ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
103

و عن بعضهم (1) تفسيره: بأنّ ما كان كلّ من طوله و عرضه عشرة أذرع في عمق بئر لا ينجّس، فإن كان أقلّ نجس بالملاقاة للنجاسة، و إن بلغ ألف قلّة.

و عن المتأخّرين من أصحابه (2) القول بأنّ الاعتبار بحصول النجاسة علما أو ظنّا، و الحركة اعتبرت للظنّ، فإن غلب ظنّ الخلاف حكم بالطهارة.

و عن الشيخين (3) من أصحابنا و السيّد المرتضى (4) و أتباعهم الذهاب إلى التقدير بالكرّ، و عزاه إلى الحسن بن صالح بن حيّ عن محكي الطحاوي (5) و (6)، و لعلّه لا خلاف في ذلك بين أصحابنا، فهو الحقّ لوضوح فساد غيره ممّا ذكر، مضافا إلى قيام أدلّة محكمة من الأخبار و غيرها على تقديره بالكرّ.

و من جملة ذلك ما احتجّ به العلّامة في المنتهى قائلا: «لنا: ما رواه الجمهور عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (7)، و في رواية «لم يحمل خبثا» (8) و من طريق الخاصّة ما رواه الشيخ في الصحيح عن معاوية بن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (9)، و لأنّ الأصل الطهارة خرج ما دون الكرّ

____________

(1) شرح فتح القدير 1: 71، 70- بدائع الصنائع 1: 71، 73- عمدة القاري 3: 159، المبسوط للسرخي 1: 71، سبل السلام 1: 17.

(2) أحكام القرآن- للجصّاص- 3: 340، التفسير الكبير 24: 94.

(3) المفيد في المقنعة: 8 و الطوسي في المبسوط 1: 6.

(4) الجمل و العلم (رسائل الشريف المرتضى 1: 22)- الانتصار: 8.

(5) هو: أبو جعفر أحمد بن محمّد بن سلامة الأزديّ الحجريّ المصريّ الطحاويّ، شيخ الحنفيّة، روى عن هارون بن سعيد الأيلي و عبد الغني بن رفاعة و طائفة من أصحاب ابن عينية، و روى عنه أحمد بن القاسم الخشّاب و الطبراني، له تصانيف كثيرة، ولد سنة 237 هو مات سنة 321 هتذكرة الحفّاظ 3: 808؛- شذرات الذهب 2: 288-؛ وفيات الأعيان 1: 71.

(6) لم نعثر على حكاية الطحاوي فيما بأيدينا من المصادر، و نقل السيد المرتضى في الانتصار: 8 هذا القول من الكتاب الطحاوي الموسوم ب«اختلاف الفقهاء».

(7) الفائق 3: 258، غريب الحديث- للهروي- 1: 338.

(8) سنن الترمذي 1: 97 ح 67- سنن النسائي 1: 46، سنن أبي داود 1: 17 ح 63- سنن البيهقي 1: 261- مسند أحمد 2: 12- سنن الدارقطني 1: 14- 15 ح 2- 3.

(9) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- رواه في التهذيب 1: 40/ 109 بسند آخر- الاستبصار 1: 6/ 2.

104

بما نذكره فيبقى الباقي على الأصل، إلى أن يظهر مناف» (1) انتهى.

و إن كان هذا الوجه الأخير لا يخلو عن مناقشة من جهة أنّه بانفراده لا يصلح دليلا على أنّ الكثير الّذي لا ينفعل بالملاقاة هو الكرّ، إلّا بضميمة الأخبار الفارقة بين الكرّ و ما دونه، و معه يرجع الحجّة إلى الوجه السابق، فلا يكون دليلا على حدّة كما لا يخفى.

نعم، لو كان ما دلّ الأخبار على انفعاله بها مبيّنا، و قدرا معيّنا بنفس تلك الأخبار فشكّ في حكم ما زاد عليه اتّجه الرجوع إلى الأصل، و لكنّ المقام ليس منه، لأنّ تعيين ما علم بانفعاله منوط بتعيين ما لا ينفعل، و لا يتأتّى ذلك إلّا بالأخبار الفارقة، و كيف كان فتحديد الكثير بما ذكر قد ورد- مضافا إلى ما تقدّم- في أخبار كثيرة قريبة من حدّ التواتر.

منها: ما رواه الشيخ في التهذيب في باب آداب الأحداث، و في الاستبصار في باب القدر الّذي لا ينجّسه شيء، في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه سئل عن الماء تبول فيه الدوابّ، و تلغ فيه الكلاب، و يغتسل منه الجنب؟ قال (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء». (2)

و منها: نظيره في الكافي في باب الماء الّذي لا ينجّسه شيء، عن محمّد بن مسلم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الّذي تبول فيه الدوابّ» (3) الخ.

و منها: ما رواه الشيخ في التهذيب في زيادات باب المياه، في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه، قال: قلت له: الغدير ماء مجتمع تبول فيه الدوابّ و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء و الكرّ ستّمائة رطل» (4).

و منها: ما رواه في الكافي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء في الركي كرّا لم ينجّسه شيء، قلت: و كم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاث أشبار و نصف عرضها» (5).

____________

(1) منتهى المطلب 1: 34.

(2)- الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 39/ 107 و 226/ 651 الاستبصار 1: 6/ 1 و 20/ 45.

(3) الكافي 1: 2/ 2.

(4) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 414/ 1308- الاستبصار 1: 11/ 17.

(5) الوسائل 1: 160، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8- الكافي 3: 2/ 4.

105

و هذه الرواية و إن كانت ضعيفة بالحسن بن صالح الثوري إلّا أنّها في حكم الصحيح بوجود ابن محبوب في سندها، الّذي هو من أصحاب الإجماع، ولي فيها بعد تأمّل يأتي وجهه في مسألة تحديد الكرّ.

و منها: ما رواه الشيخ في التهذيب في باب زيادات المياه، في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباهها تطأ العذرة، ثمّ تدخل في الماء يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا إلّا أن يكون الماء كثيرا قدر كرّ من ماء» (1).

و منها: ما رواه في التهذيب أيضا في باب آداب الأحداث، في الصحيح عن إسماعيل بن جابر، قال: سألت أبا عبد اللّه عن الماء الّذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «كرّ» (2).

و بالجملة: هذا الحكم بملاحظة تظافر الروايات الصحيحة عليه مع انضمام عمل الأصحاب عليها من قطعيّات الفقه الّتي لا يمكن الاسترابة فيها، نعم ربّما يوجد في أخبارنا ما يقضي منها بما يخالف ذلك ظاهرا، مثل ما في التهذيب في زيادات باب المياه، في المرسل عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجّسه شيء، و القلّتان جرتان» (3)، و ما رواه في الكافي- في الصحيح- عن زرارة قال: «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شيء الخ» (4).

و لكن الأمر في ذلك هيّن بعد ملاحظة سقوط هذا النوع من الأخبار عن درجة الاعتبار، من جهة كونها معرضا عنها الأصحاب كلمة واحدة، مع ملاحظة ظهور احتمال خروجها مخرج التقيّة كما هو واضح في خبر القلّتين، لموافقته مذهب الشافعي (5) و أحمد 6 من العامّة كما عرفت، مضافا إلى إمكان تطرّق التأويل إليها بحمل القلّتين أو الراوية أو غيرهما على ما يسع مقدار الكرّ كما صنعه الشيخ في التهذيب 7

____________

(1) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 419/ 1326- مسائل عليّ بن جعفر: 193/ 403.

(2) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 41/ 115.

(3) الوسائل 1: 166، ب 11 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 415/ 1309 الاستبصار 1: 7/ 6.

(4) الوسائل 1: 140، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 9- الكافي 3: 2/ 3- التهذيب 1: 42/ 117- الاستبصار 1: 6/ 4.

(5) 5 و 6- تقدّم في الصفحة 92 الهامش رقم 2.

(6) 7 التهذيب 1: 415 ذيل الحديث 1309.

106

و تصدّى لبيان تفصيله صاحب الحدائق (1)، فمن أراده فعليه بمراجعة كلامه.

و كيف كان: فحكم المسألة واضح بحمد اللّه سبحانه، و لا يقتضي لأجل ذلك زيادة كلام في تحقيقه.

الجهة الثانية: [عدم انفعال الكر بملاقاة النجس]

لا فرق فيما تقدّم من حكم عدم انفعال الكرّ بملاقاة النجاسة بين شيء من أفراده حتّى ما في الحياض و الأواني كما عليه المعظم، و ادّعى عليه الشهرة على حدّ الاستفاضة، بل الإجماع في بعض العبائر، بناء على شذوذ المخالف و انقطاع خلافه، حيث لم ينسب الخلاف إلّا إلى المفيد (2) و السلّار (3) لمصيرهما إلى الانفعال في الحياض و الأواني و إن كان كرّا.

لنا: عموم ما تقدّم من أخبار الكرّ المعتضد بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، و الأصل المتقدّم تحقيقه، مع عموم الروايات المتقدّمة، القاضية بحصر الانفعال في التغيّر، الصادق عليها قضيّة قولهم: «خرج ما خرج و بقى الباقي»، الّذي منه الكرّ بجميع أفراده.

مضافا إلى خصوص ما في التهذيب و الاستبصار و الكافي عن صفوان الجمّال قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض الّتي ما بين مكّة إلى المدينة تردها السباع، و تلغ فيها الكلاب، و تشرب منها الحمير، و يغتسل منها الجنب، أ يتوضّأ منها؟ فقال (عليه السلام) «و كم قدر الماء؟ قلت: إلى نصف الساق و إلى الركبة، فقال (عليه السلام): توضّأ منه» (4).

و ما تقدّم من رواية العلاء بن الفضيل، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها؟ قال: «لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» (5).

و ما في التهذيب و الفقيه عن إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه (عليه السلام) أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) أتى الماء فأتاه أهل الماء فقالوا: يا رسول اللّه إنّ حياضنا هذه تردها السباع و الكلاب و البهائم، قال (صلى الله عليه و آله): «لها ما أخذت بأفواهها و لكم سائر ذلك» (6).

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 250.

(2) المقنعة: 64.

(3) المراسم العلويّة: 36.

(4) الوسائل 1: 162، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12- التهذيب 1: 417/ 1317- الاستبصار 1: 22/ 54- الكافي 3: 4/ 7.

(5) الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 415/ 1311، الاستبصار 1: 7/ 7.

(6) الوسائل 1: 161، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 10- التهذيب 1: 414/ 1307 الفقيه 1: 8/ 10.

107

و ما عن التهذيب عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «و لا يشرب من سؤر الكلب إلّا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه» (1).

و ليس للمخالف إلّا ما حكي عنه من عموم النهي عن استعمال ماء الأواني مع ملاقاته الكرّ، و كأنّ مراده به ما توهّمه عن روايات كثيرة:

منها: ما في الكافي عن شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها- «أنّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء» (2).

و منها: ما في التهذيب في الموثّق عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أصاب الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إن لم يكن أصاب يده شيء من المنيّ» (3).

و منها: ما في التهذيب أيضا في الموثّق عن عمّار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدّن يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه الخلّ أو [ماء] (4) كامخ أو زيتون؟

قال: «إذا غسل فلا بأس»، و عن الإبريق يكون فيه خمر أ يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال:

«إذا غسل فلا بأس» (5).

و منها: ما عن قرب الإسناد و الوسائل عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال:

سألته عن الشرب في الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو باطية، قال (عليه السلام): «إذا غسله لا بأس» (6).

و منها: ما في التهذيب عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي، قال: سألت أبا الحسن عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة، قال: «يكفئ الإناء» (7).

و منها: ما في الكافي في الموثّق بسماعة بن مهران عن أبي بصير عنهم (عليهم السلام) قال:

«إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلّا أن يكون أصابها قذر بول أو

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 3- التهذيب 1: 226/ 650.

(2) الوسائل 1: 152، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 3- الكافي 3: 11/ 3.

(3) الوسائل 1: 153، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 9- التهذيب 1: 37/ 99.

(4) هكذا في المصدر.

(5) التهذيب 1: 283/ 830- الوسائل 3: 494، ب 51 من أبواب النجاسات ح 1- الكافي 6: 427/ 1.

(6) الوسائل 25: 369، ب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5- قرب الإسناد: 116- مسائل عليّ بن جعفر: 154/ 212.

(7) التهذيب 1: 39/ 44.

108

جنابة، فإن أدخلت يدك في الإناء و فيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء» (1). و منها: ما في التهذيب و الاستبصار في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن الكلب يشرب من الإناء؟ قال: «اغسل الإناء» الخ (2).

و منها: ما في التهذيب في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن خنزير يشرب من إناء كيف يصنع به، قال: «يغسل سبع مرّات» (3).

و منها: ما في الكافي في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال:

سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ فقطر قطرة في إنائه هل يصلح للوضوء منه؟ قال: «لا» (4).

و منها: ما في التهذيب و الاستبصار عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟

قال (عليه السلام): «يهريقهما و يتيمّم إن شاء» (5).

و منها: ما في التهذيب عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء وقع في أحدهما قذر لا يدري أيّهما هو، و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال (عليه السلام): «يهريقهما جميعا و يتيمّم» (6).

و منها: ما في التهذيب عن حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا ولغ الكلب في الماء أو شرب منه اهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرّات، مرّة بالتراب و مرّتين بالماء، ثمّ يجفّف» (7).

و منها: ما عن قرب الإسناد عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال:

____________

(1) الوسائل 1: 152، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 4- الكافي 3: 11/ 1.

(2) الوسائل 1: 226، ب 1 من أبواب الأسآر ح 3- التهذيب 1: 225/ 644 الاستبصار 1: 18/ 39.

(3) الوسائل 1: 226، ب 1 من أبواب الأسآر ح 2- التهذيب 1: 261/ 759.

(4) الوسائل 1: 150، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1- الكافي 3: 74/ 16 مسائل عليّ بن جعفر.

119/ 64- التهذيب 1: 412/ 1299.

(5) الوسائل 1: 151، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 2- الكافي 3: 10/ 6- التهذيب 1: 249/ 713.

(6) الوسائل 1: 155، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 14- التهذيب 1: 248/ 712 و في 1: 407/ 1281 أورده بسند آخر.

(7) التهذيب 1: 225/ 645 و فيه: «عن حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «إذا ولغ الكلب في الإناء فصبّه».

109

سألته عن حبّ ماء وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء؟ قال (عليه السلام): «لا يصلح» (1).

و الجواب أوّلا: بأنّه أخصّ من المدّعى لعدم شمول النهي المستفاد من الروايات ماء الحياض.

و ثانيا: بكونه منزّلا على ما دون الكرّ بملاحظة الغلبة، فإنّ الغالب في الإناء أنّها لا تسع الكرّ.

و ثالثا: بأنّه لا يصلح للمعارضة لعموم ما دلّ على عدم انفعال الكرّ بالملاقاة، و إن كان النسبة بينهما عموم من وجه، لاعتضاد ذلك بعمل المعظم و إعراضهم عن الطرف المقابل، سلّمنا و لكن أقلّه أنّه لا رجحان للطرف المقابل أيضا، فيؤول الأمر إلى تساقط العامّين بالنسبة إلى مورد الاجتماع فيرجع في حكمه إلى الاصول، لبقائها سليمة عن المعارض.

لا يقال: لا عموم في أخبار الكرّ بحيث يشمل الأواني؛ لأنّ الغالب فيها عدم اتّساعها الكرّ، فإنّ ذلك معارض بالمثل كما أشرنا إليه في ثاني الأجوبة.

ثمّ اعلم: أنّه ربّما ينزّل كلام المفيد و السلّار على ما يوافق المذهب المشهور، فيستظهر بذلك الإجماع على عدم الفرق حسبما ادّعيناه، كما في المدارك (2) و الرياض (3) و المناهل (4) و غيره، و أوّل من فتح هذا الباب العلّامة في المنتهى، فقال:

«و الحقّ أنّ مرادهما بالكثرة هنا الكثرة العرفيّة بالنسبة إلى الأواني و الحياض الّتي تسقى منها الدوابّ، و هي غالبا تقصر عن الكرّ» (5).

ثمّ تبعه بعده صاحب المدارك (6) و سلك هذا المسلك بعدهما صاحب الرياض (7) و ولده الشريف في المناهل (8)، و كتابه الآخر (9) الحاضر عندنا الآن، و نسبه في الرياض 10 إلى الشيخ الّذي هو تلميذ المفيد، و حكاه صاحب الحدائق عن بعض مشايخه المحقّقين من متأخّري المتأخّرين فاستبعده قائلا: «بأنّه لا يخفى بعد ما استظهره (قدّس سرّه) كما يظهر

____________

(1) الوسائل 1: 156، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 16- مسائل عليّ بن جعفر 197/ 420.

(2) مدارك الأحكام 1: 52.

(3) رياض المسائل 1: 136.

(4) المناهل الورقة: 106- كتاب الطهارة- (مخطوط).

(5) منتهى المطلب 1: 53.

(6) مدارك الأحكام 1: 52.

(7) 7 و 10 رياض المسائل 1: 136.

(8) المناهل: 106.

(9) لم نعثر عليه.

110

ذلك لمن لاحظ عبارة المقنعة، سيّما و قد قرن الحياض و الأواني في تلك العبارة بالبئر، مع أنّ مذهبه فيها النجاسة و إن بلغت كرّا» (1).

و الحقّ كما فهمه (رحمه الله)، ضرورة عدم كون الاستظهار المذكور في محلّه، لكونه ممّا يأبى عنه العبارة المحكيّة عن المقنعة، الظاهرة كالصريح بل الصريحة فيما أسند إليه من المخالفة.

فإن شئت لاحظ قوله: «و إذا وقع في الماء الراكد شيء من النجاسات و كان كرّا و قدره ألف و مائتا رطل بالبغدادي، و ما زاد على ذلك لم ينجّس إلّا أن يتغيّر به، كما ذكرنا في المياه الجارية، هذا إذا كان الماء في غدير أو قليب، فأمّا إذا كان في بئر أو حوض أو إناء فإنّه يفسد بسائر ما يموت فيه من ذوات الأنفس السائلة، و بجميع ما يلاقيه من النجاسات، و لا يجوز التطهّر به حتّى يطهّر، و إن كان الماء في الغدران و القلبان دون ألف رطل و مائتي رطل جرى مجرى مياه الآبار و الحياض الّتي يفسدها ما وقع فيها من النجاسات، و لم يجز الطهارة به» (2) انتهى.

و الدليل على كون ذلك صريحا أو ظاهرا في غير ما فهمه الجماعة امور:

منها: ما نبّه عليه صاحب الحدائق كما عرفت.

و منها: ما استدركه بقوله: «هذا إذا كان الماء في غدير أو قليب، فأمّا إذا كان في بئر أو حوض أو إناء إلخ»، فإنّه استدراك عمّا فرضه أوّلا من موضوع المسألة و هو الكرّ، و خصّه بما كان في غدير أو قليب نظرا إلى أنّ الماء في قوله: «هذا إذا كان الماء» بقرينة سبق الفرض في خصوص الكرّ أراد به ذلك المفروض، و إلّا لكانت الإشارة و دعوى الاختصاص كذبا، فيكون الضمير في قوله: «فأمّا إذا كان في بئر إلخ» عائدا إلى ذلك الّذي اريد منه الكرّ، و إلّا لما حصلت المطابقة بين الضمير و المرجع إلّا بتأويله إلى نوع من الاستخدام، و هو كما ترى.

و منها: قوله: «و إن كان الماء في الغدران و القلبان دون ألف رطل و مائتي رطل» فإنّه عطف على قوله: «و إذا وقع في الماء الراكد» باعتبار ما اخذ فيه من قيد الكرّيّة، فلو لا الحكم في المعطوف عليه مخصوصا بالغدران و القلبان و لم يكن الكرّ من الحياض

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 226.

(2) المقنعة: 64.

111

و الأواني خارجا عن موضوع هذا الحكم لما كان لإفراد الغدران و القلبان في المعطوف بالذكر وجه، بل لم يكن للتنبيه على حكم البئر و الحوض و الإناء قبل ذلك وجه لو كان مراده بها ما دون الكرّ خاصّة، بل كان اللازم أن يسقط ما ذكره أوّلا، ثمّ عمّم الحكم في المعطوف على وجه يشمل الحوض و الإناء و البئر أيضا.

و منها: قوله: «جرى مجرى مياه الآبار و الحياض» فإنّ هذا التنظير لا يكون مستحسنا إلّا إذا غاير الفرع الأصل ذاتا، و لا ريب أنّ مجرّد كون الماء في الغدير و القليب مع كونه في البئر و الحوض مع فرض كونهما معا ما دون الكرّ لا يستدعي تلك المغايرة لكون الجميع حينئذ من واد واحد، فلا وجه لتنظير بعضه على بعض، فلا بدّ من أن يعتبر المغايرة بينهما بكون المراد من الأصل خصوص الكرّ أو ما يعمّه و ما دونه و من الفرع ما دونه خاصّة، كما هو صريح الفرض بالنسبة إليه، و لا ينافي شيئا من ذلك الوصف بالموصول في قوله: «و الحياض الّتي يفسدها ما وقع فيها» بعد ملاحظة إمكان كونه وصفا توضيحيّا، كما هو ظاهر المقام بملاحظة سياق الكلام.

و مثله في الصراحة أو الظهور ما حكي عن مراسم السلّار من قوله: «و لا ينجّس الغدران إذا بلغت الكرّ، و ما لا يزول الحكم بنجاسته فهو ما في الأواني و الحياض، فإنّه يجب إهراقه و إن كثر» (1) انتهى.

فإنّ التعبير ب«ما لا يزول الحكم بنجاسته فهو إلخ»، تصريح بأنّ هذا الحكم من لوازم الماهيّة بالنسبة إلى ما في الأواني و الحياض الّتي لا تنفكّ عنها أبدا، و قضيّة ذلك تعدّي الحكم إلى ما يبلغ منه حدّ الكرّ أيضا، كما أوضحه بقوله: «و إن كثر».

و دعوى: أنّ الكثرة هنا مراد بها العرفيّة الصادقة على ما دون الكرّ أيضا.

يدفعها: ظهور السياق أوّلا، و كون إفراد ما في الأواني و الحياض بالذكر لغوا ثانيا، لجريان الحكم المذكور في كلّ ما يكون دون الكرّ جزما.

و ربّما يظهر من عبارة الشيخ في النهاية موافقته لهما في الأواني خاصّة، و هي على ما في محكيّ الحدائق (2) قوله: «و الماء الراكد على ثلاثة أقسام، مياه الغدران و القلبان

____________

(1) المراسم العلويّة: 36.

(2) الحدائق الناضرة 1: 227.

112

و المصانع (1) و مياه الأواني المحصورة و مياه الآبار، فأمّا مياه الغدران و القلبان فإن كان مقدارها مقدار الكرّ فإنّه لا ينجّسها شيء، إلّا ما غيّر لونها أو طعمها أو ريحها، و إن كان مقدارها أقلّ من الكرّ فإنّه لا ينجّسها كلّ ما وقع فيها من النجاسة، و أمّا مياه الأواني المحصورة فإن وقع فيها شيء من النجاسات أفسدها، و لم يجز استعمالها». انتهى ملخّصا (2).

وجه الدلالة في ذلك: أنّه فصّل في الحكم بالنجاسة و عدمها بالنسبة إلى الغدران و القلبان بين ما كان منها قدر الكرّ و ما دونه، و تنحّى عن هذا المسلك في خصوص الأواني فأطلق فيها الحكم بالنجاسة، و قضيّة ما عنه- من أنّ طريقته في النهاية أنّه لا يذكر فيها إلّا متون الروايات من غير تفاوت، أو مع تفاوت يسير لا يخلّ بالمعنى- كون هذه الجملة مضمون الرواية و إن كانت مرسلة.

و لكن يضعّفه: ما سبق في منع الاحتجاج بما تقدّم من الروايات في تفصيل بيان حجّة المفيد و السلّار، مع إمكان أن يقال: إنّ مراده بالأواني خصوص ما لا يسع الكرّ. كما يفصح عنه الوصف، نظرا إلى أنّ الحصر ممّا لا معنى له ظاهرا إلّا الضيق- كما هو أحد معانيه المذكورة في كلام أهل اللغة- فيراد بالأواني المحصورة الأواني الضيّقة. فليتدبّر.

الجهة الثالثة: [في اشتراط القلة للانفعال]

إذ قد عرفت أنّ فائدة ما أسّسناه في أوّل عناوين الكتاب من الأصل العامّ المستنبط عن عمومات طهارة الماء و طهوريّته، تظهر فيما لو شكّ فيهما من جهة الطواري بعد إحراز الإطلاق و صدق الاسم بالتفصيل الّذي تقدّم بيانه، فهل يجوز إجراء هذا الأصل في مشكوك الكرّيّة و عدمها من جهة الشكّ في المصداق، كما لو وجد الماء في غدير ابتداء و كان مردّدا بين الكرّ و ما دونه، أو في اندراج المشكوك فيه تحت موضوع الكرّ باعتبار الشبهة في شرطيّة شيء له، أو للحكم المعلّق عليه، كالوحدة و الاجتماع و تساوي السطوح و نحوه ممّا اختلف في اعتباره في الكرّ موضوعا أو حكما- على ما ستعرف تفصيله- أو لا؟ وجهان:

أوّلهما: ما يظهر عن الرياض حيث قال- في الكتاب مستدلا على ما اختاره في

____________

(1) الصنع بالكسر الموضع الّذي يتّخذ الماء و الجمع أصناع، و يقال له مصنع و مصانع، و المصنع ما يضع مجمع الماء كالبركة و نحوها، و الجمع مصانع، كذا في المجمع (منه).

(2) النهاية: 3- 4.

113

المسألة الآتية من كفاية الاتصال مطلقا في عدم انفعال الكثير بالملاقاة، و عدم اشتراطه بتساوي السطوح مطلقا-: «بأنّ ذلك إمّا بناء على اتّحاد الماءين عرفا و إن تغايرا محلّا فيشمله عموم ما دلّ على عدم انفعال الكرّ، أو بناء على عدم العموم فيما دلّ على انفعال القليل، نظرا إلى اختصاص أكثره بصور مخصوصة ليس المقام منها، و ظهور بعض ما لم يكن كذلك في المجتمع و عدم ظهور غيره في غيره بحيث يشمل المفروض، فيسلم حينئذ الأصل و العمومات المقتضية للطهارة بحالها» (1).

و ذكر نظير ذلك عقيب ما ذكر عند دفع استدلال من ذهب في عدم انفعال الكرّ إلى اشتراط المساواة» 2.

ثمّ وافقه على ذلك جماعة ممّن عاصرناهم و غيرهم و منهم شيخنا في الجواهر، فقال: «متى شكّ في شمول إطلاقات الكرّ لفرد من الأفراد و شكّ في شمول القليل فلم يعلم دخوله في أيّ القاعدتين، فالظاهر أنّ الأصل يقضي بالطهارة و عدم تنجّسه بالملاقاة، نعم لا يرفع الخبث به بأن يوضع المتنجّس فيه كما يوضع في الجاري و الكثير، و إن كان لا يحكم عليه بالنجاسة بمثل ذلك بل يحكم عليه بالطهارة، فيؤخذ منه ماء و يرفع به الخبث على نحو ما يرفع بالقليل، و لا مانع من رفع الحدث به لكونه ماء طاهرا، و كلّما كان كذلك يجري عليه الحكم، و كان السبب في ذلك أنّ احتمال الكرّيّة فيه كافية في حفظ طهارته و عدم نجاسته بملاقاة النجاسة» 3.

و ثانيهما: ما صار إليه شيخنا الآخر في شرحه للشرائع، قائلا- بعد ما أفاد طريق المسألة حسبما نشير إليه إجمالا-: «بأنّه لا بدّ من الرجوع إلى أصالة الانفعال عند الشك في الكرّيّة، سواء شكّ في مصداق الكرّ أو مفهومه، كما إذا اختلف في مقدار الكرّ أو في اعتبار اجتماعه أو استواء سطوح أجزائه و لم يكن هناك إطلاق في لفظ الكرّ «نحوه ليرجع إليه» 4.

ثمّ عزاه بعد كلام طويل في إثبات تلك المقالة إلى جماعة من أصحابنا، حيث قال:

____________

(1) 1 و 2 رياض المسائل 1: 137.

(2) 3 جواهر الكلام 1: 319.

(3) 4 و هو الشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الطهارة: 1: 160.

114

«و لأجل بعض ما ذكرنا أفتى جماعة كالفاضلين (1) و الشهيد (2) بنجاسة الماء المشكوك في كرّيّته، نظرا إلى أصالة عدم الكرّيّة الحاكمة على استصحاب طهارة الماء» (3) الخ.

و ممّن يظهر منه الموافقة له في تلك المقالة صاحب الحدائق (4) حيث إنّه بعد ما بنى في المسألة الآتية على التوقّف، حكم في حكم موضوع المسألة بالاحتياط المقتضي للتحرّز عن مثل هذا الماء، بل هو صريح جماعة آخرين منهم صاحب المعالم (5) و غيره.

و تحقيق المقام: مبنيّ على النظر في أنّ مفاد الأخبار الفارقة بين الكرّ و ما دونه بانفعال الثاني دون الأوّل، هل هو مانعيّة الكثرة الكرّيّة عن الانفعال أو شرطيّة القلّة للانفعال؟

فعلى الأوّل يترتّب الحكم في موضع الشكّ بالانفعال، لضابطتهم المقرّرة من أنّ المانع المشكوك في وجوده محكوم عليه بالعدم، فيتفرّع عليه خلاف مقتضاه من عدم الانفعال، و على الثاني يترتّب الحكم في موضع الشكّ بعدم الانفعال، لمكان أنّ الشرط المشكوك في تحقّقه يحكم عليه بالعدم، فيتفرّع عليه الحكم بخلاف المشروط به.

أو على النظر في أنّ مفاد الأدلّة المخرجة للقليل عن العمومات القاضية بالطهارة و عدم الانفعال بشيء هل هو شرطيّة الكرّيّة لعدم الانفعال؟ حتّى يكون المجموع من المخصّص و المخصّص نظير ما لو قيل: «أكرم العلماء إن كانوا عدولا»، أو شرطيّة القلّة للانفعال حتّى يكون المجموع من المخصّص و المخصّص نظير ما لو قيل: «أكرم العلماء إلّا الفسّاق منهم»، حيث إنّ الفسق في ذلك شرط لعدم وجوب الإكرام.

و الّذي يساعد عليه النظر، و يقتضيه أدلّة الباب عموما و خصوصا، أنّ الحقّ ما فهم الأوّلون خلافا للآخرين، و أنّ أصل الطهارة ممّا لا مجال إلى رفع اليد عنه ما دام محكّما- كما سبق- و جاريا كما في المقام، و الوجه في ذلك أنّ الظاهر المنساق من العمومات المحقّقة لذلك الأصل كون الطهارة و عدم قبول الانفعال إنّما هو من مقتضى الطبيعة المائيّة بحسب خلقتها الأصليّة كما يفصح عنه التعبير بالخلق في قوله (صلى الله عليه و آله): «خلق اللّه الماء

____________

(1) و هما العلّامة في منتهى المطلب 1: 54 و المحقّق في المعتبر: 11.

(2) ذكرى الشيعة 1: 81.

(3) و هو الشيخ مرتضى الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الطهارة: 1: 162.

(4) الحدائق الناضرة 1: 234.

(5) فقه المعالم 1: 135.

115

طهورا لا ينجّسه شيء، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (1)، و بالإنزال في قوله تعالى:

وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (2)، فيكون الماهيّة بما هي هي مقتضية للطهارة، و ظاهر أنّ المقتضي ما دام لم يصادف ما يزاحمه من الموانع أو الروافع كان على اقتضائه، و التغيير مع ملاقاة النجاسة حيثما وجدا رافعان لذلك المقتضي، و حاجبان عن الاقتضاء، غاية الأمر أنّ الأوّل معتبر لا بشرط شيء من الكرّيّة و لا عدمها، و الثاني معتبر بشرط القلّة.

و ممّا يدلّ على رافعيّة التغيّر قوله (صلى الله عليه و آله): «خلق اللّه الماء طهورا (3) الخ»، و كما أنّ مفاد التخصيص هنا بحكم ظاهر العرف كون التغيّر رافعا، فكذلك مفاد أدلّة انفعال القليل من المفاهيم و المناطيق الواردة في مواضع خاصّة أيضا كون الملاقاة دافعة للطهارة بشرط القلّة، غاية الأمر أنّ التخصيص في الأوّل قد حصل بمخصّص متّصل و في الثاني بمخصّص منفصل، فيكون مفاد العمومات مع هذين المخصّصين- بعد الجمع بينهما-: كلّ ماء طاهر لا ينجّسه شيء و لا يرفع طهارته إلّا تغيّره بالنجاسة مطلقا، أو ملاقاته لها بشرط القلّة.

و إنّما فصّل بينهما باعتبار الأوّل مطلقا و الثاني مشروطا، لأنّ التغيّر يكشف عن تضاعف النجاسة و استيلائها على الماء بحسب المعنى، فيضعف المقتضي و يخرج عن اقتضائه، لعدم كون الطبيعة المائيّة علّة تامّة للطهارة حتّى لا يجامعها رافع، و قضيّة ذلك عدم الفرق فيه بين الكثرة و القلّة، بخلاف مجرّد الملاقاة فإنّه في التأثير لا يبلغ مرتبة التغيّر فلا يضعف به المقتضي إلّا مع انتفاء الكثرة، و لا أنّه يخرج عن فعليّة الاقتضاء إلّا مع القلّة.

و أصرح من ذلك في الدلالة على المختار ما رواه المحمّدون الثلاث بطرق متكثّرة من قولهم (عليهم السلام): «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (4)، فإنّ تعليق الحكم بالطهارة في كلّ ماء على غاية العلم بالقذارة صريح في أنّ ما لم يعلم بقذارته كائنا ما كان محكوم عليه بالطهارة، فلو كان الانفعال هو الأصل في موضع الشكّ لما كان لذلك وجه، بل كان

____________

(1) السرائر 1: 64- الوسائل 1: 135، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(2) الفرقان: 48.

(3) الوسائل 1: 135، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

(4) الوسائل 1: 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 216/ 621- الكافي 3: 1/ 3.

116

يجب أن يعلّق الحكم بالقذارة على غاية العلم بالطهارة، و يقال: الماء كلّه قذر حتّى يعلم أنّه طاهر، كما هو مفاد القول بأنّ الكرّيّة مانعة عن الانفعال و أنّ القلّة ليست شرطا في الانفعال، و أنّ المشكوك فيه المردّد بين الكرّيّة و القلّة يلحق بقاعدة الانفعال لا أصالة الطهارة و هو كما ترى، و قضيّة كلّ ذلك كون التغيّر و الملاقاة رافعين للطهارة المعلومة بالشرع مع اشتراط الثاني في رافعيّته بالقلّة.

و الاحتجاج على أنّ الكرّيّة في موضوع المسألة مانعة عن الانفعال، بأنّ المستفاد من الصحيح المشهور «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1) أنّ الكرّيّة علّة لعدم التنجيس، و لا نعني بالمانع إلّا ما يلزم من وجوده العدم.

يدفعه: منع ذلك؛ بأنّ ذلك كما أنّه محتمل لأن يكون من جهة أنّ الكرّيّة مانعة عن الانفعال، فكذلك محتمل لأن يكون الكرّ ملزوما لانتفاء شرط الانفعال، فالكرّ لا ينفعل إمّا لأنّه علّة لعدم الانفعال، أو لأنّه ملزوم لانتفاء شرط الانفعال، فكيف يستفاد منه العلّيّة على التعيين؟

فإن قلت: قد تقرّر في الاصول أنّ الجملة الشرطيّة ظاهرة في سببيّة المقدّم للتالي، فلا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور بلا صارف.

قلت: قد علمنا بملاحظة أدلّة التغيّر أنّ الكرّيّة ليست بعلّة تامّة بل هي جزء للعلّة، و هي مركّبة عنها و عن عدم التغيّر، فكما أنّ استعمال أداة التعليق- الظاهرة في العلّيّة- في مجرّد التلازم بين المقدّم و انتفاء شرط نقيض التالي مجاز و إخراج لها عن الظهور، فكذلك استعمالها في شرطيّة المقدّم للتالي و كونه جزءا للعلّة أيضا مجاز و عدول عن الظاهر، فيبقى قوله (صلى الله عليه و آله): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2) الظاهر في كون القلّة شرطا للانفعال- كما يعترف به المدّعي لكون الكرّيّة مانعة عن الانفعال- مرجّحا للمجاز الأوّل، إن لم نقل بأنّه في نفسه أرجح، نظرا إلى أنّ التلازم أقرب إلى العلّيّة و أشبه بها من حيث اقتضائه اللزوم في الوجود و العدم معا من

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 40/ 109- الاستبصار 1: 6/ 2.

(2) الوسائل 1: 135، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9.

117

الشرطيّة الّتي لا يقتضي اللزوم إلّا في جانب العدم.

و دعوى: أنّ نفس قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» (1) دالّ على عدم شرطيّة القلّة، من جهة أنّه يقضي بأنّ الخارج عن عمومات الطهارة إنّما هو القلّة، و هي أمر عدمي لا يصلح لأن يكون شرطا، فإذا انتفى احتمال كونها شرطا تعيّن كون الكرّيّة مانعة.

يدفعها: منع عدم كون الأمر العدمي صالحا للشرطيّة، كما يشهد به قولهم: «بأنّ عدم المانع شرط»، كيف و أنّ ثبوت كون الامور العدميّة معتبرة بعنوان الشرطيّة في الشريعة في الكثرة ما لا يكاد ينكر، ألا ترى أنّهم يقولون- عند تعداد شرائط النيّة المعتبرة في العبادة-: أنّ استمرار النيّة شرط فيها، و يفسّرونه بعدم قصد المنافي و عدم التردّد في أثناء العمل، و القول بأنّ الأمر العدمي لا يصلح للتأثير في الوجود مخصوص بما كان عدميّا صرفا غير متشبّث بالوجود، و القلّة ليست منه لأنّها عبارة عن عدم الكثرة فيما من شأنه الكثرة، فيكون متشبّثا بالوجود لاقترانه بشأنيّة الوجود، مع أنّ الشروط الشرعيّة كثيرا ما تكون من باب المعرّفات دون المؤثّرات، فلعلّ المقام منها.

و بالجملة: رفع اليد عن ظهور مثل «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء الخ» (2) «و الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» 3 و ما أشبه ذلك المقتضي لكون الماء بما هو هو مأخوذا عنوانا لحكم الطهارة، و أنّ ما خالفه من أفراده في ذلك الحكم فإنّما هو مخرج عنه بالتخصيص، و من المقرّر أنّ كلّ ما يشكّ في خروجه له بالتخصيص مع إحراز دخوله في أصل العنوان- كما هو مفروض الكلام- يحكم عليه بعدم الخروج لأصالة عدم التخصيص.

فما يقال: من أنّ تلك العمومات ليست من قبيل ما كان عنوان العامّ مقتضيا للحكم و عنوان المخصّص مانعا، فليس بسديد جدّا.

و لا ينافيه «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» إذا كان المراد منه بيان أقلّ مراتب ما هو ملزوم لانتفاء عنوان المخصّص، فاعتبار الكرّ ليس من باب أنّه بالخصوص عنوان ينشأ منه الحكم، بحيث لو شكّ فيه في موضع كان ذلك شكّا في

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2.

(2) 2 و 3 الوسائل 1: 135 و 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 9 و 5.

118

المقتضي، مانعا عن الأخذ بالمقتضي، بل المقتضي في الحقيقة هو عنوان المائيّة، فيوجد المقتضي حيثما وجد و ينتفي حيثما انتفى، و الكرّيّة إنّما اعتبرت ميزانا لمعرفة أنّ الكرّ هو أقلّ مراتب ما يسلم من هذا العنوان العامّ عمّا يزاحمه في فعليّة الاقتضاء.

و لو سلّم فمقتضى الجمع بين منطوق هذه الرواية و مفهومها تنوّع هذا العنوان إلى نوعين و انكشاف عدم كونه بما هو هو عنوانا في الشريعة، بل العنوان الّذي يدور عليه الحكم إنّما هو النوعان المذكوران، أحدهما: ما هو موضوع المنطوق و هو الماء البالغ حدّ الكرّ، و ثانيهما: ما هو موضوع المفهوم و هو الماء الغير البالغ هذا الحدّ. و قضيّة ذلك:

كون المشكوك في كرّيّته كائنا ما كان مجملا مصداقيّا مردّدا بين كونه من أفراد هذا النوع، أو ذاك النوع و معه فكما لا يمكن إلحاقه بالنوع الأوّل فكذا لا يمكن إلحاقه بالنوع الثاني.

و قضيّة ذلك لزوم الرجوع إلى الاصول العمليّة من احتياط كما صار إليه صاحب الحدائق- فيما عرفت (1)- بناء على مذهبه فيما لا نصّ فيه من كون المرجع فيه هو الاحتياط، أو استصحاب للطهارة السابقة و نحوها، لا الحكم عليه مطلقا بالانفعال إلّا فيما لو كان مسبوقا بالقلّة و شكّ في بلوغه حدّ الكرّ، فإنّ اللازم حينئذ أن يترتّب عليه أحكام ما دون الكرّ، عملا بالأصل الموضوعي الوارد على الأصل الحكمي كما قرّر في محلّه.

و أنت خبير بأنّ موضوع المسألة لا ينحصر أفراده في مثل ذلك بل هو في الحقيقة خارج عن هذا الموضوع؛ إذ لا أظنّ أحدا يقول في مثله بالطهارة عملا بالأصل المستفاد من العمومات، و لا يكون ذلك من باب تخصيص العامّ بالأصل العملي حتّى يقال: بمنع ذلك عندهم، بل المخصّص له في الحقيقة إنّما هو أدلّة انفعال القليل، و العمل بالأصل المذكور تعميم في موضوع تلك الأدلّة بدعوى: أنّ القليل المحكوم عليه بالانفعال أعمّ من أن يكون كذلك بحسب الواقع أو بحسب الشرع، عملا بعموم أدلّة الاستصحاب القاضية بأنّه ممّا جعله الشارع طريقا للمكلّف إلى إحراز الواقع من موضوع أو حكم، و أقامه مقام العلم بالواقع الحاكمة على سائر الأدلّة المقتضية لاعتبار الواقع بطريق علمي، فليتدبّر.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 234.

119

فبجميع ما قرّرناه ينقدح أنّ ما تقدّم عن الفاضلين (1) و الشهيد (2) من إفتائهما بنجاسة الماء المشكوك في كرّيّته عملا بأصالة عدم الكرّيّة على إطلاقه ليس على ما ينبغي؛ إذ لا معنى لأصالة عدم الكرّيّة فيما لم يكن مسبوق بالقلّة، بل أصالة الطهارة الأصليّة في مثله هو الأصل المعوّل عليه، السالم عن المعارض.

فبالجملة: أصل الطهارة سواء أردنا منه الأصل الاجتهادي المستفاد من عمومات الطهارة، أو الأصل العملي المعبّر عنه بالاستصحاب، ممّا لا يمكن الإغماض عنه في مواضع الشبهة و الدوران و انسداد الطرق العلميّة، لإجمال في المصداق، أو الصدق، أو المفهوم بالنظر إلى عنوان الكرّيّة و ما يقابله.

الجهة الرابعة: [هل يعتبر فيه مساواة سطوحه أو يكفي مجرّد اتّصال بعضه بعضا و لو مع الاختلاف في سطوحه؟]

بعد ما عرفت أنّ مقدار الكرّ من الماء من حكمه أن لا ينفعل بمجرّد الملاقاة، فهل يعتبر فيه مساواة سطوحه أو يكفي مجرّد اتّصال بعضه بعضا و لو مع الاختلاف في سطوحه؟ و على الثاني فهل يعتبر في كفاية الاتّصال أن لا يكون الاختلاف المفروض معه فاحشا بيّنا بحيث يخفى على الحسّ أو يصعب عليه إدراكه، أو أنّ الاختلاف غير مضرّ و لو فاحشا بيّنا للحسّ؟

و على الثاني فهل يعتبر فيه أن يكون بطريق الانحدار كما لو كان الماء في أرض منحدرة، أو لا يضرّ الاختلاف و لو كان على طريق التسنيم، كما لو سال الماء إلى الأرض في ميزاب و نحوه من الأراضي المرتفعة الّتي يجري منها الماء إلى ما تحتها بطريق التسنيم كالجبل و ما أشبهه؟ و على التقادير فهل معنى كفاية مجرّد الاتّصال و عدم مضرّيّة الاختلاف كون كلّ من الأعلى و الأسفل متقوّما بالآخر فلا ينفعل شيء منهما إذا لاقته النجاسة، أو كون الأسفل متقوّما بالأعلى دون العكس، فينفعل الأعلى بالملاقاة إن كان أقلّ من الكرّ دون العكس؟ وجوه:

قد وقع الخلاف بينهم في كثير منها، و لكن ينبغي النظر في معرفة تفصيل أقوالهم و تشخيص موضع الخلاف عن موضع الوفاق في عبائرهم حسبما وقفنا عليه نقلا و تحصيلا، و لكنّ الّذي يظهر بالتتبّع- و صرّح به غير واحد- أنّ المسألة لم تكن معنونة في كلام قدماء

____________

(1) و هما: العلّامة في منتهى المطلب 1: 54 و المحقّق في المعتبر: 11.

(2) ذكرى الشيعة 1: 81.

120

أصحابنا، و إنّما حدث تدوينها و لو بنحو الإشارة من المتأخّرين عن زمن العلّامة (رحمه الله) إلى هذه الأزمنة، كما أنّه يظهر أيضا عدم الفرق عند المتأخّرين- بناء على عدم اعتبار المساواة- بين اختلاف الانحدار و التسنيم، بل عدم الفرق بين ما لو كان الاختلاف فاحشا و غيره.

نعم، حصل الاختلاف بينهم في مقامين،

أحدهما: أصل اشتراط المساواة و عدمه، و ثانيهما: الفرق- بناء على عدم الاشتراط- بين الأعلى و الأسفل في تقوّم كلّ بالآخر و عدمه.

أمّا المقام الأوّل: [أصل اشتراط المساواة و عدمه]

فمحصّل خلافهم فيه يرجع إلى أقوال ثلاث:

أحدها: القول بعدم الاشتراط،

و قد صرّح به الشهيد الثاني في كلام محكيّ له عن الروض، قائلا: «و تحرير المقام أنّ النصوص الدالّة على اعتبار الكثرة مثل قوله (عليه السلام): «إذا بلغ الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1) و كلام أكثر الأصحاب ليس فيه تقييد الكرّ المجتمع بكون سطوحه مستوية، بل هو أعمّ منه و من المختلف كيف اتّفق»، ثمّ قال:- بعد كلام مطويّ له- «و الّذي يظهر لي في المسألة و دلّ عليه إطلاق النصّ، أنّ الماء متى كان قدر كرّ متّصلا ثمّ عرضت له النجاسة لم تؤثّر فيه إلّا مع التغيّر، سواء كان متساوي السطوح أو مختلفها» (2) الخ.

و تبعه في ذلك سبطه السيّد في المدارك، قائلا- بعد ما أسند إلى اطلاق كلامي المحقّق و العلّامة في المعتبر (3) و المنتهى (4) أنّه يقتضي عدم الفرق بين مساواة السطوح و اختلافها، فيكون كلّ من الأعلى و الأسفل متقويا بالآخر-: «بأنّه ينبغي القطع بذلك إذا كان جريان الماء في أرض منحدرة، لاندراجه تحت عموم قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (5) فإنّه شامل لتساوي السطوح و مختلفها، و إنّما يحصل التردّد فيما إذا كان الأعلى متسنّما على الأسفل بميزاب و نحوه، لعدم صدق الوحدة عرفا و لا يبعد التقوّي في ذلك أيضا كما اختاره جدّي (قدّس سرّه) في فوائد القواعد عملا بالعموم» (6) انتهى.

فظهر منه أنّه جزم بالحكم في الشقّ الأوّل و رجّحه في الثاني بعد ما صار متردّدا،

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2.

(2) روض الجنان: 135، 136.

(3) المعتبر: 11.

(4) منتهى المطلب 1: 53.

(5) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2.

(6) مدارك الأحكام 1: 43.

121

و وافقهما على ذلك في الرياض (1)، و حكي ذلك أيضا عن الأردبيلي في مجمع الفائدة (2)، و المحقّق الخراساني في الذخيرة (3)، و البهبهاني في حاشية المدارك (4)، و شرح المفاتيح (5)، و يستفاد التصريح به من المحقّق الخوانساري في تضاعيف كلامه في شرح الدروس (6)، و نسبه في المدارك (7) إلى إطلاق ما صرّح به المحقّق و العلّامة في المعتبر (8) و المنتهى (9) من «أنّ الغدير إذا وصل بينهما بساقية صارا كالماء الواحد، فلو وقع في أحدهما لم ينجّس و إن نقص عن الكرّ إذا بلغ المجموع منهما و من الساقية كرّا»، و حكاه عنهما أيضا في شرح الدروس بعد ما قال- في أوّل عنوان المسألة-:

«فالظاهر من كلام الأصحاب الاحتمال الثاني، يعني عدم اعتبار المساواة، بل في بعض كلماتهم التصريح به»، ثمّ قال: «و لم نقف على نصّ ظاهر من كلام الأصحاب في خلافه إلّا ظاهر كلام بعض المتأخّرين» (10).

و ثانيها: القول باعتبار المساواة في الكرّ،

و خروجه عن الكثرة بالاختلاف خصوصا إذا كان الاختلاف بالتسنيم و نحوه، و قضيّة ذلك عدم تقوّم شيء من الأعلى و الأسفل في صورة الاختلاف بالآخر، فينجّس كلّ منهما بوقوع النجاسة و لم نقف على من صرّح به إلّا صاحب المعالم- في كلام محكيّ (11) له- قائلا: «بأنّ الأخبار المتضمّنة لحكم الكرّ- أشبارا و كمّيّة- اعتبار الاجتماع في الماء، و صدق الوحدة و الكثرة عليه، و في تحقّق

____________

(1) رياض المسائل 1: 136.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 1: 264 حيث قال: «ثمّ اعلم: أنّ الّذي يظهر، عدم اشراط تساوي السطح في الكرّ» ... الخ.

(3) ذخيرة المعاد: 118.

(4) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 89.

(5) مصابيح الظلام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 513 حيث قال- في بحث ماء الحمّام-:

«كان الاستثناء من جهته. عدم اعتبار تساوي السطوح كما هو الغالب في ماء الحمّام، و الحقّ أنّ ماء غير الحمّام أيضا كذلك».

(6) مشارق الشموس: 202 حيث قال: «فقد تلخّص بما ذكرنا أنّ الظاهر عدم اشتراط مساواة السطح في الكرّ مطلقا ...».

(7) مدارك الأحكام 1: 44.

(8) المعتبر: 11.

(9) منتهى المطلب 1: 53.

(10) مشارق الشموس: 200.

(11) حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 231.

122

ذلك مع عدم المساواة في كثير من الصور نظر، و التمسّك في عدم اعتبارها بعموم ما دلّ على عدم انفعال مقدار الكرّ بملاقاة النجاسة مدخول، لأنّه من باب المفرد المحلّى باللام و قد بيّن في المباحث الاصوليّة أنّ عمومه ليس من حيث كونه موضوعا لذلك على حدّ صيغ العموم، و إنّما هو باعتبار منافاة عدم إرادته الحكمة، فيصان كلام الحكيم عنه.

و ظاهر أنّ منافاة الحكمة حيث ينتفي احتمال العهد، و لا ريب أنّ تقدّم السؤال عن بعض أنواع الماهيّة عهد ظاهر، و هو في محلّ النزاع واقع؛ إذ النصّ متضمّن للسؤال عن الماء المجتمع و حينئذ لا يبقى لإثبات الشمول لغير المعهود وجه» (1).

و قد يستظهر ذلك من كلام العلّامة- كما أشار إليه في شرح الدروس- و يقال: «إنّ كلام العلّامة في بحث الحمّام حيث اعتبر كرّيّة المادّة مطلقا ممّا يشعر به؛ لأنّه لو لم يعتبر مساواة السطح لم يلزم كرّيّة المادّة وحدها، بل إنّما يلزم أن يكون المجموع من المادّة و الحوض الصغير و الساقية بينهما كرّا.

لا يقال: ما ذكرتم أعمّ من المدّعى؛ لأنّ اعتبار الكرّيّة مطلقا في المادّة يدلّ على أنّ عند المساواة أيضا يلزم كرّيّة المادّة، فعلم أنّ الوجه غير ما ذكر.

لأنّا نقول: إطلاق الحكم إنّما هو بناء على الغالب؛ إذ الغالب أنّ مادّة الحمّام أعلى، و يؤيّده أنّه إنّما يمثّل في العلوّ بماء الحمّام كما فعله المصنّف في الذكرى (2)» انتهى.

و اجيب عنه: بأنّ اعتبار ذلك في مادّة الحمّام على فرض تسليمه لعلّه لخصوصيّة فيه لا تتعدّاه إلى غيره ممّا هو من محلّ البحث، فلا وجه لجعل ذلك من العلّامة قرينة على أنّه قائل به مطلقا، و أجاب عنه في شرح الدروس (3) بوجوه:

الأوّل: ما يرجع محصّله إلى منع كون اعتبار الكرّيّة في مادّة الحمّام لأجل حفظ الحوض الصغير عن الانفعال بملاقاة النجاسة، بل إنّما هو لأجل تطهيره بعد ما طرأه الانفعال، نظرا إلى أنّ ماء الحمّام حكمه حكم الجاري في تطهير القليل المنفعل و لا يكون ذلك إلّا إذا كان المادّة وحدها كرّا، إذ ما دون الكرّ لا يصلح لأن يطهّر الماء.

الثاني: ما يرجع ملخّصه إلى أنّ ذلك لعلّه لمراعاة ما هو الغالب في الحمّام من أنّ

____________

(1) فقه المعالم 1: 140- 141.

(2) ذكرى الشيعة 1: 85.

(3) مشارق الشموس: 200.

123

الماء يؤخذ فيه كثيرا من الحوض الصغير، فلو اكتفى بكرّيّة المجموع ممّا فيه و في المادّة و الساقية لطرأه القلّة بواسطة الأخذ منه فينفعل إذا لاقاه النجاسة، فلا بدّ فيه من عاصم يحفظه عن طروّ القلّة عليه صونا له عن الانفعال، و لا يكون ذلك إلّا مع اعتبار الكرّيّة في المادّة، فاعتبارها حينئذ ليس لأجل اعتبار مساواة السطح في الكرّ كما هو محلّ النزاع، بل لأجل أنّه مانع عن زوال الكرّيّة المعتبرة في المجموع.

الثالث: ما يرجع مفاده إلى أنّ ذلك لعلّه من جهة أنّ العلّامة قائل بمانعيّة الاختلاف على نحو التسنيم، نظرا إلى أنّ الغالب في الحمّامات انحدار مائها بالميزاب و نحوه، لا من جهة أنّه مانع عن الاختلاف مطلقا و كلامنا فيه لا في الأوّل الخ (1).

و هذه الأجوبة في حدّ نفسها و إن كانت جيّدة، حاسمة لدعوى مصير العلّامة إلى تلك المقالة لمجرّد ما اعتبره في المادّة من الكرّيّة، غير أنّها في مقابلة ما تقدّم من العبارة واردة في غير محلّها، من حيث إنّ هذا الرجل ليس جازما في إسناد تلك المقالة إلى العلّامة، و لا أنّه مدّع لدلالة كلام العلّامة على ذلك دلالة معتبرة في نظائره، بل غاية ما ادّعاه الإشعار و هو دون الدلالة، و كأنّه أعرض عن دعوى الدلالة بملاحظة قيام ما ذكر من الاحتمالات، فارتفع النزاع عن البين جدّا.

و ثالثها: ما أبرزه في الحدائق من التوقّف و العجز عن ترجيح أحد القولين الأوّلين،

قائلا: «بأنّ الحكم في المسألة لا يخلو عن إشكال، ينشأ من أنّ المستفاد من أخبار الكرّ تقارب أجزاء الماء بعضها من بعض، كقوله (عليه السلام)- في صحيحة إسماعيل بن جابر حين سأله عن الماء الّذي لا ينجّسه شيء- فقال: ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (2)، و نحوها من الأخبار الدالّة على التقدير بالمساحة، و صحيحة صفوان المتضمّنة للسؤال عن الحياض الّتي بين مكّة و المدينة، حيث سئل (عليه السلام) و كم قدر الماء؟ قال: قلت إلى نصف الساق و إلى الركبة و أقلّ، قال: «توضّأ» (3)- إلى قوله- بعد ما ذكر جملة من المؤيّدات،

____________

(1) مشارق الشموس: 200.

(2) الوسائل 1: 164، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 41/ 14.

(3) الوسائل 1: 162، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12- التهذيب 1: 417/ 1317.

124

و تكلّم مع أهل القول بعدم اعتبار المساواة بالمناقشة في أدلّتهم من العمومات و الأصل و الاستصحاب-: «و ينشأ من إطلاق الأخبار بأنّ بلوغ الماء كرّا عاصم له عن الانفعال بالملاقاة، و الأخبار الدالّة على التحديد بالمساحة و إن أ فهمت بحسب الظاهر اعتبار الاجتماع فيه، إلّا أنّه إن أخذ الاجتماع فيها على الهيئة الّتي دلّت عليه فلا قائل به إجماعا و إن أخذ الاجتماع الّذي هو عبارة عن تساوي السطوح فلا دلالة لها عليه صريحا»- إلى أن قال-:

«فمجال التوقّف في الحكم المذكور لما ذكرناه بيّن الظهور و الاحتياط لا يخفى» (1).

و أمّا المقام الثاني: [في تقوي الأعلى بالأسفل و بالعكس]

فمحصّل خلافهم فيه يرجع إلى قولين:

أحدهما: ما عليه الأكثر من أنّه لا يتفاوت الحال في عدم قدح الاختلاف في تقوّي بعض الماء ببعض بين الأعلى و الأسفل،

و هو المستفاد من الجماعة المتقدّمة صراحة و ظهورا.

و ثانيهما: ما هو صريح جامع المقاصد في شرح القواعد،

حيث- إنّه بعد ما نقل عبارة المتن من أنّه لو اتّصل الواقف القليل بالجاري لم ينجّس بالملاقاة- قال: «يشترط في هذا الحكم علوّ الجاري، أو مساواة السطوح، أو فوران الجاري من تحت القليل إذا كان الجاري أسفل، لانتفاء تقوّيه بدون ذلك» (2).

و ربّما يعزى ذلك إلى صريح العلّامة في التذكرة (3)، و الشهيد في الدروس (4)، و الذكرى (5)، و البيان (6)، و قد يتوهّم لأجل ذلك التدافع بين كلامي العلّامة بل الشهيد أيضا، حيث إنّهما يصرّحان في موضع بالحكم من دون تقييد بما يقضي بعدم تقوّي الأعلى بالأسفل، ثمّ يصرّحان عقيب ذلك بقليل بما يخالف ذلك، و أنت إذا تأمّلت في أكثر عبائرهم لوجدتها غير مخالفة لما عليه الأكثر لا صراحة و لا ظهورا و إن أوهمت ذلك في بادي النظر، و إن شئت صدق هذه المقالة فلاحظ ما ذكره الشهيد في الدروس بقوله:

«و لو كان الجاري لا عن مادّة و لاقته النجاسة لم ينجّس ما فوقها مطلقا، و لا ما تحتها إن كان جميعه كرّا فصاعدا إلّا مع التغيّر» 7، فأطلق الحكم بعدم نجاسة ما تحت موضع الملاقاة إذا بلغ المجموع كرّا من غير اشتراط استواء السطح.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 233.

(2) جامع المقاصد 1: 115.

(3) تذكرة الفقهاء 1: 23.

(4) 4 و 7 الدروس الشرعيّة 1: 119.

(5) ذكرى الشيعة 1: 85.

(6) البيان: 99.

125

ثمّ قال- بعد ذلك بقليل-: «و لو اتّصل الواقف بالجاري اتّحدا مع مساواة سطحهما، أو كون الجاري أعلى لا العكس، و يكفي في العلوّ فوران الجاري من تحت الواقف» (1).

فاعتبر في صدق الاتّحاد مساواة السطحين أو علوّ الكثير، و ممّن صرّح بتناقض هذين الكلامين المحقّق الخوانساري (2) عند شرح الكلام الأوّل، و عن صاحب الذخيرة (3) أنّه جعلهما من باب الاضطراب في الفتوى الّذي نسبه إلى جماعة من متأخّري الأصحاب.

و أنت إذا تأمّلت لوجدت أنّ ذلك ليس على ما ينبغي، لما أفاده خالنا العلّامة دام ظلّه (4) من إمكان حمل مسألة اتّصاف الواقف بالجاري و الحكم باتّحادها مع مساواة السطح أو علوّ الجاري دون العكس، على كون الواقف المتّصل بالجاري بمنزلة الجاري في جميع أحكامه الّتي منها تطهير ما ينفعل من الماء عند تحقّق أحد الشرطين المذكورين، لا في عدم الانفعال بالملاقاة خاصّة كما هو موضع البحث في مسألة الكرّ، بخلاف ما لم يتحقّق فيه الشرط، فيمكن أن يقول فيه حينئذ بعدم الانفعال بالملاقاة، بناء على أنّ الأعلى يتقوّم بالأسفل كما أنّ الأسفل يتقوّم به، و إن لا يقول به فليست العبارة بصريحة في التناقض و لا ظاهرة فيه.

و كيف كان: فاعترض صاحب المدارك عليهم- في القول بعدم تقوّي الأعلى بالأسفل-: «بأنّه يلزمهم أن ينجّس كلّ ما كان تحت النجاسة من الماء المنحدر إذا لم يكن فوقه كرّا، و إن كان نهرا عظيما و هو معلوم البطلان» (5).

و عن صاحب المعالم (6) دفع ذلك بإمكان التزام عدم انفعال ما بعد عن موضع الملاقاة بمجرّدها لعدم الدليل عليه؛ إذ الأدلّة على انفعال ما نقص عن الكرّ بالملاقاة مختصّة بالمجتمع و المتقارب، و ليس مجرّد الاتّصال بالنجس موجبا للانفعال في نظر الشارع و إلّا لنجس الأعلى بنجاسة الأسفل لصدق الاتّصال، و هو منفيّ قطعا، و إذا لم يكن الانفعال بمجرّده موجبا لسريان الانفعال، فلا بدّ في الحكم بنجاسة البعيد من دليل.

نعم، جريان الماء النجس يقتضي نجاسة ما يصل إليه، فإذا استوعب الأجزاء

____________

(1) الدروس الشرعيّة 1: 119.

(2) مشارق الشموس: 201.

(3) ذخيرة المعاد: 118.

(4) و هو المحقّق السيّد رضيّ الدين القزويني، (الكرام البررة 2: 576) و لكنّا لم نعثر على ما نقل عنه المصنّف (قدّس سرّه).

(5) مدارك الأحكام 1: 45.

(6) مدارك الأحكام 1: 45.

126

المنحدرة نجّسها و إن كثرت و لا بعد في ذلك، فإنّها لعدم استواء سطحها بمنزلة المنفصل، فكما أنّه ينجّس بملاقاة النجاسة له- و إن قلّت و كان مجموعه في غاية الكثرة- فكذا هذه.

و أورد عليه المحقّق الخوانساري: «بأنّه بعد تسليم انفعال ما نقص عن الكرّ بالملاقاة مع الاجتماع و التقارب، لا شكّ أنّه يلزم نجاسة جميع ماء النهر المذكور؛ لأنّ النجاسة ملاقية لبعضه، و ذلك البعض ملاق للبعض الآخر القريب منه، و هكذا فينجّس الجميع، إذ الظاهر أنّ القائلين بنجاسة القليل بالملاقاة لا يفرّقون بين النجاسة و المتنجّس، و ما ذكره من أنّ مجرّد الاتّصال بالنجس لو كان موجبا للانفعال في نظر الشارع لنجس الأعلى بنجاسة الأسفل.

ففيه: أنّه مخصّص عن العموم بالإجماع، فإلحاق ما عداه به ممّا لا دليل عليه قياس لا نقول به، على أنّ الفارق أيضا موجود كما ذكره بعض من عدم تعقّل سريان النجاسة إلى الأعلى» (1).

ثمّ إنّ المحقّق الشيخ عليّ احتجّ على ما صار إليه: «بأنّ الأسفل و الأعلى لو اتّحدا في الحكم، للزم تنجّس كلّ أعلى متّصل بأسفل مع القلّة و هو معلوم البطلان، و حيث لم يتنجّس بنجاسته لم يطهّر بطهره» (2) انتهى.

و مراده بالأسفل في قوله: «كلّ أعلى متّصل بأسفل» ما كان من الأسفل متنجّسا، و إلّا لا يعقل تنجّس الأعلى به و هو طاهر، و بالقلّة في قوله: «مع القلّة» المجموع.

و أجاب عنه في المدارك: بأنّ الحكم بعدم نجاسة الأعلى بوقوع النجاسة فيه مع بلوغ المجموع منه و من الأسفل الكرّ إنّما كان لاندراجه تحت عموم الخبر، و ليس في هذا ما يستلزم نجاسة الأعلى بنجاسة الأسفل بوجه، مع أنّ الإجماع منعقد على أنّ النجاسة لا تسري إلى الأعلى مطلقا (3).

و قد يقرّر: بأنّ القول بتقوّي الأعلى بالأسفل، إمّا لكونهما ماء واحدا مندرجا تحت

____________

(1) مشارق الشموس: 201.

(2) حكاه عنه في مشارق الشموس: 201- و أيضا عنه في مدارك الأحكام 1: 45.

(3) مدارك الأحكام 1: 45.

127

عموم «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه» (1) أو لعدم دليل على تنجّسه بناء على عدم عموم في أدلّة انفعال القليل كما ذكرنا، فإن كان الأوّل فإنّما يلزم ما ذكره لو ثبت أنّ كلّ ماء واحد قليل ينجّس جميعا بنجاسة بعض منه و إن كان أسفل من بعض آخر، و لم يثبت لما عرفت من عدم دليل عامّ على انفعال القليل، و على تقدير وجوده نقول: إنّه مخصّص بغير صورة النزاع، للإجماع على عدم سراية النجاسة عن الأسفل إلى الأعلى، و ذلك الإجماع لا يستلزم خروج الأسفل و الأعلى عن الوحدة كما لا يخفى، و قس عليه الحال في نجاسة أسفل الكثير بالتغيّر و عدم نجاسة ما فوقه، و إن كان الثاني فالأمر أظهر.

فقد انقدح لك بجميع ما فصّلناه في تحرير النزاع و محلّه، من تكلّف ذكر العبارات و تعرّض نقل النقوض و الإبرامات، امور:

الأوّل: اتّفاقهم على اعتبار الاتّصال فيما بين أجزاء الماء لو كانت متفرّقة، فلو انفصل بعضها عن بعض من دون توسّط ما يوجب بينها الوصل- و لو بنحو الساقية أو الثقبة- لم يكن من محلّ النزاع في شيء، و لا أنّ المجموع من الكرّ المحكوم عليه بعدم الانفعال بالملاقاة.

و الثاني: كون العمدة فيما هو مناط موضع البحث صدق الوحدة عند اختلاف السطوح و عدمه.

و الثالث: قضيّة ما تقدّم عن صاحب المعالم كون الاجتماع فيما بين أجزاء الكرّ ممّا له مدخليّة في الحكم، فلا يكون مجرّد تساوي السطوح عنده مع فرض عدم الاجتماع- كما لو تواصلت المياه المتفرّقة في نظر الحسّ بعضها مع بعض المستوية السطوح- كافيا في انعقاد موضوع الحكم.

و الرابع: عدم كون الخلاف عن نصوص واردة في المسألة بخصوصها، بل مبناه على الاستظهارات الناشئة عن أخبار الكرّ، فكلّ يستظهر مطلبه عنها بملاحظة شيء من الجهات الموجودة فيها و لو في نظر الوهم، و بذلك يعلم أنّ الأمر في تحقيق المسألة هيّن، لوضوح طريقه و اتّضاح مدركه، فلا بدّ من النظر في مساق الأخبار المذكورة و مفادها حسبما

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2.

128

يساعد عليه العرف و فهم أهل اللسان، و يوافقه القواعد المحكمة المقرّرة في مظانّها.

فنقول: يمكن الاستدلال لمشترطي المساواة بصحيحة محمّد بن مسلم- المتقدّمة- المتضمّنة لقول السائل: «قلت له: الغدير ماء مجتمع إلخ» (1) القاضية باعتبار الاجتماع، الّذي هو أخصّ من مساواة السطح.

و رواية الكافي المتضمّنة لقوله (عليه السلام) «إذا كان الماء في الركيّ» (2) نظرا إلى أنّ الركيّة- و هي البئر- ممّا لا يعقل فيه الاختلاف.

و صحيحة صفوان المشتملة على السؤال عن حياض ما بين مكّة و المدينة (3) و صحيحة إسماعيل بن جابر (4) و غيرها ممّا يتضمّن تحديد الكرّ بالمساحة على وجه لا يعقل معه عدم الاجتماع و يبعد عدم المساواة، فلو لا هذه الامور معتبرة في نظر الشارع لما وردت الروايات على هذا النمط.

و أنت خبير بأنّه ليس شيء من ذلك بشيء، بل كلّ من ذا أوهن من بيت العنكبوت، على وجه لا يمكن التعويل عليها في إثبات مثل هذا الحكم، المخرج على خلاف الأصل من جهات شتّى:

أمّا الأوّل من الوجوه فيدفعه: أنّ من المقرّر في المباحث الاصوليّة أنّ خصوصيّة المورد و السؤال لا تصلح مخصّصة للوارد و الجواب، بل العبرة بعموم اللفظ لا خصوص المحلّ، و كما أنّ أفراد الغدير بالسؤال عنه لا يقتضي باختصاص الحكم به و لا ينافي شموله غيره كائنا ما كان- كما هو المجمع عليه هنا و يعترف به الخصم جدّا- فكذلك خصوصيّة الوصف الوارد معه في السؤال أيضا لا يقتضي بذلك، كيف و أنّ الفرع لا يزيد على الأصل.

و إلحاقه بقاعدة مفهوم الوصف- لو قيل به- مدفوع بمنع حجّيّة ذلك المفهوم إلّا في مواضع ليس المقام منها- كما قرّر في محلّه- و منع اعتباره هنا على فرض الحجّيّة، من

____________

(1) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 414/ 1308- الاستبصار 1: 11/ 17.

(2) الوسائل 1: 160، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8- الكافي 3: 2/ 4.

(3) الوسائل 1: 162، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12- التهذيب 1: 417/ 1317.

(4) الوسائل 1: 164، ب 10 من أبواب الماء المطلق 14- التهذيب 1: 41/ 14.

129

حيث عدم وروده إلّا في كلام السائل، و العبرة إنّما هو بما ورد في كلام المسئول و هو خال عن القيد، و لا يلزم من عدم إرادته في الجواب خروجه عن المطابقة للسؤال، لعدم انكشاف كون وروده في السؤال على وجه له مدخليّة في غرض السائل، لقوّة احتمال- بل ظهور- كونه حكاية للواقعة حسبما وقعت في الخارج، من دون التفات إلى مدخليّة الخصوصيّة و عدمها، كما هو واقع و شائع في جميع العرفيّات و كافّة الأجوبة و السؤالات.

و أمّا الثاني: فقد تبيّن حاله بما ذكرنا، فإنّ خصوصيّة أصل الركيّة ممّا لا مدخليّة له في الحكم فضلا عن الوصف الموجود فيها في نظر الوهم، هذا مع توجّه المنع إلى ظهورها في الاجتماع أو المساواة، لوضوح أنّ المذكور في الخطاب إنّما هو الركيّ، و هو جمع «الركيّة» على ما عن الصحاح (1) و «الركيّة» هي البئر على ما في المجمع (2) فيكون إطلاق الرواية قاضيا بأنّه لو كان المجموع من مياه آبار متعدّدة كرّا- كما قد يتّفق ذلك- كان كافيا في حكم عدم الانفعال فيفوت به اعتبار الاجتماع.

بل لك أن تقول: بمنع ظهوره في المساواة الّتي لا تتحقّق في مفروض المسألة غالبا إلّا بعدم الجريان، و قد يتّفق كثيرا جريان المجتمع من مياه الآبار عن تحت الأرض كما في القنوات، و لا ريب أنّ الإطلاق يشمله فترتّب عليه الحكم.

و أمّا الثالث: فالكلام فيه أيضا نظير ما عرفت، فإنّه سؤال عن محلّ الابتلاء، أو عمّا عساه يبتلى به، من دون نظر إلى الخصوصيّات القائمة به، فلا يوجب شيء منها و هنا في عموم الجواب الوارد عليه الماهيّة المطلقة الّتي حيثما وجدت أوجبت جريان الحكم المعلّق عليها.

و أمّا الرابع: فلأنّ المتبادر في نظائره بيان ضابط كلّي يرجع إليه في مواضع الشبهة، و هو بلوغ الماء المشكوك في حاله بعد الجمع بحسب المساحة هذا المقدار، من دون مدخل لخصوصيّة الوضع و الشكل في الحكم، كيف و لو صحّ المدخليّة لوجب الاقتصار على ما يخرج معه الحساب صحيحا مستقيما في جميع الأبعاد الثلاث على حسبما هو صريح التحديد، من دون حاجة إلى الكسر و إضافة ما خرج في بعضها عن حدّه

____________

(1) الصحاح؛ مادّة «ركا» 6: 2361.

(2) مجمع البحرين؛ مادّة «ركا» 1: 194.

130

المضروب إلى ما نقص منها عن هذا الحدّ، فيلزم أن لا يكون بما عدا المربّع من الأشكال المختلفة من المثلّثات و الدوائر و المستطيلات و الهلاليّات و نحوها عبرة في ترتيب أحكام الكرّ، و هو في غاية البعد، بل يشبه بكونه خلاف الإجماع بل خلاف الضرورة، مع أنّ الاختلاف على وجه الانحدار الّذي يتحقّق مع جريان اليسير- خصوصا إذا لم يكن فاحشا- لا ينافي شيئا من تلك التحديدات.

سلّمنا و لكن جميع ما ذكر في تلك الوجوه يعارضه ظاهر روايات اخر واردة في هذا الباب، كرواية محمّد بن مسلم المتضمّنة للسؤال عن الماء الّذي تبول فيه الدوابّ (1)، و صحيحة عليّ بن جعفر المشتملة على السؤال عن الدجاجة و الحمامة و أشباهها تطأ العذرة ثمّ تدخل الماء (2)، و صحيحة إسماعيل بن جابر المتضمّنة للسؤال عن الماء الّذي لا ينجّسه شيء (3)، فإنّ السؤال في كلّ ذلك ورد على وجه عامّ و طابقه الجواب، مع اقترانه بترك الاستفصال من دون إشعار فيهما بشيء من الأحوال و الخصوصيّات، فلو لا الحكم عامّا لجميع الصور لكان ترك التنبيه على ما له مدخليّة- لو كان في مقام التعليم و البيان- منافيا للحكمة، و هو كما ترى.

فلو سلّم عدم كون هذه بنفسها أظهر من الطرف المقابل كان غايته التساقط، فتبقى الأخبار المطلقة الغير المسبوقة بالأسئلة كالنبويّ المتقدّم (4)، و صحيحة معاوية بن عمّار (5) المشتملين ابتداء على قولهم (عليهم السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» سليمة عن المعارض.

و ينبغي التعرّض لوجه دلالة هذه على المطلوب ليتّضح المقام كمال الوضوح. فنقول:

شبهة الخصم إمّا أن تنشأ عن توهّم قصور لفظة «الماء» عن الدلالة على ما يعمّ نظائر المقام، أو تنشأ عن توهّم ذلك في لفظة «الكرّ»، أو عن توهّم ذلك في الهيئة التركيبيّة

____________

(1) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 414/ 1308.

(2) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 419/ 1326- مسائل عليّ بن جعفر: 193/ 403.

(3) الوسائل 1: 164، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 41/ 14.

(4) الفائق 1: 164؛ غريب الحديث- للهروي- 1: 338.

(5) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 40/ 109 بسند آخر.

131

الكلاميّة المشتملة عليهما و على ما يسند إليهما من الفعلين، و لا سبيل إلى شيء من ذلك.

أمّا الأوّل: فلأنّ «الماء» من أسماء الأجناس الواقعة على القليل و الكثير، المشتركة فيها بين الأكثر و الأقلّ، و الكلّ و الأبعاض، كالتمر و الحنطة و نحوها ممّا يختلف أفرادها و تتمايز بالقلّة و الكثرة، فالكرّ من الماء ماء، و صاع منه- بل مدّ و غرفة منه على فرض الانفصال- ماء، و لو وزّع أرطالا مثلا و جعل كلّ رطل في مكان، فإن لم يوصل بين كلّ و صاحبه بساقية كان كلّ واحد ماء و المجموع مياه، و إلّا كان المجموع ماء، و لو صبّ الماء من آنية على رأس منارة حتّى يصل منتهاه إلى وجه الأرض كان المجموع ممّا فيهما و ما في أثناء النزول ماء ما دام الاتّصال باقيا، بخلاف ما لو انقطع الاتّصال فكان ما في الآنية ماء، و ما في المنارة آخر، و ما على وجه الأرض ثالثا.

و قضيّة ذلك: سراية الحكم لو علّق على الطبيعة من حيث هي إلى جميع تلك المصاديق من غير أن يخرج شيء منها.

و توهّم: كون ما فرض في مسألة المنارة من نادر تلك المصاديق، و الإطلاق إنّما ينصرف إلى شائعها- كما هو مقرّر في المسائل الاصوليّة- يدفعه: منع الاعتبار بندرة الوجود، و غيرها غير موجود.

و أمّا الثاني: فلأنّ «الكرّ» من الألفاظ الموضوعة لمقدار معيّن، و لو بحسب الشرع أو على سبيل المجاز، فلا يقع على الأبعاض كالمنّ و نحوه، بل يقع على المجموع من حيث هو، فلهيئته الاجتماعيّة دخل في الصدق، نعم يكفي في الصدق عليها اتّصال ما بينها إذا كانت متفرّقة في محالّ متعدّدة، فالمقدار الوارد في الروايات كرّ بأيّ شكل فرض، حتّى ما يفرض منه في المنارة على الوجه المتقدّم، فيكون مفاد الروايات بعد الجمع بين مدلوله و مدلول الماء نظير ما لو قيل: ما يقع عليه اسم الماء فهو ممّا لا ينجّسه النجاسة بمجرّد وقوعها فيه إذا كان ممّا يقع عليه اسم الكرّ. و لا ريب أنّ ذلك معنى عامّ لا يشذّ منه شيء من أفراد الماء، و لا شيء من مصاديق الكرّ، و معه كيف يناقش في دلالة ذلك على عموم الحكم، و لم يسبقه ما يصلح قرينة على العهد الصارف للعامّ إلى الخصوص، و من أين يجيء اعتبار الاجتماع أو مساواة السطوح أو نحو ذلك،

132

فهل لك أن تقول: بأنّ ما عرى عنهما ليس بماء، أو أنّه ليس من الكرّ حتّى لا يكون مشمولا للدليل، أو تقول: بأنّ ذلك شرط خارج عنهما بكليهما معتبر معهما في الحكم على حدّ سائر الشروط الواردة في الشريعة، و لم يقم عليه من الشارع دلالة و لا إشارة مع كون الحكم ممّا يعمّ به البلوى، بل هو أعمّ ابتلاء من سائر الشرعيّات.

و توهّم: عدم انصراف الهيئة التركيبيّة إلى نظائر المقام، مع عدم اقترانها بما يوجب ذلك، و ظهور سياقها في ورودها لإعطاء قاعدة كلّيّة مندرجة في قولهم (عليهم السلام): «علينا أن نلقي إليكم الاصول و عليكم أن تفرّعوا» (1) الّتي لا تصلح لذلك إلّا على تقدير كون موضوعها مأخوذا على وجه عامّ معبّر عنه بالماهيّة لا بشرط شيء، ممّا لا ينبغي الالتفات إليه.

و كلّ ذلك ممّا يرفع الحاجة إلى التشبّث بالاعتبارات أو الاستبعادات المخرجة في المقام لتأييد هذا المذهب- الّتي قد عرفت بعضها- كما أنّه ممّا يحسم مادّة الاستبعادات و الاعتبارات الاخر المخرجة لتأييد خلاف المذهب بالكلّيّة، كما أنّه ممّا لا يفترق فيه الحال بين أنواع الاختلاف، و لا بين أوضاع الماء من علوّ أو دنوّ أو غيرهما، فإنّ قضيّة العموم تقوّم كلّ بعض من أبعاض الكرّ بالآخر كيفما اتّفق.

و القول: بأنّ الأسفل و الأعلى لو اتّحدا في الحكم للزم تنجيس كلّ أعلى طاهر متّصل بأسفل متنجّس مع فرض قلّة المجموع و هو باطل، فحيث إنّه لا ينجّس بنجاسته فلا يطهّر بطهارته، كما عرفته من المحقّق الكركي (2).

يدفعه: منع الملازمة، بعد ملاحظة قيام الدلالة على المقدّم دون التالي، بل قيامها على خلافه كما عرفته من الإجماع، مع أنّا لا نقول: بأنّ العالي يطهّر بطهر السافل، إذ ليس بحثنا في مسألة التطهير، بل نقول: إنّه لا ينفعل من جهة وجوده كما في صورة العكس، و عدم كونهما متّحدين في سائر الأحكام لا يقضي بكونهما كذلك في مسألة التقوّم و الاعتصام، لوضوح بطلان دعوى الملازمة، كيف و لو لا ذلك اتّجه قبول الانفعال و هو لكونه حكما مخالفا للأصل بل الاصول لا بدّ له من دلالة، و أنّى لهم الدلالة عليه، مع

____________

(1) الوسائل 27: 61، ب 6 من أبواب صفات القاضي ح 51.

(2) تقدم في الصفحة: 124.

133

الجزم بعدم اندراجه في أدلّة انفعال القليل كما اعترفوا به.

و بالجملة: لا إشكال في حكم المسألة أصلا في شيء من صورها، نعم لو شئت الأخذ بالاحتياط في بعضها فلا بأس به خروجا عن شبهة الخلاف، لأنّه حسن على كلّ حال.

و يقوي رجحان الاحتياط فيما لو بلغ الاختلاف حدّا يضعف به صدق الوحدة، لضعف الاتّصال برقّة الساقية أو دقّة الثقبة كرأس الإبرة و نحوه، إلّا أنّه لا يبلغ مرتبة الوجوب لعدم صلوحه معارضا للأصل الأصيل الّذي تقدّم الكلام في تحقيقه، نعم، يتعيّن الانفعال لو بلغ ضعف الاتّصال حدّا لا يقال معه ماء، بل يقال ماءان.

و لنختم المقام بإيراد فروع:

الأوّل: إذا وقعت في الكرّ نجاسة مائعة غير مغيّرة

جاز استعمال جميعه كما صرّح به العلّامة في المنتهى (1)؛ لأنّه من آثار الكرّيّة و لوازمها؛ و لأنّه لو منع عن استعماله فإمّا في الجميع أو في البعض، و الأوّل خلاف الإجماع، و الثاني ترجيح بلا مرجّح.

و قد يعزى إلى بعض الشافعيّة (2) المنع عن ذلك في المقدار من الماء الّذي لا ينفعل بالنجاسة.

و أمّا لو وقعت فيه نجاسة متميّزة فجاز استعمال الماء المجاور لها و لا يجب التباعد، وفاقا للعلّامة في الكتاب (3)، لأنّه منوط بالمائيّة و الطهارة و هما حاصلان في الفرض.

الثاني: لا فرق في عدم انفعال الكثير بالملاقاة الغير المغيّرة بين أنواع النجاسة،

لعموم «لا ينجّسه شيء» (4) خلافا لأحمد (5) في قوله بالانفعال بوقوع بول الآدميّين و عذرتهم الرطبة، استنادا إلى قوله (عليه السلام): «لا يبولنّ أحدكم في الماء الدائم الّذي لا تجري ثمّ يغتسل منه» (6) و هو يتناول القليل و الكثير.

____________

(1) 1 و 3 منتهى المطلب 1: 41.

(2) المهذّب للشيرازي 1: 7؛ المجموع 1: 139؛ فتح العزيز بهامش المجموع 1: 214.

(3) 4 الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2.

(4) 5 المغني لابن قدامة 1: 66؛ إرشاد الساري 1: 304، الإنصاف 1: 59.

(5) 6 صحيح البخاري 1: 69، صحيح مسلم 1: 235 ح 282، سنن أبي داود 1: 18 ح 69 سنن الترمذي 1: 100. ح 68، سنن النسائي 1: 125، سنن الدارمي 1: 186 مسند أحمد 2: 346، نيل الأوطار 1: 39.

134

و جوابه: أنّه محمول على القلّة جمعا بين الأدلّة أو النهي ليس هنا للتحريم، و على فرضه فلا ملازمة بينه و بين النجاسة إلّا بضميمة الإجماع و هو هنا على خلافه.

و الزم أيضا: بأنّه لا يقول به في بول الكلب، فلأن لا يقول به في بول الآدميّين طريق الأولويّة؛ لأنّ نجاسة بول الكلب أزيد من نجاسته.

الثالث: لو اغترف من كرّ فيه نجاسة غير متميّزة

كان المجموع من المأخوذ و الباقي و آلة الاغتراف طاهرا، و لو كانت النجاسة متميّزة فإن لم يخرج الباقي عن الكرّيّة كان الجميع أيضا طاهرا، و إلّا كان المأخوذ مع باطن الآنية طاهرين، و الباقي مع ظاهر الآنية الملاصق للماء حين خروجها عنه نجسين.

هذا على تقدير دخول الآنية بأجمعها في الماء على وجه لم يخرج ما فيها و ما في خارجها عن الاتّصال، و إلّا نجس الجميع، لخروج الماء بدخول جزء أوّل منه في الإناء عن الكرّيّة فينجّس بتخلّل الفصل بينه و بين ما فيها، و لو دخلت النجاسة في الآنية في هذا الفرض فإن كان دخولها بأوّل جزء من الماء كان ما في الآنية مع باطنها نجسين و الباقي مع ظاهرها طاهرين، و إن كان دخولها أخيرا كان الجميع نجسا إن اتّفق سلب الاتّصال فيما بين ما دخل فيها و ما خرج عنها؛ لأنّ الخارج بانقطاعه عن الداخل في أوّل المرتبة قد صار نجسا، لخروجه عن الكرّيّة ثمّ دخل منه ثانيا فيها جزء آخر و هو نجس، و إلّا اختصّ النجاسة بما فيها مع باطنها، و أمّا الباقي مع ظاهرها فهما باقيان على الطهارة.

الرابع: لو دخل الكلب أو أحد أخويه في الكرّ،

فهو طاهر ما دام الكلب داخلا فيه، إن لم يتلف منه شيئا بشرب و نحوه، و إذا خرج عنه انقلب حكمه إلى النجاسة من جهة الملاقاة مع القلّة، كما أنّه كذلك على تقدير الإتلاف و لو مع الدخول.

الخامس: عن العلّامة في المنتهى: «أنّه لو جمد الكثير ثمّ أصابته نجاسة بعد الجمود،

فالأقرب عدم تنجّسه بها ما لم تغيّرها، محتجّا بأنّ الجمود لم يخرجه عن حقيقته بل هو مؤكّد لثبوتها، فإنّ الآثار الصادرة عن الحقيقة كلّما قويت كانت أوكد في ثبوتها، و البرودة من معلولات طبيعة الماء و هي تقضي الجمود، و إذا لم يكن ذلك مخرجا له عن الحقيقة كان داخلا في عموم قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه

135

شيء» (1) (2) و هو كما ترى من أوهن الأشياء كما تنبّه عليه صاحب الحدائق (3)، لعدم ابتناء أحكام الشرع على أمثال هذه الدقائق، بل العبرة فيها بما يساعد عليه العرف أو اللغة، و لا ريب أنّ عروض الجمود للماء يخرجه عن صدق اسم المائيّة، و يسلب عنه الإطلاق فلا يتناوله الحكم المعلّق عليه حينئذ.

نعم لو قيل بهذا الكلام في مثل الدهن و الدبس و نحوهما ممّا لا يخرج بالجمود عن الصدق كان متّجها، فيترتّب عليه بعد الجمود الأحكام الثابتة له قبل الجمود، غير أنّ المقام ليس منه جزما، فكان الأقوى بل المتعيّن تنجّس موضع الملاقاة في الجامد، كما عليه الشهيد في الدروس (4)، و المحقّق الخوانساري في شرحه (5)، و اختاره في الحدائق (6)، و عزى استظهاره إلى بعض المحقّقين، و عليه طهره كطهر سائر الجوامد، فيحصل تارة بإلقاء العين مع ما يكتنفها إن كانت ذات عين، و اخرى باتّصاله بالجاري أو الكثير، أو وقوع المطر عليه مع زوال العين في الجميع، و ثالثة بصبّ الماء القليل عليه على حدّ ما يتطهّر به سائر الجوامد.

السادس: الماء إذا كان كرّا و تغيّر بعضه فالجميع نجس إن كانت سطوحه مستوية،

و إلّا اختصّت النجاسة بالأسفل إن لم يكن موضع التغيّر هو الأعلى، لإجماعهم على عدم السراية إليه، و إن كان زائدا على الكرّ فتغيّر بعضه فإمّا أن يكون الباقي مقدار الكرّ أو أزيد منه أو أنقص، و على التقادير فإمّا أن يستوعب النجاسة عمود الماء- و هو خطّ ما بين حاشيته عرضا و طولا- أو لا، و على التقادير فإمّا أن يكون سطوحه مستوية أو مختلفة.

و محصّل أحكام تلك الصور: أنّ الجميع في صورة النقصان مع استواء السطوح نجس، و مع اختلافها كانت النجاسة مختصّة بالأسفل، من غير فرق فيهما بين استيعاب العمود و عدمه، كما أنّ الجميع في غير صورة عدم النقصان مع عدم استيعاب العمود طاهر، من غير فرق بين استواء السطوح و عدمه، و أمّا مع الاستيعاب فإن كانت الكرّيّة قائمة بمجموع الطرفين كان الجميع مع الاستواء و الأسفل خاصّة مع الاختلاف نجسا،

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 أبواب الماء المطلق ح 2.

(2) منتهى المطلب 1: 172 نقلا بالمعنى.

(3) الحدائق الناضرة 1: 249.

(4) الدروس الشرعيّة 1: 118.

(5) مشارق الشموس: 204.

(6) الحدائق الناضرة 1: 248.

136

و إن كانت قائمة بأحدهما اختصّت الطهارة به مع الاستواء، و أمّا مع الاختلاف فإن كانت الكرّيّة في الطرف الأسفل كان الجميع طاهرا، أمّا هو فبالكرّيّة و أمّا الأعلى فبعدم السراية، و إن كانت في الطرف الأعلى فهو الطاهر بجهتين دون الأسفل.

السابع: عن العلّامة أنّه حكم في القواعد (1) بالنجاسة في الماء الّذي يشكّ في كرّيّته إذا وجد فيها نجاسة،

و عن جامع المقاصد (2) أنّه علّله: «بأنّ المقتضي للتنجيس موجود و المانع مشكوك فيه فينفى بالأصل»، و كأنّه مبنيّ على توهّم كون الكرّيّة مانعة عن الانفعال كما سبق إلى بعض الأوهام، و قد تقدّم منّا ما يهدم بنيان هذا البيان، فالأقرب في الصورة المفروضة الحكم بالطهارة عملا بالاصول المحكمة، و مثله الكلام فيما لو وجد نجاسة في الكرّ و شكّ في وقوعها عليه قبل بلوغ الكرّيّة أو بعد بلوغها.

الثامن: عن المحقّق في المعتبر: «أنّه لو تطهّر من ماء ثمّ علم فيه نجاسة و شكّ هل كانت قبل الوضوء أو بعده فالأصل الصحّة،

و لو علم أنّها قبله و لم يعلم هل كان كرّا أو أقلّ أعاد لأنّ الأصل القلّة» (3).

و هو على إطلاقه غير وجيه، إذ كثيرا ما لا يكون الماء مسبوقا بالقلّة، و معه لا معارض لأصل الطهارة حسبما اقتضته العمومات. فالمتّجه حينئذ صحّة الوضوء و عدم لزوم إعادته، فإنّها و إن كانت معلّقة على طهارة الماء، غير أنّ الطهارة منوطة بعدم العلم بالقذارة و المفروض منه، و إنّما لا نقول به في صورة جريان أصالة القلّة، لإمكان القول بأنّها علم شرعي بالقذارة و هو قائم مقام العلم، فيدخل المفروض في غاية قوله (عليه السلام):

«كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (4).

الجهة الخامسة: في تحديد الكرّ الّذي لا ينجّس بالملاقاة

، فاعلم: أنّ للأصحاب في تحديد الكرّ طريقين:

الطريق الأوّل: تحديده باعتبار الوزن،

فهو بهذا الاعتبار ألف و مائتا رطل، كما عن الأصحاب قديما و حديثا، و عليه نقل الإجماعات على حدّ الاستفاضة، كما عن صريح الناصريّات (5)،

____________

(1) قواعد الاحكام 1: 183.

(2) جامع المقاصد 1: 119.

(3) المعتبر: 12.

(4) الوسائل 1: 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- و فيه: «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر».

(5) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة) 1: 135.

137

و الغنية (1)، و مجمع الفائدة (2)، و ظاهر الانتصار (3)، و المعتبر (4)، و نهج الحقّ (5)، و عن الصدوق في محكي [شرح] المفاتيح: «أنّه من دين الإماميّة» (6)، و في الحدائق: «أنّه لا خلاف فيه» (7)، و في الجواهر: «إجماعا منقولا بل محصّلا» (8).

و الأصل في ذلك مرسلة ابن أبي عمير عن بعض أصحابنا، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«الكرّ من الماء الّذي لا ينجّسه شيء الف و مائتا رطل»، الواردة في التهذيب في باب آداب الأحداث (9)، و الاستبصار في باب كمّيّة الكرّ 10، و في الكافي في باب الماء الّذي لا ينجّسه شيء 11.

و لا يقدح ما فيها من الإرسال، أمّا أوّلا: فلاتّفاقهم على أنّ مراسيل ابن أبي عمير في حكم مسانيده، لأنّه لا يرسل إلّا عن ثقة.

و أمّا ثانيا: فلانجباره في خصوص المقام بعمل الأصحاب و قبولهم إيّاها.

و لا يعارضها ما في الصحيح- الوارد في التهذيب 12 و الاستبصار 13 في زيادات باب المياه- عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه قال: قلت له الغدير ماء مجتمع تبول فيه الدوابّ و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب، قال: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء، و الكرّ ستّمائة رطل».

و لا المرفوعة- الواردة في التهذيب في باب الأحداث 14- عن عبد اللّه بن مغيرة رفعه إلى أبي عبد اللّه: «إنّ الكرّ ستّمائة رطل».

____________

(1) غنية النزوع: (سلسلة الينابيع الفقهيّة) 2: 379.

(2) مجمع الفائدة و البرهان 1: 259.

(3) الانتصار: 8.

(4) المعتبر: 10.

(5) نهج الحقّ و كشف الصدق: 417.

(6) حكى في مصابيح الظلام- كتاب الطهارة- (مخطوط) عن الصدوق في أماليه، الورقة: 519.

(7) الحدائق الناضرة 1: 254.

(8) جواهر الكلام 1: 339.

(9) 9 و 10 الوسائل 1: 167، ب 11 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 41/ 113- الاستبصار 1: 10/ 15.

(10) 11 الكافي 3: 63، الّا أنّه أسقط قوله: «الّذي لا ينجّسه شيء».

(11) 12 و 13- نقل ذيله في الوسائل 1: 168، ب 11 من أبواب الماء المطلق ح 3- و صدره في ب 9 من هذه الأبواب ح 5- التهذيب 1: 414/ 1308- الاستبصار 1: 11/ 17.

(12) 14 الوسائل 1: 168، ب 11 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 43/ 119- الاستبصار 1: 11/ 16.

138

و لا ما في التهذيب (1) و الاستبصار 2 و الكافي 3 الموصوف بالحسن عن زرارة قال: «إذا كان الماء أكثر من رواية لم ينجّسه شيء تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ فيه، إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء».

و لا ما في الكتب المذكورة الموصوف بالحسن عن عبد اللّه بن مغيرة عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الكرّ من الماء نحو حبّي هذا، و أشار إلى حبّ من تلك الحباب الّتي تكون بالمدينة» 4.

و لا ما في التهذيب 5 و الاستبصار 6 في زيادات باب المياه، عن عبد اللّه بن مغيرة عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء قدر قلّتين لم ينجّسه شيء، و القلّتان جرّتان»، و رواه في الفقيه أيضا مرسلا 7.

أمّا الأوّلان: فلأنّهما إمّا محمولان على الرطل المكّي الّذي هو ضعف الرطل العراقي بقرينة ما سيجيء، أو ساقطان عن درجة الحجّيّة لمصير الأصحاب إلى خلافهما.

و أمّا الأواخر: فلإمكان حمل الجميع على ما يسع الكرّ إذ لا بعد فيه كما قيل، مضافا إلى ما في الأخيرة من قوّة احتمال ورودها مورد التقيّة كما تقدّم إليه الإشارة، مع ما في الجميع بعد الإغماض عمّا ذكر من الموهونيّة المسقطة عن الحجّيّة بمصير الأصحاب إلى المخالفة، فهذا المقدار من المسألة بحمد اللّه و المنّة له ممّا لا إشكال فيه، و لا شبهة تعتريه.

و إنّما الإشكال في تعيين المراد بالرطل الوارد في الرواية المذكورة، فإنّ للأصحاب فيه خلافا، منشؤه أنّ «الرطل» ممّا يقال بالاشتراك على ثلاث مقادير مخصوصة، أحدها: بالعراقي، و ثانيها: بالمدني، و ثالثها: بالمكّي، و الأوّل من الثاني ثلثاه، و من الثالث نصفه، كما أنّ الثاني منه ثلاثة أرباعه.

فالأوّل على ما فسّره به المشهور مائة و ثلاثون درهما، فيكون الثاني مائة و خمسة

____________

(1) 1- 3 الوسائل 1: 139، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 412/ 1298- الاستبصار 1: 7/ 7- الكافي 3: 2/ 3.

(2) 4 الوسائل 1: 166، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 7- الكافي 3: 3/ 8- الاستبصار 1: 7/ 5- التهذيب 1: 42/ 118.

(3) 5 و 6 الوسائل 1: 166، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 415/ 1309 الاستبصار 1: 7/ 6- الفقيه 1: 6/ 3.

(4) 7 الفقيه 1: 6- التهذيب 1: 440.

139

و تسعين درهما، و الثالث مائتين و ستّين درهما، و إنّما قيّدناه بالمشهور احترازا عمّا عن العلّامة من تفسيره في نصاب الغلّات من التحرير (1) و المنتهى (2): «بأنّه مائة و ثمانية و عشرون درهما و أربعة أسباع درهم»، فينقص من الأوّل بواحد و ثلاثة أسباع واحد و في كلام غير واحد أنّه سهو و غفلة.

و ممّا يفصح عن ذلك و يشهد بصدق مقالة المشهور، ما في مكاتبة الهمداني (3) عن أبي الحسن (عليه السلام): «إنّ الصاع ستّة أرطال بالمدني و تسعة أرطال بالعراقي، و وزنه ألف و مائة و سبعون وزنة» (4)؛ فإنّ هذا التقدير يقتضي كون كلّ رطل من العراقي مائة و ثلاثين وزنة، مضافا إلى اقتضائه كون العراقي ثلثين من المدني؛ إذ لو لا الرطل العراقي ناقصا من المدني بثلثه لما كان عدد أرطال الصاع بالعراقي زائدا على عدد أرطاله بالمدني بثلثه، فيحصل الموازنة في أرطال الصاع بالعراقي بين نقصان المادّة و زيادة الهيئة، فيرجع التقدير إلى أرطاله بالمدني، كما أنّه لو حصلت الموازنة في أرطاله بالمدني بين نقصان الهيئة و زيادة المادّة رجع المقدّر إلى أرطاله بالعراقي فليتدبّر.

و كيف كان: فخلافهم المذكور واقع فيما بين العراقي و المدني دون المكّي الّذي قيل فيه بعدم ذهاب أحد إليه، و لهم في ذلك الخلاف قولان:

أحدهما: ما نسب إلى المشهور من حمله على العراقي، و في المختلف (5): قال به الشيخ المفيد (6) و أبو جعفر رحمهما اللّه (7)، و هو اختيار ابن البرّاج (8) و ابن حمزة (9) و ابن إدريس (10).

و في شرح الدروس (11): «عليه الشيخ في النهاية (12) و المبسوط 13، و هذا يقتضي

____________

(1) التحرير- زكاة الغلّات (الطبعة الحجريّة): 62.

(2) منتهى المطلب 1: 497.

(3) الوسائل 9: 340، ب 7 من أبواب زكاة الفطرة ح 1- التهذيب 4: 83/ 243 الكافي 4: 172/ 9- الاستبصار 2: 49/ 163.

(4) و قضيّة التحديد الوارد في الرواية أن يكون كلّ رطل مائة و ثلاثين وزنة (منه)- و فسّرت الوزنة في كلام بعض الأصحاب بالدرهم (منه).

(5) مختلف الشيعة 1: 184.

(6) المقنعة: 64.

(7) 7 و 13 المبسوط 1: 6.

(8) المهذّب البارع 1: 21.

(9) الوسيلة: 73.

(10) السرائر 1: 60.

(11) مشارق الشموس: 196.

(12) النهاية: 3.

140

كونه على طبق الرواية و إن كانت مرسلة لانجبارها بالعمل».

و في المناهل (1): «ذهب إليه الحلّي في السرائر (2) و الفاضلان في المعتبر (3) و الشرائع (4) و القواعد (5) و الإرشاد (6) و المختلف (7)، و المحقّق الثاني في جامع المقاصد (8) و الجعفريّة (9)، و المقدّس الأردبيلي في مجمع الفائدة (10)، و صاحب المدارك (11) و الذخيرة» (12).

و ربّما يعزى إلى محكيّ كشف الرموز (13) أنّ الشيخ ادّعى عليه الإجماع.

و ثانيهما: ما عن المرتضى و الصدوق في الناصريّات (14) و الانتصار (15) و المصباح (16) و الفقيه (17) من حمله على المدني، و في المختلف (18): و أطلق ابن الجنيد (19) و سلّار» (20).

و في المناهل (21): و ربّما يظهر من الغنية (22) و الذكرى (23) التوقّف.

احتجّ الأوّلون بوجوه:

الأوّل: ما قرّره العلّامة في المختلف (24): من أنّ الأصل طهارة الماء، خرج ما نقص عن الأرطال العراقيّة بالإجماع فيبقى الزائد على الأصل، و ليس في النصّ ما ينافيه فيجب العمل عليه عملا بالأصل السالم عن المعارض.

و هذا الأصل لا يخلو عن إجمال لاحتماله الأصل الاجتهادي المستفاد من عمومات

____________

(1) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 106.

(2) السرائر 1: 60.

(3) المعتبر: 10.

(4) شرائع الإسلام 1: 13.

(5) قواعد الأحكام 1: 183.

(6) إرشاد الأذهان 1: 236.

(7) مختلف الشيعة 1: 184.

(8) جامع المقاصد 1: 116.

(9) الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 83).

(10) مجمع الفائدة و البرهان 1: 259.

(11) مدارك الأحكام 1: 48.

(12) ذخيرة المعاد: 122.

(13) كشف الرموز 1: 48.

(14) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 135).

(15) الانتصار (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 105).

(16) نقله عنه في المعتبر: 10.

(17) الفقيه 1: 6 ذيل الحديث 2.

(18) مختلف الشيعة 1: 185.

(19) نقله عنه في المختلف 1: 185.

(20) المراسم العلويّة: 36.

(21) المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 106.

(22) الغنية (سلسلة الينابيع الفقهيّة 2: 379).

(23) ذكرى الشيعة 1: 81.

(24) مختلف الشيعة 1: 185.

141

الأدلّة القائمة بطهارة الماء إلّا ما علم منه بخروجه كما تقدّم، و القاعدة العامّة المقتضية لكون كلّ شيء مخلوقا لأجل الانتفاع، و استصحاب الطهارة، و أصالة البراءة عن الاجتناب عمّا يشكّ في نجاسته بالملاقاة ممّا يزيد على الرطل العراقي، و إنّما ذكرنا ذلك لورود الاحتجاج في كلامهم بكلّ من هذه الوجوه المذكورة على الاستقلال كما تعرفه.

الثاني: ما حكاه في المناهل (1): من قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2) فإنّه يدلّ على عدم انفعال الماء بالملاقاة مطلقا و لو كان دون العراقي، لكنّه خرج عن هذا العموم بالدليل، و لا دليل على خروج العراقي، فالأصل بقاؤه على العموم.

الثالث: ما حكاه في الكتاب (3) أيضا من أنّ قوله (عليه السلام): «كلّ ماء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (4)، يدلّ على أنّ اللازم الحكم بطهارة الماء في مقام الشكّ في طهارته و نجاسته، و محلّ البحث منه.

الرابع: ما حكاه في شرح الدروس (5) و أنّ الأصل طهارة الماء، لأنّه خلق للانتفاع و الانتفاع بالنجس لا يصحّ.

الخامس: ما حكاه في المناهل 6 أيضا من أنّ حدّ العراقي قبل ملاقاته النجس كان طاهرا و مطهّرا، فالأصل بقاؤهما حتّى يثبت المزيل لهما، و لم يثبت بالنسبة إليه.

و السادس: ما تمسّك به في المدارك 7 و حكاه في الحدائق 8 من أنّ الأقلّ متيقّن و الزائد مشكوك فيه فيجب نفيه بالأصل، يعني أصل البراءة كما صرّح به عند التعرّض لدفعه، كما سيأتي الإشارة إليه.

و السابع: ما حكاه في المناهل 9 أيضا من أنّ قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً 10 إلخ،

____________

(1) المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 106.

(2) سنن البيهقي 1: 259- سنن الدارقطني 1: 28، كنز العمّال 9: 396 ح 26652، مجمع الزوائد 1: 214 باختلاف يسير، نيل الأوطار 1: 35.

(3) 3 و 6 و 9 المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 110.

(4) الوسائل 1: 133، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 2- الفقيه 1: 6/ 1.

(5) مشارق الشموس: 196.

(6) 7 مدارك الأحكام 1: 48.

(7) 8 الحدائق الناضرة 1: 254.

(8) 10 النساء: 43.

142

يدلّ بمفهومه على أنّه إذا وجد الماء لم يجب التيمّم فيجب الطهارة المائيّة، و هو عامّ يشمل المفروض، و خروج ما دون العراقي من العموم لا يمنع من التمسّك به بالنسبة إليه.

و الثامن: ما حكاه فيه أيضا (1)- و اعتمد عليه غير واحد، منهم شيخنا في الجواهر (2)- من شيوع إطلاق الرطل في كلامهم (عليهم السلام) و إرادة العراقي منه عند الإطلاق، كما يشير إليه خبر الكلبي النسّابة (3) أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن النبيذ؟ فقال: «حلال، فقال: إنّا نبذه فنطرح فيه العكر، و ما سوى ذلك، شه شه، تلك الحمرة المنتنة، قلت: جعلت فداك فأيّ نبيذ تعني؟ فقال إنّ أهل المدينة شكوا إلى رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) تغيّر الماء و فساد طبائعهم فأمرهم أن ينبذوا، فكان الرجل يأمر خادمه أن ينبذ له، فيعمد إلى كفّ من تمر فيقذف في الشنّ (4)، فمنه شربه و منه طهره.

فقلت: و كم كان عدد التمر الّذي في الكفّ؟ فقال: ما حمل الكفّ، قلت: واحدة أو اثنتين؟ فقال ربّما كانت واحدة و ربّما كانت اثنتين، فقلت: و كم كان يسع الشنّ ماء؟

فقال: ما بين الأربعين إلى الثمانين، إلى ما فوق ذلك فقلت: بأيّ الأرطال؟ فقال: أرطال مكيال العراق» (5).

فإنّه (عليه السلام) أطلق و أراد به العراقي قبل أن يسأله السائل، و لو لم يسأله لأعتمد على ذلك الإطلاق.

و التاسع: ما اعتمد عليه في المدارك (6)، من أنّ ذلك هو المناسب لرواية الأشبار الثلاثة، و قرّره في المختلف- معتمدا عليه-: «بأنّ الأرطال العراقيّة تناسب رواية

____________

(1) المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 110.

(2) جواهر الكلام 1: 341.

(3) الكلبي النسّابة: مشترك بين هشام بن محمّد بن السائب بن بشر بن زيد ... بن كلب بن مرّة الناسب، العالم بالأيّام، المشهور بالفضل و العلم، و كان يختصّ بمذهبنا و كان أبو عبد اللّه (عليه السلام) يقرّبه، المتوفّى سنة (206 ه) و قيل: سنة (204 ه)، و بين أبيه محمّد بن السائب الّذي عدّه الشيخ الطوسي في رجاله من أصحاب الباقر و الصادق (عليهما السلام)، المتوفّى سنة (146 ه) و الغالب التعبير عن هشام بابن الكلبي و أيضا المناسب لترك لفظة «الابن» أن يكون الراوي هو الأب دون الابن. و اللّه العالم. رجال النجاشي: 434- تاريخ بغداد 14: 46- رجال الطوسي: 136، 289.

(4) الشّنّ: القربة الخلق. الصحاح: مادّة «شنن».

(5) الوسائل 1: 203، ب 2 من أبواب الماء المضاف ح 2- الكافي 1: 283/ 6- التهذيب 1: 220/ 629- الاستبصار 1: 16/ 29.

(6) مدارك الأحكام 1: 48.

143

الأشبار بخلاف المدنيّة فإنّها تفضل عليها، و من المستبعد تحديد مقدار الشيء الواحد بأمرين متفاوتين» (1).

و العاشر: ما تمسّك به في المدارك أيضا و اعتمد عليه في المختلف، فقال الأوّل: «و لما في ذلك من الجمع بين هذه الرواية و بين صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: و الكرّ ستّمائة رطل (2) بحملها على أرطال مكّة، إذ لا يجوز حملها على غيرها من الأرطال العراقيّة أو المدنيّة؛ لأنّ ذلك لم يعتبره أحد من الأصحاب كما ذكره الشيخ في التهذيب (3)» (4).

و في المختلف: «قال الشيخ (5) و هذا يرجح اعتبار العراقيّة و وجهه أن يكون المراد به رطل مكّة لأنّه رطلان، و لا يمتنع أن يكونوا (عليهم السلام) أفتوا السائل عن عادة بلده؛ لأنّه لا يجوز أن يكون المراد به رطل أهل العراق، و لا أرطال أهل المدينة؛ لأنّ ذلك لم يعتبره أحد من أصحابنا فهو متروك بالإجماع» (6) انتهى.

و ممّا يقرّب مقالة الشيخ إلى الواقع شهادة حال الراوي، فإنّ محمّد بن مسلم على ما في نقد الرجال (7) عن رجال الشيخ طائفي، فكونه من أهل الطائف الّذي هو من أتباع مكّة ممّا يقرب كون الإمام (عليه السلام) قد تكلّم باصطلاحه، لما عرفت من امتناع حمله على اصطلاح آخر.

الحادي عشر: ما في المناهل: «من أنّ الظاهر أنّ الراوي لابن أبي عمير تحديد الكرّ بألف و مائتا رطل عراقي، لأنّ الظاهر أنّه من مشايخه، و هم من أهل العراق فيجب أن يكون الرطل فيما رواه العراقي، لأنّ الحكيم لا يخاطب إلّا بما هو المصطلح عليه عند المخاطب» (8).

قال شيخنا في الجواهر- مستدلّا على ما اختاره من مذهب المشهور-: «لكون المرسل ابن أبي عمير و مشايخه من أهل العراق، مع قوله فيها: «عن بعض أصحابنا»

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 185.

(2) الوسائل 1: 168، ب 12 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 43/ 119- الاستبصار 1: 11/ 16.

(3) التهذيب 1: 43 في ذيل الحديث 119.

(4) مدارك الأحكام 1: 48.

(5) الاستبصار 1: 11 في ذيل الحديث 6.

(6) مختلف الشيعة 1: 185.

(7) نقد الرجال 4: 323.

(8) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 107.

144

و ظاهر الإضافة كونه من أهل العراق، و عرف السائل في الكلام مع الحكيم العالم بعرف المخاطب مقدّم على عرف المتكلّم و البلد، على أنّه لم يعرف كونه (عليه السلام) قال ذلك و هو في المدينة، قيل و لذلك اعتبر العراقي في الصاع»- إلى أن قال-: «و ربّما يؤيّده ما قيل إنّ الكرّ في الأصل كان مكيال أهل العراق، و أنّهم قدّروا بالكرّ من جهة أنّ مخاطبهم كان من أهل العراق» (1) انتهى.

و قيل أيضا (2)- في جواب الاحتجاج الحاملين على المدني، بأنّه (عليه السلام) كان من اهل المدينة فالظاهر أنّه (عليه السلام) أجاب بما هو المعهود عنده-: «بأنّ المهمّ في نظر الحكيم هو رعاية ما يفهمه السائل، و ذلك إنّما يحصل بمخاطبته بما يعهده من اصطلاحه، و لم يعلم أنّ السائل كان مدنيّا، و غالب الرواة عنه (عليه السلام) كانوا من أهل العراق، فلعلّ السائل كان منهم حملا على الغالب».

قال في الحدائق- عقيب هذا الكلام-: قلت: «و يؤيّد بأنّ المرسل و هو ابن أبي عمير كان عراقيّا» (3) و عن الآخرين الاحتجاج أوّلا بالإجماع، حكاه في المناهل (4) عن السيّد في الناصريّات، قائلا: «و أمّا الكلام في تصحيح ما ذكرناه من الكرّ و تعيينه بالأرطال فالحجّة في صحّته إجماع الإماميّة و إجماعنا حجّة» (5).

و فيه: ما لا يخفى بعد ملاحظة أنّ القول بما صار إليه منحصر فيه و في الصدوق.

و ثانيا: أنّ الصادق (عليه السلام) كان مدنيّا فيجب حمل كلامه على المصطلح عليه بين أهل المدينة، لأنّ كلّ قوم يحاورون بما هو المصطلح عليه بينهم، و ثالثا: الاحتياط.

و أنت إذا تأمّلت في المسألة علمت بما في أكثر أدلّة الأوّلين مع بعض أدلّة الآخرين، فإنّها ليست إلّا اجتهادات وردت على خلاف التحقيق و استنباطات خرجت غير مطابقة لمقصود المقام، فإنّ الشبهة لفظيّة و الغرض المهمّ تحصيل ما يوجب الخروج عن تلك الشبهة، و يجدينا في رفع إجمال الاشتراك بالكشف عن حقيقة المراد من اللفظ، و أيّ ربط في عمومات الطهارة و المطهّريّة و خلقة الماء لجهة الانتفاع، و الاصول

____________

(1) جواهر الكلام 1: 341.

(2) نقله في الحدائق الناضرة 1: 258.

(3) الحدائق الناضرة 1: 258.

(4) المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 107.

(5) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 136).

145

العمليّة من الاحتياط و الاستصحاب و البراءة بذلك.

فإنّ أقصى ما يفيده العمومات أنّ عند عدم العلم بالنجاسة يجب البناء على الطهارة، و هو غير العلم أو الظنّ بأنّ المراد بالرطل الوارد في الرواية العراقي، الملازم لطهارة ما زاد عليه، كيف و من المقرّر في محلّه أنّ إجمال المخصّص و لو في الجملة يسري إلى العامّ، فيصير مجملا في القدر الّذي كان المخصّص مجملا بالنسبة إليه، و لا ريب أنّ ما دلّ على انفعال ما دون الكرّ مع ما دلّ على عدم انفعال الكرّ مجمل في القدر الّذي اريد من الكرّ و هو يقضي يكون ما دلّ على طهارة الماء بعمومه مجملا في هذا القدر، و معه كيف يمكن أخذه بيانا رافعا للإجمال عن الأوّل، كما أنّ أقصى ما يفيده الاصول التوصّل بها إلى ما هو حكم ظاهري مجعول للمكلّف طريقا إلى عمله في مقام الجهل و الشبهة، و كيف يلائم ذلك للحكم الواقعي الّذي لا ينعقد إلّا مع تبيّن ما هو حقيقة المراد من الخطاب.

و بالجملة: الاصول في جميع مواردها ممّا لا يجدي نفعا في إحراز الواقع و هذا هو المقصود بالبحث، إلّا أن يقال: بأنّ هذه الوجوه إنّما خرجت مستندة بعد الفراغ عن رمي الخطاب بالإجمال و اليأس عمّا يوجب فيه البيان، طلبا لطريق العمل و الحكم الظاهري المعمول به عند الجهل.

فيرد عليه أوّلا: أنّه لا وجه حينئذ للتمسّك بعمومات الطهارة أصلا كما عرفت و ثانيا: أنّه لا وجه لذكر تلك الوجوه في عنوان قولهم: «هل المراد بالرطل العراقي أو المدني»؟

فتحقيق المقام: أنّ الأقوى و إن كان ما صار إليه الأوّلون، غير أنّ دليله الّذي يمكن التعويل عليه و أخذه حجّة فيما بين الربّ و العبد منحصر في عاشر الوجوه المتقدّمة، فإنّ حمل «الرطل» الوارد في الرواية المتضمّنة لتحديد الكرّ بألف و مائتا رطل على العراقي من مقتضى الجمع بين تلك الرواية و الرواية المتضمّنة لتحديده بستّمائة رطل، و إنّما يتأتّى ذلك الجمع بعد ملاحظة الإجماع على أنّ الكرّ لا ينقص عن الأرطال العراقيّة، و امتناع الكذب على الأئمّة (عليهم السلام)، و وجوب العمل على أدلّة الحجيّة، و أصالة عدم التقيّة، و أصالة عدم المعارضة فيما بين الأدلّة، و أصالة عدم الإجمال و الشبهة، و قاعدة أولويّة الجمع مهما أمكن و نحو ذلك.

146

و لا ريب أنّ قضيّة الجمع بين هذه الاصول و القواعد أن يحمل رواية ستّمائة على ما يوازي نصفه تمام رواية الألف و المائتين، و لا يعقل ذلك إلّا إذا حملت الاولى على المكّي و الثانية على العراقي؛ إذ على هذا التقدير يكون الستّة مائة من الأرطال موازية للألف و المائتين منها، و لا بعد في هذا الجمع بل ممّا لا بدّ منه، إخراجا لخطاب الحكيم عن الإجمال، فيكون كلّ من الروايتين بيانا بالقياس إلى الاخرى، و إن كانت كلّ واحدة مع قطع النظر عن صاحبها مجملة، و ليس ذلك من الجمع الّذي يطالب فيه بدليل دعي إليه، معتبر في نظر العرف؛ إذ لا يوجب خروجا عن ظاهر و لا طرحا لدليل في الحقيقة؛ لعدم ظهور في الروايتين بدونه في شيء، و إنّما يطرأهما الظهور بعد اعتبار الجمع، فهو ممّا يعطيهما الظهور لا أنّه يوجب فيهما طرح الظهور، و لا امتناع في مجملين إذا اجتمعا و لوحظا معا كان كلّ منهما بيانا للآخر، بمعنى: أنّ بيان كلّ منهما يحصل بملاحظتهما معا.

ثمّ يبقى جملة من الوجوه المتقدّمة مؤيّدة لهذا الجمع، شاهدة به- لو تمّت- مع عدم الحاجة إليها، فاتّضح بذلك حكم المسألة بحمد اللّه وليّ النعمة.

و لأصحابنا الأعلام (رضوان اللّه عليهم) نقوض و إبرامات في تصحيح أدلّة الطرفين و إفسادها، مذكورة في مظانّها و من يطلبها فليراجعها، و لا فائدة مهمّة تدعونا- بعد وضوح المسألة- إلى تحمّل نقلها و جرحها و تعديلها، فهي بالإعراض عنها هنا أحرى و أجدر.

و لكن يبقى في المقام فائدة ينبغي الإشارة إليها لعموم النفع بها، و هي بيان ما يبلغ إليه الكرّ بالأرطال العراقيّة من المنّان، و غيرها من الأوزان المتعارفة الآن في كثير من البلدان على حسب ما يقتضيه قواعد الحساب و غيرها.

فنقول: إذ قد عرفت سابقا أنّ «الرطل» مائة و ثلاثون درهما فاعلم: أنّ «الدرهم» يطلق فيما يقابل المثقال الّذي منه ما كان شرعيّا و منه ما كان صيرفيّا، و الأوّل من الثاني ثلاثة أرباعه، كما أنّ الثاني من الأوّل مثله و ثلثه، فالدرهم من المثقال الشرعي نصف مثقال و خمسة، كما أنّ المثقال الشرعي منه درهم و ثلاثة أسباعه، و الدرهم من المثقال الصيرفي نصفه و ربع عشره.

و إن شئت السهولة في معرفة هذه النسب، فافرض العشرين مثقالا صيرفيّا، و خمسة عشر مثقالا شرعيّا، و العشرة و النصف درهما، فاعلم: أنّ كلّ عشرة دراهم على

147

هذا الحساب سبعة مثاقيل بالشرعي، و خمسة مثاقيل و ربع مثقال بالصيرفي، و كلّ مائة درهم سبعون مثقالا بالشرعي، و اثنان و خمسون مثقالا و نصف مثقال بالصيرفي، و كلّ ألف درهم سبعمائة مثقال بالشرعي و ستّمائة مثقال و عشرون مثقالا بالصيرفي، فالرطل على هذا الحساب إذا انحلّ إلى المثاقيل الشرعيّة كان واحدا و تسعين مثقالا شرعيّا، و إذا انحلّ إلى المثاقيل الصيرفيّة كان ثمانية و ستّين مثقالا و ربع مثقال.

و الكرّ حينئذ إذا انحلّ إلى المثاقيل الشرعيّة كان مائة ألف و تسعة آلاف و مائتين مثقالا، و إذا انحلّ إلى المثاقيل الصيرفيّة كان واحدا و ثمانين ألف مثقال و ستّمائة مثقال، ثمّ «الصاع» بقرينة ما تقدّم في المكاتبة تسعة أرطال بالعراقي، فكلّ صاع ثمانمائة مثقال و تسعة عشر مثقالا بالشرعي، و ستّمائة مثقال و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال بالصيرفي، و ذلك يعادل المنّ التبريزي المعهود في بلاد العجم الموصوف ب«هشت عبّاسى» إلّا خمسة و عشرين و ثلاثة أرباع مثقال بالصيرفي، لأنّ «المنّ» عبارة عن ستّمائة و أربعين مثقالا بالصيرفي، و قيل: الصاع العراقي حقّتان بالعطّاري، فالحقّتان حينئذ ستّمائة و أربعة عشر مثقالا و ربع مثقال بالصيرفي، فالكرّ حينئذ بعيار الصاع مائة و ثلاثة و ثلاثون صاعا و ثلث صاع، و بعيار المنّ مائة و ثمانية و عشرون منّا إلّا عشرين مثقالا بالصيرفي، و طريق العمل في استخراج ذلك أنّ تقسّم مثاقيل الكرّ المتقدّمة على مثاقيل المنّ المذكورة فالخارج من القسمة هو المطلوب، و هو يوازي العدد المذكور.

الطريق الثاني: تحديده باعتبار المساحة،

و اضطربت كلمة الأصحاب فيه اضطرابا شديدا، حتّى حدث فيهم أقوال مختلفة.

أحدها: ما كان كلّ من طوله و عرضه و عمقه ثلاثة أشبار و نصف شبر،

بالغا تكسيره اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر، و هو عن الحلّي في السرائر (1)، و ابن زهرة في الغنية (2)، و الفاضلين في الشرائع (3) و القواعد (4) و الإرشاد (5)، و عن محكيّ الأمالي (6) و الهداية (7)

____________

(1) السرائر 1: 60.

(2) غنية النزوع (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 379).

(3) شرائع الإسلام 1: 13.

(4) قواعد الأحكام 1: 183.

(5) إرشاد الأذهان 1: 236.

(6) أمالي الصدوق- المجلس 93- ص: 514.

(7) الهداية: 68.

148

للصدوق، و النهاية (1) و المبسوط (2)، و الوسيلة (3)، و التحرير (4) و التذكرة (5) و المنتهى (6) و نهاية الإحكام (7)، و في اللمعة (8) و محكيّ البيان (9) و الذكرى (10) و الدروس (11)، و التنقيح (12) و جامع المقاصد (13) و المعالم (14) و البداية.

و في محكيّ التنقيح (15) و المهذّب (16) نسبته إلى المرتضى.

و في المنتهى (17) و الروضة (18) و المدارك (19) و الحدائق (20) و الرياض (21) و غيرها- كما عن التذكرة (22) و الذكرى (23) و الدروس (24) و جامع المقاصد (25) و مجمع الفائدة (26) و الذخيرة (27) و المهذّب البارع (28) و المشارق (29) و حبل المتين (30) و المعتصم (31) و البحار (32)- دعوى الشهرة عليه.

و في شرح الدروس 33 نسبته إلى الأكثر.

و عن محكيّ الخلاف 34 نسبته إلى جميع القمّيّين و أصحاب الحديث.

و عن الغنية 35 دعوى الإجماع عليه، حتّى أنّ شيخنا في الجواهر 36 أخذه مستندا لنفسه مضافا إلى ما يأتي، كما استند إليه في المناهل، قائلا فيه: «بأنّ الإجماع المنقول حجّة ما لم يثبت المانع منه، و مجرّد استفادة الشهرة على خلافه من بعض

____________

(1) النهاية: 3.

(2) المبسوط 1: 6.

(3) الوسيلة (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 414).

(4) تحرير الأحكام (حجريّة)- كتاب الطهارة-: 4.

(5) تذكرة الفقهاء 1: 19.

(6) منتهى المطلب 1: 40.

(7) نهاية الإحكام 1: 232.

(8) اللمعة الدمشقيّة 1: 255.

(9) البيان: 98.

(10) ذكرى الشيعة 1: 80.

(11) الدروس الشرعيّة 1: 118.

(12) التنقيح الرائع 1: 42.

(13) جامع المقاصد 1: 116.

(14) فقه المعالم 1: 32.

(15) التنقيح الرائع 1: 41.

(16) لم نجده في المهذّب البارع.

(17) منتهى المطلب 1: 39.

(18) الروضة البهيّة 1: 34.

(19) مدارك الأحكام 1: 49.

(20) الحدائق الناضرة 1: 261.

(21) رياض المسائل 1: 147.

(22) تذكرة الفقهاء 1: 19.

(23) ذكرى الشيعة 1: 80.

(24) الدروس الشرعيّة 1: 118.

(25) جامع المقاصد 1: 116.

(26) مجمع الفائدة و البرهان 1: 261.

(27) ذخيرة المعاد: 122.

(28) المهذّب البارع 1: 80.

(29) 29 و 33 مشارق الشموس: 197.

(30) الحبل المتين: 107.

(31) المعتصم: لم نعثر عليه.

(32) بحار الأنوار 19: 77.

(33) 34 الخلاف 1: 190 المسألة 147.

(34) 35 غنية النزوع: 46.

(35) 36 جواهر الكلام 1: 347.

149

الأصحاب لا يصلح له، خصوصا إذا قطعت أكثر الأصحاب بأنّ الشهرة موافقة له.

و يؤيّده مضافا إلى الشهرة مصير من لا يعتمد في الشرعيّات إلّا على اليقين إليه» (1)، و إنّما ذكر ذلك في دفع ما أورد على الإجماع المنقول بوهنه بمصير الأكثر، كما يستفاد من كلام بعض الأصحاب إلى خلافه، و بهما يدفع بمثل ما ذكره ما عن المعتبر (2)- في المناقشة في الإجماع المذكور-: «من أنّه لا [تصفح] (3) إلى من يدّعي الإجماع هنا» فإنّه يدّعي الإجماع في محلّ الخلاف، فيقال: وجود الخلاف لا ينافي تحقّق الإجماع، لأنّ حجّيّته من باب الكشف عن قول الحجّة و ذلك ممكن مع الخلاف، فلو ادّعاه مدّع و كان ثقة وجب قبوله، و لا يخفى ما في هذه الكلمات، و تفصيله موكول إلى محلّه.

و ثانيها: [من أنّه ما كان ثلاثة أشبار طولا في عرض في عمق]

ما حكاه في المختلف (4) عن الصدوق و جماعة القمّيّين، و مال هو (5) إليه حيث جعله أقوى، من أنّه ما كان ثلاثة أشبار طولا في عرض في عمق فخالفوا الأوّلين بإسقاط النصف عمّا حدّوه به، و عليه يكون مبلغ تكسيره سبعة و عشرين شبرا، و يظهر من ثاني الشهيدين (6) الميل إليه، و نسبه في المناهل (7) و غيره إلى المقدّس الأردبيلي (8) و المحقّق في المعتبر (9)، و عن المجلسيّين في الحديقة (10) و البحار (11)، و عن شيخنا البهائي و استاد الكلّ في حبل المتين (12) و المشارق (13)، و عن الشيخ عليّ في بعض حواشيه (14).

و ثالثها: ما نسبه في المختلف (15) إلى ابن الجنيد من أنّ حدّه قلّتان،

و مبلغه وزنا ألف و مائتا رطل، و تكسيره بالذرع نحو مائة شبر، ثمّ قال: و هو قول غريب، لأنّ اعتبار الأرطال يقارب قول القمّيّين، فيكون مجموع أشباره تكسيرا في قولهم: سبعة و عشرين شبرا.

____________

(1) المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 113.

(2) المعتبر: 10.

(3) و في المصدر: «و لا تصغ».

(4) مختلف الشيعة 1: 183.

(5) قال في مختلف الشيعة- بعد تزييف أدلّة المشهور-: «و الأقوى قول ابن بابويه» 1: 183.

(6) الروضة البهيّة 1: 34.

(7) المناهل- كتاب الطهارة (مخطوط)- الورقة: 109.

(8) مجمع الفائدة و البرهان 1: 259.

(9) المعتبر: 10.

(10) حديقة المتّقين- للتقي المجلسي (ره)- لم نعثر عليها.

(11) بحار الأنوار 19: 77.

(12) الحبل المتين: 108 حيث قال: «و القول به غير بعيد».

(13) مشارق الشموس: 197.

(14) حكى عنه البهائي (قدّس سرّه) في الحبل المتين عن حواشيه على المختلف. [الحبل المتين: 108].

(15) مختلف الشيعة 1: 183.

150

و رابعها: ما نسبه فيه (1) إلى القطب الدين الراوندي (2) من كون الكرّ عشرة أشبار و نصفا طولا و عرضا و عمقا،

و الظاهر أنّه لا مخالفة بينه و بين الأكثر في المستند، فإنّ كلّا يستند إلى ما يقضي من الروايات، باعتبار كون كلّ من الأبعاد الثلاثة ثلاثة أشبار و نصف، إلّا أنّ الخلاف في أنّ الأكثر يعتبرون تكسير هذه المقادير بطريق الضرب فيكون مبلغه اثنان و أربعون شبرا و سبعة أثمان شبر، و هو يعتبره بطريق الجمع فيكون مبلغه عشرة أشبار و نصفا، فعلى هذا لا مخالفة بينه و بينهم في المعنى فتأمّل.

و خامسها: ما يظهر عن المدارك من أنّه ما بلغ ذراعين في عمقه، و ذراعا و شبرا سعته،

حيث قال: «و أوضح ما وقفت عليه في هذه المسألة من الأخبار سندا و متنا ما رواه الشيخ- في الصحيح- عن إسماعيل بن جابر، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الماء الّذي لا ينجّسه شيء، قال: «ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (3)، إذ معنى اعتبار الذراع و الشبر في السعة اعتبارهما في كلّ من البعدين، و يظهر من المصنّف (رحمه الله) في المعتبر (4) الميل إلى العمل بهذه الرواية و هو متّجه» (5).

ثمّ إنّ هاهنا أقوالا اخر شاذّة متروكة:

منها: ما هو منقول عن الشلمغاني (6) من أنّه ما لا يتحرّك جنباه بطرح حجر في وسطه.

و منها: ما عن ابن طاوس 7 من الأخذ بكلّ ما روي.

و منها: [التوقّف، و هو المحكيّ] عن ظاهر [المهذّب] 8 و شرح ابن مفلح الصيمري 9 [و الذخيرة 10] 11.

و المعروف من مستند القول الأوّل نقلا و تحصيلا ما رواه الكليني عن محمّد ابن يحيى عن أحمد بن محمّد عن عثمان بن عيسى عن ابن مسكان عن أبي بصير قال:

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 184.

(2) حكى عنه في مختلف الشيعة 1: 184.

(3) الوسائل 1: 164، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 41/ 114.

(4) المعتبر: 10.

(5) مدارك الأحكام 1: 51.

(6) 6 و 7 حكاه عنهما في ذكرى الشيعة 1: 81.

(7) 8 المهذّب 1: 21.

(8) 9 كشف الالتباس 1: 41.

(9) 10 ذخيرة المعاد: 123.

(10) 11 أخذنا ما بين المعقوفات من المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 112، و أضفناه إلى المتن لاستقامة العبارة و زيادة الفائدة، و المظنون قويّا أنّ المصنّف (رحمه الله) نقله منه. و اللّه العالم.

151

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكرّ من الماء كم يكون قدره؟ قال: إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف في مثله، ثلاثة أشبار و نصف في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء» (1)، هكذا وجدناه في النسخة المصحّحة من الكافي مع أكثر كتب أصحابنا الفقهاء، و لكن في المختلف (2) و المدارك (3) مكان «نصف» «نصفا» بالنصب، و لعلّ المعنى يتفاوت بذلك في الجملة كما ستعرف.

و قد يحكى (4) عن أبي بصير رواية اخرى مصرّحة بذكر الأبعاد الثلاثة مرويّة في المهذّب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصفا في طوله و مثله ثلاثة أشبار و نصفا في عرضه و مثله ثلاثة أشبار و نصفا في عمقه في الأرض، فذلك الكرّ من الماء» (5).

و قد يستدلّ على هذا المذهب أيضا بما في الكافي عن محمّد بن يحيى عن أحمد بن محمّد عن ابن محبوب عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء في الركيّ كرّا لم ينجّسه شيء، قلت: و كم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها» (6)، و نحوه ما في التهذيب 7 و الاستبصار 8 إلّا في أنّه أضاف في الثاني إلى البعدين البعد الآخر، فقال- بعد قول الراوي: «و كم الكرّ؟- قال:

ثلاثة أشبار و نصف طولها، في ثلاث أشبار و نصف عمقها، في ثلاثة أشبار و نصف عرضها».

و قد يقال: بأنّ الظاهر أنّه سهو من الشيخ أو من الناسخين و قال الشيخ- في توجيه هذا الخبر، من حيث منافاته لما صار إليه من عدم قبول البئر للانفعال مطلقا ما لم يتغيّر

____________

(1) الوسائل 1: 166، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 6- التهذيب 1: 42/ 116- الكافي 3: 3/ 5- الاستبصار 1: 10/ 14.

(2) مختلف الشيعة 1: 183.

(3) مدارك الأحكام 1: 49، و في المدارك الّذي يحضرنا (من منشورات مؤسسة آل البيت لإحياء التراث) ثبت «نصف» بدل: «نصفا».

(4) و الحاكي هو السيّد المجاهد في المناهل: 109.

(5) لم نجدها في المهذّب البارع و كذا في مهذّب ابن البرّاج، نعم قال فيه: «الكرّ هو ما كان مقدار ألف رطل و مائتي رطل بالعراقي، أو ثلاثة أشبار و نصف طولا في ذلك عرضا في مثل ذلك عمقا (المهذّب 1: 21) و أمّا احتمال تصحيف «التهذيب» «بالمهذّب» و إن كان غير بعيد في نفسه، إلّا أنّه لم يوجد في التهذيب أيضا.

(6) 6 و 7 و 8 الوسائل 1: 160، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 408/ 1282 الكافي 3: 2/ 4- الاستبصار 1: 33/ 88.

152

أحد أوصافه الثلاث-: «بأنّه يحتمل وجهين:

أحدهما: أن يكون المراد بالركي المصنع الّذي لا يكون له مادّة بالنبع دون الآبار الّتي لها مادّة، فإنّ ذلك هو الّذي يراعى فيه الاعتبار بالكرّ على ما بيّناه.

و الثاني: أن يكون ذلك ورد مورد التقيّة؛ لأنّ من الفقهاء من سوّى بين الآبار و الغدران في قلّتها و كثرتها، فيجوز أن يكون الخبر ورد موافقا لهم، و الّذي يبيّن ذلك أنّ الحسن بن صالح راوي هذا الحديث زيدي بتري متروك الحديث فيما يختصّ به (1) انتهى».

و في الوجه الأخير ما لا يخفى من البعد الواضح، إذ لو صحّ حكاية التقيّة لوجب التقدير بالقلّتين و نحوهما ممّا صار إليه العامّة في تقدير الكثير، دون الكرّ الّذي يختصّ التقدير به بالخاصّة خلافا للعامّة، و على أيّ حال كان فاعترض على الرواية الاولى بالطعن في سندها و دلالتها معا.

أمّا الأوّل: فالّذي أكثر في ذلك الطعن صاحب المدارك في قوله: «و هي ضعيفة السند بأحمد بن محمّد بن يحيى فإنّه مجهول، و عثمان بن عيسى فإنّه واقفي، و أبي بصير و هو مشترك بين الثقة و الضعيف، ثمّ قال: و قد اعترف بذلك المصنّف (رحمه الله) في المعتبر، فقال: و عثمان بن عيسى واقفي فروايته ساقطة» (2). انتهى.

و ذكر العلّامة أيضا في المختلف (3) بمثل ما عرفت عن المعتبر.

و أمّا الثاني: فلأنّها خالية عن تحديد العمق، فلا يوافق مذهبهم في اعتبار كلّ من الأبعاد الثلاث على النهج المتقدّم.

و اجيب عن الأوّل تارة: بانجبار ضعفها بالشهرة و الإجماع المنقول، و ممّن أشار إلى ذلك في الجملة العلّامة في المنتهى، فقال: «هذه الرواية عمل عليها أكثر الأصحاب، إلّا أنّ في طريقها عثمان بن عيسى و هو واقفي، لكنّ الشهرة يعضدها» (4). و اخرى: بأنّ الموجود في الكافي إنّما هو أحمد بن محمّد، و الظاهر أنّه ابن عيسى، خصوصا مع رواية محمّد بن يحيى العطّار عنه، و روايته عن عثمان بن عيسى.

نعم نقل عن التهذيب (5) أنّه أثبت «يحيى»، و الظاهر أنّه من الناسخ أو أنّه تصحيف

____________

(1) الاستبصار 1: 33 ذيل الحديث 9.

(2) مدارك الأحكام 1: 49.

(3) مختلف الشيعة 1: 184.

(4) منتهى المطلب 1: 39.

(5) التهذيب 1: 42/ 116.