موسوعة الإمام الخوئي - ج20

- السيد أبو القاسم الموسوي الخوئي المزيد...
423 /
51

..........

____________

إلّا أنّ صحيحة زرارة ظاهرة في أنّ العبرة بنفس القصد، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا، و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلّاها ركعتين؟ قال: تمت صلاته و لا يعيد» (1).

فلو كنّا نحن و هذه الصحيحة لكانت دالّة على أنّ الثمانية كإقامة العشرة يراد بها القصد الموجود في أُفق النفس، لحكمه (عليه السلام) بالتقصير على مجرّد إرادة السفر و إن لم يبلغ سيره الثمانية خارجاً.

إلّا أنّ هذه الصحيحة معارضة في موردها بصحيحة أبي ولاد المتضمّنة لإعادة الصلاة التي صلّاها قصراً إذا بدا له الرجوع قبل بلوغ المسافة (2)، فتسقطان بالمعارضة، فنبقى نحن و تلك الروايات الأوّلية الدالّة على أنّ العبرة بنفس المسافة الخارجية، سواء أ كانت مقرونة بالقصد أم لا.

لكنّا علمنا من موثّقة عمّار عدم كفاية الثمانية بمجرّدها، بل في خصوص ما إذا كانت مقصودة من مبدأ السفر، حيث قال (عليه السلام): «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتمّ الصلاة» (3).

فإنّه (عليه السلام) حكم بالتمام مع أنّ المفروض في السؤال قطع الأكثر من ثمانية فراسخ، لكن عارياً عن قصدها من أوّل الأمر، بل كان ذلك بعزمين و قصدين.

____________

(1) الوسائل 8: 521/ أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1.

(2) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.

(3) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3.

52

..........

____________

فعلّق (عليه السلام) التقصير على مجموع الأمرين من القصد و المسافة الخارجية. و بذلك تقيّد الإطلاقات الأوّلية، مؤيّداً بعدّة من الروايات، و لكنّها ضعاف، و العمدة هي الموثّقة.

فظهر من ذلك كلّه أنّ المدار على مجموع الأمرين من قصد الثمانية من أوّل الأمر مقروناً بواقع الثمانية على سبيل الشرط المتأخّر، فلو قصد و لم يبلغها لمانع خارجي، أو بلغها و لم يكن قاصداً لها من الأوّل وجب عليه التمام، كما لو خرج لطلب الضالّة أو الغريم أو الصيد فبلغ الثمانية اتفاقاً، فإنّه لا يكفي في وجوب التقصير إلّا إذا كان الرجوع مسافة أو كان الباقي بضميمة الرجوع مسافة تلفيقية، بشرط عدم كون كلّ منهما أقل من أربعة فراسخ على المختار، و بغير هذا الشرط على مختار الماتن كما تقدّم (1).

و كذا الحال فيما لو خرج ينتظر رفقة إن تيسّروا سافر معهم و إلّا فلا، أو علّق سفره على حصول مطلب في الأثناء قبل بلوغ الأربعة إن حصل سافر و إلّا فلا بحيث لم يتحقّق معه العزم على المسافة، فإنّه يتمّ، لانتفاء فعلية القصد و عدم تنجيزه، إلّا إذا كان مطمئناً بتيسّر الرفقة أو حصول المطلب بحيث حصل العزم فإنّه يقصر لدى خروجه عن حدّ الترخّص كما أشار إليه في المتن.

____________

(1) في ص 7 و ما بعدها.

53

[مسألة 16: مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1) فيقصّر]

[2247] مسألة 16: مع قصد المسافة لا يعتبر اتصال السير (1) فيقصّر و إن كان من قصده أن يقطع الثمانية في أيام، و إن كان ذلك اختياراً لا لضرورة من عدوّ أو برد أو انتظار رفيق أو نحو ذلك، نعم لو كان بحيث لا يصدق عليه اسم السفر لم يقصّر كما إذا قطع في كلّ يوم شيئاً يسيراً جدّاً للتنزّه أو نحوه، و الأحوط في هذه الصورة أيضاً الجمع.

____________

(1) إذ لا دليل على تقييد السير بالاتصال و الاستمرار، فلو قصد قطع المسافة خلال أيام عديدة كأن يمشي كلّ يوم نصف فرسخ بحيث يكمل الثمانية خلال ستّة عشر يوماً مثلًا وجب التقصير أيضاً، لإطلاق الأدلّة، سواء أ كان ذلك لاختيار أم ضرورة تقتضيه من برد أو عدوّ و نحو ذلك، هذا.

و قد استثنى (قدس سره) من ذلك ما لو كان بطء السير بمثابة لا يصدق معه اسم السفر عرفاً، كما لو قطع كلّ يوم شيئاً يسيراً جدّاً كمقدار بستان مثلًا لأجل التنزّه و التفرّج في أوراده و أشجاره و التمتّع من مياهه و نحو ذلك، فإنّه لا يقصّر و إن كان قاصداً من الأوّل للثمانية فما زاد، كما لو قصد من الكوفة إلى كربلاء عن طريق البساتين على النهج المزبور، إذ هو تحديد للمسافر لا لكلّ من يقطع الثمانية كيف ما كان، و هذا العنوان منفي في المقام.

أقول: ما أفاده (قدس سره) صحيح على تقدير عدم صدق اسم المسافر عرفاً، فالكبرى مسلمة لا إشكال فيها، لكنّ الشأن في الصغرى.

فانّ المنع عن صدق اسم السفر فيما ذكره من الفرض مشكل جدّاً، بل ممنوع كيف و السفر هو البروز و الخروج، و منه المرأة السافرة أي الكاشفة، و لا ريب أنّ من بُعد عن وطنه فراسخ عديدة و لو بحركة بطيئة و في خلال أيام كثيرة فهو بارز خارج غريب في هذا المحل، بحيث لو سئل لقيل إنّه مسافر قطعاً.

54

..........

____________

نعم، المشي إلى توابع البلد ليس من السفر في شي‌ء، و أمّا مع الابتعاد الكثير و لو على سبيل التدريج فلا ينبغي التأمّل في صدق اسم المسافر عليه جزماً.

و لكن مع ذلك لا يثبت في حقّه القصر، لا لعدم صدق اسم السفر، بل لكونه من المقيم حقيقة، فإنّ المراد به كما سيجي‌ء إن شاء اللّٰه تعالى (1) ليس من يقصد الإقامة في مكان واحد شخصي، بل يشمل المحلّ و توابعه، فلا ينافي الحركة إلى الأسواق و الشوارع، بل إلى خارج البلد لتشييع جنازة أو تفرّج و نحو ذلك، كما لا ينافي الحركة إلى توابع المحلّ في سكنة البوادي لتحصيل حطب أو سقي دابة و نحوهما، فانّ كلّ ذلك لا يتنافى مع عنوان الإقامة و قصدها.

و عليه فإذا فرضنا أنّ هذا الخارج خرج قاصداً للثمانية بانياً على أن يمشي كلّ يوم عشرة أمتار مثلًا، أو كما حكي عن الدرويش الفلاني من مشيه كلّ يوم بمقدار العصا أي متراً واحداً فمثل هذا الشخص مقيم دائماً، و لأجله يجب عليه التمام.

و بعبارة اخرى: الخارج بقصد أن يمشي في كلّ يوم عشرة أمتار مثلًا فهو لا محالة قاصد للإقامة في كلّ مائة عشرة أيام، إذ هو كذلك في المائة الثانية و الثالثة و هكذا، فهذا المقدار من المساحة مورد لقصد الإقامة دائماً، لما عرفت من عدم منافاته مع الحركة في خلالها، إذ لا يراد بها الإقامة في مكان شخصي.

و لو فرضنا ذلك في من لا يتمكّن من المشي كالأعرج فالأمر أظهر، إذ لا شك حينئذ في كونه مسافراً غايته أنّ حركته بطيئة.

و على الجملة: فالمتعيّن في الفرض المزبور هو التمام، لكن لكونه من المقيم، لا لعدم كونه مسافراً. نعم، لو فرضنا الحركة أكثر من ذلك بحيث لا يصدق معه المقيم تعيّن التقصير حينئذ، بعد ما عرفت من صدق اسم السفر عليه. فالمتّجه‌

____________

(1) في ص 271 272.

55

[مسألة 17: لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا]

[2248] مسألة 17: لا يعتبر في قصد المسافة أن يكون مستقلا (1) بل يكفي و لو كان من جهة التبعية للغير لوجوب الطاعة كالزوجة و العبد، أو قهراً كالأسير و المكره و نحوهما، أو اختياراً كالخادم و نحوه بشرط العلم بكون قصد المتبوع مسافة، فلو لم يعلم بذلك بقي على التمام.

____________

هو التفصيل بين صدق عنوان المقيم و عدمه حسبما عرفت.

(1) فان مقتضى إطلاق الأدلّة المتضمّنة لإناطة التقصير بقصد المسافة عدم اعتبار الاستقلال في القصد المزبور، فيشمل ما إذا كان تابعاً لقصد الغير، سواء أ كانت التبعيّة واجبة كما في الزوجة و العبد، أم مباحة مع الاختيار كما في الخادم أو الإكراه كالأسير، أو الاضطرار كمن شدّت يداه و رجلاه و أُخذ قهراً، كلّ ذلك للإطلاق بعد صدق قصد المسافة الذي هو الموضوع للحكم.

نعم، يعتبر في ذلك علم التابع بمقصد المتبوع و أنّه يريد المسافة، أمّا مع جهله بذلك فهو باق على التمام، إذ الاعتبار بفعلية القصد، المنفي عن التابع، لأنّ تعلّق قصده بالمسافة منوط بقصد المتبوع، فيقصد على تقدير قصده و إلّا فلا و حيث إنّه لا يدري فلا جرم ليس له قصد فعلي.

فحاله حال طالب الضالّة أو الصيد، أو الخارج لاستقبال أحد و نحوه ممّن لم يعلم ببلوغ السير حدّ المسافة الشرعية، فإنّ هؤلاء لا يقصّرون، لعدم إحرازهم للسفر، الموجب لانتفاء القصد، هذا.

و لكن المنسوب إلى جماعة منهم الشهيد (قدس سره) (1) تعيّن القصر فيما إذا كان المتبوع قاصداً للمسافة واقعاً، نظراً إلى أنّ التابع بمقتضى فرض التبعية‌

____________

(1) الدروس 1: 209.

56

..........

____________

قاصد لما يقصده المتبوع، لأنّ قصده تابع لقصده و مرتبط بإرادته، فإذا كان المتبوع قاصداً للمسافة فالتابع أيضاً قاصد لها واقعاً و إن كان هو لا يدري بذلك.

فهو نظير من قصد مسافة معيّنة كما بين الكوفة إلى الحلّة بزعم أنّها سبعة فراسخ و هي في الواقع ثمانية، فإنّه يجب عليه التقصير حينئذ، لكونه قاصداً للمسافة بحسب الواقع، إذ المدار على واقع الثمانية لا عنوانها، غايته أنّه جاهل بذلك فيكون معذوراً في الإتمام، و يجب عليه الإعادة قصراً بعد انكشاف الحال و إن لم يكن الباقي مسافة.

و على الجملة: لو سئل التابع عن مقصده لأجاب بأنّ قصدي ما يقصده متبوعي، فاذا كان مقصوده واقعاً هي الثمانية فهو أيضاً قاصد لها بطبيعة الحال فلا مناص من التقصير.

هذا ما ذكره الشهيد (قدس سره) و جماعة، و هو مختار الماتن (قدس سره) أيضاً كما سيصرّح به في المسألة العشرين الآتية.

و لكنّه لا يتم، لما عرفت من لزوم فعلية القصد المتعلّق بواقع الثمانية و ثبوته على كلّ تقدير، المنفي في حقّ التابع، لكونه معلّقاً على تقدير خاص، و هو قصد المتبوع للثمانية، و إلّا فهو غير قاصد لها.

و منه تعرف بطلان التنظير و ضعف قياس المقام بقاصد المسافة الواقعية جاهلًا بها، فانّ القياس مع الفارق، ضرورة أنّ القصد هنا تعليقي و هناك تنجيزي.

فإنّ من قصد السير من الكوفة إلى الحلّة المشتمل على بعد ثمانية فراسخ و إن جهل بها فهو في الحقيقة قاصد فعلًا للثمانية قصداً تنجيزياً، لتعلّق قصده بالذهاب إلى الحلّة على كلّ تقدير، و المفروض أنّ هذه المسافة ثمانية واقعاً، فهو‌

57

و يجب الاستخبار مع الإمكان [1]، نعم في وجوب الإخبار على المتبوع إشكال و إن كان الظاهر عدم الوجوب (1).

____________

لا محالة قاصد للثمانية منجّزاً بطبيعة الحال. فلا مناص من التقصير.

و هذا بخلاف التابع، فإنّه لا يقصد الثمانية إلّا على تقدير كونها مقصودة للمتبوع، فليس له قصد فعلي تنجيزي ثابت على كلّ تقدير كما كان كذلك في مورد التنظير.

و على الجملة: مقتضى فرض التبعية إناطة القصد بالقصد و تعليقه عليه فيقول التابع الخارج مع متبوعه عن النجف مثلًا جاهلًا بمقصده: إنّ متبوعي إن كان قاصداً للكوفة فقد قصدتها، و إن قصد ذا الكفل فكذلك، و إن قصد الحلّة فكذلك. فكلّ ذلك تقدير و تعليق على قصده، و إلّا فهو فاقد للقصد الفعلي بتاتاً. فبالنتيجة لا يكون قصده للمسافة إلّا على تقدير قصد المتبوع لها.

فالمقام أشبه شي‌ء بطالب الضالة أو الصيد أو الغريم، أو الخارج لاستقبال الحاجّ و نحو ذلك ممّن لا يقصد المسافة إلّا على تقدير دون تقدير، فهو يخرج لطلب الصيد مثلًا مهما وجده، إمّا على رأس الفرسخين أو الثمانية، فيسير في مساحة واقعية حاوية لمقصده مردّدة بين المسافة و غيرها، فكما يجب التمام هناك بلا كلام فكذا في المقام بمناط واحد.

(1) ينبغي التكلّم في جهات:

الاولى: هل يجب على التابع الجاهل بمقصد متبوعه الاستخبار لدى التمكّن منه؟ حكم (قدس سره) بالوجوب، و الظاهر العدم، فانّ الوجوب مبني على أمرين:

____________

[1] على الأحوط، و الأظهر عدم الوجوب.

58

..........

____________

أحدهما: دعوى كون الوظيفة الواقعية الثابتة في حقّ التابع هي القصر لو كان متبوعه قاصداً للمسافة و إن كان التابع جاهلًا بها، كما أنّ وظيفته التمام لو لم يقصدها. و عليه لا مناص من الفحص و السؤال تحقيقاً للامتثال و الإتيان بالوظيفة الواقعية على وجهها.

ثانيهما: وجوب الفحص في طائفة من الشبهات الموضوعية، و هي التي يؤدّي ترك الفحص فيها إلى الوقوع في مخالفة الواقع غالباً كما في باب الاستطاعة و بلوغ المال حدّ النصاب و نحوهما، و منه المقام أعني التحقيق عن المسافة كما تقدّم (1).

و لكن شيئاً منهما لا يتم.

أمّا الأوّل: فلما عرفت من دوران القصر مدار القصد الفعلي التنجيزي الثابت على كلّ تقدير، و هو مفقود بالإضافة إلى التابع بالوجدان، لكونه معلّقاً على قصد المتبوع، و هو مشكوك حسب الفرض، و معه لا قصد فلا قصر.

فالوظيفة المقرّرة في حقّ التابع حتّى في صقع الواقع إنّما هي التمام، فإنّها وظيفة كلّ من لم يكن قاصداً للمسافة فعلًا، و التابع من أبرز مصاديقه كما لا يخفى. فليس هناك واقع مردّد مجهول ليلزم الفحص عنه مقدّمة للامتثال.

نعم، بالفحص يتبدّل الموضوع الموجب لتبدّل الحكم، فينقلب غير القاصد إلى القاصد لو انكشف صدور القصد من المتبوع، فيحدث عندئذ وجوب القصر، لا أنّه ينكشف به واقع مجهول ليلزم الفحص عنه، إذ لا جهالة في الحكم الواقعي الثابت في حقّه فعلًا الذي هو التمام كما عرفت. و من المعلوم عدم الدليل على لزوم هذا التبديل و قلب الموضوع و تغييره كما هو ظاهر جدّاً.

____________

(1) في ص 33.

59

..........

____________

و أمّا الثاني: فلما تقدّم من منع استلزام ترك الفحص للوقوع في خلاف الواقع غالباً حتّى في أمثال هذه الموارد، فانّ الشكّ في المسافة أو في قصد المتبوع و كذا الاستطاعة و النصاب و نحو ذلك ليس ممّا يكثر الابتلاء به كي يوجب العلم إجمالًا بالمخالفة لو لم يفحص كما لا يخفى.

فشأن هذه الموارد شأن سائر موارد الشبهات الموضوعية في اشتراك الكلّ في عدم وجوب الفحص بمناط واحد، و لا تمتاز عنها بشي‌ء.

الجهة الثانية: لا يخفى أنّ الشك في المسافة يمتاز عن غيره من سائر موارد الشبهات الموضوعية في اختصاصه بعدم وجوب الفحص، حتّى لو بنينا على ثبوت القصر واقعاً و سلمنا وجوب الفحص فيما يوجب تركه الوقوع في مخالفة الواقع غالباً كما في الشكّ في الاستطاعة، و بلوغ المال حدّ النصاب و نحو ذلك لاختصاص المقام بعدم احتمال الوقوع في خلاف الواقع بتاتاً.

ضرورة أنّ الشاك الباني على التمام استناداً إلى أصالة التمام لا يخلو إمّا أن ينكشف له الخلاف في الوقت، أو في خارجه، أو لا ينكشف رأساً، و لا رابع.

فعلى الأوّل: يعيدها قصراً، فلم يفته الواقع كما هو واضح.

و على الثاني: فهو محكوم بالإجزاء، لصحيحة العيص بن قاسم الصريحة في عدم القضاء لو أتمّ في موضع التقصير جهلًا (1) كما سنتعرّض له في محلّه (2) إن شاء اللّٰه تعالى مفصّلًا، فلم يفته الواقع أيضاً.

و على الثالث: فالإجزاء فيه بطريق أولى، إذ مع القطع بالخلاف و حصول الانكشاف لم يجب القضاء، فما ظنّك بالشك. فعلى جميع التقادير لا يحتمل‌

____________

(1) الوسائل 8: 505/ أبواب صلاة المسافر ب 17 ح 1.

(2) في ص 360 و ما بعدها.

60

..........

____________

الوقوع في مخالفة الواقع كي يجب الفحص عنه.

و عليه فلا مقتضي لسؤال التابع و فحصه عن مقصد متبوعه بوجه، حتّى لو سلّمنا وجوب القصر عليه واقعاً إذا كان متبوعه قاصداً للمسافة واقعاً، لعدم احتمال استلزام تركه الوقوع في محذور مخالفة الواقع على أيّ حال كما عرفت. فاحتمال وجوب الفحص هنا ساقط جزماً.

الجهة الثالثة: بناءً على وجوب الفحص و الاستخبار هل يجب الإخبار على المتبوع؟

الظاهر العدم كما ذكره في المتن، إذ لا مقتضي له بوجه، فانّ التسبيب إلى وقوع الغير في الحرام الواقعي و إن كان محرماً كمباشرته، مثل ما لو قدّم طعاماً متنجّساً إلى الغير فأكله بزعم الطهارة، لاستناد ارتكاب الحرام حينئذ إلى السبب كاستناده إلى المباشر لدى علمه بالحرمة، و لا فرق بينهما في مناط التحريم كما حرّر في محلّه (1).

إلّا أنّ إيجاد المانع عن صدور الحرام الواقعي عمّن يفعله جاهلًا به غير لازم قطعاً، فلا يجب الإعلام بنجاسة الطعام لمن يأكله من تلقاء نفسه جاهلًا بنجاسته، إذ لا تسبيب حسب الفرض، و لم يصدر منه منكر بعد اعتقاد الطهارة ليلزم ردعه من باب النهي عن المنكر. و مجرّد صدور الحرام الواقعي عن المعذور لا ضير فيه.

و عليه فلا بأس بترك الإخبار و عدم الإعلام في المقام بعد أن لم يكن المتبوع هو السبب في وقوع التابع في الحرام الواقعي.

هذا كلّه بناءً على وجوب القصر واقعاً على التابع الذي يكون متبوعه‌

____________

(1) شرح العروة 3: 309.

61

[مسألة 18: إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة]

[2249] مسألة 18: إذا علم التابع بمفارقة المتبوع قبل بلوغ المسافة (1) و لو ملفّقة بقي على التمام، بل لو ظنّ ذلك فكذلك، نعم لو شكّ في ذلك فالظاهر القصر [1] خصوصاً لو ظنّ العدم، لكن الأحوط في صورة الظنّ بالمفارقة و الشكّ فيها الجمع.

____________

قاصداً للمسافة و هو لا يدري، و إلّا فقد عرفت أنّه غير مكلّف حينئذ إلّا بالتمام حتّى واقعاً، هذا.

مضافاً إلى ما عرفت في الجهة الثانية من عدم وقوع التابع الجاهل في خلاف الواقع على أيّ تقدير، إمّا لإعادته في الوقت، أو للإجزاء و عدم القضاء. فلا موضوع لوجوب الإخبار بوجه.

(1) فلا إشكال حينئذ في البقاء على التمام، لفقد القصد المعتبر في القصر و عدم تحقّقه رأساً لا استقلالًا و لا تبعاً كما هو واضح.

و أمّا الظنّ فقد ألحقه بالعلم في المتن، و فرّق بينه و بين الشكّ الذي استظهر فيه القصر.

و لكن التفرقة كما ترى في غير محلّها، إذ بعد البناء على عدم حجّية الظنّ و أنّه لا يغني عن الحقّ فلا جرم يكون محكوماً بحكم الشكّ، فإلحاقه به أحرى من إلحاقه بالعلم بمقتضى الصناعة كما لا يخفى.

و أمّا الشكّ في المفارقة فقد استظهر فيه القصر كما عرفت، و لعلّه لأجل ما يقتضيه طبع التبعية، إذ هي كالمقتضي لقصد المسافة، فلا يعتنى باحتمال المفارقة الذي هو بمثابة الشكّ في عروض المانع بعد إحراز المقتضي.

____________

[1] بل الظاهر التمام ما لم يطمئن بطيّ المسافة.

62

[مسألة 19: إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه]

[2250] مسألة 19: إذا كان التابع عازماً على المفارقة مهما أمكنه أو معلّقاً لها على حصول أمر كالعتق أو الطّلاق و نحوهما (1) فمع العلم بعدم الإمكان و عدم حصول المعلّق عليه يقصّر، و أمّا مع ظنّه فالأحوط الجمع و إن كان الظاهر التمام، بل و كذا مع الاحتمال إلّا إذا كان بعيداً غايته بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة، و مع ذلك أيضاً لا يترك الاحتياط [1].

____________

و لكن الظاهر تعيّن التمام، لما تقدّم من أنّ المدار في القصر على حصول القصد الفعلي و لو تبعاً، و من المعلوم أنّ احتمال المفارقة فضلًا عن الظنّ بها منافٍ لفعلية القصد، فهو بالأخرة مردّد في قصد المسافة فعلًا، و إنّما يقصدها معلّقاً على عدم المفارقة، و إذ لا قصد فلا قصر، لكونه مشروطاً بالتعقّب بالمسافة خارجاً على سبيل الشرط المتأخّر، و المفروض الشكّ في حصول الشرط.

نعم، لو كان الاحتمال المزبور موهوماً بحيث لا ينافي الاطمئنان بطي المسافة و قطعها وجب القصر حينئذ، لكون الاطمئنان حجّة عقلائية و علماً عاديا.

بل قلّما يتّفق العلم الوجداني، و لا يكاد ينفك القصد عن مثل هذا الاحتمال غالباً، لجواز حصول ما يمنعه من السير من العوارض الاتفاقية من برد أو لصّ أو عدوّ و نحو ذلك، كما هو الحال في قصد الإقامة، إذ من الجائز عروض ما يمنعه من البقاء من مرض أو تسفير أو وصول برقية تدعوه للرجوع و نحو ذلك من الاحتمالات، فانّ بابها واسع لا يسدّه شي‌ء.

(1) لا ريب حينئذ في وجوب التقصير مع العلم بعدم الإمكان أو بعدم المعلّق عليه من العتق و الطلاق و نحوهما كما أفاده (قدس سره) لحصول القصد الفعلي‌

____________

[1] لا بأس بتركه.

63

[مسألة 20: إذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شكّ في ذلك]

[2251] مسألة 20: إذا اعتقد التابع أنّ متبوعه لم يقصد المسافة أو شكّ في ذلك، و في الأثناء علم أنّه قاصد لها فالظاهر وجوب القصر عليه [1] (1) و إن لم يكن الباقي مسافة، لأنّه إذا قصد ما قصده متبوعه فقد قصد المسافة

____________

التنجيزي، غايته العزم على المفارقة قبل بلوغ المسافة معلّقاً على تقدير يقطع بعدم وقوعه، غير المنافي لفعلية القصد المزبور الذي هو تمام الموضوع لوجوب القصر كما هو واضح.

و أمّا مع الشكّ في الإمكان أو في حصول المعلّق عليه فضلًا عن الظنّ بهما فالظاهر حينئذ هو التمام كما ذكره في المتن، لانتفاء فعلية القصد مع فرض التردّد المزبور، لوضوح التنافي بينهما، إذ كيف يتمشّى منه قصد المسافة مع تجويزه المفارقة أو حصول المعلّق عليه، فلا قصد إلّا على سبيل التعليق، و قد عرفت ظهور الأدلّة في لزوم الفعلية و تنجيز القصد.

نعم، يتعيّن التقصير فيما إذا كان الاحتمال المذكور بعيداً غايته، بحيث لا ينافي صدق قصد المسافة، لعدم العبرة بالاحتمالات البعيدة غير الملتفت إليها عند العقلاء، التي لا يسلم قصد عن تطرقها لا في المقام و لا في قصد الإقامة إلّا ما شذّ، لقلّة موارد العلم الوجداني بالبقاء على القصد السابق و النيّة الاولى جدّاً فانّ باب احتمال طروء العوارض غير المترقّبة المانعة عن البقاء على العزم السابق واسع لا يسدّه شي‌ء كما تقدّم، حتّى في مثل الصلاة، لجواز عروض ما يوجب قطعها.

(1) بل الظاهر وجوب التمام ما لم يكن الباقي مسافة، و قياسه بما لو قصد‌

____________

[1] بل الظاهر وجوب التمام إلّا إذا كان الباقي مسافة و لو بالتلفيق.

64

واقعاً، فهو كما لو قصد بلداً معيّناً و اعتقد عدم بلوغه مسافة فبان في الأثناء أنّه مسافة، و مع ذلك فالأحوط الجمع.

[مسألة 21: لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرهاً على السفر أو مجبوراً عليه]

[2252] مسألة 21: لا إشكال في وجوب القصر إذا كان مكرهاً على السفر أو مجبوراً عليه، و أمّا إذا أُركب على الدابّة أو أُلقي في السفينة من دون اختياره بأن لم يكن له حركة سيرية، ففي وجوب القصر و لو مع العلم بالإيصال إلى المسافة إشكال، و إن كان لا يخلو عن قوّة (1).

____________

بلداً معيّناً كالحلّة معتقداً عدم بلوغه مسافة غير واضح كما مرّ التعرّض له و لكلام الشهيد في المسألة السابعة عشرة (1) لتعلّق القصد بواقع الثمانية فراسخ في المقيس عليه قصداً منجّزاً من غير تعليق على شي‌ء، و إن كان هو جاهلًا به.

و أمّا في المقام فقصد المسافة معلّق على قصد المتبوع و منوط به و دائر مداره و ليس قصداً فعلياً على سبيل الإطلاق كما في المثال، فهو من قبيل تردّد المقصد بين مسافات مختلفة، نظير تردّد مكان الضالّة بين أمكنة عديدة مردّدة بين القريبة و البعيدة، الذي عرفت أنّ مثله مانع من وجوب التقصير. فكما أنّ طالب الضالّة قاصد للمسافة على تقدير الحاجة، فكذا التابع قاصد لها على تقدير قصد المتبوع كما هو ظاهر.

(1) السفر كسائر الأفعال الاختيارية يتصوّر على وجوه أربعة:

الأوّل: أن يصدر عن المسافر باختيار و إرادة و طوع منه و رغبة، بلا إكراه من أحد و لا اضطرار.

____________

(1) في ص 55 56.

65

..........

____________

الثاني: أن يكون مكرهاً عليه، فيسير باختياره و إرادته و لكن من غير طيب النفس، بل بإكراه من الغير و توعيد منه على العقوبة، و لولاه لما سافر، نظير المعاملة المكره عليها.

الثالث: أن يكون مضطراً إليه، لضرورة تدعوه إليه من معالجة مريض أو مضايقة دين و نحو ذلك، و هو المراد من المجبور في عبارة المتن، فهو يسافر عن قصد و اختيار غير أنّه لا يرضى به إلّا بالعنوان الثانوي، لما يترتّب عليه من رفع الضرورة الملحّة، نظير البيع الاضطراري المحكوم بالصحّة من أجل أنّ البطلان على خلاف الامتنان، بخلاف البيع المكره عليه كما هو محرّر في محلّه (1).

و كيف ما كان، فلا ينبغي الإشكال في وجوب التقصير في هذه الصور الثلاث بمقتضى إطلاق الأدلّة، إذ لا يلزم إلّا السير إلى المسافة مع قصدها، المتحقّق في جميع هذه الفروض، و لم يقيّد شي‌ء من الأدلّة بالاختيار المقابل للإكراه أو الاضطرار كما هو ظاهر.

إنّما الكلام في الصورة الرابعة: و هي ما إذا لم يكن السير باختياره أبداً، كما لو أُخذ و شدّت يداه و رجلاه مثلًا و أُلقي في السفينة و نحوها، فهل يحكم عليه أيضاً بالقصر، أو أنّه محكوم بالتمام لانتفاء الإرادة و سلب الاختيار؟

الظاهر هو الأوّل، لإطلاق الأدلّة الشامل لصورتي الاختيار و عدمه، بعد التلبس بمجرّد القصد و إن لم يستند إلى الاختيار، مثل قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيّٰامٍ أُخَرَ (2) بضميمة ما ثبت من الخارج من الملازمة بين الإفطار و التقصير، و نحوه النصوص (3) الدالّة على لزوم التقصير‌

____________

(1) مصباح الفقاهة 3: 293، 287.

(2) البقرة 2: 184.

(3) المتقدِّمة في ص 4 5.

66

..........

____________

في بريدين أو بريد ذاهباً و بريد راجعاً، أو مسيرة يوم أو بياض النهار، فإنّها مطلقة من حيث الاختيار و عدمه.

بل لو كنّا نحن و هذه المطلقات لحكمنا بكفاية قطع المسافة كيف ما اتّفق و لو لا عن قصد، إلّا أنّه قد ثبت من الخارج تقييده بالقصد، فبهذا المقدار نرفع اليد عن الإطلاق. و أمّا الزائد عليه أعني تقييد القصد بصدوره عن الاختيار فمدفوع بأصالة الإطلاق بعد خلوّ دليل التقييد عن اعتناق هذه الخصوصية. و لمزيد التوضيح ينبغي التعرّض لأدلّة التقييد بالقصد لتستبين صحّة ما ادّعيناه من عدم التقييد بالاختيار.

فمنها: الإجماع المدّعى على اعتبار قصد المسافة في وجوب التقصير.

و هو لو تمّ و كان إجماعاً تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم (عليه السلام) لم يقتض إلّا اعتبار طبيعي القصد الجامع بين الاختيار و غيره، المساوق لمجرّد العلم، نظير اعتبارهم القصد في إقامة العشرة الذي لإيراد به هناك إلّا هذا المعنى جزماً، و من ثمّ حكموا بالتمام في من اجبر على المكث في مكان عشرة أيام كما في المحبوس و إن كان فاقداً للاختيار.

و كيف يحتمل تقييدهم القصد فيما نحن فيه بالاختيار مع ذهاب المشهور إلى وجوب التقصير على المكره على السفر، بل في المستند دعوى الإجماع عليه (1) و يقتضيه إطلاق كلامهم في الأسير كما لا يخفى. و هذا كلّه يكشف عن أنّ مرادهم بالقصد أعمّ من مجرّد العلم كما عرفت، لا خصوص الحصّة الاختيارية.

و منها: موثّقة عمار عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال فيها: «لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، فليتم الصلاة» (2).

____________

(1) المستند 8: 222.

(2) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3.

67

..........

____________

دلّت على لزوم قصد المسافة من المنزل، فلا قصر بدون هذا القصد و إن بلغ به السير هذا الحدّ شيئاً فشيئاً كما هو المفروض في السؤال. فبهذا المقدار تقيّد المطلقات، و لا دلالة لها بوجه على لزوم صدور القصد المزبور عن الإرادة و الاختيار، بل هي مطلقة يكتفى [به] حتّى لو صدر لا عن اختيار.

و دعوى انسباق الاختيار من الأفعال ظهوراً أو انصرافاً غير مسموعة كما حقّق في محلّه (1)، هذا.

و ربّما يستدلّ على المدّعى من كفاية العلم في تحقّق القصد و عدم الحاجة إلى الاختيار بما رواه الشيخ الكليني بإسناده عن إسحاق بن عمار، قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قوم خرجوا في سفر فلمّا انتهوا إلى الموضع الذي يجب عليهم فيه التقصير قصّروا من الصلاة، فلمّا صاروا على فرسخين أو على ثلاثة فراسخ أو على أربعة تخلّف عنهم رجل لا يستقيم لهم سفرهم إلّا به فأقاموا ينتظرون مجيئه إليهم و هم لا يستقيم لهم السفر إلّا بمجيئه إليهم، فأقاموا على ذلك أياماً لا يدرون هل يمضون في سفرهم أو ينصرفون، هل ينبغي لهم أن يتمّوا الصلاة أو يقيموا على تقصيرهم؟ قال: إن كانوا بلغوا مسيرة أربعة فراسخ فليقيموا على تقصيرهم، أقاموا أم انصرفوا، و إن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة، قاموا أو انصرفوا، فاذا مضوا فليقصّروا» (2).

و رواه الشيخ الصدوق في العلل بسنده عن محمد بن علي الكوفي عن محمد ابن أسلم (مسلم) نحوه، و زاد «قال: ثمّ قال (عليه السلام): هل تدري كيف صار هكذا؟ قلت: لا، قال: لأنّ التقصير في بريدين إلى أن قال: قلت: أ ليس قد بلغوا الموضع الذي لا يسمعون فيه أذان مصرهم الذي خرجوا منه؟

____________

(1) محاضرات في أُصول الفقه 2: 146 المسألة الثانية من المقام الأوّل من مبحث التوصلي و التعبدي.

(2) الوسائل 8: 466/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10، الكافي 3: 433/ 5.

68

..........

____________

قال: بلى، إنّما قصّروا في ذلك الموضع لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم و أنّ السير يجدّ بهم، فلمّا جاءت العلّة في مقامهم دون البريد صاروا هكذا» (1)، و مثله رواه البرقي في المحاسن عن محمد بن أسلم (مسلم) (2).

حيث يظهر من قوله (عليه السلام): «لأنّهم لم يشكّوا في مسيرهم» أنّ العبرة في وجوب التقصير بعدم الشكّ في السفر. فكلّ من يعلم به و لم يشكّ في سيره قصّر و إلّا فلا، سواء أ كان بالاختيار أم بدونه.

أقول: أمّا السند فهو على طريق الكليني بظاهره خال عن الخدش، لعدم اشتماله على من يغمز فيه عدا محمد بن أسلم، الذي هو الطبري الجبلي، و هو من رجال كامل الزيارات (3). لكن الاستشهاد لم يكن بمتنه (4).

نعم، هو ضعيف على طريق الصدوق المشتمل على محمد بن علي الكوفي حيث إنّ الظاهر أنّ المراد به في المقام هو أبو سمينة المشتهر بالكذب، سيما مع التصريح به في طريق البرقي، و لا أقل من احتمال ذلك، فتسقط الرواية بذلك عن درجة الاعتبار.

و منه تعرف إمكان تطرّق الخدش في طريق الكليني أيضاً، لعدم احتمال تعدّد الرواية كما لا يخفى، فيدور الأمر بين حذف الرجل في هذا الطريق و بين زيادته في طريق الصدوق، و معه لا يبقى وثوق بصحّة السند.

و أمّا ما في بعض نسخ العلل و المحاسن من ذكرِ (محمد بن مسلم) بدلًا عن (محمد بن أسلم) فليس المراد به الثقفي المعروف قطعاً، فإنّه يروي عن الباقرين‌

____________

(1) الوسائل 8: 466/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 11، علل الشرائع: 367/ 1.

(2) المحاسن 2: 27/ 1100.

(3) معجم رجال الحديث 16: 86/ 10257 [لكنّه لم يوثقه في المعجم فلاحظ].

(4) [بل بالمتن الذي نقله الصدوق].

69

..........

____________

(عليهما السلام) بلا واسطة، لا عن أبي الحسن (عليه السلام) مع الواسطة كما في المقام.

عل أنّه من غلط النساخ جزماً، إذ لم تعهد رواية محمد بن علي الكوفي عن محمد بن مسلم، و قد روى عن محمد بن أسلم في مواضع كثيرة كما يظهر بمراجعة المعجم (1). و كيف ما كان، فقد عرفت أنّ الرواية غير نقيّة السند.

و أمّا الدلالة: فالظاهر أنّها أيضاً قاصرة، نظراً إلى أنّ تلك الجملة المستشهد بها قد وردت في مقام رفع استبعاد السائل عن أنّهم كيف يتمّون و قد قصّروا قبل ذلك؟ فأجاب (عليه السلام) بأنّهم إنّما قصروا آن ذاك حسب وظيفتهم الفعلية حيث لم يشكّوا في المسير، و كانوا يعتقدون السفر، فلمّا انكشف الخلاف أتمّوا.

فهي مسوقة لذبّ الاستبعاد المزبور عنهم، و ليست في مقام بيان أنّه لا يلزم في السفر شي‌ء آخر، و أنّ الموضوع هو العلم فقط، و لعلّ القصد بمعنى الاختيار أيضاً معتبر، و ليس المقام مقام ذكره. فالعمدة ما ذكرناه.

و المتحصّل من جميع ما قدّمناه: أنّ الأدلّة الأوّلية تقتضي وجوب التقصير لمن سافر ثمانية فراسخ، سواء أقصد أم لا، و سواء أ كان باختياره أم لا، و لكن الأدلّة الخارجية دلّتنا على اعتبار القصد في وجوب التقصير، و بذلك ترفع اليد عن المطلقات بهذا المقدار، و يكون الموضوع هو القصد و ثمانية فراسخ، و لم نجد في تلك المقيّدات التي اعتبرت القصد ما يدلّ على اختصاص ذلك بالاختياري بل هي مطلقة سواء أحصل عن إرادة و اختيار أم لا، و لازم ذلك أنّ من سافر بلا اختيار كما في محلّ الكلام يجب عليه التقصير، لدخوله تحت المطلق حسبما عرفت.

____________

(1) معجم رجال الحديث 16: 352.

70

[الثالث: استمرار قصد المسافة]

الثالث: استمرار قصد المسافة، فلو عدل عنه قبل بلوغ الأربعة أو تردّد أتمّ (1)، و كذا إذا كان بعد بلوغ الأربعة لكن كان عازماً على عدم العود، أو كان متردّداً في أصل العود و عدمه، أو كان عازماً على العود لكن بعد نيّة الإقامة هناك عشرة أيام، و أمّا إذا كان عازماً على العود من غير نيّة الإقامة عشرة أيام فيبقى على القصر و إن لم يرجع ليومه، بل و إن بقي متردّداً إلى ثلاثين يوماً، نعم بعد الثلاثين متردّداً يتم.

____________

(1) بلا خلاف، بل إجماعاً كما ادّعاه غير واحد، فيعتبر القصد المزبور حدوثاً و بقاءً، فلو عدل عنه في الأثناء قبل بلوغ الأربعة رجع إلى التمام، و كذا بعده إلّا إذا كان عازماً على العود بحيث تتشكّل منه المسافة التلفيقية بدلًا عن الامتدادية.

و يدلّ على الحكم نفس الأدلّة الأوّلية المتكفّلة لإناطة التقصير بثمانية فراسخ إذ مقتضى هذا التحديد أنّه لو قلّت المسافة عن الثمانية بأن عزمها ثمّ بدا له في الأثناء انتفى عنه حكم التقصير و رجع إلى التمام، لانتفاء ما كان الاعتبار به في ثبوته أعني ثمانية فراسخ و لو ملفّقة.

نعم، إنّ نفس هذه الروايات دلّتنا على وجوب التقصير بمجرّد التجاوز عن حدّ الترخّص من دون انتظار بلوغ الثمانية، و لأجله ربّما يتراءى نوع تدافع بين الحكمين كما لا يخفى. إذن لا بدّ من الالتزام بالشرط المتأخِّر، و أنّ الحكم بالتقصير لدى بلوغ حدّ الترخّص مشروط ببلوغ السير إلى نهاية الثمانية مستمرّاً، فعدوله في الأثناء يكشف عن عدم ثبوت الحكم، لانتفاء الموضوع واقعاً و إن كان به جاهلًا.

و هل يعيد حينئذ ما صلاه قصراً أو أنّه يجزي كما لعلّه المشهور؟ فيه كلام‌

71

..........

____________

و سنبحث عنه إن شاء اللّٰه تعالى عند تعرّض الماتن له في مسألة مستقلّة قريباً (1).

و كيف ما كان، فقد عرفت أنّ نفس الأدلّة الأوّلية وافية لإثبات هذا الاشتراط، فالحكم مطابق للقاعدة من غير حاجة إلى التماس نصّ خاص.

مضافاً إلى استفادته من صحيحة أبي ولاد، قال «قلت لأبي عبد اللّٰه (عليه السلام): إنّي كنت خرجت من الكوفة في سفينة إلى قصر ابن هبيرة و هو من الكوفة على نحو من عشرين فرسخاً في الماء، فسرت يومي ذلك أُقصّر الصلاة ثمّ بدا لي في اللّيل الرجوع إلى الكوفة، فلم أدر أُصلّي في رجوعي بتقصير أو بتمام، و كيف كان ينبغي أن أصنع؟ فقال: إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير، لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير إلى منزلك، قال: و إن كنت لم تسر في يومك الذي خرجت فيه بريداً فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام من قبل أن تؤم (2) من مكانك ذلك، لأنّك لم تبلغ الموضع الذي يجوز فيه التقصير حتّى رجعت، فوجب عليك قضاء ما قصّرت، و عليك إذا رجعت أن تتمّ الصلاة حتّى تصير إلى منزلك» (3).

و قد تضمّنت الصحيحة أحكاماً ثلاثة:

الأوّل: أن من عدل عن سفره قبل بلوغ الأربعة يتمّ صلاته.

الثاني: أنّه يعيد ما صلاه قصراً تماماً، لعدم تحقّق السفر منه.

الثالث: أنّه إذا أراد الرجوع بعد بلوغ الأربعة قصّر، و هذا الأخير أجنبي عن محلّ الكلام، و الأمران الأوّلان يعطيان اعتبار الاستمرار في القصد، و أنّ‌

____________

(1) في ص 83 و ما بعدها.

(2) [في التهذيب 3: 298/ 909: من قبل أن تريم].

(3) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.

72

..........

____________

القصد البدائي لا يكفي في ثبوت التقصير.

و لكن صحيحة زرارة تعارض هذه الصحيحة في الحكم الثاني، حيث قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا، و انصرف بعضهم في حاجة، فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين؟ قال: تمّت صلاته و لا يعيد» (1).

فدلّت على عدم إعادة ما صلاه قصراً على خلاف هذه الصحيحة، و لا بدّ من التساقط في هذه الفقرة أو التقديم.

و كيف ما كان، فهذا حكم آخر خارج عن نطاق هذا البحث، و هذه غير متعرّضة لما دلّت عليه صحيحة أبي ولاد في حكمها الأوّل، أعني الحكم بالتمام في من عدل قبل بلوغ المسافة، فهي في هذا الحكم الذي هو محلّ الكلام سليمة عن المعارض، و هي صريحة الدلالة على اعتبار الاستمرار في القصد كما عرفت.

و يعضدها رواية إسحاق بن عمار، و رواية المروزي (2) المتقدّمتان (3) فلاحظ.

و لكنّهما ضعيفتا السند كما تقدّم، فلا تصلحان إلّا للتأييد، و إن كانت الثانية معتبرة على مسلكنا، لوقوع المروزي في أسناد كامل الزيارات، و العمدة هي هذه الصحيحة. إذن يعتبر استمرار القصد، فلا يكفي لو عدل، بل و كذا لو تردّد للشكّ في تحقّق الشرط.

بقي شي‌ء و هو أنّه لو قصد المسافة و في الأثناء عدل أو تردّد، و مع ذلك سار شيئاً فشيئاً متردِّداً إلى أن بلغ المسافة فكانت قطعة من سيرة فاقدة للعزم‌

____________

(1) الوسائل 8: 521/ أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1.

(2) الوسائل 8: 466/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10، 457/ ب 2 ح 4.

(3) [تقدّمت رواية عمار في ص 67 دون رواية المروزي، نعم ستأتي في ص 85].

73

..........

____________

و الجزم، فهل يقصّر حينئذ نظراً إلى أنّه قصد المسافة و قد قطعها خارجاً فيشملها إطلاقات الأدلّة الدالّة على إناطة التقصير بقصد الثمانية و طيّها؟

الظاهر هو الحكم بالتمام، لأجل قوله (عليه السلام) في موثقة عمار المتقدّمة: «... لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ» (1).

فانّ التعبير بصيغة المضارع في قوله: «حتّى يسير» يعطينا لزوم التلبّس الفعلي بكون سيره من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، و هذا لا يكون إلّا مع استمرار القصد، بأن يكون القصد المزبور محفوظاً من لدن خروجه من المنزل و حتّى النهاية، و إلّا ففي حال الرجوع عن عزمه أو التردّد لا يصدق أنّه متلبّس فعلًا بالسير من منزله أو قريته إلى ثمانية فراسخ.

فتحقيقاً للتلبّس الفعلي المستفاد من التعبير بالمضارع لا بدّ من مراعاة القصد المزبور في جميع آنات السير، بأن يكون متّصفاً بهذا العنوان أي عنوان أنّه يسير من منزله إلى ثمانية فراسخ في جميع الحالات و حتّى نهاية المسافة، فكما يعتبر القصد من الأوّل يعتبر في الأثناء أيضاً، فلو تردّد لم يصدق أنّه سار من منزله إلى ثمانية فراسخ، بل يصدق أنّه سار من منزله إلى فرسخين مثلًا ثمّ سار الباقي متردّداً.

و بالجملة: مورد القصد أي العلم لا يقبل عروض الشكّ، و مبدأ هذا العلم من منزله، و منتهاه نهاية الثمانية فراسخ، فمتى تحقّق يقصّر، و إلّا لم يكن مسافراً، بل يندرج تحت عمومات وجوب التمام على كل مكلّف حسبما عرفت.

____________

(1) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 4 ح 3.

74

[مسألة 22: يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع و إن عدل عن الشخص]

[2253] مسألة 22: يكفي في استمرار القصد بقاء قصد النوع و إن عدل عن الشخص (1)، كما لو قصد السفر إلى مكان مخصوص فعدل عنه إلى آخر يبلغ ما مضى و ما بقي إليه مسافة، فإنّه يقصّر حينئذ على الأصح، كما أنّه يقصّر لو كان من أوّل سفره قاصداً للنوع دون الشخص، فلو قصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق و لم يعيّن من الأوّل أحدهما بل أوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحدّ المشترك كفى في وجوب القصر.

____________

(1) فلو قصد مسافة معيّنة امتدادية و في الأثناء عدل إلى مكان آخر يبلغ المجموع ممّا مضى و ما بقي إليه المسافة، فبدّل الامتداد بامتداد آخر، أو بدا له في الرجوع و قد بلغ أربعة فراسخ، فبدّل الامتداد بالتفليق، أو كان قاصداً للنوع دون الشخص من أوّل سفره فقصد أحد المكانين المشتركين في بعض الطريق و أوكل التعيين إلى ما بعد الوصول إلى آخر الحد المشترك، ففي جميع ذلك يحكم بالتقصير، لعدم الدليل على اعتبار الاستمرار في شخص القصد، بل المدار على بقاء قصد نوع المسافة و كلّيها.

و يدلّنا على ذلك الإطلاقات الأوّلية المتضمّنة لإناطة التقصير بقطع الثمانية المعبّر عنها بمسيرة يوم أو بياض النهار و نحو ذلك ممّا ذكر في لسان الروايات (1) خرجنا عن ذلك بمقتضى موثّقة عمّار الدالّة على عدم كفاية الثمانية على إطلاقها بل لا بدّ و أن تكون مقصودة من أوّل الأمر مع استمرار هذا القصد كما تقدّم (2) فلا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله أو قريته ثمانية فراسخ، أي يكون قاصداً لذلك من ابتداء سيره إلى بلوغ الثمانية. فبهذا المقدار نرتكب التقييد في تلك الإطلاقات.

____________

(1) المتقدِّمة في ص 4 5.

(2) في ص 51.

75

..........

____________

و أمّا الزائد على ذلك أعني لزوم استمراره على شخص الثمانية التي عيّنها في ابتداء سفره فلا تدلّ الموثقة عليه بوجه، بل ظاهرها اعتبار البقاء على مجرّد قصد الثمانية في مقابل من يقطعها بقصدين و عزمين المفروض في السؤال. فلو قصد النوع من الأوّل، أو بدّل شخصاً بشخص آخر، فلا ينبغي التأمّل في كونه مشمولًا لإطلاق الموثّقة، إذ يصدق حينئذ أنّه سار من منزله ثمانية فراسخ كما لا يخفى.

و لو أغمضنا عن ذلك و سلمنا ظهورها في لزوم البقاء على شخص القصد الذي لازمه انتفاء القصر في الفروض المذكورة، لكونها من قبيل ما قصد لم يقع و ما وقع لم يقصد، فلا مناص من رفع اليد عن هذا الظهور بصحيحة أبي ولاد الصريحة في التقصير لدى العدول من الامتداد إلى التلفيق، حيث قال (عليه السلام): «... إن كنت سرت في يومك الذي خرجت فيه بريداً فكان عليك حين رجعت أن تصلّي بالتقصير، لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير في منزلك ...» إلخ (1).

فإنّها كما ترى صريحة في عدم لزوم الاستمرار في شخص القصد، و كفاية البقاء على نوعه، و لأجله حكم (عليه السلام) بالتقصير لدى التبدّل بالتلفيق مع أنّ قصده في ابتداء السفر كان متعلّقاً بخصوص المسافة الامتدادية.

و من ثمّ اعترف الشيخ (قدس سره) (2) بجواز العدول عن شخص القصد لكن في خصوص ما لو عدل عن الامتداد إلى التلفيق الذي هو مورد هذه الصحيحة، و لم يلتزم بالقصر فيما لو عدل عن الامتداد إلى امتداد مثله، جموداً على مورد النص.

____________

(1) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.

(2) [لعلّه ناظر إلى ما ذكره في النهاية: 124، السطر الأخير].

76

..........

____________

لكن الظاهر هو التعميم، أمّا أوّلًا: فبالأولوية القطعية، إذ الأصل في المسافة هي الامتدادية، و التلفيق ملحق بها بدليل الحكومة و منزّل منزلتها بمقتضى قوله (عليه السلام): «إنّه ذهب بريداً و رجع بريداً، فقد شغل يومه» المذكور في صحيح ابن مسلم كما تقدم (1)، فاذا ثبت الحكم في التلفيق و هذا شأنه ففي الامتداد الذي هو الأساس بطريق أولى كما لا يخفى.

و ثانياً: مع الغض عن ذلك فيكفينا في التعدِّي عن مورد الصحيحة ما اشتمل ذيلها من التعليل بقوله (عليه السلام): «لأنّك كنت مسافراً إلى أن تصير في منزلك» فانّ مقتضى عموم العلّة انسحاب الحكم لكلّ مورد يصدق معه كونه مسافراً إلى أن يصير في منزله، و لا ريب في صدق هذا العنوان لدى تبدّل الامتداد بامتداد آخر، كصدقه عند تبدّله بالتلفيق بمناط واحد.

على أنّ الظاهر أنّه لا إشكال عندهم في أنّ من خرج قاصداً لكلّي المسافة و نوع الثمانية على أن يعيّنها فيما بعد أنّه يقصّر في الحدّ المشترك من الطريق. فيظهر من ذلك كلّه أنّ الاعتبار في الاستمرار بالبقاء على قصد النوع، فلا يضرّه العدول عن شخص القصد، فإنّه غير دخيل في موضوع الحكم.

نعم، لا تشمل الصحيحة ما لو عدل عن الامتداد إلى امتداد آخر، و كان ذلك قبل بلوغ أربعة فراسخ، كما لو خرج بقصد الثمانية الشخصية و بعد مضي ثلاثة فراسخ عدل عن مقصده و عزم مكاناً آخر يبلغ خمسة فراسخ، بحيث كان مجموع الباقي مع الماضي ثمانية امتدادية، فإنّ هذا الفرض غير مشمول للصحيحة بوجه، لاختصاصها بما إذا كان العدول بعد الخروج بريداً.

لكن التقصير ثابت هنا أيضاً، لعدم القول بالفصل، فإنّ القائل بجواز تبديل الامتداد بالامتداد لا يفرّق بين ما لو كان ذلك بعد مضي أربعة فراسخ أم قبله كما لا يخفى.

____________

(1) في ص 8.

77

[مسألة 23: لو تردّد في الأثناء ثمّ عاد إلى الجزم]

[2254] مسألة 23: لو تردّد في الأثناء ثمّ عاد إلى الجزم فامّا أن يكون قبل قطع شي‌ء من الطريق أو بعده، ففي الصورة الأُولى يبقى على القصر [1] إذا كان ما بقي مسافة و لو ملفّقة، و كذا إن لم يكن مسافة في وجه، لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط [1] بالجمع، و أمّا في الصورة الثانية فإن كان ما بقي مسافة و لو ملفّقة يقصّر أيضاً، و إلّا فيبقى على التمام، نعم لو كان ما قطعه حال الجزم أوّلًا مع ما بقي بعد العود إلى الجزم بعد إسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد مسافة ففي العود إلى التقصير وجه، لكنّه مشكل فلا يترك الاحتياط بالجمع [2] (1).

____________

و كيف ما كان، فلا ينبغي التأمّل في عموم الحكم لجميع هذه الفروض، و أنّ المدار في الاستمرار على النوع دون الشخص كما عرفت.

(1) لو تردّد في أثناء المسافة أو بدا له في الرجوع ثمّ عاد إلى الجزم السابق فحصل له البداء عن البداء الأوّل فهل يبقى حينئذ على القصر، أو يجب التمام أو أنّ فيه تفصيلًا كما ذكره في المتن؟

و حاصله: أنّه لا إشكال في البقاء على القصر فيما إذا كان الباقي بنفسه مسافة و لو ملفّقة، سواء قطع شيئاً من الطريق بين البداءين أم لا.

و أمّا إذا لم يكن بنفسه مسافة إلّا بضميمة ما مضى حال الجزم السابق فحينئذ إن لم يقطع شيئاً من الطريق حال تردّده أو حال ما بدا له في الرجوع‌

____________

[1] هذا إذا شرع في السفر، و كذا الحال فيما بعده.

[1] الأظهر كفاية التمام.

[2] الأظهر كفاية التمام.

78

..........

____________

ففي البقاء على القصر أيضاً وجه ذكره صاحب الجواهر (1)، و لكنّه مشكل، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

و أمّا إذا قطع شيئاً فيبقى على التمام إلّا إذا كان الباقي بعد العود إلى الجزم بضميمة ما قطعه حال الجزم الأوّل بعد إسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد، أو حال ما بدا له في الرجوع مسافة، فانّ في العود حينئذ إلى التقصير وجهاً، و لكنّه مشكل، فلا يترك الاحتياط بالجمع.

أقول: ينبغي التكلّم في ضمن مسائل:

الاولى: لا ينبغي التأمّل في لزوم التقصير فيما إذا كان الباقي بعد الجزم الثاني بنفسه مسافة و لو ملفّقة كما أفاده الماتن، فإنّه إنشاء لسفر جديد بعد انقطاع حكم الأوّل بالترديد.

إلّا أنّه لا يتمّ على إطلاقه كما قد يقتضيه ظاهر عبارته من ثبوت القصر بمجرّد العود إلى الجزم، بل لا بدّ في ذلك من التلبس بالسير و لو شيئاً ما ليتّصف بكونه مسافراً الذي هو الموضوع لوجوب التقصير في النصوص، و إلّا فلم يثبت في شي‌ء من الأدلّة وجوب القصر بمجرّد العزم على السفر من قبل تلبّسه بالسير خارجاً.

نعم، لا يشترط في ذلك الخروج عن حدّ الترخّص، لعدم الدليل على اعتبار هذا الشرط في كلّ من وجب عليه التمام، بل هو خاصّ بمن خرج عن وطنه و منزله، و لم يثبت فيما عدا ذلك حتّى من خرج عن محلّ قصد فيه الإقامة عشرة أيام، فإنّه يقصّر بمجرّد الخروج عن المحلّ و التلبّس بشي‌ء من السير كما سيجي‌ء التعرّض له في محلّه عند تعرّض الماتن إن شاء اللّٰه تعالى (2).

____________

(1) الجواهر 14: 236.

(2) في ص 210.

79

..........

____________

و بالجملة: فإطلاق كلام الماتن في المقام لا يمكن المساعدة عليه.

الثانية: لا إشكال في وجوب التمام حال التردّد أو العزم على الرجوع، لفقد القصد المعتبر في القصر كما هو ظاهر، و أمّا بعد العود إلى الجزم و المفروض عدم كون الباقي بنفسه مسافة و لو ملفّقة و لم يقطع بعد شيئاً من الطريق، فهل يجب القصر حينئذ كما اختاره في الجواهر، أو أنّه يتعيّن التمام؟

ربما يقال باندراج المقام في كبرى الدوران بين الرجوع إلى عموم العام أو استصحاب حكم المخصّص، فانّ المسافر من لدن خروجه من منزله إلى نهاية ثمانية فراسخ محكوم بوجوب القصر في كلّ مكان من الأمكنة المتخلّلة في هذه المسافة، خرجنا عن ذلك في النقطة التي عرض الترديد أو العزم على الرجوع فإنّها محكومة بالتمام بلا إشكال، و أمّا فيما بعد هذه الحالة أعني حالة العود إلى الجزم السابق فيشكّ في حكمه و أنّه هل هو التمام استناداً إلى استصحاب حكم الخاص، أو أنّه القصر عملًا بعموم العام؟

و حيث إنّ الصحيح هو الثاني، لكون العموم في المقام انحلالياً استغراقياً لا مجموعياً ليكون حكماً وحدانياً مستمرّاً، فلا مناص من الحكم بالتقصير.

أقول: لا ينبغي التأمّل في أنّه بناءً على اعتبار الاستمرار في قصد المسافة و لزوم الانبعاث في قطع الثمانية عن قصد وحداني مستمرّ كما دلّت عليه موثّقة عمّار على ما تقدّم (1)، فما يقطعه حال العود إلى الجزم غير قابل للانضمام إلى ما قطعه حال الجزم السابق، لتخلّل التردّد أو العزم على الرجوع بين الجزمين فانّ الوظيفة الواقعية في هذه الحالة أعني حالة التردّد أو العزم على الخلاف هي التمام بالضرورة، لفقد القصد، و بها يستكشف أنّ الوظيفة الواقعية كانت‌

____________

(1) في ص 73.

80

..........

____________

هي التمام من أوّل الأمر و من لدن خروجه من المنزل، لفقد شرط الاستمرار بعروض التردّد، و أنّ ما تخيّله من القصر كان خيالًا محضاً.

فلا قصر لا في الحالة السابقة و لا اللّاحقة، كما هي منفيّة عن الحالة الفعلية أي التردّد فهو منفي عن الكلّ و مفقود في جميع الحالات بمناط واحد، و هو انتفاء شرط الاستمرار في القصد عن الجميع، لا أنّ بعض الأفراد محكوم بحكم العام و قد خرج فرد في حالة و نشكّ في بقاء حكمه في الحالة الأُخرى كي يبتني على الرجوع إلى الاستصحاب أو عموم العام، بل لم يكن القصر باقياً في شي‌ء من الحالات و لا في مكان من الأمكنة و إن تخيّل هو ثبوته سابقاً، بل الوظيفة هي التمام من أوّل الأمر كما عرفت.

و لو بنينا على ثبوت القصر سابقاً حتّى واقعاً كما عليه المشهور و لا نلتزم به كما ستعرف (1) فإنّما هو لدليل خاص، و هي صحيحة زرارة (2) الدالّة على الإجزاء بزعمهم، و إلّا فمقتضى القاعدة الأوّلية هو التمام واقعاً بعد انكشاف فقد شرط القصر كما عرفت.

و ممّا يؤكِّد ما ذكرناه من انقطاع اللّاحق عن السابق و عدم قبول الانضمام بعد تخلّل التردّد أو العزم على الرجوع في البين ما اتّفقوا عليه من غير خلاف كما قيل من أنّ قصد الإقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية قاطع لحكم السفر، فلو خرج من النجف قاصداً كربلاء و بانياً على إقامة عشرة أيام في خان النصف لم يقصّر، بل يتمّ في طريقه كلّه.

فلولا اعتبار الاستمرار في القصد مضافاً إلى اعتبار الاتصال في القطع الخارجي فلما ذا لم يحكم بالقصر فيما قبل محلّ الإقامة و ما بعدها مع فرض بلوغ‌

____________

(1) في المسألة الآتية.

(2) الآتية في ص 84.

81

..........

____________

المجموع حدّ المسافة. فهذا ممّا يدلّنا على عدم صلاحية انضمام اللّاحق بالسابق بعد تخلّل التردّد أو العزم على الخلاف، الموجب لفقد الاتصال و قطع الاستمرار في قصد المسافة.

و على الجملة: تخلّل التردّد في الأثناء فضلًا عن العزم على الرجوع موجب لانتفاء موضوع القصر، لزوال شرطه و هو الاستمرار في القصد، فليست الوظيفة الواقعية في جميع تلك الحالات إلّا التمام، هذا أوّلًا.

و ثانياً: مع الغضّ عن ذلك فلا شكّ في أنّ الوظيفة الواقعية حال التردّد أو العزم على الرجوع إنّما هي التمام بالضرورة، لفقد قصد المسافة وقتئذ كما هو ظاهر، و حينئذ فتكفينا في وجوب التمام بعد العود إلى العزم السابق الروايات الكثيرة المستفيضة و قد تقدّمت (1) الدالّة على أنّ المكلّف بالتمام لا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا بعد قصد ثمانية فراسخ، و أنّه لا يقصّر في أقل من ذلك قال قلت: في كم التقصير؟ قال (عليه السلام): في بريدين ثمانية فراسخ (2). و في بعضها التصريح بأنّه لا أقل من ذلك.

فانّ قوله: في كم التقصير. ظاهر في أنّ السؤال عمّن هو مكلّف فعلًا بالتمام و أنّه متى يخاطب بالقصر و تنقلب وظيفته إليه، فأجاب (عليه السلام) بأنّ حدّ ذلك ما إذا قصد ثمانية فراسخ أو بريداً ذاهباً و بريداً جائياً، فلا تقصير ما لم يقصد المسافة من حين كونه مكلّفاً بالتمام.

و المفروض في المقام أنّه مكلّف بالتمام واقعاً حال التردّد كما عرفت، و أنّه لم يقصد الثمانية من هذا المكان بعد عوده إلى الجزم السابق، بل قصد الأقل من ذلك، فلا قصر في حقّه بمقتضى هذه النصوص.

____________

(1) في ص 71، 72 و غيرهما.

(2) الوسائل 8: 453/ أبواب صلاة المسافر ب 1 ح 8 (نقل بالمضمون).

82

..........

____________

و هذه كبرى كلّية نستدلّ بها في كثير من المسائل الآتية، و هي أنّ كلّ من خوطب بالتمام لجهة من الجهات التي منها التردّد أو العزم على الرجوع كما في المقام فلا تنقلب وظيفته إلى القصر إلّا إذا قصد من مكانه السير ثمانية فراسخ و لو ملفّقة، و إلّا فهو باقٍ على التمام.

نعم، ربما يستدلّ للتقصير في المقام برواية إسحاق بن عمار الواردة في قوم تردّدوا في السير أثناء الثمانية، حيث قال (عليه السلام) فيها: «و إن كانوا ساروا أقل من أربعة فراسخ فليتمّوا الصلاة ما أقاموا، فإذا مضوا فليقصّروا» (1) حيث حكم (عليه السلام) بالتقصير لدى المضي و العود إلى الجزم السابق.

و لكنّها قاصرة الدلالة، إذ لم يفرض فيها كون الباقي من السير بعد العود إلى الجزم السابق أقل من المسافة كما هو محلّ الكلام، فانّ مورد السؤال عن قوم خرجوا في سفر ... إلخ، و لم يقيّد بكونه ثمانية بشرط لا، و لعلّه كان أكثر منها بكثير، بحيث كان الباقي بعد العود إلى الجزم بنفسه ثمانية فراسخ أو أكثر.

نعم، إطلاقها بمقتضى ترك الاستفصال يشمل ما إذا كان الباقي أقل من المسافة، فلا تدلّ على حكم المقام إلّا بالإطلاق، القابل للتقييد بمقتضى النصوص الدالّة على أنّه لا يقصّر بعد الحكم بالتمام إلّا بعد قصد الثمانية، بل لا مناص من ارتكاب التقييد على ما عرفت آنفاً عند بيان الكبرى الكلِّيّة. فتكون أجنبية عن محلّ الكلام.

فالرواية ساقطة عن الاستدلال لضعفها سنداً كما تقدّم (2) و دلالة. و المتعيّن هو الحكم بالتمام حسبما ذكرناه.

____________

(1) الوسائل 8: 466/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 10.

(2) في ص 68.

83

[مسألة 24: ما صلاه قصراً قبل العدول عن قصده لا يجب إعادته في الوقت]

[2255] مسألة 24: ما صلاه قصراً قبل العدول عن قصده لا يجب إعادته في الوقت [1] فضلًا عن قضائه خارجه (1).

____________

الثالثة: لو عاد إلى الجزم السابق و قد قطع شيئاً من الطريق متردِّداً فلا إشكال حينئذ في وجوب التمام فيما إذا لم يكن الباقي مع ما قطعه حال الجزم السابق مسافة، كما لو قطع ثلاثة فراسخ ثمّ مشى فرسخين متردِّداً و كان الباقي أيضاً ثلاثة، إذ لم يقطع حينئذ تمام الثمانية عن قصد كما هو ظاهر جدّاً.

و أمّا إذا كان المجموع من السابق و اللّاحق بعد إسقاط ما تخلّل بينهما ممّا قطعه حال التردّد أو حال العزم على الرجوع مسافة، فقد ظهر حكم هذا الفرض ممّا تقدّم في الفرض السابق، أعني ما لو عاد إلى الجزم قبل قطع شي‌ء من الطريق، و أنّه لا بدّ هنا أيضاً من التمام، للإخلال بشرط الاستمرار في القصد المعتبر في القصر، و لما دلّ على أنّه لا قصر بعد الحكم بالتمام إلّا مع قطع الثمانية المفقود في المقام.

بل إنّ الحكم هنا أوضح من الفرض السابق، لأنّ الإخلال هناك لم يكن إلّا في استمرار القصد، و إلّا فنفس السير ثمانية فراسخ كان متصلًا، و لم يفصل بين أجزائها ما هو فاقد للقصد، لفرض عدم قطعه شيئاً من الطريق حال التردّد.

و أمّا في المقام فلا القصد مستمرّ و لا السير الخارجي متصل، فكان أحرى بالتمام، و لأجله قيل كما في الجواهر (1) بالتفصيل بين الفرضين، و أنّه يلتزم بالقصر في الأوّل دون الثاني، و إن كان التفصيل في غير محلّه كما علم ممّا سبق.

(1) على المشهور، بل لم ينسب الخلاف إلّا إلى الشيخ في الاستبصار حيث‌

____________

[1] فيه إشكال، و الاحتياط لا يترك، و كذا الحال بالإضافة إلى القضاء خارج الوقت.

____________

(1) الجواهر 14: 237 [ذكره بلسان الاحتمال].

84

..........

____________

فصّل بعد نقل الأخبار بين الإعادة في الوقت و القضاء خارجه، فحكم بوجوب الأوّل دون الثاني (1). و لعلّ ذلك مجرّد جمع منه بين الأخبار لا أنّه فتواه، فانّ الاستبصار كتاب حديث غير معدّ للفتوى، و عليه فلا خلاف في المسألة.

و كيف ما كان، فيستدلّ للمشهور بصحيحة زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخرج مع القوم في السفر يريده، فدخل عليه الوقت و قد خرج من القرية على فرسخين فصلّوا، و انصرف بعضهم في حاجة فلم يقض له الخروج، ما يصنع بالصلاة التي كان صلاها ركعتين، قال: تمّت صلاته و لا يعيد» (2).

و لكنّه قابل للمناقشة، فإنّا لو كنّا نحن و هذه الصحيحة لحكمنا بنفي الإعادة و صحّة الصلاة، لصراحتها في ذلك، و لا سيما بعد التعبير بكلمة «تمّت» الدالّة على تمامية الصلاة و عدم خلل فيها، و التزمنا من أجلها بأحد أمرين:

إمّا أنّ الموضوع للقصر مجرّد قصد المسافة و إن لم يتعقّب بسير الثمانية خارجاً كما هو الحال في قصد الإقامة بلا كلام، فإنّه بنفسه موضوع للتمام و إن لم يقم عشرة أيام.

أو أنّ الشارع اجتزأ بغير المأمور به عن المأمور به في مقام الامتثال، فيكون القصر حينئذ مسقطاً للواجب تعبّداً. و كيف ما كان، فكنّا نلتزم بالإجزاء بأحد الوجهين.

و لكنّها معارضة بروايتين:

إحداهما: صحيحة أبي ولاد الصريحة في وجوب القضاء، الواردة في من سافر في النهار و لم يسر بريداً، و رجع في اللّيل من نيّته و بدا له أن يرجع، قال:

____________

(1) الاستبصار 1: 228 ذيل ح 809.

(2) الوسائل 8: 521/ أبواب صلاة المسافر ب 23 ح 1.

85

..........

____________

«... فانّ عليك أن تقضي كلّ صلاة صلّيتها في يومك ذلك بالتقصير بتمام ...» إلخ (1)، فإنّها بدلالتها على وجوب القضاء تدلّ على وجوب الإعادة فيما إذا كان الرجوع عن القصر في الوقت بالأولوية القطعية.

و دعوى الجمع بينهما بالحمل على الاستحباب ساقطة جزماً، لما مرّ غير مرّة من أنّ الأمر بالإعادة لم يكن نفسياً ليقبل الحمل على الاستحباب، و إنّما هو إرشاد إلى الفساد، و لا معنى لاستحباب الفساد.

و الصحيحة و إن لم تتضمّن الأمر بالإعادة صريحاً إلّا أنّ قوله (عليه السلام): «عليك أن تقضي ...» إلخ في قوّة الأمر بها، لدلالتها على خلل في الصلاة اقتضى الإتيان بها ثانياً، فهي بمثابة الأمر بالإعادة كما هو ظاهر جدّاً.

ثانيتهما: موثّقة سليمان بن حفص المروزي المتضمّنة للأمر بالإعادة صريحاً قال (عليه السلام): «و إن كان قصّر ثمّ رجع عن نيّته أعاد الصلاة» (2).

و هذه الرواية و إن رميت بالضعف في كلمات غير واحد، لعدم توثيق المروزي في كتب الرجال، و لكنّه موجود في أسانيد كامل الزيارات، فلا ينبغي التأمّل في صحّة الرواية.

نعم، قد يتأمّل في ذلك، نظراً إلى أنّ الموجود في الكامل رواية المروزي عن الرجل (3)، و لم يعلم المراد به و أنّه الإمام (عليه السلام) أو شخص آخر مجهول. و توثيق ابن قولويه خاصّ بمن يقع في أسانيد ما يرويه عن المعصوم (عليه السلام) دون غيره كما نبّه عليه في صدر الكتاب (4).

____________

(1) الوسائل 8: 469/ أبواب صلاة المسافر ب 5 ح 1.

(2) الوسائل 8: 457/ أبواب صلاة المسافر ب 2 ح 4.

(3) كامل الزيارات: 209/ 7.

(4) كامل الزيارات: 4.

86

..........

____________

و يندفع: بأنّ المراد به الرجل المعهود كما يقتضيه تعريف الرجل، و إلّا لقال: عن رجل، منكّراً. و لا يحتمل أن يراد به العهد الذهني، أي طبيعي الرجل في مقابل المرأة، كما هو ظاهر، فلا بدّ و أن يراد به العهد الخارجي، و ليس هو إلّا الإمام (عليه السلام) كما يكنّى عنه (عليه السلام) بذلك أحياناً في لسان الأخبار بل قد ورد عن نفس المروزي: عن الرجل، موصوفاً بقوله: (عليه السلام) كما في الكافي (1).

فقد ورد في جميع ذلك هكذا: عن المروزي عن الرجل (عليه السلام). بل قد صرّح باسم الإمام في التهذيب (2) فذكر هكذا: عن سليمان بن حفص المروزي عن الرجل العسكري (عليه السلام).

و عليه فلا ينبغي التأمّل في أنّ المراد بالرجل المذكور في الكامل هو المعصوم (عليه السلام) فيشمله توثيق ابن قولويه، فتكون الرواية موصوفة بالصحّة كما ذكرنا، فتتعارض هذه الصحيحة كصحيحة أبي ولاد مع صحيحة زرارة النافية للإعادة كما عرفت. و لا شكّ أنّ عمل المشهور مطابق مع صحيحة زرارة.

و حينئذ فان جعلنا عملهم مرجّحاً للرواية، أو قلنا أنّ الإعراض موجب لسقوط الصحيحة عن الحجّية فيتعيّن العمل بصحيحة زرارة، و إلّا كما هو الصحيح فالروايات متعارضة متساقطة.

و المرجع حينئذ ما تقتضيه القاعدة من لزوم الإعادة، عملًا بالروايات الكثيرة الدالّة على أنّه لا تقصير في أقل من بريدين أو ثمانية فراسخ، و بما أنّه لم يقطع هذا المقدار حسب الفرض لمكان العدول عن القصد قبل بلوغ المسافة فالوظيفة‌

____________

(1) الكافي 3: 344/ 20 [و المذكور فيه: قال: كتب إليَّ الرجل (صلوات اللّٰه عليه) ...]، كذا التهذيب 10: 120/ 481، و الاستبصار 4: 249/ 945.

(2) التهذيب 2: 118/ 445.

87

..........

____________

الواقعية لم تكن إلّا التمام و إن تخيّل أنّها القصر. فلا مناص من إعادتها بعد عدم قيام الدليل على الإجزاء حسبما عرفت.

و ملخّص الكلام في المقام: أنّ صحيحة زرارة دلّت بالدلالة المطابقية على نفي الإعادة عمّن قصّر في موضوع البحث لزعمه أنّه يقطع المسافة و لم يقطعها خارجاً، و بمقتضى الدلالة الالتزامية دلّت على نفي القضاء أيضاً، إذ أنّ نفي الإعادة في الوقت يستوجب نفي القضاء خارجه بالأولوية القطعية، ضرورة أنّ القضاء تابع للفوت، و عدم الإعادة في الوقت كاشف قطعي عن عدم فوت شي‌ء منه، و إلّا لزم الأمر بالتدارك الممكن في الوقت، لقبح تفويت الغرض الملزم كما هو واضح. فعدم الإعادة يستلزم عدم القضاء بطريق أولى.

و أمّا صحيحة أبي ولاد فالأمر فيها بالعكس، فإنّها دلّت بالدلالة المطابقية على وجوب القضاء خارج الوقت، لأنّ موردها هو ذلك، إذ المفروض في السؤال أنّه بدا له في الليل الرجوع إلى الكوفة، فيسأل لا محالة عن حكم ما صلاه في النهار الذي خرج وقته بدخول الليل.

و عليه فتدلّ بالمطابقة على وجوب القضاء. و بما أنّ الحكم بالقضاء يستلزم الحكم بالإعادة بالأولوية القطعية، لكشفه عن فوت ملاك ملزم يجب تداركه و إن فاتت مصلحة الوقت، فوجوبه مع إمكان درك هذه المصلحة بطريق أولى. فالصحيحة تدلّ بالدلالة الالتزامية على وجوب الإعادة إذا كان الرجوع عن قصده قبل خروج الوقت.

إذن تقع المعارضة بينها و بين صحيحة زرارة على سبيل المباينة، للتنافي بين الدلالة المطابقية من كلّ منهما مع الدلالة الالتزامية من الأُخرى، فتدلّ صحيحة زرارة على نفي الإعادة بالمطابقة و على نفي القضاء بالالتزام، كما تدلّ صحيحة أبي ولاد على وجوب القضاء بالمطابقة و وجوب الإعادة بالالتزام، فتتعارضان في مدلوليهما تعارضاً كلّياً.

88

..........

____________

و أمّا المعارضة بين صحيحة زرارة و صحيحة المروزي فظاهرة جدّاً، إذ الإعادة مورد للنفي في الأُولى، و هي بنفسها مورد للإثبات في الثانية.

و بعد استقرار المعارضة فإن كان ثمّة ترجيح لأحد الطرفين فهو، و إلّا فيتساقطان و يرجع بعدئذ إلى ما تقتضيه القواعد الأوّلية، هذا.

و صاحب الحدائق نقل عن بعض مشايخه المحقّقين أنّه احتمل حمل صحيحتي أبي ولاد و المروزي على التقيّة، لموافقتهما مع مذهب العامّة، فيكون الترجيح مع صحيحة زرارة (1).

و لكن في كتاب المغني لابن قدامة الحنبلي ما لفظه: فلو خرج يقصد سفراً بعيداً فقصّر الصلاة ثمّ بدا له فرجع كان ما صلاه ماضياً صحيحاً، و لا يقصّر في رجوعه إلّا أن تكون مسافة الرجوع مبيحة بنفسها (2). و لم يذكر خلافاً في المسألة، و عليه كان الموافق لمذهب العامّة هي صحيحة زرارة، فتكون هي المحمولة على التقية دون الصحيحتين، و الترجيح معهما لا معها.

و مع الإغماض عن ذلك فحيث لا ترجيح لشي‌ء من الطرفين فيتساقطان و المرجع حينئذ عموم ما دلّ على عدم التقصير في أقل من بريدين ثمانية فراسخ الذي لازمه وجوب الإعادة و القضاء معاً، إذ المأمور به و هو التمام لم يأت به و ما أتى به من القصر لا أمر به إلّا أمراً خيالياً خطئياً بزعم قطع المسافة و قد انكشف خلافه، و من البديهي أنّ الأمر الخيالي غير مجز عن الواقع.

فتحصّل: أنّ وجوب القضاء فضلًا عن الإعادة لو لم يكن أقوى فلا ريب أنّه أحوط.

____________

(1) الحدائق 11: 336.

(2) المغني 2: 96.

89

[الرابع: أن لا يكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية]

الرابع: أن لا يكون من قصده في أوّل السير أو في أثنائه إقامة عشرة أيام قبل بلوغ الثمانية، و أن لا يكون من قصده المرور على وطنه كذلك (1) و إلّا أتمّ، لأنّ الإقامة قاطعة لحكم السفر، و الوصول إلى الوطن قاطع لنفسه فلو كان من قصده ذلك من حين الشروع أو بعده لم يكن قاصداً للمسافة و كذا يتمّ لو كان متردّداً في نيّة الإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية نعم لو لم يكن ذلك من قصده و لا متردّداً فيه إلّا أنّه يحتمل عروض مقتض لذلك في الأثناء لم يناف عزمه على المسافة [1] فيقصر، نظير ما إذا كان عازماً على المسافة إلّا أنّه لو عرض في الأثناء مانع من لصّ أو عدوّ أو مرض أو نحو ذلك يرجع، و يحتمل عروض ذلك، فإنّه لا يضرّ بعزمه و قصده.

____________

(1) أمّا المرور على الوطن فلا إشكال في كونه قاطعاً للسفر، و خروجه بذلك عن عنوان المسافر، و كذا لو كان متردّداً فيه، لعدم قصد المسافة المتصلة. و قد دلّت موثّقة عمّار على أنّه لا يكون مسافراً حتّى يسير من منزله ثمانية فراسخ (1)، فالاعتبار بالابتعاد من المنزل، و هو مبدأ المسافة، فالمرور عليه يقطعه بطبيعة الحال، و يكون الخروج منه مبدءاً لمسافة جديدة، مضافاً إلى ما سنذكره في غير الوطن.

و أمّا قصد الإقامة في الأثناء فلا شكّ في قادحيته في قصد المسافة و لزوم التمام معه، و إنّما الكلام بين الأعلام في أنّه هل يكون قاطعاً للحكم مع بقاء الموضوع كي يكون تخصيصاً في أدلّة التقصير على المسافر، أو أنّه قاطع‌

____________

[1] بل ينافيه إذا كان الاحتمال عقلائياً، كما هو الحال في نظيره.

____________

(1) المتقدمة في ص 73.

90

..........

____________

للموضوع و مخرج للمقيم عن عنوان المسافر و يدخله في الحاضر؟

فقد ذهب جماعة إلى الثاني و أنّ الإقامة في الأثناء تخرج المسافر عن كونه مسافراً شرعاً، و إن صدق عليه أنّه مسافر عرفاً، فكان ذلك تصرفاً شرعياً في موضوع السفر، و إذا لم يكن المقيم مسافراً كان حاضراً بطبيعة الحال، و لأجله يجب عليه التمام من باب التخصّص لا التخصيص.

و لكنّه بعيد عن الصواب، إذ لم يظهر من شي‌ء من الأدلّة تنزيل المقيم منزلة الحاضر ليكون من قبيل التصرّف في الموضوع نظير قوله: الفقاع خمر، بل الظاهر منها أنّه مع وصف كونه مسافراً محكوم بالتمام، كما في المتردِّد بعد الثلاثين، و كما في سفر الصّيد أو المعصية و نحوهما، فانّ الكلّ محكوم بالتمام تخصيصاً لا تخصصاً كما هو ظاهر.

نعم، في خصوص المقيم بمكّة وردت رواية واحدة صحيحة دلّت على أنّه بمنزلة أهلها، و هي صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «من قدم قبل التروية بعشرة أيام وجب عليه إتمام الصلاة، و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير، فاذا زار البيت أتمّ الصلاة، و عليه إتمام الصلاة إذا رجع إلى منى حتّى ينفر» (1).

و لو لا تذيلها بقوله (عليه السلام): «فاذا خرج ...» إلخ لأمكن أن يقال: إنّ التنزيل من جهة إتمام الصلاة فحسب، غير المنافي للقطع الحكمي، لا من سائر الجهات.

و لكن الذيل يشهد بأنّ نطاق التنزيل أوسع من ذلك، و أنّ المراد أنّه بمنزلة المتوطِّن، لأنّه بعد ما حكم (عليه السلام) بالتقصير في خروجه إلى منى لكونه‌

____________

(1) الوسائل 8: 464/ أبواب صلاة المسافر ب 3 ح 3.

91

..........

____________

في طريق عرفات، و هي مع العود إلى مكّة مسافة تلفيقية حكم (عليه السلام) بالإتمام إذا زار البيت، و كذا في رجوعه إلى منى و هي دون المسافة.

و هذا كلّه من شؤون المرور على الوطن، و إلّا فلما ذا يتمّ في مكّة لدى عودته إليها مع عدم قصد الإقامة، و هكذا في منى مع أنّه في طريق السفر. فيكشف ذلك عن تنزيل مكّة منزلة الوطن لمن قدمها قبل التروية بعشرة أيام قاصداً الإقامة فيها، و أنّها قاطعة للموضوع لا للحكم.

و لكن الصحيحة موردها كما عرفت خصوص مكّة، و حينئذ فان كان هناك إجماع على خلاف مضمونها و أنّه لا فرق بين مكّة و غيرها في أنّ من خرج عن محلّ الإقامة إلى المسافة و عاد يحتاج إلى تجديد قصدها و إلّا بقي على التقصير، فلا مناص حينئذ من طرح الرواية و ردّ علمها إلى أهله.

و إن لم يتم الإجماع عملنا بالرواية و اقتصرنا على موردها، أعني خصوص مكّة، من غير أن يتعدّى إلى سائر البلدان، لعدم الدليل، و لا غرو فانّ لهذه البقعة المقدّسة من أجل شرافتها و رفعة شأنها أحكاماً خاصّة مثل التخيير بين القصر و التمام للمسافر و نحو ذلك، فليكن هذا الحكم أيضاً من هذا القبيل فيلتزم بالقطع الموضوعي و التنزيل منزلة الوطن في خصوص مكّة.

و لكن الظاهر لزوم طرح الرواية، لا لمجرّد الإجماع المزبور ليناقش في كونه تعبّدياً كاشفاً عن رأي المعصوم، و لا من أجل الإعراض ليورد بعدم كونه مسقطاً للصحيح عن الاعتبار على مسلكنا، بل من أجل ما أسميناه بالدليل الخامس.

فانّ هذه المسألة، أعني الإقامة بمكّة قبل يوم التروية عشرة أيام كثيرة الدوران و محلّ للابتلاء جدّاً، و لا سيما في الأزمنة السالفة الفاقدة للمراكب السريعة المتداولة في العصر الحديث، فكانوا يضطرّون للإقامة المزبورة طلباً للاستراحة‌

92

[مسألة 25: لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصداً للإقامة]

[2256] مسألة 25: لو كان حين الشروع في السفر أو في أثنائه قاصداً للإقامة أو المرور على الوطن قبل بلوغ الثمانية لكن عدل بعد ذلك عن قصده، أو كان متردّداً في ذلك و عدل عن ترديده إلى الجزم بعدم الأمرين (1)

____________

من وعثاء السفر، كما أُشير إليه في الأخبار (1).

فلو كان الحكم الذي تضمّنته الصحيحة ثابتاً لكان شائعاً ذائعاً و من الواضحات، من غير أيّ خلاف فيه، مع أنّه لم يقل به أحد فيما نعلم، بل لعلّ الإجماع على خلافه كما عرفت، و لأجله تسقط الرواية عن درجة الاعتبار و يرد علمها إلى أهله.

و كيف ما كان، فهي على تقدير الحجّية تختصّ بموردها، و التعدّي يحتاج إلى القطع بعدم الفرق بين مكّة و غيرها، و أنّى لنا بذلك.

إذن فلا دليل على أنّ قصد الإقامة قاطع لموضوع السفر في غير مكّة بتاتاً بل ظاهر الأدلّة كما عرفت أنّه قطع حكمي و تخصيص في أدلّة القصر، فهو مسافر يتمّ في محلّ الإقامة، فإذا حكم عليه بالتمام يحتاج العود إلى القصر إلى قصد مسافة جديدة، و لا ينضمّ ما قبله إلى ما بعده، لما أشرنا إليه (2) من الضابط العام و القاعدة الكلّية المستفادة من الروايات من أنّ من حكم عليه بالتمام لا ينقلب إلى القصر ما لم يستأنف قصد المسافة الشرعية.

(1) ممّا قدّمناه آنفاً و أوضحناه سابقاً (3) من لزوم استمرار القصد و اتصال السير يظهر حال هذه المسألة و المسألة الآتية اللّتين لا فرق بينهما إلّا من حيث‌

____________

(1) [لم نعثر عليه].

(2) في ص 82.

(3) في ص 70 و ما بعدها.

93

فإن كان ما بقي بعد العدول مسافة في نفسه أو مع التلفيق بضمّ الإياب قصّر و إلّا فلا، فلو كان ما بقي بعد العدول إلى المقصد أربع فراسخ و كان عازماً على العود و لو لغير يومه قصّر في الذهاب و المقصد و الإياب، بل و كذا لو كان أقلّ من أربعة، بل و لو كان فرسخاً فكذلك على الأقوى من وجوب القصر في كلّ تلفيق من الذهاب و الإياب و عدم اعتبار كون الذهاب أربعة أو أزيد كما مرّ [1].

[مسألة 26: لو لم يكن من نيّته في أوّل السفر الإقامة أو المرور على الوطن و قطع مقداراً من المسافة]

[2257] مسألة 26: لو لم يكن من نيّته في أوّل السفر الإقامة أو المرور على الوطن و قطع مقداراً من المسافة ثمّ بدا له ذلك قبل بلوغ الثمانية ثمّ عدل عمّا بدا له و عزم على عدم الأمرين فهل يضمّ (1) ما مضى إلى ما بقي إذا لم

____________

حصول القصد أو التردّد من الأوّل أو في الأثناء. و لأجله كانت كلمة (أو في أثنائه) في هذه المسألة سهواً من قلمه الشريف أو قلم الناسخ.

و كيف ما كان، ففي كلتا المسألتين لا ينضمّ ما بعد العدول إلى ما قبله، لفقد شرط الاستمرار كما عرفت. فالعبرة في احتساب المسافة بما بقي بعد العدول فإن كان كذلك و لو ملفّقة قصّر و إلّا أتم، و قد عرفت فيما سبق (1) عدم كفاية مطلق التلفيق، بل لا بدّ و أن لا يكون كلّ من الذهاب و الإياب أقل من الأربعة خلافاً للماتن (قدس سره) فلاحظ.

(1) استشكل (قدس سره) في الضميمة، و لكن الصحيح هو العدم كما ظهر ممّا تقدّم (2)، فيجب البناء على التمام، إذ بمجرّد البداء و البناء على المرور على‌

____________

[1] و قد مرّ أنّ الأقوى خلافه.

____________

(1) في ص 7.

(2) في ص 79 و ما بعدها.

94

يكن ما بقي بعد العدول عمّا بدا له مسافة، فيقصّر إذا كان المجموع مسافة و لو بعد إسقاط ما تخلّل بين العزم الأوّل و العزم الثاني إذا كان قطع بين العزمين شيئاً؟ إشكال، خصوصاً في صورة التخلّل، فلا يترك الاحتياط [1] بالجمع نظير ما مرّ في الشرط الثالث.

[الخامس من الشروط: أن لا يكون السفر حراماً]

الخامس من الشروط: أن لا يكون السفر حراماً، و إلّا لم يقصّر (1) سواء كان نفسه حراماً كالفرار من الزحف، و إباق العبد

____________

الوطن ينقطع سفره و يكون حكمه التمام واقعاً، لفقد استمرار القصد، و حينئذ يحتاج التقصير إلى قصد مسافة جديدة، و المفروض أنّ الباقي ليس بمسافة، فلا مناص من بقائه على التمام حسبما عرفت.

(1) ذكر الفقهاء من غير خلاف بينهم أنّ سفر المعصية لا تقصير فيه، و قد تسالموا عليه، و ادّعي الإجماع في كلمات غير واحد، و هو على قسمين:

الأوّل: أن يكون السفر بنفسه حراماً كسفر الزوجة بدون إذن زوجها في غير الواجب فيما إذا كان منافياً لحقّ الزوج، و كالفرار من الزحف، و نحوهما ممّا كان نفس السفر و الابتعاد عن الوطن مبغوضاً للشارع و محكوماً بالحرمة.

الثاني: أن يكون السفر بنفسه مباحاً إلّا أنّه مقدّمة لغاية محرّمة، كما لو سافر لأجل سرقة أو شراء خمر أو قتل نفس محترمة أو زنا أو إعانة ظالم و نحو ذلك.

و مقتضى إطلاق النصّ و الفتوى شمول الحكم لكلا القسمين، إلّا أنّ المنسوب إلى الشهيد الثاني في الروض (1) أنّه استشكل في القسم الأوّل، بدعوى قصور‌

____________

[1] الأظهر كفاية التمام.

____________

(1) الروض: 388 السطر 8.

95

..........

____________

الروايات عن الشمول له، إلّا أن يتمسّك بالأولوية.

و لكن الظاهر أنّ ذلك مستفاد من نفس الروايات من غير حاجة إلى التمسّك بالأولوية أو دعوى التسالم، فإنّها وافية لإثبات الحكم في كلا القسمين بنطاق واحد.

فمنها: ما رواه الصدوق بإسناده عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب عن عمار بن مروان عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: من سافر قصّر و أفطر إلّا أن يكون رجلًا سفره إلى صيد، أو في معصية اللّٰه، أو رسول لمن يعصي اللّٰه، أو في طلب عدوّ، أو شحناء، أو سعاية، أو ضرر على قوم من المسلمين» (1).

هكذا في الوسائل و الفقيه، و لكن في الحدائق «رسولًا» بالنصب (2) و هو الصحيح. و كيف ما كان، فيقع الكلام تارة في سند الرواية، و أُخرى في دلالتها.

أمّا السند: فقد عبّر عنها في الحدائق بالصحيح عن عمار بن مروان، المشعر بضعف الرجل، و كأنّه من أجل تردّده بين اليشكري الثقة الذي وثّقه النجاشي (3) و غيره، و هو معروف و له كتاب يرويه محمد بن سنان، و بين الكلبي الذي ذكره الصدوق في المشيخة حيث قال: و ما كان فيه عن عمار بن مروان الكلبي فقد رويته عن محمد بن موسى بن المتوكل (رحمه اللّٰه) عن عبد اللّٰه بن جعفر الحميري عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب عن الحسن بن محبوب عن أبي أيوب‌

____________

(1) الوسائل 8: 476/ أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 3، الفقيه 2: 92/ 409 [و المذكور في الفقيه: رسولًا].

(2) الحدائق 11: 380.

(3) رجال النجاشي: 291/ 780.

96

..........

____________

الخزاز عن عمار بن مروان (1).

فإن كان الكلبي هو اليشكري فلا كلام، و إن كان غيره و قد روى عن كلّ منهما الخزاز، إذ لا شهادة في ذلك على الاتحاد بوجه، لجواز أن يروي شخص عن شخصين أو أشخاص كلّهم مسمّون باسم واحد كما هو ظاهر فهو مجهول الحال لم يذكر في شي‌ء من كتب الرجال، و لم يقع في أسناد كامل الزيارات ليشمله التوثيق العام. و حيث لم يثبت الاتحاد فلا جرم كان الرجل محتمل الاشتراك بين الموثّق و غيره، فلم يبق وثوق بصحّة الرواية.

و من هنا استشكلنا في المال المخلوط بالحرام الذي حكم المشهور بتخميسه إذ ليس لهم مستند معتدّ به عدا رواية عمار بن مروان الناطقة بذلك، و ذكرنا أنّ الأحوط الدفع بنيّة الأعم من الخمس و المظالم (2).

و لكن الظاهر اختصاص الإشكال بتلك الرواية و نحوها ممّا اشتمل على السند المتقدّم عن المشيخة، لما عرفت من التردّد بين الموثّق و بين من هو مجهول تمام الجهالة.

و أمّا هذه الرواية المبحوث عنها في المقام فلم يروها الصدوق عن عمار بن مروان ابتداءً ليشمله السند المتقدّم كي يتوجّه عليه الإشكال المزبور، بل رواها عن ابن محبوب عن الخزاز عن ابن مروان. و لا إشكال أنّ عمار بن مروان لدى الإطلاق ينصرف إلى المعروف الذي له كتاب، و هو اليشكري الثقة، دون الكلبي‌

____________

(1) الفقيه 4 (المشيخة): 98.

(2) كما صرّح (دام ظلّه) بذلك في تعليقته الأنيقة المطبوعة سنة 1380، و لكنّه (دام ظلّه) عدل عن ذلك في الطبعة الأخيرة و وافق المشهور في وجوب التخميس. و إن شئت التوضيح فراجع ما ضبطناه عنه في كتاب الخمس من مستند العروة الوثقى: الخامس ممّا يجب فيه الخمس [بعد المسألة 2903].

97

..........

____________

المجهول المذكور في سند آخر.

و ممّا يؤكِّد ذلك أنّ طريق الصدوق إلى الكلبي المتقدّم عن المشيخة يختلف عن طريقه إلى هذه الرواية، فانّ في الأوّل محمد بن الحسين بن أبي الخطاب و هو الراوي عن الحسن بن محبوب، و في هذه سعد بن عبد اللّٰه عن أحمد بن محمّد ابن عيسى عن ابن محبوب (1)، فالراوي عنه غير ذلك الراوي، و إن اشتركا في بعض من وقع في الطريقين كمحمد بن موسى بن المتوكل و الحسن بن محبوب.

و كيف ما كان، فالظاهر أنّ عمار بن مروان في هذه الرواية لا يراد به إلّا اليشكري الثقة. فهي صحيحة لا ينبغي النقاش في سندها، هذا.

و الموجود في الكافي في طبعتيه محمد بن مروان (2) بدل عمار بن مروان، و لا يبعد أنّه الذهلي البصري، فنسخة الكافي تغاير الفقيه، و كلتاهما تنتهي إلى الحسن بن محبوب عن أبي أيوب.

و في هامش الوافي أنّ في بعض نسخ الكافي محمد بن مروان (3) فيعلم من ذلك أنّ هذا من اختلاف النسخ لا اختلاف الرواية. و الظاهر أنّ في نسخة الكافي تحريفاً (4) و الصواب هو عمار بن مروان كما في الفقيه و التهذيب، فانّ الشيخ روى نفس هذه الرواية في التهذيب عن الكليني (5)، و كذا صاحب الحدائق (6)

____________

(1) [كما يتّضح من مراجعة الفقيه 4 (المشيخة): 49].

(2) الكافي 4: 129/ 3.

(3) الوافي 7: 173.

(4) و إن استظهر (دام ظلّه) خلافه في معجم رجال الحديث 13: 272/ 8654 و أنّ التحريف في المشيخة لا في الكافي.

(5) التهذيب 4: 219/ 640.

(6) كما تقدّم آنفاً.

98

..........

____________

فيعلم أنّ النسخة التي كانت عندهما كانت مطابقة للفقيه.

و لو فرضنا أنّ جميع نسخ الكافي كانت عن محمد بن مروان فليس بالإمكان أن ترفع اليد بها عن رواية الفقيه، لأنّ في طريق الكافي سهل بن زياد و هو ضعيف، فلا يعارض بها الرواية الصحيحة.

و لو تنزّلنا و فرضنا أنّ الصحيح محمد بن مروان فهو أيضاً موثّق عندنا لوقوعه في أسناد كامل الزيارات.

و على جميع التقادير فما في مصباح الفقيه للهمداني (قدس سره) من ضبط حماد بن مروان (1) فهو غلط جزماً، فإنّه إمّا عمار أو محمد حسبما عرفت. فتحصّل: أنّ السند ممّا لا إشكال فيه.

و أمّا الدلالة: فقد سبق أنّ الشهيد (قدس سره) ناقش في شمولها للقسم الأوّل من قسمي سفر المعصية، أعني ما لو كان السفر بنفسه حراماً، و لكنّه لا وجه له كما مرّ، فانّ قوله (عليه السلام): «أو في معصية اللّٰه» غير قاصر الشمول له لانطباق هذا العنوان على السفر الحرام انطباق الكلّي على مصداقه، و قد شاع إطلاق مثل هذا الاستعمال لبيان إدخال الفرد في الكلّي، كما يقال: زيد في العلماء أي أنّه أحد مصاديقهم.

و قد ورد أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق (2)، أي في عمل هو بنفسه مصداق لمعصية الخالق. فالسفر في معصية اللّٰه يعمّ ما كان السفر بنفسه حراماً و داخلًا في كبرى معصية اللّٰه و مصداقاً لها.

بل يمكن قلب الدعوى بأن يقال: إنّ الرواية ظاهرة في خصوص ما كان‌

____________

(1) مصباح الفقيه (الصلاة): 740 السطر 15.

(2) الوسائل 27: 129/ أبواب صفات القاضي ب 10 ح 17.

99

..........

____________

السفر بنفسه حراماً، إذ هو الذي يكون مصداقاً لمعصية اللّٰه، دون ما كانت غايته محرّمة، فانّ هذا القسم داخل فيما ذكره فيما بعد قوله: «أو في معصية اللّٰه» إذ الأمثلة التي يذكرها بعد ذلك كلّها من قبيل القسم الثاني، أعني ما كانت الغاية محرّمة، فذاك القسم مذكور فيما بعد، فلا وجه لإدراجه في قوله (عليه السلام): «أو في معصية اللّٰه».

و كيف ما كان، فلو لم تكن العبارة ظاهرة فيما نقول فلا أقل من الشمول فالتشكيك في ذلك في غير محلّه جزماً.

و لو أغمضنا عن هذه الرواية فتكفينا في الدلالة على التعميم ما رواه الصدوق بنفس هذا السند المعتبر عن أبي عبد اللّٰه (عليه السلام) «قال: لا يفطر الرجل في شهر رمضان إلّا في سبيل حق» (1) فانّ من الضروري أنّ السفر الحرام ليس في سبيل حقّ، فلا إفطار فيه بمقتضى الحصر.

و هذه الرواية و إن رواها الكليني عن ابن أبي عمير مرسلًا (2)، و لا نعمل بالمراسيل، إلّا أنّ الصدوق (قدس سره) رواها في ذيل الرواية المتقدِّمة عن عمار بن مروان، فهي جزء من تلك الصحيحة.

و لكن صاحب الوسائل تخيّل أنّ الذيل من كلام الصدوق فجعلها رواية مستقلّة مرسلة. و ليس كذلك، بل هي تتمّة لما سبق، و جملة: و قال (عليه السلام) من كلام عمار بن مروان، لا من كلام الصدوق نفسه، إذ لم يعهد في مراسيله مثل هذا التعبير، و لو أراد ذلك لعبّر هكذا: و قال الصادق (عليه السلام)، أو و قال رسول اللّٰه، و نحو ذلك. كما عبّر بمثله في الرواية اللّاحقة (3). فالظاهر أنّ‌

____________

(1) الوسائل 8: 476/ أبواب صلاة المسافر ب 8 ح 1، الفقيه 2: 92/ 410.

(2) الكافي 4: 128/ 2.

(3) أي ما رواه في الفقيه 2: 92/ 411.

100

و سفر الزوجة بدون إذن الزوج [1] (1) في غير الواجب

____________

الرواية ليست بمرسلة، بل مسندة بالسند الصحيح المتقدّم كما عرفت، فتدبّر.

و تدلّ عليه أيضاً موثّقة عبيد بن زرارة، قال: «سألت أبا عبد اللّٰه (عليه السلام) عن الرجل يخرج إلى الصيد أ يقصّر أو يتم؟ قال: يتم، لأنّه ليس بمسير حقّ» (1) فانّ السفر المحرّم باطل و ليس بحق، فلا تقصير فيه بمقتضى التعليل.

و على الجملة: فلا ينبغي النقاش في الكبرى التي ذكرها في المتن من عدم التقصير في سفر المعصية بقسميه، لدلالة الأخبار عليها حسبما عرفت.

و إنّما الكلام في بعض الصغريات التي عدّها الماتن مثالًا للقسم الأوّل، أعني ما لو كان السفر بنفسه حراماً، و ستعرف الحال فيها في التعاليق الآتية.

(1) هذا لا دليل على حرمته على الإطلاق، بل حتّى مع النهي فضلًا عن عدم الإذن، إلّا إذا كان موجباً للنشوز و منافياً لحقّ الزوج، فانّ هذا المقدار ممّا قام عليه الدليل، و عليه يحمل ما ورد في بعض الأخبار من حرمة الخروج بغير الإذن (2)، فانّ المراد بحسب القرائن خروجاً لا رجوع فيه، بنحو يصدق معه النشوز، و تفصيل الكلام موكول إلى محلّه (3).

و كيف ما كان، فلا دليل على أنّ مطلق الخروج عن البيت بغير الإذن محرّم عليها و لو بأن تضع قدمها خارج الباب لرمي النفايات مثلًا، أو تخرج لدى غيبة‌

____________

[1] هذا إذا انطبق عليه عنوان النشوز، و إلّا فالحكم بحرمة السفر في غاية الإشكال.

____________

(1) الوسائل 8: 479/ أبواب صلاة المسافر ب 9 ح 4.

(2) الوسائل 20: 157/ أبواب مقدّمات النكاح و آدابه ب 79 ح 1، 5 و غيرهما.

(3) شرح العروة 33: 176.