ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
203

الواصلة إليه أوجب إخراجه عنه بالعصر، و ما في معناه فيما لا يقبل العصر، خروج أجزاء النجاسة عنه فيطهّر، و لا ينافيه الحكم عليه بكونه مطهّرا، لأنّه هو الموجب لتحقّق ما هو مناط التطهير في الحقيقة.

و ممّا يؤيّد ذلك اعتبار العصر و نحوه في الغسل، و أنّه لو كان المحلّ ممّا يمكن فيه عزل أجزاء النجاسة عنه بغير توسّط ماء كان طاهرا، كما لو كان عينا جامدة و النجاسة عينيّة يمكن إلقاؤها مع ما يكتنفها من المحلّ.

هذا مع ما اجيب عنه بالنقض بأحجار الاستنجاء، فإنّ الأصحاب اوجبوا فيها الطهارة و حكموا بأنّ النجس منها لا يطهّر، مع أنّها تنجّس حال الاستعمال بمجرّد الملاقاة، و لم يقل أحد بكون نجاسة هذه مانعة عن حصول طهارة المحلّ بها، و نحوه الكلام في مسألة تطهير الأرض.

و ثالثها: أنّ اشتراط الكرّ مثار الوسواس، و لأجله شقّ الأمر على الناس،

يعرفه من يجرّبه و يتأمّله، و ممّا لا شكّ فيه أنّ ذلك لو كان شرطا لكان أولى المواضع بتعذّر الطهارة مكّة و المدينة المشرّفتين؛ إذ لا يكثر فيها المياه الجارية و لا الراكد الكثير، و من أوّل عصر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى آخر عصر الصحابة لم ينقل واقعة في الطهارات، و لا سؤال عن كيفيّة حفظ المياه عن النجاسات، و كانت أواني مياههم تتعاطاها الصبيان و الإماء الّذين لا يتحرّزون من النجاسات، بل الكفّار كما هو معلوم لمن تتبّع.

و فيه: أنّ هذا ممّا لا يفهم معناه، فإن اريد به أنّ إناطة حفظ الماء عن الانفعال بالكرّيّة ممّا يوجب الأمرين لما يكثر في المياه من الشكّ في الكرّيّة، ففيه: مع أنّه منقوض بكافّة الموازين الشرعيّة الّتي انيط بها الأحكام الكلّيّة، كإناطة حلّية اللحوم و حرمتها بالتذكية و العدم، و إناطة حلّ الأموال و حرمتها بالملكيّة و العدم، و إناطة الملكيّة بأسبابها المعهودة إلى غير ذلك ممّا لا يحصى عددا، أنّ هذا الشكّ و ما يترتّب عليه من الأمرين بعد تسليم الملازمة يرتفع بملاحظة الضوابط الكلّيّة، و القواعد المقرّرة في الشريعة مرجعا للمكلّف في مظانّ الشكّ و الشبهة من الاصول العمليّة و الاجتهاديّة، فإنّ هذا الشكّ غير خال عن كونه ابتدائيّا أو مسبوقا بمعلوميّة الكرّيّة أو معلوميّة القلّة، و لا إشكال في شيء من الصور.

أمّا الاولى: فلتعيّن الرجوع حينئذ إلى الأصل العامّ المستفاد عن عمومات الطهارة،

204

و خصوص الخبر المستفيض «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (1) كما أسّسناه و شيّدناه، و بالغنا في إحكامه بتتميم الاحتجاج عليه، و على الأخيرتين: يرجع إلى الاستصحاب الجاري فيهما، هذا كلّه لو اريد بالوسواس ما يحصل للمعتدلين من المكلّفين، و أمّا غيرهم فوسواسهم إنّما ينشأ من قبل الشيطان فلا يكون منشأ للأثر.

و إن اريد به أنّ من الأناسي طوائف لا يتمكّنون عن الكرّيّة، و لا ما هو بمنزلتها لعدم وجود المياه الجارية و لا الراكدة الكثيرة عندهم، فيشقّ عليهم الأمر في حفظ المياه القليلة عن الانفعال، و معه يشكل و يعسر عليهم الأمر في سائر معايشهم.

ففيه: بعد تسليم مثل هذا الفرض، إنّا لا نعقل إشكالا و لا عسرا في حفظ المياه حينئذ عن الانفعال، كما أنّهم يحفظون المآكل و الملابس و غيرها عنه، و معه لا مجال للوسواس أصلا، سيّما بعد ملاحظة ما أوسع اللّه عليهم من إناطة النجاسة بالعلم بها و اكتفائه في طهارة كلّ شيء بمجرّد عدم العلم بالقذارة، مع أنّ لزوم محذور في بعض الفروض النادرة لا يقضي بنقض القاعدة الكلّيّة، المنوطة بمصالح عامّة ملحوظة فيها حال الغالب أو الأغلب، و إلّا فكم من هذا القبيل، فيلزم حينئذ هدم جميع القواعد و الضوابط الشرعيّة، مع أنّ ذلك لو صلح نقضا لكان وروده على المستدلّ أوضح، و قضى بعدم اعتبار الكرّيّة بالكلّيّة، و ستعرف عنه فيما يأتي من تأويله لأخبار الكرّ أنّه يعتبرها ميزانا لمعرفة التغيّر و عدمه بالنجاسة المعتادة حيثما لم يكن ظاهرا عند الحسّ.

و أنت خبير: بأنّ ذلك أكثر إثارة للوسواس، و أشدّ مدخليّة في صعوبة الأمر على الناس، لكثرة ما يتّفق لهم من الشكّ في التغيّر عند عدم ظهوره للحسّ، فيكون نتيجة كلامه إنكارا لما ثبت بضرورة من المذهب- بل الدين- نظرا إلى أنّ اعتبار الكثرة في الماء في الجملة ممّا اتّفق عليه الفريقان، غاية الأمر وقوع الخلاف بينهما في تقدير تلك الكثرة، حيث إنّ الأصحاب (رضوان اللّه عليهم) قدّروها بالكرّيّة أخذا برواياتهم المستفيضة، و غيرهم يقدّرونها بطرق اخر ممّا تقدّم إليها الإشارة.

و أمّا ما ذكره في تأييد هذا الكلام: «من أنّه لم ينقل من أوّل عصر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) إلى آخر الصحابة واقعة في الطهارات، و لا سؤال عن كيفيّة حفظ المياه من النجاسات»، فهو

____________

(1) الوسائل 1: 134، ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 216- 621.

205

من أعجب ما يذكر في هذا المقام، كيف و كم من هذا القبيل فيما بين الأحكام الثابتة في الشريعة، و لا سيّما ما اختصّ منها بالفرقة المحقّة، و أيّ ملازمة بين ثبوت حكم كلّي ثمّة و نقل واقعة أو وقائع في مراعاة ذلك الحكم إلينا، فإنّ أمثال هذه الوقائع كثيرا ما لا تنقل اقتناعا ببداهة الحكم فيها، كما أنّها قد لا تنقل لمعاندة المعاندين و مكايدة أعداء الدين، الّذين كان هممهم مصروفة في إخفاء الشريعة المطهّرة، و هدم أساس القوانين النبويّة، كما هو معلوم من طريقتهم في مواضع متكثّرة، مع أنّ العبرة بنقل أصل الحكم بعنوانه الكلّي، و قد نقل بلسان أئمّتنا (سلام اللّه عليهم) الّذي هو لسان النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم)، مع أنّ كلّ واقعة لو فرض نقلها لتطرّق إليها التأويل، كما تطرّق إلى نقل أصل الحكم المتحقّق بما تقدّم من وجوه البيان.

و رابعها: أنّ ما يدلّ على المشهور إنّما يدلّ بالمفهوم، و المفهوم لا يعارض المنطوق و لا الظاهر النصّ،

مع أنّ أقصى ما يدلّ عليه هذا المفهوم و تنجّس ما دون الكرّ بملاقاة شيء ما، لا كلّ نجاسة فيحمل على المستولية جمعا، فيكون المراد ما لم يستول عليه شيء، أي لم يظهر فيه النجاسة، فيكون تحديدا للقدر الّذي لا يتغيّر بها في الأغلب، ثمّ عنه: «أنّه حمل الأخبار المتضمّنة للنهي عن الشرب و الوضوء ممّا لاقته النجاسة على التنزّه و الاستحباب».

[رد المصنف على المحدث الكاشاني]

و لا يخفى ما في كلّ هذه الكلمات، فإنّ دلالة المفهوم من الدلالات المعتبرة في العرف و الشرع، و المناقشة فيها بأنّ أقصاها اقتضاء التنجّس بشيء ما لا كلّ شيء، قد عرفت ما فيها سابقا ممّا بيّنّا إجمالا، و دعوى: أنّ المفهوم لا يعارض المنطوق واضحة الفساد، بعد ملاحظة أنّ المفهوم كثيرا ما يعارض المنطوق و يقدّم عليه، و لا سيّما المقام الّذي وقع فيه التعارض بين ظاهر العامّ و الجملة الشرطيّة، و من المقرّر في محلّه أنّ الجملة الشرطيّة أظهر في اعتبار المفهوم من العامّ في إرادة العموم، فيخصّص به العامّ جدّا.

هذا على فرض تسليم ما ادّعى دلالته على عدم الانفعال عموما، و إلّا فيتّجه المناقشة في أصل الدلالة بالنسبة إلى أكثرها، أو كونها على جهة العموم، فلا منطوق لأكثر تلك الأخبار بحيث يكون منافيا لمفهوم أخبار الانفعال، مع توجّه المنع إلى دعوى انحصار تلك الأخبار في كون دلالتها مفهوميّة؛ لما عرفت من أنّ أكثرها يدلّ

206

على الانفعال منطوقا بعنوان الصراحة أو الظهور، و العذر في توجيه ما اشتمل منها على الأوامر أو النواهي بحملهما على التنزّه و الاستحباب قد عرفت ما فيه، من أنّهما محمولان من جهة قرينة المقام على معنى آخر غير الوجوب و التحريم و الاستحباب و الكراهة و هو الإرشاد، و معه يثبت المطلب.

هذا مع ما في دعوى كون أخبار المقابل دالّة على عدم الانفعال من باب المنطوق على الإطلاق من المنع الواضح، لما سيتّضح من أنّ جملة من ذلك إنّما يدلّ على الحكم مفهوما، و قضيّة ذلك- مضافا إلى ما سبق- مقابلة مناطيق تلك الأخبار لمناطيق أخبار الانفعال و مقابلة مفاهيمها لمفاهيمها، و لا ريب أنّ أخبار الانفعال في مناطيقها و مفاهيمها معا مقدّمة سندا و متنا على ما يقابلها منطوقا و مفهوما.

أمّا تقدّمها سندا: فبحكم أنّ الموهون منها بالضعف و الإرسال يتقوّى بالعمل، فضلا عمّا هو المعتبر منها بالصحّة و الموثّقيّة و الحسن، كما أنّ المعتبر من الطرف المقابل يتوهّن بالإعراض، و يسقط به عن درجة الاعتبار، فكيف بما هو غير معتبر منه في حدّ ذاته.

و أمّا تقدّمها متنا: فبحكم المرجّحات الداخليّة من جهة الدلالة و غيرها، و الخارجيّة باعتبار المضمون و جهة الصدور، و توضيح ذلك يحتاج إلى ذكر تلك الأخبار مفصّلة و التكلّم عليها دلالة و غيرها، فنقول: إنّها تشتمل على طوائف:

الطائفة الاولى: ما يدلّ بمنطوقه على المطلب في الماء و النجاسة بعنوانهما الكلّي كالنبويّ المتقدّم، المدّعى تواتره «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (1) و الخبر المستفيض المرويّ في الكتب الأربعة بطرق متعدّدة «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» (2) و صحيحة محمّد بن حمران و جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- الواردة في باب التيمّم من زيادات التهذيب- أنّهما سألاه عن إمام قوم أصابته في سفر جنابة و ليس معه من الماء ما يكفيه في الغسل أ يتوضّأ و يصلّي بهم؟

قال: «لا و لكن يتيمّم و يصلّي، فإنّ اللّه تعالى جعل التراب طهورا، كما جعل الماء

____________

(1) عوالي اللآلي 3: 9 ح 6.

(2) الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- الكافي 3: 1/ 3 التهذيب 1: 216/ 621.

207

طهورا» (1) و صحيحة داود بن فرقد- في باب استنجاء زيادات التهذيب- المرويّة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم قطرة من البول- إلى قوله (عليه السلام)-:

و جعل لكم الماء طهورا إلخ» (2).

و الجواب عن هذه الجملة تارة على الجملة، و اخرى على التفصيل.

أمّا الأوّل: فأيّ عاقل يرضى بالعمل على تلك الأخبار الّتي هي أعمّ عمومات ما ورد في الماء، و رفع اليد عن أوّل أنواع ما تقدّم من أخبار الانفعال الّذي تضمّن نصوصا صريحة لا سبيل إلى إبداء احتمال الخلاف فيها، و إن اختصّ بموارد خاصّة من النجاسات كالكلب و النبيذ، و هل هذا إلّا الخروج عن جادّة الإنصاف، و التشبّث بذريعة الاعتساف، بل هو في الحقيقة يرجع إلى التعمّد على مخالفة الحجّة، على ما هو دأب أهل الخلاف الملتزمين بإبداء القول على خلاف قول الحجّة.

و أمّا الثاني: فلمنع دلالة أخبار هذه الجملة على خلاف ما يقتضيه أخبار الانفعال، أمّا في الخبرين الأخيرين فلوضوح كون الإطلاق فيهما مسوقا لبيان حكم آخر و هو قيام وصف المطهّريّة بالماء بحسب خلقته الأصليّة، و أمّا عدم قبوله الانفعال لعارض فلا تعرّض فيهما لبيانه أصلا، و لذا نقول: إنّه لا تنافي بينهما و بين أخبار التغيّر الموجب للانفعال، نعم لو ثبت أنّهما يدلّان على أنّ الطبيعة المائيّة علّة تامّة للمطهّريّة اتّجه القول بالدلالة على الحكم المذكور، و لكنّه يدفعه: منع الدلالة أوّلا، بل غاية ما فيه الدلالة على أنّها مقتضية لها فلا ينافيه مجامعة المانع الرافع لما هو مقتضاها، و كونها منقوضة ثانيا بالتغيّر الموجب لزوال الوصف عنه المانع عن حصوله ما دام باقيا، فلو سلّمنا فيها الدلالة ظاهرا فكشف عن خلافها القاطع المثبت للتغيّر عنوانا مقتضيا للتنجّس المنافي للوصف المذكور.

و أمّا في الثاني: فلعدم تعرّض فيه أيضا لبيان حكم الانفعال و عدمه.

و توضيح ذلك: أنّ الطهارة في قوله: «كلّ ماء طاهر» إن اريد بها الحكم الواقعي الإلهي المجعول لطبيعة الماء، أو الثابت فيه بحسب الواقع فهو لا يغيّا بالعلم بالقذارة؛ لأنّها من الأحكام الّتي لا يدخل فيها العلم و الجهل، بل هي ثابتة لموضوعها في نفس

____________

(1) التهذيب 1: 404/ 1264.

(2) التهذيب 1: 356/ 1064.

208

الأمر سواء علم بها أو بخلافها المكلّف أو لم يعلم بهما، فتعليق خلافها على العلم بالقذارة قرينة واضحة على عدم إرادة هذا المعنى جزما، و لو اريد بها إعطاء حكم ظاهري فمن شأنه التعليق على العلم بالخلاف، و هو الظاهر من الخبر فحينئذ يخرج عن إفادة عدم الانفعال رأسا، لكونه في صدد بيان حكم لصورة الاشتباه، و إفادة أنّ النجاسة إنّما يحكم بها مع العلم بها خاصّة، فيكون جاريا مجرى أدلّة البراءة المعلّقة على العلم بالتكليف، و هو ممّا لا دخل فيه لعدم الانفعال بالعارض بحسب الواقع أصلا.

فإن قلت: قضيّة ذلك دخول القليل الملاقي للنجاسة في موضوع هذا الحكم و هو الاشتباه، و معه يحكم عليه بالطهارة و هو المطلوب.

قلت: مع أنّه لا يلائم أصل المسألة المفروضة لمعرفة الحكم الواقعي، يدفعه: أنّه إنّما يتّجه مع عدم قيام ما يرفع الاشتباه في خصوص المورد، و الأخبار المقامة على الانفعال من النصوص و الظواهر رافعة له، و واردة على هذا الخبر باقتضائها الخروج عن الموضوع، فلا معارضة بينه و بينها على ما هو الحال في سائر الأدلّة المعلّقة على الجهل و الاشتباه في مقابلة الاجتهاديّات الواردة عليها.

مع أنّه لو سلّمنا أنّ الخبر ورد في مقام إعطاء الحكم الواقعي، فمفاده لا يزيد على كون الطبيعة المائيّة ملزومة للطهارة من باب المقتضي، و هو لا ينافي مصادفة ما يوجب ارتفاعها كما يرشد إليه تعليق القذارة على العلم بها، و لو لا الماء بطبعه قابلا لعروض النجاسة لعرى ذلك عن الفائدة بالمرّة، و بطل به قاعدة التغيّر القائمة على حكم النجاسة.

فنقول حينئذ: إنّ القذارة المستندة إلى العلم بها لا بدّ لها من مورد و القليل الملاقي للنجاسة منه بحكم الأخبار الواردة فيه، كما أنّ منه المتغيّر بالنجاسة، و لا ينافيه كونها في الخبر معلّقة على العلم، لأنّ الأخبار المذكورة علم شرعي.

لا يقال: إنّ العلم حقيقة في الواقعي، فلا يشمل ما ذكر لكونه معنى مجازيّا للعلم.

لأنّ ذلك إنّما في موضع عدم نهوض ما يصرفه عن ظاهره من القرائن، و لا ريب أنّ أدلّة حجّيّة أخبار الآحاد صارفة له عن ذلك، و حاكمة على هذا الخبر بكشفها عن كون المراد بالعلم ما يعمّ الشرعي، و إلّا أشكل الحال بالقياس إلى التغيّر، حيث إنّ أدلّته ليست إلّا الأخبار، و دعوى: أنّ أخبار التغيّر مفيدة للعلم الواقعي لكثرتها و الإجماع على

209

العمل بها، يعارضها: أنّ أخبار القليل الملاقي أيضا كذلك لكثرتها، و صراحة دلالة جملة منها، و قيام العمل بها مع شذوذ المخالف و ضعف المعارض.

و أمّا في الأوّل: فلأنّ النظر في الاستدلال إن كان إلى إطلاق الماء فهو قابل للتقييد فيقيّد بما دون القليل جمعا، و إن كان إلى عموم النكرة المنفيّة فهي قابلة للتخصيص بمتّصل و منفصل، و كما أنّها مخصّصة بما معها من المتّصل- وفاقا من الخصم- فكذلك تخصّص بالمنفصل جمعا بضرورة من العرف و اللغة، و معه لا يبقى فيه دلالة أصلا.

الطائفة الثانية: روايات وردت في موارد خاصّة من الماء أو النجس أو هما معا تدلّ بمنطوقها أو مفهومها على المطلب عموما، كحسنة محمّد بن ميسّر- المرويّة في الكافي و التهذيب- قال: سألت أبا عبد اللّه عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه، و ليس معه إناء يغترف به، و يداه قذرتان؟ قال: «يضع يده و يتوضّأ و يغتسل، هذا ممّا قال اللّه عزّ و جلّ: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1) (2).

و صحيحة أبي خالد القمّاط، أنّه سمع أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول، في الماء يمرّ به الرجل و هو نقيع فيه الميتة الجيفة، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «إن كان الماء قد تغيّر ريحه أو طعمه فلا تشرب و لا تتوضّأ منه، و إن لم يتغيّر ريحه و طعمه فاشرب و توضّأ» (3).

و رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، إنّه سئل عن الماء النقيح تبول فيه الدوابّ؟ فقال: «إن تغيّر الماء فلا تتوضّأ منه، و إن لم تغيّره أبوالها فتوضّأ منه، و كذلك الدم إذا سال في الماء و أشباهه» (4).

و صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فإذا تغيّر الماء أو تغيّر الطعم فلا توضّأ و لا تشرب» (5).

و موثّقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يمرّ بالماء

____________

(1) الوسائل 1: 152 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 5- الكافي 3: 4/ 2 التهذيب 1: 149/ 425.

(2) الحج: 78.

(3) الوسائل 1: 138 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 40/ 112.

(4) الوسائل 1: 138 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 3- التهذيب 1: 40/ 111- الاستبصار 1: 9/ 9.

(5) الوسائل 1: 139 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 6- التهذيب 1: 216/ 625 و 624.

210

و فيه دابّة ميتة قد أنتنت؟ قال: «إن كان النتن الغالب على الماء فلا تتوضّأ و لا تشرب» (1).

و صحيحة شهاب بن عبد ربّه، قال: أتيت أبا عبد اللّه (عليه السلام) أسأله فابتدأني فقال: «إن شئت يا شهاب فسل، و إن شئت أخبرتك، قال: قلت أخبرني، قال: جئت تسألني عن الغدير يكون في جانبه الجيفة أتوضّأ أو لا؟ قلت: نعم، قال: فتوضّأ من الجانب الآخر إلّا أن يغلب الماء الريح فينتن، و جئت لتسأل عن الماء الراكد من البئر، قال: فما لم يكن فيه تغيّر أو ريح، قلت: فما التغيّر؟ قال (عليه السلام): الصفرة، فتوضّأ منه و كلّما غلب كثرة الماء فهو طاهر» (2).

و صحيحة عبد اللّه بن سنان قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام)- و أنا جالس- عن غدير أتوه و فيه جيفة؟ فقال (عليه السلام): «إذا كان الماء قاهرا و لا يوجد فيه الريح فتوضّأ» (3).

و صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير، يستقى به الماء من البئر، أ يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: «لا بأس» (4).

و صحيحة هشام بن سالم إنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن السطح يبال عليه: فيكفّ فيصيب الثوب؟ فقال: «لا بأس به، ما أصابه من الماء أكثر منه» (5)، بناء على حجّيّة العلّة المنصوصة المقتضية لاطّراد الحكم في جميع موارد جريانها، و اعتبار الأكثريّة في موضع النصّ بالعلّيّة.

و موثّقة سماعة قال: سألته عن الرجل يمرّ بالميتة في الماء؟ قال: «يتوضّأ من الناحية الّتي ليس فيها الميتة» (6).

و موثّقة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّا نسافر فربّما بلينا بالغدير من المطر يكون إلى جانب القرية، فيكون فيه العذرة، و يبول فيه الصبيّ، و تبول فيه الدابّة و تروث؟ فقال: «إن عرض في قلبك شيء فقل هكذا- يعني افرج الماء بيدك- ثمّ توضّأ، فإنّ الدين ليس بمضيّق، و إنّ اللّه تعالى يقول: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ

____________

(1) الوسائل 1: 139 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 6- التهذيب 1: 216/ 625 و 624.

(2) الوسائل 1: 161 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 11- بصائر الدرجات 258/ 13.

(3) الوسائل 1: 141 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 11- الكافي 3: 4/ 4.

(4) الوسائل 1: 170 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 409/

1289.

(5) الوسائل 1: 144 ب 6 من أبواب الماء المطلق ح 1- الفقيه 1: 7/ 4.

(6) الوسائل 1: 144 ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 408/ 1285.

211

حَرَجٍ» (1) (2).

و رواية العلاء بن الفضيل قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض يبال فيها؟ قال:

«لا بأس إذا غلب لون الماء لون البول» (3).

و رواية عليّ بن حمزة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الساكن و الاستنجاء منه؟

قال: «توضّأ من الجانب الأخر، و لا توضّأ من جانب الجيفة» (4).

و رواية عثمان بن زياد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أكون في السفر فآتي الماء النقيع و يدي قذرة فأغمسها في الماء؟ قال: «لا بأس» (5).

و رواية إسماعيل بن مسلم عن جعفر عن أبيه أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) أتى الماء فأتاه أهل الماء، فقالوا: يا رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) إنّ حياضنا هذه تردها السباع و الكلاب و البهائم، قال (صلى الله عليه و آله و سلم):

«لها ما أخذت بأفواهها، و لكم سائر ذلك» (6).

و ما رواه الصدوق مرسلا عن الصادق (عليه السلام) أنّه سئل عن غدير فيه جيفة؟ فقال (عليه السلام):

«إن كان الماء قاهرا لها لا يوجد الريح منه فتوضّأ منه و اغتسل» (7).

و رواية محمّد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لو أنّ ميزابين سالا ميزاب ببول و ميزاب بماء، فاختلطا ثمّ أصابك ما كان به بأس» (8).

و رواية زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت رواية من ماء سقطت فيها فأرة أو جرذ أو صعوة ميتة: قال: «إذا تفسّخت فيها فلا تشرب من مائها و لا تتوضّأ و صبّها، و إن كان غير متفسّخ فاشرب منه و توضّأ و اطرح الميتة إذا أخرجتها طريّة، و كذلك الجرّة، و حبّ الماء، و القربة، و أشباه ذلك من أوعية الماء».

____________

(1) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 14- التهذيب 1: 417/ 1316.

(2) الحج: 78.

(3) الوسائل 1: 139 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 415/ 1311.

(4) الوسائل 1: 162 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 13- التهذيب 1: 408/ 1284.

(5) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 16- التهذيب 1: 39/ 104 و 416/ 1314.

(6) الوسائل 1: 161 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 10- التهذيب 1: 414/ 1307.

(7) الوسائل 1: 141 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 13- الفقيه 1: 12/ 22.

(8) الوسائل 1: 144 ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 6- التهذيب 1: 411/ 1296.

212

قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): «إذا كان الماء أكثر من راوية لم ينجّسه شيء تفسّخ فيه أو لم يتفسّخ إلّا أن يجيء له ريح يغلب على ريح الماء» (1).

و رواية الأحول- المحكيّة عن الصدوق في العلل- قال: دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: سل عمّا شئت فارتجّت عليّ المسائل فقال لي: «سل عمّا بدا لك، فقلت: جعلت فداك الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الّذي استنجى به؟ فقال: لا بأس، فسكت فقال:

أو تدري و لم صار لا بأس به؟ فقلت: لا و اللّه جعلت فداك، فقال: إنّ الماء أكثر من القذر» (2).

بناء على ما تقدّم إليه الإشارة من حجّيّة العلّة المنصوصة المقتضية للعموم.

و الرواية المحكيّة عن كتاب دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنّه قال: «إذا مرّ الجنب في الماء و فيه الجيفة أو الميتة، فإن كان قد تغيّر لذلك طعمه أو ريحه أو لونه فلا يشرب منه، و لا يتوضّأ و لا يتطهّر منه» (3).

و لا يخفى أنّ دفع هذه الأخبار هيّن بعد المراجعة إلى أخبار الانفعال، لكونها عمومات قابلة للتخصيص أو غيره من أنواع التأويل، فلو قابلناها بالنوع الأوّل من أخبار الانفعال فلا ينبغي التأمّل في تعيّن تخصيصها بها، لدلالتها الصريحة على الانفعال فيما دون الكرّ بالخصوص، حيث تضمّنت فضل الكلب كما في خبر الفضل بن أبي العبّاس، أو سؤره كما في خبر معاوية بن شريح، الظاهرين بل الصريحين فيما دون الكرّ، أو حبّ من الماء كما في خبر أبي بصير، نظرا إلى أنّ الحبّ لا يكون إلّا أنّه يسع ما دون الكرّ أو الغالب فيه هو ذلك، و نظيره الكلام فيما لو قابلناها من أخبار النوع الثالث بما تضمّن قوله «إذا كان الماء قدر كرّ ينجّسه شيء» كما في أربعة أو خمسة من أخبار هذا النوع.

و دعوى: أنّ ذلك مفهوم و هو لا يصلح معارضا للمنطوق، قد عرفت ما فيه من صلوحه لذلك، و تقدّمه فيما بين الظواهر على ظاهر العامّ أو المطلق حيثما وردا في كلامين منفصلين، مع اعتضاد المفهوم هنا بوجوه من الخارج كالشهرة العظيمة القريبة من الإجماع، و نقل الإجماعات في حدّ الاستفاضة، الّتي منها: ما في محكيّ الفاضل

____________

(1) الوسائل 1: 139 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 8- التهذيب 1: 412/ 1298.

(2) علل الشرائع 1: 287.

(3) دعائم الإسلام 1: 112.

213

الهندي في شرح القواعد (1) عن الناصريّات (2) و الانتصار (3) و الغنية (4) و الخلاف (5)، و قوّة احتمال التقيّة فيما يقابله من المناطيق لموافقته مذهب أكثر العامّة كما عرفت في صدر المسألة، مع ما عرفت من أنّ جملة من الأخبار المقابلة إنّما تدلّ على مطلب الخصم مفهوما، كما في موثّقة سماعة و رواية دعائم الإسلام، فالمعارضة حينئذ و إن كانت بين المفهومين إلّا أنّ الأوّل يقدّم لكونه خاصّا فيخصّص به الثاني لكونه عامّا كما لا يخفى.

و أمّا لو قابلناها بالنوع الأوّل و البواقي من مفاهيم النوع الثالث، فطريق العلاج من وجوه:

أحدها: أن يقال: إنّ أكثر أخبار هذين النوعين بين صريحة و ظاهرة فيما دون الكرّ، فيخصّص بها ما يعمّه و الكرّ أيضا، و لا يتطرّق إليها المناقشة المذكورة و أمّا المناقشة في دلالة الأوامر و النواهي الواردة فيها قد عرفت ما فيها، مع ما عرفت في طيّ الاستدلال بها من قيام الدلالة بها من غير هذه الجهة، مضافا إلى ما عرفت في جملة منها من الأمر بالتيمّم الّذي لا يصحّ بإجماع الفرقة إلّا مع تعذّر المائيّة عقلا أو شرعا، مع أنّ الأمر بناء على ابتناء تماميّة الدلالة على كونهما مرادا بهما الوجوب و التحريم- كما هو المشهور في وجه الاستدلال، و اعترف به الخصم أيضا- دائر بين المجاز و التخصيص، أو التقييد، و من المقرّر في محلّه أولويّة الأخيرين.

و ثانيها: أن يقال: إنّ النسبة بين الطرفين من الأخبار هو التباين، بناء على الإغماض عمّا قرّرناه في الوجه السابق، فيرجّح أخبار الانفعال، إمّا لأنّها أظهر دلالة- كما يساعد عليه الإنصاف- أو اعتضادها من المرجّحات الخارجيّة بما يكشف عن اعتبار دلالتها من الشهرة و نقل الإجماع و عدم تطرّق احتمال التقيّة أو ضعفه فيها، أو لأنّها لمّا دلّت بعمومها على انفعال الكرّ أيضا بمجرّد الملاقاة فتخصّص بما دونه بالإجماع، و منطوق «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» الوارد في المستفيض من الأخبار، فيرجع التعارض إلى تعارض العامّ و الخاصّ المطلقين، و قضيّة ذلك نهوض تلك الأخبار مخصّصة لأخبار الطرف المقابل، فيحمل الحكم الوارد فيها على الكرّ و يخرج عنها ما دونه.

____________

(1) كشف اللثام 1: 269.

(2) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 134).

(3) الانتصار: 84.

(4) غنية النزوع: (سلسلة الينابيع الفقهيّة 2: 379).

(5) الخلاف 1: 192 ذيل المسألة 147.

214

و ثالثها: أنّه بعد فرض فقد المرجّح و العجز عن الجمع يصير المسألة من باب التعادل، و أقلّ مراتبه البناء على التساقط، أو التوقّف و الرجوع إلى الخارج من أصل و نحوه، و لا ريب أنّ المرجع حينئذ النوع الأوّل من أخبار الانفعال، و القسم الأوّل من مفاهيم أخبار النوع الثالث، لبقائها سليمة عن المعارض.

و ليس لأحد أن يقول: باختصاص بعض الأخبار الدالّة على عدم الانفعال بالقليل، كحسنة محمّد بن ميسّر المشتملة على الماء القليل، لمنع كونه مرادا به ما هو موضوع المسألة، إذ لم يثبت فيه للشارع و لا للأئمّة (عليهم السلام) و لا أهل زمانهم اصطلاح بالقياس إليه في المعنى المعهود عند الفقهاء، فيحمل على ما يساعده عليه العرف فيعمّ الكرّ و ما زاد عليه، و على فرض تسليمه أمكن دعوى ظهوره في الجاري، كما يومئ إليه تمسّكهم في بحث الجاري بتلك الرواية على عدم انفعال القليل منه بالملاقاة، فلو سلّم عدم الظهور فأقلّ المراتب كونه أعمّ من الجاري و الراكد، قابلا للتخصيص بالجاري، فينتهض الأخبار المقامة على الانفعال مخصّصة لها، لظهور أكثرها في قليل الراكد، مع توجّه المنع إلى أصل الدلالة في جملة منها و إمكان القدح فيها، كما في صحيحة زرارة الواردة في الحبل من شعر الخنزير، و صحيحة هشام الواردة في إصابة الثوب ممّا يكفّ عن السطح الّذي يبال عليه، و روايتي العلاء بن الفضيل و إسماعيل بن مسلم الواردتين في الحياض.

أمّا الاولى: فلمنع دلالتها على أنّ الماء الّذي يتوضّأ هو الّذي يستقى بالحبل المفروض، فتكون الرواية من أدلّة عدم انفعال البئر بالملاقاة، و على فرضه فيتّجه المنع إلى كون الماء المستقى ممّا لاقاه ذلك الحبل، أو تقاطر منه فيه شيء، و لعلّ السؤال ورد لاحتمال ذلك فأجاب المعصوم (عليه السلام) بما دلّه على أنّ الاحتمال ممّا لا يوجب المنع، و على فرضه فورودها مورد التقيّة احتمال ظاهر.

و أمّا الأخيرتان فلظهورهما في الكرّيّة، لأنّ الغالب في الحياض الّتي يتّخذها الناس كونها ممّا يسع الكرّ و ما زاد، سيّما في البلاد الّتي ليس عند أهلها مياه جارية و لا غيرها، فإنّ ديدنهم في مثل ذلك اتّخاذ الحياض لحفظ الكرّ، الّذي يرجع إليه في تطهير النجاسات و نحوه.

و أمّا صحيحة هشام فأصل الحكم الوارد فيها ممّا لا إشكال فيه، بل هو في مورد

215

هو خارج عن المتنازع، لظهور السياق و كيفيّة السؤال في نزول المطهر و هو مطهّر غير منفعل و لو قليلا، و أمّا التعليل الّذي هو محلّ الاستدلال فالإنصاف إنّا لا نفهم معناه، و نظيره الكلام في رواية الأحوال الواردة في الاستنجاء، فإنّ أصل الحكم فيها ممّا لا إشكال فيه، لكون ماء الاستنجاء من مستثنيات القاعدة، و تعليله بأكثريّة الماء من القذر غير مفهوم المعنى، و لعلّ المراد بها فيهما الأكثريّة المعنويّة أي الزيادة في القوّة العاصمة، أو أنّها حكم مخصوص بالمورد كما قيل به في المطر، و سيلحقك زيادة بيان و توضيح لذلك في بحث الغسالة، عند دفع الاحتجاج بتلك الرواية على طهارة الغسالة، و كيف كان فلو استفدنا منه شيئا ظاهرا فنحن نقول به حيث عاضده العمل، و إلّا لا ينفكّ عن الوهن المانع عن العمل.

الطائفة الثانية: روايات وردت في موارد خاصّة بين ظاهرة في المطلب خصوصا، و غير دالّة عليه نفيا و إثباتا، و ظاهرة في خلافه عند التحقيق في ثالثة.

منها: صحيحة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الوضوء ممّا ولغ الكلب فيه و السنّور أو شرب منه جمل أو دابّة أو غير ذلك، أ يتوضّأ منه أو يغتسل؟ قال (عليه السلام):

«نعم إلّا أن تجد غيره فتنزّه عنه» (1).

و فيه: أنّ التفصيل في التنزّه و عدمه بين وجدان الغير و عدمه، و إن كان لا يلائم الانفعال، و يقتضي كون الأمر بالتنزّه استحبابيّا مقتضيا لكراهة التوضّي و لكنّه لا يلائم تشريك الجمل و الدابّة مطلقا بل السنّور في التنزّه أيضا، و لو فرضناه مستحبّا ملازما لكراهة خلافه فالرواية بعضها يعارض بعضا، فيضطرب معه الدلالة و اعتبارها، فتسقط عن صلاحية المعارضة لنصوص الانفعال و ظواهره.

و بالجملة: فلو أخذنا منها بحكم الجواز المعلّق على عدم وجدان المقتضي للطهارة، كانت معارضة بموثّقة أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال فيها: «و لا يشرب سؤر الكلب إلّا أن يكون حوضا كبيرا يستقى منه» (2).

و من هنا حملها الشيخ في التهذيب (3) على ما بلغ الكرّ جمعا، و لو أخذنا منها

____________

(1) الوسائل 1: 228 ب 2 من أبواب الأسآر ح 6- التهذيب 1: 226/ 649.

(2) الوسائل 1: 226 ب 1 من أبواب الأسآر ح 7- التهذيب 1: 226/ 650.

(3) التهذيب 1: 226/ 649 حيث قال في ذيل الخبر: «فليس في هذا الخبر رخصة فيما ولغ-

216

بالأمر بالتنزّه المعلّق بوجدان الغير سواء كان إيجابيّا أو ندبيّا، كانت معارضة بما ورد من الروايات في فضل السنّور و سؤر الدوابّ و الغنم دالّا على عدم المنع بل المرجوحيّة أيضا (1)، مع ما فيها من عدم صلوحها لمعارضة ما سبق من الصحاح، و غيرها المعتضدة بالعمل و غيره، مع ما قيل فيها- كما عن المصابيح (2)- من المناقشة في سندها من حيث اشتماله على محمّد بن سنان الّذي ضعّفه الأكثر، مع تصريح علماء الرجال بأنّ عبد اللّه بن مسكان لم يرو عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إلّا حديث «من أدرك المشعر فقد أدرك الحجّ» (3) فتكون الرواية مرسلة، و لا جابر لها في إرسالها، فيكون عدم صلوحها للمعارضة أوضح.

و منها: صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير تجتمع فيه ماء السماء، و يستقى فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو يغتسل فيه الجنب، ما حدّه الّذي لا يجوز؟ قال: «فكتب: لا تتوضّأ من مثل هذا إلّا من ضرورة إليه» (4).

و فيه: مع ما فيها من الإضمار الموجب لإجمال الضمير، لتردّده بين كونه للمسئول أو المكتوب إليه السائل، مع تردّد المسئول بين الحجّة و غيره، أنّه استدلال بما هو خارج عن المتنازع، لما يأتي من استثناء ماء الاستنجاء من قاعدة الانفعال، فالسؤال إنّما وقع عن جواز التطهير بمثله، و بما يغتسل فيه الجنب و الجواب مطابق له، و لا منافاة في المنع عن التطهير بما لا يكون نجسا تعبّدا من الشارع، مع إمكان حمل الضرورة على التقيّة، و احتماله احتمالا غير خفيّ فلا ينافي التفصيل بينها و بين غيرها للانفعال لو قلنا به في ماء الاستنجاء.

و منها: صحيحة عليّ بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: و سأله عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال (عليه السلام): «لا، إلّا أن يضطرّ إليه» (5).

و فيه: أنّه على القول بنجاسة أهل الكتاب كان حملها على التقيّة احتمالا ظاهرا،

____________

- فيه الكلب، لأنّ المراد به إذا زاد على الكرّ الّذي لا يقبل النجاسة» الخ.

(1) راجع الوسائل 1: 227 أحاديث ب 2 من أبواب الأسآر ح و أيضا أحاديث ب 5 من تلك الأبواب.

(2) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة 33.

(3) الوسائل 14: 41 ب 23 من أبواب الوقوف بالمشعر ح 13- 14.

(4) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 15- التهذيب 1: 150/ 427.

(5) الوسائل 3: 421 ب 14 من أبواب النجاسات ح 9- التهذيب 1: 223/ 640.

217

كما يرشد إليه التفصيل بين الاضطرار و غيره، بناء على إرادة التقيّة منه بقرينة أنّه لولاه مع فرض عدم الانفعال لما كان لمنعه عن التوضّي في صورة عدم الاضطرار وجه، سواء كان تحريميّا أو تنزيهيّا كما لا يخفى.

و على القول بطهارتهم كانت الرواية من أدلّته فكانت خارجة عن المتنازع.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول؟ قال (عليه السلام): «اغسله في المركن مرّتين، فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة» (1)، و «المركن» على ما عن الجوهري الإجانة الّتي تغسل فيها الثياب.

و فيه أوّلا: منع تعرّض الرواية لبيان حكم الماء من حيث إنّه ينفعل أو لا ينفعل، و إنّما هي مسوقة لبيان حكم البول من حيث الاكتفاء بغسل الثوب عنه مرّة واحدة إذا غسل في الجاري و لزوم التعدّد إذا غسل في غيره، و ذكر «المركن» إنّما هو من باب المثال فتكون حينئذ من أدلّة القول بعدم اشتراط ورود الماء في إزالة النجاسة كما عن جماعة، و لا ينافيه دلالتها التزاما- من باب الإشارة- على عدم الانفعال، لجواز كونه حكما خاصّا بالمورد أثبته الشارع تعبّدا، فتكون من أدلّة القول بعدم نجاسة الغسالة كما عليه غير واحد.

مع اتّجاه المنع إلى الدلالة على ذلك رأسا، لجواز انفعاله و طهر المغسول بالانفصال على ما وجّهناه سابقا، مع ورود النقض بذلك في كافّة أنواع إزالة الخبث إذا كانت بالقليل، فلو لا الحكم تعبّديّا- على القول بانفعال القليل بالملاقاة- لشقّ الأمر على العباد في تطهير المتنجّسات، مع إمكان القول بأنّ أقصاها الدلالة على أنّ ملاقاة المتنجّس لا توجب الانفعال، و لعلّ القائل بانفعاله بالنجاسة لا يقول به في المتنجّس، و على فرضه يكون الدليل أخصّ من المدّعى.

و ثانيا: أنّها لا تقاوم ما قدّمناه من النصوص و الظواهر المعتبرة المعتضدة بأنواع المرجّحات.

و منها: الرواية المرويّة عن الفقيه عن الصادق (عليه السلام) عن جلود الميتة، يجعل فيها اللبن و الماء و السمن ما ترى فيه؟ فقال: «لا بأس بأن تجعل فيها ما شئت من ماء أو لبن أو

____________

(1) الوسائل 3: 397 ب 2 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 250/ 717.

218

سمن، و توضّأ منه و تشرب، و لكن لا تشرب فيها» (1).

و فيه:- بعد عدم مقاومتها لما تقدّم- ما لا يخفى من أمارات الكذب و التقيّة، فإنّها مبنيّة على ما صارت إليه العامّة من طهر جلود الميتة بالدباغ، فتكون خارجة مخرج التقيّة، كما يشهد به السياق الجامع للماء و اللبن و السمن، مع أنّه لا خلاف في انفعال غير الماء بالنجاسة.

و منها: رواية عليّ بن جعفر عن أخيه أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف فامتخط، فصار بعض ذلك الدم قطعا صغارا، فأصاب إناءه هل يصلح له الوضوء منه؟

فقال (عليه السلام): «إن لم يكن شيء يستبين فلا بأس، و إن كان شيئا بيّنا فلا يتوضّأ منه» (2).

و فيه: مع أنّ النهي في الشقّ الثاني ممّا يكشف عن الانفعال فتكون من أدلّة القول به في الجملة، منع الدلالة على المطلب لما قدّمناه في بحث التغيّر من أنّ أقصى ما فيه الدلالة على إصابة الدم الإناء و هو غير إصابته الماء، و لعلّ السؤال وارد لاستعلام أنّ ذلك هل يصلح أمارة على إصابته الماء فيترتّب عليها الحكم عليه بالانفعال المانع عن الوضوء؟ فخرج الجواب مخرج التفصيل الموافق لمفاد قولهم: «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (3)، فالاستبانة و عدمها كنايتان عن العلم بالإصابة و عدمه، و يعطيان إناطة الحكم بالنجاسة بالعلم دون غيره.

و ممّا يفصح عن ذلك ورود السؤال بعد ذلك عن صورة العلم بالإصابة بقوله:

و سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ، فقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال:

«لا»، و على فرض تسليم الدلالة ينهض دليلا على ما فصّله الشيخ لا على عدم الانفعال مطلقا، و مع الغضّ عن جميع ذلك فعدم مقاومته لما تقدّم كما سبق.

و منها: مرسلة ابن أبي عمير عمّن رواه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في عجين عجن و خبز، ثمّ علم أنّ الماء كانت فيه ميتة؟ قال: «لا بأس، أكلت النار ما فيه» (4)؛ فإنّ السؤال بإطلاقه يتناول القليل الراكد أيضا، و إطلاق نفي البأس يدلّ على عدم انفعاله، و لا ينافيه

____________

(1) الوسائل 3: 463 ب 35 من أبواب النجاسات ح 5- الفقيه 1: 9/ 15 و فيه: «و لكن لا تصلّي فيها».

(2) الوسائل 1: 150 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1- الكافي 3: 74/ 16- التهذيب 1: 412/ 1299.

(3) الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5.

(4) الوسائل 1: 175 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 18- التهذيب 1: 414/ 1304.

219

التعليل بقوله: «أكلت النار ما فيه» لعدم تحقّق الاستحالة، و قد قام الإجماع على أنّ النار (1) إنّما تطهّر ما أحالته دون غيره، فكان ذلك دفعا للاستخباث و الاستقذار.

و فيه أوّلا: احتمال ابتناء الجواب على إبداء احتمال كون وقوع الميتة في الماء الّذي أخذ منه للعجين مسبوقا بالأخذ، و ثانيا: صلوح إطلاقه للتقييد، و ثالثا: وروده في مقام ضرب من التقيّة، و رابعا: عدم صلوحه لمعارضة ما تقدّم.

و منها: رواية عليّ بن أبي حمزة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الماء الساكن و الاستنجاء منه؟ فقال (عليه السلام): «توضّأ من الجانب الآخر، و لا توضّأ من جانب الجيفة» (2)، و رواها الصدوق أيضا مرسلة (3).

و فيه: أنّ طريق الجواب يقضي بكون الماء المسئول عنه بمحضر من الإمام و مرئى منه، حيث إنّه تعرّض لذكر الجيفة و فصّل بين جانبي الماء و هي غير مذكورة في السؤال، و قضيّة ذلك أن لا يكون للماء المسئول عنه إطلاق يصلح للاستناد إليه؛ لقوّة احتمال كونه كرّا و ما زاد، و قد علم به الإمام بالمشاهدة.

و مع الغضّ عن هذا الاحتمال فليست الرواية إلّا من باب حكايات الأحوال، فترمى بالإجمال و يخرج عن صلاحية الاستدلال، و يجري هذا المجرى في جميع ما ذكرناه موثّقة سماعة قال: سألته عن الرجل يمرّ بالميتة في الماء؟ قال: «يتوضّأ من الناحية الّتي ليس فيها الميتة» (4)، و على الإطلاق فيهما فهو قابل للتقييد بما تقدّم.

و منها: رواية محمّد بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لو أنّ ميزابين سالا، ميزاب ببول و ميزاب بماء، فاختلطا، ثمّ أصابك ما كان به بأس» (5).

و فيه: أنّ ظاهر الرواية ورودها في ماء المطر و هو خارج عن المتنازع، و لو كان فيها إطلاق بالقياس إلى حال التقاطر و عدمها فليحمل عليها جمعا، مع ما فيها من قصور السند و عدم صلاحية المعارضة لما سبق.

____________

(1) و في الأصل: «الماء» و الصواب ما أثبتناه في المتن.

(2) الوسائل 1: 162 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 13- التهذيب 1: 408/ 1284.

(3) الفقيه 1: 12/ 21.

(4) الوسائل 1: 144 ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 4/ 1258.

(5) الوسائل 1: 144 ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 6- الكافي 3: 12/ 2- التهذيب 1: 411/ 1296.

220

و منها: رواية زرارة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن جلد الخنزير يجعل دلوا يستقى به الماء؟ قال: «لا بأس» (1).

و فيه: مع احتمال ورودها تقيّة احتمالا ظاهرا، إمكان حملها على ما ليس من الاستعمالات [المشروطة] بالطهارة كسقي الدوابّ و البساتين و المزارع، أو ورودها استعلاما لحكم البئر فتكون من أدلّة عدم انفعالها، و هي موضوع آخر خارج عن المتنازع، و مع الغضّ عن جميع ذلك فغير صالحة للمعارضة.

و منها: رواية أبي مريم الأنصاري، قال: «كنت مع أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حائط فحضرت الصلاة فنزح دلوا للوضوء من ركيّ له، فخرج عليه قطعة عذرة يابسة فأكفأ (2) رأسه و توضّأ بالباقي» (3).

و اجيب عنها أوّلا: بقصور السند، لجهالة «عبد الرحمن»، و اشتراك «بشير» بين مجاهيل، و ثانيا: بقصورها دلالة لعدم ظهورها في وصول العذرة إلى الماء، لعود الضمير إلى الدلو، و لا يمتنع استقرار العذرة عليه من دون أن تصل إلى الماء، فأكفأ رأسه لسقوط العذرة و غسل محلّها، كما يشعر به الحكم عليها باليبوسة، إذ لو كانت في الماء لما بقيت يابسة، مع احتمال كون المراد بالعذرة السرقين كما حكي احتماله عن المصابيح قائلا: «بأنّ ما ادّعاه بعض الفضلاء من اختصاصها لغة و عرفا بفضلة الإنسان استنادا إلى ما يظهر من كلام الهروي، حيث قال: إنّ العذرة في أصل اللغة فناء الدار، و سمّيت عذرة الإنسان بهذه لأنّها كانت تلقى في الأفنية فكنّي عنها باسم الفناء، فيتوجّه عليه: أنّ المفهوم من الصحاح و القاموس أنّها أعمّ منها، حيث فسّر الخرء فيهما بالعذرة، و لا ريب أنّه أعمّ» (4).

و يرشد إليه صحيحة ابن بزيع قال: كتبت إلى رجل أسأله أن يسأل أبا الحسن (عليه السلام) عن البئر يسقط فيها شيء من العذرة كالبعرة و نحوها»، الحديث (5)، و صحيحة عبد الرحمن ابن أبي عبد اللّه قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصلّي و في ثوبه عذرة من إنسان،

____________

(1) الوسائل 1: 175 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 16- الفقيه 1: 9/ 14 التهذيب 1: 413/ 1301.

(2) أكفأ الشيء: أماله (لسان العرب 1: 141).

(3) الوسائل 1: 154 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 12- التهذيب 1: 416/ 1313.

(4) مصابيح الأحكام- كتاب طهارة- (مخطوط) الورقة: 35، 36.

(5) الوسائل 1: 176 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 21- الكافي 3: 5/ 1- التهذيب 1: 244/ 705.

221

أو سنّور أو كلب، الحديث (1).

و قيل: بإمكان حملها على اشتباه الراوي، لجواز عدم كون ما رآه عذرة، و قد توهّم كونه عذرة هذا، مع ما فيها من عدم صلوحها للمعارضة للأخبار المتواترة المانعة عن الوضوء بمثل ذلك.

و منها: رواية عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أغتسل في مغتسل يبال فيه، و يغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ماء ينزو من الأرض؟ فقال: «لا بأس به» (2).

و فيه: منع كون ما وقع في الإناء مرتفعا عن محلّ البول، إذ الرواية تضمّنت كونه ينزو من الأرض و هي أعمّ، فيكون السؤال واردا لاستعلام حال الاشتباه، فأجاب له الإمام (عليه السلام) بما وافق أصل الطهارة الجاري في المياه المشتبهة و كون الأرض من الشبهة المحصورة لا يوجب تنجّس ملاقيها كما هو مقرّر في محلّه، هذا مع عدم صلوحها للمعارضة مع ضعفها ب«المعلّى» سندا.

و منها: رواية الأحول قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أخرج من الخلاء فأستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الّذي استنجيت به؟ قال: «لا بأس به» (3).

و فيه: ما تقدّم من خروج ماء الاستنجاء عن موضوع المسألة.

و منها: مرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: «لا بأس» (4).

و فيه: منع واضح، لعدم تعرّض الرواية لذكر ملاقاة النجاسة، و الغسالة أعمّ منها فلا يبقى إلّا الاحتمال و هو المنشأ للسؤال و مثله من مجرى الأصل و الجواب مطابق له جدّا.

و منها: رواية أبي بكّار بن أبي بكر، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الرجل يضع الكوز الّذي يغرف به من الحبّ في مكان قذر، ثمّ يدخل الحبّ قال: «يصبّ من الماء ثلاثة أكف، ثمّ يدلك الكوز» (5).

____________

(1) الوسائل 3: 475 ب 40 من أبواب النجاسات ح 5.

(2) الوسائل 1: 213 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 7.

(3) الوسائل 1: 221 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 1- الكافي 3: 13/ 5 التهذيب 1: 85/ 223.

(4) التهذيب 1: 379/ 1176.

(5) الوسائل 1: 164 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 17- الكافي 3: 12/ 6.

222

و فيه: أنّها أظهر في الدلالة على خلاف المطلب، نظرا إلى أنّ قوله (عليه السلام): «يصبّ من الماء ثلاثة أكفّ، ثمّ يدلك الكوز» تعليم لكيفيّة تطهير الكوز، فيريد به صبّ ثلاثة أكفّ على الكوز لغسله، و الّذي أمر به عبارة عن غسله، و المراد بقول السائل: «ثمّ يدخل الكوز» إرادة الإدخال لا تحقّقه، و القرينة عليه أنّه لو كان فرض السؤال فيما بعد الإدخال لما كان للدّلك الّذي أمر به فائدة أصلا، و شأن الحكيم أرفع من أن يأمر بما لا فائدة فيه أصلا، و ظنّي أنّ هذا المعنى الّذي استظهرناه واضح لا سترة عليه، و قضيّة ذلك قلب الاستدلال بالرواية، بأنّه لو لا الكوز المفروض موجبا لانفعال ماء الحبّ لما أمر بغسله قبل الإدخال فيه.

و منها: رواية عليّ بن جعفر عن أخيه موسى، قال: و سألته عن جنب أصابت يده من جنابته، فمسحه بخرقة أدخل يده في غسله قبل أن يغسلها هل يجزيه أن يغتسل من ذلك الماء؟ قال: «إن وجد ماء غيره فلا يجزيه أن يغتسل به، و إن لم يجد غيره أجزأه» (1).

و فيه: أنّها لا تلائم القول بالانفعال في شقّها الثاني، فكذلك لا تلائم القول بالعدم، لأنّ لازمه جواز الاغتسال بالماء المفروض و كونه مجزيا عن الفرض، غايته أنّهم يقولون بكراهة استعماله، كما عليه مبنى حملهم النواهي الواردة في المقام عن الاستعمال على الكراهة، و لا ريب أنّ الكراهة لا تؤثّر في عدم الإجزاء، و قد حكم به الإمام (عليه السلام) فالاستدلال بها ساقط من الطرفين.

إلّا أن يرجع إلى ابتنائها على قاعدة اصوليّة- قرّرناها في محلّها- من امتناع اجتماع الكراهة مع الوجوب و الندب، فكان المنع عن الاغتسال بالماء المفروض- على تقدير وجدان ماء غيره- استنادا إلى أنّ الاغتسال به ممّا لا أمر به لمكان الكراهة المانعة عنه، بخلاف التقدير الآخر المحكوم عليه بالإجزاء، من حيث إنّ عدم وجدان ماء آخر يوجب الاضطرار إلى الماء المفروض و هو يوجب ارتفاع الكراهة فيحصل الأمر، اعتبارا لوجود المقتضي و فقد المانع، و عليه يمنع كون ما أصاب اليد من الجنابة عبارة عن المنيّ، لجواز كونه شيئا مشتبها به و بطاهر، أو كون الماء المفروض قليلا لجواز كونه عند السائل مردّدا بين الكثير و القليل، و لا ريب أنّ كلّا من ذلك ممّا يقتضي الاحتياط و يوجب كراهة الاستعمال من حيث كون الماء محتملا للنجاسة، فأعطى له

____________

(1) قرب الإسناد: 180- مسائل عليّ بن جعفر: 209 ح 452.

223

الإمام (عليه السلام) قاعدة كلّيّة متضمّنة للتفصيل المذكور، المبتني على الكراهة و زوالها، و مع ذلك كلّه فالرواية غير صالحة للمعارضة جزما.

و منها: رواية دعائم الإسلام عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه سئل عن الغدير، تبول فيه و تروث، و يغتسل فيه الجنب؟ فقال: «لا بأس، أنّ رسول اللّه (صلى الله عليه و آله و سلم) نزل بأصحابه في سفر لهم على غدير، و كانت دوابّهم تبول فيه و تروث، فيغتسلون فيه و يتوضّئون و يشربون» (1).

و فيه: ما لا يخفى من عدم إشعارها بملاقاة النجاسة، لعدم التعيّن في مرجع ضمير تبول و نحوه، بل الظاهر كونه مرادا به «الدوابّ»، كما يرشد إليه تأنيث الضمير و ذكر «الدوابّ» في كلام الإمام (عليه السلام) عند حكايته الواقعة المفروضة، و لا ريب أنّ الدوابّ لا تتناول مثل الإنسان و نحوه ممّا ليس بطاهر البول.

و منها: صحيحة شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال:- في الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده في الإناء، و ينضح الماء من الأرض فيصير في الإناء- «أنّه لا بأس بهذا كلّه» (2).

و فيه: ما لا يخفى أيضا من عدم إشعاره بنجاسة الأرض و لا الجسد، و لا ينبغي التمسّك بالإطلاق لوروده مقام إفادة حكم آخر، و هو عدم مانعيّة ما تقاطر في الإناء من قطرات غسالة الاغتسال عن صحّة الغسل.

و نظيره الكلام في صحيحة فضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في الرجل الجنب يغتسل فينضح من الماء في الإناء؟ فقال: «لا بأس مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» 3.

و منها: رواية الوشّاء عمّن ذكره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه كره سؤر ولد الزناء، و سؤر اليهودي و النصراني و المشرك، و كلّما خالف الإسلام، و كان أشدّ عنده سؤر الناصب» 4.

و فيه: أنّ الكراهة في أخبار الأئمّة- (سلام اللّه عليهم)- شائع استعمالها في التحريم، فلا ينبغي حملها على المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، غير أنّه ينبغي حملها على ما يعمّ المعنيين بقرينة السياق الجامع بين ولد الزناء و غيره من الطوائف المذكورة، مضافا

____________

(1) دعائم الإسلام 1: 112.

(2) 2 و 3 الوسائل 1: 212 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 6 و 5- الكافي 3: 13/ 6 و 7.

(3) 4 الوسائل 1: 229 ب 3 من أبواب الأسآر ح 2- التهذيب 1: 223/ 639.

224

إلى أنّه طريق جمع بينها و بين الأخبار الدالّة على الانفعال صراحة و ظهورا.

فهذه هي الأخبار الّتي عثرنا عليها للقول بعدم الانفعال، و لا ريب أنّ الاستناد إليها لهذا الحكم خروج عن قانون الفقاهة، بعد وجود أخبار اخر متواترة دالّة على الانفعال، فإنّ ذلك لا ينشأ إلّا عن قصور البال.

ثمّ عن الكاشاني كلمات اخر في تشييد مذهبه المخالف للنصوص المتواترة، و هي لغاية سخافتها و إن كانت ممّا لا ينبغي الالتفات إليها، و تضييع الوقت بالتعرّض لنقلها و تزييفها، غير أنّ مزيد انكشاف شناعة ما صار إليه و ما اعتمد عليه يدعونا إلى التعرّض لذلك.

فنقول: إنّ من جملة ما حكي عنه: أنّه أيّد ما صار إليه من عدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة، بورود الأخبار المصرّحة بطهارة ماء الاستنجاء.

و فيه: أنّ حكم الانفعال إنّما ثبت من باب القاعدة، و لا شيء منها إلّا و هي قابلة للتخصيص، و ما ذكر مخصّص لها، كما ثبت نظيره في المطر بالإجماع و نحوه، و البئر و الجاري على القول بعدم انفعال القليل فيهما، فلو صلح ما ذكر مؤيّدا لمذهبه الفاسد لكان هذه منه، فلا وجه للاقتصار عليه.

مع ما قيل عليه: من أنّ تخصيص الحكم بماء الاستنجاء في الروايات يشعر بالمغايرة لغيره من المياه الملاقية للنجاسات، فلأن يكون ذلك من مؤيّدات القول بالانفعال طريق الأولويّة دون العكس.

و من جملة ما حكي عنه: أنّه جمع بين الروايات الّتي تمسّك بها لمصيره إلى عدم الانفعال، و الأخبار المصرّحة باشتراط الكرّيّة، بحملها على أنّها مناط و معيار للقدر الّذي لا يتغيّر من الماء بما يعتاد وروده من النجاسات.

قائلا في الوافي: «و على هذا فنسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء، كنسبة مقدار أقلّ من تلك النجاسة إلى مقدار أقلّ من ذلك الماء، و مقدار أكثر منها إلى مقدار أكثر منه، فكلّما غلب الماء على النجاسة فهو مطهّر لها بالاستحالة، و كلّما غلب النجاسة عليه بغلبة أحد أوصافها فهو منفعل منها خارج عن الطهوريّة بها» (1).

و عنه أيضا أنّه بعد ما أورد صحيحة صفوان، المتضمّنة للسؤال عن الحياض الّتي

____________

(1) الوافي 6: 19.

225

بين مكّة و المدينة، قال: «و لمّا كانت الحياض بين الحرمين الشريفين معهودة معروفة في ذلك الزمان، اقتصر (عليه السلام) على السؤال عن مقدار الماء في عمقها، و لم يسأل عن الطول و العرض، و إنّما سأل عن ذلك ليعلم نسبة الماء إلى تلك النجاسات المذكورة، حتّى يتبيّن انفعاله منها و عدمه، فإنّ نسبة مقدار من النجاسة إلى مقدار من الماء في التأثير و التغيير كنسبة ضعفه إلى ضعفه مثلا و على هذا القياس» (1).

و عنه أيضا: أنّه أيّد هذا المعنى الّذي أوّل الأخبار إليه باختلاف تلك الأخبار، قائلا: «بأنّه يؤيّد ما قلناه- من أنّه تخمين و مقايسة بين قدري الماء و النجاسة- أنّه لو كان أمرا مضبوطا و حدّا محدودا لم يقع الاختلاف الشديد في تقديره لا مساحة و لا وزنا، و قد وقع الاختلاف فيهما معا، و الوجوب لا يقبل الدرجات بخلاف الاستحباب، و قد اعترف جماعة منهم بمثل ذلك في ماء البئر» 2 انتهى.

و فيه: إن أراد بما أفاده من الحمل دعوى الملازمة بين الكرّيّة و عدم قبول التغيير فهو ممّا يشهد بكذبه الضرورة و العيان، فكم من كرّ بل كرور يقبل التغيّر، فلذا ترى كلماتهم مشحونة في بحث التغيّر بالتصريح بعدم الفرق فيه بين الكرّ و غيره، و إن أراد به دعوى الملازمة بينها و بين مقدار معيّن من النجاسة الواقعة في الماء، ككون وقوعها فيه ممّا جرت العادة عليه.

ففيه: مع أنّه ممّا لم يستقرّ له عادة، بل لم يحصل له حدّ عادي، أنّه يوجب أوّلا ارتكاب التجوّز في لفظ «ينجّسه» الوارد في تلك الأخبار بحمله على «يغيّره»، و التقييد ثانيا بحمل «شيء» على ما يعتاد وقوعه من النجاسات، مع لزوم تقييد آخر بحمله على ما كان صالحا للتغيير ليخرج عنه مباشرة الكافر و الكلب و نحوهما ممّا لا يوجب تغيّر أصلا، و أيّ دليل على هذه كلّها.

و لو سلّم أنّ الداعي إلى ذلك إرادة الجمع بينها و بين ما دلّ بإطلاقه على عدم الانفعال، فتطرّق التأويل إليها ليس بأولى من تطرّقه إلى تلك المطلقات بحملها في اقتضاء عدم الانفعال على الكرّ، مع أنّه لو اعتبر المفهوم مع هذا التأويل كان مفاده أنّ ما دون الكرّ يلازم التغيير و هو خلاف الحسّ، و إلّا لزم خلاف أصل آخر و هو إلغاء المفهوم.

____________

(1) 1 و 2 الوافي 6: 31 و 36.

226

و أمّا ما استنبطه من النسبة فالظاهر أنّ معناها: أنّ ما يعتاد وروده على الماء من النجاسة إذا لم يكن مغيّرا للكرّ، فبعض منه بنسبة مخصوصة إذا وقع في بعض من الكرّ بتلك النسبة لم يكن مغيّرا له أيضا، لوضوح اتّحاد البعض للكلّ في الحكم، فحينئذ لو أنّ ثلثا من الكرّ- مثلا- إذا وقع فيه بعض من النجاسة المعتاد وقوعها في الماء، فلا بدّ من استعلام الحال بأخذ النسبة بين ذلك البعض و كلّه، فإن بلغ ثلثه لم يكن مغيّرا لما هو واقع فيه، كما أنّه لو قصر عنه لم يكن مغيّرا له، و إن تجاوز الثلث كان مغيّرا له، و لو أنّ ربعا ممّا يعتاد وقوعه وقع على بعض من الكرّ يجب مراعاة النسبة بينهما، فإن بلغ ربعه أيضا لم يكن الواقع فيه مغيّرا له، كما أنّه كذلك لو قصر عنه، و أمّا لو زاد عليه كان مغيّرا له، و هكذا إلى آخر الفروض.

و أنت خبير: بوضوح فساد ذلك، و عدم كونه ممّا ينساق عن تلك الأخبار، فإنّ هذا ممّا لا ينضبط أبدا، و مراعاة تلك النسبة ممّا لا يبلغ إليه فهم كافّة المكلّفين عدا الأوحدي من الخواصّ، و مع ذلك فالغالب وقوعه من النجاسات على المياه ما يقع بغتة بلا معلوميّة مقداره، مع تعذّر استعلامه بعد ذلك أيضا- كما لو كان من المائعات- فكيف يسوغ على الشارع الحكيم أن ينوط حكمه الّذي يعمّ به البلوى في قاطبة الأعصار و كافّة الأمصار على قاعدة لا يدركها إلّا الأوحدي من البعض، مع تعذّر إعمالها في غالب موارد موضوعها، مع أنّه لا يدري أنّ اعتبار هذه النسبة و الإرشاد إلى هذا التخمين و المقايسة لأيّ فائدة هو؟ بعد ما كان أصل التغيّر أمرا حسّيّا غير محتاج إلى الكاشف.

و من هنا يتوجّه إشكال آخر، من جهة لزومه حمل كلام الشارع على ما ليس بيانه من شأنه، و هو إعطاء الضابط و الميزان لما هو من مقولة الحسّيّات، و ما اعتذر له المحدّث- في جملة من كلامه- «بأنّه ربّما يشتبه التغيّر مع أنّ الماء قد تغيّر أوصافه الثلاثة بغير النجاسة فيحصل الاشتباه» (1).

ففيه: مع قضائه بحمل الكلام على موارده النادرة، أنّ الاشتباه يرتفع بأصل الطهارة الّذي قرّره الشارع، مضافا إلى خصوص قوله: «الماء كلّه طاهر حتّى تعلم أنّه قذر» (2) الّذي عرفت اختصاصه بمواضع الاشتباه.

____________

(1) الوافي 6: 32.

(2) الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5.

227

و أمّا ما ساق إليه التأويل المذكور، بل استشهد به لمختاره من صحيحة صفوان بن [مهران] الجمّال (1)، ففيه: أنّ سياق السؤال الوارد فيها يأبى عن ذلك، حيث لم يذكر فيه من النجاسات ما يوجب تغيّر الماء عادة، كما لا يخفى على المتأمّل فيه.

و أمّا ما أيّد به مختاره من اختلاف الأخبار المقدّرة للكرّ وزنا و مساحة.

ففيه: أوّلا: عدم قيام ما يقضي بكون الاختلاف من جانب الشارع، فلعلّه اختلاف نشأ من الرواة أو الجاعلين للأخبار الكاذبة، و التأييد إنّما يحصل على التقدير الأوّل دون الأخيرين.

و ثانيا: أنّه كم من هذا القبيل في أخبار أئمّتنا المعصومين، الواردة في جميع أبواب الفقه، فلو كان ذلك منشأ للأثر و موجبا لتطرّق التأويل إلى الأخبار الظاهرة و النصوص المحكمة، لم ينضبط قاعدة من قواعد الفقه.

و ثالثا: أنّ ذلك لو صلح إشكالا لكان مشترك الورود، فيتوجّه إلى ما صار إليه بل بطريق أولى؛ لأنّ مرجع كلامنا إلى أنّ أخبار الكرّ واردة لإحراز موضوع لحكم شرعي معلّق عليه و هو الكرّيّة الّتي ينوط بها عدم الانفعال بشيء، و مرجع كلامه إلى أنّها إنّما وردت لإعطاء ضابط كلّي و ميزان مطّرد لمعرفة موضوع حكم و هو التغيّر المورّث للانفعال، فإذا كان الأوّل مقتضيا لكون مفادها أمرا مضبوطا و حدّا محدودا، فكان الثاني أولى بالاقتضاء كما لا يخفى.

ثمّ إنّه بقى الكلام في مقامين، ينبغي سوق عنان النظر إليهما.

أحدهما: النظر في معمّمات المسألة.

و ثانيهما: في مستثنياتها من محلّ وفاق أو خلاف، فاستمع لما يتلى عليك.

أمّا الكلام في المقام الأوّل [في معممات المسألة]

، فمن جهات:

الجهة الاولى: يظهر من صاحب المدارك بعد ما صار إلى انفعال القليل بالملاقاة، التشكيك في انفعاله بكلّ نجس

قائلا فيه: «لكن لا يخفى أنّه ليس في شيء من تلك الروايات دلالة على انفعال القليل بوروده على النجاسة، بل و لا على انفعاله بكلّ ما يرد عليه من النجاسات» (2) الخ.

____________

(1) الوسائل 1: 162 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12.

(2) مدارك الأحكام 1: 40.

228

و العجب منه أنّه ذكر ذلك مع تمسّكه على ما صار إليه بصحيحتي محمّد بن مسلم (1)، و معاوية بن عمّار «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» 2 و كأنّه مبنيّ على منع العموم في المفهوم، كما صار إليه جماعة منهم الكاشاني فيما تقدّم عنه من جملة اعتراضاته على الأخبار الواردة بهذا المضمون، و قد أشرنا إجمالا إلى ما يدفعه.

و نقول هنا أيضا: أنّ المفهوم على ما يساعد عليه العرف و طريقة أهل اللسان، يتبع المنطوق في عمومه و خصوصه، و ما توهّم: من منع العموم في المفهوم مع كون المنطوق مشتملا على النكرة في سياق النفي، إنّما يتّجه لو فسّر مفاد منطوق قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» بأنّه لا ينجّس بجميع أفراد النجس، ليكون محصّله السلب الجزئيّ المستلزم لكون المفهوم إيجابا جزئيّا، و هو كما ترى بعيد عن هذه العبارة غاية البعد، بل لا يكاد ينساق منها عرفا، بل معناه: أنّه لا ينجّس بشيء من أفراد النجس، فيكون مفهومه: أنّه ينجّس بكلّ فرد منه، و مع الغضّ عن ذلك يكفينا في إثبات العموم عموم التعليل في قوله: «رجس نجس» الوارد في الكلب 3 حسبما قرّرناه.

مضافا إلى إطلاق «القذر» الوارد في كثير من أخبار الباب، مع كفاية ملاحظة مجموع الروايات المتضمّن كلّ واحد منها لنوع أو نوعين أو أنواع من النجاسات، حتّى أنّه لا يشذّ منها شيء ظاهرا، مع الإجماع المركّب أيضا، كما في كلام غير واحد من الفحول.

مع أنّ المسائل الفرعيّة الّتي كلّها ضوابط كلّيّة و قواعد مطّردة يقتبس أغلبها- من الطهارات إلى الديات- من موارد جزئيّة من جزئيّات موضوعاتها، من غير أن يرد فيها لفظ عامّ شامل لجميع الجزئيّات، و عليه طريقة الفقهاء قديما و حديثا، و لذلك تراهم لا يزالون يستدلّون على الأحكام الكلّيّة بما ورد من الأخبار في بعض الجزئيّات، و كأنّ ذلك من جهة أنّه علموا من طريقة الشارع أنّه يعطي الضوابط الكلّيّة بخطابات جزئيّة و بيانات شخصيّة.

مع إمكان دعوى تنقيح المناط في خصوص المقام- لو سلّم عدم ورود جميع أنواع النجاسات في الأخبار الواردة فيه- بتقريب: أنّ القطع يحصل بأنّ الانفعال بالنسبة إلى الموارد الخاصّة الواردة في تلك الأخبار، ليس مستند إلّا إلى ما في تلك الموارد من

____________

(1) 1 و 2 الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 2- التهذيب 1: 39/ 107 و 109.

(2) 3 الوسائل 1: 226 ب 1 من أبواب الأسآر ح 4- التهذيب 1: 225/ 646.

229

الوصف العنواني الّذي يعبّر عنه ب«النجاسة»، من غير مدخليّة في ذلك لما فيها من الخصوصيّة الراجعة إلى ذاتيّاتها أو عرضيّاتها من غير جهة هذا الوصف، هذا.

الجهة الثانية: ربّما يحكى في المسألة عدم تنجيس المتنجّس، الّذي لازمه أن لا ينفعل القليل به،

و يظهر من المحقّق الخوانساري الميل إليه (1)، و إن كان جعل الانفعال أولى بعد ما نسبه إلى ظاهر كلام الأصحاب، و يظهر من شيخنا في الجواهر (2) الفرق بين متنجّس لا يفيد الماء طهره فالانفعال، و متنجّس يفيد الماء طهره فعدم الانفعال، و يظهر ذلك أيضا من محكيّ المصابيح (3) فيما لو ورد عليه الماء مفيدا طهره، و منشؤه على ما صرّح به في الجواهر 4 طهارة الغسالة- على ما صار إليه- جمعا بين القاعدتين: انفعال القليل بالملاقاة، و طهارة الغسالة.

و صحّة هذا التفصيل- على أحد الوجهين- و سقمه مبنيّتان على النظر في حكم الغسالة، و الكلام مع المدّعين لطهارتها و ستعرفه في محلّه، و أمّا منع الانفعال بالمتنجّس مطلقا فلم نقف له على وجه، و لعلّه غفلة عن التدبّر في روايات الباب، أو مبنيّ على توهّم انحصار أدلّة الانفعال في مفهوم قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» 5 مع منع العموم فيه بحيث يشمل المتنجّس أيضا، و كيف كان فهو في غاية الضعف.

أمّا أوّلا: فللمفهوم المشار إليه، فإنّه عامّ بالقياس إلى جميع مصاديق «شيء» و منها المتنجّس، غاية الأمر خروج ما كان منها طاهرا بالتخصيص أو التخصّص، بدعوى:

عدم صلاحيّة الطاهر مشمولا للمنطوق، نظرا إلى كون بيان الحكم بالنسبة إليه من باب توضيح الواضحات و هو سفه، فليس من شأن الحكيم بل و يقبح ذلك عليه، و قضيّة ذلك خروجه عن المفهوم من أوّل الأمر من دون حاجة له إلى المخرج.

و لكن فيه: أنّ المراد بالخروج في مواضع التخصيص ليس هو الخروج الحقيقي لاستحالة البداء من الحكيم العالم، بل المراد به انكشاف خروجه بملاحظة الخارج الّذي يعبّر عنه بالمخصّص، و لا ريب أنّ ذلك الخارج الّذي يوجب الانكشاف كما أنّه

____________

(1) مشارق الشموس: 190.

(2) 2 و 4 جواهر الكلام 1: 238.

(3) مصابيح الأحكام- الطهارة- (مخطوط) الورقة: 47.

(4) 5 الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 40/ 109.

230

قد يكون لفظا فكذلك قد يكون عقلا قاطعا، و ما قرّرناه في وجه استحالة شمول المنطوق للطاهر ليس إلّا عقلا قاطعا قام في المقام و كشف عن حقيقة المراد، و إلّا فاللفظ بما هو هو- أي مع قطع النظر عن ذلك- صالح للشمول جزما، فيكون خروجه المذكور عن المنطوق من باب التخصيص، و يتبعه في ذلك المفهوم و يكون مخصّصا بخروج ما ذكر، و يبقى الباقي و منه المتنجّس؛ إذ لا استحالة في كونه مرادا في المنطوق فيكون كذلك في المفهوم؛ إذ لا مخرج له من عقل و لا نقل.

لا يقال: إنّ العامّ بالقياس إليه مجمل إذ لا ريب- على ما اعترفت به- في ورود تخصيص عليه، و القدر المتيقّن ممّا يشمله المخصّص إنّما هو الطاهر، كما أنّ القدر المتيقّن ممّا يشمله العامّ إنّما هو نفس النجاسة، و أمّا المتنجّس فيبقى متردّدا بين كونه مشمولا للعامّ أو المخصّص، و معه لا معنى للتمسّك بالعموم بالنسبة إليه.

لأنّا نقول: بمنع كون هذا النوع من التردّد موجبا لإجمال العامّ، و إنّما هو في الشبهة المصداقيّة أو المفهوميّة بالقياس إلى مسمّى موضوع المخصّص، و المقام ليس بشيء منهما، بل التردّد المذكور فيه ابتدائي ينشأ من احتمال زيادة التخصيص، فيرتفع بملاحظة ظهور اللفظ نوعا، و أصالة عدم الزيادة في التخصيص.

و لو سلّم عدم ارتفاعه فليس بقادح في جواز التمسّك بالعامّ، لكون اعتبار ظواهر الألفاظ ثابتا بالنوع، و كون قلّة التخصيص أولى من كثرته- حيثما دار الأمر بينهما- باب معروف متسالم عليه عندهم، فلا وجه للمناقشة في العموم.

و أمّا ثانيا: فلأنّ قذارة اليد الواردة في أكثر روايات الباب الموجبة للانفعال تشمل ما لو كانت متنجّسة، و حملها على ما لو كانت العين باقية فيها بعيد عن الانفعال (1) و ينفيه ترك الاستفصال.

و دعوى: ظهور «القذر» في العين، يدفعها: ما في صحيحة البزنطي «عن الرجل يدخل يده في الإناء و هي قذرة» (2) و ما في قويّة أبي بصير «إذا كانت يده قذرة فأهرقه» (3).

____________

(1) كذا في الأصل.

(2) الوسائل 1: 159 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 419/ 1326.

(3) الوسائل 1: 154 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 11- التهذيب 1: 308/ 103.

231

و أمّا ثالثا: فلخصوص صحيحة عليّ بن جعفر المشتملة في ذيلها على قوله (عليه السلام):

«إذا كانت يده نظيفة فليأخذ كفّا من الماء» (1) إلخ و موثّقة عمّار المتضمّنة لقوله: و عن الإبريق يكون فيه خمر، أ يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: «إذا غسل فلا بأس» (2)، و رواية عليّ بن جعفر المتضمّنة لقوله عن الشرب في الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو باطية؟ قال (عليه السلام): «إذا غسله فلا بأس» (3)، و روايتي عليّ بن يقطين (4)، و عيص بن القاسم (5) الواردتين في سؤر الحائض و فضلها الحاكمتين بأنّه إذا كانت مأمونة فلا بأس، أو توضّأ منه إذا كانت مأمونة.

الجهة الثالثة: عزي إلى المشهور عدم الفرق في النجاسة الموجبة للانفعال بين كثيرها و قليلها

حتّى ما لو كان منها ممّا لا يدركه الطرف مثل رءوس الإبر الّتي لا تحسّ و لا تدرك و لو كان دما، و عن الحلّي (6) دعوى الإجماع عليه، و عليه الشيخ على ما حكي عنه في سائر كتبه سوى المبسوط و الاستبصار، و أمّا فيهما فخالف المشهور و ذهب إلى الفرق بين الكثير و القليل الّذي لا يدركه الطرف فخصّ الحكم بالأوّل دون الثاني، قائلا في المبسوط- على ما حكي-: «و حدّ القليل ما نقص عن الكرّ، و ذلك ينجّس بكلّ نجاسة تحصل فيه، قليلة كانت النجاسة أو كثيرة، تغيّرت أوصافه أو لم يتغيّر، إلّا ما لا يمكن التحرّز منه مثل رءوس الإبر من الدم و غيره، فإنّه معفوّ عنه لأنّه لا يمكن التحرّز منه» (7).

و عنه أنّه خصّ ذلك في الاستبصار بالدم (8)، كما أنّ العلّامة حكاه عنه في المختلف (9) مخصوصا به من غير تعرّض لتعيين كتابه، و لعلّه أيضا وهم نشأ عن كلامه في الاستبصار، و لأجل ذلك توهّم جماعة على- ما حكي- كون أقواله ثلاثة و الإنصاف يقتضي خلافه، إذ لا إشعار في كلامه في الاستبصار باختصاص الحكم

____________

(1) التهذيب 1: 367/ 1115.

(2) الوسائل 3: 494 ب 51 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 283/ 830.

(3) الوسائل 25: 369 ب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5- قرب الإسناد: 116- مسائل عليّ ابن جعفر: 514/ 212.

(4) الوسائل 1: 237 ب 8 من أبواب الأسآر ح 5.

(5) الوسائل 1: 234 ب 7 من أبواب الأسآر ح 1.

(6) السرائر 1: 180.

(7) المبسوط 1: 7.

(8) الاستبصار 1: 23.

(9) مختلف الشيعة 1: 182.

232

بالدم، كما لا يخفى على من يراجعه في ذيل باب القليل الّذي تحصل فيه النجاسة (1).

و كيف كان ففي المختلف (2) احتجّ الشيخ (رحمه الله) بوجهين:

الأوّل: رواية عليّ بن جعفر في الصحيح عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل امتخط فصار الدم قطعا فأصاب إناءه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال: «إن لم يكن شيء يستبين في الماء فلا بأس، و إن كان شيئا بيّنا فلا تتوضّأ منه» (3).

الثاني: أنّ وجوب التحرّز عن ذلك مشقّة عظيمة و ضرر كثير فيسقط، لقوله تعالى:

مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4).

و قد يقال: إنّ دلالة الرواية مبنيّة على إرادة السائل إصابة الماء من الإناء تسمية باسم المحلّ، لأنّ إرادة خصوص الظرف لا يناسب السؤال.

و لا يخفى بعده لكونه مجازا بلا قرينة واضحة، و لا يلائمه قوله (عليه السلام): «في الماء» لكونه على التوجيه المذكور في موضع الإضمار، مع توجّه المنع إلى ابتناء دلالتها على ذلك، لجواز تقريرها بأنّ السؤال و إن كان لا قضاء له بإصابة الدم للماء غير أنّ الجواب يشمل بعمومه ما هو المقصود بالاستدلال في وجه، أو هو مختصّ بالمقصود في آخر.

أمّا على ما في بعض النسخ من نصب «شيء»، فلعود الضمير في الفعل الناقص إلى «الدم» بنفسه، أو بوصف كونه مصيبا للإناء، و كون الجملة المتعقّبة له صفة للشيء و الظرف متعلّقا بها، فيكون المعنى: إن لم يكن الدم أو ما أصاب الإناء شيئا يستبين في الماء فلا بأس، و هذا كما ترى يعمّ ما لو لم يكن فيه شيء أصلا، أو كان و لم يكن مستبينا فيه، بناء على رجوع النفي إلى كلّ من الوصف و الموصوف، فثبت به المطلوب أيضا.

و لكنّ الحمل عليه لعلّه ليس على ما ينبغي؛ لعدم كون إفادة الحكم لصورة انتفاء الدم بالمرّة من شأن السائل و لا المسئول، مضافا إلى أنّ النفي و الإثبات يرجعان في الكلام إلى القيد، و كما أنّ الإثبات في الفقرة الثانية من الرواية يدور على القيد فكذلك

____________

(1) الاستبصار 1: 23.

(2) مختلف الشيعة 1: 182.

(3) الوسائل 1: 150 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 412/ 1299.

(4) الحجّ: 78.

233

في النفي، فيكون حاصل معنى الفقرة الاولى: إن كان ما أصاب الإناء شيئا غير مستبين في الماء فلا بأس، و هذا عين المطلوب.

و أمّا على ما في أكثر النسخ- على ما وجدناه في الكافي و التهذيب و الاستبصار- من رفع «شيء» فيكون «شيء» اسما للفعل الناقص، و خبره الجملة المستعقبة للظرف الّذي هو متعلّق بها، أو الظرف و الجملة صفة للشيء، فيكون المعنى- بناء على رجوع النفي إلى الخبر أو إلى الصفة-: إن كان شيء غير مستبين في الماء فلا بأس، أو إن كان شيء غير مستبين حاصلا في الماء، أي إن حصل في الماء شيء غير مستبين فلا بأس، و هذا أيضا عين المطلوب.

و بما قرّرناه يندفع ما أورد عليه غير واحد بأنّه لا يدلّ على إصابة الدم للماء الّتي هي محلّ الكلام، قال العلّامة في المختلف: «و الجواب أنّه غير دالّ على محلّ النزاع، لأنّه ليس في الرواية دلالة على أنّ الدم أصاب الماء، و لا يلزم من إصابته الإناء إصابته للماء، و إن كان يفهم منه ذلك لكن دلالة المفهوم ضعيفة» (1).

و قد يجاب عنه- كما في المختلف أيضا-: بأنّه معارض برواية عليّ بن جعفر- في الصحيح- عن أخيه موسى (عليه السلام) قال: سألته عن رجل رعف و هو يتوضّأ، فيقطر قطرة في إنائه هل يصلح الوضوء منه؟ قال: «لا». (2)

و هو كما ترى بمكان من الوهن، فإنّ الفرق بين القطرة و ما لا يدركه الطرف المفسّر في كلام الشيخ برءوس الإبر كما بين السماء و الأرض، فهي معارضة بما ليس من محلّ النزاع في شيء.

و دون هذا الجواب ما قيل أيضا: من أنّ عدم استبانة الدم في الماء لا يقضي بلوغ قطع الدم في الصغر إلى حدّ رءوس الإبر، فإنّه قد لا يستبين في الماء و هو أعظم ممّا ذكر، و وجهه: أنّ ذلك مذكور في كلام الشيخ من باب المثال لا من باب الانحصار، و إلّا فمناط كلامه إنّما هو عدم الاستبانة كائنا ما كان.

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 182.

(2) الوسائل 1: 150 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 412/ 1299.

234

و أدون من الجميع ما عن الذخيرة من: «أنّ مورد الرواية دم الأنف، فالتعميم لا يخلو عن إشكال، و أشكل منه إلحاقه في المبسوط كلّ ما لا يستبين» (1)، و وجهه: أنّ المناط عند القائلين بانفعال القليل بالملاقاة واحد، و هو مباشرة وصف النجاسة الّتي هي حاصلة في الجميع، و لذا يدّعي إجماعهم المركّب على التعميم في أصل المسألة.

و الأولى في هدم الاستدلال بالرواية منع دلالة ما فيها من الجواب المفصّل بين الاستبانة و عدمها، بل هي عند التحقيق تقضي بما ذهب إليه المشهور من إطلاق القول بالانفعال، فإنّ «الاستبانة» لغة و عرفا ضدّ الخفاء، يقال: «استبان الأمر»، أي اتّضح و تبيّن و انكشف أي زال خفاؤه، و كما أنّ الشيء قد يخفى على الحسّ فلا يرى أو لا يسمع، فكذلك يخفى على الذهن فلا يدرك، يقال: «خفي الحقّ عليّ»، كما يقال: «خفي الهلال على بصري».

و قضيّة ذلك أن يكون التبيّن- على معنى زوال الخفاء- مقولا بالاشتراك على التبيّن في الحسّ و التبيّن في الذهن معا، و لذا لو حصل لك العلم بفسق أحد تقول: «قد خفي عليّ فسقه فتبيّن لي أنّه فاسق»، و لا يصحّ أن تقول: «ما تبيّن لي فسقه»، كما أنّه إذا رأيت الهلال تقول: «قد خفي على بصري الهلال فتبيّن»، و لا يصحّ أن تقول: «لم يتبيّن».

و قضيّة ذلك أن يكون الحكم المعلّق على الاستبانة بهذا المعنى، معلّقا عليها بالمعنى الأعمّ الّذي هو القدر المشترك بين النوعين، فيكون مفاد الرواية حينئذ إناطة حكم النجاسة المانعة عن الوضوء بزوال خفاء مباشرة الدم للماء، الّذي يتحقّق تارة عند البصر كما لو رأيناه فيه بعينه، و اخرى عند الذهن كما لو علمنا بوقوعه فيه و إن خفي على أبصارنا بعد الوقوع، فيكون المعنى- على نسخة النصب-: إن كان الّذي أصاب الإناء شيئا يخفى عليك كونه في الماء فلا بأس، و إن كان شيئا لا يخفى عليك كونه في الماء فلا يتوضّأ منه، و لا ريب أنّه إذا علمنا بوقوع قليل من الدم أو غيره و لو صغيرا بقدر رءوس الإبر في الماء، لصدق في حقّنا قضيّة القول بعدم خفاء كونه في الماء، و لم يصدق لو قلنا: أنّه شيء خفي علينا كونه في الماء.

____________

(1) ذخيرة المعاد: 125.

235

و على نسخة الرفع: إن كان شيء من الدم أو غيره خفي كونه في الماء فلا بأس به، و إن كان شيئا لا يخفى كونه في الماء فلا يتوضّأ منه، و لا ريب أنّ الرواية بكلّ من التقديرين واضحة الدلالة على أنّ إدراك مباشرة النجاسة بالحسّ أو الذهن موجب لترتّب النجاسة و أحكامها، و هو عين ما صار إليه المشهور، و لا شهادة لها بما صار إليه الشيخ، و محصّل مفادها- على ما أشرنا إليه غير مرّة- إفادة النجاسة و أحكامها منوطة بالعلم بالمباشرة و لو بتوسّط الحسّ، و يكون موردها كما يرشد إليه السؤال المصرّح بإصابة الدم للإناء صورة الاشتباه و الاحتمال ظنّا أو وهما أو شكّا، لصدق الخفاء المعلّق عليه عدم المنع على الجميع عرفا، و لا ريب أنّها ممّا يحسن معها السؤال، بل السؤال عن مثلها ممّا ينبعث عن التقوى و كمال الاعتناء بآثار الشرع و أحكامه، كما هو من دأب المحتاطين و ديدن المتّقين، لا سيّما الّذين لهم حظّ من العلم و الفقاهة في مسائل الدين.

فما أورد على القول بمنع دلالة الرواية إلّا على إصابة الإناء، من أنّ ذلك غير لائق بعلوّ شأن السائل و هو عليّ بن جعفر؛ لكونه فقيها جليل القدر عظيم الشأن من أهل العلم و المعرفة، فكيف يسأل عن حكم إصابة النجاسة للإناء دون الماء، مع وضوحه و بداهة أنّ إصابة الإناء ممّا لا يعقل لها تأثير في المنع، ليس على ما ينبغي.

لا يقال: السؤال إنّما ينبعث عن الجهل، و من البعيد أن لا يكون عليّ بن جعفر عالما بحكم صورة الاشتباه، و ما قرّر لها من الأصل الّذي يرجع إليه معها، لأنّه لا يناسب ما فيه من الفقاهة و جلالة الشأن و علوّ المرتبة، لمنع اقتضاء كلّ ذلك ما ذكر من الاستبعاد، فإنّ البحر قد يشذّ منه القطرة، مع أنّ الفقاهة إنّما تحصل تدرّجا فلم لا يجوز كون الرواية صادرة في أوّل الأمر، أو أنّه علم الأصل بالاجتهاد و مع ذلك راعى السؤال أخذا بالأوثق، أو أنّ السؤال إنّما ورد تنبيها للغير على حكم المسألة ممّن خفي عليه الأمر.

و بما قرّرناه في دفع دلالة الرواية على ما صار إليه الشيخ، وقعنا في فراغ عن القدح في سندها، و الحكم عليه بالضعف من جهة الجهالة، فإنّ في طريقها محمّد ابن أحمد العلوي و هو مجهول حاله، غير منصوص في كلام علماء الرجال بمدح و لا قدح، حتّى يعارض بكون توثيقه مستفادا من تصحيح العلّامة رواياته في المختلف و المنتهى،

236

سيّما هذه الرواية الّتي صحّحها العلّامة في المختلف (1) بخصوصها.

و أمّا الوجه الثاني: ممّا احتجّ به الشيخ فمنعه واضح غاية الوضوح، و تفصيل القول عليه منع الصغرى أوّلا:- سواء أراد بالمشقّة العظيمة العسر و الحرج المنفيّين في الشريعة، أو ما فوق ذلك- و منع الكبرى ثانيا: فإنّ أقصى ما يترتّب على المشقّة ارتفاع الحكم التكليفي كما هو نتيجة الدليل المصرّح بها في متن الاستدلال المعبّر عنها بالعفو، و لا يلزم منه عدم انعقاد الحكم الوضعي و هو النجاسة و تحقّق الانفعال، كما أنّه ممّا لا يلزم منه ارتفاع الحكم الوضعي، كما ثبت نظيره في غير موضع من الشرعيّات كقليل الدم في لباس المصلّي أو بدنه، و مثله دم القروح و الجروح فيهما و نحو ذلك، و لا ريب أنّ المتنازع فيه هو الثاني دون الأوّل كما لا يخفى، فثبت إذن أنّ الأقوى ما صار إليه المشهور عملا بعموم الأخبار منطوقا و مفهوما، سيّما عموم التعليل الوارد في الكلب.

و منع ذلك- كما عن جماعة و يظهر من المحقّق السبزواري (2) أيضا- ليس بوجيه، فإنّ المستفاد من ملاحظة مجموع الروايات- خصوصا ما ورد من التعليل بالنجاسة- كون الحكم منوطا بنفس الوصف مع قطع النظر عن خصوصيّة موصوفه، و لا ريب أنّه يتحقّق مع الكثير و مع القليل أيضا في أيّ مرتبة من مراتبه، و التشكيك في مثل ذلك خروج عن جادّة الاستقامة و اجتهاد في مقابلة النصّ، و تبقى الرواية المتقدّمة بالمعنى الّذي فسّرناها به دليلا آخرا و مؤيّدة للدليل، فاحفظ هذا و اغتنم.

الجهة الرابعة: قد استفاض نقل الشهرة في عدم الفرق في انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة بين ورودها عليه، أو وروده عليها، أو تواردهما،

كما لو سالا عن ميزابين و نحوهما فاختلطا، كما أنّه اشتهر المخالفة في ذلك عن السيّد المرتضى في الناصريّات لذهابه إلى الفرق بتخصيصه الانفعال بالماء الّذي يرد عليه النجاسة دون العكس، و هو محكيّ عن الشافعي من العامّة، و لكن العبارة المحكيّة عن السيّد غير دالّة على استقرار هذه المخالفة منه، لأنّه عند حكاية القول بعدم الفرق بين الورودين عن جدّه الناصر، قال في الناصريّات:

«قال الناصر: و لا فرق بين ورود الماء على النجاسة و ورود النجاسة على الماء.

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 182.

(2) ذخيرة المعاد: 125.

237

قال السيّد: و هذه المسألة لا أعرف لها نصّا لأصحابنا و لا قولا صريحا، و الشافعي يفرّق بين ورود الماء عليها، و ورودها عليه فيعتبر القلّتين في ورود النجاسة على الماء، و لا يعتبر في ورود الماء على النجاسة، و خالفه سائر الفقهاء في هذه المسألة، و الّذي يقوى في نفسي عاجلا إلى أن يقع التأمّل لذلك. صحّة ما ذهب إليه الشافعي؛ و الوجه فيه: إنّا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة لأدّى ذلك إلى أنّ الثوب لا يطهّر من النجاسة إلّا بإيراد كرّ من الماء عليه و ذلك يشقّ، فدلّ على أنّ الماء الوارد على النجاسة، لا يعتبر فيه القلّة و الكثرة كما يعتبر فيما يرد عليه النجاسة» (1).

و هذا كما ترى ممّا لا يقضي بأنّه أخذ ذلك مذهبا لنفسه على سبيل الإذعان، و لا على استقراره عليه لو فرض إذعانه به حين إنشاء تلك العبارة، و على أيّ حال فلم نقف من أصحابنا على من وافقه على ذلك عدا صاحب المدارك من المتأخّرين، في قوله- بعد ما رجّح في مسألة الانفعال خلاف مذهب العمّاني-: «لكن لا يخفى أنّه ليس في شيء من تلك الروايات دلالة على انفعال القليل بوروده على النجاسة، و لا على انفعاله بكلّ ما يرد عليه من النجاسات، و من ثمّ ذهب المرتضى (رحمه الله) في جواب المسائل الناصريّة إلى عدم نجاسة القليل بوروده على النجاسة و هو متّجه» (2) انتهى.

نعم، عن الحلّي في السرائر أنّه قال- بعد ما نقل العبارة المتقدّمة عن السيّد- قال:

«محمّد بن إدريس و ما قوي في نفس السيّد هو الصحيح، المستمرّ على أصل المذهب و فتاوي الأصحاب» (3) انتهى.

و ما أبعد بين كلامه (رحمه الله) و عبارة السيّد المتقدّمة حيث إنّ ظاهره الإجماع على الفرق المذكور، و من البعيد أن يكون مسألة إجماعيّة و لم يعرف السيّد فيها نصّا و لا قولا صريحا لأصحابنا، و هو أقدم منه و أعرف بفتاوي من سلف منهم و اصول مذهبهم، و لعلّه أراد بما نقله ما تحقّق متأخّرا عن عصر السيّد، أو ما تحقّق بين أهل عصره بالخصوص، و هو أيضا بمكان من المنع، حيث لم يوافقه أحد على ذلك النقل، و ربّما يمكن القول بأنّه وهم نشأ عن ملاحظة ما استقرّ عليه المذهب و اجتمعت عليه فتاوي الأصحاب، من أنّ الماء القليل الوارد

____________

(1) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 136- 137).

(2) مدارك الأحكام 1: 40.

(3) السرائر 1: 181.

238

على المتنجّس يفيد طهارة المحلّ بزعم أنّه ممّا لا يتأتّى إلّا على فرض طهارة الماء.

و ربّما يحمل كلام السيّد فيما تقدّم على أن يكون مراده بعدم نجاسة الوارد عدم نجاسة العالي بالسافل، حتّى يكون لما ذكره ابن إدريس من أنّ فتاوي الأصحاب به وجه صحّة فيرتفع الخلاف في البين، و هو كما ترى في وضوح من البعد، و عن ظاهر الشهيد في الذكرى (1) أنّ كلامهما في الغسالة خاصّة، فلا مخالفة لهما في مسألة الورودين، و يقوى ذلك بملاحظة جملة من العبارات المحكيّة عنهما الظاهرة في موافقة المشهور.

فعن السيّد- في مسألة التطهير بالمستعمل في رفع الحدث-: «أنّه يجوز أن يجمع الإنسان وضوءه عن الحدث أو غسله من الجنابة في إناء نظيف و يتوضّأ به، و يغتسل به مرّة اخرى، بعد أن لا يكون في بدنه شيء من النجاسة، بناء على أنّ اعتبار نظافة الإناء و خلوّ البدن عن النجاسة إنّما هو لحفظ الماء الوارد عليهما عن الانفعال كما هو الظاهر، لا لأنّ غسالة النجس لا تصلح مطهّرة، و إن كانت طاهرة» (2).

و عن ابن إدريس في مواضع:

منها: ما حكي عن أوّل السرائر، من قوله: «و الماء المستعمل في تطهير الأعضاء و البدن الّذي لا نجاسة عليه إذا جمع في إناء نظيف كان طاهرا مطهّرا، سواء كان مستعملا في الطهارة الكبرى أو الصغرى على الصحيح من المذهب» (3) و التقريب فيه أيضا نظير ما تقدّم.

و منها: ما حكي أيضا في مسألة ماء الاستنجاء و ماء الاغتسال من الجنابة، من قوله: «متى انفصل و وقع على نجاسة ثمّ رجع إليه وجب إزالته» 4، و هذا كما ترى كالصريح في موافقة المشهور في غير الغسالة.

و منها: ما حكي أيضا من أنّه ادّعى الإجماع و الأخبار على نجاسة غسالة الحمّام، بناء على أنّها في الغالب من المياه الواردة على النجاسة 5.

و قد يستظهر القول المبحوث عنه من الشيخين في المقنعة و المبسوط؛ لأنّ الأوّل- بعد ما حكم بطهارة ما يرجع من ماء الوضوء إلى بدن المتوضّي أو ثيابه- قال:

____________

(1) ذكرى الشيعة 1: 84.

(2) المسائل الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 138، المسألة السادسة).

(3) 3- 5 السرائر 1: 61 و 184 و 90.

239

«و كذلك ما يقع على الأرض الطاهرة من الماء الّذي يستنجى به ثمّ يرجع عليه لا يضرّه و لا ينجّس شيئا من ثيابه و بدنه، إلّا أن يقع على نجاسة ظاهرة فيحملها في رجوعه، فيجب غسل ما أصابه منه» (1).

و الثاني قال: «لو كان على جسد المغتسل نجاسة أزالها ثمّ اغتسل، فإن خالف و اغتسل أوّلا ارتفع حدث الجنابة، و عليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل بالاغتسال» (2)، فإنّ حكمه بارتفاع حدث الجنابة مبنيّ على عدم انفعال الماء الوارد على النجاسة الّتي تكون في الجسد، و إلّا لم يكن لما ذكره وجه، بناء على اشتراط الطهارة في ماء الغسل.

و اجيب عن الأوّل: باحتمال أن يكون مراد المفيد من حمل الماء النجاسة تنجّسه بها، كما في قوله (عليه السلام): «لم يحمل خبثا» (3)، لا حمله جزءا منها حتّى يكون إيجاب الغسل من جهة هذا الجزء لإصابته الثياب أو البدن، فلا ظهور لما ذكره في ما توهّم منه.

و عن الثاني: بحمل كلامه على الاغتسال فيما لا ينفعل من الماء لا مطلقا.

و كيف كان فلم نقف من أصحابنا على مصرّح بالقول المذكور على نحو يشمل محلّ النزاع، نعم عبارة المدارك- فيما تقدّم (4)- ظاهرة في الميل إليه، و دونها في الظهور كلام الحلّي المتقدّم (5)، و أمّا السيّد فقد عرفت أنّ كلامه غير ظاهر في اختياره مذهبا على جهة الاستقرار،

و على أيّ حال فالحقّ هو المشهور المنصور لوجوه.

الأوّل: ظاهر الخبر المستفيض «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (6) فإنّه بعموم مفهومه التابع لعموم منطوقه يشمل المقام و غيره،

من ورود النجاسة على الماء أو تواردهما معا، و الوجه في ذلك ما سبق الإشارة إليه من أنّ له عموما من جهات أربع: باعتبار لفظي «الماء» و «الشيء» فيشملان كلّ ماء و كلّ نجس، و باعتبار لفظ «الكرّ» بالنظر إلى الأحوال الطارئة له من الاجتماع و التفرقة، مع الاتّصال أو تساوي السطوح. و اختلافهما، تسنّما أو انحدارا، و باعتبار نسبة التنجيس إلى الشيء المنفيّ في المنطوق المثبت في

____________

(1) المقنعة: 47.

(2) المبسوط 1: 29.

(3) مستدرك الوسائل 1: 198، ب 9 من أحكام المياه ح 6- عوالي اللآلي 1: 76- 2: 6.

(4) مدارك الأحكام 1: 40.

(5) السرائر 1: 181.

(6) الوسائل 1: 158، ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

240

المفهوم، بالنظر إلى الأحوال اللاحقة بالمباشرة الّتي تستفاد من تلك النسبة من كونها حاصلة بورود الشيء على الماء، أو بورود الماء على الشيء، أو بورود كلّ على الآخر دفعة.

و لا ريب أنّ إطلاق تلك النسبة يشمل جميع تلك الأحوال فيتبعه الحكم منطوقا و مفهوما، لئلّا يلزم الخطاب بما له ظاهر و إرادة خلافه، و ما ادّعي من القول المذكور لا يصار إليه إلّا مع دليل دافع لذلك الإطلاق و ليس ثابتا لما ستعرف من ضعف المستند.

و ممّا قرّرناه تبيّن اندفاع ما اعترض عليه من منع شموله لمحلّ البحث، تعليلا بأنّ الدلالة تنشأ عن عموم «الشيء» المأخوذ في المفهوم، و هو بمكان من المنع لكونه نكرة في سياق الإثبات فلا يعمّ، كما تبيّن بطلان ما قيل في دفعه- بعد تسليم المنع المذكور- من أنّ الدلالة تنشأ من لفظ «الماء» و هو عامّ.

و الوجه فيهما: أنّ العامّ إنّما يشمل من الأفراد لما هو من سنخه بحسب المفهوم العرفي أو اللغوي، و لو من جهة الإطلاق المقابل للتقييد، و لا ريب أنّ كون كلّ فرد من أفراد النجاسة ممّا يوجب انفعال القليل لا يستلزم كونه كذلك في جميع الأحوال اللاحقة بالمباشرة؛ إذ ليست الأحوال من سنخ أفراد النجاسة، كما أنّ كون كلّ فرد من أفراد القليل ممّا ينفعل بالملاقاة لا يستلزم كونه كذلك بالقياس إلى جميع أحوال المباشرة، فلا بدّ من إحراز العموم من جهة اخرى ممّا يرجع إلى المباشرة، نظرا إلى أنّها الّتي تختلف بالأنواع المختلفة المعبّر عنها بالورودين و التوارد.

الثاني: إطلاق جملة من الروايات المتقدّمة

كرواية أبي بصير الواردة في النبيذ المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «ما يبلّ منه الميل ينجّس حبّا من ماء» (1)، فإنّ ذكر «الحبّ» وارد من باب المثال، للقطع بعدم مدخليّة الخصوصيّة في الحكم، فهو في الحقيقة كناية عن الكثير الّذي يباشره النبيذ كائنا ما كان، و تحديده بما يبلّ منه الميل مبالغة في قوّة ما فيه من التأثير، حتّى أنّ أقلّ قليل منه ينجّس من الماء ما كان أكثر منه بمراتب، و لا ريب أنّ ذلك بإطلاقه يتناول محلّ البحث أيضا.

و رواية عمّار بن موسى الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): عن الرجل يجد في إنائه فأرة، و قد توضّأ من ذلك الإناء مرارا، و غسل منه ثيابه و اغتسل منه، و قد كانت الفأرة

____________

(1) الوسائل 3: 470 ب 38 من أبواب النجاسات ح 6- الكافي 6: 413/ 1.

241

منسلخة؟ فقال: «إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه، ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء، فعليه أن يغسل ثيابه، و يغسل كلّما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصلاة الحديث» (1) فإنّ ترك الاستفصال في موضع الاحتمال يفيد العموم في المقال، و لو لا عدم الفرق بين الورودين لكان اللازم تفصيلا آخر في اولى شقي التفصيل المذكور في الرواية، كما لا يخفى.

و رواية عمر بن حنظلة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما ترى في قدح من مسكر يصبّ عليه الماء حتّى يذهب عاديته، و يذهب سكره؟، فقال (عليه السلام): «لا و اللّه، و لا قطرة قطرت في حبّ إلّا اهريق ذلك الحبّ» (2) فإنّ السؤال ظاهر بل صريح في ورود الماء و الجواب صريح في عكسه، فلو لا المراد إعطاء الحكم على الوجه الأعمّ لفاتت المطابقة بينهما، بل لك أن تقول: لا حاجة إلى توسيط ذلك، بناء على أنّ النفي المستفاد من قوله (عليه السلام): «لا»، راجع إلى فرض السؤال و يبقى ما بعده مخصوصا بصورة العكس، تعميما للحكم بالقياس إلى الصورتين معا و هو المطلوب.

و الثالث: جملة من الروايات أيضا صريحة أو ظاهرة كالصريحة في خصوص المسألة المبحوث عنها،

كموثّقة عبد اللّه بن يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «و إيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام، و فيها يجتمع غسالة اليهودي، و النصراني، و المجوسيّ، و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم» (3)، فإنّ غسالة الحمّام تحصل غالبا بصبّ الماء على البدن لغسل أو تنظيف أو غير ذلك كما لا يخفى.

و منه رواية حمزة بن أحمد عن أبي الحسن الأوّل المتضمّنة لقوله (عليه السلام): «لا تغتسل من البئر الّتي تجتمع فيها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ماء يغتسل به الجنب، و ولد الزنا، و الناصب لنا أهل البيت»، الحديث (4)، و لكنّها إنّما تنطبق عليها لو قلنا بظهورها في الانفعال، و إلّا فأقصاها الدلالة على أنّ الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر لا يرفع

____________

(1) التهذيب 1: 418/ 41.

(2) الوسائل 1: 226 ب 1 من أبواب الأسآر ح 5- التهذيب 1: 225/ 645.

(3) الوسائل 1: 220 ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 5- علل الشرائع: 292.

(4) الوسائل 1: 218 ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 1- التهذيب 1: 373/ 1142.

242

الحدث، و لا يستعمل ثانيا في التطهير عن الحدث، كما يرشد إليه الجمع بين الناصب و الجنب و ولد الزناء مع عدم كونهما نجسين، و كون الجنب ممّن عليه نجاسة خارجيّة مجرّد احتمال لا ينبغي تنزيل الرواية عليه.

و موثّقة عمّار المتضمّنة لقوله: و عن الإبريق يكون فيه خمرا يصلح أن يكون فيه ماء؟ قال: «إذا غسل فلا بأس» (1)، و هي صريحة في ورود الماء دالّة بمفهومها على الانفعال في المتنازع نفسه.

و في معناها رواية الوسائل و قرب الإسناد، المتضمّنة للسؤال عن الشرب في الإناء يشرب منه الخمر قدحان عيدان أو باطية، المستعقب لقول الإمام (عليه السلام): «إذا غسل فلا بأس» (2).

و الرابع: إطلاق الإجماعات المحكيّة في المسألة على حدّ الاستفاضة.

منها: ما عن أمالي الصدوق: «من أنّه من دين الإماميّة الإقرار بأنّ الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر، و لا يفسد الماء إلّا ما كانت له نفس سائلة» (3)، لا يقال: إنّه لا يشمل جميع أنواع النجاسة؛ لأنّه غير قادح فيما نحن بصدده، مع إمكان إرجاعه إلى أكثر الأنواع نظرا إلى أنّ الغالب منها ما يرجع إلى ذي النفس كما لا يخفى على المتأمّل.

و منها: ما عن الغنية (4) من أنّه إن كان الماء الراكد قليلا، و مياه الآبار قليلا كان أو كثيرا تغيّر بالنجاسة أو لم يتغيّر فهو نجس بدليل إجماع الطائفة.

و منها: ما في المختلف (5) من أنّه اتّفق علماؤنا إلّا ابن أبي عقيل على أنّ الماء القليل- و هو ما نقص عن الكرّ- ينجّس بملاقاة النجاسة له تغيّر بها أو لم يتغيّر.

و منها: ما عن السيوري (6) من أنّ تنجّس القليل من الراكد مذهب كافّة العلماء، إلّا ابن أبي عقيل منّا و مالكا من الجمهور.

و منها: ما عن شرح المفاتيح للمحقّق البهبهاني: «أجمع علماؤنا على انفعال القليل

____________

(1) الوسائل 3: 494 ب 51 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 283/ 830.

(2) الوسائل 25: 369 ب 30 من أبواب الأشربة المحرّمة ح 5.

(3) أمالي الصدوق- المجلس 73- ص: 744.

(4) الغنية: 46.

(5) مختلف الشيعة 1: 176.

(6) التنقيح الرائع 1: 39.

243

بالملاقاة سوى ابن أبي عقيل، و لعلّه خارج غير مضرّ لكونه معلوم النسب إلخ» (1).

و أمّا ما تقدّم في عبارة السيّد من الاحتجاج، فجوابه- بعد قصوره عن إفادة تمام المدّعى كما أشار إليه في المصابيح- على ما حكي- قائلا: «بأنّ غاية ما هناك قضاء الضرورة بطهارة الوارد على المحلّ المتنجّس إذا استعقب طهر المحلّ، فأمّا طهارة الوارد مطلقا و لو على النجس أو المتنجّس فيما عدا الغسلة المطهّرة فلا» (2)- منع الملازمة، لما سبق الإشارة إلى تحقيقه من أنّه لا مانع عن إفادة هذا الماء و لو مع الانفصال طهارة المحلّ بعد الانفصال.

فإن قلت: الفاقد للشيء لا يصلح لكونه معطيا له.

قلت: أوّلا أنّه منقوض بأحجار الاستنجاء، و ثانيا: منع كون الماء بنفسه علّة مستقلّة للطهارة، بل العلّة هو المجموع من وروده طاهرا على المحلّ مع انفصاله عنه بالعصر و نحوه، فالمطهّر حقيقة ورود الطاهر مع انفصاله، و لا يقدح فيه انفعاله بنفسه فيما بين الجزءين إذا دلّ عليه الشرع، فالالتزام به عند التحقيق إنّما هو من جهة الجمع بين القاعدتين: قاعدة انفعال القليل بالملاقاة، و قاعدة طهر المتنجّس بالقليل الوارد عليه، فإنّ كلّا من القاعدتين ممّا قام به الدليل، و المفروض أنّ الأسباب الشرعيّة ليست كالعلل العقليّة حتّى تقاس بالعقول، بل هي امور تعبّديّة تتبع دليل التعبّد بها، فإذا قام الدليل عليه يجب الأخذ بها و إعمالها في موارد ذلك التعبّد.

و عن بعض المتأخّرين أنّه بعد ما وافق السيّد في المذهب المذكور احتجّ بأنّ أقصى ما دلّت عليه الأدلّة الدالّة على انفعال القليل هو انفعال ما وردت عليه النجاسة، فيتمسّك فيما عدا ذلك بمقتضى الأصل، و العمومات السالمة على المعارض.

و أنت بعد ما أحطت خبرا بما قرّرناه في دليل المختار تعرف ضعف ذلك، و أضعف منه ما عرفت عن الحلّي (3) من دعوى استمرار الفرق بين الورودين على فتاوي الأصحاب و اصول المذهب، فإنّه كما ترى ينافي إطلاق الإجماعات المتقدّمة، و كيف ذلك مع ما

____________

(1) مصابيح الظلام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 81.

(2) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 48.

(3) السرائر 1: 181؛ تقدّم في الصفحة 248.

244

عرفت عن السيّد (1) من إنكاره وجود نصّ من الأصحاب و لا قول صريح لهم في ذلك.

المقام الثاني: في مستثنيات قاعدة الانفعال ممّا هو محلّ وفاق و ما هو محلّ خلاف،

و قبل الخوض فيها ينبغي الإشارة إلى دقيقة ينكشف بها بعض الفوائد و الغفلات،

و هي أنّك قد عرفت ممّا سبق- من أوّل المسألة إلى مقامنا هذا- أنّ قاعدة انفعال القليل بالملاقاة مطلقا، يقابلها أقوال حدثت فيما بين العلماء.

أحدها: قول العمّاني بعدم انفعاله مطلقا.

و ثانيها: قول السيّد بعدم انفعاله إذا كان واردا على النجاسة.

و ثالثها: عدم نجاسة الغسالة الحاصلة من النجس.

و رابعها: عدم سراية النجاسة من أسفل الماء إلى أعلاه و لو قليلا، و هذا قول إجماعي في الجملة على ما حكي، و لا ريب أنّ كلّا من هذه الأقوال ناظر إلى جهة تطرأ القليل من غير الجهة الطارئة له بالنظر إلى قول آخر، فالقليل ممّا يطرئه جهات متكثّرة نشأت من كلّ جهة قول، غير أنّ هذه الجهات قد تجامعه في بعض فروضه، و قد تفارق بعضها بعضا في البعض الآخر من الفروض،

[الأول القليل الوارد على النجاسة]

و توضيح ذلك: أنّ القليل الوارد على النجاسة عاليا كان أو غير عال له صور.

منها: ما لو ورد على النجاسة و استعقب طهر المحلّ و انفصل عنه بعد وروده، فذلك الماء المنفصل حينئذ ممّا يلحقه حكم الطهارة قبالا للحكم عليه بالنجاسة من جهات، بحسب الأقوال الناشئة عن تلك الجهات، للزومه أن يقول بطهارته العماني لما يراه من عدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة في جميع أحواله، و أصحاب القول بطهارة الغسالة لكونه من أفرادها، و السيّد لكونه من أفراد الماء الوارد على النجاسة.

و منها: ما لو ورد على النجاسة من غير أن يستعقب طهارة المحلّ، انفصل عنه أو لم ينفصل مستعليا كان أو غيره، و هذا ممّا يتمشّى فيه قولا العماني و السيّد، فما سبق إلى بعض الأوهام من أنّ القول بالفرق بين الورودين مبنيّ على القول بطهارة الغسالة،

____________

(1) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 136- 137).

245

ليس على ما ينبغي.

و منها: ما لو ورد عليها مستعليا، و هذا ممّا يجري فيه قول العماني و قول السيّد و القول بعدم سراية النجاسة من الأسفل، فما سبق إلى بعض الأوهام من أنّ طهارة المستعلي مبنيّة على الفرق بين الورودين غفلة، مبناها عدم مراعاة حيثيّات المسألة فإنّها ممّا تختلف باختلافها العنوانات، و اجتماع حيثيّة مع حيثيّة اخرى في موضوع واحد لا يوجب وحدة المسألة بعد ما تعدّد الموضوع بتعدّدهما، و لذا ترى أنّ إحدى الحيثيّتين تفارق الحيثيّة الاخرى، فينعقد بها مسألة لا يدخل فيها مسألة اخرى، و يمتاز الحيثيّة الاخرى بانعقاد الإجماع على الحكم معها، مع الخلاف فيه بالقياس إلى الحيثيّة الاولى.

فكون الماء المفروض من حيث إنّه مستعل غير منفعل بما ورد عليه من النجاسة، ممّا لا مدخليّة فيه، لكونه غير منفعل من حيث إنّه وارد عليها، غاية الأمر كونهما متصادقين في مورد واحد، و هو ليس من اتّحاد المسألتين في شيء، و لذا ترى أنّه من حيث الورود قد يطرئه أحوال يجري على الجميع الحكم بعدم الانفعال عند أهل القول بالفرق بين الورودين، و هي حالة اللقاء- أي حدوثه- و حالة بقائه متّصلا بها إلى مدّة، و حالة انفصاله المستتبع لزوال وصف العلوّ عنه، فإنّ قضيّة إطلاق القول بعدم انفعال الوارد و دليله أيضا لو تمّ تشمل جميع تلك الأحوال، بخلاف القول بعدم نجاسة العالي، فإنّ ظاهره كونه كذلك ما دام وصف العلوّ باقيا، و أمّا إذا زال عنه الوصف- سواء بقي على كونه ملاقيا لها أو انفصل عنها جزء فجزء- فيندرج في عنوان الغير المستعلي الملاقي للنجاسة، و هو كما ترى خروج عن الموضوع، و معه لا يعقل لحوق الحكم به لكون القضيّة بالقياس إلى الوصف الزائل من باب المشروطة.

فمسألة عدم انفعال المستعلي مفروضة في العالي بوصف كونه عاليا، و أظهر أفراده ما لو جعل الماء في انبوبة متّصل رأسها بنجاسة بحيث أوجب اتّصالها بها اتّصال الماء من الجانب التحتاني بها، و هذا مع نظائره ممّا يندرج تحت مفهوم المستعلي ممّا يعدّ من مستثنيات قاعدة الانفعال، و يستفاد من غير واحد ثبوت هذا الاستثناء، بل ظاهرهم فيما وجدناه من كلماتهم في الفروع الّتي منها ما سبق الإشارة إليه في فروع الكرّ الاتّفاق

246

عليه، و في كلام غير واحد منهم صاحب الحدائق (1) في فروع الكرّ التعليل له بعدم تعقّل سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، و حكى ذلك عن الشهيد في الروض (2).

و لا يخفى ما فيه، فإنّ الأحكام الشرعيّة التعبّديّة- و لا سيّما أحكام الطهارة و النجاسة- لا تقاس بالعقول، فقصور العقل عن إدراك السراية من الأسفل لا يوجب الحكم عليها بالعدم، بعد ما كان مقتضى الأدلّة النقليّة من العمومات و الإطلاقات هو السراية؛ ضرورة جريان قاعدة الانفعال في المفروض أيضا، مع أنّ السراية الّتي لا تعقل هنا إن اريد بها سراية عين النجاسة الحاصلة بتفرّق أجزائها في أجزاء الماء و امتزاجها معها.

ففيه: أنّه منقوض بالمتساوي السطوح من القليل الّذي يقع فيه من النجاسات ما لا تتفرّق أجزاؤه مطلقا أو في الجملة، فقضيّة ما ذكر من الاستحالة أن لا يحكم فيه بالانفعال، لأنّ مبناها على عدم سراية العين و هو حاصل في الفرض، فينبغي من أجل ذلك أن يفصّل في مسألة انفعال القليل بملاقاة النجاسة بين ما كان النجاسة الواقعة فيه ممّا له أجزاء قابلة للتفرّق و السراية فيحكم بالانفعال، و بين غيره و هو كما ترى.

و إن اريد بها سراية أثر النجاسة، فأيّ استحالة في سراية الأثر من الأسفل إلى الأعلى، و أيّ شيء قضى لكم بها في غير مختلف السطوح، و النجاسة لا تباشره إلّا في جزء منه و هو لا يقضي بها هنا و لا يجري في المقام، و هل هو إلّا تعبّد من الشارع، أو لأنّ الأثر يسري من جزء إلى جزء آخر بواسطة ما بينهما من الاتّصال، و أنّ الجزء الملاقي لعين النجاسة ينفعل بها و يوجب انفعال ما اتّصل به من الجزء الغير الملاقي لها و هكذا أتى آخر الأجزاء، بناء على أنّ انفعال القليل لا يفرّق فيه بين استناده إلى ملاقاة النجس و ملاقاة المتنجّس، بمعنى أنّ ملاقاة المتنجّس أيضا توجب انفعال الملاقي له كملاقاة النجس، و أيّ عقل ينكر إمكان جريان الأوّل في مفروض المسألة، كما أنّه أيّ عقل يقضي باستحالة جريان الثاني فيه، مع أنّ الواسطة في الانفعال و هو مجرّد الاتّصال متحقّقة معه جزما.

فالحقّ أنّ الحكم تعبّدي و مستنده الإجماع لمن حصّل له ذلك، أو منقوله لمن يراه حجّة، و قد استفاض من علمائنا الأعلام نقله، و منهم ثاني الشهيدين في روضه 3- على

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 242.

(2) 2 و 3 روض الجنان: 136.

247

ما حكي- و تصدّى لنقله صاحب الحدائق (1) أيضا في غير موضع يظهر للمتتبّع، و السيّد صاحب المصابيح (2) في عبارة محكيّة منه، و صرّح به صاحب المدارك (3) في مسألة عدم اشتراط تساوي السطوح في عدم انفعال الكرّ، ردّا على المحقّق الثاني في احتجاجه بما تقدّم في بحث الكرّ على عدم تقوّي الأعلى بالأسفل، و قد حكي (4) ذلك عن صاحب المقابس (5) من تلامذة السيّد المتقدّم ذكره، و له في مصابيحه عبارة عثرنا على حكايته و لا بأس بأن نذكرها لتضمّنها تحقيقا و بسطا.

فإنّه قال: «لا ينجّس المستعلي من السائل عن نبع و غيره، و المراد به ما فوق الملاقي للنجاسة أو المتنجّس بغير هذه الملاقاة، لما تقدّم من عدم الفرق في الملاقي بين الوارد و المورود عليه كما هو المشهور، و الحكم بطهارة المستعلي بهذا المعنى مجمع عليه، و قد حكى جماعة من الأصحاب، منهم الشهيد في الروض (6)، و سبطه في المدارك (7) الإجماع على عدم سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، و المراد نفي السراية في السائل خاصّة، فلو استقرّ نجس الأعلى إلّا على القول بالفرق بين الورودين، فالمستعلي على هذا القول طاهر مطلقا، سواء في ذلك الملاقي للنجاسة و غيره، و لا فرق في طهارة المستعلي من السائل بين النابع و غيره، و إن كان الحكم في الأوّل أظهر لثبوت العصمة فيه باعتبار الجريان و الاستعلاء معا، بخلاف الثاني فإنّ المانع من انفعاله هو الثاني خاصّة، و على قول العلّامة باشتراط الكرّيّة في الجاري فالمانع عن الانفعال هو الاستعلاء مطلقا، و قد صرّح غير واحد من الأصحاب في مسألة تغيّر الجاري و الكثير باختصاص المتغيّر بالتنجيس إذا اختلف سطوح الماء و كان المتغيّر هو الأسفل، و هذا يقتضي طهارة المستعلي عن نبع و غيره.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 243 حيث قال: «لأنّ الأعلى لا تسري إليه النجاسة إجماعا» و أيضا 1: 242 حيث قال: «و أمّا الأعلى فظاهر كلامهم، الاتّفاق على عدم نجاسته؛ لعدم تعقّل سريان النجاسة إلى الأعلى».

(2) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 54.

(3) مدارك الأحكام 1: 45 حيث قال: «مع أنّ الإجماع منعقد على أنّ النجاسة لا تسري إلى الأعلى مطلقا».

(4) و الحاكي هو الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) في كتاب الطهارة 1: 116.

(5) مقابس الأنوار: 79.

(6) روض الجنان: 136.

(7) مدارك الأحكام 1: 45.

248

و قال العلّامة (رحمه الله) في المنتهى: «لا فرق بين الأنهار الكبار و الصغار، نعم الأقرب اشتراط الكرّيّة لانفعال الناقص عنها مطلقا، و لو كان القليل يجري على أرض منحدرة كان ما فوق النجاسة طاهرا» (1)، و قال في التذكرة: «لو كان الجاري أقلّ من الكرّ نجس بالملاقاة الملاقي و ما تحته» (2)، و قال الشهيد في الدروس: «و لو كان الجاري لا عن مادّة و لاقته النجاسة لم ينجّس ما فوقها مطلقا» (3)، و قال في البيان: «و لو كان الجاري بلا مادّة نجس بالملاقاة إذا نقص عن الكرّ، و لا ينجّس به ما فوق النجاسة» (4).

و قال ابن فهد في الموجز: «و لو كان لا عن مادّة كثيرا لم ينجّس بالملاقاة مطلقا، و قليلا ينفعل السافل خاصّة» (5)، و قال المحقّق الكركي في حواشي الإرشاد: «أنّ الجاري هو النابع من الأرض دون ما جرى فإنّه واقف، و إن لم ينجّس العالي منه بنجاسة السافل إذا اختلف السطوح» (6)، و هذه العبارات صريحة في طهارة المستعلي من السائل من حيث هو كذلك، جاريا كان أو راكدا، سواء قلنا بنجاسة الماء الوارد على النجاسة أو لم نقل» (7) انتهى.

أقول: ما استظهره (رحمه الله) من عموم الحكم بالقياس إلى السائل عن مادّة و السائل لا عن مادّة في محلّه، بل و إطلاق بعض هذه العبارات بل و صريح بعضها يقضي بعدم الفرق في ذلك بين ما لو كان العالي بنفسه كرّا أو عاليا في كرّ أو في قليل.

و يبقى الكلام مع السيّد المتقدّم (رحمه الله) في شيء، حيث إنّه خصّ الحكم بما إذا كان العالي سائلا، فإنّه غير معلوم الوجه، و لعلّه اقتصار على القدر المتيقّن من معقد الإجماع المخرج عن القاعدة، أو مستفاد من كون المسألة في فتاوي الأصحاب مفروضة في خصوص الجاري بالمعنى الأعمّ من النابع و السائل لا عن نبع كما يرشد إليه الكلمات السابقة، أو من أنّ إجماعات المسألة قد نقلت في الجاري بالمعنى الأخصّ، أو في مسألة اختلاف سطوح الكثير الّذي لا يتأتّى فرضه إلّا مع السيلان، و على كلّ تقدير فهو

____________

(1) المنتهى 1: 28.

(2) تذكرة الفقهاء 1: 17.

(3) الدروس الشرعيّة 1: 911.

(4) البيان: 98.

(5) الموجز الحاوي (سلسلة الينابيع الفقهيّة 26: 411).

(6) حاشية الإرشاد- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 15.

(7) مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 54.

249

إغماض عن إطلاق العبارة في منقول الإجماع المتضمّنة لقولهم: «النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى»، و لا ريب أنّها تشمل الغير السائل أيضا، بل أظهر أفراده ما تقدّم الإشارة إليه من مسألة الانبوبة، و من المصرّح به في كلام غير واحد من الأساطين أنّ منقول الإجماع عند العاملين به تعبّدا باعتبار العبارة الحاكية له من جملة الأدلّة اللفظيّة، و لذا يسمّونه بالسنّة الإجماليّة، فيجري عليه جميع أحكام اللفظ من إطلاق و تقييد، و عموم و خصوص، و إجمال و بيان، فإذا كان عبارة قولهم: «النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى إجماعا»، أو أنّهم أجمعوا على عدم سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى مطلقة شاملة لعال غير سائل، فأيّ شيء يقضي بخروج ذلك عن الحكم المثبت بذلك و هو يوجب تقييد تلك العبارة، و لا يصار إليه إلّا بدليل.

و قاعدة الاقتصار على مورد اليقين لا مجال إليها في الظواهر، لأنّ الظاهر حيثما ثبت حجّيّة سنده قائم مقام اليقين و معه لا معنى للاقتصار، و خصوصيّة المثال في فتاوي الأصحاب لا تقضي باختصاص إجماعهم المنقول بعبارة مطلقة ظاهرة في العموم، كما أنّ خصوص المورد و السبب لا يوجب تخصيصا في العامّ و لا تقييدا في المطلق، و اعتبار كون كلّ ذلك قرينة كاشفة عن حقيقة مراد الناقلين للإجماع من تلك العبارة، أو مراد المفتين في المسألة بتلك العبارة ليس على ما ينبغي، لتوجّه المنع الواضح إلى صلوح ذلك للقرينيّة، و إلّا لكان ينبغي أن يقال بمثله في غير محلّ المقال كعمومات اخر واردة في موارد خاصّة، و مجرّد الاحتمال لا يعارض الظهور، و يقوى هذا الإشكال لو كان مستند الحكم أو مستند الإجماع ما سبق الإشارة إلى ضعفه من عدم معقوليّة سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، كما لا يخفى.

نعم، يمكن الاعتذار له (قدّس سرّه) بأنّ مستنده في حكم المسألة إجماع حصّله بنفسه، كما صرّح به في صدر العبارة المتقدّمة، و كان معقد ذلك الإجماع مجملا في نظره بالقياس إلى بعض الأفراد، فاضطرّ إلى الاقتصار على مورد اليقين، حيث إنّ الإجماع المحصّل ليس من مقولة الألفاظ ليعتبر فيه إطلاق أو عموم أو نحو ذلك، و لكنّه بعيد عن المتتبّع الناقد، و لعلّه عثر من الخارج على ما دلّه على ما ادّعاه فهو أبصر بحقيقة الحال، و لكن مجرّد ذلك لا يوجب لغيره الغير العاثر على ما عثر عليه رفع اليد عن ظهور منقول

250

الإجماع إن قال بالتعبّد به،

ثمّ إنّ هاهنا فروعا ينبغي الإشارة إليها.

أحدها: هل الحكم يثبت للعالي بجميع أجزائه حتّى الجزء الملاصق للنجس أو المتنجّس، أو يختصّ بما عدا ذلك الجزء؟

وجهان: من أنّ العالي يشمل بإطلاقه جميع الأجزاء حتّى الجزء الملاصق، و من أنّ الأسفل في مقابلة الأعلى المأخوذ في عبارة الإجماع ظاهر في الماء و هو محكوم عليه بالنجاسة- كما يفصح عنه التعبير بأنّ النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى- و هو الأظهر، كما تنبّه عليه السيّد المتقدّم في قوله المتقدّم، و المراد به ما فوق الملاقي للنجاسة أو المتنجّس بغير هذه الملاقاة، بناء على أنّ مراده بالملاقي للنجاسة أو المتنجّس هو الجزء الملاصق لهما من الأعلى، فإنّ المحكوم عليه بالطهارة هو ما فوق ذلك الجزء.

و أمّا هو فمحكوم عليه بالنجاسة مستدلّا عليه بقوله: «لما تقدّم من عدم الفرق في الملاقي بين الوارد و المورود عليه» و لا يخفى ما في هذا التعليل من الوهن الواضح، فإنّ مستند انفعال ذلك الجزء لو كان هو قضيّة عدم الفرق بين الورودين لقضى بانفعال ما فوقه أيضا، لأنّ ما لا يفرّق فيه بين الورودين أعمّ من أن يكون واردا على النجس أو المتنجّس، بناء على عدم الفرق في انفعال القليل بين ملاقاة النجس أو المتنجّس كما سبق تحقيقه- و عليه السيّد كما يستفاد من قوله: «أو المتنجّس بغير هذه الملاقاة»، و إلّا لم يكن فائدة في ذكره- فإذا فرض أنّ الوارد على المتنجّس ينجّس بملاقاته يلزم نجاسة ما فوق الجزء الملاقي أيضا، لوروده على المتنجّس، و لا فرق في الملاقاة بين الورودين، فلزم أنّ الحكم بالفرق بين الجزء الملاصق و ما فوقه تعبّدي أثبته الإجماع، و على هذا فالمفروض من مستثنيات قاعدة انفعال القليل بالمتنجّس خاصّة.

ثمّ يبقى الإشكال في تحديد ذلك الجزء استعلاما للطاهر عن المتنجّس، و لو قيل بأنّه أقلّ ما يصدق عليه الماء الملاصق للنجس أو المتنجّس لم يكن بعيدا، جمعا بين الوجهين المتقدّمين، فلا يكفي مجرّد النداوة و الرطوبة الظاهرة لو أمكن إدراكها منفصلة عمّا فوقها.

و ثانيها: ظاهر عباراتهم فتوى و نقلا للإجماع أن يكون المراد بالعلوّ و الاستعلاء الارتفاع بحسب المكان

، لا مجرّد الفوقيّة بأن يكون الماء واردا على النجس أو المتنجّس من مكان مرتفع موجب لارتفاع الماء المحكوم عليه بالطهارة على الجزء

251

الملاصق لهما في نظر الحسّ، و إلّا لزمهم الحكم بالطهارة في غالب أفراد القليل و معظم أحواله، إذ الغالب من الملاقي و لو كان ساكنا و تساوى سطوحه اختصاص الملاقاة بما تحته إذا كان هو الوارد على النجس، فيكون سائر الأجزاء المتواصلة واقعة في طرف الفوق، فلو أنّ مجرّد هذه الفوقيّة توجب العصمة لقضى بما ذكرناه، و هو باطل جزما.

و ثالثها: قد عرفت في بحث الكرّ أنّ العلوّ قد يكون على جهة التسنيم و قد يكون على جهة الانحدار،

و تحتهما أفراد مختلفة في الظهور و الخفاء، و أخفى أفراد العالي ما لو كان من المنحدر ما توقّف سيلان الماء على الأرض على ارتفاع خفيّ لها بحيث يدقّ إدراكه على الحسّ، و عبارات الأصحاب و إن كانت مطلقة في الحكم على الأعلى بعدم انفعاله بالأسفل، غير أنّ انصراف ذلك الإطلاق إلى المفروض من المنحدر و ما يشبهه محلّ إشكال، كما أنّ المتيقّن من مورد الإجماع و صريح فتاوي الأصحاب ما لو كان عاليا على جهة التسنيم، و دونه على وجه يعدّ من مصاديق الظاهر صورة الانحدار الّذي يكون ظاهرا في الأنظار، و ما عداهما ممّا فرض سابقا يبقى مشكوكا في حاله من حيث خروجه عن عموم قاعدة الانفعال و عدمه، و لمّا كان دليل تلك القاعدة في عمومه ظاهر التناول لجميع أفراد المسألة الّتي منها المشكوك فيه فليحكم عليه بعدم الخروج عنها، عملا بالظاهر السليم عمّا يصلح للمعارضة، لعدم تبيّن التخصيص بالقياس إليه، غايته بقاء الاحتمال فيرتفع بالأصل، و ممّن تنبّه على ما قرّرناه شيخنا الاستاد مدّ ظلّه في شرحه على الشرائع بقوله: «و المتيقّن من الإجماع صورة التسنيم و ما يشبهه من التصريح، و للتأمّل في غير ذلك مجال، و التمسّك بالعموم أوضح، وفاقا لظاهر كشف الغطاء (1) لصدق وحدة الماء، فيدخل في عموم «ينجّسه»، و لذا لو كان الماء على هذه الهيئة كرّا لم ينفعل شيء منه بالملاقاة» (2) انتهى.

و ممّن صرّح بذلك أيضا الفاضل الكاظميني في شرحه للدروس- في عبارة محكيّة منه- حيث إنّه عند شرح قول المصنّف: «و لو كان الجاري لا عن مادّة» الخ، قال: «بقى شيء، و هو أنّ إطلاق عدم النجاسة فيما فوقها غير جيّد، إذ على تقدير تساوي السطوح و خصوصا مع كون حركة الماء ضعيفة ينجّس ما فوق النجاسة إذا

____________

(1) كشف الغطاء: 187.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)- 1: 116.

252

نقص المجموع عن الكرّ» (1) انتهى.

و أمّا ما قيل- في دفع ذلك-: من أنّ إطلاقات الأصحاب و إطلاق الإجماعات المنقولة شاملة لمحلّ الفرض، و هي و إن كانت معارضة لاطلاقاتهم في الانفعال القليل، و إطلاق ادّعاء بعضهم عدم الفرق بين أفراد القليل في حكم الانفعال بالملاقاة، إلّا أنّ الترجيح معها لتأييدها بالاصول و العمومات، و لكنّ الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه.

و أنت بالتأمّل فيما قرّرناه تقدر على دفعه، مع ما في إبداء المعارضة بين إطلاقات مسألتنا هذه و إطلاقات مسألة الانفعال ما لا يخفى من خروجه عن السداد، فإنّ هذه الإطلاقات لو صحّت و تمّت دلالتها بحيث تشمل مفروض المسألة كانت بأنفسها قاطعة لاطلاقات الانفعال، لرجوع النسبة فيما بينهما إلى العموم و الخصوص المطلقتين كما لا يخفى، و معه لا يكون الحاجة ماسّة إلى التشبّث بالمرجّح الخارجي، مع ما في الترجيح بما ذكر ممّا لا يخفى، كما أشرنا إليه مرارا.

و لو سبق إلى الوهم شبهة أنّ النسبة بينهما عموم من وجه، بتقريب: أنّ هذه الإطلاقات تشمل المستعلي من المضاف، فتفترق من جهته، و إطلاقات انفعال القليل تشمل غير المستعلي من الماء فتفترق به، و تجتمعان في المستعلي من قليل الماء، لدفعها: ما سنبيّنه في الفرع الآتي.

فإن قلت: هذا لا يجدي نفعا في المقام لبقاء تلك النسبة من جهة اخرى، فإنّ اطلاقات المستعلي تشمل ما لو كان المستعلي من الماء كرّا و إطلاقات القليل تشمل غير المستعلي منه، فيتعارضان في المستعلي من الماء إذا كان قليلا.

قلت: يندفع ذلك بملاحظة أنّ أكثر إطلاقات الانفعال بملاقاة النجاسة تشمل الكرّ و ما دونه، فتكون إطلاقات المستعلي أخصّ منها مطلقا.

و رابعها: في إلحاق المضاف بالماء في عدم نجاسة أعلاه بأسفله قولان،

أحدهما: ما اختاره أو مال إليه بعض أفاضل السادة في مناهله (2) من عدم لحوقه به، ناسبا له إلى بعض فضلاء معاصريه، قائلا في عبارة محكيّة له: «فإذن احتمال سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى في المضاف في غاية القوّة، كما ذهب إليه بعض فضلاء

____________

(1) لم نعثر عليه.

(2) مناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 218.