ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
253

المعاصرين»، و مستنده على ما في شرح الشرائع للأستاد (1) دعوى شمول إطلاق فتاويهم و معاقد إجماعاتهم على انفعال المضاف بالملاقاة لما إذا كان المضاف عاليا.

و أورد عليه الاستاذ: «بأنّ ظاهرهم تنجّس المضاف مطلقا على نحو تنجّس المطلق القليل، بل الملاقاة في كلامهم غير معلوم الشمول لهذا الفرد، خصوصا عند من لا يرى اتّحاد العالي مع السافل» 2.

و ثانيهما: ما رجّحه الشيخ الاستاذ في شرحه 3، وفاقا لصريح السيّدين في المدارك، و المصابيح، و الرسالة المنظومة 4، قال في المدارك- في مسألة أنّ المضاف متى لاقته نجاسة نجس، قليله و كثيره-: «و لا تسري النجاسة مع اختلاف السطوح إلى الأعلى قطعا، تمسّكا بمقتضى الأصل السالم عن المعارض» 5.

و كان مراده (قدّس سرّه) بالأصل القاعدة المجمع عليها من عدم سراية النجاسة من الأسفل إلى الأعلى، خصوصا إذا استند لها إلى عدم المعقوليّة كما عرفته عن ثاني الشهيدين في الروض 6، و إلّا أشكل الحال في الجمع بين دعوى القطع و التمسّك بالأصل الّذي لا مجال له إلى إيراث القطع، و عن المصابيح أنّه قال: «و كما أنّ المستعلي من الماء لا ينجّس بملاقاة النجاسة لما تحته فكذا غيره من المائعات، و قولهم: «النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى» يتناول الماء و غيره، فلو صبّ من قارورة ماء الورد مثلا على يد الكافر اختصّ ما في يده بالتنجّس، و كان ما في الإناء و الخارج الغير الملاقي طاهرا إجماعا» 7.

و عنه أيضا- في مسألة نفي الفرق بين الورودين:- «اعلم أنّ محلّ البحث هو القدر المتّصل بالنجاسة دون ما فوقه، فإنّه طاهر إجماعا، لأنّ النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى قطعا، سواء في ذلك الماء و غيره» 8.

و في إطلاق هذا الكلام شيء يظهر وجهه بالتأمّل فيما قرّرناه سابقا، من مفارقة

____________

(1) 1 و 2 و 3 كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)- 1: 301.

(2) 4 الدرّة النجفيّة: 6 حيث قال:.

و ينجس القليل و الكثير * * * منه و لا يشترط التغيير

إن نجسا لاقى عدا ما قد علا * * * على الملاقي باتّفاق من خلا

(3) 5 مدارك الأحكام 1: 114.

(4) 6 روض الجنان: 136، تقدّم في الصفحة 257.

(5) 7 و 8 مصابيح الأحكام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة 54 و 49.

254

مسألة الورودين كثيرا عن مسألة العالي و السافل، و كلامه يقتضي المصادقة الدائمة و إلّا لم يكن [وجه] (1) لتخصيص محلّ البحث من مسألة الورودين بما يبدأ فيه الفرق بين القدر المتّصل بالنجاسة و ما فوقه، إلّا أن يكون مراده بالفوقيّة ما يتحقّق مع تساوي السطوح أيضا، و قد عرفت القول فيه.

و كيف كان فالوجه في المسألة هو هذا، خلافا لما عرفت عن المناهل، عملا بإطلاق الإجماعات المنقولة، على أنّ النجاسة لا تسري من الأسفل إلى الأعلى، فإنّه يشمل المقام و سائر المائعات ممّا لا يندرج تحت المطلق و لا المضاف الّذي يطلق عليه الماء مجازا جزما، بحيث يكون الاسترابة فيه دفعا للضرورة، فعلى ثبوت العمل به تمّ الدليل و استقرّت الحجّة، و ليس للمخالف على ما عرفت إلّا إطلاقات الفتاوي، و الإجماعات المنعقدة على انفعال المضاف مطلقا، و دفعه بعد ملاحظة أنّ إطلاقاتهم فتوى و دعوى للإجماع في الفرق بين العالي و غيره أخصّ مطلقا من تلك الإطلاقات هيّن.

لا يقال: النسبة بينهما ترجع إلى عموم من وجه، لافتراق الاولى في الماء المستعلي، و افتراق الثانية في المضاف الغير المستعلي، فيجتمعان في المضاف المستعلي، و يلزمه الترجيح بالخارج.

لأنّا نقول: مع إمكان ترجيح الاولى بموافقتها الأصل، فيه منع واضح فإنّ ذلك إنّما يتّجه إذا لوحظت الثانية منفردة عن إطلاقات انفعال الماء القليل، و أمّا إذا لوحظتا معا و هما متوافقان في الحكم كان إطلاقات المستعلي أخصّ منهما مطلقا فتخصّصهما معا، ألا ترى أنّه لو قال: «أكرم الرجال»، ثمّ قال: «أكرم النسوان»، ثمّ قال ثالثا: «لا تكرم الفسّاق»، كان ذلك الأخير مخصّصا للأوّلين معا إذا لوحظا منضمّين، و إن كان بينه و بين كلّ واحد منهما إذا لوحظ منفردا عموما من وجه كما لا يخفى.

و يستفاد من الشيخ الاستاذ في الشرح المشار إليه (2): دعوى الضرورة و السيرة فيه و في الماء، و كون مسألة عدم السراية مركوزة في أذهان المتشرّعة، و هو في الجملة ليس ببعيد خصوصا في الماء، ثمّ إنّه دام ظلّه خصّ الحكم فيه و في المطلق بما إذا كان العالي سائلا، و أمّا مع وقوف العالي على السافل من دون سيلان كما لو أدخل إبرة

____________

(1) أضفناها لاستقامة العبارة.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)- 1: 304.

255

نجسة في قارورة من ماء الورد فنفي الإشكال فيه عن انفعال جميعه، نافيا للخلاف عنه، و هو أيضا ليس ببعيد بالنظر إلى ما قرّرناه في الفرع الثاني، و إن كنّا رجّحنا خلافه في أصل المسألة ردّا على السيّد المتقدّم (قدّس سرّه)، فإنّ الظاهر أنّ ما ذكرناه ثمّة من الفرض داخل في عنوان متساوي السطوح من الوارد على النجاسة، فتأمّل.

و لكنّ الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه على كلّ حال، كما أنّ الاحتياط ممّا لا ينبغي ترك مراعاته فيما لا يكون الاختلاف بين الأعلى و الأسفل على جهة التسنيم، و لا سيّما ما كان من السافل له حركة ضعيفة كما في بعض صور الانحدار، و اللّه العالم، هذا تمام الكلام في أوّل ما استثني من قاعدة انفعال القليل بالملاقاة.

و الثاني: ممّا استثنى منها وفاقا في الجملة ماء الاستنجاء،

و المراد به ماء يغسل به موضع النجو، يقال: استنجيت، أي غسلت موضع النجو، و منه الاستنجاء أعني إزالة ما يخرج من النجو، كذا في المجمع (1)، و النجو- على ما فيه أيضا- الغائط، و منه الحديث لم ير للنبيّ (صلى الله عليه و آله) نجو 2 أي غائط، و ما بمعنى الحدث و منه أنجى أي أحدث، و لعلّه بهذا المعنى مخصوص بالغائط و البول أو يشملهما أيضا، و مع الغضّ عنه فظاهر التفسير الأوّل اختصاصه بالغائط، و عليه لا يتناول الاستنجاء إزالة البول و غسل موضعه، و لكن الّذي يظهر من الأخبار كونه للأعمّ، كما يشهد به صحيحة أبي بصير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أبول، و أتوضّأ، و أنسى استنجائي، ثمّ أذكر بعد ما صلّيت قال: «اغسل ذكرك، و أعد صلاتك، و لا تعد وضوءك» 3.

و لا يبعد دعوى ثبوت الحقيقة الشرعيّة له في المعنى الأعمّ، كما يفصح عنه صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لا صلاة إلّا بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنّة من رسول اللّه (صلى الله عليه و آله)، و أمّا البول فإنّه لا بدّ من غسله» 4، فإنّه لو لا للأعمّ لما حاجة إلى قوله (عليه السلام): «و أمّا البول الخ»، إذ احتمال التجوّز ممّا لا يعتنى به

____________

(1) 1 و 2 مجمع البحرين؛ مادّة «نجو».

(2) 3 الوسائل 1: 294 ب 18 من أبواب نواقض الوضوء ح 3- التهذيب 1: 46/ 133، و فيهما:

بإسناد الشيخ عن محمّد بن الحسن الصفار، عن أيّوب بن نوح عن صفوان بن يحيى قال: حدّثني عمرو بن أبي نصر إلخ.

(3) 4 التهذيب 1: 49/ 144.

256

عند أهل اللسان، فإنّما أتى به (عليه السلام) على عدم إرادة الأعمّ صونا له عن الوقوع في مخالفة الواقع لأجل فهمه الأعمّ كما هو دأب الحكيم فتأمّل.

و على فرض عدمه فهو في الأخبار حيثما تجرّد عن قرينة مخصوصة محمول على الأعمّ بقرينة فهم الأصحاب، كما في أخبار الباب على ما ستعرفه من أنّهم في ذهابهم إلى طهارة الاستنجاء، أو ثبوت العفو عنه يستندون إلى هذه الأخبار، مع تصريحهم في عناوين المسألة بالتعميم بالنسبة إلى الحدثين، و نقلوا إجماعاتهم على هذا المذكور صريحا في معاقدها كما سيأتي بيانها، بل ظاهر تعليلاتهم فيما يأتي من مسألة التعميم بالنسبة إلى المخرجين يقتضي كونه للأعمّ باعتبار الوضع، و لعلّه وضع شرعي كما أشرنا إليه،

و كيف كان فالبحث في ماء الاستنجاء مفروض عندهم في مسألتين:

المسألة الاولى: في أصل جواز مباشرته، و عدم وجوب غسل الثوب و البدن عنه من جهة الصلاة و غيرها.

و المسألة الثانية: في أنّ هذا الجواز هل هو من جهة العفو، حتّى لا ينافي نجاسته على قياس ما هو الحال في بعض أفراد الدم و غيره، أو من جهة الطهارة و عدم انفعاله بمباشرة النجاسة، و يظهر الفائدة في جواز استعماله في الشرب و نحوه، و اختصاص الجواز بحالة الصلاة لزوال مانعيّتها بدليل العفو، كما في قليل الدم، فتأمّل.

و لكن لمّا كان طريق الاستدلال على الحكمين واحدا على القول بعدم النجاسة، فنحن نورد البحث عنهما في سياق واحد حذرا عن الإطالة بلا طائلة.

و نقول: الحقّ خروج ماء الاستنجاء عن قاعدة انفعال القليل إذا جامع الشروط الآتية، سواء كان عن غائط أو بول، و الأصل في ذلك الروايات المستفيضة المعتضدة بالمستفيضة من الإجماعات، مع الشهرة العظيمة.

منها: صحيحة عبد الكريم بن عتبة الهاشمي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الّذي استنجى به، أ ينجّس ذلك ثوبه؟ فقال: «لا» (1).

و منها: الحسن كالصحيح بإبراهيم بن هاشم المرويّ في التهذيب و الكافي عن محمّد بن النعمان الأحوال قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أخرج من الخلاء، فأستنجي

____________

(1) الوسائل 1: 223 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 5- التهذيب 1: 86/ 228.

257

بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الّذي استنجيت به؟ فقال: «لا بأس به» (1) و عن الصدوق رواه باسناده عن محمّد بن نعمان و زاد في آخره «ليس عليك شيء» (2).

و منها: ما في الوسائل عن الصدوق في العلل، من مرسلة يونس بن عبد الرحمن عن رجل عن العيزار عن الأحول أنّه قال لأبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- الرجل يستنجي فيقع ثوبه في الماء الّذي استنجى به؟ فقال: «لا بأس» فسكت، فقال: أو تدري و لم صار لا بأس به؟ فقلت: لا و اللّه جعلت فداك، فقال: «إنّ الماء أكثر من القذر» (3)، و تمام الحديث قد سبق في جملة الأخبار المتمسّك بها على عدم انفعال القليل، و ضعفه بالإرسال و جهالة العيزار ينجبر بموافقة الشهرة.

و منها: صحيحة محمّد بن النعمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت أستنجي، ثمّ يقع ثوبي فيه، و أنا جنب؟ فقال: «لا بأس به» (4) و كما يمكن أن يكون اعتبار الجنابة كناية عن وجود المني مع الحدث في المخرج، فكان الاستنجاء غسالة عنهما معا، فكذا يمكن كونه لتوهّم تأثير القذارة المعنويّة الحاصلة بالجنابة في نجاسة الماء المستنجى به، و ليس الأوّل أظهر من الثاني، لعدم الملازمة عقلا و لا عادة بين الجنابة و تنجّس موضع الاستنجاء بالمني، فيكون ذلك مجملا فلا يرد أنّه كما يدلّ على طهارة ماء الاستنجاء فكذلك يدلّ على طهارة الغسالة من المنيّ، فينبغي القول بهما معا لا بأحدهما فقط، فتأمّل.

و كيف كان فلا حاجة في تتميم الاستدلال إلى انضمام هذه الرواية، لما في سوابقها من الكفاية، و لا ريب أنّها على ما ادّعيناه واضحة الدلالة، و لا يقدح فيها كون السؤال مخصوصا بالثوب، لأنّ المنساق عرفا من أمثال هذه الأسئلة كون الجواب واردا عليها على وجه عامّ يشمل الثوب و غيره، على معنى ورود الحكم فيه بعنوان كلّي، و إن كان السبب الباعث على السؤال خاصّا، أو لأنّ الفرق بين وقوع الثوب و غيره ممّا لا يعقل إلّا على فرض كون المراد الدلالة على العفو عن هذا النحو من المتنجّس، كما في بعض

____________

(1) الوسائل 1: 221 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 1- الكافي 3: 13/ 5- التهذيب 1: 85/ 223.

(2) الفقيه 1: 41/ 162.

(3) الوسائل 1: 222 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 2- علل الشرائع: 1/ 287.

(4) الوسائل 1: 222 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 4- التهذيب 1: 86/ 227.

258

أنواع الدم لا على عدم النجاسة؛ إذ لولاه كان الفرق بين المقامين في التنجّس بذلك المتنجّس و عدمه غير معقول، كما لا يخفى على المتأمّل، أو لأنّ التعميم إنّما يثبت بالإجماع على عدم الفرق كما نقله غير واحد.

نعم، ربّما يورد عليها بمعارضة رواية العيص بن القاسم، قال: سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء، فقال: «إن كان من بول أو قذر فليغسل ما أصابه» (1).

فاجيب عنها: بأنّها عامّة و روايات الباب خاصّة فيجب حملها عليها، مضافا إلى ما في سندها من الكلام القادح حيث إنّها لم توجد في الكتب الأربعة، و لم يظهر حال سندها فلعلّها لا تكون معوّلا عليها، كذا ذكره المحقّق الخوانساري في شرح الدروس (2).

أقول: ينبغي أن نشرح المقام ليتّضح به وجه المعارضة، و انطباق الجواب عليها و عدمه، و العمدة في ذلك بيان معنى «الوضوء» الوارد في السؤال، قال في المجمع:

«الوضوء بالفتح اسم الماء الّذي يتوضّأ به»- إلى أن قال-: «و قد يطلق الوضوء على الاستنجاء و غسل اليد و هو شائع فيهما، و من الأوّل حديث اليهودي و النصراني حيث قال فيه: و أنت تعلم أنّه يبول و لا يتوضّأ، أي لا يستنجي، و من الثاني حديثهما في المؤاكلة حيث قال: إذا أكل من طعامك و توضّأ فلا بأس، و المراد به غسل اليد الخ» (3).

و ظاهره أنّ هذين الأخيرين تفسير للوضوء بالضمّ و هو مصدر، و لا يبعد أن يقال:

إنّ الآلة من هذين المعنيين أيضا هو الوضوء بالفتح، بل لا محيص من حمله في الرواية عليه، بناء على الحمل عليهما إذ المعنى المصدري لا يلائمه السؤال كما لا يخفى.

فانقدح بجميع ما ذكر أنّه عبارة إمّا عن الماء الّذي يتوضّأ به، أو الماء الّذي يستنجى به، أو الماء الّذي يغسل به اليد، و يمكن إرادة مطلق الغسالة منه، و مقتضى عبارة المجمع- بناء على ما قرّر في محلّه- كونه حقيقة في الأوّل و مجازا في الأخيرين المصدّر بيانهما بلفظة «قد»، و لا ينبغي أن يكون مبنى المعارضة على المعنى الأوّل، لبعده عن السؤال و منافاته للجواب المفصّل بين البول و القذر و غيرهما منطوقا و مفهوما، فلا بدّ أن يكون مبناها على المعنى الثاني و هو إرادة الاستنجاء، و أمّا الجواب

____________

(1) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 14- ذكرى الشيعة 1: 84.

(2) مشارق الشموس: 255.

(3) مجمع البحرين؛ مادّة «نجو».

259

عنها فمبناها على المعنى الثالث، أو المعنى الأخير الّذي احتملناه، و عليه كيف ينطبق الجواب على السؤال، و كيف يقال: بأنّ الرواية عامّة و رواياتنا خاصّة، خصوصا إذا حمل «القذر» على إرادة الغائط منه دون مطلق النجاسة كما هو الظاهر.

فالتحقيق في الجواب أن يقال: إنّ لفظة «الوضوء» في متن الواقع إمّا حقيقة في جميع المعاني الأربعة، أو حقيقة في الأوّلين و مجاز في الأخيرين، أو حقيقة في الأوّل و الأخيرين أو أحدهما و مجاز في الثاني، أو حقيقة في الأوّل خاصّة و مجاز في البواقي، و لا يتمّ الاستدلال بشيء من الاحتمالات، لأنّ الحمل على المعنى الأوّل ممّا لا مجال إليه بقرينة ما قرّرناه، فهو متعذّر على جميع التقادير، بل قد عرفت أنّ مبناه على المعنى الثاني، و عليه يكون الدلالة على صحّة المعارضة متوقّفة على ارتكاب أمرين كلاهما على خلاف الأصل.

أحدهما: حمل الشرطيّة في الجواب على ما لا مفهوم لها، بأن يكون المراد بالشرطيّة بيان تحقّق الموضوع- دون التعليق على الشرط القاضي بانتفاء الحكم في جانب المفهوم لانتفاء شرطه- حيث لا موضوع له في جانب المفهوم كما لا يخفى، فيكون قوله (عليه السلام): «إن كان من بول أو قذر فليغسل ما أصابه» على حدّ قولك: «إن رزقت ولدا فاختنه، و إن رزقت مالا فاحمد اللّه، و إن قدم زيد من السفر فاستقبله»، و هو كما ترى مجاز لا يصار إليه إلّا مع القرينة المعيّنة.

و ثانيهما: اعتبار التقييد في لفظة «قذر» بحملها على خصوص الغائط، و هو أيضا خلاف الظاهر لظهورها في مطلق النجاسة، ثمّ إنّه لو قلنا بكون لفظة «وضوء» حقيقة خاصّة في المعنى الأوّل لزم مجاز آخر فيه بحمله على المعنى الثاني، فيلزم من بناء الاستدلال عليه ارتكاب تقييد و مجازين، بخلاف ما لو حمل «الوضوء» على أحد الأخيرين فإنّه يستلزم مجازا واحدا، و لا ريب أنّه أولى و متعيّن، و لو قلنا بكونه حقيقة فيهما أيضا أو في أحدهما قوى وجه ضعف الحمل المذكور.

نعم على الحمل عليهما يلزم تخصيص بإخراج ماء الاستنجاء عنه كما هو مبنيّ عليه الجواب، و لكن لا يوجب ذلك قدحا في الحمل عليهما لكونه خلاف أصل واحد إن قلنا بالحقيقة فيهما أيضا، أو خلاف أصلين إن قلنا بالمجازيّة فيهما، و هو على كلّ تقدير يترجّح على حمله على المعنى الثاني، بل التخصيص إنّما يلزم لو حملناه على الثاني من الأخيرين خاصّة كما لا يخفى، فلم لا يحمل على الأوّل منهما ليكون خارجا

260

عن المسألة بالمرّة.

و يؤيّده الحكم على الوضوء بكونه في الطشت الّذي هو إناء معروف، فإنّ الغالب بين الناس إنّما هو غسل اليد في الطشت من البول و غيره من قذر و غيره، و أمّا الاستنجاء عليه ففي غاية الندرة.

و إن قلنا بكون الوضوء حقيقة في الاستنجاء أيضا و مجازا في الأخيرين كانت المسألة من دوران الأمر بين تقييد و مجاز، و تخصيص و مجاز، فإن لم نقل بترجيح الثاني لكون التخصيص بنفسه أرجح فلا أقلّ من عدم ترجيح الأوّل، و لازمه خروج الرواية مجملة لتكافؤ الاحتمالين، و معه لا استدلال.

و إن قلنا بكونه حقيقة في الجميع يكون المسألة من باب تعارض مجاز و تقييد معا في مقابلة التخصيص، و لا ريب أنّ الثاني متعيّن، ترجيحا لما هو راجح بنفسه و تقليلا لمخالفة الأصل، و لو حملناه على الأوّل من الأخيرين خاصّة لم يلزم مخالفة أصل أصلا كما لا يخفى، فلا سبيل إلى الحمل على المعنى الّذي عليه مبنى الاستدلال، و معه يبطل أصل الاستدلال.

هذا مع ما عرفت في الرواية من القدح في سندها، مضافا إلى أنّها لو تمّت دلالتها و استقام سندها لم تكن صالحة لمعارضة ما سبق من روايات المسألة، لكثرتها و صحّة أسانيد أكثرها، و اعتضادها بالعمل و الشهرة العظيمة، و الإجماعات المنقولة.

نعم، يبقى الكلام في شيئين:

أحدهما: تعميم الدليل بحيث يشمل استنجاء البول أيضا، و الأمر في ذلك هيّن بعد وضوح المدرك؛ لشمول الأخبار كلا المقامين، إمّا بأنفسها بناء على ما قرّرناه سابقا في شرح «الاستنجاء» ممّا يقتضي كون هذا اللفظ عامّا، كما يستفاد من جماعة من أساطين الأصحاب كما تعرفه بملاحظة عباراتهم الآتية بعضها، أو من جهة الخارج حيث لم نقف على مشكّك في ذلك، مع استنادهم في الحكم إلى الأخبار المتقدّمة، بل عباراتهم فيما نعلم مصرّحة بالتعميم، و ظاهرهم الاتّفاق على ذلك كما يشعر به عبارة المدارك: «استثنى الأصحاب من غسالة النجاسة ماء الاستنجاء من الحدثين» (1)، و نسب

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 123.

261

إلى كثير من الأصحاب التصريح بالعموم و هو كذلك.

ففي المنتهى: «الماء الّذي يغسل به الدبر و القبل يدخل تحت هذا الحكم، لعموم اسم الاستنجاء لهما» (1).

و عن المعتبر: «و يستوي ما يغسل به القبل و الدبر، لأنّه يطلق على كلّ واحد منهما لفظ الاستنجاء» (2).

و عن الذكرى: «و لا فرق بين المخرجين للشمول» (3)، و عن الدروس (4)، و جامع المقاصد (5): «و لا فرق بين المخرجين»، و عن مجمع الفائدة: «و الظاهر عدم الفرق بين المخرجين؛ لعموم الأدلّة من الإجماع و الأخبار» (6)، و عن المشارق: «و لا فرق بين المخرجين لإطلاق اللفظ» (7)، و عن الذخيرة: «و مقتضى النصّ و كلام الأصحاب عدم الفرق بين المخرجين» (8)، و في الحدائق: «و إطلاق هذه الأخبار يقتضي عدم الفرق بين المخرجين، لصدق الاستنجاء بالنسبة إلى كلّ منهما، و بذلك صرّح الأصحاب رضي اللّه عنهم أيضا» (9)، فإذن لا إشكال فيه.

و ثانيهما: أنّ خروج ماء الاستنجاء عن القاعدة هل هو لأجل كونه طاهرا، أو لثبوت العفو عنه؟ و هذه المسألة و إن فرضت في كلام جماعة من الأساطين كالمحقّق الخوانساري (10)، و صاحب الحدائق 11، و صاحب المناهل 12 خلافيّة ذات قولين، أحدهما: القول بالطهارة حكاه صاحب المناهل في كتاب آخر منسوب إليه 13 عن الجعفريّة 14، و جامع المقاصد 15، و الروض 16، و مجمع الفائدة 17، و الذخيرة 18،

____________

(1) منتهى المطلب 1: 144.

(2) المعتبر (الطبعة الحجريّة): 22.

(3) ذكرى الشيعة 1: 82.

(4) الدروس الشرعيّة 1: 122.

(5) جامع المقاصد 1: 129.

(6) مجمع الفائدة و البرهان 1: 289.

(7) مشارق الشموس: 254.

(8) ذخيرة المعاد: 143.

(9) 9 و 11 الحدائق الناضرة 1: 469.

(10) 10 مشارق الشموس: 252.

(11) 12 المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 140.

(12) 13 لم نعثر عليه.

(13) 14 الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 86).

(14) 15 جامع المقاصد 1: 129.

(15) 16 روض الجنان: 160.

(16) 17 مجمع الفائدة و البرهان 1: 289.

(17) 18 ذخيرة المعاد: 144.

262

و المشارق و الرياض (1)، قائلا: و «حكي عن الخلاف (2)، و المبسوط (3)، و المقنعة (4)، و الجامع (5)، و السرائر (6) و الشرائع (7)، و المنتهى» (8).

ثمّ قال: «و بالجملة الظاهر مصير الأكثر إليه» انتهى.

و عليه المحقّق في الشرائع 9، و المحقّق الخوانساري 10، و صاحب المدارك 11، و صاحب الحدائق 12.

و ثانيهما: القول بكونه معفوّا عنه حكاه في المناهل 13 و كتابه الآخر 14، و لكنّا لم نقف على قول صريح به عدا ما يظهر من الشهيد في محكيّ الذكرى من الميل إليه حيث قال: «و في المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة إنّما هو بالعفو، و يظهر الفائدة في استعماله و لعلّه أقرب لتيقن البراءة بغيره» 15.

و قضيّة هذه العبارة كون العفو قولا للمحقّق في المعتبر أيضا، و تبعه على نقل هذه العبارة المحقّق الشيخ عليّ في شرح القواعد- على ما حكي- قائلا فيه: «و اعلم أنّ قول المصنّف: «بأنّه طاهر» مقتضاه أنّه كغيره من المياه الطاهرة في ثبوت الطهارة، و نقل في المنتهى 16 على ذلك الإجماع، و قال في المعتبر 17: ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة و إنّما هو بالعفو، و يظهر الفائدة في استعماله [ثانيا]، قال في الذكرى: و لعلّه أقرب، لتيقّن البراءة بغيره» 18 انتهى.

و أصرح منهما في نسبة هذا القول إلى المعتبر كلام محكيّ عن ثاني الشهيدين في الروض قائلا: «و في المعتبر هو عفو، و قرّبه في الذكرى» 19 انتهى.

و أنكر عليهم هذه النسبة إلى المعتبر في المدارك قائلا: «بأنّه لم أقف على ما نقلوه في الكتاب المذكور، بل كلامه فيه كالصريح في الطهارة، فإنّه قال: و أمّا طهارة ماء

____________

(1) رياض المسائل 1: 182.

(2) الخلاف 1: 179 المسألة 35.

(3) المبسوط 1: 16.

(4) المقنعة: 47.

(5) الجامع للشرائع: 26.

(6) السرائر 1: 184.

(7) 7 و 9 شرائع الإسلام 1: 16.

(8) منتهى المطلب 1: 128.

(9) 10 مشارق الشموس: 253.

(10) 11 مدارك الأحكام 1: 124.

(11) 12 الحدائق الناضرة 1: 469.

(12) 13 المناهل: 140.

(13) 14 لم نعثر عليه.

(14) 15 ذكرى الشيعة 1: 83.

(15) 16 منتهى المطلب 1: 128.

(16) 17 المعتبر: 22.

(17) 18 جامع المقاصد 1: 129.

(18) 19 روض الجنان: 160.

263

الاستنجاء فهو مذهب الشيخين، و قال علم الهدى في المصباح: لا بأس بما ينتضح من ماء الاستنجاء على الثوب و البدن، و كلامه صريح في العفو و ليس بصريح في الطهارة، و يدلّ على الطهارة ما رواه الأحول، و نقل الروايتين المتقدّمين» (1)، يعني صحيحتي محمّد بن النعمان.

و تبعه في ذلك الإنكار و نقل العبارة المذكورة صاحب الحدائق أيضا، قال في الحدائق: «فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر- كما فهمه في المدارك، و جمع ممّن تأخّر عنه- كما ترى. و أعجب من ذلك نقل الشهيد في الذكرى- كما تقدّم في عبارته المنقولة- القول بالعفو عن المعتبر بتلك العبارة، و تبعه على ذلك الشيخ عليّ في شرح القواعد، و شيخنا الشهيد الثاني في الروض»- إلى أن قال-: «و الظاهر أنّ أصل السهو من شيخنا الشهيد في الذكرى، و تبعه من تبعه من غير ملاحظة لكتاب المعتبر، و عبارة المعتبر- كما مرّت بك- خالية عمّا ذكروه» (2).

و مراده بالعبارة المشار إليها ما تقدّم حكايته عن المدارك.

و قال صاحب المعالم: «و أجمل المحقّق كلامه في ذلك فهو محتمل للقولين، و ربّما كان احتمال القول بالطهارة فيه أظهر، و قد كثر في كلام المتأخّرين نسبة القول بالعفو إليه و لا وجه له، و العجب أنّ الشهيد في الذكرى حكى عنه أنّه قال: ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة و إنّما هو بالعفو، ثمّ قال الشهيد: و لعلّه أقرب لتيقّن البراءة بغيره (3)، و هذه الحكاية وهم ظاهر، فإنّ المحقّق حكى عن الشيخين صريحا القول بالطهارة، و إنّما ذكر هذا الكلام عند نقله عبارة علم الهدى» (4) انتهى.

و من الأصحاب- كالمحقّق الخوانساري في شرح الدروس- من صحّح هذه النسبة إلى المعتبر، و عقّبه بتوجيه العبارة المنقولة عن المعتبر في الذكرى و صحّحها على ما وجّهه، قائلا: «و إذ قد تقرّر هذا، ظهر أنّ ما نسبه المصنّف في الذكرى إلى المعتبر- كما ذكرنا-، و تبعه المحقّق الشيخ عليّ ره في شرح القواعد، و الشهيد الثاني في شرح الإرشاد صحيح، و مراد الذكرى من أنّ في المعتبر ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة،

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 125.

(2) الحدائق الناضرة 1: 472- 473.

(3) ذكرى الشيعة 1: 83.

(4) فقه المعالم 1: 326.

264

أنّه ليس في الروايات لا في كلام الأصحاب، و هو كذلك كما قرّرناه» (1) انتهى.

و فيه ما فيه من ابتنائه إلى وهم فاسد سبق إليه، و إلجائه إلى تصديق الجماعة فيما نسبوه إلى المعتبر و سنزيّفه إن شاء اللّه.

فالإنصاف: أنّه لم يتحقّق عندنا ما شهد بصحّة هذه النسبة، و لم يثبت أنّ العفو ما يقول به في المعتبر، و العبارة المتكفّلة لبيان هذه النسبة قد عرفت أنّها غير ثابتة عن المعتبر، و هذا الكتاب و إن لم يحضرنا الآن لننظر في صحّة ما نسبوه و سقمه على ما ذكروه الجماعة المتقدّمة، لكنّ المظنون أنّ ما نقله الشهيد في الذكرى تقطيع عن العبارة الّتي سمعت نقلها عن صاحب المدارك، مبنيّ على الاشتباه و الإغماض عن دقّة النظر، و إلّا فهذه العبارة لا توافق شيئا من هذه النسبة، و إن كانت هي أيضا ممّا اختلفت الأنظار في فهمها، و أنّها هل تدلّ على أنّ مذهب المحقّق هو الطهارة- كما صرّح به في المدارك (2)، و جعله أظهر الاحتمالين في المعالم (3)- أو على أنّ مذهبه العفو كما استظهره المحقّق الخوانساري في شرح الدروس 4.

و لأجله صدّق الشهيد و من تبعه فيما نسبوه إلى المعتبر حيث قال: «ثمّ كلامه هل هو صريح في الطهارة أم العفو؟» فالّذي يتراءى ظاهرا من قوله: «و يدلّ على الطهارة الخ» الأوّل، و لكن التأمّل يشهد بالثاني فيكون مراده بالطهارة العفو.

بيانه: أنّه أورد في الاستدلال رواية الأحول 5، و ظاهر أنّه لا تفاوت بينها و بين عبارة المرتضى في المعنى، فحيث صرّح بأنّه ليس في عبارته تصريح بالطهارة فكيف يجوز أن يجعل الرواية دليلا عليها، و أمّا دليله الآخر من رواية عبد الكريم 6 فهو أيضا ليس تصريح في الطهارة، لأنّ عدم تنجيسه الثوب لا يستلزم طهارته،- إلى أن قال-:

و إذ قد تقرّر هذا، ظهر أنّ ما نسبه المصنّف في الذكرى إلى آخر ما نقلناه عنه سابقا» 7.

و قوله: «و أمّا دليله الآخر من رواية عبد الكريم» الخ إنّما ذكر ذلك لأنّه حينما نقل

____________

(1) 1 و 4 مشارق الشموس: 253.

(2) مدارك الأحكام 1: 125.

(3) فقه المعالم 1: 326.

(4) 5 الوسائل 1: 222 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 2- علل الشرائع 1: 287.

(5) 6 الوسائل 1: 223 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 5- التهذيب 1: 86/ 228.

(6) 7 مشارق الشموس: 253.

265

عن المعتبر ما نقله صاحب المدارك من العبارة المتقدّمة نسب إلى المحقّق في تلك العبارة أنّه في الاستدلال على الطهارة جمع بين رواية الأحول و رواية عبد الكريم، و أنت خبير بفساد ما فهمه مع تعليله، إذ لا تنافي بين ما نسبه إلى علم الهدى و جعله الرواية دليلا على الطهارة، و إن كانت العبارة الصادرة منه موافقة لعبارة الرواية، فإنّه لمّا كان بصدد ضبط ما ذهب إليه أصحابنا، و قالوا به صراحة أو ظهورا، فنسب إلى الشيخين الذهاب إلى الطهارة، و مقتضى التعبير بقوله: «فهو مذهب الشيخين» وقوع التصريح منهما بذلك، و كونه معلوما له من صريح كلامهما، بخلاف كلام علم الهدى المتضمّن لنفي البأس، فإنّه ليس بصريح في الطهارة لاحتمال أن يريد به نفي البأس عن المباشرة الغير المنافي للنجاسة، فيحكم على كلامه بأنّه ليس بصريح في الطهارة، بمعنى أنّه لا يدلّ على دعوى الطهارة دلالة صريحة، و معنى كونه صريحا في العفو أنّ القدر المتيقّن من مذهبه على وجه يصحّ إسناده إليه المعلوم من هذا الكلام كونه قائلا بالعفو لا محاله، لأنّه لا ينفكّ عن القول بالطهارة، فهو سواء كان قائلا بالطهارة أو لا قائل بالعفو على وجه ينبغي معه الجزم به.

و لا ريب أنّ عدم دلالة هذه العبارة في كلام السيّد على أنّ مذهبه المحقّق هو الطهارة على وجه الصراحة، لا ينافي دلالته عليها على وجه الظهور، فلا ينافي كونها في الرواية دليلا لنا على الطهارة، نظرا إلى أنّ مبنى دليليّة الأدلّة اللفظيّة على الصراحة تارة و الظهور اخرى، فإذا ثبت أنّها في الرواية تدلّ على الطهارة على وجه الظهور- كما هو الحقّ على ما سنبيّنه- انتهضت الرواية دليلا عليها، و صحّ إطلاق الدليل عليها من جهته في الاصطلاح، فهو مستظهر من رواية الأحوال الدلالة على الطهارة بتقريب ما سنقرّره ثمّ يقوى هذا الظهور بملاحظة رواية عبد الكريم، فلذا جمع بينهما في الاستدلال.

و ممّا يؤيّد هذا المعنى تعرّضه لحكم ماء الاستنجاء في الشرائع و النافع مصرّحا بالطهارة في الأوّل (1)، و ظاهرا فيه كلامه في الثاني (2)، حيث استثناه عمّا يزال به الخبث الّذي رجّح فيه القول بالتنجيس الّذي جعله أشهر القولين، نظرا إلى أنّ الاستثناء عن

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 16.

(2) المختصر النافع: 44 حيث قال: «و في ما يزال به الخبث إذا لم تغيّره النجاسة قولان، أشبههما:

التنجّس عدا ماء الاستنجاء».

266

الإثبات نفي، و نفي التنجيس في معنى إثبات الطهارة، و من هنا تبيّن إصابة صاحب المدارك فيما فهمه عن تلك العبارة، من أنّه قائل بالطهارة قولا ظاهرا كالصريح، و بطلان ما ذكره المحقّق الخوانساري و غيره من أنّه قائل بالعفو، كبطلان قوله: «و بهذا ظهر اندفاع ما أورده صاحب المدارك على المصنّف و تابعيه من أنّ هذه النسبة إلى المعتبر غلط، بل كلامه فيه كالصريح في الطهارة» (1).

و بطلان ما أورده صاحب الحدائق على صاحب المدارك بقوله: «و حينئذ فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر كما فهمه في المدارك و جمع ممّن تأخّر عنه كما ترى» (2).

و العجب عنه في الحدائق حيث إنّه اختلّ ذهنه في إدراك حقيقة المراد من عبارة المعتبر فرماها بالإجمال و حكم عليها بالاضطراب قائلا: «و أمّا كلام المعتبر في هذا الباب لا يخلو من إجمال بل اضطراب، و لهذا اختلفت في نقل مذهبه كلمة من تأخّر عنه من الأصحاب».

ثمّ أخذ بنقل عين العبارة فعقّبها بقوله: «و أنت خبير بأنّ مقتضى قوله: «و يدلّ على الطهارة الخ» بعد نقله القولين أوّلا هو اعتبار الطهارة الّتي هي أحد ذينك القولين و قوله في الدليل الثاني: «و لأنّ في التفصّي عنه عسرا فيسوغ (3) العفو للعسر» ظاهر في اختيار العفو الّذي هو القول الآخر أيضا، و أيضا ففي حكمه على كلام المرتضى رضى اللّه عنه بالصراحة في القول بالعفو- مع حكمه على رواية الأحول بالدلالة على الطهارة- نوع تدافع، فإنّ العبارة فيهما واحدة، إذ نفي البأس إن كان صريحا في العفو ففي الموضعين، و إن كان في الطهارة فكذلك، و حينئذ فنسبة القول بالطهارة إلى المعتبر» (4)، إلى آخر ما نقلناه.

و أنت خبير بما في هذه الكلمات السخيفة و الاستخراجات الواهية، إذ قد عرفت أنّه لا اضطراب في عبارة المعتبر، و لا إجمال أصلا، بل هي صريحة الدلالة في اختيار الطهارة، و لا تدافع بين الحكم على الرواية بالدلالة على الطهارة و على كلام السيّد بالصراحة في العفو، بعد ملاحظة ما قرّرناه من المعنى الواضح.

و لا ينافي قوله بالطهارة استنادا إلى الرواية استدلاله ثانيا بلزوم العسر المسوّغ عدمه العفو، إمّا لأنّ مراده بالعفو الطهارة توسّعا، كما استدلّ عليها به جماعة منهم ثاني

____________

(1) مشارق الشموس: 253.

(2) الحدائق الناضرة 1: 472.

(3) و في الحدائق الموجود عندنا: «فشرّع العفو للعسر»

(4) الحدائق الناضرة 1: 471.

267

الشهيدين فيما يأتي بيانه، أو لأنّ ذلك تأييد الأوّل من حيث موافقته له في لازم مفاده و هو العفو الّذي لا ينفكّ عن الطهارة ظاهرا، أو أنّ الغرض بالتمسّك به إثبات بعض المطلب و إن كان من جهة الملزوم لا إثبات تمامه، أو إثبات ما هو مفاده ليصار إليه لو خرج الوجه الأوّل مردودا أو غير واضح الدلالة على الطهارة، حيث إنّ المصير إليه بعد قصور دليل الطهارة عن الدلالة ممّا لا محيص عنه.

و بالجملة: فنسبة القول بالعفو إلى المعتبر مستفادا من عبارته المتقدّمة ليس على ما ينبغي، و إن تصدّى لها جماعة من الأساطين، إذ الصارم قد ينبو و الجواد قد يكبو، بل الحقّ الّذي لا محيص عنه هو القول بصراحة المعتبر في اختيار الطهارة، فليس من أصحابنا من صرّح بالعفو، و صار إليه على سبيل الجزم و الإذعان، و لا الاطمئنان.

نعم، للعلّامة في المنتهى كلام ربّما يدخل في الوهم مصيره إلى العفو دون الطهارة، و من هنا يظهر عن المحقّق الخوانساري في شرح الدروس نسبته إليه في الكتاب المذكور بنقل عبارته، فإنّه قال فيه: «عفي عن ماء الاستنجاء إذا سقط منه شيء على ثوبه أو بدنه، سواء رجع على الأرض الطاهرة أو لا، و صرّح الشيخان بطهارته» (1) و مراده بقوله: «سواء رجع على الأرض الطاهرة أو لا» بقرينة ما نذكره بعد ذلك أنّه سواء سقط على الأرض الطاهرة فرجع منها إلى الثوب أو البدن، أو سقط عليهما ابتداء.

و أنت خبير بأنّ ذلك أيضا وهم صرف منشؤه عدم المراجعة إلى فقرات كلامه المتأخّرة عن تلك العبارة، بل الّذي يقتضيه التدبّر و صحيح النظر أنّه أيضا قائل فيه بالطهارة، و أنّ تعبيره بالعفو مسامحة أو كناية عنها، و أنّ مراده بما نسبه إلى الشيخين الإتيان بموافق له في تلك المقالة، لا إبداء المخالفة بينه و بينهما، و الّذي يفصح عن ذلك امور عديدة، كلّ واحد منها قرينة واضحة على ما ادّعيناه، و شاهد على بما نسبناه إليه، و جعلنا العفو المصرّح به في كلامه عبارة عن الطهارة.

فمن جملة هذه الامور، قوله- بعد العبارة المذكورة بلا فاصلة-: «أمّا لو سقط و على الأرض نجاسة ثمّ رجع على الثوب أو البدن فهو نجس، سواء تغيّر أو لا» (2) فإنّ ذلك مع ضميمة ما سبق تفصيل لحكم ماء الاستنجاء بين ما لو رجع على الثوب و البدن بعد

____________

(1) مشارق الشموس: 252.

(2) منتهى المطلب 1: 143.

268

سقوطه على الأرض النجسة و بين ما لم يكن كذلك، و لمّا كان الأوّل محكوما عليه بالنجاسة، فلا بدّ و أن يكون الثاني- بقرينة المقابلة- محكوما عليه بالطهارة ليختلف القسمان المتقابلان في الحكم، و إنّما حكم بالنجاسة في الأوّل أخذا بالقدر المتيقّن ممّا خرج بالدليل عن قاعدة انفعال القليل الملاقي للنجاسة، أو لأنّ الظاهر من ماء الاستنجاء المحكوم عليه بالطهارة في الروايات ما لم يباشر نجاسة اخرى غير نجاسة الحدثين و المفروض ليس منه، و لذا جعلوا عدم ملاقاته نجاسة اخرى خارجة عن حقيقة الحدث المستنجى منه- كالدم مثلا- من جملة الشروط على ما سيأتي بيانه.

و منها: قوله- عقيب ما ذكر ثانيا-: «و كذا لو تغيّر أحد أوصافه من الاستنجاء» (1) فإنّه تشبيه للمتغيّر من ماء الاستنجاء بالاستنجاء بالقسم المحكوم عليه بالنجاسة، فيكون هو أيضا محكوما عليه بها، و هو ممّا حكم عليه بالعفو بمنزلة الاستثناء، فيكون المراد بالعفو المحكوم به هنا الطهارة، ليتغاير المستثنى مع المستثنى منه في الحكم.

و منها: قوله- بعد ما فرغ من الاستدلال على العفو، الّذي حكم به في الاستنجاء بروايتي الأحول و رواية عبد الكريم:- «و هكذا حكم الماء الّذي يتوضّأ به أو يغتسل به من الجنابة، أمّا عندنا فظاهر و أمّا عند الشيخ فلما رواه الشيخ في الصحيح عن الفضيل بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل الجنب يغتسل، فينتضح من الأرض في إنائه؟ فقال:

«لا بأس مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2) و في الصحيح عن الفضيل أيضا» 3 الخ.

فإنّه تشبيه للماء المستعمل في الوضوء و الغسل بماء الاستنجاء، و من المعلوم لزوم مشاركة المشبّه للمشبّه به في الحكم، و لو لا المراد بالعفو المحكوم به على ماء الاستنجاء الطهارة خرج هذا التشبيه باطلا، لأنّ مذهبه في المستعمل في دفع الحدثين الأصغر و الأكبر إنّما هو كونه طاهرا و مطهّرا- كما حقّقه سابقا- خلافا للشيخ الّذي يراه طاهرا فقط، كما أشار إليه بقوله: «أمّا عندنا فظاهر» فإنّ ذلك إحالة لوجه المسألة إلى ما حقّقه سابقا في مسألتي الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر و المستعمل في رفع الحدث الأكبر، فإنّه حكم في الاولى بأنّه طاهر مطهّر إجماعا 4، ثمّ ساق الكلام إلى نقل مذاهب العامّة في ذلك، و في الثانية- بعد ما أسند إلى الشيخين و ابن بابويه في

____________

(1) 1 و 3 و 4 المنتهى 1: 143 و 144 و 128.

(2) الحجّ: 13.

269

قولهم: «بأنّه طاهر غير مطهّر»، و إلى العامّة مذاهبهم في الأوّل- قال: «و الّذي أذهب إليه أنّه طاهر مطهّر» (1)، ثمّ أخذ بتفصيل المسألة و الاستدلال عليها بالنسبة إلى الحكمين.

و منها: ما ذكره بعد الفراغ عن المسألة في مسألة الآنية من قوله: «الماء الّذي تغسل به الآنية لا يلحقه هذا الحكم» ثمّ أسند إلى الشيخ في الخلاف خلاف ذلك، ثمّ أخذ بالاستدلال على ما صار إليه بقوله:

«لنا: أنّه ماء قليل لاقى نجاسة فينفعل بها، و لا يتعدّى إليه الرخصة الّتي في الاستنجاء، لأنّه استعمال الماء الّذي قام المانع على المنع منه، مع عدم قيام الموجب» 2 إلخ.

فإنّ الحكم عليه بالنجاسة، بعد الحكم عليه بعدم لحوق حكم ماء الاستنجاء، ظاهر في أنّ الحكم الّذي نفى لحوقه بماء الغسالة عبارة عن عدم الانفعال، بدليل أنّه بعد ما نفى ذلك الحكم عنه استدلّ عليه بما يقتضي ثبوت نقيضه، فلا بدّ و أن يكون الحكم المنفيّ هنا الثابت لماء الاستنجاء هو عدم الانفعال، لأنّ نقيضه الثابت هنا هو الانفعال فتأمّل.

فالإنصاف: أنّه لم يوجد بين أصحابنا قول محقّق بالعفو قبالا للطهارة، سوى ما عرفت عن الشهيد في الذكرى من احتمال الأقربيّة، فكان الحكم بالطهارة على الإطلاق من إجماعيّات الأصحاب، و لا ينافيه الحكم عليه بعدم المطهّريّة عن الحدث مطلقا، المدّعى عليه الإجماع في المعتبر 3 و المنتهى 4- على ما حكي عنهما فيما يأتي- لأنّ ذلك حكم خاصّ ثبت له بالخارج، كثبوته في أشياء اخر.

و من هنا ترى أنّه قد استفاضت الإجماعات المنقولة على الطهارة الّتي تصدّى بنقلها صاحب المناهل في الكتاب الآخر 5 المنسوب إليه، حيث إنّه عند ذكر الأدلّة على الطهارة قال: الثاني: دعوى جماعة الإجماع على الطهارة.

قال في الروض: «و اعلم أنّ المستعمل في إزالة الخبث نجس، إلّا ماء الاستنجاء من الحدثين فإنّه طاهر إجماعا، كما نقله المصنّف في المنتهى» 6.

و قال في الجعفريّة: «ماء الاستنجاء من الحدثين طاهر إجماعا» 7.

____________

(1) 1 و 2 منتهى المطلب 1: 133 و 145.

(2) 3 المعتبر: 22.

(3) 4 منتهى المطلب 1: 142.

(4) 5 لم نعثر عليه.

(5) 6 روض الجنان: 160.

(6) 7 الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 86).

270

و قال في جامع المقاصد: «استثنى الأصحاب من غسالة النجاسة ماء الاستنجاء من الحدثين، فاتّفقوا على عدم تنجّسه، و حكم الصادق (عليه السلام)- بعدم نجاسة الثوب الملاقي له- يدلّ على ذلك».

ثمّ قال: «و اعلم أنّ قول المصنّف: «فإنّه طاهر» مقتضاه أنّه كغيره من المياه الطاهرة في ثبوت الطهارة له، و نقل في المنتهى (1) على ذلك الإجماع» (2).

و قيل: إنّ ماء الاستنجاء طاهر إجماعا، حكاه ابن إدريس (3) في باب تطهير الثياب» (4).

انتهى و احتمال كون الطهارة في عبارة هؤلاء الأساطين مرادا بها معنى العفو كما ترى.

و على أيّ حال كان فنحن نفرض المسألة خلافيّة، و نتكلّم فيها دفعا لمقالة من لو توهّم أنّ الحكم الثابت هنا إنّما هو العفو دون الطهارة، و ينبغي قبل الخوض في الاحتجاج أن نشير إلى مقدّمة يتّضح بها معنى العنوان، و يتحرّر ما هو محلّ النزاع.

و هي: أنّ المراد بطهارة ماء الاستنجاء- عند أهل القول بها- ما يقابل النجاسة، الّتي هي عبارة عن الحالة المانعة عن المباشرة، و الباعثة على وجوب الغسل، و عدم جواز الاستعمال في التطهير عن الحدث و الخبث، و في شربه و تناوله، و لازمه أن يحكم عليه بجميع الآثار الشرعيّة المترتّبة على خلاف النجاسة، من الامور المذكورة و غيرها عدا ما خرج منها بالدليل، كاستعماله في إزالة الحدث المدّعى على عدم جوازه الإجماع فيما يأتي بيانه.

و أمّا العفو المقابل لها، فقرينة المقابلة تقتضي كون المراد به ما يلازم النجاسة مع سلب بعض أحكامها، أعني الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته.

و لكنّ الظاهر من الشهيد في عبارته المتقدّمة من الذكرى كون المراد به سلب الطهوريّة و إن كان أكثر الأدلّة المقامة على القول بالطهارة- لاقتضائها الطهارة بالمعنى المقابل للمعنى الأوّل من العفو- يأبى عن ذلك، حيث قال: «و تظهر الفائدة في استعماله، و لعلّه الأقرب، لتيقّن البراءة بغيره» (5).

____________

(1) منتهى 1: 128.

(2) جامع المقاصد 1: 129.

(3) السرائر 1: 184.

(4) انتهت عبارة صاحب المناهل في كتابه الآخر الّذي لم نعثر عليه.

(5) ذكرى الشيعة 1: 84.

271

و وجه الظهور: أنّ قوله: «لتيقّن البراءة بغيره» دليل استدلّ به على ما احتمل كونه أقرب و هو العفو، و لمّا كان الدليل لا بدّ من انطباقه على المدّعى، فذلك يكشف عن أنّ المشكوك فيه- الّذي يبحث عنه- إنّما هو كون ماء الاستنجاء طهورا- أي رافعا للحدث- و عدمه، فحكم عليه بالعدم لأنّ اليقين بالبراءة لا يحصل باستعماله بل يحصل باستعمال غيره، و إلّا فلو كان المبحوث عنه هو العفو- بمعنى النجاسة مع الرخصة في المباشرة- لم يلزم من تيقّن البراءة بغيره كونه في الواقع نجسا مع الرخصة في مباشرته.

و لا يمكن أن يقرّر هذا الدليل بالقياس إلى الصلاة بثوب باشره هذا الماء، لأنّه لو تمّ لقضى بالنجاسة المطلقة، الملزومة لعدم الرخصة في مباشرته، و هو خلاف المدّعى.

و من هنا ترى أنّ غير واحد من أصحابنا استظهر منه ذلك، كصاحب المدارك و تبعه صاحب الحدائق، فقال في الأوّل: «اعلم أنّ إطلاق العفو عن ماء الاستنجاء يقتضي جواز مباشرته مطلقا، و عدم وجوب إزالته عن الثوب و البدن للصلاة و غيرها، و هذا معنى الطاهر، فلا يستقيم ما نقله المحقّق الشيخ عليّ في حواشي الكتاب عن المعتبر أنّه اختار كونه نجسا معفوّا عنه، بل و لا جعل القول بالعفو عنه مقابلا للقول بطهارته.

و الظاهر أنّ مرادهم بالعفو هنا عدم الطهوريّة كما يفهم من كلام شيخنا الشهيد (رحمه الله) في الذكرى، حيث قال- بعد نقل القول بالطهارة و العفو-: «و تظهر الفائدة في استعماله، و قد نقل المصنّف في المعتبر، و العلّامة في المنتهى الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا، فتنحصر فائدة الخلاف في جواز إزالة النجاسة به ثانيا و الأصحّ الجواز تمسّكا بالعموم، و صدق الامتثال باستعماله» (1).

و قال في الثاني- بعد نقله القولين-: «و ربّما أشعر ذلك بكون العفو عبارة عن الحكم بنجاسته مع الرخصة في مباشرته، و الّذي يظهر من كلام الذكرى- و تبعه عليه جماعة ممّن تأخّر عنه- كون العفو هنا إنّما هو بمعنى سلب الطهوريّة، حيث قال- بعد نقل القولين-: «و تظهر الفائدة في استعماله» و حينئذ فيصير محطّ الخلاف في جواز رفع الحدث أو الخبث به و عدمه، و كذا تناوله و عدمه، إلّا أنّهم نقلوا الإجماع أيضا على عدم جواز الرفع بما تزال به النجاسة مطلقا، كما سيأتي في تالي هذه المسألة، و حينئذ

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 125.

272

فينحصر الخلاف في الأخيرين، و الظاهر- كما هو المشهور- الجواز تمسّكا بأصالة الطهارة عموما و خصوصا، و صدق الماء المطلق عليه، فيجوز شربه و إزالة الخبث به» (1) انتهى.

و ملخّص الفرق بين المعنيين للعفو: أنّ هناك مطلبين لا بدّ و أن يكون أحدهما مرادا للقائل بالطهارة.

أحدهما: الحكم بطهارته و استثنائه من عموم انفعال القليل بالملاقاة.

و ثانيهما: أنّه ما يثبت له أحكام الطهارة بأسرها، فإن كان مدّعى القائل بالطهارة هو المعنى الأوّل، فيقابله العفو بمعنى أنّه نجس و مرخّص في مباشرته، و إن كان مدّعاه المعنى الثاني فيقابله العفو بمعنى أنّه طاهر يخصّ حكمه بما دون التناول و رفع الحدث و الخبث.

و لا ريب أنّ المتبادر من لفظ «العفو»، الشائع جريانه في لسان القوم هو المعنى الأوّل، فأمّا بالمعنى الثاني فغير معهود في كلامهم، فلا ينبغي صرف إطلاقه في كلام من لم يعلم مذهبه إلى إرادة هذا المعنى، و ثبوت كون مراد الشهيد منه هذا المعنى- لقضاء دليله به- لا يقضي بكونه في كلام من عداه مرادا به هذا المعنى، كيف و أنّ أكثر الأدلّة المقامة على القول بالطهارة- على ما ستعرفها- إنّما تقضي بما يقابل المعنى الأوّل من العفو، فعرف منه أنّه هو المتنازع فيه.

و العجب عن صاحب المدارك كيف غفل عن ذلك في قوله: «و الظاهر أنّ مرادهم بالعفو هنا عدم الطهوريّة» مع فساد منشأ هذا الاستظهار، و هو الّذي ذكره أوّلا في الاعتراض على المحقّق الشيخ عليّ، و على من يجعل العفو مقابلا للقول بالطهارة، لوضوح وهن كلّ منهما، فإنّ الطاهر لا ينحصر أحكامه فيما ذكره، بل له أحكام اخر من جواز تناوله، و عدم انفعال ما يلاقيه برطوبة، و جواز غسل ما يباشره من الثوب و البدن بقصد التطهير الشرعي- على معنى إباحته شرعا بعدم دخوله في البدعة المحرّمة، نظرا إلى أنّه لو كان [نجسا] (2) لكان غسله بعد العنوان بدعة و تشريعا- إلى غير ذلك من الأحكام.

فثبوت بعض أحكام الطاهر لهذا الماء- الّذي يلتزم به القائل بالعفو- لا يستلزم كونه طاهرا في مقابلة النجس، لجواز كونه نجسا قد رفع عنه بعض أحكام النجاسة فلا منافاة، و بهذا الاعتبار يصحّ مقابلة القول بالعفو- بالمعنى الملازم للنجاسة- للقول بالطهارة.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 469.

(2) زيادة يقتضيها السياق.

273

و لا يسلّم أنّ العفو في كلام كلّ قائل به وارد على إطلاقه، و مراد به رفع جميع أحكام النجاسة لئلّا يصحّ المقابلة، و يوجب ذلك العدول عن المعنى الظاهر المعهود إلى معنى آخر غير معهود، كيف و أنّ عباراتهم تنادي بأعلى صوتها أنّ القول بالعفو يلزمه عدم تجويز الاستعمال من تناول و نحوه، و هو كما ترى من لوازم النجاسة و أحكامها، إذ لا يعقل في المقام باعث عليه و لا داع إليه سوى قيام هذا الوصف به، بل ظاهرهم الإجماع على أنّه لا مانع سواه فتأمّل.

و على أيّ حال فالحاسم لمادّة هذا الإشكال، الّذي ربّما يحصل في تشخيص محلّ المقال، أن يجعل البحث بالنسبة إلى مسألة العفو هنا من جهتين: باعتبار ما عرفت له من المعنيين، ثمّ ينظر في كلّ جهة إلى مقتضى ما هو الموجود من دليلها. فتحقيق الكلام في تحرير عنوان المسألتين: أنّ مرجع البحث في الطهارة و العفو بالمعنى الأوّل إلى أنّ مفاد الدليل الوارد في ماء الاستنجاء، هل هو سلب جميع أحكام النجاسة عن هذا الماء أو سلب بعضها مع إبقاء البعض الآخر؟ كما أنّ مرجعه على العفو بالمعنى الثاني إلى أنّ مفاد الدليل الوارد فيه هل إثبات جميع أحكام الطهارة لهذا الماء أو إثبات بعضها مع إلغاء البعض الآخر.

و لا ريب أنّ النزاع على الوجه الأوّل يرجع إلى أصل الاستثناء عن عموم دليل انفعال الماء القليل بملاقاة النجاسة، فالقائل بالطهارة لا بدّ و أن يدّعي وقوع هذا الاستثناء، و القائل بالعفو لا بدّ و أن ينكر ذلك، بدعوى: أنّ مفاد الدليل الوارد فيه كائنا ما كان إنّما هو سلب بعض أحكام النجاسة عن هذا الماء لا إخراجه عن حكم النجاسة بالمرّة، كما أنّه على الوجه الثاني يرجع إلى تحقيق معنى الطهارة الثابتة هنا بالدليل الوارد، بعد الاتّفاق على وقوع أصل الاستثناء، و خروج هذا الفرد من القليل عن عموم الانفعال.

فالكلام في باب الاستنجاء بالنسبة إلى كلّ من الوجهين وقع في مقامين أحدهما وفاقي، و الآخر خلافي.

أمّا الأوّل على الوجه الأوّل فهو أنّه قد ثبت لماء الاستنجاء عمّا بين مشاركاته حكم يمتاز به عمّا عداه من المياه القليلة الملاقية للنجاسة جزما.

و أمّا الثاني على هذا الوجه: فهو أنّ هذا الحكم الثابت فيه هل هو خروجه عن

274

حكم الانفعال بالمرّة و كونه محكوما عليه بالطهارة أو هو زوال بعض أحكام النجاسة مع بقاء أصل الوصف الملازم لبقاء البعض الآخر من أحكامها.

و أمّا الأوّل على الوجه الثاني: فهو أنّه قد خرج ذلك عن حكم الانفعال بالمرّة، و حكم عليه خاصّة بالطهارة في الشريعة.

و أمّا الثاني على هذا الوجه: فهو أنّه هل يثبت له جميع أحكام الطهارة أو يثبت بعضها و ينتفي البعض الآخر، و من البيّن أنّ الخلاف إن كان في الجهة الاولى صحّ لمدّعي الطهارة أن يتمسّك بما تقدّم من الأخبار الواردة في الاستنجاء، و لمدّع العفو حينئذ أن يناقش في دلالة تلك الأخبار، و لا يسوغ للأوّل الرجوع إلى القواعد الخارجة المقتضية للطهارة من الأصل و الاستصحاب و العمومات كما لا يخفى، و إن كان في الجهة الثانية فلا معنى في دعوى الطهارة للرجوع إلى تلك الأخبار، لأنّها إنّما قضت بخروج الموضوع عن حكم الانفعال، و لا تعرّض فيها أصلا لبيان أنّ هذا الموضوع المحكوم عليه بكونه طاهرا يثبت له جميع أحكام الطهارة أو بعضها، بل لا بدّ له من الرجوع إلى الخارج، و لأجل اختلاط هاتين الجهتين اختلط الأمر كثيرا ما على بعض الفحول، فيتمسّك تارة بما يناسب الجهة الاولى، و اخرى بما يناسب الجهة الثانية فلاحظ و تأمّل،

و إذا تقرّر هذا كلّه فلا مناص من إيراد الكلام في الجهتين معا.

أمّا الجهة الاولى: فالحقّ فيها أنّ ماء الاستنجاء و إن كان من أفراد القليل الملاقي للنجاسة، و لكنّه لا ينجّس بتلك الملاقاة،

فهو طاهر لا أنّه نجس معفوّ عنه، خلافا لمن يتوهّمه كذلك إن كان؛ إذ ليس له مستند فيما نعلم سوى ما حكي من العمومات الدالّة على أنّ الماء القليل ينجّس بملاقاة النجاسة، و هذا إنّما يتّجه لو لا الدليل الوارد الموجب للتخصيص في تلك العمومات.

و احتجّ موافقونا في الاختيار بوجوه:

منها: ما عن الذخيرة (1) و المشارق (2) و مجمع الفائدة (3) من أصالة الطهارة، و استصحابها

، و قد يضاف إليهما العمومات القاضية بأنّ الأصل في الماء الطهارة.

____________

(1) ذخيرة المعاد: 144.

(2) مشارق الشموس: 253.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 1: 289.

275

و فيه: ما لا يخفى من أنّ الأصل و الاستصحاب ممّا لا مدخل لهما في تعريف الحكم الواقعي، و مع ذلك فقد انقطعا بعموم قاعدة انفعال القليل، و معه لا معنى للاستناد إليهما، و لعلّه مبنيّ على القول بمنع العموم في تلك القاعدة، و قد ظهر لك ضعفه في محلّه، و أمّا العمومات فالأمر فيها أوهن، لأنّ الاستناد إليها إنّما يصحّ لو كان الغرض معرفة حكم ذلك بنوعه و خلقته الأصليّة و لا كلام لنا فيه، بل الغرض الأصلي هنا معرفة حكمه من حيث قبوله الانفعال و عدمه بالعارض، و لا تعرّض في تلك العمومات لذلك نفيا و لا إثباتا، و على فرض تعرّضها للنفي فهي منقطعة بما يحكم عليها من الدليل الشرعي، إذ المفروض أنّ العارض و هو ملاقاة النجاسة متحقّق، و عموم الدليل على كون هذا النحو من العارض ممّا يوجب الانفعال قائم، فلا محيص من تخصيصها بذلك، و المناقشة في عموم ذلك الدليل قد تبيّن دفعها. و بجميع ما ذكر يتبيّن ضعف ما في شرح الدروس للخوانساري (1) من الاحتجاج بما يقرب ممّا تقدّم من أنّ الأصل في الأشياء الطهارة و الإباحة، و قد عرفت أنّ أدلّة نجاسة القليل لا عموم لها بحيث يشمل ما نحن فيه، و إنّما كان التعدّي عن الموارد المخصوصة الّتي وردت فيها الروايات إلى بعض الصور لأجل الشهرة و عدم القول بالفصل و كلاهما مفقودان فيما نحن فيه فيبنى على الأصل فيثبت جواز الطهارة و التناول.

و منها: ما احتجّ به جماعة من لزوم العسر و المشقّة لو لا البناء على الطهارة.

و فيه أوّلا: منع الصغرى، حيث لا نجد عسرا في التحرّز عن هذا الماء أصلا، خصوصا إذا كان الاستنجاء من البول، إذ لو اريد به ما يلزم حالة الاستنجاء من حيث إنّها معرض للرشاش، فلدفعه طرق واضحة لا تكاد تخفى على أحد، و لو اريد به ما يلزم من جهة غلبة الابتلاء بماء الاستنجاء بالمباشرة و نحوها فمنعه أوضح، إذ لا نعقل ابتلاء به يكون غالبيّا أو كثيرا إلّا حالة التشاغل بأصل الاستنجاء، و هو كما ترى لا يقتضي عسرا في التحرّز عنه إذا تحقّق معه الغسل على النهج المقرّر في الشرع، المستتبع لطهارة المحلّ و اليد المباشرة له و زوال الغسالة على النحو المتعارف.

و ثانيا: منع الكبرى، إذ لو اريد بالعسر ما ينشأ من الوسواس فلا عبرة به في الشريعة لفساد مبناه، و لو اريد به ما ينشأ من الاحتياط- الّذي هو حسن على كلّ حال

____________

(1) مشارق الشموس: 253.

276

- فهو غير معلوم الشمول للأدلّة النافية له فهو غير منفيّ حينئذ، و لو اريد به ما ينشأ من التكليف الإلزامي الالهي فيرتفع بالعفو عنه و الرخصة في مباشرته، و هو ممّا لا ينكره الخصم، و المفروض عدم حصول البلوى باستعماله في التطهير ليلزم العسر، بل العذر على تقدير نجاسته لتوقّف التطهير على الطهارة، و مجرّد المباشرة بالثوب و البدن لا يقتضي أزيد من العفو و الرخصة، و إلى ذلك أشار المحقّق الخوانساري في دفع الاحتجاج، قائلا: «بأنّ الحرج على تقدير تسليمه يرتفع بالعفو، و لا يتوقّف على طهارته، إذ لا حرج في عدم جواز استعماله في رفع الخبث و التناول» (1) و تبعه على ذلك غير واحد من الأصحاب.

و منها: ما تكرّر الاحتجاج به في كلام الأصحاب من الأخبار المتقدّم بيانها

، و هي الحجّة الّتي لا محيص عنها في المسألة، لوضوح دلالتها و لا سيّما الأوّل منها، و هو خبر عبد الكريم على الطهارة.

و المناقشة في ذلك بما يظهر من شرح الدروس: «بأنّ نفي البأس الوارد في أكثر تلك الأخبار أعمّ من الطهارة و العفو، فلا قضاء له بالطهارة» (2)- و تبعه في تلك الدعوى صاحب الحدائق (3)- و كذا الحال في رواية عبد الكريم، فإنّ عدم تنجيسه الثوب لا يستلزم طهارته، إذ كونه معفوّا عنه مطلقا أيضا يستلزم ذلك.

و الجواب: أمّا عن المناقشة في خبر عبد الكريم، فبأنّ الاستلزام إن اريد به العقلي فانتفاؤه مسلّم، و لكن اعتباره في الشرعيّات بل و دلالة الألفاظ ليس بلازم، و إن اريد به غيره شرعيّا أو عرفيّا فهو موجود بكلا قسميه.

أمّا الأوّل: فلأنّ المعلوم من طريقة الشارع المركوز في أذهان المتشرّعة أنّ ملاقاة النجس إذا قارنت شرائط التأثير توجب النجاسة في الملاقي أيضا، إلّا في مواضع مخصوصة خرجت بالدليل، و إنكاره مكابرة لا يلتفت إليها.

و أمّا الثاني: فلأنّ المنساق من قوله: «لا ينجّس» جوابا لمن قال: «هل ينجّس ذلك بذلك الشيء» في العرف و العادة إنّما هو انتفاء النجاسة من الشيء الثاني، و إن كان

____________

(1) مشارق الشموس: 253.

(2) مشارق الشموس: 253.

(3) الحدائق الناضرة 1: 474 حيث قال: «و نفى البأس و إن كان أعمّ من الطهارة إلّا ...» الخ.

277

المصرّح بنفيه في عبارة الجواب إنّما هو نجاسة الشيء الأوّل، نظرا إلى أنّ نفي اللازم يقضي بنفي الملزوم، بناء على أنّ الملازمة بينهما عند تحقّق اللقاء مع اجتماع شرائط التأثير مركوزة في أذهان المتشرّعة فعدم تنجيسه الثوب إنّما هو لعدم كونه بنفسه نجسا.

فإن قلت: قضيّة ذلك حمل السلب في قضيّة الجواب على كونه باعتبار انتفاء الموضوع، و هو خلاف الأصل.

قلت: إنّما يلزم ذلك لو فرض كون النجاسة مأخوذة في موضوع قضيّة السؤال و ليس كذلك، بل الموضوع هو ذات ماء الاستنجاء معرّاة عن وصف النجاسة، و هذا الموضوع باق في قضيّة الجواب، و ليس السلب الوارد فيه من جهة انتفائه، بل من جهة انتفاء أمر خارج عنه غير لازم له.

فإن قلت: لو لا وصف النجاسة مأخوذا في قضيّة السؤال فلأيّ فائدة وقع السؤال؟

فإنّ كلّ عاقل يعلم بأنّ الشيء لا ينجّس بواسطة ملاقاة الطاهر.

قلت: فائدة السؤال استعلام ما احتمله السائل من قيام وصف النجاسة بماء الاستنجاء، كغيره من المياه القليلة الملاقية للنجاسة الموجب لسرايته إلى ما يلاقيه، فأورد السؤال عن اللازم انتقالا إلى ما هو مرامه من الملزوم.

مع أنّه لو لا دلالته على عدم النجاسة لما كان دالّا على العفو أيضا، بالمعنى المعروف الّذي فرضنا البحث من جهته، لأنّ القائلين به معترفون بأنّه نجس، و يوجب النجاسة في مباشره و لكنّهم يدّعون العفو عنه، على معنى أنّ هذه النجاسة الحاصلة في الثوب أو البدن من جهة أنّها حاصلة عن ماء الاستنجاء لا تقدح في صحّة الصلاة أو الطواف أو غير ذلك من مشروط بطهارة الثوب و البدن، بل هي من جهة ما فيها من الخصوصيّة ملغاة في نظر الشارع تسهيلا للأمر على المكلّف، و صونا له عن الوقوع في العسر و المشقّة، و قد دلّت الرواية على انتفاء النجاسة من الثوب رأسا، لا أنّها موجودة و لكنّها معفوّ عنها، و بذلك بطل ما ذكره في التعليل من قوله: «إذ كونه معفوّا عنه مطلقا أيضا يستلزم ذلك» إن أراد بقوله: «يستلزم ذلك» استلزامه عدم تنجّس الثوب، فإنّه مخالف لما عليه أهل القول بالعفو، فلا يمكن حمله على إرادة العفو، و معه يتعيّن حمله على إرادة الطهارة؛ للإجماع على انتفاء الواسطة، كما لا يخفى على الفطن العارف.

278

و أمّا عن المناقشة في الروايات المشتملة على نفي البأس، فلأنّ الظاهر من سياق السؤال و ملاحظة الأسئلة الواردة في نظائر المقام، كون السؤال ناشئا عن الجهل بحكم هذا الماء، و واردا في موضع توهّم نجاسته، و إن كان المذكور في متن السؤال وقوع الثوب فيه، فلو كان المراد بنفي البأس نفيه عن مباشرته- على نحو يكون مفاده العفو- لم يطابق الجواب للسؤال، و لم يوجب رفع الجهالة عن السائل فيما جهل به.

مع أنّ كلمة «لا» نافية للجنس، و البأس ظاهر في الماهيّة الصادقة على جميع ما يصدق عليه في العرف أنّه بأس، و العفو بالمعنى المبحوث عنه مراد به انتفاء البأس عن مجرّد مباشرته حال الصلاة و نحوها، فلو حمل النفي في الرواية على إرادة هذا المعنى فقط كان منافيا لإطلاقه المفيد للعموم؛ لكونه تقييدا بلا دليل، خصوصا إذا ضمّ إليه قوله (عليه السلام): «و لا شيء عليك» كما في رواية الصدوق.

و بالجملة: إمّا أن يقال: «بأنّ هذا الماء طاهر» أو يقال: «بأنّه نجس و ينجّس ما يلاقيه، و لكن عفى عن مباشرته»، أو يقال: «بأنّه نجس و لا ينجّس ما يلاقيه»، أو يقال:

«بأنّه نجس و ينجّس ما يلاقيه، و لا يجوز مباشرته في حال»، و الأخيران منفيّان بالإجماع، مضافا إلى كون الأخير منهما منفيّا بنصّ الرواية، فتعيّن الأوّل؛ لكون الثاني تخصيصا في العامّ أو تقييدا في المطلق، و لا يصار إليهما إلّا بدليل و لا دليل.

فإنّ قضيّة الحمل المذكور أن لا يجوز تناول المعتصر من هذا الماء الّذي باشر الثوب لو فرض عصره على نحو يحصل منه ما يمكن تناوله، و أن لا يجوز استعماله في إزالة الخبث لو اعتصر منه ما يكفي في الإزالة، و أن ينجّس ما يلاقيه في الثوب الملاقي له، و أن ينفعل القليل الّذي يقع فيه ما لاقاه من الثوب- بناء على ما سبق تحقيقه من عدم الفرق في انفعال القليل بالملاقاة بين النجس و المتنجّس- و لا ريب أنّ كلّ ذلك بأس يبقى خارجا عن النفي، و هو مناف لإطلاق النفي أو عمومه، و لو حمل النفي على نفي جميع ذلك رجع مفاده إلى إثبات الطهارة، إذ لا يعني بالطهارة إلّا ما انتفى معه جميع آثار النجاسة و أحكامها و هو المطلوب.

و إلى هذا أشار المحقّق الشيخ عليّ- في كلام محكيّ له- فقال: «قلت: اللازم أحد الأمرين: إمّا عدم إطلاق العفو عنه، أو القول بطهارته؛ لأنّه إن جاز مباشرته من كلّ

279

الوجوه لزم الثاني؛ لأنّه إذا باشره بيده ثمّ باشر به ماء قليلا- و لم يمنع من الوضوء به- كان طاهرا لا محالة، و إلّا وجب المنع من مباشرة نحو ماء الوضوء به إذا كان قليلا، فلا يكون العفو مطلقا، و هو خلاف ما ظهر من الخبر و كلام الأصحاب» (1).

كما أنّه إلى ذلك- مضافا إلى ما قرّرناه في وجه الاستدلال بخبر عبد الكريم- ينظر ما قيل من أنّ كونه معفوّا عنه مطلقا مع نجاسته يستلزم نجاسة ما يلاقيه، غايته أنّه يكون أيضا معفوّا عنه، فحيث حكم بعدم تنجيسه الثوب ظهر أنّه ليس بنجس.

و كذا الكلام في رواية الأحول، بأن يقال: نجاسة الماء تستلزم وجوب إزالته عن الثوب و البدن، و وجود البأس فيه، فحيث نفي البأس عنه يثبت طهارته، فإنّ الظاهر أنّ إفراد استلزام نجاسته نجاسة ما يلاقيه و وجوب إزالته عن الثوب و البدن بالذكر إنّما هو من باب المثال، إذ كلّ أحد ممّن له أدنى معرفة بتفاصيل الشرع يعلم أنّ النجاسة كما يقتضي الامور المذكورة، فكذا تقتضي امورا اخر ممّا أشرنا إليها سابقا و ممّا لم نشر، كاقتضائها المنع عن رفع الحدث و إزالة الخبث بذلك الماء، خصوصا إذا اعتبرناه معتصرا عن الثوب الملاقي له، فحيث نفي نجاسة الثوب به و نفي البأس عنه على الإطلاق يدلّ على طهارته، لأنّ نفي اللوازم يستدعي نفي الملزوم.

فما ذكره الخوانساري في شرحه للدروس في دفع ما قيل- من «أنّ الاستلزام ممنوع، و غاية ما يتمسّك به في اقتضاء النجاسة هذه الامور الإجماع، و هو فيما نحن فيه مفقود» (2)- ليس على ما ينبغي، فإنّ غاية ما فقد فيه الإجماع من اللوازم إنّما هو وجوب إزالة هذا الماء عن الثوب و البدن، كما هو مفاد القول بالعفو، و أمّا سائر اللوازم فلا خلاف عندهم في وجودها على تقدير ثبوت العفو، و المفروض أنّ الروايتين دلّتا بعمومهما على انتفاء اللوازم بأسرها، و معه لا مناص عن القول بالطهارة، فالكلام المذكور عن المحقّق من الامور العجيبة.

و أعجب منه ما ذكره عقيب الكلام المذكور، من: «أنّه و لو فرض تحقّق عمومات دالّة على ذلك، نقول: الروايات في بحث القليل تدلّ على نجاسة هذا الماء أيضا عند من يقول بعمومها كالمحقّق و أضرابه، و النجاسة كما تقتضي الأشياء الّتي ذكرتم، كذلك

____________

(1) جامع المقاصد 1: 130.

(2) مشارق الشموس: 253.

280

تقتضي أشياء اخر من عدم جواز رفع الحدث و رفع الخبث و التناول؛ للاتّفاق على عدم الفرق بين هذه الامور و بين تلك، و هذان الخبران إنّما دلّا على ارتفاع بعض أحكامها ممّا ذكر، و أمّا البعض الآخر من عدم جواز استعماله في رفع الحدث و الخبث و تناوله، فينبغي أن يكون على حاله حتّى يثبت ارتفاعه بدليل آخر، و نفي البأس غير ظاهر في الجميع، بل ظاهره عدم النجاسة أو العفو» (1).

فإنّ قوله: «لا بأس» إذا كانت نكرة منفيّة و كانت النكرة المنفيّة مفيدة للعموم خصوصا مع ملاحظة حذف المتعلّق المفيد للعموم أيضا، و إذا كان نفي نجاسة الثوب مستلزما لنفي جميع لوازم النجاسة عن الماء الّذي هو في الثوب، فأيّ شيء يدعو إلى دعوى أنّ هذان الخبران إنّما دلّا على ارتفاع بعض أحكامها، و بأيّ قاعدة يقال: إنّ نفي البأس ظاهر في عدم النجاسة أو العفو، مع أنّ العامّ لا يردّد بين العموم و الخصوص إلّا على بعض المذاهب الفاسدة في صيغ العموم- المذكورة في فنّ الاصول- و كيف يعقل إبداء المعارضة بين عمومات القليل المقتضية لانفعاله بالملاقاة و بين هذين الخبرين، و هما خاصّان و كلّ خاصّ مقدّم على العامّ و حاكم عليه، و هل الكلام المذكور التزام بالتخصيص في المخصّص أيضا بعد التزامه في المخصّص بلا دليل يقضي بذلك.

نعم، غاية ما يلتزم به من التخصيص في المخصّص- بالكسر- إنّما هو بالنسبة إلى رفع الحدث، لنقل الإجماع على عدم جوازه بذلك الماء مع إمكان المناقشة فيه، و أمّا سائر أحكام الطهارة فباقية تحت عموم نفي البأس و غيره.

لا يقال: التزام ما ذكر من التخصيص يكفي الخصم في إثبات النجاسة مع العفو؛ لأنّ النجاسة هي الباعثة على ذلك الحكم الثابت بالإجماع، لمنع انحصار الباعث على هذا الحكم في النجاسة، ألا يرى أنّ المضاف أيضا ممّا لا يرفع به الحدث، و كذا الماء المغصوب، و الماء المستتبع استعماله في ذلك للضرر على النفس المحترمة و نحوها، و لعلّ الباعث على ذلك في ماء الاستنجاء زوال وصف ينوط به قوّته الرافعة غير الطهارة، أو حدوث وصف يمنع عن تأثيره في الرفع غير النجاسة، و قد علم به الشارع الحكيم و نبّه عليه، و ممّا يفصح عن ذلك استناد المفتين بذلك في الكتب الفقهيّة إلى

____________

(1) مشارق الشموس: 253.

281

الإجماع- أو نقله- لا إلى النجاسة.

و أعجب من الجميع ما ذكره في دفع ما أورده على نفسه- عقيب الكلام المتقدّم- بقوله: «فإن قلت: لو لم يرتفع هذه الأحكام أيضا يلزم التخصيص».

فقال: «قلت: هذا معارض بلزوم التخصيص في عمومات القليل، و الترجيح لها كما لا يخفى» (1)، فإنّ الخاصّ في مقابلة العامّ بمنزلة النصّ- و إن كان بنفسه من جملة الظواهر- فيقدّم عليه.

و محصّله يرجع إلى أنّه أظهر و الأظهر يقدّم على الظاهر، مع أنّ التخصيص الّذي يحترز عنه في عمومات القليل إن اريد به أصل التخصيص فهو وفاقي الحصول بيننا و بينه، فكيف يعقل نفيه بترجيح تخصيص الخبرين عليه، و إن اريد به كثرة التخصيص فالمقام ليس منها، لأنّ المخرج عن تلك العمومات ليس إلّا فرد واحد و هو ماء الاستنجاء و ليس في مقابله شيء يكون الأمر فيما بينه و بينه دائرا بين الأقلّ و الأكثر حتّى يرجّح إخراج الأقلّ على إخراج الأكثر، و ما يرى من القلّة و الكثرة اللتين يدور الأمر بينهما فهو مفروض بالنسبة إلى لوازم النجاسة الّتي كانت تثبت في ذلك الماء لو لا المخرج له عن عمومات النجاسة، فلا يعقل في مثل ذلك أن يقال: إنّه قد ورد على تلك العمومات تخصيص و لكنّه مردّد بين كونه في الأقلّ أو الأكثر، و الأصل عدم الزيادة في التخصيص فيرجّح تخصيص الأقلّ.

و إن شئت توضيح ذلك فقس المقام على ما لو ورد خطاب عامّ بوجوب كلّ صلاة، ثمّ قام خطاب آخر خاصّ بعدم وجوب صلاة الوتيرة مثلا، و المفروض أنّ المنفيّ هنا شيء مركّب مفهومه بين الاستدعاء و المنع، و قضيّة نفيه انتفاء كلّ من جزأيه، فلا يمكن أن يقال: حينئذ بمنع ذلك لاستلزامه تخصيص الأكثر و المتيقّن ممّا خرج عن العامّ إنّما هو أحد جزئي وجوب هذا الفرد، و هو المنع عن الترك مثلا، فيحكم بأنّه الخارج تقليلا للتخصيص و ذلك واضح.

و احتجّ في المناهل (2)- مضافا إلى النصوص و غيرها- بالإجماعات المنقولة المتقدّم إليها الإشارة.

____________

(1) مشارق الشموس: 253.

(2) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 139.

282

ثمّ إنّ قضيّة إطلاق نصوص الباب و فتاوي الأصحاب عدم الفرق بين المتعدّي و غيره، ما لم يتفاحش على وجه لا يصدق معه على إزالته اسم الاستنجاء عرفا، كما صرّح به غير واحد من الأصحاب.

قال الشيخ عليّ في حواشي الشرائع: «و لا فرق بين نجاسة المخرجين، و لا بين المتعدّي و غيره» (1).

و في الدروس: «و لا فرق بين المخرجين، و لا بين المتعدّي و غيره» (2).

قال الخوانساري في شرحه: «و قد قيل: إلّا أن يتفاحش بحيث يخرج به عن مسمّى الاستنجاء، و لا بأس به» (3).

و عن الذكرى: «و لا فرق بين المتعدّي و غيره للعموم» (4).

و عن جامع المقاصد: «لا فرق بين المتعدّي و غيره، إلّا أن يتفاحش» (5).

و عن الروض: «لا فرق بين المتعدّي و غيره، إلّا أن يتفاحش على وجه لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء» (6).

و عن الذخيرة: «و مقتضى النصّ و كلام الأصحاب عدم الفرق بين المتعدّي و غيره، إلّا أن يتفاحش على وجه لا يصدق على إزالته اسم الاستنجاء به» (7).

و وجه التقييد بعدم التفاحش: أنّ الأحكام تدور مع عناوينها وجودا و عدما، و قضيّة ذلك انقلابها بانقلاب العناوين، و الظاهر أنّ تعدّي الحدث من المخرج إلى أن يتفاحش على الوجه المذكور ممّا يوجب انقلاب العنوان، فإنّ حكم الطهارة قد علّق في النصّ على عنوان الاستنجاء، و إزالة المتعدّي على الوجه المذكور ليست من هذا العنوان في شيء، و لكنّه مبنيّ على كون الاستنجاء عبارة عن إزالة الحدث المعهود عن المخرج خاصّة و ما يلحق به من الحواشي القريبة منه، و لعلّه كذلك بل هو الظاهر من نصّ اللغوي و كلام الأصحاب، و لذا تراهم لا يسمّون إزالة الحدثين عن الثوب أو موضع آخر من البدن استنجاء، و لا يلحقه حكم ماء الاستنجاء، فللخصوصيّة مدخليّة في صدق

____________

(1) حاشية الشرائع- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 7.

(2) الدروس الشرعيّة 1: 122.

(3) مشارق الشموس: 254.

(4) ذكرى الشيعة 1: 83.

(5) جامع المقاصد 1: 129.

(6) روض الجنان: 160.

(7) ذخيرة المعاد: 143.

283

الاسم، و مع انتفائها ينتفي الصدق فينقلب العنوان.

و في كلام غير واحد أيضا التصريح بعدم الفرق بين الطبيعي و غيره، كما عن الذخيرة (1)، و في كلام المحقّق الشيخ عليّ (2) تقييده بالاعتياد تمسّكا بالإطلاق، و عن بعضهم المناقشة في ذلك بمنع انصراف إطلاق عبائر الأصحاب و نصوص الباب إلى غسالة غير الطبيعي- و إن صار معتادا- لندرته، و إفادة ترك الاستفصال في الأخبار العموم بحيث يشمل ذلك محلّ تأمّل، اللّهمّ إلّا أن يمنع من الدليل على نجاسته، و الأحوط الاجتناب عنه.

و التحقيق أن يقال: إنّ قضيّة عدم الانصراف إلى غير الطبيعي لندرته و إن كانت كما ادّعيت، و التمسّك بالإطلاق و إن كان ليس في محلّه، و ترك الاستفصال في مثله لا يفيد العموم، غير أنّه يمكن القول بأنّ الحكم- على ما يستفاد من طريقة الشارع و بناء الأصحاب في نظائر المقام- طهارة و نجاسة تابع للعنوان، و الخصوصيّات بأسرها ملغاة في نظر الشارع، فيوجد الحكم حيثما وجد العنوان و ينتفي بانتفائه، كما يفصح عن ذلك بناؤهم في انفعال القليل على عموم الحكم لمجرّد روايات خاصّة، مع ما فيها من الخصوصيّات و الإضافات ما لا تحصى عددا، فقصور لفظ الرواية عن شموله لبعض الأفراد غير قادح، فلذا نقول بعدم الفرق في طهارة ماء الاستنجاء بين كون الحدث المستنجى منه من المكلّف نفسه أو من غيره، فلو سقط من استنجاء غيره شيء على ثوبه أو بدنه لم يكن به بأس، مع أنّ النصّ غير ظاهر التناول جزما، فيجري الحكم في الماء الّذي يطهّر به مخرج المريض أو الطفل أو المجنون أو نحو ذلك.

نعم، لا يلحق به غسل مخرج غير هؤلاء من سائر أنواع الحيوان، لعدم تحقّق العنوان بالنسبة إليه، فالعمدة في المقام إحراز أنّ المفروض ممّا يصدق عليه العنوان و إن كان ممّا ندر وقوعه، بناء على أنّ الاستنجاء بحسب المفهوم ليس إلّا إزالة الحدثين عن المخرج كائنا ما كان، و أمّا خصوص كون المخرج هو الموضع المعهود الّذي جرى عليه الطبيعة الانسانيّة فممّا لا مدخل له في ذلك لغة و لا عرفا، أو أنّ عنوان الحكم على ما

____________

(1) ذخيرة المعاد: 143.

(2) جامع المقاصد 1: 129 حيث قال: «و لا فرق بين الطبيعي و غيره إذا صار معتادا لإطلاق الحكم».

284

يستفاد عن طريقة الشارع هو الإزالة عن المخرج كائنا ما كان، و إن لم يندرج تحت مفهوم الاستنجاء، و اختصاصه بالذكر في النصوص من جهة أنّه محلّ ابتلاء السائل دون غيره، و على أيّ حال فالمسألة غير خالية عن الإشكال، و للاحتياط فيها مجال.

نعم، لا ينبغي التأمّل في إطلاق النصوص و كلام الأصحاب القاضي بعدم الفرق في الطهارة بين الغسلة الاولى و الثانية فيما يعتبر فيه التعدّد، كما نصّ عليه السيّد في المناهل (1) و غيره، و هو المحكيّ عن الكشف (2) أيضا، ناسبا له إلى نصّ السرائر (3)، فما عن الشيخ في الخلاف (4) من تخصّصه بالغسلة الثانية ليس على ما ينبغي، و الاعتذار له: «بأنّه لعلّه لبعد الطهارة و العفو مع اختلاطه، أو للجمع بين هذه النصوص و مضمرة العيص» (5) غير مسموع.

ثمّ إنّهم (رضوان اللّه عليهم) ذكروا لما صاروا إليه من طهارة ماء الاستنجاء أو العفو عنه شروطا، بعضها محلّ وفاق عندهم و البعض الآخر محلّ خلاف.

أوّلها: عدم تغيّره بالنجاسة في أحد أوصافه الثلاثة

، نصّ عليه في الشرائع (6)، و الرياض (7) أيضا غير أنّه عبّر عنه بعدم العلم بتغيّره، و ربّما يحمل عليه كلام الأصحاب في هذا الشرط و غيره من الشروط الآتية، فيعتبر العلم في جميع ذلك كما صرّح به المحقّق البهبهاني في حواشيه على المدارك، حيث إنّه عند شرح قول المصنّف: «و شرط المصنّف و غيره الخ»، قال: «و ليس المراد بالشرطيّة معناها المعروف، لأنّ الشكّ في الشرط يوجب الشكّ في المشروط، فيلزم ندرة تحقّق الغسالة الطاهرة، بل المراد أنّه إن علم التغيير أو غيره ممّا ذكر ينجّس، و لا يجوز حمل الأخبار و كلام الأخيار على الفروض النادرة، سيّما فيما نحن فيه». انتهى (8).

و كيف كان فاعتبار هذا الشرط وفاقي عندهم ظاهرا، حيث لم نقف فيه على مخالف، بل ربّما يتمسّك على اعتباره بالإجماع كما في المناهل 9، نعم يظهر من

____________

(1) 1 و 9 المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 142.

(2) كشف اللثام 1: 301.

(3) السرائر 1: 180.

(4) الخلاف 1: 179 المسألة 135.

(5) و المعتذر هو الفاضل الهندي (ره) في كشف اللثام 1: 301.

(6) شرائع الإسلام 1: 16.

(7) رياض المسائل 1: 182.

(8) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 190.

285

الخوانساري في شرح الدروس (1) التشكيك في ذلك لو لا مستنده الإجماع، حيث إنّه بعد ما ذكر الشرط المذكور قال: «و الظاهر أنّه إجماعي و إلّا لأمكن المناقشة، إذ الروايات الدالّة على نجاسة المتغيّر عامّة و هذه الروايات خاصّة».

و اعترض عليه في المناهل: «بمنع ذلك بل بينهما عموم من وجه، فإنّ أخبار ماء الاستنجاء من حيث موردها خاصّة، و من حيث شمولها لحالتي التغيّر و عدمه عامّة، و ما دلّ من الأخبار على نجاسة الماء بالتغيّر بالنجاسة من حيث اختصاص مورده بالتغيّر خاصّ، و من حيث شمولها لماء الاستنجاء و غيره عامّ، فإذن ينبغي الرجوع إلى وجوه الترجيح، و من الظاهر أنّها مع الأخبار الدالّة على نجاسة الماء بالتغيّر بالنجاسة، فلا يجوز العدول عنها» (2) الخ.

و لعلّ نظره في دعوى كون الترجيح مع تلك الأخبار، إلى العمل و الفتوى و نقل الإجماع و غيره من المرجّحات الخارجة، و إلّا فمع الغضّ عن ذلك فالمرجّح الداخلي من حيث الدلالة في جانب أخبار المقام، لكونها أقلّ أفرادا من الأخبار الدالّة على نجاسة المتغيّر، فتكون أظهر منها دلالة فيكون حكمها حكم الخاصّ، و لعلّه الّذي أراده الخوانساري من حكمه على تلك الأخبار بكونها خاصّة.

فالتحقيق: في إثبات هذا الشرط- على نحو ينطبق على القواعد، و لا يبتني على ثبوت الإجماع عليه، بحيث لو لا ثبوته كان الحكم بالاشتراط في موضع التأمّل أن يقال: بمنع الإطلاق في روايات المقام بحيث يشمل صورة التغيّر و إن فرضناها خاصّة بالقياس إلى أخبار التغيّر، لا لما ذكره في المناهل من ندرة التغيّر في ماء الاستنجاء، بل لأنّ التغيّر حيثيّة اخرى مبيّن حكمها في الخارج، و الملحوظ في المقام إنّما هو حيثيّة الاستنجاء من حيث هو مع قطع النظر عن الحيثيّات الاخر، و من البيّن اختلاف العنوانات باختلاف الحيثيّات.

و ما توهّم من الإطلاق و إن كان إطلاقا في الأحوال غير أنّه إنّما يجدي في تعميم الحكم بالقياس إلى ما شمله من الأحوال، إذا لم يكن الحالة حيثيّة ممتازة عن غيرها بحكم مبيّن لها في الخارج؛ ضرورة أنّ عدم اعتبار الإطلاق معه لا يكون منافيا

____________

(1) مشارق الشموس: 253.

(2) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 143.

286

للحكمة و لا موجبا لمحذور، و لذا تراهم في مثل قوله تعالى: فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ (1) لا يجوّزون أكل موضع عضّ الكلب و لو مع عدم التطهير، مع أنّ الاطلاق الأحوالي قائم فيه جزما.

فإذا كانت الحيثيّة المذكورة خارجة عن مفاد الأخبار، و كانت هي بنفسها مقتضية للمنع لم يتعدّ إليها حكم الطهارة، لا لأنّه تقييد في ماء الاستنجاء، أو تخصيص في الأخبار الواردة فيه حتّى يطالب بدليله، أو يرجع التعارض فيما بينها و بين أخبار التغيّر إلى تعارض الخاصّ مع العامّ، أو تعارض العامّين من وجه، بل لأنّه أخذ بالمنع الثابت لحيثيّة التغيّر، و هو عنوان آخر لا مدخل له لعنوان الاستنجاء، مجامع له من باب المقارنات، فعند التحقيق لا معارضة بينهما لاختلاف موضوعيهما، و العمل في الحقيقة بالدليلين معا، لا أنّه أخذ بأحدهما و طرح للآخر؛ لعدم تنافيهما، فنحكم بكلّ من الحيثين المجامعتين بحكمها الخاصّ له.

و نقول: إنّ حيثيّة «الاستنجاء» مقتضية للطهارة، و حيثيّة «التغيّر» مقتضية للنجاسة، غير أنّ هاتين الحيثيّتين لاجتماعهما في مورد واحد شخصي ممّا لا يمكن ترتيب الآثار على حكمهما معا في مقام العمل، فلا بدّ من رفع اليد عن أحدهما ترتيبا للآثار على الآخر، لإمكانه حينئذ على قياس ما هو الحال في الواجبين المتزاحمين، حيث يرفع اليد عن أحدهما لعدم إمكان امتثالهما معا، من دون أن يقضي بتخصيص دليله كما قرّر في محلّه، غاية الفرق بينهما أنّ البناء فيهما على التخيير لإمكان الامتثال كذلك، و لئلّا يلزم الترجيح بلا مرجّح، بخلاف المقام حيث إنّ المتعيّن فيه إنّما هو العمل على حيثيّة «التغيّر» لتقدّم الجهة المانعة في جميع الموارد على جهة الإذن، على ما قرّرناه في محلّه.

و لك أن تسلك هنا مسلكا آخر، بأن تقول: إنّ الأخبار الواردة عن أهل العصمة فيما يرتبط بالمقام أو ما هو من أفراده، الحاكمة بعضها بالطهارة و بعضها بالنجاسة، الّتي يلاحظ النسبة بينها و بين أخبار المقام، على ثلاثة أصناف:

أحدها: ما هو معنون بعنوان التغيّر.

و ثانيها: ما هو معنون بعنوان الكرّيّة.

____________

(1) المائدة: 4.

287

و ثالثها: ما هو معنون بعنوان الملاقاة للنجاسة.

و مفاد كلّ واحد منها بعد الجمع بين مناطيقها و مفاهيمها ينحلّ إلى قضيّتين: موجبة و سالبة.

فمن الأوّل: الماء المتغيّر بالنجاسة نجس، و الماء الغير المتغيّر بالنجاسة ليس بنجس.

و من الثاني: الكرّ من الماء لا ينجّس بملاقاة النجاسة، و ما دون الكرّ منه ينجّس بملاقاة النجاسة.

و من الثالث: الماء الملاقي للنجاسة ينجّس بالملاقاة، و الغير الملاقي لها لا ينجّس.

و إذا أردنا ملاحظة النسبة بين كلّ واحد من تلك القضايا الستّة مع الاخرى يرتقي صور المسألة إلى خمسة عشر، كما يظهر بأدنى تأمّل. إلّا أنّه لا يتحقّق معارضة في البين إلّا في أربع منها:

أحدها: قولنا: الماء المتغيّر بالنجاسة ينجّس بالتغيّر، و الكرّ من الماء لا ينجّس بالملاقاة.

و ثانيها: الماء الغير المتغيّر بالنجاسة لا ينجّس بالملاقاة، و ما دون الكرّ من الماء ينجّس بالملاقاة.

و ثالثها: الماء الغير المتغيّر بالنجاسة لا ينجّس بالملاقاة، و الماء الملاقي للنجاسة ينجّس بالملاقاة.

و رابعها: الكرّ من الماء لا ينجّس بملاقاة النجاسة، و الماء الملاقي للنجاسة ينجّس بالملاقاة.

و النسبة في الصورتين الاوليين عموم من وجه، و في الأخيرتين عموم و خصوص مطلق، كما لا يخفى على المتأمّل.

و قاعدتهم في تعارض العامّين من وجه، و في تعارض الخاصّ و العامّ و إن كانت تقتضي الرجوع إلى وجوه الترجيح في الاوليين، و تقديم الخاصّ على العامّ في الأخيرتين، إلّا إنّا نراهم أنّهم في الاولى من الاوليين يحكّمون عموم التغيّر على عموم الكرّ من غير تأمّل و لا خلاف، و في الثانية منهما يحكّمون عموم ما دون الكرّ على عموم عدم التغيّر، و في الاولى من الأخيرتين يقدّمون العامّ على الخاصّ، فلا يفرّقون في نجاسة ما دون الكرّ بين صورتي التغيّر و عدمها، و ليس ذلك إلّا من جهة أنّهم عثروا

288

من الأدلّة الشرعيّة و القرائن المعتبرة ما دعاهم إلى ذلك، و إلّا فلا ريب أنّ تقديم العامّ على الخاصّ- كما يصنعونه في الصورة الثالثة- على خلاف القاعدة.

نعم مشوا على طبق القاعدة في الصورة الرابعة، حيث قدّموا خصوص الكرّ على عموم الملاقاة، فمن بنائهم في هذا المقام يظهر الإجماع على تحكيم أدلّة التغيّر على أدلّة سائر العنوانات، و لو فرضت في بعضها جهة خصوصيّة بالقياس إلى عنوان التغيّر، و إجماعهم ذلك يكشف جزما عن وجود دليل محكم و قرينة معتبرة، و إن لم نعلم بهما عينا، و قضيّة ذلك خروج صورة التغيّر عن أدلّة ماء الاستنجاء، كما هي خارجة عن أدلّة الكرّ.

و لك أن تقول: إنّ النسبة بين أدلّة الاستنجاء و أدلّة التغيّر و إن كانت في ابتداء النظر عموم من وجه- كما فهمه صاحب المناهل- غير أنّها منقلبة إلى ما لا معارضة معه، بعد تحكّم أدلّة التغيّر على أدلّة الكرّ، ثمّ تحكيم أدلّة الكرّ على أدلّة الماء الملاقي للنجاسة، ثمّ تحكيم أدلّة الاستنجاء على أدلّة القليل الملاقي للنجاسة، فإنّ صورة التغيّر حينئذ خارجة عن عنوان الكرّ، فهو في قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» (1) مقيّد بعدم التغيّر، فيكون مفهومه أيضا مقيّدا به، إذ المفهوم تابع للمنطوق في جميع ما اعتبر فيه، فالحكم بعدم انفعال القليل إنّما ورد عليه و هو مقيّد بعدم التغيّر، و المفروض أنّ ماء الاستنجاء مخرج منه، فيكون مشاركا له في قيده، لوجوب دخول المستثنى في الاستثناء المتّصل في جملة أفراد المستثنى منه، و معه أيضا لا يتناول حكم الطهارة في الاستثناء لصورة التغيّر، فيبقى تلك الصورة- إذا تحقّقت في ضمنه- في الحكم عليها بالنجاسة سليمة عن المعارض، فتأمّل جيّدا (2).

و بالجملة: اعتبار عدم التغيّر في طهارة ماء الاستنجاء- كما صنعه الجماعة، و أطبقوا عليه، و ادّعى عليه الإجماع- في محلّه.

____________

(1) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(2) وجهه: أنّ جهة المعارضة بين الكرّ الغير المتغيّر و بين الملاقي للنجاسة إنّما هي ذات الكرّ دون قيده، فلا داعي إلى حمل الملاقي على عدم التغيّر، بل غايته أنّه يحمل على ما عدا الكرّ، و كذلك جهة العارضة بين ما دون الكرّ الغير المتغيّر و بين الملاقي إنّما هو عموم الملاقي للكرّ، فيحمل على ما دون الكرّ نفسه دونه مع وصفه، و معه لا داعي إلى أخذ عدم التغيّر في موضوع حكم الانفعال ليكون ماء الاستنجاء مخرجا عنه مقيّدا بهذا الوصف كما لا يخفى (منه عفي عنه).

289

و ثانيها: أن لا يقع ماء الاستنجاء على نجاسة خارجة عن حقيقة الحدث المستنجى منه

كالدم المستصحب له، أو عن محلّه و إن لم يخرج عن الحقيقة كالحدث الملقى على الأرض، من غائط أو بول أو غيرهما من النجاسات، فلو سقط ماء الاستنجاء و على الأرض نجاسة ثمّ رجع إلى الثوب أو البدن فهو نجس، سواء تغيّر به أو لا، و سواء كانت النجاسة هو البول أو الغائط المستنجى منهما أو غيرهما.

و قد أشار إلى ذلك في الشرائع (1)، و قد تقدّم التصريح به- في الجملة- عن المنتهى (2) و حكي ذلك عن القواعد (3)، و الدروس (4)، و جامع المقاصد (5)، و الجعفريّة (6)، و المقاصد العليّة (7)، و الروضة (8)، و الروض (9)، و مجمع الفائدة (10)، و الكشف (11)، و صرّح به في الرياض (12) أيضا، و نفى عنه الخلاف.

و الوجه في ذلك يظهر بالتأمّل فيما تقدّم، فإنّ وقوعه على ما فرض من النجاسة ممّا يوجب انقلاب العنوان، و يتبعه انقلاب الحكم أيضا، و إلى ذلك أشار في مجمع الفائدة- على ما حكي- بقوله: «نعم اشتراط عدم وقوعه على نجاسة خارجة غير بعيد، لأنّ الظاهر من الدليل هو الطهارة من حيث النجاسة الّتي في المحلّ ما دام كذلك» 13.

و ثالثها: ما اعتبره جماعة من أن لا يخالط الحدثان لنجاسة اخرى كالدم و المنيّ

، عزى إلى جامع المقاصد 14، و محكيّ الذخيرة 15 عن جماعة، و استشكل فيه صاحب المدارك قائلا: «بأنّ اشتراطه أحوط، و إن كان للتوقّف فيه مجال لإطلاق النصّ» 16، و وافقه على ذلك الخوانساري في شرح الدروس قائلا: «بأنّ اشتراطه محلّ كلام لإطلاق اللفظ، مع أنّ الغالب عدم انفكاك الغائط عن شيء آخر من الدم، أو الأجزاء

____________

(1) شرائع الإسلام 1: 16.

(2) منتهى المطلب 1: 143.

(3) قواعد الأحكام 1: 186.

(4) الدروس الشرعيّة 1: 122 حيث قال: «و المستعمل في الاستنجاء طاهر ما لم يتغيّر أو تلاقه نجاسة اخرى».

(5) جامع المقاصد 1: 129.

(6) الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 186.

(7) المقاصد العليّة: 150 المسألة 28.

(8) الروضة البهيّة 1: 311.

(9) روض الجنان: 160.

(10) 10 و 13 مجمع الفائدة و البرهان 1: 289.

(11) كشف اللثام 1: 301.

(12) رياض المسائل 1: 128.

(13) 14 جامع المقاصد 1: 129.

(14) 15 ذخيرة المعاد: 143.

(15) 16 مدارك الأحكام 1: 124.

290

الغير المنهضمة من الغذاء، أو الدود، على أنّ في صحيحة محمّد بن النعمان- المنقولة أيضا- إشعارا بالعفو عنه، و إن كان على الذكر منيّ، كما لا يخفى» انتهى (1).

و أنت خبير بما فيه من الخلط و الاشتباه، و الحقّ التفصيل في ذلك، فإن كانت النجاسة المخالطة بنفسها عنوانا مستقلا في النجاسة، ثابتا حكمها من الخارج كالدم و المنيّ إذا خرجا مخلوطين مع الحدث المستنجى منه، فلا مناص فيه من المنع و الحكم بالنجاسة، لمكان تداخل العنوانين و اجتماع الحيثين، فيقدّم جهة المنع على جهة الإذن لما تقدّم الإشارة إليه، و لا ينبغي التمسّك بالإطلاق حينئذ لعين ما مرّ، و دعوى وقوع الإشعار بخلافه في الصحيحة المذكورة غير مسموعة، بملاحظة ما تقدّم في صدر المسألة.

و إن لم تكن كذلك، بل كانت نجاسته مكتسبة عن الحدث المستنجى منه، فالأقرب فيه ما صار إليه الجماعة من الحكم بالطهارة، لمكان الإطلاق السليم عن المعارض، و إن كان أحواليّا.

و رابعها: ما حكى اشتراطه عن جامع المقاصد (2)، و الروض (3)، من عدم انفصال أجزاء من النجاسة متميّزة مع الماء

، محتجّين عليه: بأنّ أجزاء النجاسة- كالنجاسة الخارجة- تنجّس الماء بعد مفارقة المحلّ، و لا يخفى ما فيه من المصادرة.

و استشكل فيه في المدارك (4) أيضا قائلا بما سبق.

و لو استدلّ على القول الأوّل بما سبق عن مجمع الفائدة (5) من أنّ الظاهر من الدليل هو الطهارة من حيث النجاسة الّتي في المحلّ ما دام كذلك لكان أسدّ، و محصّله: انقلاب العنوان معه، فإنّ المفروض بعد مفارقة المحلّ داخل في عنوان القليل الملاقي للنجاسة في غير محلّ الاستنجاء، فيلحقه حكمه، و يقوي ذلك لو بقي على هذه الحالة بعد الانفصال مدّة ثمّ باشره الثوب أو البدن، فاتّضح أنّ الاشتراط المذكور في محلّه.

و خامسها: ما عزى إلى الكشف (6) و محكيّ بعض، من اشتراط عدم سبق اليد على الماء في ملاقاة المحلّ

، فلو سبقته ينجّس، و لو سبقها أو كانا متقارنين كان طاهرا أو معفوّا عنه، و يظهر من شرح 7 الدروس الاحتجاج عليه: «بأنّ نجاسة اليد إنّما تكون

____________

(1) 1 و 7 مشارق الشموس: 245.

(2) جامع المقاصد 1: 129.

(3) روض الجنان: 160.

(4) مدارك الأحكام 1: 124.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 1: 289.

(6) كشف اللثام 1: 301.

291

مستثناة بسبب جعلها آلة للغسل، فلو اتّفقت لغرض آخر كانت في معنى النجاسة الخارجيّة»، و فيه: مصادرة أو خروج عن الفرض كما لا يخفى.

و عن صريح جامع المقاصد (1)، و الرياض (2) و الذخيرة (3)، و المشارق (4)، و ظاهر الشرائع (5)، و المنتهى (6)، و الدروس (7)، و الجعفريّة (8)، و المقاصد العليّة (9)، و الروضة (10)، و الروض، أنّ ذلك ليس بشرط، و حكى الاحتجاج عليه: «بأنّ التنجّس على كلّ حال؛ إذ لا أثر للتقدّم و التأخّر في ذلك» (11)، و إطلاق هذا الكلام ليس على ما ينبغي، كما أنّ إطلاق القول الأوّل كذلك.

بل الّذي يقتضيه التدبّر، التفصيل بين ما لو كان سبق اليد منبعثا عن العزم على الغسل و قارنه الفعل فلا يكون قادحا، و بين ما لو لم تكن لأجل هذا الغرض، فاتّفق حدوث العزم على الغسل بعد ما تنجّست، فيكون نجاستها موجبة لنجاسة الماء.

أمّا الأوّل: بملاحظة ما سبق، و أمّا الثاني: فلأنّ أعمال اليد من لوازم الاستنجاء و مقدّماته، فالحكم عليه بالطهارة يقضي بعدم قادحيّة النجاسة الحاصلة فيها بمباشرة النجاسة الحدثيّة إن لم نقل بقضائه بعدم قبولها النجاسة في هذه الحالة، فهذا المعنى ممّا يستفاد من النصّ بالدلالة الالتزاميّة.

ثمّ إذا لوحظ ما فيه من الإطلاق السليم عن المعارض بالنسبة إليه يتمّ المطلوب، من عدم الفرق بين السبق و المسبوقيّة و المقارنة.

و سادسها: ما عن الشهيد في الذكرى (12)، من اشتراطه عدم زيادة وزن الماء على ما قبل الاستنجاء

، فلو زاد وزنه بعد الاستنجاء كان نجسا، و لو لم يزد كان طاهرا، و في شرح الدروس: «أنّه ممّا اعتبره العلّامة في النهاية (13) في مطلق الغسالة» 14، و عن

____________

(1) جامع المقاصد 1: 129.

(2) رياض المسائل 1: 183.

(3) ذخيرة المعاد: 143.

(4) 4 و 14 مشارق الشموس: 254.

(5) شرائع الإسلام 1: 16 «لمكان عدم ذكره هذا الشرط في عداد شرائط طهارة ماء الاستنجاء».

(6) منتهى المطلب 1: 143.

(7) الدروس الشرعيّة 1: 122.

(8) الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 86).

(9) المقاصد العليّة: 145.

(10) الروضة البهيّة 1: 11.

(11) روض الجنان: 161.

(12) ذكرى الشيعة 1: 83.

(13) نهاية الإحكام 1: 244.

292

الآخرين عدم اشتراطه صريحا أو ظهورا، و هو صريح المدارك (1)، و شرح الدروس (2)، و غيرهما و هو الأقرب، لإطلاق النصّ و الفتوى، مضافا إلى أنّه لو استفيد ذلك من نصوص الباب فواضح المنع جدّا، و لو استفيد من أخبار التغيّر بدعوى: دخول المفروض في عنوان «التغيّر» الموجب للنجاسة.

ففيه: مع أنّ الشرط الأوّل يغني عن إفراده بالذكر، ما تقدّم تحقيقه في بحث «التغيّر» من أنّه إذا حصل في غير الأوصاف الثلاث المعهودة لم يوجب نجاسته للنصوص و إجماع الأصحاب، و لو اريد استفادته من خبر العلل (3) المذيّل بقوله: «إنّ الماء أكثر من القذر» كما احتمله بعضهم، مستندا له من حيث إنّه يعطي أنّ نفي البأس عنه إنّما هو لأكثريّة الماء و اضمحلال النجاسة فيه، و حينئذ فلو زاد لدلّ على وجود شيء من النجاسة فيه و عدم اضمحلالها.

ففيه أوّلا: أنّ مستند الاشتراط إن كان ذلك فقد علم اعتباره في الشرط الرابع؛ ضرورة أنّ المفروض- لو سلّم الملازمة بين زيادة الوزن و زيادة شيء من أجزاء النجاسة غير مضمحلّ فيه- من أفراده فلا يكون شرطا آخر يدلّ عليه.

و ثانيا: أنّ ذلك أدلّ على خلاف مدّعاهم؛ لقضائه بأنّ الماء فيه شيء من القذر و لكنّه أكثر منه، و لا ريب أنّ ذلك يقضي بزيادة وزنه لا محالة على ما كان عليه قبل الاستنجاء؛ ضرورة إنّه كان قبله ماء خالصا خاليا عن القذر الّذي فيه بعده، و اضمحلاله فيه لا يوجب عدم زيادته؛ لأنّه ليس عبارة عن الانعدام الصرف، بل هو عبارة عن انتشار أجزائه فيه بحيث لا يدركه الحسّ، على نحو كان المجموع في نظر الحسّ ماء، فهو سواء اضمحلّ أو لم يضمحلّ موجود فيه جزما، و هو لا ينفكّ عن زيادة الوزن به جزما.

تنبيه

: المعتبر في الشرائط المذكورة عدم العلم بوجود نقيضها، كما سبق عن المحقّق البهبهاني (4) التنبيه على ذلك، فلو شكّ أو ظنّ بوجود شيء من نقيض تلك

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 124.

(2) مشارق الشموس: 254 حيث قال: «... و لا وزن له في نظر الاعتبار كما لا يخفى».

(3) الوسائل 1: 222 ب 13 من أبواب الماء المضاف ح 2- علل الشرائع 1: 287.

(4) حاشية البهبهانى على المدارك 1: 190- تقدّم في الصفحة 303.

293

الشرائط لم يخرجه عن حكم الطهارة، و الأصل في ذلك الخبر المستفيض «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» (1) بناء على ما قررناه من أنّه وارد لبيان الحكم لصورة الاشتباه، مضافا إلى الأصل المتقدّم تأسيسه في غير موضع، غير أنّ الاحتياط ممّا لا ينبغي تركه، و ممّن صرّح بما ذكرناه السيّد في المناهل قائلا: «بأنّه إذا شكّ في تحقّق الشرط فالأصل طهارة الماء مطلقا، و إن حصل الظنّ بفقده، و لكن مراعاة الاحتياط أولى» (2).

و امّا الجهة الثانية: ففيها مسائل ثلاث.

الاولى و الثانية: في أنّ ماء الاستنجاء بعد ما ثبت كونه طاهرا و جامع الشرائط المتقدّمة، فهل يكون طهورا

- بالمعنى الأعمّ من إزالة الخبث به، و لو استنجاء آخر، و رفع الحدث به صغيرا كان أو كبيرا،- كما كان كذلك قبل الاستنجاء أو لا؟ فيه خلاف على أقوال:

أحدها: أنّه ليس بطهور مطلقا، و هو لظاهر الشرائع (3)، و الدروس (4)، و المنتهى (5)، و صريح الذكرى (6)، حيث إنّ الأوّل فرّق بين ماء الاستنجاء و المستعمل في الوضوء و المستعمل في الحدث الأكبر، فحكم على الأوّل بكونه طاهرا فقط من غير تعرّض لطهوريّته، و على الثاني بكونه طاهرا مطهّرا، و على الثالث بكونه طاهرا و تردّد في طهوريّته.

و صنع نظيره الثاني، غير أنّه قدّم المستعمل في الوضوء فحكم بكونه طهورا، ثمّ أورد المستعمل في الحدث الأكبر فحكم بطهارته، ناقلا في طهوريّته قولين مع جعله الكراهية أقربهما، ثمّ تعرّض لذكر الاستنجاء فحكم عليه بالطهارة فقط.

و الثالث حكم على ماء الاستنجاء بكونه معفوّا عنه بمعنى الطهارة- على ما استظهرناه سابقا- من غير تعرّض لحكم طهوريّته، مع أنّه في المستعمل في رفع الحدث الأصغر حكم عليه قبل ذلك بكونه طاهرا مطهّرا مدّعيا عليه الإجماع، و في رفع الحدث الأكبر نقل الخلاف في طهوريّته، و اختار هو كونه طاهرا مطهّرا. و أنّ الرابع قال- حسبما تقدّم-: «و في المعتبر: ليس في الاستنجاء تصريح بالطهارة إنّما هو

____________

(1) الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5.

(2) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 145.

(3) شرائع الإسلام 1: 16.

(4) منتهى المطلب 1: 143.

(5) الدروس الشرعيّة 1: 121.

(6) ذكرى الشيعة 1: 82.

294

بالعفو، و تظهر الفائدة في استعماله و لعلّه أقرب لتيقّن الطهارة بغيره» (1)، فإنّ تعليله عامّ يجري في كلّ من النوعين.

و ثانيهما: أنّه طهور مطلقا، و هو الّذي اختاره في المناهل (2)، ناسبا في مسألة رفع الحدث الجواز إلى صريح الكشف (3)، و ظاهر مجمع الفائدة (4)، و هذا يقتضي أنّهما يقولان بالجواز في مسألة الخبث أيضا بل بطريق أولى كما لا يخفى.

و ثالثهما: الفرق بين المسألتين، فالجواز في إزالة الخبث و عدمه في رفع الحدث، و يستفاد ذلك من المدارك (5) و الحدائق (6)- فيما تقدّم عنهما من عبارتهما- و يستفاد أيضا من الرياض (7) و شرح الدروس (8).

و العجب عن السيّد في المناهل (9) حيث جعل المسألة ذات قولين، مدّعيا للاتّفاق على الجواز في إزالة الخبث، حاكيا للخلاف على قولين في رفع الحدث، و لم نقف للأوّلين على مستند سوى ما أشار إليه الشهيد في الذكرى (10) من تيقّن الطهارة بغيره.

و حكى عن الآخرين الاستدلال بالأصل و العمومات و الاستصحاب، فإنّ الأصل بقاء الطهوريّة خرج عنه ما خرج و بقي الباقي.

و عن الباقين الاستدلال على الجواز في رفع الخبث بما تقدّم من الأصل و العمومات و استصحاب الطهوريّة، مضافا إلى ما في شرح الدروس 11 من التمسّك «بأنّ الأوامر إنّما وردت بالغسل بالماء، و هذا يصدق عليه الماء فيحصل الامتثال» و إلى ما في المدارك 12 و الحدائق 13 «من صدق الامتثال باستعماله»، و مثله ما عن

____________

(1) ذكرى الشيعة 1: 83- أقول: ما في المعتبر: 22 ليس بصريح في ذلك، راجع الحدائق الناضرة 1: 471- جواهر الكلام 1: 640- مفتاح الكرامة 1: 94.

(2) المناهل: 145.

(3) كشف اللثام: 1: 300- حكى عنه في المناهل: 145.

(4) مجمع الفائدة و البرهان: 1: 289.

(5) مدارك الأحكام 1: 127.

(6) الحدائق الناضرة 1: 469.

(7) رياض المسائل 1: 182.

(8) 8 و 11 مشارق الشموس: 253.

(9) المناهل: كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 145.

(10) ذكرى الشيعة 1: 83.

(11) 12 مدارك الأحكام 1: 127.

(12) 13 الحدائق الناضرة 1: 469 حيث قال: «و الظاهر- كما هو المشهور- الجواز تمسّكا بأصالة الطهارة عموما و خصوصا و صدق الماء المطلق عليه، فيجوز شربه و إزالة الخبث به».

295

الذخيرة (1) من قوله: «و لحصول الامتثال في رفع النجاسات به».

و على عدمه بما عزى (2) إلى المعتبر (3) و المنتهى (4) من دعوى الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بما تزال به النجاسة مطلقا.

فقد تبيّن بجميع ما ذكر: أنّ القول بالمنع مطلقا أو في الجملة، لا حجّة عليه سوى قاعدة الشغل، و الاطلاق و الإجماع المنقول في المنتهى و المعتبر، و أنت إذا تأمّلت علمت أنّ شيئا منهما ليس بشيء.

أمّا الأوّل: فلأنّ التمسّك بتلك القاعدة مع وجود ما يرفع موضوعها- على ما ستعرف- ممّا لا معنى له.

و أمّا الثاني: فلتوجّه المنع إلى شمول هذا الإجماع لمثل المقام، بل التحقيق: أنّه لا مجال إلى دعوى الاطلاق في إجماع المنتهى، فإنّه في كلام العلّامة معلّل بما لا يجري في المقام أصلا، فإنّه بعد ما أورد الكلام في الماء المنفصل عن غسالة النجاسة بجميع صوره، حتّى ما لو انفصل غير متغيّر من الغسلة الّتي طهّرت المحلّ حاكما في الجميع بالنجاسة،- مع نقله في الأخير اختلاف القولين عن الشيخ في المبسوط (5)، فقال:

بنجاسته مطلقا، و الخلاف (6)، فقال: بنجاسة الغسلة الاولى و طهارة الغسلة الثانية،- قال:

«رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره ممّا يزيل النجاسة لا يجوز إجماعا، أمّا على قولنا فظاهر، و أمّا على قول الشيخ فلما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الماء الّذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به من الجنابة لا يتوضّأ منه (7)». (8)

فقوله: «أمّا عندنا فظاهر» إشارة إلى ما اختاره فيما تقدّم من نجاسة ما ينفصل من غسالة النجاسة، تمسّكا بأنّه ماء قليل لاقى نجاسة، فينجّس.

____________

(1) ذخيرة المعاد: 144.

(2) الناسب: هو صاحب المعالم في فقه المعالم 1: 323.

(3) المعتبر: 22، حيث قال: «و أمّا رفع الحدث به أو لغيره ممّا يزال النجاسة فلا، إجماعا».

(4) منتهى المطلب 1: 142 حيث قال: «رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره ممّا يزيل النجاسة لا يجوز إجماعا».

(5) المبسوط 1: 92.

(6) الخلاف 1: 179- المسألة 135.

(7) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 13- التهذيب 1: 221/ 630.

(8) منتهى المطلب 1: 142.

296

فظهر أنّ مستند الإجماع أحد الأمرين: من النجاسة و الرواية، و المقام ليس مندرجا في شيء منهما كما لا يخفى.

و أمّا إجماع المعتبر فلعلّه أيضا من هذا القبيل، و لم يحضرنا الكتاب حتّى نلاحظ في مفاد كلامه و سياقه، ثمّ لو سلّم الإطلاق في هذين الإجماعين أو في أحدهما فهو قابل للتقييد، فإنّه باعتبار العبارة الناقلة عامّ، و بعض ما ستعرف من أدلّة القول بالطهوريّة في ماء الاستنجاء خاصّ فيخصّص به العامّ، فالقول بسلب الطهوريّة على إطلاقه ضعيف جدّا، إذا كان مستنده ما ذكر و نظراءه، و أمّا القول بالطهوريّة مطلقا فالظاهر أنّ التمسّك عليه بالأصل و العمومات متّجه، إذا اريد بالأصل القاعدة الشرعيّة المستفادة من أدلّة طهوريّة الماء كتابا و سنّة.

لا يقال: إنّه مع العمومات قد انقطعا بأدلّة انفعال القليل بالملاقاة، إن اريد بالعمومات قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) و ما أشبه ذلك كتابا و سنّة لتوجّه المنع إلى دعوى الانقطاع، فإنّ المفروض خروج ماء الاستنجاء عن تحت القليل الّذي ينفعل بملاقاة النجاسة، و معنى خروجه عنه انكشاف كونه مرادا من العمومات الأوّلية، أو انكشاف عدم تعرّض أدلّة الانفعال لإخراجه عنها، و هذا القدر كاف في صحّة التمسّك بها؛ لأنّ مبناها على الظهور النوعي و هو حاصل هنا.

نعم، إنّما يتّجه هذه المناقشة بالقياس إلى تمسّكهم بالأصل، بمعنى استصحاب الطهوريّة الثابتة لهذا الماء قبل الاستنجاء، لارتفاع موضوعه بورود أدلّة الانفعال الشاملة له، و معه لا يعقل الاستصحاب، كيف و لو صحّ التمسّك به لإثبات الطهوريّة له مع ورود تلك الأدلّة المقتضية لخلافها لصحّ التمسّك به لإثبات الطهارة له أيضا؛ لكونها كالطهوريّة ثابتة له قبل الاستنجاء، و معه يرتفع الحاجة إلى التمسّك بالأخبار الواردة فيه، و اللازم باطل بالضرورة، و إبداء الفرق بين الحكمين بدعوى: صحّة ذلك في أحدهما دون الآخر، تحكّم صرف.

فإن قلت: التمسّك به لإثبات الطهوريّة لهذا الماء إنّما هو بعد ملاحظة الأخبار الواردة المخرجة له عن تحت أدلّة الانفعال، و لا ضير فيه لكشف تلك الأخبار عن عدم

____________

(1) الفرقان: 51.

297

تعرّض الأدلّة المذكورة لرفع موضوع الأصل بالنسبة إليه، على قياس ما ذكرته في صحّة التمسّك بالعمومات الأوّلية.

قلت: هذه الأخبار لو صلحت عندهم كاشفة عن هذا المعنى، لكانت بأنفسها رافعة لموضوع الأصل أيضا؛ إذ لا فرق في ارتفاع موضوع الأصل بين ورود الدليل على خلافه و وروده على طبقه؛ لأنّه كائنا ما كان في مقابلة الأصل علم، و من البيّن عدم اجتماع العلم مع الشكّ في قضيّة شخصيّة.

و من هنا فالتمسّك به ممّا لا وجه له على كلّ حال، إن كان المراد جعله دليلا للحكم على الإطلاق كما هو ظاهر الجماعة.

و ممّا ذكرنا يتّجه أن يقال: بصحّة التمسّك بأخبار الاستنجاء لإثبات حكم الطهوريّة أيضا، كما أشار إلى التمسّك بها في المناهل (1)، و قد تقدّم منّا الإشارة إلى وجهه عند التمسّك بها على إثبات حكم الطهارة له في الجهة الاولى.

و توضيح ذلك: أنّ إثبات هذا الحكم لماء الاستنجاء بالأخبار الواردة فيه ليس من جهة وروده فيها بلفظ «الطهارة» على نحو الصراحة، بل من جهة ما تضمّنته من نفي البأس، بتقريب: أنّ النكرة المنفيّة لكونها مفيدة للعموم، فنفي البأس عن هذا الماء في موضع توهّم النجاسة ظاهر في نفي جميع لوازم النجاسة الّتي منها المنع عن استعماله في مقام إزالة الخبث، أو في مقام رفع الحدث، أو في مقام الشرب و نحوه من سائر أنحاء الانتفاعات.

ضرورة أنّه كما أنّ المنع عن مباشرته حال الصلاة و غيرها بأس، فكذلك المنع عن شربه و التطهير به بأس، و كما أنّ النفي يتوجّه إلى الأوّل فكذلك يتوجّه إلى الباقي؛ لكون أفراد العامّ متساوية الأقدام بالنسبة إليه، و دعوى: عدم كون ما ذكر من أفراد البأس و مصاديقه، تحكّم فلا تسمع، كما أنّ منع العموم في النفي الوارد على النكرة مطلقا، أو في خصوص المقام غير مسموعة، و من هنا يتّضح الحكم في المسألة الثالثة أيضا.

نعم، يشكل الحال بالقياس إلى مسألة التطهير من جهة اخرى، و هي أنّ أقصى ما يستفاد من نفي البأس بالقياس إليه إنّما هو نفي الحكم التكليفي، و هو المنع عن

____________

(1) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 141.

298

استعمال هذا الماء في مقام التطهير و تحريمه، لأنّه بأس على المكلّف و شدّة في حقّه و موجب لتوجّه العذاب إليه، و هو ليس من مسألة أصل التطهير الّذي هو المبحوث عنه؛ إذ ليس المراد به مجرّد استعمال الماء معنونا بهذا العنوان ليكون نفي تحريمه مجديا في حال المكلّف، بل المراد به استعمال بهذا العنوان مستتبع لترتّب الأثر عليه، من زوال الخبث و ارتفاع الحدث، و هو ليس بلازم من نفي التحريم؛ لأنّه حكم وضعي لا ملازمة بينه هنا و بين نفي التحريم، و من هنا نبّهناك سابقا على أنّ أهل القول بالطهارة- قبالا للقول بالعفو- إن كان كلامهم في الجهة الثانية الّتي فرضناها للعفو بالمعنى الثاني المتقدّم، ليس لهم التمسّك في إثبات الطهارة المقابلة للعفو بهذا المعنى بالأخبار الواردة في ماء الاستنجاء؛ إذ لا تعرّض فيها لبيان أنّ الثابت لهذا الماء هل هو جميع أحكام الطهارة و لوازمها أو بعضها؟ على أنّ مرادنا بتلك الأحكام ما يعمّ الوضعيّة و التكليفيّة.

و يمكن دفعه: بأنّه لو لا كفاية هذا الماء في إفادة التطهير الشرعي، لكان على المكلّف تحمّل الكلفة في تحصيل ماء آخر مكانه لترتّب هذه الفائدة، و لو فرضناه متيسّرا مثله بل حاضرا في المجلس؛ ضرورة اقتضاء التعيين من الكلفة و الضيق المعنوي ما لا يقتضيه التخيير، و هو أيضا نحو من البأس، و المفروض أنّه منفيّ بجميع أنحائه.

نعم، ربّما يخدش في ذلك ما تقدّم في روايات القول بعدم انفعال القليل من رواية محمّد بن اسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إلى من يسأله عن الغدير، تجتمع فيه ماء السماء، و يستقي فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من بول، أو يغتسل فيه الجنب، ما حدّه الّذي لا يجوز؟ قال: «فكتب لا تتوضّأ من مثل هذا إلّا من ضرورة إليه» (1)، فإنّ التوضّؤ إمّا أن يكون مرادا به معناه الظاهر أو الاستنجاء، نظرا إلى إطلاقه في الأخبار على هذا المعنى، فعلى الأوّل تدلّ الرواية على عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء، و على الثاني تدلّ على عدم جواز إزالة الخبث به.

و لكنّ الأمر في دفعه هيّن من حيث إنّها- مع كونها مضمرة، قادحة في السند من وجهين، كما تقدّم إليهما الإشارة- ممّا لم يظهر من الأصحاب عامل بها، مستند إليها في المقام بالخصوص و لا سيّما مع ما تقتضيه من التفصيل في المنع بين الضرورة و عدمها،

____________

(1) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 15- التهذيب 1: 150/ 427.

299

فإنّه ممّا لم يقل به أحد ظاهرا، إلّا أن يحمل النهي الوارد فيها على التنزيه الّذي مفاده الكراهة الّتي ترتفع في موضع الضرورة، فحينئذ تخرج عن معارضة ما ذكرناه بالمرّة؛ إذ الظاهر أنّ القائلين بجواز التطهير بماء الاستنجاء يعترفون بالكراهيّة، و لا يبعد القول بها حينئذ عملا بتلك الرواية من باب المسامحة في أدلّة السنن.

و من هنا اتّجه أن يقال: بجواز التطهير بماء الاستنجاء خبثا و حدثا على كراهيّة- بالمعنى المقرّر في الاصول بالقياس إلى الكراهة المضافة إلى العبادات- و دليله الأخبار المتقدّمة.

مضافا إلى الأصل، و العمومات، و القاعدة المستفادة من الأدلّة، و الأخبار الجزئيّة الواردة في أبواب الطهارات القاضية بأنّ الماء المطلق الطاهر ممّا يجوز التطهير به مطلقا ما لم ينهض مانع شرعي عنه، و المقام منه؛ إذ لم يثبت من الشرع كون الحيثيّة الاستنجائيّة من موجبات المنع عن ذلك.

و إلى القاعدة المقرّرة في الاصول من كون الأمر مقتضيا للإجزاء، فإنّ المأمور به ليس إلّا استعمال الماء الظاهر في الإطلاق، الخالي عن النجاسة من جهة الدليل الخارج، و هذا منه، فقد اوتي بالمأمور به على وجهه؛ إذ لم يثبت كون الخلوّ عن حيثيّة الاستنجاء وجها من وجوهه، فيجب الإجزاء.

المسألة الثالثة: لا إشكال بملاحظة ما ظهر من تضاعيف كلماتنا السابقة في جواز شرب ماء الاستنجاء و مطلق استعماله،

كاستعمال سائر المياه الطاهرة، ما لم يصادفه عنوان آخر مقتضي للمنع كالخباثة و نحوها، و معه يدخل في عموم تحريم «الخبائث» و كونه دائم المطابقة لهذا العنوان المقتضي لدوام المنع عنه، لو سلّمناه لا ينافي جواز استعماله من الحيثيّة المبحوث عنها، و إن لم يتحقّق للجواز بهذه الحيثيّة مصداق.

و الثالث ممّا ادّعي استثناؤه عن قاعدة انفعال القليل: ماء الغسالة.

و المراد به هنا الماء المستعمل في إزالة الأخباث غير الاستنجاء، و لا إشكال بل لا خلاف في انفعاله مع التغيّر بما استعمل في إزالته من النجاسة، و استفاض نقل الإجماع عليه و نفي الخلاف عنه في كلامهم، و مع الغضّ عن ذلك فوجه المسألة واضح بملاحظة ما تقدّم في شرائط ماء الاستنجاء، و أمّا مع عدم التغيّر به فاختلف فيه

300

الأصحاب على أقوال (1).

أحدها: القول بأنّه نجس مطلقا، من غير فرق فيه بين كونه منفصلا عن الغسلة الّتي تستتبع طهر المحلّ، أو كونه منفصلا عمّا لا يستتبعه، و لا بين الثياب و الأواني، و لا بين كون نجاسة الآنية حاصلة من ولوغ الكلب و غيره، ذهب إليه العلّامة في المنتهى (2) مصرّحا بالجهة الاولى من عدم الفروق، أمّا الجهات الاخر فتستفاد من إطلاق قوله بالنجاسة، و عزى إليه ذلك في القواعد (3) و التحرير (4) و المختلف (5) و التذكرة (6) و قد استفاض من حكاية هذا القول أيضا عن المحقّق في المعتبر (7)، و صرّح به في الشرائع (8)، و النافع (9)، جاعلا له في الثاني أشهر القولين و أظهرهما،

و في شرح الشرائع (10) للأستاذ نسبته إلى أكثر من تأخّر عن الفاضلين، بعد ما نسبه إليهما يعني العلّامة و المحقّق.

و في الحدائق: «الظاهر أنّه المشهور بين المتأخّرين» (11)، و في حاشية الشرائع للشيخ علي: «هذا هو المشهور بين أصحابنا» (12).

قال الاستاذ في الشرح: «و حكي عن [المصباح] (13) و ظاهر المقنع (14)، و في الذكرى (15) عن ابن بابويه، و كثير من الأصحاب عدم جواز استعمال الغسالة، و ظاهر إطلاقه النجاسة» 16 انتهى.

و قال ابن بابويه في الفقيه: «فأمّا الماء الّذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به من الجنابة، أو تزال به النجاسة، فلا تتوضّأ به» 17، و يمكن استفادة هذا القول من عبارته

____________

(1) و لعلّها تبلغ بملاحظة كلماتنا الآتية إلى ستّة بل سبعة، إن عدّ التوقّف الّذي صار إليه صاحب الحدائق قولا (منه).

(2) منتهى المطلب 1: 141.

(3) قواعد الأحكام 1: 186.

(4) تحرير الأحكام: 5.

(5) مختلف الشيعة 1: 237.

(6) تذكرة الفقهاء 1: 36.

(7) المعتبر: 22.

(8) شرائع الإسلام 1: 16.

(9) المختصر النافع: 44.

(10) 10 و 16 كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 316.

(11) الحدائق الناضرة 1: 477.

(12) حاشية الشرائع- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 7.

(13) و الصواب: إصباح الشيعة (سلسلة الينابيع الفقهيّة 2: 4).

(14) المقنع: 46.

(15) ذكرى الشيعة 1: 85.

(16) 17 الفقيه 1: 10.

301

هذه أيضا، لكن في المدارك: «و التسوية بينه و بين رافع الأكبر تشعر بطهارته» (1).

و فيه: ما لا يخفى، فإنّ الجمع بين شيئين في الفتوى لا يقتضي إلّا اشتراكهما في الحكم، و أقصى ما يقتضيه التسوية المذكورة إنّما هو ذلك، دون الجهة الّتي ينشأ منها الحكم؛ لجواز اختلافها، فلعلّها في المزيل للنجاسة وجود المانع- و هو النجاسة- و في رافع الحدث الأكبر فقد المقتضي و ارتفاعه بالاستعمال المفروض- هو الطهوريّة-، كما هو المصرّح به في كلام جملة منهم على ما سيأتي في محلّه، و معه فأيّ إشعار فيها بالطهارة.

و في شرح الاستاذ أيضا: «عن التحرير و المعتبر في باب غسل المسّ الإجماع على نجاسة المستعمل في الغسل، إذا كان على البدن نجاسة» (2). و هو ظاهر الشيخ في المبسوط قائلا- فيما حكي عنه-: «و الماء الّذي يزال به النجاسة نجس؛ لأنّه ماء قليل خالط نجاسة، و من الناس من قال: ليس بنجس إذا لم يغلب على أحد أوصافه، بدلالة أنّ ما يبقى في الثوب جزء منه و هو طاهر بالإجماع، فما انفصل عنه فهو مثله، و هذا أقوى و الأوّل أحوط» (3)، فإنّ حكمه عليه أوّلا بالنجاسة يدلّ على أنّه اختياره، و لا ينافيه جعله القول الآخر أقوى، و لا جعله القول الأوّل أحوط، إذ ليس مراده بالأحوطيّة الاحتياط الاستحبابي، و لا بالأقوائيّة القوّة بالنظر إلى الواقع، بل مراده بالأوّل الأحوطيّة بالنظر إلى الواقع المقتضية لوجوب المصير إليه، و بالثاني الأقوائيّة من حيث الاعتبار فإنّ الوجه الّذي تمسّك به القائل بالطهارة ممّا يساعد عليه الاعتبار الّذي لا ينبغي التعويل عليه في الامور التعبّديّة، و ستعرف عن بعضهم الاعتراف بنظيره فيما يأتي من دليل القول بالتفصيل بين الغسلتين.

و في نسبته القول المذكور إلى بعض الناس إشعار بأنّه ليس مختاره، بل ربّما يشعر بأنّه قول لا قائل به من الاماميّة، كما تنبّه عليه غير واحد.

و ممّا يفصح عن اختياره القول بالنجاسة مطلقا، كلامه الآخر المنقول عنه في المبسوط، حيث إنّه في الماء المستعمل- بعد ما حكم عليه بأنّه طاهر مطهّر من الخبث لا من الحدث- قال: «هذا إذا كان أبدانها خالية عن نجاسة، فإن كان عليها شيء من

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 120.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)- 1: 316.

(3) المبسوط 1: 92.

302

نجاسة فإنّه ينجّس الماء و لا يجوز استعماله بحال» (1).

و كلامه الآخر أيضا في مسألة تطهير الثياب قائلا: «و إذا ترك تحت الثوب النجس إجانة، و صبّ عليه الماء و جرى الماء في الإجانة، لا يجوز استعماله لأنّه نجس» (2).

فما في الحدائق (3)- تبعا لشرح الدروس (4)- من أنّه في الظاهر قوّى القول بالطهارة مطلقا، ليس على ما ينبغي.

نعم، عنه في الخلاف (5)، و أوّل المبسوط (6)، أنّه جزم بطهارة ماء الغسلتين من الولوغ، و لكن الأمر فيه سهل لجواز رجوعه عنه إلى ما ذكر كما جزم به الاستاذ في الشرح (7) المشار إليه.

ثمّ إنّ الغسالة في كلام هؤلاء القائلين بالنجاسة محتملة لكون حكمها حكم المحلّ قبل الغسل، فيعتبر فيها العدد فيما يجب فيه التعدّد، و لكون حكمها حكم المحلّ بعد الغسلة، فيجب الغسل عنها في الغسلة الغير المستتبعة للطهر دون الغسلة المستتبعة له، و لكون حكمها حكم المحلّ قبل الغسلة المستتبعة للطهر مطلقا، فيجب الغسل عنها مرّة واحدة و لو من الغسلة الاولى، و لم يظهر من كلامهم ما يقضي بإرادة المعنى الأوّل دون أحد الأخيرين، فما في الحدائق (8) من تفسيره القول بالنجاسة مطلقا بأنّ حكمها حكم المحلّ قبل الغسل، لعلّه ليس في محلّه. كما أنّه كذلك ما حكاه في شرح الدروس 9 عن بعض الأصحاب من حصره القول المذكور في الاحتمال الثاني، و قد أصاب هو في جعله إيّاه محتملا للوجوه الثلاثة، و أمّا تحقيق الكلام في ذلك فسنورده إن شاء اللّه.

و هذا القول هو الراجح في النظر، و أقوى بالنظر إلى الواقع و أقرب إلى جادّة الاستنباط.

لنا عليه: وجود المقتضي و فقد المانع، و كلّما كان كذلك يجب المصير إليه، أمّا الكبرى: فواضحة، و أمّا الصغرى: فلعموم الأدلّة الواردة في انفعال القليل، مع ما ورد عليها ممّا خصّصها، الدالّة على أنّ ملاقاة النجاسة بشرط القلّة سبب للانفعال ما لم يصادفها مانع عن التأثير، من علوّ أو استعمال في الاستنجاء، أو جريان عن النبع- بناء

____________

(1) المبسوط 1: 11.

(2) المبسوط 1: 37.

(3) الحدائق الناضرة 1: 482.

(4) 4 و 9 مشارق الشموس: 254.

(5) الخلاف 1: 181 المسألة 137.

(6) المبسوط 1: 15.

(7) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 324.

(8) الحدائق الناضرة 1: 477.