ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
353

بالملاقاة- فيقتصر فيه على موضع الحاجة و هو المحلّ دون الماء، و لا خفاء ما فيه من الفساد، لو كان دليلا على النجاسة في جميع الغسلات حتّى بعد طهارة المحلّ، لوضوح امتناع صغراه بعد فرض الطهارة في المحلّ، فإنّ كبراه- على ما هو المصرّح به في العبارة- كلّيّة انفعال القليل بملاقاة النجاسة، و لا تتمّ هي دليلا إلّا بعد انضمام الصغرى إليها، و هي: أنّ هذا الماء- أي المنفصل عن المحلّ- بعد طهره ملاق للنجس، و هو كما ترى بعد فرض الطهارة ممّا يبطله دليل الخلف.

نعم، يمكن بعيدا توجيهه: بكونه مبنيّا على نجاسة البلّة الباقية في المحلّ بعد طهارة المحلّ- على القول بنجاسة الغسالة- كما هو أحد الاحتمالات المتقدّمة فيه، فإنّها باقية على النجاسة و إن طهر المحلّ، فحينئذ فكلّما غسل هذا المحلّ كان الماء الملاقي له ملاقيا لتلك البلّة فيكون ملاقيا للنجس، و هو صغرى الدليل فيضمّ إليها الكبرى الكلّيّة و يحصل المطلوب، لكن فيه: ما عرفت آنفا من أنّ نجاسة البلّة الباقية بعد طهارة المحلّ ممّا لم يقل به أحد، و لا حكي القول به، و إنّما هو مجرّد احتمال يذكر في المقام، مع ما عرفت من فساده في نفسه، و عدم تعقّل مجامعة نجاستها لطهارة المحلّ، مضافا إلى الوجوه الاخر القاضية بطهارتها.

و بالجملة: فهذا القول بظاهره في غاية السخافة و نهاية الغرابة.

و من هنا قد يوجّه كلام هذا القائل- كما في شرح الشرائع للأستاذ مدّ ظلّه- بأنّه:

«إذا فرض تحقّق الغسلة المطهّرة، و لكن لم ينفصل الماء عن المحلّ، فالمحلّ طاهر و الماء الموجود فيه نجس، فإذا غسل مرّة اخرى لاقى ماؤه الماء الباقي من الغسل المطهّر- و المفروض أنّه نجس، و إن طهر المحلّ- فينفعل به الماء الثاني» (1)، إلى أن قال-: «و حينئذ فإذا فرض نجاسة غير المنفصل، فكلّما لاقاه الماء نجس به، و إن ترامى إلى غير النهاية» 2، ثمّ قال: «و هذا قول حسن جدّا، بل هو الّذي ينبغي أن يقول به كلّ من يقول بنجاسة الغسالة، لأنّ النجاسة لا تختصّ بما بعد الانفصال،- كما يظهر من العلّامة في المختلف 3- حتّى يورد عليه- كما في الذكرى 4- بلزوم تأخّر المعلول

____________

(1) 1 و 2 كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 338.

(2) 3 مختلف الشيعة 1: 239.

(3) 4 لم نعثر على هذا الإيراد في الذكرى. نعم هو موجود في روض الجنان: 159.

354

و هو النجاسة عن العلّة و هي الملاقاة» (1) انتهى.

و هذا توجيه وجيه، و إن كان خلاف ظاهر الحكاية بل صريحها، و ما ذكرناه أوجه، و إن كان فاسدا في نفسه.

ثمّ إنّ لنا في حكمه- مدّ ظلّه- بطهارة المحلّ مع نجاسة ما لم ينفصل عنه من الماء إشكالا، قد تقدّم بيانه.

فأوّلا: لأنّه كيف يعقل الطهارة فيه مع نجاسة ما نفذ في جميع أعماقه، إلّا أن يراد بالطهارة زوال نجاسته الأصليّة، و هذا الموجود نجاسة في الماء عرضيّة، تنسب إلى المحلّ تبعا و عرضا.

و ثانيا: لأنّ المطهّر الشرعي- و هو الغسل- بعد لم يتحقّق قبل انفصال الماء المنصبّ عنه، فكيف يحكم عليه بالطهارة قبل الانفصال، إن اريد به ما قبل العصر و الإفراغ، إلّا أن يبنى على القول بعدم دخولهما في مفهوم الغسل، و لا كونهما معتبرين معه بالدليل الخارج.

ثمّ بقى في المقام امور ينبغي التنبيه عليها:

الأوّل قال في المنتهى: «إذا غسل الثوب من البول في إجّانة، بأن يصبّ عليه الماء فسد الماء و خرج من الثانية طاهرا

، اتّحدت الآنية أو تعدّدت، و قال أبو يوسف: إذا غسل في ثلاث إجّانات خرج من الثالثة طاهرا، و ماء الإجّانة الرابعة فما فوقها طاهر» (2) الخ، ثمّ أخذ في الاحتجاج على طهارة الثوب قائلا: «و يدلّ عليه وجهان:

الأوّل: أنّه قد حصل الامتثال بغسله مرّتين، و إلّا لم يدلّ الأمر على الإجزاء.

الثاني: ما رواه الشيخ (3)- في الصحيح- عن محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الثوب يصيبه البول؟ قال: اغسله في المركن مرّتين، فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة» 4.

____________

(1) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 339.

(2) 2 و 4 منتهى المطلب 1: 146.

(3) الوسائل 3: 397 ب 2 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 250/ 717.

355

أقول: غسل الثوب في الإجّانة له ثلاث صور:

إحداها: أن يؤخذ الثوب على اليد و الاجّانة تحتها، ليطرح فيها ما ينفصل عن الثوب من الغسالة و قطرات الماء الملاقي له حال الغسل، و هذا ممّا لا إشكال لأحد في أنّه يفيد الثوب طهارة، إذ لا فرق بينه و بين الغسل في غير الإجّانة، إلّا أنّ المنفصل فيه يطرح في الإجّانة و في غيره في الأرض، و هو ممّا لا يعقل كونه فارقا بينهما في الحكم، بل هذه الصورة خارجة عن فرض المنتهى، كما لا يخفى على المتأمّل.

و ثانيتها: أن يصبّ الماء في الإجّانة، ثمّ وضع عليه الثوب ليغسل به فيها، و هو أيضا خارج عن فرض المنتهى، و يتبيّن حكمه.

و ثالثها: ما هو مفروض المنتهى من انعكاس الصورة الثانية، و حينئذ يشكل الحال في تنزيله الرواية عليها، مع أنّها بإطلاقها تشمل الصورتين معا، بل الصور الثلاث جميعا، و إن كان بعيدا بالقياس إلى الصورة الاولى، و كأنّه مبنيّ على الأخذ بالغالب. فتأمّل.

و عن الذخيرة: «أنّه قد يستشكل حكمه بطهارة الثوب مع نجاسة الماء المجتمع تحته في الإجّانة، سيّما على مذهبه المتقدّم من عدم نجاسة الغسالة إلّا بعد الانفصال عن المحلّ المغسول، و من المعلوم أنّ الماء بعد انفصاله عن الثوب المغسول يلاقيه في الاناء، و اللازم ممّا ذكر تنجّسه به» (1).

و عنه 2- كما في الحدائق-: «أنّه و قد يتكلّف في دفع الإيراد المذكور بأنّ المراد من الانفصال خروج الغسالة عن الثوب أو الإناء المغسول فيه، تنزيلا للاتّصال الحاصل باعتبار الإناء منزلة ما يكون في نفس المغسول، للحديث» 3.

ثمّ عنه الاعتراض عليه: «بأنّه لا يخفى بأنّ بناء هذا الخبر على طهارة الغسالة أولى من ارتكاب هذا التكلّف، فإنّ ذلك إنّما يصحّ إذا ثبت دليل واضح على نجاسة الغسالة، و قد عرفت انتفاؤه» 4 مع أنّ ظاهر الرواية يدلّ على الطهارة.

و استجوده شيخنا في الجواهر، قائلا: «بأنّه في غاية الجودة» 5 و دفعه في الحدائق «أوّلا: بأنّ هذا التكلّف إنّما ارتكب لدفع المنافاة بين كلامي العلّامة (رحمه الله) من حكمه

____________

(1) 1 و 2 ذخيرة المعاد: 143 مع تفاوت يسير في العبارة.

(2) 3 الحدائق الناضرة 1: 496.

(3) 4 ذخيرة المعاد: 143.

(4) 5 جواهر الكلام 1: 638.

356

بنجاسة الغسالة بعد الانفصال، و حكمه بطهارة الثوب في الصورة المفروضة، فنزّل الإناء في الصورة المفروضة منزلة الثوب لتندفع المنافاة بين كلاميه، و أمّا الكلام في نجاسة الغسالة و طهارتها فهو كلام آخر.

و ثانيا: أنّ دعوى دلالة الرواية على طهارة الغسالة مع تضمّنها وجوب التعدّد في الغسل محلّ إشكال، إلّا أن يدّعي حمل التعدّد على محض التعبّد» (1) الخ.

أقول: الإنصاف أنّ الرواية لا دلالة فيها على طهارة و لا على نجاسة، كما أنّ التعويل على الإشكال المتقدّم خلاف الإنصاف، فإنّ الرواية مع سكوتها عن حكم الغسالة طهارة و نجاسة قد تضمّنت طهارة الثوب بغسله على النحو المذكور، فلا بدّ من الالتزام بها لعدم معارض لها، مع ثبوت العمل بها في الجملة، و أمّا حكم الغسالة فلا بدّ فيه من مراجعة القاعدة، فمن انعقدت القاعدة عنده في الطهارة فيبنى عليها هنا أيضا، و من انعقدت عنده في النجاسة فيبنى عليها هنا أيضا.

و إذ قد عرفت أنّ المحقّق عندنا نجاسة الغسالة فنقول بها هنا أيضا، من غير أن ينشأ منه إشكال، و ما ذكر في تقرير الإشكال ليس إلّا استبعادا محضا، و هو ممّا لا ينبغي التعويل عليه بعد ورود الشرع بخلافه.

مع أنّ المطهّر للثوب حقيقة بالماء، و هو إنّما يتحقّق بعد إخراج الماء المنصبّ عليه في الإجّانة- بعد رفعه عنها- باليد المعصر الّذي هو المخرج، و اتّصاله بما في الإجّانة قبل الرفع عنها ليس بأشدّ من اتّصاله بما فيه نفسه، و قد ثبت أنّه غير قادح و إن كان نجسا.

مع أنّ اتّصاله بالإجّانة مع ما فيه من الأجزاء المنفصلة عنه من الماء ليس إلّا كاتّصاله باليد مع ما فيها من البلّة المتنجّسة، و قد تقرّر أنّ أمثال هذه الاتّصالات لا تقدح في طهارة الثوب بعروض المطهّر الشرعي له، من حيث إنّ ما معها من النجاسات لم تحصل من خارج، و القدر المحقّق من كونه قادحا إنّما هو ما لو حصل النجاسة فيه بالخارج.

و من هنا نقدر على أن نقول: إنّه لو القي الثوب من يد الغاسل في غير صورة غسله في الإجّانة على الأرض الّتي وقع عليها من قطراته المنفصلة قبل إخراج الغسالة لم يكن قادحا، بل برفعه عنها على هذه الحالة فيستكمل غسله بما بقي منه، لكن في هذا الفرع بعد شيء

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 496.

357

في النفس، و طريق الاحتياط هنا ممّا لا ينبغي تركه، و هو إنّما يحصل باستكمال ما بقي من غسله عن أصل النجاسة، ثمّ غسله مرّة اخرى لما طرأه من ملاقاة ما لاقاه في وجه الأرض.

و يبقى الكلام مع العلّامة فيما اعتبره في مفروض المسألة من صبّ الماء على الثوب في الإجّانة الّذي يرجع محصّله إلى اعتبار ورود الماء على المغسول، فإن كان النظر في ذلك إلى ما يقتضيه القاعدة الشرعيّة فهو موكول إلى محلّه، و إن كان النظر في استفادته من الرواية المذكورة فهو موضع إشكال، لمنافاته ما فيها من الإطلاق، و لو ادّعى فيها الانصراف العرفي فهو أشكل، لعدم قيام ما يقتضيه من غلبة إطلاق و نحوها، و مجرّد غلبة الوجود لا يوجبه على التحقيق، مع توجّه المنع إلى أصل الغلبة، أو كونها معتدّا بها.

و بالجملة: دعوى الانصراف ممّا لا يلتفت إليها، إلّا على فرض كون لفظ «الغسل» مجازا فيما لو ورد المغسول على الماء، أو على فرض كون المنساق منه في نظر أهل المخاطبة بملاحظة غلبة إطلاق أو غلبة وجود- إن اعتبرناها- هو الماهيّة بوصف وجودها في ضمن ما لو ورد الماء على المغسول، أو على فرض قصور اللفظ عن إفادته الماهيّة المطلقة، باعتبار كونه في موضع لا يجري فيه مقدّمة: أنّه لولاها مرادة لزم الإغراء بالجهل، الّتي هي العمدة في إحراز الإطلاق في المطلقات.

و الفرق بينهما أنّ الأوّل يرجع إلى دعوى الظهور العرفي في صورة ورود الماء، و الثاني يرجع إلى دعوى عدم الظهور فيما يتناول صورة العكس، و منشأ الدعويين: هو الغلبة، و السرّ في الفرق بينهما اختلاف الغلبة في الشدّة و الضعف، و لا ريب أنّ الوجوه باطل جزما، و ثانيها في غاية الضعف، كما أنّ ثالثها في محلّ من البعد.

و من هنا يتبيّن صحّة الاستدلال بالوجه الأوّل- الّذي سمعته عن العلّامة- من قاعدة الإجزاء، حتّى على عكس ما فرضه (رحمه الله)، فإنّ مبناها على إحراز المأمور به على وجهه و الإتيان به كذلك و قد حصل، إذ لا يفهم من قوله (عليه السلام): «اغسل ثوبك عن البول مرّتين» إلّا إيجاد ماهيّة الغسل على ما هو المتعارف مرّتين، و احتمال مدخليّة ورود الماء أو كون الغسل في غير الإجّانة و غيرها من الإناء منفيّ بالإطلاق، نعم لو كان هناك دليل من الخارج أوجب خروج ذلك من الإطلاق فهو كلام آخر، و له مقام آخر، و لذا أوكلنا تحقيقه إلى محلّه و مقامه، فانتظر له.

358

الثاني حكم غسالة الحمّام

، فإنّها ممّا انفرد ذكره في كلام الأصحاب، و التعرّض له بالخصوص في هذا الباب، و المراد بها على ما يستفاد من كلماتهم بل هو صريح بعضهم- كالحدائق (1)- ما يجتمع في البئر من ماء الحمّام المستعمل في غسلات الناس و صبّاتهم، و يظهر ممّا حكي عن الأردبيلي (2) من استدلاله على الطهارة- بما يأتي ذكره من صحيحة محمّد بن مسلم، و موثّقة زرارة- كونها أعمّ منه و ممّا هو في سطوح الحمّام من المياه الّتي ينحدر منها إلى البئر، و ليس ببعيد، إذ ليس المجتمع في البئر إلّا المياه المنحدرة إليها، من السطح الجارية إليها من خطوطه المتّخذة في السطح لأجل تلك الفائدة، و معه يبعد الفرق في الحكم بين المجتمع و ما هو في السطح و خطوطه، و يمكن القول: بأنّ المقصود بالعنوان هو الأوّل، و الثاني ملحق به في الحكم لاتّحادهما في المناط.

و على أيّ تقدير فلهم فيها عبارات مختلفة، بعضها مصرّحة بالطهارة، آخر بالنجاسة، و ثالث غير واضح المؤدّى من حيث الحكم بالطهارة أو النجاسة، و مع ذلك فلم يرد فيها بالمعنى الأوّل إلّا عدّة روايات غير معتبرة الأسانيد متعارضة الدلالات، و الّتي وقفنا عليها أربع روايات، مضافا إلى ما سنذكرها من الروايات الاخر.

منها: المرسلة الواردة في الكافي عن محمّد بن يحيى، عن أحمد بن محمّد، عن أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: «لا بأس» (3).

و منها: ما فيه أيضا من المرسلة بعض أصحابنا، عن ابن جمهور، عن محمّد بن القاسم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا تغتسل من البئر الّتي يجتمع فيها غسالة الحمّام، فإنّ فيها غسالة ولد الزنا، و لا يطهر إلى سبعة آباء، و فيها غسالة الناصب و هو شرّهما، أنّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب، و أنّ الناصب أهون على اللّه

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 501.

(2) حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 501- مجمع الفائدة و البرهان 1: 290.

(3) الوسائل 1: 213 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 9- الكافي 3: 15/ 4.

359

من الكلب» (1).

و منها: المرسلة في التهذيب، محمّد بن علي بن محبوب، عن عدّة من أصحابنا، عن محمّد بن عبد الحميد، عن حمزة بن أحمد، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال: سألته- أو سأله غيري- عن الحمّام؟ قال: «ادخله بمئزر، و غضّ بصرك، و لا تغتسل من البئر الّتي تجتمع فيها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، و ولد الزنا، و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم» (2).

و منها: ما عن علل الصدوق- الموصوف في الحدائق (3) و غيره بالموثّقية- عن عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: «و إيّاك أن تغتسل من غسالة الحمّام، و فيها تجتمع غسالة اليهودي و النصراني و المجوسي، و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم» (4).

و لا يخفى أنّ المرسلة الاولى تعارض البواقي، غير أنّ العلاج سهل، من حيث إنّ ما عداها أخصّ منها مطلقا من وجهين، و هي أعمّ لهذين الوجهين:

أحدهما: تعرّض ما عداها لبيان ملاقاة النجاسة و هي غسالة الكافر، دونها.

و ثانيهما: اختصاص المنع فيما عداها بالأغسال، و شمول الرخصة المستفادة منها بملاحظة نفي البأس للاغتسال و غيره من أنواع الاستعمال، نظرا إلى أنّ نفي البأس عمّا أصاب الثوب يقضي بطهارته، و يستلزم عدم البأس باستعمال الماء الملاقي له- و هو في الثوب- بجميع أنواعه الّتي منها التطهّر به مطلقا، فطريق الجمع بينهما يتأتّى من وجهين:

الأوّل: التخصيص فيها بحملها على ما خلا عن النجاسة، و قضيّة ذلك نجاسة غسالة الحمّام مع اتّفاق ملاقاة النجاسة دون غيره، فيكون حكمها على قاعدة الغسالة المطلقة، حسبما تقدّم.

و الثاني: التخصيص فيها أيضا بحمل الرخصة فيها على ما عدا الاغتسال، من أنواع

____________

(1) الوسائل 1: 219 ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 4- الكافي 3: 14/ 1.

(2) الوسائل 1: 218 ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 1- التهذيب 1: 373/ 1143.

(3) الحدائق الناضرة 1: 498.

(4) الوسائل 1: 220 ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 5- علل الشرائع: 292.

360

الاستعمال بل مطلق التطهير، بناء على ما أفتى به غير واحد من الأصحاب- كما ستعرف- و حينئذ يشكل الحال في دلالة الروايات على النجاسة، لأنّ ثبوت الرخصة فيما عدا الاغتسال أو مطلق التطهير ممّا لا يجامع النجاسة، نظرا إلى أنّها ممّا يقتضي المنع مطلقا، و قضيّة ذلك خروج حكم غسالة الحمّام على خلاف قاعدة مطلق الغسالة، كما أفتى به بعض الأصحاب على ما ستعرفه.

و لا ينافيه تعرّض ما عدا المرسلة الاولى لبيان ملاقاة النجاسة- نظرا إلى أنّ تعليل المنع بالوصف المناسب يقضي بأنّه علّة الحكم دون الذات، لأنّه لو كان ذات الغسالة كوصف ملاقاة النجاسة صالحة للتعليل بها، لما كان للعدول عنه إلى التعليل بالوصف العرضي وجه، ليقدّم الذاتي على العرضي في ذلك- كما قرّر في محلّه- و إلّا كان سفها.

فإذا ثبت أنّ علّة المنع هي الملاقاة للنجاسة، تبيّن أنّه من جهة أنّها أثّرت في نجاسة أصل الغسالة؛ إذ لا ملازمة عقلا بين ملاقاة النجاسة و نجاسة الملاقي، بل الملازمة الثابتة بينهما بعد اللّتيّا و الّتي شرعيّة، و إجراؤها هنا استدلال بما هو خارج عن تلك الروايات.

مع أنّ مرجعه- عند التحقيق- إلى إجراء حكم العامّ في الخاصّ و هو كما ترى، و إلّا فأصل الروايات لو خلّيت و طبعها لا قضاء فيها بالملازمة أصلا.

و ما ذكرناه في تقريب المنافاة- من اقتضاء التعليل بالوصف المناسب للحكم لذلك- ممنوع، لأنّ أقصى ما يسلّم من مناسبة الوصف كون الملاقاة للنجاسة مناسبة لأصل المنع، لا أنّها مناسبة لنجاسة الملاقي، و المنع مستند إليها لا إلى أصل الملاقاة، و إلّا لقضت الروايات بأنّ علّة المنع هي النجاسة الحاصلة بالملاقاة لا نفس الملاقاة، و إنّما هي علّة للعلّة و هو كما ترى خلاف ما يظهر منها.

و لا مانع من أن يكون ذلك الماء النجس إذا دخل في نوع الغسالة الغير المتنجّسة و امتزج معها مقتضيا لهذا المنع في نظر الشارع، مع بقاء أصل الممتزج على أصل الطهارة، غاية الأمر أنّ طهارته توجب زوال النجاسة عمّا دخل فيه و امتزج معه بالاستهلاك أو مطلق الممازجة.

فعلّة المنع في الحقيقة اشتمال غسالة الحمّام على غسالة الكافر، من حيث إنّها غسالة الكافر، لا من حيث نجاستها ليستبعد بقاء المعلول مع زوال العلّة بالامتزاج، إذ

361

المفروض أنّه لا تصريح في الروايات بالنجاسة، و لا بأنّها هي المقتضية للمنع، لجواز أن يكون في غسالة الكافر باعتبار المعنى صفة اخرى غير النجاسة هي المقتضية لذلك المنع.

و ممّا يشعر بذلك ما في ذيل رواية ابن جمهور من «أنّ الناصب أهون على اللّه من الكلب» فإنّه يومئ إلى أنّ الحكمة الداعية إلى المنع المذكور إنّما هي الإهانة على الكافر لما فيه من خبث الباطن، و لا ينافي ذلك ما في تلك الرواية من الطعن على ولد الزنا من «أنّه لا يطهّر إلى سبعة آباء» لأنّ ذلك أيضا من جهة ما فيه من الخبث الباطني، لا أنّ الطهارة هنا مراد بها ما يقابل النجاسة بالمعنى الشرعي؛ فإنّ النجاسة بهذا المعنى ممّا لا سبيل إلى التزامه في ولد الزنا- كما تنبّه عليه بعض الأصحاب كصاحب الحدائق- قائلا: «بأنّه لم يقل بنجاسة ابن الزنا على هذا الوجه قائل من الأصحاب، و لا دليل عليه من سنّة أو كتاب» (1).

نعم في بعض نسخ تلك الرواية الواصلة إلينا- كما قدّمنا ذكرها في جملة أخبار انفعال القليل- مكان قوله (عليه السلام): «أنّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب الخ»، قوله: «أنّ اللّه لم يخلق خلقا أنجس من الكلب، و أنّ الناصب لنا أهل البيت أنجس منه» و مثله ما في ذيل رواية العلل على ما وجدناه في الوسائل، لكن بعد وقوع الاختلاف في النسخ لا يتعيّن علّيّة وصف النجاسة دون وصف آخر، و غرضنا منع الدلالة و يكفي فيه مجرّد إبداء الاحتمال، لابتناء الاستدلال على دعوى: الملازمة بين المنع و النجاسة، أو دعوى:

المنافاة بينه و بين زوال النجاسة، و الاحتمال يرفعهما.

إلّا أن يقال: بأنّ الغرض دعوى الملازمة أو المنافاة العرفيّتين، و الاحتمال لا يقدح فيهما، لأنّ مبناهما حينئذ على الظهور العرفي و هو حاصل في المقام، لأنّ المنساق من الروايات عرفا كون العلّة الداعية إلى المنع هي النجاسة في غسالة الكافر، بل انفعال ما يمتزج هي معها من الغسالات الاخر بملاقاتها إيّاها.

و بعد كلّ هذه اللّتيّا و الّتي، فالإنصاف يقتضي عدم جواز الاستناد إلى تلك الروايات في هذا المقام لإثبات الحكم الشرعي، من طهارة أو نجاسة، لعدم سلامة أسانيد أكثرها من الضعف و الإرسال معا، أو أحدهما، فإنّ المرسلة الاولى مع ضعفها بالإرسال،

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 502.

362

مقدوحة بما في أبي يحيى الواسطي من الاشتباه، لوقوعه- كما قيل- على إسماعيل بن زياد، و هو من أصحاب الكاظم (عليه السلام) و لم نقف فيه على مدح و لا قدح، حيث لم نجده معنونا بخصوصه في كتب الرجال، و على زكريّا بن يحيى و هو من أصحاب الرضا (عليه السلام) و حاله كالأوّل، نعم في الخلاصة: «زكريّا بن يحيى الواسطي ثقة روى عن أبي عبد اللّه» (1) و الظاهر اتّحادهما، و لكن قد يبعّده النسبة إلى الإمامين (عليهما السلام)، إلّا أن يقال:

بلقائه إيّاهما، إلّا أنّ السند يأبى كونه هو لرواية «أحمد ابن محمّد»، فإنّه بدليل رواية محمّد بن يحيى الظاهر في العطّار- بدليل رواية الكليني عنه- هو ابن عيسى المعروف الثقة الجليل، و لم يعهد روايته عن زكريّا، لما قيل: من أنّه يروي عنه إبراهيم بن محمّد بن إسماعيل، نعم هو يروي عن سهل ابن زياد، و هو ثالث من يقع عليهم أبو يحيى الواسطي، و لكن السند يأبى أيضا عن كونه سهيلا، لما قيل: من أنّه من أصحاب العسكري (عليه السلام) و المذكور في السند إنّما هو أبو الحسن الماضي (عليه السلام)، و كونه ملاقيا له (عليه السلام) أيضا يستلزم ملاقاته خمسة و هو بعيد في الغاية، مع أنّ سهل بن زياد- على فرض احتمال السند له ممّن لم يذكر بتوثيق.

نعم عن النجاشي: «أنّه شيخنا المتكلّم» (2) و لكنّه لا يدلّ على وثاقته، مع ما قيل فيه: «من أنّه لم يكن بكلّ الثبت» 3، و ما عن ابن الغضائري: «من أنّ حديثه نعرفه تارة و ننكره اخرى و يجوز أن يخرج شاهدا» 4 إلّا أن يقال: إنّ رواية أحمد عنه يعدّ عندهم من أمارات الوثاقة، و معه ليس علينا أن ننظر في أنّه أيّ رجل، و من أصحاب أيّ إمام، و كيف كان فالسند لا يخلو عن اضطراب صالح للقدح فيه.

و المرسلة الثانية مع ما فيها من الإرسال أيضا ضعيفة جدّا بابن جمهور، ضعّفه العلّامة في المنتهى 5، و المحقّق في المعتبر 6،- على ما حكي عنه في الحدائق 7،- و مثله الكلام في المرسلة الثالثة، فإنّها أيضا مضافا إلى الإرسال ضعيفة بجهالة حمزة بن أحمد، كما اعترف به العلّامة في المنتهى 8، و غيره في الرجال فلا يبقى في المقام إلّا

____________

(1) خلاصة الأقوال: 152.

(2) 2 و 3 رجال النجاشي: 192.

(3) 4 مجمع الرجال 1: 180.

(4) 5 منتهى المطلب 1: 147.

(5) 6 المعتبر: 23.

(6) 7 الحدائق الناضرة 1: 499.

(7) 8 منتهى المطلب 1: 147.

363

موثّقة العلل، و الكلام في صحّة الاستناد إليها و عدمها يتبيّن بعد تبيّن عبارات الأعلام، و تعيّن ما هو محلّ كلامهم في هذا المقام.

فنقول: قد اختلفت عباراتهم في ذلك، فالعلّامة في المنتهى حكم بالطهارة، قائلا- بعد نقل الخلاف في المسألة-: «و الأقوى عندي أنّه على أصل الطهارة» (1) و إطلاق ذلك يقتضي عدم الفرق عنده بين صور العلم بملاقاة النجاسة، أو الشكّ فيها، أو العلم بعدمها.

و ممّا يرشد إليه أنّه تمسّك على ذلك بمرسلة أبي يحيى الواسطي المتقدّمة (2)- و هي عامّة- و بصحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب (3)»، و بما روي- في الحسن- عن الكليني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «في الماء الآجن يتوضّأ منه إلّا أن تجد غيره» (4)، و هما أيضا عامّان، و حينئذ فغسالة الحمّام عنده مخرجة عن قاعدة نجاسة الغسالة، بل قاعدة انفعال القليل بالملاقاة.

إلّا أن يقال: بأنّ قوله بالنجاسة فيهما يقيّد كلامه هنا، فيخصّصه بصورة عدم العلم بملاقاة النجاسة، كما أنّ أدلّة القاعدتين تخصّص هذه الأخبار بالصورة المذكورة، و هو مشكل، لأنّ قوله بالنجاسة فيهما عامّ و كلامه هنا خاصّ، و كيف يقيّد الخاصّ بالعامّ، مع أنّ قاعدة الحمل ممّا لا يجري في فتاوي الفقهاء كما قرّر في محلّه، و النسبة بين أدلّة الانفعال و هذه الأخبار عموم من وجه، لاختصاص الاولى بصورة الملاقاة و عمومها بالقياس إلى غسالة الحمّام و غيرها، و اختصاص المرسلة من تلك الأخبار بغسالة الحمّام و عمومها بالقياس إلى صورة الملاقاة و غيرها، و كيف يخصّص أحد العامّين من وجه بالآخر بلا شاهد خارجي.

نعم، يجري هذا الكلام بالقياس إلى الحسنة في الآجن، من حيث إنّها أعمّ من الغسالة و صورة الملاقاة أيضا، و لكن دليله غير منحصر فيها، و بالجملة كلامه (رحمه الله) هنا غير

____________

(1) منتهى المطلب 1: 147.

(2) الوسائل 1: 213 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 9.

(3) الوسائل 1: 137 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(4) الوسائل 1: 138 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 2- الكافي 3: 4/ 6.

364

خال عن الاضطراب، مع ما في استدلاله على ما اختاره بصحيحة حريز من الفساد الواضح، لأنّ هذه الرواية و إن كانت عامّة غير أنّها بملاحظة أدلّة انفعال القليل- الّتي يقول بموجبها- محمولة عنده على صورة الكرّ، و معه كيف يتمسّك بها هنا.

إلّا أن يقال: بأنّ محلّ النزاع هنا أعمّ من القليل و الكثير، و ليس ببعيد.

و كيف كان: فالقول بالطهارة منسوب معه إلى جملة من المتأخّرين و متأخّريهم، و عدّ منهم الشيخ عليّ في جامع المقاصد (1)، غير أنّ صريح كلامه المنقول عنه- يقتضي اختصاصه بصورة الشكّ، لأنّه قال: «و الّذي يقتضيه النظر أنّه مع الشكّ في النجاسة تكون على حكمها الثابت لها قبل الاستعمال، و إن كان اجتنابها أحوط» 2، و عن صاحب المعالم 3 و قبله والده في الروض 4 الميل إليه، و عن العلّامة في الإرشاد 5 أنّه قال: بالنجاسة، و في الحدائق: «ربّما تبعه فيه بعض من تأخّر عنه» 6.

و عن الصدوق قال: «لا يجوز التطهير بغسالة الحمّام، لأنّه يجتمع فيه غسالة اليهودي و المجوسي [و النصراني] و المبغض لآل محمّد و هو شرّهم» 7، و الظاهر أنّ ذلك فتوى بموجب موثّقة العلل، و عن أبيه قريب من هذا الكلام في رسالته إليه، و عن نهاية الشيخ: «غسالة الحمّام لا يجوز استعمالها على حال» 8 و عن ابن إدريس أنّه جرى عليه قائلا: «غسالة الحمّام لا يجوز استعمالها على حال و هذا إجماع، و قد وردت به عن الأئمة (عليهم السلام) آثار معتمدة، قد اجتمع الأصحاب عليها، لا أجد من خالف فيها» 9 و عن المحقّق في المعتبر الاعتراض عليه قائلا- بعد نقل كلامه-: «و هو خلاف الرواية و خلاف ما ذكره ابن بابويه، و لم نقف على رواية بهذا الحكم سوى تلك الرواية و رواية مرسلة ذكرها الكليني قال: بعض أصحابنا عن ابن جمهور، و هذه مرسلة و ابن جمهور ضعيف جدّا، ذكر ذلك النجاشي في كتاب الرجال، فأين الإجماع و أين الأخبار المعتمدة؟ و نحن نطالبه بما ادّعاه، و أفرط في دعواه» 10 انتهى.

و الظاهر أنّ مراده بالرواية المشار إليها الّتي حكم على كلام ابن إدريس بكونه على

____________

(1) 1 و 2 جامع المقاصد 1: 123.

(2) 3 فقه المعالم 1: 350.

(3) 4 روض الجنان: 161.

(4) 5 إرشاد الأذهان 1: 238.

(5) 6 الحدائق الناضرة 1: 500.

(6) 7 من لا يحضره الفقيه 1: 10.

(7) 8 النهاية 1: 203.

(8) 9 السرائر 1: 90.

(9) 10 المعتبر: 23.

365

خلافها مرسلة أبي يحيى الواسطي، و كيف كان فعنه في المعتبر القول: «بأنّه لا يغتسل بغسالة الحمّام، إلّا أن يعلم خلوّها من النجاسة» (1)، و به صرّح في النافع (2) بعين تلك العبارة و عن العلّامة في القواعد (3) نحوه.

و قضيّة الاستثناء في كلاميهما أنّهما يقولان بالنجاسة في غير صورة العلم بالخلوّ عنها، حتّى مع الشكّ في الخلوّ و عدمه، كما أنّ مقتضى ما عرفت عن الشيخ و الحلّي أنّهما يقولان بالنجاسة مطلقا حتّى مع العلم بالخلوّ و لكن يبطله: أنّ الحكم بالنجاسة بلا علّة داعية إليه- و هي الملاقاة- ممّا لا يحوم حوله الجاهل، فضلا عن الفقيه الكامل، فلا بدّ من تنزيل إطلاق كلاميهما على غير صورة العلم بالخلوّ عن الملاقاة، فيرجع قولاهما إلى قولي المعتبر و القواعد.

و أمّا ما عرفت عن المحقّق فلا يخلو عن إجمال، من حيث إنّه خصّ المنع بالتطهير، فلو أنّ الجهة هي النجاسة لم يتفاوت الحال بينه و بين سائر أنواع الاستعمال، إلّا أن يحمل على إرادة المثال لنكتة تأدية المطلب بلفظ الرواية تيمّنا.

نعم، يبقى الكلام في تعليله، فلو أراد بما ذكره القضيّة الدائمة، بدعوى: دوام اتّفاق اجتماع غسالة اليهوديّ و غيره في غسالة الحمّام، فهو ممّا يكذّبه الضرورة، و لو أراد به القضيّة الغالبة، بدعوى: غلبة ذلك فيها بحكم العادة، فهو أيضا بالنسبة إلى هذا الصنف غير مسلّم في غالب الحمّامات، و لا سيّما أعصارنا هذه، و بالنسبة إلى نوع النجاسة غير بعيد، غير أنّ الكلام حينئذ يبقى في مستند الحكم، و سيتّضح منع وجوده، كما يتّضح عدم دلالة رواية العلل عليه، و على أيّ تقدير فلو كان مراده القضيّة الاولى كان قوله مغايرا لقول الشيخ و الحلّي و المعتبر و القواعد، لاختصاصه بصورة العلم بالملاقاة، غاية الأمر يحصل بينه و بينهم خلاف في الصغرى، و لو كان مراده الثانية رجع قوله إلى قولهم.

فتلخّص من جميع ما ذكر: أنّ صورة العلم بالخلوّ عن ملاقاة النجاسة خارجة عن معقد هذه المسألة، و أمّا الصورتان الباقيتان فكون إحداهما و هي صورة العلم بملاقاة النجاسة من معقد هذه المسألة محلّ شبهة، حيث قد عرفت أنّه لا مصرّح بالنسبة إليها بالطهارة عدا ما كان يوهمه ظاهر عبارة العلّامة في المنتهى، و قد عرفت ما فيه من

____________

(1) المعتبر: 23.

(2) المختصر النافع: 44.

(3) قواعد الأحكام 1: 186.

366

الاضطراب و الاختلال و عدم استقامة دليله.

فبقيت صورة الشكّ، و فيها قولان: أحدهما: الطهارة و هو للعلّامة و غيره ممّن عرفتهم، و يظهر من الأردبيلي (1) أيضا.

[و ثانيهما] النجاسة: و هو للصدوق و الشيخ و الحلّي و المحقّق و العلّامة أيضا، و لا ريب أنّ القول بالنجاسة هنا مخالف لقاعدتهم المشهورة المتسالم عليها، من أنّ مدار الحكم بالنجاسة على العلم بتحقّق السبب، و لا يكفي فيه مجرّد الشكّ و الاحتمال بل الظنّ أيضا، فمرجعه إلى التعويل على الظنّ المستند إلى الغلبة و لو نوعا، كما أنّ مرجع القول بالطهارة إلى عدم العبرة بذلك الظنّ.

فالعمدة في المقام النظر في هذا المطلب، و ليس فيه من الأدلّة الخاصّة إلّا ما عرفت من الروايات، مضافة إلى صحيحة محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) الحمّام يغتسل فيه الجنب و غيره، أغتسل من مائه؟ قال: «نعم، لا بأس أن يغتسل منه الجنب، و لقد اغتسلت فيه، ثمّ جئت فغسلت رجلي، و ما غسلتهما إلّا ممّا لزق بهما من التراب» (2).

و صحيحته الاخرى، قال: رأيت أبا جعفر (عليه السلام) جائيا من الحمّام و بينه و بين داره قذر، فقال: «لو لا ما بيني و بين داري ما غسلت رجلي و لا تجنّبت ماء الحمّام» 3.

و رواية زرارة الموصوفة بالموثّقة، قال: «رأيت الباقر (عليه السلام) يخرج من الحمّام فيمضي كما هو، لا يغسل رجليه حتّى يصلّي» 4.

حكى الاستدلال بها و بسابقتها عن الأردبيلي 5 و لا بأس به، بناء على ما أشرنا إليه آنفا من أنّ غسالة الحمّام ما يجتمع في البئر من سطوحه الجاري من خطوطها المياه إليها، و فعل المعصوم حجّة كقوله إذا كشف عن حكم بعينه، فلو لا سطح الحمّام مع ما فيه من المياه محكوما عليه بالطهارة- مع قيام الشكّ في نجاسته بحكم العادة- لما ترك المعصوم التجنّب عنه جزما، و لا ضير في تركه الاحتياط الراجح، لمكان كونه بذلك الفعل في مقام التعليم و الارشاد، و يخرج رواية أبي يحيى الواسطي شاهدة، لعدم

____________

(1) مجمع الفائدة و البرهان 1: 290.

(2) 2 و 3 الوسائل 1: 148 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 2 و 3- التهذيب 1: 378 و 379/ 1172 و 1173.

(3) 4 الوسائل 1: 211 ب 9 من أبواب المضاف ح 2- التهذيب 1: 379/ 1174.

(4) 5 مجمع الفائدة و البرهان 1: 290.

367

صلوحها دليلا مستقلّا بالإرسال الّذي لا جابر له، و إن عمل بها العلّامة في المنتهى (1).

و أمّا الروايات الباقية فليس فيها أيضا ما يصلح للاستناد إليه بحكم الضعف و الارسال إلّا موثّقة العلل، و الظاهر أنّها مستند الصدوق (2) فيما عرفت عنه، و هي عند التحقيق لا تعارض ما ذكر أصلا، لعدم وضوح دلالتها على نجاسة و لا على طهارة، فإنّ قوله (عليه السلام): «و فيها يجتمع غسالة اليهودي و النصراني» إمّا أن يكون قيدا للموضوع، ليكون مفاد الرواية: المنع عن غسالة الحمّام حال كونها يجتمع فيها غسالة هؤلاء، الموجبة لتنجّسها، و حاصله اعتبار العلم بملاقاة النجاسة، فلا تتناول صورة الشكّ.

أو يكون علّة للحكم، فيكون المنع على الإطلاق لتلك العلّة الموجبة للنجاسة في مطلق الغسالة، مع تعيّن حمل القضيّة على الغلبة دون الدوام، صونا لها عن الكذب، فتكون شاملة لصورة الشكّ أيضا، غير أنّه لا يتعيّن الحمل على هذا المعنى بعد قيام احتمال آخر مساو له، مع إمكان دعوى الظهور فيه كما لا يخفى.

هذا مضافا إلى قوّة احتمال كون المقصود على الاحتمال الثاني تعليل الحكم بما يكون من مقولة الحكمة- و هي علّة التشريع- دون العلّة الحقيقيّة، فيكون محصّل المعنى: أنّ غسالة الحمّام لكونها معرضا لأن يجتمع فيها غسالة هؤلاء و أهلا له، فمن حكمها أن لا يغتسل بها، و حينئذ كما ترى خرج عن الدلالة على النجاسة بالمرّة.

مضافا إلى احتمال النهي الوارد فيها لكونه تنزيهيّا احتمالا قويّا، بقرينة ما سنذكر من رواية عليّ بن جعفر، و إلى ما سبق آنفا من الكلام في دلالة هذه الرواية و نظائرها من جهات اخر.

فالإنصاف: أنّه لا دلالة ثابتة معتبرة على نجاسة غسالة الحمّام في غير صورة العلم بملاقاة النجاسة، مع عدم سبق الكرّيّة، فمقتضى الاصول- مضافة إلى الصحيحتين و غيرهما- الحكم عليها بالطهارة، و لو مع الظنّ بتحقّق السبب، ظنّا مستندا إلى العادة و الغلبة.

و أمّا صورة العلم بتحقّق السبب مع عدم سبق الكرّيّة، فعلى مقتضى القاعدة المتقدّمة في القليل الملاقي للنجس، كما أنّ صورة التغيّر بالنجاسة مع سبق الكرّيّة على قاعدة التغيّر الموجب للنجاسة، و لا مانع عن شيء من ذلك في المقام، إلّا ما عساه يقال: من

____________

(1) منتهى المطلب 1: 147.

(2) الفقيه 1: 10.

368

معارضة قاعدة الانفعال للصحيحتين المتقدّمتين و غيرهما، ممّا يقضي بإطلاقه على عدم النجاسة حتّى مع الملاقاة و القلّة، و النسبة بينهما عموم من وجه، غير أنّ الخطب فيه سهل، لوجود المرجّح في جانب القاعدة، مع عدم ظهور مخالف فيه ظاهرا كما عرفت.

هذا كلّه في حكمها بالقياس إلى الطهارة، و أمّا حكمها من حيث الطهوريّة فمحلّ إشكال، من حيث إنّ الموثّقة المذكورة تضمّنت المنع عن الاغتسال، و هو شامل لكلا تقديري الدلالة على الطهارة و عدمها.

و يدفعه: أيضا ابتناء ثبوت المنع عن الطهوريّة- كالطهارة- على جعل ما سبق علّة للحكم لا قيدا لموضوعه، و إلّا خرج عن دلالته عليه في صورة الشكّ، لكن الأحوط الاجتناب عنه في مقام الطهوريّة، كما أنّ الأحوط الجمع بين استعماله في رفع الحدث و بين التيمّم مع الانحصار.

نعم، الظاهر أنّ كراهة التطهير بها في رفع الحدث مع الاختيار ممّا لا ينبغي إنكاره، لما في الوسائل عن الكافي، عن عليّ بن جعفر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «من اغتسل من الماء الّذي قد اغتسل فيه، فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلّا نفسه، فقلت- لأبي الحسن (عليه السلام)-: أنّ أهل المدينة يقولون: إنّ فيه شفاء من العين، فقال: كذبوا يغتسل فيه الجنب من الحرام، و الزاني، و الناصب الّذي هو شرّهما و كلّ من خلق اللّه، ثمّ يكون فيه شفاء من العين؟» الحديث. (1) فإنّها و إن كانت ظاهرة في غير محلّ البحث، غير أنّ الحكم يتعدّى إليه بالأولويّة، و لا يقدح ما في سندها من الضعف و الجهالة في صحّة الاستناد إليها هنا، تسامحا في أدلّة السنن، و هذه الرواية لو كانت جامعة لشرائط الحجّيّة من حيث السند، لكانت صالحة لصرف الروايات المتقدّمة المانعة عن الاغتسال بغسالة الحمّام عن ظواهرها، بحمل نواهيها على الكراهة و التنزيه، و لذا احتملناها سابقا فيها، و اللّه العالم بحقائق أحكامه.

الثالث في الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر

، و هذا أحد أقسام المستعمل، الّذي ينقسم عندهم إلى ما يكون مستعملا في إزالة حدث، أو خبث، أو مطلقا، و الأوّل إمّا في

____________

(1) الوسائل 1: 219 ب 11 من أبواب الماء المضاف ح 2- الكافي 6: 503/ 38.

369

حدث أصغر أو أكبر، و الثاني إمّا في الاستنجاء أو غيره، و الثالث هو غسالة الحمّام.

فالمستعمل في الحدث الأصغر ما حكي فيه عن العامّة في منتهى العلّامة (1) اختلافا عظيما و أقوالا متشتّتة، القول: بأنّه طاهر مطهّر- كما عليه أصحابنا- و هو لأكثرهم، و بأنّه: طاهر غير مطهّر، و هو لمحمّد بن [الحسين] (2)، و حكي عن الشافعي في الجديد، و عن المالك أيضا، و غيره.

و بأنّه: نجس نجاسة مغلّظة، كالدم و البول و الخمر، حتّى إنّه إذا أصاب الثوب أكثر من درهم منع أداء الصلاة، و هو لأبي حنيفة، و بأنّه: نجس نجاسة ضعيفة، حتّى إنّه إذا أصاب الثوب أكثر من درهم لم يمنع الصلاة، و هي لأبي يوسف.

و بأنّه: إن كان المتوضّئ محدثا، فهو كما قال محمّد، و إن كان غير محدث فهو طاهر و طهور، و هو لزفر، و قيل: إنّه قول للشافعي، و عنه أيضا أنّه توقّف فيه.

و عن أبي حنيفة الاحتجاج على ما اختاره، و مثله أبو يوسف «بأنّ هذا الفعل يسمّى طهارة، و ذلك يستدعي نجاسة المحلّ، فشارك الّذي ازيلت به النجاسة» (3). و كأنّه اشتباه في القياس، و إلّا فالحكم بالقياس إلى أنفسهم لعلّه في محلّه، فإنّ المستعمل في وضوئهم بملاحظة تلك النسبة لا يقصر بحسب الحقيقة عن المستعمل في إزالة البول، و هذا القياس هو اللائق بالمقام، لكمال المناسبة بين المقيس و المقيس عليه دون ما ذكر، لكمال وضوح الفرق بينهما على هذا البيان، إذ إطلاق الطهارة لا يقتضي مقابلة النجاسة على التعيين، بل مقابلة أحد الأمرين منها و من الحدث، و هما في الشريعة موضوعان متغايران لا يدخل أحدهما في مسمّى الآخر و لا في حكمه، و لذا لا يسمّى المحدث نجسا، و لا أنّ ملاقاة المحدث توجب نجاسة الملاقي، و التفكيك بين أنحاء الملاقاة غير معقول في النجاسات، فلو أنّ ملاقاة الماء له حال التوضّي تؤثّر نجاسة الماء فملاقاته له في سائر الأحوال أولى بذلك، و التسمية بالطهارة في الأوّل دون الثاني لا تصلح فارقة بينهما في الحكم بعد ما كان سبب الحكم هو الاستعمال و الملاقاة.

فالحقّ: أنّه طاهر في نفسه مطهّر عن الحدث و الخبث بلا خلاف يعرف بين أصحابنا، و عليه نقل الإجماعات في حدّ الاستفاضة، منها: ما في المنتهى 4، و ما عن المعتبر 5.

____________

(1) 1 و 4 منتهى المطلب 1: 128.

(2) كما في الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 138).

(3) منتهى المطلب 1: 132.

(4) 5 المعتبر: 21.

370

لنا: على الطهارة- مضافا إلى ما ذكر من القواعد- أنّ عروض النجاسة له- بعد قيام الدليل عموما و خصوصا على أنّ الماء من حكمه بحسب خلقته الأصليّة الطهارة، و على انحصار سبب عروض النجاسة في التغيّر مطلقا، و الملاقاة للنجاسة مع القلّة- ممّا لا يعقل بلا تحقّق سببه، و المفروض منه.

و على المطهّريّة من القواعد القاعدة المستفادة من الأدلّة الشرعيّة عموما و خصوصا، القاضية بأنّ ما جامع وصفي الإطلاق و الطهارة مطهّر عن الخبث و الحدث صغيرا و كبيرا ما لم يصادفه مانع كالمغصوبيّة و نحوها و هذا منه، لعدم قيام الدلالة الشرعيّة من كتاب و لا سنّة و لا غيرهما على مانعيّة عروض الاستعمال و رفع الحدث الأصغر له، من غير فرق في ذلك بين المستعمل في المرّة الاولى، و المستعمل في المرّة الثانية المستحبّة، أو في المضمضة، و الاستنشاق، أو التجديد، خلافا في الثاني و الثالث و الرابع للشافعيّة (1)، المنسوب إليهم أنّ لهم فيها وجهين:

أحدهما: ذلك لأنّه لم يؤدّه فرضا، و الثاني: المنع لأنّه مستعمل في الطهارة، فإنّ فساد المدرك يقضي بفساد المذهب، و تأديته فرضا أو ندبا ممّا لا حكم له في الشريعة، كما أنّ الماء لم يحدّد له في الشرع فعل فضلا عن انحصاره في فعلين.

فما عن الشافعيّة- أيضا- في إزالة الخبث بماء الوضوء من الوجهين، «أحدهما:

جواز ذلك، لأنّ للماء فعلين رفع الحدث و إزالة الخبث، فإذا رفع الحدث بقي تطهير الخبث.

و الثاني: المنع و هو المشهور عندهم، لأنّه مائع لا يزيل الحدث فلا يرفع الخبث كسائر المائعات، و ليس للماء فعلان بل فعل واحد، و هو رفع أحدهما، إمّا الحدث أو الخبث لا بعينه، فأيّهما حصل زالت طهوريّته» 2 متّضح البطلان لابتناء كلّ ذلك على قياس أو استحسان، و لا نقول بشيء منهما.

مضافا إلى أنّ القول بأنّ الماء له فعلان، إن اريد به المرّة فهو دعوى يبطلها ظواهر النصوص كتابا و سنّة، القاضية بأنّ له وصف الطهوريّة بحسب الماهيّة، فإنّ إطلاق قوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً 3 يقضي بأنّ الثابت له إنّما هو ماهيّة وصف الطهوريّة، و صرف ذلك إلى إثبات فرد من هذا الوصف له يحتاج إلى دلالة معتبرة من

____________

(1) 1 و 2 منتهى المطلب 1: 132.

(2) 3 الفرقان: 48.

371

الخارج ترفع هذا الإطلاق و ليست بموجودة، و إن اريد به الماهيّة بمعنى أنّه ما قام به هذا الوصف بحسب الماهيّة فهي لا ترتفع بالمرّة، لأنّ الثابت بالأدلّة حينئذ أنّ ماهيّة هذا الوصف في ثبوتها له تتبع الماهيّة المائيّة، و هي لا تزول بعروض الاستعمال جزما، فكذلك ما يتبعها لوجود المقتضي و فقد المانع.

هذا مضافا إلى أنّ الأوامر الواردة في دفع الحدث و إزالة الخبث لم ترد إلّا مطلقة، و الأمر ممّا يفيد الإجزاء، فلو استعمل المستعمل ثانيا في رفع حدث أو إزالة خبث كان إتيانا بالمأمور به على وجهه فيجب إجزاؤه.

و في حكمه من حيث الطهارة و المطهّرية المستعمل في تعبّد غير حدثي و لا خبثي، كغسل اليد من نوم الليل أو للتغذّي متقدّما و متأخّرا، فإنّه أيضا طاهر و مطهّر للقاعدة الشرعيّة.

فما عن أحمد- من العامّة- في الحكم الثاني من الروايتين، أحدهما: المنع، «لأنّه مستعمل في طهارة تعبّد أشبه المستعمل في رفع الحدث» ليس بشيء، لبطلان الأصل عندنا- كما في المنتهى (1)- مع بطلان الصغرى أيضا، لعدم دخول المفروض في مسمّى الطهارة شرعا.

و قد شاع الاحتجاج على الحكمين معا، بما في التهذيب عن عبد اللّه بن سنان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: لا بأس أن يتوضّأ بالماء المستعمل، و قال: الماء الّذي يغسل به الثوب و يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ به، و أشباهه، و أمّا الماء الّذي يتوضّأ به الرجل، فيغسل به يده و وجهه في شيء نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره، و يتوضّأ به» (2).

و ما فيه أيضا عن زرارة عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «كان النبيّ (صلى الله عليه و آله) إذا توضّأ اخذ ما يسقط من وضوئه، فيتوضّئون به» (3) و هو في محلّه لو لا قصور سندها بأحمد بن هلال العبرتائي، المحكوم عليه بالضعف تارة، و بالغلوّ اخرى، إلى غير ذلك ممّا قيل فيه و ورد في ذمّه، و يمكن التعويل على روايته الثانية لما عن الغضائري (4) من أنّه توقّف في

____________

(1) منتهى المطلب 1: 133.

(2) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 13- التهذيب 1: 221/ 630.

(3) الوسائل 1: 209 ب 8 من أبواب الماء المضاف ح 1- التهذيب 1: 221/ 631.

(4) راجع منتهى المقال 1: 362.

372

حديثه، إلّا فيما يرويه عن الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة، و محمّد بن أبي عمير من نوادره، و قيل: و قد سمع هذين الكتابين جلّ أصحاب الحديث، و اعتمدوه فيهما.

و قيل فيه: لعلّ قبول الغضائري و الجماعة لما يرويه من الكتابين لتواترهما عندهم و شهرتهما، و حينئذ فلا يضرّ ضعف الطريق إليهما، و يحتمل أن يكون قد صنّفهما في حال استقامته، و هذه الرواية قد رواها عن الحسن بن محبوب، و لو ثبت عمل الأصحاب كلّا أو جلّا بهما على نحو الاستناد ارتفع الإشكال.

و أضاف إليهما في المنتهى (1) صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب» (2)، و ذكر أنّ الاستدلال بها من وجهين:

أحدهما: عموم جواز الاستعمال، سواء استعمل في الوضوء أم لا.

الثاني: أنّه إذا لاقى النجاسة العينيّة كان حكمه جواز الاستعمال ما دام وصف الماء باقيا، فالأولى إنّه إذا رفع به الحدث مع عدم ملاقاة النجاسة جاز استعماله، و ليس في محلّه لضعف ما ذكره من الوجهين.

أمّا الأوّل: فلمنع ما ادّعاه من العموم، إذ ليست الرواية إلّا في معرض بيان أنّ غلبة الماء على ريح الجيفة توجب عصمته عن الانفعال بها، فجاز التوضّي به لأجل ذلك، فكانت ساكتة عن الجهات الاخر الّتي منها المبحوث عنه.

و لذا لا يقول أحد بجواز استعماله ثانيا بعد ما استعمل في إزالة الخبث، استنادا إلى تلك الرواية، مع جريان ما قرّره من العموم فيه أيضا.

و أمّا الثاني: فلمنع الأولويّة بعد البناء على حمل الرواية على الكرّ، دفعا للمنافاة بينها و بين روايات الانفعال بالملاقاة، فإنّ الكرّيّة إذا كانت عاصمة له عن ظهور أثر النجاسة فيه فالأولى كونها عاصمة له عن ظهور أثر الحدث فيه، و أمّا مع القلّة كما- هو محلّ البحث- فلا عاصم له عن الانفعال، و معه كيف يقاس عليه غيره في نقيض هذا الحكم و يدّعي عليه الأولويّة.

نعم، يمكن الاستناد إلى الأولويّة بالقياس إلى رافع الحدث الأكبر لو قيل فيه

____________

(1) منتهى المطلب 1: 131.

(2) الوسائل 1: 137 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1- التهذيب 1: 216/ 625.

373

بالطهارة- كما ادّعى عليه الإجماع- و المطهّريّة- كما عليه جماعة من فحول الأصحاب- فإذن يكون ذلك دليلا آخر مضافا إلى ما قرّرناه من القاعدة.

و عن المفيد في المقنعة (1) القول باستحباب التنزّه منه، بل عنه 2 ذلك أيضا في ماء الاغسال المستحبّة، بل الغسل المستحبّ كغسل اليد للأكل، و مستنده غير واضح.

نعم، ربّما يعزى إلى شيخنا البهائي في الحبل المتين الاستدلال بما في الكافي عن محمّد بن عليّ بن جعفر عن الرضا (عليه السلام) قال: «من اغتسل فيه فأصابه الجذام، فلا يلومنّ إلّا نفسه» 3 قائلا- بعد إيراد الخبر-: «و إطلاق الغسل في هذا يشمل الغسل الواجب و المندوب و في كلام المفيد في المقنعة تصريح بأفضليّة اجتناب الغسل و الوضوء بما استعمل في طهارة مندوبة، و لعلّ مستنده هذا الحديث، و أكثرهم لم يتنبّهوا له» 4 انتهى.

أقول: و كان ما نقله (رحمه الله) خبر آخر عثر عليه مخصوص بما استعمل في الوضوء، و إلّا فلو كان إشارة إلى الخبر المتقدّم في ذيل مسألة غسالة الحمّام فالاستناد إليه في هذا المقام ليس من شأن العامي فضلا عنه و من هو دونه، لاختصاص هذا الخبر على ما هو صريح صدره و ذيله بالماء الّذي يغتسل فيه.

و من هنا أورد عليه في الحدائق: «بأنّ عجز الرواية المذكورة يدلّ على أنّ مورد الخبر المشار إليه إنّما هو ماء الحمّام»، إلى أن قال: «و هذا أحد العيوب المترتّبة على تقطيع الحديث، و فصل بعضها عن بعض، فإنّ بذلك ربّما تخفى القرائن المفيدة للحكم كما هنا» 5 انتهى، كما أنّه كذلك لو كان إشارة إلى ما عن الكافي، عن محمّد بن عليّ بن جعفر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: «من أخذ من الحمّام خرقة فحكّ بها جسده فأصابه البرص، فلا يلومنّ إلّا نفسه، و من اغتسل من الماء الّذي قد اغتسل فيه، فأصابه الجذام فلا يلومنّ إلّا نفسه» 6 نعم لو قيل بجريان قاعدة التسامح و أدلّة السنن في مثل فتوى فقيه واحد كان استحباب الاجتناب متّجها من غير إشكال، كما لا يخفى.

____________

(1) 1 و 2 المقنعة: 64.

(2) 3 الوسائل 1: 219 ب 11 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 2- الكافي 6: 503/ 38.

(3) 4 الحبل المتين: 116.

(4) 5 الحدائق الناضرة 1: 437- 438.

(5) 6 الوسائل 1: 219 ب 11 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 2- الكافي 6: 503/ 38.

374

و الرابع في الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر،

و قد اختلفت كلمة جماعة من المتأخّرين في تفسيره على ما هو محلّ نزاعهم الآتي، ففي المدارك: «و المراد بالمستعمل: الماء القليل المنفصل عن أعضاء الطهارة» (1) و إنّما عبّر بالطهارة ليشمل المستعمل في الوضوء أيضا، و اعتبار القلّة لأنّ الكثير إذا حصلت الطهارة به لا يدخل في مسمّى المستعمل عندهم، و ليس من محلّ كلامهم على ما يظهر من تتبّع تضاعيف عباراتهم، و اعتبار الانفصال يقضي بأنّه ما لم ينفصل عن العضو لا يسمّى مستعملا، و ستعرف أنّ ذلك ليس بمحلّ وفاق بينهم.

و عن العلّامة في النهاية: «أنّه الّذي جمع من المتقاطر من الأعضاء» (2) و ذلك تقضي بأنّ النزاع فيما يحصل به الغسل الترتيبي دون الارتماسي، و ستعرف إن شاء اللّه أنّه غير مختصّ به.

و عن صاحب المعالم: «أنّه يفهم من كلامه أنّ النزاع في الماء المنفصل عن جميع البدن أو أكثره» (3).

و في شرح الدروس: «أنّه القدر المعتدّ به الّذي يكون زائدا على القطرة و الرشحة، إمّا بأن ينفصل مرّة عن البدن أو لا، بل اجتمع ممّا انفصل عنه مرارا» (4). و إنّما اعتبر القدر المعتدّ به ليعمّ ما ينفصل عن جميع البدن أو أكثره، أو ما دون الأكثر ممّا زاد على القطرة و الرشحة، و قد نبّه بذلك على أمرين:

أحدهما: خروج القطرة و نحوها عن موضع النزاع، كما صرّح به أيضا فيما تقدّم على تلك العبارة.

و ثانيهما: دفع كلام صاحب المعالم فيما عرفت منه، الظاهر في الاقتصار على القسمين الأوّلين، القاضي بخروج القسم الثالث عن النزاع.

و احتجّ على الأمر الأوّل بكلام الصدوق المشعر بذلك، فإنّه- مع منعه التطهير بغسالة الجنب- قال: «و إن اغتسل الجنب فنزا الماء من الأرض فوقع في الإناء، أو سال

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 127.

(2) نهاية الإحكام 1: 241.

(3) حكى عنه في مشارق الشموس: 249.

(4) مشارق الشموس: 249.

375

من بدنه في الماء، فلا بأس» (1) قائلا: «بأنّ هذا يشعر بما ذكرنا، و لا يخفى أنّه لو كان النزاع فيه- يعني في مثل القطرة أيضا- يكون الروايات المتقدّمة آنفا- يعني ما أقامه من الأخبار دليلا على طهارة هذا الماء، و سيأتي بيانها- من روايتي الفضل، و رواية شهاب، و رواية سماعة، و رواية عمر بن يزيد، دالّة على ما اخترناه من جواز رفع الحدث (2) الخ».

و أنت خبير بما فيه من اعتماده في تشخيص محلّ النزاع على مجرّد الإشعار، إن أراد به ما دون الدلالة المعتبرة، و إلّا فأصل الإشعار ممنوع، إذ لا منافاة بين اعتقاد الصدوق بكون مثل القطرة من محلّ النزاع و بين ما ذكره في الفرع المتقدّم، لجواز ابتناء ذلك الفرع على حصول الاستهلاك، و خروج القطرة الواقعة في الإناء عن عنوان المستعمل بذلك الاستهلاك، مع كونها في حدّ ذاتها من محلّ النزاع.

و إنّما يظهر الفائدة فيما لو كانت القطرة ممتازة غير مستهلكة في شيء، فحينئذ لو أخذت من محلّها و جعلت جزءا من ماء الغسل، بأن يغسل بها جزء من أعضاء الطهارة، كان منع المانعين عن التطهير بغسالة الجنب مثلا شاملا له، على تقدير دخولها في محلّ النزاع.

و من هنا ينقدح ضعف ما ذكره بالنسبة إلى الروايات من دلالتها على مختاره، فإنّ الدلالة على جواز التطهير فرع المنافاة بين القول بعدم جوازه و مفاد تلك الروايات، و قد بيّنّا انتفاء المنافاة.

و بذلك أيضا يظهر وهن ما احتجّ به ثانيا- على ما زعمه من خروج مثل القطرة عن محلّ النزاع: «من أنّ الشيخ (رحمه الله) مع كونه من المانعين روى أكثر هذه الروايات في التهذيب، و لم يتعرّض لردّ أو تأويل و إيراد معارض، فهذا أيضا يشعر بعدم الخلاف فيه» 3 فإنّ تجشّم هذه الامور إنّما هو بعد المنافاة، و هذه الروايات قد وردت في مورد خرج عن مسمّى المستعمل بالاستهلاك، و إنّما يقول الشيخ بالمنع في المستعمل ما دام هذا الوصف لا مطلقا، فالموضوع متعدّد و معه لا يعقل التنافي ليوجب تجشّم أحد الامور المذكورة.

ثمّ، إنّه احتجّ على الأمر الثاني: «بأنّه لا دليل على ذلك، إذ عباراتهم مطلقة في

____________

(1) الفقيه 1: 16.

(2) 2 و 3 مشارق الشموس: 249.

376

المنع عن الماء الّذي اغتسل به، غايته أنّه يفهم من بعض كلماتهم- كما نقلنا- عدم المنع من القطرة و الرشحة، و هذا لا يستلزم كون النزاع فيما ذكره، بل الظاهر ما ذكرناه» (1).

و فيه: ما فيه ممّا مرّ، و من أنّه قائل لنفسه.

ثمّ إنّه بعد ما ذكر هذا الكلام، ذكر: «أنّ ما ذكره العلّامة في النهاية من التفسير المتقدّم يؤيّده ما ذكرناه» 2 و هو أيضا كما ترى فإنّ كلام العلّامة ظاهر في اعتبار أمرين، أحدهما: الانفصال عن جميع البدن، لمكان تعبيره بالأعضاء الظاهر في العموم، و ثانيهما: اعتبار الجمع بين ما انفصل عن كلّ واحد من الأعضاء، و بذلك يفارق ما عرفت عن المدارك عنه، فإنّه ظاهر في اعتبار القطرة أيضا، لأنّ كلّ واحد من القطرات المنفصلة عن الأعضاء ماء قليل منفصل عن عضو الطهارة.

فتلخّص بما ذكر: أنّ التفاسير الأربع المذكورة بينها شيء هو ما به اشتراكها، و شيء آخر هو ما به امتيازها.

أمّا الأوّل: فأمران، أحدهما: الدلالة على اعتبار الانفصال عن العضو، و ثانيهما:

الدلالة على خروج فضل الماء الّذي يتطهّر به عن المتنازع فيه، و هو كذلك و إن كان الأوّل منظورا فيه، لما أشرنا إليه و ستعرف تفصيله.

و أمّا الثاني: فلأنّ ما في المدارك ظاهر في كون القطرة بانفرادها أيضا من محلّ النزاع بخلاف الثلاث الباقية، غير أنّها أيضا تمتاز بأنّ ما في النهاية ظاهر في اعتبار الانفصال عن جميع البدن بخلاف الباقيين، فإنّ ما عن صاحب المعالم ظاهر في اعتبار أحد الأمرين من الانفصال عن جميع البدن و الانفصال من أكثره، و ما في شرح الدروس ظاهر بل صريح في اعتبار أحد الامور الثلاث من الانفصال عن جميع البدن أو أكثره أو ما دون الأكثر ممّا زاد على القطرة.

فما في المدارك أعمّ من الجميع لظهوره في اعتبار أحد الامور الأربع، الّتي منها القطرة المنفصلة، و هو الأظهر بملاحظة بعض أدلّة الطرفين، فإنّ المجوّزين للتطهير بذلك يستدلّون بأنّه ماء مطلق و لم يسلبه الاستعمال إطلاق الاسم، فيجب أن يكون مجزيا في التطهير المعلّق على الماء المطلق، و هو كما ترى متناول للقطرة أيضا، إذا

____________

(1) 1 و 2 مشارق الشموس: 249.

377

حصل بها غسل جزء من العضو، و المانعون يستدلّون بأنّ استعمال هذا الماء في التطهير ممّا لا يحصل معه تيقّن البراءة، فيجب أن لا يكون مجزيا، و هو أيضا شامل للقطرة الّتي يحصل بها غسل الجزء من العضو.

و كيف كان فالكلام في هذا الماء تارة في طهارته، و اخرى في طهوريّته.

أمّا الأوّل: [أي في طهارته]

فهو مفروغ عنه بين أصحابنا، إذ لا خلاف لأحد في الطهارة، و نقل عليه الإجماع في حدّ الاستفاضة، نعم أسند الاختلاف فيه إلى العامّة في المنتهى (1) على حذو اختلافهم في ماء الوضوء، و يكفينا في إثبات الطهارة- مضافا إلى ما أشرنا إليه- ما قدّمناه من القاعدة، فإنّ سبب الانفعال هو الملاقاة للنجاسة و هو غير متحقّق هنا، و كون مجرّد الاستعمال رافعا للطهارة الأصليّة ممّا لم يقم عليه دلالة معتبرة، و إلى ذلك أشار العلّامة في المنتهى بقوله: «و لأنّ التنجيس حكم شرعي، فيتوقّف ثبوته على الشرع، و ليس في الشرع دلالة عليه» 2، و أضاف إليه وجها آخر و هو: «أنّ القول بالتنجيس مع القول بطهارة المستعمل في الوضوء ممّا لا يجتمعان إجماعا، و الثاني ثابت إجماعا، فينتفي الأوّل، و إلّا لزم خرق الإجماع» 3.

و يدلّ عليه أيضا روايات مستفيضة قريبة من التواتر، بل متواترة هي بين صحاح و موثّقات و غيرهما.

منها: ما في التهذيب- في صفة الوضوء- عن الفضيل قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضح الماء من الأرض في الإناء؟ فقال: «لا بأس، هذا ممّا قال اللّه تعالى: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» 4 5.

و منها: ما في الكافي- في باب اختلاط ماء المطر بالبول- عن شهاب بن عبد ربّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «في الجنب يغتسل فيقطر الماء عن جسده في الإناء، و ينتضح الماء من الأرض، فيصير في الإناء، أنّه لا بأس بهذا كلّه» 6.

و منها: ما في التهذيب- في الباب المذكور- عن عمّار بن موسى الساباطي، قال:

____________

(1) 1 و 2 منتهى المطلب 1: 133.

(2) 3 منتهى المطلب 1: 134.

(3) 4 الحج: 78.

(4) 5 الوسائل 1: 211 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 1- التهذيب 1: 86/ 225.

(5) 6 الوسائل 1: 212 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 6- الكافي 3: 13/ 6.

378

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل من الجنابة، و ثوبه قريب منه، فيصيب الثوب من الماء الّذي يغتسل منه؟ قال: «نعم، لا بأس به» (1).

و منها: ما فيه في الباب المذكور عن بريد بن معاوية، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

اغتسل من الجنابة، فيقع الماء على الصفاء، فينزو، فيقع على الثوب؟ فقال: «لا بأس به» 2.

و منها: ما تقدّم في غسالة الحمّام، من مرسلة أبي يحيى الواسطي، عن بعض أصحابنا، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: سئل عن مجتمع الماء في الحمّام من غسالة الناس يصيب الثوب؟ قال: «لا بأس» 3.

و منها: ما سبق ذكره في بحث القليل، في جملة الأخبار المستدلّ بها على عدم الانفعال، من رواية عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) أغتسل في مغتسل يبال فيه، و يغتسل من الجنابة، فيقع في الإناء ماء ينزو من الأرض؟ فقال: «لا بأس به» 4.

و منها: ما في التهذيب في باب حكم الجنابة، عن سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

إذا أصاب الرجل جنابة، فأراد الغسل فليفرغ على كفّيه، فليغسلهما دون المرفق، ثمّ يدخل يده في إنائه، ثمّ يغسل فرجه، إلى أن قال-: «فما انتضح من مائه في إنائه بعد ما صنع ما وصفت فلا بأس» 5.

و هذه الأخبار هي الّتي توهّم منها المحقّق الخوانساري الدلالة على عدم المنع عن التطهير بماء الغسل، على فرض كون القطرة أيضا من محلّ النزاع، و قد عرفت منع هذه الدلالة، فإنّها غير دالّة على حكم التطهير إثباتا و نفيا كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: [أي في طهوريته]

ففيه خلاف بين أصحابنا على قولين، بل أقوال إن صحّ عدّ التوقّف قولا في المسألة.

أحدهما: جواز التطهير به و هو الأقوى

، وفاقا للمنتهى 6 و المختلف 7، و الدروس 8، و المدارك 9 و الحدائق 10، و الرياض 11، و المحكيّ عن

____________

(1) 1 و 2 الوسائل 1: 214 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 11 و 12- التهذيب 1: 86 و 87/ 226 و 229.

(2) 3 و 4 الوسائل 1: 213 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 9 و 7- الكافي 3: 15 و 14/ 4 و 8.

(3) 5 الوسائل 2: 231 ب 26 من أبواب الجنابة ح 8- التهذيب 1: 132/ 364.

(4) 6 منتهى المطلب 1: 133.

(5) 7 مختلف الشيعة 1: 234.

(6) 8 الدروس الشرعيّة 1: 122.

(7) 9 مدارك الأحكام 1: 127.

(8) 10 الحدائق الناضرة 1: 438.

(9) 11 رياض المسائل 1: 177.

379

الغنية (1)، و القواعد (2)، و الإرشاد (3)، و الذكرى (4)، و التنقيح (5) و الروض (6)، و الجعفريّة (7)، و جامع المقاصد (8)، و مجمع الفائدة (9)، و نسب إلى محكيّ جمل العلم (10)، و الناصريّات (11)، و المراسم (12)، و السرائر (13)، و بعض مصنّفات المحقّق (14) و التذكرة (15)، و نهاية الإحكام (16)، و البيان (17) و شرح القواعد للسيّد عميد الدين (18) و المعالم (19) و الذخيرة (20)، و الحبل المتين (21)، و في الحدائق: «أنّه المشهور بين المتأخّرين» (22)، و في المدارك: «ذهب إليه المرتضى، و ابن إدريس و أكثر المتأخّرين» (23).

و ثانيهما: المنع عن التطهير به،

و هو المحكيّ عن الصدوقين (24)، و الشيخين (25)، و ابني حمزة (26) و البرّاج (27)، و عن الشيخ في الخلاف (28) نسبته إلى أكثر الأصحاب، و يظهر من المحقّق في كتبه الثلاث المعتبر (29) و الشرائع (30) و النافع (31) التوقّف، بل صرّح بالتردّد في الشرائع 32، و إن جعل المنع أحوط.

و ربّما يستشمّ من الشيخ أنّه قائل بجواز الاستعمال في حال الضرورة، حيث إنّه

____________

(1) غنية النزوع: 49.

(2) قواعد الأحكام 1: 186.

(3) إرشاد الأذهان 1: 238.

(4) ذكرى الشيعة 1: 103.

(5) التنقيح الرائع 1: 58.

(6) روض الجنان: 158.

(7) الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 86).

(8) جامع المقاصد 1: 127.

(9) مجمع الفائدة و البرهان 1: 284.

(10) الجمل و العلم (رسائل الشريف المرتضى 3: 22).

(11) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة، 1: 138).

(12) المراسم (سلسلة الينابيع الفقهيّة، 1: 245).

(13) السرائر 1: 61.

(14) لم نعثر عليه.

(15) تذكرة الفقهاء 1: 35.

(16) نهاية الإحكام 1: 241.

(17) البيان: 102.

(18) حكى عنه في المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 146.

(19) فقه المعالم 1: 332.

(20) ذخيرة المعاد: 142.

(21) الحبل المتين: 116.

(22) الحدائق الناضرة 1: 438.

(23) مدارك الأحكام 1: 126.

(24) حكى عنهما في مختلف الشيعة 1: 233- 1: 10.

(25) المفيد في المقنعة: 64 و الطوسي في المبسوط 1: 11.

(26) الوسيلة (سلسلة الينابيع الفقهيّة، 1: 414).

(27) جواهر الفقه: 8 المسألة 4.

(28) الخلاف 1: 172 المسألة 126.

(29) المعتبر: 21.

(30) 30 و 32 شرائع الإسلام 1: 16.

(31) المختصر النافع: 44.

380

في كتابيه التهذيب (1) و الاستبصار (2)- بعد ما أورد فيهما الرواية الآتية عن عليّ بن جعفر المؤذنة بالجواز- أخذ بحملها على الضرورة المستفادة من سياقها أيضا- على ما قيل- و لكن كون ذلك مذهبا له محلّ إشكال، حيث إنّ التأويل لدفع التنافي لا يستلزم اختياره مذهبا- كما تنبّه عليه في الحدائق (3)- و نظيره كثير الوقوع في كلامه في الكتابين كما لا يخفى على المتتبّع.

و بالجملة: فحجّة القول الأوّل- من المحصّل، و المحكيّ، و المزيّف، و الصحيح- وجوه:

أوّلها: الإجماع المحكيّ عن الناصريّات (4)، المعتضدة بالشهرة المتأخّرة

، المحكيّة في كلام جماعة، و هو لمن يراه حجّة بالخصوص في محلّه، إن لم يكن موهونا بمصير جماعة من أعاظم القدماء إلى خلافه.

و ثانيها: أصالة بقاء المطهّريّة الثابتة قبل الاستعمال

، و لا يعارضها أصالة بقاء الحدث الثاني على ما قرّر في محلّه، كما أنّه بالاستعمال لا يخرج عن موضوعه الأوّل، و هو أيضا في محلّه إن لم يكن في مقابله ما يرفع موضوعه.

و ثالثها: أصالة بقاء الأمر بالغسل الثابت قبل انحصار الماء في المفروض

، و هو فاسد لرجوعه بالقياس إلى إثبات المطهّريّة لهذا الماء إلى الأصل المثبت، ضرورة أنّ المطهّريّة له ليست من الأحكام الثابتة للمستصحب في الحالة السابقة حتّى يحكم ببقائها في الحالة اللاحقة، لكونها مشكوكا فيها في كلتا الحالتين كما لا يخفى، و بذلك يستغني عن تجشّم معارضة ذلك بأصالة بقاء الحدث.

و رابعها: إطلاق الأمر بالغسل

، لصدق امتثاله باستعمال الماء المفروض، و حاصله:

أنّ استعمال هذا الماء في رفع الحدث و نحوه غسل، و كلّ غسل موجب لامتثال الأمر به و مقتض للإجزاء، أمّا الصغرى: فواضحة، و أمّا الكبرى: فلإطلاق الأوامر الواردة بالغسل كتابا و سنّة، و المناقشة فيه: بخروج الماء المفروض بسبب الاستعمال عن كونه مطهّرا، مصادرة لا يعبأ بها.

____________

(1) التهذيب 1: 417 ح 1318- و اكتفى فيه بنقل الرواية فقط من دون حملها على الضرورة.

(2) الاستبصار 1: 28 ب 14 ذيل حديث 2.

(3) الحدائق الناضرة 1: 440.

(4) الناصريّات (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 139).

381

نعم، قد يناقش بمنع اعتبار هذا الإطلاق، لانصرافه إلى الغالب، و هو الاغتسال بالماء الّذي لم يستعمل في الحدث الأكبر.

و يمكن دفعه: بأنّ الانصراف المدّعى إن اريد به ما هو بالقياس إلى لفظ «الماء» فهو في حيّز المنع، لأنّ الغلبة و الندرة إنّما تلاحظان فيما بين الأفراد الأوّلية للمطلق، الممتازة بعضها عن بعض بمشخّصاتها الّتي عليها مدار وجوداتها و بها ينوط فرديّتها له، و الماء المستعمل في الحدث الأكبر بوصف أنّه مستعمل فيه ليس منها، لعدم كون هذا الوصف من مشخّصاته بالمعنى المذكور، و إنّما هو من طوارئه العارضة له بعد وجوده و تشخّصه بمشخّصاته، فهو لا يدخل في عداد الأفراد الّتي يلاحظ بينها- لمجرّد الفرديّة- غلبة و ندرة، فيحمل المطلق على ما هو الغالب منها دون النادر، بل «الماء» ينبغي أن يلاحظ بالنسبة إليه مطلقا، لكونه مجامعا لكل واحد من أفراده الحقيقيّة، المتمايزة بحسب المشخّصات الخارجيّة.

و لو قيل: بأنّ قضيّة هذا البيان كون حيثيّة الاستعمال في الحدث الأكبر من الأحوال الطارئة للماء، فلا بدّ و أن يراد بالإطلاق المستدلّ به في الدليل المذكور ما يلاحظ بالقياس إلى الأحوال، حتّى يثبت جواز استعمال الماء حال كونه مستعملا في الحدث الأكبر أوّلا، أو أنّها من الصفات الطارئة له الزائدة على مشخّصاته، فلا بدّ من إحراز الإطلاق بالنسبة إلى الصفات ليندرج فيه محلّ البحث، فحينئذ يتوجّه دعوى الانصراف إلى غير تلك الحالة، أو غير هذه الصفة.

لدفعه: منع الانصراف الناشئ عن غلبة حصول غير تلك الحالة أو الصفة، إذ لا ندرة في عروض وصف الاستعمال في الحدث الأكبر للماء بحسب الخارج بالقياس إلى سائر الأحوال و الصفات العارضتين له، كما لا يخفى.

و من هنا يتّجه منع الانصراف و دعوى الغلبة لو قرّر الإطلاق بالقياس إلى الأفراد و جعل هذا الماء من جملتها، ضرورة أنّه لا ندرة في هذا الفرد أصلا في الوجود الخارجي بالنسبة إلى كثير من الأفراد الاخر كما لا يخفى، بل الظاهر أنّ من يدّعي الانصراف هنا لا يدّعيه من هذه الجهة.

و إن اريد به ما هو بالقياس إلى لفظي «الغسل» و «الاغتسال»، فيخدشه: منع

382

جريان قاعدة الانصراف في المشتقّات، لما قرّر فيها من كونها مأخوذة من المبادئ المجرّدة عن اللام و التنوين، الموضوعة للماهيّات لا بشرط شيء، فيجب أن تعتبر المشتقّات أيضا على هذا الوجه.

لكن يدفعه: أنّ كون اشتقاقها باعتبار الوضع اللغوي من هذا الباب لا ينافي طروّ الانصراف لها في لحاظ العرف و الإطلاق، لما طرأ أفراد مباديها من الاختلاف في الغلبة و الندرة.

فالإنصاف: أنّ الانصراف من الجهة المذكورة ممّا لا مجال إلى إنكاره، إذ المتبادر من قول القائل: «غسلت و اغتسلت، و اغتسل»، و نحوه إنّما هو ما يحصل بغير المستعمل في الحدث الأكبر، و هو الفرد الشائع المتعارف الغالب في الوجود.

فما قيل في دفع الانصراف- بهذا المعنى-: من أنّه في غاية الضعف لصدق «الماء» على المفروض من جهة عدم صحّة السلب، و صحّة التقسيم، و التقييد به و بغيره، و حسن الاستفهام، و صدق الامتثال بالإتيان به إذا أمر بالإتيان بالماء، و تبادر القدر المشترك بينه و بين غيره من إطلاق الماء، و أنّ المخرج عن الإطلاق لا يكون إلّا وصف الاستعمال، و هو غير صالح له و إلّا كان كلّ ماء مستعمل في طهارة من الحدث أو الخبث أو في غير طهارة ماء مضافا، و البديهة تشهد بخلافه- ليس في محلّه، لابتنائه أوّلا: على الغفلة عن فهم المقصود بالانصراف هنا، و ثانيا: على الاشتباه في فهم معنى مطلق الانصراف، فإنّه حيثما ادّعى ممّا لا ينبغي مقابلته بشيء من الوجوه المذكورة، كما لا يخفى و المفروض أنّه ثابت بالقياس إلى لفظي «الغسل» و «الاغتسال» و ما اشتقّ منهما.

فالأولى أن يجاب عنه: بأنّ التبادر العرفي عند الإطلاق و إن كان مسلّما، غير أنّ الّذي يظهر بملاحظة النظائر أنّ هذا التبادر نوعا ملغى في نظر الشارع، بمعنى أنّه لم يرتّب عليه حكما و لم يعتبره على وجه يكشف عن المراد، بل الّذي اعتبره في تعليق الأحكام على هذين اللفظين و ما يشتقّ منهما إنّما هو نفس الماهيّة الصادقة على الغالب و النادر، كما يفصح عنه الإجماع على جواز استعمال المستعمل في الوضوء في رفع الحدث ثانيا، و على جواز استعمال محلّ البحث في إزالة الخبث كما يأتي التنبيه عليه، و على جواز استعمال المياه الكبريتيّة و النفطيّة مطلقا و ما أشبه ذلك، مع أنّ الكلّ مشارك للمقام في الندرة و عدم الانصراف عند الإطلاق، و ستسمع نظير هذا التحقيق عن السيّد

383

المرتضى في بحث المضاف، و إن كان ذلك منه في غير محلّه.

و خامسها: عموم ما دلّ على أنّ الماء مطهّر

، كقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (1) و نحوه، و الأولى أن يقال في تقريبه: بأنّ العمومات الواردة في طهوريّة الماء كتابا و سنّة، مضافة إلى الأدلّة الحاكمة عليها المخصّصة لها في موارد مخصوصة، قد قضت بأنّ الماهيّة المائيّة من حيث هي مقتضية للطهوريّة ما لم يصادفها ما يمنعها عن الاقتضاء، و يرفع الطهوريّة عنها من العوارض الخارجيّة، و كون عروض الاستعمال في الحدث الأكبر من جملة الروافع، ممّا لم يقم عليه من الشرع دلالة معتبرة، و ما اقيم فيه من الدلالة ليست بمعتبرة كما سنبيّنه، فالمقتضي للطهوريّة عند استعمال الماء المفروض موجود، و المانع مفقود، فيجب القول بها.

و ما عساه يناقش في ذلك: بأنّ أقصى ما يلزم من ذلك أنّ الماهيّة المائيّة متّصفة بالطهوريّة، و أمّا أنّها بمعنى رفع الحدث أو الخبث أو هما معا فلا، فتكون مجملة. سلّمنا أنّها بمعنى رفع الحدث أو مطلقا، و لكنّه أعمّ من دفعه مرّة أو مرارا، فلا دلالة فيها على الثاني.

يندفع: بأنّها من حيث هي من الجهة الاولى و إن كانت مجملة، غير أنّ الأدلّة الخارجيّة قد بيّنها و كشفت عن كونها بالمعنيين معا، فالماهيّة المائيّة بموجب تلك الأدلّة رافعة للحدث في موارده، و مزيلة للخبث في محالّة، و أمّا كون ذلك حاصلا منه مرارا- على ما هو من محلّ النزاع- فيثبت بمقتضى ما بيّنّاه من كون الوصفين تابعين لأصل الماهيّة مع فرض بقاء الماهيّة في مفروض المسألة، إذ الكلام فيما لو بقي الإطلاق، فإذا كانت الماهيّة باقية فهي بنفسها مقتضية للتكرار، و لا حاجة معه إلى دلالة اخرى.

و بذلك يستغني عمّا قيل في الذبّ عن نظير تلك المناقشة، من أنّ صيغة «فعول» للتكرار، فإذا قيل: «فلان ضروب»، كان معناه: أنّه يكثر منه الضرب، كما حكي الإشارة إليه أيضا عن الشهيدين في مقام الاحتجاج على الجواز، بتقريب: أنّ الطهور يتكرّر منه الطهارة، مع أنّه في أصله فاسد لابتنائه على كون طهور في الآية و غيرها للمبالغة.

و قد تقدّم في مفتتح الكتاب منعه كما أنّ بما بيّنّا من تقريب الاستدلال- مضافا إلى ما قرّرناه في دفع المناقشة المشار إليها- يندفع ما قيل في المناقشة في عموم الآية

____________

(1) الفرقان: 48.

384

و نظائرها، من أنّ أقصى ما يستفاد من ذلك كون «الماء» مطهّرا، و أمّا أنّه من الحدث أو الخبث فلا، لاشتراك الطهارة لفظا بين رفع الحدث و إزالة الخبث، كما صرّح به العلّامة في المنتهى (1)، و لو سلّم الاشتراك المعنوي بينهما فهو لا يجدي نفعا في رفع الإشكال، لكون المشترك المعنوي إذا وقع خبرا أو ما هو بحكمه مجملا، كما في قولك: «زيد إنسان» فإنّ أقصى ما يدلّ عليه ذلك إنّما هو كون زيد فردا من الإنسان، و أمّا أنّه أسود أو أبيض أو أنّه عالم أو جاهل فلا دلالة له على شيء من ذلك، مع كون الإنسان مشتركا بين الكلّ معنى، و المقام أيضا من هذا الباب، فإنّ قوله: وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً (2) إنّما يدلّ على أنّ الماء من أفراد الطهور، و هو و إن كان مشتركا بين رفع الحدث و إزالة الخبث، معنى على الفرض، و لكن توصيف الماء به لا يدلّ على أنّه موصوف بأحدهما معيّنا أو بكليهما، فيكون مجملا، فإنّ «طهور» على ما سبق في أوائل الكتاب- إنّما هو بمعنى المطهّر المستلزم للطهارة، المأخوذ عنها بالمعنى اللغوي الّذي فصّله الشرع بالخلوص عن الحدث و الخبث، فالمطهّر على ما فصّله الشرع هو الرافع للحدث المزيل للخبث فلا اشتراك فيه لفظا كما لا إجمال على الاشتراك معنى.

و سادسها: ما قدّمنا الإشارة إليه في بحث ماء الوضوء، من القاعدة المستفادة عن مجموع الأدلّة الجزئيّة الواردة في أبواب الطهارات و تطهير النجاسات

، الحاكمة بأنّ الماء إذا جامع وصفي الإطلاق و الطهارة فهو مطهّر عن الحدث و مزيل للخبث و المفروض منه، فيجب كونه كذلك، و دعوى: أنّ الطهوريّة قد حصلت منه بالفرض فلا يصلح لها ثانيا، تقييد في موضوع القاعدة فلا يصار إليه إلّا بدليل، و أيّ دليل عليه في المقام.

و سابعها: قوله تعالى: فَلَمْ تَجِدُوا مٰاءً فَتَيَمَّمُوا (3) الآية،

فإنّه يدلّ على المنع من التيمّم مع وجود الماء، فالماء المفروض مع وجوده يوجب أن لا يصدق هنا قضيّة عدم وجدان الماء فلم يجز التيمّم، و معه وجب استعماله للإجماع على عدم سقوط الطهارة حينئذ.

و الأولى أن يقرّر: بأنّ الآية بمفهومها دلّت على عدم وجوب التيمّم مع وجدان الماء، و إذا انضمّ إليه الإجماع المذكور مع الإجماع على أنّ التيمّم حيثما لم يجب لم يجز، ثبت وجوب استعمال الماء المفروض.

____________

(1) منتهى المطلب 1: 132.

(2) الفرقان: 48.

(3) المائدة: 6.

385

و ما عساه يورد عليه: بأنّ أقصى ما دلّت عليه الآية إنّما هو جواز التيمّم مع عدم وجدان الماء، و عدم جوازه مع وجدانه، و أمّا أنّ هذا الماء أيّ ماء، و أيّ نوع منه فليست الآية بصدد تفصيله، على معنى أنّها ساكتة عن بيان الموضوع و تعيينه بالتعميم و التخصيص.

يدفعه: أنّ الإهمال ينافيه ما هو مفاد الشرطيّة من السببيّة الثانية، و مرجع الايراد إلى منع العموم في المفهوم، و قد سبق تفصيل إبطاله في غير موضع ممّا تعلّق بمفهوم قولهم (عليهم السلام) «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه» (1) و قضيّة ذلك: كون وجدان الماء كائنا ما كان مانعا عن التيمّم، من غير فرق في ذلك بين حمل عدم الوجدان على معناه الظاهر المرادف لعدم التمكّن العقلي، أو ما يعمّه و عدم التمكّن الشرعي الغير المنافي للتمكّن العقلي، ليشمل صور وجود الماء المغصوب و نحوه.

فما يقال: من أنّ المراد بعدم وجدان الماء عدم التمكّن من استعماله لا فقده بالمرّة، و عدم التمكّن كما يكون لعدم القدرة الذاتيّة، كذا يكون لنهي الشارع عن استعماله لا فقده بالمرّة، فهذا الماء يحتمل أن يكون منهيّا عن استعماله شرعا فيكون غير متمكّن من استعماله، كما يحتمل أن يكون مرخّصا فيه فيكون متمكّنا عن استعماله، فلم يعلم بتعلّق حكم المنطوق به و لا المفهوم. ممّا لا وقع له، فإنّ مجرّد احتمال المنع الشرعي- مع كونه منفيّا بالأصل- لا يوجب رفع التمكّن شرعا، و معه فالماء المفروض مندرج في المفهوم جزما.

و القول باندراجه في المنطوق المعلّق على عدم التمكّن، لأنّ ما لم يقم من الشرع دليل على جواز استعماله في الطهارة فالأصل عدمه، فيكون الآية على هذا التقدير دليلا على المنع، واضح المنع، بأنّ جواز الاستعمال- بحكم مفهوم الآية المستند إلى انفهام السببيّة التامّة معلّق على القدرة الذاتيّة مع عدم منع الشارع عن الاستعمال و هما حاصلان في المقام، أمّا الأوّل: فواضح، و أمّا الثاني: فلعدم قيام المنع المنفيّ احتماله بالأصل.

نعم، ربّما يشكل ذلك بأنّ ذلك لا يقتضي إلّا جواز استعماله حال الضرورة، و لعلّه ليس من محلّ النزاع بالنظر إلى ما يأتي ذكره، فلا يمكن تتميمه بعدم القول بالفصل بالنسبة إلى حالتي الاختيار و الضرورة، إلّا أن يقال في تقريره: بأنّ كلّ ماء جاز استعماله في

____________

(1) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 2.

386

موضع مظنّة التيمّم، جاز استعماله في غير موضع مظنّته بالإجماع المركّب، و يبقى الكلام حينئذ في إثبات هذا الإجماع ليثبت به الملازمة المذكورة، و هو محلّ تأمّل.

و ثامنها: ما احتجّ به العلّامة في المختلف: «من أنّه لو لم يجز إزالة الحدث به لم يجز إزالة النجاسة به، و الثاني باطل

، أمّا أوّلا: فلأنّ الخصم قد سلّم إزالة النجاسة به، و أمّا ثانيا: فلأنّه ماء طاهر، فجاز إزالة النجاسة به للأمر بالغسل على الإطلاق.

و أمّا بيان الشرطيّة: فلأنّ النجاسة العينيّة نجاسة حقيقيّة، و الحدث نجاسة حكميّة، و رافع أقوى النجاستين يجب أن يكون رافعا لأضعفهما» (1) و هو واضح الضعف، لوضوح منع الملازمة، ببطلان دعوى الأقوائيّة في النجاسة العينيّة و الأضعفيّة في خلافها، بل القضيّة عند التحقّق منعكسة، و لذا يغتفر الأوّل في الصلاة في كثير من صورها بخلاف الثاني، إذ لا يغتفر أصلا إلّا إذا قارن ارتفاع التكليف عن الصلاة بالمرّة، و كذلك يتسامح في الأوّل بما لا يتسامح في الثاني، و لذا ترى أنّ زوال الأوّل يحصل بالماء المغصوب، و بمباشرة الغير، و بإجبار الغير عليه بخلاف الثاني، مع أنّ اختلاف حكميهما كمّا و كيفا من أقوى الشواهد بانتفاء الملازمة فيما بينهما شرعا.

و تاسعها: ما احتجّ به في المختلف أيضا، من «أنّ زوال الطهوريّة عن هذا الماء مع ثبوتها في المستعمل في الصغرى ممّا لا يجتمعان

، و الثاني ثابت بالإجماع فينتفي الأوّل، و الدليل على التنافي: أنّ رفع الحدث مع طهارة المحلّ إمّا أن يقتضي زوال الطهوريّة عن هذا الماء أو لا يقتضي، و أيّا ما كان يلزم عدم الاجتماع، أمّا على التقدير الأوّل: فلاقتضائه زوال الطهوريّة عن المستعمل في الصغرى، و أمّا على التقدير الثاني:

فلعدم صلاحية علّيّته لإزالة الطهوريّة عن محلّ النزاع، و لا مقتضي للإزالة سواه، فيكون الإزالة منتفية عملا بأصالة طهوريّة الماء، السالمة عن معارضة العلّيّة» (2) و هذا كما ترى أضعف من سابقه، فإنّ دعوى عدم اجتماع الحكمين مع تعدّد موضوعيهما كما ترى، إذ ملاحظة رفع الحدث بعنوان كلّي في بيان عدم الاجتماع ممّا لا معنى له، بعد ملاحظة أنّه في الصغرى موضوع، و في الكبرى موضوع آخر مغاير للأوّل، و إنّما يختلف الموضوعان باختلاف الإضافة المختلفة بحسب اختلاف المضاف إليه، فإنّ الحدث

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 235.

(2) مختلف الشيعة 1: 236.

387

الأصغر مع الحدث الأكبر أمران متغايران، دلّ على تغايرهما الشرع بما رتّب على كلّ أحكاما غير الأحكام المترتّبة على الآخر، كما يفصح عن ذلك حرمة دخول المسجدين، و اللبث في سائر المساجد، و قراءة سور العزائم، و كراهة الأكل و الشرب و النوم بلا وضوء و لا تيمّم مع الثاني، و انتفاء هذه الأحكام بأسرها مع الأوّل، و اعتبار الموالاة و الترتيب بين أجزاء العضو في الأوّل دون الثاني، و من البيّن: أنّ اختلاف اللوازم ممّا يكشف عن اختلاف الملزومات.

فحينئذ يتّجه أن يقال- في هدم الاستدلال- إنّ رفع الحدث في بيان ما ادّعي من عدم إمكان الاجتماع إن اريد به رفع الأصغر، فهو لا يقتضي زوال الطهوريّة عمّا استعمل فيه، و لا يدخل فيه رفع الأكبر لما بيّنّاه من المغايرة بينهما، و إن اريد به رفع الأكبر، فلو قيل فيه: بأنّه يقتضي زوال الطهوريّة، فهو ممّا لا رادع له إلّا القياس الباطل، و تتميمه بأصالة عدم زوال الطهوريّة ممّا يرفع الحاجة إلى تحمّل المشقّة في نظم هذا الوجه العليل بطوله، و إن اريد به المعنى الأعمّ فمرجعه إلى الخلط بين المسألتين، فلا يصغى إليه جدّا.

و عاشرها: عدّة من الروايات

الّتي منها: ما في التهذيب- من الصحيح- عن عليّ بن جعفر، عن أبي الحسن الأوّل عن الرجل يصيب الماء في ساقية، أو مستنقع، أ يغتسل منه للجنابة، أو يتوضّأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره؟ و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة، و لا مدّا للوضوء، و هو متفرّق فكيف يصنع؟ و هو يتخوّف أن تكون السباع قد شربت منه؟ فقال: «إن كانت يده نظيفة فليأخذ كفّا من الماء بيد واحدة، فلينضحه خلفه، و كفّا أمامه، و كفّا عن يمينه، و كفّا عن شماله، فإن خشي أن لا يكفيه، غسل رأسه ثلاث مرّات، ثمّ مسح جلده بيده، فإنّ ذلك يجزيه، و إن كان الوضوء غسل وجهه و مسح يده على ذراعيه و رأسه، و رجليه، و إن كان الماء متفرّقا فقدر أن يجمعه، و إلّا اغتسل من هذا و هذا، و إن كان في مكان واحد، و هو قليل، لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل، و يرجع الماء فيه، فإنّ ذلك يجزيه» (1).

و اعلم أنّ صحّة الاستدلال بتلك الرواية و سقمه يستدعي معرفتهما النظر في فهم

____________

(1) الوسائل 1: 216 ب 10 من أبواب الماء المضاف ح 1- التهذيب 1: 416/ 1315.

388

الفقرات الّتي تضمّنتها، فإنّها غير خالية عن وصمة الشبهة و الإجمال في بادي الرأي، و من جملة تلك الفقرات ما تضمّنته أوّلا من الأمر بنضح الجوانب الأربع بأربعة أكفّ من الماء، و به ورد روايات اخر مثل رواية ابن مسكان قال: حدّثني، صاحب لي ثقة، أنّه سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، فيريد أن يغتسل، و ليس معه إناء، و الماء في وهدة، فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء، كيف يصنع؟ قال:

«ينضح بكفّ بين يديه، و كفّا من خلفه، و كفّا عن يمينه، و كفّا عن شماله، ثمّ يغتسل» (1).

و عن المحقّق أنّه رواه في المعتبر (2) نقلا من كتاب الجامع لأحمد بن محمّد بن أبي نصر [عن عبد الكريم]، عن محمّد بن ميسّر، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و عن ابن إدريس (3) أنّه نقله في آخر السرائر من كتاب نوادر البزنطي، عن عبد الكريم، عن محمّد بن ميسّر.

و في الكافي عن الكاهلي، قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا أتيت ماء و فيه قلّة، فانضح عن يمينك و عن يسارك و بين يديك و توضّأ» (4).

و اختلفوا في محلّ النضح، و في الحكمة الداعية إليه، و في المسائل (5) عن المحقّق أنّه في المعتبر 6 حكى في تفسير نضح الأكفّ قولين:

أحدهما: أنّ المراد منه رشّ الأرض، ليجتمع أجزاؤها، فيمتنع سرعة انحدار ما ينفصل من بدنه إلى الماء.

و الثاني: أنّ المراد به بلّ جسده قبل الاغتسال، ليتعجّل قبل أن ينحدر ما ينفصل منه و يعود إلى الماء، و حكاهما العلّامة أيضا في المنتهى 7، و صاحب المدارك في حاشية الاستبصار 8 غير أنّه عدل عنهما باستظهار احتمال ثالث، قائلا: «و الّذي يظهر أنّ المراد به نضح الأرض، لكن لا لهذه الفائدة، بل لإلقاء الخبث المتوهّم الحاصل في وجه الماء، كما يدلّ عليه قوله (عليه السلام) في رواية الكاهلي «إذ أتيت ماء و فيه قلّة فانضح عن

____________

(1) الوسائل 1: 217 ب 10 من أبواب الماء المضاف ح 2- التهذيب 1: 417/ 1318- الوهدة: أي مكان منخفض (منه)- الغسل بالكسر ما يغسل به من الماء (منه).

(2) 2 و 6 المعتبر: 22.

(3) السرائر 3: 555.

(4) الوسائل 1: 218 ب 10 من أبواب الماء المضاف ح 3- الكافي 3: 3/ 1.

(5) كذا في الأصل.

(6) 7 منتهى المطلب 1: 136.

(7) 8 حاشية الاستبصار؛ لم نعثر عليه.

389

يمينك، و عن يسارك، و بين يديك و توضّأ» (1)، و في رواية أبي بصير: «إن عرضك في قلبك شيء فافعل هكذا، يعني افرج الماء بيديك ثمّ توضّأ» (2) و تمام الحديث قد تقدّم في بحث انفعال القليل.

و عن بعضهم القول: بأنّ محلّ النضح هو الأرض، و الحكمة فيه عدم رجوع ماء الغسل، لكن لا من جهة كونه غسالة بل من جهة النجاسة الوهميّة الّتي في الأرض فالنضح إنّما هو لإزالة النجاسة الوهميّة منها.

و عن الآخر القول: بأنّ الحكمة إنّما هي رفع ما يستقذر منه الطبع من الكثافات، بأن يؤخذ من وجه الماء أربع أكفّ و ينضح على الأرض، نسبه في الحدائق (3) إلى صاحب المدارك في حاشية الاستبصار، و لكن عبارته المتقدّمة يأباه كما لا يخفى. و عن بعضهم أيضا أنّ المراد بمحلّ النضح البدن، لكن الحكمة فيه ترطيب البدن قبل الغسل لئلّا ينفصل عنه ماء الغسل كثيرا، فلا يفي بغسله لقلّة الماء، و عن الآخر: أنّ المراد نضح البدن لحكمة إزالة توهّم ورود الغسالة، إمّا بحمل ما يرد على الماء على وروده ممّا نضح على البدن قبل الغسل الّذي ليس من الغسالة، و إمّا أنّه مع الاكتفاء بالمسح بعد النضح لا يرجع إلى الماء شيء.

و عن صاحب المنتقى: «أنّ عجز الخبر- يعني صحيحة عليّ بن جعفر المتقدّمة- صريح في نفي البأس، فحكم النضح للاستحباب» (4)، و غرضه بذلك أنّ النضح سواء اريد به نضح الأرض أو البدن، ليس لحكمة ما قيل من عدم انحدار ما ينفصل من البدن إلى الماء، و هذا مبنيّ على توهّم دلالة الرواية على عدم المنع عن استعمال المستعمل، كما أنّ القول المنقولين في المعتبر و غيره مبنيّان على القول بالمنع.

أقول: أمّا القول بأنّ المراد نضح البدن بجميع محتملاته بالنسبة إلى الحكمة، فممّا ينبغي القطع ببطلانه، لدلالة صريح رواية الكاهلي، و ظاهر صحيحة عليّ بن جعفر بذلك.

أمّا الأوّل: فلمكان قوله (عليه السلام)- بعد الأمر بالنضح-: «و توضّأ» ضرورة: أنّ الجوانب

____________

(1) الوسائل 1: 218 ب 10 من أبواب الماء المضاف ح 3- الكافي 3: 3/ 1.

(2) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق- ح 14- التهذيب 1: 417/ 1316.

(3) الحدائق الناضرة 1: 416.

(4) منتقى الجمان 1: 68.

390

الأربع حينئذ ممّا لا يتصوّر بالنسبة إلى الوضوء، و احتمال كون التوضّي مرادا به هنا الاغتسال، كما ترى ممّا لا يصغى إليه.

و أمّا الثاني: فلأنّ قوله (عليه السلام): «فإن خشي أن لا يكفيه» و إن كان بالقياس إلى ما قبله مجملا، من حيث احتمال كونه أمرا بالعدول عن نضح الأكفّ في موضع خشية عدم كفاية الباقي من الماء إلى الغسل و المسح اللذين أمر بهما، فيكون تنبيها على سقوط النضح حينئذ، و احتمال كونه أمرا بالكيفيّة المذكورة في موضوع الخشية بعد الفراغ عن نضح الأكفّ، و يكون حاصل المعنى: أنّه إذا صنع النضح كما فصّل فصادف خشية عدم كفاية الباقي فليفعل في طهارته هكذا.

و منشأ الاحتمالين أنّ الخشية إذا قسناه إلى نضح الأكفّ قبلا و بعدا لا بدّ له من متعلّق مقدّر، فإمّا أن يكون المعنى: إن خشي قبل أن ينضح أن لا يكفيه ليفعل هكذا، و إمّا أن يكون أنّه إن خشي بعد ما فرغ عن النضح أن لا يكفيه ليفعل هكذا، فعلى الأوّل يكون النضح المأمور به معلّقا، و على الثاني يكون مطلقا، و على التقديرين فهو بالقياس إلى ما بعده مفصّل، لتضمّنه تعليم كيفيّة الغسل و الوضوء في محلّ خشية عدم كفاية الباقي من النضح، مع حصول النضح أو عدم حصوله.

و أيّا ما كان فالوضوء بقرينة التفصيل اللاحق مندرج في الحكم السابق، سواء اعتبرناه معلّقا أو مطلقا، و قد عرفت أنّ نضح البدن في جهاته الأربع بالنسبة إلى الوضوء و مريد التوضّي، ممّا لا معنى له.

فالإنصاف: أنّ المراد بالنضح الوارد في الروايات إنّما هو نضح الأرض، بدلالة ما قرّرناه، لكن الكلام يبقى في الحكمة الباعثة عليه، و الّذي يترجّح في النظر القاصر أنّه لأجل إزالة أثر أقدام السباع الّتي منها الكلب و الخنزير، المتوهّم انطباعه على جوانب الساقية أو النقيع من الأرض، المحتمل بقاؤه بعد ذهابهنّ عن الماء، لئلّا ينكشف فساد الماء بعد استعماله في الغسل أو الوضوء، لمكان كونه قليلا قابلا للانفعال بمباشرة نجس العين، فإنّ الإنسان ربّما يستعمل الماء فيهما، فيتبيّن له بعده من آثار أقدامهنّ في حوالي الماء و جوانبه الأربع ما تكون ملزوما للعلم العادي بمباشرتهنّ الماء، فيفسد عليه الطهارة، و يشقّ عليه الأمر في تطهير ثيابه و أعضاء طهارته مع قلّة الماء و إعوازه.

391

و ممّا يرشد إلى إرادة هذا المعنى قول السائل و هو يتخوّف أن تكون السباع قد شربت منه، فإنّ السؤال مفروض في موضع احتمال تردّد السباع المستلزم لمباشرة الماء الموجبة لانفعاله، و الجواب خارج على طبقه، و مراد به التنبيه على عدم الاعتناء بهذا الاحتمال، و عدم وجوب مراعاة المباشرة المحتملة بالنظر في تحصيل الأمارات الدالّة عليها، الّتي منها آثار أقدامهنّ، و يبقى بعد ذلك احتمال ظهور الفساد بعد الاستعمال بتبيّن المباشرة بحكم العادة المستندة إلى تبيّن أثر الأقدام، فيتخلّص من ذلك بالنضح على الجوانب الأربع الموجب لزوال الأثر لو كان موجودا في الواقع.

و لا ينافي هذا المعنى ما في رواية ابن مسكان من قول السائل: «فإن هو اغتسل رجع غسله في الماء» المتعقّب للجواب الآمر بالنضح على النهج المتقدّم، و إن أوهم في بادي الرأي كونه لحفظ الماء عن ورود الغسل عليه و رجوعه فيه، و منه نشأ توهّم الجماعة ظاهرا، لكون (1) المورد محتملا لتردّد السباع و إن لم يذكره السائل، و قد علم به الإمام (عليه السلام) فأجاب بموجب ما اقتضاه هذا الاحتمال، لجواز اعتقاده بأنّ ما فرضه السائل غافلا عن هذا الاحتمال ممّا لا حكم له، و لا يترتّب عليه أثر، و لا ينشأ منه محذور بالقياس إلى عدم تعرّضه لبيان ما هو واقع الأمر فيما عرضه السائل على نحو الصراحة، لأنّ عدم التصريح ببيان حال ما لا حكم له شرعا ليس بمناف للحكمة، و إنّما المنافي لها عدم التعرّض لبيان حكم ما له حكم في الشرع، و المقام ليس منه، مع إفادته إرشاد السائل إلى خلوّ مورد السؤال عن جهة المنع بعد استعمال النضح، و إن لم تكن تلك الجهة المنبّه على ارتفاعها بذلك العمل ما توهّمه السائل، و القرينة على ذلك كلّه ما قرّرناه في توجيه صحيحة عليّ بن جعفر، فإنّ الظاهر أنّ هذه الروايات كلّها واردة في سياق واحد لحكمة واحدة، و قضيّة ذلك كلّه كون الأمر بالنضح الوارد إرشاديّا مرادفا للاستحباب، مرادا به إرشاد السائل إلى طريق الاحتياط، و الأخذ بالأوثق الّذي هو حسن في كلّ حال.

و أمّا الوجوه الاخر الّتي ذكروها في المقام فليس شيء منها بشيء.

أمّا الأوّل منها: فلعدم كون رشّ الأرض ملزوما عقليّا و لا عاديّا لإمساك الغسالة

____________

(1) هذا جواب لقوله: «لا ينافي هذا المعنى ما في رواية ابن مسكان الخ».

392

عن انحدارها و لا بطء انحدارها إلى الماء، بل له مزيد مدخل في استعداد الأرض، لإفادتها إيّاها سرعة الانحدار إليه، كما تنبّه عليه ابن إدريس (1) فيما حكي عنه.

و أمّا الثاني- الّذي أفاده صاحب المدارك (2)- فيأباه اعتبار كون النضح على الجهات الأربع، ضرورة أنّ ذلك حكمة تتأتّى بأيّ نحو اتّفق النضح، مع أنّ النجاسة المتوهّمة إن كان لها حقيقة فلا ترتفع بذلك بالضرورة، و إن لم يكن لها حقيقة أصلا- أي في شيء من الموادّ- فلا يترتّب عليه فائدة، و على التقديرين فلا مورد للاحتياط الّذي كان الأمر بالنضح إرشادا إليه، نظرا إلى الحكمة المذكورة، ضرورة أنّ طريق الاحتياط لا بدّ و أن يكون ملزوما للتحرّز عن المفسدة المحتملة، و لذا تراه موجبا لتيقّن البراءة في موارد جريانه.

و بهذا كلّه يتبيّن فساد الثالث- المحكيّ عن بعضهم- من أنّه لأجل النجاسة الوهميّة الّتي في الأرض، فإنّ هذا الوهم إن كان له حقيقة فالرشّ لا يجدي نفعا في زوال المقتضي، بل ربّما يوجب تضاعفه كما لا يخفى، و إلّا كان لغوا.

و أمّا الرابع: فهو أوضح فسادا من الجميع، أمّا أوّلا: فلأنّ بيان طريق رفع هذا الاستقذار ليس من وظيفة الشارع لكونه من الامور البيّنة، و أمّا ثانيا: فلأنّه لا يقتضي اعتبار الكيفيّة المذكورة في الروايات، بل يتأتّى بالنضح كيفما اتّفق.

فإن قلت: ما ذكرته في إبطال الوجه الثاني و الثالث ممّا يرد على ما استظهرته من الحكمة، لأنّ احتمال مباشرة السباع للماء إن كان له واقع، فإزالة أثر أقدامهنّ برشّ الأرض، ممّا لا يجدي حينئذ في ارتفاع هذه الجهة الّتي هي المانعة عن الاستعمال.

قلت: النجاسة في تأثيرها في المنع معلّقة على العلم بها أو بتحقّق سببها، و رشّ الأرض لإزالة أثر أقدام السباع حيلة اعتبرها الشارع طريقا إلى عدم اتّفاق حصول العلم بتحقّق سبب النجاسة، إذ بدونه ربّما يحصل العلم به و لو بملاحظة العادة، و أمّا معه فينعدم ما هو طريق العلم، و بذلك أمكن أخذ تلك الروايات من أدلّة اعتبار العلم في النجاسات، بخلاف الوجهين المذكورين، فإنّ هذا الكلام ممّا لا يجري فيهما جزما، لاشتراك صورتي الرّش و عدمه في عدم العلم بالنجاسة كما لا يخفى، فمناط سقوط أحكام النجاسة حاصل على كلا التقديرين، فإمّا أن يقال حينئذ: بأنّ النضح معتبر بلا

____________

(1) السرائر 1: 94.

(2) المدارك: 1 ص 125.

393

فائدة، أو يقال: بأنّ العبرة في النجاسة بتحقّق أسبابها في متن الواقع لا العلم به، فالنضح معتبر لإزالة ذلك الأمر الواقعي لا لسدّ طريق العلم به، و أيّا ما كان فهو باطل جزما.

و من هنا ينقدح وجه آخر لإبطال هذين الوجهين، من حيث ابتنائهما على كون النجاسة من الموانع الواقعيّة دون العلميّة و هو فاسد بالأدلّة القطعيّة، و قد أشرنا إليه في غير موضع ممّا سبق، و لعلّنا نتعرّض لتفصيل تحقيقه في موضع يليق به.

و من جملة فقرات الصحيحة المتقدّمة، أنّها دلّت على اعتبار غسل الرأس و مسح الجلد في الغسل، و غسل الوجه مع مسح الذراعين في الوضوء، و قد استشكل في ذلك بعض أصحابنا كصاحب الحدائق قائلا: «بأنّ هذا الخبر قد اشتمل على جملة من الأحكام المخالفة لما عليه علمائنا الأعلام» (1) ثمّ ذكر من جملة ذلك الحكمين المذكورين.

و يمكن الذبّ عنه: بأنّ المسح هنا استعارة لأقلّ ما يقنع به من الماء و استعماله في صورة خشية عدم الكفاية، و بعبارة اخرى: المراد به هنا الاكتفاء بأقلّ ما يحصل به الواجب من أفراد الغسل، لا المسح الحقيقي المقابل للغسل، و القرينة عليه ما ادّعاه من عمل علمائنا الأعلام إن رجع إلى الإجماع، لأنّه يصلح قرينة على التجوّز، كما يصلح قرينة على التخصيص و غيره، بل و لو رجع إلى نقل الكاشف لكان كافيا في ذلك، لأنّ عملهم يكشف عن وقوفهم على دليل معتبر هو من تلك الرواية بمنزلة قرينة التجوّز، و مخالفة الإجماع أو عمل العلماء إنّما تصير موجبة لوهن الخبر إذا لم يتطرّق إليه التأويل بشيء من وجوهه، الّتي منها التجوّز.

و من جملة فقراتها ما هو محلّ الاستدلال بها على جواز استعمال غسالة الغسل في الطهارة، من قوله (عليه السلام): «و إن كان في مكان واحد و هو قليل، لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل، و يرجع الماء فيه، فإنّ ذلك يجزيه» فإنّه صريح في نفي البأس عمّا رجع ممّا انفصل عن البدن في الماء، فلو لا استعمال ذلك جاز في الطهارة لما كان لذلك وجه.

و اعترض عليه تارة: باختصاص دلالتها على الجواز في حال الضرورة و المدّعى أعمّ منها، و لا يمكن تتميمه بالإجماع المركّب، إذ لم يعلم اتّفاقهم على عدم الفصل، بل ربّما يمكن تنزيل إطلاق المانعين إلى ما عدا الضرورة، كما يومئ إليه كلام الشيخ في كتابي

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 464.

394

الحديث، حيث يحمل الرواية على صورة الضرورة كما سبق الإشارة إليه، بل ليس ذلك لمجرّد التأويل رفعا للتنافي بين الروايات حتّى يقال: بأنّه لا يستلزم الاختيار، إنّما هو أخذ بما هو ظاهر الرواية و مفادها، فيكون اختيارا للمذهب، لا أنّه مجرّد وجه جمع ذكره في المقام، فلا إجماع على عدم الفرق، إن لم نقل بأنّ النزاع إنّما هو في غير حال الضرورة.

و القول بأنّ النهي المستفاد منها بالقياس إلى حالة الاختيار إنّما اعتبر هنا تنزيها، كما صرّح به العلّامة في المختلف (1)، ممّا لا يلتفت إليه، بعد ظهور الرواية في المنع التحريمي، و من هنا أمكن جعلها من أدلّة القول بالمنع، عملا بمفهوم الشرط في قوله (عليه السلام): «فإن كان في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله، فلا عليه أن يغتسل، و يرجع الماء فيه».

و اخرى: بأنّ نفي البأس في الصورة المفروضة لعلّه من جهة حصول الاستهلاك و صيرورة الماءين واحد، المستلزمة لعدم صدق عنوان التطهير بالمستعمل، فتكون الرواية دالّة على الجواز فيما هو خارج عن محلّ النزاع.

و في أوّل الاعتراضين: أنّه إن اريد به قصور الرواية عن الدلالة على الجواز بالنسبة إلى حال الاختيار، و لكن بملاحظة ما في كلام السائل من قوله: «إذا كان لا يجد غيره» لا بملاحظة ما في الجواب من فرض وحدة المكان و قلّة الماء معها و عدم كفايته لغسله، فله وجه، نظرا إلى أنّ الجواب ينصرف إلى مفروض السؤال، و ليس فيه لفظ عامّ و لا مطلق صالح لأنّ يتناول مورد السؤال و غيره، فهو بالنسبة إلى حالة الاختيار ساكت نفيا و إثباتا.

و إن اريد به الدلالة على المنع في حالة الاختيار أيضا، و لكن بملاحظة ما في الجواب من قوله: «و إن كان في مكان واحد و هو قليل، لا يكفيه» فهو في حيّز المنع، إذ لا مدرك لهذه الدلالة إلّا قاعدة المفهوم، و هو إمّا يعتبر من الشرطيّة، أو من التقييد بوصف وحدة المكان، أو من التقييد بالقلّة مع عدم الكفاية، و لا سبيل إلى شيء من ذلك.

أمّا الأوّل: فلأنّ مثل هذا الشرط إنّما يعتبر لبيان موضوع الحكم، لا للتعليق المنحلّ إلى إفادة لزوم الوجود للوجود و الانتفاء للانتفاء، فلا مفهوم له، إذ لا معنى لقولنا: «إن لم يكن في مكان واحد و هو قليل لا يكفيه لغسله فعليه بأس أن يغتسل و يرجع الماء فيه»

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 235.

395

كما لا يخفى، بل لو كان هناك مفهوم فهو مفهوم موافقة، لمكان أولويّة عدم البأس مع الفرض المذكور، و على كلّ تقدير فلا يدخل فيه حالة الاختيار إلّا إذا اعتبر المفهوم بالنسبة إلى القيود المذكورة أيضا، و هو كما ترى خروج عن الاستناد إلى مفهوم الشرط.

و أمّا الأخيران: فلما تقرّر عندنا من عدم حجّيّة مفهوم الوصف، و لا يلزم بذلك خروج القيود المذكورة لغوا لظهور كون النكتة في اعتبارها هنا سبق السؤال عمّا يستلزمها، كما لا يخفى على المتأمّل.

و في ثاني الاعتراضين: منع تحقّق الاستهلاك مع فرض القلّة، على نحو لا يكون كافيا في الغسل.

نعم، يتّجه أن يقال: إنّ الماءين بعد صيرورتهما واحدا لا يصدق عليه المستعمل و لا غير المستعمل، بل هو مركّب منهما، و المركّب خارج عن كلّ منهما فيكون خارجا عن المتنازع فيه من هذه الجهة.

فتلخّص من جميع ما ذكرنا: أنّ الرواية لا تعرّض فيها لحالة الاختيار، و أمّا في حالة الضرورة فتدلّ على الجواز في المركّب من المستعمل و غيره، و أمّا المستعمل الصرف فيبقى حكمه غير مستفاد من الرواية نفيا و إثباتا، و من هنا يعلم أنّ ما في كلام غير واحد كصاحب الحدائق (1)، و صاحب المناهل (2)، كالعلّامة في المختلف (3)، و الشيخ في كتابي الحديث (4)- (5)، و غيرهما من التزام دلالتها على الجواز مطلقا في حالة الضرورة ليس في محلّه.

ثمّ إنّه لو سلّمنا دلالتها على المنع في حال الاختيار- كما توهّم- فلا يثبت مطلوب المانعين على الإطلاق، بل غايته الدلالة على المنع عن استعمال المستعمل في طهارة في نفس تلك الطهارة لا في طهارة اخرى، كما لو غسل عضو من أعضاء الوضوء أو الغسل بما انفصل عن العضو الآخر، و هذه المسألة غير مذكورة في كلامهم، و لا أنّ عناوين المسألة المبحوث عنها شاملة لها، لكونها بين صريحة و ظاهرة في إرادة

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 440.

(2) المناهل- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 149.

(3) مختلف الشيعة 1: 235.

(4) التهذيب 1: 417/ 1318- و اكتفى فيه بنقل الرواية فقط من دون حملها على الضرورة.

(5) الاستبصار 1: 28 ب 14 ذيل حديث 2.

396

التعدّد، بأن تستعمل ما انفصل عن غسل في طهارة اخرى وضوءا و غسلا آخر.

فالحقّ: أنّ الرواية لو كانت متعرّضة لحالة الاختيار أيضا كانت وجها في التفصيل في استعمال المستعمل بين استعماله في الطهارة الّتي هو منفصل عنها و استعماله في طهارة اخرى، و إن لم نقف على قائل به من أصحابنا.

ثمّ خرجت الأخبار الآمرة بالتيمّم في جنب ليس عنده من الماء إلّا ما يكفيه من الوضوء شاهدة به أو مؤيّدة له، و على أيّ تقدير فالاستدلال بتلك الرواية على الجواز مطلقا ليس على ما ينبغي.

و من الروايات المستدلّ بها على هذا المطلب، صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع، قال: كتبت إليه أسأله عن الغدير، يجتمع فيه ماء السماء، و يستقى فيه من بئر، و يستنجي فيه الإنسان من بول، و يغتسل فيه الجنب ما حدّه الّذي لا يجوز؟ فكتب: «لا توضّأ من مثل هذا إلّا من ضرورة» (1).

و فيه: أنّ سياق الرواية حيث جمع فيه بين الاغتسال و الاستنجاء و الاستقاء من البئر و ماء السماء، و إن كان يقضي بالكراهة و الضرورة رافعة لها، غير أنّ الاستدلال بها على حكم محلّ البحث مشكل، لجواز كون الماء المسئول كرّا و ما زاد، إلّا أن يقال:

بأنّ الجواب بملاحظة ترك الاستفصال يعمّ الكرّ و ما دونه، و لكن يشكل الحال أيضا بملاحظة ظهور السؤال في فرض الاجتماع بين الامور المذكورة فيه، فحينئذ يسقط الدلالة على الكراهة، ضرورة كون بعض هذه الامور مع دخوله في المجموع كافيا في توجّه المنع إذا لم يثبت فيه الرخصة من جهة الخارج كالاغتسال، و كون ما عدا ذلك موجبا للكراهة مثلا اذا انفرد لا ينافي كون ذلك موجبا للمنع إذا اجتمع مع موجب الكراهة.

و يمكن دفعه: بأنّ جعل الرواية شاملة لصورة الكرّ و ما زاد ممّا يرفع ظهور المنع، بل و احتماله بملاحظة الإجماع على أنّ الاغتسال في الكرّ لا يورث منع الاغتسال و لا مطلق الاستعمال ثانيا.

و منها: صحيحة صفوان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الحياض الّتي بين مكّة إلى المدينة، تردها السباع و تلغ فيها الكلاب، و يشرب منها الخنزير، و يغتسل فيها الجنب

____________

(1) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 14- التهذيب 1: 417/ 1316.

397

و يتوضّأ منها؟ فقال: و كم قدر الماء؟ قلت إلى نصف الساق و إلى الركبة، فقال: «توضّأ منه» (1) و الاستدلال بها كما ترى في غاية الوهن، و إلّا لدلّت على عدم انفعال القليل بملاقاة النجاسة أيضا و هو كما ترى ممّا لا يرضى به المستدلّ لكونها محمولة عنده على بلوغ الكرّيّة و لذا تعدّ من أخبار الكرّ و تذكر ثمّة.

و منها: صحيحة الفضيل قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الجنب يغتسل فينتضح الماء من الأرض في الإناء؟ فقال: لا بأس، و هذا ممّا قال اللّه تعالى مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (2) (3) و قد تبيّن آنفا ضعف الاستدلال بها، و أضعف منه الاستدلال بصحيحة محمّد بن مسلم، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الحمّام يغتسل فيه الجنب و غيره اغتسل من مائه قال «نعم: لا بأس أن يغتسل منه الجنب» (4).

حجّة المانعين وجوه:

الأوّل: أنّ السلف قد استمرّت عادتهم بعدم جمع الماء المفروض

، و ليس ذلك إلّا لكونه غير رافع للحدث الأكبر، و هو كما ترى أوهن من بيوت العنكبوت، لما عن الذكرى من «أنّ السرّ في ذلك ندور الحاجة إليه» (5) مع أنّ عادتهم كما استمرّت بعدم جمعه لرفع الحدث الأكبر، فكذلك استمرّت بعدم جمعه لإزالة الخبث به و لاستعمال آخر، مع جواز كلّ ذلك عندكم.

و الثاني: ما عن الشيخ (رحمه الله): من أنّ الإنسان مكلّف بالطهارة بالمتيقّن، طهارة المقطوع على استباحة الصلاة باستعماله

، و المستعمل في غسل الجنابة ليس كذلك، لأنّه مشكوك فيه فلا يخرج عن العمل باستعماله، و لا معنى لعدم الإجزاء إلّا ذلك (6).

و أجاب عنه العلّامة في المنتهى: «بأنّ الشكّ إمّا أن يقع في كونه طاهرا و هو باطل عند الشيخ، أو في كونه مطهّرا و هو أيضا باطل، فإنّه حكم تابع لطهارة الماء و إطلاقه و قد حصلا، فأيّ شكّ هاهنا» (7) و هو في غاية الجودة.

____________

(1) الوسائل 1: 162 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 12- التهذيب 1: 417/ 1317.

(2) الوسائل 1: 211 ب 9 من أبواب الماء المضاف المستعمل ح 1- التهذيب 1: 86/ 225.

(3) الحجّ: 78.

(4) الوسائل 1: 148 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 378/ 1172.

(5) ذكرى الشيعة 1: 103.

(6) التهذيب 1: 221 نقلا بالمعنى.

(7) منتهى المطلب 1: 135.

398

و الثالث: عدّة أخبار:

منها: ما هو العمدة منها من رواية عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يتوضّأ بالماء المستعمل، و قال: الماء الّذي يغسل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة، لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه، و أمّا الّذي يتوضّأ به الرجل، فيغسل به وجهه، و يده، في شيء نظيف، فلا بأس أن يأخذ غيره و يتوضّأ به» (1) و هذه ممّا لا ينبغي القدح في دلالتها، نعم القدح في سندها- على ما في كلام أساطين علمائنا- كما سبق في بحث غسالة الوضوء، فإنّه ضعيف بأحمد بن هلال إلّا في وجه غير ثابت الاعتبار عند كثير منهم، متقدّم عن الغضائري (2)، و على ثبوت اعتباره ليس ممّا يجدي نفعا في صحّة التعويل عليها، لكونها موهونة بمصير المعظم إلى خلافها.

و أمّا المناقشة في دلالتها تارة: بكونها محمولة على الغالب، و هو مصاحبة الجنب للنجاسة.

و اخرى: بأنّ لفظة «لا يجوز» ممّا لا يمكن حملها على الحرمة، لاستلزامه التخصيص في قوله: «بالماء المستعمل» و تخصيص آخر في قوله: «الماء الّذي يغسل به الثوب» فلا بدّ من حملها على الكراهة، ترجيحا للمجاز على تخصيصين، و رجحان التخصيص على المجاز إنّما يسلّم مع الاتّحاد لا غير، و أنت خبير بما في كلّ من الوجهين من الوهن.

أمّا الأوّل: فلأنّ غلبة مصاحبة النجاسة للجنب بما هو هو و إن كانت مسلّمة، غير أنّ اللفظ المفرد لا بدّ و أن يعتبر ظهوره في التركيب الكلامي، فإنّ الهيئة التركيبيّة الكلاميّة ربّما توجب انسلاخ ظهور المفردات، و قوله: «أو يغتسل به الرجل» ظاهر بملاحظة «باء» الاستعانة في الغسل الترتيبي، إذ لولاه لكان الأنسب التعبير بقوله، «يغتسل فيه الرجل» كما لا يخفى، و لا ريب أنّ الغالب في الاغتسال ترتيبا بل الدائم وقوعه إنّما هو خلوّ البدن عن النجاسة، و لو من جهة إزالتها قبل الغسل، فلا يبقى في لفظ «الرجل» باعتبار وصفه المقدّر ظهور فيما ذكر من مصاحبة النجاسة.

____________

(1) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 13- التهذيب 1: 221/ 630.

(2) قال العلّامة في خلاصة الأقوال: 320؛ «و توقّف ابن الغضائرى في حديثه إلّا فيما يرويه عن الحسن بن محبوب من كتاب المشيخة، و محمّد بن أبي عمير من نوادره الخ».

399

و أمّا الثاني: فلمنع التعارض بين الأمرين، فإنّ القرينة على تخصيص قوله: «بالماء المستعمل» موجودة في الكلام، و هي التفصيل الّذي ذكره بعد ذلك، فإنّه من الأوّل بمنزلة البيان، فيكشف عن عدم كونه في لحاظ المتكلّم على إطلاقه، أي يكشف عن كونه مقيّدا بما كان من الوضوء، و مثله يقال في التخصيص الثاني، فإنّ كلمة الاستعانة قرينة مرشدة- بالتقريب المتقدّم- إلى كون المراد من الماء الّذي يغسل به الثوب ما يرد على المحلّ، و لا يكون إلّا قليلا، و معه يبقى ظهور نفي الجواز في المنع المتأكّد سليما عن المعارض.

و منها: رواية حمزة بن أحمد- المتقدّمة في بحث غسالة الحمّام- عن أبي الحسن الأوّل، المشتملة على قوله: «و لا تغتسل من البئر الّتي يجتمع منها ماء الحمّام، فإنّه يسيل فيها ما يغتسل به الجنب، و ولد الزنا، و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم» (1).

و القدح فيها سندا و دلالة قد مضى ثمّة.

و منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن ماء الحمّام؟

فقال: «ادخله بإزار، و لا تغتسل من ماء آخر، إلّا أن يكون فيه جنب، أو يكثر أهله فلا يدري فيه جنب أم لا» (2).

و فيه: أنّ مبنى الاستدلال بذلك، إمّا على جعل النهي للتحريم كما هو ظاهر الصيغة المجرّدة.

ففيه أوّلا: أنّه متعذّر هنا، ضرورة أنّ الاغتسال بماء آخر مع وجود ماء الحمّام ليس بمحرّم في نفسه.

و ثانيا: أنّه غير مجد في ثبوت المنع عن الاغتسال في ماء الحمّام، لأنّ الاستثناء من التحريم لا يقتضي إلّا نفي التحريم، و هو أعمّ من الوجوب.

أو (3) على جعله من باب النهي الواقع عقيب ظنّ الوجوب أو توهّمه، ليكون الاستثناء منه مفيدا للوجوب، لضابطة أنّ الاستثناء من النفي إثبات.

____________

(1) الوسائل 1: 218 ب 11 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 1- التهذيب 1: 373/ 1143.

(2) الوسائل 1: 149 ب 7 من أبواب الماء المضاف ح 5- التهذيب 1: 379/ 1175.

(3) هذا عطف على قوله: «أنّ مبنى الاستدلال بذلك إمّا على جعل النهي على التحريم» الخ.

400

ففيه أوّلا: أنّه ممّا لا يلائمه قوله (عليه السلام): «أو يكثر أهله» الخ، ضرورة أنّ الشكّ في تحقّق جهة المنع، لا يوجب المنع بل و لا يقول به أهل القول بالمنع، و عليه دعوى الإجماع في كلام غير واحد، مضافا إلى ظهور ذلك في كون الماء كثيرا في حدّ الكرّ بل الأكرار، و لا يقول أحد بالمنع عن الاغتسال فيه، ليجب الاغتسال في غيره.

و ثانيا: أنّه معارض باحتمال كون النهي هنا لمجرّد الإرشاد و بيان الواقع، و التنبيه على عدم الداعي إلى الاغتسال بغير ماء الحمّام مع وجوده، فيكون تقدير قوله (عليه السلام):

«و لا تغتسل من ماء آخر» في حاصل المعنى: أنّه لا داعي إلى الاغتسال من ماء آخر، و مفاد الاستثناء منه يرجع إلى إثبات الداعي إليه، و هو أعمّ من إثبات المفسدة المقتضية لمنع الاغتسال بماء الحمّام، أو الجهة المقتضية لمرجوحيّته، و هذا كما ترى احتمال ظاهر، و المعنى المذكور معنى شائع في العرف، يجري في شيء له طريقان:

أحدهما: أكثر مئونة من الآخر، و أزيد مسافة أو مشقّة منه، مثلا فأنت إذا أردت إرشاده إلى اختيار غيره، و تنبيه على أنّه ممّا لا داعي إلى اختياره، قلت: «افعل كذا و كذا، و لا تسلك من الطريق الفلاني» أي لا داعي إلى سلوكه، و هو مع ظهوره في نفسه بعد تعذّر الحقيقة مؤيّد باستثناء صورة الشكّ أيضا، مع ظهورها في كثرة الماء كما عرفت، و لو سلّم عدم ظهوره فلا أقلّ من عدم ظهور خلافه، و على أيّ تقدير فلا دلالة للرواية على المنع أصلا.

و لنختم المقام بذكر امور:

أحدها: أنّ معقد البحث في هذه المسألة الماء الّذي استعمله المحدث خاليا بدنه عن نجاسة عينيّة أو أثرها

، فلو كان فيه شيء منهما كان الماء ملاقيا له، فخرج عن هذا العنوان و دخل في عنوان غسالة النجس، أو مطلق القليل الملاقي للنجاسة، و من حكمه أنّه نجس- على ما تقدّم- غير مطهّر أيضا.

و قد تنبّه عليه صاحب الحدائق (1) و نبّه عليه في المنتهى، قائلا: «متى كان على جسد المجنب أو المغتسل من حيض و شبهه نجاسة عينيّة، فالمستعمل إذا قلّ عن الكرّ نجس إجماعا، بل الحكم بالطهارة إنّما يكون مع الخلوّ من النجاسة العينيّة، (2)» انتهى.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 447.

(2) منتهى المطلب 1: 137.

401

و في تعرّض جماعة من الأصحاب لحمل الأخبار الّتي استند إليها المانعون عن التطهير بذلك الماء على صورة وجود النجاسة على الجسد إشارة إلى ذلك أيضا، إذ لولاه خارجا عن محلّ النزاع لما كان لذلك الحمل فائدة في منع الاستدلال بها، كما لا يخفى.

و ثانيها: إطلاق عناوينهم المعبّرة عن موضوع المسألة بالمستعمل في رفع الحدث الأكبر

، يقضي بأنّ النزاع فيما يعمّ الجنابة و الحيض و الاستحاضة و نحوها، بل هو صريح جملة عبائرهم، كما في المختلف قائلا: «الماء المستعمل في الطهارة الكبرى كغسل الجنابة، و الحيض، و الاستحاضة، و النفاس، مع خلوّ البدن من النجاسة طاهر إجماعا، و هل هو مطهّر أم لا؟ منع الشيخ، و المفيد، و ابنا بابويه عن ذلك، و قال السيّد المرتضى، و ابن إدريس أنّه مطهّر و هو الحقّ» (1).

و قريب منه ما عرفت في صدر الأمر الأوّل من عبارة المنتهى (2) و من هنا صحّ لصاحب المعالم- على ما حكي عنه- حمل عبارته الاخرى فيما بعد العبارة المشار إليها من قوله: «المستعمل في غسل الجنابة يجوز إزالة النجاسة به إجماعا منّا» 3. على إرادة التمثيل دون الحصر 4.

و لا ينافيه اختصاص الأخبار من الطرفين بالجنابة، لجواز كون العموم مستفادا لهم من جهة تنقيح مناط، أو إجماع مركّب أو نحو ذلك، و لذا ترى أنّ سائر أدلّة الفريقين قد وردت على جهة العموم، حتّى ما عرفت عن الشيخ من الوجه الثاني المتضمّن لقوله: «الإنسان مكلّف بالطهارة بالمتيقّن طهارة، المقطوع على استباحة الصلاة باستعماله، و المستعمل في غسل الجنابة ليس كذلك» 5 لأنّ استباحة الصلاة باستعمال الماء أعمّ من أن يكون استعمال الماء علّة تامّة لها كما في غسل الجنابة، أو جزء علّة كما في سائر الأغسال.

و لا ينافي ذلك إفراده الجنابة بالذكر بعد احتمال إرادة التمثيل احتمالا ظاهرا، كما لا ينافي كلّ ذلك عبارة الصدوق: «فإن اغتسل الرجل في وهدة و خشي أن يرجع ما ينصبّ عنه إلى الماء الّذي يغتسل منه، أخذ كفّا و صبّه أمامه، و كفّا عن يمينه، و كفّا عن يساره، و كفّا عن خلفه، و اغتسل منه» 5 و لا عبارة أبيه في رسالته إليه: «و إن اغتسلت

____________

(1) مختلف الشيعة 1: 233.

(2) 2 و 3 منتهى المطلب 1: 137 و 138.

(3) 4 فقه المعالم 1: 335.

(4) 5 التهذيب 1: 221.

(5) 6 الفقيه 1: 15.

402

من ماء في وهدة و خشيت أن يرجع ما ينصبّ عنك إلى المكان الّذي تغتسل فيه، أخذت كفّا و صببته عن يمينك، و كفّا عن يسارك و كفّا خلفك و كفّا أمامك و اغتسلت» (1) و لا عبارة الشيخ في النهاية: «متى حصل الانسان عند غدير أو قليب و لم يكن معه ما يغترف به الماء للوضوء، فليدخل يده فيه، و يأخذ منه ما يحتاج إليه، و ليس عليه شيء، و إن أراد الغسل للجنابة و خاف أن نزل إليها فساد الماء، فليرشّ عن يمينه و يساره و أمامه و خلفه، ثمّ ليأخذ كفّا من الماء فليغتسل به» (2) فإنّ كلّ ذلك تأدية بما يوافق متون الروايات في الجملة لما فيه من الأغراض و الحكم.

فما في الحدائق: «من أنّ أمثال هذه الامور صريحة في التخصيص بالجنابة» (3)، ليس ممّا ينبغي الالتفات إليه، بل التعبير عن عنوان المسألة بما يرفع الحدث تصريح بخروج المستعمل في الأغسال المندوبة عن المتنازع فيه، و عن الشيخ في الخلاف:

«نفي الخلاف عنه» (4) و يظهر ذلك عن منتهى العلّامة قائلا: «المستعمل في الأغسال المندوبة، أو في غسل الثوب، أو الآنية الطاهرين ليس بمستعمل، لأنّ الاستعمال لم يسلبه الاطلاق، فيجب بقاؤه على التطهير للآية (5).

و قالت الحنفيّة: كلّ مستعمل في غسل بني آدم على وجه القربة فهو مستعمل، و ما لا فلا، فلو غسل يده للطعام أو من الطعام صار مستعملا، بخلاف ما لو غسل لإزالة الوسخ و لإزالة العجين من يده» (6) الخ و بالجملة: تخصيص الخلاف إليهم يقضي بنفيه عمّا بين أصحابنا.

و ثالثها: قال العلّامة في المنتهى: «المستعمل في غسل الجنابة يجوز إزالة النجاسة به إجماعا منّا، لإطلاقه

، و المنع من رفع الحدث به عند بعض الأصحاب لا يوجب المنع من إزالة النجاسة، لأنّهم إنّما قالوه ثمّ لعلّة لم توجد في إزالة الخبث، فإن صحّت تلك العلّة ظهر الفرق و بطل الإلحاق، و إلّا حكموا بالتساوي في البابين كما قلناه» 7 انتهى.

و لعلّ نظره في العلّة الّتي لا توجد في إزالة الخبث إلى الأخبار المخصوصة في

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 4- الفقيه 1: 15- المقنع: 14.

(2) النهاية و نكتها 1: 211.

(3) الحدائق الناضرة 1: 448.

(4) الخلاف 1: 172 المسألة 126.

(5) الأنفال: 11.

(6) 6 و 7 منتهى المطلب 1: 138.