موسوعة الإمام الخوئي - ج19

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
380 /
51

..........

____________

و أمّا الحكم الثابت بمقتضى هذه الصحيحة نفسها و المجعول بنفس هذا الدليل أعني رجوع الشاك إلى الحافظ و فرض سهوه كلا سهو، الّذي لم يكن ثابتاً من ذي قبل و إنّما تحقّق بنفس هذا الجعل، فلا يمكن أن تشمله الصحيحة كي يحكم بمقتضاها برجوع المأموم الشاك إلى الإمام المنفي عنه السهو، لأنّ نفي السهو عنه إنّما ثبت بنفس هذا الجعل فكيف يعمّ الجعل نفسه.

و بعبارة اخرى: هذه الصحيحة المتكفّلة لنفي الحكم بلسان نفي الموضوع حاكمة على ما عداها من أدلّة الشكوك، فلا بدّ و أن يفرض في مرتبة سابقة حكم متعلّق بموضوعه لتكون هذه الصحيحة ناظرة إليه، و أمّا الحكم المتحصّل من هذه الصحيحة و المجعول بنفس هذا الجعل و هو فرض الساهي حافظاً لدى حفظ الآخر فلا يمكن أن تنظر إليه الصحيحة، ليحكم من أجله بنفي السهو عن المأموم الشاك و جواز رجوعه إلى الإمام.

لا أقول: إنّ هذا غير معقول، كيف و قد بيّنا إمكانه بالوجوه المذكورة في محلّها (1).

بل أقول: إنّ هذا خلاف المتراءى من ظاهر الدليل، و لا يكاد يساعده الفهم العرفي بوجه.

فان قلت: إنّ الصحيحة تنحلّ إلى حكمين و تشتمل على جعلين: أحدهما نفي السهو عن الإمام، و الآخر نفيه عن المأموم. فالسهو منفي عن الإمام الراجع إلى المأموم الحافظ بمقتضى الجعل الأوّل، و هو منفي عن المأموم الشاك الراجع إلى الإمام الحافظ المعتبر في حقّه الحفظ في الجعل الأوّل بمقتضى الجعل الثاني، فلا مانع من شمول الصحيحة للمقام.

____________

(1) لعلّه ناظر إلى ما في مصباح الأُصول 2: 175.

52

[مسألة 9: إذا كان كلّ من الإمام و المأمومين شاكّاً]

[2124] مسألة 9: إذا كان كلّ من الإمام و المأمومين شاكّاً (1) فان كان شكّهم متّحداً كما إذا شكّ الجميع بين الثلاث و الأربع عمل كلّ منهم عمل ذلك الشك، و إن اختلف شكّه مع شكّهم فان لم يكن بين الشكّين قدر مشترك كما إذا شكّ الإمام بين الاثنتين و الثلاث و المأمومون بين الأربع و الخمس يعمل كلّ منهما على شاكلته، و إن كان بينهما قدر مشترك كما إذا شكّ أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الآخر بين الثلاث و الأربع يحتمل رجوعهما إلى ذلك القدر المشترك، لأنّ كلا منهما نافٍ للطرف الآخر من شكّ الآخر.

____________

قلت: كلا، بل هي مشتملة على جعل واحد ليس إلّا و إن تضمّنت بسطاً في الكلام، إذ لا عبرة بالعبارة بعد وضوح المرام، فمفادها ليس إلّا نفي السهو عن الشاك منهما عند حفظ الآخر. فيعود الإشكال المزبور من امتناع الشمول للمقام حسبما عرفت.

و قد ظهر بما ذكرناه أنّ الاحتياط المذكور في المتن من إعادة الصلاة إذا لم يحصل لهم الظنّ في محلّه، بل لا مناص من رعايته.

(1) قدّمنا أنّ الإمام إذا كان شاكّاً و المأمومون متّفقون في الاعتقاد رجع إليهم، و لو كانوا مختلفين في الاعتقاد لم يرجع لمكان المعارضة، و لو كان بعضهم معتقداً و البعض الآخر شاكّاً رجع إلى المعتقد منهم، و في رجوع الشاك حينئذ إلى الإمام كلام قد تقدّم. و قد مرّ الكلام حول هذه كلّها مستقصى.

و أمّا إذا كان الإمام و المأمومون كلّهم شاكّين فان اتّحدوا في نوع الشك كما لو شكّ كلّ منهم بين الثلاث و الأربع عمل الجميع بموجبه، و لا موضوع للرجوع حينئذ كما هو ظاهر.

و أمّا إذا اختلف الإمام مع المأمومين في نوعية الشك فهو على قسمين:

53

..........

____________

أحدهما: أن يكون الشكّان متباينين بالكلّية، بحيث لا يكون ثمّة قدر مشترك بينهما، كما إذا شكّ الإمام بين الثنتين و الثلاث و المأمومون بين الأربع و الخمس. و لا ريب في عدم الرجوع حينئذ أيضاً، لعلم كلّ منهما بخطإ الآخر، بعد أن كان طرفا الشك من كلّ منهما مخالفاً لطرفيه من الآخر. فلا مناص وقتئذ من أن يعمل كلّ منهما على شاكلته، و يصنع حسب وظيفته من الإتيان بموجب شكّه.

ثانيهما: أن يكون بين الشكّين قدر مشترك يجمعهما، بأن يكون أحد طرفي الشك من أحدهما بعينه طرفاً للشك من الآخر، كما لو شكّ أحدهما بين الاثنتين و الثلاث و الآخر بين الثلاث و الأربع، أو أحدهما بين الثلاث و الأربع و الآخر بين الأربع و الخمس، فانّ الثلاث في المثال الأوّل و الأربع في المثال الثاني طرف لكلّ من الشكّين.

و قد احتمل في المتن رجوع كلّ منهما حينئذ إلى ذلك القدر المشترك، بل نُسب ذلك إلى المشهور، نظراً إلى أنّ كلا منهما نافٍ للطرف الآخر من شكّ الآخر.

و ذلك لأنّ الشك الحاصل لكلّ منهما ينحلّ إلى الشك من جهة و إلى الجزم من جهة أُخرى، فإنّ الشاك بين الثنتين و الثلاث في المثال الأوّل شاك في الثالثة و جازم بعدم الرابعة، كما أنّ الشاك بين الثلاث و الأربع شاك في الرابعة و جازم بوجود الثالثة، فيرجع كلّ منهما في مورد شكّه إلى جزم الآخر و حفظه، تمسّكاً بإطلاق صحيحة حفص المتقدّمة (1) فينفي الأوّل شكّه في الثالثة بجزم الثاني بوجودها، كما ينفي الثاني شكّه في الرابعة بجزم الأوّل بعدم وقوعها. و نتيجة ذلك بنائهما معاً على الثلاث و إتمام الصلاة عليه.

و هكذا الحال في المثال الثاني، أعني شكّ أحدهما بين الثلاث و الأربع‌

____________

(1) في ص 33.

54

..........

____________

و الآخر بين الأربع و الخمس، فيبنيان معاً على الأربع، المستنتج من رجوع كلّ منهما في مورد الشك إلى حفظ الآخر كما لا يخفى.

و هذا الاحتمال هو الأقوى، عملًا بإطلاق الصحيح كما عرفت، و لا تعتريه شائبة الإشكال عدا ما يتوهّم من انصراف الصحيح و غيره من أدلّة المقام عن مثل ذلك، بدعوى أنّها ناظرة إلى ما إذا كان الآخر حافظاً بقول مطلق، فلا تعمّ ما لو كان حفظه مختصّاً بجهة مع كونه ساهياً من الجهة الأُخرى كما في المقام، فانّ هذا الفرض خارج عن منصرف النصوص، و معه يشكل رفع اليد عن عمومات أدلّة الشكوك الصحيحة أو الباطلة.

و لكنّه كما ترى انصراف بدوي غير مبني على أساس صحيح، و لم يعرف له وجه سوى ندرة الوقوع خارجاً، التي لا تصلح منشأ للانصراف كما هو مقرّر في محلّه (1).

فلا مانع من التمسّك بالإطلاق سيما بعد موافقته مع الارتكاز العرفي و مناسبة الحكم و الموضوع، القاضية بابتناء الحكم على إرادة نفي السهو عن كلّ من الإمام و المأموم فيما حفظ عليه الآخر مطلقاً. فكأنّ الصلاة الصادرة منهما صلاة واحدة و إن صدرت عن شخصين و كان المباشر لها اثنين. فالحفظ من كلّ منهما في أيّ جهة كان يعدّ حفظاً من الآخر بعد فرض اعتبارها صلاة واحدة.

و من هنا لا ينبغي التشكيك في أنّ أحدهما لو كان شاكّاً في الأفعال حافظاً للركعات، و الآخر بالعكس رجع الشاك إلى ما يحفظه الآخر بناءً على شمول الرجوع للشك في الأفعال، و ليس الوجه إلّا ما عرفت من كفاية الحفظ من جهة في صحّة الرجوع، أخذاً بإطلاق النصوص.

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 5: 373.

55

لكن الأحوط إعادة الصلاة [1] بعد إتمامها (1)

____________

(1) لا يخفى أنّ هذا الاحتياط لا يستقيم على إطلاقه، إذ قد لا يستوجب الرجوع إلى القدر المشترك بطلان الصلاة بوجه، حتّى لو لم يكن الرجوع صحيحاً كي يحتاط بالإعادة، و إنّما يتّجه فيما لو كان الرجوع مستلزماً للبطلان لولا صحّة الرجوع.

ففي المثال المذكور في المتن لا وجه للإعادة بالنسبة إلى الشاك بين الثنتين و الثلاث، الباني على الثلاث بمقتضى رجوعه إلى القدر المشترك، فانّ الرجوع لو كان صحيحاً بحسب الواقع لكونه مشمولًا لإطلاق الصحيح فقد أتى بوظيفته و إن لم يكن صحيحاً لأجل انصراف النص عنه فوظيفته هو البناء على الثلاث أيضاً، غايته أنّه يلزم عليه الإتيان بركعة الاحتياط بعد الصلاة. فرعايته للاحتياط لا تستدعي أكثر من الإتيان بهذه الركعة المفصولة، لا إعادة الصلاة من أصلها كما هو ظاهر المتن.

نعم، الإعادة هو مقتضى الاحتياط بالنسبة إلى الشاك بين الثلاث و الأربع إذ لو لم يصح الرجوع إلى القدر المشترك لانصراف النص عنه فهو مأمور واقعاً بالبناء على الأربع و الإتيان بركعة مفصولة، فالبناء على الثلاث و الإتيان بالركعة الموصولة يستلزم زيادة الركعة المستوجبة للبطلان. فلا يتحقّق الاحتياط هنا إلّا بإعادة الصلاة.

و لو فرضنا أنّ أحدهما شاك بين الثلاث و الأربع، و الآخر بين الأربع و الخمس لا مقتضي حينئذ للإعادة في شي‌ء منهما، لأنّ وظيفتهما معاً هو البناء على الأربع على كلّ حال، أي سواء شملهما النص و قلنا بصحّة الرجوع إلى القدر‌

____________

[1] لا بأس بتركه لقوّة الاحتمال المزبور.

56

و إذا اختلف شكّ الإمام مع المأمومين و كان المأمومون أيضاً مختلفين في الشكّ لكن كان بين شكّ الإمام و بعض المأمومين قدر مشترك (1) يحتمل رجوعهما إلى ذلك القدر المشترك ثمّ رجوع البعض الآخر إلى الإمام [1] لكن الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة أيضاً، بل الأحوط في جميع صور أصل المسألة إعادة الصلاة إلّا إذا حصل الظنّ مع رجوع أحدهما إلى الآخر.

____________

المشترك، أم لم يشمل و ادّعينا الانصراف عنه.

غايته أنّه على الثاني يجب عليهما العمل بعد الصلاة بموجب الشك من الإتيان بركعة الاحتياط في الأوّل، و سجود السهو في الثاني، فيتحقّق الاحتياط بمجرّد ذلك، إلّا إذا فرضنا أنّ الثاني أعني الشاك بين الأربع و الخمس قد حصل له الشك في حال الركوع أو قبل إكمال السجدتين، بحيث كان شكّه مبطلًا لولا صحّة الرجوع، فيتوقّف الاحتياط حينئذ بالنسبة إليه على إعادة الصلاة.

و على الجملة: لا يحسن إطلاق القول باقتضاء الاحتياط للإعادة كما هو ظاهر عبارة المتن، بل يختص بما إذا كان الرجوع إلى القدر المشترك في مورد الشكوك الباطلة أو الصحيحة المقرونة بزيادة مبطلة، و يختلف ذلك باختلاف الموارد حسبما فصّلناه.

و كيف ما كان، فهذا الاحتياط استحبابي لا بأس بتركه، لقوّة الاحتمال الّذي ذكره في المتن من الرجوع إلى القدر المشترك كما عرفت بما لا مزيد عليه.

(1) الكلام هنا هو الكلام في سابقه، فيرجع كلّ من الإمام و المأموم إلى‌

____________

[1] مرّ الإشكال فيه آنفا.

57

[السابع: الشك في ركعات النافلة]

السابع: الشك في ركعات النافلة [1] (1)

____________

ما بينهما من القدر المشترك بعين المناط المتقدّم من الأخذ بإطلاق صحيحة حفص. و انضمام المأموم الآخر الّذي لا جامع بينه و بين الإمام غير قادح بعد وضوح أنّ وجوده و عدمه سيّان من هذه الجهة، كما مرّ (1) نظيره من رجوع الإمام إلى المأموم المتيقّن و إن كان مقروناً بمأموم آخر شاك، حيث عرفت أنّ الإمام يرجع إلى الأوّل لو كان منحصراً فيه، فلا يحتمل أن يكون وجود الآخر مانعاً.

نعم، لا يرجع هذا المأموم إلى الإمام ما لم يحصل الظن للإمام من رجوعه إلى القدر المشترك و إن ذكر الماتن رجوعه إليه على الخلاف المتقدّم بيننا و بينه في المسألة السابقة فلاحظ.

و على هذا فلو شكّ الإمام بين الثلاث و الأربع و بعض المأمومين بين الاثنتين و الثلاث و بعضهم بين الاثنتين و الثلاث و الأربع بنى الأوّلان على الثلاث، و عمل الأخير الّذي لا جامع بينه و بين الإمام بموجب شكّه، نعم لا يبعد رجوعه إليه في نفي الاثنتين.

(1) المعروف و المشهور بل لا خلاف فيه في الجملة أنّ الشاك في ركعات النافلة لا تجري في حقّه أحكام الشك في الفريضة المتقدّم تفصيلها من البطلان أو البناء على الأكثر و نحو ذلك، بل هو مخيّر بين البناء على الأقل أو البناء على الأكثر ما لم يكن مفسداً، و إلّا فيبني على الأقل أيضاً. فهو مخيّر شرعاً بين الأمرين، و له إتمام الصلاة بكلّ من النحوين بقصد الأمر الفعلي.

____________

[1] بشرط أن لا تعرضها صفة الوجوب بنذر و نحوه، و إلّا بطلت الصلاة على الأظهر.

____________

(1) في ص 47.

58

..........

____________

إنّما الكلام في مستنده بعد أن كان التخيير بهذا المعنى مخالفاً لمقتضى القاعدة فإنّ القاعدة الأوّلية تقتضي هنا البناء على الأقل، استناداً إلى أصالة عدم وقوع الركعة المشكوك فيها.

فانّ ما دلّ على سقوط الاستصحاب و عدم حجّيته في باب الشكّ في الركعات خاص بالفرائض، فيكون المرجع فيها بعد السقوط قاعدة الاشتغال المقتضية للإعادة، تحصيلًا للفراغ الجزمي ما لم يثبت التصحيح بوجه شرعي كما في موارد الشكوك الصحيحة.

و أمّا في النوافل فحيث لا دليل على السقوط فتبقى مشمولة لإطلاق دليل الحجّية بعد سلامته عن التقييد، و نتيجة ذلك هو البناء على الأقل كما عرفت فيتم معه الصلاة بقصد الأمر الجزمي الظاهري الناشئ من قِبل الاستصحاب.

نعم، له البناء على الأكثر أيضاً لكن رجاءً، إذ لا يترتّب عليه عدا احتمال نقصان الصلاة المستلزم لبطلانها، و لا محذور في ذلك بعد جواز قطع النافلة و رفع اليد عنها حتّى اختياراً.

و بعبارة واضحة: أنّ مجرّد الشك لا يكون مانعاً عن المضي و البناء على ما يشاء بقصد الرجاء حتّى في الفريضة لولا ما ثبت فيها من حرمة القطع، غايته أنّه لا يترتّب على ذلك إلّا الموافقة الاحتمالية غير المجدية في مثلها بعد أن كان المطلوب فيها الخروج عن عهدتها بالفراغ اليقيني.

و أمّا في النوافل فحيث لا يحرم قطعها و لا يجب الخروج عن عهدتها فلا مانع من المضي على الشك و البناء على أحد الطرفين المحتمل مطابقته مع الواقع غاية ما هناك عدم حصول الجزم بالإطاعة، و لا محذور فيه بعد أن جاز تركها رأساً، فضلًا عن الاقتصار على الامتثال الاحتمالي.

و منه تعرف أنّ مقتضى القاعدة في النوافل هو التخيير بين الأقل و الأكثر‌

59

..........

____________

لكن بالمعنى الّذي عرفت، أعني البناء على الأقل و الإتيان بالامتثال الجزمي أو البناء على الأكثر و الاقتصار على الامتثال الاحتمالي.

لكن التخيير بهذا المعنى غير التخيير المنسوب إلى المشهور من البناء على كلّ منهما على أنّه الوظيفة الفعلية الشرعية و بقصد الأمر الجزمي على التقديرين.

فلا بدّ إذن من النظر إلى الأخبار التي استدلّ بها على التخيير بالمعنى المشهور.

فمنها: قوله (عليه السلام) فيما رواه إبراهيم بن هاشم في نوادره: «و لا سهو في نافلة ...» إلخ (1) بدعوى دلالته على أنّ السهو الّذي هو بمعنى الشك ملغى في النافلة و غير ملتفت إليه، فوجوده كالعدم، فيبني على وقوع المشكوك فيه إلّا إذا كان مفسداً فيبني على عدمه.

و فيه: مضافاً إلى ضعف السند بكلا طريقيه من جهة الإرسال كما تقدّم (2) أنّها قاصرة الدلالة، فإنّ هذه الفقرة من الرواية مع قطع النظر عن القرينة الخارجية من الإجماع و نحوه القائم على ثبوت التخيير في النافلة مجملة لم يعلم المراد منها، فانّ المعني به في سائر الفقرات أُمور مختلفة حسب اختلاف الموارد.

ففي الفقرة الاولى أعني قوله (عليه السلام): «ليس على الإمام سهو» و قوله: «ليس على مَن خلف الإمام سهو» يراد منها نفي أحكام الشك الأعم من الصحيحة و الباطلة، و رجوع كلّ من الإمام و المأموم إلى الآخر للمتابعة.

____________

(1) الوسائل 8: 241/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 24 ح 8.

(2) في ص 31، و قد أسند الرواية في مصباح الفقيه (الصلاة): 587 السطر 21 إلى حسنة ابن البختري، و لعلّه سهو من قلمه الشريف.

60

..........

____________

و في قوله: «لا سهو في سهو» معنى آخر تقدّم البحث عنه (1) على ما هو عليه من الإجمال كما مرّ (2). و في قوله: «و لا في المغرب سهو» و كذا الفقرتان اللّتان بعده، المراد بطلان الصلاة.

و أمّا قوله: «لا سهو في نافلة» فلم يعلم أنّ المراد هل هو البطلان أيضاً كما في سابقه، أو البناء على الاحتمال المصحّح من طرفي الشك من البناء على الأكثر إلّا إذا كان مفسداً فعلى الأقل، كما في مثل قوله: لا سهو لمن كثر عليه السهو (3) على ما مرّ (4). فهذه الفقرة في نفسها غير بيّنة و لا مبيّنة، فهي مجملة لا يمكن الاستدلال بها بوجه.

على أنّ غايتها الدلالة على البناء على الأكثر، لا التخيير بينه و بين الأقل و إن لم يكن مفسداً، إلّا بمعونة القرينة الخارجية من إجماع و نحوه كما لا يخفى.

و منها و هي العمدة-: صحيحة محمّد بن مسلم المرويّة بطريقين كلاهما صحيح قال: «سألته عن السهو في النافلة، فقال: ليس عليك شي‌ء» (5).

بتقريب أنّ المنفي سواء أ كانت النسخة (عليك) بصيغة الخطاب كما أثبتناه أم بصيغة الغياب كما في بعض النسخ، و سواء أرجع الضمير على هذا التقدير إلى السهو أم إلى الساهي ليس هو الحكم التكليفي و الوجوب النفسي بالضرورة إذ لا مجال لتوهّم ذلك حتّى في الفرائض لولا ما ثبت فيها من حرمة القطع‌

____________

(1) شرح العروة 18: 301.

(2) في ص 35.

(3) [الظاهر إرادة قوله (عليه السلام): «إذا كثر عليك السهو فامض في صلاتك ...» الوسائل 8: 227/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 16 ح 1].

(4) في ص 4 و ما بعدها.

(5) الوسائل 8: 230/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 1.

61

..........

____________

فضلًا عن النوافل كي يتصدّى لنفيه، و من ثمّ ذكرنا فيما سبق أنّه بناءً على جواز القطع لم يكن الشاك ملزماً بالعمل بأحكام الشكوك، لأنّ الدليل المتعرّض لها لم يكن إلّا بصدد العلاج و التصحيح دون التكليف و الإلزام الشرعي.

و إنّما المنفي هو الحكم الوضعي و الوجوب الشرطي الّذي كان ثابتاً في الفريضة من البناء على الأكثر و نحوه، و مرجع ذلك إلى أنّ الشاك في ركعات النافلة لم يجعل في حقّه شي‌ء، و لم يكن تصحيح صلاته منوطاً و متوقّفاً على شي‌ء.

و هذا كما ترى بنفسه مساوق للتخيير و أنّ له البناء على ما يشاء من الأقل أو الأكثر، لاندراج ما عداه من البطلان أو تعيّن البناء على الأكثر أو الأقل في المنفي، ضرورة صدق وجوب شي‌ء عليه لو ثبت واحد من هذه الأُمور. فإطلاق نفي الشي‌ء لا يجتمع إلّا مع التخيير.

نعم، قد يناقش بعدم وضوح إرادة الشك من السهو، فمن الجائز إرادة السهو بالمعنى المعروف المنسبق إلى الذهن عند إطلاقه، المساوق للغفلة و النسيان.

و يدفعه أوّلًا: أنّ إطلاق السهو على الشكّ كثيراً في لسان الأخبار يجعله ظاهراً إمّا في إرادته بالخصوص أو لا أقلّ من الأعم منه و من المعنى المزبور فيكون الشك هو المتيقّن إرادته من لفظ السهو.

و ثانياً: مع الغض عن ذلك فلا ريب في جواز إرادته من اللّفظ، لشيوع إطلاقه عليه. فكان على الإمام (عليه السلام) عندئذ استفصال السائل عما يريده من هذا اللفظ. فإطلاق الجواب المستفاد من ترك الاستفصال دالّ على العموم.

و على الجملة: فهذه الصحيحة بنفسها دالّة على التخيير بالمعنى المشهور، من دون حاجة إلى التماس دليل آخر أو انضمام قرينة أُخرى من إجماع و نحوه.

لكنّ هذا مبني على أن يكون متن الحديث ما أثبتناه، أعني قوله (عليه‌

62

سواء كانت ركعة كصلاة الوتر أو ركعتين كسائر النوافل أو رباعية (1) كصلاة الأعرابي، فيتخيّر عند الشك بين البناء على الأقل أو الأكثر إلّا أن يكون الأكثر مفسداً فيبني على الأقل،

____________

السلام): «ليس عليك شي‌ء»، و أمّا لو كان ذلك مع إبدال «شي‌ء» ب‍ «سهو» كما في بعض النسخ فلا تدلّ الصحيحة حينئذ إلّا على انتفاء حكم السهو و عدم الاعتناء بالشك، الّذي نتيجته البناء على الأكثر ما لم يكن مفسداً و إلّا فعلى الأقل، فيكون مساقها مساق ما تقدّم في كثير الشك. فلا دلالة لها حينئذ على التخيير بين الأقل و الأكثر كما كان كذلك بناءً على نسخة (شي‌ء) كما عرفت هذا.

و لكن نسخة (سهو) لم توجد إلّا في بعض كتب الفقهاء كصاحب الحدائق (1) و بعض من تأخّر عنه، و إلّا فقد راجعنا مصادر الحديث و هي المعتمد من الكافي (2) بطبعتيه القديمة و الحديثة و الوافي (3) و مرآة العقول (4) و الوسائل فوجدنا اتّفاق الكلّ على ما أثبتناه مع نوع اختلاف بينها في ضمير الخطاب و الغياب كما أشرنا إليه، غير القادح في الاستدلال. فلا يعبأ إذن بتلك النسخة غير الموجودة في شي‌ء من المصادر. و عليه فلا مانع من الاستدلال بالصحيحة على المطلوب حسبما عرفت.

(1) بلا خلاف فيه، لإطلاق النص، أعني صحيح ابن مسلم المتقدّم الشامل‌

____________

(1) الحدائق 9: 346.

(2) الكافي 3: 359/ 6.

(3) الوافي 8: 1000/ 7592.

(4) مرآة العقول 15: 226/ 6.

63

..........

____________

لكلّ نافلة، سواء كانت ذات ركعتين كما هو الغالب، أم واحدة كالوتر، أم أربع كصلاة الأعرابي، أم ثمان كصلاة الغدير بناءً على ثبوتهما.

نعم، يعارضه في الوتر صحيح العلاء المروي بطريقين كلاهما صحيح، قال: «سألته عن الرجل يشك في الفجر، قال: يعيد، قلت: المغرب قال: نعم، و الوتر و الجمعة، مِن غير أن أسأله» (1) المؤيّد بحديث الأربعمائة (2) و إن لم يكن السند نقيّاً من أجل اشتماله على القاسم بن يحيى عن جدّه الحسن بن راشد و لم يوثّق لكن هذا السند بعينه موجود في أسانيد كامل الزيارات، و لأجله بنينا أخيراً على اعتبار الحديث المزبور.

و قد جمع بينهما صاحب الوسائل بالحمل على الاستحباب (3)، و هو كما ترى.

و أضعف منه الجمع بحمل الوتر على ما لو وجب لعارض من نذر و نحوه، إذ مضافاً إلى بُعده في نفسه لم يكن مختصّاً بالوتر، بل يشمل عامّة النوافل المنذورة بناءً على أنّ الواجب بالعرض لم يكن ملحقاً بحكم الأصل. فلا وجه لتخصيص الوتر بالذكر.

و نحوه في الضعف ما عن صاحب الحدائق (4) من أنّ الوتر كما يطلق على مفردة الوتر يطلق كثيراً على المركّب منها و من صلاة الشفع، أعني مجموع الركعات الثلاث، و على هذا الإطلاق يحمل الصحيح. و عليه فيكون الشك‌

____________

(1) الوسائل 8: 195/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 7، 14.

(2) الوسائل 8: 195/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 2 ح 7، 14.

(3) الوسائل 8: 230/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ذيل ح 3.

(4) الحدائق 9: 167، و لكنّه يسنده إلى القيل، و لم يصرِّح باختياره، اللّٰهمّ إلّا أن يستفاد الإمضاء من عدم الرد، نعم هو خيرة المحقّق الهمداني (قدس سره)، لاحظ التنبيه الثالث من ص 588 السطر 33 من كتاب الصلاة من مصباح الفقيه.

64

و الأفضل هو البناء على الأقل مطلقاً (1).

____________

محمولًا على ما بين الثنتين و الثلاث، إذ الشك بين الواحدة و الثنتين شكّ في الشفع حقيقة و لا مساس له بالوتر.

و من المعلوم أنّ الشك المزبور أعني ما بين الثنتين و الثلاث يرجع لدى التحليل إلى العلم بإيقاع الشفع و الشكّ في تحقّق الوتر من أصله، التي هي صلاة برأسها، فيعود إلى الشك في أصل وجود الصلاة لا في ركعات الصلاة الموجودة. و مثله خارج عن دليل عدم السهو في النافلة كما لا يخفى. فينزّل صحيح العلاء على الشك في الوجود، و بذلك يجمع بين الدليلين.

إذ فيه امتناع هذا التنزيل في الصحيح، لمكان التعبير بقوله (عليه السلام): «يعيد» فإنّ الإعادة هي الوجود الثاني بعد الوجود الأوّل الأعم من الصحيح و الفاسد، فلا بدّ من فرض صلاة موجودة في الخارج يشكّ في ركعاتها كي يحكم عليها بالإعادة، و هذا لا يلائم مع الشك في أصل الوجود، فكيف يحمل عليه الصحيح.

فالصحيح أن يقال: إن كان هناك إجماع على انسحاب الحكم و شموله للوتر فلا كلام، و لأجله لا مناص من الحمل على الاستحباب على ما عليه من البُعد و إلّا فمقتضى الصناعة ارتكاب التخصيص و استثناء الوتر عن عموم حكم النافلة. و عليه فالأحوط لمن يريد إدراك الواقع إعادتها رجاءً و إلحاقها بالفريضة في الاعتناء بالشك، عملًا بالصحيح المزبور.

(1) كما ادّعى عليه الإجماع في كلمات غير واحد. فان تمّ فهو المتبع، و إلّا فتطالب دعوى الأفضلية بالدليل بعد تكافؤ الاحتمالين و تساوي الطرفين من غير ترجيح في البين.

65

..........

____________

و ربما يستدل لها بأنّها مقتضى الجمع بين صحيح ابن مسلم المتقدّم و بين ما رواه الكافي بعد ذلك مرسلًا حيث قال: و روى أنّه إذا سها في النافلة بنى على الأقل (1). إذ لا يراد منها الإلزام، لمنافاته مع الصحيحة المتقدّمة التي رواها أوّلًا فلا بدّ و أن يراد به الاستحباب.

و لكنّه لا يجدي في إثبات الاستحباب بعد ضعف المرسلة و عدم القول بالانجبار، إلّا بناءً على قاعدة التسامح في أدلّة السنن، و قد ذكرنا في محلّه (2) عدم تماميّة القاعدة، لقصور أدلّتها عن إثبات الاستحباب الشرعي، هذا.

و يمكن أن يستدل للأفضلية بابتنائها على ما سيجي‌ء (3) من التفصيل في النافلة بين نقصان الركن و زيادته، و أنّ الأوّل مبطل لها كالفريضة دون الثاني.

إذ عليه لو بنى على الأقل يقطع معه بإدراك الواقع على كلّ تقدير، بخلاف البناء على الأكثر، لاحتمال النقص عندئذ الموجب للبطلان.

فالشاك بين الواحدة و الثنتين لو بنى على الواحدة و أتى بركعة أُخرى فإن طابق الواقع فهو، و إلّا فغايته زيادة ركعة سهواً، و لا ضير فيها حسب الفرض. و أمّا لو بنى على الثنتين و كانت في الواقع واحدة فقد نقص عن صلاته ركعة و هي مشتملة على الركن من الركوع و السجود، و المفروض أنّ نقصان الركن موجب للبطلان. و لأجله كان البناء على الأقل أفضل، بمعنى أنّه يحرز معه الواقع على أيّ حال (4).

____________

(1) الوسائل 8: 230/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 2، الكافي 3: 359/ 9.

(2) مصباح الأُصول 2: 319 و ما بعدها.

(3) في ص 73 و ما بعدها.

(4) لا يخفى أنّ ما أفاده سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) يصلح أن يكون سنداً للأولويّة دون الأفضليّة التي هي المدّعى، إلّا أن تكون لزيادة الركعة المحتملة فضيلة في نفسها.

66

و لو عرض وصف النفل للفريضة كالمعادة، و الإعادة للاحتياط الاستحبابي و التبرّع بالقضاء عن الغير لم يلحقها حكم النفل، و لو عرض وصف الوجوب للنافلة لم يلحقها حكم الفريضة، بل المدار على الأصل (1).

____________

و لعلّ ما في بعض الكلمات من التعليل بأنّه المتيقّن يرجع إلى ما ذكرناه، فلا يرد عليه أنّ كون الأقل متيقّناً لا يقتضي أفضلية البناء عليه.

(1) قد عرفت افتراق النافلة عن الفريضة فيما لها من أحكام الشكوك، التي مرجعها إلى البطلان تارة و البناء على الأكثر أُخرى مع التدارك بركعة الاحتياط و على الأقل ثالثة مع سجدتي السهو، و أنّ هذه الأحكام خاصّة بالفريضة. أمّا الشك في النافلة فحكمه التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر، و إن كان الأوّل أفضل كما مرّ.

فهل العبرة في هذين الحكمين بما كان نفلًا أو فرضاً بالذات و إن عرض عليه فعلًا ما يخرجه إلى ما يقابله من أحد الوصفين، فالمدار على الأصل، أم أنّ العبرة بما اتّصف بالنفل أو الفرض الفعليين و إن كان على خلاف مقتضى الطبع الأوّلي، فلا اعتبار بالأصل؟

فنقول: لا شك أنّ النصوص المتكفّلة لأحكام الشكوك مطلقة في حدّ ذاتها و شاملة لعامّة الصلوات من الفرائض و النوافل، و قد خرجنا عنها في النافلة بمقتضى صحيح ابن مسلم المتقدِّم (1)، فكلّ مورد علم اندراجه في عنوان المخصّص شمله حكمه، و إلّا فمجرّد الشك كافٍ في صحّة الرجوع إلى الإطلاق على ما هو الشأن في كلّ مخصّص مجمل دائر بين الأقل و الأكثر من الاقتصار على المقدار المتيقّن، و الرجوع فيما عداه إلى إطلاق الدليل.

____________

(1) في ص 60.

67

..........

____________

و لا ينبغي الريب في ظهور عنوان النافلة الوارد في لسان المخصّص فيما كان متّصفاً في حدّ ذاته بهذا العنوان كما في النوافل المرتّبة و أمثالها.

و عليه فلا ينطبق على الفريضة المتبرّع بها عن الغير، إذ الصادر عن المتبرّع هو نفس الفريضة التي اشتغلت بها ذمّة الميّت المتبرّع عنه، لا بداعي الأمر الوجوبي المتوجّه إليه الساقط بالموت، لعدم صلاحيّته للداعوية إلّا بالإضافة إلى من خوطب به دون غيره الأجنبي عنه، بل بداعي الأمر الاستحبابي المتوجّه إلى نفس النائب المتبرّع، عملًا بإطلاقات أدلّة استحباب النيابة عن الغير في تفريغ ذمّته عن العبادات كتفريغ ذمّته عن الديون كما فصّلنا الكلام حول ذلك في مباحث القضاء (1).

و كيف ما كان، فالمأتي به مصداق حقيقي للفريضة، غاية الأمر أنّ المباشر لها هو النائب بدلًا عن المنوب عنه، و ليس هو من النافلة في شي‌ء إلّا بالإضافة إلى النائب دون المنوب عنه. فليس هو من النافلة في حدّ ذاته و بقول مطلق كي يشمله النص، بل هو منصرف عنه، فلا يعمّه حكمها قطعاً. و مع التنزّل فلا أقل من الشك في ذلك. و قد عرفت أنّ المرجع حينئذ إطلاق أدلّة الشكوك.

و أوضح حالًا الصلاة المعادة، فانّ الإعادة هي الوجود الثاني للطبيعة المأتي بها أوّلًا، فالطبيعة هي الطبيعة بعينها في كلا الوجودين، غاية الأمر أنّ الأمر الاستحبابي قد تعلّق بإيجاد فرد آخر منها لدى انعقاد الجماعة، إمّا من باب تبديل الامتثال بالامتثال أو من باب استحباب الإتيان بأفضل الفردين و إن سقط الأمر. و على أيّ حال فلا تخرج المعادة عن عنوان الفريضة و حقيقتها و لا تصدق عليها النافلة بوجه كي يشملها حكمها. و مع التشكيك في الصدق فالمرجع الإطلاق المزبور.

____________

(1) شرح العروة 16: 208.

68

..........

____________

و أوضح حالًا منهما الإعادة للاحتياط الاستحبابي، فإنّ معنى الاحتياط الإتيان بصلاة يقطع معها بإدراك الواقع بحيث يصح الاجتزاء بها على تقدير الخلل في الصلاة الاولى، فلا بدّ من اشتمالها على جميع خصوصيّات الفريضة و أحكامها التي منها جريان عمليّة الشكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا لو اتّفق وقوعه فيها، لكي يصح الاجتزاء لدى الاحتياج و يتحقّق معه مفهوم الاحتياط.

و على الجملة: فهذه الصلاة أيضاً فرد آخر من أفراد الطبيعة و مصداق من مصاديق الفريضة، و لا يكاد ينطبق عليها عنوان النافلة بوجه.

و أوضح حالًا من الكلّ عبادة الصبي، لخروجها عن المقسم رأساً، ضرورة أنّ المركز و الموضوع في تقسيم الصلاة إلى الفريضة و النافلة إنّما هو عنوان المكلّف المتوقّف صدقه على البلوغ، فغير البالغ لم يتعلّق به أمر أصلًا. نعم استفدنا شرعية عبادته ممّا ورد من قوله (عليه السلام): مروهم بالصلاة و الصِّيام (1).

و من المعلوم أنّ المأمور به هي نفس الفريضة الصادرة عن البالغين بما لها من الأحكام التي منها أحكام الشكوك، فلا تعدو عن كونها تلك الحقيقة بعينها و لا مساس لها بالنافلة بوجه.

فدعوى أنّ الأولى عدّ عبادة البالغ واجبة بالعارض مستحبّة بالأصل لطروء البلوغ بعد الصبا ممّا لا محصّل لها كما لا يخفى.

و أمّا صلاتا الطواف و العيدين فهما في حدّ أنفسهما منقسمان إلى قسمين كانقسام الصلاة إلى صلاة الحاضر و صلاة المسافر، ففريضة لدى استجماع الشرائط و نافلة لدى فقدانها، و كلاهما مجعولان في الشريعة المقدّسة بالأصالة‌

____________

(1) الوسائل 4: 19/ أبواب أعداد الفرائض و نوافلها ب 3 ح 5، 7، 8، 10: 234/ أبواب من يصح منه الصوم ب 29 ح 3 (نقل بالمضمون).

69

..........

____________

كما في القصر و التمام، لا أنّ أحدهما أصلي و الآخر عرضي، فهما نظير الصوم الّذي هو واجب في شهر رمضان مستحبّ في شهر شوال و كلاهما أصلي.

فكما لا يقال إنّ الصوم في شوال واجب بالأصل مستحب بالعرض فكذا لا يمكن القول بأنّ صلاة العيد في عصر الغيبة واجبة بالأصل مستحبّة بالعرض بل هي واجبة في عصر الحضور أصالة و مستحبّة في عصر الغيبة أصالة أيضاً.

و كذا في صلاة الطواف، فانّ وجوبها أصلي في الطواف الواجب، كما أنّ استحبابها أصلي أيضاً في الطواف المستحب. و عليه فيجري في كل من الحالتين ما يخصّها من حكم الشك، فيعتنى به عند الاتصاف بالفرض، و لا يعتنى لدى الاتصاف بالنفل.

فتحصّل: أنّ هذه الموارد المعدودة من قبيل الفرض بالأصل و النفل بالعرض ليس شي‌ء منها كذلك، بل كلّها ما عدا الأخيرتين من مصاديق الفريضة سابقاً و لاحقاً ذاتاً و فعلًا، و إنّما الاستحباب في الخصوصيات المقترنة بها، التي لا تكاد تستوجب صحّة إطلاق النافلة عليها بوجه. فيشملها حكم الفريضة من الاعتناء بالشك إمّا قطعاً أو حتّى مع احتمال الاندراج في عنوان النافلة، لكون المرجع حينئذ إطلاق أدلّة الشكوك أيضاً حسبما عرفت. و أمّا الأخيرتان فهما فرض في تقدير و نفل في تقدير آخر، و يجري على كلّ تقدير حكمه كما مرّ.

و أمّا عكس ذلك، أعني ما كان نفلًا بالأصل فرضاً بالعرض كما في النافلة الواجبة لعارض من نذر أو شرط في ضمن عقد أو استئجار أو أمر الوالد و نحو ذلك، فالظاهر عدم جريان حكم النافلة عليه، لانعدام الموضوع بقاءً. و قد تقدّم شطر من الكلام حول نظيره في مبحث التطوّع في وقت الفريضة (1)، حيث قلنا ثمّة: أنّ التطوّع غير الجائز في الصوم بلا إشكال و في الصلاة على المشهور‌

____________

(1) شرح العروة 11: 347.

70

..........

____________

غير شامل للمنذور، لخروجه بالنذر عن عنوان التطوّع تكويناً، إذ التطوّع لغة (1) و عُرفاً هو الإتيان بالشي‌ء عن طوع و رغبة و اختيار و من غير إلزام و عند تعلّق النذر المستتبع للإلزام ينقلب العنوان و يزول الاختيار بطبيعة الحال فلا تطوع بعدئذ وجداناً كي يشمله دليل المنع. و من هنا يصحّ نذر التطوّع في وقت الفريضة في كلّ من الصلاة و الصِّيام بلا كلام.

و على ضوء ذلك نقول في المقام بانعدام عنوان النافلة بمجرّد تعلّق النذر و شبهه ممّا يتضمّن الإلزام، فإنّ النفل كما في اللّغة (2) المطابق مع المعنى العرفي ما تفعله ممّا لم يجب، و ما شرع زيادة على الفرائض و الواجبات.

و من المعلوم أنّ الإتيان بالمنذور و نحوه ممّا يجب بالعرض يعدّ بالفعل من الواجبات التي لا مناص من امتثالها، و لا يكون من الزيادة كي يندرج في مفهوم النافلة، فلا ينطبق عليه عنوانها حتّى يشمله حكمها، بل ينقلب بقاءً إلى الفريضة، فتشمله حينئذ إطلاقات أدلّة الشكوك.

و على الجملة: الظاهر من عنوان النافلة الوارد في لسان المخصّص ما كان متلبّساً و متّصفاً بالوصف العنواني فعلًا، لا مجرّد كونه كذلك شأناً بحيث يكون المسئول عنه في صحيح ابن مسلم: «سألته عن السهو في النافلة ...» إلخ (3) ما كان نافلة اقتضاءً و إن طرأ عليها الوجوب فعلًا لنذر و شبهه، لانصراف النصّ عن مثل ذلك قطعاً، و لا أقل من الشك في ذلك، فيكون المرجع حينئذ إطلاقات أدلّة الشكوك القاضية بالبطلان لدى الشكّ بين الواحدة و الثنتين.

فان قلت: ليس لدينا نصّ في بطلان الشك بين الواحدة و الثنتين يتضمّن‌

____________

(1) المنجد: 475 مادّة طاع.

(2) المنجد: 828 مادّة نفل.

(3) و قد تقدّمت في ص 60.

71

و أمّا الشك في أفعال النافلة فحكمه حكم الشكّ في أفعال الفريضة، فإن كان في المحل أتى به، و إن كان بعد الدخول في الغير لم يلتفت (1).

____________

الإطلاق من حيث الفريضة و النافلة، ليصحّ التمسّك به في المقام لدى الشكّ في الاندراج تحت عنوان المخصّص، لورود النصوص في خصوص الفرائض كصلاة الفجر و الجمعة و المسافر و الأولتين من الرباعيات اللّتين هما من فرض اللّٰه كما لا يخفى على من لاحظها (1).

قلت: نعم، و لكن كفانا مرجعاً الإطلاق في صحيحة صفوان الدالّة على البطلان بكل شكّ في كلّ صلاة (2)، خرج عنها الشكّ في النافلة بدليل منفصل (3) فمع الشك في الاندراج في عنوان المخصّص لا مانع من التمسّك بإطلاق هذا الصحيح، الّذي نتيجته البطلان كما ذكرنا.

نعم، يمكنه الإتمام بالبناء على كلّ من الأقل أو الأكثر، لكن رجاءً لا بنية جزمية حتّى في الأقل، إذ لا يمكنه الاستناد حينئذ إلى الأصل، لما عرفت من أنّ صحيحة صفوان قاطعة للاستصحاب في باب الشك في الركعات مطلقاً.

و المتحصّل ممّا قدّمناه: أنّ الشكّ في ركعات النافلة إنّما يحكم عليه بعدم الاعتناء بشرط أن لا تعرضها صفة الوجوب من نذر و نحوه، و إلّا بطلت الصلاة على الأظهر كما أشار إليه سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) في تعليقته الأنيقة.

(1) أمّا الثاني فظاهر، لعموم قاعدة التجاوز من غير مخصّص. و أمّا الأوّل فلأصالة عدم الإتيان التي هي مقتضى القاعدة الأوّلية السليمة عمّا يصلح للتقييد،

____________

(1) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1، 2.

(2) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

(3) [كصحيحة محمّد بن مسلم المتقدّمة في ص 60].

72

..........

____________

لظهور صحيح ابن مسلم في الاختصاص بالشكّ في الركعات، و لا يعمّ الأفعال.

و توضيحه: أنّ الماتن (قدس سره) فرّق بين المقام أعني الشك في النافلة و بين ما تقدّمه من شكّ كثير الشك، فعمّم الحكم هناك للأفعال، و خصّه هنا بالركعات، بل قد ذكرنا (1) أنّ التعميم هو الأظهر في شكّ الإمام و المأموم أيضاً.

و هذه التفرقة في محلّها، لوجود القرينة على التعميم، و هي مناسبة الحكم و الموضوع في الموردين المتقدّمين دون المقام، لما عرفت من أنّ مناط عدم الاعتناء في كثير الشك استناد الشك إلى الشيطان، و عدم كونه عاديا متعارفاً و هذا لا يفرق فيه بحسب الفهم العرفي بين حصوله في الركعات أو الأفعال. مضافاً إلى ورود النص الخاص في الأفعال (2) أي في خصوص الركوع كما مرّ.

كما أنّ المناط في الإمام و المأموم لحاظ صلاتيهما بعد فرض المتابعة كأنّهما صلاة واحدة صادرة عن شخصين، و من ثمّ كان حفظ أحدهما مغنياً عن حفظ الآخر، لكونه طريقاً إلى الواقع و محرزاً لما يصدر عن صاحبه، كما هو الحال في سائر الأمارات في الشبهات الحكمية و الموضوعية. و نحوه ما ورد في الطواف من الاعتماد على من يطوف معه و الاجتزاء بحفظه، فكأنهما يطوفان بطواف واحد كما مرّ (3).

و هذه المناسبة بين الحكم و الموضوع تستدعي عدم الفرق بين تعلّق الشك بالركعات أو الأفعال. فهذه القرينة هي التي دعتنا إلى الالتزام بالتعميم في الموردين المتقدّمين و استكشاف الإطلاق من النص الوارد فيهما.

____________

(1) في ص 32.

(2) [و هو موثّقة عمار المتقدّمة في ص 8].

(3) في ص 32.

73

و نقصان الرّكن مبطل لها كالفريضة بخلاف زيادته فإنّها لا توجب البطلان على الأقوى، و على هذا فلو نسي فعلًا من أفعالها تداركه و إن دخل في ركن بعده سواء كان المنسي ركناً أو غيره (1).

____________

و أمّا في المقام أعني الشك في النافلة فتلك المناسبة مفقودة، و القرينة على التعميم ليتعدّى عن مورد النص غير موجودة بعد ظهور لفظه أعني السهو في النافلة كما في صحيح ابن مسلم في الشك في الركعات و لو بمقتضى الانصراف الناشئ من كثرة استعمال السهو في لسان الأخبار في ذلك.

و بعبارة اخرى: لا يمكننا الأخذ بالإطلاق في النافلة بعد فقدان تلك المناسبة فنبقى نحن و ما نستفيده من قوله في صحيح ابن مسلم: «سألته عن السهو في النافلة، فقال: ليس عليك شي‌ء» (1).

و حيث لم يعلم أنّ السؤال عن أيّ شي‌ء، و من الجائز أن يكون سؤالًا عن خصوص أحكام السهو المتعلّق بالركعات، باعتبار إطلاق السهو على الشك في الركعات في لسان الروايات كثيراً، فلا يمكننا إحراز الإطلاق بالإضافة إلى الأفعال.

و لأجله لا يمكن الاستناد إلى هذه الصحيحة في مقابل ما دلّ على لزوم الاعتناء بالشك في المحلّ، لعدم العلم بالإطلاق بعد احتمال قصر النظر سؤالًا و جواباً على الشك في الركعات، بل لعلّ كثرة إطلاق السهو عليه قرينة على إرادته بالخصوص كما عرفت.

(1) لا ينبغي الإشكال في البطلان بنقصان الأركان، كما في الفريضة، فإنّ أجزاء الناقص عن الكامل يحتاج إلى الدليل، و لا دليل عليه، بل مقتضى‌

____________

(1) الوسائل 8: 230/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 1.

74

..........

____________

إطلاق الأدلّة التي منها حديث لا تعاد (1) و كذا قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة من سجدة و إنّما تعاد من ركعة (2) أي من ركوع بعد كون موضوع الحكم مطلق الصلاة الأعم من الفريضة و النافلة هو البطلان في كلا الموردين بمناط واحد. كما لا إشكال في عدم البطلان بنقصان ما عدا الأركان كما هو ظاهر.

إنّما الكلام في زيادة الركن سهواً، فهل هي مبطلة كما في الفريضة؟ فنقول: الروايات الواردة في البطلان بزيادة الركن و إن كان أكثرها قد وردت في خصوص الفريضة من الظهر و العصر و نحوهما، إلّا أنّ فيها ما دلّ على البطلان مطلقاً، من دون اختصاص بصلاة دون صلاة كصحيحة أبي بصير أو موثّقته: «من زاد في صلاته فعليه الإعادة» (3) دلّت بعد خروج ما عدا الأركان منها بمقتضى حديث لا تعاد على البطلان بزيادة الأركان عمداً أو سهواً، كانت الصلاة فريضة أم نافلة، عملًا بالإطلاق.

فلو كنّا نحن و هذه الصحيحة لالتزمنا بالبطلان مطلقاً، و لكن يستفاد من بعض النصوص اختصاص البطلان بالفريضة.

منها: ما ورد من النهي عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة، معلّلًا بأنّ السجود زيادة في الفريضة (4).

و منها: ما ورد في صلاة المسافر من أنّه متى زاد أعاد، معلّلًا بأنّها فرض اللّٰه (5).

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

(2) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2، 3، (نقل بالمضمون).

(3) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 2.

(4) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

(5) الوسائل 8: 508/ أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 8.

75

..........

____________

و منها و هو العمدة-: ما ورد في صحيحة زرارة و بكير بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها، و استقبل صلاته استقبالًا ...» إلخ (1).

دلّت على اختصاص البطلان بالمكتوبة، لا من أجل القضيّة الشرطية كما قيل ضرورة أنّ مفهومها ليس هو الاستيقان في غير المكتوبة، بل عدم الاستيقان في المكتوبة، و أنّه متى لم يستيقن فيها بالزيادة بل بقي شاكّاً لا يعيد صلاته حينئذ، لكونه موظّفاً بإجراء عملية الشك من أصالة عدم الزيادة، سواء كان الشك في المحل أم في خارجه. مضافاً إلى اختصاص الثاني بقاعدة التجاوز. فالقضيّة الشرطية و إن كان لها مفهوم في المقام إلّا أنّه أجنبي عن محلّ الكلام و غير مرتبط بما نحن بصدده.

بل من أجل مفهوم الوصف، أعني تقييد الصلاة بالمكتوبة، الّذي لا مناص من كونه احترازاً عن غيرها، و إلّا لأصبح التقييد لغواً ظاهراً.

فانّا قد ذكرنا في الأُصول (2) أنّ الوصف و إن لم يكن له مفهوم بالمعنى المصطلح، أعني الدلالة على العلّية المنحصرة المستتبعة للانتفاء عند الانتفاء كما في مفهوم الشرط، فيمكن ثبوت الحكم في غير مورد التوصيف أيضاً، بأن يرتّب على الموضوع مقيّداً بقيد آخر، فلا منافاة و لا معارضة بين قوله: أكرم رجلًا عادلًا، و بين قوله: أكرم رجلًا عالماً، كما كانت ثابتة بينهما لو كانت الجملتان على صورة القضيّة الشرطية بدلًا عن القضيّة الوصفيّة.

إلّا أنّه يدل لا محالة على أنّ موضوع الحكم ليس هو الطبيعي على إطلاقه و سريانه كذات الرجل في المثال، و إلّا كان التقييد بالعدالة لغواً ينزّه عنه كلام‌

____________

(1) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

(2) محاضرات في أُصول الفقه 5: 133.

76

..........

____________

الحكيم. فهذا المقدار من المفهوم ممّا لا مناص عن الالتزام به، أعني الدلالة على أصل العلّية لا انحصارها، رعاية لظهور القيد في الاحتراز. و نتيجة ذلك وقوع المعارضة بين القضيّة الوصفيّة و بين ما لو ورد دليل آخر تضمّن تعلّق الحكم بالطبيعي.

و على الجملة: فلو كان التقييد واقعاً في كلام الإمام (عليه السلام) لكان كاشفاً عن عدم ثبوت الحكم للطبيعي. فلو ورد أنّ الماء الكر لا ينجِّسه شي‌ء دلّ لا محالة على أنّ الاعتصام غير ثابت لطبيعي الماء، و إن أمكن ثبوته في فرد آخر أيضاً كما في الجاري غير الكر.

و على هذا فالتقييد بالمكتوبة في هذه الصحيحة كاشف عن أنّ الحكم أعني البطلان بزيادة الركعة المراد بها الركوع، لإطلاقها عليه كثيراً في لسان الأخبار (1) لم يكن متعلّقاً بطبيعي الصلاة الأعم من الفريضة و غيرها، و لأجل ذلك يقيّد الإطلاق في صحيحة أبي بصير المتقدّمة و تحمل على الفريضة. إذن لا دليل لنا على ثبوت البطلان بزيادة الركن سهواً في غير الفريضة، و مقتضى الأصل عدم البطلان.

و يترتّب على ذلك ما أفاده في المتن من أنّه لو نسي فعلًا من أفعالها تداركه و إن دخل في ركن بعده، سواء كان المنسي ركناً أم غيره، إذ لا يلزم من التدارك عدا زيادة الركن سهواً، التي عرفت عدم الدليل على قدحها في النافلة.

فاتّضح أنّ الأظهر عدم البطلان في غير الفريضة، و ملخّص ما يستدل به عليه قصور المقتضي للبطلان، فيرجع حينئذ إلى أصالة العدم، هذا.

و ربما يستدلّ له بوجوه أُخر:

____________

(1) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 3، ب 11 ح 2.

77

..........

____________

منها: خبر الصيقل عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال «قلت له: الرجل يصلِّي الركعتين من الوتر ثمّ يقوم فينسى التشهّد حتّى يركع و يذكر و هو راكع قال: يجلس من ركوعه يتشهّد ثمّ يقوم فيتم، قال قلت: أ ليس قلت في الفريضة: إذا ذكره بعد ما ركع مضى في صلاته ثمّ سجد سجدتي السهو بعد ما ينصرف يتشهّد فيهما؟ قال: ليس النافلة مثل الفريضة» (1).

دلّت بظاهرها على أنّ الزيادة المستلزمة من التدارك غير قادحة في النافلة لعدم كونها مثل الفريضة.

و ربما يجاب عنها بجوابين على سبيل منع الخلوّ، بتقريب أنّ المفروض في الرواية إن كان هو الإتيان بالوتر موصولة بالشفع من غير تخلّل التسليم بينهما كما قد يعطيه ظاهرها باعتبار عدم التعرّض للتسليم، فالاستشهاد بها للمدّعى و إن كان وجيهاً إلّا أنّها حينئذ على خلاف المذهب، لاستقراره على لزوم الفصل بين الشفع و مفردة الوتر بالتسليم، فتطرح و تحمل على التقيّة. فلا تصلح للاستدلال.

و إن كان هو الإتيان بها مفصولة فحيث إنّ الركوع المأتي به محسوب من صلاة أُخرى لم يمنع التلبّس به عن تلافي المنسي، لعدم القدح بوقوع مثل هذه الزيادة بعد أن لم يقصد بها الجزئية للصلاة الأُولى، كما هو الحال في الفريضة، مثل من تلبّس بالعصر بزعم فراغه من الظهر فتذكّر و لو بعد الدخول في الركوع نقصان جزء من الظهر كالتشهّد أو التسليم فإنّه يلغي ما بيده و يتدارك المنسي، و لا تلزم منه الزيادة المبطلة بعد أن لم يقصد بها الجزئية للظهر. فلا فرق بين النافلة و الفريضة من هذه الجهة. و عليه فلا تصلح للاستدلال أيضاً، لخروجها عمّا نحن فيه.

____________

(1) الوسائل 6: 404/ أبواب التشهّد ب 8 ح 1.

78

..........

____________

أقول: الظاهر صحّة الاستدلال على كلّ من شقي الترديد.

أمّا الأوّل: فلأنّ ابتناء مورد الرواية على التقية لا يمنع عن جواز الاستدلال بالكبرى الكلِّيّة المذكورة فيها، و هي عدم كون النافلة مثل الفريضة في مبطلية الزيادة الركنية، غايته أنّ تطبيق تلك الكبرى على المورد محمول على التقيّة و كم له نظير في الأخبار كما لا يخفى.

و أمّا الثاني: فلأنّ الرواية بنفسها ناطقة بالبطلان في الفريضة بمطلق الزيادة الركنية الأعم ممّا قصد به الجزئية أم لا، لظهور قوله (عليه السلام) «ليس النافلة مثل الفريضة» في أنّها لو كانت فريضة لبطلت بالرجوع، للزوم زيادة الركوع و إن لم يقصد به الجزئية كما قوّينا ذلك في محلّه (1) و تكرّرت الإشارة إليه في مطاوي هذا الشرح من امتياز الجزء الركني كالركوع و السجود عن غيره في أنّ زيادته و لو صورة و بغير قصد الجزئية تستوجب البطلان، على ما استفدناه ممّا دلّ على النهي عن تلاوة آية العزيمة في الصلاة معلّلًا بأنّ السجود زيادة في المكتوبة (2) مع أنّ السجود المأتي به حينئذ غير مقصود به الجزئية، و إنّما هو لمحض التلاوة. فنستكشف من ذلك قادحية الزيادة حتّى الصورية في مثل السجود، و يتعدّى عنه إلى الركوع بالأولوية القطعية. هذا هو حكم الفريضة.

و أمّا النافلة فليست كذلك بمقتضى نفس هذه الرواية المصرِّحة بالفرق بينهما و أنّ تلك القادحية خاصّة بالفريضة، و غير ثابتة في النافلة، فلا مانع من الاستدلال بها، لعدم البطلان بزيادة الركن في النافلة، سواء قصد به الجزئية أم لا.

فالإنصاف: أنّ الرواية لا قصور فيها من حيث الدلالة، نعم هي قاصرة‌

____________

(1) شرح العروة 15: 132 133.

(2) الوسائل 6: 105/ أبواب القراءة في الصلاة ب 40 ح 1.

79

..........

____________

السند، لضعفه بالصيقل، إذ لم تثبت وثاقته، فلا تصلح للاستدلال من أجل هذه العلّة. فالأولى الاقتصار في الجواب عنها على المناقشة السندية فحسب.

و منها: صحيحة الحلبي قال: «سألته عن الرجل سها في ركعتين من النافلة فلم يجلس بينهما حتّى قام فركع في الثالثة، فقال: يدع ركعة و يجلس و يتشهّد و يسلّم، ثمّ يستأنف الصلاة بعد» (1).

و هذه الرواية واضحة في أنّها واردة في من أراد أن يصلّي عدّة ركعات كثمان ركعات نافلة الزوال أو نافلة اللّيل مثلًا، التي هي ركعتان ركعتان، فشرع في صلاة أُخرى بزعم فراغه من الاولى، و لم يتذكّر إلّا بعد الدخول في الركوع. و قد حكم بإلغاء ما بيده و تتميم الاولى ثمّ استئناف الأُخرى و إن استلزم التتميم زيادة الركن، لعدم البأس بها في النافلة.

و نوقش فيها أيضاً بمثل ما مرّ من عدم قصد الجزئية بالركوع المأتي به في الصلاة الاولى، فلا تقدح زيادته حتّى في الفريضة.

و يندفع: بما عرفت من عدم الفرق في القدح و عدمه بزيادة الركوع بين ما قصد به الجزئية و ما لم يقصد.

و لعلّ هذا كان مرتكزاً في ذهن السائل و هو الحلبي الّذي كان من أعاظم الرواة و علمائهم، و أنّ مثل ذلك لو كان واقعاً في الفريضة لكانت باطلة للزوم الزيادة و إن كانت صورية، فسأل عن حكم النافلة و أنّها هل هي كالفريضة أم لا. و قد حكم (عليه السلام) بتتميمها و عدم الضير في اشتمالها على هذه الزيادة.

و حيث إنّ الرواية صحيحة السند ظاهرة الدلالة فلا بأس بالاستدلال بها.

____________

(1) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 4.

80

..........

____________

و منها: صحيحة ابن مسلم المتقدّمة (1) المتضمّنة للسؤال عن السهو في النافلة بدعوى شمول السهو و لو من باب ترك الاستفصال لمطلق الغفلة المجامعة للشك و النسيان، إن لم نقل بظهوره في حدّ ذاته في الثاني.

فقوله (عليه السلام): «ليس عليك شي‌ء» يراد به نفي أحكام السهو الثابتة في الفريضة عن النافلة، التي منها البطلان بزيادة الأركان، و أنّ السهو لا يوجب إلزاماً، و لم ينشأ حكم من قِبله.

و أمّا في مورد النقيصة فليس الحكم بتدارك المنسي من الرجوع لدى الإمكان أو البطلان من آثار السهو و أحكامه ليرتفع في النافلة، و إنّما هو من مقتضيات بقاء الأمر الأوّل، حيث لم يؤت بالمأمور به على وجهه.

و من هنا يتّجه التفصيل في النافلة بين نقصان الركن و زيادته، بالالتزام بالبطلان في الأوّل دون الثاني، لما عرفت من أنّ البطلان لدى النقص لم يكن من شؤون السهو ليشمله النص، و إنّما هو من ناحية طبع الأمر الأوّل بعد أن لم يمتثل، بخلافه لدى الزيادة فإنّه حينئذ من ناحية السهو نفسه، و لولاه لم يكن عليه شي‌ء.

و هذا الوجه لا بأس به لولا ظهور السهو الوارد في الصحيحة في خصوص الشك في الركعات، بقرينة إطلاقه عليه كثيراً في لسان الأخبار كما مرّت الإشارة إليه، مثل قوله (عليه السلام): لا سهو في الأولتين، لا سهو في المغرب لا سهو في الجمعة (2)، و هكذا.

____________

(1) في ص 60.

(2) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1، 2، (نقل بالمضمون).

81

[مسألة 10: لا يجب قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي في النافلة]

[2125] مسألة 10: لا يجب قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي في النافلة (1).

____________

فإنّ من الواضح أنّ المراد به فيها هو الشكّ في الركعات، و إلّا فأحكام السهو من تدارك المنسي لدى الإمكان أو البطلان أو القضاء أو سجود السهو و نحو ذلك مشترك فيه بين عامّة الصلوات و كافّة الركعات، فيكون ذلك قرينة على أنّ المراد به في المقام أيضاً هو الشكّ في الركعات، دون المعنى الآخر المتبادر من لفظ السهو عند إطلاقه، أو ما يعمّه و الشك، و لو لا ذلك لكان الاستدلال بهذا الوجه جيّداً.

(1) لا ينبغي التأمّل في أنّ المراد بالوجوب هنا ليس هو الوجوب النفسي فإنّ غاية ما يستفاد من دليل القضاء على ما سبق في محلّه (1) بقاء المنسي من السجود أو التشهّد على جزئيّته و إن تبدّل محلّه و تأخّر عن ظرفه. فالإتيان به تتميم للصلاة. و لا ريب في عدم وجوب إتمام النافلة و جواز رفع اليد عنها حتّى اختياراً.

بل المراد الوجوب الشرطي، و أنّ الشرط في صحّة النافلة و الاجتزاء بها هل هو قضاء المنسي و تداركه بعد الصلاة أو لا. و الظاهر عدم الوجوب، لقصور المقتضي.

أمّا في التشهّد المنسي فقد أسلفناك في محلّه (2) عدم الدليل على قضائه حتّى في الفريضة، فإنّ ما دلّ على إتيانه و هو صحيح ابن مسلم المتضمّن للرجوع إلى‌

____________

(1) شرح العروة 18: 95، 271، 311.

(2) شرح العروة 18: 95.

82

..........

____________

مكانه و يتشهّد و إلّا طلب مكاناً نظيفاً (1) قد استظهرنا منه التشهّد الأخير و أنّ الإتيان به حينئذ أداء لا قضاء كما سبق في محلّه.

و أمّا ما دلّ على حكم نسيانه في التشهّد الأوّل فلم يذكر فيه القضاء أصلًا بل المذكور فيه الإتيان بسجدتي السهو، و الاكتفاء بالتشهّد فيهما عن المنسي. و على الجملة: فلا دليل على قضائه في الفريضة فضلًا عن النافلة.

و أمّا في السجدة المنسية فقد دلّت عدّة من الروايات على القضاء (2)، و لكنّها خاصّة بالفريضة و لا تعمّ النافلة، لأنّها بأجمعها قد تضمّنت التفصيل بين التذكّر قبل الدخول في الركوع و التذكّر بعده، و أنّه يرجع في الأوّل لبقاء المحل دون الثاني لانتفائه، من أجل استلزام التدارك لزيادة الركن القادحة في الفريضة و من ثمّ يقضى المنسي بعد الصلاة.

و أمّا في النافلة فلا مانع من الرجوع و لو بعد الدخول في الركوع، لما عرفت من عدم قدح الزيادة الركنية فيها كما صرّح بذلك في صحيحة الحلبي المتقدّمة (3).

و بالجملة: فهذا التفصيل كاشف عن اختصاص الحكم بالفريضة، لبقاء محلّ التدارك في النافلة و إن دخل في الركوع، فلا فرق بينه و بين عدم الدخول في جواز الرجوع.

و أمّا لو كان التذكّر في النافلة في مورد لا يمكن التدارك كما لو كان بعد السلام، أو بعد الركعة الثانية و قلنا إنّ زيادة الركعة تضرّ بالنافلة فلا دليل‌

____________

(1) الوسائل 6: 401/ أبواب التشهّد ب 7 ح 2.

(2) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 1، 2 و غيرهما.

(3) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 18 ح 4، و قد تقدّمت في ص 79.

83

كما لا يجب سجود السهو لموجباته فيها (1).

____________

حينئذ على القضاء، فانّ هذا لو كان في الفريضة شمله دليل القضاء بطريق أولى كما لا يخفى.

و أمّا في النافلة فعدم التدارك في الفرض لم يستند إلى الدخول في الركوع، بل هو لمانع آخر، و مثله غير مشمول لنصوص القضاء، لكون المدار فيها على عدم إمكان التدارك المستند إلى الدخول في الركوع، غير المنطبق على النافلة.

و عليه فلا دليل على وجوب القضاء في النافلة، بل الدليل قائم على العدم و هي صحيحة الحلبي المتقدّمة المصرّحة بالرجوع و عدم قادحية الدخول في الركوع، و من ثمّ استشكل جمع منهم صاحب الجواهر في مشروعية القضاء فضلًا عن وجوبه (1)، و هو في محلّه.

(1) لاختصاص دليله بالفريضة في جميع الموجبات.

أمّا التكلّم السهوي فعمدة المستند النص المتضمّن لقول المصلّي: «أقيموا صفوفكم» (2)، و معلوم أنّ مورده الجماعة، و لا جماعة في النافلة. و مورد غيره من الروايات (3) أيضاً هو الفريضة كما لا يخفى على مَن لاحظها. فلا مجال للتعدِّي عنها.

و أمّا السلام الزائد فعمدة الدليل فيه ما ورد في من سلّم في الثالثة بدل الرابعة اشتباهاً (4). و كون مورده الفريضة ظاهر جدّاً، و كذا ما ورد في من شكّ‌

____________

(1) الجواهر 12: 430.

(2) الوسائل 8: 206/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 4 ح 1.

(3) الوسائل 8: 219/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 11 ح 2 و غيره.

(4) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

84

[مسألة 11: إذا شكّ في النافلة بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الاثنتين]

[2126] مسألة 11: إذا شكّ في النافلة بين الاثنتين و الثلاث فبنى على الاثنتين ثمّ تبيّن كونها ثلاثاً بطلت [1] (1) و استحبّ إعادتها (2)

____________

بين الأربع و الخمس (1). و لم نقل بوجوبه لكلّ زيادة و نقيصة حتّى يتصوّر في النافلة.

و أمّا التشهّد المنسي فمورده التشهّد الأوّل الّذي هو مختصّ بالفريضة كما هو ظاهر. فليست عندنا رواية مطلقة ليتمسّك بها في النافلة.

على أنّك قد عرفت فيما سبق (2) أنّ سجدة السهو ليست كالسجدة المنسية التي هي جزء متمّم تبطل الصلاة بالإخلال بها، بل هي واجب مستقلّ لا يضرّ الإخلال بها بصحّة الصلاة حتّى عامداً، و لا يمكن الالتزام بهذا الوجوب النفسي الاستقلالي في مثل النافلة بعد استحبابها و جواز رفع اليد عن أصل الصلاة، فلا يُقاس ذلك بالفريضة المحكومة بحرمة القطع على المشهور. فالإذعان بالوجوب التعبّدي هنا بعيد غايته.

و على الجملة: فالمقتضي للوجوب قاصر في حدّ نفسه، مضافاً إلى وجود المانع أعني القرينة الخارجية، و هي استبعاد الالتزام بالوجوب في عمل محكوم بالاستحباب.

(1) لانكشاف زيادة الركعة القادحة كما ستعرف.

(2) لبقاء الأمر الأوّل على حاله.

____________

[1] على الأحوط، و قد مرّ آنفاً بطلان الواجب بالعرض بالشك.

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 1، 4.

(2) شرح العروة 18: 384.

85

بل تجب إذا كانت واجبة بالعرض (1).

____________

(1) لنذر و شبهه.

أقول: أمّا الواجب بالعرض فقد تقدّم (1) أنّ الشك فيه موجب للبطلان على الأقوى.

و أمّا ما كان نافلة بالفعل فالمعروف و المشهور هو البطلان فيما لو انكشفت زيادة الركعة كما ذكره في المتن.

و لكن قد يستشكل بعدم الدليل عليه بعد البناء على عدم قدح الزيادة الركنية في النافلة كما مرّ، إذ لا فرق بين زيادة الركن أو الركنين المشتملة عليهما الركعة، فالحكم بالبطلان مشكل.

بل قد يستدل على الصحّة و عدم قدح زيادة الركعة في النافلة بتقييد الصلاة بالمكتوبة في قوله (عليه السلام) في صحيح زرارة: «إذا استيقن أنّه زاد في صلاته المكتوبة ركعة لم يعتدّ بها، و استقبل صلاته استقبالًا» (2) بناءً على ما قدّمناه (3) من أنّ التقييد كاشف عن عدم عموم الحكم للطبيعة، حذراً عن اللّغوية.

و لكن الاستدلال المزبور ساقط، لكون المراد من الركعة في الصحيحة هو الركوع، لإطلاقها عليه كثيراً في لسان الأخبار التي منها قوله (عليه السلام): «لا تعاد الصلاة من سجدة و إنّما تعاد من ركعة» (4) و هو المطابق للمعنى اللّغوي. فإنّ الركعة مصدر ركع، يقال: ركع ركوعاً و ركعة. و إطلاقها على الركعة التامّة‌

____________

(1) في ص 69 و ما بعدها.

(2) الوسائل 8: 231/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 19 ح 1.

(3) في ص 75.

(4) الوسائل 6: 319/ أبواب الركوع ب 14 ح 2، 3، (نقل بالمضمون).

86

..........

____________

مبني على التجوّز من باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل، كما يقال: صلاة الظهر أربع ركعات و المغرب ثلاث ركعات و هكذا، فيطلق على المجموع باعتبار الاشتمال على الركوع، و إلّا فليس هناك وضع و حقيقة شرعية للركعة التامّة كما لا يخفى.

و عليه فلا يمكن إثبات الصحّة بهذه الصحيحة. فنبقى نحن و مقتضى الأصل و لا ريب أنّ مقتضاه عدم البطلان، للشك في التقييد بعدم زيادة الركعة، و مقتضى الأصل عدم التقييد.

إلّا أن يقال باستفادة التقييد من الروايات (1) الواردة في كيفية تشريع الصلاة و أنّها ركعتان ركعتان في الفريضة و النافلة في أصل التشريع، غير أنّ النبيّ (صلى اللّٰه عليه و آله) زاد في بعض الفرائض كالظهرين و العشاءين و في بعض النوافل كصلاة الأعرابي.

فإذا كانت مقيّدة بالركعتين في حدّ ذاتها فلو أُضيف عليها ركعة و لو سهواً فبما أنّه على خلاف الجعل الأوّلي و لم يكن مصداقاً للمأمور به توقّفت صحّته على قيام الدليل، و إلّا فغير المأمور به لا يكون مجزياً عن المأمور به.

و بعبارة اخرى: ما أُمرنا به لم يتحقّق لدى الاشتمال على الزيادة و لو سهواً و ما هو المحقّق ليس بمأمور به، فالاجتزاء به منوط لا محالة بقيام الدليل و لا دليل.

فان ثبتت هذه الدعوى أعني تقيّد الصلاة بالركعتين فهو، و إلّا فلا دليل على البطلان بعد أن كانت مانعية الزيادة مشكوكة و مدفوعة بالأصل. و حيث إنّ سيِّدنا الأُستاذ (دام ظلّه) لم يكن جازماً بصدق هذه الدعوى، لتشكيكه في صحّة أسانيد تلك الروايات و إن كان مضمونها مطابقاً للارتكاز الشرعي‌

____________

(1) الوسائل 4: 45/ أعداد الفرائض و نوافلها ب 13 ح 2، 12، 14، 19.

87

[مسألة 12: إذا شكّ في أصل فعلها بنى على العدم إلّا إذا كانت موقّتة و خرج وقتها]

[2127] مسألة 12: إذا شكّ في أصل فعلها بنى على العدم إلّا إذا كانت موقّتة و خرج وقتها (1).

____________

فمن ثمّ احتاط في البطلان كما أشار إليه في تعليقته الأنيقة.

(1) لا ريب في أنّ المرجع لدى الشك في أصل الإتيان أصالة العدم فيما إذا لم تكن النافلة موقّتة بوقت خاص.

و أمّا في الموقّت و عروض الشك بعد خروج الوقت فلا كلام فيما لا قضاء له. و أمّا ما ثبت فيه القضاء كالنوافل المرتّبة اللّيلية منها و النهارية على ما دلّت عليه النصوص (1) الواردة في تفسير قوله تعالى وَ هُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَ النَّهٰارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرٰادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرٰادَ شُكُوراً (2) من قضاء نوافل اللّيل في النهار و نوافل النهار في اللّيل فكان كلّ منهما خلفة للآخر.

فمقتضى القاعدة حينئذ عدم القضاء، للشك في تحقّق موضوعه و هو الفوت الّذي لا يكاد يثبت بأصالة عدم الإتيان في الوقت، لعدم حجّية الأُصول المثبتة بعد أن كان الفوت عنواناً وجودياً مغايراً لعدم الإتيان كما سبق في محلّه (3). فمع الشك في تحقّق الموضوع يشكّ لا محالة في تعلّق الأمر الاستحبابي بالقضاء فيرجع إلى أصالة العدم، هذا.

مضافاً إلى قاعدة الحيلولة المستفادة من صحيحة زرارة (4) فانّ موردها و إن كان هو الفريضة، إلّا أنّ التعبير فيها بالحائل كاشف عن أنّ المناط في عدم‌

____________

(1) الوسائل 4: 275/ أبواب المواقيت ب 57 ح 2، 4، 16.

(2) الفرقان 25: 62.

(3) شرح العروة 16: 80.

(4) الوسائل 4: 282/ أبواب المواقيت ب 60 ح 1.

88

[مسألة 13: الظاهر أنّ الظنّ في ركعات النافلة حكمه حكم الشك]

[2128] مسألة 13: الظاهر أنّ الظنّ في ركعات النافلة حكمه حكم الشك (1) في التخيير بين البناء على الأقل أو الأكثر، و إن كان الأحوط العمل بالظن [1] ما لم يكن موجباً للبطلان.

____________

الالتفات جهة الحيلولة و خروج الوقت المشترك بين الفريضة و النافلة.

فكأنّ الشك بعد وقوع الحائل بمثابة الشك بعد السلام، و الشك بعد خروج الوقت بمنزلة الشكّ بعد الفراغ من الصلاة، و عدم الالتفات في كلا الشكّين بملاك واحد، و هو الأذكرية و الأقربية إلى الواقع حين العمل أو في وقته، فكان ذلك أمارة على الوقوع في ظرفه، و لأجله لا يعتنى بالشك العارض بعد ذلك.

و هذا الملاك كما ترى مشترك فيه بين الفريضة و النافلة. فليس له الإتيان بعد خروج الوقت إلّا بعنوان الرجاء.

(1) حكم (قدس سره) بعدم اعتبار الظنّ في ركعات النافلة. و قد تقدّم منه (قدس سره) (1) نظير ذلك في شكّ الإمام و المأموم، و أنّ الشاك لا يرجع إلى الظان، و هو يرجع إلى المتيقّن.

لكن الظاهر جواز الاعتماد على الظن المتعلّق بالركعات، من غير فرق بين الفريضة و النافلة، لعدم اندراجه بعد فرض حجّيته في السهو، المنفي في النافلة أو عن الإمام و المأموم، لظهوره في كون المراد به التردّد و الشك المتساوي الطرفين المحكوم بالبطلان أو بالبناء على الأكثر. فلا يشمل الظن المحكوم بالاعتناء به في نفس أدلّة الشكوك، و كذا في صحيحة صفوان (2) لانتفاء التردّد معه بعد فرض‌

____________

[1] بل هو الأظهر.

____________

(1) [في ذيل الموضع السادس ممّا لا يلتفت إلى الشك فيه].

(2) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

89

[مسألة 14: النوافل التي لها كيفيّة خاصّة أو سورة مخصوصة أو دعاء مخصوص]

[2129] مسألة 14: النوافل التي لها كيفيّة خاصّة أو سورة مخصوصة أو دعاء مخصوص كصلاة الغفيلة و صلاة ليلة الدفن و صلاة ليلة عيد الفطر إذا اشتغل بها و نسي تلك الكيفية فإن أمكن الرجوع و التدارك رجع و تدارك و إن استلزم زيادة الركن (1) لما عرفت من اغتفارها في النوافل،

____________

حجّيته و كونه بمثابة العلم و لو تعبّداً، فهو محرز لأحد الطرفين كما لو قامت حجّة أُخرى من بيّنة و نحوها.

و يؤيِّد هذا و يؤكِّده أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار: «إلا أُعلِّمك شيئاً ...» إلخ (1) عدم جواز المضي على الشك، و أنّ المصلّي لا بدّ و أن يستند إلى ما يؤمن معه عن الخلل. و من هنا علّمه (عليه السلام) طريقة يؤمن معها عن الزيادة و النقصان. فاللّازم عليه رفع ترديده بعلم أو علمي و الاستناد إلى حجّة قاطعة.

و بعد التعويل على الظن المستفاد حجّيته من نفس أدلّة الشكوك للتقييد فيها بعدم وقوع الوهم على شي‌ء لم يكن المضي مضياً على الشك، لزوال التردّد حينئذ بل هو مضي على اليقين و لو تعبّداً.

فلا فرق في حجّيته بين الفريضة و النافلة بمقتضى الإطلاق في صحيحة صفوان الحاكمة بالبطلان ما لم يحصل الظن، نعم خرجت النافلة عنها لدى الشك فقط، و أنّه يحكم عليها حينئذ بالتخيير، و أمّا مع الظن فهي مشمولة لما يستفاد من إطلاقها من حجّية الظن المتعلّق بالركعات.

(1) كما لو تذكّر بعد الدخول في الركوع نسيان الآية في صلاة الغفيلة.

____________

(1) الوسائل 8: 213/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [الظاهر كونها ضعيفة سنداً].

90

و إن لم يمكن (1) أعادها، لأنّ الصلاة و إن صحّت إلّا أنّها لا تكون تلك الصلاة المخصوصة (2).

____________

(1) كما لو كان التذكّر بعد السلام، أو بعد الانتهاء عن الركعة، بحيث استلزم الرجوع زيادة ركعة تامّة، و هي ممنوع عنها حتّى في النافلة كما مرّ (1).

(2) ربما يورد عليه بعدم إمكان الجمع بين الصحّة و الإعادة، إذ لو كان ناوياً لتلك الصلاة الخاصّة فإن أُريد من صحّتها صحّتها كما نوى و وقوعها بتلك الكيفية فلا حاجة بعدئذ إلى الإعادة، و إن أُريد صحّتها بكيفية أُخرى فهي فاقدة للنيّة المعتبرة في العبادة، إذ المفروض عدم تعلّق القصد بها، فيكون من قبيل إنّ ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

إلّا أن يفرض كونه ناوياً لأصل الصلاة أيضاً مضافاً إلى نيّته لتلك الكيفية بحيث يكون على نحو تعدّد المطلوب، فتتّجه الصحّة حينئذ و الجمع بينها و بين الإعادة، فتصحّ أصل الصلاة و تعاد تلك الكيفية، و إلّا فالتوفيق بينهما مع فرض وحدة المطلوب مشكل جدّاً. فينبغي التفصيل بين وحدته و تعدّده.

أقول: لا مانع من الجمع بين الصحّة و الإعادة حتّى مع فرض الوحدة، فإنّ قصد الخصوصية ملازم لتعلّق القصد بأصل الصلاة، و لا يكاد ينفكّ عنه، إذ النسبة بينهما نسبة العموم و الخصوص المطلق، و لا شكّ أنّ الخاص مشتمل على العام و زيادة، كما أنّ الفرد متضمّن للطبيعي مع الخصوصية، و المقيّد شامل للمطلق مع الإضافة. فهو متّحد معه و غير منفكّ عنه بوجه، فهو مقصود في ضمن القصد المتعلّق بالخاص لا محالة.

____________

(1) [في ص 86 و ما بعدها، لكن على سبيل الاحتياط].

91

..........

____________

فلو ورد الأمر بإكرام المؤمن فأكرم زيداً لاعتقاد اتّصافه بخصوصية ككونه عالماً أو هاشمياً و نحو ذلك ثمّ انكشف الخلاف، أو صلّى في مكان بزعم كونه مسجداً بحيث لم يكن ناوياً للصلاة لولا هذا الزعم ثمّ بان الخلاف، أ فهل يمكن القول بعدم حصول امتثال الأمر بإكرام المؤمن، أو الأمر بطبيعي الصلاة التي هي خير موضوع بدعوى عدم كونه قاصداً للطبيعي.

و على الجملة: الصلاة الخاصّة المشتملة على الكيفية المخصوصة مصداق لطبيعي النافلة، فقصدها قصده بطبيعة الحال، لاتحادها معه، و عدم كونها مباينة له ليحتاج إلى قصد آخر كي يعترض بأن ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد.

و إنّما يتّجه هذا الكلام في العنوانين المتباينين كالظهر و العصر، و الفريضة و النافلة، و الأداء و القضاء و نحو ذلك ممّا لا علاقة بينهما و لا اتّحاد. ففي مثل ذلك لو قصد أحدهما و لم يكن له واقع لا يغني عن الآخر، لفقد القصد بالإضافة إليه كما ذكر.

و أمّا في المقام و أشباهه من موارد الخاص و العام، أو المطلق و المقيّد، أو الطبيعي و الفرد فالقصد الارتكازي بالإضافة إلى الطبيعي موجود في ضمن القصد المتعلّق بالخاص قطعاً، و إن كان الداعي و الباعث إليه هو الاتِّصاف بتلك الخصوصية المتخلّفة، بحيث لولاها لم يصدر منه القصد، و أنّه لو كان عالماً بأنّ هذا المكان ليس بمسجد أو أنّ هذه الصلاة لم تقع تلك الصلاة الخاصّة كصلاة جعفر مثلًا لم يكن قاصداً لطبيعي الصلاة، إلّا أنّه بالأخرة قد تحقّق منه هذا القصد خارجاً في ضمن القصد المتعلّق بالفرد الخاص، و إن كان مشتبهاً و مخطئاً في التطبيق، و لأجله يحكم بصحّة الصلاة لانطباق الطبيعي المقصود عليها و إعادتها لعدم كونها تلك الصلاة المخصوصة كما أفاده في المتن.

92

و إن نسي بعض التسبيحات في صلاة جعفر قضاه متى تذكّر [1] (1).

____________

(1) إن كان المستند في ذلك ما رواه الطبرسي في الاحتجاج و الشيخ الطوسي في كتاب الغيبة عن الحميري في التوقيع حيث «سأله (عليه السلام) عن صلاة جعفر إذا سها في التسبيح في قيام أو قعود، أو ركوع أو سجود و ذكره في حالة اخرى قد صار فيها من هذه الصلاة هل يعيد ما فاته من ذلك التسبيح في الحالة التي ذكره أم يتجاوز في صلاته؟ التوقيع: إذا سها في حالة عن ذلك ثمّ ذكره في حالة اخرى قضى ما فاته في الحالة التي ذكره» (1).

فمضافاً إلى ضعف السند بالإرسال في طريق الاحتجاج، و بأحمد بن إبراهيم النوبختي الواقع في طريق الشيخ فإنّه مجهول، قاصرة الدلالة على الإطلاق المذكور في المتن، لاختصاص مفادها بما إذا تذكّر في حالة اخرى من صلاته و لا يعمّ التذكّر لما بعد الصلاة كما هو ظاهر.

و إن كان المستند ما رواه الكليني و الشيخ عنه بإسناده عن أبان قال: «سمعت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) يقول: من كان مستعجلًا يصلّي صلاة جعفر مجرّدة، ثمّ يقضي التسبيح و هو ذاهب في حوائجه» (2) و نحوه ما رواه الصدوق بإسناده عن أبي بصير (3) بدعوى أنّ الاستعجال مع الترك العمدي إن كان عذراً يسوغ معه تأخير التسبيح إلى ما بعد الصلاة فالنسيان أولى بالعذر، فيكشف‌

____________

[1] فيه إشكال، و لا بأس بالإتيان به رجاء.

____________

(1) الوسائل 8: 61/ أبواب صلاة جعفر ب 9 ح 1، الاحتجاج 2: 565، كتاب الغيبة: 376.

(2) الوسائل 8: 60/ أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 1، الكافي 3: 466/ 3، التهذيب 3: 187/ 424.

(3) الوسائل 8: 60/ أبواب صلاة جعفر ب 8 ح 2، الفقيه 1: 349/ 1543.

93

[مسألة 15: ما ذكر من أحكام السهو و الشك و الظن يجري في جميع الصلوات الواجبة]

[2130] مسألة 15: ما ذكر من أحكام السهو و الشك و الظن يجري في جميع الصلوات الواجبة [1] (1) أداءً و قضاءً من الآيات و الجمعة و العيدين و صلاة الطواف، فيجب فيها سجدة السهو لموجباتها، و قضاء السجدة المنسيّة و التشهّد المنسي. و تبطل بنقصان الركن و زيادته، لا بغير الركن. و الشك في ركعاتها موجب للبطلان لأنّها ثنائيّة.

____________

عن أنّ الإتيان بالتسبيحات أثناء الصلاة لم يكن من المقوّمات. ففيه: أنّ الدلالة و إن كانت تامّة لكنّ السند ضعيف.

و بالجملة: فلا دليل على الإتيان بالتسبيح المنسي متى تذكّر، لعدم ورود ذلك في شي‌ء من الروايات المعتبرة. فالإتيان به بنيّة جزمية مشكل جدّاً، نعم لا بأس بذلك رجاء.

(1) فلا تختص بالصلوات اليومية، بل تعمّ جميع الفرائض، للإطلاق في كثير من أدلّة تلك الأحكام، و إلغاء خصوصية المورد جزماً فيما لا إطلاق له.

فانّ الموضوع في دليل حجّية الظن في الركعات مثل صحيحة صفوان (1) هو مطلق الصلاة، كما أنّ الموضوع في أدلّة الشكوك المتضمّنة للزوم سلامة الركعتين و حفظهما عن الشك (2) كذلك.

و ما دلّ على لزوم سجدتي السهو لكلام الآدمي قد عرفت (3) أنّ عمدة‌

____________

[1] على ما مرّ.

____________

(1) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1، قال (عليه السلام): «إن كنت لا تدري كم صلّيت و لم يقع وهمك على شي‌ء فأعد الصلاة».

(2) الوسائل 8: 187/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 1.

(3) في ص 83.

94

..........

____________

المستند فيه النصّ المتضمّن لقول المصلي: «أقيموا صفوفكم» فيشمل كلّ صلاة تنعقد جماعة، العامّة لجميع الفرائض.

و كذا ما دلّ على لزوم السجدتين للتشهّد المنسي (1) كما لا يخفى، نعم ما دلّ على لزومهما للسلام الزائد مورده اليومية، لوروده في من سلّم على الثالثة بدلًا عن الرابعة (2)، فلا تعمّ سائر الصلوات الواجبة مثل الآيات و الجمعة و الطواف و نحوها، لكونها ثنائية بأجمعها. إلّا أنّه من أجل القطع بعدم القول بالفصل و الجزم بعدم خصوصية للمورد يتعدّى إلى كافّة الصلوات الواجبة بلا إشكال.

كما أنّ ما دلّ على قضاء السجدة المنسية المتضمّن للتفصيل بين كون التذكّر قبل الدخول في الركوع أو بعده، و أنّه يرجع في الأوّل و يقضي في الثاني (3) الموضوع فيه هو مطلق الصلاة من غير اختصاص باليومية.

و كذا ما دلّ على البطلان بنقصان الركن و زيادته (4)، بل يستفاد من حسنة الحلبي المتقدّمة (5) المتضمّنة لعدم بطلان النافلة بزيادة الركوع، المؤيّدة بخبر الصيقل (6) المصرّح بعدم كون النافلة كالفريضة أنّ البطلان بزيادة الركن من أحكام الفريضة على إطلاقها، كما أنّ عدم البطلان بالإخلال بما عدا الأركان المستفاد من حديث لا تعاد (7) عام أيضاً لجميع الصلوات.

____________

(1) الوسائل 6: 401/ أبواب التشهّد ب 7 ح 3، 4، 6.

(2) الوسائل 8: 203/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 3 ح 14.

(3) الوسائل 6: 364/ أبواب السجود ب 14 ح 1، 2 و غيرهما.

(4) و قد تقدّم في ص 73 و ما بعدها.

(5) [في ص 79 بعنوان صحيحة الحلبي].

(6) المتقدّم في ص 77.

(7) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.

95

[مسألة 16: قد عرفت سابقاً أنّ الظنّ المتعلّق بالركعات في حكم اليقين]

[2131] مسألة 16: قد عرفت سابقاً أنّ الظنّ المتعلّق بالركعات في حكم اليقين، من غير فرق بين الركعتين الأوّلتين و الأخيرتين، و من غير فرق بين أن يكون موجباً للصحّة أو البطلان كما إذا ظنّ الخمس في الشكّ بين الأربع و الخمس أو الثلاث و الخمس (1).

____________

(1) أشار (قدس سره) إلى عدم الفرق في حجّية الظنّ المتعلِّق بالركعات بين ما كان موجباً للصحّة كظن الأربع في الشكّ بينها و بين الخمس، أو البطلان كظن الخمس في المثال، لإطلاق دليل الاعتبار.

و ربما يناقش بقصور أدلّة حجّية الظن عن إثبات الإطلاق.

أمّا ما ورد في الشكوك الخاصّة كالشك بين الثنتين و الثلاث أو الثلاث و الأربع و نحو ذلك فظاهر، لكون موردها الصحّة في كلّ من الطرفين. فلا تشمل الظن بالبطلان.

و أمّا ما ورد بلسان عام كصحيحة صفوان فلأنّ منطوقها البطلان، فلا بدّ و أن يكون مفهومها الصحّة. و نتيجة ذلك الاختصاص بالظن بالصحيح، إذ لو كان شاملًا للظنّ بالبطلان لدلّ المفهوم على الصحّة لدى حصول هذا الظن و هو كما ترى غير قابل للتصديق، فإنّه مع الشك في الصحّة و الفساد يحكم بالبطلان بمقتضى دلالة المنطوق، فكيف يحكم بالصحّة مع ظن الفساد، فانّ البطلان ثابت هنا بطريق أولى.

و لكن الصحيح دلالة المفهوم على حجّية الظن مطلقاً، فانّ منطوق الصحيحة هو وجوب الإعادة من ناحية الشك خاصّة، و أنّ هذا العنوان هو الّذي يستوجب البطلان. فمفهومها عدم الإعادة بلحاظ الشك فقط، و أمّا مع وجود حجّة أُخرى من ظن أو بيّنة و نحوهما ممّا يزول معها الشك بقاءً و ينعدم‌

96

..........

____________

الموضوع و لو تعبّداً فاللّازم العمل على طبق تلك الحجّة، و الجري على مفادها و الأخذ بمدلولها صحّة أو فساداً.

و هذا نظير قولنا: إذا شكّ في الطهارة و النجاسة و لم تقم البيّنة يحكم بالطهارة، فإنّ المستفاد منه تعليق الطهارة و إناطتها بنفس الشك، فمفهومه نفي الطهارة المستندة إلى الشك لدى قيام البيّنة المزيلة للشك، و أنّ اللّازم حينئذ الأخذ بمفاد البيّنة، سواء أقامت على الطهارة أم النجاسة.

و هذا هو المتفاهم العرفي من أمثال هذه القضايا كما لا يخفى، و عليه فمفهوم الصحيحة وجوب العمل بالوهم الّذي قد يقتضي الإعادة و قد لا يقتضيها.

و الّذي يؤيِّد ما ذكرناه و يؤكِّده أنّا قد استفدنا من النصوص عدم جواز المضي في الفريضة على الشك مطلقاً، و أنّ اللّازم الاستناد إلى ما يندفع به احتمال تطرّق الفساد من البناء على الأكثر و التدارك بركعة الاحتياط أو ركعتيه، أو على الأقل و التدارك بسجدتي السهو على ما نطقت به موثّقة عمار (1) من تعليمه (عليه السلام) كيفية يؤمن معها من الزيادة و النقصان، أو أن يعمل بالظن الّذي اعتبره الشارع في باب الركعات و جعله محرزاً للواقع، و إلّا فالمضي على الشك من غير استناد إلى الحجّة موجب للبطلان.

و عليه نقول: إذا شكّ بين الثنتين و الثلاث، أو الثلاث و الأربع، أو الثنتين و الثلاث و الأربع، أو الثنتين و الأربع و حصل الظن بأحد الطرفين أو الأطراف أخذ به، و إلّا بنى على الأكثر و احتاط بركعة الاحتياط. ففي جميع ذلك قد استند إلى ما يؤمن معه عن الخلل.

و أمّا إذا شكّ بين الثلاث و الخمس أو الأربع و الخمس حال الركوع أو قبل‌

____________

(1) الوسائل 8: 213/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3 [لكنّها ليست موثّقة و يحتمل إرادة الحديث 1].

97

و أمّا الظن المتعلِّق بالأفعال ففي كونه كالشك أو كاليقين إشكال [1] (1)، فاللّازم مراعاة الاحتياط. و تظهر الثمرة فيما إذا ظنّ بالإتيان و هو في المحل أو ظنّ بعدم الإتيان بعد الدخول في الغير، و أمّا الظن بعدم الإتيان و هو في المحل أو الظن

____________

إكمال السجدتين فمع حصول الظن بالصحيح و هو الثلاث في الأوّل، و الأربع في الثاني عمل به بمقتضى دليل حجّيته.

و أمّا لو حصل له الظن بالبطلان و هو الخمس فماذا يصنع لو لم يعمل على طبق ظنّه؟ فإنّه لو لم يكن حجّة في حقّه فغايته أنّه شاك فاقد للحجّة، و قد عرفت عدم جواز المضي على الشك، فبالأخرة تكون صلاته محكومة بالبطلان فيتّحد بحسب النتيجة مع القول بحجّية الظنّ المتعلّق بالبطلان في أمثال هذه الموارد، أعني ما إذا كان الشكّ بنفسه مبطلًا و إن لم يحصل له الظن به كما في المثالين، و إن كان ربما يتخلّف كالشك بين الأربع و الخمس بعد إكمال السجدتين كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فهذا الاتِّحاد الغالبي بحسب النتيجة يؤيِّد ما استظهرناه من الصحيحة من الدلالة على حجّية الظن مطلقاً، سواء أ كان موجباً للصحّة أم البطلان.

(1) فالمعروف و المشهور شهرة عظيمة إلحاقه باليقين، و أنّ الظن المتعلّق بالأفعال حجّة كما في الركعات، بل عن المحقّق الثاني نفي الخلاف فيه (1).

و عن جماعة من المتأخِّرين عدم حجّيته و كونه ملحقاً بالشك، و استشكل فيه الماتن، و من ثمّ احتاط بالوجهين الآتيين.

____________

[1] و الأظهر أنّه كالشك.

____________

(1) شرح الألفيّة (رسائل المحقق الكركي 3): 310.

98

بالإتيان بعد الدخول في الغير فلا يتفاوت الحال في كونه كالشك أو كاليقين إذ على التقديرين يجب الإتيان به في الأوّل و يجب المضيّ في الثاني، و حينئذ فنقول: إن كان المشكوك قراءة أو ذكراً أو دعاءً يتحقّق الاحتياط بإتيانه بقصد القربة، و إن كان من الأفعال فالاحتياط فيه أن يعمل بالظن ثمّ يعيد الصلاة، مثلًا إذا شكّ في أنّه سجد سجدة واحدة أو اثنتين و هو جالس لم يدخل في التشهّد أو القيام و ظنّ الاثنتين يبني على ذلك و يتم الصلاة ثمّ يحتاط بإعادتها، و كذا إذا دخل في القيام أو التشهّد و ظنّ أنّها واحدة يرجع و يأتي بأُخرى و يتم الصلاة ثمّ يعيدها، و هكذا في سائر الأفعال. و له أن لا يعمل بالظن، بل يجري عليه حكم الشك و يتم الصلاة ثمّ يعيدها.

____________

و تظهر الثمرة على ما نبّه عليه في المتن في موردين:

أحدهما: ما إذا ظنّ بالإتيان و هو في المحل، كما لو تردّد في السجدة الثانية قبل الدخول في التشهّد و هو ظانّ بإتيان السجدتين، فإنّه يمضي في صلاته لو كان الظنّ حجّة، و إلّا رجع و تدارك استناداً إلى قاعدة الشك في المحل، بخلاف ما لو كان ظانّاً حينئذ بعدم الإتيان، فإنّه يلزمه الإتيان على التقديرين.

ثانيهما: ما لو ظنّ بعدم الإتيان بعد تجاوز المحل و الدخول في الغير، فإنّه يلزمه الرجوع لو كان الظن كاليقين، و إلّا فلا يعتني بشكّه، استناداً إلى قاعدة التجاوز. و أمّا لو كان ظانّاً حينئذ بالإتيان فلا رجوع على التقديرين. فيقع الكلام عندئذ في مستند القول بحجّية الظنّ في الأفعال.

فنقول: قد ورد في جملة من النصوص لزوم الاعتناء بالشك إن كان في المحل و عدم الاعتناء إن كان في خارجه، و قد دلّت على ذلك روايات قاعدة التجاوز‌

99

..........

____________

بصورة عامّة و بعض النصوص الواردة في الموارد الخاصّة كالشك في الركوع.

و المستفاد من ذلك أنّ الاعتبار بنفس الشك الّذي هو خلاف اليقين، و أنّه يعتني به إن كان في المحل حتّى يستيقن، و لا يعتني إن كان في خارجه إلّا إذا أيقن بالخلاف، من غير فرق بين حصول الظن و عدمه في الموردين بمقتضى الإطلاق، بل قد ورد التصريح باليقين في جملة من النصوص.

منها: صحيحة محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) «في الّذي يذكر أنّه لم يكبِّر في أوّل صلاته، فقال: إذا استيقن أنّه لم يكبِّر فليعد، و لكن كيف يستيقن؟» (1) فانّ الاستعجاب عن حصول اليقين إنّما يتّجه لو أُريد به الصفة الخاصّة، و إلّا فلا مورد للتعجّب لو أُريد به ما يشمل الظن كما لا يخفى.

و منها: صحيحة أبي بصير «إذا أيقن الرجل أنّه ترك ركعة من الصلاة و قد سجد سجدتين و ترك الركوع استأنف الصلاة» (2) دلّت بمقتضى المفهوم على عدم الاستئناف ما لم يتيقّن بترك الركعة أي الركوع، سواء حصل الظن بالترك أم لا.

و منها: رواية أبي بصير «عن رجل شكّ فلم يدر سجدة سجد أم سجدتين قال: يسجد حتّى يستيقن أنّهما سجدتان» (3) دلّت على لزوم تحصيل اليقين لدى عروض الشك في المحل، فلا يجوز المضي بدونه و إن حصل له الظن.

و لكنّها ضعيفة السند بمحمّد بن سنان، فلا تصلح إلّا للتأييد. و في الأولتين غنى و كفاية، و لا سيما أُولاهما المشتملة على الاستعجاب كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 6: 13/ أبواب تكبيرة الإحرام ب 2 ح 2.

(2) الوسائل 6: 313/ أبواب الركوع ب 10 ح 3.

(3) الوسائل 6: 368/ أبواب السجود ب 15 ح 3.

100

..........

____________

و على الجملة: فمقتضى هذه الإطلاقات عدم حجّية الظن المتعلّق بالأفعال فلا بدّ للقائل بالحجّية من إقامة الدليل لنخرج به عن مقتضاها، و إلّا فتلك المطلقات هي المحكّمة.

و قد استدلّ على ذلك بوجوه:

منها: شهرة القول بذلك بين الأصحاب، بل عن المحقّق الثاني نفي الخلاف فيه كما مرّ.

و فيه: مضافاً إلى عدم حجّية الشهرة في نفسها أنّ دعواها ممنوعة في المقام إلّا بالإضافة إلى الطبقة الوسطى من الأصحاب، فإنّ كلمات القدماء منهم خالية عن التعرّض للمسألة رأساً، و قد ذهب جمع كثير من المتأخِّرين إلى عدم الحجّية. فدعوى الشهرة بقول مطلق بعيدة عن الصواب.

و أمّا نفي الخلاف المحكي عن المحقّق فلا اعتبار به بمجرّده ما لم يرجع إلى الإجماع التعبّدي الكاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام)، و لم ينقل دعواه عن أحد، بل قد عرفت الإشكال في تحقّق الشهرة فضلًا عن الإجماع.

و منها: النبويان «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فلينظر أحرى ذلك إلى الصواب فليبن عليه» (1) و قوله: «إذا شكّ أحدكم في الصلاة فليتحرّ الصواب» (2) بدعوى انجبار ضعفهما بعمل المشهور.

و فيه: منع الشهرة أوّلًا كما مرّ، و منع استناد المشهور إليهما ثانياً لجواز أن يكون المستند ما سيجي‌ء، و منع كبرى الانجبار ثالثاً.

____________

(1) صحيح مسلم 1: 400/ 90، سنن النِّسائي 3: 28 [و فيهما: فليتم عليه].

(2) صحيح مسلم 1: 400/ 90، سنن النِّسائي 3: 28 [و فيه: فليتحرّ الّذي يرى أنّه الصواب].