ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
153

«عيسى»، و يؤيّده أنّ العلّامة (1) و غيره لم يطعنوا في الرواية إلّا بعثمان بن عيسى، و بعضهم بأبي بصير.

و أمّا عثمان بن عيسى فعن الشيخ في العدّة (2) أنّه نقل الإجماع على العمل بروايته، و عن الكشّي (3): «ذكر بعضهم أنّه ممّن أجمعت الصحابة على تصحيح ما يصحّ عنه»، و أيضا نقل أنّه تاب و رجع من الوقف، على أنّ الظاهر أنّه ثقة مع وقفه فيكون الخبر موثّقا، و هو حجّة كما تبيّن في الاصول.

و أمّا أبو بصير فالظاهر أنّه ليث المرادي بقرينة رواية ابن مسكان عنه، فإنّ الظاهر أنّ المراد منه عبد اللّه و هو يروي عن ليث، مضافا إلى أنّ عبد اللّه من أصحاب الإجماع فلا يلتفت إلى ما بعده- على وجه- بعد تنقيح حال عثمان، و لعلّه لمعلوميّة حال أبي بصير عند العلّامة لم يطعن في سند الرواية في المنتهى (4) إلّا بعثمان بن عيسى، على أنّه ذكر الاستاذ الأكبر في حاشيته على المدارك (5) أنّ أبا بصير مشترك بين ثلاثة كلّهم ثقات، و على كلّ حال فلا ينبغي الطعن في سند الرواية.

أقول: ينبغي القطع بأنّ أحمد بن محمّد ليس إلّا ابن عيسى، أبو جعفر شيخ القمّيّين و وجههم و فقيههم.

أمّا أوّلا: فلما ذكر في ترجمته- كما عن المشتركات (6)- من أنّه يروي عنه جماعة منهم محمّد بن يحيى العطّار.

و أمّا ثانيا: فلما عرفت من كونه شيخ القمّيّين، فينبغي أن يكون محمّد بن يحيى راويا عنه لأنّه قمّي أيضا.

و أمّا ثالثا: فلأنّ أحمد بن محمّد الّذي يروي عنه محمّد بن يحيى يذكره الكليني في السند مطلقا تارة و هو الأكثر، و مقيّدا بابن عيسى اخرى، فليحمل المطلق على المقيّد.

و أمّا رابعا: فلأنّ المطلق ينصرف إلى فرده الشائع، و لا ريب أنّ ابن عيسى أشيع و أشهر من ابن يحيى.

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 184.

(2) عدّة الأصول 1: 381.

(3) اختيار معرفة الرجال: 556.

(4) منتهى المطلب 1: 39.

(5) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 96.

(6) هداية المحدّثين: 175.

154

و أمّا خامسا: فلأنّ محمّد بن يحيى يكثر الرواية عن أحمد بن محمّد غاية الإكثار، كما يظهر بالتتبّع، و من البعيد في الغاية أن يكون الّذي يروي عنه مجهولا غير مذكور في الرجال، كيف و لم يوجد ممّن ذكر فيه بعنوان «أحمد بن محمّد بن يحيى» إلّا رجلان يروي عنهما التلعكبري، أحدهما: أحمد بن محمّد بن يحيى العطّار القمّي، و ثانيهما: أحمد بن محمّد بن يحيى الفارسي المكنّى بأبي عليّ، و من الممتنع أن يكون محمّد بن يحيى راويا عنهما.

أمّا الأوّل: فلأنّه ابنه، و أمّا الثاني: فلأنّه من أهل طبقة الأوّل، كما يشهد به رواية التلعكبري عنهما، فيكون متأخّرا عن الراوي.

هذا مع ما عن التعليقة (1) من احتمال اتّحاده مع الأوّل بملاحظة رواية التلعكبري عنه مع ملاحظة الطبقة و الكنية، و إن كان ذلك بعيدا في الغاية، لما قيل (2) في ترجمة الأوّل من أنّ التلعكبري سمع منه سنة ستّ و خمسين و ثلاثمائة، و له منه إجازة، و في ترجمة الثاني من أنّه سمع منه سنة ثمان و عشرين و ثلاثمائة و خرج إلى قزوين و ليس له منه إجازة، و من هنا ينبغي الجزم بابتناء ما في تهذيب الشيخ من التقييد بابن يحيى من الغلطيّة أو التصحيف.

و ممّا يرشد أيضا إلى صدق مقالتنا ما عن التعليقة (3) في ترجمة عثمان بن عيسى من إكثار الأجلّاء الثقات الرواية عنه، و عدّ منهم أحمد بن محمّد بن عيسى، و نحوه ما عن مشتركات (4).

و أمّا عثمان بن عيسى فبعض ما تقدّم فيه من الامور الرافعة للقدح من جهته محلّ تأمّل عندنا، فإنّ الظاهر أنّ دعوى الإجماع عن الشيخ في العدّة (5) على العمل برواياته سهو، إذ لم ينقل عن الشيخ إلّا قوله: «إنّ الأصحاب يعملون بأخباره»، و هو كما ترى لا يدلّ على ما ذكر- كما قرّر في محلّه، نعم فيه نحو إشعار ربّما يمكن تأييد الأمارة الدالّة على الوثاقة به، أو أخذ المجموع منه و من نظائره المذكورة في المقام أمارة عليها،

____________

(1) تعليقة الوحيد البهبهاني: 48- منتهى المقال 1: 350.

(2) منتهى المقال 1: 350.

(3) تعليقة الوحيد البهبهاني: 218- منتهى المقال 4: 300 و 301.

(4) هداية المحدّثين: 111.

(5) عدّة الاصول 1: 381.

155

و نحوه الكلام في دعوى رجوعه عن الوقف، إذ لم يوجد نقل ذلك في كلام أئمّة الرجال إلّا ما في العبارة المحكيّة عن التعليقة (1) من إشارة إجماليّة إلى كونه اثنى عشريّا، و لو صحّ ذلك لقضى بإنكار أصل الوقف لإبقائه عليه، و لو سلّم فلا يجدينا نفعا في تصحيح الرواية المبحوث عنها هنا إلّا بعد ثبوت أنّه قد رواها حال استقامته و أيّ طريق إلى ذلك.

نعم، يمكن استفادة وثاقته- مع كونه واقفيّا- ممّا ذكر فيه (2) من كونه واحد الوكلاء المستبدّين بمال موسى بن جعفر (عليه السلام)، فإنّه يقضي بكونه من الامناء و العدول عند الإمام (عليه السلام) لعدم صلاحية غيرهم لمرتبة الوكالة.

و لكن يوهنه: أنّ غاية ما يسلّم من ذلك كونه كذلك في زمن حياة الإمام و أمّا بعده فلا؛ لأنّ عروض الوقف له حينئذ ممّا يرفع العدالة بالمعنى الّذي اعتمد عليها الإمام، فلم يعلم منه أنّه قد روى الرواية حال تلك العدالة موجودة أو بعد زوالها، إلّا أن يقال: بأنّ زوال العدالة بهذا المعنى لا ينافي وجودها بالمعنى المعتبر في مذهبه، غاية الأمر كون الرواية من جهته موثّقة و لا ضير فيه بعد قيام الدلالة على الحجّيّة.

و ممّا يرشد إلى هذا المعنى ما تقدّم الإشارة إليه عن محكيّ التعليقة (3) من إكثار الأجلّاء الثقات الرواية عنه، و يقوّي ذلك بملاحظة ما في محكيّ التعليقة أيضا من: «أنّا لم نقف على أحد من فقهائنا السابقين تأمّل في روايته في موضع من المواضع، و يؤيّده كونه كثير الرواية و سديدها و مقبولها و أنّ أهل الرجال ربّما ينقلون عنه و يعتدّون بقوله» 4 الخ.

و ربّما يمكن المناقشة في السند من جهة ابن مسكان لاشتراكه بين أربعة، ليسوا ثقات بأجمعهم إلّا اثنان منهم عبد اللّه بن مسكان و عمران بن مسكان، و أمّا الآخران و هما محمّد بن مسكان و حسين بن مسكان فقد صرّح فيهما بالجهالة.

و لكن يدفعه: ما قيل من أنّ الغالب في ابن مسكان «عبد اللّه» فلا يحمل على غيره مع احتماله إلّا بقرينة صالحة.

و أمّا أبو بصير فهو على ما في نقد الرجال 5 كنية لأربعة، يحيى بن القاسم و ليث بن

____________

(1) تعليقة الوحيد البهبهاني: 218- منتهى المقال 4: 300 و 301.

(2) رجال النجاشي: 300/ 817- رجال الطوسي: 355.

(3) 3 و 4 تعليقة الوحيد البهبهاني: 218- منتهى المقال 4: 300.

(4) 5 نقد الرجال 5: 125.

156

البختري و عبد اللّه بن محمّد الأسدي و يوسف بن الحرث، إلّا أنّ الإطلاق ينصرف إلى أحد الأوّلين لكونه فيهما أشهر، فلا يقدح ما في الأخير من التصريح بالضعف، و لا ما في سابقه من أنّه لم يذكر بمدح و لا قدح، و رواية ابن مسكان عنه ممّا يعيّن كونه الليث، لأنّه من يروي عنه جماعة منهم ابن مسكان فيكون ثقة جليلا، فلا يقدح اختلاف كلماتهم في يحيى بن القاسم، فيما بين ما يقضي بكونه الثقة، و ما يقضي بكونه غيره ممّن يرمى تارة بالوقف، و اخرى بفساد المذهب، و ثالثة بغيره من صفات الذمّ، فالسند حينئذ لا بأس به إن شاء اللّه.

و الجواب عن الثاني: أعني المناقشة في دلالة الرواية بمنع خلوّها عن تحديد العمق، بناء على ما في الكافي و الوسائل كما في كلام أكثر الأصحاب المتصدّين لذكر تلك الرواية في كتبهم الفقهيّة من ورد «النصف» مرفوعا، عطفا على محلّ «ثلاثة» على أنّه خبر ك«لكان» و الظرف نعت أو حال له كما هو الأصحّ، بل الرواية حينئذ متكفّلة لتحديد كلّ واحد من الأبعاد الثلاث، أمّا تحديد واحد من العرض أو العمق (1) فلصريح قوله (عليه السلام):

«إذا كان الماء ثلاثة أشبار و نصف» (2) و أمّا تحديد البعد الآخر منهما فلكونه مرادا من لفظة «مثله»، ضرورة أنّ المماثلة بينه و بين الثلاثة و النصف ممّا لا يصدق إلّا على تقدير المساواة في ذلك المقدار، و لا ينافيها الظرفيّة ضرورة أنّ البعدين ممّا يصدق على كلّ واحد منهما إذا تساويا أنّه كائن في مثله، أو حاصل فيه لانتشار كلّ في الآخر و لزومه له.

و أمّا تحديد العمق، فلقوله: «ثلاثة أشبار و نصف في عمقه» أي حاصلا و كائنا فيه، على أن يكون عطفا على ما ذكر أوّلا، على حدّ الخبر بعد الخبر بإسقاط العاطف، كما في «هذا حلو حامض» و إنّما عبّر هاهنا بالعمق دون المثل إذ لم يبق- بعد ما اعتبر المماثلة بين البعدين الأوّلين، و عبّر عنها بالمثل- في مقابل البعد الآخر شيء آخر ليعتبر المماثلة بينهما أيضا و يعبّر عنها بالمثل.

و إنّما عطف فيما بين الخبرين بإسقاط العاطف لكونهما من جهة التداخل و انتشار كلّ في الآخر بمنزلة خبر واحد كما في المثال، و لا يصغى حينئذ إلى احتمال كون هذا المذكور بدلا عن المثل، و ليس في الكلام ما يساعد عليه- و البدليّة بنفسها على خلاف الأصل

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) التهذيب 1: 42/ 55.

157

لأولويّة الإفادة و ظهور خلافها- حتّى يكون ذلك منشأ للشبهة، و توهّم عدم تماميّة الدلالة.

نعم إنّما يقوّي هذا الاحتمال بناء على كون «النصف» في الفقرة الاولى منصوبا عطفا على لفظ «ثلاثة» كما في التهذيب و الاستبصار و كلام بعض الأصحاب كالمدارك و مختلف العلّامة، نظرا إلى أنّ التفكيك بينه و بين ما ذكر في الفقرة الثانية بإيراده غير منصوب ربّما يدخل في الوهم كونه مجرورا عطفا على ثلاثة، و لا يكونان كذلك إلّا إذا اعتبر كونهما تابعين لمثله المجرور على سبيل البدليّة، و حينئذ يتوجّه الإشكال من حيث قصور الرواية على هذا التوجيه عن إفادة تحديد العمق.

و فيه: مع- أنّ تقدير الجرّ ليس بلازم حينئذ، بل يجوز الرفع فيهما عطفين على الفقرة الاولى، على طريقة العطف على المحلّ ليكونا خبرين أيضا، على حدّ الخبر بعد الخبر بإسقاط العاطف- أنّ الظاهر كون ما في التهذيب و الاستبصار و غيرهما مبنيّا على سهو الناسخ أو تصرّف الشيخ و غيره، بجعل اللفظ المذكور منصوبا بتوهّم أنّ ما في الكافي وارد على خلاف القانون النحوي، نظرا إلى أنّ الشيخ إنّما أخذ الرواية فيهما عن الكافي بقرينة طريقه المشتمل على الكليني، و أمّا غيره كالعلّامة و صاحب المدارك فقد أخذها منه بعد تطرّق التغيير المذكور، أو من الكافي فتصرّفا فيها مثل ما تصرّف فيها الشيخ، و إلّا فأصل الرواية في الكافي قد وردت على ما حكيناه عنه، بشهادة ورود ما في كلام أكثر الأصحاب موافقا له مع تصريحاتهم بأخذ الرواية عنه، مضافا إلى ما في الوسائل المرويّ عن الكافي أيضا بقرينة الطريق المذكور فيه محمّد بن يعقوب عن محمّد بن يحيى إلى آخر السند المتقدّم.

و بجميع ما ذكرناه في توجيه الاستدلال تبيّن لك امور:

منها: عدم الحاجة إلى أن يجاب عن الإشكال (1) «بأنّ هذه الأخبار كلّها مشتركة في عدم عدّ الأبعاد الثلاثة بأجمعها، و لم نجد رادّا لها من هذه الجهة، بل ظاهر الأصحاب قديما و حديثا الاتّفاق على قبولها، و تقدير البعد الثالث فيها لدلالة سوق الكلام عليه، و كأنّ ذلك كان شائعا كثيرا في استعمالاتهم و جاريا دائما في محاوراتهم» (2) إلخ.

____________

(1) كلام صاحب الحدائق (منه).

(2) الحدائق الناضرة 1: 263.

158

و منها: اندفاع ما قيل (1) على الرواية- قبالا لما تقدّم في تقرير الاعتراض- من أنّ القول بعدم تحديد العمق في الخبر لا وجه له، بل لو كان عدم تحديد فإنّما هو في العرض.

بيانه: أنّ قوله: «ثلاثة أشبار و نصف» الّذي بدل من مثله إذا كان حال العرض فيكون في عمقه كلاما منقطعا منها، فتأمّل، إلّا أن يكون المراد في عمقه كذلك، و حينئذ يظهر تحديد العمق أيضا، فيكون التحديد للعرض دون العمق ممّا لا وجه له، بل الظاهر أنّ ثلاثة أشبار و نصف بدل من مثله، و في عمقه حال من مثله أو بدله أو نعت لهما، و حينئذ يكون العمق محدّدا و العرض مسكوتا عنه.

و منها: اندفاع ما اعترض أيضا 2 على دلالة الرواية بأنّه يجوز أن يكون المراد من ثلاثة أشبار الأوّل تحديد قطر الماء الّذي هو عبارة عن مجموع الطول و العرض، و الثاني تحديد عمقه، و حينئذ لم يكن اكتفاء في الكلام، و لم يتمّ استدلالهم بهذا الخبر على مطلوبهم، إذ لم يبلغ تكسير هذا القدر إلى ما اعتبروه.

و منها: اندفاع ما عن المحقّق البهبهاني في حاشية المدارك 3 من أنّ في دلالتها على المشهور نظرا من حيث عدم اشتمالها على الأبعاد الثلاثة، و ليس هو من قبيل قولهم: «ثلاثة في ثلاثة» لشيوع هذا الإطلاق و إرادة الضرب في الأبعاد الثلاثة، لوجود الفارق و هو عدم ذكر شيء من الأبعاد بالخصوص في المثال بخلاف الرواية حيث صرّح فيها ببعد العمق، فيكون البعد الآخر هو القطر و يكون ظاهرا في الدوري، و يؤيّده أنّ الكرّ مكيال العراق و المعهود منه الدوري، و كذا رواية ابن صالح الثوري 4 الواردة في الركي؛ إذ لا قائل بتفاوت الكرّيّة، فيكون الحاصل منهما كون الكرّ ثلاثة و ثلاثين شبرا و نصفا و ثمنا و نصف ثمن، و لا قائل به بخصوصه.

و منها: عدم الافتقار إلى الاستدلال بالرواية المشار إليها حتّى يحتاج في تتميم دلالتها على المطلوب إلى تكلّف أن يقال: إنّ المراد بالعرض السعة فيشمل الطول أيضا.

أو يقال: إنّ العرف شاهد في مثل هذا المقام أنّ الطول أيضا كذلك، للاكتفاء في

____________

(1) 1 و 2 نقله المحقّق الخوانساري في مشارق الشموس 1: 197.

(2) 3 حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 96.

(3) 4 الوسائل 1: 160، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8- الكافي 3: 2/ 4- التهذيب 1: 408/ 1282.

159

المحاورات كثيرا في أمثال هذه المواضع بذكر البعض و إرادة الجميع.

أو يقال: إنّ تحديد العرض بهذا الحدّ مستلزم لكون الطول أيضا كذلك إذ لو كان أقلّ منه لما كان طولا، و لو لزم زيادته على هذا الحدّ لكان الظاهر أن يشعر به، مع أنّ الزيادة عليه منتف البتّة لأنّ خلاف ابن الجنيد و الشلمغاني لا عبرة به.

أو يعترض عليه: بأنّه يمكن أن يكون المراد بالعرض القطر، بقرينة كون السؤال عن البئر و البئر مستديرة، حتّى يحتاج في التفصّي عنه إلى أن يقال: بأنّ ذلك مبنيّ على ما لا يعرفه إلّا الخواصّ من علماء الهيئة، من ضرب نصف القطر و هو واحد و ثلاثة أرباع في نصف الدائرة و هو خمسة و ربع، لأنّ القطر ثلث الدائرة فيكون مجموع الدائرة عشرة و نصف؛ إذ المفروض أنّ القطر ثلاثة و نصف فيبلغ المرتفع حينئذ إلى ثلاثة و ثلاثين شبرا و نصفا و ثمنا و نصف ثمن تقريبا لا تحقيقا على ما توهّم، و ليس كذلك بل التحقيق بلوغه اثنين و ثلاثين و ثمنا و ربع ثمن، و لا ريب أنّ تنزيل الرواية على مثل ذلك ممّا يتّجه للأفهام المستقيمة، و كيف يخاطب بذلك الحكيم من هو معلوم له أنّه عن هذه المطالب بمعزل.

أو يعترض عليها بمثل ما تقدّم عن الشيخ (1)، فيحتاج في دفعه إلى ما ذكره الشيخ من حملها على التقيّة أو على المصنع الّذي ليس له مادّة 2.

نعم، لا بدّ في دفع معارضة ذلك لما تقدّم من دليل المطلوب من الالتزام فيها بالتأويل بمثل بعض ما ذكر، أو الحكم عليها بالاطراح لمخالفتها الإجماع و عدم مصير أحد من الأصحاب إلى موجبها، بناء على انقطاع بعض ما تقدّم من الأقوال الشاذّة، مع عدم انطباق شيء منها عليه كما لا يخفى.

فنتيجة الكلام من البداية إلى هذا الختام: أنّ المنصور المقطوع به هو القول المشهور بدلالة ما تقدّم من الرواية، و أنّ القدح فيها سندا أو دلالة ليس على ما ينبغي، بدلالة ما قدّمناه في دفع المناقشة.

نعم، يبقى الكلام المتمّم لهذا المرام في دفع معارضة أدلّة الأقوال الاخر لتلك الرواية، فإنّ حجّة الصدوق و غيره من موافقيه من القمّيّين و غيرهم الرواية الواردة في الكافي و التهذيب و الاستبصار، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الّذي لا ينجّسه

____________

(1) 1 و 2 تقدّم في الصفحة: 152.

160

شيء؟ قال: «كرّ»، قلت: و ما الكرّ؟ قال: «ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار في ثلاثة أشبار» (1) مع اختلاف في أسانيدها حيث إنّ الشيخ رواها أوّلا في التهذيب (2) عن شيخه المفيد (رحمه الله) عن أحمد بن محمّد عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن أحمد بن محمّد عن محمّد بن خالد عن محمّد بن سنان عن إسماعيل بن جابر، ثمّ رواها عقيب ذلك بقليل (3) بطريق آخر فيه عبد اللّه بن سنان بدل محمّد بن سنان، و مثله ما في الاستبصار (4)، و قيل إنّ الأوّل صواب، و في الكافي (5) رواها بطريق آخر موصوف بالصحّة، فيه البرقي عن ابن سنان من غير تعيين.

ثمّ إنّ ما ذكروه في تلك الرواية أيضا من المناقشة فيها سندا- باعتبار ما في الطرق المذكورة من الاضطراب و الاختلاف في بعض رجاله حسبما عرفت- و دلالة باعتبار عدم اشتمالها على تحديد جميع الأبعاد، و من النقوض و الإبرامات في دفع المناقشة المذكورة ممّا لا يخفى على المتتبّع و الناظر في كتب الأصحاب و لا يهمّنا التعرّض لإيراد جميع ما ذكروه في هذا الباب، بعد البناء على عدم الاستناد إلى تلك الرواية، بل المهمّ التعرّض لنفي صلوحها للمعارضة للرواية المتقدّمة الّتي أخذناها حجّة على المذهب المشهور الّذي صرنا إليه، إذ بدونه لا يتمّ الاحتجاج و لا ينقطع العذر.

فنقول: إنّ توهّم المعارضة فيما بين الروايتين إمّا أن يكون بين منطوقيهما، بدعوى:

أنّ الرواية بمنطوقها يدلّ على انحصار الكرّيّة في ثلاثة أشبار و نصف، و الثانية تدلّ بمنطوقها على انحصارها في ثلاثة أشبار، فيرجع المعارضة إلى المعارضة فيما بين الزائد و الناقص.

أو يكون بين مفهوم كلّ و منطوق الاخرى، بدعوى: أنّ الاولى تدلّ بمفهومها على نفي الكرّيّة عن أقلّ من ثلاثة أشبار و نصف كائنا ما كان، و الثانية تدلّ بمفهومها على نفيها عمّا عدا ثلاثة أشبار كائنا ما كان، و لا سبيل إلى شيء منهما، بل الرواية الاولى سليمة عن المعارض على كلّ تقدير، أو أنّ الرجحان في جانبها على فرض تسليم المعارضة.

أمّا على التقدير الأوّل فأوّلا: لأنّ الثانية يحتمل فيها ممّا يوجب الوهن في دلالتها ما لا يحتمل في الاولى، من قوّة احتمال سقوط لفظة «النصف» فيها عن متن الحديث بخلاف الاولى، إذ ليس فيها إلّا احتمال زيادة تلك اللفظة و هو إمّا مقطوع بعدمه، أو أنّه

____________

(1) الوسائل 1: 159، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(2) التهذيب 1: 37/ 101.

(3) التهذيب 1: 41/ 115.

(4) الاستبصار 1: 10.

(5) الكافي 3: 3/ 7.

161

في غاية الضعف، فتندرج في عموم قوله (عليه السلام): «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» (1) و عموم التعليل في رواية عمر بن حنظلة الواردة في علاج المتعارضين بقوله: «فإنّ المجمع عليه لا ريب فيه» (2) بناء على أنّ الريب المنفيّ هنا هو الريب الإضافي، و أنّ العبرة في باب التراجيح إنّما هو بمطلق الوثوق و الاطمئنان، كما هو المحقّق المقرّر في محلّه.

و ثانيا: لأنّ الاولى أظهر في إفادة الحصر- من حيث ورود الخطاب فيها بصورة الجملة الشرطيّة الظاهرة في السببيّة المنحصرة أو مطلق التلازم وجودا و عدما- من الثانية من حيث ورود الخطاب فيها بصورة القضيّة الحمليّة، الّتي يكون الأصل في حملها حمل المتعارفي الغير المفيد للحصر، إلّا أن يقال: بأنّ ورودها مورد التحديد و البيان شاهد حال بإرادة الحصر أيضا، إذ لولاه لما حصل الغرض فيكون الحمل فيها من باب المواطاة، أو يقال: بكفاية الحمل المتعارفي أيضا في ثبوت المطلوب، نظرا إلى أنّ النزاع في أنّ ثلاثة أشبار هل هو ممّا يصدق عليه عنوان الكرّيّة أو لا، و قضيّة الحمل المفروض هو الصدق، و هو المطلوب.

و ثالثا: لأنّ مرجع ما فرض من التعارض إلى تعارض المطلق و المقيّد في موضع العلم بوحدة الحكم، فتندرجان في قاعدتهم المقرّرة المحكّمة من حمل المطلق على المقيّد، و قضيّة ذلك تعيّن العمل بالرواية الاولى.

و رابعا: لأنّ الثانية تتوهّن بمصير الأكثر بل المعظم إلى خلافها فتقوّى به الاولى و تضعّف الثانية، فيسقط عن رتبة الحجّيّة أو المعارضة.

و أمّا على التقدير الثاني فأوّلا: لأنّ الرواية الاولى إنّما تدلّ على المطلب من جهة مفهوم الشرط، بخلاف الثانية إذ ليس فيها إلّا تعليق الحكم بالعدد، و من المقرّر في محلّه أنّ مفهوم الشرط حجّة دون مفهوم العدد، فلا مفهوم للثانية ليكون معارضا لمنطوق الاولى.

و ثانيا: لأنّ مفهوم الشرط أقوى من مفهوم العدد- لو قلنا به مطلقا أو في خصوص المقام- بملاحظة قرينة المقام من ورود الخطاب مقام التحديد و البيان، فيجب تقديمه.

____________

(1) الوسائل 27: 167، ب 12 من أبواب صفات القاضي ح 43- تفسير جوامع الجامع: 5- بحار الأنوار 2: 259.

(2) الوسائل 27: 106، ب 9 من أبواب صفات القاضي ح 1- الكافي 1: 54/ 10.

162

و ثالثا: بمنع إرادة المفهوم من الثانية هنا لو قلنا بالمفهوم مطلقا و سلّمنا تساويه مع مفهوم الاولى، أو لا بدّ من حمل مفهومها على نفي الكرّيّة عن الأقلّ من ثلاثة أشبار صونا لها عن مخالفة الإجماع؛ ضرورة أنّ ما زاد على ذلك كرّ مع زيادة فكيف يعقل نفي الكرّيّة عنه، و معه ارتفع المعارضة بينهما كما لا يخفى.

إلّا أن يقال بأنّ: المنفيّ في الثانية بالنسبة إلى جانب الزيادة إنّما هو الكرّ بشرط لا، لا مطلق الكرّ، و لا ريب أنّه يصدق على ثلاثة أشبار و نصف على تقدير تحقّق الكرّيّة بأقلّ منه: أنّه ليس من الكرّ بشرط لا، أي الكرّ بشرط عدم الزيادة.

و فيه: مع أنّه لا ينافي مفاد منطوق الاولى كما لا يخفى، أنّ الالتزام بذلك التقييد مع عدم إشعار في الرواية به ليس بأولى من التزام عدم اعتبار المفهوم هنا بالمرّة، أو تخصيصه بجانب القلّة مع صلاحيّة منطوق الاولى مع انضمام الإجماع المشار إليه قرينة على هذا التصرّف في الثانية.

و رابعا: لأنّ مفهوم الاولى ممّا يعضده الشهرة و مصير المعظم إلى خلاف مفهوم الثانية.

ثمّ، إنّه ربّما يحتجّ على قول القمّيّين بالأصل، و بالاحتياط، و بمقاربته للأرطال و لأكثر من راوية و الحبّ و القلّتين، المذكورات في الروايات المتقدّمة.

و لا يخفى ما في جميع ذلك من الخروج عن السداد، و الاعتماد في استنباط الحكم الشرعي على ما لا ينبغي عليه الاعتماد، فإنّ الأصل و الاحتياط- مع أنّهما معارضان بمثليهما، ضرورة أنّ الأصل بقاء الحدث و الخبث فيما لو اريد التطهير بما دون ثلاثة أشبار و نصف الملاقي للنجاسة، و أنّ الاحتياط و استصحاب الاشتغال بمشروط بالمائيّة يقتضيان عدم الاكتفاء بذلك المفروض- يندفعان بعدم صلوحهما لإحراز الحكم الواقعي و لا الحكم الظاهري بعد قيام الدليل الاجتهادي السليم عن المعارض على خلافهما كما عرفت، و كما أنّهما لا يصلحان معارضين لدليل اجتهادي فكذلك لا يصلحان معاضدين له لو وافقهما.

فلو اريد بهما تأييد ما تقدّم من الرواية المقامة حجّة على هذا القول، يدفعه: توجّه المنع إلى صلوح الأصل العملي معاضدا للدليل الاجتهادي كما قرّر في محلّه.

و محصّل بيانه على وجه الإجمال: أنّه كما يعتبر في المتعارضين تواردهما على

163

موضوع واحد، فلأجل ذلك لا يقع المعارضة بين الأصل و الدليل لتعدّد موضوعيهما، فكذلك يعتبر في المتعاضدين كونهما واردين على موضوع واحد، و لا ريب أنّ موضوع الأصل يغاير موضوع الدليل فكيف يعقل معه كونه معاضدا له.

و بالجملة: فالدليل الاجتهادي الموافق للأصل إن صلح مخرجا للمورد عن موضوع الأصل فلا يشمله حكم الأصل حتّى يكون معاضدا لذلك الدليل، و إلّا فالحكم منحصر في حكم الأصل فلا شيء معه حينئذ يكون معتضدا به، هذا كلّه إذا اريد بالأصل ما يرجع إلى استصحاب الطهارة، و أمّا لو اريد به قاعدة الطهارة المستفادة عن عمومات الأدلّة فهو و إن كان أصلا اجتهاديّا غير أنّ حكمه حكم الأصل العملي من حيث كونه دليلا تعليقيّا، فيكون اعتباره منوطا بموضع عدم قيام الدلالة على الخلاف، و المقام ليس منه لما عرفت من قيام الدلالة الشرعيّة السليمة عمّا يعارضها.

و أمّا البواقي فهي على فرض تسليم موجبها و ما ادّعي فيها مقرّبات لا تجدي بنفسها نفعا في إثبات المطلب، و لا تقوية للدليل الموافق بعد رجحان الدليل المخالف عليه لذاته، أو بعد عدم معارضة بينهما في الحقيقة، بناء على كثير من الوجوه المتقدّمة في تقديم دليلنا على المطلب، الّذي مرجعه في الحقيقة إلى الجمع بينهما.

مضافا إلى عدم منافاة المذكورات للمذهب المشهور، بناء على ما قيل من إمكان اختلافها في الصغر و الكبر على وجه يكون بعض أفرادها موافقا لذلك المذهب، و بعضها الآخر موافقا لمذهب القمّيّين، و الثالث مخالفا لهما معا.

و من هنا يعلم أنّ هذه الروايات موهونة بمنافاتها حكمة الشارع، فإنّها لاختلاف أفرادها غاية الاختلاف ليس بجائز في حكمة الحكيم أن يجعلها مناطا لما يقصد بجعله إعطاء ضابط كلّي لا ينبغي في مثله الاختلاف و عدم الانضباط، و معه كيف تصلح لإثبات المطلب أو تأييد ما خرج عن كونه دليلا.

مضافا إلى ما في بعضها من قوّة احتمال الخروج مخرج التقيّة، مع كون ظواهر جميعها معرضا عنها الأصحاب، مع توجّه المنع إلى دعوى كون التحديد بالأرطال وزنا مقاربا للتحديد بثلاثة أشبار، بل إنّما هو يقرب بناء على ما قيل- و سيأتي بيانه- ممّا رجّحه صاحب المدارك استنادا إلى صحيحة إسماعيل بن جابر المتقدّم بيانها، الآتي

164

بعض الكلام فيها و عليها.

و أمّا سائر الأقوال فقد عرفت أنّ منها: قول ابن الجنيد و لم نقف له على مستند، كما اعترف به غير واحد من فحول أصحابنا، مع ما فيه من شذوذه و مخالفته الشهرة العظيمة القريبة من الإجماع بل الإجماع في الحقيقة، حيث لا موافق له منهم مع ما قيل فيه من أنّه ما أبعد بين ما ذهب إليه باعتبار المساحة و ما ذهب إليه في الوزن من اعتبار بلوغه القلّتين مع كون مبلغ تكسيره ألفا و مائتي رطل، و قد تقدّم عن العلّامة في المختلف (1) ما يقرب من هذا الكلام على هذا القول، و بالجملة فهو ممّا ينبغي الجزم بسقوطه، و عدم كونه ممّا يعبأ به.

و منها: قول الراوندي و لم نقف له أيضا على مستند، نعم في جواهر شيخنا: «أنّ مستنده دليل المشهور من رواية أبي بصير و نحوها، إلّا أنّه فهم منها أنّ «في» ليست للظرفيّة بل بمعنى «مع» فتبلغ عشرة و نصفا» (2) و هو كما ترى، فإن أراد ببلوغه إليه بلوغه بطريقة الضرب فإنّما يبلغ اثنى عشر و ربعا، و إن أراد به بلوغه بطريقة الجمع فإنّما يبلغ سبعة، و على التقديرين لا ينطبق المذكور على هذا القول، بل الوجه في هذا القول ما أشرنا إليه سابقا- على الظاهر- من ابتناء كلامه على أنّه فهم ممّا حدّ الكرّ بثلاثة أشبار و نصف في كلّ من أبعاده الثلاث من الأخبار أو فتاوى الأخيار إرادة اعتبار الجمع فيما بين بعض هذه الحدود مع بعض آخر، خلافا للمشهور في فهم إرادة ضرب بعض في بعض، و مثل هذا الاشتباه يتّفق كثيرا للإنسان، كما رأيناه و سمعناه عن بعض أهل عصرنا من تلامذتنا المتردّدين إلينا، حيث إنّه فهم عمّا حدّده المشهور طريق الجمع، على وجه سبقت إليه من أجل ذلك شبهة أتعبتنا رفعها.

و ممّا ينبّه على صدق ما فهمناه ظاهر سياق كلام العلّامة في المختلف حيث قال- بعد الفراغ عن ذكر احتجاجات القولين الأوّلين في المسألة-: «تنبيه: الظاهر أنّ الأشبار يراد ضرب الحساب فيها، فيكون حدّ الكرّ تكسيرا اثنين و أربعين شبرا و سبعة أثمان شبر، و قال القطب ليس المراد ذلك بل يكون الكرّ عشرة أشبار و نصفا طولا و عرضا و عمقا» (3) انتهى.

و بالجملة: فالّذي يظهر- و اللّه أعلم- أنّ هذا اشتباه في فهم المراد بالتحديد بثلاثة

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 183.

(2) جواهر الكلام 1: 357.

(3) مختلف الشيعة 1: 184.

165

أشبار و نصف طولا، في ثلاثة أشبار و نصف عرضا، في ثلاثة أشبار و نصف عمقا، فزعمه أنّه لبيان ما يعتبر تكسيره بطريق الجمع، فلذا عبّر عمّا يحصل بالتكسير بعشرة أشبار و نصف.

فهل هو حينئذ يخالف المشهور في المقدار الواقعي بالكلّيّة أو يوافقه بالكلّيّة أو يخالفه في بعض الفروض و يوافقه في البعض الآخر؟ وجوه، من أنّ المراد به بلوغ المجموع من الأعداد المذكورة ذهنا و خارجا هذا المبلغ، على معنى كون ذلك مبلغا لنفس المعدود الموجود في متن الخارج، فيراد بالعشرة و النصف المبلغ من الماء الموجود في الخارج الّذي لو قسّم على كلّ واحد من الأبعاد على نحو السويّة لأخذ منه كلّ واحد ثلاثة و نصفا.

أو أنّ المراد به ما لو فرض كون كلّ من هذه المقادير الثلاث مفصولا عن الآخر في نظر الحسّ لكان المجموع منها عشرة و نصفا، كما أنّه لو اعتبرنا الجمع بين ثلاثة أعداد متفاصلة في الخارج مقدار كلّ ثلاثة و نصف كان الحاصل عشرة و نصفا حتّى يكون ذلك مبلغا حقيقيّا للأعداد على فرض انفصال كلّ عن الآخر دون المعدود الّذي هو الماء.

أو أنّ المراد به بلوغ هذه المقادير حال اتّصالها و تداخل بعضها في البعض المبلغ المذكور، و إن لزم التكرار في جملة من الفروض و دخول طائفة منها في الحساب مرّات عديدة من جهة ما فيها من التداخل و الاتّصال، كما في الحدّ المشترك بين كلّ بعدين بداية و نهاية، فإنّه لو جمع حينئذ أحدهما مع الآخر لدخل ذلك الحدّ المشترك في الحساب مرّتين كما لا يخفى.

فعلى الأوّل: يكون هذا المذهب مخالفا للمشهور كلّيّا، و من فروض مقدّره حينئذ ما لو كان طول الماء عشرة أشبار و نصفا، و كلّ من عرضه و عمقه شبرا واحدا.

و منها: ما لو كان طوله خمسة أشبار و ربعا، و كلّ من عرضه و عمقه شبرين (1).

و منها: ما لو كان طوله واحدا و عشرين شبرا، و كلّ من عرضه و عمقه نصف شبر.

و منها: ما لو كان عرضه شبرين و نصفا و ثمن شبر، و كلّ من طوله و عمقه أربعة أشبار.

و منها: ما لو كان كلّ من طوله و عرضه أربعة أشبار، و عمقه شبرين و نصفا و ثمن شبر.

و منها: ما لو كان طوله تسعة أشبار، و عرضه شبرا، و عمقه نصف شبر.

____________

(1) و لا يخفى عدم بلوغ هذه الصورة حدّ الكرّ حتّى على مذهب الراوندي (قدّس سرّه)، و اللّه العالم.

166

و منها: ما لو كان الطول ثمانية أشبار، و العرض شبرا و نصفه، و العمق شبرا و هكذا إلى آخر ما يمكن فرضه، و لا يذهب عليك أنّ اختلاف هذه الفروض ليس اختلافا في مقدار الماء، بل هو اختلاف يحصل في أوضاعه و أشكاله على حسبما يفرض.

و على الثاني: يكون موافقا له كلّيّا فلا اختلاف بينهما حينئذ في المعنى، بل هو اختلاف في اللفظ و الاعتبار.

و على الثالث: قد يوافقه و قد يخالفه، و قد يقرب منه و قد يبعد منه، و من هنا قد يقال: إنّه قد يكون كالمشهور كما إذا كان كلّ من أبعاده الثلاثة ثلاثة و نصفا، و قد يقرب منه كما لو فرض طوله ثلاثة أشبار و عرضه ثلاثة و عمقه أربعة و نصفا، فإنّ مساحته حينئذ أربعون شبرا و نصف، و قد يبعد منه جدّا كما لو فرض طوله ستّة و عرضه أربعة و عمقه نصف شبر، فإنّ مساحته اثنا عشر شبرا، و أبعد منه ما لو فرض طوله تسعة أشبار و عرضه شبرا واحدا و عمقه نصف شبر، فعلى كلامه يكون مثل ذلك كرّا و إن كان تبلغ مساحته على تقدير الضرب أربعة أشبار و نصف.

و بجميع ما ذكر ينقدح أنّه لم يتبيّن مخالفته للمشهور، فإن رجع دعواه إلى ما يوافقه كلّيّا كما يرشد إليه أنّهم لم يذكروه مخالفا للمعظم، و إنّما ذكره في المختلف (1) و غيره في فروع التحديد بثلاثة أشبار و نصف و أنّ المعظم يعتبرون في الأبعاد الضرب و هو لا يعتبره، لا أنّه يعتبر عدمه و إلّا فيردّه ظاهر الأخبار و صريح فتاوي الأخيار من اعتبار الضرب في تقدير الكرّ، مضافا إلى أنّه لو بنى على ما فهمه لكان منافيا لحكمة الحكيم، من حيث إنّه أناط الكرّيّة العاصمة للماء عن الانفعال بما يختلف أفراده اختلافا شديدا، و ما لا يستقرّ على شيء و لا ينضبط في حدّ، فيكون التحديد الّذي تعرّض له الشارع و احتاج إليه المحتاجون من المكلّفين و السائلون عن الأئمة المعصومين (عليهم السلام) بمنزلة عدمه و هو كما ترى نقض للغرض و تعمية للمكلّف، و إرشاد له إلى ما يعسر معرفته على التعيين، بل ما يتعذّر تعيينه على وجه يرتفع به الحاجة.

و منها: ما عرفت عن صاحب المدارك (2) مع مستنده، و هو صحيحة إسماعيل ابن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الماء الّذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «ذراعان عمقه في

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 184.

(2) مدارك الأحكام 1: 51.

167

ذراع و شبر سعته» (1).

و قد يقال: إنّ تكسيره يبلغ إلى ستّة و ثلاثين شبرا، لأنّ المراد بالذراع القدمان- كما يظهر من أخبار المواقيت (2)- و القدم شبر، و قد صرّح هو بأنّ المراد بالسعة كلّ من جهتي الطول و العرض، فيكون كلّ منهما ذراعا و شبرا فيضرب الثلاثة في مثله يبلغ المرتفع تسعة، ثمّ يضرب في أربعة فيبلغ المقدار المذكور، و الخطب في ذلك بعد خروجه على خلاف الشهرة- لو خالف المشهور- هيّن، لأنّه يتوهّن بذلك، و إن كان صحيحا بل في أعلى مرتبة الصحّة، و العجب عنه كيف استوجه العمل به، و المشهور منه استشكاله في العمل بالصحيح إذا خالف عمل الأصحاب، مع أنّه قابل للتأويل و إرجاعه إلى ما لا يخالف المشهور إلّا يسيرا، قال في المنتهى: «و تأوّلها الشيخ على احتمال بلوغ الأرطال، و هو حسن لأنّه لم يعتبر أحد من أصحابنا هذا المقدار» (3).

و عن الفاضل الأسترآبادي- محمّد أمين- في تعليقاته على شرح المدارك: «قد اعتبرنا الكرّ وزنا و مساحة في المدينة المنوّرة فوجدنا رواية ألف و مائتا رطل مع الحمل على العراقي قريبة غاية القرب من هذه الصحيحة» (4).

نعم في الحدائق: «و الظاهر أنّ اعتباره بناء على ما ذكره يرجع إلى سبع و عشرين شبرا» (5) و قضيّة ذلك انطباق الصحيحة على ما تقدّم من رواية استند إليها القمّيّون، و هو كما ترى استظهار في غير محلّه، و كأنّه و هم نشأ عمّا سبق الإشارة إليه في تحديد الكرّ وزنا من احتجاج بعضهم على حمل «الرطل» ثمّة على العراقي بأنّه المناسب لرواية ثلاثة أشبار الصحيحة.

و أنت خبير: بأنّ ذلك توهّم فاسد، بل هذه الرواية إمّا توافق مذهب المشهور أو تخالفه و مذهب القمّيّين معا، كما أشار إليه المحقّق الخوانساري بقوله: «الذراع إن كان شبرين كما في بعض الأفراد فحينئذ لا ينطبق على شيء منهما، بل هو أمر متوسّط

____________

(1) الوسائل 1: 164، ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 41/ 114.

(2) الوسائل 4: 150، ب 8 من أبواب المواقيت ح 34- الكافي 3: 277/ 7.

(3) منتهى المطلب 1: 38.

(4) حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 276.

(5) الحدائق الناضرة 1: 276.

168

بينهما إذ تكسيره يبلغ ستّة و ثلاثين، و إن كان أزيد منهما كما في البعض الآخر فيمكن أن ينطبق على المذهب المشهور، و إن لم ينطبق فيقاربه جدّا، و على أيّ حال يكون أقرب إلى المشهور منه إلى القول الثاني» (1) انتهى.

و ممّا يؤيّد كونه مخالفا للقولين أنّ صاحب المدارك (2) اعتمد عليه مع عدم اختياره بشيء منهما، و لو صحّ ما توهّم فيدفعها ما دفعها حسبما تقدّم بيانه.

و منها: ما عرفت عن الشلمغاني (3)، و مستنده على ما ذكره بعضهم الرضوى، «و كلّ غدير فيه الماء أكثر من كرّ لا ينجّسه ما يقع فيه من النجاسات، و العلامة في ذلك أن يؤخذ الحجر فيرمى به في وسط الماء، فإن بلغت أمواجه من الحجر جنبي الغدير فهو دون الكرّ، و إن لم يبلغ فهو كرّ لا ينجّسه شيء» (4)، و هو كما ترى أضعف الأقوال و مستنده أضعف الأدلّة، و يكفي في ذلك موافقته لمذهب أبي حنيفة على ما تقدّم بيانه في صدر باب الكثير، فيقوى فيه احتمال وروده مورد التقيّة بعد سلامة السند عن المناقشة، و مع الغضّ عن ذلك فإعراض الأصحاب عن العمل به ممّا يسقطه عن درجة الاعتبار.

و منها: ما عرفت عن ابن طاوس 5 من العمل بكلّ ما روى، و مستنده على ما قيل اختلاف روايات الباب، و قيل: بأنّ مرجعه إلى العمل بقول القمّيّين وجوبا مع استحباب الزائد الّذي عليه المشهور، و كأنّه- لو صحّ- مبنيّ على مصيره في مسألة التخيير بين الأقلّ و الأكثر إلى وجوب الأقلّ و استحباب الأكثر، كما هو أحد الأقوال في المسألة.

و ربّما يظهر من صاحب المدارك الميل إليه، كما نبّه عليه عند حكاية هذا القول بقوله: «و كأنّه يحمل الزائد على الندب و هو في غاية القوّة لكن بعد صحّة المستند» 6.

و فيه: مع أنّ الحقّ في مسألة التخيير بين الأقلّ و الأكثر وجوب الزائد و الناقص معا، أنّ التخيير إن اريد به ما يكون في المكلّف به نظير ما هو الحال في خصال الكفّارة فهو فرع الدلالة، لأنّه خلاف الأصل- على ما قرّر في محلّه- و هي منتفية على الفرض، و إن اريد به ما يكون في الإسناد على قياس ما هو الحال في الأدلّة المتعارضة فهو فرع

____________

(1) مشارق الشموس: 199.

(2) مدارك الأحكام 1: 51.

(3) 3 و 5 تقدّم في الصفحة 150 التعليقة 6 و 7.

(4) فقه الرضا: 91.

(5) 6 مدارك الأحكام 1: 52.

169

التكافؤ و فقد المرجّح و عدم إمكان العمل، و قد عرفت في تتميم دليل المشهور المنع عن جميع ذلك، فإنّ أقلّ المراتب في ذلك قيام المرجّح من جهات شتّى من الداخليّة و الخارجيّة و هو كاف في علاج التعارض.

نعم، ينبغي أن يعلم أنّ هذا المذهب من المعظم مع مصيرهم في تحديد الكرّ إلى ما تقدّم، إنّما يستقيم إذا لم يحصل بين الحدّين تفاوت بحسب المقدار و لو يسيرا، و إلّا- كما هو توهّمه غير واحد، حتّى أنّ منهم من يدّعي في ذلك دوام كون الوزن أقلّ، كبعض مشايخنا (1) في شرح الشرائع- أشكل الأمر إشكالا لا يندفع إلّا بتكلّف إناطة ذلك باختلاف المياه وزنا في الثقل و الخفّة، كما ارتكبه بعضهم.

ثمّ إنّ تحديد الكرّ بكلّ من الجهتين مبنيّ على التحقيق، و لا يكفي فيه التقريب كما قرّر في الاصول، و نصّ عليه هنا غير واحد من الفحول، و ليس الحال فيه بل في جميع التحديدات الشرعيّة- كما في الموازين و غيرها- من المقادير الّتي يتسامح فيها عرفا، فلو نقص الماء عن أحد الحدّين و لو بيسير من مثقال بل أقلّ و جزء من شبر ينفعل بالملاقاة، و لا يلحقه أحكام الكرّ جزما.

ثمّ إنّ المعتبر في الأشبار إنّما هو شبر مستوى الخلقة، فلا اعتداد بشبر من قصر شبره عن الحدّ المذكور لصغر يده، و لا بشبر من زاد شبره على ذلك الحدّ لكبر يده أو طول أصابعه، و كلّ ذلك قضيّة لانصراف المطلق في نظر العرف و العادة، و لأنّه لو لا ذلك خرج الحدّ الشرعي عن الانضباط، و أفضى إلى الهرج و المرج لغاية وضوح الاختلاف، و قد نصّ على ما ذكرناه أيضا غير واحد من الفحول، و حكي التصريح به عن السرائر (2) و المنتهى (3) و القواعد (4) و التحرير (5) و جامع المقاصد (6) و الذكرى (7) و المسالك (8)، بل عن الذكرى 9 أنّه عزاه إلى الأكثر، و إلّا فالعلم عند اللّه الأكبر.

***

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)- 1: 191.

(2) السرائر 1: 61.

(3) منتهى المطلب 1: 40.

(4) قواعد الأحكام 1: 184.

(5) تحرير الأحكام- كتاب الطهارة- (الطبعة الحجريّة): 4.

(6) جامع المقاصد 1: 118.

(7) 7 و 9 ذكرى الشيعة 1: 80.

(8) مسالك الافهام 1: 14.

170

ينبوع [في انفعال القليل و عدمه]

الماء إذا كان دون الكرّ فله أنواع، كالراكد و الجاري و المطر و الحمّام و البئر و ستسمع البحث عن جميع هذه الأنواع، و لنقدّم البحث عن الأوّل لكونه ممّا يعلم به ما لا يعلم بتقديم البواقي كما لا يخفى، فالكلام فيه يقع في مقامين:

المقام الأوّل:

في انفعال القليل من الراكد بملاقاة النجاسة في الجملة، و المعروف من مذهب الأصحاب- المدّعى عليه إجماع الفرقة تارة و مقيّدا باستثناء من يأتي من أصحابنا اخرى- أنّه ينفعل بمجرّد الملاقاة تغيّر أو لم يتغيّر، خلافا للعماني- ابن أبي عقيل الحسن من قدماء أصحابنا (1)- لمصيره فيه إلى عدم الانفعال إلّا في صورة التغيّر كالكرّ، ثمّ وافقه على ذلك المحدّث الكاشاني (2) و غيره من جماعة من المتأخّرين على ما حكي عنهم، و عن العامّة في منتهى العلّامة (3) اختلافهم في ذلك، فعن أبي حنيفة (4) و سعيد بن جبير (5)

____________

(1) نقله عنه في مختلف الشيعة 1: 176- الحسن بن عليّ بن أبي عقيل: أبو محمّد العماني الحذّاء، فقيه متكلّم، ثقة، و عرّفه الشيخ بالحسن بن عيسى، يكنّى أبا علي، وجه من وجوه أصحابنا، و هو أوّل من هذّب الفقه و استعمل النظر و فتق البحث عن الاصول و الفروع في ابتداء الغيبة الكبرى، و له مؤلّفات منها: كتاب المتمسّك بحبل آل الرسول- الفهرست للطوسي: 54، رجال النجاشي: 48، خلاصة الأقوال: 40، تنقيح المقال 1: 291.

(2) مفاتيح الشرائع 1: 81.

(3) منتهى المطلب 1: 44.

(4) المبسوط للسرخسي 1: 70، بدائع الصنائع 1: 71، شرح فتح القدير 1: 68، نيل الأوطار 1: 36.

(5) سعيد بن جبير الوالبي: أبو محمّد مولى بني والبة، تابعيّ كوفيّ، نزيل مكّة. الفقيه المحدّث، روى عن ابن عبّاس و عديّ بن حاتم، و روى عنه جعفر بن أبي المغيرة و الأعمش و عطاء بن السائب و غيره، و عدّه الشيخ من أصحاب الإمام عليّ بن الحسين، و كان يسمّى جهبذة العلماء، قتله الحجّاج بعد محاورة طويلة معه. رجال الطوسي: 90- خلاصة الأقوال: 79، تذكرة الحفّاظ 1: 76.

171

و ابن عمر (1) و مجاهد (2).

و إسحاق (3) و أبو عبيدة (4) اختيارهم القول الأوّل، خلافا لحذيفة (5) و أبي هريرة (6) و ابن عبّاس (7)

____________

(1) عبد اللّه بن عمر بن الخطّاب بن نقيل القرشي العدويّ، أبو عبد الرحمن، روى عن النبيّ و أبيه و أبي بكر و أبي ذر و معاذ و غيرهم، و روى عنه عبد الرحمن بن عوف و سعيد بن المسيّب و عون بن عبد اللّه، ولد سنة ثلاث من المبعث، و مات سنه 74 ه. الإصابة 2: 347- تذكرة الحفّاظ 1: 37، شذرات الذهب 1: 81.

(2) مجاهد بن جبر المكيّ: أبو الحجّاج المخزوني مولى السائب بن أبي السائب المخزومي، سمع سعدا و عائشة و أبا هريرة و أمّ هاني و عبد اللّه بن عمرو و ابن عبّاس و لزمه مدّة، و قرأ عليه القرآن، روى عنه قتادة و الحكم بن عتيبة و عمرو بن دينار و منصور و الأعمش و غيرهم، مات سنة 103 ه. شذرات الذهب 1: 125؛ تذكرة الحفاظ 1: 92.

(3) أبو يعقوب إسحاق بن ابراهيم بن مخلّد الحنظلي التميمي المروزي، نزيل نيشابور و عالمها، يعرف ب(ابن راهويه) سمع من ابن المبارك و فضيل بن عياض، و أخذ عنه أحمد بن حنبل و البخاري و مسلم و الترمذي و النسائي و أبو العبّاس بن السّراج ولد سنة 166 هو قيل: 161 همات سنة 238 ه. تذكرة الحفّاظ 2: 35- الفهرست لابن النديم: 321، شذرات الذهب 2: 89.

(4) القاسم بن سلّام- بتشديد اللام- أبو عبيد البغداديّ اللغوي الفقيه ولي القضاء بمدينة طرسوس، سمع شريكا و ابن المبارك و حدّث عنه الدارمي و أبو بكر بن أبي الدنيا و ابن أبي اسامة، أخذ عن الاصمعي و الكسائي و الفرّاء و غيرهم- مات سنة 224 ه. بغية الوعاة: 376، تذكرة الحفّاظ 2: 417، شذرات الذهب 2: 55.

(5) حذيفة بن حسل، و يقال حسيل اليمان بن جابر بن عمرو بن ربيعة بن جروة بن الحارث، يكنّى أبا عبد اللّه العبسي، شهد حذيفة و أخوه صفوان أحدا و كان من كبار الصحابة، معروف فيهم بصاحب سرّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله) في تمييز المنافقين، روى عن النبيّ، و روى عنه ابنه أبو عبيدة و عمر بن الخطّاب و قيس بن أبي حازم، و أبو وائل و زيد بن وهب و غيرهم، مات بالمدائن سنة 36 ه. الإصابة 1: 317، الاستيعاب بهامش الاصابة 1: 377 اسد الغابة 1: 39، شذرات الذهب 1: 44.

(6) أبو هريرة الدوسي، و دوس هو: ابن عدنان بن عبد اللّه بن زهران بن كعب بن الحارث، اختلفوا في اسمه و اسم أبيه اختلافا كثيرا لا يحاط به و لا يضبط في الجاهليّة و الإسلام، و قيل: اسمه عبد شمس في الجاهليّة، صحب النبيّ و روى عنه الإصابة 4: 202- الاستيعاب بهامش الإصابة 4: 202- تذكرة الحفّاظ 1: 32.

(7) عبد اللّه بن عبّاس بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف، روى عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) و عليّ (عليه السلام)-

172

و سعيد بن المسيّب (1) و الحسن البصري (2) و عكرمة (3) و عطا (4) و طاوس (5) و جابر بن زيد (6)

____________

- و معاذ بن جبل، و روى عنه جمع كثير منهم عبد اللّه بن عمر و أنس و أبو أمامة و عكرمة و عطاء بن أبي رباح و مجاهد و سعيد بن المسيّب و طاوس و وهب بن منبّه و أخوه كثير بن عبّاس و ابنه عليّ ابن عبد اللّه بن عبّاس، ولد قبل الهجرة بثلاث سنين و توفّي سنة 68. تذكرة الحفّاظ 1: 40- شذرات الذهب 1: 75- اسد الغابة 3: 192.

(1) سعيد بن المسيّب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائد بن عمران بن مخزوم القرشي المدني: أبو محمّد، أحد الفقهاء السبعة بالمدينة، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر، سمع من عمر و عثمان و زيد بن ثابت و عائشة و أبي هريرة و سعد بن أبي وقّاص، و اختلف في سنة وفاته، فقيل: 94 و قيل: 89 و قيل: 91 و قيل 105 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 54، شذرات الذهب 1: 102، وفيات الأعيان 2: 117.

(2) الحسن بن أبي الحسن يسار: أبو سعيد البصريّ مولى زيد بن ثابت الأنصاري، و أمّه خيرة مولاة أمّ سلمة، حدّث عن عثمان و عمران بن حصين و المغيرة بن شعبة و ابن عبّاس، مات سنة 110 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 72، شذرات الذهب 1: 136، سير أعلام النبلاء 4: 563، ميزان الاعتدال 1: 527.

(3) أبو عبد اللّه: عكرمة بن عبد اللّه مولى عبد اللّه بن عبّاس، أصله من البربر، روى عن مولاه و عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) و أبي سعيد و أبي هريرة و عائشة، و استبعد الذهبي روايته عن عليّ (عليه السلام)، و كان ينتقل من بلد إلى بلد، مات سنة 107 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 95، شذرات الذهب 1: 130، وفيات الأعيان 2: 427.

(4) عطاء بن أبي رباح: أبو محمّد بن أسلم القرشي، مفتي أهل مكّة و محدّثهم، روى عن عائشة و أبي هريرة و جابر بن عبد اللّه و ابن عبّاس و أبي سعيد و طائفة، و روى عنه أيّوب و عمرو بن دينار و ابن جريح و أبو إسحاق و الأوزاعيّ و أبو حنيفة و خلق كثير، مات سنة 114 ه، و قيل:

115 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 98، شذرات الذهب 1: 147، وفيات الأعيان 2: 423، ميزان الاعتدال 3: 70.

(5) طاوس بن كيسان اليماني الجنديّ الخولانيّ: أبو عبد الرحمن من أبناء الفرس، روى عن ابن عبّاس و زيد بن أرقم، و زيد بن ثابت، و روى عنه ابنه عبد اللّه و الزهري و إبراهيم بن ميسرة و حنظلة بن أبي سفيان و كان شيخ أهل اليمن و كان كثير الحج مات بمكّة قبل يوم التروية سنة 104 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 90، شذرات الذهب 1: 133.

(6) جابر بن زيد الأزدي البصري: أبو الشعثاء صاحب ابن عبّاس و روى عنه، روى عنه قتادة و أيّوب و عمرو بن دينار و كان من فقهاء البصرة، مات سنة 93 ه، و قيل: 130 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 72- شذرات الذهب 1: 101.

173

و ابن أبي ليلى (1) و مالك (2) و الأوزاعي (3) و الثوري (4) و ابن المنذر (5) فإنّ المرويّ عنهم المصير إلى القول الثاني و للشافعي (6) قولان و عن أحمد 7 روايتان.

و لا يذهب عليك أنّ الأصل في المسألة اجتهادا و فقاهة من وجوه شتّى كاستصحاب الطهار و أصلي البراءة و الإباحة عن وجوب الاجتناب و استعمال هذا الماء مطلقا في جانب القول الثاني فلذا قد يؤخذ حجّة لأصحابه، و ليس في جانب القول الأوّل أصل يوافقه.

نعم قد سبق إلى بعض الأوهام الضعيفة جريان أصل الشغل و استصحابه في مشروط المائيّة في جانبه، و لكن يدفعه: أنّ الضابط الكلّي في باب الاصول أنّها تجري حيث لم يكن أصل موضوعي في أحد طرفي الشكّ و استصحاب الطهارة أصل موضوعي لا يجري معه الأصلان المشار إليهما، و السرّ في ذلك أنّه حيثما يجري علم

____________

(1) محمّد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري: أبو عبد الرحمن، مفتي الكوفة و قاضيها، حدّث عن الشعبي و عطاء و الحكم بن عيينة و نافع و طائفة، و حدّث عنه شعبة و سفيان بن سعيد الثوري و وكيع و أبو نعيم، مات سنة 148 هتذكرة الحفّاظ 1: 171- شذرات الذهب 1: 224- ميزان الاعتدال 3: 613- وفيات الأعيان 2: 309.

(2) مالك: أبو عبد اللّه مالك بن أنس بن أبي عامر بن عمرو بن الحارث الحميري الأصبحي المدني، إمام المذهب المالكي، حدّث عن نافع و المقبري و الزهري و غيرهم، ولد سنة 93 ه، و مات سنة 197. شذرات الذهب 1: 292- تذكرة الحفّاظ 1: 207.

(3) أبو عمر الرحمن بن عمر بن محمّد الدمشقي الأوزاعي الفقيه، حدّث عن عطاء بن أبي رباح و القاسم بن مخيمرة و ربيعة بن يزيد و شدّاد بن أبي عمّار و الزهري و قتادة و يحيى بن أبي كثير، و حدّث عنه شعبة و ابن المبارك و الوليد بن مسلم، ولد ببعلبك و نشأ بالبقاع ثمّ نزل بيروت فمات فيها سنة 157. تذكرة الحفّاظ 2: 310.

(4) أبو عبد اللّه سفيان بن مسروق الثوري الفقيه الكوفي، حدّث عن أبيه و زبيد بن الحارث و حبيب بن أبي ثابت و زياد بن علاقة و محارب بن دثار و يحيى القطّان و ابن وهب و وكيع و قبيصة و جمع كثير، مات بالبصرة بعد أن كان مختفيا من المهدي سنة 161 ه. تذكرة الحفّاظ 1: 203، شذرات الذهب 1: 250، الفهرست لابن النديم: 315.

(5) إبراهيم بن المنذر بن عبد اللّه الحزامي الأسدي: أبو إسحاق المدنيّ محدّث المدينة، روى عن مالك و سفيان بن عينية و الوليد بن مسلم و ابن وهب و أبي ضمرة، و روى عنه البخاري و ابن ماجة و محمّد بن إبراهيم البوشنجي و خلق كثير، مات سنة 236 ه، و هو غير أبي بكر محمّد بن إبراهيم بن المنذر من فقهاء الشافعية. تذكرة الحفّاظ 1: 470- شذرات الذهب 2: 86، ميزان الاعتدال 1: 67.

(6) 6 و 7 المغني لابن قدامة 1: 53.

174

شرعي يحرز به الواقع تعبّدا من الشارع يرتفع معه الشكّ في البراءة ارتفاعا شرعيّا.

و من هنا ينقدح أنّه لو قرّر هنا في بعض الفروض النادرة أصل آخر مخالف لكلا القولين كقاعدة الشغل الجارية عندنا عند الشكّ في المكلّف به و دوران الأمر بين المتباينين، فيما لو فرض انحصار الماء في القليل الملاقي للنجاسة عند الاشتغال بمشروط بالطهارة المردّدة في الفرض بين المائيّة و الترابيّة المقتضية للجمع بينهما لم يكن في محلّه، لارتفاع ذلك الشكّ و التردّد بواسطة الأصل الموضوعي المذكور، و بالجملة: لو كان في المسألة أصل فهو مختصّ بالقول الثاني.

و تظهر فائدته في أمرين أحدهما: أنّ المطالب بالدليل في المسألة أصحاب القول الأوّل، لمصيرهم إلى مخالفة الأصل دون أهل القول الثاني، فلو وجدتهم حينئذ مستندين إلى دليل آخر فهو تفضّل منهم.

و ثانيهما: كونه المرجع جدّا عند فقدان الدليل، أو وجوده مجملا أو معارضا بمثله، المساوي له من جميع الجهات، الموجب للعجز عن الترجيح.

و أمّا ما يتراءى عن بعض العبائر من ظهور فائدته في مقام الترجيح، لأنّه يوجب اعتضاد الدليل المقتضي لما يوافقه و تأيّده به، فهو كلام ظاهري منشؤه عدم التأمّل في مفاد الأصل، و موضوعه المغاير لموضوع الدليل، و الغفلة عمّا قدّمنا الإشارة إليه من أنّ المعاضد كالمعارض يشترط فيه وحدة الموضوع فيما بينه و بين ما يتعاضد به، و هي ممّا يمتنع فيما بين الاصول العمليّة و الأدلّة الاجتهاديّة، و قضيّة ذلك امتناع كلّ من التعاضد و التعارض، كما أنّ الأخير ممّا يعلمه كلّ أحد، فهو مع الأوّل من واد واحد لا يعقل الفرق بينهما أصلا.

و بجميع ما قرّرناه يتبيّن: أنّ العمدة في المقام الواجب مراعاته إنّما هو النظر في أدلّة القول الأوّل، فإن تمّت دلالة و سندا و سلامة عن المعارض المساوي أو بالأصول المعتبرة.

فنقول: إنّ العمدة في أدلّة الباب إنّما هو الأخبار المرويّة عن أئمّتنا الأطهار الأطياب (سلام اللّه عليهم أجمعين)، و أمّا نقل الإجماعات و إن ادّعى استفاضتها و اعتمد عليها غير واحد من الأصحاب، و لكنّ التعويل عليها عند التحقيق لا يخلو عن إشكال، كما أنّ الاحتجاج بالضرورة الّذي يوجد في بعض العبارات غير خال عن الإشكال.

175

أمّا الأوّل: فلأنّ هذا الإجماع لو فرضناه محقّقا لا يفيدنا في خصوص المقام شيئا فضلا عن كونه منقولا، لعلمنا بأنّه ليس إلّا عن الأخبار الواردة في المقام الّتي صارت من مزالّ بعض الأقدام، فلا بدّ من النظر في تلك الأخبار و كيفيّة دلالتها و صحّة أسانيدها، و خلوّها عن معارض أقوى، استعلاما لصدق المجمع عليه، لعدم ثبوت حجّيّة أصل النقل من حيث هو تعبّدا، و لا حجّيّة أصل الاتّفاق كذلك، و إنّما يصير حجّة لو كشف عن الواقع كشفا علميّا، أو عن وجود دليل غير علمي للمجمعين، بحيث لو عثرنا به و وجدنا لعملنا به و لم نبعّده، و هذا ليس منه للعلم التفصيلي بالمستند الّذي لم يتحقّق عندنا حاله بعد، نعم لا مضايقة في أخذها مؤيّدة لتلك الأخبار في مقام ترجيحها على معارضاتها إذا حصل الوثوق بالمنقول، لكشفه حينئذ عمّا يستقيم به الدلالة لو فرض فيها قصور، و يتقوّم به السند لو كان معه ضعف، أو حزازة اخرى ممّا يوجب الوهن في أسانيد الأخبار.

و أمّا الثاني: فللقطع بأنّ انفعال ماء القليل بملاقاة النجاسة ليس حاله كحال سائر الضروريّات كوجوب الصلاة على وجه يعرفه كلّ أحد حتّى الرساتيق و البدويّين من الأمّة أو الشيعة، كيف و لم يعهد عن أحد من هؤلاء أنّهم يتحرّزون عن ماء قريب من الكرّ بمجرّد ما لاقاه قطرة بول أو و لغة كلب أو نحوه، بل نرى عملهم على خلافه كما لا يخفى على البصير.

غاية ما في الباب أن تقول: إنّه ينشأ عن قلّة المبالاة و المسامحة في الدين، غير أنّه احتمال أو مع الرجحان، و لا ريب أنّه لا يجامع الضرورة لمجامعته احتمال كون منشأه الجهل و عدم الاطّلاع بأصل الحكم، و إن اريد بالضرورة ما هي بين الخواصّ و أهالي المعرفة بالمسائل و الأحكام فمنعها أوضح، كما يرشد إليه استنادهم عند السؤال عن وجه المسألة إلى فتوى المجتهد، و من خواصّ الضرورة كون الحكم معلوما لكلّ أحد بعلم ضروري لا يستند إلى قول المفتي كما لا يخفى، بل إحالة الوجه إلى الفتوى ممّا يكشف بنفسه عن عدم العلم الضروري كما لا يخفى.

ثمّ إنّ هاهنا وجهين آخرين استند إليهما العلّامة، مضافا إلى روايات المسألة أحدهما: ما ذكره في المنتهى: «من أنّ النجاسة امتزجت بالماء و شاعت أجزاؤها في

176

أجزائه، و يجب الاحتراز عن أجزاء النجاسة، و قد تعذّر إلّا بالاحتراز عن الماء المختلط أجزاؤه بأجزائها» (1)، و هو كما ترى من أوهن ما لا ينبغي الاستناد إليه في أمثال المقام؛ فإنّه- مع أنّ فيه نوع مصادرة لتوجّه المنع عن وجوب الاحتراز عن أجزاء النجاسة بعد شيوعها في الماء، بل هو أوّل المسألة- منقوض بالكرّ و ما فوقه إذا شاعت فيه أجزاء النجاسة، و لا سيّما إذا فرضنا القليل أقلّ منه بيسير كالمثقال بل المثاقيل، إذ لو لا الحكم على فرض ثبوته تعبديّا صرفا فأيّ عاقل يدرك الفرق بين ألف و مائتي رطل و ما نقص عنه بمثقال بل مدّ بل رطل و نحو ذلك، حتّى يدّعي في الثاني وجوب الاحتراز عن مجموع هذا الماء مقدّمة للاحتراز عن أجزاء النجاسة الشائعة فيه دون الأوّل، هذا كلّه مع ما فيه من عدم جريانه في جميع صور المسألة حتّى ما لا يكون للنجاسة جزء كعضو الكافر أو أخويه، أو شيء من أجزائها الساقطة من عظم و نحوه.

و ثانيهما: ما قرّره في المختلف: من «أنّ القليل مظنّة الانفعال غالبا، فربّما غيّرت النجاسة أحد أوصافه و لا يظهر للحسّ، فوجب اجتنابه» (2).

و فيه: مع أنّه مبنيّ على اعتبار التغيّر التقديري و قد تقدّم المنع عنه، و على وجوب الاحتياط في مواضع الشبهة سيّما إذا قابله أصل موضوعي اجتهادا و فقاهة حينما عرفت أنّه منقوض أوّلا بالفرض المتقدّم، و ثانيا بعدم جريانه في النجاسات الغير المغيّرة لذواتها أو لقلّة و نحوها، و لو قيل بأنّ ذلك تعبّد من الشارع فسقط اعتبار هذا الوجه و يطالب القائل بدليل ذلك، فلا بدّ له من التشبّث بالأدلّة السمعيّة، و قضيّة ذلك انحصار المستند حقيقة في الأخبار فلا بدّ من النظر فيها.

[البحث في أنواع الروايات التي ترد في انفعال القليل]

فنقول: إنّها حسبما احتجّ به أهل هذا القول كثيرة جدّا، و منقول فيها البلوغ حدّ التواتر معنى، بل ربّما يدّعى بلوغها نحو مائتين رواية أو أزيد، غير أنّ جملة منها صحاح، و اخرى موثّقات، و ثالثة حسان، و رابعة ضعاف منجبرة بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، مع نقله المدّعى فيه الاستفاضة.

ثمّ إنّ جملة منها ما هو صريح أو ظاهر كالصريح في المطلوب، و اخرى ما هو ظاهر فيه منطوقا، و ثالثة ما هو ظاهر فيه مفهوما، و نحن نراعي في ذكرها هذه الأنواع الثلاث،

____________

(1) منتهى المطلب 1: 48.

(2) مختلف الشيعة 1: 177.

177

فنذكرها بالترتيب المذكور غير مراع فيه مراتب الصحّة و غيرها من الأنواع الأربع الأوّلة.

فأمّا النوع الأوّل: [ما هو صريح أو ظاهر كالصريح في المطلوب]

فروايات، منها: ما في التهذيب و الاستبصار- الموصوف بالصحّة في كلام جماعة- عن الفضل أبي العبّاس قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن فضل الهرّة و الشاة و البقرة و الإبل و الحمار و الخيل و البغال و الوحش و السباع، فلم أترك شيئا إلّا سألته عنه، فقال: «لا بأس به»، حتّى انتهيت إلى الكلب، فقال: «رجس نجس لا تتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء، و اغسله بالتراب أوّل مرّة ثمّ بالماء» (1).

و منها: ما فيهما أيضا عن معاوية بن شريح، قال: سأل عذافر أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده عن سؤر السنّور و الشاة و البقرة و البعير و الحمار و الفرس و البغال و السباع يشرب أو يتوضّأ منه؟ فقال: «نعم اشرب منه و توضّأ»، قال: قلت له الكلب؟ قال: «لا»، قلت أ ليس هو بسبع؟ قال: «لا و اللّه إنّه نجس، لا و اللّه إنّه نجس» 2 و فيهما 3 أيضا مثله بطريق آخر إلى معاوية بن ميسرة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و في الرجال 4 اتّحاده مع معاوية بن شريح.

و منها: ما عن التهذيب في كتاب الأطعمة و الأشربة عن أبي بصير، قال: «دخلت أم معبد العبديّة على أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده، قالت: جعلت فداك أنّه يعتريني قراقر في بطني، إلى أن قالت: و قد وصف لي أطبّاء العراق النبيذ بالسويق و قد وقفت و عرفت كراهتك له فأحببت أن أسألك عن ذلك، فقال: و ما يمنعك عن شربه؟ قالت: و قد قلّدتك ديني فألقى اللّه حين ألقاه فاخبره أنّ جعفر بن محمّد أمرني و نهاني، فقال: «يا أبا محمّد ألا تسمع إلى هذه المرأة و هذه المسائل، لا و اللّه لا آذن لك في قطرة فلا تذوقي منه قطرة، إلى أن قال: ثمّ قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما يبلّ منه الميل ينجّس حبّا من ماء يقولها ثلاثا» 5.

____________

(1) 1 و 2 الوسائل 1: 226، ب 1- من أبواب الأسآر ح 4 و 6- التهذيب 1: 225/ 646 و 647- الاستبصار 1: 19/ 40 و 41.

(2) 3 التهذيب 1: 225/ 648.

(3) 4 و في منتهى المقال: «معاوية بن شريح: له كتاب ...- إلى أن قال-: و الظاهر أنّه ابن ميسرة بن شريح، و في التعليقة: هذا هو الظاهر كما يظهر من الأخبار، و قال الصدوق عند ذكر طرقه: و ما كان فيه عن معاوية بن شريح فقد رويته ... إلى أن قال: معاوية بن ميسرة بن شريح هذا و صرّح مولانا عناية اللّه باتّحاده مع ابن ميسرة، و هو الظاهر». منتهى المقال 1: 280- مجمع الرجال 6: 99- تعليقة الوحيد البهبهاني: 336- الفقيه- المشيخة 4/ 16.

(4) 5 نقل ذيله في الوسائل 3: 470، ب 38 من أبواب النجاسات ح 6- الكافي 6: 413/ 1.

178

وجه الاستدلال بالخبر الأخير واضح لا حاجة معه إلى البيان، و أمّا الأوّلان فلأنّهما يقضيان بالصراحة أنّ السبعيّة ليست عنوانا يقتضي المنع عن الماء، بل المقتضي له إنّما هو النجاسة الّتي يمتاز بها الكلب عن غيره من سائر الأنواع المذكورة في الخبرين، و لا ريب أنّ تعليق الحكم بالنجاسة ليس إلّا من جهة أنّها تؤثّر في النجاسة، ثمّ إنّ الحكم على الكلب بكونه رجسا نجسا وارد مورد التعليل و إن كان مقدّما في الخبر الأوّل على ما علّل به كما يشهد به التأمّل الصادق، فيعمّ سائر النجاسات و معه يتعدّى إليها الحكم، فيندفع به جملة من الاعتراضات الآتية، نعم هنا بعض آخر من الاعتراضات يعلم اندفاعه بما يأتي إن شاء اللّه.

و أمّا النوع الثاني [ما هو ظاهر فيه منطوقا]

فروايات كثيرة منها: ما في زيادات التهذيب في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الدجاجة و الحمامة و أشباهها تطأ العذرة، ثمّ تدخل في الماء يتوضّأ منه للصلاة؟ قال (عليه السلام): لا، إلّا أن يكون الماء كثيرا قدر كرّ» (1).

و منها: ما فيه في باب آداب الأحداث في الصحيح عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر البزنطي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة قال (عليه السلام):

«يكفئ الماء» (2).

و منها: ما في الكافي في الموثّق بسماعة بن مهران في باب «الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها» عن أبي بصير عنهم (عليهم السلام) قال: «إذا أدخلت يدك في الإناء قبل أن تغسلها فلا بأس، إلّا أن يكون أصابها قذر بول، أو جنابة، فإن أدخلت يدك في الإناء و فيها شيء من ذلك فأهرق ذلك الماء» (3).

و منها: ما في باب آداب الأحداث من التهذيب في القويّ عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجنب يحمل الركوة أو التور فيدخل إصبعه فيه؟ قال (عليه السلام): إذا كانت يده قذرة فأهرقه و إن كان لم يصبها قذر فيغتسل منه هذا ممّا قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4).

____________

(1) الوسائل 1: 155، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 13- التهذيب 1: 419/ 1326.

(2) الوسائل 1: 153، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 39/ 105 و فيه: «الإناء» بدل «الماء».

(3) الوسائل 1: 152، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 4، الكافي 3: 11/ 1.

(4) الوسائل 1: 154، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 11- التهذيب 1: 308/ 103- رواه-

179

و منها: ما في باب الماء إذا ولغ فيه الكلب من التهذيب و الاستبصار في الصحيح عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال:

«اغسل الإناء» الحديث (1).

و منها: ما في باب تطهير الثياب من التهذيب في الصحيح عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال:

«يغسل سبع مرّات» (2).

و لا يذهب عليك أنّ في هذا الخبر دلالة على المطلب زيادة على ما في سوابقه، من حيث ظهوره في كون أصل التنجّس مفروغا عنه معتقدا للسائل، و إنّما وقع السؤال عن كيفيّة تطهير الإناء، فقرّره الإمام (عليه السلام) على ما اعتقده و بيّن له الكيفيّة، و المفروض أنّ السائل هو عليّ بن جعفر، و هو من أهل الوثاقة و الفضل و الفقاهة، كما يشهد بها تكثيره في الرواية عن أخيه، و من البعيد المقطوع ببطلانه أن يعتقد بما لم يكن أخذه من أخيه، أو ثبت له من ضرورة أو غيرها من الطرق العلميّة المتحقّقة له في عصره.

و منها: ما في نوادر كتاب الطهارة من الكافي- في الصحيح- عن عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ، فقطر قطرة في إنائه، هل يصلح الوضوء منه؟ قال: «لا» (3).

و منها: ما في باب المياه من التهذيب- في الصحيح- عن عليّ بن جعفر (عليه السلام) إنّه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن النصراني يغتسل مع المسلم في الحمّام؟ قال (عليه السلام):

«إذا علم أنّه نصراني اغتسل بغير ماء الحمّام، إلّا أن يغتسل وحده على الحوض، فيغتسل ثمّ يغتسل» الحديث (4).

و منها: ما في باب آداب الأحداث من التهذيب- في الموثّق- عن سماعة بن مهران، قال: سألته عن رجل يمسّ الطست أو الركوة، ثمّ يدخل يده في الإناء قبل أن

____________

- في الاستبصار 1: 20/ 46 بسند آخر.

(1) الوسائل 1: 225، ب 1 من أبواب الأسآر ح 3- التهذيب 1: 225/ 644.

(2) الوسائل 1: 225، ب 1 من أبواب الأسآر ح 2- التهذيب 1: 261/ 760.

(3) الوسائل 1: 150، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1- مسائل عليّ بن جعفر 119/ 64.

(4) الوسائل 3: 421، ب 14 من أبواب النجاسات 9- التهذيب 1: 223/ 940.

180

يفرغ على كفّيه؟ قال (عليه السلام): «يهريق من الماء ثلاث حفنات، فإن لم يفعل فلا بأس، و إن كانت أصابته جنابة فأدخل يده في الماء فلا بأس به إن لم يكن أصاب يده شيء من المنيّ، و إن كان أصاب يده فأدخل يده في الماء قبل أن يفرغ على كفّيه فليهرق الماء كلّه» (1).

و منها: ما في بابي المياه و تطهير المياه من التهذيب، و باب القليل يحصل فيه النجاسة، و عن الكليني أيضا في الكافي- في الموثّق- عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيّهما هو؟

و ليس يقدر على ماء غيره؟ قال: «يهريقهما و يتيمّم إن شاء اللّه» (2).

و منها: ما في بابي تطهير المياه و أحكام التيمّم، من الزيادات من التهذيب- في الموثّق- عن عمّار الساباطي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل، قال: سئل عن رجل معه إناءان فيهما ماء، وقع في أحدهما قذر، لا يدري أيّهما هو؟ و ليس يقدر على ماء غيره، قال (عليه السلام): «يهريقهما جميعا و يتيمّم» (3).

و في هذين الخبرين مضافا إلى موافقتهما للأخبار الاخر في جهة الدلالة، دلالة اخرى تستفاد من ملاحظة سياق السؤال، بتقريب ما بيّنّاه في خبر عليّ بن جعفر المتقدّم، كما يشهد به التأمّل، بل فيهما دلالة من جهة ثالثة و هو أمره (عليه السلام) بالتيمّم، و ظاهر أن ليس ذلك إلّا من جهة نجاسة الماء بوقوع القذر فيه، ثمّ اشتباه الطاهر بالنجس من باب الشبهة المحصورة الّتي يجب الاجتناب عنها، كيف و لو لا ذلك لمّا سوّغ العدول من المائيّة إلى التيمّم، لمكان كونه طهارة اضطراريّة، و احتمال كون ذلك لأجل التغيّر- كما جنح إليه بعض المتأخّرين- لا ينشأ منه أثر بعد مراعاة قاعدة ترك الاستفصال، فتأمّل.

و منها: ما في الكافي في باب السؤر- في الموثّق- عن عمّار بن موسى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عمّا يشرب منه الحمامة؟ قال: «كلّما أكل لحمه فتوضّأ من سؤره و اشرب، و عن ماء شرب منه باز أو صقر، أو عقاب؟ فقال: كلّ شيء من الطير

____________

(1) الوسائل 1: 154، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 10- التهذيب 1: 38/ 102.

(2) الوسائل 1: 151، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 249/ 713 الكافي 3:

10/ 6- التهذيب 1: 229/ 662.

(3) الوسائل 1: 155، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 14- التهذيب 1: 248/ 712 و في 1:

407/ 1218 بسند آخر.

181

يتوضّأ ممّا يشرب منه، إلّا أن ترى في منقاره دما، فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضّأ منه و لا تشرب» (1).

و منها: ما في آخر باب تطهير الثياب من التهذيب- في الموثّق- عن عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الكوز أو الإناء يكون قذرا فيه كيف يغسل؟- إلى أن قال-: و عن ماء شربت منه الدجاجة؟ قال: «إن كان في منقارها قذر لم تتوضّأ منه و لم تشرب، و إن لم تعلم أنّ في منقارها قذرا توضّأ و اشرب، و قال: كلّما يؤكل لحمه فليتوضّأ منه و ليشربه، [و سأل] عن ماء يشرب منه صقر أو باز أو عقاب؟

قال: كلّ شيء من الطير يتوضّأ ممّا يشرب منه: إلّا أن ترى في منقاره دما فإن رأيت في منقاره دما فلا تتوضّأ منه، و لا تشرب» الحديث (2).

و منها: ما في أواخر زيادات باب المياه من التهذيب، و سأل عمّار بن موسى الساباطي أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يجد في إنائه فأرة و قد توضّأ من ذلك الإناء مرارا و غسل منه ثيابه و اغتسل منه، و قد كانت الفأرة منسلخة، فقال: «إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه، ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كلّما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله فلا يمسّ من الماء شيئا، و ليس عليه شيء، لأنّه لا يعلم متى سقطت فيه، ثمّ قال: لعلّه أن يكون إنّما سقطت فيه تلك الساعة الّتي رآها» (3).

و منها: ما في الباب المذكور من التهذيب- في الموثّق- عن سعيد الأعرج قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجرّة تسع مائة رطل من ماء، يقع فيها أوقية من دم أشرب منه و أتوضّأ؟ قال (عليه السلام): «لا» (4).

و منها: ما في باب مياه التهذيب- في الموثّق- عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ليس بأس بفضل السنّور أن تتوضّأ منه و يشرب، و لا يشرب سؤر الكلب إلّا أن

____________

(1) الوسائل 1: 230، ب 4 من أبواب الأسآر ح 2- التهذيب 1: 228/ 660- الكافي 3: 9/ 5- الاستبصار 1: 25/ 64.

(2) الوسائل 1: 231 ب 5 من أبواب الأسآر ح 4- 3- التهذيب 1: 284/ 832.

(3) التهذيب 1: 418/ 41.

(4) الوسائل 1: 153، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 418/ 1320.

182

يكون حوضا كبيرا يستقي منه» (1).

و منها: ما عن علل الصدوق- في الموثّق- عن عبد اللّه بن يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «و إيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام، و فيها يجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم، فإنّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و أنّ الناصب لنا أهل البيت أنجس منه» (2).

و منها: ما في باب دخول الحمام من زيادات التهذيب، عن حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته أو سأله غيري عن الحمّام؟ قال: «ادخله بمئزر، و غضّ بصرك، و لا تغتسل من البئر الّتي يجتمع فيها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ماء يغتسل به الجنب، و ولد الزنا، و الناصب لنا أهل البيت، و هو شرّهم» (3).

و في دلالة هذا الخبر شيء لا يخفى على المتأمّل.

و منها: ما في باب المياه من التهذيب عن حريز عمّن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«إذا ولغ الكلب في الإناء فصبّه» (4).

و منها: المحكيّ عن فقه الرضا قال (عليه السلام): «إذا ولغ كلب في الماء أو شرب منه اهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرّات مرّة بالتراب و مرّتين بالماء ثمّ يجفّف» (5).

و منها: المحكيّ عن كتاب الأطعمة و الأشربة من التهذيب عن عمر بن حنظلة، قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصبّ عليه الماء حتّى يذهب عاديته و يذهب سكره؟ فقال (عليه السلام): «لا و اللّه، و لا قطرة قطرت في حبّ إلّا اهريق ذلك الحبّ» (6).

و منها: ما عن الحميري في قرب الإسناد عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حبّ ماء وقع فيه أوقية بول، هل يصلح شربه أو الوضوء؟ قال (عليه السلام): «لا يصلح» (7).

____________

(1) الوسائل 1: 226، ب 1 من أبواب الأسآر ح 7- التهذيب 1: 226/ 650.

(2) الوسائل 1: 220، ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 5- علل الشرائع 1: 292.

(3) التهذيب 1: 373/ 1143.

(4) الوسائل 1: 226 ب 1 من أبواب الأسآر ح 5- التهذيب 1: 225/ 645.

(5) فقه الرضا (عليه السلام): 93- الفقيه 1: 8/ 10.

(6) الوسائل 25: 341 ب 18 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 1- التهذيب 9: 112/ 485.

(7) الوسائل 1: 156 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 16- مسائل عليّ بن جعفر 197/ 420.

183

و منها: ما في باب النزح من التهذيب، عن عليّ بن حديد عن بعض أصحابنا، قال: كنت مع أبي عبد اللّه في طريق مكّة فصرنا إلى بئر فاستقى غلام أبي عبد اللّه (عليه السلام) دلوا فخرج فيه فأرتان، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أرقه: فاستقى آخر فخرج فيه فأرة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

أرقه، فاستقى الثالث فلم يخرج فيه شيء، فقال: صبّه في الإناء، فصبّه في الإناء» (1).

و منها: ما في باب المياه من التهذيب، عن سعيد الأعرج قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر اليهودي و النصراني؟ فقال: «لا» (2).

و منها: ما في الحدائق عن الشهيد في الذكرى، و عن غيره في غيره، عن العيص بن القاسم قال: سألته عن رجل أصابته قطرة عن طست فيه وضوء؟ قال: «إن كان من بول أو قذر فليغسل ما أصابه» (3).

و منها: ما في المناهل (4) عن الصدوق مرسلا عن النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم): «إذا وقع وزغ في إناء فأهرق ذلك الماء، و إذا وقع فيه كلب أو شرب منه أهرق الماء و اغسل الإناء مرّات» (5).

و منها: ما في الصحيح- في زيادات باب المياه من التهذيب- عن ابن أبي عمير عن بعض أصحابه- قال: و ما أحسبه إلّا حفص بن البختري- قال: قيل لأبي عبد اللّه (عليه السلام) العجين يعجن من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ أكل الميتة» (6).

و في رواية اخرى صحيحة في الباب المذكور من الكتاب «أنّه يدفن و لا يباع» 7.

هذا آخر ما وجدناه من مناطيق روايات المسألة

و قد عرفت أنّها بحسب المتن على قسمين:

منها: ما هو مشتمل على نفي صلاحية ما لاقاه النجاسة من الماء للتوضّي

____________

(1) الوسائل 1: 174 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 14- التهذيب 239/ 693 الاستبصار 1: 40/ 112.

(2) الوسائل 1: 229 ب 3 من أبواب الأسآر ح 1- الكافي 3: 11/ 5- التهذيب 1: 223/ 638- الاستبصار 1: 18/ 36.

(3) الوسائل 1: 215، ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 14- ذكرى الشيعة 1: 84، الحدائق الناضرة 1: 286.

(4) المناهل- كتاب الطهارة- الورقة: 113 (المخطوط).

(5) الفقيه 1: 8/ 10.

(6) 6 و 7 الوسائل 1: 242 و 243 ب 11 من أبواب الأسآر ح 1 و 2- التهذيب 1: 414/ 1305 و 1306- الاستبصار 1: 29/ 76 و 77.

184

و الاغتسال به.

و منها: ما هو مشتمل على النهي عن التوضّي و الاغتسال، و عن الشرب أيضا و الأمر بالإراقة، و هو الغالب جدّا.

و أمّا وجه الاستدلال بالقسم الأوّل [أي ما هو مشتمل على نفي صلاحية ما لاقاه النجاسة من الماء للتوضّي و الاغتسال به.]

فواضح، من جهة أنّ نفي الصلاحية للتوضّي عن الماء الملاقي للنجاسة لا يعقل له وجه، إلّا بأن يقال: إنّ الملاقاة قد أوجبت فيه زوال وصف وجودي عليه مدار الصلاحية في نظر الشارع و ليس ذلك إلّا الطهارة، و لا ريب أنّ زوالها ملزوم للنجاسة و هو المطلوب.

و لك أن تقول: إنّها أوجبت في الماء حدوث وصف وجودي عليه مدار عدم الصلاحية شرعا، و لا يكون ذلك إلّا النجاسة.

و احتمال أنّ الوصف الزائل لعلّه وصف الإطلاق، كاحتمال أنّ الوصف الحادث لعلّه التغيّر.

يدفعه: القطع بأنّ القطرة من الدم الواقعة في الإناء، و الأوقية من البول الواقعة في الحبّ لا يوجبان شيئا من ذلك، أمّا الأوّل: فواضح، و أمّا الثاني: فلأنّ الأوقيّة- بضمّ الأوّل و سكون الثاني و تشديد الياء المثنّاة- إمّا عبارة عن أربعين درهما- على ما حكي عن الجوهري (1)- و هو يعادل واحدا و عشرين مثقالا صيرفيّا، أو عمّا اصطلح عليه الأطبّاء و هو وزن عشرة مثاقيل و خمسة أسباع درهم،- على ما في محكيّ المغرب (2)- و أيّا ما كان فهو لا يعادل عشرا من أعشار الحبّ، كما لا يخفى، و معه كيف يعقل كونه سالبا للإطلاق أو موجبا للتغيير، ثمّ إنّه لو سلّم أنّهما في بعض الفروض، يوجبان أحد الأمرين، فلا يقدح في تماميّة الاستدلال بعد ملاحظة ما في الجواب من ترك الاستفصال المفيد للعموم في المقال.

و أمّا وجه الاستدلال بالقسم الثاني: [ما هو مشتمل على النهي عن التوضّي و الاغتسال، و عن الشرب أيضا و الأمر بالإراقة]

فلمّا تقرّر في الاصول من أنّ الأوامر و النواهي المتعلّقة بالعبادات و المعاملات بقرينة المقام الّتي يكشف عنها العرف و بناء العقلاء- نظير القرينة في الأمر الوارد عقيب الحظر- ليست على حقائقها، بل هي إرشاديّة محضة، معرّاة عن الطلب الحقيقي، واردة لبيان الواقع، و إرشاد المكلّف إلى ما يصلحه و تمييزه له عمّا يفسده، فيراد بالنواهي إحراز المانعيّة مثلا، كما يراد بالأوامر إحراز

____________

(1) الصحاح، مادّة «وقى» 6: 2527.

(2) المغرب؛ مادّة «وقى»: 492.

185

الشرطيّة أو الجزئيّة أو نحوهما، و لا يعقل في المقام مانع يكشف عنه النواهي إلّا النجاسة، و هذا بالنسبة إلى النواهي عن التوضّي و الاغتسال واضح و أمّا بالنسبة إلى النواهي عن الشرب فكذلك، حملا على النظائر بقرينة وحدة السياق، و كذلك الحال في الأمر بغسل الإناء فيما شرب منه الكلب، و الأمر بالإراقة و نحوها.

مضافا إلى ما فيه من احتمال كونه واردا من باب الكناية، مرادا به في الحقيقة النهي عن التوضّي، أو الاغتسال أو مطلق الاستعمال نهيا اريد منه الإرشاد حسبما بيّنّاه، بل هذا المعنى ممّا لا اختصاص له بالمقام بل يجري في جميع أبواب الطهارات و النجاسات و التنجّسات، بل و أنت إذا لاحظت الأخبار الواردة في إثبات حكم النجاسة لأنواع النجاسات و إثبات حكم المتنجّس لما يلاقيه النجاسة غير الماء من البدن و الثياب و الأواني و غيرها، لما وجدتها دالّة على ذلك إلّا بواسطة ما فيها من الأوامر و النواهي، بل قلّما يتّفق فيها ما يدلّ على الحكمين بلفظي «النجاسة» و «التنجّس»، كما لا يخفى على المتتبّع.

و إن شئت لاحظ الأخبار الواردة في نجاسة البول و نحوه، فترى أنّه ليس فيها إلّا الأمر بالغسل عنه مرّتين، أو الأمر بصبّ الماء عليه مرّتين، و ليس ذلك إلّا من جهة وروده مورد الإرشاد إلى النجاسة، و التنبيه عليها مجرّدا عن الطلب الحقيقي، كيف و لو فرضناه مع الطلب كان غيريّا و هو أيضا مجاز في قول، أو تقييد في أشهر الأقوال، و ما ذكرناه أيضا مجاز، غير أنّه في خصوص المقام أرجح من غيره بحكم العرف و التبادر و نحوه.

بل لنا: أن نثبت الدلالة من غير ابتناء لها على ما ذكرناه من القاعدة في الأوامر و النواهي المتعلّقة بالعبادات أو المعاملات، بأن نقول: إنّه قد استقرّ بناء العرف في الطهارات و النجاسات على تعريف الطهارة بالأمر بالاستعمال أو الشرب أو نحو ذلك، و تعريف النجاسة بالنهي عن الاستعمال، أو الشرب، أو الأمر بالإراقة، أو الصبّ أو إبقائه على حاله، ألا ترى أنّه لو كان هنا ماء معلوم عندك كونه نجسا فأراد أن يأخذه من لا يعلمه على هذا الوصف للشرب أو سائر الاستعمالات، فأنت تعرّف له النجاسة المعلومة عندك بقولك: «دعه، أو صبّه أو لا تشربه» أو نحو ذلك، و هو أيضا لا يفهم من ذلك إلّا النجاسة، و لا ريب أنّ ما ورد في الأخبار أيضا منزّل و منطبق على هذا المعنى العرفي و إن كان مجازيّا، فإنّ الحمل على المجاز بعد ظهور القرينة العرفيّة و وضوحها

186

ممّا لا ضير فيه، بل كان واجبا جدّا.

و لا ندري أنّ من ينكر دلالة أوامر المقام و نواهيه على النجاسة، أو يأخذ فيها بالتأويل- حسبما يأتي إليه الإشارة- كيف يصنع في إثبات نجاسة أنواع النجاسات، و بتنجّس ما يلاقيها من الثياب و غيرها، فإن عمّم في إنكاره بحيث يشمل المقامين فقد سدّ على نفسه باب إثبات الحكمين، و إن خصّه بالمقام كان مكابرة محضة، حيث إنّه فرّق بين أمرين لا فرق بينهما في نظر العرف و الشرع أصلا و رأسا.

و لو قيل: بأنّ الفارق هو الإجماع، يرد عليه: أنّ مثله موجود في المقام- على ما حكاه جماعة- بناء على أنّ مخالفة العماني لمعلوميّة نسبه غير قادحة، من غير فرق فيه بين طريقة قدماء أصحابنا أو متأخّريهم.

و بالجملة: إنكار ما ذكرناه من الدلالة خارج عن قانون الفقاهة، و فهم الأحكام الشرعيّة من الأدلّة اللفظيّة بطريق الاستنباط كما لا يخفى.

و ما يتوهّم من أنّه لو صحّت الدلالة المدّعاة لكانت شاملة للكرّ و ما زاد عليه، مع أنّكم لا تقولون بها فيه جزما.

ممّا يدفعه أوّلا: المنع عن العموم المذكور، كيف و أنّ غالب روايات الباب واردة في الأواني المتّخذة للشرب و التوضّي و الاغتسال، و لا ريب أنّ مجرى العادات في أمثال هذه الأواني ما لا يسع كرّا و لا نصفه و لا ربعه و لا ثمنه و لا عشره.

و ثانيا: المنع عن عموم الحكم بعد ما فرضنا المورد بنفسه عامّا، إذ كلّ مطلق قابل للتقييد، و لا ريب أنّ الأخبار الفارقة بين الكرّ و غيره مقيّدات، فتحمل مطلقات المقام على تلك المقيّدات.

و احتمال ابتناء أخبار الباب على صورة التغيّر- كما سبق إلى بعض الأوهام- مندفع.

أوّلا: بمنع جريان أصل الاحتمال، للقطع بعدم كون النجاسات الواردة في أسئلة الروايات موجبة للتغيّر عادة كقذارة اليد، و لا سيّما إذا كانت من منيّ، و الدجاجة الواطئة للعذرة- و أشباهها- الداخلة في الماء، و الدم الّذي يكون في منقار الطيور و ما أشبه ذلك، و كذلك أوقية دم واقعة في جرّة تسع مائة رطل من ماء، و إن كان لاحتمال التغيّر بالقياس إليه نوع قوّة خصوصا في بعض أفراد الدم، كما لا يخفى.

187

و ثانيا: بأنّ احتمال التغيّر غير اختصاص الروايات به، و القادح في الاستدلال هو الثاني و القائم في محلّ المقال هو الأوّل، و أقصى ما يترتّب عليه بعد التسليم بملاحظة قاعدة ترك الاستفصال إنّما هو ثبوت عموم في موضوع الحكم، و هو غير مناف للمقصود بعد اندراج محلّ البحث في هذا العامّ جزما، مع عدم مخرج له قطعا.

و ممّا يرد على الأخذ بهذا الاحتمال- بل على القول بخلاف ما هو ظاهر الأخبار، مضافا إلى ما ذكر- أنّه يوجب إبطال التحديد الوارد في الأخبار الكثيرة المجمع على العمل به، و طرح تلك الأخبار مع كثرتها و هو كما ترى.

أمّا بيان الملازمة: فلأنّ هذا التحديد لا بدّ له من فائدة تكون فارقة بين الكرّ و ما دونه، و هذه الفائدة إمّا عبارة عن النجاسة بالتغيّر و عدمها فالكرّ لا ينجّس به بخلاف ما دونه، أو عن الانفعال بمجرّد الملاقاة و عدمه.

و الأوّل: باطل بالإجماع و غيره ممّا تقدّم في محلّه من الدلالة على أنّ التغيّر ممّا يوجب نجاسة الماء و لو كرّا أو أكرارا.

و الثاني: ممّا أبطله أهل هذا القول فلا يبقى إلّا أنّ هذا التحديد قد ورد لغوا، لا يعقل له فائدة اخرى سوى ما ذكرناه.

و ممّا يدخل في عداد مناطيق أخبار الباب: ما رواه في باب آداب الأحداث من التهذيب- في الصحيح- عن إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الماء الّذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «ذراعان عمقه في ذراع و شبر سعته» (1).

و ما رواه فيه في الباب المذكور- في الصحيح- عن إسماعيل بن جابر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الّذي لا ينجّسه شيء؟ قال: «كرّ»، الحديث 2.

و ما رواه في زيادات التهذيب، و باب القليل الّذي يحصل فيه النجاسة من الاستبصار- في الصحيح- و في الكافي أيضا في الباب المذكور، بطريق فيه سهل بن زياد عن صفوان الجمّال قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض الّتي ما بين مكّة إلى المدينة تردها السباع، و تلغ فيها الكلاب، و تشرب منها الحمير، و يغتسل منها الجنب، أ يتوضّأ منها؟ فقال (عليه السلام): و كم قدر الماء؟ قلت: إلى نصف الساق و إلى الركبة، فقال (عليه السلام):

____________

(1) 1 و 2 الوسائل 1: 165 ب 10 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 4- التهذيب 1: 41/ 114 و 115.

188

«توضّأ منه» (1).

وجه الدلالة في الأوّلين: أنّ السؤال الوارد فيهما يدلّ على أنّ السائل كان معتقدا بأنّ الماء منه ما لا ينجّسه شيء، و منه ما ينجّسه شيء، و مشتبها في تشخيص الموضوع و تمييز الأوّل عن الثاني، و إنّما سأل الإمام عمّا يرفع ذلك الاشتباه فقرّره الإمام (عليه السلام) على الاعتقاد المذكور و أجاب له بما رفع الاشتباه فلو لا الحكم كما اعتقده السائل لما كان لتقرير الإمام (عليه السلام) و لا جوابه بما ذكر وجه، بل كان عليه الجواب بما يردعه عن هذا الاعتقاد كما لا يخفى.

و في الأخير: أنّ الإمام (عليه السلام) قد استفصل عن مقدار الماء الّذي في الحياض، فلو لم يكن فرق بين قليل الماء و كثيرة في الحكم لما كان لذلك الاستفصال وجه، بل كان لغوا، و كان عليه الأمر بالتوضّي مطلقا تنبيها للسائل على أنّ الماء بإطلاقه لا ينجّس بما ذكر من النجاسات.

و احتمال كون نظره (عليه السلام) في ذلك الاستفصال إلى تشخيص ما يتحقّق معه التغيّر الموجب للنجاسة عمّا عداه.

يدفعه: أنّ السؤال الوارد في ذلك يأبى عن ذلك؛ إذ لم يذكر فيه من النجاسات ما يوجب التغيّر بل لم يذكر فيه نجاسة إلّا ولوغ الكلب، و هو كما ترى ليس ممّا يوجب التغيّر جدّا، و معه كيف يمكن تنزيل الاستفصال المذكور إلى مراعاة صورة التغيّر.

و يمكن تقرير الاستدلال بالخبرين الأوّلين من وجه آخر، و هو: أنّ مقتضى الجمع بين ما ذكر في السؤال و جواب الإمام المطابق له، أن يقال: إنّ مفاد الرواية أنّ الماء الّذي لا ينجّسه شيء بعنوانه الكلّي ما كان كرّا، أو ما كان عمقه ذراعين وسعته ذراعا و شبرا، فينعكس هذه الكلّيّة بطريقة عكس النقيض إلى أنّ ما ليس بكرّ و ما لا يكون عمقه ذراعين وسعته ذراعا و شبرا لا يكون بما لا ينجّسه شيء، و لمّا كان النفي في النفي ممّا يفيد الإثبات فكان مفاد العكس إثبات النجاسة لما كان فاقدا للوصفين معا و هو المطلوب، غير أنّ الدلالة فيهما على هذا التقرير تكون من باب المفهوم، فيدخلان في عداد أخبار النوع الثالث، و لا ضير فيه بعد وضوح المطلب.

____________

(1) الوسائل 1: 162، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12- التهذيب 1: 417/ 1317- الاستبصار 1: 22/ 54- الكافي 3: 4/ 7.

189

[أما النوع الثالث ما هو ظاهر فيه مفهوما]

و أمّا أخبار هذا النوع فكثيرة أيضا.

منها: صحيحة محمّد بن مسلم- الواردة في باب آداب الأحداث من التهذيب، و باب مقدار الماء الّذي لا ينجّسه شيء من الاستبصار- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه سئل عن الماء تبول فيه الدوابّ و تلغ فيه الكلاب و يغتسل منه الجنب؟ قال (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1).

و مثله الصحيح في الكافي- في باب الماء الّذي لا ينجّسه شيء- عن محمّد بن مسلم، إلّا أنّه قال فيه: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الّذي تبول فيه الدوابّ» إلى آخر المتن المذكور (2).

و منها: صحيحة معاوية بن عمّار- الواردة في الكتب الثلاثة في الأبواب المذكورة- قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (3).

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- الواردة في باب المياه من زيادات التهذيب- قال: قلت له الغدير ماء مجتمع تبول فيه الدوابّ، و تلغ فيه الكلاب و يغتسل فيه الجنب؟ قال (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء، و الكرّ ستّمائة رطل» (4).

و منها: الضعيف المنجبر بعمل الأصحاب المذكور- في الباب المتقدّم من الكافي- عن الحسن بن صالح الثوري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا كان الماء في الركيّ كرّا لم ينجّسه شيء، قلت: و كم الكرّ؟ قال: ثلاثة أشبار و نصف عمقها في ثلاثة أشبار و نصف عرضها» (5).

و منها: الصحيحة المذكورة في باب المياه من زيادات التهذيب عن عليّ بن جعفر عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع أ يغتسل منه لجنابته، أو يتوضّأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره؟ و الماء لا يبلغ صاعا

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 39/ 107- الاستبصار:

1: 6/ 1 و 20/ 45.

(2) الكافي 3: 2/ 2.

(3) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 40/ 109- الكافي 1: 6 الاستبصار 1: 6/ 2.

(4) أورد ذيله في الوسائل 1: 168، ب 11 من أبواب الماء المطلق ح 3- التهذيب 1: 414/ 1308.

(5) الوسائل 1: 160 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 8- الكافي 3: 2/ 4.

190

للجنابة، و لا مدّا للوضوء، و هو متفرّق فكيف يصنع و هو يتخوّف أن يكون السباع قد شربت منه؟ فقال (عليه السلام): «إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفّا من الماء بيد واحدة فلينضحه خلفه، و كفّا أمامه، و كفّا عن يمينه، و كفّا عن شماله،» الحديث (1).

و منها: موثّقة شهاب بن عبد ربّه- الواردة في الكافي في باب الرجل يدخل يده في الإناء قبل أن يغسلها- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل الجنب يسهو فيغمس يده في الإناء قبل أن يغسلها؟ قال: «إنّه لا بأس إذا لم يكن أصاب يده شيء» (2).

و منها: الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم- الوارد في حكم الجنابة من التهذيب- عن زرارة قال: قلت له كيف يغتسل الجنب؟ فقال: «إن لم يكن أصاب كفّه منيّ غمسها في الماء ثمّ بدأ بفرجه فأنقاه، ثمّ صبّ على رأسه ثلاث أكفّ، ثمّ صبّ على منكبه الأيمن مرّتين، و على منكبه الأيسر مرّتين، فما جرى عليه الماء فقد أجزأه» (3).

و هذا الخبر باعتبار سنده لا يخلو عن شيء لما فيه من الإضمار، و إن قيل فيه بأنّ الظاهر أنّ المضمر أحد الصادقين [(عليهما السلام)].

و منها: موثّقة سماعة- المذكورة في باب آداب الأحداث من التهذيب- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إذا أصابت الرجل جنابة فأدخل يده في الإناء فلا بأس، إن لم يكن أصاب يده شيء من المنيّ» (4).

و منها: موثّقة عمّار- الواردة في باب تطهير الثياب من التهذيب- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الدنّ يكون فيه الخمر، هل يصلح أن يكون فيه الخلّ أو كامخ أو زيتون؟

قال: «إذا غسل فلا بأس و عن الإبريق يكون فيه خمر أ يصلح أن يكون فيه ماء قال إذا غسل فلا بأس» (5).

و منها: المحكي عن كتاب الوسائل، و كتاب قرب الإسناد عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن الشرب في الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو

____________

(1) التهذيب 1: 376/ 1115 مع اختلاف يسير.

(2) الوسائل 1: 152 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 3- الكافي 3: 11/ 3.

(3) الوسائل 2: 229 ب 26 من أبواب الجنابة ح 2- التهذيب 1: 133/ 368.

(4) الوسائل 1: 153 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 9- التهذيب 1: 37/ 99.

(5) الوسائل 3: 494 ب 51 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 283/ 830.

191

باطية؟ قال (عليه السلام): «إذا غسله فلا بأس» (1).

و منها: المحكيّ عن مصابيح السيّد عن محمّد بن الحسن الصفّار في كتاب بصائر الدرجات- في الصحيح- عن شهاب بن عبد ربّه قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله فابتدأني، فقال: «إن شئت أخبرتك بما جئت له، قلت: أخبرني جعلت فداك، قال (عليه السلام):

جئت تسأل عن الجنب يغرف الماء من الحبّ بالكوز، فيصيب يده الماء، قال: قلت نعم، قال (عليه السلام): ليس به بأس، قال: و إن شئت سل و إن شئت أخبرتك، قلت: أخبرني قال (عليه السلام):

جئت تسأل عن الجنب يسهو فيغمز يده في الماء قبل أن يغسلها؟ قال: قلت و ذلك جعلت فداك، قال (عليه السلام): إذا لم يكن أصاب يده شيء فلا بأس» (2).

و منها: رواية عليّ بن يقطين- المذكورة في باب المياه من التهذيب- عن أبي الحسن (عليه السلام) في الرجل يتوضّأ بفضل الحائض؟ قال: «إذا كانت مأمونة فلا بأس» (3).

و منها: ما في الباب المذكور من الكتاب عن عيص بن القاسم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن سؤر الحائض؟ قال: «توضّأ منه، و توضّأ من سؤر الجنب إذا كانت مأمونة» 4.

وجه الدلالة في هذا النوع من الأخبار:

أنّ الحكم الوارد فيها أعني عدم التنجيس كما في الأربعة الأوّلية، و تجويز الأخذ من الماء كما في الخامسة، و تجويز غمس اليد في الماء كما في السادسة، و تجويز الوضوء من سؤر الجنب كما في الثاني عشر، و نفي البأس كما في البواقي معلّق على وصف الكرّيّة في الأوّل، و وصف النظافة في الثاني، و عدم إصابة المنيّ الكفّ أو اليد و الغسل و المأمونيّة، و من المقرّر في محلّه أنّه في الجمل الشرطيّة يفيد انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف المعلّق عليه على ما هو مفاد حجّيّة مفهوم الشرط، و هو في الأربعة الأول عين المطلوب، و في البواقي كاشف عنه، فإنّ نفي الجواز كإثبات البأس ممّا لا معنى له إلّا لكونه لأجل مانع، و لا يعقل ما يصلح المنع إلّا النجاسة، أو أنّه المتبادر عرفا في نظائر المقام كما تقدّم الإشارة إليه.

فروايات هذا النوع كلّها متّفقة في وجه الدلالة، لكونها في الجميع من باب مفهوم

____________

(1) الوسائل 25: 369، ب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5- قرب الإسناد: 116- مسائل عليّ بن جعفر: 154/ 212.

(2) الوسائل 2: 226 ب 45 من أبواب الجنابة ح 2 باختلاف يسير- بصائر الدرجات: 258.

(3) 3 و 4 التهذيب 1: 221/ 632، و 633.

192

الشرط، و إن حصلت المفارقة بينها في كمّيّة المدلول، حيث إنّ الأربع الاول تفيد المطلب بتمامه، و عمومه بالقياس إلى الماء و النجاسة معا- بناء على ما ستعرف تحقيقه- بخلاف البواقي فإنّها لا تفيده إلّا في موارد خاصّة ورد ذكرها في أسئلة تلك الأخبار، فإنّ الحكم المستفاد منها لا يتعدّى تلك الموارد إلّا مع ضميمة خارجيّة كالإجماع المركّب و عدم القول بالفصل، إذ ليس فيها ما يفيد العموم وضعا أو عرفا بالقياس إلى الماء و لا إلى النجاسة، فبمجرّد تلك الأخبار لا يمكن القول بأنّ كلّ ماء في كلّ حال ينجّس بملاقاة كلّ نجس كما لا يخفى.

هذا كلّه على حسبما استفدناه من كلام القوم في تقرير وجه الدلالة، غير أنّ لنا مناقشة على ما ذكروه في خصوص الأربعة الأول، لعدم انطباق الدلالة القائمة بها على قاعدة حجّيّة مفهوم الشرط، لأنّ معنى الحجّيّة على القول بها- كما هو المحقّق عندنا أيضا- كون مفاد القضيّة بملاحظة أداة الشرط السببيّة التامّة القائمة بالمقدّم بالقياس إلى التالي، الّتي تفسّر بكون الشيء بحيث يلزم من وجوده الوجود و من عدمه العدم، و قد قطعنا بملاحظة الخارج أنّ الكرّيّة بنفسها ليست سببا تامّا لعدم التنجّس، و إنّما هو جزء للسبب، لأنّ السبب التامّ هو المجموع منها و من عدم التغيّر.

هذا بناء على الإغماض عمّا يساعد عليه النظر، و إلّا فلنا أن نمنع دعوى كون هذا المجموع أيضا سببا، لأنّ المعهود في السبب كونه مؤثّرا فيما هو مسبّب منه، و نحن نقطع بأنّه لا تأثير لشيء من الكرّيّة و عدم التغيّر في طهارة الماء، بل الطهارة حيثما تكون قائمة من مقتضيات نفس الطبيعة المائيّة و لوازمها كنجاسة الكلب و نحوها، كما نطق به قوله عزّ من قائل: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1)، و قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (2).

فإنّ قضيّة ذلك كون النجاسة بالنسبة إلى الماء من الطوارئ الّتي لا يلحقه إلّا بعد ارتفاع ما هو من مقتضياته و أوصافه المستندة إلى طبيعته، و لا ريب أنّ الوصف الأصلي للشيء لا يعقل ارتفاعه عن ذلك الشيء إذا كان بنفسه مقتضيا له، حتّى يطرأ محلّه وصف وجودي

____________

(1) الفرقان: 48.

(2) سنن البيهقي 1: 259- سنن الدار قطني 1: 28، كنز العمّال 9: 396 ح 26652.

193

آخر إلّا من جهة قيام رافع لولاه لما كان مرتفعا، و ممّا جعله الشارع رافعا لطهارة الماء أو كشف عن رافعيّته إنّما هو التغيّر بالنجاسة، فإذا فرض كون وجوده رافعا لها فكيف يعقل كون عدمه مؤثّرا في وجودها و محدثا لها و لو بعنوان الجزئيّة، و إلّا لزم ارتفاع النقيضين أو ضدّين لا ثالث لهما، إذ المفروض كون كلّ من الطهارة و النجاسة مستندة إلى أمر خارج عن ذات الماء، فالذات بما هي هي معرّاة عن كلا الوصفين، و إن لم يمكن فرض خلوّها عن أحدهما باعتبار الزمان، حيث إنّها لا تخلو عن أحد وصفي التغيّر و عدمه، إلّا أنّه كما لا يمكن ارتفاع النقيضين أو الضدّين عن الشيء باعتبار الزمان- أي في زمان من الأزمنة- فكذلك لا يمكن ارتفاعهما عنه باعتبار الذات- بمعنى خلوّها بما هي هي عنهما معا- و لذلك جعل وصف الماء باعتبار ذاته و خلقته الطهارة، كما يرشد إليه أيضا تعليق عدم الطهارة على العلم بالقذارة، المستفاد من قولهم (عليهم السلام): «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (1) فلو لم يكن وصفه الأصلي هو الطهارة و لا أنّ عدمها من جهة طروّ ما يرفعها، لوجب تعليق عدم قذارته على العلم بالطهارة كما لا يخفى.

فإذا ثبت أنّ طهارة الماء من مقتضيات ذاته، و أنّه لا يحكم عليها بالعدم إلّا من جهة طروّ ما يوجب ارتفاعها، و أنّ عدم التغيّر ليس بمؤثّر فيها، بل هو حيثما وجد معها يكون من باب المقارنات الاتّفاقيّة، و أنّ التغيّر هو الّذي يؤثّر في عدمها و يوجب ارتفاعها، علم أنّ ملاقاة النجاسة في الماء القليل أيضا من مقولة الروافع، و لكن بهذا الشرط- أي شرط القلّة- فالعلّة في ارتفاع الطهارة الّتي هي من مقتضيات ذات الماء حينئذ مركّبة عن وصفي القلّة و الملاقاة، فإذا كان وجود هذين الوصفين مؤثّرا في ارتفاع الطهارة فلا يعقل كون عدمها مؤثّرا في وجود الطهارة لعين ما تقدّم.

و قضيّة ذلك أن لا يكون وصف الكرّيّة كوصف عدم التغيّر مؤثّرا في الطهارة، بل هو كأخيه حيثما وجد مع الطهارة كان من المقارنات الاتّفاقيّة، و إنّما اعتبره الشارع مناطا للحكم لا من جهة أنّه مؤثّر- و لو بعنوان الشرطيّة- بل من جهة أنّه ميزان كلّي هو ملزوم لانتفاء ما هو مؤثّر في ارتفاع الطهارة، و شرط لطروّ النجاسة و هو القلّة، و إلّا فالمقتضي للطهارة كما عرفت هو نفس الذات لا بشرط هذا الوصف، كيف و لو كان له

____________

(1) الوسائل 1: 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5.

194

مدخل في اقتضاء الطهارة و لو بعنوان الشرطيّة لزم انتفاء الطهارة في الماء القليل الغير الملاقي للنجاسة أيضا، ضرورة أنّ المشروط عدم عند عدم شرطه، و هو بديهي البطلان، و هذا أيضا من أقوى الشواهد على أنّ طهارة الماء مستندة إلى ذاته من غير مدخل للكرّيّة فيها، و إلّا لزم تخلّف الشرط عن المشروط و هو محال.

و قضيّة كلّ ما ذكر عدم إمكان تتميم الاستدلال على المطلب بقاعدة حجّيّة مفهوم الشرط، بل لا بدّ و أن يقال- في تقريب الاستدلال-: بأنّ مقتضى ظاهر الجملة الشرطيّة و إن كان سببيّة المقدّم للتالي، و لكن الصارف في خصوص المقام صرفنا عن هذا الظاهر و منعنا عن الحكم على الكرّيّة بالسببيّة التامّة، فإمّا أن يحكم عليها حينئذ بالشرطيّة- بالمعنى المصطلح عليه عند الاصولي- فيكون مفاد القضيّة العلقة الشرطيّة على حدّ ما هو في قولك: «إن قبضت في المجلس صحّ الصرف»، أو يحكم بكونها ملزومة للطهارة من جهة أنّها ملزومة لانتفاء ما هو شرط للنجاسة، فيكون مفاد القضيّة مطلق الملازمة، معرّاة عن التأثير و العلقة السببيّة و الشرطيّة فيما بين المقدّم و التالي، على حدّ ما في قولك: «إن كنت محدثا فصلاتك ليست بصحيحة».

و كلّ من هذين المعنيين و إن كان معنى مجازيّا للقضيّة- حسبما تقرّر في الاصول- إلّا أنّ المتعيّن منهما بعنوان القطع و اليقين هو المعنى الثاني، بقرينة ما قرّرناه من عدم إمكان فرض الكرّيّة شرطا، و معه يثبت المفهوم و هو الانتفاء مع الانتفاء، و إن لم يكن من باب مفهوم الشرط في الاصطلاح، و هو كاف في تماميّة الاستدلال و ثبوت المطلب جدّا.

ثمّ إنّه أورد على روايات الباب بوجوه:

منها: ما يرد على ما اشتمل منها على الأمر بالغسل أو الصبّ أو الإراقة و النهي عن الشرب أو التوضّي أو الاغتسال، من أنّ الاستدلال بأمثال ذلك إنّما تصحّ إذا كان الأمر و النهي حقيقة في الوجوب و التحريم و هو في حيّز المنع، و لو سلّم فيشكل التعلّق بهما في الحمل على الوجوب و التحريم، لشيوع استعمالهما في كلام الأئمّة في الندب و الكراهة، بحيث صارا من المجازات الراجحة المساوي احتمالها في اللفظ لاحتمال الحقيقة، كما صرّح به صاحب المعالم (1) و تبعه غيره.

____________

(1) معالم الاصول: 48.

195

و منها: ما يرد على ما علّق فيه الحكم على نظافة اليد من باب مفهوم الشرط، من أنّ طهارة اليد إنّما جعلت شرطا لوجوب الاستعمال، لمكان الأمر الّذي هو حقيقة في الوجوب، و اللازم منه انتفاء الوجوب بانتفائه لا انتفاء الجواز.

و منها: ما يريد على ما اشتمل من الروايات على نفي البأس معلّقا على ما ذكر فيها من الشروط، من أنّ نفي البأس نفي للحرمة و الكراهة معا، فثبوته يقتضي ثبوت أحدهما فلا يتعيّن ثبوت الحرمة، إذ العامّ لا يدلّ على الخاصّ.

و منها: ما يرد على ما يكون دلالته من باب المفهوم، من منع حجّيّة المفهوم.

و منها: ما يرد على ما اشتمل منها على لفظة «النجاسة»، من منع كونها في عرفهم بالمعنى المصطلح عليه الآن، لجواز كونها بمعنى الاستقذار و الاستكراه، و حينئذ لا تثبت نجاسة القليل بالمعنى المصطلح الّذي هو المتنازع فيه، بل إنّما ثبت استقذارها، و غاية ما يلزم كراهة استعماله بعد ملاقاة النجاسة و لا نزاع فيه، سلّمنا كونها في عرفهم لهذا المعنى غير أنّها يعارضها عمومات دالّة على عدم نجاسة الماء ما لم يتغيّر- كما سيأتي في حجّة القول بعدم التنجيس- و لا نسلّم أنّ تخصيص العمومات بها أولى من حملها على المجاز، بل الرجحان مع الثاني بملاحظة الأصل و الاستصحاب و العمومات المتقدّمة الدالّة على طهارة الماء ما لم يعلم أنّه قذر.

و منها: ما ورد على ما اشتمل منها على عبارة «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» من حيث إنّ مفهومه «إذا لم يكن الماء قدر كرّ ينجّسه شيء»، و هو لا يدلّ على الكليّة المدّعاة من انفعال كلّ ماء بكلّ نجاسة، نظرا إلى أنّ «شيئا» في قضيّة المفهوم نكرة في سياق الإثبات، فلا يفيد العموم.

و الجواب عن الأوّل، أوّلا: بأنّ المحقّق في محلّه المدلول عليه بالقاطع كون الأمر حقيقة في الوجوب و النهي حقيقة في التحريم، و تفصيل ذلك في محلّه.

و ثانيا: بأنّ المطلب غير مبتن ثبوته على كون المراد بهما الوجوب و التحريم، لما عرفت من قيام القرينة العرفيّة على إرادة الإرشاد، و هو و إن كان معنى مجازيّا، غير أنّ المصير إليه واجب مع القرينة، فلا يضرّ فيه عدم كونهما حقيقة في الوجوب و التحريم، و لا كونهما من المجازات الراجحة في الندب و الكراهة، لو سلّمنا أصل هذه الدعوى

196

و أغمضنا عمّا أوردناه في دفعها و إبطالها في محلّه.

و بالجملة: فكلّ من هاتين المناقشتين ممّا لا وقع له في خصوص المقام، بعد ملاحظة ما قرّرناه في توجيه الاستدلال.

و عن الثاني: بمنع كون المعلّق على وصف الطهارة وجوب الاستعمال- بناء على ما قرّرناه من عدم كون أمثال هذه الأوامر مرادا منها الوجوب- بل المراد منها الإرشاد إلى الطهارة و تعريفها، و إن كان المستعمل فيه هو تجويز الاستعمال، فيكون المعلّق على الوصف المذكور هو الأمر بهذا المعنى، و اللازم من ذلك انتفاء الجواز عند انتفائه، و يكون ذلك إرشاد إلى النجاسة بالملاقاة و تعريفها و هو المطلوب.

و عن الثالث: بمنع إطلاق القول بكون نفي البأس مرادا منه نفي الحرمة و الكراهة، بل يختلف مفاده في استعمالات الشارع بحسب اختلاف الموارد حسبما يشهد به الانسباق العرفي المقرون بقرينة المقام، فيراد به في موضع توهّم الحرمة نفي الحرمة، و في موضع توهّم الكراهة نفي الكراهة، و في موضع توهّم فساد المعاملة نفي جهة الفساد، و في موضع توهّم بطلان العبادة نفي الجهة المقتضية له، و في موضع توهّم النجاسة نفي النجاسة، و إنّما يعلم ذلك الاختلاف بملاحظة الأسئلة الواردة في الروايات، فإنّ كلّ سؤال يرد في موضع توهّم شيء ممّا ذكر و يرد الجواب على طبقه، فيراد من نفي البأس حينئذ نفي ما توهّمه السائل ليكون الجواب مطابقا للسؤال، و لا ريب أنّ الظاهر من الأسئلة الواردة في باب المياه كونها في موضع توهّم النجاسة، فيكون نفي البأس الوارد في أجوبتها مرادا به نفي النجاسة، و قضيّة ذلك كون المراد بالبأس في جانب المفهوم إثبات النجاسة و هو المطلوب.

و عن الرابع: بالمنع عن دعوى عدم حجّيّة المفهوم، بل المحقّق الثابت في محلّه هو الحجّيّة، غير أنّه قد عرفت في المقام عدم إمكان المصير إلى المعنى الحقيقي لقيام صارف عنه، و لكنّه لا يقدح في نهوض الدلالة من جهة اخرى على المطلوب و إن كانت مجازيّة، و هي مع قيام القرينة القاضية بالتعيين ممّا يجب المصير إليها، و قد تبيّن القرينة الّتي مفادها مطابق لمفاد المعنى الحقيقي بالقياس إلى أصل المطلب.

و عن الخامس: فعن وجهه الأوّل: بمنع ابتناء ثبوت المطلب على ثبوت الحقيقة

197

الشرعيّة في تلك اللفظة، بل نقول: بأنّ لفظ «النجاسة» كلفظ «الطهارة» باق على معناه الأصلي اللغوي و هو القذارة قبالا للنظافة، غير أنّ المعلوم من طريقة الشارع أنّ مصداق النجاسة بهذا المعنى في نظر الشارع غير ما هو مصداقها في نظر العرف، فإنّهم يروه صفة ظاهريّة يعرض الماء و غيره من الألوان المكروهة و الأرياح المنتنة و الطعوم المستقبحة، و الشارع يراه صفة معنويّة تعرض الماء و غيره و توجب المنع عن الاستعمال، فإذا علمنا من طريقة الشارع، اعتبار هذا المعنى في مصداق النجاسة في سائر الموارد يجب علينا اعتباره في كلّ موضع لم يقم قرينة على خلافه و المقام منه.

هذا مضافا إلى أنّ احتمال الاستقذار و الاستكراه العرفيّين ليس ممّا ينبغي تنزيل كلام الشارع إليه، من حيث إنّ بيان أمثال ذلك ليس من وظيفته، بل اللائق بشأنه و بمنصب الإمامة إنّما هو بيان النجاسة بالمعنى الشرعي.

و دعوى: كون بيان غيره لأجل التنبيه على كراهة الاستعمال، يدفعها: منع الكراهة بمجرّد ملاقاة النجاسة من دون انفعال، لعدم قيام الدلالة عليه شرعا، و مجرّد الاحتمال غير كاف في نهوضها، و لا يعارض الدلالة المعتبرة القائمة بإرادة المعنى الشرعي.

و عن وجهه الثاني: بمنع المعارضة أوّلا، و منع كون الرجحان في جانب المعارض ثانيا، بل الرجحان في جانب روايات الباب لقوّة دلالتها في أنفسها لما فيها من الصراحة و الظهور منطوقا و مفهوما، و اعتضادها بالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، و لا مرجّح في جانب المعارض، لكون الأصل و الاستصحاب غير صالحين للترجيح، كما ذكرناه مرارا و لا منافاة لعموم ما دلّ على طهارة الماء حتّى يعلم أنّه قذر، لدخول المقام في غاية هذا العامّ، بناء على أنّ العلم المأخوذ فيه غاية أعمّ من الشرعي، و الأخبار المقامة على النجاسة علم شرعي.

فيبقى إعراض الأصحاب عن العمل بالأخبار المعارضة مع كثرتها على ما توهّمه الذاهب إليها موهنا فيها، كاشفا عن قصور فيها سندا أو دلالة أو هما معا، و تمام الكلام في منع نهوضها دليلا على عدم الانفعال، يأتي عند ذكر الاحتجاج بها.

و عن السادس: بمنع كون قضيّة المفهوم كما ذكر، بل هو قضيّة معقولة لو عبّر عنها باللفظ لعبّر بقولنا: «إذا لم يكن الماء قدر كرّ ينجّسه كلّ شيء من النجاسات» و تحقيق

198

القول فيه مع الدليل عليه في الاصول، و مجمل ذلك: أنّ مفهوم المخالفة كائنا ما كان يعتبر بينه و بين منطوقه الوحدة و المطابقة من جميع الجهات الّتي منها الكمّ، إلّا جهتي الإيجاب و السلب و موضوعيهما، و كما أنّ في منطوق قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1) عموما من جهات أربع:

الأوّل: في الماء، و الثاني: في الشيء، و هذان عمومان أفراديّان، و المعنى: كلّ فرد من أفراد الماء، و كلّ فرد من أفراد الشيء المنجّس، و الثالث: في قدر الكرّ، و الرابع: في لم ينجّسه، و هذان عمومان أحواليّان، فالأوّل منهما في كيفيّات مقادير الكرّ و محالّ وقوعه و أنحاء شكله، و الثاني في كيفيّات الملاقاة من التساوي و الاختلاف، تسنّما أو انحدارا، و ورود النجاسة على الماء أو ورود الماء على النجاسة، و أمثال ذلك، ممّا يستفاد من النسبة، فكذلك يجب أن يعتبر هذا العموم في جانب المفهوم أيضا من جميع الجهات المذكورة، و لا ينافي العموم من الجهة الأخيرة في المفهوم كون عموم الشيء في جانب المنطوق وضعيّا، لكونه نكرة في سياق النفي، و الوضع منتف عنه في جانب المفهوم، لأنّ انتفاء الوضع لا يوجب انتفاء ما يقوم مقامه، كما في المجازات و غيرها، و قد قامت القرينة العرفيّة بل العقليّة القطعيّة على اعتبار العموم في جانب المفهوم أيضا، غايته أنّه عموم معنويّ حيث لا معبّر له في الكلام، و لعلّه صار منشأ لمزالّ بعض الأقدام، و كأنّه غفلة عن قضيّة السببيّة، أو الملازمة المطلقة الّتي يستحيل معها تحقّق المسبّب بدون السبب، أو اللازم بدون الملزوم، و إلّا لما كان السبب سببا و لا الملزوم ملزوما و قد فرضنا خلاف ذلك.

و من أجل ما ذكر نحكم على من أنكر العموم في مفهوم يكون منطوقه عامّا- و لو من جهة الإطلاق و السكوت عن التقييد في معرض البيان- بأنّ مآله إلى إنكار أصل الحجّيّة، مع أنّه يعدّ نفسه من أهل القول بها، و لا يخفى ما في هاتين الدعويين من التهافت الواضح، و هذا ليس بعادم النظير، بعد ما كان مبناه على الغفلة عن حقيقة الحال، و اللّه العالم في جميع الأحوال.

و بقي الكلام في حجّة القول بعدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة

[استدلال العلامة في عدم الانفعال بالرواية التي وردت عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) «أنّ الماء طاهر لا ينجّسه إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته»]

، و قد احتجّ العلّامة

____________

(1) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

199

له في المختلف، بل حكى عن ابن أبي عقيل الاحتجاج بأنّه: «قد تواتر عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) «أنّ الماء طاهر لا ينجّسه إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو رائحته»، و لأنّه سئل (عليه السلام) عن الماء النقيع و الغدير و أشباههما، فيه الجيف و القذر، و ولوغ الكلاب و يشرب منه الدوابّ و تبول فيه أ يتوضّأ منه؟ فقال: لسائله: «إن كان ما فيه من النجاسة غالبا على الماء فلا تتوضّأ منه، و إن كان الماء غالبا على النجاسة فتوضّأ منه و اغتسل» (1).

و روي عنه (عليه السلام) في طريق مكّة أنّ بعض مواليه استقى له من بئر دلوا من ماء فخرج فيه فأرتان، فقال: «أرقه»، فاستقى آخر فخرج فيه فأرة فقال: «أرقه ثمّ استقى دلوا آخر فلم يخرج فيه شيء فقال له: صبّه في الإناء فتوضّأ و اغتسل منه و شرب» (2).

و سئل الباقر (عليه السلام) عن القربة، و الجرّة من الماء سقط فيهما فأرة أو جرذ أو غيره فيموتون فيها، فقال (عليه السلام): «إذا غلب رائحته على طعم الماء أو لونه فأرقه، و إن لم يغلب عليه فاشرب منه و توضّأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة» (3).

و ذكر بعض علماء الشيعة: أنّه كان بالمدينة رجل يدخل إلى أبي جعفر محمّد ابن عليّ (عليهما السلام)، و كان في طريقه ماء فيه العذرة و الجيفة و كان يأمر الغلام يحمل كوزا من ماء يغسل رجليه إذا خاضه فأبصرني يوما أبو جعفر (عليه السلام) فقال: «إنّ هذا لا يصيب شيئا إلّا طهّره فلا تعد منه غسلا» (4).

و هذه الأحاديث عامّة في القليل و الكثير، و الأخبار الدالّة على الكثير مقيّدة، و لا يجوز أن يكونا في وقت واحد للتنافي بينهما، بل أحدهما سابق، فالمتأخّر يكون ناسخا و المتأخّر هنا مجهول، فلا يجوز العمل بأحد الخبرين دون الآخر، و يبقى التعويل على الكتاب الدالّ على طهارة الماء مطلقا، و أيضا ليس القول بنجاسة الماء الطاهر بمخالطته للنجاسة بأولى من القول بطهارة النجس لملاقاته الماء الطاهر، مع أنّ اللّه تعالى جعل الماء مزيلا للنجاسة» (5).

____________

(1) التهذيب 1: 40 و 41 ح 111 و 112 نقلا بالمعنى.

(2) التهذيب 1: 239- 240 ح 24 مع اختلاف يسير.

(3) الوسائل 1: 139 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 8 نقلا بالمعنى.

(4) راجع المختلف 1: 178.

(5) مختلف الشيعة 1: 177.

200

و الجواب عن ذلك: بمنع الصغرى و الكبرى معا.

أمّا الأوّل: فلأنّ التنافي الّذي بينهما على تقدير كونهما في وقت واحد، إن اريد به ما يكون كذلك في الظاهر و الواقع فالملازمة ممنوعة؛ ضرورة: أنّ العامّ إنّما يقتضي العموم معلّقا على عدم ورود ما يكشف عن عدم اعتبار المتكلّم لعمومه و هو الخاصّ، و معه لا اقتضاء فيه للعموم واقعا، فلا تنافي بينه و بين الخاصّ المخالف له واقعا، كما يشهد به العرف و الاعتبار من غير فرق في ذلك بين ورودهما في وقت واحد أو في وقتين مع تأخّر الخاصّ أو تقدّمه- كما قرّر في محلّه- بل الواجب في الجميع حمل العامّ على الخاصّ، و جعل الخاصّ بيانا له و قرينة كاشفة عمّا أراده المتكلّم منه.

و إن اريد به ما يكون كذلك في الظاهر فقط فهو غير قادح في الحمل بل شرطه المحقّق له، و لا يقتضي العدول منه إلى النسخ ليعتبر فيه العلم بالتاريخ و تأخّر الناسخ عن المنسوخ، كيف و لو صلح ذلك مانعا لجرى في احتمال النسخ أيضا، و لكن بالنسبة إلى الأزمان من حيث إنّ الناسخ في الحقيقة بيان لانتهاء الحكم، و قد اقتضى دليل الأصل بظاهر إطلاقه أو عمومه دوامه و استمراره، كما هو من شرائط النسخ المقرّرة في محلّه.

و أمّا الثاني: فلأنّ النسخ بعد انقطاع الوحي ممّا لا معنى له، و مع الغضّ عن ذلك فانقطاع اليد عن التعويل على أحد الخبرين- لعدم إمكان معرفة الناسخ من المنسوخ- موجب لانقطاع اليد عن عموم الكتاب أيضا، بناء على ما عليه بعض المحقّقين من جواز نسخ الكتاب بخبر الواحد، فإذا احتمل عمومات الأخبار لكونها منسوخة بمقيّد أخبار الكرّ كان ذلك الاحتمال قائما في الكتاب الدالّ على طهارة الماء مطلقا، بل لا يعقل فيه البقاء على العموم مع كون ذلك الحكم في الواقع منسوخا، و قضيّة ذلك عدم جواز التعويل على الكتاب أيضا، بل قضيّة إناطة التوقّف بالنسبة إلى النوعين من الأخبار بالجهل بالمتأخّر أن لا يتوقّف في منسوخيّة الكتاب؛ لتأخّر الخبر المقيّد عنه لا محالة، و معه يتعيّن عمومات الأخبار؛ لكونها منسوخة حذرا عن تعدّد النسخ كما لا يخفى، و قضيّة ذلك تعيّن العمل على المقيّد و هو المطلوب.

و أمّا ما ذكره في العلاوة، ففيه: أنّ المصير إلى نجاسة الماء الطاهر بمخالطته للنجاسة ليس لمجرّد التشهّي و هوى النفس، ليتوجّه إليه منع كونه أولى من المصير إلى طهارة

201

النجس لملاقاة الماء الطاهر، بل هو من جهة دلالة الشرع عليه بأنحائها المختلفة من الصراحة و الظهور، منطوقا و مفهوما و سياقا و نحو ذلك، و عليه يكون ذلك هو الباعث على الأولويّة، و ليس مثله موجودا في جانب العكس؛ لاعتراف الخصم بأنّ كلّ ما فيه من الأخبار لا يكون إلّا عمومات أو مطلقات، و لا ريب أنّ الاولى قابلة للتخصيص و الثانية للتقييد.

و أمّا ما في العلاوة الاخرى: من أنّ اللّه تعالى جعل الماء مزيلا للنجاسة، إن اريد به ما هو الحال في غسل الثياب و غيرها من المتنجّسات القابلة للتطهير، ففيه: أنّه حكم خاصّ تعبّدي أثبته الدليل في مورده الخاصّ به فلا يقاس عليه غيره، ما لم يكن هناك مناط معلوم أو أولويّة قطعيّة أو عرفيّة، و إن اريد به ما يكون كذلك مطلقا حتّى بالقياس إلى المتنازع فيه فهو أوّل المسألة كما لا يخفى، فيكون التعويل عليه مصادرة بيّنة.

[قول المحدث الكاشاني و رده]

و عن المحدّث الكاشاني الذاهب إلى عدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة الاحتجاج بوجوه:

أوّلها: ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: قال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم): «الماء يطهّر و لا يطهّر»

(1). حيث قال- في الوافي في شرح الحديث-: «إنّما لا يطهّر لأنّه إن غلب على النجاسة حتّى استهلكت فيه طهّرها و لم ينجّس حتّى يحتاج إلى التطهير، و إن غلبت عليه النجاسة حتّى استهلك فيها صار في حكم تلك النجاسة و لم يقبل التطهير إلّا بالاستهلاك في الماء الطاهر، و حينئذ لم يبق منه شيء» (2) انتهى.

و محصّل الاحتجاج: أنّ النفي في السالبة إنّما هو من جهة انتفاء الموضوع، و ذلك من جهة أنّ الماء إمّا يستهلك فلا ماء، أو يوجب الاستهلاك فلا ينجّس، فليس له حالة يكون فيها باقيا على صدق اسم المائيّة عليه و هو نجس، حتّى يحتاج إلى تطهير يصدق عليه أنّه تطهير للماء، و هذا المعنى ممّا يستفاد من النفي فيكون دليلا على أنّ الماء بما هو ماء لا ينجّس.

و فيه: مع تطرّق القدح في السند كما لا يخفى، منع دلالته على ما ذكر، كيف و أنّه

____________

(1) الوسائل 1: 135- 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 7- 6- الكافي 3: 1/ 1- التهذيب 1: 215/ 618- المحاسن: 57/ 4.

(2) الوافي 6: 18.

202

يفضي إلى إنكار تنجّسه بالتغيّر أيضا، و دعوى: أنّ التغيّر ممّا لا يتأتّى إلّا باستهلاك الماء في النجاسة، يدفعها: البداهة القاضية بأنّ الاستهلاك موضوع آخر مغاير لموضوع التغيّر، فهو حال التغيّر ماء و نجس فيحتاج إلى التطهير، فحمل الرواية على المعنى المذكور إخراج لها إلى الكذب، مع أنّه قد سبق منّا (1) في معنى الرواية محامل كثيرة ظاهرة لا معنى معها لتكلّف الحمل على المعنى المذكور، و لو سلّم عدم ظهورها فلا يسلّم ظهور هذا المعنى أيضا، و معه يكون الرواية سبيلها سبيل المجملات فيخرج به عن عداد ما يعتبر في الاستدلالات.

و ثانيها: أنّه لو كان معيار نجاسة الماء و طهارته نقصانه عن الكرّ و بلوغه إليه، لما جاز إزالة الخبث بالقليل منه بوجه من الوجوه مع أنّه جائز بالاتّفاق؛

و ذلك لأنّ كلّ جزء من أجزاء الماء الوارد على المحلّ النجس إذا لاقاه كان متنجّسا بالملاقاة، خارجا عن الطهوريّة في أوّل آنات اللقاء، و ما لم يلاقه لم يعقل أن يكون مطهّرا، و الفرق بين وروده على النجاسة و ورودها عليه- مع أنّه مخالف للنصوص- لا يجدي؛ إذ الكلام في ذلك الجزء الملاقي و لزوم تنجّسه، و القدر المستعلي لكونه دون مبلغ الكرّ لا يقوى على أن يعصمه بالاتّصال عن الانفعال، فلو كانت الملاقاة مناط التنجيس لزم تنجّس القدر الملاقي لا محالة فلا يحصل التطهير.

و أمّا ما تكلّفه بعضهم من ارتكاب القول بالانفعال هناك من بعد الانفصال عن محلّ النجاسة فمن أبعد التكلّفات، و من ذا الّذي يرتضي القول بنجاسة الملاقي للنجاسة بعد مفارقته عنها و طهارته- بل طهوريّته- حال ملاقاته لها برطوبة.

و فيه: أنّ الأحكام التعبّديّة الثابتة في الشريعة من جهة الضرورة لا تدفع بالاستبعادات العقليّة، و لا تقابل بالاستغرابات الذوقيّة خصوصا مع ما اشتهر فيما بينهم من أنّ مبنى شرعنا على الجمع بين المختلفات و التفريق بين المتّفقات، مع إمكان أن يقال: بمنع كون استناد الطهارة إلى نفس الماء و أنّه علّة تامّة له، بل التطهّر حقيقة يحصل بإخراج أجزاء النجاسة عن المحلّ أو إخراج أثرها عنه، و لا يتأتّى ذلك إلّا بواسطة الماء؛ حيث إنّه إذا صبّ على المحلّ ما يحيط منه عليه و يستولي على أجزاء النجاسة

____________

(1) تقدّم في الصفحة 50.