ينابيع الأحكام في معرفة الحلال و الحرام - ج1

- السيد علي الموسوي القزويني المزيد...
904 /
403

المنع- على تقدير صحّتها سندا و دلالة- برفع الحدث، و إلّا فبعض أدلّتهم يعمّ البابين كما لا يخفى على المتأمّل.

و كيف كان: فالخلاف في إزالة الخبث بذلك الماء غير متحقّق بين أصحابنا، و لا حكاه عنهم صريحا أحد منّا، نعم في عبارة الشهيد المحكيّة عن الذكرى ما يوهم ذلك، حيث قال: «جوّز الشيخ و المحقّق إزالة النجاسة به، لطهارته، و بقاء قوّة إزالته الخبث، و إن ذهب قوّة رفعه الحدث، و قيل: لا، لأنّ قوّته استوفيت فالتحق بالمضاف» (1) انتهى.

و ربّما يوجّه ذلك،- كما عن صاحب المعالم (2)- باحتمال أن يكون المنقول عنه بعض المخالفين، كما يشعر به التعليل الواهي، و كيف كان فما ادّعاه العلّامة من الإجماع لا يخلو عن وصمة الشبهة، و إن كان يؤيّده ظهور العناوين، و لكن الحكم في حدّ ذاته كما ذكره، بلا إشكال فيه و لا شبهة تعتريه بالنظر إلى ما قدّمناه من الأدلّة، و لك أن تستند إلى الأولويّة بالقياس إلى رفع الحدث صغيرا و كبيرا كما لا يخفى.

و رابعها: الأقرب على المختار من طهوريّة المستعمل في رفع الحدث، كراهية استعماله في رفع الحدث ثانيا

، وفاقا للشهيد في الدروس (3)، و الخوانساري في شرحه (4) عملا بما تقدّم من رواية عبد اللّه بن سنان (5)، و إن ضعف سندها بناء على التسامح، و خصوص الرواية المرويّة عن الكافي (6)، الّتي قدّمنا ذكرها في ذيل غسالة الوضوء، و الظاهر أنّه لا يخالف فيه أحد.

و خامسها: يظهر من العلّامة في المنتهى عدم اشتراط الانفصال عند المانعين من أصحابنا في صدق الاستعمال

، و لكن عبارته في هذا المقام غير خالية عن التهافت، فإنّه قال: «لو اغتسل من الجنابة، و بقيت في العضو لمعة لم يصبها الماء، فصرف البلل الّذي على العضو إلى تلك اللمعة جائز، أمّا على ما اخترناه نحن فظاهر، و أمّا على قول الحنفيّة فكذلك، لأنّه إنّما يكون مستعملا بانفصاله عن البدن، و في اشتراط استقراره في

____________

(1) ذكرى الشيعة 1: 104.

(2) فقه المعالم 1: 336 حيث قال- بعد نقل عبارة الشهيد-: «و كلامه هذا ليس فيه تصريح بأنّ القائل من الأصحاب».

(3) الدروس الشرعية 1: 122.

(4) مشارق الشموس: 248.

(5) الوسائل 1: 215 ب 9 من أبواب الماء المضاف ح 13.

(6) الوسائل 1: 219 ب 11 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 2- الكافي 6: 503/ 38.

404

المكان خلاف عندهم.

و أمّا في الوضوء، فقالوا: لا يجوز صرف البلل الّذي في اليمنى إلى اللمعة الّتي في اليسرى، لأنّ البدن في الجنابة كالعضو الواحد فافترقا، و ليس للشيخ فيه نصّ، و الّذي ينبغي أن يقال على مذهبه عدم الجواز في الجنابة، فإنّه لم يشترط في المستعمل الانفصال» (1) انتهى.

و كأنّه أخذ بإطلاق كلامه في المنع، كما نبّه عليه بقوله: «ليس له فيه نصّ» و إلّا فقضيّة عدم النصّ جريان احتمال الأمرين معا في كلامه لا تعيّن أحدهما، غير أنّه لا يخفى ما فيه، مع ما ذكره من التعليل بناء على قول الحنفيّة من التهافت، فإنّه لو صلح علّة لاشتراط الانفصال على مذهب الحنفيّة لجرى على مذهب الشيخ أيضا، إذ ليس في كلام الشيخ إلّا الاستعمال، و المفروض أنّه عنوان متوقّف صدقه بمقتضى تلك العلّة على الانفصال.

و كيف كان فعن جمع ممّن تأخّر إنكار النسبة المذكورة إلى الشيخ، لعدم تصريحه بها في كتبه المشهورة، مع استلزام ذلك عدم الاجتزاء بإجراء الماء في الغسل من محلّ إلى آخر بعد تحقّق مسمّاه، و هو بمحلّ من البعد بل البطلان، كما لا يخفى على من لاحظ الأخبار الواردة في كيفيّة الغسل من الجنابة، و قد يعلّل البطلان بلزوم تعذّر الغسل لو لا الاجتزاء، و هو في الجملة في محلّه كما ستعرفه.

و الأولى أن يقال- في تحرير المقام-: إنّ المستعمل في طهارة، قد يكون مستعملا في عضو من الطهارة، أو جزء من العضو فاريد استعماله في عضو آخر منها، أو جزء آخر من العضو، و قد يكون مستعملا فيه أو في طهارة كاملة، فاريد استعماله في طهارة اخرى، و هذا هو القدر المتيقّن من مراد المانع عن الاستعمال الثاني.

و أمّا الأوّل: فقد يكون منفصلا عن العضو أو الجزء المغسولين، بأن يؤخذ بعد انفصاله و يغسل العضو أو الجزء الآخر، و قد لا يكون منفصلا عنه، و على الثاني فقد يكون مستقرّا على العضو أو الجزء اللذين هو فيهما، فاريد إمراره فيهما إلى العضو أو الجزء الباقي، و قد لا يكون مستقرّا بل هو سائل، فاريد إمراره حال السيلان إلى ما لا يسيل عليه عادة، و هذا هو القدر الّذي يمكن دعوى القطع بخروجه عن المتنازع

____________

(1) منتهى المطلب 1: 139.

405

بملاحظة سيرة المتشرّعة، مع تعسّر الغسل ترتيبا بل تعذّره، لو لا جوازه و الاجتزاء به، و أمّا الصورتان الباقيتان فكونهما من محلّ النزاع موضع شبهة، و الظاهر أنّ الأخيرة منهما مفروضة في مسألة اللمعة.

و على المختار فهل يجوز استعماله فيهما أو لا؟ و الظاهر أنّ الجواز في مسألة اللمعة ممّا لا إشكال فيه، و به روايات مخصوصة، تأتي في باب الغسل إن شاء اللّه، دالّة على جواز مسح اللمعة بالبلّة الباقية في الأعضاء، و ادّعى عليه ظهور الإجماع في شرح الدروس (1).

و إنّما الإشكال في الصورة الاخرى، و يظهر الفائدة بالنسبة إليها فيما لو قصر الماء المعدّ للغسل عن تمام الغسل، بأن لا يكون كافيا إلّا عن غسل بعض الأعضاء، فهل يجوز الاكتفاء به في تمام الغسل، بأن يغسل به العضو المذكور و يؤخذ بعد انفصاله عنه في إناء، ثمّ يغسل به العضو الآخر إلى أن يستكمل الغسل به، أو لا؟

و الحقّ أنّ الجواز هنا مشكل، من أنّ بعض القواعد المتقدّمة في الاستدلال على الجواز في أصل المسألة- كقاعدة: إنّ الماهيّة المائيّة مقتضية للطهارة و الطهوريّة معا ما لم يزاحمها خارج- يقتضي الجواز، من حيث إنّ الماهيّة غير زالّة عن المفروض جدّا، و العارض ممّا لم يعلم كونه مزاحما رافعا لما اقتضته الماهيّة.

و من أنّه ممّا لا ذاهب إليه من الأصحاب، بل ظاهرهم في غير هذا الموضع عدم الاكتفاء به، حيث إنّه في مسألة ما لو وجد المحدث من الماء ما لا يكفيه لطهارته حكموا بوجوب التيمّم عليه، مصرّحين بعدم الفرق فيه بين الجنب و المحدث بالأصغر، و عزاه في المنتهى (2) إلى مذهب علمائنا، مؤذنا بالإجماع عليه، فلم يذكروا فيه إلّا احتمال الوضوء مع التيمّم إذا كان جنبا، أو استعماله في بعض الأعضاء ثمّ التيمّم للباقي، ناسبين لهما إلى العامّة، و لهم في هذا المقام روايات مصرّحة بالتيمّم دون الوضوء في الجنب خاصّة، من غير تعرّض لبيان ما ذكرناه في مفروض المسألة، فلو أنّه أمر مقرّر في الشريعة ثابت من الشارع لما كان للعدول عن الأمر به إلى الأمر بالتيمّم في الأخبار وجه، كما لا يخفى.

____________

(1) مشارق الشموس: 178.

(2) منتهى المطلب 3: 18.

406

فتلخّص من ذلك أنّ الأقرب حينئذ هو عدم الاكتفاء بالماء المفروض في الصورة المفروضة، تحكيما لتلك الأخبار المؤيّدة بعمل الأخيار على القاعدة المشار إليها، و يؤيّده ما قرّرناه في ذيل الكلام على رواية عليّ بن جعفر، المتقدّمة في جملة الأخبار المستدلّ بها على طهوريّة المستعمل، و لكن على التقدير المتقدّم إليه الإشارة.

فصار محصّل مختارنا مع ضميمة ما قرّرناه الآن: أنّ المستعمل في الحدث الأكبر لا يزول عنه الطهوريّة، إلّا ما لو استعمل في بعض أعضاء الطهارة فاريد استعماله في العضو الآخر من تلك الطهارة، فإنّه غير جائز لدليله الخاصّ الّذي لولاه لكان الجواز ظاهر الثبوت.

و سادسها: إذا اجتمعت المياه المستعملة حتّى بلغت كرّا و ما زاد، لم يزل المنع على القول به

، وفاقا لمحكيّ المعتبر (1)، و خلافا للمبسوط (2)، و المنتهى (3)، و عن الخلاف: أنّه تردّد فيه (4).

لنا: ما احتجّ به المعتبر: «بأنّ ثبوت المنع معلوم شرعا، فيتوقّف ارتفاعه على وجود الدلالة، و هي مفقودة» 5.

و احتجّ العلّامة: «بأنّ بلوغ الكرّيّة موجب لعدم انفعال الماء عن الملاقي، و ما ذلك إلّا لقوّته، فكيف يبقى انفعاله عن ارتفاع الحدث الّذي لو كان نجاسة لكانت تقديريّة» 6.

و فيه: أنّ بلوغ الكرّيّة إن اريد به سبق الكرّيّة على الملاقاة فالمقدّمة الاولى مسلّمة، و لكن المقام ليس منها، و إن اريد به لحوق الكرّيّة بها فالمقدّمة الاولى ممنوعة، فضلا عن المقدّمة الثانية.

و عن الشيخ في الخلاف 7 في منشأ التردّد: «أنّه ثبت فيه المنع قبل أن يبلغ كرّا، فيحتاج في جواز استعماله بعد البلوغ إلى دليل، و من دلالة الآيات و الأخبار على طهارة الماء، خرج عنه الناقص عن الكرّ بدليل، فيبقى ما عداه، و قولهم: «إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا» 8.

____________

(1) 1 و 5 المعتبر: 22.

(2) المبسوط 1: 11.

(3) 3 و 6 منتهى المطلب 1: 138.

(4) الخلاف 1: 173 المسألة- 127.

(5) 7 الخلاف 1: 173 1- المسألة 127- مع اختلاف يسير.

(6) 8 نسب الشيخ (قدّس سرّه) هذه الرواية إلى الأئمّة (عليهم السلام)، و نقلها السيّد المرتضى (قدّس سرّه) في الانتصار: 6-

407

و يرد على أوّل الوجهين: أنّ المجتمع هو الناقص الّذي بلغ كرّا بالاجتماع، فإذا سلّم خروجه عن الآيات و الأخبار حال النقصان، فأيّ دليل قضى بدخوله فيهما بعد الاجتماع؟

هذا مع ما فيه من التعبير بالطهارة الّتي ليست من المتنازع فيه، إلّا أن يراد بها الطهوريّة.

و على ثاني الوجهين: القدح فيه سندا و دلالة، أمّا الأوّل: فلما صرّح به غير واحد من أنّه غير معلوم الإسناد، و أمّا الثاني: فلظهوره في أنّ بلوغ الكرّيّة مانع عن حدوث الخبثيّة فيه، أو ملزوم له، و هو ليس من كونه سببا أو ملزوما لزوالها عنه بعد الحدوث في شيء. و لقد أجاد صاحب المعالم- فيما حكى عنه- من قوله: «و العجب أنّ الشيخ (رحمه الله) احتجّ في الخلاف (1) على عدم زوال النجاسة في المجتمع من الطاهر و النجس؛ بأنّه: ماء محكوم بنجاسته، فمن ادّعى زوال حكم النجاسة عنه بالاجتماع فعليه الدليل، و ليس هناك دليل، فيبقى على الأصل، و لو صحّ الحديث الّذي جعله في موضع النزاع منشأ لاحتمال زوال المانع، لكان دليلا على زوال النجاسة هناك، و ليس بين الحكمين في الخلاف إلّا أوراق يسيرة.» (2) انتهى.

و سابعها: قال في المنتهى: «لو اغتسل وجوبا من جنابة مشكوك فيها

، كالواجد في ثوبه المختصّ، أو المتيقّن لها و للغسل الشاكّ في السابق، أو من حيض مشكوك فيه كالناسية للوقت و العدد، هل يكون ماؤه مستعملا؟ فيه إشكال، فإنّ لقائل أن يقول: إنّه غير مستعمل، لأنّه ماء طاهر في الأصل لم يعلم إزالة الجنابة به، فلا يلحقه حكم المستعمل و يمكن أن يقال: إنّه مستعمل، لأنّه قد اغتسل به من الجنابة و إن لم تكن معلومة، إلّا أنّ الاغتسال معلوم فيلحقه حكمه، و لأنّه ما أزال مانعا من الصلاة، فانتقل المنع إليه كالمتيقّن» (3).

أقول: و الأولى إناطة الأمر بأنّ الرافع للطهوريّة هل هو طروّ الاستعمال في الجنابة و لو شرعيّة، أو كونه رافعا للحدث الّذي هو أمر واقعي؟ فإن كان الأوّل فلا إشكال في

____________

- مسألة 1 عن كتب العامّة عن النبيّ (صلى الله عليه و آله) و قال المحقّق في المعتبر- في مسألة الماء المستعمل في الحدث الأكبر ما هذا لفظه: «و ما يدّعي من قول الأئمّة (عليهم السلام) إذا بلغ الماء كرّا لم يحمل خبثا، لم نعرفه، و لا نقلناه عنهم و نحن نطالب المدّعي نقل هذا اللفظ بالإسناد إليهم».- المعتبر: 22.

(1) الخلاف 1: 194- المسألة 150.

(2) فقه المعالم 1: 344.

(3) منتهى المطلب 1: 140.

408

صيرورته مستعملا، و إن كان الثاني فلا إشكال في الحكم عليه بعدم صيرورته مستعملا، للأصل الّذي ينشأ عن الشكّ في وجود الرافع، و الّذي يظهر من الأخبار المقامة على المنع- على فرض تماميّة دلالتها- و كلام العلماء الأخيار هو الثاني، كما لا يخفى على المتأمّل.

و ثامنها: قد أشرنا سابقا إلى أنّ الحكم في كلام أهل القول بالمنع مختصّ بالقليل، لخروج الكثير عن المتنازع فيه

، و صرّح به غير واحد، نعم عن المفيد (1) القول بكراهة الارتماس في الماء الكثير الراكد، و وجّهه في شرح الدروس بقوله: «و الظاهر أنّ وجهه صيرورته مستعملا يكره الطهارة به» (2) و يظهر من الحدائق (3) احتمال كون الكراهة مرادا بها المنع، لأنّها في كلام المتقدّمين- كما هو في الأخبار- للأعمّ من المعنى المصطلح.

و عن شيخنا البهائي في حواشي الحبل المتين (4) ما يقضي بتوهّمه عموم النزاع، مستدلّا بما في المختلف من الاستدلال على عدم المنع بصحيحة صفوان، الواردة في الحياض بين مكّة و المدينة، و صحيحة محمّد بن إسماعيل المتقدّمة في عداد أدلّة القول المختار، و هو كما ترى، فإنّ الاستدلال بالإطلاق في بعض الأفراد المتنازع في حكمه، لا يقضي بكون البعض الآخر من أفراده أيضا من المتنازع فيه.

و أمّا كراهة الاغتسال فلا يعرف له وجه، مع منافاتها مع احتمال المنع لسيرة المتشرّعة، و عمل الفرقة المحقّة.

و صحيحة محمّد بن إسماعيل (5) المفصّلة في الرخصة و بين الضرورة، و غيرها الّتي قدّمنا فيها احتمال كون النهي للكراهة، بل استظهرناه- لا تكفي في إثبات الكراهة، لعدم تبيّن كون هذه الكراهة هل هي من جهة الاغتسال، أو من جهة الاستنجاء، أو غير ذلك؟ و المفروض أنّ السؤال وقع عن هذه الأشياء مجتمعة لا منفردة، و من الظاهر كفاية كون بعض من هذه الأشياء مقتضيا للكراهة في الحكم بها مطلقا حال الاجتماع،

____________

(1) المقنعة: 54.

(2) مشارق الشموس: 250.

(3) الحدائق الناضرة 1: 457.

(4) الحبل المتين: 115- حكى عنه في الحدائق الناضرة 1: 475- ما هذا لفظه: «استدلال العلّامة في المختلف بالحديث السابع و الثامن، يعطي أنّ الخلاف ليس في الماء المنفصل عن أعضاء الغسل فقط، بل هو جار في الكرّ الّذي يغتسل فيه أيضا فتدبّر» انتهى.

(5) الوسائل 1: 163 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 14- التهذيب 1: 417/ 1316.

409

و العمدة في هذا السؤال بيان الحكم لا تعيين محلّه، لأنّ السؤال ورد عن المجتمع فخرج الجواب على طبقه، فإنّ قيام الجهة المانعة بالجزء كاف في المنع عن الكلّ.

فالإنصاف: أنّ الرواية بالقياس إلى مفردات المسئول عنه مجملة لا يصحّ الاستناد إليها في شيء منها بالخصوص. على إطلاقه و في جميع أحواله، فكراهة الاغتسال من الكرّ المغتسل فيه مشكل، مع أنّه لم يظهر به قول من أصحابنا، و ما عرفت عن المفيد غير ثابت، و حكمه بكراهة الارتماس في الكثير الراكد غير دالّ عليه، فإنّ الارتماس في الراكد أعمّ من الاغتسال، كما أنّ الراكد أخصّ من الكثير؛ و لعلّه لخصوصيّة لا مدخليّة فيها للاغتسال، ثمّ إنّ كون ذلك لأجل حفظ الماء عن كونه مستعملا يكره الطهارة به من أيّ جهة و الاستظهار المتقدّم عن شرح الدروس ممنوع، و لعلّ الاغتسال بنفسه مكروه في الراكد، و اللّه العالم بحقائق أحكامه.

***

410

ينبوع [في ماء الجاري]

الماء الجاري ممّا أفرده الأصحاب بعنوان مستقلّ، لما في قليله عند أهل القول بانفعال القليل بالملاقاة، من الخلاف في انفعاله، و إلّا فهو على القول المشهور من عدم انفعاله كان ينبغي أن يذكر في عداد المستثنيات عن قاعدة انفعال القليل، و نحن أيضا أفردناه بالعنوان، و لكن عقيب الفراغ عن المستثنيات اقتفاء لأثرهم، مع مراعاة المناسبة المذكورة على قدر الإمكان.

و كيف كان: فاختلفت كلمتهم في تفسير الجاري هنا

؛ ففي المجمع- نقلا عن المصباح-: «الماء الجاري هو المتدافع في انحدار و استواء» (1) و في مفتاح المعاني- الّذي هو منتخب من الصحاح و القاموس و غيرهما- «جرى الماء سال» (2).

و عن بعض متأخّري المتأخّرين الاكتفاء بمطلق السيلان و لو لا عن مادّة، استنادا إلى صدق «الجاري» على المياه الجارية عن ذوبان الثلج، خصوصا إذا لم ينقطع في السنة.

و في حاشية الشرائع- للشيخ عليّ- و المراد بالجاري: «ما كان نابعا من الأرض» (3).

و عنه في حاشية الإرشاد و المراد به: «النابع من الأرض دون ما اجري» (4)، فإنّه واقف و إن لم يتنجّس العالي منه بنجاسة السافل إذا اختلف السطوح و عنه في جامع المقاصد المراد به: «النابع، لأنّ الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد» (5).

و عن المسالك: «المراد بالجاري النابع غير البئر سواء جرى أم لا، و إطلاق الجريان

____________

(1) مجمع البحرين؛ مادّة «جري».

(2) المصباح المنير: مادّة «جرى».

(3) حاشية شرائع الإسلام- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 3.

(4) حاشية إرشاد الأذهان- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 39.

(5) جامع المقاصد 1: 110.

411

عليه مطلقا تغليب أو حقيقة عرفيّة» (1).

و في الروضة: «و هو النابع من الأرض مطلقا غير البئر، على المشهور» (2).

و عن الذخيرة: «و المراد به النابع غير البئر، سواء جرى على وجه الأرض أولا، و الجاري لا عن مادّة لا يسمّى جاريا عرفا» (3).

و في المدارك: «المراد بالجاري النابع، لأنّ الجاري لا عن مادّة من أقسام الراكد اتّفاقا» (4).

و في الحدائق: «المراد بالجاري هو النابع، و إن لم يتعدّ محلّه» (5).

و في الرياض: «و هو النابع عن عين بقوّة أو مطلقا و لو بالرشح، على إشكال في الأخير» (6).

و في الوسائل: «هو النابع غير البئر، بقوّة أو مطلقا و لو بالرشح، على إشكال في الأخير» (7).

و قيل: هو هنا السائل على الأرض بالنبع من تحتها، و إلّا فهو الواقف، لأنّ الجاري لا عن نبع من أقسام الراكد اتّفاقا أو البئر.

و في شرح الاستاذ للشرائع: «و هو السائل عن مادّة لا النابع مطلقا، و لا السائل كذلك» (8).

أقول: و الّذي يظهر- و اللّه أعلم- أنّ لفظ «الجاري» في وصف الماء به، ليس حاله إلّا كلفظ «المحقون» و «الواقف» و «الراكد» و «الكرّ» و «القليل»، فلا وضع فيه لغة و عرفا لما يقابل المحقون و ماء البئر و غيرهما من الأقسام المتداولة في لسان الفقهاء، الممتازة بعضها عن بعض بحسب الأحكام المثبتة من الأدلّة الشرعيّة، بل هو لغة و عرفا بالمعنى الأعمّ من المتشرّعة و غيرهم- وصف عامّ يلحق الماء باعتبار ما يعرضه من وصف السيلان، و لا ينافيه تبادر ما يقابل المحقون و غيره من الأقسام المشار إليها عند المتشرّعة بالخصوص، لأنّه تبادر إطلاقي ينشأ من انسهم بطريقة الفقهاء في إجراء الأحكام، و التفرقة بين ما ذكر من الأقسام، بناء على أنّ ما عرفت عن الفقهاء من التفاسير

____________

(1) مسالك الافهام 1: 12.

(2) الروضة البهيّة 1: 252.

(3) ذخيرة المعاد: 116.

(4) مدارك الأحكام 1: 28.

(5) الحدائق الناضرة 1: 171.

(6) رياض المسائل 1: 135.

(7) لم نعثر عليه.

(8) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 69.

412

المذكورة بيان لموضوع- حكم متّفق عليه أو مختلف فيه- استفادوه كلّا أم جلّا من الأدلّة الشرعيّة، لا أنّه تفسير لمفهوم اللفظ لغة و لا عرفا و لا شرعا حتّى يلزم منه ثبوت الحقيقة الشرعيّة فيه، و إلّا فمفهوم قولنا: «ماء جار» لغة و عرفا ليس إلّا الماء السائل، و وصف الجاري صفة تقييديّة يحترز بها عمّا ليس بسائل فعلا، لا أنّه صفة توضيحيّة.

نعم هو حيثما يؤخذ اللفظ المذكور موضوعا للحكم المشار إليه أو في المسألة المختلف فيها يكون صفة توضيحيّة، لكن من جهة الفرض و الاعتبار، لا من جهة دخولها مع الموصوف في مفهوم اللفظ لغة أو عرفا.

و بالجملة: مفهوم اللفظ لغة أو عرفا شيء، و موضوع الحكم الشرعي شيء آخر، غاية الأمر أنّهما قد يتطابقان و قد يتفارقان، و غرضهم من التفاسير المذكورة الإشارة إلى الثاني فقط، و الأوّل يفارقه في غير النابع، فإنّه إذا سال ماء جار لغة و عرفا و إن لم يكن من موضوع الحكم الشرعي أو المسألة المذكورين في شيء، و الّذي يشهد بما ذكرناه من تغاير الأمرين وجوه:

الأوّل: خلوّ كلام أئمّة اللغة- فيما نعلم- عن تفسيره بما هو موضوع للحكم الشرعي، و اشتمال جملة من كلامهم على تفسيره بما يعمّ هذا المعنى كما عرفت عن مفتاح المعاني، و لا ينافيه ما عرفته عن المصباح، لأنّ تفسيره بالمتدافع إمّا تفسير له بما يرادف السائل أو بما يلزمه، نظرا إلى أنّ السيلان يستلزم كون بعض الأجزاء دافعا للبعض الآخر، و موجبا لانتقاله عن مكان إلى آخر.

و الثاني: ما عرفت في التفاسير المذكورة من التعبير في أكثرها بقولهم: «و المراد بالجاري»، «أو المراد به هنا»، فإنّ ذلك كالتصريح بأنّ هذا التفسير بيان لما هو المراد من اللفظ في خصوص المقام، و يزيده بيانا ما في كلام بعضهم من إخراج الجاري لا عن نبع عمّا هو المراد هنا بطريق الاستدلال، و لا ينافيه ما في بعض تلك التفاسير من بيان المعنى بطريق الحمل دون التعبير بلفظة «المراد»، لأنّ ذلك أيضا بقرينة ما في أكثرها ينزّل إلى بيان المراد بالخصوص، لا بيان مفهوم اللفظ بما هو هو، كما يفصح عن ذلك ما عرفت عن ثاني الشهيدين في كتابيه المسالك (1) و الروضة (2)، حيث إنّه في

____________

(1) مسالك الافهام 1: 12.

(2) الروضة البهيّة 1: 252.

413

الأوّل عبّر باللفظ المذكور، و في الثاني ذكر المعنى بطريق الحمل.

و أقوى ممّا ذكر ما في الدروس من قوله: «ثالثها: الجاري نابعا» (1) بعد ما جعل أقسام الماء باعتبار مخالطة النجس له أربعة، و في شرح العبارة المذكورة للمحقّق الخوانساري: «احترز به عمّا إذا كان جاريا من غير نبع، فإنّ حكمه حكم الواقف اتّفاقا نعم القليل منه إذا كان منحدرا لا ينجّس ما فوقه» (2)، انتهى فإنّ ظاهر هذه العبارات كلّها أنّ وقوع لفظ «الجاري» على الماء ليس بحسب الوضع اللغوي، و لا العرفي العامّ، و لا أنّه حصل فيه للفقهاء اصطلاح خاصّ، و إلّا لم يكن لما فيها من التقييدات و التصريح بالاحترازات وجه.

و الثالث: ما عن المحقّق الأردبيلي في مجمع الفائدة من قوله: «و أمّا حقيقة الجاري، فقيل: إنّه النابع غير البئر، فكأنّه اصطلاح، و يفهم ممّا نقل عن الدروس اشتراط دوام النبع، و كذا ابن فهد و ليس هنا حقيقة شرعيّة بل و لا عرفيّة، و معلوم عدم إرادة اللغويّة، و يمكن استخراج المعنى المتقدّم. أمّا غير البئر فلانفرادها بالأحكام، و أمّا النابع مطلقا فلعدم القوّة في غير النابع، و للإجماع أيضا على اعتبار الكرّيّة في غير النابع بين القائلين بالتنجيس، و لوجود معنى الجري في النابع» (3) انتهى. و حينئذ فما في عبارة المسالك من قوله- بعد تفسيره المتقدّم- «و إطلاق الجريان عليه مطلقا تغليب أو حقيقة عرفيّة» (4) لا بدّ و أن يحمل على إرادة التغليب في لسان الفقهاء، حيث يعتبرون المعنى المذكور موضوعا في المسألة المتنازع فيها، و إرادة الحقيقة العرفيّة الخاصّة كما فهمه الأردبيلي.

و عليه فما ربّما يورد عليه من مخالفة ذلك للعرف و اللغة، و الاستدلال في ردّه بأنّ الجاري، لا يصدق إلّا مع تحقّق الجريان ليس على ما ينبغي، فإنّ اعتبار الجريان فعلا في صدق الجاري لغة أو عرفا لا ينافي عدم كونه معتبرا فيما هو موضوع في المسألة الفقهيّة، بعد تبيّن أنّ العبرة فيه بالنبع فقط دون الجريان فعلا، غاية الأمر كون وقوع اللفظ عليه مجازا من باب التغليب لتحقّق الجريان في أكثر أفراد هذا الموضوع، أو

____________

(1) الدروس الشرعيّة 1: 119.

(2) مشارق الشموس: 205.

(3) مجمع الفائدة و البرهان 1: 250.

(4) مسالك الأفهام 1: 12.

414

اصطلاحا خاصّا، و لا مشاحّة فيه.

و ربّما يقال: بأنّ قولهم- في تطهير الجاري-: أنّه يطهّر بكثرة الماء الجاري عليه متدافعا حتّى يزول التغيّر، و ما في بعض الأخبار عن الماء الجاري يمرّ بالجيف و العذرة و الدم أ يتوضّأ منه؟ يشير إلى كون الجاري ما تحقّق فيه الجريان.

و فيه: ما لا يخفى على المتأمّل.

نعم، من يدّعي كفاية النبع مطلقا في موضوع المسألة عند الفقهاء، و عدم اعتبار الجريان الفعلي فيه، ينبغي أن يطالب بدليل ذلك.

فإذا ثبت أنّ مرجع التفاسير المتقدّمة إلى تحقيق موضوع المسألة. فلا بدّ من النظر في تحقيقه في كلماتهم، و أدلّتهم المقامة على امتياز الجاري عن سائر الأقسام بحسب الحكم في الجملة.

فنقول: لا إشكال و لا خلاف ظاهرا في أنّ النابع السائل على وجه الأرض من موضوع المسألة، كما أنّه لا إشكال و لا خلاف في أنّ ما ليس بنابع و لا سائل ليس من موضوع المسألة في شيء، و إنّما الكلام في اعتبار هذين الوصفين معا في هذا الموضوع، على وجه لو لا أحدهما لم يكن المورد منه، و الظاهر أنّه لا إشكال و لا خلاف أيضا في اعتبار الوصف الأوّل- أعني النبع- المفسّر في كلام أهل اللغة بخروج الماء من العين، و لذا ترى تفاسيرهم المتقدّمة متوافقة على اعتباره، مع استتباع بعضها بدعوى الاتّفاق على دخول غير النابع في أقسام الراكد، و إن حصل له وصف الجريان.

و ممّا يرشد إلى ذلك أيضا فرضهم مسألة اختلاف السطوح بالتسنيم أو الانحدار- الّذي لا يتأتّى إلّا مع الجريان- في الكرّ الّذي هو من الراكد.

نعم، العمدة في المقام اعتبار الوصف الثاني و هو الجريان.

و يظهر الفائدة في العيون الصغار الغير السائلة، الّتي ينبع منها الماء إلى مرتبة فيقف عليها حتّى يؤخذ منه شيء، فإذا أخذ ينبع ثانيا إلى أن يصل المرتبة أيضا و هكذا، و قد اختلفت كلمة المتأخّرين في ذلك ففي صريح المسالك (1) و الذخيرة (2) و الحدائق (3)- على ما تقدّم- عدم اعتباره، و صرّح به الخوانساري في شرح الدروس أيضا قائلا:

____________

(1) مسالك الأفهام 1: 12.

(2) ذخيرة المعاد: 116.

(3) الحدائق الناضرة 1: 171.

415

«و اعلم، أنّه لا يشترط فيه الجريان، بل يكفي مجرّد النبع» (1)، و يمكن استفادته أيضا عن جملة من التفاسير المتقدّم ذكرها لما فيها من إطلاق النبع، و عن ظاهر المحقّق اعتباره، حيث حكم بعدم تطهير القليل بالنبع من تحته، تعليلا: «بأنّ النابع ينجّس بالملاقاة» (2)، و عن كاشف اللثام- للفاضل الهندي- أنّه جعله أوضح الاحتمالين (3) و هو المحكيّ عن المقنعة (4)، و التهذيب (5)، حيث حكما بانفعال القليل من الغدير النابع و تطهيره بالنزح، و هو صريح بعض من قاربناه عصرا، قائلا، «بأنّه يلحق بالبئر العيون الصغار الغير السائلة، و غير الصادق عليها اسم البئر، وفاقا للمقنعة و التهذيب و الفاضل الهندي في شرح القواعد، لعدم صدق الجريان في مائها شرعا و لغة و عرفا، فلا يشمله عبارات الأصحاب و لا ما ورد من الأخبار» (6).

و عن المحقّق البهبهاني: «أنّ النابع الراكد عند الفقهاء في حكم البئر» (7).

و يستفاد عن المحقّق المذكور- في عبارة محكيّة عن شرحه للمفاتيح اعتباره في صدق الاسم دون الحكم، بمعنى دخول العيون المشار إليها في حكم الجاري.

و خروجها عنه اسما، حيث قال: «المعتبر في الجاري و البئر هو الصدق العرفي- أي العرف العامّ- فمجرّد الجريان اللغوي لا ينفع في الجاري، حتّى يكون الجريان عن مادّة سواء كانت نبعا أو نزأ حاصلين عن حفر الآبار و خرق أسافلها، و دخل الماء من بئر إلى بئر إلى أن جرى على الأرض و هذا هو المسمّى بالقناة، أو كان البئر واحدة و ثقب أسفلها حتّى يجري ماؤها على الأرض، أو امتلأت ماء إلى أن جرى على الأرض، ففي جميع هذه الصور يكون الماء جاريا، و إن أطلق عليه ماء البئر أيضا، إلّا أنّه ليس إطلاقا حقيقيّا باصطلاح العرف العامّ، و من الجاري العيون الّتي يجري منها الماء، و أمّا الّتي لا يجري أصلا و إن كان عن مادّة نبعا أو نزأ فحكمها حكم الجاري في عدم الانفعال ما لم يتغيّر، للأصل، و العمومات، و قوله (عليه السلام) في البئر: «لأنّ له مادّة» و غير ذلك» (8) انتهى.

____________

(1) مشارق الشموس: 205.

(2) المعتبر: 11.

(3) كشف اللثام 1: 254.

(4) المقنعة: 66.

(5) التهذيب 1: 234.

(6) لم نعرف قائله.

(7) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 104.

(8) مصابيح الظلام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 518.

416

و أنت بعد ما أحطت خبرا بما قرّرناه آنفا، من أنّ مبنى إطلاق الجاري على النابع السائل ليس على الوضع اللغوي جزما، و لا العرفي و الشرعي، حيث لا شاهد بهما أصلا، بل إنّما هو لأجل كونه أحد أفراد مفهومه اللغوي، تعرف أنّ بعض الكلمات المذكورة ليس في محلّه، فالاستناد في نفي دخول ما فرض من العيون في اسم الجاري إلى عدم صدق الجريان و نحوه عليها ليس ممّا ينبغي، و الاعتراف بكونها في حكمه ممّا يشهد بما تقدّم من أنّ غرضهم في المقام ضبط موضوع الحكم لا شرح مفهوم اللفظ، فلا بدّ و أن يكون الجاري مرادا به حينئذ معنى يشمل الغير السائل أيضا، و معه لا معنى لنفي دخوله في المسمّى هنا، استنادا إلى ما يرجع إلى إحراز المسمّى اللغوي أو العرفي.

و العمدة في معرفة دخوله في موضوع الحكم ملاحظة الأدلّة المقامة على ذلك الحكم، و لا يبعد أن يقال: بعموم أكثر الأدلّة المقامة على عدم انفعاله على فرض سلامتها دلالة، خصوصا ما يأتي من رواية البئر المعلّلة بوجود المادّة، على تقدير رجوع التعليل إلى حكم عدم الإفساد لا الطهر بالنزح كما هو الأظهر، فإنّها على هذا التقدير تفيد قاعدة عامّة جارية في كلّ ذي مادّة و المقام منه، نظرا إلى أنّ عدم السيلان على وجه الأرض ينشأ عن تحتيّة المادّة لا عن فقدها أو ضعفها كما قد يتوهّم، و لو فرض شكّ في شمول ذلك الحكم له بملاحظة ما تقدّم من الخلاف الواقع فيه، و لم يظهر من الأدلّة شيء، كان المتعيّن إدخاله في عمومات انفعال القليل، المفيدة قاعدة عامّة تجري في المقام جزما لو خلّي و طبعها حسبما تقدّم في محلّه.

و هذا ضابط كلّي في المسألة يجب الرجوع إليه في كلّ ما يشكّ دخوله في الجاري الّذي هو موضوع المسألة، لأجل خلاف، أو ضعف نبع، أو يشكّ في وجود النبع و نحوه حين الملاقاة.

و من جملة ذلك ما يتعدّى محلّه خارجا من الأرض بطريق الرشح، و هو العرق يقال: «رشح جبينه إذا عرق» و لعلّه إلى إخراج مثل ذلك ينظر ما اعتبره الشهيد في الدروس (1) من دوام النبع في الجاري، نظرا إلى أنّ الماء في صورة الرشح يخرج شيئا فشيئا، و المعتبر في عدم الانفعال اتّصال الملاقي للنجاسة بالمادّة حين تحقّق الملاقاة،

____________

(1) الدروس الشرعيّة 1: 119.

417

و لا ريب أنّ الاتّصال ممّا لا يعلم به مع الخروج رشحا، و إنّما اعتبرنا العلم هنا مع أنّ الحكم بالطهارة يكفي فيه عدم العلم بتحقّق سبب النجاسة، و المقام منه، لأنّ المقتضي للنجاسة هنا موجود و هو عموم القاعدة، فلا بدّ في الخروج عنها من مخرج علميّ و لو شرعا.

لكن يرد على الشهيد في اعتباره الشرط المذكور- بناء على هذا التوجيه-: أنّ ذلك إنّما يستقيم لو كان الحكم بعدم انفعال الجاري معلّقا عند الأصحاب بوجود المادّة، و هو غير ظاهر من أكثرهم، بل أكثر أدلّتهم خلو عن اعتباره.

نعم لو استند في ذلك إلى الرواية المشار إليها، المعلّلة بوجود المادّة كان الاشتراط متّجها. لكن يشكل ذلك: بأنّ الاستناد إليها غير معلوم من جميعهم إلّا أن يقال: بأنّها مستند الحكم عنده، فاعتبر الشرط المذكور جريا على مقتضى دليله، فلا إيراد عليه بعد تسليم هذا الدليل منه، و نقل اعتبار ذلك أيضا عن ابن فهد في موجزه (1) و عن التنقيح:

«أنّه استحسن ذلك الشرط» (2).

و ذكر في معناه وجوه:

منها: ما ذكرناه، و هو أظهرها، وفاقا للمحكيّ عن بعض محشّي الروضة، و المحقّق الثاني (3) و صاحب المعالم (4) حيث استحسنه.

و أمّا ما أورد عليه: بأنّه غير مفيد، إذ مجرّد عدم ظهور المادّة لا يكفي في الحكم بالانفعال، بل التحقيق في صورة الشكّ في وجود المادّة الحكم بعدم الانفعال للأصل، بل و كذلك مع ظنّ العدم للاستصحاب، و إن انحصر الدليل على عدم اشتراط الكرّيّة في الخبر المشار إليه، و هو كما ترى و كأنّه غفلة عمّا قرّرناه من وجود المقتضي للانفعال، لو لا الدليل المخرج.

و منها: ما عن روض الجنان (5) التصريح به من، أنّ المراد بدوام النبع عدم الانقطاع في أثناء الزمان، ككثير من المياه الّتي تخرج زمن الشتاء و تجفّ في الصيف.

____________

(1) الموجز الحاوى (سلسلة الينابيع الفقهيّة 26: 411).

(2) التنقيح الرائع 1: 38.

(3) حكى عنه في فقه المعالم عن بعض فوائده 1: 302.

(4) فقه المعالم 1: 302.

(5) روض الجنان: 135- حكاه أيضا في مشارق الشموس عن بعضهم: 206- و أيضا في فقه المعالم 1: 301.

418

ففيه: ما لا يخفى، فإنّ الحكم إذا كان معلّقا بوصف النبع فهو ما لم يتحقّق الانقطاع موجود، فينبغي أن يتحقّق معه الحكم، و لا يعقل مدخليّة لانقطاعه في بعض الأزمنة في ذلك، و لذا يقال: بأنّ القول بالانفعال مع انتفاء الشرط بالمعنى المذكور يوجب تخصيص عموم الأدلّة بمجرّد التشهّي، و من هنا صحّ القول بأنّ ذلك ممّا لا ينبغي نسبته إلى مثل الشهيد، بل من هو دونه بمراتب.

و ربّما يورد عليه: بأنّ الدوام بالمعنى المذكور إن اريد به ما يعمّ الزمان كلّه، فلا ريب في بطلانه إذ لا سبيل إلى العلم به، و إن خصّ ببعضه فهو مجرّد تحكّم، و فيه نظر.

و منها: أن يكون المراد به ما يحترز به عن بعض العيون أو الآبار الّتي لها نبع و لا يجري ماؤها على الأرض، مع عدم دخولها في اسم البئر، و إنّما يعلم النبع بأخذ شيء من الماء، فإنّه حينئذ يأخذ بالنبع إلى أن يبلغ الحدّ الأوّل، و هذا أضعف من سابقه، فإنّ الحكم بعدم الانفعال إن كان مستفادا من الأصل أو الروايات غير رواية البئر المعلّلة بما سبق فلا ريب أنّهما ساكتان عن اعتبار أصل النبع فضلا عن دوامه، و إن كان مستفادا عن الرواية المشار إليها فأقصاها الدلالة على اعتبار وجود المادّة و الاتّصال بها، و عدم تعدّي الماء لا يقدح في شيء منهما، كما لا يخفى.

و في الحدائق عن بعض الفقهاء المحدّثين من متأخّري المتأخّرين: أنّ النابع على وجوه:

أحدها: أن ينبع الماء حتّى يبلغ حدّا معيّنا، ثمّ يقف و لا ينبع ثانيا إلّا بعد إخراج بعض الماء.

و ثانيها: أن لا ينبع ثانيا إلّا بعد حفر جديد، كما هو المشاهد في بعض الأراضي.

و ثالثها: أن ينبع الماء و لا يقف على حدّ كما في العيون الجارية، قال: «و شمول الأخبار المستفاد منها حكم الجاري للوجه الثاني غير واضح، فيبقى تحت ما يدلّ على اعتبار الكرّيّة، و كأنّ مراد شيخنا الشهيد (رحمه الله) ما ذكرناه» (1) انتهى.

و يرد عليه: أنّ وقوف نبعه ثانيا على حفر جديد لا يخرج النابع أوّلا عن كونه نابعا، و الحكم معلّق عليه، إلّا أن يقال: إنّ النبع إنّما يناط به الحكم في موضع اتّصال

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 196.

419

النابع بالمادّة لا مطلقا، و لا ريب أنّ افتقار النبع ثانيا إلى الحفر الجديد ممّا يكشف عن انقطاع ما نبع أوّلا عن المادّة.

و يبقى من المواضع المشكوك فيها «الثمد» بالفتح و السكون، بل هو ممّا لا ينبغي الشكّ في عدم اندراجه تحت الجاري اسما و حكما، سواء فسّرناه بما عن منقول الأساس- عن الأصمعي- من أنّه: «ماء المطر الّذي يبقى محقونا تحت الرمل، فإذا انكشف عنه الأرض» (1) و حاصله: ما يختفي تحت الرمل من ماء المطر، أو بما في مفتاح المعاني (2) و القاموس (3) و المجمع (4) من: «أنّه الماء القليل لا مادّة له» أو «ما يبقى في الأرض الجلد» و هي الأرض الصلبة المستوية المتن، نعم إن فسّرناه بما يظهر في الشتاء و يذهب في الصيف- كما هو أحد الثلاث المذكورة في الكتب المشار إليها- كان ممّا تقدّم بيان كونه مرادا للشهيد فيما اعتبره من الشرط المتقدّم، و قد ظهر بملاحظة ما ذكر أنّ القدر المتيقّن ممّا هو مراد المشهور إنّما هو السائل عن نبع، و هذا أو ما هو أعمّ منه هو الّذي اختلف الأصحاب في انفعال قليله،

و اشتراط الكرّيّة في عدم انفعاله و عدمه على قولين:

الأوّل: ما هو المشهور جدّا محقّقا و محكيّا من أنّه لا يشترط فيه الكرّيّة، فلا ينفعل قليله بالنجاسة إلّا إذا تغيّر

، و عزى إلى صريح المبسوط (5)، و الغنية (6)، و شرح الجمل (7)، للقاضي، و الدروس (8)، و الذكرى (9)، و حاشية الشرائع (10)، و الإرشاد (11)، و الجعفريّة (12)، و الكفاية (13)، و المصابيح (14)، و ظاهر إطلاق المقنعة (15)،

____________

(1) أساس البلاغة؛ مادّة «ثمد»: 76.

(2) مفتاح المعاني؛ مادّة «ثمد».

(3) القاموس المحيط؛ مادة «ثمد» 1: 280.

(4) مجمع البحرين؛ مادّة «ثمد» 3: 20.

(5) المبسوط 1: 5.

(6) غنية النزوع: 46.

(7) شرح الجمل و العلم- للقاضي ابن البرّاج-: 56.

(8) الدروس 1: 119.

(9) ذكرى الشيعة 1: 79.

(10) حاشية الشرائع- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 3.

(11) حاشية الإرشاد- للمحقّق الكركي- (محفوظ) الورقة: 3.

(12) الجعفريّة (رسائل المحقّق الكركي 1: 83).

(13) كفاية الأحكام: 9.

(14) المصابيح في الفقه- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 55.

(15) المقنعة: 74.

420

و الخلاف (1)، و الجمل و العقود (2)، و النهاية (3)، و المراسم (4)، و الوسيلة (5) و السرائر (6)، و الإشارة (7)، و النافع (8)، و الشرائع (9)، و المعتبر (10)، و التبصرة (11)، و الإرشاد (12)، و الجامع (13)، و اللمعة (14)، و البيان (15)، و محكيّ أبي الصلاح (16)، و السيوري (17)، و ابن فهد (18)، و المحقّق الكركي (19)، و ولده (20)، و الشيخ البهائي 21، و المجمع 22، و المدارك 23، و المعالم 24، بل عن المعتبر، «و لا ينجّس الجاري بالملاقاة، و هو مذهب فقهائنا أجمع، إلى أن قال بعد ذلك:

«و لا الكثير الراكد» 25، فعلم أنّه لا فرق بين قليل الجاري و كثيره، و عن شرح الجمل لابن البرّاج: نقل الإجماع على عدم نجاسة الجاري، مع التصريح فيه بعدم الفرق بين القليل و الكثير 26، و نحوه عن الغنية 27، و عن ظاهر الخلاف 28 نقله، و مثله عن حواشي التحرير 29 للمحقّق الثاني، و مثله عن مصابيح العلّامة الطباطبائي 30، و عن الذكرى: «إنّي لم أقف فيه على مخالف ممّن سلف» 31، أي ممّن تقدّم على العلّامة، و عن جامع المقاصد: أنّه نسب رأي العلّامة إلى مخالفة مذهب الأصحاب 32.

و الثاني: ما عن العلّامة في صريح نهاية الإحكام 33، و ظاهر القواعد 34 من اشتراط الكرّيّة و انفعال قليله، و عن ثاني الشهيدين في المسالك 35 إنّه اختاره صريحا،

____________

(1) الخلاف 1: 195- المسألة 152.

(2) الجمل و العقود: 54.

(3) النهاية و نكتها 1: 200.

(4) المراسم العلويّة: 37.

(5) الوسيلة: 67.

(6) السرائر 1: 62.

(7) إشارة السبق: 81.

(8) المختصر النافع: 41.

(9) شرائع الإسلام 1: 12.

(10) المعتبر: 9.

(11) تبصرة المتعلّمين: 23.

(12) إرشاد الأذهان 1: 235.

(13) الجامع للشرائع: 20.

(14) اللمعة الدمشقيّة 1: 31.

(15) البيان: 98.

(16) الكافي في الفقه- لأبي الصلاح الحلبي- (سلسلة الينابيع الفقهيّة 1: 182).

(17) التنقيح الرائع 1: 38.

(18) الموجز الحاوي (لسلسلة الينابيع الفقهيّة 26: 411).

(19) جامع المقاصد 1: 111.

(20) 20 و 21 و 29 و 30 حكى عنه السيد مهدي بحر العلوم في مصابيحه، راجع المصابيح في الفقه- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 55.

(21) 22 مجمع الفائدة و البرهان 1: 252.

(22) 23 مدارك الأحكام 1: 30.

(23) 24 فقه المعالم 1: 298.

(24) 25 المعتبر: 9.

(25) 26 شرح الجمل و العلم:- للقاضي ابن برّاج- 56.

(26) 27 غنية النزوع: 46.

(27) 28 الخلاف 1: 195 المسألة 152.

(28) 31 ذكرى الشيعة 1: 79.

(29) 32 جامع المقاصد 1: 111.

(30) 33 نهاية الإحكام 1: 229.

(31) 34 قواعد الأحكام 1: 182.

(32) 35 مسالك الافهام 1: 12.

421

و يظهر منه الميل إليه في الروضة (1)؛ قيل: و كذلك أيضا في روض الجنان (2)، و عن ولده صاحب المعالم: «أنّه ذهب إليه في جملة من كتبه، إلّا أنّ الّذي استقرّ عليه رأيه بعد ذلك هو المذهب المشهور» (3) و عنه في الروض (4) عن جماعة من المتأخّرين.

احتجّ الأوّلون بوجوه: [أي لا يشترط فيه الكرية فلا ينفعل قليله بالنجاسة إلا إذا تغير]

أحدها: الأصل

، تمسّك به غير واحد من الأساطين.

و يرد عليه: أنّه إن اريد به القاعدة الكلّيّة المستفادة عن عمومات الأدلّة كتابا و سنّة، فهي و إن كانت مسلّمة، غير أنّها لا ربط لها بالمقام، لأنّ الكلام في قبول الجاري للانفعال بالعارض و عدمه، و القاعدة إنّما تقتضي طهارته في أصله و خلقته الأصليّة، فهي في الحقيقة ساكتة عمّا نحن بصدده نفيا و إثباتا.

و منه يعلم ضعف ما في كلام جملة منهم من الاحتجاج بالعمومات، و أضعف منه ما في كلام بعضهم من الاحتجاج بالخبر المستفيض «كلّ ماء طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» (5) فإنّه على ما قرّرناه سابقا عامّ في مورده و هو الشبهة في الموضوع، و المقام ليس منه، على أنّ العلم بالقذارة أعمّ من الشرعي، و هو قائم في المقام، بناء على عموم قاعدة انفعال القليل كما هو التحقيق؛ فلا بدّ في الخروج عنه من مخصّص و العامّ لا يصلح له، بل هو ممّا ينبغي تخصيصه بالقاعدة، و من هنا ظهر جواب آخر عن العمومات و الأصل بالمعنى المفروض، لو قلنا فيهما بالدلالة على عدم قبول الانفعال بالعارض عموما.

و إن اريد به قاعدة الطهارة أيضا و لكن بالمعنى الّذي قرّره صاحب المدارك. (6) من أنّ الأشياء كلّها على الطهارة إلّا ما نصّ الشارع على نجاسته لأنّها مخلوقة لمنافع العباد، و لا يتمّ النفع إلّا بطهارتها. ففيه:

أوّلا: منع منافاته أيضا لما نحن بصدده، إذ غاية ما فيه كون خلقة الأشياء على الطهارة، و هو لا ينافي عروض النجاسة من جهة الطوارئ.

____________

(1) الروضة البهيّة 1: 252.

(2) روض الجنان: 134.

(3) فقه المعالم 1: 298 نقلا بالمعنى.

(4) روض الجنان: 135.

(5) الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- و فيه: «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر».

(6) مدارك الأحكام 1: 30.

422

و ثانيا: منع بقائه على عمومه، بعد ملاحظة خصوص ما ورد في قليل الماء المتناول للجاري أيضا.

و ثالثا: منع ذلك الأصل رأسا، بمنع الملازمة و منع بطلان اللازم أمّا الأوّل: فلأنّ منافع العباد ملحوظة في الخلقة من باب الحكمة، فلا يجب فيها الاطّراد. و أمّا الثاني:

فلعدم انحصار جهة الانتفاع في مشروط بالطهارة، كما هو الحال في خلقة الأعيان النجسة.

و إن اريد به استصحاب الحالة السابقة، فهو إنّما يستقيم لو لا القاطع و الرافع لموضوعه، و في دليل الخصم- على ما سيجيء من عموم قاعدة الانفعال و لو استندت إلى المفهوم- كفاية في ذلك؛ فلا بدّ في دفعه من قاطع آخر حاكم عليه، و الأصل لا يصلح له، و بذلك يظهر عدم صحّة الاستناد إليه لو اريد به أصالة البراءة، كما اعتمد عليها المحقّق البهبهاني في حاشية المدارك، تعليلا: «بأنّ النجاسة تكليف بالتجنّب» (1).

و ثانيها: ما حكى الاحتجاج به عن المحقّق (2)، و العلّامة (3)، من أنّ النجاسة لا تستقرّ مع الجريان.

و فيه أوّلا: منقوض بالجاري لا عن نبع.

و ثانيا: أنّ عدم استقرار النجاسة إن اريد به عدم استقرار عينها، فاعتبار استقرارها مع إمكان استقرار أثرها في الأجزاء المتواصلة من جهة السراية من جزء إلى جزء- و لو لاحقا- ممنوع، ما لم يدخل الأجزاء اللاحقة في عنوان المستعلي، و إن اريد به عدم استقرار أثرها فهو أوّل الدعوى.

و ثالثها: عدّة روايات عامّة

منها: النبوي- المتكرّر ذكره سابقا-: «خلق اللّه الماء طهورا لا ينجّسه شيء، إلّا ما غيّر لونه أو طعمه أو ريحه» (4).

و منها: صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضّأ من الماء و اشرب، فإن تغيّر الماء و تغيّر الطعم، فلا تتوضّأ و لا تشرب» (5).

____________

(1) حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 46.

(2) المعتبر: 9.

(3) منتهى المطلب 1: 28.

(4) سنن البيهقي 1: 259، سنن الدارقطني 1: 28- و رواها أيضا في المعتبر: 8.

(5) التهذيب 1: 216 ح 625- الاستبصار 1: 12 ح 19.

423

و منها: حسنة محمّد بن ميسّر قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل الجنب ينتهي إلى الماء القليل في الطريق، و يريد أن يغتسل منه، و ليس معه إناء يغترف به، و يداه قذرتان؟

قال: يضع يده و يتوضّأ، و يغتسل، هذا ممّا قال اللّه عزّ و جلّ: مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (1) (2). وجه الاستدلال بها: أنّ الأوّلين يدلّان بظاهرهما على انحصار سبب عروض النجاسة في التغيّر، كما أنّ الأخير يدلّ بإطلاقه على عدم انفعال الماء القليل بقذارة اليد، سواء حملنا القلّة على المعنى المصطلح عليه عند الفقهاء، أو على ما يعمّ الكثير المصطلح، غاية الأمر أنّه خرج منها القليل الراكد بالدليل و بقي الباقي، و منه محلّ البحث.

و فيه: أنّ الدليل الّذي أوجب خروج الراكد توجب خروج الجاري، و دعوى:

الاختصاص، لا وجه لها بعد ملاحظة عموم المفهوم في روايات انفعال القليل.

و رابعها: خصوص صحيحة إسماعيل بن بزيع عن الرضا (عليه السلام) «قال: ماء البئر واسع لا يفسده شيء، إلّا أن يتغيّر ريحه أو طعمه

، فينزح حتّى يذهب الريح و يطيب طعمه، لأنّ له مادّة» (3)، بتقريب: أنّه جعل العلّة في عدم فساده بدون التغيّر و طهارته بزواله وجود المادّة، و العلّة المنصوصة حجّة.

و اعترض عليه تارة: بما عن المحقّق الخراساني (4)،- و تبعه على ذلك صاحب الحدائق- من أنّ التحقيق في العلّة المنصوصة، أنّ الحكم يتعدّى إلى كلّ موضع يوجد فيه العلّة، إذا شهدت الحال و القرائن على أنّ خصوص متعلّقها الأوّل لا مدخل له في الحكم لا مطلقا، و إثبات الشهادة المذكورة هاهنا لا يخلو عن إشكال.

و اخرى: بمنع وجود المادّة في الجاري مطلقا، إذ المادّة كما هو الظاهر لا بدّ أن يكون كرّا مجتمعا، و وجود مثلها في كلّ جار غير معلوم، إذ يجوز أن يكون نبعه بطريق الرشح من عروق الأرض، سلّمنا عدم اعتبار الاجتماع، لكن وجود الكرّ أيضا متّصلا غير معلوم، لجواز أن يحصل في بعض العيون الماء بقدر ما يخرج تدريجا في الأرض، إمّا بانقلاب الهواء كما هو رأي الحكماء، أو بإيجاد اللّه تعالى إيّاه من غير مادّة، أو بذوبان

____________

(1) الحجّ: 13.

(2) الوسائل 1: 152 ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 5- الكافي 3: 4/ 2.

(3) الوسائل 1: 127 ب 14 من أبواب الماء المطلق ح 7- التهذيب 1: 234/ 672.

(4) ذخيرة المعاد: 117.

424

الثلج و نفوذه شيئا فشيئا، و البعض الّذي يبعد فيه هذه الاحتمالات لا ينفكّ عن الكثرة.

و الأوّل: واضح الدفع بعد ملاحظة بناء العرف، فإنّ الأصل العرفي في التعليلات الواردة في الكلام عدم مدخليّة الخصوصيّة في انعقاد الحكم، نظرا إلى ظهور كلمة «أنّ» و ما يؤدّي مؤدّاها في نظائر المقام في كون ما بعدها ممّا اعتبره المتكلّم وسطا لما أفاده من الحكم، فيكون في قوّة كبرى كلّيّة، فلا يضرّ فيها حينئذ خصوصيّة المتعلّق الأوّل، لرجوعه موضوعا في صغرى القياس، و الصغرى لا بدّ فيها من خصوصيّة موضوعها، فالمراد بشهادة الحال المعتبرة في المقام إن كان هذا المعنى فهي قائمة في المقام جدّا، و إن كان ما زاد عليه فغير معتبرة جزما.

و أمّا الثاني فيدفعه: أنّ كلام القوم و محطّ الاستدلال بالرواية مفروضان فيما علم بوجود المادّة فعلا، و إطلاق ورودها في كلام الإمام (عليه السلام) يأبى عن اعتبار الكرّيّة و الاجتماع معها، و دعوى الظهور في ذلك ممّا لا شاهد عليه، و القضيّة إنّما اعتبرت فرضيّة، فعدم انفكاك الكرّيّة عمّا علم فيه بوجود المادّة- مع بطلان دعواه في نفسه- غير قادح في انعقاد الحكم الّذي يرد على المفهوم دون المصداق، ففرض الترشّح أو انقلاب الماء من الهواء، و كون حصوله من إيجاد اللّه سبحانه، غير قادح فيما هو من موضوع الحكم، لكون كلّ ذلك من الصور المشكوكة الّتي يرجع فيها إلى الأصل الأوّلي- كما عليه غير واحد هنا- أو قاعدة انفعال القليل، كما هو من مقتضى التحقيق و النظير في خصوص المقام أيضا- بناء على ما تقدّم الإشارة إليه- فدفع الاستدلال بالرواية بأمثال هذه الامور، ليس على ما ينبغي.

نعم، إن كان و لا بدّ من ذلك فليعترض عليه: بمنع رجوع التعليل إلى الحكم الأوّل، و هو عدم فساد ماء البئر بشيء، و دعوى: ظهوره في ذلك ممنوعة جدّا، و إن كان المقصود أصالة من الحديث بيان سعة ماء البئر و عدم فساده بغير التغيّر، بل ظاهره كونه راجعا إلى الحكم بزوال التغيّر بالنزح، و قد تنبّه عليه احتمالا شيخنا البهائي (رحمه الله)- فيما حكي عنه- قائلا في الحبل المتين- عند بيان الاستدلال-: «و فيه نظر، لاحتمال أن يكون قوله (عليه السلام): «لأنّ له مادّة» تعليلا لترتّب ذهاب الريح و طيب الطعم على النزح، كما يقال: لازم غريمك حتّى يعطيك حقّك، لأنّه يكره ملازمتك» (1).

____________

(1) الحبل المتين: 389.

425

و المناقشة فيه: بأنّ تعليل زوال التغيّر بوجود المادّة مع خفائه و انتفاء الحاجة إليه- لكون التغيّر من الامور المحسوسة الظاهرة- ليس من الوظائف الشرعيّة المطلوب بيانها من كلام الأئمّة، فلا يحمل الحديث عليه- كما عن السيّد الطباطبائي في مصابيحه (1)- و قريب منه ما في الحدائق (2) و غيره.

يدفعها: أنّ ذلك ممّا لا غرابة فيه، بل هو بنفسه احتمال ظاهر لا خفاء فيه، بعد ملاحظة أنّ الإمام (عليه السلام) حين ما ادّعى الملازمة بين النزح و زوال التغيّر استفاد من الراوي استبعادا في تلك الملازمة، فأتى بالعلّة المذكورة رفعا لذلك و تحقيقا لتلك الملازمة، أو دفعا لما عساه يتأمّل بعد ذلك فيها، و لا ريب أنّ ذلك ممّا لا ينافي وظيفة الإمامة بعد ما حصل له المقتضي، و إنّما لا يحمل كلام الأئمّة على نظائر هذه الامور إذا لم يقم عليه مقتض، كما أنّ المقام كان من مظانّ الاستبعاد و التأمّل المذكورين، بملاحظة طروّ عدم الالتفات إلى تجدّد الماء من المادّة عقيب نزح المتغيّر منه شيئا فشيئا، فينشأ منه مقايسة ذلك على ماء الحوض أو البئر الغير النابع، أو الغدير أو غيره المتغيّر بالنجاسة أو غيرها، حيث إنّه لا يخرج عن كونه متغيّرا بالنزح بالضرورة و العيان، بل هو كلّما نزح كان الباقي منه على تغيّره إلى أن لا يبقى منه شيء، كما لا يخفى، و التعليل ورد لبيان أنّ ماء البئر ليس من هذا الباب، بل النزح فيه يوجب زوال التغيّر من جهة وجود المادّة، الموجبة لتجدّد جزء من الماء الغير المتغيّر مكان ما نزح من المتغيّر، و هكذا إلى ما لا يبقى معه من المتغيّر شيء، أو يستهلك في جنب المتجدّد إن بقي منه شيء، فالمراد بذهاب الريح و طيب الطعم حقيقة إنّما هو فراغ البئر عن المتغيّر لا زوال مجرّد الوصف مع بقاء العين، فإنّه غير معقول مع تحقّق النزح.

و قد يوجّه الاستدلال على نحو يستلزم المطلوب، فيقال: إنّ قوله: «لأنّ له مادّة» علّة لأصل الحكم، و هو عدم فساد الماء بدون التغيّر، أو له و لطهره بزواله المفهوم من قوله: «فينزح حتّى يذهب الريح»، أو للأخير خاصّة على بعد، و على التقادير فالحكم المعلّل بالمادّة يطّرد بوجودها في غير مورد التعليل، لأنّ العلّة المنصوصة حجّة كما

____________

(1) المصابيح في الفقه- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 56.

(2) الحدائق الناضرة 1: 189.

426

تقرّر في محلّه- فيجري في الجاري لوجودها فيه، و مقتضى التعليل على الأوّلين نفس المدّعى، و هو عدم انفعال الجاري بدون التغيّر، و على الثالث ما يستلزمه، لأنّ زوال النجاسة بواسطة المادّة يستلزم العصمة عن الانفعال بها، لكون الدفع أهون من الرفع، و هذا محكيّ عن مصابيح السيّد الطباطبائي (1)، و في كلام جماعة ما يقرب من ذلك.

و الجواب عنه: منع اقتضاء مجرّد زوال التغيّر بالنزح- المعلّل بوجود المادّة- حصول الطهر، لجواز كون المطهّر هو مع شيء آخر من إلقاء كرّ و نحوه، و قد علم به الراوي من الخارج فلم يبيّنه الإمام (عليه السلام)، و إنّما بيّن له طريق إزالة التغيّر، فتأمّل. مع إمكان أن يقال: بورود التعليل مورد الغالب في الآبار من بلوغ مائها كرّا بل كرورا، كما يومئ إليه قوله (عليه السلام):

«ماء البئر واسع» بناء على أنّه كناية عن كثرة الماء، أو مراد به اتّساعه بحسب المقدار، و الطهر المستفاد منها لعلّه من جهة أنّ الكرّ يطهّر بمجرّد زوال تغيّره كما هو أحد القولين في المسألة، فحينئذ لو استلزم ذلك عصمته عن الانفعال بها من غير تغيّر فإنّما يستلزمه لكونه كرّا لا لكونه ذا مادّة، و المادّة إنّما اعتبرت على الاحتمال الأخير معدّة لزوال التغيّر الّذي هو المطهّر، أو سببا لتحقّق نزح المتغيّر مع اشتمال المحلّ على الماء بعد تفريغ المتغيّر عنه، مع إمكان أن يكون وجود المادّة إنّما اعتبر جزءا لسبب التطهير، المركّب منه و من النزح المزيل للتغيّر، أو المجموع منه و من زوال التغيّر، و لا يلزم منه كونه علّة تامّة للعصمة عن الانفعال كما لا يخفى، فدعوى: كون الدفع أهون من الرفع- مع كونها رأسا محلّ تأمّل- ممّا لا يجدي نفعا هنا، لكون الرافع شيئا لا يوجد في صورة الدفع.

نعم، لو وجّه الاستدلال بما قد يقال أيضا: من أنّ التعليل إن رجع إلى الحكم الأوّل فيدلّ على عدم انفعال كلّ ذي مادّة بما عدا التغيّر، و إن رجع إلى الحكم الثاني فيدلّ على أنّ كلّ ذي مادّة متغيّرة يرتفع نجاسته بزوال تغيّره بتجدّد الماء عليه من المادّة بل مطلق الزوال، و هذا ممّا لا يجتمع مع انفعال قليله بالملاقاة، كان أوجه ممّا ذكر.

و لكن يدفعه أيضا: منع المنافاة بين الحكمين، بجواز قبول قليله الانفعال و كون ما ذكر طريقا إلى تطهيره، كما عليه مبنى القول بانفعال ماء البئر، غاية الأمر أنّ النزح على تقدير عدم التغيّر لا يعلّق بزوال التغيّر، بل له حينئذ حدّ مقرّر في الشريعة، و المفروض أنّ

____________

(1) المصابيح في الفقه- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 56.

427

أحكام الشرع لا تقاس بالعقول القاصرة، و إلّا كان اللازم عدم طهر المتنجّس بالغسل بناء على نجاسة الغسالة كما هو التحقيق، إلّا أن يقال: إنّ طهر المتغيّر بمجرّد زوال التغيّر، أو به مع ضميمة النزح، أو بهما مع ضميمة وجود المادّة، لا يجتمع مع قبول الغير المتغيّر منه المتجدّد من المادّة للانفعال بمجرّد الملاقاة، بعد ملاحظة أنّ الملاقاة الموجبة للانفعال أعمّ من ملاقاة النجاسة و ملاقاة المتنجّس، فإنّ المتجدّد من المادّة حين زوال التغيّر ملاق للماء و هو متنجّس، و المفروض أنّه ليس له قوّة عاصمة عن الانفعال، فإمّا أن يقال: بطهر الجميع بالزوال، أو يقال: بعدم طهر شيء منها، أو يقال: بطهر المتغيّر دون غيره، و الثاني بموجب الرواية، و كذلك الثالث لاستحالة اختلاف الماء الواحد في سطح واحد في وصفي الطهارة و النجاسة، فتعيّن الأوّل. فإذا كان المتجدّد عن المادّة محلّا لحدوث الطهر فيه بزوال تغيّر غيره، فلأن يكون محلّا لبقاء طهره عند انتفاء التغيّر رأسا، و قضيّة ذلك: عدم انفعاله رأسا حتّى بملاقاته المتغيّر، و ليس ذلك إلّا من جهة أنّ له قوّة عاصمة و ليست إلّا المادّة، و لا يخفى أنّ الاستدلال بهذا الوجه تمام لو لا رجوعه إلى استنباط العلّة، فليتأمّل.

و خامسها: الروايات النافية للبأس عن البول في الماء الجاري

، كرواية سماعة قال:

«سألته عن الماء الجاري يبال فيه؟ قال: لا بأس به» (1)، و رواية ابن بكير عن أبي عبد اللّه قال: «لا بأس بالبول في الماء الجاري» (2) و رواية الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يبول الرجل في الماء الجاري، و كره أن يبول في الماء الراكد» (3) و رواية عنبسة بن مصعب، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبول في الماء الجاري؟ قال: لا بأس به إذا كان الماء جاريا» 4.

و ردّ الاستدلال بها: بأنّها واردة في حكم البول في الماء، لا في حكم الماء بعد البول، فلا يستفاد منها إلّا حكم تكليفي و هو جواز البول في الجاري، و هو ليس ممّا نحن فيه و لا مستلزما له، حيث لا منافاة بين إباحة ذلك الفعل و انفعال الماء به.

و قد يفصّل فيها بجعل الرواية الاولى من أدلّة المقام، لظهورها في السؤال عن الماء

____________

(1) الوسائل 1: 143 ب 5 أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 34/ 89.

(2) 2 و 4 الوسائل 1: 143 ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 3 و 2- التهذيب 1: 43/ 122 و 120.

(3) الوسائل 1: 143 ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 31/ 81- 43/ 121.

428

لا البول، دون الباقية لظهورها في السؤال عن البول في الماء دون الماء نفسه.

أقول: الإنصاف ورود هذه الروايات في سياق واحد، و إن قدّم في بعضها البول و في البعض الآخر الماء، و الّذي يظهر- و اللّه أعلم- أنّ الغرض بالسؤال فيها استعلام الحكم التكليفي حتّى فيما قدّم فيه ذكر الماء، و لو سلّم عدم الظهور فيها بالخصوص، فلا نسلّم ظهورها في خلاف ما ذكر، لأنّ ظهور البواقي فيما ذكر يوجب فيها عدم ظهور في خلافه، كما أنّ تقديم ذكر الماء فيها يوجب عدم ظهورها فيما ذكر، فهو في الحقيقة مجمل من جهة العارض.

و ربّما يحكي الاستدلال فيما هو من قبيل هذه الروايات بصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في بحث الغسالة- الواردة في الثوب الّذي يصيبه البول، المشتملة على قوله (عليه السلام):

«و إن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة» (1) و هو أضعف من سابقه، لابتنائه على عدم نجاسة الغسالة، أو المنافاة بين طهر المحلّ و نجاسة ما يغسل به.

و سادسها: ما ورد في الروايات من تشبيه ماء الحمّام بالجاري

، كصحيحة داود بن سرحان «قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في ماء الحمّام؟ قال: هو بمنزلة ماء الجاري» (2) و مرسلة الكافي عن ابن جمهور، عن محمّد بن القاسم، عن ابن أبي يعفور، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: أخبرني عن ماء الحمّام، يغتسل منه الجنب، و الصبي و اليهودي و النصراني، و المجوسي؟ فقال: إنّ ماء الحمّام كماء النهر، يطهّر بعضه بعضا» (3) بتقريب: أنّه لو كان الجاري يشترط فيه الكرّيّة لم يكن للتشبيه به وجه من جهة الطهارة.

و الأولى أن يقال- في تقريب الاستدلال-: إنّ التشبيه و ما هو بمنزلته ممّا يقتضي في نظر العرف و العادة- بل العقل- أيضا أمرين:

أحدهما: امتياز المشبّه به- الّذي هو الجاري هنا- عمّا عداه في وصف أو حكم ملحوظ للمتكلّم منبعث منه التشبيه.

و ثانيهما: مشاركة المشبّه- الّذي هو هنا ماء الحمّام- له في ذلك الوصف أو الحكم المقصود إفادتها من التشبيه، و امتياز الجاري عمّا عداه من المياه إمّا في طهارته

____________

(1) الوسائل 3: 397 ب 2 من أبواب النجاسات ح 1- التهذيب 1: 250/ 717.

(2) الوسائل 1: 148 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 378/ 1170.

(3) الوسائل 1: 150 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 7- الكافي 3: 14/ 1.

429

الأصليّة، و هو باطل لعدم اختصاص ذلك به، أو في اشتراطه بالكرّيّة في عدم انفعاله و هو أيضا باطل للعلّة المذكورة، أو في قبوله الانفعال بالتغيّر و هو أيضا باطل لعين ما ذكر، أو في طهر متغيّرة بمجرّد زوال تغيّره، أو في عدم قبول قليله الانفعال، و الأوّل خلاف ما يظهر من السياق جدّا، فتعيّن الأخير و هو المطلوب.

و أمّا ما يقال في دفعها: من أنّها بناء على اشتراط بلوغ المادّة المعتبرة في ماء الحمّام،- و لو بضميمتها في الحياض- كرّا أدلّ على خلاف المطلب، لقضاء التنزيل بتساوي الأمرين في الحكم، ففيه: أنّ ذلك إنّما يتّجه على تقدير استفادة الاشتراط المذكور من تلك الرواية، و هو مبنيّ على تنزيل التنزيل الوارد فيها إلى الثاني من الاحتمالات المذكورة و قد عرفت بطلانه.

و أمّا إذا ثبت الاشتراط من جهة الخارج فتشبيهه بالجاري لا يقتضي تعدّي ذلك الحكم منه إليه، لأنّ التشبيه إنّما يقتضي تعدّي الحكم من المشبّه به إلى المشبّه لا العكس، فلا بدّ من كونه مسوقا لبيان مشاركته للجاري في حكم آخر، و لعلّه تقوّي ما في حياضه بما اعتبر معه من المادّة كتقوّي الجاري بما له من المادّة، ثمّ بملاحظة إطلاق اللفظ في المشبّه به يلزم المطلوب أيضا.

و قد يتكلّف- بناء على اعتبار الكرّيّة في ماء الحمّام- بحمله على تنزيله منزلة الجاري في تجدّد الماء النظيف منه تدريجا، فيرتفع به القذارة المتوهّمة من ملاقاة بعضه للنجاسة، نظرا إلى أنّ الماء الراكد و لو كان كرّا مورد لتوهّم استقرار القذارة المتوهّمة من الملاقاة فيه، فهذا التنزيل لدفع ما في النفس من الاستقذار الناشئ من ملاقاة النجاسات، فليس الكلام مسوقا لبيان حكم الجاري من حيث اعتبار الكثرة فيه و عدمه، و هو كما ترى خروج عن ظاهر السياق سؤالا و جوابا، و تكلّف يلتزم به بلا داع إليه، و ما ذكرناه أوجه، بل هو الظاهر بناء على قضيّة الاشتراط، و مع الغضّ عنه فالرواية ظاهرة في بيان عدم اعتبار الكرّيّة في ماء الحمّام، و قضيّة ذلك كون الجاري أيضا من حكمه عدم اعتبار الكرّيّة.

و يمكن تقرير الاستدلال بها على المطلب بوجه آخر أمتن ممّا ذكرناه، و هو: أنّ السؤال و إن لم يصرّح فيه بالحكم المسئول عنه المطلوب استعلامه، غير أنّ أخذ ماء الحمّام عنوانا في السؤال دليل على أنّ مقصود السائل استعلام حكمه من حيث الطهارة

430

و الطهوريّة، لاستقرار العادة في الأسئلة حيثما ذكر فيها العناوين مطلقة من غير تصريح بالحكم المسئول عنه معها، بكون المقصود استعلام أحكامها الظاهرة الّتي أخذت هي في أصل الشرع عناوين لها بالأصالة، و من المعلوم أنّ الحكم الّذي يؤخذ «الماء» عنوانا له بالأصالة بحسب الشرع إنّما هو الطهوريّة بالمعنى الشامل للطهارة و المطهّريّة، فمقصود السائل في تلك الرواية استعلام حكم ماء الحمّام من حيث الطهارة أو المطهّريّة، لكن لا بالنظر إلى خلقته الأصليّة، لأنّ ماء الحمّام بحسب الخلقة ليس حاله إلّا كحال سائر المياه، و قد ثبت طهوريّتها كتابا و سنّة على الإطلاق، فالغرض حينئذ استعلام بقاء طهوريّته و العدم من جهة الطوارئ، فتنزيله في الجواب منزلة الجاري كناية عن بقائه على وصف الطهوريّة طهارة أو مطهّريّة و عدم ارتفاعها بسبب الطوارئ، و لا يستقيم ذلك إلّا أن يكون الجاري أيضا حكمه كذلك كما لا يخفى.

و هذا مع ملاحظة الإطلاق الشامل للكريّة و ما دونها عين المطلوب، سواء كان الغرض استعلام طهارته أو مطهّريّته.

فإن قلت: لو كان الغرض استعلام مطهّريّته لا يستلزم المطلوب، لجواز كون شبهة السائل زوال الطهوريّة عن الماء المستعمل في رفع الأحداث، و مع قيام هذا الاحتمال يسقط بها الاستدلال، لاستلزامه فيها الإجمال.

قلت: سياق السؤال في كونه سؤالا عن الطوارئ السالبة للطهارة أظهر منه في كونه سؤالا عن الطوارئ السالبة للطهوريّة لا من جهة الطهارة، مع أنّ الجواب لو دلّ على بقاء الطهوريّة- مع أنّ ماء الحمّام محلّ لورود النجاسات عليه غالبا- لاستلزام بقاء الطهارة، و لا يقدح فيه عدم التعرّض لحكم الطهارة أصلا و بالذات، بعد الجزم بثبوت الملازمة الشرعيّة بين الطهارة و الطهوريّة كما لا يخفى.

غاية الأمر كون هذه الاستفادة من باب الدلالة بالإشارة و لا بأس به بعد ملاحظة أنّها أيضا من الدلالات المعتبرة.

و أمّا المرسلة: فلو لا الضعف في سندها بالإرسال و ابن جمهور، أمكن الاستناد إليها بحمل «يطهّر بعضه بعضا» على إرادة أنّه يعصم بعضه الغير الملاقي للنجاسة البعض الآخر الملاقي لها كما هو الظاهر، بقرينة أنّ تطهير البعض للبعض بالمعنى الحقيقي- بناء على عدم الانفعال

431

بمجرّد الملاقاة- لا يتأتّى فرضه إلّا في صورة التغيّر الّذي يزول بتجدّد الماء عليه من المادّة، و ليس في النجاسات الواردة في سؤال الرواية ما يوجب التغيّر عادة كما لا يخفى، و بناء على الانفعال بمجرّد الملاقاة لا يمكن التطهير بلا مطهّر خارجي، من إلقاء كرّ و نحوه.

و أمّا ما قيل- في توجيه الاستدلال-: من أنّ المراد به الرفع قضيّة للمعنى الحقيقي، و يعلم منه الدفع و هو الحكم المطلوب من السؤال بالفحوى، ففيه: ما لا يخفى من البعد و الغرابة.

و ربّما يعترض عليها: بأنّها على خلاف المطلب أدلّ، حيث إنّ ظاهرها اعتصام ماء النهر بعضه ببعض لا بالمادّة، فتدلّ على اعتبار كثرته في اعتصامه، و هو أيضا كما ترى، فإنّ الأبعاض المتواصلة الّتي يعتصم كلّ بعض منها بآخر منتهية إلى المادّة، و قضيّة ذلك كون الاعتصام الّذي يتحقّق فيما بينها مستندا بالآخرة إلى المادّة.

و أضعف منه الاعتراض أيضا: بأنّ المماثلة ممّا يقتضي المساواة من الطرفين، و من المعلوم أنّ رفع النجاسة المتحقّقة في ماء الحمّام لا يكون إلّا بالمادّة البالغة كرّا، فمقتضى المماثلة اعتبار ذلك في الجاري إذا تنجّس بعضه، و هذا عين مذهب العلّامة (1) في الجاري، فإنّ (2) المماثلة إنّما تقتضي المساواة في الحكم المسوق لبيانه الكلام لا في موضوعه، و المادّة البالغة كرّا- بناء على تسليم اعتبار الكرّيّة فيها في الصورة المفروضة- مأخوذة و ملحوظة موضوعا لحكم الرفع، المنساق لبيانه الرواية، هذا مضافا إلى ما عرفت من ورود الرواية لبيان حكم الدفع لا الرفع الذي يوجب توهّم الاعتراض المذكور.

و أضعف من الجميع المناقشة في اختصاص لفظ «النهر» بالنابع، ثمّ في شموله لما دون الكرّ، فإنّ لفظ «النهر» و إن لم يختصّ بالنابع، إلّا أنّ الظاهر المتبادر منه و من لفظ «الجاري» الوارد في الروايات المتقدّمة و الآتية إنّما هو النابع و إن كان إطلاقيّا، و هو شيء يجده الذوق بملاحظة المقام.

نعم، يمكن الاعتراض عليها: بأنّ الدلالة المذكورة إنّما تثبت على جهة العموم بالقياس إلى الكرّ و ما دونه، و مفهوم قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»

____________

(1) منتهى المطلب 1: 28 حيث قال: «لا فرق بين الأنهار الكبار و الصغار، نعم، الأقرب اشتراط الكرّيّة، لانفعال الناقص عنها مطلقا» الخ.

(2) هذا جواب لقوله: «و أضعف منه الاعتراض عليه الخ».

432

عامّ بالقياس إلى الجاري و الحمّام و غيرهما، فيتعارضان في قليل الجاري و الحمّام، و الجمع و إن كان يحصل بتخصيص كلّ منهما، غير أنّ تخصيص الرواية بصورة الكرّيّة أولى من تخصيص المفهوم بغير الجاري، لكون المخرج بالأوّل أقلّ منه بالثاني بمراتب شتّى.

و فيه أيضا: أنّ المخرج عن كلّ من العامّين- بناء على ارتكاب التخصيص في أحدهما- إنّما هو ما دون الكرّ من الجاري، و هو شيء واحد لا يطرأه وصفا القلّة و الكثرة بالاعتبارين، بل لنا أن نقول: بأولويّة تخصيص المفهوم، لكون عمومات الجاري من جهة أنّها أقلّ أفرادا من المفهوم أظهر في العموم من المفهوم، كما لا يخفى.

و سابعها: عموم روايات وردت في خصوص الجاري، نافية لتنجيسه بشيء ما عدا التغيّر

، كالمرسل المرويّ عن نوادر الراوندي عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «الماء الجاري لا ينجّسه شيء» (1) و حديث دعائم الإسلام: «في الماء الجاري يمرّ بالجيف و العذرة و الدم يتوضّأ منه و يشرب، و ليس ينجّسه شيء ما لم يتغيّر أوصافه، طعمه و لونه و ريحه» (2) و المحكيّ عن الفقه الرضوي: «و اعلموا رحمكم اللّه: أنّ كلّ ماء جار لا ينجّسه شيء» (3).

و اعترض عليها: بكونها معارضة بإطلاقات أدلّة إناطة الاعتصام بالكثرة، و التقييد في إطلاقات الجاري إخراج للفرد النادر، لأنّ ما لا يبلغ مع ما في المادّة- بل بنفسه- كرّا قليل، بخلاف تقييد الماء بغير الجاري في أدلّة إناطة الاعتصام، فإنّه إخراج للفرد المتعارف، و بالتأمّل فيما ذكرناه تقدر على دفع ذلك، نظرا إلى أنّ المخرج ليس إلّا قليل الجاري، سواء اعتبر إخراجه عن إطلاقات الجاري أو إطلاقات الاعتصام.

و أمّا ما يقال في دفعه: من أنّ الخارج من أدلّة إناطة الاعتصام بالكثرة في مثل قوله (عليه السلام):

بعد السؤال عن الماء الّذي لا ينجّسه شيء: «أنّه الكرّ من الماء» و قوله: «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» و نحو ذلك، هو مطلق الجاري، فيكون المقسم في هذه الأدلّة هو الماء الراكد، و هذا أبعد من تقييد الجاري بما يبلغ كرّا فضعفه أوضح من أن يوضح، ضرورة: أنّ التنافي لا يتأتّى إلّا بعد اختلاف الدليلين في مفاديهما، و من البيّن أنّه لا تنافي بين منطوق

____________

(1) نوادر الراوندي: 39، مستدرك الوسائل 1: 191، ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 4.

(2) دعائم الإسلام 1: 111- مستدرك الوسائل 1: 188، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1.

(3) فقه الرضا (عليه السلام): 91- مستدرك الوسائل 1: 192، ب 5 من أبواب الماء المطلق ح 6.

433

الخبرين، و إنّما التنافي بين مفهوم الثاني- بل الأوّل إن كان له مفهوم- و لا ريب أنّ المفهوم مخصوص بالقليل، و أمّا المنطوق الشامل للجاري و الراكد و غيرهما فهو موافق لاطلاقات الجاري في الدلالة على عدم الانفعال كما هو واضح و بالجملة: الاولى من التخصيصين إنّما هو تخصيص المفهوم، تقديما للأظهر على الظاهر من جهتين، كما لا يخفى على المتأمّل.

نعم، إنّما يخدش في تلك الروايات عدم ثبوت اعتبار أسانيدها، و الشهرة و إن كانت محقّقة لا تصلح جابرة، لعدم وضوح كونها مستندة إليها، على معنى كون مستند المشهور في ذهابهم إلى عدم اشتراط الكرّيّة في الجاري هو تلك الروايات و هو غير واضح، فالقدح في السند لا رافع له، و مجرّد موافقة المضمون لها لا يوجب الوثوق بصدقه ما لم تكن الشهرة موجبة للوثوق بمفادها، و بالجملة: لو لا هذه المناقشة في السند كان في تلك الروايات كفاية في إثبات الحكم المبحوث عنه.

و ثامنها: الإجماعات المنقولة- المتقدّم إليها الإشارة- المعتضدة بالشهرة العظيمة

، محقّقة و محكيّة، و يشكل التعويل عليها في المقام على جهة الاستقلال، لعدم ثبوت حجّيّة منقول الإجماع عندنا بالخصوص، و كونه حجّة من باب الكشف عن وجود دليل معتبر ليس المقام من موارده، إذ المراد بالكشف حصول الاطمئنان و سكون النفس و خروجها عن التزلزل، و هي قاصرة عن الكشف بهذا المعنى، لما نرى في كلام كثير من المتأخّرين- كما عرفت- من التعويل على ما ليس بصالح له من الوجوه المتقدّمة، و التعويل عليها و إن لم يعلم من المجمعين أو كثير من الناقلين للإجماع غير أنّ تعويل المتأخّرين عليها مانع عن حصول الوثوق بما ذكر، و إن وجد في كلام بعضهم التعويل على ما له دلالة على المطلب، سليمة عمّا يصلح للمعارضة، كصحيحة داود بن سرحان (1) و رواية ابن أبي يعفور (2)- على فرض انجبار سندها- و الروايات الاخر المتقدّمة على فرض اعتبار أسانيدها أو انجبارها.

و تاسعها: ما اعتمد عليه المحقّق البهبهاني- مضافا إلى أصالة البراءة المتقدّم ذكرها

و قوله: «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» (3)- «من طريقة المسلمين في عملهم في الأعصار و الأمصار و اتّفاق فتاوي فقهائهم» (4).

____________

(1) 1 و 2 تقدّما في الصفحة 428.

(2) 3 الوسائل 3: 467 ب 37 من أبواب النجاسات ح 4- التهذيب 1: 284/ 832.

(3) 4 حاشية البهبهاني على مدارك الأحكام 1: 46.

434

و الأصل و الرواية قد عرفت ما فيهما، و طريقة المسلمين و إن كانت جارية في الجملة، غير أنّه غير واضح الوجه، لقوّة احتمال استنادها إلى فتاوي فقهائهم فقد تبيّن من البداية إلى تلك النهاية: أنّ المعتمد من الأدلّة المذكورة صحيحة داود بن سرحان، و دونها- بعد سلامة السند- رواية ابن أبي يعفور، المعتضدة بالشهرة العظيمة و الإجماعات المنقولة، و ما ذكر من طريقة المتشرّعة، فإنّ كلّ ذا ممّا لا ضير في أخذها مؤيّدة، فصار المحصّل: أنّ المختار ما ذهب إليه المشهور- المنصور- بشرط أن يكون سائلا على وجه الأرض عن نبع، اقتصارا على القدر المتيقّن من معقد الإجماعات و عمل المسلمين، المتبادر من الصحيحة و لو بحسب الغلبة و القرائن الخارجة، المعلومة بالتتبّع و نحوها.

و أمّا غيره من السائل لا عن نبع، أو السائل عن رشح، أو النابع أو الراشح بلا سيلان، فيبقى على حكم القاعدة.

و عن العلّامة الاحتجاج على ما صار إليه- من اشتراط الكرّيّة في الجاري- بعموم الأدلّة الدالّة على اعتبار الكرّيّة، كقوله (عليه السلام) في صحيحتي معاوية بن عمّار، و محمّد بن مسلم: «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (1).

أقول: هذا حقّ لا إشكال فيه و لا شبهة تعتريه، لو لا حكومة ما تقدّم على الأدلّة المذكورة، لو اريد بها مفهوم الروايتين مع الروايات الاخر الواردة بهذا المضمون، و إلّا فإطلاق دعوى العموم في محلّ منع، لكون ما عدا تلك الروايات المشار إليها بين ظاهرة و صريحة في الراكد، كما لا يخفى على الناظر الناقد.

و أجاب عنه في المدارك- و وافقه عليه غيره كما عن مصابيح العلّامة الطباطبائي (2)-:

«بمنع العموم، لفقد اللفظ الدالّ عليه، سلّمنا العموم لكن نقول: عمومان تعارضا من وجه، فيجب الجمع بينهما بتقييد أحدهما بالآخر، و الترجيح في جانب الطهارة بالأصل، و الإجماع، و قوّة دلالة المنطوق على المفهوم» (3).

و فيه: ما لا يخفى من التعسّف، فإنّ المفهوم- إذا كان الاستدلال به- تابع للمنطوق، فلفظة «الماء» في المنطوق شاملة للجاري جزما، لبطلان خلافه بالضرورة، و لعدم ما

____________

(1) الوسائل 1: 117 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- التهذيب 1: 40/ 108، 109.

(2) المصابيح في الفقه- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 57.

(3) مدارك الأحكام 1: 32.

435

يوجبه من ندرة و نحوها، ضرورة عدم ندرة الكرّ من الجاري، بل هو عند التحقيق أغلب و أكثر يحسب الأفراد من الراكد كما لا يخفى، فمع فرض شمول المنطوق لكثير الجاري فلا بدّ و أن يشمل المفهوم لقليله أيضا و إن فرضناه نادرا بالقياس إلى قليل الراكد، و إلّا لزم كون القضيّة في جانب المنطوق مستعملة في معنيين:

أحدهما: التعليق على ما يوجب انتفاؤه الانتفاء بالقياس إلى الراكد.

و الآخر: بيان تحقّق موضوع الحكم و هو الكرّيّة بالقياس إلى الجاري كما في قولك:

«إن رزقت ولدا فاختنه» و هو كما ترى، و مجرّد ندرة القليل من الجاري لا يوجب عدم دخوله في موضوع المفهوم، بعد ملاحظة اقتضاء موضوع المنطوق مقابلا في جانب المفهوم، و أمّا ما ذكره من المرجّحات فكلّها منظور فيه عدا الأخير منها، و نضيف إليه ما قدّمنا الإشارة إليه من كون تخصيص عمومات الجاري لقلّة أفرادها تخصيص في الأظهر، فيرجّح عليه تخصيص المفهوم لكونه تخصيص الظاهر، تقديما للأظهر عليه.

ثمّ الظاهر أنّ مراده (رحمه الله) بأحد العامّين اللذين فرض النسبة بينهما عموما من وجه، صحيحة محمّد بن إسماعيل بن بزيع (1)، الدالّة على عدم فساد كلّ ذي مادّة بمادّته و منه الجاري، الّذي يدخل قليله في عموم المفهوم، و إلّا فلا تعارض لو اعتبر ذلك العامّ الخبر المستفيض «كلّ ماء طاهر حتّى يعلم أنّه قذر» (2) فضلا عن كونه من باب العموم من وجه، لدخول القليل حينئذ فيما أخذ غاية في ذلك الخبر، إن قلنا بتناوله لمشتبه الحكم، كما أنّ المفهوم أخصّ لو فرض الطرف المقابل صحيحة حريز (3)، و صحيحة أبي خالد القمّاط 4، و حسنة محمّد بن ميسّر 5، لعموم تلك الروايات القليل و الكثير، فتخصّص بالمفهوم، و لم يقع الاستدلال منه (رحمه الله) إلّا بها و بصحيحة محمّد بن إسماعيل. 6

***

____________

(1) الوسائل 1: 141 ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 12.

(2) الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5- التهذيب 1: 215/ 619، و فيه: «الماء كلّه طاهر حتّى يعلم أنّه قذر».

(3) 3 و 4 الوسائل 1: 137 و 138، ب 3 من أبواب الماء المطلق ح 1 و 4.

(4) 5 الوسائل 1: 152، ب 8 من أبواب الماء المطلق ح 5.

(5) 6 الوسائل 1: 134 ب 1 من أبواب الماء المطلق ح 5.

436

«ينبوع» [في ماء الحمام]

اتّفقت كلمتهم على إلحاق ماء الحمّام بالجاري، بقولهم: «يلحق به» و ما يؤدّي مؤدّاه، و كأنّه جرى على مقتضى ما ورد في النصوص من تنزيله منزلة الجاري أو تشبيهه به، و قضيّة ذلك كونه فرعا له في كلّ ما يلحق به من الأحكام، أو أنّ في خصوص ما عقدوا له الباب المتقدّم من عدم اشتراط الكرّيّة فيه، فحينئذ يشكل الحال بالنظر إلى خلافهم الآتي- في الفرع- من اشتراط كرّيّة المادّة كما عليه المشهور، أو كرّيّة المجموع منها و ممّا في الحياض مطلقا، أو مع تساوي سطحهما أو انحدار المادّة، و ليس شيء من ذلك مذكورا في الأصل و لا في النصوص القاضية بالفرعيّة، و استفادته من الخارج يوجب إلحاقه بالراكد البالغ مجموعه كرّا، أو المتّصل بما يبلغ كرّا لا بالجاري، بل يوجب ذلك كونه في الحقيقة من أفراد الراكد الّذي يعتبر في عدم انفعاله الكرّيّة، و إن اختلفت سطوحه كما عليه الأكثر، و معه لا معنى لإفراده بالذكر فضلا عن إلحاقه بالجاري.

ثمّ إنّه أيّ فرق بين المقام مع فرض الاتّصال بالمادّة المأخوذ في موضوع الحكم و بين الغديرين الموصل بينهما بساقية، المعدود في كلام جمع من المتأخّرين من أقسام الراكد، المكتفى فيه عندهم بكرّيّة مجموع ما فيهما و في الساقية، و أيّ شيء أوجب إفراد المقام عن المفروض، و دعا فيه إلى اعتبار الكرّيّة في المادّة، و نفي كفاية بلوغ المجموع كرّا خصوصا إذا كان مستند اعتبار الكرّيّة في المادّة أو في المجموع أدلّة انفعال القليل و اشتراط الكرّيّة في عدم الانفعال، فإنّ اتّحاد طريق المسألتين يقضي بكونهما من واد واحد، فكيف يفرّق بينهما بجعل إحداهما فرعا لباب، و إفراد الاخرى بباب على حدّة.

437

و يمكن الذبّ عنه: بأنّ الاعتبار و قانون التأدية و الإيجاز و إن كان يقتضي ذلك، و لكن ماء الحمّام لمّا اخذ عنوانا في طائفة من الأخبار فذلك دعاهم إلى إفراده بعنوان خاصّ مع مراعاة إعمال القواعد فيه، بزعم جريانها من غير معارضة لها في تلك الأخبار، فاعتبروا فيه كرّيّة المادّة أو المجموع كلّ بحسب ما اقتضاه نظره و اجتهاده في إجراء القواعد، جمعا بينها و بين ما اقتضته الأخبار المشار إليها من تخصيصه بالعنوان.

و على أيّ حال كان فينبغي أوّلا سوق عنان القلم إلى بيان المراد من ماء الحمّام المبحوث عنه هنا

، و قد أطبق كلمتهم- فيما نعلم- على تفسيره: بما في الحياض الصغار الّتي لا تبلغ الكرّ، ثمّ صريح غير واحد مع ظاهر آخرين يقضي باختصاص البحث عنه بصورة اتّصاله بالمادّة، و المراد بها- على ما في كلام بعضهم- الحوض الكبير الّذي يجري منه الماء إلى الحياض الصغار، كما أنّ المراد بالحياض الصغار- على ما يستفاد من تتبّع كلماتهم- الحياض المتّخذة في جنب الحوض الكبير ليرد عليها الواردون لأخذ الماء و الغسل، بل الاغتسال أيضا على ما هو المعهود من طريقة أهل السنّة، حيث لا يغتسلون في الحوض الكبير المسمّى بالخزانة، و كأنّ دليلهم على هذه التقييدات كلّها كونه المنساق من جملة من الروايات الواردة في ماء الحمّام، كرواية بكر بن حبيب: «ماء الحمّام لا بأس به إذا كانت له مادّة» (1) و المحكيّ عن الفقه الرضوي: «ماء الحمّام سبيله سبيل الجاري إذا كانت له مادّة» (2) فإنّ كلمة الاختصاص في الظرف تقضي بأنّ المراد به ما يكون للمادّة جهة اختصاص به، بحيث لا يوجد ذلك الاختصاص في غيره ممّا هو في الحمّام، و لا يكون ذلك إلّا الحياض الموصوفة بما ذكر الّتي تستمدّ الماء من المادّة.

و اعتبار كونها لا تسع الكرّ، أمّا أوّلا: فلأنّ الغرض من الشرطيّة إفادة ما يعتصم به الماء المذكور، و الكرّ بنفسه معتصم، فيعود اعتبار وجود المادّة لغوا.

و أمّا ثانيا: فلأنّ روايات ماء الحمّام مسوقة لبيان أنّه أخفّ حكما من سائر المياه كما لا يخفى على المتأمّل، و التسوية فيه بين كثيره و قليله توجب كون الحكم فيه

____________

(1) الوسائل 1: 149 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 378/ 1168.

(2) فقه الرضا (عليه السلام): 86.

438

أغلظ، و هو كما ترى.

و اشتراط اتّصاله بها، فلأنّه المتبادر عرفا من عبارة قوله (عليه السلام): «إذا كانت له مادّة»، و لأنّه لو لا اتّصالها به كان وجودها بمنزلة عدمها، فإنّها إنّما اعتبرت عاصمة، و لا يعقل العصمة لها إلّا مع الاتّصال.

فما يقال: من أنّ ذكر الحياض الصغار في تفسير ماء الحمّام لعلّه مبنيّ على المثال، أو لأنّه محلّ الثمرة غالبا، و إلّا فلو كان في الحوض الكثير ما ينقص عن الكرّ لحقه الحكم، ليس على ما ينبغي إن اريد به الحوض الكبير المعدّ مادّة.

و منه يظهر ضعف ما قيل من إمكان أن يقال: إنّ الماء المنبسط في أرض الحمّام المتّصل بالحوض الصغير أو الكبير المتّصلين بالمادّة حكمه حكم ما في الحياض، إن اريد به إدراج ذلك في الروايتين، و إن اريد استفادة حكمه من باب تنقيح المناط فلا بأس به.

و أضعف منه- الّذي ينبغي القطع بفساده- ما قيل: من قوّة احتمال تمشّي الحكم إلى حياض المسلخ، بل الماء الّذي في البئر إذا اتّصل الماء النازل من المادّة بالحوض، و اتّصل ماء الحوض بالماء المنبسط على أرض الحمّام، و اتّصل ذلك بماء البئر، إلّا أن يكون ذلك من باب تنقيح المناط أيضا لا من جهة شمول النصوص، و تفسير المادّة بالحوض الكبير لأجل أنّ ماء الحمّام لا مادّة له سواه.

ثمّ من الواضح أنّ المراد بالحمّام و حياضه في الأخبار و كلام العلماء الأخيار ما يقع عليه الاسم عرفا، و لو كان في الآن الحاضر على الهيئة المغايرة للهيئة الموجودة في الآن السابق، كما هو الأصل المتّفق عليه في جميع موضوعات الأحكام الثابتة عن الزمن القديم.

فما في الحدائق من الاستشكال في تماميّة الاستدلال بالأخبار: «بأنّ ذلك إنّما يتمّ بعد معرفة الحيضان الّتي كانت في زمانهم على أيّ كيفيّة كانت؟ إذ الظاهر أنّ الأسئلة كانت عن ماء الحمّام المعهود عندهم، سيّما أنّ أصل الإضافة للعهد» (1) ممّا لا يلتفت إليه، لمنع كون المعهوديّة عندهم مخصّصة لعموم الجواب بعد فرض تحقّق التسمية مطلقا، و الاختلاف في الكيفيّة لا يوجب الاختلاف في التسمية، فلا يوجب الاختلاف في الحكم، و إلّا لتغيّرت أكثر الأحكام الثابتة ثمّة.

____________

(1) الحدائق الناضرة 1: 203.

439

فالقول: بأنّ الهيئة المركّبة إذا انتفى شيء منها لا تجري عليها الأحكام، لانتفاء المركّب بانتفاء أحد أجزائه، و لأنّ أحكام الحمّام مخالفة للأصل، فيقتصر فيها على المتيقّن، بل لو شكّ في كون الموجود الآن كالسابق أو لا؟ لم تجر عليه الأحكام أيضا و إن أطلق عليه الاسم الآن، مع عدم جريان أصالة عدم التغيّر هنا، إذ هي إنّما تجري حيث يكون المعنى قديما و رأينا اللفظ الأوّل مستعملا فيه الآن، و شككنا فيه بالنسبة إلى الزمن السابق فنحكم بذلك لأصالة عدم التغيّر، لا فيما إذا شككنا في كون هذا المعنى موجودا سابقا أو لا؟ و فرق واضح بين المقامين.

و أصالة عدم الاشتراك لا يثبت بها وجود المعنى، إذ غاية ما يمكن إثباته بها نفي الاشتراك بعد فرض وجود المعنى، أمّا أنّها تثبت أنّ هذا الموضوع موجود في السابق فلا، متّضح الفساد (1) ضرورة أنّ اختلاف الهيئة لا يوجب عدم جريان الأحكام ما لم يكن موجبا لاختلاف الماهيّة و انتفاء الماهيّة الاولى، و نحن نقطع ببقاء الماهيّة الاولى في الحمّامات المستحدثة، و إن حصل فيها الاختلاف كثيرا، و الأحكام الثابتة ثمّة تجري عليها مع القطع بالتغيّر فكيف مع الشكّ فيه، و معه لم يكن الحاجة ماسّة إلى التشبّث بالأصل حتّى ينظر في جريانه و عدمه.

و وقوع اللفظ عليها مع اختلافها في الهيئات من باب وقوع المشترك المعنوي على أفراده المختلفة، فلا حاجة إلى أصالة عدم الاشتراك، و ليس للحمّام حكم مغاير للقواعد حتّى يقتصر فيه على المتيقّن، لكون عدم الانفعال مستند إلى الاتّصال بالمادّة البالغة بنفسها أو مع ما في الحياض و الساقية كرّا، و هو من مقتضي القواعد المقرّرة.

نعم، على القول بعدم اشتراط الكرّيّة رأسا- كما هو أضعف الأقوال- ربّما يتّجه ذلك، غير أنّه يندفع بملاحظة ما قرّرناه، نظرا إلى ورود النصّ الخاصّ مع عدم داع إلى الاختصاص، فلا ضير معه في الخروج عن الأصل، بل هو واجب حينئذ كما مرّ في مستثنيات قاعدة الانفعال، هذا إذا اريد بالأصل ما يقتضيه تلك القاعدة، و أمّا إذا اريد به ما يقتضيه الأصل الأوّلي في المياه من الطهارة، ليكون ذلك دفعا لمقالة مشترطي الكرّيّة بأحد المعنيين، فيكفي في الخروج عنه عموم تلك القاعدة و على أيّ حال كان فما في الحياض الصغار

____________

(1) هذا جواب لقوله: «فالقول بأنّ الهيئة المركّبة ...» الخ.

440

إذا لاقته النجاسة حال اتّصاله بالمادّة لا ينفعل به ما لم يتغيّر أحد أوصافه، و الأصل فيه بعد الإجماع- محصّلا في الجملة و منقولا- صحيحة داود بن سرحان المرويّة في التهذيب، قال: قلت لأبي عبد اللّه ما تقول في ماء الحمّام؟ قال: «هو بمنزلة الجاري» (1).

و ما نقل عن قرب الأسناد عن إسماعيل بن جابر، عن أبي الحسن الأوّل (عليه السلام) قال:

ابتدأني فقال: «ماء الحمّام لا ينجّسه شيء» (2) و خبر أبي الحسن الهاشمي- المرويّ في التهذيب- قال: سئل عن الرجال يقومون على الحوض في الحمّام، لا أعرف اليهودي من النصراني، و لا الجنب من غير الجنب؟ قال: «يغتسل منه، و لا يغتسل من ماء آخر فإنّه طهور»، و عن الرجل يدخل الحمّام و هو جنب فيمسّ الماء بيديه من غير أن يغسلهما؟ قال: «لا بأس»، و قال: أدخل الحمّام فأغتسل، فيصيب جسدي بعد الغسل جنبا، أو غير جنب؟ فقال: «لا بأس» (3).

و خبر حنّان- الوارد في الكافي- قال: سمعت رجلا يقول لأبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّي أدخل الحمّام في السحر، و فيه الجنب و غير ذلك، فأقوم، فأغتسل فينتضح عليّ بعد ما أفرغ من مائهم؟ قال: أ ليس هو جار؟ قلت: بلى، قال: «لا بأس» (4)، و الاستدلال به مبنيّ على كون الجاري في قضيّة الاستفهام استعارة، مرادا به كونه بمنزلة الجاري، و التشبيه به على حدّ ما هو في «الطواف بالبيت صلاة» كما هو الظاهر، بملاحظة أنّ المعهود في ماء الحمّام كونه حارّا فلا يكون جاريا بالمعنى المعهود.

و خبر بكر بن حبيب عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ماء الحمّام لا بأس به إذا كانت له مادّة» (5)، و خبر ابن أبي يعفور المتقدّم المتضمّن لقوله (عليه السلام): «ماء الحمّام كماء النهر يطهّر بعضه بعضا» (6)، بناء على أنّ المراد بالتطهير العصمة كما تقدّم، بعد فرض انجبار السند بالعمل.

____________

(1) الوسائل 1: 148 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 1- التهذيب 1: 378/ 1170.

(2) الوسائل 1: 150 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 8- قرب الأسناد: 128.

(3) الوسائل 1: 149 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 6- و أورد قطعة منه في الحديث 5 من ب 7 من أبواب الأسآر- التهذيب 1: 378/ 1171.

(4) الوسائل 1: 213 ب 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل ح 8- الكافي 3: 14/ 3.

(5) الوسائل 1: 149 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 4- التهذيب 1: 378/ 1168.

(6) الوسائل 1: 150 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 7- الكافي 3: 14/ 1.

441

و المحكيّ عن فقه الرضا قال (عليه السلام): «و ماء الحمّام سبيله الماء الجاري إذا كانت له مادّة» (1).

وجه الاستدلال بها واضح بعد حمل مطلقها على مقيّدها، و قضيّة ذلك عدم انفعال ماء الحمّام- أي ما في حياضه الصغار الغير البالغ كرّا- بمجرّد الملاقاة عند اتّصاله بالمادّة.

و ربّما يقال: بأنّ في تنزيله منزلة الجاري في خبر ابن سرحان، و تشبيهه بماء النهر في خبر ابن أبي يعفور، إشعارا باعتبار المادّة، لأنّ لكلّ من الجاري و النهر مادّة فلا حاجة فيهما إلى إعمال قاعدة الحمل.

و فيه: أنّ التشبيه لا يقتضي المشاركة في مناط الحكم، بل غايته المشاركة في أصل الحكم و إن تغاير في المشبّه و المشبّه به، ألا ترى أنّه لو قيل: «زيد كالأسد» لا يقتضي إلّا المشاركة في الشجاعة، نعم يمكن الاستناد في اعتبار ذلك في المطلقات إلى الغلبة كما توهّم، إذ الغالب في الحمّامات وجود المادّة و أمّا ضعف أسانيد جملة منها فمجبور بالعمل في الجملة، فلا يعبأ بما في المدارك (2) من القدح في سند رواية بكر بن حبيب لجهالة بكر.

مضافا إلى أنّ من رجال السند صفوان بن يحيى، فلا ضير في ضعف من قبله، و قد يوصف السند بالحسن، و لعلّ وجهه ما استظهره بعض مشايخنا (3) من احتمال كون بكر بن حبيب هنا هو بكر بن محمّد بن حبيب، و قد ذكر في ترجمته ما تدلّ على حسنه، و ربّما نقل (4) عن الكشّي توثيقه و إن أنكره بعضهم، و لكن الاستظهار غير واضح الوجه، و قد يؤيّد السند- مضافا إلى ما ذكرنا في صفوان- بما عن الشيخ في العدّة من أنّه قال في حقّه: «أنّه لا يروي إلّا عن ثقة» (5).

و فيه: أنّ صفوان يرويه هنا عن ابن حبيب بواسطة منصور بن حازم، فأقصى ما يقتضيه ما ذكر هنا وثاقة الواسطة- مع عدم الحاجة في ثبوت وثاقته إلى ذلك لكونه بنفسه ثقة جليلا- لا وثاقة ابن حبيب، إلّا أن يقال بذلك فيه أيضا من جهة رواية منصور عنه، نظرا إلى ما قيل فيه: «من أنّه ثقة عين صدوق، من أجلّة أصحابنا

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 86.

(2) مدارك الأحكام 1: 34.

(3) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 100.

(4) و في منتهى المقال عن تعليقات الشهيد الثاني على الخلاصة: «قال ابن داود نقلا عن الكشّي: إنّه إمامي ثقة انتهى. و لم أجده في الكشّي»- منتهى المقال 1: 172- رجال ابن داود: 58 الرقم 264- تعليقات الشهيد على خلاصة الأقوال: 16.

(5) عدّة الاصول 1: 154.

442

و فقهائهم، له كتب منها: اصول الشرائع» (1)، فجلالة شأنه و فضله و علوّ رتبته يأبى عن روايته عمّن لا يوثق به، أو روايته ما لا ينبغي الوثوق عليه، فأقلّه كون الرواية ممّا يوثق به و يعتمد عليه و إن لم يكن الراوي بنفسه على تلك المثابة، لجواز احتفاف الرواية بقرينة الخارج،

و بالجملة: فأصل الحكم في الجملة ممّا لا إشكال فيه و لا كلام، فلا ينبغي إطالة الكلام في إقعاده و تتميم الدليل عليه،

بل اللائق بالبحث جهات اخر متعلّقة بموضوع المسألة،

و قد تكلّم فيها الأصحاب و اختلفت أقوالهم فيها.

الجهة الاولى: أنّهم اختلفوا في اشتراط الكرّيّة في المادّة على قولين:

أحدهما: كونها شرطا

و عزّاه غير واحد إلى الأكثر، و ربّما يعزى إلى العلّامة في التحرير (2) اعتبار زيادة المادّة على الكرّيّة، و لكنّه غير واضح الوجه، فلذا حمله ثاني الشهيدين (3) و المحقّق الثاني (4)- على ما حكي عنهما- على اعتبار ذلك في تطهير الحوض الصغير على فرض تنجّسه.

و ربّما يتأمّل في نسبته اعتبار الكرّيّة أيضا إلى الأكثر، بل عن كشف اللثام (5) أنّه نقل عن الجامع (6)- وحده- موافقة العلّامة على الاشتراط، حاملا لتلك النسبة على كون المراد من الأكثر أكثر من تأخّر عن المحقّق، المصرّح بعدم الاشتراط لإطلاق النصوص و الفتاوى، قائلا: «بأنّ ظاهره أنّ الفتاوي مطلقة».

و ثانيهما: عدم كونها شرطا

صرّح به المحقّق في محكيّ المعتبر قائلا: «و لا اعتبار بكثرة المادّة و قلّتها، لكن لو تحقّقت نجاستها لم تطهر بالجريان» (7) و هو ظاهر إطلاق كلامه في كتابيه الشرائع (8) و النافع (9)، و عزى إلى جملة ممّن تأخّر عنه، بل عن الشيخ جعفر في- محكيّ بعض تلامذته- دعوى الإجماع عليه من القائلين باشتراط الكرّيّة،

____________

(1) رجال النجاشي: 413.

(2) تحرير الأحكام- كتاب الطهارة- (الطبعة الحجريّة): 4.

(3) روض الجنان: 137.

(4) جامع المقاصد 1: 113 حيث قال: «و ينبغى التنبيه بشيء و هو أنّ المادّة لا بدّ أن تكون أزيد من الكرّ، إذ لو كانت كرّا فقط لكان ورود شيء منها على ماء الحمّام موجبا لخروجها عن الكرّيّة فيقبل الانفعال حينئذ».

(5) كشف اللثام 1: 120.

(6) الجامع للشرائع: 20 مع اختلاف في العبارة.

(7) المعتبر: 9.

(8) شرائع الإسلام 1: 12.

(9) المختصر النافع: 41.

443

حاملا لإطلاق كلامهم في اشتراط الكرّيّة في المادّة على التطهير بعد تنجّس ما في الحياض، و لإطلاق كلامهم أيضا في كفاية مجموع ما في المادّة و الحوض و المجرى على عدم قبول النجاسة بالملاقاة، فالفريقان اتّفقا على لزوم كرّيّة المادّة للتطهير، و الاكتفاء بكرّيّة المجموع لدفع الانفعال مع اختياره إيّاه.

و للشيخ عليّ في حاشية الشرائع تفصيل في المسألة، حيث قال: «و ينبغي تنقيح المبحث بأنّ المادّة إمّا أن يكون سطوحها مساويا لسطوح الحوض، أو أعلى، أو أخفض، فإن كان مساويا و هما معا طاهران كفى لدفع النجاسة و عدم الانفعال عنها بالملاقاة كون الماءين معا كرّا، و إن كان سطوح الماء أعلى اعتبر في زمان اتّصال مائها بماء الحوض و تسلّطه عليه بلوغها الكرّيّة، و هذا إنّما يكون إذا كانت في الأصل أزيد من كرّ، و إن كانت سطوحها أخفض اعتبر مع هذا فوران المادّة من تحت الحوض بقوّة و دفع، بحيث تظهر عامليّتها فيه، فلو كان اتّصالها به إنّما هو اتّصال مماسّة أو يجري إليه ترشّحا لم يعتدّ بها» (1).

حجّة القول الأوّل:

أنّه عند عدم بلوغ المادّة كرّا يصدق عليه أنّه ماء قليل لاقى نجاسة، فيشمله ما دلّ على انفعال القليل.

و قد يؤيّد ذلك أو يستدلّ عليه بانصراف نصوص الحمّام إلى ما هو الغالب فيه من كون مائها كرّا بل أزيد، مع أنّ في رواية ابن أبي يعفور «ماء الحمّام كماء النهر يطهّر بعضه بعضا» (2) إشارة بل دلالة على أنّ العاصم له هي الكثرة لا مجرّد المادّة.

و اجيب عن الأوّل: بمنع ما ادّعي من الصدق مع بلوغ المجموع كرّا.

و يشكل ذلك: بأنّه لا يجدي نفعا في عدم الانفعال إلّا مع صدق الوحدة على المجموع، و المراد به صدق قضيّة قولنا: «هذا الماء كرّ» ليشمله منطوق قوله (عليه السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» (3) و هو في حيّز المنع جدّا، ضرورة عدم وقوع اسم الإشارة بصيغة المفرد على ما في الحوض مع ما في المادّة و لو حال اتّصالها به،

____________

(1) حاشية الشرائع- للمحقّق الكركي- (مخطوط) الورقة: 4.

(2) الوسائل 1: 150 ب 7 من أبواب الماء المطلق ح 7.

(3) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- 1.

444

فلا يقال عليهما عرفا: «إنّ هذا ماء» بل لو قيل ذلك مع انكشاف المراد كان مستهجنا، بخلاف ما لو قيل: «هذان أو هذا و هذا». و لا ريب أنّ كلّا منهما دليل التعدّد، و معه لا يندرج المجموع في منطوق «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء». إلّا أن يقال: بأنّ العبرة في المقام صدق عنوان المائيّة على المجموع مع وقوع اسم الكرّ على ما صدق عليه ذلك العنوان، لا بوقوع اسم الإشارة عليه بصيغة المفرد، و عدم وقوع لفظة «هذا» على المجموع من جهة أنّها بحسب الوضع أو الاستعمال مخصوص بما هو ملزوم للوحدة و الفرديّة، و هو الجزئي الخارجي من المشار إليه، بخلاف لفظة «الماء» لكونها بحسب الوضع للجنس المعرّى عن وصفي الوحدة و الكثرة، فتصدق اللفظ من جهته على الواحد و الاثنين و ما زاد، فيتبعه لفظ «الكرّ» في صدقه على ما صدق هو عليه.

و لكنّ الإنصاف: أنّ الحكم إنّما يتبع الظهور و الصدق إذا كان الظهور من مقتضى الهيئة التركيبيّة المأخوذة في الخطاب، و لا ريب أنّها قد تكون ظاهرة في خلاف ما اقتضته مفرداتها باعتبار أوضاعها الأفراديّة فلفظ «الماء» و إن فرضناه صادقا بنفسه على ما عدا الواحد أيضا، لكنّ الهيئة التركيبيّة في قوله «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» تنصرف عرفا إلى صورة الاتّحاد.

فالأولى أن يقال في الجواب: إنّ قولكم: يصدق عليه أنّه «ماء قليل لاقى نجاسة» إمّا أن يراد منه صدقه على المجموع، أو على المادّة وحدها، أو على ما في الحوض وحده، و لا سبيل إلى الأوّل، لأنّ مبنى صدق كونه ماء قليلا على عدم اعتبار الوحدة في صدق قضيّة المفهوم من الرواية، و إذا جاز ذلك هنا جاز في المنطوق أيضا على تقدير بلوغ المجموع كرّا، فلا ملازمة بين قصور المادّة عن الكرّ و صدق القليل الملاقي للنجاسة على المجموع على التقدير المذكور.

و لا إلى الثاني، لمنع صدق الملاقاة للنجاسة على المادّة و لو بالمعنى الأعمّ المتنجّس، ضرورة كونها حال الاتّصال ملاقية لما في الحوض، و هو إن لم يكن طاهرا بملاحظة النصّ الغير الفارق بين كرّيّة المادّة و عدمها، فلا أقلّ من كونه مشكوك الحال بملاحظة الشكّ في اعتبار كرّيّة المادّة و عدمها، و معه لا يحكم عليه بالنجاسة جزما، فكيف يقال: بأنّ المادّة حينئذ ملاقية للنجاسة أو المتنجّس، و إنّما هي ملاقية لما يحكم

445

عليه في ظاهر الشرع بالطهارة.

و لا إلى الثالث، لأنّ اعتبار الكرّيّة فيها إمّا مع البناء على صدق الوحدة على المجموع منها و ممّا في الحوض، أو مع البناء على عدمه.

فعلى الأوّل: يرجع قضيّة الاشتراط إلى اعتبار الزيادة على الكرّ لدفع الانفعال في الماء الواحد، و هو ممّا لا قائل به، و لم ينهض عليه دليل، و لا اقتضاء أدلّة الكرّ أيضا، نعم ربّما يحكى في الأخبار ما يوهمه كما في الرضوي- المحكيّ- «و كلّ غدير فيه من الماء أكثر من كرّ لم ينجّسه شيء» (1) و لكنّه ليس بظاهره اتّفاقا على تقدير ثبوت العمل به، بل محمول على إرادة معنى «كرّ فما زاد» أو «كرّ فصاعدا» كما في كثير من العبارات، و يراد به إناطة العاصميّة بالكرّيّة زاد عليها أو لا.

و على الثاني: يرجع الكلام إلى إناطة اعتصام الماء القليل عن الانفعال باتّصاله بالكرّ و إن لم يكن جزءا منه، كاعتصامه باتّصاله بالجاري، و هو و إن لم يكن منافيا للتشبيه و التنزيل الواردين في جملة من الأخبار المتقدّمة، و لا ظهور تلك الأخبار في امتياز ماء الحمّام عن سائر المياه، و اشتماله على مزيّة لا توجد فيها، حيث إنّ اعتصامه عن الانفعال يحصل بمجرّد الاتّصال و إن لم يكن بنفسه كرّا و لا جزء من الكرّ، بخلاف غيره، فإنّ المعتبر في اعتصامه بلوغه كرّا، و لا يكفي فيه مجرّد الاتّصال إلّا مع صدق قضيّة الاتّحاد.

و لكن الاستناد في استفادة ذلك الحكم إلى قاعدة انفعال القليل أو قاعدة اعتبار الكرّيّة باطل جدّا، لأنّ هاتين القاعدتين لا تقضيان إلّا الاعتصام في نفس الكرّ لا فيما يتّصل به و هو ليس منه، كما أنّه لو اريد استفادته عن أخبار الباب كان أوضح فسادا من الأوّل، لأنّ هذه الأخبار إن لم تكن نافية لاعتبار الكرّيّة بالمرّة- كما سبق إلى بعض الأوهام، نظرا إلى إطلاقها- فلا أقلّ من عدم كونها مثبتة لاعتبارها.

و بالجملة: هذا القول ممّا لم يعرف له مستند صحيح، و ما جعل مستندا له فاسد الوضع في كلّ محتملاته.

و أمّا دعوى: الانصراف إلى الغالب، فقد يجاب عنها: «بمنع حصول الغلبة إلى حدّ بحيث يكون الأقلّ من كرّ- و لو قليلا- من الأفراد النادرة بحيث لا يشمله اللفظ، و لو

____________

(1) فقه الرضا (عليه السلام): 91.

446

سلّم الندرة فهي ندرة وجود لا ندرة إطلاق، و لذلك ترى صدق ماء الحمّام على مثله من غير استنكار كما هو ظاهر» (1).

و لا يخفى ما في الأوّل من كونه مكابرة، و دفعا للضرورة، و ما في الثاني من عدم منافاة الصدق في لحاظ العقل عدم شمول الإطلاق له في لحاظ المحاورة المبتنية على اعتبار الظواهر و الأخذ بها.

و الأولى في الجواب أن يقال: إنّ الانصراف الناشئ من الغلبة و إن كان يؤخذ به لدخوله في عداد الظواهر النوعيّة، غير أنّ الظواهر- أوّلية أو ثانويّة- إنّما يعوّل عليها ما لم يصادفها ما يوهنها، بكشفه عن عدم اعتماد المتكلّم في إفادة مطلبه عليها، و قد قام في تلك الأخبار ما يوجب ذلك، لما في جملة منها من التصريح باعتبار وجود المادّة، فإنّ الغلبة موجودة بالنسبة إليها أيضا، بل لم يعهد حمّام لم يكن له مادّة، بخلاف كرّيّة تلك المادّة فإنّها قد يتخلّفها، فكانت غلبة المادّة أولى بالاعتماد عليها في إفادة المطلب، فالتصريح باعتبارها ممّا يقضي بعدم اعتناء المعصوم (عليه السلام) في خصوص المورد بالغلبة، و عدم اتّكاله إليها في الإفادة، و بذلك يضعف تأثير الغلبة المدّعاة في الكشف عن حقيقة المراد.

و قد يجاب عن أصل الحجّة- بعد تسليم نهوضها دليلا على اعتبار الكرّيّة في المادّة:

«بأنّ بين ما دلّ على انفعال القليل و بين ما نحن فيه تعارض العموم من وجه، و الترجيح مع أخبار الحمّام لكثرتها، و تعاضدها، و عدم وجود المعارض فيها، و كونها منطوقة و تلك أكثرها مفاهيم، و بعضها قضايا في موارد خاصّة مع معارضتها بكثير من الأخبار.

مضافا إلى أنّ أخبار الحمّام معتضدة بأصالة البراءة، لأنّ النجاسة تكليف بالاجتناب، و باستصحاب الطهارة، و بأصل الطهارة المستفادة من العمومات على وجه، و ما دلّ على عدم انفعال الماء إلّا بما تغيّر ريحه أو طعمه أو لونه» (2). و لا يخفى ما في هذا الترجيح و ما ذكر من المرجّحات، لعدم كون شيء منها بشيء عند أهل الدقّة و النظر. و قد يعارض: «بأنّ التقييد في أخبار الحمّام أقوى، لكون الإطلاق فيها أضعف» (3) و لعلّه من جهة ملاحظة الانصراف بالغلبة المدّعاة سابقا.

____________

(1) جواهر الكلام 1: 227.

(2) جواهر الكلام 1: 226.

(3) كتاب الطهارة- للشيخ الأنصاري (رحمه الله)- 1: 101.

447

و فيه: أنّ الغلبة إن كانت ممّا يعتدّ بها هنا فلا كرامة لفرض التعارض حينئذ ليوجب مراجعة الترجيح، فإنّه فرع الدلالة و هي نافية لها، و إلّا فلا وجه لدعوى ضعف الإطلاق، مع أنّه يعارضه كون التقييد المذكور تقييدا فيما هو أقلّ أفرادا من أخبار الانفعال فيكون تقييدا في الأظهر، و لا ريب أنّ تقييد الظاهر أولى، فإنّ الإنصاف أنّ أخبار الحمّام أظهر في الشمول لصورتي الكرّيّة و عدمها من أخبار الانفعال في الدلالة على عموم الحكم للحمّام أيضا، بل هو فيما بين أفراد الماء القليل من نادر الأفراد، و من هنا اتّجه المعارضة من جهة اخرى بالنظر إلى دعوى الندرة في خلاف الكرّيّة في ماء الحمّام الموجبة لضعف الإطلاق فيها.

و قد يمنع التعارض أيضا، بناء على اختصاص أدلّة الانفعال بصورة ورود النجاسة على الماء، فلا يشمل مثل المقام.

و اجيب: بأنّ الكلام في انفعال الماء الموجود في الحوض الصغير بورود النجاسة عليه، لا فيما يرد عليه.

أقول: و كأنّ المنع مبنيّ على توهّم كون الكرّيّة إنّما تعتبر في المادّة لتطهير ماء الحوض عند تنجّسه، فاعتبرت الكرّيّة فيها- على القول به- صونا لها عن الانفعال بملاقاة المتنجّس، فجوابه حينئذ ما تحقّق في محلّه من عدم الفرق في الانفعال بين الورودين.

و قد يعترض على القول باشتراط الكرّيّة في المادّة: «بأنّه ينافي ما هو كالصريح من الأخبار من أنّ ماء الحمّام له خصوصيّة على غيره من المياه، إذ على تقدير الاشتراط يكون حاله كغيره من المياه، كما اعترف به الشهيد في الذكرى» (1) (2).

و يدفعه: ما أشرنا إليه آنفا، من أنّ الخصوصيّة لعلّها اعتصامه بما هو ليس جزء منه، و حاصله عدم اعتبار الكرّيّة فيه لمجرّد اتّصاله بما ليس منه.

و الأولى في دفع القول: منع شمول دليله المدّعى- حسبما قرّرناه- و هو ممّا لا إشكال فيه، ضرورة أنّه بمجرّد اتّصاله بالمادّة لا يصدق عليه: أنّه ماء و هو بقدر الكرّ فلا ينجّسه شيء فلا يتناوله منطوق قولهم (عليهم السلام): «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء»

____________

(1) ذكرى الشيعة 1: 80.

(2) المعترض هو صاحب الجواهر (رحمه الله)، راجع جواهر الكلام 1: 228.

448

فلا بدّ في إخراجه عن المفهوم من وسط، و لا يصلح له إلّا ما دلّ على أنّ كون الماء متّصلا بالكرّ ككونه بنفسه كرّا في مرحلة الاعتصام عن الانفعال بالملاقاة.

و لا ريب أنّ أخبار الكرّ بأجمعها قاصرة عن إفادة ذلك، كما أنّ أخبار انفعال القليل لا تقضي بشيء من ذلك كما لا يخفى على المنصف، فلا محيص في إنهاض هذا الوسط من مراجعة أخبار الحمّام، و قد عرفت أنّها خالية عن الدلالة على اعتبار الكرّيّة في المادّة، إذ قد تبيّن أنّ غلبة الكرّيّة و ندرة خلافها لا عبرة بهما هنا، مع أنّ الغلبة لو صلحت منشأ للأثر هنا لقضت باعتبار الزيادة على الكرّ بل اعتبار الكرور، لما هو الغالب في مواد الحمّامات من وجود كرور من الماء فيها كما لا يخفى على المتأمّل و هو كما ترى، فإذا بنى على كون تلك الغلبة ملغاة في نظر الإمام (عليه السلام)، فلم لا يبنى على كون غلبة الكرّيّة أيضا ملغاة في نظره، مع ما فيه من استبعاد واضح لو قيل بالفرق بين ما لو بقيت المادّة بقدر الكرّ و ما لو نقصت مثقالا أو عشرة مثاقيل أو عشرين مثقالا، بدعوى: كون الأوّل من الغالب فيعتصم به ما في الحوض، و الثاني من النادر فلا يصلح للعاصميّة كما هو لازم القول بالاشتراط، بل هو شيء يعدّ من المضحكات.

فالإنصاف: أنّ اشتراط الكرّيّة في المادّة ممّا لا دليل عليه من العقل و النقل، فالقول به خال عن الوجه جدّا.

و أمّا القول بعدم اشتراطها

فمستنده- على ما عرفت عن المحقّق سابقا- إطلاق نصوص الباب و فتاوي الأصحاب، و لا يخدشه إلّا ما ذكره صاحب المدارك: «من عدم صلوحها لمعارضة ما دلّ على انفعال القليل بالملاقاة، إذ الغالب في مادّة الحمّام بلوغ الكرّيّة فينزّل عليه الإطلاق، و المعتمد اعتبار الكرّيّة لما سيجيء من الأدلّة الدالّة على انفعال القليل بالملاقاة، و لأنّ المادّة الناقصة عن الكرّ كالعدم» (1) و أنت بملاحظة ما قرّرناه بما لا مزيد عليه تقدر على دفع ما ادّعاه من تنزيل الإطلاق، و نهوض أدلّة انفعال القليل على الاشتراط، و من العجب أنّه ينادي بأعلى صوته في مواضع عديدة- ممّا سبق و لحق- بنفي العموم عن تلك الأدلّة و يتمسّك بها هنا، و هو لا يتمّ إلّا مع إحراز العموم.

و أمّا ما ذكره من الوجه الأخير من كون المادّة الناقصة عن الكرّ كالعدم، فهو

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 34.

449

مصادرة واضحة لا يعبأ بها.

الجهة الثانية: عن ثاني الشهيدين في المدارك (1) و غيره أنّه اكتفى بكون المجموع من المادّة و ما في الحوض كرّا مع تواصلهما مطلقا

، لعموم قوله (عليه السلام) «إذا كان الماء قدر كرّ لم ينجّسه شيء» (2) و وافقه على ذلك جمع كثير ممّن تأخّر عنه ممّن عاصرناهم و غيرهم، و حكي عن شرح المفاتيح (3) اختياره، و عن الذخيرة (4) عن بعض المتأخّرين: «أنّه ذكر أنّ بلوغ المجموع قدر الكرّ كاف مطلقا إجماعا» و أنّ إطلاق الأصحاب اشتراط كرّيّة المادّة مبنيّ على الغالب من كثرة أخذ الماء من الحوض، و كأنّ المراد به أنّ الكرّيّة إنّما اعتبرت في المادّة لئلّا يخرج المجموع عن الكرّيّة بكثرة أخذ الماء من الحوض.

و عن الأردبيلي في المجمع: «أنّه مع اختلاف السطوح لا يكفي بلوغ المجموع كرّا، و أمّا مع استواء السطوح فيكتفى به» (5) و عن جامع المقاصد اختياره أيضا مع نوع اختلاف قائلا: «و اشتراط الكرّيّة في المادّة إنّما هو مع عدم استواء السطوح، بأن تكون المادّة أعلى أو أسفل، لكن مع اشتراط القاهريّة بفوران و نحوه في هذا القسم، أمّا مع استواء السطوح فيكفي بلوغ المجموع كرّا، كالغديرين إذا وصل بينهما بساقية، بل أولى لعموم البلوى هنا» (6) و قد سبق هذا التفصيل عن حاشية الشرائع أيضا في الجهة الاولى.

و في الرياض و غيره عن بعض المتأخّرين الاكتفاء بكرّيّة المجموع مع التساوي، أو الانحدار مع الاختلاف و إلّا فيشترط الكرّيّة في المادّة، قائلا: «و ربّما نسب إلى العلّامة جمعا بين كلماته في كتبه» (7)، و يظهر هذا الجمع أيضا عن صاحب المدارك، فإنّه بعد ما حكى عن أكثر المتأخّرين (8) اشتراط الكرّيّة في المادّة، و عن المحقّق في المعتبر (9) و غيره (10) في مسألة الغديرين إذا أوصل بينهما بساقية، أنّهما كانا كالماء الواحد مع بلوغ

____________

(1) مدارك الأحكام 1: 35.

(2) الوسائل 1: 158 ب 9 من أبواب الماء المطلق ح 2- 1.

(3) مصابيح الظلام- كتاب الطهارة- (مخطوط) الورقة: 513.

(4) ذخيرة المعاد: 120.

(5) مجمع الفائدة و البرهان 1: 264 نقلا بالمعنى.

(6) جامع المقاصد 1: 112.

(7) رياض المسائل 1: 138.

(8) منهم العلّامة في تبصرة المتعلّمين: 3؛ و الشهيد في البيان: 44؛ و الشهيد الثاني في روض الجنان: 137.

(9) المعتبر 1: 50.

(10) كما في منتهى المطلب 1: 9؛ و تحرير الأحكام- كتاب الطهارة- (الطبعة الحجريّة): 4.

450

المجموع منهما و من الساقية كرّا، قائلا: «و هو بإطلاقه يقتضي عدم الفرق بين ما سطوحه مستوية أو مختلفة» ثمّ حكى عن العلّامة «أنّه صرّح في التذكرة (1) بالاكتفاء ببلوغ المجموع الكرّ مع عدم تساوي السطوح بالنسبة إلى السافل، قال معترضا: فيكون حكم الحمّام أغلظ من غيره، و الحال يقتضي العكس، كما صرّحوا به، و الجمع بين الكلامين و إن كان ممكنا بحمل مسألة الغديرين على استواء السطوح، أو كون الساقية في أرض منحدرة، لا نازلة من ميزاب و نحوه، إلّا أنّ فيه تقييدا للنصّ و كلام الأصحاب من غير دليل» (2).

و بما بيّنّاه سابقا- مضافا إلى ما سيأتي- تعرف أنّه لا تنافي بين الكلامين في المسألتين ليحتاج إلى الحمل و الجمع، بل أمكن أن يكون العلّامة قائلا باشتراط الكرّيّة في مادّة الحمّام مع اكتفائه بكرّيّة المجموع في مسألة الغديرين، أو بشرط عدم الاختلاف بطريق النزول و التسنيم.

و ربّما يحكى في المسألة قول بعدم اعتبار الكرّيّة أصلا لا في المادّة و لا في المجموع مطلقا و لو مع الاختلاف بالتسنيم، صار إليه بعض مشايخنا في جواهره (3)، و قد يحكى عن صريح المحقّق في المعتبر (4)، و ظاهره في الشرائع (5)، و النافع (6)، و هو اشتباه صرف، فإنّه على ما تقدّم في الجهة الاولى من عبارته مصرّح بنفي اعتبارها عن المادّة، و أمّا اعتبارها بالنسبة إلى المجموع فكلامه محتمل، لإطلاقه.

فهذه أقوال أربع، مبنى الأوّل منها كما عرفت على إعمال أدلّة انفعال القليل بالملاقاة، لزعم أنّه لا تنافي بينها و بين أدلّة ماء الحمّام، إمّا لكونها ساكتة عن اعتبار الكرّيّة و عدمها، أو لانصرافها إلى ما هو الغالب فيه من بلوغ المجموع كرّا، أو لأنّ الترجيح على تقدير التنافي في جانب أدلّة الانفعال لضعف الإطلاق في جانب أدلّة الحمّام، كما أنّ مبنى القول الأخير على إعمال أدلّة ماء الحمّام، إمّا لعدم تناول أدلّة الانفعال له، أو لكون الترجيح في جانب أدلّة الحمّام لكونها أظهر من جهة قلّة أفرادها، أو لظهورها في أنّ ماء الحمّام له مزيّة يمتاز بها عمّا عداه من أفراد الماء القليل.

____________

(1) تذكرة الفقهاء 1: 23.

(2) مدارك الأحكام 1: 35.

(3) جواهر الكلام 1: 225.

(4) المعتبر: 9.

(5) شرائع الإسلام 1: 12.

(6) المختصر النافع: 41، حيث قال: «و حكم ماء الحمّام حكمه- أي الجاري- إذا كان له مادّة».

451

و أمّا القولان المتوسّطان فمبناهما على مراعاة صدق الوحدة و عدمه، بزعم أنّها لا تصدق إلّا مع تساوي السطوح، أو معه و مع انحدار المادّة فيكتفي بكرّيّة المجموع، و في غيرهما لا بدّ من كرّيّة المادّة، و يشكل التعلّق له بالأدلّة الفارقة بين الكثير و القليل لعدم اقتضائها توقّف الاعتصام عن الانفعال على الاتّصال بالكرّ، إذ غايتها الدلالة على اعتصام نفس الكرّ لا ما يتّصل به و هو ليس منه، كما يشكل التعلّق له بأدلّة الحمّام، إذ مبنى الاستدلال بها إن كان على إطلاقها فهي تقتضي نفي اعتبار الكرّيّة رأسا فضلا عن اعتبارها في المادّة، و إن كان على ما توهّم من انصرافها إلى كرّيّة المادّة بملاحظة الغلبة، فهي تقتضي حينئذ- على فرض صحّته- اعتبارها مع تساوي السطوح و اختلافها مطلقا، لا في خصوص اختلافها مطلقا، أو في صورة التسنيم خاصّة، فكيف يخصّص ذلك بصورة الاختلاف مطلقا، أو مع التسنيم خاصّة و المفروض أنّه على هذا التقدير لا تنافي بينها في صورة التساوي و بين أدلّة إناطة الاعتصام بالكرّ حتّى يقال: إنّه نشأ من ترجيح تلك الأدلّة عليها، بل الّذي يقتضيه أدلّة الكرّ من كرّيّة المجموع ما يقتضيه أدلّة الباب أيضا بناء على قاعدتهم المذكورة، إذ كما أنّ الغالب في الحمّام بلوغ المادّة كرّا فكذلك الغالب فيه بلوغ المجموع كرّا، بل الغلبة في ذلك أقوى و أظهر كما لا يخفى.

و بالجملة: هذان القولان ممّا لا نعرف له وجها يعتمد عليه، فهما بالإعراض عنهما أولى و أجدر، بل اللائق بالبحث إنّما هو القول الأوّل و الأخير، و قد عرفت أنّ مبنى الأوّل على تحكيم أدلّة انفعال القليل على أدلّة الحمّام.

و يرد عليه: أنّ هذا لا يجدي في حصول مطلوبهم إلّا إذا اندرج المقام على تقدير كرّيّة المجموع في منطوق «إذا بلغ الماء قدر كرّ لا ينجّسه شيء» و هو في غاية الإشكال، بل في حيّز المنع، لا لأنّ الكرّ يشترط في عدم انفعاله تساوي السطوح، بل لعدم جريان ما ذكرناه من الضابط في معنى تلك القضيّة في مباحث الكرّ، من كون مفاد أدلّته أنّ كلّ ماء يقع عليه اسم الكرّ عرفا فهو ممّا لا ينجّسه شيء، و لا ريب أنّ ماء الحوض الصغير في الحمّام لا يقع عليه اسم الكرّ- و لو حال اتّصاله بالمادّة- مع كون المجموع كرّا، بل مع كون المادّة وحدها كرّا، و وقوعه على المجموع مبنيّ على الاعتبار، لا أنّه له في الواقع و نفس الأمر.

452

و توضيح ذلك: أنّ موضوعات الأحكام- الّتي منها الكرّ- امور واقعيّة لا ينفع فيها مجرّد الاعتبار، فموضوع الحكم بعدم الانفعال لا بدّ و أن يكون متّصفا بالكرّيّة في متن الواقع لا في نظر الاعتبار فقط، و إنّما يتأتّى ذلك إذا كان للماء هيئة توجب كون كلّ من أطرافه جزءا ممّا حصل منها، و هذا المعنى غير حاصل في المقام بحسب الواقع، و صحّة وقوع الاسم على المجموع اعتبار صرف متضمّن لاشتراط حصول تلك الهيئة بحسب الواقع، و كأنّ غفلة من اكتفى بكرّيّة المجموع نشأت عن الغفلة عن كون ذلك اعتبار صرفا، أو متضمّنا للتعليق على ما لا تحقّق له في الواقع، و لا ريب أنّ مجرّد الاعتبار لا يصيّر الشيء واقعا.

و من هنا اتّضح عدم المنافاة بين ما قرّرناه هنا و ما اخترناه في بحث الكرّ من عدم اشتراط تساوي السطوح، لتحقّق المعنى المذكور ثمّة في جميع صور المسألة و الفارق هو العرف، كما اتّضح سرّ ما عرفت عن العلّامة من فرقه بين الغديرين و ما نحن فيه، فإذا فرض عدم اندراج المقام على تقدير كرّيّة المجموع في المنطوق فلا بدّ و أن يندرج في المفهوم، و قضيّة ذلك عدم الفرق في انفعال ماء الحمّام- و هو ما في الحوض الصغير- بين بلوغ المجموع كرّا و عدمه، و هو مع أنّه خلاف المطلوب ترك للعمل على أخبار الحمّام بالمرّة، و هو كما ترى.

فإن قلت: العمل بها يحصل في صورة كرّيّة المجموع.

قلت: معنى حصول العمل بها حينئذ كونها مخرجة له عن المفهوم المقتضي للانفعال، و اعتبار كونها مخرجة إمّا مع تسليم كونها مطلقة، أو مع كونها منصرفة إلى الغالب، و لا ينطبق شيء منهما على مقصودكم، أمّا الأوّل: فلأنّ الإطلاق على فرض تسليمه يقتضي إلغاء الكرّيّة رأسا، و أمّا الثاني: فمع ما فيه من منع اعتبار الغلبة هنا كما سبق مشروحا أنّ التعويل عليه في اعتبار الكرّيّة خروج عن الاستدلال بأخبار انفعال ما دون الكرّ، مضافا إلى أنّه لو صحّ لقضى باعتبار الكرّيّة في المادّة أيضا لا في المجموع فقط.

فالحقّ أنّ العمل في المقام إنّما هو بأخبار الحمّام لا غير، و أنّ مقتضى ما فيها من الإطلاق إلغاء الكرّيّة بالمرّة عن المادّة و عن المجموع معا، و المراد بالإطلاق ما في غير الخبرين المتضمّنين لتنزيل ماء الحمّام منزلة الجاري و تشبيهه بماء النهر، إذ لا إطلاق فيهما لكونهما واردين لمجرّد بيان حكم الاعتصام و عدم الانفعال كالجاري و ماء