موسوعة الإمام الخوئي - ج19

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
380 /
251

إنّه بمقتضى قاعدة التجاوز محكوم بأنّه أتى بالسجدتين فلا محلّ لتدارك الركوع أو عدمه إمّا لعدم شمول قاعدة التجاوز في مورد يلزم من إجرائها بطلان الصلاة و إمّا لعدم إحراز الدخول في ركن آخر، و مجرّد الحكم بالمضي لا يثبت الإتيان؟ وجهان، و الأوجه الثاني [1]، و يحتمل الفرق بين سبق تذكّر النسيان و بين سبق الشك في السجدتين، و الأحوط العود إلى التدارك ثمّ الإتيان بالسجدتين و إتمام الصلاة ثمّ الإعادة، بل لا يترك هذا الاحتياط.

____________

أحسنها أوسطها كما عليه في المتن، لعدم جريان قاعدة التجاوز في المقام من غير فرق بين سبق الشك أو سبق تذكّر النسيان، و ذلك:

أمّا بناءً على اعتبار الدخول في الغير المترتِّب و عدم الاكتفاء بمطلق الغير كما هو الصحيح فواضح، إذ التشهّد الصادر منه بما أنّه واقع قبل الركوع فهو زائد غير مأمور به جزماً، و لم يقع في محلّه و وجوده كالعدم، فلا يكون محقّقاً للدخول في الغير المعتبر في جريان القاعدة بالنسبة إلى السجدتين، لعدم كونه مترتّباً عليهما بعد زيادته القطعية.

و لا فرق بين سبق التذكّر و عدمه، فانّ العبرة في جريان القاعدة و غيرها من سائر أحكام الشكوك بمرحلة البقاء دون الحدوث، فاذا تذكّر و لو متأخّراً نسيان الركوع فقد أحرز فعلًا زيادة التشهّد و وقوعه في غير محلّه، فهو كاشف بقاءً‌

____________

[1] لا لما ذكر، بل لأنّ التشهّد لم يقع جزءاً من الصلاة قطعاً، فلا يتحقّق معه الدخول في الغير. على أنّ السجدتين المشكوك فيهما في مفروض المسألة لم يؤمر بهما قطعاً، فلا معنى لجريان قاعدة التجاوز بالإضافة إليهما، فتجري فيهما أصالة العدم، فلا بدّ من الرجوع و تدارك الركوع و إتمام الصلاة بلا حاجة إلى إعادتها، من غير فرق بين تقدّم الشك على تذكّر النسيان و تأخّره عنه.

252

..........

____________

عن وقوعه قبل الركوع و أنّ الشك الحادث سابقاً لم يكن مورداً لقاعدة التجاوز لعدم كونه داخلًا في الغير المترتِّب كما هو ظاهر.

و أمّا بناءً على كفاية الدخول في مطلق الغير و إن لم يكن مترتِّباً فلأنّ القاعدة إنّما شرّعت لتفريغ الذمّة عن امتثال المأمور به لدى الشك فيه، و أنّه هل أتى بما هي وظيفته أم لا. فبمقتضى التعبّد الشرعي المستفاد من قوله (عليه السلام): «يا زرارة، إذا خرجتَ من شي‌ء ثمّ دخلتَ في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (1) يبني على الإتيان و لا يعتني بالشك.

و أمّا إذا كان شكّه متعلِّقاً بالإتيان بشي‌ء لم يكن مأموراً به و أنّه على تقدير وقوعه فهو عمل زائد أجنبي عن أجزاء الصلاة، فلا معنى للتعبّد بوقوعه كي يشمله عموم القاعدة.

و مقامنا من هذا القبيل، فانّ السجدتين قبل الركوع لا أمر بهما، فليس الشك متعلِّقاً بالإتيان بالوظيفة، بل في وجود المبطل و عدمه، و مثله غير مشمول للقاعدة بتاتاً.

و على الجملة: فلا مسرح لقاعدة التجاوز في المقام إمّا لعدم الدخول في الغير المترتِّب، أو لتعلّق الشك بما لم يكن مأموراً به، فاذا لم تكن القاعدة جارية وجب الرجوع لتدارك الركوع بعد دفع احتمال الإتيان بالسجدتين المترتِّب عليه البطلان لامتناع التدارك بأصالة العدم، فيأتي بالركوع المنسي و بعده بالسجدتين و يتم صلاته و لا شي‌ء عليه، من غير فرق بين سبق الشك و عدمه كما عرفت.

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

253

[المسألة الثالثة و الأربعون: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا]

[2176] المسألة الثالثة و الأربعون: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا [1] و علم أنّه على فرض الثلاث ترك ركناً أو ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو لا إشكال في البناء على الأربع و عدم وجوب شي‌ء عليه، و هو واضح (1)، و كذا إذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ما يوجب القضاء أو ما يوجب سجود السهو، لعدم إحراز ذلك بمجرّد التعبّد بالبناء على الأربع، و أمّا إذا علم أنّه على فرض الأربع ترك ركناً أو غيره ممّا يوجب بطلان الصلاة فالأقوى بطلان صلاته، لا لاستلزام البناء على الأربع ذلك، لأنّه لا يثبت ذلك، بل للعلم الإجمالي بنقصان الركعة أو ترك الركن مثلًا فلا يمكن البناء على الأربع حينئذ.

____________

(1) إذ بعد البناء على كون ما بيده الركعة الرابعة فالنقص المفروض على تقدير الثلاث لا أثر له بعد كونه محكوماً بعدم الاعتناء بهذا التقدير بمقتضى البناء المزبور.

و أمّا لو انعكس الفرض فأيقن بالنقص على تقدير الأربع، فإن كان ممّا يوجب القضاء أو سجود السهو فكذلك، للشك في تحقّق السبب. و مجرّد التعبّد بالبناء على الأربع لا يقتضي إحرازه.

و إن كان ممّا يوجب البطلان لكون الناقص ركناً بطلت الصلاة، لا لكونه لازم البناء المزبور، فإنّه لا يثبت النقص، بل لأجل العلم الإجمالي بنقص الركعة‌

____________

[1] ظهر ممّا تقدّم أنّ جريان قاعدة البناء على الأكثر يتوقّف على أمرين: احتمال صحّة الصلاة في نفسها و احتمال جبر النقص المحتمل بصلاة الاحتياط، و عليه فاذا علم الشاك بترك ركن على تقدير الثلاث أو بتركه على تقدير الأربع بطلت صلاته و لا تجري القاعدة في شي‌ءٍ من الفرضين.

254

..........

____________

أو بترك الركن، و مثله لا يكون مشمولًا لدليل البناء على الأربع.

و أورد عليه شيخنا الأُستاذ (قدس سره) في تعليقته (1) الأنيقة بأنّه لا أثر لهذا العلم الإجمالي، حيث إنّ تنجيزه منوط بتعارض الأُصول، و لا تعارض بعد كون نقصان الركعة مورداً لقاعدة الاشتغال القاضية بلزوم الإتيان بالركعة المفصولة الموجب لتدارك النقص الواقعي، و ترك الركن مورداً لقاعدة التجاوز فينحلّ العلم الإجمالي بالأصل المثبت للتكليف و النافي له.

أقول: الظاهر أنّه لا بدّ من البطلان في كلا الفرضين فيما إذا كان المتروك ركناً، و لا بأس به في غير الركن ممّا يوجب القضاء أو سجود السهو.

أمّا الثاني فظاهر، فإنّ الصلاة محكومة بالصحّة حتّى لو كان الترك معلوماً تفصيلًا، من غير فرق بين كونه في الثالثة أو الرابعة، لعدم قصور في أدلّة البناء على الأكثر عن الشمول لذلك، غاية الأمر احتمال وجوب القضاء أو سجود السهو و أنّه على تقدير كون الركعة ثالثة أو كونها رابعة يعلم بوجوب ذلك.

إلّا أنّ التقدير غير محرز حسب الفرض، فهو بالأخرة شاك في تحقّق النقص فلا يجب عليه شي‌ء بمقتضى قاعدة التجاوز. و من المعلوم أنّ دليل البناء على الأربع لا يثبت النقصان، لعدم كونه متعرّضاً لإثبات اللوازم، و إنّما هو ناظر إلى مجرّد البناء عليه في مقام العمل، فلا تترتّب عليه آثار الأربع الواقعية. فهذه الصورة لعلّها واضحة.

و أمّا الأوّل أعني البطلان في الركن فلعدم إمكان التمسّك بأدلّة البناء على الأكثر في مثل المقام، و الوجه فيه ما ذكرناه سابقاً (2) من أنّ شمول هذه الأدلّة يتوقّف على أمرين، و منوط بتحقّق ركنين:

____________

(1) العروة الوثقىٰ 3: 380 و تبعه جمع من أعلام المحشّين.

(2) شرح العروة 18: 169.

255

..........

____________

أحدهما: احتمال صحّة الصلاة في حدّ نفسها مع قطع النظر عن صلاة الاحتياط، و أنّها على تقدير التمامية فهي صحيحة و التسليم واقع في محلّه.

ثانيهما: احتمال كون الركعة جابرة على تقدير النقص، المتوقّف على أن تكون الصلاة صحيحة من غير ناحية النقص ليكون نقصها المحتمل منجبراً بركعة الاحتياط، فمع العلم بعدم الجبر على تقدير النقص لا يكون مشمولًا لتلك الأدلّة، لصراحة قوله (عليه السلام): «أ لا أُعلِّمك ...» إلخ (1) في لزوم حفظ الركعات عن احتمال الزيادة و النقصان.

و على الجملة: فهذان الأمران مقوّمان لدليل البناء لكي تكون الركعة مردّدة بين كونها نافلة على تقدير، و جابرة على التقدير الآخر حتّى يحصل معه القطع بفراغ الذمّة على كلّ من تقديري النقص و عدمه على ما هو صريح قوله (عليه السلام): «أ لا أُعلِّمك شيئاً إذا فعلته ثمّ ذكرت أنّك أتممت أو نقصت لم يكن عليك شي‌ء».

فمع انتفاء أحد الأمرين لا يشمله الدليل و إن تحقّق الأمر الآخر. و المقام من هذا القبيل، لانتفاء أحد الركنين في كلّ من الفرضين.

فالفرض الأوّل أعني ما لو علم بترك الركن على تقدير الثلاث فاقد للركن الثاني، لعدم كون صلاة الاحتياط جابرة للنقص حينئذ جزماً، فإنّ الصلاة إن كانت تامّة فلا حاجة إلى الركعة المفصولة، و إن كانت ناقصة فهي باطلة حسب الفرض، و لا يمكن جبر الصلاة الفاسدة بصلاة الاحتياط بالضرورة.

فيعلم أنّ هذه الركعة غير جابرة إمّا لعدم الحاجة إليها أو لبطلان الصلاة فوجودها كالعدم، و معه لا يكون الفرض مشمولًا لدليل البناء قطعاً، فكيف‌

____________

(1) الوسائل 8: 213/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 3.

256

[المسألة الرابعة و الأربعون: إذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها]

[2177] المسألة الرابعة و الأربعون: إذا تذكّر بعد القيام أنّه ترك سجدة من الركعة التي قام عنها (1) فان أتى بالجلوس بين السجدتين ثمّ نسي السجدة الثانية يجوز له الانحناء إلى السجود من غير جلوس، و إن لم يجلس أصلًا وجب عليه الجلوس ثمّ السجود، و إن جلس بقصد الاستراحة و الجلوس بعد السجدتين ففي كفايته عن الجلوس بينهما و عدمها وجهان، الأوجه الأوّل و لا يضر نيّة الخلاف، لكن الأحوط الثاني فيجلس ثمّ يسجد.

____________

يدّعي الماتن (قدس سره) نفي الإشكال في البناء على الأربع حينئذ سيما مع دعوى الوضوح، حيث يقول (قدس سره): و هو واضح. بل إنّ خلافه واضح حسبما عرفت.

و الفرض الثاني أعني العلم بترك الركن على تقدير الأربع فاقد للركن الأوّل، فإنّ الركعة حينئذ و إن كانت صالحة للجبر على تقدير النقص إلّا أنّه على تقدير التمامية كانت الصلاة باطلة في نفسها، و قد عرفت أنّه لا بدّ من كون الصلاة محتملة الصحّة على هذا التقدير ليشملها قوله (عليه السلام): لم يكن عليك شي‌ء إن زدت أم نقصت. الوارد في موثّقة عمار (1)، و هنا عليه شي‌ء لو كانت تامّة لفرض بطلانها حينئذ.

و على الجملة: فهذان الركنان المعتبران في شمول هذه الروايات مفقودان هنا في كلا الفرضين، لفقد كلّ منهما أحد الأمرين، و عليه فلا مناص من الحكم بالبطلان، لعدم إمكان تصحيح الصلاة بوجه.

(1) لا إشكال حينئذ في وجوب العود لتدارك السجود، فان كان آتياً بالجلوس الواجب بين السجدتين ثمّ نسي السجدة الثانية فقام، أهوى حينئذ‌

____________

(1) تقدّم مصدرها آنفاً، [نقل بالمضمون، و قد قدّمنا أنّها ضعيفة سنداً].

257

[المسألة الخامسة و الأربعون: إذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهّد نسيان إحدى السجدتين]

[2178] المسألة الخامسة و الأربعون: إذا علم بعد القيام أو الدخول في التشهّد نسيان إحدى السجدتين و شكّ في الأُخرى (1) فهل يجب عليه إتيانهما

____________

إلى السجود رأساً من غير حاجة إلى الجلوس، لعدم الموجب لفعله ثانياً بعد الإتيان به أوّلا.

كما أنّه لو لم يجلس أصلًا وجب عليه الجلوس قبل السجود، لوجوبه بين السجدتين و لم يتحقّق، و لا موجب لسقوطه، فلا بدّ من الإتيان به كما هو واضح.

و أمّا لو كان قد جلس بعد الاولى باعتقاد أنّها الثانية فأتى به بعنوان جلسة الاستراحة فالظاهر كفايته عن الجلوس الواجب بين السجدتين كما أفاده في المتن، فيهوي أيضاً من غير حاجة إلى الجلوس ثانياً، لأنّ المأمور به ذات الجلوس بين السجدتين و طبيعيه من غير تعنونه بعنوان خاص، و قد تحقّق خارجاً غايته أنّه تخيّل كونه بعد السجدتين فكان قصده للاستراحة من باب الخطأ في التطبيق، و مثله لا يكون قادحاً، فلا تضرّه نيّة الخلاف.

نظير ما لو سجد بعنوان الثانية فتبيّن أنّها السجدة الأُولى، أو أتى بالركعة بقصد أنّها الرابعة فانكشف أنّها الثالثة و هكذا، فانّ ذلك كلّه من باب الاشتباه في التطبيق، و قد أتى بذات المأمور به متقرّباً إلى اللّٰه تعالى. و الأجزاء الصلاتية لم يعتبر فيها شي‌ء سوى الإتيان بذواتها و أن يكون ذلك بعنوان الصلاة و قد تحقّق، و العنوان الآخر الّذي قصده خطأ غير دخيل في الصحّة. فلا يكون قادحاً بعد حصول المأمور به على وجهه.

(1) فهل يكفي حينئذ الإتيان بسجدة واحدة المعلوم فواتها لأنّه بالنسبة إلى الأُخرى شكّ بعد تجاوز المحل فلا يعتني به، أو أنّه يجب الإتيان بهما معاً، لأنّه‌

258

لأنّه إذا رجع إلى تدارك المعلوم يعود محل المشكوك أيضاً، أو يجري بالنسبة إلى المشكوك حكم الشك بعد تجاوز المحل؟ وجهان أوجههما الأوّل [1] و الأحوط إعادة الصلاة أيضاً.

[المسألة السادسة و الأربعون: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا و بعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط]

[2179] المسألة السادسة و الأربعون: إذا شكّ بين الثلاث و الأربع مثلًا و بعد السلام قبل الشروع في صلاة الاحتياط علم أنّها كانت أربعاً ثمّ عاد شكّه (1) فهل يجب عليه صلاة الاحتياط لعود الموجب و هو الشك

____________

بالرجوع إلى تدارك المعلوم يعود محلّ الشك أيضاً؟ وجهان.

اختار (قدس سره) الثاني، و هو الصحيح، لكن لا لما ذكره (قدس سره) بداهة أنّ الشي‌ء لا ينقلب عمّا هو عليه، و لا يتغيّر عمّا وقع، فكان شكّه حادثاً بعد الدخول في القيام، و بالرجوع لا يتّصف بحدوثه قبل القيام كي يعود المحل بل هو بعد القيام رجع أم لم يرجع، فلا ينقلب الحادث بعد القيام إلى ما قبل القيام.

بل لأجل أنّ الشك من الأوّل كان قبل التجاوز، فانّ ذلك القيام أو التشهّد حيث لم يكن مأموراً به لوقوعه في غير محلّه فهو زائد جزماً، و وجوده كالعدم لعدم كونه من أجزاء الصلاة في شي‌ء، فلا يتحقّق به التجاوز من أصله، لا أنّه ينقلب إلى ما قبل التجاوز، فالشك في السجدة شك في المحل من أوّل الأمر سواء رجع أم لم يرجع. فلا بدّ من الإتيان بها أيضاً بعد عدم كونها مورداً لقاعدة التجاوز.

(1) فهل يجري عليه حينئذ حكم الشك بين الثلاث و الأربع نظراً إلى أنّ هذا عين الشك السابق، فقد عاد الموجب فيعود حكمه.

____________

[1] لا لما ذكر، بل لأنّ التشهّد أو القيام وقع في غير محلّه، فالشك في إتيان السجدة الأُولى شك في محلّه فيجب عليه الإتيان بها أيضاً، و لا حاجة معه إلى إعادة الصلاة.

259

أو لا لسقوط التكليف عنه حين العلم، و الشك بعده شك بعد الفراغ؟ وجهان، و الأحوط الأوّل [1].

____________

أو أنّه لا يجب عليه شي‌ء، لكونه مورداً لقاعدة الفراغ، حيث إنّ هذا غير الشك السابق جزماً، فإنّه زال و انعدم باليقين بالتمام، و هذا شك آخر حدث بعده قد فصل اليقين الوجداني بينهما، الموجب لانعدام الأوّل، إذ لا يعقل تخلّل العدم بين الشي‌ء و نفسه. فالشك الأوّل لا حكم له بعد زواله و انقطاعه فارتفع موضوع صلاة الاحتياط، و الشك الآخر شك حادث بعد الصلاة، و هو مورد لقاعدة الفراغ.

أو أنّه يحكم ببطلان الصلاة لعدم جريان شي‌ء من القاعدتين فتجب الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال؟ فيه وجوه.

و الصحيح هو الوجه الأوّل، فإنّ قاعدة الفراغ غير جارية في المقام لاختصاصها بمقتضى التعليل بالأذكرية و الأقربية الوارد في نصوصها (1) بما إذا احتمل الالتفات حين العمل، و أن يكون الفوات على تقديره مستنداً إلى الغفلة المدفوعة بالأصل.

و أمّا مع العلم بأنّه كان شاكّاً وقت العمل و أنّه أتمّ متردِّداً في الصحّة و عدمها كما في المقام، حيث شكّ فبنى على الأربع، فهو غير مشمول للقاعدة لعدم كونه آن ذاك أذكر و لا أقرب إلى الحق.

نعم، الشك الفعلي شك حادث بعد الصلاة، لتخلّل اليقين بالتمام بين الشكّين كما عرفت. إلّا أنّه ليس كلّ شك حادث بعد الصلاة مورداً لقاعدة الفراغ، بل في خصوص ما إذا احتمل الإتيان بالعمل على وجهه في ظرفه معتقداً صحّته‌

____________

[1] بل هو الأظهر، لشمول الإطلاقات له مع عدم جريان قاعدة الفراغ في مثله.

____________

(1) تقدّم ذكر المصدر في ص 234.

260

..........

____________

و أمّا مع القطع بالتردّد و احتمال الصحّة لمجرّد المصادفة الواقعية كما فيما نحن فيه فلا ينبغي التأمّل في عدم كونه مورداً للقاعدة.

و عليه فلا مانع من الرجوع إلى الإطلاق في أدلّة البناء على الأربع، المستلزم لوجوب الإتيان بركعة الاحتياط.

و دعوى عدم انعقاد الإطلاق لانصراف الدليل عن مثل هذا الشك المنقطع بعد الصلاة باليقين، و لا دليل على الشمول بعد العود، فانّ الموضوع هو الشك الحادث في الصلاة المستمر، فلا يشمل العائد بعد الانقطاع و الزوال، فلا بدّ حينئذ من الإتيان بالركعة المتّصلة بمقتضى الاستصحاب و قاعدة الاشتغال و بذلك يقطع بالصحّة، فإنّ الصلاة إن كانت تامّة كانت هذه لغواً، و إلّا فوظيفته الإتمام بالركعة المتّصلة بعد فرض عدم شمول أدلّة البناء و قد فعل، فيكون كمن أتمّ على النقص سهواً.

مدفوعة بعدم قصور في شمول الإطلاق للمقام، إذ لم يتقيّد الشك بالاستمرار و عدم الانقطاع في شي‌ء من أدلّة البناء، نعم خرج عن ذلك بالمخصّص العقلي ما إذا انقطع بعد الصلاة فزال الشك بالكلِّيّة و لم يعد، فإنّه لا موضوع حينئذ لصلاة الاحتياط، فانّ موضوعه ظنّ النقص و احتمال الحاجة بمقتضى قوله (عليه السلام) في موثّقة عمار: «فأتمّ ما ظننت أنّك نقصت» (1) و المفروض العلم بالعدم و القطع بعدم الاحتياط، فلا موضوع للتدارك.

و أمّا مع عود الشك، فبما أنّ الموضوع و هو احتمال النقص محقّق، و المفروض عدم تقيّده بالاستمرار في لسان الدليل، فلا مانع من شمول الإطلاق له بلحاظ الشك العارض حال الصلاة.

و بعبارة اخرى: الشك الطارئ أثناء الصلاة له أفراد ثلاثة، فقد يبقى مستمرّاً‌

____________

(1) الوسائل 8: 212/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1، 4.

261

..........

____________

إلى حال الإتيان بالركعة المفصولة، و قد يزول بعد الصلاة و لا يعود و قد يزول و يعود، و الخارج بمقتضى التخصيص العقلي إنّما هو الفرد الثاني الّذي ينعدم معه موضوع التدارك، فيبقى الفردان الآخران مشمولين للإطلاق بعد فرض عدم تقييد الشك بالاستمرار في شي‌ء من أدلّة البناء.

و نحوه ما لو أيقن بالنقص بدلًا عن اليقين بالتمام ثمّ عاد الشك، فانّ الكلام هو الكلام بعينه في كونه مشمولًا للإطلاق.

و على الجملة: فهذا الشك العائد بعد الزوال و إن كان غير الشك العارض في الصلاة و لم يكن عينه بالضرورة، لمكان الانقطاع بتخلّل اليقين، إلّا أنّه من أجل كونه مسبوقاً بمثله في الصلاة فذاك الشك السابق بما أنّه لم يكن مقيّداً بالاستمرار فهو مشمول للإطلاق و إن انقطع و عاد، و الّذي لا يشمله خصوص المنقطع غير العائد، لعدم بقاء محلّ لصلاة الاحتياط حينئذ حسبما عرفت، هذا.

و لو تنازلنا و سلمنا عدم الإطلاق في أدلّة البناء لاعتبار اتِّصال الشك و استمراره و عدم انقطاعه بوجه فالمتعيّن حينئذ بطلان الصلاة، لاندراج الشك تحت الإطلاق في صحيحة صفوان (1) القاضية بلزوم الإعادة في الشكوك غير المنصوص على صحّتها.

و لا يكفي حينئذ ضمّ الركعة المتّصلة كما أُفيد، فإنّ تخلّل السلام العمدي الصادر منه مانع عن صلاحية الانضمام، إذ هو قد سلّم مع الالتفات و الشك بتخيّل البناء على الأربع، ففعله للسلام مستند إلى العمد لا محالة، فيشمله إطلاق دليل المخرجية، فانّ الخارج عنه موارد البناء على الأربع المتعقّب بالركعة المفصولة بمقتضى الأدلّة الخاصّة الحاكمة بجواز التسليم حينئذ و إن كان عمدياً، فتكون مخصّصة لإطلاق الدليل المزبور، و يلتزم بعدم الخروج على تقدير النقص واقعاً.

____________

(1) الوسائل 8: 225/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 15 ح 1.

262

..........

____________

و أمّا المقام فالمفروض عدم كونه من موارد البناء، فلا يشمله دليل التخصيص. و بما أنّ التسليم عمدي كما عرفت فيشمله دليل المخرجية، و عليه فنقطع بعدم الحاجة إلى الركعة المتصلة، لأنّ الصلاة إن كانت تامّة فهذه لغو محض، و إلّا فالتسليم العمدي الصادر منه الواقع على الثلاث مفسد للصلاة و موجب للخروج عنها، فلا تصلح تلك الركعة للالتحاق و الانضمام كي يتدارك بها النقص.

فلا يقاس المقام بمن سلّم على النقص سهواً المحكوم بضمّ الركعة المتّصلة لكون ذاك السلام سهوياً غير مخرج، و في المقام عمدي مخرج كما عرفت.

فان قلت: كيف يكون عامداً في التسليم مع كونه موظّفاً فعلًا بالبناء على الأربع و التسليم بعده و إن انكشف الخلاف لاحقاً من أجل انقطاع الشك و عدم استمراره.

قلت: كونه موظّفاً بذلك واقعاً أو حسب اعتقاده لا يمنع عن صدق العمد كما عرفت.

نعم، لا يكون هذا التسليم العمدي قادحاً فيما إذا استمرّ الشكّ و تعقّب بركعة الاحتياط على نحو الشرط المتأخِّر، بمقتضى أدلّة البناء على الأربع. فهذه الحصّة الخاصّة من التسليم العمدي و هي الواقعة حال الشك المستمر المتعقّب بصلاة الاحتياط خارجة عن دليل المخرجية، و المفروض عدم تحقّقها في المقام لعدم استمرار الشك و عدم التعقّب بالركعة المفصولة، لأجل عدم شمول أدلّة البناء للمقام حسب الفرض، فيكشف ذلك عن الاندراج في دليل المخرجية المانع عن صلاحية الانضمام كما مرّ.

فان قلت: لازم ما ذكرت عدم جواز ضمّ الركعة المتّصلة في من شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و سلم ثمّ تبيّن النقص قبل صلاة الاحتياط‌

263

..........

____________

لعين ما مرّ من عدم تعقّب التسليم العمدي بالركعة المفصولة، مع أنّه لا إشكال في جواز الضم حينئذ بل تعيّنه كما لا يخفى.

قلت: قد ثبت ذلك بما دل على جواز الإتمام بركعة الاحتياط، الكاشف عن عدم كون السلام مخرجاً مع بقاء الشك، فيدل على جواز الإتمام مع العلم بالنقص بالأولوية. فلا يقاس عليه المقام العاري عن الدليل، و لا وجه للتعدِّي عن مورده.

و الّذي يكشف عمّا ذكرناه من عدم جواز الإتيان بالركعة المتّصلة في مثل المقام لأجل قادحية السلام أنّه لو جاز ذلك لجاز حتّى مع استمرار الشك و عدم انقطاعه. فمن شكّ بين الثلاث و الأربع فبنى على الأربع و سلم ثمّ أراد الإتيان بالركعة الموصولة جاز له ذلك، فتقع لغواً على تقدير التمامية و رابعة على تقدير النقص، لعدم كون السلام المتخلِّل قادحاً حسب الفرض، و بذلك يقطع ببراءة الذمّة. مع أنّ هذا غير جائز قطعاً، و ليس ذلك إلّا لأجل تخلّل السلام العمدي، و عدم العفو عنه إلّا لدى التعقّب بالركعة المفصولة.

و كيف ما كان، فلا ينبغي التأمّل في لزوم الاستئناف و عدم كفاية الركعة المتّصلة في محل الكلام بعد البناء على عدم شمول أدلّة البناء، و المفروض عدم جريان قاعدة الفراغ كما تقدّم.

نعم، لو أتمّ صلاته غافلًا و لم يعرضه الشك آن ذاك و بعد ما فرغ شكّ بين الثلاث و الأربع، فلا ريب في أنّ هذا الشك غير مشمول لأدلّة البناء لاختصاصها بأجمعها من روايات عمار و غيرها ممّا ورد في الشكوك الخاصّة بالشك الحادث في الأثناء، و لا تشمل الشك العارض بعد الفراغ.

و حينئذ فاذا فرضنا أنّ قاعدة الفراغ غير جارية إمّا للغفلة، أو للمعارضة لأجل كونها مورداً للعلم الإجمالي، أو لغير ذلك من سائر الموانع لم يكن مانع‌

264

[المسألة السابعة و الأربعون: إذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة]

[2180] المسألة السابعة و الأربعون: إذا دخل في السجود من الركعة الثانية فشكّ في ركوع هذه الركعة و في السجدتين من الأُولى (1) ففي البناء على إتيانها من حيث إنّه شكّ بعد تجاوز المحل، أو الحكم بالبطلان لأوْله إلى الشك بين الواحدة و الاثنتين وجهان، و الأوجه الأوّل، و على هذا فلو فرض الشك بين الاثنتين و الثلاث بعد إكمال السجدتين مع الشك في ركوع الركعة التي بيده و في السجدتين من السابقة لا يرجع إلى الشك بين الواحدة و الاثنتين حتّى تبطل الصلاة، بل هو من الشك بين الاثنتين و الثلاث بعد الإكمال، نعم لو علم بتركهما مع الشك المذكور يرجع إلى الشك بين الواحدة و الاثنتين لأنّه عالم حينئذ باحتساب ركعتيه بركعة.

____________

من الاكتفاء بالركعة المتّصلة حينئذ، إذ السلام الصادر منه لم يكن عمدياً، لأجل الغفلة و عدم عروض الشك في الصلاة حسب الفرض، فلا مانع من هذه الناحية.

و بعد الإتيان بتلك الركعة يقطع ببراءة الذمّة و سلامة الصلاة عن الزيادة و النقصان على أيّ تقدير، لأنّها إن كانت تامّة فالركعة لغو زائد، و إن كانت ناقصة فوظيفته التتميم بالركعة المتّصلة و قد فعل. فالاكتفاء بها خاص بهذه الصورة.

(1) فهل يحكم حينئذ بالبطلان نظراً إلى أنّ نتيجة هذا الشك هو الشك في أنّ ما بيده هل هي الركعة الأُولى أو الثانية، لما تقدّم سابقاً في المسألة الثالثة و العشرين من أنّ من تذكّر و هو في سجود الركعة الثانية أنّه ترك سجدة أو سجدتين من الركعة السابقة و ترك أيضاً ركوع هذه الركعة جعل السجدة التي بيده للركعة الأُولى، لعدم خروجه عنها حقيقة، إذ الخروج عن الركعة متقوّم بالدخول في ركوع الركعة اللّاحقة، و لم يدخل فيه، فهو باق بعد في الركعة‌

265

..........

____________

الأُولى واقعاً، و كان القيام المتخلِّل في البين زائداً.

فعلى ضوء ما تقدّم يكون المقام من موارد الشك بين الواحدة و الثنتين، إذ لو لم يكن آتياً بالركوع و السجدتين بحسب الواقع فهو بعد في الركعة الأُولى حقيقة كما في صورة العلم بذلك، فمرجعه إلى الشك المزبور الّذي هو من الشكوك الباطلة.

أو أنّه يحكم بالصحّة لأجل إحراز الركوع و السجدتين بقاعدة التجاوز المستلزم لزوال الشك عن الركعة؟ وجهان.

اختار الثاني في المتن، و هو الصحيح، لعدم قصور في شمول قاعدة التجاوز بالنسبة إلى كلّ من الشكّين بعد فرض تخلّل القيام في البين، فيشك بعد القيام إلى الركعة الثانية في سجدتي الركعة الأُولى فيبني على الإتيان، و بضم الركوع المحرز بالوجدان تتمّ الركعة الأُولى المؤلّفة من الركوع و السجدتين، كما أنّه بعد الدخول في سجود الركعة الثانية يشكّ في ركوع هذه الركعة فيبني على الإتيان و بعد إحراز سجدتها بالوجدان يرتفع الشك عن الركعة الثانية أيضاً.

و على الجملة: تتألف الركعتان من ركوعين و سجدات أربع، و هو فعلًا محرز لجميع ذلك و لو بالتعبّد الشرعي بضميمة الوجدان إلى الأصل. فركوع الركعة الأُولى محرز بالوجدان و سجدتاها بالتعبّد. و الركعة الثانية بعكس ذلك. فبحسب النتيجة يرتفع الشكّ عن الركعتين، فلا مقتضي للحكم بالبطلان. و العمدة تخلّل القيام في البين الفاصل بين الركعتين، الّذي به يتحقّق التجاوز عن السجدتين حسبما عرفت.

و منه يظهر أنّه لو شكّ بين الثنتين و الثلاث بعد إكمال السجدتين، و شكّ في ركوع هذه الركعة و في السجدتين من السابقة لا يرجع ذلك إلى الشك بين الواحدة و الثنتين كي تبطل الصلاة، بل كان من الشك بين الثنتين و الثلاث بعد الإكمال‌

266

[المسألة الثامنة و الأربعون: لا يجري حكم كثير الشك في صورة العلم الإجمالي]

[2181] المسألة الثامنة و الأربعون: لا يجري حكم كثير الشك في صورة العلم الإجمالي (1)، فلو علم ترك أحد الشيئين إجمالًا من غير تعيين يجب عليه مراعاته و إن كان شاكّاً بالنسبة إلى كلّ منهما، كما لو علم حال القيام أنّه إمّا ترك التشهّد أو السجدة، أو علم إجمالًا أنّه إمّا ترك الركوع أو القراءة [1] و هكذا، أو علم بعد الدخول في الركوع أنّه إمّا ترك سجدة واحدة أو تشهّداً، فيعمل في كلّ واحد من هذه الفروض حكم العلم الإجمالي المتعلِّق به كما في غير كثير الشك.

____________

بعد إحراز الركوع و السجدتين بمقتضى قاعدة التجاوز.

نعم، لو كان عالماً بتركهما أي ترك الركوع و السجدتين مع الشك المذكور رجع حينئذ إلى الشك بين الواحدة و الثنتين، لعلمه باحتساب ركعتيه بركعة كما أفاده في المتن، و هو ظاهر.

(1) فانّ الساقط عن كثير الشك إنّما هو حكم الشك فقط دون العلم، فإنّه منجّز في حقّه كغيره. و لا فرق في التنجيز بين التفصيلي و الإجمالي، إذ الثاني و إن كان مقروناً بالشك بالنسبة إلى كلّ من الطرفين في حدّ نفسه، فكان ساقطاً عن كثير الشك لو خلّي و طبعه و كان منعزلًا عن الآخر، إلّا أنّه لدى الاقتران‌

____________

[1] بناءً على ما قوّيناه من أنّ ترك القراءة لا يوجب سجدة السهو فلا أثر للعلم المزبور كما هو واضح، بل لو كان تركها موجباً لها فالظاهر أنّ الأمر كذلك، لأنّ قاعدة إلغاء حكم شكّ كثير الشك لا تجري بالإضافة إلى الشك في ترك القراءة، لأنّ جريانها يختص بما إذا كانت صحّة الصلاة محرزة من غير هذه الجهة، و هي في المقام غير محرزة فاذن تجري القاعدة المزبورة بالإضافة إلى الشك في ترك الركوع بلا مانع كما تجري أصالة عدم الإتيان بالقراءة.

267

[المسألة التاسعة و الأربعون: لو اعتقد أنّه قرأ السورة مثلًا]

[2182] المسألة التاسعة و الأربعون: لو اعتقد أنّه قرأ السورة مثلًا

____________

بالعلم الإجمالي فالغاؤه بالنسبة إلى كلّ منهما مستلزم لإلغاء المعلوم بالإجمال الثابت في البين. و قد عرفت عدم تكفّل الدليل لإلغائه، و لزوم العمل به بحكومة العقل.

و على الجملة: ليس العمل في موارد العلم الإجمالي بالشك ليكون منفياً عن كثير الشك، بل هو عمل بالعلم الّذي هو منجّز عقلًا كالتفصيلي، من غير فرق بين كثير الشك و غيره.

و عليه فلو علم إجمالًا بترك أحد الشيئين وجب عليه مراعاته كغيره و إن كان شاكّاً بالنسبة إلى كلّ منهما، كما لو علم حال القيام أنّه إمّا ترك الركوع أو القراءة، أو أنّه إمّا ترك التشهّد أو السجدة، أو علم بعد الدخول في الركوع أنّه إمّا ترك سجدة واحدة أو تشهّداً و هكذا، فإنّه يجب عليه في هذه الفروض العمل بحكم العلم الإجمالي المتعلِّق بها كما في غير كثير الشك من تدارك المشكوك فيه أو القضاء أو سجود السهو و نحو ذلك.

نعم، لا أثر للعلم الإجمالي في الفرض الأوّل، إذ لا أثر لترك القراءة إلّا على القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة الّذي هو خلاف التحقيق و عليه فشكّه في الركوع ملحق بالشك البدوي فيجري عليه حكم كثير الشك.

بل لا أثر للعلم حتّى على القول المزبور، لأنّ مقتضى ما مرّ غير مرّة من تقديم الأصل المصحّح على الأصل المتمِّم اختصاص جريان قاعدة الإلغاء أي إلغاء حكم الشك عن كثير الشك بالشك في الركوع، ضرورة عدم جريانها في القراءة ما لم تحرز الصحّة من غير هذه الجهة، فيرجع في الشك فيها إلى أصالة عدم الإتيان بها من غير معارض.

268

و شكّ في قراءة الحمد فبنى على أنّه قرأها لتجاوز محلّه، ثمّ بعد الدخول في القنوت تذكّر أنّه لم يقرأ السورة (1) فالظاهر وجوب قراءة الحمد أيضاً، لأنّ شكّه الفعلي و إن كان بعد تجاوز المحل [1] بالنسبة إلى الحمد إلّا أنّه هو الشك الأوّل الّذي كان في الواقع قبل تجاوز المحل، و حكمه الاعتناء به و العود إلى الإتيان بما شكّ فيه.

[المسألة الخمسون: إذا علم أنّه إمّا ترك سجدة أو زاد]

[2183] المسألة الخمسون: إذا علم أنّه إمّا ترك سجدة أو زاد

____________

(1) فهل يجب تدارك الحمد أيضاً أم يكتفي بتدارك السورة المعلوم تركها نظراً إلى أنّ شكّه الفعلي في الحمد شكّ بعد تجاوز المحل باعتبار الدخول في القنوت؟ اختار (قدس سره) الأوّل، و هو الصحيح.

لأنّ شكّه الفعلي هو الشك السابق بعينه الّذي كان بحسب الواقع شكّاً قبل تجاوز المحل، لعدم كونه آتياً بالسورة، و إن كان معتقداً أنّه بعد التجاوز، فإنّه خيال محض. و المدار على واقع التجاوز لا على تخيّله. فبما أنّ شكّه حينما حدث كان في المحل وجب الاعتناء به، و معه لا أثر للدخول في القنوت.

على أنّ هذا القنوت غير مأمور به جزماً، لوقوعه قبل السورة، فليس هو من الغير المترتِّب على المشكوك فيه ليكون الدخول فيه مصحّحاً لجريان قاعدة التجاوز.

فلو سلّمنا أنّ في أمثال هذه الموارد يكفي الدخول في الغير و لو بقاءً لا نسلِّمه في خصوص المقام، للقطع بزيادة القنوت و وقوعه في غير محلّه كما عرفت. فالمتعيّن العود لتدارك الحمد و السورة معاً، و هذا واضح.

____________

[1] بل لأنّه شكّ في المحل، حيث إنّه لا يكفي الدخول في مطلق الغير في جريان القاعدة.

269

ركوعاً (1) فالأحوط قضاء السجدة و سجدتا السهو ثمّ إعادة الصلاة، و لكن لا يبعد جواز الاكتفاء [1] بالقضاء و سجدة السهو عملًا بأصالة عدم الإتيان بالسجدة و عدم زيادة الركوع.

____________

(1) يعني مع عدم إمكان تدارك السجدة كما لو كان التذكّر بعد الصلاة أو بعد الدخول في الركن، كما لو دخل في الركوع فعلم أنّه إمّا ترك سجوداً من الركعة السابقة أو زاد ركوعاً فيها، و إلّا فمع إمكان التدارك لزمه الرجوع لتدارك السجدة كما لا يخفى.

و قد ذكر (قدس سره) أوّلًا أنّ مقتضى الاحتياط الجمع بين قضاء السجدة و سجدتي السهو ثمّ إعادة الصلاة عملًا بكلّ من طرفي العلم الإجمالي.

ثمّ احتمل (قدس سره) الاكتفاء بالقضاء و سجود السهو من غير حاجة إلى الإعادة، عملًا بأصالة عدم زيادة الركوع التي نتيجتها الصحّة و أصالة عدم الإتيان بالسجدة التي نتيجتها القضاء، من غير تعارض بينهما.

أقول: ما ذكره (قدس سره) أخيراً هو الصحيح، لكن لا لما ذكره من الاستناد إلى الأصلين المزبورين، بل لجريان القاعدة أو الأصل في أحد الطرفين من غير معارض.

و توضيحه: أنّ العلم الإجمالي المذكور قد يفرض حصوله بعد الصلاة و أُخرى أثناءها.

____________

[1] بل هو الأظهر لا لما ذكر، بل لجريان قاعدة التجاوز في الشك في زيادة الركوع من دون معارض، لأنّ كل ما لا يترتّب عليه البطلان لا يعارض جريان القاعدة فيه جريانها فيما يترتّب عليه البطلان، و عليه فتجري أصالة عدم الإتيان بالسجدة و يترتّب عليه أثره.

270

..........

____________

أمّا في الصورة الأُولى: فزيادة الركوع المحتملة مورد لقاعدة الفراغ، إذ لا فرق في جريان هذه القاعدة بين احتمال النقص أو الزيادة، لإطلاق قوله (عليه السلام): «كلّ ما شككت فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو» (1). فلا يعتنى بأيّ احتمال خلل يعتبر عدمه في الصلاة و إن كان هو الزيادة القادحة، و لذا تجري لدى الشك في زيادة الركعة سهواً، لصدق المضي عن الشي‌ء حقيقة الّذي هو الموضوع لعدم الاعتناء، و بذلك تفترق هذه القاعدة عن قاعدة التجاوز الخاصّة بمورد احتمال النقص فقط. و على الجملة: فالركوع مورد لقاعدة الفراغ.

و أمّا السجدة فلا تجري فيها قاعدة التجاوز كي يتحقّق المعارضة بين القاعدتين، إذ لا أثر لتركها إلّا القضاء و سجود السهو، و أمّا الركوع فالإخلال به نقصاً أو زيادة يستوجب البطلان.

و قد تقدّم غير مرّة أنّه كلّما دار الأمر بين أعمال القاعدة فيما لا يترتّب على تركه البطلان و بين ما يترتّب عليه البطلان قدّم الثاني، إذ الجمع بينهما مناف للعلم الإجمالي، و ترجيح الأوّل متعذِّر، إذ لا معنى للتعبّد بالقضاء أو سجود السهو إلّا بعد فرض الصحّة.

و بما أنّها غير محرزة حسب الفرض فلا موقع للتعبّد بذلك أبداً. فترجيحه مستلزم للمحذور، و لا محذور في العكس فيتعيّن، و معه يحرز الصحّة بقاعدة الفراغ الجارية في الركوع بلا معارض، و يرجع بعدئذ إلى أصالة عدم الإتيان بالسجدة، و نتيجته القضاء فقط أو مع سجود السهو إن قلنا به.

فالنتيجة هي النتيجة لكن لا لما ذكره (قدس سره) من سقوط القاعدتين و الرجوع إلى الأصل في كلّ منهما، بل لجريان القاعدة في الركوع بلا معارض و الرجوع إلى الأصل في السجدة حسبما عرفت.

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3.

271

..........

____________

و أمّا في الصورة الثانية: فإن قلنا بأنّ قاعدة التجاوز أيضاً تشمل احتمال الزيادة فالكلام هو الكلام.

و إن قلنا باختصاصها باحتمال النقص كما هو الأظهر بل المتعيّن بمقتضى النصوص، لتعلّق الشك في موردها بأصل الوجود، و لذا ذكرنا أنّ المضي و التجاوز في موردها ادّعائي تنزيلي باعتبار مضي محلّ المشكوك فيه لا حقيقي فعليه لا تجري القاعدة في جانب احتمال زيادة الركوع حتّى يقال بمعارضتها أو عدم معارضتها بقاعدة التجاوز في طرف احتمال نقصان السجدة، بل المرجع فيه أصالة عدم الزيادة.

و لا تعارضها قاعدة التجاوز في السجود، لعين ما تقدّم من أنّ الأصل الجاري فيما نتيجته الصحّة مقدّم على غيره، هذا. و لم يتعرّض الماتن لوجه عدم جريان قاعدة التجاوز في السجود، و وجهه ما عرفت.

و كيف ما كان، فاذا لم تجر القاعدة في السجدة فتصل النوبة إلى أصالة عدم الإتيان بها، فلا بدّ من القضاء و لا حاجة إلى الإعادة.

و يترتّب على ما ذكرناه في كيفية الاستدلال أمران:

الأوّل: أنّه لو علم إجمالًا أنّه إمّا ترك سجدة أو ترك ركوعاً إمّا بعد الصلاة أو في الأثناء على نحو لا يمكنه التدارك، فعلى ما ذكرناه من تقدّم ما أثره البطلان لدى الدوران تجري قاعدة التجاوز في الركوع بلا معارض فيحكم بالصحّة، و يرجع في جانب السجدة إلى أصالة عدم الإتيان و لازمه القضاء.

و أمّا على ما ذكره (قدس سره) من المعارضة بين القاعدتين و الرجوع إلى الأصل فلازمه الحكم بالبطلان، إذ الأصل يقتضي عدم الإتيان بالركوع أيضاً و لا مصحّح عندئذ للصلاة. و هذا هو الفارق بين المسلكين.

272

..........

____________

الثاني: لو حصل العلم الإجمالي في الفرض المزبور مع إمكان التدارك، كما لو علم إجمالًا حال القيام و قبل أن يدخل في الركوع أنّه إمّا ترك ركوعاً من الركعة السابقة أو سجدة من الركعة التي بيده، فبناءً على ما ذكره (قدس سره) من جريان قاعدة التجاوز في كلّ من الركوع و السجود و سقوطهما بالمعارضة لا بدّ من الحكم بالبطلان، لعدم المؤمّن بالنسبة إلى الركوع بعد كون مقتضى الأصل الّذي هو المرجع حسب الفرض عدم الإتيان به.

و أمّا على مسلكنا من اختصاص القاعدة بالركوع الّذي يترتّب على تركه البطلان و الرجوع في طرف السجود إلى أصالة عدم الإتيان من غير معارض فيرجع و يتدارك السجدة لبقاء المحل، و تصحّ صلاته و لا شي‌ء عليه.

نعم، لا مناص من الحكم بالبطلان فيما لو علم إجمالًا بأنّه إمّا زاد ركوعاً أو زاد سجدة، أو علم إجمالًا أنّه إمّا ترك ركوعاً أو زاد سجدة عكس المسألة المذكورة في المتن، من غير فرق بين حصول العلم الإجمالي أثناء الصلاة أو بعدها.

فإنّ قاعدة الفراغ أو التجاوز و إن اختصّ جريانها بالركوع الّذي أثره نفي البطلان، و لا تجري في السجدة كي تتحقّق المعارضة حسبما عرفت، إلّا أنّه لا يثبت بذلك أنّه زاد سجوداً حتّى يجب عليه سجود السهو، لعدم حجّية مثبتات هذه القاعدة و لوازمها العقلية و إن عدّت من الأمارات كما تعرّضنا له في محلّه (1). إذن فزيادة السجدة مشكوكة، و مقتضى أصالة عدم الزيادة عدم وجوب سجود السهو.

إلّا أنّه لا يمكن الجمع بين هذا الأصل و بين القاعدة الجارية في الركوع، للزوم المخالفة القطعية، فلا جرم تسقطان بالمعارضة و لا يرجع إلى شي‌ء منهما.

____________

(1) مصباح الأُصول 3: 267.

273

[المسألة الحادية و الخمسون: لو علم أنّه إمّا ترك سجدة من الأُولى أو زاد سجدة في الثانية]

[2184] المسألة الحادية و الخمسون: لو علم أنّه إمّا ترك سجدة من الأُولى أو زاد سجدة في الثانية وجب عليه قضاء السجدة [1] و الإتيان بسجدتي السهو مرّة واحدة بقصد ما في الذمّة (1) من كونهما للنقيصة أو للزيادة.

____________

و حينئذ فيعلم إجمالًا إمّا بوجوب الإعادة أو بوجوب سجدتي السهو، و حيث إنّ الأوّل مورد لقاعدة الاشتغال و الثاني لأصالة البراءة، الموجب لانحلال العلم الإجمالي بالأصل المثبت و النافي، فتجب عليه الإعادة، و يحكم ببطلان الصلاة من غير حاجة إلى سجود السهو.

فيفرق بين ما إذا كان طرف العلم زيادة السجدة أو نقيصتها التي افترضها في المتن، ففي الثاني يحكم بالصحّة دون الأوّل حسبما عرفت.

(1) عملًا بالعلم الإجمالي بعد معارضة قاعدة التجاوز في الاولى مع أصالة عدم الزيادة في الثانية، لكن مقتضى ما تقدّم منه في المسألة السابقة من الرجوع إلى الأصل في كلّ من الطرفين هو قضاء السجدة و سجود السهو لخصوص النقص، و لا ملزم لقصد ما في الذمّة، هذا.

و التحقيق عدم وجوب القضاء، و الاكتفاء بسجود السهو، للعلم التفصيلي بوجوبه على كلّ تقدير، و معه لا مجال لإجراء أصالة عدم الزيادة، إذ الأثر المرغوب منها ليس إلّا نفي سجود السهو، و لكنّه مقطوع به حسبما عرفت إمّا للنقص أو للزيادة، فتبقى قاعدة التجاوز في الطرف الآخر أعني احتمال نقص السجدة بلا معارض، و نتيجته عدم وجوب القضاء كما عرفت.

____________

[1] إن قلنا بوجوب سجدتي السهو في زيادة سجدة واحدة و نقصانها، فالظاهر جواز الاكتفاء بسجدتي السهو بلا حاجة إلى القضاء. و إن قلنا بعدم وجوبهما في زيادة السجدة لم يجب عليه شي‌ء.

274

[المسألة الثانية و الخمسون: لو علم أنّه إمّا ترك سجدة أو تشهّداً وجب الإتيان]

[2185] المسألة الثانية و الخمسون: لو علم أنّه إمّا ترك سجدة أو تشهّداً وجب الإتيان [1] بقضائهما و سجدة السهو مرّة (1).

[المسألة الثالثة و الخمسون: إذا شكّ في أنّه صلّى المغرب و العشاء أم لا قبل أن ينتصف اللّيل]

[2186] المسألة الثالثة و الخمسون: إذا شكّ في أنّه صلّى المغرب و العشاء أم لا قبل أن ينتصف اللّيل و المفروض أنّه عالم بأنّه لم يصلّ في ذلك اليوم إلّا ثلاث صلوات من دون العلم بتعيينها (2) فيحتمل أن تكون

____________

و لا يفرق الحال فيما ذكرناه بين القول بوجوب سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة و عدمه الّذي عرفت أنّه الأظهر، و ذلك لما تقدّم في محلّه (1) من وجوبه في خصوص المقام، أعني العلم الإجمالي بالزيادة أو النقيصة على ما استظهرناه من قوله (عليه السلام): «إذا لم تدر أ زدت أم نقصت» (2) و لأجله قلنا بوجوبه فيما لو علم إمّا بزيادة القراءة أو نقيصتها فلاحظ.

(1) أمّا القضاء فرعاية للعلم الإجمالي بعد سقوط قاعدة التجاوز في كلّ من السجدة و التشهّد بالمعارضة، و أمّا الاجتزاء بالمرّة فلعدم وجوب سجود السهو واقعاً أكثر من ذلك كما هو ظاهر.

و لكن هذا مبني على القول بوجوب قضاء التشهّد المنسي كالسجدة المنسية و وجوب سجود السهو لكلّ منهما، و أمّا بناءً على ما عرفت من اختصاص القضاء بالسجدة و سجود السهو بالتشهّد المنسيين فمقتضى العلم الإجمالي قضاء السجود و الإتيان بسجدتي السهو للتشهّد. فما في المتن مبني على الاحتياط.

(2) إذا علم المكلّف قبل انتصاف اللّيل بناءً على كونه حدّا لوقت العشاءين‌

____________

[1] تقدّم أنّ وجوب قضاء التشهّد مبني على الاحتياط.

____________

(1) شرح العروة 18: 370 و ما بعدها.

(2) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 4.

275

الصلاتان الباقيتان المغرب و العشاء، و يحتمل أن يكون آتياً بهما و نسي اثنتين من صلوات النهار، وجب عليه الإتيان بالمغرب و العشاء فقط، لأنّ الشك بالنسبة إلى صلوات النهار بعد الوقت، و بالنسبة إليهما في وقتهما و لو علم أنّه لم يصلّ في ذلك اليوم إلّا صلاتين أضاف إلى المغرب و العشاء قضاء ثنائية و رباعية، و كذا إن علم أنّه لم يصل إلّا صلاة واحدة [1].

____________

أو قبل طلوع الفجر بناءً على امتداد الوقت إليه أنّه بقي عليه في هذا اليوم و اللّيلة صلاتان يحتمل أنّهما العشاءان، أو من صلوات النهار، أو ملفّقاً، فالشك بالنسبة إلى العشاءين في الوقت، و بالإضافة إلى النهارية بعد الوقت، و بما أنّ الأوّل مورد لقاعدة الاشتغال و الثاني لقاعدة الحيلولة، و مع الغض عنها لأصالة البراءة عن القضاء، فلا جرم ينحل العلم الإجمالي بالأصل المثبت و النافي فيجب عليه الإتيان بالعشاءين فقط، و هذا واضح.

و لو علم في الفرض المزبور أنّه لم يصلّ إلّا صلاتين و بقيت عليه ثلاث فطبعاً يعلم إجمالًا بفوت واحدة من الصلوات النهارية على الأقل، كما أنّه يعلم أيضاً بعدم الإتيان بالثنتين الباقيتين المردّدتين بين كونهما من النهارية أو اللّيلية أو بالتلفيق.

أمّا العلم الثاني فهو منحلّ بالأصل المثبت و النافي حسبما عرفت آنفاً، و أمّا العلم الأوّل فمقتضاه لزوم الإتيان بثنائية و رباعية بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر و العصر، خروجاً عن عهدة التكليف المعلوم بالإجمال، و بذلك يتحصّل على الفراغ اليقيني. و هذا أيضاً واضح.

____________

[1] بل يجب عليه حينئذٍ الإتيان بجميع الصلوات الخمس.

276

[المسألة الرابعة و الخمسون: إذا صلّى الظهر و العصر ثمّ علم إجمالًا أنّه شكّ في إحداهما بين الاثنتين و الثلاث]

[2187] المسألة الرابعة و الخمسون: إذا صلّى الظهر و العصر ثمّ علم إجمالًا أنّه شكّ في إحداهما بين الاثنتين و الثلاث و بنى على الثلاث، و لا يدري أنّ الشك المذكور في أيّهما كان، يحتاط بإتيان صلاة الاحتياط [1] و إعادة صلاة واحدة بقصد ما في الذمّة (1).

____________

إنّما الكلام فيما ذكره (قدس سره) أخيراً من قوله: و كذا إن علم أنّه لم يصل إلّا صلاة واحدة. فإنّه إن أراد من قوله (قدس سره): و كذا ... إلخ أنّه لا بدّ حينئذ من الاحتياط أيضاً حتّى يتيقّن بالفراغ و إن كان خلاف ظاهر العبارة فلا كلام.

و إن أراد ما هو ظاهر العبارة من أنّه يأتي حينئذ أيضاً بثنائية و رباعية كما في الفرض السابق فلا يتم جزماً، إذ هو يعلم بطبيعة الحال بفوت اثنتين من الصلوات النهارية على الأقل الّذي هو لازم العلم بعدم الإتيان إلّا بصلاة واحدة، و معه ليس له الاقتصار على ثنائية و رباعية، إذ من الجائز أن تكون الثنتان هما الظهر و العصر، فلا بدّ من ضم رباعية أُخرى تحصيلًا للقطع بالفراغ فيلزمه في هذه الصورة الإتيان بجميع الصلوات الخمس كما لا يخفى.

(1) إذا شكّ في صلاة لم يدر أنّها كانت الظهر أو العصر بين الثنتين و الثلاث أو بين الثلاث و الأربع فبنى على الأكثر و وجبت عليه صلاة الاحتياط و لم يأت بها جزماً، فقد يفرض ذلك بعد الإتيان بالمنافي عمداً و سهواً، و أُخرى قبله.

فان كان بعد المنافي فعلى القول بأن صلاة الاحتياط واجب مستقل لا يقدح الفصل أو تخلّل المنافي بينها و بين الصلاة الأصلية كما نسب إلى بعضهم، لزمه الإتيان بصلاة الاحتياط حينئذ بقصد ما في الذمّة.

____________

[1] و إن كان الأظهر جواز الإتيان بالمنافي و الاكتفاء بإعادة صلاة واحدة.

277

..........

____________

و أمّا على المختار من قدح تخلّل المنافي و أنّها جابرة، لأنّها جزء حقيقي على تقدير النقص الواقعي، فبما أنّ الجبر هنا غير ممكن بعد فرض التخلّل المزبور و لا فائدة في صلاة الاحتياط، فمرجع المقام إلى العلم ببطلان إحدى الصلاتين لنقصان الركعة و إن كانت مفصولة لا موصولة، و معه لا بدّ من الإتيان برباعية مردّدة بين الظهر و العصر.

و إن كان قبل الإتيان بالمنافي فعلى القول بالاستقلال فالأمر كما ذكر، و على مسلك الجزئية يندرج المقام تحت المسألة (1) التي تقدّم الكلام حولها مفصّلًا من العلم الإجمالي بعد الصلاتين بنقصان الركعة من إحداهما، غاية الأمر أنّ الركعة هناك كانت متّصلة و هنا منفصلة، و لا فرق بينهما من هذه الجهة.

و قد ذكرنا ثمة أنّ مقتضى العلم الإجمالي و إن كان هو ضم الركعة و إعادة الأُولى إلّا أنّ الأظهر كفاية الإتيان بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة من غير حاجة إلى ضمّ الركعة لا المتّصلة و لا المنفصلة، لما عرفت من أنّ استصحاب البقاء في الصلاة لا يثبت عنوان القطع برفع اليد كي يلزم الضم.

على أنّ دليل حرمة القطع لا يشمل المقام و نحوه ممّا لا يتمكّن من إتمام الصلاة و الاقتصار عليها، إذ بعد الضم المزبور لا يحصل الجزم بالفراغ أيضاً لجواز كون النقص من الظهر المستلزم لإعادتها، فليس له الاكتفاء بتتميم ما بيده.

و على الجملة: فحرمة القطع على تقدير القول بها لا تشمل أمثال المقام، فله رفع اليد و الاكتفاء بأربع ركعات بقصد ما في الذمّة مردّدة بين الظهر و العصر حسبما عرفت.

____________

(1) رقم [2141].

278

[المسألة الخامسة و الخمسون: إذا علم إجمالًا أنّه إمّا زاد قراءة أو نقصها يكفيه]

[2188] المسألة الخامسة و الخمسون: إذا علم إجمالًا أنّه إمّا زاد قراءة أو نقصها يكفيه [1] سجدتا السهو مرّة، و كذا إذا علم أنّه إمّا زاد التسبيحات الأربع أو نقصها (1).

[2189] المسألة السادسة و الخمسون: إذا شكّ في أنّه هل ترك الجزء الفلاني عمداً أم لا فمع بقاء محل الشك لا إشكال في وجوب الإتيان به، و أمّا مع تجاوزه فهل تجري قاعدة الشك بعد التجاوز أم لا، لانصراف أخبارها عن هذه الصورة خصوصاً بملاحظة قوله: «كان حين العمل أذكر»؟ وجهان [2]

____________

(1) فإنّه بناءً على عدم وجوب سجود السهو في هذه الموارد لا أثر للعلم التفصيلي فضلًا عن الإجمالي، و أمّا بناءً على وجوبه لكلّ زيادة و نقيصة ففي المقام يعلم تفصيلًا بالوجوب و إن كان جاهلًا بالسبب، و أنّه لأجل النقص أو الزيادة. و قد ذكرنا سابقاً (1) عدم قدح الترديد في السبب، إذ هو لا يوجب تقييداً في الواجب كي يحتاج إلى القصد المنافي للترديد، هذا.

و قد أشرنا في محلّه (2) إلى أنّ الأظهر وجوب السجود في خصوص موارد العلم الإجمالي بالنقص أو الزيادة و إن لم نقل بوجوبه لكلّ زيادة و نقيصة، و ذلك لما استظهرناه من قوله (عليه السلام): إذا لم تدر أ زدت أم نقصت. الوارد في‌

____________

[1] هذا مبني على وجوب سجدتي السهو لكلّ زيادة و نقيصة.

[2] الأوجه هو الأوّل، و على الثاني لا بدّ من إعادة الصلاة، و لا موجب للإتيان بالمشكوك فيه، للقطع بعدم الأمر به إمّا للإتيان به و إمّا لبطلان الصلاة بالزيادة العمدية. و الأولى إتمام الصلاة ثمّ إعادتها.

____________

(1) شرح العروة 18: 378.

(2) شرح العروة 18: 370 و ما بعدها.

279

و الأحوط الإتيان ثمّ الإعادة (1).

____________

طائفة من الأخبار (1).

(1) تقدّم سابقاً (2) أنّ الشاك في الإتيان بالجزء يلزمه التدارك إن كان شكّه في المحل، و إلّا فلا يعتني بمقتضى قاعدة التجاوز. هذا فيما إذا تعلّق الشك بترك الجزء سهواً.

و أمّا إذا احتمل تركه عامداً فلا ريب في لزوم الاعتناء إن كان الشك في المحل، فلو احتمل الترك العمدي لغاية من الغايات و إن كان هو رفع اليد عن الصلاة وجب التدارك بمقتضى قاعدة الشك في المحل و أصالة الاشتغال بلا إشكال.

إنّما الكلام فيما إذا عرض الشك المزبور بعد تجاوز المحل، فهل تجري حينئذ قاعدة التجاوز أيضاً، أم لا بل يلزمه الرجوع و التدارك؟ ذكر (قدس سره) أنّ فيه وجهين، و احتاط (قدس سره) بالإتيان ثمّ الإعادة.

أقول: يقع الكلام تارة في جريان قاعدة التجاوز في مثل المقام و عدمه و أُخرى في أنّه على تقدير عدم الجريان فهل يلزمه الإتيان أو لا بدّ من الإعادة أو أنّه يجمع بين الأمرين احتياطاً كما صنعه (قدس سره). فهنا مقامان:

أمّا المقام الأوّل: فقد خصّ شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3) جريان القاعدة بما إذا كان الترك المحتمل مستنداً إلى السهو، و منع عن جريانها لدى احتمال الترك‌

____________

(1) الوسائل 8: 224/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 14 ح 2، 4، 238/ ب 23 ح 6، 8.

(2) شرح العروة 18: 130.

(3) أجود التقريرات 2: 482، فوائد الأُصول 4: 652.

280

..........

____________

العمدي، مستظهراً ذلك بعد دعوى انصراف النصوص عن هذه الصورة من التعليل بالأذكرية و الأقربية إلى الحقّ الوارد في بعض أخبار الباب (1)، فإنّه كاشف عن اختصاص الحكم بموارد الترك السهوي، بحيث لو كان ذاكراً لكان آتياً حتّى يصدق معه أنّه حين العمل أذكر، فلا يناسب ذلك مع احتمال الترك عامداً.

و بعد ظهور التعليل في التقييد بالسهو يتقيّد به الإطلاق في سائر الروايات لو لم تكن هي منصرفة إليه في حدّ نفسها.

و لكن دقيق النظر يقضي بشمول القاعدة لكلتا الصورتين، و جريانها في موارد احتمال الترك العمدي كالسهوي، استناداً إلى الإطلاق في سائر الأخبار مثل قوله (عليه السلام): كلّ شي‌ء شكّ فيه ممّا قد مضى فأمضه كما هو (2). فإنّه دال على عدم الاعتناء بأيّ شك تعلّق بالشي‌ء بعد المضي عنه و التجاوز عن محلّه و إن كان المشكوك فيه هو احتمال الترك العمدي.

و أمّا التعليل المزبور فلا يستفاد منه أكثر من عدم جريان القاعدة في صورة العلم بالغفلة و انحفاظ صورة العمل، بحيث يكون احتمال الصحّة فيها مستنداً إلى مجرّد المصادفة الواقعية، كما لو توضّأ بمائع معيّن و بعد الفراغ شكّ في إطلاقه و إضافته، فانّ حالته الفعلية مساوقة مع حالته حين العمل، و لم يكن آن ذاك أذكر أو أقرب إلى الحق، فلا تجري القاعدة حينئذ.

و أمّا الاختصاص بالترك السهوي فلا يكاد يدلّ عليه التعليل بوجه، بل أقصى ما يستفاد منه هو الإيعاز إلى ما يقتضيه طبع كلّ مكلّف متصدّ للامتثال‌

____________

(1) الوسائل 1: 471/ أبواب الوضوء ب 42 ح 7، 8: 246/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 27 ح 3.

(2) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 3، (نقل بالمضمون).

281

..........

____________

من الالتفات حين العمل و أنّه لا يترك شيئاً من أجزائه، لكونه على خلاف ظاهر حاله. و كما أنّ مقتضى طبعه هو الالتفات و عدم ترك جزء سهواً، فكذا مقتضى طبعه الأوّلي عدم ترك جزء عمداً و عدم الإخلال العمدي بالأجزاء المتأخِّرة، فإنّ هذا أيضاً على خلاف ظاهر حاله كسابقه.

و بعبارة اخرى: التعليل المزبور ناظر إلى إخراج صورة واحدة عن إطلاقات أدلّة القاعدة، و هي صورة العلم بالغفلة و استناد احتمال الصحّة إلى المصادفة الواقعية، فتبقى الصورتان الأخيرتان و هما الترك المستند إلى احتمال الغفلة و الترك المستند إلى احتمال العمد مشمولتين لإطلاق الأدلّة، بعد أن كان كلّ منهما على خلاف ظاهر حال المصلِّي و ما يقتضيه طبعه الأوّلي حسبما أشرنا إليه.

و منه تعرف الجواب عن دعوى الانصراف، فإنّها غير بيِّنة و لا مبيّنة بعد أن كان الإطلاق مطابقاً لما هو المرتكز عند العقلاء من عدم الاعتناء بالشك بعد التجاوز، و من غير فرق بين احتمال الترك سهواً و عمداً، و قد مرّ غير مرّة أنّ قاعدة التجاوز ليست قاعدة تعبّدية صرفة، بل هي مجعولة على وفق ما تقتضيه السيرة العقلائية من عدم الاعتناء بالشك المزبور الشامل لكلتا الصورتين.

و يؤيِّد ما ذكرناه من الإطلاق أنّ قاعدة الحيلولة المجعولة لدى الشك بعد خروج الوقت لم يفرق فيها ظاهراً بين ما إذا كان احتمال الترك مستنداً إلى السهو أو إلى احتمال العمد، و لا فرق بين هذه القاعدة التي هي بمثابة الشك بعد العمل و بين قاعدتي الفراغ و التجاوز في ملاك الحكم من حيث السعة و الضيق.

فانّ الشك بعد تجاوز المحل و بعد الفراغ من العمل و بعد خروج الوقت كلّ ذلك قواعد عقلائية مندرجة تحت ضابط واحد، و مرتضعة من ثدي فأرد و مرجع الكلّ إلى عدم الاعتناء بالشك العارض بعد المضي عن الشي‌ء إمّا عن‌

282

..........

____________

نفسه أو عن محلّه أو عن وقته. فثبوت الإطلاق في مورد يؤيِّد ثبوته في المورد الآخر كما لا يخفى.

و كيف ما كان، فلا ينبغي التأمّل في جريان قاعدة التجاوز لدى احتمال الترك العمدي كالسهوي، لإطلاق الأدلّة.

و أمّا المقام الثاني: و هو أنّا لو بنينا على الاختصاص و منعنا عن جريان القاعدة مع احتمال الترك العمدي فهل يلزمه العود حينئذ لتدارك المشكوك فيه استناداً إلى استصحاب عدم الإتيان، أو أنّه يحكم بالبطلان فتجب الإعادة، أو أنّه يجمع بين الأمرين احتياطاً كما اختاره في المتن؟

لا ينبغي التأمّل في عدم لزوم العود، فانّ احتماله ساقط جزماً، للقطع بسقوط الأمر عن الجزء المشكوك فيه بعد فرض تردّده بين الإتيان و بين الترك العمدي لتحقّق الامتثال على الأوّل و بطلان الصلاة على الثاني. فلا أمر بالإتيان به فعلًا على كلّ تقدير، فلا يترتّب أثر على استصحاب عدم الإتيان بعد العلم الوجداني بسقوط الأمر الفعلي عن الجزء. و معه لا مناص من الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال، للشك في تحقّق الامتثال، بل مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان و إن لم يترتّب عليه البطلان.

و عليه فلا مانع من رفع اليد عن هذه الصلاة و استئنافها، بناءً على ما تقدّم غير مرّة من أنّ دليل حرمة قطع الفريضة على تقدير تماميته خاص بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة و الاقتصار عليها في مقام الامتثال، المنفي فيما نحن فيه للزوم الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال حسبما عرفت.

هذا كلّه فيما إذا لم يعلم أصل الترك بأن تردّد الأمر بين الإتيان و بين الترك العمدي.

و أمّا لو كان الترك معلوماً و شكّ في منشئه و أنّه هل كان عن عمد أو عن‌

283

..........

____________

سهو و قد تجاوز عن محلّه، فهذا على قسمين، إذ قد يفرض ذلك مع فوات المحل الذكري بحيث لا يمكن التدارك كما لو تذكّر حال الركوع فوت التشهّد أو السجدة الواحدة و تردّد بين العمد و السهو، و أُخرى مع بقاء المحل المذكور كما لو كان التذكّر المزبور في حال القيام و قبل أن يركع.

أمّا القسم الأوّل: فهو على صورتين، إذ تارة لا يترتّب أثر على الترك السهوي من قضاء أو سجود سهو و نحو ذلك، كما لو علم حال الركوع ترك القراءة و تردّد بين العمد أو السهو، أو بعد رفع الرأس منه تَرْك الذكر متردّداً بينهما، بناءً على عدم سجود السهو لكلّ زيادة و نقيصة.

و أُخرى يترتّب عليه الأثر كالمثال الّذي ذكرناه أوّلًا، حيث إنّ السجدة المنسية تقضى كما أنّ التشهّد المنسي يجب له سجود السهو.

أمّا في الصورة الاولى: فلا أثر للعلم الإجمالي، فإنّ الترك السهوي لو كان معلوماً تفصيلًا لم يترتّب عليه أثر حسب الفرض فضلًا عن كونه معلوماً بالإجمال، فتجري حينئذ قاعدة التجاوز بالنسبة إلى احتمال الترك العمدي لدفع احتمال البطلان من غير معارض، بناءً على ما عرفت من جريان القاعدة في موارد احتمال الترك العمدي أيضاً كالسهوي. فيمضي في صلاته و لا شي‌ء عليه.

و أمّا في الصورة الثانية: فمقتضى قاعدة التجاوز الجارية بالنسبة إلى نفي احتمال الترك العمدي صحّة الصلاة و عدم بطلانها، كما أنّ مقتضى جريانها بالنسبة إلى نفي احتمال الترك السهوي عدم القضاء أو عدم سجود السهو، و لا يمكن الجمع بين القاعدتين، للزوم المخالفة القطعية العملية من جهة العلم الإجمالي بأحد الأمرين من البطلان أو القضاء مثلًا.

و لكن القاعدة تختص بالمورد الأوّل و لا تجري في الثاني، لما مرّ غير مرّة من أنّ في كلّ مورد كان أثر جريان القاعدة نفي البطلان و إثبات الصحّة، و في غيره‌

284

..........

____________

نفي حكم آخر مترتِّب على الصحّة من قضاء أو سجود سهو و نحو ذلك اختصّ الأوّل بالجريان و لا يكون معارضاً بالثاني. و عليه فتجري القاعدة في المقام لنفي احتمال الترك العمدي من غير معارضة للطرف الآخر أعني نفي احتمال الترك السهوي و نتيجته الحكم بصحّة الصلاة.

إلّا أنّه مع ذلك لا يمكن الحكم بالصحّة، لمعارضة هذه القاعدة مع أصالة البراءة من وجوب القضاء أو سجود السهو، إذ هو عالم في المقام إجمالًا بأحد التكليفين، إمّا وجوب الإعادة أو وجوب القضاء مثلًا، و قاعدة التجاوز الجارية لنفي الأوّل معارضة بأصالة البراءة الجارية لنفي الثاني.

و إن شئت قلت: لا تكاد تجري قاعدة التجاوز في المقام لنفي احتمال الترك العمدي، لا لأجل معارضتها بالقاعدة الجارية لنفي احتمال الترك السهوي، لما عرفت من أنّ القاعدة فيما يوجب البطلان لا تعارضها القاعدة فيما لا توجبه، بل لأجل المعارضة مع أصالة البراءة عن وجوب القضاء أو سجدتي السهو، من جهة العلم الإجمالي بأحد التكليفين كما مرّ.

و بما أنّ الجمع بينهما مستلزم للمخالفة العملية فلا مناص من الإعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال. و لا مانع من قطعها و رفع اليد عنها، لما تقدّم من أنّ دليل حرمة القطع على تقدير تسليمه خاص بما إذا أمكن إتمام الصلاة صحيحة و الاقتصار عليها في مقام الامتثال، و هو منفي فيما نحن فيه كما عرفت.

و أمّا القسم الثاني: أعني ما إذا كان المحل الذكري باقياً فتارة لا يكون لزيادة الجزء الّذي أتى به بعد ترك الجزء السابق أثر لو صدر نسياناً من سجود السهو و نحوه، كما لو تذكّر و هو في السورة فوت الفاتحة، أو تذكّر و هو في القيام ترك السجدة الواحدة و تردّد بين كونه عن عمد أو سهو، بناءً على عدم وجوب سجدتي السهو للقيام الزائد.

285

..........

____________

و أُخرى يكون له أثر، كما لو قلنا بوجوب السجدتين لزيادة القيام سهواً في المثال المزبور.

أمّا في الفرض الأوّل: فالصلاة محكومة بالصحّة، للشكّ في عروض ما يوجب البطلان أعني الترك العمدي، فيبني على العدم بمقتضى قاعدة التجاوز السليمة عن المعارض في أمثال المقام كما تقدّم، فيرجع و يتدارك الجزء المتروك و يمضي و لا شي‌ء عليه بعد أن لم يترتّب أثر على الزيادة السهوية المحتملة كي تتحقّق المعارضة.

و أمّا في الفرض الثاني: فالظاهر هو البطلان، للعلم الإجمالي إمّا بوجوب الإعادة من جهة زيادة الجزء عمداً، أو بوجوب سجود السهو من أجل زيادته سهواً.

فانّ الجزء المتروك و إن كان قابلًا للتدارك على تقدير تركه السهوي لبقاء المحل حسب الفرض، إلّا أنّه نظراً إلى المعارضة بين قاعدة التجاوز الجارية لنفي الترك العمدي المترتِّب عليها عدم البطلان، و بين أصالة البراءة عن وجوب سجود السهو و سقوطهما بالمعارضة، لا يمكن تصحيح الصلاة بوجه، إذ يجري حينئذ جميع ما ذكرناه فيما إذا كان التذكّر بعد تجاوز المحل الذكري حرفاً بحرف.

و قد عرفت أنّ المتّجه ثمّة هو البطلان، استناداً إلى أصالة الاشتغال، و أنّه لا مانع حينئذ من رفع اليد عن هذه الصلاة بعد عدم إمكان تتميمها صحيحة لقصور دليل حرمة القطع على تقدير تسليمه عن شمول الفرض.

و قد يقال بعدم جريان قاعدة التجاوز هنا في حدّ نفسها و لو مع قطع النظر عن المعارضة، إذ يعتبر في جريانها الدخول في الجزء المترتِّب، و لم يتحقّق في المقام، للقطع بزيادة القيام و وقوعه في غير محلّه، إذ المفروض ترك السجدة مثلًا قطعاً إمّا عمداً أو سهواً، فليس هذا القيام الواقع قبل السجدة من القيام‌

286

..........

____________

الصلاتي في شي‌ء، فلا يكون من الجزء المترتِّب. و على الجملة: عدم جريان القاعدة مستند إلى قصور المقتضي لفقدان شرطه، لا إلى وجود المانع أعني المعارضة.

و يندفع: بأنّ الدخول في الجزء المترتِّب لا خصوصية له، و إنّما التزمنا به من أجل أنّ التجاوز عن الشي‌ء بعد فرض الشك في أصل وجوده لا يتحقّق إلّا بالتجاوز عن محلّه المستكشف بالدخول في الجزء المترتِّب، على خلاف قاعدة الفراغ التي يصدق في موردها المضي حقيقة و من غير عناية باعتبار تعلّق الشك بصحّة الشي‌ء لا بأصل وجوده. فالدخول المزبور كاشف عن تحقّق الشرط، و لا موضوعية له. فليس الشرط إلّا نفس التجاوز عن المحلّ، و هو الموضوع لجريان القاعدة.

و عليه فبما أنّ التجاوز عن المحلّ متحقِّق لو كان الترك عن عمد، لعدم إمكان التدارك بعدئذ فلا مانع من جريان قاعدة التجاوز لنفي الترك العمدي الّذي هو الأثر المرغوب من جريانها في المقام.

نعم، المحل باق لو كان الترك عن سهو، لعدم المضي حينئذ عن محلّه حقيقة و لكن على التقدير الأوّل المترتِّب عليه نفي البطلان الّذي هو المقصود من الجريان لم يكن المحل باقياً، فلا مانع من جريانها في حدّ ذاتها لولا المعارضة حسبما عرفت فتأمّل، هذا.

و قد يقال هنا و في القسم السابق أعني ما لو كان التذكّر بعد تجاوز المحل الذكري: إنّه بعد جريان قاعدة التجاوز لنفي الترك العمدي و الحكم بمقتضاها بصحّة الصلاة و عدم بطلانها يترتّب عليه لا محالة آثار الترك السهوي من الرجوع و التدارك إن كان التذكّر قبل الدخول في الركن، و القضاء أو سجدتا السهو إن كان بعده.

287

..........

____________

فإنّ أصل الترك معلوم حسب الفرض، و كونه عمدياً مدفوع بمقتضى القاعدة فيحرز بذلك عدم استناد الترك إلى العمد، و كلّ ما كان كذلك فهو محكوم بما عرفت من العود إن كان قبل تجاوز المحل الذكري، و القضاء ان كان بعده، فلا موجب للحكم بالبطلان.

و يندفع أوّلًا: بأنّ شأن القاعدة ليس إلّا التأمين من ناحية امتثال التكليف و لا تكاد تتكفّل لإثبات حكم آخر مترتِّب على موضوع آخر، و المقدار الّذي ثبت التعبّد به في المقام من جريان القاعدة إنّما هو عدم بطلان الصلاة من جهة احتمال ترك الجزء عمداً، و لا نظر فيها إلى إثبات موضوع القضاء أو سجدتي السهو، بل يرجع في نفيهما إلى أصالة البراءة لولا المعارضة مع القاعدة المستلزمة للمخالفة القطعية كما لا يخفى.

و ثانياً: أنّ الموضوع للقضاء أو سجدتي السهو لو كان هو مجرّد عدم استناد الترك إلى العمد لأمكن المساعدة على ما أُفيد، إلّا أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ الموضوع هو الترك المستند إلى غير العمد من سهو أو جهل أو تخلّف اعتقاد و نحو ذلك، و إثباته بالقاعدة الجارية لنفي الترك العمدي من أوضح أنحاء المثبت.

و بعبارة اخرى: للترك حصّتان عمدي و سهوي، و هما متضادّان، يلازم كلّ منهما عدم الآخر، فمع نفي الترك العمدي بقاعدة التجاوز لا يمكن إثبات الترك السهوي إلّا بالملازمة الخارجية الناشئة من العلم الوجداني بتحقّق أصل الترك و عدم كونه عمدياً بمقتضى جريان القاعدة، و قد عرفت أنّ القاعدة لا تتكفّل بإثبات اللوازم غير الشرعية، فلا مناص من الحكم بالإعادة كما ذكرنا.

288

[المسألة السابعة و الخمسون: إذا توضّأ و صلّى ثمّ علم أنّه إمّا ترك جزءاً من وضوئه أو ركناً في صلاته]

[2190] المسألة السابعة و الخمسون: إذا توضّأ و صلّى ثمّ علم أنّه إمّا ترك جزءاً من وضوئه أو ركناً في صلاته (1) فالأحوط إعادة الوضوء ثمّ الصلاة و لكن لا يبعد جريان قاعدة الشك بعد الفراغ في الوضوء لأنّها لا تجري في الصلاة حتّى يحصل التعارض، و ذلك للعلم ببطلان الصلاة على كلّ حال.

____________

(1) احتاط (قدس سره) أوّلًا بإعادة الوضوء و الصلاة معاً، رعاية للعلم الإجمالي المتعلِّق بالبطلان بعد معارضة قاعدة الفراغ الجارية في الطرفين، و لم يستبعد أخيراً الاكتفاء بإعادة الصلاة فقط، للعلم التفصيلي ببطلانها إمّا من أجل فقد الركن أو فقد الطهور المانع عن جريان قاعدة الفراغ فيها، فيكون جريانها في الوضوء سليماً عن المعارض، و بذلك ينحل العلم الإجمالي.

و الظاهر أنّ ما أفاده (قدس سره) أخيراً هو الصحيح، لما عرفت من انحلال العلم الإجمالي بالعلم التفصيلي و الشك البدوي، فيرجع في الثاني إلى الأصل الجاري فيه، و هو قاعدة الفراغ من غير معارض.

و لكن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (1) منع عن انحلال العلم الإجمالي بمثل هذا العلم التفصيلي في المقام و نحوه ممّا كان العلم التفصيلي متولّداً من العلم الإجمالي، و لأجله منع عن الانحلال في باب الأقل و الأكثر الارتباطيين بدعوى استلزامه انحلال الشي‌ء بنفسه.

و حاصل ما أفاده (قدس سره) في وجهه: أنّ الأقلّ المعلوم بالتفصيل لو كان وجوبه ثابتاً على كلّ تقدير و بصفة الإطلاق لتمّ ما أُفيد، و لكنّه ليس كذلك، بل المعلوم ليس إلّا وجوبه على سبيل الإهمال الجامع بين الاشتراط‌

____________

(1) أجود التقريرات 2: 288.

289

..........

____________

و الإطلاق، فليس لنا علم إلّا بوجوب مردّد بين كونه بشرط شي‌ء، أي مقيّداً بكونه في ضمن الأكثر، المترتِّب عليه عدم حصول الامتثال بإتيان الأقل فقط و بين كونه لا بشرط، أي مطلقاً من حيث الانضمام إلى الأكثر و عدمه. فالعلم بوجوب الأقل ليس إلّا علماً بالجامع بين المطلق و المقيّد، و هو عبارة أُخرى عن نفس العلم الإجمالي، بل هو مقوّم له، و ليس شيئاً آخر وراءه، فكيف يمكن أن ينحلّ به، و هل هذا إلّا انحلال الشي‌ء بنفسه.

و على ضوء هذا البيان منع (قدس سره) عن الانحلال في المقام، فانّ بطلان الصلاة لم يكن معلوماً على سبيل الإطلاق، بل المعلوم هو جامع البطلان المردّد بين ما استند إليها نفسها و ما كان مرتبطاً بالوضوء، و هو عين العلم الإجمالي المتعلِّق ببطلان أحدهما، فلا يمكن أن يكون موجباً لانحلاله.

و يرد عليه (قدس سره) أوّلًا: ما تعرّضنا إليه في الأُصول (1) في باب الأقل و الأكثر من أنّ ما أفاده (قدس سره) متين جدّاً لو أراد به الانحلال الحقيقي الّذي ضابطه أن تنحل القضيّة الشرطية المنفصلة على سبيل منع الخلو إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة و الأُخرى مشكوكة، كما لو علمنا بنجاسة أحد الإناءين فقامت بيّنة على نجاسة أحدهما المعيّن، فإنّه يقال عندئذ: هذا الإناء بعينه نجس يقيناً، و ذاك مشكوك النجاسة، بعد أن كنّا نقول: إمّا هذا نجس أو ذاك نجس.

فانّ الانحلال بهذا المعنى يتعذّر انطباقه على المقام، ضرورة أنّ كلّاً من وجوب الأقل المطلق و المقيّد بما لهما من الحدّ و بصفة الإطلاق أو التقييد مشكوك فيه، و لم يكن أحدهما متيقّناً بالإضافة إلى الآخر، فانّ كلّاً منهما حادث مسبوق بالعدم، و يشك في كيفية الجعل من أوّل الأمر و أنّه واسع أو‌

____________

(1) مصباح الأُصول 2: 433.

290

..........

____________

مضيّق. و كما أنّ مقتضى الاستصحاب عدم لحاظ التقييد مقتضاه عدم لحاظ الإطلاق أيضاً، فيتعارض الاستصحابان من الطرفين. فالقضيّة الشرطية باقية على حالها و غير منحلّة إلى القضيتين الحمليتين المزبورتين.

و على الجملة: فالانحلال الحقيقي بالمعنى المتقدِّم و إن كان منفياً في باب الأقل و الأكثر كما أفاده (قدس سره) إلّا أنّ الانحلال الحكمي متحقِّق، بمعنى أنّ مثل هذا العلم الإجمالي لا يكون منجّزاً، فانّ المناط في التنجيز إنّما هو تعارض الأُصول، و لا معارضة بينها في المقام، فانّ جعل الوجوب للأقل على نحو التقييد اي منضمّاً بالأكثر فيه كلفة زائدة و تضييق على المكلّف مندفع بأصالة البراءة، بخلاف جعله على سبيل الإطلاق و بنحو اللّابدية بشرط فإنّه توسعة و تسهيل للمكلّف، فلا معنى لرفعه بأصالة البراءة.

كما أنّ العقاب عند ترك الأقل متيقّن، لعدم تحقّق الواجب الواقعي بدونه فالتكليف بالنسبة إليه منجّز. بخلافه عند ترك الأكثر، فإنّ العقاب عندئذ مشكوك فيه، فأصالة البراءة الشرعية و العقلية جارية في طرف الأكثر من غير معارض، لعدم جريان شي‌ء منهما في ناحية الأقل حسبما عرفت. و حيث لا معارضة فلا تنجيز للعلم الإجمالي، فهو في حكم الانحلال و إن لم يكن منه حقيقة. و لا فرق بينهما بحسب النتيجة كما هو ظاهر.

كما أنّه لا معارضة بينهما فيما نحن فيه، للعلم ببطلان الصلاة على كلّ تقدير فليست هي مجرى لقاعدة الفراغ، فتجري القاعدة في الوضوء من غير معارض، فتترتّب عليه نتيجة الانحلال.

و ثانياً: لو أغمضنا عما ذكرناه في باب الأقل و الأكثر و سلمنا عدم الانحلال ثمة بوجه فلا نسلِّمه في المقام، لثبوت الانحلال هنا حتّى الحقيقي منه فضلًا عن الحكمي. و لا مجال لقياسه على ذاك الباب، فانّ الواجب هناك عمل وحداني و هو الصلاة مثلًا مردّد حدّ وجوبه بين الإطلاق و التقييد و التوسعة و التضييق‌

291

..........

____________

فلم يعلم أنّ ما تعلّق به الوجوب هل هو ذات الأقل أم المرتبط بالأكثر، و ليس في البين ما هو المتيقّن من الأمرين كما عرفت.

و أمّا في المقام فكلّ من الوضوء و الصلاة عمل مستقل غير مرتبط أحدهما بالآخر، و لا ملازمة بينهما في الصحّة و الفساد، فربما يصحّ الوضوء دون الصلاة كما هو ظاهر، و قد ينعكس كما لو توضّأ مرّة أُخرى للتجديد أو اغتسل لمسّ الميت مثلًا بعد ذلك بناءً على إغناء الغسل عن الوضوء فانّ شرط الصلاة هو جامع الطهارة، لا خصوص الوضوء الصادر منه الّذي هو طرف للعلم الإجمالي، فليس بطلان الصلاة المعلوم بالتفصيل مرتبطاً بالوضوء كي يكون مردّداً بين الإطلاق و التقييد كما كان هو الشأن في الوجوب المعلوم تعلّقه بالأقل المردّد بينهما.

إذن فلا تردّد و لا إهمال في الحكم بالبطلان المعلوم تعلّقه بالصلاة في المقام و إنّما التردّد في منشئه و سببه، و أنّه لخلل فيها أو لنقص في الوضوء، و من الواضح أنّ جهالة العلّة و التردّد فيها لا ينافي الجزم الوجداني بنفس الحكم على ما هو عليه من الحد، فانّا على يقين تفصيلًا من بطلان الصلاة بالضرورة و إن لم يعلم مستند البطلان، كما أنّا على شكّ من بطلان الوضوء وجداناً. فقد انحلّت القضيّة الشرطية إلى قضيتين حمليتين إحداهما متيقّنة و الأُخرى مشكوكة و لازمه حصول الانحلال بطبيعة الحال.

و على الجملة: بعد فرض كون طرفي العلم فيما نحن فيه وجودين مستقلّين أحدهما أجنبي عن الآخر فلا معنى لأن يكون أحد الوجودين بالإضافة إلى الآخر بشرط شي‌ء و مقيّداً به، أو لا بشرط و مطلقاً عنه، و إنّما يتصوّر ذلك في الوجود الواحد المردّد حدّه من حيث السعة و الضيق كما في باب الأقل و الأكثر.

فالمقام أشبه شي‌ء بما إذا علمنا نجاسة شي‌ء تفصيلًا و شككنا في منشئها و أنّها من أجل ملاقاته بنفسه للنجس، أو من أجل ملاقاته لشي‌ء آخر و قد‌

292

[المسألة الثامنة و الخمسون: لو كان مشغولًا بالتشهّد أو بعد الفراغ منه]

[2191] المسألة الثامنة و الخمسون: لو كان مشغولًا بالتشهّد أو بعد الفراغ منه و شكّ في أنّه صلّى ركعتين و أنّ التشهّد في محلّه أو ثلاث ركعات و أنّه في غير محلّه (1) يجري حكم الشك بين الاثنتين و الثلاث، و ليس عليه

____________

كان ذلك الشي‌ء ملاقياً للنجس، كما لو وقعت قطرة من أحد الإناءين في الآخر ثمّ علمنا إجمالًا بنجاسة أحدهما قبل ذلك، فإنّه لا ينبغي الريب في أنّ المرجع في ذلك الشي‌ء هو أصالة الطهارة من غير معارض. و لا معنى للاجتناب عنه بدعوى أنّ العلم بنجاسة هذا الشي‌ء ليس على الإطلاق، و إنّما المعلوم هو جامع النجاسة المردّد بين ما استند إلى ملاقاته بنفسه، أو لملاقاته لذلك الشي‌ء الآخر.

إذ فيه أنّ كلّاً من الملاقي و ذلك الشي‌ء الآخر موجود مستقل لا ارتباط بينهما أصلًا، فيرجع في ذلك الشي‌ء إلى الأصل السليم عن المعارض.

فتحصّل: أنّ في أمثال المقام يكون العلم الإجمالي منحلا حقيقة، و مع الغض عن ذلك فلا أقل من الانحلال الحكمي أعني عدم تعارض الأُصول الّذي هو المناط في التنجيز، حيث إنّ قاعدة الفراغ غير جارية في الصلاة بعد العلم التفصيلي ببطلانها، فتجري في الوضوء من غير معارض.

(1) لا ريب حينئذ في جريان حكم الشك بين الثنتين و الثلاث، لكونه من موارده، فيبنى على الأكثر بمقتضى إطلاق أدلّته.

و إنّما الكلام في أنّه هل يلزمه حينئذ سجود السهو نظراً إلى أنّ لازم البناء المزبور زيادة التشهّد الصادر منه كلّاً أو بعضاً، أم لا، للشك في زيادة التشهّد واقعاً، إذ من الجائز وقوعه في محلّه لكونه في الركعة الثانية بحسب الواقع فيرجع إلى أصالة عدم الزيادة أو أصالة البراءة عن وجوب السجود.

293

سجدتا السهو لزيادة التشهّد لأنّها غير معلومة [1]، و إن كان الأحوط الإتيان بهما أيضاً بعد صلاة الاحتياط.

____________

الظاهر هو الثاني كما اختاره في المتن، لما عرفت سابقاً من أنّ أدلّة البناء غير ناظرة إلّا إلى التعبّد من حيث العدد، و أنّه من ناحية الشك في الركعات يبني على الأكثر و يأتي بالركعة المشكوكة مفصولة رعاية لسلامة الصلاة عن احتمال الزيادة و النقصان كما في موثّقة عمار (1).

و أمّا اللوازم غير الشرعية و الآثار الواقعية المترتِّبة على الثلاث الواقعية كزيادة التشهّد في مفروض المسألة فليست ناظرة إليها، و لا تكاد تتكفّل لإثباتها بوجه، و بما أنّ الزيادة الواقعية مشكوكة فيرجع في نفيها إلى الأصل كما مرّ.

نعم، لو صدرت عنه زيادة بعد البناء المزبور كما لو شكّ بين الثلاث و الأربع و بعد البناء على الأربع و قبل أن يسلِّم قام إلى الركعة الأُخرى سهواً وجب عليه سجود السهو حينئذ، فإنّ هذا القيام و إن لم يكن معلوم الزيادة بحسب الواقع لجواز كونه قياماً إلى الركعة الرابعة فيكون واقعاً في محلّه، إلّا أنّه زيادة قطعية على ما تقتضيه الوظيفة الظاهرية، و لا نعني بالزيادة التي هي موضوع للبطلان لو كانت عمدية و سجود السهو لو كانت سهوية إلّا الإتيان بشي‌ء بقصد الجزئية زائداً على ما تقتضيه الوظيفة الفعلية الأعم من الواقعية و الظاهرية، و هذا المعنى صادق في المقام و حاصل في هذه الصورة بالضرورة. فلا مناص من لزوم الإتيان بسجود السهو.

____________

[1] إذا كان الشك في أثناء التشهّد فهو عالم بزيادة ما أتى به أو بنقصان ما بقي منه فتجب عليه سجدتا السهو بناءً على وجوبهما لكلّ زيادة و نقيصة.

____________

(1) الوسائل 8: 212/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 8 ح 1.

294

[المسألة التاسعة و الخمسون: لو شكّ في شي‌ء و قد دخل في غيره الّذي وقع في غير محلّه]

[2192] المسألة التاسعة و الخمسون: لو شكّ في شي‌ء و قد دخل في غيره الّذي وقع في غير محلّه كما لو شكّ في السجدة من الركعة الأُولى أو الثالثة و دخل في التشهّد، أو شكّ في السجدة من الركعة الثانية و قد قام قبل أن يتشهّد، فالظاهر البناء على الإتيان [1] و أنّ الغير أعم من الّذي وقع في محلّه أو كان زيادة في غير المحل، و لكن الأحوط مع ذلك إعادة الصلاة أيضاً (1).

____________

و هذا بخلاف الصورة السابقة، فإنّ الزيادة فيها على ما تقتضيه الوظيفة الواقعية مشكوكة، و على ما تقتضيه الوظيفة الظاهرية مقطوعة العدم، لفرض عدم ارتكاب شي‌ء زائداً على ما تقتضيه الوظيفة بعد البناء على الأكثر، فلا موجب لسجود السهو بوجه.

نعم، لو كان الشك المفروض عارضاً أثناء التشهّد فحيث إنّه يجب عليه قطعه بعد البناء على الأكثر فلا جرم يحصل له العلم الإجمالي إمّا بزيادة ما قرأ منه لو كان في الركعة الثالثة واقعاً، أو بنقيصة ما ترك منه لو كان في الثانية فيعلم بحصول الزيادة أو النقصان في صلاته، و معه لم يكن بدّ من الإتيان بسجود السهو بقصد ما في الذمّة لو قلنا بوجوبه لكلّ زيادة و نقيصة.

بل يجب الإتيان به لأجل نفس الشك و إن لم نقل بذلك، بناءً على ما عرفت من أنّ العلم الإجمالي بالنقص أو الزيادة بنفسه من موجبات سجدتي السهو كما تقدّم سابقاً (1).

(1) لا ريب في اعتبار الدخول في الغير في جريان قاعدة التجاوز كما نطقت‌

____________

[1] بل الظاهر عدمه كما مرّ، و قد تقدّم منه (قدس سره) في المسألة الخامسة و الأربعين ما يناقض ما ذكره هنا.

____________

(1) شرح العروة 18: 370 و ما بعدها.

295

..........

____________

به صحيحة زرارة: «... إذا خرجت من شي‌ء ثمّ دخلت في غيره فشكّك ليس بشي‌ء» (1) و غيرها.

إنّما الكلام في أنّه هل يعتبر الدخول في خصوص الغير المترتِّب على المشكوك فيه، أو أنّه يكفي الدخول في مطلق الغير الأعم ممّا وقع في محلّه و ما كان زيادة في غير المحل.

و قد تعرّض الماتن (قدس سره) لهذه المسألة في مواضع ثلاثة مع اختلاف نظره (قدس سره) فيها، فاستظهر الاكتفاء بمطلق الغير في هذه المسألة، و استظهر خلافه في المسألة الخامسة و الأربعين (2)، و تردّد فيها في المسألة السابعة عشرة.

و كيف ما كان، فقد يقال بكفاية الدخول في مطلق الغير استناداً إلى الإطلاق في صحيحة زرارة المتقدِّمة.

و قد يقال باعتبار الغير المترتِّب. و يستدلّ له تارة بانصراف الغير الوارد في الأدلّة إليه و أنّه مقيّد بحكم الانصراف بالدخول فيما لولا الشك لمضي فيه و استرسل في صلاته.

و فيه ما لا يخفى، فإنّه لا موجب للانصراف أصلًا، و التقييد المزبور غير بيِّن و لا مبين و لا شاهد عليه بوجه. فالإطلاق محكّم.

و أُخرى بما عن شيخنا الأُستاذ (قدس سره) (3) من أنّ لازم العود لتدارك المنسي و إتيان الجزء المترتِّب عود محلّ الشك و وقوعه فيه، كما لو شكّ في‌

____________

(1) الوسائل 8: 237/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 23 ح 1.

(2) بل صرّح (قدس سره) في المسألة العاشرة من فصل الشك بأنّ المراد الغير المترتِّب. اللّٰهمّ إلّا أن لا يكون له إطلاق من حيث الوقوع في المحل أو في خارجه الّذي هو محلّ الكلام، فلاحظ و تأمّل.

(3) لاحظ كتاب الصلاة 3: 51، العروة الوثقىٰ 3: 391.

296

..........

____________

السجدة الثانية من الركعة الثانية بعد ما دخل في القيام سهواً قبل أن يتشهّد فإنّه محكوم بالعود لتدارك التشهّد، و بعد ما عاد يعود محلّ الشك لا محالة.

و فيه أيضاً ما لا يخفى، فإنّه بالعود لا يتّصف الشك بعروضه في المحل، إذ الشي‌ء لا ينقلب عمّا وقع عليه. و من الواضح أنّ هذا هو الشك السابق العارض قبل العود بعينه، و ليس شكّاً غيره، و المدار في كون الشك قبل التجاوز أو بعده بحدوث الشك لا ببقائه. و عليه فبناءً على كفاية الدخول في مطلق الغير فهذا من الشك العارض بعد التجاوز لا محالة و إن عاد إلى المحل.

فالصحيح أن يستدلّ له بما أشرنا إليه سابقاً من أنّ التجاوز عن الشي‌ء مع فرض الشك في أصل وجوده كما هو مورد هذه القاعدة ممّا لا يجتمعان، فهو بمعناه الحقيقي متعذِّر الصدق، و إنّما يتّجه فيما لو كان متعلّق الشك وصف الصحّة كما في قاعدة الفراغ، لصدق المضي و التجاوز حينئذ عن نفس الشي‌ء حقيقة. و عليه فلا مناص من أن يراد به في المقام التجاوز عن المحلّ بضرب من العناية.

و من الواضح أنّ التجاوز و الخروج عن محلّ المشكوك فيه إنّما يتحقّق بالدخول في الجزء المترتِّب عليه شرعاً الّذي له محلّ معيّن متأخِّر عنه، و إلّا فالغير غير المترتِّب لا محل له، فالدخول فيه لا يحقِّق الخروج عن محلّ المشكوك فيه، بل هو باق بعد سواء أتى بذلك الغير أم لا، فتحقيقاً للخروج عن المحل لا بدّ من الاختصاص بالمترتِّب.

فتحصّل: أنّ الأظهر اعتبار الدخول في الغير المترتِّب، لهذا الوجه الّذي ذكرناه، لا للوجهين السابقين المزيّفين بما عرفت. فلا يكفي الدخول في مطلق الغير في جريان قاعدة التجاوز. و عليه ففي المثالين المذكورين في المتن لا بدّ من الرجوع و الإتيان بالسجدة بمقتضى أصالة عدم الإتيان بها، و بسجدتي السهو لذلك الغير الزائد بناءً على وجوبها لكلّ زيادة و نقيصة.

297

[المسألة الستّون: لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر و عليه صلاة الاحتياط من جهة الشك في الظهر]

[2193] المسألة الستّون: لو بقي من الوقت أربع ركعات للعصر و عليه صلاة الاحتياط من جهة الشك في الظهر (1) فلا إشكال في مزاحمتها للعصر ما دام يبقى لها من الوقت ركعة، بل و كذا لو كان عليه قضاء السجدة أو التشهّد، و أمّا لو كان عليه سجدتا السهو فهل يكون كذلك أو لا؟ وجهان [1] من أنّهما من متعلّقات الظهر، و من أنّ وجوبهما استقلالي و ليستا جزءاً أو شرطاً لصحّة الظهر، و مراعاة الوقت للعصر أهمّ فتقدّم العصر ثمّ يؤتى بهما بعدها، و يحتمل التخيير.

____________

(1) لا إشكال حينئذ في مزاحمتها للعصر و تقديمها عليها ما دام يبقى للعصر مقدار ركعة من الوقت كما أفاده في المتن، و هذا من غير فرق بين القول بجزئية الركعة على تقدير النقص كما هو الصحيح أو القول بكونها واجباً مستقلا.

أمّا على الأوّل: فظاهر، إذ الركعة حينئذ من متمِّمات الظهر و أجزائها الحقيقية، و إن لزم الإتيان بها مفصولة رعاية لسلامة الصلاة عن الزيادة و النقصان، فما لم يأت بها لم تفرغ الذمّة عن الظهر. و معلوم أنّ الدخول في العصر مشروط بفراغ الذمّة عن السابقة، و المفروض التمكّن من الجمع بينهما بمقتضى التوسعة في الوقت المستفادة من حديث مَن أدرك (1).

و أمّا على الثاني: فكذلك، إذ هي و إن كانت صلاة مستقلّة إلّا أنّها شرعت لتدارك النقص المحتمل، و الإتيان بها واجب فوراً، فهي أيضاً تعدّ بالأخرة من توابع الظهر و ملحقاتها، فيجري عليها حكمها.

____________

[1] أوجههما الأوّل.

____________

(1) الوسائل 4: 217/ أبواب المواقيت ب 30.

298

..........

____________

و في الحقيقة لا مزاحمة بينها و بين أصل صلاة العصر ليتأمّل في تقديمها عليها، بل بينها و بين شي‌ء من وقته القابل للتدارك بحديث من أدرك، و إنّما تقع المزاحمة لو لم يبق حتّى مقدار الركعة.

و ممّا ذكرنا يظهر الحال في قضاء السجدة و التشهّد، فإنّه على القول بأنّهما نفس الجزء و قد تأخّر ظرفه واضح جدّاً، و على القول بالاستقلال فلمكان الفورية و وجوب المبادرة تعدّان من التوابع و اللّواحق، فلا يسوغ تفويت مصلحة الفورية بالتأخير بعد أن كانت مصلحة وقت العصر قابلة للإدراك بمقتضى التوسعة فيه المستفادة من الحديث المزبور.

و من الواضح أنّ قضاء السجدة لا يحتاج من الوقت مقداراً يمنع من إدراك الركعة، فلا مزاحمة بينهما بوجه، نعم لو فرض الضيق إلى هذا الحدّ أو فرض تعدّد السجدات المنسية من ركعات عديدة بحيث لا يتمكّن مع قضائها من إدراك الركعة وقعت المزاحمة حينئذ و كان التقديم مع العصر لأهمِّيّته.

و من ذلك كلّه يظهر الحال في سجدتي السهو و تقدّمهما على صلاة العصر، فانّ حكمة التشريع و إن كانت هي إرغام الشيطان كما في النص (1) إلّا أنّ الوجوب فيهما فوري بلا كلام. فلا يسوغ الإخلال به.

و ملخّص الكلام: أنّ جميع هذه الموارد تكون من قبيل الدوران بين ما له البدل و ما لا بدل له، و لا ريب في لزوم تقديم الثاني، فإنّ العصر بدله الوقت التنزيلي الثانوي، و غيره لا بدل له.

فتحصّل: أنّه مع إمكان إدراك الركعة من العصر لا مناص من تقديم تمام ما هو من توابع الظهر و شؤونها من صلاة الاحتياط و قضاء السجدة أو التشهّد أو سجدتي السهو بمناط واحد حسبما عرفت.

____________

(1) الوسائل 8: 250/ أبواب الخلل الواقع في الصلاة ب 32 ح 1.

299

[المسألة الحادية و الستّون: لو قرأ في الصلاة شيئاً بتخيّل أنّه ذكر أو دعاء أو قرآن ثمّ تبيّن أنّه كلام الآدمي]

[2194] المسألة الحادية و الستّون: لو قرأ في الصلاة شيئاً بتخيّل أنّه ذكر أو دعاء أو قرآن ثمّ تبيّن أنّه كلام الآدمي فالأحوط سجدتا السهو [1] (1) لكن الظاهر عدم وجوبهما لأنّهما إنّما تجبان عند السهو، و ليس المذكور من باب السهو، كما أنّ الظاهر عدم وجوبهما في سبق اللسان إلى شي‌ء، و كذا إذا قرأ شيئاً غلطاً من جهة الأعراب أو المادّة و مخارج الحروف.

[المسألة الثانية و الستّون: لا يجب سجود السهو فيما لو عكس الترتيب الواجب سهواً كما إذا قدّم السورة على الحمد]

[2195] المسألة الثانية و الستّون: لا يجب سجود السهو فيما لو عكس الترتيب الواجب سهواً كما إذا قدّم السورة على الحمد و تذكّر في الركوع (2) فإنّه لم يزد شيئاً و لم ينقص، و إن كان الأحوط الإتيان معه لاحتمال كونه من باب نقص السورة، بل مرّة أُخرى لاحتمال كون السورة المقدّمة على الحمد من الزيادة.

____________

(1) بل الأظهر ذلك فيه و في سبق اللسان، لعدم إناطة الحكم في لسان الأدلّة مدار عنوان السهو ليدّعى انتفاؤه في المقام، بل تعلّق بكلّ ما ليس بعمد و إن لم ينطبق عليه عنوان السهو، بمقتضى إطلاق الدليل حسبما مرّ الكلام حول هذه المسألة مستقصًى في أوّل مبحث سجود السهو فلاحظ (1).

(2) لاختصاص دليل السجدة بالنقص أو الزيادة في نفس الأجزاء، و ليس الترتيب منها فلا يشمله دليلها.

و لكن الصحيح ما ذكره (قدس سره) أخيراً من الوجوب، نظراً إلى أنّ الترتيب ليس شيئاً آخر وراء نفس الأجزاء على نهج خاص و لم يكن مثل‌

____________

[1] بل الأظهر كما تقدّم، و الأحوط إن لم يكن أقوى وجوبهما في سبق اللسان أيضاً.

____________

(1) شرح العروة 18: 345 346.

300

..........

____________

الستر و الاستقبال و الطهارة التي هي من شرائط الصلاة و يلزم مراعاتها حتّى في الأكوان المتخلِّلة، و إنّما هو قيد معتبر في نفس الجزء بأن يقع في ظرفه و محلّه.

ففاتحة الكتاب مثلًا التي هي جزء من الصلاة هي التي تقع بعد التكبيرة و قبل الركوع، و هكذا. فالجزء إنّما هي هذه الحصّة الخاصّة المتّصفة بهذه الصفة و لا جزئية لغيرها.

و هذا هو معنى الترتيب، و هو كما ترى ليس بأمر زائد، و إنّما هو تقيّد الجزء بالقبلية و البعدية. فهو في الحقيقة قيد في نفس الجزء لا في الصلاة بحيث لو أتى بذوات القراءة و الركوع و السجود غير مرتّبة يكون قد أتى بالأجزاء و أخلّ بشرط الصلاة.

كيف و لازمه الحكم بالصحّة فيما لو قدّم السجدتين على الركوع سهواً، لعدم الإخلال حينئذ إلّا بالترتيب الّذي هو مشمول لحديث لا تعاد (1)، لفرض الإتيان بذاتي الركوع و السجود.

و هو كما ترى، لبطلان الصلاة حينئذ قطعاً من أجل الإخلال بالركن، و ليس ذلك إلّا لأجل أنّ الترتيب قيد في نفس الأجزاء، و الإخلال به إخلال بالجزء نفسه.

و عليه فلو قدّم السورة على الفاتحة سهواً فقد نقص الجزء، لعدم الإتيان به في ظرفه، بل و زاد أيضاً لأنّه أتى بالسورة قبل الفاتحة بقصد الجزئية مع عدم الأمر بها، و هو معنى الزيادة، و لذا تكون مبطلة في صورة العمد. فلو بنينا على وجوب السجدة لكلّ زيادة و نقيصة وجب حينئذ تكرار سجدتي السهو مرّة للنقيصة و أُخرى للزيادة.

____________

(1) الوسائل 1: 371/ أبواب الوضوء ب 3 ح 8.