ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
303

على عدم انفعال القليل من الجاري- و المفروض تحقّق السبب بهذا المعنى في محلّ البحث و عدم مصادفة مانع له، و ما احتمل كونه مانعا من حيثيّة كونه مستعملا في إزالة الخبث لم ينهض على مانعيّته من الشرع شيء، كما نهض على مانعيّة العلوّ و غيره ممّا ذكر، فمن يدّعي الطهارة لا بدّ له من إقامة ما يحرز به المانعيّة و أنّى له بذلك، و ستعرف ضعف ما احتجّ به على ذلك.

و إلى ما قرّرناه ينظر ما احتجّ به العلّامة في المنتهى، فعلى نجاسة ما انفصل قبل طهر المحلّ: «بأنّه ماء يسير لاقى نجاسة لم يطهّرها، فكان نجسا كالمتغيّر، و كما لو وردت النجاسة عليه، و كالباقي في المحلّ فإنّه نجس، و هو جزء من الماء الّذي غسلت به النجاسة، و لأنّه قد كان نجسا في المحلّ، فلا يخرجه العصر إلى التطهير، لعدم صلاحيّته له» (1). و على نجاسة ما انفصل في الغسلة المطهّرة للمحلّ: «بأنّه ماء قليل لاقى نجاسة فينجّس بها، كما لو وردت عليه» 2، و إن كان في أكثر تنظيراته للشقّ الأوّل نظر واضح.

و اعترض عليه في المدارك 3- و تبعه في شرح الدروس 4- بمنع كلّيّة كبراه- كما بيّنّاه سابقا- و هذا إشارة إلى ما سبق منه في ذيل مسألة انفعال القليل من قوله: «و اعلم أنّه ليس في شيء من تلك الروايات دلالة على انفعال القليل بوروده على النجاسة، بل و لا على انفعاله بكلّما يرد عليه من النجاسات» 5 الخ.

و الجواب عن الأوّل: ما أسلفناه في دفع القول بالفرق بين الورودين، و عن الثاني:

بما أسلفناه أيضا في إثبات العموم بالقياس إلى كافّة النجاسات، مضافا إلى عدم ابتناء المطلب على ثبوت العموم بالقياس إلى أنواع النجاسة، و لا العموم بالقياس إلى أفراد الماء، بل يثبت ذلك في النوع الّذي يقول المعترض بكونه سببا للانفعال؛ لابتنائه على إحراز العموم بالنسبة إلى كيفيّات الملاقاة المستفادة سببا للتنجيس من الأخبار الواردة في المسألة، و هو محرز جزما بملاحظة ما في أكثر تلك الأخبار من الإطلاق الشامل لكون الملاقاة منبعثة عن إرادة التطهير حاصلة في الغسلة الاولى أو الثانية أو غيرها ممّا ثبت وجوبه شرعا أو لم تكن منبعثة عنه، استتبعت طهارة المحلّ أولا، و يكفيك شاهدا

____________

(1) 1 و 2 المنتهى 1: 141، 142.

(2) 3 مدارك الأحكام 1: 120.

(3) 4 مشارق الشموس: 255.

(4) 5 مدارك الأحكام 1: 40.

304

بذلك مفهوم قولهم: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1).

و المناقشة فيه أوّلا: بمنع العموم في المفهوم لمكان صيرورة «الشيء» نكرة في سياق الإثبات، و ثانيا: بأنّ ارتفاع السلب الكلّي في المنطوق أعمّ من الإيجاب الكلّي في المفهوم، كما في قولك: «إذا خفت من اللّه فلا تخف من أحد»، و «إن جاءك زيد فلا تكرمه».

يدفعها:- مع ما فيها ممّا ذكرناه مرارا- كفاية ما في الملاقاة المستفادة من الرواية منطوقا و مفهوما من الإطلاق الشامل لمحلّ البحث؛ لعدم ورود ما ينافيه بالقياس إليه، و إنّما ورد عليها ما أخرجها عن هذا الإطلاق بالقياس إلى مواضع ليس المقام منها، فلا مجال إلى رفع اليد عنه بالنسبة إليه لمجرّد الاحتمال؛ إذ الاحتمال لا يعارض الحجّة، و الظاهر الناشئ من الإطلاق هو الحجّة.

و توضيح ذلك: إنّا لا ندّعي كون ملاقاة النجاسة علّة تامّة للانفعال؛ كيف و هو منتقض بالكرّ، و القليل من الجاري، و العالي من الراكد، و المستعمل في الاستنجاء، و غيره ممّا يعدّ من مستثنيات قاعدة انفعال القليل، بل غرضنا أنّ المستفاد من أدلّة انفعال القليل بالملاقاة- مع ملاحظة أدلّة الكرّ، و الأدلّة الواردة في الجاري و المستعلي، و المستعمل في الاستنجاء- كون ملاقاة النجاسة سببا للانفعال، بالمعنى المصطلح عليه عند الاصولي الّذي يجامع فقد الشرط- إذا كان من شروط التأثير لا انعقاد الماهيّة- و وجود المانع- إذا كان راجعا إلى التأثير أيضا دون أصل الماهيّة- و له في تأثيره شرط أثبته الأدلّة و هو القلّة، بناء على ما مرّ تحقيقه في أوائل الكتاب من أنّ الكرّيّة إنّما اعتبرت لكونها ملزومة لانتفاء شرط الانفعال كاشفة عنه، لا لكونها سببا لعدم الانفعال؛ كيف و أنّ المسبّب لا يتخلّف عن سببه، و قد ترى تخلّفه في الماء المتغيّر بالنجاسة و إن كان كرّا.

و لا يرد مثله علينا في دعوى الملازمة؛ لأنّ الانفعال له عندنا علّتان: إحداهما:

بسيطة و هو التغيّر، بناء على ما قرّرناه لك عند الجمع بين أدلّة التغيّر، و الأدلّة المخرجة لماء الاستنجاء، و أخراهما: مركّبة و هي الملاقاة مع القلّة و غيرها ممّا اعتبر عدمه من الموانع، فالكرّيّة إذا اجتمعت مع عدم التغيّر فقد جامعت فقد ما هو شرط للانفعال، و إذا اجتمعت مع التغيّر فقد صادفت ما هو علّة تامّة للانفعال، و لا حكم لها حينئذ، و معه

____________

(1) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

305

لا يمكن حمل التعليق على إفادة السببيّة التامّة،- على ما هو مناط القول بحجّيّة مفهوم الشرط عند أهل التحقيق- فإمّا أن يحمل بعد ذلك على إفادة العلقة الشرطيّة فيما بين المقدّم و التالي، فتكون أحد شروط عدم الانفعال، أو على إفادة مطلق الملازمة فيما بينهما من غير علقة سبب و لا شرط، فتكون ملزومة لانتفاء شرط الانفعال كاشفة عنه، و لا سبيل إلى الأوّل؛ لأنّ ما يتوقّف عليه الشيء لا ينفكّ عنه ذلك الشيء، و إلّا لم يكن شرطا، و قد رأينا انفكاكه في المستثنيات، إلّا أن يقال: بأنّه شرط على سبيل البدليّة، و لكنّه خلاف ما يظهر من التعبير من الرواية، فلا بدّ من حمله على الثاني، فيكون القلّة على ذلك شرطا للانفعال، و لا ينافيه التخلّف في المستثنيات؛ لأنّ الشرط ما لا يلزم من وجوده الوجود لكثرة مقابلته لوجود موانع أو فقد شروط، و المفروض أنّ ما أثبته الأدلّة سببا للانفعال بشرط القلّة له موانع قد أثبتها الأدلّة المخصّصة لأدلّة الانفعال، كالجريان عن نبع، و علوّ الملاقي و نحوه ممّا سبق الإشارة إليه.

فإذا ثبت أنّ الملاقاة سبب و شرطها القلّة و له موانع، فهو متحقّق في المقام بهذا الشرط مع فقد الموانع المذكورة، فيجب تأثيرها؛ ضرورة أنّ الأثر لا يتخلّف عن مقتضيه الموجود المصادف لفقد الموانع، و لو كان ذلك بحسب ظاهر اللفظ عن إطلاق أو عموم، و دعوى: كون حيثيّة رفع الخبث، أو الاستعمال من جهته في غير جهة الاستنجاء من جملة الموانع تقتضي تقييد الملاقاة في حكم الشرع عليها بالسببيّة بلا دليل؛ إذ المفروض كون الأدلّة المقامة على تلك الدعوى على ما يأتي ذكرها مدخولة بأسرها.

و من المشايخ العظام (1) من أجاب عن المناقشة المذكورة بوجوه، ثالثها ما يرجع في حاصل المعنى إلى ما حقّقناه.

و أوّلها: ما يرجع محصّلة إلى ما هو التحقيق في دليل حجّيّة مفهوم الشرط، من إفادة التعليق على الشرط في متفاهم العرف كونه سببا تامّا للجزاء على جهة الانحصار، و معه لا يعقل إنكار العموم في مفهوم الرواية، إلّا على القول بإنكار حجّيّة مفهوم الشرط.

و بيان ذلك: أنّ الشرط إذا فرضناه سببا تامّا للجزاء على جهة الانحصار، فمعناه: أنّ الجزاء لا بدّ من وجوده في جميع موارد وجود الشرط، و انتفائه في جميع موارد انتفائه،

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 318.

306

و إلّا فلو لم يوجد في بعض موارد وجوده، أو لم ينتف في بعض موارد انتفائه لم يكن الشرط على الأوّل سببا، و لا على الثاني سببا منحصرا فيه، كما إليه يرجع كلام السيّد المرتضى المنكر لحجّيّة مفهوم الشرط، تعويلا على مجرّد احتمال تعدّد الأسباب، و كلاهما خلاف الفرض ممّا يظهر من قضيّة التعليق.

نعم، لا ضير في القول بوجود الجزاء مع انتفاء الشرط- في بعض الموارد- إذا علمنا بتعدّد أسبابه من الخارج، كما علمناه في المثالين المتقدّم إليهما الإشارة، حيث نعلم أنّ لعدم الخوف من آحاد الناس أسبابا كثيرة، منها: الخوف من اللّه، و لعدم إكرام كثير من آحاد الناس أسبابا كثيرة، منها: مجيء زيد، غير أنّه خارج عن القول بحجّيّة المفهوم، وارد على خلاف ما يظهر من اللفظ عرفا، من جهة القرينة الخارجة، و مع انتفائها فالمتّبع هو الظاهر.

و قضيّة ذلك كون المفهوم من السلب الكلّي الإيجاب الكلّي، و من الإيجاب الكلّي السلب الكلّي، و معه لا مجال إلى إنكار عموم المفهوم في قضيّة قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1)، و كون مفهومه الإيجاب الكلّي القاضي بانفعال القليل بكلّ نجاسة» (2) انتهى محصّلا.

و لعلّه مدّ ظلّه إنّما أورد هذا الجواب في مقام الجدل، لما فيه من الكفاية في دفع كلام الخصم، لكونه دفعا لاعتراضه من الجهة الّتي سبقت إليه في توجيه هذا الاعتراض و ليس جوابا تحقيقيّا، و إلّا فلا إشكال في أنّ إثبات العموم بالمعنى المذكور ممّا لا تحسم مادّة الإشكال بالقياس إلى ما هو من محلّ البحث؛ إذ بعد تسليم أنّ كلّ نجس ينجّس الماء القليل من غير استثناء شيء من أفراد النجس، و لا استثناء شيء من أفراد الماء، فالإشكال بالنسبة إلى أحوال الملاقاة على حاله، لجواز أن يقول أحد: بأنّه لم يظهر من هذه القضيّة الكلّيّة أنّ ملاقاة كلّ نجس سبب للانفعال في جميع أحوالها؛ إذ لا ملازمة بين العمومين، كما في قول القائل: «أحبّ كلّ عالم» حيث إنّه لا يدلّ على أنّه محبّه في جميع أحواله.

____________

(1) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 319.

307

و الحاسم لمادّة الإشكال إنّما هو العموم من الجهة المذكورة أيضا لا مجرّدة من جهة الأفراد و لا يلزم من كون الشرط علّة منحصرة للجزاء إلّا ثبوت العموم من جهة الأفراد و يبقى إثبات العموم الآخر محتاجا إلى دليل آخر، و لذا تراه- مدّ ظلّه- عدل في ثالث الأجوبة عن ذلك إلى ما قرّرناه سابقا.

و ثاني ما أفاده مدّ ظلّه في الجواب، قوله: «لو سلّمنا عدم دلالة المفهوم بمقتضى نفس التركيب على العموم، لكن القرينة هنا عليه موجودة؛ لأنّ المراد «بالشيء» في المنطوق ليس كلّ شيء من أشياء العالم، بل المراد ما من شأنه تنجيس ملاقيه من النجاسات المقتضية للتنجيس فإذا فرض كلّ فرد منها مقتضيا للتنجيس، و كانت الكرّيّة مانعة، لزم عند انتفاء الكرّيّة المانعة ثبوت الحكم المنفيّ لكلّ فرد من «الشيء» باقتضائه السليم من منع المانع، و أوّل المثالين من هذا القبيل، فإنّ المنفيّ مع ثبوت الخوف من اللّه هو الخوف من كلّ من يوجد فيه مقتضى الخوف منه، فمع عدم الخوف من اللّه يثبت الخوف من كلّ واحد من هذه المخوفات باقتضاء نفسه، و من هذا القبيل قولك: «إذا توكّلت على اللّه فلا يضرّك ضارّ» (1) انتهى.

و ظنّي أنّ ذلك منه مدّ ظلّه وقع في غير محلّه، فإنّ قوله: «فإذا فرض كلّ فرد منها مقتضيا للتنجيس الخ» هذا هو محلّ الكلام؛ إذ الخصم لا يسلّم أنّ كلّ فرد من النجاسات مقتض لتنجيس الماء، فلا بدّ في تتميم الدليل من تحقيق هذا الفرض و إثبات عنوان الشأنيّة لكلّ نجس، فلو اريد إثباته بالخارج كان خروجا عن الاستدلال بالرواية كما لا يخفى، و لو اريد إثباته بنفس الرواية اتّجه إليه المنع المتقدّم في تقرير الاعتراض، و لو أرسل ذلك بعدم إقامة دليل على إثباته كان إبقاء لشبهة المعترض على حالها، من أنّ ما يثبت في جانب المفهوم ليس إلّا قضيّة مهملة هي في قوّة الجزئيّة، و أنّ رفع السلب الكلّي أعمّ من الإيجاب الكلّي.

هذا مضافا إلى أنّ بناءه مدّ ظلّه في توجيه الرواية- على ما حقّقه في غير هذا الموضع- على كونها مسوقة لبيان مانعيّة الكرّ عن الانفعال، و عليه فرّع أصالة الانفعال الّتي بنى عليها الأمر في كلّ ماء مشكوك حاله من حيث الانفعال و عدمه، و قد مرّ منعه بغير مرّة.

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 319.

308

هذا مضافا إلى أنّه لو بنى في توجيه الرواية على كونها لبيان المانعيّة أشكل إثبات نجاسة ماء الغسالة، بل أشكل الاستدلال بها على انفعال القليل على الإطلاق؛ لأنّ أقصى ما يستفاد منها حينئذ أنّ الكرّيّة حيثما وجدت كانت مستلزمة لعدم الانفعال؛ لأنّ المانع ما يلزم من وجوده العدم، و أمّا أنّ عدمها يستلزم الانفعال فلا؛ إذ المانع ما لا يلزم من عدمه الوجود، فالجمع بين هذا التوجيه و الاستدلال بها في كلا المقامين عجيب.

و بما قرّرنا في توجيه الاستدلال، و ما أثبتناه من نجاسة ماء الغسالة، ظهر وجه المنع الوارد في رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «الماء الّذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به من الجنابة، لا يتوضّأ منه» (1) فإنّ هذا المنع الجامع للنوعين معا إمّا من جهة وجود المانع في كليهما و هو النجاسة، أو من جهة فقد المقتضي عن كليهما و هو انسلاخ الطهوريّة عنهما بالاستعمال، أو من جهة وجود المانع في الأوّل و فقد المقتضي في الثاني، أو بالعكس.

و الأوّل مع الأخير منفيّان كلّ بالإجماع على طهارة ما يستعمل في الغسل، و بقي المتوسّطان محتملين معا، غير أنّ الأوّل منهما أيضا منفيّ بما دلّ على نجاسة ماء الغسالة، فإنّه بمنزلة البيان لتلك الرواية فتعيّن ثانيهما.

و من هنا يعلم أنّه لا يمكن الاستدلال بتلك الرواية على النجاسة بجعلها دليلا مستقلّا عليها، فالاستدلال بها- كما حكي (2) عن المعتبر (3)، و المنتهى (4)، ضعيف جدّا، و نظيره في الضعف ما قيل: من أنّها تشعر بطهارة ماء الغسالة، حيث جمع فيها بينه و بين المستعمل في الغسل الّذي هو طاهر إجماعا، فإنّ اتّحاد شيئين في الحكم لا يقضي باتّحاد الجهة و علّة ذلك الحكم، كما لا يخفى.

ثمّ يبقى في المقام شيء و هو أنّ في الشرح المشار إليه للأستاذ (5) نسبته الاستدلال بها إلى العلّامة في المنتهى و لعلّه اشتباه؛ لأنّ العلّامة في المنتهى لم يورد هذه الرواية في تلك المسألة، و لا أنّه تمسّك بها على مطلوبه، و إنّما أورده بعد الفراغ عن تلك المسألة

____________

(1) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 13- التهذيب 1: 221/ 630.

(2) و الحاكي هو الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في كتاب الطهارة 1: 323.

(3) المعتبر: 22.

(4) منتهى المطلب 1: 143.

(5) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)- 1: 323.

309

في مسألة عدم جواز استعمال ماء الغسالة في رفع الحدث، و أسند التمسّك بها إلى الشيخ فقال: «رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره ممّا يزيل النجاسة لا يجوز إجماعا، أمّا على قولنا فظاهر، و أمّا على قول الشيخ فلما رواه عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) الحديث» (1).

و بالجملة: فالاستدلال بتلك الرواية من أيّ أحد كان ليس في محلّه، و كان القدح فيها دلالة بعد القدح في سندها في محلّه جدّا.

نعم، يصحّ الاستدلال على هذا المطلب بما رواه عيص بن القاسم- و أورده الشيخ خاصّة في الخلاف (2)، و استند إليه العلّامة من غير قدح فيها سندا و دلالة قال: سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء؟ فقال: «إن كان من بول أو قذر فيغسل ما أصابه» (3)، و دلالته على المطلب بملاحظة ما فيها من الإطلاق الشامل لما انفصل عن الغسلة مطلقا، بل ظهورها في هذا المعنى بناء على ما تقدّم منّا (4) في بحث الاستنجاء من توجيهها عند شرح لفظة «الوضوء» واضحة لا إشكال فيه، و ما عن الشهيد في الذكرى (5) من تكلّف حملها على صورة التغيّر ممّا لا يلتفت إليه، لكونه قطعا للظاهر بلا داع إليه.

و أضعف منه ما في شرح الدروس (6)، من منع دلالة الجملة الخبريّة على الوجوب، فإنّ المحقّق في محلّه الدلالة، مع عدم ابتناء ثبوت المطلب على ثبوت تلك الدلالة، بل يكفي فيه كونه إخبارا في مقام الإرشاد و بيان الواقع كما لا يخفى، و أضعف من الجميع ما عن الأمين الأسترآبادي (7) من حملها على كون الاستنجاء في الطشت إنّما وقع بعد التغوّط أو البول فيه، مدّعيا أنّ ذلك مقتضى العادة.

فإنّ الرواية ليست مسوقة لبيان حكم الاستنجاء جدّا- كما بيّنّاه آنفا- لعدم جريان العادة بالاستنجاء على الطشت و إن وقع نادرا لضرورة، و أمّا رفع الأخباث عليه و لا سيّما في الفروش و غيرها من الثياب الغير المنقولة كاللحاف و نحوه شائع معتاد جزما، و على فرض صحّة ما ذكر فالعادة المدّعاة ممنوعة، كما أشار إليه في الحدائق (8).

____________

(1) المنتهى 1: 143.

(2) الخلاف 1: 179 المسألة 135.

(3) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 14.

(4) تقدّم في الصفحة 258.

(5) ذكرى الشيعة 1: 84.

(6) مشارق الشموس: 256.

(7) حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 480.

(8) الحدائق الناضرة 1: 480.

310

نعم، ربّما يناقش في الرواية بما هو جيّد في ظاهر الحال، و هو القدح في سندها تارة: من جهة أنّها غير موجودة في كتب الأخبار الموجودة الآن، و اخرى: من جهة ما فيها من الإضمار.

و لكنّ الخطب في ذلك هيّن، لوضوح اندفاع الأوّل: بأنّ رواية الشيخ لها في خلافه لا تقصر عن روايته في تهذيبه و استبصاره، بل الأوّل أولى بالتعويل عليه في نظر الاعتبار، لأنّه إنّما ذكرها مستندا إليها في الفتوى بخلاف الثاني، لكثرة ما فيه من ذكره لمجرّد الضبط من دون استناده إليه.

و أمّا ما فيها من الإرسال لحذفه الوسائط فغير قادح أيضا، لظهور أنّه إنّما وجدها في كتاب العيص مع ملاحظة ما ذكره في الفهرست (1) من: «أنّ له كتابا»، و هو بنفسه على ما صرّح به النجاشي (2) و العلّامة في الخلاصة (3): «ثقة عين يروي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و أبي الحسن»، و طريق الشيخ إليه على ما صرّح به غير واحد حسن و هو كذلك، لأنّه قال في الفهرست (4) على ما في منتهى المقال (5): «له كتاب، أخبرنا ابن أبي جيد، عن ابن الوليد، عن محمّد بن الحسن الصفّار و الحسن بن متّيل، عن إبراهيم بن هاشم، عن ابن أبي عمير و صفوان، عن العيص».

و ليس فيه إلّا إبراهيم بن هاشم و ابن أبي جيد، و هو عليّ بن أحمد بن أبي جيد، و الأوّل حاله معلوم من حيث أنّ السند من جهته يعدّ عندهم حسنا، و ربّما يطلق عليه الحسن كالصحيح، و الثاني من ذكر الشيخ في ترجمته في الفهرست: «أنّه كان إماميّا مستقيم الطريقة، و صنّف كتبا كثيرة سديدة» (6).

و عن التعليقة: «قال المحقّق البحراني: إكثار الشيخ الرواية عنه في الرجال و كتابي

____________

(1) الفهرست للطوسي: 347.

(2) رجال النجاشي: 824.

(3) خلاصة الأقوال: 227.

(4) الفهرست للطوسي: 347.

(5) منتهى المقال 5: 2259.

(6) أقول: هذا سهو من قلمه الشريف، لأنّ ما ذكره الشيخ (رحمه الله) في الفهرست انّما هو ترجمة لعليّ ابن أحمد بن أحمد الكوفي، المتوفّى سنة 352، و هو غير عليّ بن أحمد بن أبي جيد، الّذي لا يذكر في الفهرست و لا في رجال النجاشي، لعدم كونه من المؤلّفين. [فراجع الفهرست للطوسي: 211 رقم 455- رجال النجاشي: 265- معجم رجال الحديث 11: 246].

311

الحديث يدلّ على ثقته و عدالته و فضله، كما ذكره بعض المعاصرين يعني خالي (1) و المحقّق الداماد» (2).

و بالجملة: فالرواية من هذه الجهة ممّا لا ينبغي الاسترابة فيه، و كأنّ إسقاطه الوسائط مبنيّ على قاعدته المعروفة في كتابي الحديث، من أنّه إذا ترك بعض أسناد الحديث فإنّما يبدأ في أوّل السند باسم الرجل الّذي أخذ الحديث من كتابه، و أمّا ما فيه من الإضمار، فهو و إن اشتهر في الألسن كونه ممّا يوجب القدح في الحديث، غير أنّ التأمّل يقضي بخلافه، كما صرّح به جماعة منهم صاحب الحدائق قائلا: «بأنّ الإضمار في أخبارنا فقد حقّق غير واحد من أصحابنا رضي اللّه عنهم أنّه غير قادح في الاعتماد على الخبر، فإنّ الظاهر أنّ منشأ ذلك هو أنّ أصحاب الأصول لمّا كان من عادتهم أن يقول أحدهم- في أوّل الكلام-: «سألت فلانا» و يسمّي الإمام الّذي روى عنه، ثمّ يقول: «و سألته» أو نحو ذلك حتّى ينتهي الأخبار الّتي رواها، كما يشهد به ملاحظة بعض الاصول الموجودة الآن ككتاب عليّ بن [أبي فضّال] (3)، و كتاب قرب الأسناد و غيرهما، و كان ما رواه عن ذلك الإمام أحكاما كثيرة مختلفة بعضها يتعلّق بالطهارة، و بعض بالصلاة، و بعض بالنكاح و هكذا، و المشايخ الثلاثة رضي اللّه عنهم لمّا بوّبوا الأخبار و رتّبوها اقتطعوا كلّ حكم من تلك الأحكام، و وضعوه في بابه بصورة ما هو مذكور في الأصل المنتزع منه، فوقع الاشتباه على الناظر بظنّ كون المسئول عنه غير الإمام، و جعل هذا من جملة ما يطعن به في الاعتماد على الخبر» (4) انتهى.

و هذا في غاية الجودة كما نشاهد في الناس، فإنّ العادة مستقرّة بأنّ من لو وقع بينه و بين غيره وقائع أو مسائل، فأراد حكاية تلك الوقائع أو المسائل لغيره فيصرّح باسم صاحبه أوّلا، ثمّ يحكي عنه كلّ مسألة مسألة مضمرا اسمه.

و إن شئت لاحظ المستفتي في حكاية فتاوي مجتهده الّتي سأله عنها في مجلس

____________

(1) التفسير إنّما هو من الوحيد البهبهاني صاحب التعليقة، و خاله الّذي من معاصري المحقّق البحراني المتوفّى سنة 1121 هو العلّامة المجلسي المتوفّى 1110.

(2) تعليقة الوحيد البهبهاني: 401- انظر منتهى المقال 7: 292- الرواشح السماويّة: 105.

(3) الحدائق الناضرة: 1: 479، و في الحدائق الناضرة «عليّ بن جعفر» بدل «عليّ بن أبي فضّال».

(4) الحدائق 1: 479.

312

واحد، و هي مسائل متفرّقة كلّ بعض منها متعلّقة بباب، و العادة أيضا جارية بأنّ الناقلين لتلك الوقائع أو المسائل عمّن يروون عنه، إذا أرادوا نقل كلّ واقعة أو مسألة في بابها اللائق بها، فلا يزالون يرتكبون التقطيع بين تلك الوقائع أو المسائل المسموعتين، و ينقلون كلّ واقعة و مسألة في بابهما اللائق بهما بصورة ما كانت مسموعة لهم من التصريح بالاسم، أو إضماره أو نحو ذلك، هذا فإنّه تحقيق عامّ نفعه.

و ممّا استدلّ على المطلب الإجماع المنقول، اعتمد عليه شيخنا في الشرح المشار إليه (1).

و الّذي وصل إلينا منه ثلاث إجماعات، أحدها ما في المنتهى، قائلا: «متى كان على جسد الجنب أو المغتسل من حيض و شبهه نجاسة عينيّة، فالمستعمل إذا قلّ عن الكرّ نجس إجماعا، بل الحكم بالطهارة إنّما يكون مع الخلوّ عن النجاسة العينيّة» (2)، و ثانيها مع ثالثها- ما تقدّم الإشارة إليهما- عن التحرير (3) و المعتبر (4)، و عليهما اعتمد الاستاد 5، حاكما عليهما بكونهما معتضدين بالشهرة المحقّقة.

و استدلّ أيضا: بإيجاب تعدّد الغسل و إهراق الغسلة الاولى بالكلّيّة من الظروف، و وجوب العصر فيما يجب فيه العصر، و عدم جواز تطهير ما لا يخرج عنه الماء بالماء القليل، بل بالماء الكثير.

و ضعف الكلّ واضح للمتأمّل، لجواز كون إيجاب التعدّد من جهة أنّ النجاسة لا تزول عن المحلّ بالمرّة إلّا معه، و قد علم به الشارع الحكيم فأوجب التعدّد، و كون اعتبار الإهراق في الآنية و العصر في الثوب من جهة أنّ المطهّر حقيقة هو الصبّ مع الإهراق أو العصر، دون نفس الماء و إنّما هو شرط، و لا ينافيه إسناد المطهّرية إليه، لأنّه آلة فيتوسّع في الاستعمال، و لعلّه السرّ في اعتبار الكثرة فيما لا يخرج عنه الماء، فإنّ المطهّر لمّا كان مركّبا من الصبّ و العصر و هو غير ممكن في المفروض، فأقام الشارع مقامه الغسل بالكثير، لعلمه بأنّه أيضا نظير الأوّل في إفادة التطهير.

و من هنا يندفع ما نقض به الجواب عن اعتبار الإهراق في الأواني، بأنّ ذلك تعبّد من الشارع، أو أنّه من جهة توقّف تحقّق مفهوم «الغسل» على إخراج الغسالة، من أنّه

____________

(1) 1 و 5 كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 314.

(2) منتهى المطلب 1: 137.

(3) تحرير الأحكام: 5.

(4) المعتبر: 22.

313

فلم لا يجب إذا فرضنا الغسلة بإجراء ماء معتصم عليه كالكثير و الجاري و المطر؟ فعلم أنّ الإهراق ليس إلّا لنجاسة الغسالة، فإذا غسل بالمعتصم لم ينفعل بملاقاة المحلّ.

ثمّ بقى في المقام تفريعا على المختار أمران:

أحدهما: مقتضى القاعدة أن تكون البلّة الباقية على المحلّ بعد انفصال الغسالة عنه بالعصر أو الإفراغ نجسا، لأنّه جزء من النجس، بل قضيّة ذلك أن لا يطهّر المحلّ بالماء القليل أبدا، لكن ظاهر المنتهى (1)، و المحكي عن المعتبر (2)، المسند إلى ظاهر المشهور في الحدائق المدّعى فيه «أنّه قطع به جمع من الأصحاب» (3) كونها طاهرة مطلقا.

قال في المنتهى- بعد ما حكى عن الشافعي القائل بطهارة الغسالة، الاستدلال بأنّه جزء من المتّصل، و المتّصل طاهر، فكذا المنفصل-: «و الجواب عن الأوّل: الفرق، و هو لزوم المشقّة في تنجّس المتّصل دونه» 4 فإنّ الجواب بإبداء الفارق دون منع الحكم في المقيس عليه ينبئ عن اختياره الطهارة، كما يدلّ عليه أيضا التعبير بلفظة «التنجّس» في قوله: «لزوم المشقّة في تنجّس المتّصل دونه».

و أصرح منه كلام المعتبر- فإنّه بعد ما حكى عن الشيخ الاحتجاج على طهارة الغسالة في إناء الولوغ، بأنّه لو كان المنفصل نجسا لما طهّر الإناء، لأنّه كان يلزم نجاسة البلّة الباقية بعد المنفصل، ثمّ نجّس الماء الثاني بنجاسة البلّة، و كذا ما بعده- قال: «و الجواب أنّ ثبوت الطهارة بعد الثانية ثابت بالإجماع، فلا يقدح ما ذكره، و لأنّه معفوّ عنه رفعا للحرج» 5 و لا منافاة بين الحكم بالطهارة أوّلا، و الحكم بالعفو ثانيا- كما سبق إلى بعض الأوهام- لجواز كون العفو هنا مرادا به رفع النجاسة نفسها لا رفع حكمها فقط، و لو اريد به ذلك- كما هو المعهود من معنى هذه اللفظة- لما كان قادحا أيضا، لجواز ابتنائه على التنزّل و المماشاة، و كيف كان فالعفو بهذا المعنى أحد الوجوه المحتملة في المقام، و لم ينقل اختياره صريحا عن أحد من أصحابنا.

نعم عن الأردبيلي 6 ذكره احتمالا، و هو محتمل القول الّذي حكاه الشهيد في حاشية الألفيّة 7 عن بعض الأصحاب، أعني القول بنجاسة الغسالة مطلقا- و لو بعد

____________

(1) 1 و 4 منتهى المطلب 1: 142.

(2) المعتبر: 22.

(3) الحدائق 1: 494.

(4) 5 المعتبر: 23.

(5) 6 مجمع الفائدة و البرهان 1: 287.

(6) 7 المقاصد العليّة: 162.

314

طهارة المحلّ- على ما سنقرّر وجهه.

و الوجه الآخر من وجوه المقام النجاسة مطلقا، في مقابلة الطهارة مطلقا و العفو، و هذا ممّا لم يذهب إليه أحد.

نعم، هاهنا وجه رابع، و هو كونه طاهرا ما دام في المحلّ فإذا انفصل نجّس، و هو محكيّ في الحدائق و غيره عن صريح العلّامة في القواعد، قال في الحدائق: «و الظاهر أنّه مبنيّ على ما اختاره من عدم نجاسة القليل الّذي تزال به النجاسة إلّا بعد الانفصال عن المحلّ، قال في الكتاب المذكور: «و المتخلّف في الثوب بعد عصره طاهر، فإن انفصل فهو نجس» (1) انتهى.

فعنده أنّه إذا عصر الثوب من الغسل المعتبر في تطهيره حكم بطهارته قطعا، و المتخلّف عنه على حكم الطهارة، فلو بالغ أحد في عصره فانفصل منه شيء كان نجسا؛ لأنّ أثر ملاقاته للمحلّ النجس عنده إنّما يظهر بعد الانفصال». (2) انتهى.

و الّذي يترجّح في النظر القاصر، أنّها تتبع المحلّ فتكون طاهرة مطلقا، و ذلك لإجماع المسلمين المعلوم من عملهم في كافّة الأعصار و الأمصار، حيث إنّهم يغسلون أبدانهم و أثوابهم و أوانيهم، و يجرون عليها بعد ذلك و على ما فيها من البلل الباقية جميع أحكام الطهارة و لا يتأمّلون فيها، فيباشرون بها حال البلّة و حال عدمها في مآكلهم و مشاربهم و تطهيراتهم من الأخباث و الأحداث، فإذا غسلوا شيئا من الأبدان يدخلونه في المآكل و المشارب و مياه الوضوء و الغسل، أو شيئا من الثياب لا يتحرّزون عن ملاقاته لشيء من ذلك، أو شيئا من الأواني يجعلون عليه المأكل و المشرب و الوضوء و الغسول بلا تأمّل في شيء من ذلك، فلو لا المحلّ مع ما فيه من البلل طاهرين لما ساغ لهم شيء من ذلك، لإجماعهم الضروري على اشتراط الطهارة في جميع ما ذكر، و أخبارهم متواترة عليه معنى.

فنقول: بملاحظة ذلك مع ما ذكر من الإجماع الأوّل أنّ ما ليس بطاهر لا يجوز استعماله في المأكل و المشرب و الوضوء و الغسول، فينعكس ذلك بطريقة عكس النقيض إلى أنّ: كلّ ما جاز استعماله في الامور المذكورة فهو طاهر، و العفو المدّعى في

____________

(1) قواعد الأحكام 1: 186.

(2) الحدائق الناضرة 1: 495.

315

هذا المقام إن اريد به سلب أحكام النجاسة في خصوص المباشرة حال الصلاة و نحوها، فكيف يجامعه المباشرة في الامور المذكورة، و لو اريد به سلب أحكام النجاسة مطلقة و لو في الموارد المذكورة فهو عين معنى الطهارة و معه ارتفع النزاع بالمرّة.

هذا مضافا إلى أنّ نجاسة البلّة الباقية في المحلّ عرضيّة، حاصلة عن نجاسة المحلّ، فإذا أفاد الغسل- الّذي هو عبارة عن مجموع الصبّ مع العصر أو الإفراغ- طهارة المحلّ و زوال النجاسة الأصليّة عنه، فلأن يكون مفيدا لطهارة البلّة الباقية فيه و زوال نجاستها العرضيّة الحاصلة من النجاسة الأصليّة طريق الأولويّة.

دعوى: أنّه يزيل النجاسة الأصليّة و لا يزيل النجاسة العرضيّة الحاصلة منها كما ترى، مع أنّه عند التحقيق ممّا لا يكاد يعقل، حيث إنّ العرضيّة معلولة من الأصليّة، و لا بقاء للمعلول بدون العلّة.

و احتمال كون الأصل علّة محدثة، فلا ضير في انعدامه، لجواز تخلّف العلّة المبقية عنه.

يدفعه: أنّ هذا الفرض إنّما يستقيم إذا كان علّة الحدوث عين النجاسة الموجودة في المحلّ، لا الأثر الحاصل منها فيه، فإذا فرض زوال العين عن المحلّ لا يلزم منه زوال المعلول، لجواز استناده في البقاء إلى الأثر الحاصل منها في المحلّ، فنحن نفرض في محلّ الكلام كون علّة الحدوث و هو الأثر الحاصل في المحلّ بعد زوال العين، فحينئذ إمّا أن يقال: بزوال هذه العلّة عن المحلّ بالغسل الشرعي، أو يقال: بعدم زوالها، و الثاني باطل بالضرورة من الشرع القائم على أنّ الغسل الشرعي يوجب طهارة المحلّ، و الأوّل مستتبع للمحذور، و لا يعقل مع زوال كلّ من العين و الأثر عن المحلّ علّة اخرى يستند إليها بقاء نجاسة البلّة.

و لو قيل: بأنّ العلّة المبقية هو كون ما بقى في المحلّ بلّة، فحينئذ نقول: إذا زالت البلّة بطروّ اليبوسة على المحلّ، إمّا أن يكون شيء من أثر تلك النجاسة باقيا في المحلّ أو لا؟ و لا سبيل إلى شيء منهما، أمّا الأوّل: فلاستلزامه المحذور، و أمّا الثاني: فلقضائه بكون اليبوسة في غير ما حصل من الشمس في مواضع مخصوصة- يأتي ذكرها في محلّها- من جملة المطهّرات، و هو ممّا لا أثر له في الشرع و لا دليل عليه أصلا، بل الأدلّة قائمة بخلافه، مع أنّ القول ببقاء النجاسة في البلّة ممّا يفضي إلى عدم قبول

316

المحلّ للطهارة أصلا؛ لأنّها ما دامت باقية لازمة للمحلّ و لا تنفكّ عنها، و هي على الفرض ملزومة للنجاسة، فكانت النجاسة لازمة للمحلّ، و هو كما ترى خلاف ما يظهر من الأدلّة، و القول بطهارة المحلّ مع نجاسة البلّة الباقية فيه كما ترى تناقض في المقالة، كما أنّ القول بعدم تأثّر المحلّ من تلك النجاسة مجازفة صرفة.

و من هنا يعلم أنّ الحكم بنجاسة البلّة ممّا يفضي إلى تجويز السفه على الشارع الحكيم في إيجابه الغسل و التطهير، إذ المفروض عدم انفكاك النجاسة العرضيّة عن المحلّ، فلأيّ فائدة أوجب على المكلّف تكلّف الغسل، و اعتبار العفو هنا مع أنّه ممّا لا محصّل له يشبه بكونه أكلا بالقفاء؛ لأنّ هذا العفو كما كان يمكن اعتباره بالنسبة إلى النجاسة العرضيّة، فكذلك كان يمكن بالنسبة إلى الأصل أيضا، فلم لم يعتبر فيه مع أنّه أسهل و أقرب إلى السمحة السهلة؟ مع أنّ القول بنجاسة البلّة مع العفو عنها ممّا يخالف مفاد الأدلّة من الأخبار المتواترة جدّا، الآمرة بالغسل في أنحاء النجاسات و تطهير أنواع المتنجّسات، و الواردة في تعليم كيفيّة ذلك و طريقه في المواضع الّتي يختلف باختلافها الكيفيّة؛ لأنّ مصبّ الجميع و المنساق منها عرفا و شرعا إنّما هو حصول الطهارة بذلك، و أنّ الغرض من اعتباره تحصيلها، و لا ريب أنّ الطهارة في المحلّ مع نجاسة البلّة الباقية فيه غير ممكنة.

و ممّا يدلّ على ذلك أيضا خصوص موثّقة عمّار الساباطي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سئل عن الكوز أو الإناء يكون قذرا، كيف يغسل؟ و كم مرّة يغسل؟ قال: «ثلاث مرّات، يصبّ فيه ماء فيحرّك فيه، ثمّ يفرغ ذلك الماء منه، ثمّ يصبّ ماء آخر فيحرّك فيه، ثمّ يفرغ ذلك الماء منه، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه، و قد طهر» (1).

فإنّ نجاسة البلّة الباقية ينفيها قوله (عليه السلام): «و قد طهر»، لما عرفت من أنّ نجاسة البلّة تستلزم نجاسة المحلّ لا محالة، و احتمال كون المراد بالطهارة هنا العفو كما ترى.

ثمّ إذا فرضنا البلّة طاهرة ما دامت في المحلّ، فأيّ شيء يوجب انقلاب حكمها إلى النجاسة لو فرض انفصالها بالمبالغة في العصر؟ و أيّ دليل من الشرع يقضي بذلك؟

مع أنّ الطهارة هو الأصل في الأشياء و لا سيّما المياه- حسبما قرّرناه و أسّسناه سابقا-

____________

(1) الوسائل 3: 496 ب 53 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 284/ 832.

317

و كون ذلك متفرّعا على القول بنجاسة ماء الغسالة بعد الانفصال خاصّة كما يأتي عن العلّامة ممّا لا يصلح عذرا لفساد هذا القول من رأسه، كما يأتي بيانه.

و أمّا مقدار ما يبقى من البلّة في حكم الطهارة، فهو من فروع كيفيّة الغسل و يأتي التعرّض له في مباحث التطهير، إن شاء اللّه تعالى.

و ثانيهما: قد عرفت سابقا أنّ القول بنجاسة ماء الغسالة مطلقا في كلام أهل القول بها محتمل لأن يكون حكمه كالمحلّ قبل الغسل، و لأن يكون كالمحلّ قبل الغسلة المطهّرة كما صرّح به في شرح الدروس (1)، و الوجه في ذلك عدم تصريحهم باختيار شيء من ذلك، بل و لا إشعار في كلامهم باختيار أحد هذه الوجوه، لكون الحكم بالنجاسة واردا في كلامهم على الإطلاق كما صرّح به في الحدائق (2)، فما في هذا الكتاب عن جملة من المتأخّرين و متأخّريهم بالنسبة إلى هذا القول- أي القول بالنجاسة مطلقا- من أنّ حكم الغسالة كالمحلّ قبل الغسل (3) ليس على ما ينبغي، إن كان الغرض بيان كونه مذهب القائلين بهذا القول، و العجب عن صاحب هذا الكتاب أنّه حيثما عنون هذا القول عنونه بعبارة مصرّحة بكون حكمها كالمحلّ قبل الغسل، فيعتبر التعدّد فيما تلاقيه متى كان التعدّد معتبرا في المحلّ، ثمّ بالغ في إنكار هذا العنوان عند ذكر الفروع، قائلا- في دفع القول المشار إليه، المنقول عن جملة من المتأخّرين و متأخّريهم-: «بأنّي لم أجد له أثرا في كلام القائلين بهذا القول، كالمحقّق و العلّامة، بل يحتمل أنّ مرادهم أنّها في حكم المحلّ قبل الغسلة، إذ غاية ما يدلّ عليه كلامهم هو النجاسة، و أمّا أنّه يجب فيما تلاقيه العدد المعتبر في المحلّ فلا» الخ 4.

ثمّ لا يخفى ما في اقتصاره على الاحتمال المذكور، إذ قد عرفت جريان احتمال ثالث في كلامهم.

و كيف كان: فتحقيق المسألة مبنيّ على النظر في أنّ الأصل في تطهير النجاسات هل هو التعدّد، أو الاكتفاء بالمرّة؟ و له محلّ آخر يأتي إن شاء اللّه، و لكن الّذي يقوى في نظري القاصر إلى أن يقع التأمّل التامّ فيه في محلّه الآتي، هو الاكتفاء بالمرّة، وفاقا

____________

(1) مشارق الشموس: 254.

(2) 2 و 4 الحدائق الناضرة 1: 489.

(3) الحدائق الناضرة 1: 477.

318

للحدائق (1)، و محكيّ المعالم (2)، مع نقله فيه عن بعض مشايخه المعاصرين؛ لأنّ اعتبار التعدّد تكليف بأمر زائد، على ما ثبت من الشرع يقينا، و الأصل ينفيه، و لا يعارضه الاستصحاب و أصل الشغل هنا و إن كانا جاريين، لما قرّر في محلّه.

هذا حكم الغسالة بعد الانفصال و أمّا حكمها قبله فكذلك، فلو لاقاها شيء و هي في المحلّ- و حاصله ملاقاة المحلّ قبل إخراج الغسالة عنه- لم يجب غسله متعدّدا، كما لو لاقاها بعد مفارقة المحلّ، هذا تمام الكلام في أوّل الأقوال.

و أمّا ثانيها: فالقول بالنجاسة، لكن حكمه حكم المحلّ قبل الغسلة، فيجب غسل ما أصابه ماء الغسلة الاولى مرّتين، و الثانية مرّة فيما يجب فيه المرّتان و هكذا، ذهب إليه الشهيد في الدروس (3)- كما نقل عنه في الذكرى (4)- و عبارته في الدروس- على ما في محكيّ الخوانساري في شرحه (5)- هكذا: «و في إزالة النجاسة نجس في الاولى على قول، و مطلقا على قول، و كرافع الأكبر على قول، و طاهر إذا ورد على النجاسة على قول، و الأولى أنّ ماء الغسلة كمغسولها قبلها».

و عن الأردبيلي في شرح الإرشاد (6) الميل إليه، و اختلفت كلمتهم في اتّحاد هذا القول مع سابقه و مغايرته له، فعن الشهيد الثاني (7) و غيره التصريح بالمغايرة، و يستفاد من صاحب الحدائق اتّحادهما، حيث قال: «بل ظاهر الشهيد في الذكرى أنّ القول المنسوب إليه هو بعينه القول الأوّل، و أنّ القول بالنجاسة مطلقا عبارة عن كون حكم الغسالة حكم المحلّ قبل الغسلة الخ» (8).

و لكن العبارة المتقدّمة منه في الدروس تنادي بفهم المغايرة بين مذهبه و القول الأوّل، حيث جعل مختاره مقابلا للأقوال الاخر، الّتي منها القول بالنجاسة مطلقا، و لا ريب أنّه لا يعقل بينهما مغايرة مع اشتراكهما في أصل الحكم بالنجاسة، إلّا أنّه فهم من الجماعة أنّهم يجعلون الغسالة كالمحلّ قبل الغسل، و إن كان فهمه بهذا المعنى موضع مناقشة قدّمناها، و كان مستند الشهيد الثاني في فهم المغايرة أيضا هو العبارة المذكورة، و استشهد

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 490.

(2) فقه المعالم 1: 323.

(3) الدروس الشرعيّة 1: 122.

(4) ذكرى الشيعة 1: 85.

(5) مشارق الشموس: 254.

(6) مجمع الفائدة و البرهان 1: 285.

(7) روض الجنان: 159.

(8) الحدائق 1: 489.

319

في الحدائق على ما فهمه من الاتّحاد بقوله: «فإنّه- يعنى الشهيد في الذكرى- نقل أوّلا القول بالطهارة عن المبسوط، ثمّ نقل مذهب الشيخ في الخلاف، ثمّ نقل مذهب المحقّق و العلّامة و هو القول بالنجاسة مطلقا، و نقل أدلّته و طعن فيها ثمّ قال: «و لم يبق سوى الاحتياط، و لا ريب فيها، فعلى هذا ماء الغسلة كمغسولها قبلها، و على الأوّل كمغسولها بعدها أو كمغسولها بعد الغسل»، و مثله كلام الشيخ علي في شرح القواعد (1) انتهى.

وجه الاستشهاد: ما أفاده بعد ذلك: «من أنّ التفريع في عبارة الذكرى إنّما جرى على مقتضى الأقوال المتقدّمة، فإنّ قوله: «فعلى هذا» أي فعلى القول بالنجاسة، و هو المنقول عن المحقّق و العلّامة، و قوله: «و على الأوّل» إشارة إلى مذهبي المبسوط و الخلاف، و إن كان على سبيل اللفّ و النشر المشوّش، و على تقدير ما ذكر من المغايرة يلزم عدم التفريع على مذهب المحقّق و العلّامة» 2 انتهى.

و الإنصاف: أنّ هذه العبارة ليست بصريحة و لا ظاهرة في كون ما اختاره عين ما اختاره المحقّق و العلّامة.

نعم غاية ما فيها الدلالة على مشاركته في أصل القول بالنجاسة، و أمّا أنّه يوافقهما في حكم الغسالة من حيث ملاقيها فلا، و التفريع المذكور فيه لا يشعر بذلك، بل هو تفريع على أصل القول من حيث إنّه اختاره، و تحقيق للمسألة لنفسه لا عليه من حيث إنّه مختارهما، و لا ينافيه عدم التفريع عليه من هذه الحيثيّة، لجواز كون الحكم المذكور على مذهبهما مشتبها عنده، بمعنى أنّه لم يكن يدري أنّهما ما يقولان في أصل الغسالة و ملاقيها، بعد البناء فيها على النجاسة، فليتأمّل.

و كيف كان: فقد ذكر في هذا الكتاب في وجه الفرق بين الغسلتين باعتبار التعدّد في الاولى دون الثانية- فيما يجب غسله مرّتين مثلا-: «أنّ المحلّ المغسول تضعف نجاسته بعد كلّ غسلة و إن لم يطهر، و لهذا يكفيه من العدد بعدها ما لا يكفي قبلها، فيكون حكم ماء الغسلة كذلك، لأنّ نجاسته مسبّبة عنه فلا يزيد حكمه عليه، لأنّ الفرع لا يزيد عن الأصل».

ثمّ نقل عن والده أنّه قال- بعد ما نقل هذا الكلام-: «أقول: هذا التفصيل بالفرق

____________

(1) 1 و 2 الحدائق 1: 489.

320

بين المنفصل من الغسلتين و إن كان لا يفهم من الأخبار، و لكنّه قريب من الاعتبار»، ثمّ قال:

«و هو كذلك، إلّا أنّه بمجرّده لا يمكن الاعتماد عليه في تأسيس حكم شرعي» (1) انتهى.

أقول: لا يخفى عليك أنّه لا مخالفة بيننا و بين الشهيد في أصل المذهب، و ما صار إليه من الفرق بين الغسلتين كلام له راجع إلى ما يتفرّع على هذا القول، و وجهه ضعيف جدّا، و بعد الغضّ عنه فالمتّبع هو ما يقتضيه الأدلّة الشرعيّة، و حيث إنّ من الظاهر البديهي أنّ دليل الأصل في دلالته على اعتبار التعدّد في الغسل عنه كالبول مثلا لا يتناول ما ينفصل من الغسلة عنه؛ لعدم دخوله في مسمّى البول و لا الدم و لا غيرهما من النجاسات، ليس في البين مناط يكون منقّحا من نصّ الشارع، أو تنبيهه عليه بضرب من الدلالة المعتبرة، فلا جرم يكون اعتبار التعدّد بالنسبة إلى الغسلة الاولى قولا بلا دليل في ظاهر الحال، كما أنّ الاقتصار على المرّة في الغسلة الثانية استنادا إلى ما ذكر أخذ بموجب الاستحسان الصرف و ليس من مذهبنا، فلا يبقى ما يصلح لأن يكون مرجعا إلّا الأصل المشار إليه، و قد عرفت أنّ مقتضاه الاكتفاء بالمرّة حتّى يثبت اعتبار الزائد بالدليل، فلا بدّ من اتّباع الأصل.

و أمّا ثالثها: فالقول بالنجاسة إن كان من الغسلة الاولى و الطهارة إن كان من الغسلة الثانية، و حاصله يرجع إلى أنّ الغسالة كالمحلّ بعد الغسلة، و لازمه التفصيل المذكور فيما يعتبر فيه الغسل مرّتين، و إطلاق هذا القول بالقياس إلى أنواع المحلّ المتنجّس من الثوب و البدن و الإناء و لو في ولوغ الكلب محكيّ- كما في الشرح المتقدّم للأستاد (2)- عن العلّامة الطباطبائي، و كلّ من قال بأنّ الغسالة كالمحلّ بعدها، و نسب ذلك أيضا إلى الشيخ في الخلاف (3)، و لكن المنقول منه أنّه خصّصه بالمستعمل في تطهير الثوب، و أمّا المستعمل في الآنية فلا ينجّس عنده مطلقا، سواء كان من الاولى أو غيرها، فله تفصيل حينئذ أوّلا بين الثوب و الآنية، ثمّ في الثوب بين الغسلة الاولى و غيرها، بل ظاهر عبارته المنقولة عنه في الآنية يقتضي اختصاص ذلك بالولوغ، حيث إنّه في موضع من الخلاف قال: «إذا أصاب من الماء الّذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب ثوب الإنسان أو جسده

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 481.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 334.

(3) الخلاف 1: 179 المسألة 135.

321

لا يجب غسله، سواء كان من الدفعة الاولى أو الثانية أو الثالثة» (1)، و لعلّ عموم هذا الحكم في الآنية بالقياس إلى جميع النجاسات- كما اشتهر في الألسنة- مستفاد من دليله الآتي على هذا الحكم، فإنّه عامّ الجريان و إن كان مورده قاصرا عن إفادة العموم.

و كيف كان فعنه (2) الاحتجاج على نجاسة الغسلة الاولى في الثوب بأنّه: «ماء قليل معلوم حصول النجاسة فيه، فيجب أن يحكم بنجاسته، و بما تقدّم من رواية العيص» (3).

و أنت خبير بما فيه من التحكّم، فإنّ قاعدة انفعال القليل بملاقاة النجاسة إن كانت عامّة في نظره بحيث كانت متناولة لماء الغسالة، لكانت جارية في كلّ من الغسلتين؛ ضرورة: أنّ المحلّ بعد الغسلة الاولى لم يطهر بعد، فالماء المستعمل في الغسلة الثانية أيضا ممّا يصدق عليه أنّه ماء معلوم حصول النجاسة فيه، و إن لم تكن عامّة على نحو تشمل ماء الغسالة فلا وجه للقول بالنجاسة في الغسلة الاولى أيضا، بل لازمه القول بالطهارة في كلتا الغسلتين، عملا بالأصل السليم عن المعارض، و دعوى: شمولها للغسلة الاولى منه دون الثانية كما ترى.

إلّا أن يقال: بخروج تلك الغسلة عن القاعدة بالدليل، فيدفعه: ما سيأتي في تزييف ذلك، إذ ليس ذلك إلّا أصل الطهارة، و هو عامّ لا يعارض الخاصّ، أو أصل عملي لا يعارض الدليل، أو الأخبار المتقدّمة في الاستنجاء الحاكمة بطهارة الماء المستنجى به، فهي لعمومها الشامل للغسلتين معا تقضي بتخصيص القاعدة في الغسلة الاولى أيضا، فما وجه الفرق بينهما؟

مضافا إلى أنّها لا تشمل المقام بدلالة لفظيّة، لاختصاصها بماء الاستنجاء المخرج عن مطلق المستعمل في رفع الأخباث، و لا بدلالة شرعيّة؛ إذ ليس في المقام مناط منقّح، و كذا الكلام في احتجاجه بالرواية المشار إليها، فإنّها أيضا عامّة- فإن سلمت عنده سندا و دلالة- فهي مقتضية للنجاسة مطلقا، و إلّا فلا وجه للاستناد إليها أصلا، إلّا أن يدّعي التخصيص فيها أيضا، فيبقى الكلام معه في المخصّص، و ليس له ما يصلح لذلك، نعم يبقى فيها شيء ستسمعه مع دفعه.

____________

(1) الخلاف 1: 181 المسألة 137.

(2) الخلاف 1: 179 المسألة 135.

(3) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 14- نقله في الذكرى 1: 84.

322

و قد يجاب عن دليله الأوّل- كما في شرح الدروس-: «بأنّ أدلّة نجاسة القليل لا عموم لها، و إنّما يكون مناط التعميم في بعض الصور بعدم القول بالفصل، و الشهرة بين الأصحاب و هما مفقودان فيما نحن فيه، و الأولى أن يقال: إنّ غاية ما يدلّ عليه أدلّة نجاسة القليل نجاسته بورود النجاسة عليه و أمّا العكس فلا، فحينئذ لو اشترطنا في التطهير الورود- كما هو رأي الشيخ- لا نسلّم جريان تلك الأدلّة في الغسالة، و هو ظاهر» (1) انتهى، و فيه: ما فيه.

و عنه (2) الاحتجاج على طهارة الغسلة الثانية: بما تقدّم من الأصل، و أخبار الاستنجاء، و بأنّ المحلّ بعدها طاهر مع بقاء مائها فيه، و الماء الواحد لا يختلف أجزاؤه في الطهارة و النجاسة.

و الجواب عن الأوّلين: قد ظهر بما مرّ، و عن الأخير، بأنّه إنّما يتّجه في الأجزاء ما دامت عنوان الجزئيّة باقية، و لا ريب أنّ الانفصال الّذي يتحقّق فيما بين المنفصل عن المحلّ و المتخلّف فيه رافع لهذا العنوان، و معه لا مانع في اختلافهما في الحكم، فحينئذ نقول: إنّ الماء المستعمل في الغسل نجس بجميع أجزائه ما دام في المحلّ، و إذا انفصل بقي المنفصل على نجاسته و طهر الباقي تبعا للمحلّ، بحكم أنّ الغسل الّذي جعله الشارع مطهّرا- و هو عبارة عن الصبّ و العصر- يوجب الطهر فيهما معا، و لا مانع منه إذا دلّ عليه الدليل، و لو سلّم عدم قيام الدلالة على ذلك فيكفينا الاحتمال في هدم ما ذكر من الاستدلال، لأنّه عقليّ فيبطل بمجرّد الاحتمال.

و قد يستدلّ على الطهارة في الغسلة الثانية المزيلة لنجاسة المحلّ، احتمالا عن قبل العلّامة الطباطبائي كما في شرح المشار إليه للأستاد (3): «بأنّ ملاقاة الماء للمحلّ سبب في طهارته، و الظاهر من أدلّة انفعال القليل انفعاله بما يكون نجسا حين الملاقاة، لا ما يكون الملاقاة سببا لزوال نجاسته، لمكان أنّه لا يدخل في أذهان العرف صيرورة الماء الملاقي للمحلّ النجس بمنزلة نفس النجس مع طهارة المحلّ الملاقي له» 4.

____________

(1) مشارق الشموس: 255.

(2) الخلاف 1: 180 المسألة 135- و لا يوجد فيه قوله (رحمه الله): «و بأن المحلّ طاهر مع بقاء مائها فيه الخ».

(3) 3 و 4 كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله) 1: 335.

323

و قياسه على إزالة الأوساخ الحسّيّة الّتي يكتسب فيها كلّ جزء من الماء جزءا من الوسخ بالحسّ، بدعوى: أنّ النجاسة تنتقل من المحلّ إلى الماء، كالقذارة الخارجيّة الّتي تستهلك في الماء و يتوزّع على أجزائه، قياس مع الفارق لأنّ ذلك ممّا يساعد عليه أذهان العرف في القذارة الخارجيّة دون النجاسة، لأنّهم بعد اطّلاعهم على أنّ كلّ جزء من الماء يكتسب قذارة كقذارة المحلّ بعينها، مع ملاحظة أنّ الماء يوجب زوال النجاسة عن المحلّ الملاقي له، يتحاشون عن انفعال الماء بذلك المحلّ.

و صيرورة كلّ قطرة منه كالرطوبة النجسة الّتي في المحلّ الحاصلة من البول أو الدم مثلا، مع كونها في موضع اريد إزالتها بذلك الماء و هو أيضا يفيد إزالتها؛ لأنّ ذلك لا يجامع طهارة المحلّ الّتي هي غير ممكن الاجتماع مع نجاسة الماء الّذي فيه، كما يفهم ذلك منهم لو قيل لهم: أنّ هذا الماء المنصبّ على المحلّ لإزالة ما به من رطوبة الوسخ الفلاني يصير كلّ جزء صغير منه متّصفا بوسخ تلك الرطوبة.

و الحاصل كيفيّة تنجيس الشيء أمر لم يدلّ عليه جامع شامل للمقام، و المستفاد من تتبّع المقامات الخاصّة لا يشمل الملاقاة المزيلة، و المفروض أنّه إذا عرض على العرف صيرورة كلّ جزء صغير من الماء بمنزلة عين الأثر الموجود في الثوب من الوسخ أنكروا طهارته به، و إذا عرض عليهم طهارته به أنكروا صيرورته كذلك، فإذا فرض قطعهم بالثاني لم يفهموا من أدلّة الانفعال شمولها لهذا النحو من الملاقاة المزيلة، فلم يبق إلّا عموم معاقد الإجماعات في نجاسة الماء القليل الملاقي للنجس، أو مطلق الجسم الرطب الملاقي له لكن من المعلوم عدم إرادة القائلين بطهارة الغسالة هذا العموم من كلامهم في دعوى الإجماع.

و أمّا القائلون بنجاستها فلو جاز الاكتفاء بهم كفى قولهم بنجاسة الغسالة في دعوى الإجماع عليها.

و أمّا رواية العيص المتقدّمة فالاستدلال بها في المقام مبنيّ على كفاية الغسلة الواحدة- في مطلق القذارات، و إلّا أمكن حمل الرواية على الغالب من اجتماع الغسالتين، بل يمكن حملها- بناء على الاكتفاء في التطهير بالغسلة الواحدة كالإجماعات على ما هو الغالب من اجتماع الأجزاء المنفصلة عن المحلّ قبل زوال

324

العين، فإنّ المنفصل عن المحلّ كذلك ليس منفصلا عن الغسلة المطهّرة، فحكمه كالمنفصل من الغسلة الاولى، بل هو أشدّ منه، بل لا ينبغي أن يكون محلّا للنزاع، لأنّ النزاع في المنفصل عن الغسل المؤثّر في التطهير الشرعي الواجب كونه بالماء المطلق الطاهر، و المنفصل قبل زوال العين إنّما انفصل عن غسلة غير معتبرة في نظر الشارع؛ لعدم إفادتها إلّا زوال العين الّذي يحصل بالماء المضاف و النجس و المسح بجسم طاهر أو نجس، و لذا احتاج الثوب بعده إلى غسلتين، لكن يكفي في الاولى منهما استمرار الصبّ عن الأوّل آنا ما بعد زوال العين» (1) الخ.

و حاصله يرجع إلى منع العموم في أدلّة انفعال القليل بملاقاة النجاسة بحيث تشمل ماء الغسالة، حتّى ما انفصل منه عن الغسلة المستتبعة لطهارة المحلّ، و سند هذا المنع إمّا دعوى قصور تلك الأدلّة عن إفادة حكم الانفعال لنظائر المقام بأنفسها، فلا عموم في مفهوم قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (2) لا من جهة «الماء» بحيث يشمل كلّ ماء، و لا من جهة الشيء النجس بحيث يشمل كلّ نجاسة، و لا من جهة الملاقاة المستفادة من الرواية منطوقا و مفهوما، و لا في الأخبار الخاصّة الواردة في موارد جزئيّة بالنسبة إلى الماء و إلى النجس، إذ ليس المستعمل في إزالة النجاسة بشيء منها، و لا في الإجماعات المنقولة و لا الرواية الخاصّة المذكورة، أو دعوى: خروج محلّ البحث عن عموم تلك الأدلّة بملاحظة الخارج، و لو نحو قرينة حال أو مقام يلتفت إليها العرف و يلاحظها، مثل ما ثبت لهم بضرورة من شرعهم أنّ الماء القليل إذا استعمل في الثوب النجس و نحوه لإزالة ما فيه من النجاسة يوجب زوالها، و يصيّره طاهرا، و لا سبيل إلى شيء من ذلك.

أمّا الأوّل: فلأنّ مفاد القضيّة في جانب مفهوم الرواية يرجع إلى أن يقال: إنّ الماء المتّصف بالقلّة كائنا ما كان من حكمه أن ينفعل بأيّ نجس لاقاه كيفما اتّفق.

أمّا الأوّل: فلورود لفظة «الماء» فيها مطلقة فيكون الحكم المعلّق عليها معلّقا على الطبيعة السارية في جميع مصاديقها، الّتي منها ما يعدّ لإزالة الأخباث به، فمن يدّعي

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله) 1: 336.

(2) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2.

325

الاختصاص بغير هذا الماء مطلقا أو في الجملة يطالب بدليل ذلك.

و أمّا الثاني: فبحكم السببيّة التامّة المستفادة من التعليق، المقتضية لوجود الجزاء في جميع موارد وجود الشرط، و انتفائه في كلّما انتفى فيه الشرط- على ما فهمه غير واحد- و أمّا على ما قرّرناه سابقا من عدم إمكان الحمل على كون الكرّيّة سببا تامّا فإمّا أن يكون حينئذ شرطا لعدم الانفعال، أو ملازما له بكونه ملزوما لما هو شرط له فكذلك أيضا، لأنّ المشروط يعدم عند عدم شرطه، كما أنّ اللازم يعدم مع انعدام ملزومه.

و لا ينافي احتمال الشرطيّة و لا احتمال الملازمة ثبوت المشروط أو ثبوت اللازم في بعض صور انتفاء الشرط أو انتفاء الملزوم، أو ثبوت نقيض اللازم في بعض صور وجود الملزوم، كما في المستعلي، و ماء الاستنجاء، و ماء الجاري في الأوّلين، و المتغيّر بالنجاسة في الأخير؛ لأنّ الشرطيّة و الملازمة ليستا بعقليّتين لئلّا يمكن فيهما التقييد و لا التخصيص، بل هما شرعيّتان ثابتتان بالأدلّة اللفظيّة فتكونان قابلتين للتخصيص كدليلهما، فيقال على احتمال الشرطيّة أنّ الكرّيّة شرط لعدم الانفعال إلّا في العالي و غيره ممّا ذكر، و على احتمال الملازمة وجودا و عدما أنّ الكرّيّة تلازم عدم الانفعال إلّا في صورة التغيّر، و أنّ انتفاء الكرّيّة يلازم الانفعال إلّا في صورة العلوّ و الاستنجاء و الجريان.

فأقصى ما ثبت بالدليل إنّما هو تقييد كلّ من الشرطيّة و الملازمة بالقياس إلى الموارد المذكورة، و أمّا أنّه لا ينفعل أيضا في صورة إزالة النجاسة مع القلّة مطلقا، أو في الغسلة المطهّرة خاصّة فهو تقييد آخر في مفاد الشرطيّة و في الملازمة الثانية، و يحتاج إلى الدليل فمن يدّعيه مطالب بالدليل.

و أمّا الثالث: فلأنّ الملاقاة المفهومة من الرواية منطوقا و مفهوما لها أحوال، منها كونها مستتبعة لزوال النجاسة عن المحلّ، و هي مطلقة بالنسبة إلى أحوالها، فدعوى:

أنّها لا تؤثّر في الانفعال حال استتباعها لطهارة المحلّ تقييد لها بما عدا تلك الحالة، فلا تسمع إلّا بدليل.

و أمّا الثاني: فلأنّ أقصى ما يتصوّر كونه مخرجا لمحلّ البحث عن عموم الأدلّة، إنّما هو شبهة عدم إمكان كون المزيل للنجاسة متأثّرا بتلك النجاسة و إلّا لا يزيلها بل يؤكّدها و لا يفيد المحلّ إلّا تنجّسا، و هو خلاف ما قطع بالشرع من صلاحيّة الماء القليل

326

لإزالة النجاسة، فلا جرم يقال: إنّ ملاقاة النجاسة سبب للانفعال إلّا فيما كان مزيلا للنجاسة عن محلّ، فإنّه لا ينفعل بتلك النجاسة.

و ظنّي أنّ هذه الشبهة إنّما تنشأ عن توهّم كون نفس الملاقاة في الغسلة المطهّرة سببا لزوال النجاسة عن المحلّ- كما تقدّم التصريح به في أوّل الاستدلال- فإذا فرض أنّها سبب لزوال النجاسة فكيف يمكن فرض كونها سببا لانفعال الملاقي، إلّا على تجويز التناقض أو الجمع بين النقيضين، و لذا نسب إلى العرف: «أنّه إذا عرض عليهم صيرورة كلّ جزء صغير من الماء بمنزلة عين الأثر الموجود في الثوب من الوسخ أنكروا طهارته به، و إذا عرض عليهم طهارته به أنكروا صيرورته كذلك» الخ.

و أنت خبير بأنّه توهّم فاسد، فإنّ نفس الملاقاة لا تصلح سببا للتطهير و إلّا لما اعتبر فيه العصر و لا الإفراغ، بل السبب حقيقة هو الغسل، و هو شيء لا يتأتّى إلّا مع الملاقاة، لا أنّه نفس الملاقاة، فلم لا يجوز صيرورة الماء بملاقاته المحلّ النجس نجسا، ثمّ إذا تحقّق معه الغسل المعتبر في نظر الشارع باستكمال آدابه و شرائطه و أجزائه أفاد المحلّ الطهارة و زوال النجاسة، مع بقاء الماء المنفصل على ما كان عليه من النجاسة، فإنّ النجاسة فيه قد حصلت بالملاقاة، و طهارة المحلّ قد حصلت بالغسل المتقوّم بتلك الملاقاة، لا بنفس الملاقاة، و لا تنافي بينهما أصلا من جهة العقل، و أمّا من جهة الشرع فهو تابع لدليل الحكمين و المفروض قيامه على كليهما، أمّا الأوّل: فلعموم أدلّة انفعال القليل بملاقاة النجاسة، و أمّا الثاني: فلقضاء الشرع بأنّ الغسل بالماء القليل ممّا يوجب زوال النجاسة عن الثوب و غيره ممّا هو قابل له.

نعم بملاحظة هذا البيان يتّجه أن يقال- في توجيه التخصيص في أدلّة الانفعال-:

إنّ ما قام عليه الدليل إنّما هو كون الغسل بالماء القليل الطاهر سببا لزوال النجاسة عن المحلّ لا مطلقا، فحينئذ يحصل عندنا بملاحظة أدلّة انفعال القليل قضيّتان كلّيّتان:

أحدهما: أنّ الغسل بالماء القليل الطاهر سبب لزوال النجاسة.

و الاخرى: أنّ كلّ ماء قليل ينفعل بملاقاة النجاسة.

و لا يمكن العمل بالقضيّة الاولى مع إبقاء الثانية على عمومها، لأنّ مقتضى هذا العموم صيرورة الماء الملاقي لمحلّ النجس نجسا، و مقتضى صيرورته نجسا عدم تأثيره في

327

زوال النجاسة عن المحلّ، لاختصاص دليل كونه مؤثّرا في ذلك بصورة كونه طاهرا، فلا محالة إمّا أن يرفع اليد عن تلك القضيّة و يقال: إنّ الماء القليل ممّا لا يصلح كونه مؤثّرا في زوال النجاسة، أو عن عموم القضيّة الثانية بتخصيصها بما عدا هذا الماء، و لمّا كان القضيّة الاولى أخصّ منها في الثانية لاختصاصها بما يزيل النجاسة و شمول الثانية له و لغيره، فلا محيص من تخصيص الثانية بها؛ إذ لولاه لزم أن لا يكون لأدلّة هذه القضيّة مورد.

و لكن يدفعه: منع هذه الدعوى، بل بين القضيّتين عند التحقيق عموم و خصوص من وجه، فإنّ الاولى في اقتضاء الطهارة تشمل ما قبل الملاقاة و ما بعدها، و الثانية تشمل هذا الماء و غيره، فيتعارضان في هذا الماء بالقياس إلى حال الملاقاة؛ حيث إنّ الاولى تقتضي فيه الطهارة، و الثانية تقتضي نجاسته، فلا بدّ من الترجيح و مع فقد المرجّح يجب التوقّف و الرجوع إلى الاصول، فعلى فرض التوقّف و إن كان الأصل- حسبما قرّرناه سابقا- يقتضي الطهارة، غير أنّه لا داعي إلى التوقّف لوجود المرجّح في جانب القضيّة الاولى، فإنّ ما فيها من العموم عموم أحوالي و ما في الثانية عموم أفرادي، و من المعلوم بضرورة العرف و اللغة أنّ الدلالة على العموم في الأحوال أضعف منها على العموم في الأفراد، لاستناد الأوّل إلى أمر خارج من اللفظ بخلاف الثاني، و إن كان من جهة الإطلاق، فإذا أوجب رفع اليد عن أحدهما تعيّن الأوّل لضعفه، فيخصّص قولنا: «الماء القليل الطاهر سبب لزوال النجاسة» بما لم يكن نجسا بغير جهة نجاسة المحلّ، و بعبارة اخرى: بما كان طاهرا قبل ملاقاته المحلّ.

لا يقال: كون هذا التصرّف من باب التخصيص الراجح على تخصيص القضيّة الثانية ممنوع، بل هو عند التحقيق تجوّز في لفظة «الطاهر» المأخوذة في القضيّة، فإنّ المشتقّ حقيقة في حال التلبّس، و المراد بها- على ما قرّر في محلّه- اعتبار وجود المبدأ حين اعتبار المتكلّم للنسبة فيما بين المشتقّ و غيره من أطراف الكلام، فقولنا: «الغسل بالماء الطاهر سبب لزوال النجاسة» يقتضي اعتبار طهارة الماء حال الغسل لأنّه معناه الحقيقي، و حمله على إرادة الطهارة قبل الملاقاة يستدعي كونه مرادا منه الماضي، لعود حاصل معنى العبارة إلى أن يقال: الغسل بما كان من الماء القليل طاهرا سبب لزوال النجاسة، فعاد الأمر إلى تعارض المجاز و التخصيص، و من المقرّر في محلّه أولويّة

328

التخصيص، كما أنّ من المقرّر في محلّه أيضا مجازيّة المشتقّ في الماضي.

لأنّا نقول: هذه اللفظة ليست بواردة في الخطاب، و لا أنّ القضيّة المذكورة موجودة بتلك العبارة في كلام الشارع، و إنّما هي قاعدة تستفاد عن مجموع الروايات الواردة في الغسل عن النجاسات الآمرة به، مع ضميمة الإجماعات المتضمّنة لاشتراط ذلك بطهارة الماء و عدم حصوله بغير الطاهر، فإنّ الأخبار الآمرة بالغسل بالماء قد وردت مطلقة، إذ لا تصريح فيها باشتراط الطهارة، و لكنّ الإجماعات المنقولة قد أوجبت فيها التقييد، فحصل من ملاحظة المجموع القضيّة المقيّدة، و كذلك القضيّة الثانية أيضا مستفادة من الروايات الواردة في انفعال ماء القليل، فالمعارضة بينهما في الحقيقة حاصلة فيما بين أدلّة القيد المعتبر في القضيّة الاولى و أدلّة القضيّة الثانية، و النسبة بينهما كما ذكرنا، لعموم الأوّل في الأحوال و عموم الثاني في الأفراد، فيرجّح تخصيص الأوّل لما تقدّم، و قضيّة ذلك كون المشتقّ في القضيّة الاولى مرادا منه الماضي و لا ضير فيه أصلا.

هذا كلّه إذا أردنا استفادة الاشتراط بالطهارة من الإجماعات المنقولة الّتي هي نحو من الأدلّة اللفظيّة، و أمّا إذا أردنا استفادته من الإجماع المحصّل، أو من نفس الأخبار الواردة في الغسل بالماء، بدعوى: أنّها و إن وردت مطلقة بالقياس إلى الطهارة و النجاسة في الماء، غير أنّ المنساق منها بالدلالة الالتزاميّة العرفيّة- نظرا إلى أنّ أذهان المتشرّعة لا تساعد على حصول الغسل بالماء النجس، و إنّما تساعد عليه بالماء الطاهر- اشتراطه بطهارة الماء، فلا حاجة إلى تكلّف الترجيح، بل و لا تتحقّق المعارضة في البين بالنسبة المذكورة، إذ أقصى ما يحصل عليه الإجماع بملاحظة اختلافهم في طهارة ماء الغسالة و نجاسته- إن كان قول محقّق بالطهارة فيما بينهم مطلقا أو في الغسلة المطهّرة- و غاية ما ينساق من الأخبار إنّما هو اعتبار أن لا يكون الماء المعدّ للغسل نجسا قبل الغسل و بغير نجاسة المحلّ، و أمّا اعتبار طهارته حين الغسل فلا.

و قضيّة ذلك تطرّق التصرّف إلى الأخبار الآمرة بالغسل بالماء من باب التقييد، من دون أن يتحقّق هنا معارض بالقياس إلى أدلّة انفعال القليل بالملاقاة في دلالتها على انفعال هذا الماء حين استعماله.

هذا كلّه في دفع المناقشة في أدلّة انفعال القليل إذا كان النظر فيها إلى الأخبار

329

الواردة فيه، و أمّا المناقشة فيها إذا كان النظر فيها إلى الإجماعات، فيدفعها: أنّها إنّما تتّجه لو اريد استفادة الحكم من الإجماع المحصّل الّذي يحصل من ملاحظة فتاوي الأصحاب، بعبارة «أنّ الماء القليل ينفعل بملاقاة النجاسة»، فإنّه مع ملاحظة اختلافهم في نجاسة ماء الغسالة و نجاسته ممّا لا يعقل حصوله على إطلاق هذا العنوان، حتّى بالنسبة إلى ما يستعمل في إزالة النجاسة، فحينئذ لو اريد الاستناد إلى معقد هذا الإجماع على إثبات نجاسة ماء الغسالة، لكان مرجعه إلى الاستناد إلى فتوى من يرى ماء الغسالة نجسا، و هو كما ترى ليس من الاستناد إلى الإجماع في شيء.

و أمّا لو اريد استفادته من الإجماعات المنقولة المتضمّنة للعبارة المذكورة فلا، فإنّ الحجّة حينئذ على القول بحجّيّة الإجماع المنقول- لكونه بمنزلة السنّة- إنّما هي تلك العبارة من حيث إنّها معقد للإجماع، لا من حيث إنّها صادرة من ناقل الإجماع، كما أنّ الاستناد إلى الخبر- لو فرض وروده هنا بتلك العبارة- إنّما هو استناد إلى العبارة من حيث إنّها كلام الحجّة الثابت بنقل الواحد، لا من حيث إنّها صادرة من الراوي، فإنّها من هذه الحيثيّة ليست إلّا حكاية، و الحجّة ليست هي الحكاية بل المحكيّ بتلك الحكاية.

فالعبارة المذكورة من حيث إنّها صادرة من ناقل الإجماع عليها مثلها من حيث إنّها صادرة من راوي السنّة، فكما أنّ العبرة هنا بالمرويّ من حيث إنّه كلام الحجّة، فكذلك العبرة في نقل الإجماع بالمنقول من حيث معقد للإجماع، بل من حيث إنّه كلام الحجّة أيضا، و المفروض أنّه عبارة عامّة تشمل بعمومها لنفسها محلّ البحث أيضا.

و لا ينافيه كون الناقل بنقله لا يريد منه العموم نظرا إلى اعتقاده بطهارة ماء الغسالة، إذ لا عبرة بإرادة الناقل كما أنّ في الروايات لا عبرة بإرادة الراوي، بل العبرة بإرادة الحجّة، فيفرض العبارة المذكورة كالمسموعة بنفسها عن الحجّة، و لم يثبت أنّه أراد منها ما ينافي العموم، فيؤخذ بما هو مفاد أصل العبارة و يلغى ما عداه.

و لكن يشكل ذلك: بأنّ فهم الراوي في نقل الأخبار حيثما علم به متّبع، فلو أنّ هذه العبارة صدرت من الحجّة و فهم الراوي منها الخصوص كان متّبعا، كما أنّه كذلك لو علم أنّه فهم منها العموم، و كذلك ناقل الإجماع، فإنّ إرادته الخصوص إنّما هو من جهة فهمه إيّاه من العبارة المجمع عليها.

330

و يمكن الذبّ عنه: بأنّ لزوم اتّباع فهم الراوي إنّما هو فيما لم يعلم باستناد فهمه إلى مذهبه الحاصل له بالاجتهاد من جهة الخارج، بل فيما إذا كان فهمه ناشئا عن مقتضى متفاهم العرف الكاشف عن مراد المتكلّم، و أمّا إذا نشأ هذا الفهم عن مذهبه الغير الحاصل عن هذا الكلام فلا عبرة به، فإنّ المتّبع حقيقة هو مدلول الكلام بحسب ما اقتضاه التفاهم العرفي، الكاشف عمّا اعتبره المتكلّم في ضميره و ما ينشأ من مذهبه الحاصل من الاجتهاد ليس منه و لا أنّه كاشف عمّا اعتبره المتكلّم، لجواز خطئه في الاجتهاد، و استناده في الاجتهاد إلى ما لا اعتداد به من الأدلّة.

و من هنا يقال: إنّ مذهب الراوي لا يصلح مخصّصا للعامّ، و لا ريب أنّ فهم ناقل الإجماع و إرادته الخصوص من هذا الباب، فالمتّبع في مثل ذلك ما اقتضاه نفس العبارة المجمع عليها دون مذهب الناقل، على أنّ فهم ذلك للخصوص معارض بما فهم الناقل الآخر، فإنّ من الناقلين للإجماع من يقول بعموم العبارة، و يرى ماء الغسالة نجسا، و قضيّة ذلك إلغاء فهميهما و الأخذ بموجب نفس العبارة.

و أمّا المناقشة المذكورة بالنسبة إلى رواية العيص، فيدفعها: ما في الرواية من الجمع في الجواب بين البول و القذر، و إيجاب الغسل في كلّ منهما، إذ ليس كلّ قذر يعتبر فيه التعدّد، و لا أنّ البول فيه عين تحتاج إلى الزوال- سيّما بعد جفافه في المحلّ- فلا وقع لدعوى إمكان حملها على الغالب من اجتماع الغسالتين، و لا لدعوى حملها على ما هو الغالب- على تقدير الاكتفاء بالغسلة الواحدة- من اجتماع الأجزاء المنفصلة عن المحلّ قبل زوال العين.

مع إمكان أن يقال: باستفادة مناط عامّ من الرواية جار في جميع الغسلات الواردة على المحلّ قبل زوال النجاسة عنه، و هو أنّ إيجاب غسل ما أصابه الوضوء إنّما هو لمباشرته النجاسة، و يقوى ذلك الاحتمال على ما في نسخة تلك الرواية- المنقولة في شرح الدروس- من قوله (عليه السلام): «إن كان الوضوء من بول أو قذر فيغسل ما أصابه، و إن كان من وضوء الصلاة فلا يضرّه» (1) فإنّ التفصيل بين الوضوءين يشعر بأنّ مناط الفرق بينهما إنّما هو مباشرة النجاسة و عدم مباشرتها، هذا تمام الكلام في الاحتجاج عن الشيخ أو غيره ممّن

____________

(1) مشارق الشموس: 254.

331

يوافقه على طهارة الغسالة من الغسلة المطهّرة في الثوب خاصّة، أو مطلق المتنجّسات.

و عنه- الاحتجاج على الطهارة مطلقا في الآنية-: بأنّ الحكم بالنجاسة يحتاج إلى دليل و ليس في الشرع ما يدلّ عليه، و بأنّه لو حكم بالنجاسة لما طهّر الإناء أبدا، لأنّه كلّما غسل فما يبقى فيه من النداوة يكون نجسا، فإذا طرح فيه ماء آخر نجس أيضا، و ذلك يؤدّي إلى أن لا يطهر أبدا.

و لا يخفى ما في الأوّل من التدافع بينه و بين ما أقامه دليلا على نجاسة الغسلة الاولى في الثوب، و مع الغضّ عن ذلك فيردّه ما لم نقصر في تقريبه و تتميمه من الدليل المقتضي للنجاسة، و لا حاجة إلى الإعادة و التكرار، كما تبيّن اندفاع وجهه الثاني أيضا بما عرفته بما لا مزيد [عليه] (1) من عدم المنافاة بين حصول الطهر المسبّب عن الغسل و انفعال الماء الّذي يستعمل في ذلك بسبب الملاقاة، فإذا دلّ الدليل عليهما معا يجب القول بهما كذلك إلى أن يقوم الدليل بخلافه، و سيلحقك زيادة توضيح في ذلك عند دفع حجج القول بالطهارة مطلقا، مضافا إلى ما مرّ.

و أمّا رابعها: فالقول بالطهارة مطلقا، و يلزمه أن يكون حكمها حكم المحلّ بعد الغسل، من غير فرق في ذلك بين الغسلة الاولى و الثانية، و لا بين الثوب و الآنية، و لا بين الورودين، بل مقتضى مقابلة هذا القول في كلام الشهيد في الدروس (2) حسبما تقدّم ذكره للقول بالفرق بين الورودين، أن لا يفرّق بين ورود الماء على المتنجّس و عكسه.

و من هنا يتّجه أن يقال: بعدم وجود قائل به فيما بين أصحابنا، و قد تقدّم في عبارة الشيخ في المبسوط (3) إشعار بذلك، فما في المدارك (4) من اختصاص القول بالطهارة بصورة ورود الماء ممّا لم يعرف وجهه، كما أنّ ما في الحدائق عن والده- في دفع ما ادّعاه في المدارك- من أنّه: «لا يخفى ما فيه، لأنّ من جملة القائلين بطهارة الغسالة من قال بعدم نجاسة القليل مطلقا بالملاقاة، و من المعلوم أنّه لا يظهر للشرط وجه» (5) ممّا لا وجه له، فإنّ القول في المسألة إنّما يؤخذ من المتنازعين فيها، و العماني مع من وافقه خارج عن أصل هذا النزاع، لابتنائه على القول بنجاسة القليل بالملاقاة و لو في الجملة.

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2) الدروس الشرعيّة 1: 122.

(3) المبسوط 1: 92.

(4) مدارك الأحكام 1: 122.

(5) الحدائق الناضرة 1: 484.

332

و أضعف منه ما عن كشف الالتباس- عند نقل هذا القول- «من أنّ عليه فتوى شيوخ المذهب، كالسيّد و الشيخ و ابني إدريس و حمزة و أبي عقيل» (1).

فإنّ السيّد له قول آخر في مقابلة هذا القول، و الشيخ غير خبير بإطلاق هذا القول، و إن حكم عليه بالقوّة فيما سبق من عبارة المبسوط (2)، بناء على التوجيه المتقدّم في منع توهّم اختياره، و ابن إدريس له كلام محكيّ عن السرائر يأبى عن ذلك، حيث قال:

«و إن أصابه من الماء الّذي يغسل به الاناء، فإن كان من الغسلة الاولى يجب غسله، و إن كان من الغسلة الثانية أو الثالثة لا يجب غسله، و قال بعض أصحابنا: لا يجب غسله سواء كان من الغسلة الاولى و الثانية، و ما اخترناه هو المذهب الخ» (3). فإنّ هذا الكلام صريح في موافقته أهل القول بالفرق بين الغسلتين.

نعم، كلامه هذا مذيّل بما ينافي ظاهره اختياره هذا المذهب، فإنّه بعد ما ذكر هذا الكلام أخذ بنقل عبارة السيّد المتقدّمة في مسألة الفرق بين الورودين في انفعال القليل، ثمّ قال- بعد نقل هذه العبارة-: «قال محمّد بن إدريس: و ما قوّى في نفس السيّد صحيح، مستمرّ على أصل المذهب، و فتاوي الأصحاب به» 4 انتهى.

فإنّ ذلك يقضي باختياره القول الآتي في الفرق بين الورودين، في مسألة الغسالة الّذي جعله الشهيد و غيره قولا آخر مقابلا للأقوال الاخر.

و لكن يمكن دفع المنافاة بأنّه إنّما تصدّى بنقل عبارة السيّد في مسألة انفعال القليل تنبيها على موافقته للسيّد في تلك المسألة، ليكون نتيجته التنبيه على أنّه في مسألة الغسالة أيضا يعتبر- مع ما تقدّم- ورود الماء على المحلّ، فلازم الجمع بين صدر كلامه و ذيله أنّه يقول بنجاسة الغسالة في الغسلة الاولى، و طهارتها في الغسلة الثانية بشرط ورود الماء على المحلّ، و أمّا مع العكس فلازمه القول بالنجاسة مطلقا، و كيف كان فهو ليس قائلا في الغسالة بالطهارة مطلقا.

و أمّا ابن حمزة، فالمنقول عنه في الذكرى 5، من أنّه و البصروي سويّا بينه و بين

____________

(1) كشف الالتباس 1: 107 و حكى عنه الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في كتاب الطهارة: 1: 316.

(2) المبسوط 1: 92.

(3) 3 و 4 السرائر 1: 180 و 181.

(4) 5 ذكرى الشيعة 1: 84، الوسيلة (ضمن سلسلة الينابيع الفقهيّة 2: 414).

333

رافع الأكبر، لا يساعد على أنّه اختار الطهارة، لما تقدّم الإشارة إليه من أنّ التسوية بينهما لا تقتضي إلّا المشاركة في أصل الحكم دون جهته، فلعلّه في الأوّل من جهة وجود المانع و في الثاني من جهة فقد المقتضي، و نظير هذا التعبير شائع في كلام الفقهاء و أخبار الأئمّة- (سلام اللّه عليهم)- كما لا يخفى على المتتبّع.

و من هنا ظهر ضعف ما في الحدائق (1) من استظهار اختياره عن ابن بابويه في الفقيه، حيث ساوى بينه و بين رافع الحدث الأكبر، و هو طاهر إجماعا، كما سبق الإشارة إليه أيضا.

نعم، عن ابن حمزة كلام آخر ربّما يومئ إلى اختياره، فإنّه- على ما في المحكيّ عنه في الوسيلة- جعل الماء أوّلا عشرة أقسام، و عدّ منها المستعمل، و منها الماء النجس، ثمّ قال: «إنّ المستعمل ثلاثة أقسام: المستعمل في الوضوء، و المستعمل في غسل الجنابة و الحيض و نحوهما، و المستعمل في إزالة النجاسة، و قال: إنّ الأوّل يجوز استعماله ثانيا في رفع الحدث و إزالة الخبث، و الأخيران لا يجوز ذلك فيهما إلّا أن يبلغا كرّا فصاعدا بالماء الطاهر» (2).

ثمّ ذكر في حكم الماء النجس: «أنّه لا يجوز استعماله بحال إلّا حال الضرورة للشرب» (3) فإنّ قرينة المقابلة بين المستعمل و الماء النجس تقضي بأنّ المستعمل بأقسامه الثلاث ليس بنجس، و إلّا لم يكن لذكره مع الماء النجس متقابلين وجه.

و لكن هذه الدلالة ربّما تتوهّن بما اعتبره في تجويز استعمال الأخيرين في رفع الحدث و إزالة الخبث من بلوغهما كرّا بالماء الطاهر، فإنّ ذلك يرجع إلى القول بطهارة القليل النجس بإتمامه كرّا- كما عليه جماعة- و قضيّة ذلك اختياره القول بالنجاسة، حتّى في المستعمل في رفع الحدث الأكبر، و إن ادّعى الإجماع على خلافه في كلام جماعة.

و ممّا يؤيّد أنّه يقول فيه أيضا بالنجاسة، ما نسب إليه من أنّه حكم في الماء القليل بنجاسته بارتماس الجنب فيه، بعد ما حكم بنجاسته بوقوع النجاسة فيه، و لا ينافيه دعوى الإجماع على خلافه، لأنّ ذلك ليس بعادم النظير في المسائل الفقهيّة.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 483.

(2) الوسيلة: (سلسلة الينابيع الفقهية 2: 414).

(3) الوسيلة (سلسلة الينابيع الفقهية 2: 416).

334

و من هذا القبيل أنّه قال بعدم جواز إزالة الخبث بذلك الماء، مع دعوى العلّامة و ولده- على ما حكي عنهما- على الجواز.

فالحقّ: أنّ كلامه في تلك المسألة متشابه، و يناقض بعضه بعضا، فلا يظهر منه اختياره القول بالطهارة هنا، إن لم نقل بظهوره في اختيار النجاسة كما عرفت، و لا ينافيه ما ذكر من قرينة المقابلة، فلعلّ الداعي إلى جعلهما متقابلين كون النجاسة في الماء النجس جزءا للعنوان، إذ مع فرض ارتفاعها بعلاج كإتمامه كرّا مثلا يخرج عن كونه الماء النجس، بخلاف المستعمل في إزالة الخبث، فإنّ النجاسة فيه ليس جزءا للعنوان، فلذا فرض فيه ارتفاع الحكم المذكور من عدم جواز استعماله ثانيا ببلوغه كرّا.

و غرضه بذلك الفرض التنبيه على أنّ المانع عن الاستعمال فيه ليس هو حيثيّة كونه مستعملا في إزالة الخبث، و هو معنون في مقابلة الماء النجس من هذه الحيثيّة، بل المانع هو النجاسة، فإذا ارتفع بالعلاج جاز فيه الاستعمال مع بقائه على عنوان المقتضي لجعله مقابلا و عدّه قسما برأسه، بخلاف الماء النجس المقابل له، فإنّه إذا ارتفع عنه النجاسة بالعلاج خرج عن عنوانه بالمرّة، فإنّه بعد الطهارة لا يكون ماء نجسا.

و أمّا التشريك بينه و بين رافع الحدث الأكبر في المنع عن الاستعمال- بعد بنائه فيه أيضا على النجاسة- لا حكم له في اقتضاء اختياره الطهارة في رافع الخبث، و كذلك على فرض عدم بنائه فيه على النجاسة وفاقا للمعظم، لما سبق من أنّ التشريك في الحكم لا يقتضي التشريك في جهة الحكم.

و من جميع ما ذكر يظهر ضعف ما عن اللوامع (1) أيضا من نسبة القول بالطهارة مطلقا إلى المرتضى و جلّ الطبقة الاولى، كما يظهر عدم دلالة ما عن جامع المقاصد من:

«أنّ الأشهر بين المتقدّمين أنّه غير رافع كالمستعمل في الكبرى» (2) على دعواه الشهرة على الطهارة.

فنتيجة الكلام أنّه لم يثبت في أصحابنا قول صريح و لا ظاهر فيه.

نعم، ربّما يحكى عن الأمين الأسترآبادي كلام هو صريح في الميل إلى الطهارة

____________

(1) حكى عنه الشيخ الأنصاري (رحمه الله) في كتاب الطهارة: 1: 326؛ لوامع الأحكام (مخطوط): 89.

(2) جامع المقاصد 1: 128.

335

مطلقا (1)، و حكي عن ظاهر الشهيد في الذكرى أيضا- كما في المدارك (2)- و اختاره بعض مشايخنا (قدّس سرّه) (3) مع اشتراطه ورود الماء، فهو في الحقيقة اختار القول الآتي في المسألة و هو خامس الأقوال.

و كيف كان فالقول الرابع هو القول بالطهارة مطلقا من غير فرق حتّى بين الورودين، و أمّا أدلّة هذا القول.

فمنها: ما أشار إليه في المدارك (4) من الأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة، نظرا إلى أنّ الروايات المتضمّنة لنجاسة القليل بالملاقاة لا تتناول ذلك صريحا و لا ظاهرا، و تخرج الروايات الدالّة على طهارة ماء الاستنجاء شاهدا، و بملاحظة جميع ما مرّ يظهر ضعف ذلك بل كونه في غاية الضعف.

و منها: أنّه لو انفعل لم يطهّر المحلّ، و التالي باطل إجماعا فكذا المقدّم، و هذا الوجه و ان لم يصرّح بالاستدلال به في هذا المقام، و إنّما صرّح به في كلام السيّد في مسألة انفعال القليل بالقياس إلى الفرق بين الورودين، و لكن يمكن إجراؤه في المقام لعموم مفاده، بل جريانه ثمّة مبنيّ على نهوضه دليلا هنا، كما لا يخفى.

و لكن لقائل أن يقول: إنّه لو تمّ لم يكن قاضيا بالطهارة إلّا في الغسلة الثانية المزيلة لنجاسة المحلّ، لمنع بطلان التالي إذا قرّر لإثبات الطهارة في الغسلة الاولى أيضا، فيكون أخصّ من المدّعى، و لذا عدل عنه الاستاذ مدّ ظلّه في شرح الشرائع (5)، فقرّره على وجه يعمّ الغسلتين، و هو أنّه لو كان نجسا لم يؤثّر في التطهير.

و الجواب: بمطالبة دليل الملازمة، و هو لا يخلو إمّا قاعدة «اشتراط طهارة الماء في إزالة النجاسة»، أو قاعدة «أنّ المتنجّس لا يطهّر» و هي أخصّ من الاولى، أو قاعدة «تنجّس ملاقي النجس»، و لا سبيل إلى شيء منها، سواء استند فيها إلى الإجماعات المنقولة، أو إلى الإجماع المحصّل، أو إلى تتبّع الأخبار الجزئيّة الواردة في الموارد الخاصّة من أبواب الطهارات.

____________

(1) حكاه عنه في الحدائق الناضرة 1: 483.

(2) مدارك الأحكام 1: 122- ذكرى الشيعة 1: 85 حيث اعترف بأنّه لا دليل على النجاسة سوى الاحتياط.

(3) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 338.

(4) مدارك الأحكام 1: 122.

(5) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله) 1: 327.

336

و أمّا على الاوليين بجميع تقاديرهما الثلاث فلما مرّ فيهما من الكلام مستوفى في دفع حجج القول السابق بالفرق بين الغسلتين، فراجع.

و مرجعه إلى منع انعقاد هاتين القاعدتين على تقدير، و منع منافاتهما للانفعال على آخر، إذ لو اريد بالطهارة المشترطة طهارة الماء قبل ملاقاته للمحلّ و حين ملاقاته له، و بالتنجّس المانع عن التطهير تنجّس الماء أعمّ ممّا حصل من نجاسة المحلّ و ما حصل من غيرها سابقا أو لاحقا، فانعقاد أصل القاعدة ممنوع، و سند المنع ما تقدّم، فيبقى عموم قاعدة الانفعال سليما عن المعارض.

و إن عورض بمنع العموم في تلك القاعدة أيضا رجع البحث إلى الدليل السابق، و قد استوفينا فيه الكلام أيضا فيما سبق.

و لو اريد بهما الطهارة و التنجّس في الجملة، و لو بالنسبة إلى ما قبل الملاقاة، أو حينها إذا حصل التنجّس من نجاسة خارجة عن نجاسة المحلّ، فأصل القاعدة مسلّم و لا إشكال فيها أصلا، و لكنّها لا تنافي عموم قاعدة الانفعال، و لو قيل بمنع عموم تلك القاعدة أيضا ليلزم منه صحّة المراجعة إلى الأصل و الأخذ بموجبه عاد الكلام السابق.

و من هنا يتّضح أنّ ما في كلام بعض مشايخنا العظام (قدّس سرّه)- بعد ذكر القاعدتين و إبداء المعارضة بينهما،- من: «أنّ دعوى: أنّه لم يعلم كونها- يعني قاعدة أنّ المتنجّس لا يطهّر- شاملة لمثل المقام ليست بأولى من دعوى: أنّه لم يعلم شمول القاعدة الاولى- يعني قاعدة الانفعال- له» (1) ليس في محلّه.

و العجب أنّه أقعد القاعدة المذكورة رجما بالغيب، و أظهر من نفسه تسليم قاعدة الانفعال، لكن لا إذا استند فيها إلى عموم المفهوم لأنّه غير مسلّم في نظره، بل إذا استند فيها إلى ما قيل: من أنّ المتتبّع لكثير من الأخبار- مضافا إلى حكاية الإجماعات هناك على النجاسة- يستفيد قاعدة و هي: «أنّ الماء القليل ينفعل بالملاقاة»، فتوهّم المعارضة بينهما ثمّ تحرّى في تحصيل المرجّحات للقاعدة الاولى، فلم يأت إلّا بامور واهية لا يكاد يخفى وهنها على الخبير المنصف، و سنشير إليها مع ما يوهنها.

و أمّا على الأخيرة: فلأنّها تعضدنا و لا تنافينا كما لا يخفى، و مع ذلك نقول ما المراد

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 328.

337

بتنجّس ملاقي النجس أو المتنجّس؟ فإن اريد أنّ الماء إذا فرض انفعاله بنجاسة المحلّ كان المحلّ ملاقيا للمتنجّس فيتنجّس به، لا أنّه يطهّر به.

ففيه: أنّه لا ينافي طهره بعد تحقّق ما هو سبب له شرعا، و هو الغسل الّذي لا يتأتّى إلّا بإخراج ذلك الماء المتنجّس عنه بالعصر العرفي أو الإفراغ، على ما يستفاد من الأدلّة من أنّه هو المطهّر حقيقة، و الماء شرط مقوّم له، كما أنّ طهارته بالمعنى المتقدّم شرط له.

و إن اريد به أنّ طهره به إنّما يكون بما إذا تطهّر حال الملاقاة، فإذا فرض أنّ الماء يتنجّس به فلا يتأتّى فيه ذلك فلا يطهّر.

و فيه: أنّ اعتبار ذلك في التطهير ممّا لم يقل به أحد، و لا أنّه ممّا قام عليه دليل بل الدليل على خلافه، كيف و لو صحّ ذلك لقضى بعدم اعتبار التعدّد في التطهير عن بعض النجاسات، بل و بعدم اعتبار العصر في الثياب، و لا الإفراغ في الأواني، و كلّ ذا كما ترى، مع أنّ الفريقين من أهل القول بالطهارة و أصحاب القول بالنجاسة متسالمان على أنّه لا تطهّر ما لم يستكمل الغسل بآدابه و شرائطه.

و قد يعترض أيضا: بأنّ قاعدة نجاسة الملاقي للنجس ممّا لا ريب في شمولها لكلّ من الماء و المحلّ، إذ اللازم من نجاسة الماء بالمحلّ نجاسة المحلّ بالماء لحصول الملاقاة من الطرفين، فالتزام عدم نجاسة الماء- و إلّا لنجس المحلّ و لم يطهّره- ليس بأولى من التزام عدم نجاسة المحلّ به، بل الأوّل أبعد، لأنّ ما تأثّر من الشيء لا يؤثّر فيه ذلك الأثر، نعم لا يبعد أن يؤثّر فيه خلافه بنقل ما فيه إلى نفسه.

و يمكن دفعه: بأنّ المتأثّر عن الشيء لا يمكن كونه علّة محدثة لذلك الأثر في ذلك الشيء، فلم لا يجوز أن يكون علّة مبقية لذلك الأثر فيه؟ إذ ليس معنى تأثّره عنه أنّه ينتقل إليه ذلك الأثر عنه بالمرّة، بل الّذي ينبغي أن يحمل عليه هذه القاعدة في تتميم الاستدلال إنّما هو إرادة البقاء على التنجّس السابق، على فرض تنجّس الماء به، فإنّ ملاقي المتنجّس إمّا أن يحدث فيه التنجّس من جهته إذا كانت الملاقاة مسبوقة بالطهارة، أو أن يستمرّ فيه التنجّس من جهته إذا كانت الملاقاة مسبوقة بالنجاسة، فإنّ أصحاب القول بطهارة الغسالة و كذلك أهل القول بنجاستها لا يدّعون أنّ المحلّ يطهر قبل انفصالها عنه، بل الظاهر أنّه خلاف الإجماع، بل يشبه بأن لا يكون متعقّلا على

338

القول بالنجاسة، بعد فرض استيلاء الماء المتنجّس عليه و نفوذه في جميع أجزائه و أعماقه، و دعوى: كون ذلك مركوزا في أذهان العرف حيث إنّه يفهمون من أدلّة غسل النجاسة بالماء انتقالها عن المحلّ إليه مع طهر المحلّ غير مسموعة، و على فرض صحّة هذه النسبة فلا عبرة بما عند العرف جزما إذا خالف حكم العقل.

نعم، يمكن القول بأنّ النجاسة حينئذ و إن كانت تنتسب إلى المحلّ أيضا و لكنّه بالواسطة، فإنّها قبل ملاقاة الماء للمحلّ كانت قائمة به منتسبة إليه أوّلا و بالذات، و إذا لاقاه الماء انتقلت النجاسة إليه و صارت قائمة به منتسبة إليه أوّلا و بالذات و إلى المحلّ ثانيا و بالعرض، بواسطة استيلاء ذلك الماء عليه و نفوذه في جميع أجزائه و أعماقه، فمعنى طهره قبل الانفصال أنّ النجاسة لا تنتسب إليه أصالة، لا أنّه طاهر مطلقا، و لكنّه مبنيّ على ثبوت أنّها تنتقل عنه إلى الماء الملاقي له بالمرّة، و هو في حيّز المنع، و لا يكفي فيه مجرّد الاحتمال، و مع قيام احتمال الخلاف كان عروض النجاسة للماء و الانتقال إليه مشكوكا فيه مع تيقّن ثبوته للمحلّ قبل الملاقاة، فيخرج الأصل الجاري من الجانبين- أعني أصالة بقاء النجاسة في المحلّ كما كانت و أصالة عدم عروضها للماء- مرجّحا لالتزام عدم نجاسة الماء، و إلّا لنجّس المحلّ و لم يطهّره.

و لكن يرد عليه حينئذ: أنّ طهارة الماء حينئذ ليس من جهة أنّها لولاها لما طهر المحلّ، إذ لا منافاة بين نجاسته و طهارة الماء بتحقّق سببها الشرعي و هو الغسل، بل من جهة الأصل، و مع ذلك فيقع الكلام في صحّة الاستناد إلى هذا الأصل و جريانه، و لعلّه في محلّ المنع، إذ لا مجال له بعد تحكيم قاعدة: «أنّ الملاقي للنجس يتنجّس» المقتضية لتنجّس الماء.

فمن هنا تبيّن أنّ هذه القاعدة لنا لا علينا، فيبقى دعوى الملازمة في أصل الحجّة- على تقدير الاستناد فيها إلى تلك القاعدة- بلا دليل، لأنّا معاشر القول بنجاسة هذا الماء لا ندّعي أنّ المحلّ لا بدّ و أن يطهّر حين ملاقاة الماء، و أنّ طهره بعد الانفصال منوط بطهره حين الاتّصال، بل و لا يقول به أحد، بل ندّعي عدم المنافاة بين نجاسة الماء- بل و نجاسة المحلّ ما دام الماء متّصلا به- و صيرورته طاهر بعد الانفصال، لأنّ لكلّ سببا، و سبب تنجّس الماء المستلزم لتنجّس المحلّ باتّصاله به هو الملاقاة- بناء

339

على عموم قاعدة الانفعال- و سبب طهارة المحلّ بعد الانفصال هو تحقّق الغسل و استكماله بالانفصال، فيجب إعمال السببين لإمكانه و عدم مانع عنه.

ثمّ إنّك قد عرفت أنّ بعض مشايخنا العظام (قدّس سرّه) (1) بعد ما توهّم المعارضة بين قاعدة انفعال القليل و قاعدة أنّ المتنجّس لا يطهّر، بالغ في ترجيح تلك القاعدة على قاعدة الانفعال، و ذكر في ذلك امورا كثيرة، ليس شيء منها بشيء.

منها: ما أشار إليه 2 في صدر البحث، من أنّ الحكم بنجاسة الغسالة مطلقا فيه من العسر و الحرج ما لا يخفى.

و فيه: أنّ هذا كلام لا يساعدنا الوجدان على تعقّله، فإنّا نجد المتشرّعة متحرّزين في جميع الأعصار و الأمصار عن الغسالة بجميع لوازمها العادية من دون أثر للعسر و الحرج فيه، و مع ذلك فهذا العسر إن كان بالنسبة إلى البلّة الباقية في المحلّ فالتزام الحكم بطهارتها لئلّا يلزم العسر و الحرج ليس بأبعد من التزام طهارة الغسالة رأسا لئلّا يلزم العسر و الحرج، مع أنّ في الأوّل جمعا بين القاعدتين: قاعدة الانفعال و قاعدة طهارة المتنجّس بالغسل المستلزمة لطهارة البلّة الباقية، بخلاف الثاني لاستلزامه طرح القاعدة الاولى، و إن كان بالنسبة إلى اليد الغاسلة و غيرها من آلات الغسل فهي ممّا لا بدّ من تنجّسها على كلّ حال، لملاقاتها المتنجّس أو النجس برطوبة، و إلّا لزم طرح قاعدة اخرى و هي: «أنّ ملاقي النجس أو المتنجّس برطوبة يتنجّس»، و مع ذلك أيّ عسر من جهته بعد جريان طريق التطهير و هو الغسل بالقياس إليها أيضا؟ مع قوّة احتمال جريان قاعدة التبعيّة هنا، بل يمكن عليه دعوى السيرة و عمل المتشرّعة.

و هنا احتمالات اخر لتقريب دعوى لزوم العسر و الحرج لا ينبغي الإطناب بذكرها، لخلوّه عن الجدوى، مع أنّ أقصى ما يترتّب على العسر و الحرج المنفيّين في الشريعة إنّما هو رفع التكليف، و هو وجوب التحرّز لا رفع النجاسة، فلا ملازمة أيضا.

و منها: عدم وجود أثر لها- أي لنجاسة الغسالة هنا- فيما وصل إلينا من الأخبار بالخصوص مع عموم البلوى و الابتلاء بها، و اشتمالها على كثير من فروعها الدقيقة مثل القطرات و يد المباشر و نحوهما، و لذلك قال في الذكرى: «و العجب خلوّ كلام أكثر

____________

(1) 1 و 2 كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 328 و 317.

340

القدماء عن الغسالة مع عموم البلوى بها» (1).

و فيه: أنّ مطالبة الأثر في نجاسة الغسالة مع قيام قاعدة انفعال القليل كما ترى، فإنّها على الفرض قاعدة كلّيّة تكفي في معرفة جزئيّاتها ما لم تخرج عنها، و قد قرّرها الشارع و معها لا معنى لمطالبة الدليل في خصوص كلّ مورد من مواردها، و من هنا اتّجه عليه إيراد آخر بالقلب، فإنّه لو كانت الغسالة طاهرة مع اقتضاء قاعدة الانفعال نجاستها لوجب ورود نصّ فيها، كما ورد في طهارة الاستنجاء و نحوه، فخلوّ ما وصل إلينا من الأخبار عن مثل هذا النصّ دليل محكّم على العدم، مع المنع عن خلوّه عن أثر النجاسة، فإنّ رواية العيص (2)- المتقدّمة- كافية في ذلك، و المناقشة فيها سندا أو دلالة مندفعة بما مرّ، ثمّ تخرج رواية عبد اللّه بن سنان (3)- المتقدّمة- أيضا شاهدة.

و منها: تأيّد هذه القاعدة بأصل البراءة، و أصل الإباحة، و أصل الطهارة و استصحابها.

و فيه: أنّ قاعدة الانفعال أيضا متأيّدة بالإجماعات المنقولة- حسبما تقدّم إليها الإشارة- و الشهرة محقّقة و محكيّة، و عدم قائل بالطهارة صريحا من علمائنا السلف أو ندرة، و التأييد بهذه الامور لا يقصر عن التأييد بالاصول بل أولى، كما لا يخفى.

و منها: نسبة ابن إدريس ما قاله المرتضى- في كلامه المتقدّم- إلى الاستمرار على أصل المذهب، و فتاوي الأصحاب به.

و فيه: مع ما عرفت في بحث الورودين من المناقشة في تلك الدعوى- حيث لا موافق له فيها، بل التتبّع في كلمات الفقهاء و ملاحظة سيرة الناس يقضي ببطلانها- أنّها معارضة بدعوى الإجماعات المتقدّمة، و العجب أنّه يغمض عن هذه الإجماعات و يتشبّث بما فيه عندهم ألف كلام.

و منها: أنّ هذه لم يعثر على تخلّفها بالنسبة إلى المياه أبدا، بخلاف الاخرى فإنّها قد تخلّفت في بعض و هو محلّ وفاق، كالاستنجاء و ماء المطر و الجاري، و آخر محلّ خلاف كالحمّام و نحوه.

و فيه أوّلا: أنّه لو اكتفى في دعوى تخلّف قاعدة الانفعال بما هو محلّ خلاف فمثله

____________

(1) ذكرى الشيعة 1: 84.

(2) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 14، الذكرى 1: 84.

(3) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 13، التهذيب 1: 221/ 630.

341

موجود في القاعدة الاخرى بالنسبة إلى المياه، كما في مسألة تتميم القليل النجس كرّا بنجس، على ما نسب إلى ظاهر جماعة يدّعون الطهارة، و استنادها إلى اجتماعهما.

و ثانيا: أنّ موضوع القضيّة في قاعدة: «أنّ المتنجّس لا يطهّر» إن اعتبر جنس المتنجّس من دون تقييده بالماء، فتخلّفها بالنسبة إلى حجر الاستنجاء الّذي هو محلّ وفاق، و إلى الأرض الّتي تطهر باطن القدم و غيره الّذي هو محلّ خلاف، يكفي في إبداء المعارضة.

و إن اعتبر مقيّدا بالماء، فمع أنّه لا داعي إليه- حيث لا قيد له في كلامهم فينبغي أن تلاحظ مطلقة- نحن نقول بموجب القاعدة إن اريد بالتنجّس ما يحصل من غير نجاسة المحلّ، و إلّا فأصل القاعدة غير مسلّمة، مع أنّ التخلّف الخلافي لو صلح موهنا للقاعدة لكان محلّ البحث منه، على أنّه لا يسلّم وجود التخلّف الوفاقي في الطرف المقابل، لأنّه في كلّ من الموارد المذكورة موضع خلاف كما لا يخفى على المتأمّل.

و منها: أنّ قاعدة: «المتنجّس ينجّس» القاضية بتنجّس القليل به في المقام استنباطيّة، و لم يعلم شمولها لمثل [المقام] (1) مع تخلّفها عندهم هنا، فإنّ الماء عندهم ينجّس و لا ينجّس الثوب مثلا به، فإن كان لم يعلم شمول قاعدة: «أنّ المتنجّس ينجّس» للمقام حتّى ينجّس الماء للثوب، فكذلك لم يعلم شمولها له حتّى ينجّس الثوب الماء.

و فيه: إنّا لا نقول بأنّ الماء بعد تنجّسه بالثوب ينجّس الثوب، و لا أنّ الثوب طاهر ما دام هو فيه، بل نقول: إنّه باق على تنجّسه حتّى يستكمل المطهّر و السبب الشرعي للتطهّر و هو الغسل، فإنّا نقول بموجب قاعدة: «أنّ المتنجّس ينجّس» فيما إذا كان الملاقي له قابلا للتنجّس و تجدّده بعدم قيام المانع عنه، و إنّما لا نقول في الثوب بتنجّسه بالماء المشمّس لأنّه باق بعد على نجاسته، فهو ليس قابلا للتنجّس حتّى نقول فيه بموجب القاعدة.

و منها: عسر التحرّز في كثير من المقامات بالنسبة إلى جريانها إلى غير محلّ النجاسة، و بالنسبة إلى مقدار التقاطر و مقدار التخلّف و نحو ذلك، و القول بأنّ المدار في ذلك على العرف، لا أثر له في الأدلّة الشرعيّة، و لو تأمّل الناظر في عمل القائلين بالنجاسة و كيفيّة عدم تحرّزهم عنها، لقطع بأنّ عملهم يخالف ما يفتون به» الخ (2).

____________

(1) زيادة يقتضيها السياق.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الانصارى (رحمه الله)- 1: 331.

342

و فيه: أنّ مبنى عمل القائلين بالنجاسة في الموارد المذكورة إنّما هو على المصاديق العرفيّة، و مع كونه ميزانا في المقام ارتفع الإشكال بحذافيره، و دعوى: أنّ اعتبار العرف ممّا لا أثر له، من أبعد الأشياء الّتي تذكر في المقام، كيف و أنّ مسمّيات الموضوعات ممّا لا يعرف إلّا بمراجعة العرف، و نظيره في المسائل الفرعيّة فوق حدّ الإحصاء، ألا ترى أنّه في مسألة الخليطين بالنسبة إلى غسل الميّت يقتصر فيهما على المسمّى العرفي، و في مسألة السجود على الأرض مثلا يعتبر ما يصدق عليه الاسم عرفا، و كذلك الكلام في الطهورين و غيرهما.

و بالجملة: المتتبّع في الشرعيّات يقطع بأنّ المناط في موضوعات الأحكام إذا كانت لغويّة إنّما هو الصدق العرفي، فكذا المقام و معه لا عسر و لا حرج، و على فرض تسليمهما بالقياس إلى بعض ما ذكر، فهما إنّما يسقطان التكليف دون الوضع، فلا يجب التحرّز لا أنّه لا نجاسة.

و منها: جملة من الروايات الجزئيّة الّتي أخذها بعضهم دليلا من جانب القائلين بالطهارة، و ستسمعها مع ما يدفعها.

و قد يجاب عن أصل الحجّة: بإبداء المعارضة بمثلها، فيقال: بأنّه لو كانت الغسالة طاهرة لجاز التطهّر بها من الحدث، لأنّ التفكيك بينهما يوجب التقييد في إطلاق ما دلّ على جواز رفع الحدث بالماء الطاهر، خرج ماء الاستنجاء عنه كما خرج أحجار الاستنجاء عن الحجّة المذكورة.

و حاصل المعارضة: أنّ هذا الماء قد جمع بين ما هو لازم للطهارة- إلّا ما خرج- و هو تطهير، و ما هو للنجاسة- إلّا ما خرج- و هو عدم جواز رفع الحدث به ثانيا، فأدلّة الملازمتين متعارضة، و أقصى ما يلزم من هذه المعارضة التوقّف، أو الحكم بالتساقط، فيبقى عمومات انفعال القليل سليمة عن المعارض.

إلّا أن يقال- بعد تسليم عموم أدلّة الملازمة الاولى، أعني ما دلّ على الملازمة بين طهارة الماء و التطهير به-: كما أنّها معارضة بأدلّة الملازمة الثانية- أعني الإطلاقات المذكورة القاضية بالملازمة فيما بين عدم جواز رفع الحدث بالماء و نجاسته- كذلك معارضة بأدلّة انفعال القليل، و التعارض بين الكلّ إنّما هو بالعموم من وجه، فيجب

343

التوقّف و الرجوع إلى أصالة عدم الانفعال.

لكن يمكن الذبّ عنه: بأنّ ارتكاب التقييد في دليل واحد و هو دليل الملازمة الاولى- خصوصا مثل هذا الإطلاق الّذي لا نسلّمه إلّا من باب التنزّل و المماشاة- أولى من ارتكابه في الأدلّة المتعدّدة، و هي أدلّة الملازمة الثانية مع أدلّة انفعال القليل، فلا داعي إلى التوقّف و الرجوع إلى الأصل، لأنّهما بعد العجز عن الترجيح على حسب مقتضى القواعد العرفيّة المعمولة في الأدلّة اللفظيّة، و لا عجز هنا.

و منها: طائفة من الأخبار الّتي أوردها شيخنا الاستاذ دام ظلّه (1) بزعم إمكان الاستدلال بها على الطهارة، بل أخذها بعض آخر من مشايخنا في الجواهر (2) مؤيّدة لما اعتمد عليه من قاعدة «أنّ المتنجّس لا يطهّر»، بل جعلها في الحدائق (3) دالّة على الطهارة، و لذا توقّف في المسألة بدعوى: معارضة تلك الأخبار لروايات اخر دالّة على النجاسة، و هي روايات:

منها: رواية الأحول المتقدّمة في بحث الاستنجاء النافية للبأس عنه، المعلّلة بأكثريّة الماء في مقابلة القذر، بقوله (عليه السلام): «أو تدري لم صار لا بأس به؟ قلت: لا و اللّه، قال: لأنّ الماء أكثر من القذر» (4) فإنّ العلّة بعمومها تشمل المقام.

و قد يقرّر: بأن ليس المراد بالأكثريّة مجرّد الكمّ، بل المراد استهلاك القذر في الماء الّذي يورده عليه، فدلّ على أنّ كلّ ماء ورد على قذر فاستهلكه بحيث لم يظهر فيه أوصافه كان طاهرا.

و أجاب عنه الاستاذ (5) بما يرجع محصّله: إلى أنّ تعرّض الإمام (عليه السلام) بعد نفيه البأس عن الماء المفروض في السؤال للتعليل بالعلّة المذكورة، يدلّ على أنّ الحكم الوارد في الرواية إنّما ورد على خلاف القاعدة، لأنّه تعرّض لذلك بعد أن سكت، فكأنّه فهم من حال السائل في زمان سكوته أنّه استبعد ذلك الحكم، لما ركز في ذهنه من أنّ مقتضى

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 330.

(2) جواهر الكلام 1: 621.

(3) الحدائق الناضرة 1: 486.

(4) الوسائل 1: 222 ب 13 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 2، علل الشرائع 1: 287.

(5) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 331.

344

القاعدة خلاف ذلك، فقال: «أ و تدري لم صار لا بأس به» دفعا للاستبعاد، مريدا به أنّ هذا الحكم ما جعل على خلاف القاعدة المركوزة في ذهنك، و الّذي يشعر بذلك أنّه عبّر عن جعل هذا الحكم بلفظ «صار» الّذي يدلّ على الانتقال، و معناه أنّ هذا الحكم خارج عن مقتضى [القاعدة]، و العلّة في خروجه أنّ الماء أكثر من القذر، و معه لا يمكن التمسّك بعموم تلك العلّة، لأنّ الحكم الخارج على خلاف القاعدة هنا طهارة ماء الاستنجاء، فحينئذ إمّا أن يريد الإمام (عليه السلام) بقوله: «أو تدري لم صار لا بأس به» بيان أنّ طهارة ماء الاستنجاء من حيث كونه ماء قليلا ملاقيا للنجاسة خارجة عن مقتضى القاعدة، أو يريد به بيان أنّ طهارة ماء الاستنجاء من حيث كونه غسالة خارجة عن مقتضى القاعدة، أو يريد به بيان أنّ طهارة ماء الاستنجاء من حيث كونه ماء استنجاء خارجة عن القاعدة.

فان كان الأوّل: يدلّ على عدم انفعال القليل بالملاقاة، كما توهّم مستدلّا بتلك الرواية.

و إن كان الثاني: يدلّ على طهارة الغسالة كائنة ما كانت.

و إن كان الثالث: يدلّ على طهارة ماء الاستنجاء خاصّة.

و لكن لا سبيل إلى الأوّل إذ لا قاعدة في مقابلة عدم انفعال القليل، ليكون ذلك على خلافها مخرجا عنها، بل هو على تقدير ثبوته حكم موافق للقاعدة، لأنّ القاعدة الأولويّة في الماء الطهارة بخلاف الأخيرين، إذ يمكن فرض قاعدة في مقابلتهما بكون الحكم فيهما مخالفا لها، إذ على أوّلها يكون الحكم المذكور مخالفا لقاعدة انفعال القليل بالملاقاة، و على ثانيهما يكون مخالفا لقاعدة نجاسة الغسالة، و الاستدلال بالرواية على طهارة مطلق الغسالة لا يتمّ إلّا على تقدير تعيّن أوّل الاحتمالين في كونه مرادا، و لا معيّن له في الكلام.

و التشبّث بالعموم ممّا لا معنى له، لأنّه لو كان لقضى بعدم انفعال القليل مطلقا، و قد فرضنا عدم إمكان إرادته، و المفروض أنّ المستدلّ أيضا لا يقول به، بل هو ممّن يقول بالانفعال، فصارت العلّة الواردة في الرواية مجملة، و معه سقط بها الاستدلال جدّا.

أقول: إنّه مدّ ظلّه و إن أجاد فيما أفاد، و أتى في منع الدلالة بما لم يأته إلّا ذو القوّة القدسيّة، و صاحب الملكة القويّة المستقيمة، إلّا أنّ فيه بعد إشكالا لم يتعرّض هو لدفعه،

345

مع إمكان المناقشة فيه: بأنّ العلّة إذا كانت بنفسها عامّة، فغاية ما يلزم ممّا ذكر في نفي إرادة المعنى إنّما هو ورود تخصيص عليها، و من المقرّر أنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي بعد التخصيص، أي ظاهر في تمام الباقي لا أنّه مردّد بينه و بين البعض منه، فإنّه لو حملناها على إرادة المعنى الثاني لحملناها على تمام الباقي بعد التخصيص، و لو حملناها على إرادة المعنى الثالث لحملناها على البعض منه، و حيث إنّ البعض الآخر لا يعلم له مخرج فيجب الحمل على الجميع، و معه يتمّ الاستدلال فيها.

و أمّا الإشكال المشار إليه فهو أنّ اللازم من الحمل على أحد المعنيين الأخيرين دون الأوّل أن تكون الرواية فارقة بين أقسام القليل الملاقي للنجاسة، مفصّلة فيها بالحكم على البعض بالطهارة دون البعض الآخر، و العلّة المأخوذة لذلك الحكم هي أكثريّة الماء، و هذه العلّة كما أنّها تجري بالقياس إلى الاستنجاء، كذلك تجري بالقياس إلى مطلق الغسالة، و كما أنّها تجري في الغسالة كذلك تجري في مطلق القليل، و من القبيح عقلا المستقبح عرفا تعليل الفرق بين شيئين أو أشياء بعلّة مشتركة بين الجميع، فإنّ علّة الحكم المخصوص بشيء لا بدّ و أن يكون من خصائص ذلك الشيء و إلّا لما اختصّ الحكم به، لئلّا يلزم تخلّف المعلول عن العلّة.

فالأولى أن يقال في الجواب- بعد البناء على كون التعليل في معرض بيان كون الحكم المذكور على خلاف مقتضى القاعدة، حسبما ذكر-: إنّ المراد بأكثريّة الماء بالقياس إلى القذر ليس هو الأكثريّة الحسيّة، ليلزم أحد المحذورات ممّا ذكر في نفي احتمال المعنى الأوّل، و ما أشرنا إليه من الإشكال بالقياس إلى المعنى الأخيرين- و لو فسّرت بما يوجب الاستهلاك- بل المراد بها الأكثريّة المعنويّة، الّتي يرادفها القوّة العاصمة، فيكون معنى التعليل: أنّ هذا الماء فيه قوّة تعصمه عن الانفعال بذلك القذر، و ليس في القذر في مقابلته قوّة تزاحم ما في الماء و تترجّح عليه فتوجب انفعاله، و هذه القوّة ممّا لا يدري أنّها هل هي الحيثيّة الاستنجائيّة اللاحقة بالماء، أو الحيثيّة المطهّريّة عن الخبث العارضة له، أو مجرّد كونه ماء، فتكون العلّة مجملة و القدر المتيقّن منها الحيثيّة الاولى، لأنّها حاصلة على جميع التقادير في ماء الاستنجاء المسئول عنه، فلا يظهر من الرواية حكم الماء القليل مطلقا، و لا حكم مطلق الغسالة، فسقط الاستدلال

346

بها على عدم انفعال القليل بالملاقاة، و لا طهارة الغسالة على الإطلاق، و إلى هذا المعنى- من دعوى إجمال العلّة- أشرنا في بحث انفعال القليل.

و منها: ما ورد في بول الصبيّ من الروايات الآمرة بصبّ الماء عليه (1).

و أجاب عنه الاستاذ دام ظلّه: «بأنّها لا تدلّ على طهارة غسالته المنفصلة، و نحن لا نقول أيضا بنجاسة ما لا يلزم انفصاله عن المحلّ» (2) و هو أيضا في غاية الجودة كما لا يخفى.

و منها: ما ورد في غسالة الحمّام الّتي لا تنفكّ عادة عن الماء المستعمل في إزالة النجاسة، كمرسلة أبي يحيى الواسطي عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال:

«سئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس تصيب الثوب؟ قال: لا بأس به» (3).

و فيه: أنّ غسالة الحمّام بنفسها عنوان آخر، و لهم فيه كلام آخر يأتي إيراده، و لعلّ البناء فيها على الطهارة، فلا مدخل لها في محلّ البحث، على أنّ الكلام في غسالة الحمّام- على ما يأتي بيانه- فيما لم يعلم بملاقاة النجاسة و لا بعدم ملاقاته.

و دعوى: أنّ الغالب فيها إزالة الخبث بها، فيحمل الرواية على الغالب.

يدفعها: المعارضة بأنّ الغالب فيها أيضا ملاقاة نجس العين من أصناف الكفّار، من المجوسي و النصراني و اليهودي، و غيرها من أنواع النجاسات كالبول و المنيّ، الحاصل ملاقاتهما من غير جهة الإزالة ليكون من محلّ البحث، فلو بنى على حملها على الغالب لكان ذلك من جملة المحمول عليه، و لازمه عدم انفعال القليل رأسا، و لا يقول به المستدلّ، و مع قيام الأدلّة على الانفعال فلا بدّ من حمل الرواية على ما لا ينافيها، و هو مورد النادر. و دعوى: أنّ النادر ما لم يلاق نجس العين ليست بأولى من دعوى: أنّ النادر ما لم يستعمل في إزالة الخبث، أو ما لم يلاق نجس العين و لم يستعمل في إزالة الخبث.

و منها: رواية الذّنوب (4) الواردة في أمر النبيّ (صلى الله عليه و آله) بتطهير المسجد من بول الأعرابي

____________

(1) انظر الوسائل 3: 397 روايات ب 3 من أبواب النجاسات.

(2) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 333.

(3) الوسائل 1: 213 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 9- الكافي 3: 15/ 4.

(4) و هي ما رواه أبو هريرة قال: دخل أعرابي المسجد فقال: اللّهم ارحمني و ارحم محمّدا و لا ترحم معنا أحدا، فقال رسول اللّه (صلى الله عليه و آله): «لقد تحجّرت واسعا» قال: فما لبث أن بال في ناحية المسجد، فكأنّهم عجلوا إليه، فنهاهم النبيّ (صلى الله عليه و آله) ثمّ أمر بذنوب من ماء فاهريق، ثمّ قال:-

347

بصبّ ذنوب من الماء عليه، و عن الخلاف في وجه الاستدلال: «أنّ النبيّ (صلى الله عليه و آله) لا يأمر بطهارة المسجد بما يزيده تنجيسا» (1) فيلزم أن يكون الماء باقيا على طهارته.

و فيه: ما عن المعتبر عن الخلاف من أنّه بعد حكايتها قال: «إنّها عندنا ضعيفة الطريق، لأنّها رواية أبي هريرة، و منافية للأصول، لأنّا بيّنّا أنّ الماء المنفصل عن محلّ النجاسة نجس، تغيّر أم لم يتغيّر، لأنّه ماء قليل لاقى نجسا» (2).

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم (3) المرويّة في المركن، الآمرة بغسل الثوب فيه مرّتين، و في الماء الجاري مرّة واحدة، و قيل في وجه الدلالة: أنّ نجاسة الغسالة توجب نجاسة المركن فلا يطهّر الثوب بالغسلة الثانية، خصوصا مع عدم إحاطتها بجميع ما تنجّس منه بالأولى.

و فيه أوّلا: عدم دلالتها على ملاقاة الثوب للمركن بوروده على الماء الّذي هو في المركن، أو بورود الماء عليه و هو في المركن، لجواز أن يكون المراد غسله بالقليل الّذي يصبّ عليه من الآنية و نحوها، على وجه ينفصل منه الغسالة إلى المركن و تدخل فيه، و قضيّة ذلك طهارة الثوب بالغسلتين، مع سكوت الرواية عمّا في المركن من الغسالة.

و ثانيا: منع دلالتها على ملاقاة الثوب للمركن و هو باق على نجاسته الحاصلة بالغسلة الاولى، بجواز لزوم غسله بعد الاولى ثمّ إيقاع الغسلة الثانية فيه أيضا، و لا ينافيه عدم تعرّض الرواية لبيان ذلك، لجواز أنّ الراوي كان عالما به، و إنّما وردت الرواية لبيان حكم اعتبار التعدّد في الغسل عن البول إذا كان بالقليل.

____________

- «علّموا و يسّروا و لا تعسّروا»- سنن ابن ماجة 1: 176 ح 529، 530- سنن الترمذي 1: 275 ح 147، 148؛ سنن أبي داود 1: 103 ح 380، 381- الذّنوب: الدلو العظيم. لا يقال لها: «ذنوب» إلّا و فيها ماء. مجمع البحرين؛ مادّة «ذنب» 2: 60.

(1) الخلاف 1: 495 المسألة 235.

(2) المعتبر: 1: 449.

(3) و هي ما رواه في الوسائل و التهذيب- في الصحيح- عن محمّد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول؟ قال: «اغسله في المركن مرّتين، فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة».

قال الجوهري في الصحاح: المركن: الإجانة الّتي تغسل فيها الثياب، الوسائل 3: 397 ب 2 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 250/ 717.

348

و ثالثا: منع منافاة نجاسة المركن بالغسلة الاولى لطهر الثوب بالغسلة الثانية، إذا وقعت عليه مستكملة بإخراج الغسالة عنه بعد رفعه عن المركن، و النجاسة الحاصلة فيه بالغسلة الاولى لا تزيد على نجاسة البلّة الباقية في الثوب عن الاولى، و لا على نجاسة اليد المباشرة له في الغسل، و كما أنّهما لا تؤثّران في تنجّس الثوب ثانيا، و لا تنافيان طهره باستعمال الغسل الشرعي، فكذلك نجاسة المركن، لأنّ الجميع من واد واحد، و دعوى، كون ما فيه قادحا دون ما في البلّة و اليد تحكّم، و من هنا ترى أنّ العلّامة (1) أفتى بموجب تلك الرواية، و حكم بأنّ الثوب يخرج طاهرا و المركن و ما فيه يكون نجسا، مع احتمال طهر المركن بالتبعيّة إذا أفرغ منه الغسالة كاليد المباشرة.

و منها: رواية إبراهيم بن عبد الحميد قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الثوب يصيبه البول فينفذ إلى الجانب الآخر، و عن الفرو و ما فيه من الحشو؟ قال: «اغسل ما أصاب منه، و مسّ الجانب الآخر، فإن أصبت شيئا منه فاغسله، و إلّا فانضحه» (2). و تقريب الدلالة فيها- على ما أشار إليه في الحدائق: «أنّه لو تنجّس الماء الوارد بالملاقاة لكان النضح سببا لزيادة المحذور، فكيف يؤمر به» (3).

و فيه: مع أنّه لو تمّ لقضى بعدم انفعال الماء في صورة وروده على النجاسة، و إن لم يكن في مقام الغسل و الإزالة ليدخل في عنوان «الغسالة»، ضرورة، أنّ النضح ليس بغسل، و المستدلّ ممّن لا يقول به أنّه خارج عن المتنازع فيه، إذ النضح إنّما يكلّف به في موضع عدم إصابة شيء من البول، فلم يعلم ملاقاته للنجاسة، و عدم العلم بالملاقاة كاف في الحكم بعدم النجاسة، فالنضح حينئذ إمّا تعبّد صرف يكلّف به في موضع الاحتمال، أو أنّ الأمر به في الرواية مبالغة في الحكم بعدم النجاسة مع عدم العلم بها بعد التحرّي و الفحص.

و حاصله: إفادة أنّ احتمال النجاسة في عدم اقتضاء الغسل أو وجوب الاجتناب بحيث يجوز معه مباشرة المحلّ و ملاقاته بالرطوبة، و إن شئت فانضح موضع الاحتمال،

____________

(1) منتهى المطلب 1: 146.

(2) الوسائل 3: 400 ب 5 من أبواب النجاسات ح 2- و فيه «و إلّا فانضحه بالماء»- الكافي 3: 55/ 3- النضح «الرشّ».

(3) الحدائق الناضرة 1: 486.

349

و على هذا المعنى يحمل صحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الصلاة في البيع، و الكنائس، و بيوت المجوس، فقال: «رشّ و صلّ» (1) و التعبير عن نفي آثار معلومة عن شيء مفروض بنظائر هذه العبارة، كثير شائع في العرفيّات كما لا يخفى.

فما في الحدائق- الاستدلال بتلك الرواية أيضا بالتقريب المتقدّم- من: «أنّه لو تنجّس الماء الوارد بالملاقاة لكان الرشّ سببا لزيادة المحذور» (2) ممّا لا وجه له أصلا.

و العجب منه أنّه استند إلى تلك الروايات بزعم دلالتها على الطهارة فارقا بينها و بين الطهوريّة، فحكم بعدمها عملا بالأصل الّذي لا يخرج عنه هنا 3، ثمّ توقّف في آخر كلامه، قائلا: «و بالجملة عندي محلّ توقّف و الاحتياط فيها لازم» 4 نظرا منه إلى جملة اخرى من الروايات الدالّة على النجاسة، كما تقدّم في مبحث نجاسة الماء القليل بالملاقاة من الأخبار الدالّة على إهراق ماء الركوة و التور و نحوهما، ممّا وضع فيها إصبع أو يد فيهما قذر، فإنّ إطلاق تلك الأخبار شامل لما لو كان بقصد الغسل أم لا، بل [و لو لم يكن بقصد الغسل، فإنّه يجب الحكم بالطهارة متى زالت العين و لم يتغيّر الماء] 5 بمجرّد ذلك الوضع، و نحوها في الدلالة ما ورد من إيجاب تعدّد الغسل فيما ورد فيه، و عدم تطهير ما لا يخرج عنه الماء إلّا بالكثير، فإنّه لا وجه لهذه الأشياء على تقدير القول بطهارة الغسالة، و ما اجيب عن ذلك من كون ذلك تعبّدا بعيد جدّا» 6 انتهى.

و كلّ ذلك كما ترى خروج عن طريق الاجتهاد، و عدول عن جادّة الاستنباط.

ثمّ إنّه بعد ما استظهر من الأخبار المتقدّمة الدلالة على الطهارة، و ضمّ إليها الحكم بعدم الطهوريّة، أسند إلى الأمين الأسترآبادي الميل إلى هذا القول، ناقلا كلامه بأنّه- بعد الكلام في المسألة- قال: «ملاحظة الروايات الواردة في أبواب متفرّقة تفيد ظاهرا لطهارة غسالة الأخباث و سلب طهوريّتها بمعنى رفع الحدث، و لم أقف على دلالة سلب طهوريّتها بمعنى إزالة الخبث، و الأصل المستصحب بمعنى الحالة السابقة،

____________

(1) الوسائل 5: 138 ب 13 من أبواب مكان المصلّي ح 2- التهذيب 2: 222/ 875.

(2) 2- 4 الحدائق الناضرة 1: 486 و 487 و 488.

(3) 5 سقط ما بين المعقوفين من قلمه الشريف في نسخة الأصل و لذا أدرجناه في المتن لاستقامة العبارة.

(4) 6 الحدائق الناضرة 1: 488.

350

و أصالة الطهوريّة بمعنى القاعدة الكلّيّة، و البراءة الأصليّة بمعنى الحالة الراجحة، و العمومات تقتضي إجراء حكم الطهوريّة بهذا المعنى إلى ظهور مخرج، و اللّه أعلم» (1).

و أمّا خامسها: فالقول بالطهارة إذا ورد الماء على المحلّ، و لازمه النجاسة إذا انعكس الأمر، و أمّا أنّ المحلّ هل يطهّر حينئذ أو لا يطهّر؟ فمبنيّ على مسألة كيفيّة التطهير المفروضة في اشتراط ورود الماء على المحلّ المغسول و عدمه، و من هنا يظهر أنّ هذا القول ينحلّ إلى قولين، و كيف كان فهذا ممّا عدّه الشهيد في عبارته المتقدّمة من الدروس (2) قولا برأسه، مقابلا للأقوال الاخر في المسألة.

و لمناقش أن يناقش فيه بدعوى: أنّه ليس من أقوال تلك المسألة مقابلا للقول بالطهارة، بل هو جمع بين القول بالطهارة هنا و القول باشتراط الورود في المسألة المشار إليها.

و بيان ذلك: أنّ الفقهاء عندهم نزاعان، أحدهما: ما في مسألة الغسالة، من أنّها هل هي طاهرة أو لا؟ و الآخر: ما في مسألة الغسل عن الأخباث، من أنّه هل يشترط فيه ورود الماء على المغسول أو لا؟ فإذا اتّفق أحد قال بالطهارة في الاولى و اشتراط الورود في الثانية، كان قائلا بطهارة الغسالة إذا ورد الماء على المحلّ، و معه فلا ينبغي عدّ ذلك قولا برأسه مقابلا للقول بالطهارة هنا.

بل ربّما يمكن أن يقال: بأنّ هذا لا يدخل في أقوال تلك المسألة أصلا، بل هو جمع بين القول بعدم انفعال الماء القليل في صورة وروده على النجاسة مع القول باشتراط الورود في مسألة الغسل، و هذا هو الظاهر من كلام السيّد (3) فيما تقدّم، و قد عرفت آنفا موافقة الحلّي (4) له، و تبعهما صاحب المدارك (5)، و يستفاد اختياره من تضاعيف كلام بعض من عاصرناه من مشايخنا العظام (6).

و احتجّ في المدارك على الطهارة: «بالأصل السالم عمّا يصلح للمعارضة، فإنّ الروايات

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 487.

(2) الدروس الشرعيّة 1: 122.

(3) و هو السيد المرتضى (قدّس سرّه) في الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 136- المسألة الثالثة).

(4) السرائر 1: 181.

(5) مدارك الأحكام 1: 121.

(6) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 315.

351

المتضمّنة لنجاسة القليل بالملاقاة لا تتناول ذلك صريحا و لا ظاهرا، و تخرج الروايات الدالّة على طهارة ماء الاستنجاء شاهدا» (1) و على اعتبار الورود «بأنّ أقصى ما يستفاد من الروايات انفعال القليل بورود النجاسة عليه، فيكون غيره باقيا على حكم الأصل» 2.

و محصّل الوجهين يرجع إلى الاستدلال على النجاسة في صورة ورودها على الماء بروايات انفعال القليل بالملاقاة، و على الطهارة في صورة العكس، بالأصل بعد المنع عن تناول تلك الروايات لهذه الصورة، فالعمدة في ذلك الدليل حينئذ دعوى: عدم تناول أدلّة انفعال القليل لصورة ورود الماء، و قد بيّنّا بطلان تلك الدعوى بما لا مزيد و في غير موضع، فلا حاجة إلى إعادة الكلام.

و عن السيّد الاحتجاج: «بأنّا لو حكمنا بنجاسة الماء القليل الوارد على النجاسة، لأدّى ذلك إلى أنّ الثوب لا يطهّر من النجاسة إلّا بإيراد كرّ من الماء عليه، و التالي باطل بالمشقّة المنتفية بالأصل فالمقدّم مثله، و بيان الشرطيّة: أنّ الملاقي للثوب ماء قليل فلو نجس حال الملاقاة لم يطهر الثوب، لأنّ النجس لا يطهّر غيره» 3.

و لا يخفى أنّ دعوى تلك الملازمة إنّما تستقيم إذا كان في مسألة تطهير الثوب قائلا باعتبار ورود الماء، و إلّا لكان الدليل على فرض تماميّته قاضيا بعدم انفعال القليل مطلقا كما عليه العماني، و هو لا يقول به ظاهرا، و حيث إنّ هذه الملازمة مستندة إلى قاعدة أنّ النجس لا يطهّر، فمنعها عندنا سهل، بعد ما استوفينا الكلام في منع القاعدة المذكورة على إطلاقها، ففيما تقدّم مفصّلا كفاية- في الجواب عن هذا الدليل- عن إطالة الكلام هنا.

و أجاب عنه العلّامة في المختلف بالمنع من الملازمة أيضا، قائلا: «بأنّا نحكم بتطهير الثوب و النجاسة في الماء بعد انفصاله عن المحلّ» 4 و الفرق بينه و بين مقالتنا أنّا نحكم بالنجاسة حال الاتّصال و بعد الانفصال معا و لا منافاة، و هو لا يحكم بالنجاسة إلّا بعد الانفصال و زوال الملاقاة الّتي هي السبب في انفعاله.

____________

(1) 1 و 2 مدارك الأحكام 1: 122.

(2) 3 راجع المسائل الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهية 1: 136، المسألة الثالثة) نقلا بالمعنى.

(3) 4 مختلف الشيعة 1: 239.

352

و من هنا اعترض عليه في المدارك: «بأنّ ضعفه ظاهر: لأنّ ذلك يقتضي انفكاك المعلول عن علّته التامّة، و وجوده بدونها، و هو معلوم البطلان» (1) فإنّه متّجه قطعا، و لا يمكن التفصّي عنه، و مراده بالعلّة هي الملاقاة حسبما اقتضته الأدلّة و كلام الأعلام، فما في حاشية هذا الكلام للمحقّق البهبهاني من: «أنّه لا يخفى أنّه لم يظهر أنّ العلّة ما هي؟

حتّى يعترض عليه بذلك» (2) ليس على ما ينبغي.

و أمّا الكلام في اعتبار الورود و عدمه، فهو ممّا لا يتعلّق بالمقام، و يأتي البحث عنه في محلّه.

و أمّا سادسها: فالقول بالنجاسة مطلقا و إن كان بعد طهارة المحلّ، بمعنى: أنّ الماء المنفصل عن كلّ غسلة نجس، و إن ترامت الغسلات إلى ما لا نهاية له، و عن الشهيد في حاشية الألفيّة: «أنّه حكاه عن بعض الأصحاب» (3).

و في الحدائق: «عن الشيخ المفلح الصيمري- في شرح كتاب موجز الشيخ ابن فهد- أنّه نقل عن مصنّفه أنّه نقل في كتاب المهذّب و المقتصر هذا القول عن المحقّق و العلّامة، و ابنه فخر الدين، ثمّ نسبه في ذلك إلى الغلط الفاحش و السهو الواضح» (4) انتهى.

و لعلّه إلى ابن فهد يشير ما في المدارك- بعد نقله هذا القول-: «من أنّه ربّما نسب إلى المصنّف و العلّامة»- ثمّ ردّه بقوله: «و هو خطأ، فإنّ المسألة في كلامهما مفروضة فيما يزال به النجاسة، و هو لا يصدق على الماء المنفصل بعد الحكم بالطهارة» (5).

و عن الروض- أنّه بعد ما نقل القول المذكور، نقل: «أنّه قائله» يعني ابن فهد (6).

و كيف كان: هذا القول- مع أنّه غريب مقطوع بفساده، لمخالفته الاصول المحكمة، و القواعد المتقنة و غيرها من الأدلّة الشرعيّة، فالمحكيّ من حجّته أيضا قاصر عن إفادته، و هو: أنّه ماء قليل لاقى نجاسة.

و بيانه: أنّ طهارة المحلّ بالقليل على خلاف الأصل- المقرّر من نجاسة القليل

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 121.

(2) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 186.

(3) المقاصد العليّة و حاشيتا الألفيّة: 162- 475؛ أيضا حكاه عنه في روض الجنان: 159.

(4) الحدائق الناضرة 1: 485.

(5) نسبه إليهما الشهيد في ذكرى الشيعة 1: 84.

(6) لم نجده في روض الجنان.