مستفيضة»، و ممّا يؤيّد الإجماع أنّ المسألة غير معنونة في مختلف العلّامة مع أنّه موضوع لذكر خلافيّات الشيعة.

و بالجملة: لا يعرف فيه خلاف لا من العامّة و لا من الخاصّة، عدا ما يظهر من سيّد المدارك من التشكيك في الأوّل في مسألة عدم انفعال البئر بالملاقاة، محتجّا عليه بما يأتي من قول الرضا (عليه السلام): «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه» (4)، فقال- في جملة أجوبته عن الاعتراض على الحجّة المذكورة بأنّ الحصر المستفاد منه متروك الظاهر، للقطع بنجاسة الماء مطلقا بتغيّر لونه-: «و ثانيا: بأنّا لم نقف في روايات الأصحاب على ما يدلّ على نجاسة الماء بتغيّر لونه، و إنّما الموجود فيها نجاسته بتغيّر ريحه أو طعمه كما في صحيحتي أبي خالد القمّاط (5)، و حريز بن عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام) (6)، و ما تضمّن ذلك عامّي مرسل، فإن لم يثبت ما ذكرناه من الملازمة أو الأولويّة أمكن المناقشة في هذا الحكم» (7).

و قوله: «ما تضمّن ذلك عاميّ مرسل» يشير به إلى ما يأتي من النبوي المرسل- المدّعى انجباره بالعمل-: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (8)، و مراده بالملازمة و الأولويّة ما أشار إليهما أوّلا:- في جملة الأجوبة عن الاعتراض المذكور-: «من أنّ تغيّر اللون مقتض لتغيّر الطعم، و مع ثبوت الملازمة ينتفي المحذور، أو يقال: إنّه إذا ثبت نجاسة الماء بتغيّر طعمه أو ريحه وجب القطع

____________

(1) منتهى المطلب 1: 20.

(2) المعتبر: 8.

(3) المسائل الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 135).

(4) التهذيب 1: 234/ 676، الاستبصار 1: 33/ 87، الوسائل 1: 127، باب 14 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(5) التهذيب 1: 40/ 112، الاستبصار 1: 9/ 10، الوسائل 1: 103 ب ... من أبواب الماء المطلق/ 4.

(6) الكافي 3: 3/ 4، التهذيب 1: 216/ 625، الاستبصار 1: 12/ 19، الوسائل 1: 102 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(7) مدارك الأحكام 1: 57.

(8) عوالي اللآلي 3: 9/ 6.

58

بنجاسته بتغيّر لونه لأنّه أظهر في الانفعال» (1).

و تبعه بعده في تلك المقالة شيخنا البهائي في كلام محكيّ عنه في حبل المتين، فقال: «و ما تضمّنه الحديث الثاني و الثالث- يعني بهما الصحيحتين اللتين أشار إليهما السيّد من نجاسة الماء بتغيّر ريحه أو طعمه بالنجاسة- ممّا لا خلاف فيه، و يدور على ألسنة الأصحاب أنّ تغيّر لونه أيضا كذلك؛ و لم أظفر به في أخبارنا صريحا، و ما ينقل من قوله (صلى الله عليه و آله): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2)، فخبر عامّي مرسل».

ثمّ قال: «و لو قيل إنّ تغيّر اللون بذي طعم أو ريح لا ينفكّ عن التغيّر بأحدهما لم يكن بعيدا، بل ربّما يدّعى أنّ انفعال الماء بلون النجاسة متأخّر في المرتبة عن انفعاله بريحها أو طعمها فاستغنى بذكرهما عن ذكره» (3).

و تبعهما في ذلك كلّه المحقّق الخوانساري في شرح الدروس، حيث قال: «و اعلم أنّ الروايات المتقدّمة خالية عن التعرّض للّون، سوى رواية العلاء بن الفضيل (4)، فإنّها بمفهومها تدلّ على نجاسته بتغيّر اللون، لكنّها ضعيفة بمحمّد بن سنان، و نقلوا رواية عن الجمهور أيضا متضمّنة لذكر اللون و لا يصلح أيضا للتعويل، و ذكر بعضهم أنّ تغيّر الريح و الطعم أسرع من تغيّر اللون، إذ لا ينفكّ تغيّر اللون عن تغيّرهما، فلا ثمرة في التعرّض له و وجهه غير ظاهر، و قد يستنبط اعتبار اللون من قوله (عليه السلام)- في صحيحة حريز المتقدّمة-: «فإذا تغيّر الماء أو تغيّر الطعم» (5)، و فيه: أيضا إشكال، و قد يتمسّك فيه بما قاله ابن أبي عقيل: أنّه قد تواتر عن الصادق و عن آبائه (عليهم السلام): أنّ الماء طاهر لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (6)، و الظاهر أنّ انضمام هذه الامور بعضها مع بعض مع اعتضادها بالإجماع يكفي في الحكم» الخ (7).

____________

(1) المدارك 1: 57.

(2) عوالي اللآلي 3: 9/ 6.

(3) الحبل المتين: 106.

(4) الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق/ 7- التهذيب 1: 415/ 1311- الاستبصار 1: 22/ 53.

(5) الكافي 3: 3/ 4- التهذيب 1: 216/ 625- الاستبصار 1: 12/ 19- الوسائل 1: 102 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(6) نقله عنه في مختلف الشيعة 1: 177.

(7) مشارق الشموس: 203.

59

و محصّل ما أفاده (رحمه الله) أنّه وافق السيّد و الشيخ في القدح في سند النبويّة المرسلة، فأشار إليه بقوله: «و نقلوا رواية عن الجمهور أيضا متضمّنة لذكر اللون و لا يصلح أيضا للتعويل»، و خالفهما في استظهار الحكم ممّا ذكره أخيرا، و حذا حذوه صاحب الحدائق و إن خالفه في الاستناد للحكم إلى جملة من أخبار أصحابنا، فإنّه بعد ما نقل كلام السيّد المتقدّم في القدح على سند الرواية المتقدّمة، قال: «و الحقّ أنّه كذلك، فإنّا لم نقف عليه في شيء من كتب أخبارنا بعد الفحص التامّ، و بذلك صرّح أيضا جمع ممّن تقدّمنا» (1).

و بالجملة: فهؤلاء الأجلّاء متّفقون على القدح في الرواية المذكورة و إن اختلفوا في المذهب، فالأخيران وافقا المعظم في أصل الحكم، غير أنّ الأوّل منهما قال به على سبيل الظنّ، و الثاني على سبيل الجزم كما لا يخفى على من لاحظ عبارته في الحدائق، و أمّا الأوّلان فظاهر هما إنكار أصل الحكم.

و يمكن أن يقال: بأنّ السيّد لا يظهر منه المخالفة بناء على ما ادّعاه من الأولويّة، و إن كان ما قرّره من الملازمة يدعوه إلى المخالفة، و كيف كان فقد تقرّر بجميع ما ذكر أنّ هاهنا كلامين:

أحدهما: دعوى الملازمة بين تغيّر اللون و غيره، و بعدها دعوى الأولويّة اللتين عرفتهما من السيّد، و وافقه شيخنا البهائي على الاولى، و إليهما ينظر ما في الحدائق من قوله: «و لعلّ السرّ في اشتمال أكثر الأخبار على التغيّر الطعمي أو الريحي دون اللوني أنّ تغيّر الطعم و الريح أسرع من تغيّر اللون، إذ لا ينفكّ تغيّر اللون من تغيّرهما، و لا ثمرة في التعرّض له حينئذ» (2).

و ثانيهما: الطعن على سند النبوي المشار إليه، و ينبغي النظر في صحّة هذين الكلامين و سقمهما.

أمّا الملازمة: فغاية ما يمكن أن يقال في تقريرها- على وجه يكون عذرا لخلوّ الأخبار أو أكثرها عن التعرّض لذكر تغيّر اللون-: أنّ تغيّر اللون بالقياس إلى أخويه بمنزلة الخاصّ في مقابلة العامّ، فبينه و بينهما عموم و خصوص مطلق و لكن من حيث

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 180.

(2) الحدائق الناضرة 1: 181.

60

المورد لا المفهوم؛ فإنّ تغيّر اللون حيثما وجد فقد وجد معه تغيّر الطعم و الرائحة أيضا، فهو لا ينفكّ عنهما بخلافهما لانفكاكهما عنه، فلهما فردان، أحدهما: ما اقترن منهما مع تغيّر اللون، و ثانيهما: ما انفكّ منهما عن تغيّر اللون.

فإذا اريد بهما في الأخبار ما يعمّ القسمين كان تغيّر اللون ممّا استغنى عن ذكره، كما أنّ ذكر العامّ ممّا يستغني به عن ذكر الخاصّ لتناوله الخاصّ و غيره.

و فيه أوّلا: أنّه ينافي فتاوي الأصحاب الظاهرة بل الصريحة في استقلال كلّ من الثلاثة في السببيّة لتنجّس الماء.

و توضيح ذلك: أنّ تغيّر الطعم و الريح إذا صادفهما تغيّر اللون أيضا فإمّا أن يستند السببيّة إلى المجموع على نحو الشركة، أو إلى تغيّر الطعم و الريح فقط و كان تغيّر اللون كالحجر في جنب الإنسان، أو إلى تغيّر اللون وحده و كان تغيّر الطعم و الريح كما ذكر، و لا سبيل إلى شيء منها.

أمّا الأوّل: فلمنافاته أوّلا: صريح فتاوي الأصحاب في الدلالة على كون كلّ سببا مستقلّا.

و ثانيا: لما يراه مدّعي الملازمة من كون تغيّر الطعم و الريح مستقلّين في السببيّة، و لذا يقول بجواز انفكاكهما عن تغيّر اللون.

و أمّا الثاني: فلمنافاته صريح الفتاوي.

و أمّا الثالث: فلمنافاته صريح الفتاوي، و ما يراه مدّعي الملازمة.

و ثانيا: منع كون النسبة بينه و بينهما كما ذكر، بل الّذي يقتضيه التدبّر: أنّ بين كلّ مع الآخر عموم من وجه، فإنّ النجاسات مختلفة في الاشتمال على الأوصاف الثلاثة وحدانيّا و ثنائيّا و ثلاثيّا، و الصور المتصوّرة سبع، فإنّ منها ما هو ذو اللون فقط، و منها ما هو ذو الطعم فقط، و منها ما هو ذو الرائحة فقط، و منها ما هو ذو اللون و الطعم دون الرائحة، و منها ما هو ذو اللون و الرائحة دون الطعم، و منها ما هو ذو الطعم و الرائحة دون اللون، و منها ما هو ذو اللون و الطعم و الرائحة، فكلّ يفترق عن صاحبه، و أكثر تلك الصفات تتلاحق البول باختلاف أحواله على ما هو المشاهد، و أظهر أفراد افتراق ذي

61

اللون عن ذي الطعم و الرائحة إنّما هو في الدم، إذ ليس فيه طعم و رائحة فاحشين على وجه يستدعي استناد التغيّر إليهما، بل الغالب فيه التغيّر اللوني.

فحينئذ إمّا أن يقال: بأنّه كالمتغيّر في سائر الصفات غير الثلاثة من الحرارة و البرودة و نحوهما فلا حكم له في إيراث النجاسة، أو أنّ الشارع قد أهمل فيه حيث لم يتعرّض لذكره فيما بين أقسام ما يوجب نجاسة الماء من التغيّر، و لا يصغى إلى شيء من ذلك، مع منافاته لدعوى الملازمة.

و أمّا ما قرّره السيّد من الأولويّة فهو أهون من الملازمة المدّعاة، إمّا لمنع أصل الأولويّة، أو لمنع اعتبارها لكونها ظنّيّة، و ذلك لأنّه لو أراد بكون تغيّر اللون أظهر في الانفعال كونه أظهر في نظر الحسّ.

ففيه: أنّ الانفعال ممّا لا يدرك بالحسّ، إلّا أن يراد به الانفعال الوصفي، فيدفعه: أنّه ليس بأظهر من انفعال الرائحة بل الطعم أيضا، و لو أراد به كونه أظهر في نظر العقل، فمع أنّه ممنوع لا عبرة به، لعدم جزم العقل به فيكون ظنّيّا، و هو لا يوجب إلّا أولويّة ظنّيّة و هو كما ترى، و لو أراد به كونه كذلك في نظر الشرع فهو أوضح فسادا، بملاحظة أنّ الشرع ليس فيه ما يقضي بذلك أصلا.

و أمّا الطعن في النبوي فقد اجيب عنه: بأنّ غير الصحيح قد تبلغ بالجبر مرتبة الصحيح، و قد يقرّر ذلك: بانجباره بالإجماع و الشهرة و الإجماعات المحكيّة، و أنت إذا تأمّلت في عباراتهم لوجدتها مملوّة من الإشارة إلى ذلك.

و يشكل ذلك كلّه: بأنّ الشبهة إذا كانت في السند فالإجماع و الشهرة لا يجديان في جبران ضعفه إلّا في موضع الاستناد، على معنى كون ما شكّ في سنده مستندا للمجمعين أو المعظم، فإنّ استنادهم إليه يكشف عن سلامة سنده في الواقع، و لو بأن يبلغهم من الخارج ما أفادهم الوثوق به، و لم يظهر منهم ما يقضي بذلك، بل نرى كلام كثير منهم خاليا عن ذكر هذا الحديث و الاستناد إليه.

نعم غاية ما يترتّب على هذه الامور أنّها تكشف عن صدق المضمون و مطابقته للواقع، و هو كما ترى ليس من تصحيح السند في شيء، و لا رفع الشبهة المذكورة.

62

نعم يمكن رفعها بطريق آخر، و هو التشبّث في خصوصه بما ادّعي من التواتر أو الاستفاضة و لو في غير جهة إسناده إلى النبيّ (صلى الله عليه و آله)، أو الاتّفاق على روايته، فعن ابن أبي عقيل- في جملة احتجاجاته على عدم انفعال الماء الراكد بملاقاة النجاسة-: «أنّه قد تواتر عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام): أنّ الماء طاهر لا ينجّسه إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته» (1).

و عن السرائر: «و من قول الرسول (صلى الله عليه و آله) المتّفق على روايته أنّه: «قال خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2)، و عن ابن فهد: «روي متواترا عنهم أنّهم قالوا: «الماء طهور لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (3) و عن الوافي: «و ما استفاض روايته عن النبي (صلى الله عليه و آله) أنّه قال: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (4)، و عن الشيخ: أنّه رواه أيضا (5)،

و في المنتهى (6) روى الجمهور عن النبي (صلى الله عليه و آله) قال: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (7)، و عن الذخيرة: «أنّه ما عمل الامّة بمدلوله و قبلوه» (8).

و لا ريب أنّ نقل التواتر إذا بلغ حدّ التواتر كنفس التواتر، فيفيد العلم بصدور هذا اللفظ عن المعصوم (عليه السلام).

و مع الغضّ عن ذلك فأقلّ مراتبه الظنّ بالصدور، و الظاهر أنّه كاف في أسانيد الأخبار على ما قرّر في محلّه، كيف و هو لا يقصر عن رواية عدلين أو عدل واحد إذا كان عن ناقل واحد فضلا عن ناقلين متعدّدين، حيث إنّ كلّا منهما يخبر عن علم، غايته أنّه في ناقل التواتر علم مع الواسطة.

ثمّ مع التنزّل عن ذلك أيضا نقول: بأنّ ثبوت المطلب غير منوط بثبوت اعتبار سند هذا الحديث، إن كان العذر في عدم المصير إليه عدم ورود خبر في أخبار أصحابنا، لتظافر الروايات عن أئمّتنا في خصوص التغيّر اللوني، فإنّها كثيرة جدّا إن لم نقل بتواترها.

____________

(1) نقله عنه في مختلف الشيعة 1: 177.

(2) السرائر 1: 64.

(3) المهذّب البارع 1: 79.

(4) الوافي 4: 18.

(5) الخلاف 1: 173 المسألة 126.

(6) منتهى المطلب: 1: 21.

(7) سنن البيهقي 1: 259، سنن الدار قطني 1: 28، كنز العمّال 9: 396/ 26652.

(8) ذخيرة المعاد: 116.

63

منها: ما عن دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «في الماء الجاري يمرّ بالجيف و العذرة و الدم يتوضّأ منه و يشرب، و ليس ينجّسه شيء ما لم يتغيّر أوصافه، طعمه و لونه و ريحه» (1).

و منها: ما عن الكتاب المذكور (2) أيضا عن الصادق (عليه السلام) أنّه قال: «إذا مرّ الجنب في الماء و فيه الجيفة أو الميتة، فإن كان قد تغيّر لذلك طعمه أو ريحه أو لونه فلا يشرب منه و لا يتوضّأ و لا يتطهّر»، رواه شيخنا في الجواهر مرسلا (3).

و منها: ما عن الفقه الرضوي: «كلّ غدير فيه من الماء أكثر من كرّ لا ينجّسه ما يقع فيه من النجاسات، إلّا أن يكون فيه الجيف فتغيّر لونه و طعمه و رائحته، فإن غيّرته لم تشرب منه و لم تتطهّر» (4).

و منها: ما في مختلف العلّامة في جملة احتجاجات ابن أبي عقيل على عدم انفعال الماء بالملاقاة، رواه مرسلا قال: «و سئل الصادق (عليه السلام) عن القربة و الجرّة (5) من الماء سقط فيهما فأرة أو جرذ أو غير ذلك فيموتون فيها، فقال: «إذا غلب رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه، و إن لم يغلب عليه فاشرب منه و توضّأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها رطبة» (6) و في نسخة اخرى طريّة.

و منها: ما في الوسائل في الصحيح- على الصحيح- عن الثقة الجليل محمّد ابن الحسن الصفّار في كتاب بصائر الدرجات، عن محمّد بن إسماعيل- يعني البرمكي- عن عليّ بن الحكم عن شهاب بن عبد ربّه قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله فابتدأني، «فقال: إن شئت اسأل يا شهاب و إن شئت أخبرناك بما جئت له، قلت: أخبرني، قال:

جئت تسألني عن الغدير تكون في جانبه الجيفة أتوضّأ منه أو لا؟ قال: «نعم»، قال:

توضّأ من الجانب الآخر، إلّا أن يغلب الماء الريح فينتن، و جئت تسأل عن الماء الراكد، فإن لم تكن فيه تغيّر و ريح غالبة قلت: فما التغيّر؟ قال: الصفرة، فتوضّأ منه (7)، و كلّما

____________

(1) دعائم الإسلام 1: 111.

(2) المصدر السابق: و فيه «و لا يتطهّر منه».

(3) جواهر الكلام: 1: 192.

(4) فقه الرضا (عليه السلام): ص 91، ب 5؛ مستدرك الوسائل: 1: 189 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(5) الجرّة: هو الإناء المعروف من الفخّار. نهاية ابن الأثير 1: 260.

(6) مختلف الشيعة 1: 178.

(7) هذا على ما في نسخة اخرى غير منسوبة إلى الوسائل، و أمّا ما نقلنا عنه من الوسائل فهو خال-

64

غلب كثرة الماء فهو طاهر» (1).

و منها: ما في زيادات التهذيب عن العلاء بن فضيل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها، «قال: لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» (2).

و منها: ما في نوادر الكافي في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه، هل يصلح له الوضوء منه؟ فقال: «إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس، و إن كان شيئا بيّنا فلا تتوضّأ منه» (3) بناء على أنّ المراد باستبانة الدم في الماء استبانة أثره، و لا يكون إلّا باللون فتأمّل.

و الظاهر أنّه ممّا لا مدخل له في المقام بعد ملاحظة أنّ السؤال وقع عن كون إصابة الدم الإناء صالحا للحكم بتنجّس الماء و عدمه، فأجابه الإمام (عليه السلام) بأنّ المعيار في ذلك تبيّن الدم في الإناء، أي الماء الّذي فيه، بمعنى العلم بوقوعه فيه و مجرّد العلم بإصابته الإناء غير كاف لكونه أعمّ، فلعلّه لم يتعدّ عن خارج الإناء إلى داخله، و الّذي يرشد إليه وقوع السؤال بعد ذلك عن صورة العلم بوقوع الدم في الإناء، فقال: «و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ، فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: لا» 4، و من هنا ضعف ما فهمه الشيخ عن تلك الرواية من عدم انفعال القليل بما لا يدركه الطرف من الدم.

و أمّا ما عدا ذلك فالكلّ صريح في الدلالة على المطلب، و ما فيها من التكاثر و التظافر إن لم يفد العلم بالصدق فلا أقلّ من إفادته الوثوق، مضافا إلى أنّ فيها ما هو صحيح- على الصحيح- كما أشرنا إليه، و منه رواية علاء بن الفضيل 5 و رميها بالضعف- كما صنعه المحقّق الخوانساري 6 على ما عرفت سابقا- من جهة اشتمال سندها

____________

- عن قوله: «فتوضّأ منه» و ظنّي أنّه سهو من قلم الناسخ و إلّا كان الشرط المتقدّم ناقصا (منه).

(1) الوسائل 1: 161، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11- مع اختلاف يسير- بصائر الدرجات: 258/ 13.

(2) التهذيب 1: 415/ 30.

(3) 3 و 5 الكافي 3: 74/ 16- التهذيب 1: 412/ 1299- الاستبصار 1: 23/ 57 الوسائل 1: 150 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(4) 5 الوسائل 1: 139 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 415/ 1311- الاستبصار 1: 22/ 53.

(5) 6 مشارق الشموس: 203.

65

على محمّد بن سنان ممّا لا وجه له؛ فإنّ هذا الرجل و إن كان ممّن ضعّفه النجاشي (1) و الفضل بن شاذان (2) و غيره (3)، غير أنّ الّذي يظهر بملاحظة القرائن الخارجيّة المقرّرة في محالّها وثاقته، و كونه من الأجلّاء الفضلاء، هذا مع ما يأتي من روايات اخر مطلقة تشمل بإطلاقها تغيّر اللون أيضا.

ثمّ إنّ بملاحظة أكثر ما ذكر يعرف الحكم في تغيّر الطعم و الرائحة أيضا، مضافا إلى روايات اخر كثيرة واردة في المقام.

منها: ما في التهذيب و الاستبصار من الصحيح عن أبي خالد القمّاط، أنّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: في الماء يمرّ به الرجل و هو نقيع و فيه الميتة و الجيفة- و في بعض النسخ الميتة الجيفة- فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إن كان الماء قد تغيّر ريحه و طعمه فلا تشرب و لا تتوضّأ، و إن لم يتغيّر ريحه و طعمه فاشرب و توضّأ [منه] (4)»، و في بعض نسخ التهذيب: «ريحه أو طعمه» (5).

و منها: ما فيهما أيضا من الصحيح عن حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فإذا تغيّر الماء أو تغيّر الطعم فلا توضّأ منه و لا تشرب» (6)، و رواه في الكافي أيضا مرسلا عن حمّاد عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (7).

____________

(1) رجال النجاشي: 328 قال فيه: «... و هو رجل ضعيف جدّا لا يعوّل عليه و لا يلتفت إلى ما تفرّد به ...».

(2) حكى عنه النجاشي في رجاله، حيث قال: «قال: أبو الحسن عليّ بن محمّد بن قتيبة النيشابوري قال: قال أبو محمّد الفضل بن شاذان: لا احلّ لكم أن ترووا أحاديث محمّد بن سنان ... [رجال النجاشي: 328].

(3) قال العلّامة في الخلاصة: «و قد اختلف علماؤنا في شأنه، فالشيخ المفيد (رحمه الله) قال: إنّه ثقة و أمّا الشيخ الطوسي (رحمه الله) فإنّه ضعّفه و كذا قال النجاشي، و ابن الغضائري و قال: إنّه ضعيف غال لا يلتفت إليه، و روى الكشّي فيه قدحا عظيما، و أثنى عليه أيضا، و الوجه عندي التوقّف فيما يرويه ... [خلاصة الأقوال: 394].

(4) أثبتناه من المصدر.

(5) الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 40/ 112- الاستبصار 1: 9/ 10.

(6) التهذيب 1: 216/ 625- الاستبصار 1: 12/ 19- الوسائل 1: 137، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1- و فيه «إذا تغيّر الماء و تغيّر الطعم».

(7) الكافي 3: 4/ 3.

66

و الظاهر أنّ مراده بمن أخبره هو حريز بن عبد اللّه بقرينة ما سبق، فإنّه هو الّذي روى عنه حمّاد بن عيسى على ما ذكر في الرجال (1)، فيكون الرواية على طريق الكليني الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم، لأنّه يروي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه و محمّد بن إسماعيل عن الفضل بن شاذان جميعا عن حمّاد عمّن أخبره، و لو أخذنا من هذا السند بمحمّد بن إسماعيل كان صحيحا جدّا، لو صحّ ما ذكرنا من أنّ هذا الإرسال بمنزلة الإسناد. فتأمّل.

و منها: ما فيهما أيضا من الصحيح عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى رجل أسئلة أن يسأل أبا الحسن الرضا (عليه السلام) أتوضّأ؟ فقال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه، فينزح منه حتّى يذهب الريح و يطيب الطعم، لأنّ له مادّة» (2).

و منها: ما في الكافي من الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم عن زرارة، قال: «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شيء، تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ، إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء» (3)، و الظاهر أنّ المرويّ عنه هو أبو جعفر (عليه السلام) لوقوع هذا الحديث في ذيل حديث رواه الشيخ في الاستبصار بطريق ضعيف بعليّ بن حديد، و قد رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قلت له راوية من ماء سقطت فأرة،- إلى أن قال-: و قال أبو جعفر: «إذا كان الماء أكثر إلخ» (4).

و أقوى ما يشهد بذلك أنّ هذا الحديث ما رواه في الكتاب المذكور بعينه عن الكليني مسندا إلى أبي جعفر (عليه السلام)، و كان ما عندنا من النسخة فيه غلط من قلم الناسخ.

و منها: ما في الكافي في الصحيح عن عبد اللّه بن سنان، قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا جالس عن غدير أتوه و فيه جيفة؟ فقال: «إذا كان الماء قاهرا و لم يوجد

____________

(1) رجال النجاشي: 144- حيث قال- في ترجمة حريز بن عبد اللّه: «له كتاب الصلاة كبير و آخر ألطف منه و له كتاب نوادر روى عنه حمّاد بن عيسى» الخ- جامع الرواة 1: 182.

(2) التهذيب 1: 234/ 676- وسائل الشيعة 1: 172 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(3) الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 412/ 1298- الاستبصار 1: 7/ 7.

(4) نفس المصدر.

67

فيه الريح فتوضّأ» (1).

و منها: ما في الاستبصار من الصحيح عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: «لا تغسل الثوب و لا تعاد الصلاة ممّا وقع في البئر إلّا أن أنتن، فإن انتن غسل الثوب و أعاد الصلاة و نزحت البئر» (2).

و منها: ما في التهذيب من الصحيح أو الحسن بالحسين بن الحسن بن أبان عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمرّ بالماء و فيه دابّة ميتة قد أنتنت؟

قال: «إن كان النتن الغالب على الماء فلا يتوضّأ و لا يشرب» (3).

و منها: ما في الاستبصار في القويّ أو الصحيح بياسين بن ضرير عن حريز بن عبد اللّه عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الماء النقيع تبول فيه الدوابّ؟ فقال: «إن تغيّر فلا تتوضّأ منه، و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه» (4)، و من قوله: «و كذلك الدم» يمكن استفادة حكم اللون أيضا كما لا يخفى.

و منها: ما في الكافي في الصحيح عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «ماء البئر واسع لا يفسده شيء إلّا أن يتغيّر [به]» (5)، و مثله ما في التهذيب (6).

و منها: ما في الاستبصار في الحسن عن محمّد بن القاسم عن أبي الحسن (عليه السلام) في البئر يكون بينها و بين الكنيف خمسة و أقلّ و أكثر يتوضّأ منها؟ قال: «ليس يكره من قرب و لا بعد يتوضّأ منها و يغتسل ما لم يتغيّر [الماء] (7)» و (8).

____________

(1) الكافي 3: 4/ 4- الوسائل 1: 141، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 11.

(2) التهذيب 1: 232/ 670- الاستبصار 1: 30/ 80- الوسائل 1: 173، ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 10- و فيه: «... إلّا أن ينتن».

(3) التهذيب 1: 216/ 624- الاستبصار 1: 12/ 18- الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 6.

(4) التهذيب 1: 217/ 626- الاستبصار 1: 12/ 20- الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3.

(5) الكافي 3: 4/ 4- الوسائل 1: 141، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 11.

(6) الكافي 3: 5/ 2- التهذيب 1: 409/ 1287- الوسائل 1: 170، ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(7) ما بين المعقوفين أثبتناه من المصدر.

(8) التهذيب 1: 411/ 1294- الاستبصار 1: 46/ 129- الوسائل 1: 200، ب 24 من أبواب الماء المطلق ح 7.

68

و منها: ما في مختلف العلّامة مرسلا في جملة احتجاجات ابن أبي عقيل أيضا،

سئل عن الماء النقيع و الغدير و أشباههما فيه الجيف و القذر و ولوغ الكلب، و يشرب منه الدوابّ و تبول فيه أ يتوضّأ منه؟ فقال لسائله: «إن كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا تتوضّأ منه، و إن كان الماء غالبا على النجاسة فتوضّأ منه، و اغتسل» (1).

و يتّضح طريق الاستدلال بالأخبار المذكورة بعد حمل مطلقاتها على مقيّداتها، و حمل ما ذكر فيه من الأوصاف واحدا أو اثنين على إرادة المثال، أو على أنّه الوصف الغالب ممّا يحصل فيه التغيّر فلا تنافي بينها أصلا، فالمسألة بحمد اللّه سبحانه في غاية الوضوح.

نعم، يبقى في المقام أمران ينبغي التنبيه عليهما:

أحدهما: ما أشار إليه المحقّق الخوانساري- في شرح الدروس- من: «أنّه يشكل أن يستنبط من تلك الروايات أنّ تغيّر الطعم وحده موجب للنجاسة؛ لأنّ في بعض نسخ التهذيب في صحيحة أبي خالد المتقدّمة «قد تغيّر ريحه أو طعمه،» و في النسخة المعتمدة «و طعمه» و يؤيّدها آخر الحديث، و التعويل أيضا على الإجماع» (2)، و هو كما ترى أضعف شيء يذكر في المقام.

أمّا أوّلا: فلعدم انحصار روايات الباب في الصحيحة المذكورة، لما عرفت من أنّ فيها ما اشتمل على كلمة «أو» بلا اختلاف في النسخ.

و أمّا ثانيا: فلأنّ «الواو» كثيرا ما ترد مورد «أو» فلتحمل عليها كي يرتفع الإشكال.

فإن قيل: العكس أيضا ممكن.

لقلنا: بأنّ العكس يأباه اختلاف الروايات في التضمّن على الصفات المذكورة وحدانيّة و ثنائيّة و ثلاثيّة، فإنّ كثيرا منها ما تضمّن واحدا منها، و كلّ ذلك شاهد عدل بأنّ كلّا من الصفات مستقلّ بانفراده في السببيّة، فيكون ذلك قرينة على ما ذكرناه من التجوّز دون العكس.

و ثانيهما: أنّه قد يوجد في الروايات ما يعارض روايات الباب في الدلالة على كون التغيّر بالنجاسة مقتضيا لنجاسة الماء، كما في الكافي مرسلا عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 177.

(2) مشارق الشموس: 203.

69

قال: قلت: يسيل عليّ من ماء المطر الّذي فيه التغيّر و أرى فيه آثار القذر فتقطر القطرات عليّ، و ينتضح عليّ منه، و البيت يتوضّأ على سطحه، فكيف على ثيابنا؟ قال:

«ما به (1) بأس، لا تغسله، كلّ شيء يراه ماء المطر فقد طهر» (2).

و هو أيضا كما ترى كلام ظاهريّ، فإنّ هذه الرواية- مع أنّها مرسلة غير صالحة للمعارضة للروايات الكثيرة القريبة من التواتر، بل المتواترة في الحقيقة، الّتي منها ما هو الصحيح و منها ما هو في حكمه من حيث الاعتبار- غير دالّة على ما ينافي مفاد روايات الباب، بل هي عند التحقيق واردة لإعطاء قاعدة كلّيّة مجمع عليها، مدلول عليها بالأخبار الكثيرة الّتي منها: ما استفاض عنهم (عليهم السلام) «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (3)، و محصّل مفاد الرواية- على ما يرشد إليه سياق السؤال-: أنّ السائل لمّا وجد التغيّر في الماء المفروض و مع ذلك وجد فيه القذر أيضا، و لكن لم يتبيّن عنده أنّ هذا التغيّر مستند إلى القذر المفروض، فسأل الإمام (عليه السلام) استعلاما، لأنّ وجود القذر مع الماء المتغيّر هل يصلح أمارة على استناد التغيّر إليه أو لا؟ فأجابه الإمام (عليه السلام) بما يرجع إلى منع صلوحه لذلك، فنهاه عن غسل الثياب تنبيها على أنّ مدار النجاسة في الشريعة على العلم، و أنت غير عالم بالاستناد فغير عالم بالنجاسة، و قوله (عليه السلام): «كلّ شيء يراه المطر فقد طهر» جواب عن سؤال آخر تعرّض له السائل بقوله: «و البيت يتوضّأ على سطحه»، و غرضه بذلك- و اللّه أعلم- أنّ النجاسة الّتي تتحقّق مع التوضّي على سطح البيت فيه هل تؤثّر في نجاسة ثيابنا بالقطرات الواقعة منه عليها بواسطة ماء المطر؟

فأجاب عنه الإمام (عليه السلام) بالعدم تعليلا بما أفاده.

المطلب الثاني: في نبذة من الفروع المتعلّقة بالباب

و هي امور:

أحدها: كلّ واحد من الصفات الثلاث القائمة بالنجاسة قد يكون في اقتضاء تغيّر صفة الماء علّة تامّة، و قد يكون جزء للعلّة

____________

(1) في المصدر [ما بذا].

(2) الكافي 3: 13/ 3- الوسائل 1: 146، ب 6 من أبواب الماء المطلق ح 5.

(3) الوسائل 1: 133، ب 1 من أبواب الماء المطلق، ح 2- الفقيه 1: 6/ 1.

70

صفة الماء علّة تامّة، و قد يكون جزء للعلّة، بحيث لو لا انضمام مغيّر خارجي إليه من عمل شمس أو حرارة هواء أو تصرّف غيرها ممّا يتكوّن في الماء من الديدان و نحوها لا يكون صالحا للتأثير، بل يكون التأثير قائما بالمجموع منها على الشركة من دون كفاية كلّ بانفراده في التأثير، ففي كونه كافيا في توجّه الحكم بنجاسة الماء مطلقا، أو عدمه كذلك، أو إناطة الأمر بما يساعد عليه نظر العرف في صدق عنوان «التغيير» على وجه يسند إلى النجاسة (1) أو وصفها و عدمه وجوه.

من أنّ الحكم المخرج في الشرع على خلاف الأصل يجب فيه الاقتصار على القدر المتيقّن.

و من أنّ إسناد التغيير إلى النجاسة أو وصفها الوارد في روايات الباب ليس على حقيقته، بل هو وارد من باب التسبيب، و ظاهر أنّ هذا الإسناد كما أنّه يصدق عرفا فيما لو اعتبر إلى السبب التامّ كذلك يصدق فيما لو اعتبر إلى جزء السبب كما يفصح عنه قولهم:

«أنبت الربيع البقل»، المتّفق على كونه من باب المجاز في الإسناد بالقياس إلى السبب، و الربيع ليس إلّا أحد أجزاء العلّة، فيكون ما ورد في الروايات شاملا لما يتحقّق مع النجاسة في صورة ما لو كانت سببا تامّا، و ما يتحقّق معها في صورة ما لو كانت جزء للسبب.

و من أنّ اللفظ الوارد في خطاب الشرع ينزّل على ما يساعد عليه العرف، فإن صحّ عرفا في صورة جزئيّة النجاسة القول بأنّ هذا ما غيّرته النجاسة يتبعه الحكم بالنجاسة و إلّا فلا.

و لكنّ الإنصاف أن يقال: إنّ الحكم في وجوده و عدمه يتبع العنوان الوارد في الأخبار، المعلّق عليه ذلك الحكم، و أنت بملاحظة الأخبار المتقدّمة تعرف أنّ ما أخذ فيها عنوانا لذلك الحكم شيئان، هما عند التحقيق متلازمان وجودا و عدما.

أحدهما: غلبة وصف النجاسة على وصف الماء، من ريح أو لون أو طعم.

و ثانيهما: تغيير النجاسة أو وصفها المذكور لوصف الماء.

____________

(1) بأن يقال عرفا أنّ الماء قد غيّرته النجاسة، و لو مع العلم بكونها جزءا للعلّة، و أنّ لها في إيراث التغيّر في الماء شريكا. (منه).

71

و لا ريب أنّ العنوان الأوّل غير متحقّق مع الفرض، لوضوح عدم غلبة لوصف النجاسة في فرض الجزئيّة على وصف الماء، و أمّا ثاني العنوانين فهو و إن كان في نظر العقل ممّا لا مانع من إجرائه في مفروض الكلام غير أنّ العرف يأبى عنه؛ ضرورة أنّ التغيير الوارد في الأخبار بأيّ صيغة كانت لو عرضناه على العرف كان ظاهرا في تمام السببيّة، بحيث لا يكاد الذهن ينصرف إلى صورة الجزئيّة، و لو كان ذلك باعتبار تركيب الكلام المتضمّن لهذا اللفظ، فلاحظ و تأمّل كي يتّضح لك حقيقة الحال.

و قضيّة ذلك اختصاص الحكم بالنجاسة بما لو كان النجاسة أو وصفها علّة تامّة لتغيّر وصف الماء، فيلحق المفروض بالأصل الأوّلي المقتضي للطهارة، مضافا إلى اصول اخر جارية في المقام هذا، و لكنّ الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه خصوصا في مشروط بالمائيّة.

و ثانيها: إذا تغيّر الماء بالنجاسة لا عن وصف النجاسة- على معنى تغيّره في وصف مغاير لوصف النجاسة جنسا أو نوعا،

كتغيّر لونه بذي الطعم أو الرائحة، أو طعمه بذي اللون أو الرائحة، أو رائحته بذي الطعم أو اللون- فهل يقتضي ذلك نجاسة الماء كما يقتضيها لو حصل في الوصف الموافق أو لا؟

و الأوّل أولى، عملا بإطلاق الإجماعات و فتاوي الأصحاب، و إطلاق جملة كثيرة من روايات الباب، و خصوص المرسلة الواردة في مختلف العلّامة المتضمّنة لقوله (عليه السلام):

«إذا غلب رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه» (1)، و صحيحة هشام بن عبد ربّه المشتملة على قوله: «فما التغيّر؟ قال: الصفرة» (2)، نظرا إلى أنّ ظاهر السياق بقرينة ما سبق كون السؤال عن الجيفة الّتي تكون وصفها الغالب هو الريح.

مضافا إلى أنّ المعلوم من طريقة الشارع كون مناط الحكم هو التغيّر المستند إلى النجاسة بأيّ نحو اتّفق، و لا ينافي شيئا من ذلك ما في رواية العلاء بن الفضيل من قوله:

«لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» (3)؛ لعدم ابتناء روايات الباب على الضبط

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 178 و فيه: «اذا غلبت رائحته» الخ.

(2) الوسائل 1: 161، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11- بصائر الدرجات: 258/ 13.

(3) الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 415/ 1311- الاستبصار 1: 22/ 53.

72

و الحصر، كما يفصح عنه اختلافها زيادة و نقيصة في الاشتمال على الأوصاف الثلاثة.

فما عن المعتبر من قوله: «و كلّه ينجّس باستيلاء النجاسة عليه، و نريد باستيلاء النجاسة غلبة ريحها على ريح الماء و طعمها على طعمه و لونها على لونه» (1)، ليس بسديد إن أراد به الاشتراط.

و العجب عن شيخنا في الجواهر (2) أنّه- بعد ما ذكر الاحتمالين في مفروض المسألة- قوّى الاحتمال الثاني استنادا إلى استصحاب الطهارة، مع الاقتصار فيما خالف الأصل على القدر المتيقّن، فإنّه كما ترى اجتهاد في مقابلة النصّ، و اتّكال بالأصل في موضع الدليل.

فعلى ما قوّيناه لو وقع في الماء نجاسات متعدّدة مختلفة اللون فحصل له من جهتها لون آخر غير موافق للون شيء منها كان نجسا، و لا يقدح فيه مخالفة لونه لألوانها بحسب النوع.

بل و بما عرفت من التحقيق تعرف أنّه لو وقع فيه نجاسة لا وصف لها من حيث الجهات الثلاث المعهودة، فامتزجت معه و أورثت فيه بمقتضى اختلاط مزاجيهما تغيّرا في إحدى من جهاته الثلاث كان نجسا، بل قضيّة بعض ما سبق- مضافا إلى أنّ مورد أكثر روايات الباب إنّما هو الميتة أو الجيفة- عدم الفرق بين ما لو كان الوصف الغالب من النجاسة على وصف الماء من لوازم طبعها و مقتضيات ماهيّتها كحمرة الدم و نحوها، أو من الطوارئ اللاحقة بها بعد انقضاء مدّة مثلا، كنتن الجيفة الّتي أصلها الميتة، و هي ما لم ينقض عنها زمان اقتضى فيها الفساد ممّا ليس لها وصف مغيّر.

و ثالثها: لو وقع في الماء ما يغيّره و كان مردّدا بين الطاهر و النجس لا يخرج الماء عن طهارته الأصليّة،

للأصل السليم عن المعارض، مع استصحاب الطهارة، كما أنّه كذلك لو ظنّ بكونه نجسا، ما لم يقم على اعتبار هذا الظنّ دليل بالخصوص، و لو وقع فيه من النجس ما يصلح للتغيير فاستعقب تغيّرا في الماء مع عدم العلم باستناده إليه كان باقيا على طهارته، كما أنّه لو وقع فيه ما شكّ في كونه صالحا للتغيير فتعقّبه التغيّر مع

____________

(1) المعتبر: 8.

(2) جواهر الكلام 1: 194.

73

احتمال استناده إلى غيره كان طاهرا.

و كذلك لو وقع فيه طاهر و نجس و تعقّبهما التغيّر مع الشكّ في استناده إلى الطاهر أو النجس، نعم لو علم باستناده إلى أحدهما معيّنا يلحقه حكمه من طهارة أو نجاسة، و أمّا لو علم باستناده إليهما معا على نحو الشركة فهو من جزئيّات الفرع الأوّل و قد تبيّن حاله.

و لو تغيّر بعض الزائد على الكرّ فإن كان الباقي كرّا اختصّ النجاسة بالمتغيّر، بخلاف ما لو كان الباقي دون الكرّ فإنّه ينجّس الجميع، أمّا البعض المتغيّر فللتغيّر، و أمّا الباقي فبالملاقاة، و أمّا لو شكّ في كرّيّة الباقي كان محكوما عليه بالطهارة للأصل و الاستصحاب.

و أمّا ما يسند إلى بعض الشافعيّة (1)- من القول بنجاسة الجميع و إن كثر و تباعدت أقطاره، لأنّ المتغيّر نجس فينجّس ما يلاقيه ثمّ ينجّس ملاقي ملاقيه و هكذا- فضعيف جدّا؛ لأنّ ملاقي النجس إذا كان كثيرا لا ينجّس بالملاقاة إجماعا كما يأتي تحقيقه.

و لو تغيّر الماء بالنجاسة في غير الصفات الثلاثة، من الحرارة و البرودة أو الخفّة و الغلظة أو الصفاء و الكدورة أو التأثير و الخاصّيّة لم ينجّس قولا واحدا فتوى و عملا؛ لاختصاص أدلّة التنجيس بغير تلك الصفات من الصفات الثلاثة، و لا ينافيه ما فيها من المطلقات بعد إعمال قاعدة حمل المطلق على المقيّد، الّذي هو عبارة عن الحصر المستفاد من ملاحظة مجموع الروايات، حيث لم يقع فيها إشارة إلى اعتبار التغيّر فيما عدا الأوصاف الثلاث بالخصوص.

و لو تغيّر بالمجاورة و مرور رائحة النجاسة القريبة منه إليه من دون ملاقاتها له لم ينجّس أيضا، و في الحدائق قولا واحدا (2)؛ لأنّ الرائحة ليست بنجاسة فلا تؤثّر تنجيسا، و هو كما ترى في غاية الجودة، و إن كان لا يخلو عن ضرب من القصور في التأدية.

فتوضيحه: أنّ الحكم في أكثر روايات الباب معلّق على أعيان النجاسات من الدم و البول و الجيفة على فرض وقوعها في الماء و كونها بأعيانها فيه، و لا ريب أنّ اللون في مفروض المسألة ليس بعين نجسة، كما أنّ العين فيها ليست بواقعة في الماء، و معه

____________

(1) المغني لابن قدامة 1: 29.

(2) الحدائق الناضرة 1: 187.

74

لا داعي إلى الحكم بالنجاسة في تلك الصورة.

نعم، في جملة من الروايات ما يوهم في ابتداء النظر عدم الفرق بين ما لو كان التغيّر عن عين النجاسة أو عن مجاورتها و مرور رائحتها، كالنبوي المتقدّم (1)، و الأولى من روايتي دعائم الإسلام (2)، و رواية الشهاب (3) بما في ذيلها، و رواية حريز (4)، و روايتي محمّد بن إسماعيل (5) الواردتين في البئر، و لكن ليس شيء منها بشيء.

أمّا النبوي فللقدح في سنده أوّلا، و دلالته ثانيا.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من كونه عامّيّا مرسلا و إن ادّعي كونه متواترا، و لا جابر له في خصوص المقام لما عرفت من ذهاب الأصحاب إلى خلاف ما اقتضاه إطلاقه أو عمومه، بل و لو فرضنا سنده صحيحا لسقط عن الاعتبار في خصوص هذا الحكم، بملاحظة إعراض الأصحاب عنه من هذه الجهة و عدم الاعتناء به.

و أمّا الثاني: فلمنع عموم أو إطلاق في الرواية بحيث يشمل المبحوث عنه أيضا؛ فإنّ «شيئا» في قوله: «لا ينجّسه شيء،» لا يراد منه ما يصدق عليه الشيء في الخارج كائنا ما كان، و إن كان عامّا من جهة وقوعه في سياق النفي، بل يراد به بملاحظة تركيب الكلام و تضمّنه للفظ «ينجّسه» جميع الأفراد ممّا كان من سنخ المتنجّس، كما أنّه لو قال لأحد: «ما أكلت اليوم شيئا»، لا يتناول ذلك العامّ ما ليس من أفراد المأكول أصلا، بل هو عامّ في خصوص أفراد المأكول، فيكون حاصل تقدير الرواية: أنّه لا ينجّسه شيء من المنجّسات، فيكون قوله: «إلّا ما غيّر لونه» الخ استثناء عن الشيء بهذا المعنى، و حاصله: إلّا متنجّس غيّر لونه الخ.

و لا ريب أنّه بهذا المعنى لا يتناول نظائر المقام و لو فرضناه عامّا، بناء على القول بكون الموصولات من العمومات؛ إذ العامّ إنّما يشمل أفراده بعد الفراغ عن إحراز فرديّتها له، و كون مرور الرائحة إلى الماء من النجاسة و تغيّره بالمجاورة منجّسا له ممّا

____________

(1) عوالي اللآلي 1: 9/ 6.

(2) دعائم الإسلام 1: 111.

(3) الوسائل 1: 161، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11.

(4). التهذيب 1: 216/ 625- الاستبصار 1: 12/ 19- الوسائل 1: 137، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(5) التهذيب 1: 234/ 676- الوسائل 172: 1، ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 7.

75

لم يكن محرزا؛ لعدم قيام دليل من الشرع على أنّه أيضا يوجب نجاسة الماء فيكون مشكوكا في فرديّته، و معه لا يعقل العموم بالقياس إليه.

و أمّا رواية دعائم الإسلام فللقدح فيها أيضا سندا و دلالة.

أمّا الأوّل: فقد اتّضح، و أمّا الثاني: فلانصراف قوله: «و ليس ينجّسه شيء ما لم يتغيّر أوصافه» إلى الامور المذكورة أوّلا من الجيف و العذرة و الدم، فيكون التغيّر ظاهرا فيما يستند إليها، و هو ظاهر فيما يستند إلى أعيانها.

و دعوى: أنّ المورد لا يصلح مخصّصا للوارد.

يدفعها: أنّ الحمل المذكور ليس من باب التخصيص بل هو عند التحقيق أخذ بما هو من مقتضى التخصّص.

و بيان ذلك: أنّ لفظ «شيء» حيثما طرأه العموم المصطلح ليس على حدّ غيره من ألفاظ العموم الّتي لمدلولها أفراد مضبوطة معيّنة لا يتجاوزها الألفاظ إلّا بالتخصيص، بل هو في إفادته العموم و كمّيّة ما يعمّه يتبع المقام، و يأخذ من الأفراد ما يناسبه و يساعد عليه سياق الكلام، فقوله: «ليس ينجّسه شيء» إنّما ينصرف عرفا إلى ما سبقه من النجاسات المذكورة، فيكون عامّا في أفرادها لا مطلقا.

و أمّا الثالث: فلظهور أنّ المراد بالماء الراكد بقرينة ما سبق الماء الراكد الّذي فيه الجيفة.

لا يقال: لو صحّ ذلك لكان إضمار السؤال عن أحدهما مغنيا عنه في الآخر لكون كلّ من الغدير و الراكد من واد واحد.

لأنّا نقول: إنّهما موضوعان متغايران و إن كان الثاني أعمّ من الأوّل، فإنّ الغدير هو الماء الّذي تغادره السيول أي تخلّفه، و الراكد هو الماء الساكن الغير الجاري، فلعلّ السائل قد أضمر السؤال عن كليهما لتوهّمه الفرق بينهما في الحكم باعتبار خصوصيّة من الخصوصيّات، لعلمه بأنّ مبنى الشرع على الجمع بين المختلفات و التفريق بين المتّفقات.

و أمّا الرابع: فلأنّ المتبادر من قوله: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة» ما اعتبر غلبة وصفه على الجيفة الواقعة فيه الملاصقة له، لا مطلقا.

و أمّا الخامس: فلأنّ المراد ب«الإفساد» الوارد في الروايتين إنّما هو الإفساد الشرعي المانع عن استعمال الماء في مشروط بالطهارة و هو التنجيس، فيرجع مفاده إلى ما قرّرناه في

76

النبوي، فلا يتناول عمومه للمجاورة و نحوها لمكان الشكّ في كونها من المنجّسات.

و لو تغيّر الماء في أحد أوصافه الثلاثة المعروفة بالمتنجّس دون عين النجس- كالدبس النجس و ما شابهه- ففي قبوله النجاسة به و عدمه وجهان، بل قولان على ما قيل، فالمعظم إلى الثاني، و عن كشف اللثام: «أنّه ظاهر الأكثر» (1)، و في الرياض: «أنّه الأشهر» (2)، و عن شرح المفاتيح: «أنّه مذهب جميع من عدا الشيخ» (3)، و عن ظاهر الشيخ في المبسوط (4) الأوّل، فلا فرق في نجاسة الماء بالتغيّر عنده بين ما لو كان التغيّر بعين النجس أو بالمتنجّس، و ربّما يعزى إلى ظاهر السيّد في الجمل (5) أيضا بل عن المصابيح (6) أنّه استظهره من المعتبر (7) و التحرير (8)، و قد يستظهر الموافقة من السرائر (9) كما في الجواهر (10)، بل في مناهل السيّد (11): «أنّه قد يستظهر من الكتب الّتي أطلقت التنجّس بالتغيّر مصرّحة بأنّه لا ينجّس الجاري إلّا أن يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه، كالمقنعة (12)، و جمل العلم 13، و الجمل و العقود 14، و الغنية 15، و التبصرة 16، و الدروس 17، و البيان 18، و الجعفريّة 19، و مجمع الفائدة 20.

و قد يدّعى استفادته أيضا من الكتب الّتي صرّحت بأنّه لا ينجّس إلّا باستيلاء النجاسة على أحد أوصافه، كالوسيلة 21، و المراسم 22، و النافع 23، و الشرائع 24،

____________

(1) كشف اللثام 1: 256.

(2) رياض المسائل 1: 134.

(3) مصابيح الظّلام- كتاب الطهارة- (مخلوط) الورقة: 517.

(4) المبسوط 1: 5.

(5) 5 و 13 الجمل و العلم (رسائل الشريف المرتضى 3: 22).

(6) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (المخطوط) الورقة: 11.

(7) المعتبر: 8.

(8) تحرير الأحكام: 1: 5.

(9) السرائر 1: 62.

(10) جواهر الكلام 1: 204.

(11) المناهل-: كتاب الطهارة (مخطوط)- ص: 87.

(12) المقنعة 1: 64.

(13) 14 الجمل و العقود (في ضمن الرسائل العشر: 169).

(14) 15 غنية النزوع (سلسلة الينابيع الفقهيّة 2: 379).

(15) 16 تبصرة المتعلّمين 1: 23.

(16) 17 الدروس الشرعيّة 1: 119.

(17) 18 البيان: 98.

(18) 19 الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 83).

(19) 20 مجمع الفائدة و البرهان 1: 250.

(20) 21 الوسيلة (سلسلة الينابيع الفقهيّة 2: 414).

(21) 22 المراسم العلويّة: 37.

(22) 23 المختصر النافع: 141.

(23) 24 شرائع الإسلام: 1: 7.

77

و حاشيته (1)، و من الكتب الّتي صرّحت بأنّه لا ينجّس إلّا بتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه بالنجاسة كالنهاية (2) و الإرشاد (3) و القواعد (4) و السرائر (5) و نهاية الإحكام (6) و الجامع (7) و اللمعة (8) و الروضة (9)، لأنّ النجاسة يعمّ المتنجّس في كلمات الأصحاب.

و أنت خبير: بأنّ كلّ هذه الاستظهارات وارد على خلاف التحقيق، فإنّ لفظ «النجاسة» أو «النجس» ليس ممّا ورد في أخبار الباب، و لا أنّه اخذ بهذا العنوان الكلّي عنوانا في أدلّة المسألة، بل هو مفهوم كلّي انتزعه الفقهاء عن الموارد الخاصّة الواردة في الروايات و الأعيان المخصوصة من النجاسات المعلّق عليها الحكم في أخبار الباب، كالبول و الدم و الميتة و الجيفة، بعد إسقاط الخصوصيّة و إلغاء الفارق بينها و بين سائر أنواع النجاسات، و لا ريب أنّ ما ينتزع عن شيء لا يراد منه عند الإطلاق إلّا ما ينطبق على المنتزع عنه، و ليس المتنجّس من جملته؛ ضرورة عدم وروده في الروايات بهذا اللفظ، و لا أنّ فيها إشارة إليه، و لا أنّ شيئا من مصاديقه مذكور في أسئلتها و لا أجوبتها، حتّى يقال: بأنّ ما ذكر من المفهوم الكلّي منتزع عمّا يعمّه و الموارد الخاصّة من أعيان النجاسة، و معه كيف يجترئ على الفقهاء باستظهار كون مرادهم من النجاسة في عناوينهم المطلقة ما يعمّ الأمرين.

كيف و لو كانت قضيّة الاستظهار صادقة على النهج المذكور لزم كون القول بنجاسة الماء إذا تغيّر بالمتنجّس مذهبا للمشهور، و هو كما ترى ينافي خلوّ كلامهم كافّة عن التصريح بذكره عنوانا و مثالا، و كأنّ الحال في استظهار هذا القول أيضا من الشيخ و السيّد من هذا القبيل، بل هو كذلك عند التحقيق؛ لقصور العبارة الّتي استظهر منها هذا القول عن إفادته و الدلالة على اختياره، و هي- على ما حكي عنه- قوله: «و لا طريق إلى تطهير المضاف إلّا بأن يختلط بما زاد على الكرّ من المياه الطاهرة المطلقة، ثمّ ينظر فيه فإن سلبه إطلاق اسم الماء و غيّر أحد أوصافه، إمّا لونه أو طعمه أو رائحته فلا يجوز

____________

(1) حاشية شرائع الإسلام- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 3.

(2) النهاية: 3.

(3) إرشاد الأذهان 1: 235.

(4) قواعد الاحكام 1: 182.

(5) السرائر 1: 62.

(6) نهاية الأحكام 1: 228.

(7) الجامع للشرائع: 20.

(8) اللمعة الدمشقيّة: 1: 251.

(9) الروضة البهيّة 1: 251.

78

استعماله بحال، و إن لم يتغيّر أوصافه و لا سلبه إطلاق اسم الماء جاز استعماله في جميع ما يجوز استعمال المياه المطلقة» (1).

فإنّ مفاد هذه العبارة- كما ترى- أنّه صرّح فيما يحكم عليه بعدم جواز الاستعمال باعتبار اجتماع الأمرين من سلب إطلاق الاسم و التغيّر، و فيما يحكم عليه بجواز الاستعمال باعتبار انتفاء الأمرين معا، فيبقى ما انتفى عنه أحد الأمرين واسطة بين القسمين، و هو كما يمكن لحوقه بالقسم الأوّل فكذلك يمكن لحوقه بالقسم الثاني فيكون أعمّ، و من البيّن أنّ العامّ لا يصلح دليلا على الخاصّ.

بل لنا أن نقول: بإمكان كون ما انتفى عنه التغيّر دون عدم سلب إطلاق الاسم ملحقا بالقسم الأوّل في الجملة؛ لأنّه مضاف حينئذ و هو ممّا لا يجوز استعماله في مشروط بالمائيّة، و ما انتفى عنه سلب الإطلاق دون التغيّر ملحقا بالقسم الثاني.

هذا مع أنّ الظاهر كون عطف «التغيّر» على سلب إطلاق الاسم عطفا تفسيريّا مرادا به بيان ما يحقّق سلب الإطلاق و يتحقّق معه عدم صدق الاسم، بناء على كون المراد بتغيّر الماء حينئذ اكتسابه شيئا من أوصاف المضاف طعما أو لونا أو رائحة، لا اكتسابه شيئا من صفات النجاسة الواقعة كما هو الظاهر الّذي يساعد عليه الاعتبار، و لا ينافيه الحكم عليه حينئذ بعدم جواز الاستعمال بحال، لأنّه إذا اكتسب شيئا من أوصاف المضاف انقلب مضافا فيلحقه النجاسة، لأنّ المضاف كائنا ما كان ينفعل بملاقاة النجاسة و المتنجّس معا إجماعا، كانفعال الماء القليل الملاقي بهما، فحينئذ يكون عبارته أجنبيّة عمّا فهموه بالمرّة، و لا يعقل معه الاستظهار المذكور.

فالإنصاف: أنّه لم يظهر من أصحابنا من كان قائلا بنجاسة الماء المتغيّر بالمتنجّس صراحة و لا ظهورا، و من هنا يمكن استظهار الإجماع على عدم النجاسة، كيف و أنّه مقتضى الأصل و الاستصحاب كما استند إليه المعظم، و لم يوجد في روايات الباب ما ينافيهما صريحا و لا ظهورا و لا إشعارا.

نعم، الروايات المطلقة في الحكم بالنجاسة لمجرّد التغيّر- الّتي منها النبوي (2)-

____________

(1) المبسوط 1: 5.

(2) دعائم الإسلام 1: 111.

79

ربّما توهم ذلك، و لكنّه يندفع بملاحظة مجموع روايات الباب من مطلقاتها و مقيّداتها؛ فإنّ الّذي يظهر منها- و اللّه أعلم- أنّ هذه المطلقات ليست بإطلاقها كما توهّم، بل هي منزّلة على المقيّدات و ناظرة إليها و منطبقة عليها حرفا بحرف و قذّا بقذّ، و كأنّ الوجه في ورودها مطلقة تبيّن الأمر للمشافهين بها من أصحاب النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) و الأئمّة (عليهم السلام) باعتبار الخارج من قرينة حال أو مقال.

و لو سلّم عدم ظهور ذلك، فلا أقلّ من صيرورة الإطلاق الّذي فيها بملاحظة ما ذكرناه- مضافا إلى مصير المعظم إن لم نقل مصير الكلّ إلى خلافه- موهونا ساقطا عن درجة الاعتبار و الحجّيّة، و معه يبقى الأصلان المذكوران سليمين عن المعارض.

فتحقيق المقام- على ما يقتضيه القواعد المقرّرة و الاصول المسلّمة- أن يقال: إنّ الوصف الحاصل في الماء عند دخول المتنجّس فيه، إمّا أن يعلم كونه من أوصاف نفس المتنجّس كحلاوة الدبس، و رائحة ماء الورد، و حمرة ماء البقّم (1) مثلا، أو يعلم كونه من أوصاف النجاسة الّتي مع ذلك المتنجّس كحمرة الدم إذا كان المتنجّس متنجّسا من جهته، أو يعلم كونه من وصفيهما معا على معنى استناد تغيّره إليهما على جهة الشركة، أو لا يعلم شيء من ذلك.

أمّا الأوّل: فالمتّجه فيه عدم النجاسة لعين ما مرّ.

و أمّا الثاني: فالمتّجه فيه النجاسة لصدق كونه متغيّرا بعين النجاسة فيشمله الأدلّة.

و أمّا الثالث (2): فهو من جزئيّات الفرع الأوّل الّذي تقدّم الكلام فيه.

و أمّا الرابع: فهو كالأوّل، لسلامة الأصلين بالنسبة إليه عن المعارض.

و هذا التفصيل يظهر عن غير واحد من متأخّري أصحابنا، منهم ثاني الشهيدين في الروضة، كما أشار إليه بقوله: «فإنّه لا ينجّس بذلك كما لو تغيّر طعمه بالدبس [المتنجّس] (3) من غير أن تؤثّر نجاسته فيه» (4)، و إن كان إطلاق القيد يشمل في كلامه ما

____________

(1) البقّم: بتشديد القاف، صبغ معروف، قيل عربيّ، و قيل معرّب قال الشاعر: كمرجل الصبّاغ جاش بقّمه (المصباح المنير؛ مادة «البقّم»: 58).

(2) و في الأصل و «أمّا الثاني»، و من المقطوع كونه سهوا من قلمه الشريف، و لذا صحّحناه بما في المتن.

(3) و في الأصل: «النجس».

(4) الروضة البهيّة 1: 251.

80

لو كان تأثير النجاسة فيه على سبيل الجزئيّة، فإنّ قضيّة ذلك توجّه الحكم فيه بالنجاسة أيضا و إن كان ذلك خلاف التحقيق كما عرفت سابقا.

و ممّن صرّح بهذا التفصيل في الجملة السيّد الطباطبائي في مصابيحه- على ما حكي- قائلا: «بأنّه لا يتوهّم من إطلاق الأصحاب بعدم نجاسة الماء بتغيّره بالمتنجّس، أنّه لا ينجّس بتغيّره بالنجاسة بواسطة المتنجّس أيضا، بناء على أنّ التغيّر بالواسطة تغيّر بالمتنجّس أيضا لا بالنجاسة، و من ثمّ ترى الأصحاب مثّلوا له بالدبس المتنجّس و نحوه ممّا يوجب التغيّر بصفته الأصليّة دون العارضة بواسطة النجاسة إلخ» (1)، و ظاهر هذه العبارة بل صريحها أنّ هذا التفصيل مذهب للأصحاب أيضا.

المطلب الثالث: التغيّر قد يكون حسّيّا و قد يكون تقديريّا،

و المراد بالأوّل ما من شأنه أن يكون مدركا بإحدى الحواسّ الظاهرة من البصر و الذوق و الشمّ، و بالثاني ما لا يكون كذلك من جهة كون النجاسة الواقعة في الماء مسلوب الصفات الأصليّة موافقة له في صفاته بالعارض، و لكن كانت في المقدار بحيث لو كانت على صفاتها الأصليّة المخالفة لصفات الماء كانت موجبة لتغيّره غالبة صفاتها على صفاته، فهل المعتبر في التغيّر الموجب لتنجّس الماء أن يكون حسّيّا، فلا يكفي فيه مجرّد التقدير ما لم يكن التغيّر ممّا يدركه الحسّ، أو لا؟ بل هو موجب للتنجّس و لو تقديريّا، بحيث لو لم يكن محسوسا يجب تقدير الأوصاف في النجاسة، فلو كانت ممّا يتغيّر بها الماء على تقدير وجودها نجس الماء و إلّا فلا.

اختلف فيه الأصحاب على قولين:

أوّلهما: ما عليه الأكثر كما في الرياض (2)، و هو قول أكثر الأصحاب كما عن الذخيرة (3)، و هو المشهور كما في الحدائق (4)، و هو لظاهر المعظم و ثاني الشهيدين

____________

(1) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 12.

(2) رياض المسائل 1: 13.

(3) ذخيرة المعاد: 116.

(4) الحدائق الناضرة 1: 181.

81

و جماعة من المتأخّرين كما عن المصابيح (1)، و هو ظاهر المذهب كما عن الذكرى (2) و الروض (3)، و هو صريح أكثر من تأخّر عن العلّامة (4) و ظاهر من تقدّمه (5)، لتعبيرهم بالتغيّر الظاهر في الحسّي كما في الجواهر (6).

و ثانيهما: ما صرّح به العلّامة في القواعد (7)، و عنه أيضا في نهاية الإحكام (8)، و المختلف (9)، و عن ابنه فخر الإسلام في الإيضاح (10)، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد (11)، و عن المصابيح (12): أنّه حكاه عن ابن فهد في موجزه (13)، و في المناهل (14):

«و قيل: نفى عنه البعد في حبل المتين» (15).

حجّة الأوّلين: الأصل و العمومات و دلالة النصوص و الفتاوي على دوران الحكم بالتنجّس مدار التغيير بالأوصاف الثلاثة، الّذي هو حقيقة في الحسّي خاصّة.

أمّا أوّلا: فلأنّه المتبادر منه عند الإطلاق.

و أمّا ثانيا: فلصحّة السلب عن التقديري.

و أمّا ثالثا: فلتصريح جامع المقاصد 16 و الروض 17 بأنّ التغيّر حقيقة في الحسّي، و هو لا يقصر عن إخبار أهل اللغة بوضع اللفظ بل هو أولى بالقبول، و أنّ اعتبار التقدير في مسلوب الصفة يقتضي اعتباره في فاقدها و في الواجد الضعيف منها، و الإجماع قائم على عدمه كما عن المصابيح 18.

____________

(1) مصابيح الأحكام:- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 11.

(2) ذكرى الشيعة 1: 76.

(3) روض الجنان: 134.

(4) كالسيّد في مدارك الاحكام 1: 29- و السبزواري في ذخيرة المعاد: 176.

(5) كالمفيد في المقنعة: 64- و الشيخ في المبسوط 1: 5- و ابن إدريس في السرائر 1: 60 و أبي الصلاح في الكافي في الفقه: 130.

(6) جواهر الكلام 1: 195.

(7) قواعد الاحكام: 1: 183.

(8) نهاية الإحكام 1: 227.

(9) مختلف الشيعة 1: 177.

(10) إيضاح الفوائد 1: 16.

(11) 11 و 16 جامع المقاصد 1: 114.

(12) 12 و 18 مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: ص 11.

(13) الموجز الحاوي (سلسلة الينابيع الفقهيّة 26: 411).

(14) المناهل: كتاب الطهارة- ص 91 (مخطوط).

(15) الحبل المتين: 106.

(16) 17 روض الجنان: 134.

82

و للآخرين أيضا وجوه:

منها: ما عن الإيضاح من أنّ هذا القول أحوط فيجب المصير إليه (1).

و فيه أوّلا: أنّ الاحتياط لا يجدي نفعا في إثبات ما هو الغرض الأصلي في المسألة من معرفة حكم اللّه الواقعي.

و ثانيا: منع وجوب الاحتياط، لسلامة الاصول و عمومات الطهارة عن المعارض؛ إذ المفروض أنّ أدلّة التنجّس بالتغيّر لا تشمل هذا الفرد، كما يظهر الاعتراف به من أصحاب هذا القول، فلذا لا يتمسّكون له إلّا بوجوه لا ترجع إلى دلالة تلك الأدلّة، فلا معارض لعمومات الطهارة، و المفروض أنّه لا إجمال فيها فيندرج فيها المقام، و يبقى الاصول مؤيّدة لها.

نعم، إنّما يتّجه الاحتياط وجوبا لو كانت النجاسة الواقعة في الماء باعتبار الكثرة بحيث أوجبت الشكّ في استهلاك الماء أو خروجه عن الإطلاق، من جهة أنّ ذلك شكّ في الاندراج في عمومات الطهارة، غير أنّ صور المسألة لا تنحصر في ذلك، و من هنا قد يجاب عنه بمنع كونه أحوط في جميع الفروض بل هو كذلك غالبا، و أنت خبير بأنّ دعوى الغلبة أيضا ليست في محلّها.

و منها: ما عن العلّامة: «بأنّ التغيّر الّذي هو مناط النجاسة دائر مع الأوصاف، فإذا فقدت وجب تقديرها» (2).

و فيه: تسليم المقدّمة الاولى و منع الثانية، لكونها إعادة للمدّعى فلا تصلح دليلا.

و قد يوجّه: بأنّ غرضه دعوى استناد النجاسة إلى عين النجاسة و ذاتها، فإنّها المؤثّرة في تنجّس العين دون الوصف، فلهذا لا يحكم به في صورة تغيّر الأوصاف بالمجاورة، فالأوصاف الثابتة في النجاسة ممّا لا مدخل لها في التأثير، غير أنّ الشارع تعالى أناط الحكم بتغيّر الوصف من جهة أنّه كاشف وجودا و عدما عن تحقّق المؤثّر الواقعي، فإذا علم عند فقد الوصف بتحقّق المقدار الّذي يكفي في حصول الأثر على تقدير وجود الوصف كما هو قضيّة القول بالتقدير علم بتحقّق المؤثّر التامّ، و معه لا مناص من الحكم

____________

(1) إيضاح الفوائد 1: 16.

(2) حكى عنه في ذخيرة المعاد: 116.

83

بحصول الأثر استحالة تخلّف الأثر عن مؤثّره التامّ، و لا يقدح فيه فقدان الوصف حينئذ لأنّ فائدة اعتباره ليست إلّا الكشف عن الواقع و قد حصل بدونه من جهة التقدير.

و فيه: منع عدم دخول تغيّر الوصف في المؤثّر، بل ظاهر الأدلّة إن لم نقل صريحها كون التغيّر مؤثّرا في الحكم داخلا في موضوعه، و معه لا يعقل التفكيك بينه و بين الحكم، سلّمنا عدم ظهور ذلك و لكن ظهور خلافه من الأدلّة في حيّز المنع، و معه يبقى المقام مشكوكا في اندراجه تحت تلك الأدلّة، فيبقى أدلّة الطهارة سليمة عمّا يزاحمها.

و منها: ما عن فخر المحقّقين في الإيضاح، من «أنّ وجه اختيار المصنّف صيرورة الماء مقهورا؛ لأنّه كلّما لم يصر مقهورا بالنجاسة لم يتغيّر بها على تقدير المخالفة، و ينعكس بعكس النقيض إلى قولنا: كلّما تغيّر على تقدير المخالفة كان مقهورا، و لا يلزم من عدم أمارة الشيء عدمه» (1).

و فيه أوّلا: كذب الأصل المستلزم لكذب العكس- للضابطة المقرّرة في محلّه المعتبرة في قاعدة عكس النقيض- إن اريد بمقهوريّة الماء مقهوريّته بحسب الذات، بكون النجاسة الواقعة فيه أكثر منه بحسب الكمّيّة و المقدار، لضرورة قضاء الوجدان المطابق للحسّ و العيان بأنّ النجاسة كثيرا ما تكون بحسب المقدار أقلّ من الماء بمراتب شتّى فتغيّره لو وقعت فيه، و يكفيك في ذلك ملاحظة الدم و الجيفة فإنّ صاعا من الأوّل يغيّر صياعا من الماء، و لا سيّما عند اشتداد لونه و بلوغه في الشداد حدّ السواد، و أنّ دجاجة من الثاني إذا أنتنت تغيّر أكرارا من الماء فضلا عن كرّ واحد أو أقلّ، و عن جيفة الشاة أو ما هو أكبر منها في الجثّة، و لا ندري من أنّ دعوى هذه الكلّيّة القاطعة للضرورة من أيّ شيء نشأت لمثل هذا الفاضل المشتهر بالمحقّق، نعم لو اريد بالمقهوريّة ما هو بحسب الكيف أعني الوصف فكلّيّة الشرطيّة مسلّمة، و لكنّ الشرط كذب و إلّا كان خارجا عن الفرض فلا نتيجة.

و ثانيا: أنّ المقهوريّة إن اريد بها ما يتحقّق معها الاستهلاك فلا كلام لأحد في التنجّس هنا، بل هو في الحقيقة خارج عن مفروض المسألة، و إن اريد بها ما دون ذلك

____________

(1) إيضاح الفوائد 1: 16.

84

على وجه يكون الإطلاق معه باقيا، فكونها مع فقد الوصف ملزومة للتنجّس على ما هو النتيجة المقصودة أوّل الكلام، إلّا إذا ثبت أنّها هو السبب التامّ، و تغيّر الوصف حيثما يوجد إنّما اعتبر كاشفا و الكاشف قد يقوم مقامه غيره، و هو في حيّز المنع كيف و لم يثبت إلّا خلافه كما تقدّم الإشارة إليه، و نفصّله أيضا بعد ذلك.

و قد يجاب عنه- أيضا- على هذا التقدير: بأنّ المدار لو كان على الغلبة و المقهوريّة فكيف يصحّ تعليق الحكم على التغيّر الّذي هو وصف مفارق لها، و جعلها دائرة مداره، و أيضا ينبغي القول حينئذ بما إذا كشف عن الغلبة غير التغيّر من الكثرة و نحوها، و أيضا لو كان المدار عليها لوجب القول بالتقدير في فاقد الصفات، و في الواجد الضعيف، و قد نقل الإجماع على خلافه، و بعض هذه الوجوه غير خال عن المكابرة.

و منها: ما عن المحقّق الثاني في شرح القواعد من «أنّه يمكن الاحتجاج بأنّ المضاف المسلوب الأوصاف لو وقع في الماء وجب اعتباره إمّا بقلّة الأجزاء أو كثرتها، أو تقديره مخالفا في الأوصاف على اختلاف القولين، و إذا وجب الاعتبار في الجملة للمضاف فللنجاسة أولى، و لأنّ عدم وجوب التقدير يفضي إلى جواز الاستعمال و إن زادت النجاسة على الماء أضعافا و هو كالمعلوم البطلان، فوجب تقدير الأوصاف لأنّها مناط التنجّس و عدمه» (1).

و فيه: بعد تسليم الحكم في المقيس عليه منع الأولويّة في المقيس، لوضوح الفرق بينهما بأنّ الحكم هنا معلّق على أمر واقعي يستلزم المحسوسيّة، فإذا انتفت المحسوسيّة كشف عن انتفاء ذلك الأمر الواقعي المعلّق عليه الحكم، لوضوح استلزام انتفاء اللازم انتفاء الملزوم فينتفي معه الحكم، و ثمّة معلّق على أمر واقعي لا يستلزم المحسوسيّة، فإذا لم يكن مدركا بالحسّ لفقده أوصافه احتمل كونه متحقّقا في الواقع لاحتمال استهلاك الماء به، و احتمل عدم تحقّقه لاحتمال استهلاكه بالماء، فوجب تقدير أوصافه استعلاما لحقيقة الحال.

و أيضا المقصود بالتقدير هنا إحراز ما هو من مقولة المانع و هو التنجّس، بعد الفراغ عن إحراز المقتضي و هو صدق «المائيّة» و بقاء الإطلاق، و ثمّة إحراز المقتضي باستعلام بقاء «المائيّة» و صدق الاسم، و لا ريب أنّ المقتضي ممّا لا يحرز إلّا بطريق

____________

(1) جامع المقاصد 1: 114.

85

رافع للشكّ، فلذا لا يمكن إحرازه بالأصل إلّا في بعض الفروض النادرة، فلا بدّ من اعتبار التقدير استكشافا عن وجود المقتضي و بقائه أو ارتفاعه ليتوصّل به إلى ترتيب الأحكام المعلّقة عليه وجودا و عدما، و هو لا يقضي بوجوب التقدير فيما لو شكّ في وجود المانع و تحقّقه مع الجزم ببقاء المقتضي؛ لأنّ المانع ممّا ينفي احتماله بالأصل فيترتّب على المقتضي الموجود أحكامه المعلّقة عليه.

و أمّا ما ذكره في العلاوة، فإن أراد به صورة الاستهلاك و عدم بقاء الإطلاق فهو ممّا لا يقول فيه أحد بجواز الاستعمال في مشروط بالمائيّة و لا في مشروط بالطهارة، و إن أراد به غير تلك الصورة حتّى لا يكون زيادة النجاسة على الماء أضعافا منافية لبقاء «المائيّة» و صدق الاسم عليه عرفا، فدعوى العلم بالبطلان فيه غير واضح الوجه؛ لعدم كونه ممّا يساعد عليه العقل و الشرع و إلّا ارتفع الإشكال، بل لا نرى ذلك إلّا استبعادا صرفا هو ممّا لا يصلح للتعويل عليه في استعلام أحكام الشرع، سيّما بعد ملاحظة قيام الدلالة الشرعيّة على الجواز، من أصل و عموم و إطلاق دليل كما سبق الكلام فيه.

و منها: ما احتجّ به في الحدائق من أنّه «يمكن أن يقال: إنّ التغيّر حقيقة في النفس الأمري لا فيما كان محسوسا ظاهرا، فقد يمنع عن ظهوره مانع، كما اعترفوا به فيما سيأتي ممّا إذا خالفت النجاسة الجاري في الأوصاف لكن منع من ظهورها مانع، فإنّهم هناك قالوا بوجوب التقدير استنادا إلى أنّ التغيّر حصل واقعا و إن منع من ظهوره مانع، و المناط التغيّر في الواقع لا الحسّي، و الفرق بين الموضعين لا يخلو عن خفاء.

و يؤيّد ذلك أنّ الشارع إنّما أناط النجاسة بالتغيّر في هذه الأوصاف لدلالته على غلبة النجاسة و كثرتها واقعا، و إلّا فالتغيّر لها من حيث هو لا مدخل له في التنجّس، فالتنجيس حقيقة هو غلبة النجاسة و زيادتها، و إن كان مظهره التغيّر المذكور، و حينئذ فلو كانت هذه النجاسة المسلوبة الأوصاف بلغت في الكثرة إلى حدّ يقطع بتغيّر الماء بها لو كانت ذات أوصاف، فقد حصل موجب التنجّس حقيقة الّذي هو غلبة النجاسة و زيادتها على الماء» (1).

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 181.

86

و فيه: أنّ الأمر الواقعي النفس الأمري قد يستلزم المحسوسيّة لزوما مساويا، خصوصا التغيّر الّذي هو عبارة عن انتقال الشيء عن حالة إلى اخرى، فإذا انتفت المحسوسيّة كشف عن انتفاء ما هو ملزوم لها، فالتغيّر حينئذ معدوم صرف لا أنّه موجود و قد منع عن ظهوره مانع، فقوله: «فقد يمنع عن ظهوره مانع»، ليس بالقياس إلى مفروض المسألة في محلّه جدّا، كما أنّ قوله: «كما اعترفوا به فيما سيأتي ممّا إذا خالفت النجاسة الجاري في الأوصاف لكن منع من ظهورها مانع» ليس في محلّه إن أراد به مقايسة المقام عليه، كيف و أنّ أصل الحكم في المقيس عليه غير مسلّم إلّا في بعض الفروض النادرة الّتي هي في الحقيقة خارجة عن محلّ البحث- كما سيأتي الكلام فيه مفصّلا- و على فرض تسليم ذلك فالفرق بين المقامين واضح كما بين السماء و الأرض، فإنّ عدم الظهور لوجود مانع غير عدم الظهور لفقد المقتضي؛ إذ الأوّل ربّما لا يكون منافيا لوجود أصل الموجود بحسب الواقع بخلاف الثاني لاستناد عدم الظهور فيه إلى عدم الوجود، فالسالبة فيه إنّما هي بانتفاء الموضوع و في الأوّل بمنع المانع الخارجي مع تحقّق الموضوع، فبطل بذلك قوله: «و المناط التغيّر في الواقع لا الحسّي و الفرق بين الموضعين لا يخلو عن خفاء».

و أمّا ما ذكره في نتيجة الوجه الثاني بقوله: «فالمنجّس حقيقة هو غلبة النجاسة و زيادتها إلخ».

ففيه: أنّا لا ندري أنّ هذا المناط من أيّ شيء حصل له و لمن تقدّمه، فهل هو بما أثبته الإجماع أو أعطاه النصّ أو أنّه استفيد بالاستنباط؟ و ظنّي أنّه و هم نشأ عن ورود التعبير في بعض روايات الباب بلفظ «الغلبة» مطلقة أو مضافة إلى عين النجاسة دون وصفها، كما في رواية شهاب المتضمّنة لقوله: «و كلّما غلب كثرة الماء فهو طاهر» (1)، و رواية أبي بصير المشتملة على قوله: «و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه» (2)، و الرواية المرسلة المشتملة على قوله: «إن كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا توضّأ

____________

(1) الوسائل 1: 161، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11- بصائر الدرجات 258/ 13.

(2) الوسائل 1: 138، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3- الكافي 3: 4/ 6.

87

منه، و إن كان الماء غالبا على النجاسة فتوضّأ منه، و اغتسل» (1).

و أنت خبير بأنّ التعويل على مجرّد ذلك ليس على ما ينبغي، مع إمكان حمله على غلبة الوصف على حدّ حذف المضاف، بقرينة سائر الروايات المصرّحة باعتبار الغلبة أو التغيّر في الوصف، كما في رواية الفقه الرضوي: «إلّا أن يكون فيه الجيف فتغيّر لونه و طعمه و رائحته» (2)، و مرسلة مختلف العلّامة: «إذا غلب رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه» (3)، و صدر رواية الشهاب: «إلّا أن يغلب الماء الريح فينتن» (4)، و رواية العلاء بن الفضيل: «لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» (5)، و هكذا إلى آخر الروايات المتقدّمة مع أنّ الاعتماد عليه كما ترى طرح لتلك النصوص أو الظواهر الكثيرة.

فإن قلت: إنّما يلزم ذلك لو كانت الروايات المذكورة منافية له و ليس كذلك، بعد ملاحظة كون اعتبار الأوصاف فيها واردا من باب الكاشفيّة دون المدخليّة.

قلنا: إنّما ينافي ذلك الجمل الشرطيّة الواردة فيها الظاهرة في العلّيّة و ارتباط الجزاء بالشرط ربطا مسبّبيّا بسببه التامّ كما قرّر في محلّه، و قضيّة ما ذكر حمل هذه على إرادة مجرّد الملازمة، كالّتي بين المتلازمين المتساويين أو المختلفين في العموم و الخصوص و هو كما ترى ممّا لا وجه له و لا داعي إليه أصلا، مع ما ذكرنا من احتمال اعتبار الإضمار فيما ذكر، و لا ينبغي لأحد أن يعارض ذلك باحتمال التجوّز في القضايا المذكورة.

أمّا أوّلا: فلأنّها أظهر في إفادة السببيّة بمراتب شتّى من ظهور ما ذكر في عدم الإضمار.

و أمّا ثانيا: فلصيرورة هذا الظاهر موهونا بقلّته في الغاية، و إعراض الأكثر الأشهر عنه فلا يعبأ به جدّا، و لا أنّه صالح للمعارضة، مع أنّ ظاهر سياق مجموع الروايات

____________

(1) نقله في مختلف الشيعة 1: 177.

(2) فقه الرضا: 91 ب 5- مستدرك الوسائل 1: 189، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(3) مختلف الشيعة 1: 178.

(4) الوسائل 1: 161، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11- بصائر الدرجات 258/ 13.

(5) الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 415/ 1311- الاستبصار 1: 22/ 53.

88

بملاحظة العرف يقضي بعدم اعتبار هذا الظاهر و اعتبار ما يقضي بسببيّة الأوصاف و إناطة الحكم بها من غير دخل فيه للغلبة أو الكثرة في الماء أو النجاسة، مضافا إلى ما قيل: «إنّ اعتبار هذه الصفات لو كان لكشفها عن الغلبة»- كما ادّعاه المستدلّ- لزم اعتبار غيرها من الصفات أيضا، لأنّها في الكشف عن الغلبة مثلها، فعلم أنّ المدار على خصوصيّة الصفات المعتبرة فيثبت الحكم بثبوتها.

تنبيه:

قال في المدارك- بعد ما وافقنا في المسألة السابقة-: «لو خالفت النجاسة الجاري في الصفات لكن منع من ظهورها مانع، كما لو وقع في الماء المتغيّر بطاهر أحمر دم مثلا فينبغي القطع بنجاسته لتحقّق التغيّر حقيقة، غاية الأمر أنّه مستور عن الحسّ، ثمّ قال: و قد نبّه على ذلك الشهيد (رحمه الله) في البيان. انتهى» (1).

و محكيّ عبارة البيان أنّه قال: «إنّ الماء إذا كان مشتملا على ما يمنع من ظهور التغيّر فحينئذ يكفي التقدير، لأنّ التغيّر هنا تحقيقي، غاية الأمر أنّه مستور عن الحسّ» (2).

و حكى نحوه عن المعالم (3)، و جامع المقاصد (4)، و عن المصابيح (5) أيضا، سيّما فيما لو كانتا الصفة الثابتة في الماء أصليّة، كما في المياه الزاجيّة و الكبريتيّة مدّعيا فيها القطع بالتنجّس، و في الحدائق: «أنّه ما قطع به متأخّر و الأصحاب من غير خلاف معروف في الباب» (6).

و يظهر من إطلاق ثاني الشهيدين في الحكم بعدم اعتبار التقدير خلاف ذلك حيث قال: «و المعتبر من التغيّر الحسّي لا التقديري» (7)، بل هو خيرة الرياض (8) حيث صرّح بعدم الفرق في عدم اعتبار التقدير بين حصول المانع ظهور التغيّر و عدمه، كما إذا توافق الماء و النجاسة في الصفات و عليه كافّة من عاصرناهم، و عن المحقّق الخوانساري (9)

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 30.

(2) البيان: 98.

(3) فقه المعالم: 1: 47، حكاه عنه في جواهر الكلام 1: 197.

(4) جامع المقاصد 1: 114.

(5) مصابيح الأحكام في الفقه- كتاب الطهارة- ص 11 (مخطوط)- حكاه عنه في جواهر الكلام 1: 197.

(6) الحدائق الناضرة 1: 184.

(7) مسالك الافهام 1: 14.

(8) رياض المسائل 1: 13.

(9) مشارق الشموس: 203.

89

الفرق في صورة مانعيّة صفات الماء عن ظهور التغيّر بين كونها أصليّة كالمياه الزاجيّة و الكبريتيّة و بين كونها عارضيّة كالمصبوغ بطاهر، فيعتبر التقدير في الثاني دون الأوّل، فانقدح بذلك أنّ المسألة ذات أقوال ثلاث.

و تحقيق المقام: أنّ الماء إذا وافق النجاسة في الأوصاف لخلقة أو لعارض، فإمّا أن يكونا متساويين فيها بحسب المرتبة- على معنى كونهما باعتبار الوصف في درجة واحدة بأن لا يزيد الوصف في أحدهما عليه في الآخر- أو لا، و عليه فإمّا أن يكون وصف النجاسة أشدّ و أعظم من وصف الماء أو بالعكس، و الّذي يساعد عليه النظر أنّ شيئا من هذه الصور ممّا لا ينبغي الخلاف في حكمها من حيث الطهارة و النجاسة، نظرا إلى أنّ المتّجه في الاولى و الثالثة الحكم بالطهارة و في الثانية الحكم بالنجاسة.

أمّا في الصورة الاولى: فلأنّ التغيّر بحكم الحسّ و الوجدان ممّا لا يتأتّى فيما بين شيئين على نحو يكون أحدهما مغيّرا و الآخر متغيّرا إلّا إذا كانا قابلين للفعل و الانفعال- أي التأثير و التأثّر- و لا يعقل ذلك إلّا إذا كان لأحدهما مزيّة كاملة على صاحبه، على معنى اشتماله في حدّ ذاته أو لعارض على ما لا يشتمل عليه صاحبه ليكون من جهته صالحا للفعل و التأثير فيه، و معطيا إيّاه شيئا ممّا اشتمل عليه؛ ضرورة أنّ فاقد الشيء لا يعقل معطيا لذلك الشيء.

و إذا فرضنا الماء و النجس متساويين في مرتبة الوصف غير متفاوتين في الزيادة و النقيصة باعتبار ذلك الوصف فدخل أحدهما في الآخر و اختلط معه، فكيف يعقل التأثير و التأثّر فيما بينهما و تغيّر أحدهما عن صاحبه، مع أنّه لو صحّ ذلك فإمّا أن يكون من أحد الجانبين خاصّة أو من كليهما- بأن يكون كلّ مؤثّرا في الآخر و متأثّرا- و لا سبيل إلى شيء منهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ ذلك التأثير إمّا أن يكون بإحداث زيادة في وصفه و إيراث شدّة له، أو بإيجاد ضعف و خفّة في وصفه، و الأوّل محال بالنظر إلى ما أشرنا إليه من أنّ الفاقد لا يصلح معطيا، كما أنّ الثاني ممّا لا يعقل إلّا في المتخالفين من جهة الوصف كالأسود و الأبيض مثلا، فيؤثّر الأسود مثلا في الأبيض فيضعف به بياض الأبيض و المقام ليس منه، مع أنّ فرض التأثير من أحدهما دون الآخر مع فرض تساويهما من جميع الجهات

90

تجويز للترجّح بغير مرجّح، نظرا إلى أنّه لو صحّ الواحد المعيّن لذلك فصاحبه أيضا صالح له، مع أنّ ذلك ممّا يدفع ضرورة الحسّ و الوجدان و يقطع بديهة ما يشاهد بالعيان.

و إن شئت: فاستوضح ذلك بملاحظة اللبنين المتمازجين و مراعاة الأحمرين المتخالطين، فهل تجد لنفسك طريقا إلى دعوى تحقّق للفعل و الانفعال فيما بينهما أو أنّهما باقيين بعد الاختلاط و الامتزاج على ما كانا عليه قبلهما من البياض و الحمرة من دون طروّ شدّة في بياض أحدهما أو حمرته، و لا تطرّق خفّة إليهما في الآخر، غاية الأمر أنّهما لشدّة الامتزاج في أحدهما صارا كالمتّصل الواحد، على نحو كان كلّ جزء من كلّ باقيا على وصفه الأوّلي القائم به قبل الامتزاج.

و أمّا الثاني: فلأنّ تأثير كلّ في الآخر فرع لقابليّة المحلّ للتأثّر و هو باطل، لتشاغل كلّ قبل انعقاد جهة التأثير بما لو كان الآخر مؤثّرا فيه لكان هو أثره، مع أنّ حقيقة التأثير هنا ترجع إلى اكتساب الوصف بالمجاورة، و لا اكتساب إلّا في موضع الحاجة و لا حاجة إلّا للفاقد، مع أنّ تأثير كلّ في الآخر إمّا أن يكون بزيادة على ما فيه من الوصف أو بنقيصة عمّا كان فيه و لا سبيل إليهما.

أمّا الأوّل: فلأنّ تلك الزيادة إمّا أن تأتي من الخارج و المفروض خلافه، أو من قبل نفس المؤثّر و المفروض أنّه فاقد لها.

و أمّا الثاني: فلأنّ النقص في الوصف ممّا لا يتأتّى إلّا باستيلاء الوصف المخالف، و لا مخالفة بينهما في الوصف على ما هو المفروض.

و بالجملة: حصول التغيّر في الصورة المفروضة بحسب الواقع على نحو يكون مستورا عن الحسّ ممّا لا يمكن تعقّله.

و أمّا في الصورة الثانية: فلأنّ قضيّة أشدّيّة وصف النجس بالقياس إلى وصف الماء أن يتأثّر به الماء لا محالة بحدوث زيادة ما في وصفه، إذ المفروض كون النجس بحسب المقدار بحيث لو لا المانع عن ظهور أثره لأثّر و ظهر الأثر، و لا ريب أنّ الزيادة لا مانع من حصولها لقابليّة المحلّ مع وجود المقتضي فوجب حصولها و هي مع ذلك محسوسة، و إن تعذّر امتيازها عن المزيد عليه، و لعلّ كلام أهل القول بالتنجّس ناظر إلى تلك الصورة، و إن كان ممّا لا يساعد عليه إطلاقهم، و لا يلائمه التصريح بأنّ التغيّر و إن

91

كان تحقيقيّا غير أنّه مستور عن الحسّ، فإنّ قضيّة الفرض كونه محسوسا أيضا، نعم إنّما يخفى على نظر الحسّ امتياز ما حصل عمّا كان، إلّا أن يحمل كلامهم في دعوى المستوريّة على إرادة هذا المعنى، فلو تمّ هذا كلّه خرج أصل النزاع لفظيّا، إذ لا نظنّ أنّ القائلين بعدم التنجّس ينكرونه في تلك الصورة أيضا، و كأنّهم إنّما ينكرونه في الصورة المتقدّمة و إن كان لا يساعد عليه إطلاقهم أيضا، لكن لنا في أصل الحكم هنا بالنجاسة تأمّلا يأتي الإشارة إليه و إلى وجهه في ذيل المسألة.

و أمّا في الصورة الثالثة: فلأنّ قضيّة الفرض أن يؤثّر الماء في تطهير النجس، لأنّ التغيّر إنّما يحدث فيه بطروّ الزيادة في وصفه لا في الماء.

و بالجملة: نحن لا نعقل في تلك الصورة تغيّرا، بل الّذي نعقله أنّه ضعف بذلك من الماء تغيّره السابق، لا أنّه زيد على تغيّره السابق تغيّرا آخر، إلّا أن يكتفى به في الحكم بالتنجّس، بدعوى: أنّ ما حصل من الضعف في وصف الماء نحو من التغيّر فيشمله إطلاق الأدلّة و عمومها، و هو كما ترى خروج عن السداد، و عدول عن قانون الاجتهاد، لكون الأدلّة ظاهرة كالنصّ في اعتبار الأمر الوجودي في عنوان «التغيّر» الّذي انيط به الحكم، كما هو معلوم للناظر المنصف، من غير إشارة فيها إلى اعتبار الأمر العدمي أيضا، كيف و أنّ زوال التغيّر في إيجابه التنجّس يعدّ من شرائط التطهير و مقدّماته فيكون لضعفه أيضا مدخليّة في ذلك، و معه كيف يعقل موجبا للتنجّس في موضع قيام الطهارة فليتدبّر.

فنتيجة الكلام أنّ تقدير التغيّر ممّا لا حكم له في الشريعة في شيء من صور المسألة، سواء كان في موضع موافقة النجس للماء في الصفات، أو في موضع موافقة الماء للنجس- بالأصل أو بالعارض- في صفات النجس، ما لم يحدث بسبب التداخل و الامتزاج زيادة في تغيّره السابق على ورود النجس عليه أو وروده على النجس، و معه يخرج الفرض عن قاعدة التقدير حسبما قرّروها.

و أمّا ما عرفته عن المشارق (1) من الفرق في صورة موافقة الماء للنجس في الصفات بين ما لو كانت الصفات أصليّة و ما لو كانت عارضيّة فلا نعقل وجهه، إلّا أن

____________

(1) مشارق الشموس: 203.

92

يقال: بابتنائه على توهّم كون المقتضي لتنجّس الماء إنّما هو قابليّة النجاسة للتأثير فيه من حيث تغيير صفاته لا فعليّة التأثير خاصّة، و القابليّة إنّما تحصل لها في ماء يكون صفاته الأصليّة مخالفة لصفاتها، حتّى توجب تغيّرها و انقلابها إلى صفاتها، و قد حصلت هذه في فرض كون صفاته عارضيّة.

و محصّله يرجع إلى أنّ مخالفة الصفات الأصليّة للماء لصفات النجاسة شرط مقوّم للمؤثّر، مأخوذ في ماهيّته من حيث المؤثّرية، و الموافقة مانع عن التأثير فعلا لا أنّ عدمها مأخوذ في قوام المؤثّر، فمن هنا ينشأ الفرق بين الصورتين من حيث إنّ المفقود في إحداهما إنّما هو نفس المؤثّر و في الاخرى تأثيره الفعلي، و فقدان الأوّل ملزوم لفقد المقتضي للتنجّس و هو قابليّة التأثير؛ ضرورة أنّ ما لا يكون مؤثّرا تامّا لا يكون قابلا للتأثير، بخلاف فقدان الثاني فإنّه لا ينافي تحقّق القابليّة، و المفروض أنّها المقتضية للتنجّس دون ما زاد عليها.

و فيه: أنّ هذا المعنى إن اريد استفادته عن أخبار الباب أو كلام الأصحاب فلا شاهد عليه، و إلّا فلا تعويل عليه.

و أمّا حجّة هذا القول- فعلى ما حكي- وجوه:

أحدها: أنّ التأثير المقدّر على النهج المذكور لا يكون إلّا مع أثر للنجاسة صالح للتغيير لو فرض، و هذا الأثر ممّا يجب إزالته في تطهير الماء لو فرض تغيّره حسّا بنجاسة اخرى- كما يشهد به أخبار البئر- فهو مؤثّر للتنجيس أيضا.

و فيه: ما لا يخفى من التفكيك بين مقدّمتي الدليل و عدم ارتباط إحداهما بالاخرى، و مع ذلك نقول: إنّ الّذي يجب إزالته في تطهير الماء على فرض تغيّره حسّا بنجاسة اخرى إنّما هو أثر النجاسة الفعلي الحاصل في الماء، المعبّر عنه بالتغيّر، فذلك يكشف عن أنّ المؤثّر في تنجيسه أيضا أثرها الفعلي الحاصل فيه حسّا، دون ما هو صالح للحصول و لم يحصل فعلا، و إلّا لفاتت الملازمة بين ما يجب إزالته و ما هو المؤثّر في التنجيس، و معه لا نتيجة للقياس، و كون تقدير التأثير عند القائلين بالتقدير دائرا مدار أثر النجاسة صالح للتغيير لو فرض لا يقضي بكون المؤثّر في التنجيس هو الأثر الصالح للتغيير، إلّا إذا ثبت اعتبار التقدير في الشريعة كيف و لم يثبت، هذا مع ما يظهر

93

من الأدلّة أنّ المؤثّر في التنجيس إنّما هو حصول الأثر فعلا لا كونه صالحا للحصول.

و مع الغضّ عن جميع ذلك، فقد يتوجّه المنع إلى الفرق بين ما لو كان المانع عن حصول الأثر فعلا هو الصفات الأصليّة للماء أو الصفات العارضيّة، فإنّ الصفات الأصليّة إنّما هي أصليّة من جهة أنّها ليست من طواري الشخص، و إلّا فهي بالنظر إلى الماهيّة النوعيّة عارضيّة أيضا، فوجب اعتبار التقدير بالإضافة إليها أيضا و الفارق لا يصلح للفرق.

و ثانيها: أنّه لو زالت الصفة أوّلا بالنجاسة ثمّ ورد عليه الطاهر المغيّر لو لا سبق النجاسة فلا إشكال في النجاسة فكذلك العكس، لأنّا نعلم أنّ زوالها بالطاهر أوّلا لا يوجب قوّة للماء، لو لم يوجب ضعفا.

و فيه: أنّا لا ندري أنّ ذلك- مع أنّه قياس- بأيّ جامع يتمّ و بأيّ طريق يستقيم، و هو مع ذلك يقتضي ما يضادّ المطلوب، إذ كما أنّ ورود الطاهر عليه في المقيس عليه الّذي من شأنه التغيير لو لا سبق النجاسة لا يؤثّر في زوال النجاسة الحاصلة بزوال الصفة الأصليّة بالنجاسة، فكذلك يجب أن لا يكون ورود النجاسة الّتي من شأنها التغيير لو لا سبق طاهر عليها مؤثّرا في زوال الطهارة الأصليّة الثابتة للماء، بل هو أولى بعدم التأثير؛ لوضوح الفرق بين ما كان أصليّا و ما كان عارضيّا.

و دعوى العلم بأنّ زوال الصفة بالطاهر أوّلا لا يوجب قوّة للماء مسلّمة، و لكنّه يوجب قيام ما يزاحم النجاسة الواردة في اقتضائها التنجّس من جهة إناطة تأثيرها فيه بإيراث وصفها في الماء، فبذلك يظهر الفرق بين المقيس و المقيس عليه، فإنّ النجاسة في الثاني صادفت محلّا فارغا عمّا يزاحمها في التأثير، و ورود الطاهر عقيبها ليس ممّا يترتّب عليه أثر بعد ما أثّرت النجاسة أثرها، بخلاف الأوّل فإنّها إنّما صادفت محلّا مشغولا بما يزاحمها في إيراث ما عليه مدار تأثيرها في التنجّس حسبما اقتضته الدلالة الشرعيّة.

و ثالثها: أنّه لو القي في الماء طاهر و نجس بحيث استند تغيّره إليهما معا، و كان النجس بنفسه صالحا للتغيير فهذا الماء نجس قطعا، و لا وجه لذلك إلّا وقوع ما هو صالح لتغييره.

و فيه أوّلا: بطلان دعوى القطع بالنجاسة في الصورة المفروضة، و منع تأثير النجاسة في التنجّس ما لم تكن علّة تامّة للتغيّر كما سبق وجهه في الفرع الأوّل. و ثانيا:

94

منع كون الموجب للنجاسة في الصورة المفروضة مجرّد وقوع ما يصلح للتغيير، بل هو مع التأثير فيه في الجملة و لو بعنوان الجزئيّة، و لا ريب أنّ هذا المعنى ليس بموجود في مفروض المسألة و إلّا ارتفع النزاع بالمرّة.

و رابعها: أنّه لو فرض وقوع نجاسة مغيّرة إلى صفة، ثمّ وقوع نجاسة مغيّرة عنها إلى اخرى فالماء نجس يقينا، و لا وجه لمنع كون التغيّر الثاني غير مندرج في التغيّر المعتبر الواجب إزالته في التطهير، و المفروض أنّ النجاسة الثانية لم تغيّر صفة الماء المذكور في النصّ و الفتوى، و لذا لا يكفي إعادة الصفة لو فرض إمكانها، فتعيّن اعتبار الصفة الذاتيّة للماء و تقدير وقوع النجاسة حال وجودها إن وردت حال زوالها، و جعل توارد المغيّر بمنزلة توارد الناقض، فإذا توارد طاهر و نجس أثّر النجس أثره و هو المطلوب.

و فيه: ما لا يخفى من الخلط بين المسألتين، و اشتباه موضوع إحداهما بموضوع الاخرى، فإنّ وجوب التطهير حكم آخر غير ما نحن بصدده، و موضوعه إنّما هو وجود أثر النجاسة في الماء من غير فرق بين كونه هو الرافع لصفة الماء أو رافعا الرافع صفته، و لا بين كونه هو الموجب لتنجّس الماء أو أنّ الموجب غيره، و هو وارد عليه على سبيل التعاقب مصادف محلّا غير قابل للتنجّس ثانيا- بناء على أنّ النجس لا ينجّس ثانيا- فلا يلزم من كون إزالة الصفة الثانية معتبرة في التطهير كونها هي المغيّرة لصفة الماء، و لا كونها هي المقتضية لتنجّسه، بل اعتبار إزالتها إنّما هو من جهة أنّ عدمها مأخوذ في التطهير، و وجودها مانع عن حصول أثره و هو الطهارة.

و إن شئت: فلاحظ نظائر الفرض، فإنّها كثيرة جدّا.

منها: ما لو أحدث المتطهّر و نقض طهارته بحدث كالبول مثلا، ثمّ صيّر نفسه سكران بشرب الخمر و نحوه، فإنّه حينئذ لو أخذ بالوضوء و هو سكران لا ينفعه ذلك و لو كرّره بألف مرّة، بل يعتبر في حصول الطهارة حينئذ زوال حالة السكر عنه جزما، و ليس ذلك إلّا من جهة أنّ وجود السكر كما أنّه رافع للطهارة فيما لو لم يسبقه رافع آخر، فكذلك مانع عن حصولها.

و الوجه في ذلك: أنّ ما اعتبر كونه ناقضا للطهارة الحدثيّة بل الخبثيّة أيضا ليس إلّا من جهة أنّه في حدّ ذاته معاند لها.

95

و من البيّن أنّ المعاند للشيء كما أنّه يعانده في بقائه فيكون رافعا له، فكذلك يعانده في حدوثه فيكون دافعا، فنواقض الوضوء بأجمعها قد يلحقها وصف الرفع و قد يلحقها وصف الدفع، و كذلك الأسباب الموجبة لتنجّس الماء و غيره من الأشياء الطاهرة، فإنّها قد تكون رافعة للطهارة و قد تكون دافعة عنها، و ليس ذلك إلّا من جهة ما فيها من منافاتها الطهارة بقاء و حدوثا.

و قضيّة ذلك كون زوال صفة النجاسة عن الماء شرطا في تطهيره، سواء كانت نجاسته مستندة إلى تلك الصفة الموجودة أو إلى غيرها ممّا هي واردة عليه قائمة مقامه على وجه البدليّة، و لا يتولّد من تلك ما ينافي مدّعانا من أنّ المعتبر في تنجيس الماء إنّما هو وجود أثر النجاسة فيه فعلا، و لا يكفي فيه قابليّة الوجود، كما لا يلزم منه كون كلّ أثر موجود فعلا لا بدّ و أن يكون موجبا للتنجّس.

و بالجملة: ما فرضه (رحمه الله تعالى) في إثبات مطلوبه لا ربط له بالمقام أصلا، و لا أنّه معارض لمفروض المسألة، و لا مقابل له و لا شبيه به.

نعم، له مناسبة ما فيما لو قلنا بعدم التنجّس إذا وقع في الماء طاهر مغيّر له إلى صفة، ثمّ وقع نجس مغيّر له عن تلك الصفة إلى صفة اخرى و هو كما ترى ممّا لا نقول فيه بعدم التنجّس، و لا أنّه قال به أحد ممّن يحفظ عنه العلم، لتحقّق ما هو مناط التنجّس فيه، و هو حصول أثر النجاسة في الماء فعلا و تغيّره به من صفة إلى اخرى، إذ لم يعتبر في التغيّر الموجب لتنجّس الماء كونه حاصلا في صفاته الأصليّة، بل يكفي فيه لو كان حاصلا في الصفات العارضيّة أيضا، غير أنّ ذلك ممّا لا مدخل له في محلّ البحث أصلا، بل و لو قلنا فيه بعدم التنجّس لما كان فيه بعد إذا ساعدنا عليه القواعد، كأن يقال:

بأنّ الصفة المضافة إلى الماء الّتي تغيّرها النجاسة في تعليق الحكم بالتنجّس عليه ظاهرة في الصفة الأصليّة، كما يعترف به المستدلّ بعد ذلك في ثامن أدلّته فلا يشملها أدلّة الباب، و غايته الشكّ في الشمول فيرجع معه إلى الاصول المقتضية للطهارة و عدم النجاسة.

و خامسها: أنّه لو تغيّر الماء بطاهر أحمر، ثمّ بالدم ثمّ صفا الماء عن حمرة الطاهر فظهر لون الدم، فإنّ الماء نجس قطعا، و لا وجه له إلّا ما قلنا، لعدم بقاء عين النجاسة حين ظهور صفتها، و عدم تجدّد تأثيرها في الماء، فيلزم الحكم بتنجيسها من حين وقوعها.

96

و فيه: منع اعتبار قيام الأثر المؤثّر في التنجّس في تأثيره بعين النجاسة حين التأثير، بل المعتبر حصوله فعلا مع استناده إلى عين النجاسة الواقعة في الماء، سواء بقيت معه حين تأثيره في التنجّس أم زالت.

و إن شئت فقل: إنّ ما يستفاد من أدلّة الباب هو أنّ المؤثّر في نجاسة الماء ليس هو عين النجاسة و لو عارية عن أثرها، و لا أثرها كيفما اتّفق حتّى بالمجاورة، بل هو العين بشرط كونها مستتبعة لأثرها في الماء حسّا، أو هو الأثر بشرط استناده إلى وقوع العين فيه، و أمّا اشتراط بقائها حين تأثير ذلك الأثر أثره فلم يقم عليه من الشرع دلالة، فينفي احتماله بإطلاق الأدلّة المعطية إيّاه كونه مؤثّرا.

و سادسها: أنّه لو القي في الماء طاهر أحمر حتّى استعدّ لأن يحمرّ بقليل من الدم، فالقي فيه فتغيّر، فلا سبيل إلى الحكم بنجاسته كما هو ظاهر، فعلم أنّ الملحوظ في نظر الشارع حال الماء قبل حدوث الطواري، فلا عبرة بتغيّره بإعداد الطوارئ و لا بعدمه لمنعها.

و فيه: أنّ هذا الفرض داخل في جزئيّات ما فرضناه في الفرع الأوّل، لأنّ مرجعه إلى فرض كون الحمرة الناشئة من الدم جزء لعلّة التنجّس، غايته أنّه هنا جزء أخير منها، و قد تبيّن حكمه من حيث عدم إيجابه الحكم بنجاسة الماء معه، و لكنّه لا يكشف عمّا ذكر في متن الدليل، بل غايته الكشف عن كون العبرة في الموجب لتنجّس الماء في نظر الشارع بما لو كانت النجاسة علّة تامّة للتغيّر، و لا يكفي فيه كونه جزءا للعلّة، و لا يلزم من ذلك أن لا يكون في نظره عبرة بعدم الطواري، نظرا إلى أنّه لولاه كانت الطواري مانعة عن تأثّر الماء و انفعاله.

و سابعها: أنّه كما استفيد من مجموع أخبار الباب اعتبار الصفات الثلاث، كذلك المحصّل منها بعد الجمع بينها أنّ المعتبر في طهارة الماء غلبته على النجاسة و قهره لصفاتها، بحيث لا يوجد شيء منها في الماء على وجه يصلح لتغييره أصلا.

و فيه: أوّلا منع استفادة هذا المعنى من الأخبار، بل الّذي يستفاد منها بعد الجمع و إعمال القواعد- كما تقدّم- هو كون العبرة في التنجيس بغلبة صفة النجاسة على صفة الماء إذا كانت من الثلاث المذكورة.

و ثانيا: منع الملازمة بين المغيّر للماء أو ما هو صالح للتغيير و بين كونه غالبا على

97

الماء إن اريد به الغلبة بحسب الكمّ و المقدار.

نعم، إن اريد به الغلبة بحسب الكيف فاستفادة اعتبارها من الأخبار مسلّمة، و لكنّه ينافي ظاهر الدليل و ما هو غرض المستدلّ، لرجوعه إلى مختارنا من كون العبرة في التنجيس بوجود الصفة فعلا؛ إذ لا معنى للغلبة بدونه و شأنيّة الغلبة ليست من الغلبة في شيء، فإنّ أحكام الشرع واردة على الموضوعات المحقّقة، و لا ريب أنّ فرض التحقّق لا يحقّق الموضوع، و لا يجدي نفعا في ترتّب الحكم عليه ما لم يتحقّق هو بنفسه في الخارج، فتدبّر حتّى لا يختلط عليك الأمر فيما ذكرنا و ما هو المقرّر في محلّه من تعلّق أحكام الشرع بالطبائع من حيث هي دون أفرادها الموجودة في الخارج، إذ لا منافاة بين الكلامين كما يظهر بالتأمّل.

و توضيحه: أنّ حكم السببيّة للتنجيس إنّما تعلّق بماهيّة الغلبة و مفهومها مع قطع النظر عن أفرادها الخارجيّة، و هي ظاهرة في الفعليّة دون ما يعمّها و الشأنيّة، فأفرادها الموجودة في الخارج الّتي يترتّب عليها النجاسة فعلا، إنّما هي الصفات الحاصلة من النجاسة في الماء فعلا، و لا يندرج فيها ما هو صالح للحصول و لم يحصل بعد، ففرض الحصول في حقّه لا يصلح محقّقا للحصول، حتّى يندرج المفروض في أفراد ما هو موضوع الحكم.

و ثامنها: أنّه كما لا يعتبر في النجاسة إلّا صفاتها الأصليّة المستندة إليها لا صفاتها العارضيّة المستندة إلى غيرها و إن كانت هي الموجودة بالفعل، فلا تكون معتبرة في صفات الماء أيضا، لدلالة الإضافة على اعتبار الحيثيّة في الموضعين.

و فيه: أنّ مفاد هذا الدليل شيء لا يرتبط بالمبحوث عنه أصلا، فإنّ أقصى ما يدلّ عليه أنّ النجاسة لو غيّرت من الماء صفاته العارضيّة المستندة إلى الخارج لا تكون مؤثّرة في انفعاله، لدلالة إضافة الصفة- المعتبر تغيّرها- إلى الماء على الصفة الأصليّة، كما أنّ الظاهر من الصفة المضافة إلى النجاسة- المعتبر كونها مغيّرة- الصفة الأصليّة، فلو استند التغيير إلى صفتها العارضيّة كما لو القي شيء من الزعفران في البول الصافي، فالقي البول في الماء فأثّر فيه بإيراثه الصفرة فيه لا يكون موجبا للانفعال، و كلّ من ذلك كما ترى مطلب آخر خارج عن المسألة، و قد تعرّضنا لبعضه سابقا، و لعلّنا نتعرّض له و لغيره تفصيلا فيما بعد ذلك عن قريب إن شاء اللّه، فبناء المسألة على اعتبار الصفات الأصليّة و استظهار

98

ذلك عن أخبار الباب لا يجدي نفعا في مطلوبه، بعد ملاحظة ما استظهرناه منها من كون العبرة في حكم نجاسة الماء بتأثّره فعلا عن النجاسة المفقود في موضع البحث.

و لنختم المقام بإيراد فروع:

الأوّل: بناء على وجوب التقدير، إن علم في الوصف المسلوب عن النجاسة بحالته الخاصّة الّتي سلب على تلك الحالة من الأشدّيّة و الأضعفيّة و ما يتوسّط بينهما

تعيّن تقديره على تلك الحالة، فيرتّب عليه الحكم كائنا ما كان، و إلّا ففي وجوب اعتبار الأشدّ رعاية لجانب الاحتياط أو الأوسط أخذا بالغالب، أو الأضعف ترجيحا لجانب الأصل المقتضي للطهارة وجوه:

أوّلها: ما نسب إلى ظاهر العلّامة و الشهيد في نهاية الإحكام (1) و الذكرى (2).

و ثانيها: ما استظهره في الحدائق (3) و جامع المقاصد (4) على ما في عبارة محكيّة عنه، و حكي عن بعض المتأخّرين أيضا.

و ثالثها: ما حكي (5) احتماله عن بعض متأخّري المتأخّرين، و يظهر الفائدة في قلّة ما يقدّر له الوصف من النجاسة و كثرته.

و لا يبعد ترجيح الأخير عملا بالاصول- اجتهاديّة و فقاهيّة- السليمة عمّا يصلح للمعارضة، نظرا إلى أنّ الاحتياط ليس في محلّه، و أنّ الغلبة لا عبرة بها هنا لكونها ظنّا في الموضوع الصرف.

الثاني: عن المحقّق الثاني: «و هل يعتبر أوصاف الماء وسطا؟

نظرا إلى شدّة اختلافها كالعذوبة و الملوحة، و الرقّة و الغلظة، و الصفاء و الكدورة فيه احتمال و لا يبعد اعتبارها؛ لأنّ له أثرا بيّنا في قبول التغيّر و عدمه» 6.

و عن المعالم- أنّه بعد ما نقل ما ذكره المحقّق المذكور- احتماله «حيث لا يكون

____________

(1) نهاية الإحكام 1: 229 حيث قال: «و يعتبر ما هو الأحوط الخ» حكاه أيضا عنه في الحدائق الناضرة 1: 158.

(2) ذكرى الشيعة 1: 76.

(3) الحدائق الناضرة 1: 185.

(4) 4 و 6 جامع المقاصد 1: 115.

(5) حكاه في الحدائق الناضرة 1: 185.

99

الماء على الوصف القويّ، إذ لا معنى لتقديره حينئذ بما دونه» (1)، و عن بعضهم (2) أنّه استشكله بما إذا لم يكن خارجا عن أوصافه الأصليّة، و استظهر في الجواهر من الباقين عدمه، و اختاره قائلا: «و هو أولى سيّما إذا كان الماء على صفة معلومة، إذ لا معنى لفرض عدمها لعدم المانع في اختلاف المياه في الانفعال و إن كانت فردا نادرا».

ثمّ قال: «و لعلّه من ذلك ينقدح الفرق في الماء الموافق للنجاسة في الصفة بين الصفة الأصليّة و العارضيّة، فيقدّر في الثانية دون الاولى. فتأمّل» (3).

الثالث: على المختار من عدم اعتبار التقدير إن بلغ النجاسة حدّا استهلك معه الماء

فلا إشكال في النجاسة، و إن لم يستهلك فإن لم يسلبه معه إطلاق الاسم فلا إشكال في الطهارة للأصل و الاستصحاب، و إن سلبه معه الإطلاق و لم يدخل تحت الاسم فعدم كونه مطهّرا ممّا لا إشكال فيه؛ لانتفاء المائيّة حينئذ، و في كونه طاهرا وجه رجّحه في الرياض (4) استنادا إلى الأصل السالم عن المعارض، لتعارض الاستصحابين من الجانبين، و كأنّ مراده بالأصل أصالة الإباحة المقتضية لجواز الاستعمال فيما لا يجوز فيه استعمال النجس من أكل أو شرب أو نحوه، و بالاستصحابين استصحاب طهارة الماء و استصحاب نجاسة الخليط، و قد يقرّر الأصل بأصالة الطهارة و الاستصحابين بأصالة عدم ذهاب الإطلاق مع أصالة عدم ذهاب اسم الخليط، فإنّ كلّا من الذهابين أمر حادث، و الأصل يقتضي تأخّر كلّ منهما عن الآخر، فيبقى أصل الطهارة سليما، إلّا إذا كان المغيّر للماء من الأجسام الّتي علم بقاؤها بعد زوال الإطلاقيّة، فإنّ المتّجه حينئذ الحكم بالنجاسة.

الرابع: هل المعتبر في صفات الماء الّتي يغيّرها النجاسة الصفات الأصليّة؟

فلو غيّرت ما كان وصفا عارضا له حتّى عاد إلى وصفه الأصلي أو وصف ثالث لم ينجّس؟

أو لا عبرة بأصليّة الصفات فينجّس الماء بالتغيّر مطلقا؟ احتمالان: أقواهما الأوّل؛ لظهور الإضافة الواردة في الأخبار في الاختصاص، بل ظهور ألفاظ الصفات الواردة

____________

(1) فقه المعالم 1: 148.

(2) حكاه في الحدائق الناضرة 1: 185.

(3) جواهر الكلام 1: 202.

(4) رياض المسائل 1: 13.

100

فيها في الصفات الأصليّة، فإنّ الحكم معلّق على لون الماء و طعمه و رائحته، و لا شيء من الصفات العارضيّة بلون الماء و لا طعمه و لا رائحته، فلا يشمله إطلاق الأدلّة و لا عمومها، و أقلّه الشكّ في الشمول فيرجع إلى الاصول، ففي مقام التطهير يحكم بعدم المطهّريّة لاستصحاب الحالة السابقة من حدث أو خبث، و في مقام الاستعمال في مشروط بالطهارة يحكم بها استصحابا لها، و الأقوى عدم الفرق فيه بين الحكم بكونه مطهّرا أو طاهرا، للأصل المستفاد من العمومات حسبما تقدّم، فإنّ كلّا من الأمرين يدوران على المائيّة و النجاسة إن كانت مانعة، و حيث لم تكن يرتّب عليه أحكام الماء مطلقة، لصدق الاسم و عدم قيام المانع.

الخامس: بما قرّرناه من الفرع يعلم الحال فيما لو لم يكن النجاسة باقية على وصفها الأصلي،

و كان التغيير القائم بها مستندا إلى وصفها العارضي، كما لو القي فيها و هو بول صافي شيء من الزعفران، فإذا القيت في الماء أورثت فيه لون الزعفران أو رائحته و هي باقية على اسم البول، فقضيّة الأصل المذكور بقاؤه على كونه طاهرا و مطهّرا، مع اعتضاده في الأوّل باستصحاب الحالة السابقة.

السادس: إذ قد عرفت أنّ المعتبر في تنجيس الماء تغيّر وصفه المستند إلى وصف النجاسة الواقعة لا مطلقا،

ففي كون المعتبر في تأثير وصف النجاسة فيه وجود العين و بقاؤها حين تأثير الوصف و عدمه وجهان؛ لعدم ثبوت اشتراط وجود العين حين تأثير الوصف بدلالة الشرع عليه، فالأصل يقتضي عدم الشرطيّة؛ و لأنّ احتمال الاشتراط محقّق لموضوع أصل الطهارة، و موجب للشكّ في اندراج المقام في أدلّة الباب و لازمه الرجوع إلى الاصول، نظرا إلى أنّه لم يعلم من تلك الأدلّة إطلاق بحيث أوجب شمولها المقام و هذا أقرب، و اللّه العالم.

السابع: إذا كانت النجاسة في صورة موافقة الماء لها في الصفات أشدّ وصفا من الماء،

بحيث لو القيت فيه لأوجبت زيادة في وصفه الأوّلي العارضي، ففي كون ذلك من التغيّر المقتضي لنجاسة الماء و عدمه وجهان، منشؤهما الشكّ في أنّ حدوث الزيادة في الوصف العارضي للماء هل هو تغيّر له في وصفه الأصلي حتّى يندرج في أدلّة المسألة، أو تغيّر في وصفه العارضي حتّى يخرج عن تلك الأدلّة بضابطة ما قدّمنا ذكره.

101

الثامن: لو تغيّر الماء في أحد أوصافه بطاهر لم يخرج عن حكمه الأصلي

من الطهارة و المطهّريّة ما دام باقيا على إطلاق اسم المائيّة، دون ما إذا خرج عن الإطلاق، فإنّه حينئذ و إن كان طاهرا ما لم يصبه ما أوجب تنجّسه، إلّا أنّه خرج عن حكم المطهّريّة، و كلّ ذلك في مرتبة الوضوح بحيث لا يحتاج إلى الاحتجاج، و عن المحقّق في المعتبر تصريح بما ذكرناه في قوله- المحكيّ-: «لو مازج المطلق طاهر فغيّر أحد أوصافه لم يخرج بالتغيير عن التطهير ما لم يسلبه إطلاق اسم الماء، سواء كان ممّا لا ينفكّ عنه الماء كالتراب و الطحلب و الكبريت و ورق الشجر، أو ممّا ينفكّ كالدقيق و السويق، أو من المائعات كاللبن و ماء الورد و الأدهان كالبرز و الزيت، أو ممّا يجاوره و لا يشيع فيه كالعود و المسك؛ لأنّ جواز التطهير منوط بالمائيّة و هي موجودة فيه؛ و لأنّ أسقية الصحابة الأدم و هي لا تنفكّ عن الدباغ المغيّر للماء غالبا و لم يمنع منها؛ و لأنّ الماء لرطوبته و لطافته ينفعل بالكيفيّات الملائمة، فلو خرج بتغيّر أحد الأوصاف عن التطهير لعسرت الطهارة؛ و لأنّه لا يكاد ينفكّ عن التكيّف برائحة الإناء» (1)، و يقرب من ذلك ما ذكره غير واحد من الأصحاب، منهم الشهيد في الذكرى (2).

و على قياس ما ذكرناه ما لو تغيّر الماء من قبل نفسه لطول مدّة مكثه فإنّه إن بقي على إطلاق اسمه عليه كان طاهرا مطهّرا، و إلّا خرج عن المطهّريّة، و عن المعتبر 3 أيضا التصريح به، مع تصريحه بكراهة استعماله إن وجد غيره، مستندا في ذلك إلى رواية الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الماء الآجن يتوضّأ منه، إلّا أن تجد [ماء] غيره» 4؛ و لأنّه يستخبث طبعا فكان اجتنابه أنسب بحال المتطهّر، و في منتهى العلّامة 5 ما يقرب من ذلك فتوى و حجّة، إلّا أنّه أضاف إلى الرواية المذكورة ما رواه الجمهور «أنّه (عليه السلام) توضّأ من بئر بضاعة و كان ماؤها نقاعة الحنّاء» 6.

____________

(1) 1 و 3 المعتبر: 8.

(2) ذكرى الشيعة 1: 75.

(3) 4 الوسائل 1: 138، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 2- الكافي 3: 4/ 6- التهذيب 1: 408/ 1286.

(4) 5 منتهى المطلب 1: 23.

(5) 6 المغني لابن قدّامة 1: 42- سنن النسائي 1: 174.

102

ينبوع [في نوع الماء بما هو هو من دون نظر إلى أقسامه الخاصّة المندرجة تحته]

ما عرفت من البحث في العنوانين المتقدّمين بحث يلحق نوع الماء بما هو هو من دون نظر إلى أقسامه الخاصّة المندرجة تحته، فأحدهما: ما لحقه باعتبار خلقته الأصليّة من حيث إنّ خلقته هل هي على وصف الطهارة أو لا؟.

و ثانيهما: ما لحقه باعتبار الطوارئ اللاحقة به من حيث قبوله من جهتها النجاسة و عدمه، و قد عرفت ما هو التحقيق في كلا المقامين.

ثمّ، إنّ هاهنا عناوين اخر مخصوصا كلّ واحد منها بقسم خاصّ من أقسامه المتقدّم إليها الإشارة في الجملة، و من جملة تلك العناوين ما هو مخصوص بالكثير الراكد في مقابلة القليل، و البحث في هذا العنوان يلحقه من جهات:

الجهة الاولى: [في تقدير الكثير]

اختلف العلماء من الخاصّة و العامّة في تقدير الكثير الّذي لا يقبل الانفعال بمجرّد ملاقاة النجاسة، ففي منتهى العلّامة (1) عن الشافعي و أحمد أنّهما ذهبا إلى تقديره بالقلّتين (2)، احتجاجا بقوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا بلغ الماء قلّتين لم يحمل خبثا» (3).

و عن أبي حنيفة (4): «إن كان الماء يصل بعضه إلى بعض نجس بحصول النجاسة فيه و إلّا فلا، و اختلف أصحابه في تفسير هذا الكلام، فعن أبي يوسف و الطحاوي تفسيره بحركة أحد الجانبين عند حركة الآخر و عدمها (5)، فالموضع الّذي لم يبلغ التحرّك إليه لا ينجّس.

____________

(1) منتهى المطلب 1: 33.

(2) أحكام القرآن- للجصّاص- 3: 341، المغني لابن قدّامة 1: 52، بداية المجتهد 1: 24، التفسير الكبير 24: 94، مغني المحتاج 1: 21، تفسير القرطبي 13: 42، سنن الترمذي 1: 98- 99.

(3) سنن الترمذي 1: 97/ 67- سنن النسائي 1: 175- سنن الدارقطني 1: 16/ 7.

(4) بداية المجتهد 1: 13، سبل السلام 1: 20.

(5) تفسير القرطبي 13: 42.