الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
455

تغلغلت فيه الفكرة الشيعية، و أبزرتها الفواجع العلوية في صور من العقائد، فاستقل لتبيان ذلك الفصل الرابع ... الخ.

هذا بعض ما اقتطفناه من مقدمة الكتاب لنستنتج منه بعض ما لا بد من إيضاحه قبل الدخول في صميم الموضوع، و هنا أمور يدركها القراء:

1- إن الأدب الأموي تظاهرت على إنضاجه عقول صقلها الإسلام، و هذبها كتّابه.

2- و إلى جانب الأدب الأموي الأدب الشيعي، أو بعبارة أصح الأدب العلوي فهو في نظر الأستاذ لم يكتسب تلك الدرجة، و لم تصبغه تلك الصبغة الإسلامية من حيث الصقل و الإنضاج- كما اتصف الأدب الأموي- فالأدب الشيعي أدب عاطفة متأججة، و حب صادق يتدرج تدرج الفكرة الشيعية في سذاجتها ... الخ.

3- إن الأستاذ في دراسته هذه ينشد الحق لذات الحق و وجه العلم و هذا هو أمنية كل مسلم، و هدف كل منصف، و سنرى فيما بعد هل تحقق عند المؤلف ما كان ينشده؟ أم أن ذلك لا يعدو إلا القول دون العمل؟ أو أنه حبر على ورق؟.

تعقيب:

و لا أدري ما هو قصد الأستاذ من قوله: إن الأدب الأموي الذي تظاهرت على إنضاجه عقول صقلها الإسلام و هذبها كتاب اللّه؟

أ كان يقصد أدب الخطباء الذين كانوا ينالون من أهل البيت و يعلنون سبهم؟ أ هذه هي العقول التي صقلها الإسلام، و هذبها كتاب اللّه؟!!!! أم يقصد أدب الشعراء الذين يتقربون للأمويين في هجاء العلويين و أنصارهم؟ أم العقول التي صقلها الإسلام و هذبها كتاب اللّه عقل حكيم بن عباس الأعور الكلبي الذي يفتخر بقتل زيد فيقول:

صلبنا لكم زيدا على جذع نخلة* * * و لم نر مهديا على الجذع يصلب‏

و قستم بعثمان عليا سفاهة* * * و عثمان خير من علي و أطيب؟!

قال ابن عساكر: فلما بلغ شعره إلى أبي عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) رفع يديه إلى السماء و هما تنتفضان رعدة فقال (عليه السلام): اللهم إن كان كاذبا فسلط عليه كلبا من كلابك، فخرج حكيم من الكوفة فأدلج فافترسه الأسد

456

فأكله، و أتى البشير أبا عبد اللّه و هو في مسجد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فخر للّه ساجدا، و قال:

الحمد للّه الذي أصدقنا وعده‏ (1).

أ هذا الأدب الذي أنضجته عقول صقلها الإسلام، و هذبها كتاب اللّه؟! و يكون شعر الكميت الشاعر الشيعي في رثاء زيد بن علي (عليه السلام) شعرا عاطفيا محضا فمن قوله:

يعز على أحمد بالذي أصاب ابنه أمس من يوسف- يقصد يوسف بن عمر الثقفي عامل هشام- و لا نضرب الأمثال، إذ ليس من قصدنا التوسع في المقارنة و ضرب الأمثلة في هذا الموضوع فهو واسع لا يحاط به بقليل من البيان. و ما ضمته كتب الأدب و الدواوين يعد ثروة أدبية متميزة.

و أصارح الأستاذ بأن ما ذهب إليه في هذا الموضوع خطأ و إن حصلت عنده قناعة شخصية فهي تزول بقليل من التأمل.

أما قوله: إن الأدب الشيعي يصور العاطفة المتأججة و الحب الصادق و إنه أدب يمجد آل الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

فهذا هو الواقع فإن الشيعة قد أحبوا أهل البيت حبا صادقا، و اعتقدوا بهم اعتقادا لم يخرجوا به عن حدود ما رسمه الإسلام.

فهم أهل بيت الرسول الذين أمر اللّه بمودتهم، و الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أوحى بإكرامهم، و حفظهم، و قد قرنهم بالكتاب العزيز، و هم حبل اللّه الذي أمر بالاعتصام به، و هم كسفينة نوح من ركبها نجا، و من تأخر عنها غرق و هوى و ... و ...

فحبهم كان للّه و رسوله لا حب دنيا و في ذلك يقول الشاعر العبلي الأموي النسب، و العلوي العقيدة:

شرّدوا بي عند امتداحي عليا* * * و رأوا ذاك فيّ داء دويا

فو ربي لا أبرح الدهر حتى* * * تختلي مهجتي بحبي عليا

و بنيه لحب أحمد أني* * * كنت أحببتهم لحب النبيا

حب دين لا حب دنيا و شر ال* * * حب حب يكون دنياويا

____________

(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر 4: 423.

457

و يقول شاعرهم الكميت:

ما أبالي إذا حفظت أبا الق* * * اسم فيهم ملامة اللوّام‏

لا أبالي و لن أبالي فيهم* * * أبدا رغم ساخطين رغام‏

و على هذا يسير الأدب الشيعي في طريق أهل البيت، و ما أكثر الأمثال على ذلك و لا أخطئ إن قلت إنه أكثر من أن يحصى. فحب الشيعة لأهل البيت إنما هو حب للّه و لرسوله، امتثالا لأمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ يقول:

«أحبوا اللّه لما يغذوكم به من نعمه، و أحبوني بحب اللّه و أحبوا أهل بيتي بحبي» أخرجه الترمذي عن ابن عباس‏ (1).

و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أيها الناس إني أوشك أن أدعى إلى لقاء ربي فأجيب و إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني: أنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا بما ذا تخلفوني فيهما (2).

إلى كثير من وصاياه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) التي أكد فيها وجوب المحافظة على العترة، و الولاء لهم بما يطول المقام بذكر بعضها و قد أشرنا إلى البعض من وصاياه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيما سبق.

و الخلاصة: إن حب الشيعة حب صادق لا لغرض من حطام الدنيا و قد تحمل الشيعة في سبيل المحافظة على وصايا الرسول ما لا يمكن إنكاره.

و إن العاطفة التي يذكرها الأستاذ إنما هي شعور بالمسؤولية التي تدعو إلى التضحية و تحمل على الوقوف إلى جانب الحق. و هذا الشعور هو الذي جعل الشيعة أمة ثورية مما دعا إلى تجمع القوى المختلفة ضدها، فكان ما كان من دعاية و تهريج و اتهام بالباطل، و الرمي بكل كريهة ... الخ.

و الأستاذ يدرك هذا و قد أشار إليه في بعض أبحاثه و تعرضنا له من قبل.

و قد نوّهنا برقة الشعر الشيعي أو فقل برقة المشاعر الشيعية عامة لأن المآسي و الأهوال التي أصابت أهل البيت عليهم أفضل الصلاة و السلام تثير مشاعر مصحوبة

____________

(1) انظر صحيح الترمذي 13: 201 في مناقب أهل البيت و شرح المواهب اللدنية 7: 9.

(2) مصادر هذا الحديث كثيرة و صحيحة و قد رواه مسلم و الترمذي و النسائي و غيرهم كما ذكره المفسرون و قد أشرنا له في الجزء الأول و الخامس ط 1 من هذا الكتاب و ذكرنا بعض مصادره فلا حاجة إلى التكرار.

458

بعواطف مشبوبة و أحزان متدفقة تجعل من الشاعر الشيعي مصورا للأحداث بقصيده و ناطقا بالحق بعواطفه حيث تتداخل العقيدة و ما تبثه النفس فهؤلاء أئمتهم عترة المصطفى و هم أثر وجوده و بقية نسبه تتلاقفهم السيوف و تغصّ بهم السجون و تزدحم برفاتهم ساحات الحروب ففي كل زاوية نص من عقيدة يحضّ على ولايتهم و حبهم و في كل ناحية من الدنيا ألوان من الفجائع و المآسي التي تثير عواطف ممن ليسوا على دين الإسلام فكيف بمن ينذر نفسه لصاحب الرسالة و للذب عن مبادئ القرآن و حملتها من أهل البيت النبوي الكريم؟ لا بد أن يكون الشعر الشيعي فياضا بالعاطفة مملوء بالإيمان.

3- و أما النقطة الثالثة فإنها بادرة حسنة، و الأزهر الشريف جدير بأن يقوم بهذا العب‏ء و نحن نناشد المصلحين من الكتاب و المؤلفين الذين يدرسون تاريخ الشيعة أن تكون دراستهم لنشدان الحق، و وجه العلم، بعيدة عن التعصب و التحيز، و لا سيما في هذا العصر الذي اشتد فيه وعي المسلمين- بعد طول تجارب- بالحاجة إلى الدعوة لجمع كلمة الأمة الإسلامية، و قد سعى المصلحون إلى تقاربهم عن طريق التفاهم، و الشعور بوجوب ترك ما خلفته العصبية السوداء و الطائفية العمياء، و نسيان مآسي الماضي في عصور اشتد بها النزاع الحاد بين المسلمين، و ما جرى بسببه من دمار و انهيار.

و نسأل اللّه جلت قدرته أن يهيئ للمسلمين من أمرهم رشدا، و أن يجمع بين قلوبهم، و ينزع ما في صدورهم من غل- على بعضهم البعض- فيصبحوا بنعمته إخوانا كما أراد اللّه لهم ذلك، و جاء به رسوله الأعظم.

ثم يتحول الأستاذ من اختصاصه بالأدب إلى محدث ناقد، و راوية مختص فهل يجوز علميا بحكم تخصصه بالأدب أن يتجاوز ذلك فيتناول موضوع الأحاديث الموضوعة، و يسير على نفس الطريقة التي سار عليها غيره من الكتاب في اتهام الشيعة بوضع الحديث دعما لما يدعونه، و حجة يقصدون بها تقوية مذهبهم كما يقول في ص 14:

و هذه الدعاوى (أي الشيعية) لا بد لها من حجج تعضدها و تقويها، فالتمسوها

459

في القرآن يؤولون آياته، و الحديث يفسرون نصوصه، و ليس من سبيل إلى اختراع قرآن يتفق مع مذهبهم، و يسد حاجة نفوسهم، فعصم اللّه قرآنه منهم، و لكن السبيل سهل ميسور إلى اختراع الأحاديث، و الكذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و التقول على أبنائه (عليهم السلام) فوضع الشيعة الأحاديث في فضل علي ... الخ.

(و نحن نقول:) و لذلك وضعنا كتاب حميدة في جملة من رأينا ضرورة ردهم من بين عشرات أو مئات الكتب التي تقطر حقدا و كذبا، و مثل هذا القول من أوضح آيات العجز و من أدل الأمور على القصور عن سلوك طرق العلم و اتباع أساليبه فهذه العبارات أو هذا التعبير لم يكن بالشي‏ء الجديد و لم يكن هو صاحب هذه الفكرة و إنها وليدة دراسته الأدبية.

إنها ألفاظ مجها السمع لكثرة تردادها، و ملت الصحائف منها لكثرة سوادها، و إلا فإن العلم الذي أهّل أصحاب الشهادات لحمل الألقاب و تبوّأ المناصب يقضي بالإنصاف و الاطلاع على الآثار و الأفكار بتجرد، و من أبسط مواصفات المثقف طرح التعصب لأنه عدو العلم و لا يؤدي بمن سلك طريقه إلا البوار.

هذا عين ما نطق به المستشرقون‏ (1) و تبعهم المقلدون، و كنا قريبا نناقش الأستاذ الذهبي حول هذه الفكرة و التي لا يخلو منها كتاب جديد و ما هو بالشي‏ء الجديد.

و أقول لما ذا يتكلف محبو علي (عليه السلام) وضع أحاديث في فضله حتى (تتحمل وزره إلى يوم الدين) كما يقول المؤلف.

كأن الإمام عليا (عليه السلام) لم تكن له فضائل واقعية حتى يلجأ محبوه إلى الفضائل الادعائية؟! و هل هناك مسلم ينكر ما جاء لعلي من الفضائل؟! إن قول المؤلف هذا بعيد عن الواقع، و لو أنه تعمق في الدراسة، و نظر الموضوع بعين الإنصاف لما عبر بقوله في ص 15: فما لعلي و المهدي المنتظر، و ما لعلي و التحدث عن الدول المستقبلة، و موقعة كربلا، و ولاية الحجاج، و ما سيكون! و لكن الشيعة تريد أن تدعي لعلي من الفضائل ما لا يتحمله بشر، و تضعه في منزلة- تساوي- إن لم تفق مقام الرسالة ...

____________

(1) انظر حضارة الإسلام ص 250.

460

إنها لعمر اللّه جرأة على الحق، إنه يشير بطرف خفي إلى التشكيك في نهج البلاغة، و الذي أحدث هذا التشكيك هو ابن خلكان في القرن السابع الهجري، و أخذه من بعده المغرضون، فوسعوا دائرته من دون رعاية للحق.

و لهذا فقد التزم المنصفون بردّ ابن خلكان، و إثبات ما أورده الشريف الرضي من مصادر قبله بعدة سنين.

و قد كانت خطب الإمام علي في القرون السالفة هي المعول عليها عند الخطباء و عليها تدور خطاباتهم.

(و قد حفظ الناس عنه الخطب، فإنه خطب بأربع مائة خطبة، حفظت عنه و هي التي تدور بين الناس، و يستعملونها في خطبهم و كلامهم) (1).

هكذا يقول المؤرخ ابن واضح و هو من أعلام القرن الثالث الهجري و ليس من قصدنا في هذا العرض أن نتعرض لهذه المسألة، و لكن المؤلف طلع علينا بصورة من ينشد الحق و وجه العلم، و من الحق تنبيهه على خطئه و سوء تعبيره.

و ما أبعد قوله هذا عن الحق و وجه العلم و رميه الشيعة بادعاء الفضائل لعلي (عليه السلام) ... الخ لم يكن إلا انصياعا للعاطفة، و خروجا على الحق و ابتعادا عن العلم.

إن علي بن أبي طالب لم يكن بحاجة إلى الفضائل الادعائية، فهو أجل من ذلك.

و لنترك ما جاء من طريق الشيعة و نولي وجهنا شطر ما ورد في كتب المسلمين من غير الشيعة، فهل بإمكان أحد أن يدعي ذلك بأنه من الأمور الادعائية نصرة للمذهب بقول الإمام أحمد بن حنبل: ما ورد لأحد من الصحابة من الفضائل بالأسانيد الصحاح مثلما ورد لعلي (عليه السلام)(2).

و بهذا قال إسماعيل القاضي و النسائي و أبو علي النيسابوري و غيرهم‏ (3).

____________

(1) انظر مشاكلة الناس لزمانهم- 15.

(2) مناقب أحمد لابن الجوزي 163.

(3) مناقب الإمام علي للعيني- 12.

461

و على أي حال: فإن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قد اختص بمزيد فضل و علو منزلة لا يدانيه فيها أحد فقد رباه النبي في حجره و نشأ في ظله و تغذى تعاليمه منه، و أودعه أسراره‏ (1) و لازمه طول حياته، و سبق إلى تصديقه في الرسالة قبل كل أحد و لبى دعوته في مؤازرته يوم نزلت‏ وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ‏ و فداه بنفسه يوم أزمع كفار قريش على قتله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمره اللّه بالهجرة (2).

و اختصه النبي بمواخاته يوم آخى بين أصحابه فأخذ بيد علي (عليه السلام) و قال: هذا أخي‏ (3) و هو منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بمنزلة هارون من موسى‏ (4) و كان أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يعبرون عمن سب عليا بأنه قد سب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(5) كما كانوا يعرفون المنافقين ببغضهم لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «يا عليّ، لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق» (6).

قال جابر بن عبد اللّه، ما كنا نعرف المنافقين إلا ببغضهم عليا و مثله عن أبي سعيد الخدري‏ (7).

و قد شهد النبي لعلي في إقدامه و شدة بلائه في اللّه و قوة إيمانه و محبته للّه و رسوله و محبة اللّه و رسوله بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يوم خيبر «لأعطين الراية غدا رجلا يحبه اللّه و رسوله و يحب اللّه و رسوله يفتح اللّه على يديه».

أخرجه البخاري في عدة مواضع من صحيحه و مسلم و أحمد بن حنبل و أبو داود و الترمذي و ابن ماجة و غيرهم.

إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شهد لعلي (عليه السلام) بهذه الشهادة في أحرج المواقف عند ما اعتصم اليهود في حصونهم و لم يستطع أحد من الإقدام فيكون الفتح على يديه فأعلن‏

____________

(1) انظر مناقب الإمام علي (عليه السلام) للعيني.

(2) انظر سيرة ابن هشام 2: 95.

(3) الرياض النضرة و كنز العمال، الإصابة و غيرها.

(4) أخرجه البخاري و مسلم و خرجه الحفاظ بطرق متعددة.

(5) الرياض النضرة 2: 219 و خصائص النسائي 24.

(6) أخرجه مسلم 2: 64 من شرح النووي.

(7) صحيح الترمذي 2: 298.

462

رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأن الفتح لا يكون إلا عند رجل هذه صفته و هو علي (عليه السلام) الذي يحبه اللّه و رسوله، و يحب اللّه و رسوله.

قال ابن تيمية: إن في ذلك شهادة لعلي (عليه السلام) بإيمانه باطنا و ظاهرا و إثباتا لموالاته للّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و وجوب موالاة المؤمنين له‏ (1).

و يمكننا أن نقول بإيجاز: لو لم تكن السياسة قد كمنت وراء الواقع و نصبت حبالها لمن ينطق بالحق لما تجرأ أحد على كثير من الحقائق و لما استطاع أحد أن يتجاهل أمورا هي كالشمس في رائعة النهار أو تحدثه نفسه بالتشكيك أو التطاول، و لو لا بقايا تلك الأعمال التي لجأ إليها الطغاة و الخوارج في النيل من الإمام علي علامة استفهام و تعجب.

و إن الأستاذ الأديب في إثارته لهذا الموضوع ليثير عندنا كثيرا من الشكوك في تفهمه للقضايا و تعمقه في دراسة الموضوع و حيث كنا بمعزل عن قصد الخوض في مثل هذه الأبحاث فإنا نترك بسط القول فيه و نكتفي بأن نلفت نظر الأستاذ إلى التوسع في الدراسة ليقف على أمور تكشف له حقيقة الواقع.

و إذا أردنا الخوض في هذا الموضوع فباستطاعتنا أن نقدم له آلاف المناقب المفتعلة لأناس هم دون علي و لا يجارونه في الفضل و شرف المحتد و علو المنزلة و نحن نؤثر أن نترك هذا الموضوع فما هو بالشي‏ء الجديد أو البحث الذي لم يدرس، و لا تجنّيه و افتئاته بغريب على واقع العلم و الأدب.

(يقول المؤلف في ص 16:) اقرأ- إن شئت- في أوثق كتبهم و أصحها عندهم لترى كيف أصبح التشيع بعد القرن الثاني- خاصة- عقيدة تشل الفكر و تميت العقل كما أصبحت خطرا على الإسلام و المسلمين و شرا مستطيرا على الدين ... ثم ينقل عن أحمد أمين في ضحى الإسلام 3: 213 حديثا عن الكافي و إن الكافي هو كالبخاري عند أهل السنة.

____________

(1) انظر فتح المجيد لعبد الرحمن حفيد محمد بن عبد الوهاب- 90.

463

(أقول:) أورد المؤلف هذا بعد كلام طويل أعرضنا عنه لأن الخوض فيه يدعو إلى الإطالة و فيه أيضا تعبير عما يحمله الأستاذ من فكرة خاطئة حول الشيعة و تطور نظرية الإمامة، و هو بهذه الأفكار يلتحق بالجماعات الذين شهدناهم على مر التاريخ و قد ملأوا الصفحات الطوال للإساءة للشيعة، فرأينا الإعراض عنها أولى من التعرض لها.

و هنا يحكم الأستاذ الأديب بأن عقيدة الشيعة- أو التشيع- تشل الفكر و تميت العقل بمعنى أنها عقيدة جامدة لا مجال فيها للعقل و حكمه و لا حق للتفكير فيها هكذا يقول.

و الأستاذ لم يحسن التبعير فإن هذا القول المفتعل أو هذه النظرة لم تكن من بنات أفكاره و إنما هو مقلد فيها للمستشرقين فهم قد ادّعوا ذلك‏ (1) و لم يستطع الأستاذ أن يطلق لفكره العنان في صحة ذلك و نكتفي بالجواب عما أورده هنا برد الأستاذ عباس محمود العقاد لهذه الشبهة التي أثارها المستشرقون إذ يقول- في بحثه حول الاختلاف فيما يتعلق بمواضع النظر و أسباب الفهم و التفكير-:

هكذا خطر لبعض المستشرقين و كتاب الغرب، الذين بحثوا في علاقة اختلاف الشعوب باختلاف مذاهب النظر و الاجتهاد، فظن بعضهم أن طوائف الشيعة آمنت بالإمام، لأنها ورثت تقديس الرؤساء و الأحبار، و قيدت من حق العقل في البحث و الفهم، بمقدار ما اطلقت من سلطان الإمام، و وكلت إليه من حق القيادة و الإرشاد.

و في هذا الظن من المستشرقين و هم لا شك فيه، لأن هذه المسألة بذاتها- مسألة الدراسة العقلية- قد كانت في طليعة المسائل التي اشتغل بها الشيعة الإماميون، و من أفوه الشيعة الإماميين تلقى أساطين الفلسفة الإسلامية كلامهم في العقل و النفس، و في مذهب الافلاطونية الحديثة، و مذهب افلوطين منها على التخصيص، و يقول الشيخ الرئيس ابن سينا فيما رواه عنه تلميذه الجوزجاني «كان أبي ممن أجاب داعي المصريين و يعد من الإسماعيلية، و قد سمعت منهم ذكر النفس و العقل، على الوجه الذي يقولونه، و يعرفونه و كذلك أخي».

____________

(1) الإسلام للمستشرق هنري ماسية 195.

464

و الفارابي أستاذ ابن سينا بالاطلاع و القدوة نشأ فيما وراء النهر، و وعى أقوال الشيعة الإمامية في شروط الإمامة، و مزج بينها و بين شروط افلاطون في كتاب الجمهورية، فجعل الإمام صفوة الخلق في كمال الصفات، و اجتماع الفضائل العقلية و النفسية، بل فضائل الجسد التي نزهت عن شوائب الضعف و المرض، و كان إخوان الصفا يدينون بمذهب في الإمامة كهذا المذهب، و يؤلفون الرسائل مع هذا في المنطق، و في علوم الرياضة، و الفلك و ما إليها، من علومهم العقلية.

فالدراسات المنطقية، و سائر الدراسات العقلية- كانت من شواغل الشيعة الإماميين، و لم يكن إيمانهم بالإمامة مما يصرف العقل عن التوسع في علم من العلوم، و ربما أخذت عليهم طوائف المسلمين افراطا في هذا الباب، و لم تأخذ عليهم تفريطا فيه يتعمدونه أو يساقون إليه على غير عمد (1).

هذا ما اقتطفناه من كلمة الأستاذ العقاد في رده على المستشرقين حول فكرتهم الخاطئة- و كم لهم من أخطاء- فيما يكتبونه عن الإسلام بصورة عامة، و عن الشيعة بصورة خاصة، للأسباب التي مر ذكرها (2).

و من المؤسف له- أن كثيرا من الكتّاب قد تأثروا تأثرا أخرجهم عن حدود ما يجب عليهم أن يتبعوه في كتاباتهم و منهم المؤلف.

و إن القول بأن الشيعة قد قيدوا العقل أو أنهم جامدون إلى آخر ما في حقيبتهم من أفكار خاطئة ينطوي على غرض لا يخفى على أي منصف فقد رأينا أصل مثل هذا الاتهام؟ و جاء البعض و سمح لنفسه بأن يأخذ أفكاره من المستشرقين و هم من قادة حملة السيطرة الأجنبية و أدوات النهب الاستعماري و من السهل أن يعتذر الإنسان للأجانب و يتسامح معهم لأن عوائق كثيرة تحول دون استيعابهم للأمور و تمثلهم للمسائل؟ و لكن بما ذا نعتذر لمن هم من أبناء الإسلام.

و يبقى الباحث بين ترديد هذه الدعاوى و جريانها على أقلام إخواننا و أبنائنا و بين صفات التخصص و المراكز و الألقاب العلمية في حيرة.

____________

(1) انظر التفكير فريضة إسلامية للأستاذ عباس محمود العقاد ص 60- 61.

(2) انظر الجزء الخامس من هذا الكتاب ط 3 ص 23 و الجزء السادس ص 384 و 400.

465

فإذا جهل الأستاذ حميدة أن الشيعة كيما يخففوا من آثار سياسة الحاكمين في تقييد العقل و حرية الرأي جعلوا العقل قبل القياس في حركة الرأي و لم يطمئنوا إلى القياس خشية أن لا يكون ضابطا قويا في استنباط الأحكام فجعلوا العقل محل ذلك فهل جهل الأستاذ ما تناوله العلماء و الباحثون في الحركة العقلية في الإسلام كحقيقة ثابتة و مساهمات الشيعة الكبرى في كل نتاجات العقل الإسلامي.

يقول الدكتور محمد ضياء الدين الريس، أستاذ التاريخ الإسلامي بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة:

إن أول من كتبوا في «الإمامة» كتابة علمية، و أول من تصدوا إلى إثبات مذهبهم بالأدلة المنطقية، سواء أ كانت الأدلة مبنية على أساس «ديني»- ثيولوجي- أم عقلي هم: الشيعة، فالشيعة لهم الفضل في خلق هذا النوع من العلم المسمى بالإمامة و هم الذين أوجدوه، و أفردوا له مكانا بين مباحث علم الكلام، و إذا كان من المعروف أن «علم الكلام» فيما يختص بالعقائد الدينية إنما نشأ كنتيجة للمناقشة و الجدل بين الشيعة و المعتزلة و أهل الحديث، فكذلك مباحث الإمامة- و هي الجانب السياسي منه- إنما وجدت للنقاش بين الشيعة و مخالفيهم: من خوارج، و معتزلة، و أهل السنة.

و هذه الحقيقة ذات دلالة كبيرة، إذ أنه ترتب على أن الشيعة هم الذين أوجدوا هذا العلم و أنهم طبعوه بطابعهم، و صاغوه الصياغة التي ارتضوها.

و مراعاة هذه الفكرة تفسير لنا أشياء كثيرة: فالشيعة- في الغالب- هم الذين اختاروا للإمامة مصطلحاتها الفنية، بل هم الذين سموها بهذا الاسم، و هم الذين قسموا العلم و بوّبوا أبوابه و عينوا مجاله، و رسموا حدوده، و هذا يشرح: لما ذا ظل علم الإمامة أو علم «النظريات السياسية الإسلامية» محصورا هكذا في نطاق محدود لا يعدوه، و لما ذا لم يتسع نطاق البحث فيه حتى يشمل مسائل هامة كان ينبغي لمفكري الإسلام أن يبحثوها؟ فالحقيقة أن الشيعة هم الذين وضعوا الأساس، و أنه كان على غيرهم من أهل الفرق الأخرى أن يملئوا الفراغ الذي حدد بها الأساس، و أن يقيموا البناء معتمدا عليه، أو قل بتعبير آخر: إن أبحاث الفرق الأخرى إنما كانت محصورة في أنها أجوبة على الأسئلة التي يضعها الشيعة، و لم تكن إلا مجموعة من الردود على الدعاوي التي كان الشيعة يبدءون بإثارتها. بهذا شابهت صيغة الجواب صيغة السؤال،

466

و جاء مطابقا للدعوى التي أريد منه أن يدفعها (1).

و لو أطلق الأستاذ مؤلف كتاب أدب الشيعة عقله من عقاله، و جعل لأدبه دورا في هذا الموضوع لما وقف جامدا على أقوال المستشرقين في اتهامهم للمسلمين بكل ما يوافق نعراتهم التعصبية و الأغراض التي بيتوها.

و إن هذا القول الذي تقبّله بدون تمحيص، و جزم بصحته لدليل واضح على عدم خبرته و عدم تعمقه في الدراسة، و إلا كيف يعقل أن تكون عقيدة الشيعة في الإمامة (تشل الفكر و تميت العقل)- على حد تعبير المؤلف- و قد كان القرن الثاني عصر جدل و مناظرات حادة و كانت المجالس تعقد للمناظرة؛ و تشد الرحال للمدارسة و الاحتجاج، لا سيما في الإمامة.

و قد انبرى للرد على الشيعة كل من الخوارج، و المعتزلة، فكانت مناظرات و جدل و قد اشتهرت مناظرات هشام بن الحكم المتكلم الشيعي المتوفى سنة 197 و هو من كبار تلامذة الإمام الصادق (عليه السلام) فقد ناظر علماء المعتزلة كعمر بن عبيد، و أبي الهذيل، و أبي بكر الأصم.

و كان هشام متفوقا في علم الكلام، و سرعة الجواب، و ممن فتق الكلام في الإمامة، و هذب المذهب و النظر، و كان حاذقا بصناعة الكلام‏ (2) و وضع كتابا في الإمامة.

و لسنا بحاجة إلى التعرض إلى رجال الشيعة المتكلمين الذين تفوقوا بوضوح البرهان و قوة الحجة، كعلي بن إسماعيل التمار مؤلف كتاب الإمامة و الاستحقاق، و هشام بن سالم و محمد بن النعمان و آل نوبخت الذين اختصوا بعلم الكلام و خاضوا تلك المنازعات الكلامية و غيرهم كنصير الدين الطوسي الذي (كان آية في التحقيق و حل المواضع المشكلة، سيما لطف التحرير الذي لم يلتفت إليه المتقدمون) (3)، لأن الأمر بات من الحقائق التي لم يملك أعداء الشيعة من قبل إلا الاعتراف بها، سواء كان ذلك منهم على كره و مضض أو عن صدق و أمانة، فإن الدور السيئ للمستشرقين‏

____________

(1) النظريات السياسية في الإسلام للدكتور محمد ضياء الدين الريس 81- 82.

(2) فهرست ابن النديم 249.

(3) مفتاح السعادة 1: 261.

467

بعد فضحه يبين لنا فيما جرى عليه المحدثون الذين رضوا لأنفسهم الانقياد لأعد الإسلام و الامتثال لأوامرهم و تقليد أفكارهم.

أسطورة:

و يختم المؤلف هذا الفصل بأسطورة ينقلها ابن عبد ربه، عن الجاحظ و الجاحظ ينقلها عن رجل من التجار: انه حدثه عن شيخ كان معهم في السفينة، شرس الأخلاق، يربد وجهه لذكر الشيعة، فلما سئل عن السبب؟ قال: ما أكره فيهم إلا هذه (الشين) التي في أول اسمهم فإني لم أجدها قط إلا في كل شر، و شؤم وو ... الخ.

قال أبو عثمان (أي الجاحظ) فما ثبت لشيعي بعدها قائمة (1).

هذه الأسطورة أو الدعابة التي ذكرها المؤلف كدليل على قوله: بأن التشيع أصبح بغيضا إلى النفس، و سبيلا إلى السخر و التهكم‏ (2).

و كان الأجدر بالمؤلف و هو يدرس هذا الموضوع بروحه الأدبية كما يقول:

(نسير في التاريخ السياسي للشيعة بروح الأديب لا بروح المؤرخ)، أن يترك الخوض في مثل هذه الأكاذيب التي اخترعوها للدعابة و المجون للحط من خصومهم، و السيطرة على عقول السذج، لأنها أساليب تنافي العلم و تكشف عن العجز و لكن الأستاذ حميدة ما دام قد ارتضى لنفسه منهج الاتباع الذي يلغي العقل و العلم، فلا غرابة أن تكون مادته من ذلك و لا مانع من أن نحاربه.

و أقول للمؤلف الأديب، لو أن السنة كانت موجودة في عصر الجاحظ و كان هذا الاسم معروفا في ذلك الوقت لوضع الجاحظ إلى جنب هذه الأسطورة أسطورة أخرى، و اخترع من بنات أفكاره وجود شيخ يكره السنة و يبغضهم لأن السين في أول اسمهم لا يجدها الا في كل سوء، و سقم، و سهاد، و سقر، و سل و. و.

و لكن اشتهار السنة كان في عصر متأخر عن عصر الجاحظ لأن هذا الاسم لم يظهر إلا بعد الثلاث مائة من الهجرة و إنما ظهر هذا الاسم في القرن الرابع الهجري.

عند ما قام أبو الحسن الأشعري في أول القرن الرابع الهجري في الرد على‏

____________

(1) انظر العقد الفريد 1: 360.

(2) انظر أدب الشيعة 20.

468

المعتزلة- بعد أن كان منهم فأظهر دعوته إلى السنة، و مذاهب السلف‏ (1) فانتشر مذهبه، و أظهر فيه مذهب السنة، و عرف اتباع عقيدته بهذا الاسم.

و قد انتشر مذهب الأشعري أيام وزارة نظام الملك، الذي كان أشعري العقيدة، و كان صاحب الكلمة النافذة أيام السلجوقيين و أصبحت عقيدة الأشعري شبه عقيدة رسمية تتمتع بحماية البلاط.

و زاد في انتشارها و قوتها مدرسة بغداد النظامية التي كانت أكبر جامعة في العالم الإسلامي، كان الانتساب إليها شرفا و فخرا للطالب و المتخرج، و كانت وظيفة التدريس فيها مجدا للعالم، و شهادة علمية، فكان طبيعيا أن ينتشر المذهب الأشعري و يسود في العالم الإسلامي‏ (2).

و الغرض أن أمثال هذه الأمور ليس من العسير اختراعها في عصور اشتد فيها الخصام حتى اختل فيها توازن النقد و التهجم.

و من الغريب إيراد أمثال هذه الأساطير في معرض الاستدلال و الأبحاث الأدبية؛ و لا أدري ما معنى قوله: (فما ثبتت لشيعي بعدها قائمة) هل أن أثر هذه الأسطورة قضى على دعوة التشيع فاستراح خصومهم، و هدأ جو المنازعات، إذ انتهى الدور الذي كان يدعو لذلك بمجرد أن تكلم ذلك الشيخ المجهول؟!! أ كانت هذه الكلمات أقوى من سيف معاوية بن أبي سفيان و أدهى من سياسة زياد تجاه الشيعة، تلك السياسة التي يصفها المؤلف نفسه في ص 31: بأنها قامت على العسف و التنكيل، بكل من يحس فيه روح التشيع، و قد كان زياد من شيعة علي (عليه السلام) فكان بالشيعة أعرف، فأخذ يتتبعهم في كل سبيل، حتى أباد الألوف من شيعة الكوفة و البصرة، و مثل بهم أشنع تمثيل، فقطع الأيدي، و الأرجل، و سمل العيون، و صلبهم في جذوع النخل.

و ناهيك بما فعلته غارات معاوية و حملاته على بلدان الشيعة الآمنة من قتل و نهب، و تخريب، و أعظمها غارة بسر بن أرطاة في اليمن و غيرها.

و استمرت الحالة بعد معاوية حتى جاء عهد الحجاج ذلك العهد الأسود فحكم‏

____________

(1) مفتاح السعادة 2: 37.

(2) رجال الفكر و الدعوة في الإسلام للنووي- 138.

469

السيف في رقاب الشيعة، فكان أحب إلى الرجل أن يقال له زنديق و كافر، من أن يقال له شيعي. و قد وصفه المؤلف بقوله:

و لكن الحجاج و إن غلت يده عن الهاشميين فقد انطلقت في شيعتهم يقتلهم، و يسفك دماءهم، حتى أن الرجل ليقال له زنديق أو كافر أحب إليه من أن يقال له شيعة علي و حتى خشي الناس من أن يتسموا بأسماء علوية.

وقف رجل في طريق الحجاج فقال: أيها الأمير، إن أهلي عقوني فسموني عليا، و إني فقير بائس، و أنا إلى صلة الأمير محتاج، فتضاحك الحجاج و قال: بلطف ما توسلت به قد وليتك موضع كذا.

كل ذلك لم يخمد جذوة التشيع و لم يقعد بعزائمهم عن المضي في مناصرة أهل البيت، و المناوأة لخصومهم، و كانت دماء شهدائهم تسقي بذور شجرة العقيدة- حتى استطاعوا أن يهدموا صرح الدولة الأموية قبل أن تهدم صرح التشيع.

و هكذا تمر الأيام و لهم في كل دور مواقف مشهودة و واجهوا من النكبات و عسف الولاة ما لم تواجهه طائفة أخرى، و ليس بالإمكان عرض تلك الحوادث بهذه العجالة، و قد احتفظ التاريخ بها.

كل هذا و هم لم يخضعوا لسلطان جائر، و لم ينقضوا العهد الذي عاهدوا اللّه عليه، في سبيل المحافظة على وصايا رسوله الأعظم في آله الكرام.

و لم يترك خصوم الشيعة وسيلة في القضاء عليهم إلا استعملوها، حتى اتهموهم بالزندقة، و الخروج عن الدين، على خلاف المعقول و الواقع كل ذلك تشويها للدعوة التي قام بها الشيعة، بإلقاء الشبهات عليهم من الوجهة الدينية، و صدرت الفتاوي بحقهم في الإبادة، قتل الآلاف منهم بسبب ذلك، مما يطول بيانه- و ليس بالشي‏ء الجديد ذكره- فلم يقعد بالشيعة عن مواصلة الجهاد شي‏ء من ذلك.

و أخيرا نأمل من المؤلف و غيره من إخواننا الكتّاب- الذين يسوقون في معرض حديثهم عن الشيعة أمثال هذه الأساطير، فالأمر أرفع من ذلك- أن يخوضوا هذه الأبحاث أحرارا غير مقيدين في حدود ضيقة لا توصلهم إلى الحق و العدل، و أن لا يقبلوا كل شي‏ء وقفوا عليه إلا بعد التمحيص فما أكثر الأمور الملفقة، التي كانت من وراء الدوافع النفسية، و العوامل السياسية و قد تحمل تبعتها قوم خضعوا لذلك، و نقلها

470

آخرون و هكذا ضاعت الحقيقة وراء حجب الأغراض و اللّه حسبنا و نعم الوكيل.

التاريخ السياسي للشيعة:

يقول المؤلف في بداية الحديث تحت هذا العنوان:

نسير في التاريخ السياسي للشيعة بروح الأديب لا بروح المؤرخ. نسجل أثره الأدبي، و فواعله النفسية، فذلك بموضوعنا أليق:

منذ وفاة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- و شيعة علي تتطلب الخلافة له و لنسله- لأمور تجلت قبل، لذلك ظلت حياتهم بين وثبة و استعداد للوثبة، و غدا تاريخهم صفحة دامية، تذيب القلب و تستنزف الدمع.

ثم يستمر الأستاذ في الحديث فيتعرض لخلافة علي (عليه السلام) و نكث طلحة و الزبير للبيعة، و يمضي للحديث عن صفين و بيان التحكيم ... و كل هذا لا نريد أن نتحدث عنه، و لا نناقش الأستاذ في شي‏ء منه لا لأن كل ما ذكره هو وجه الصواب ففيه ما يستوجب النقاش و لفت النظر، و لكن ضيق المجال يدعو لأن نقتصر على أمور نشير إليها بإيجاز لأن استيعاب ذلك أمر ليس من الممكن حصوله الآن، لأننا في معرض التنبيه عن أمور خاصة فلا نتعرض لأخطائه في سياسة الإمام علي (عليه السلام) كما في ص 35 و لنترك حديثه حول الصلح كما أننا نستدل الستار بيننا و بين حديثه حول واقعة كربلا و استشهاده على صفة قتل الحسين (عليه السلام) بقول زجر بن قيس إذ يصف ذلك عند يزيد كما في ص 37 ذلك الوصف الذي يمثل الحسين (عليه السلام) و أصحابه في معرض الهزيمة و الاندحار، و لكن الأديب المؤلف قد دله ذوقه الأدبي أن يستشهد بأحد قواد المعركة و هو رجل بمنتهى الإجرام، و قد مثل دور الوثنية، و عهود الجاهلية فيها.

أ لا كان من المناسب- أو حسن الأدب- أن يستعرض واقعة كربلا بدراسة واقعية، بعيدة كل البعد عن اتباع ذوي الآراء الشاذة، ممن انغمسوا في أتون العصبية، فافترضوا بتحاملهم البغيض فروضا بعيدة عن الحق لا تتفق مع مقام الحسين (عليه السلام) و مكانته.

نعم لو درس دراسة واقعية لأعطى البحث حقه، و لوقف على حقيقة الأمر، و ظهر له أن من النقص أن يستشهد بقول رجل مجرم- كزجر بن قيس الذي اشترك في‏

471

قتل ابن بنت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و سبى عياله، و حمل رأسه، إلى يزيد طاغية زمانه، و عدو الإسلام اللدود، لنترك مناقشة المؤلف هنا و نعرض عن هذا الحديث- فهو حديث شجون- كما أننا نفضل الاختصار في الرد و الإيجاز في النقد، و نمضي بسرعة و نترك المؤلف حائرا يجيل و جهات النظر في المعاذير لمعاوية بن أبي سفيان في إعلانه سب علي بن أبي طالب (عليه السلام) على المنابر و يحلو له أن تعج تلك المنابر بسب علي و آله.

و يقف المؤلف هنا حائرا و هو يخاطب نفسه فيقول في ص 30: لن نستطيع أن نجمع بين أمرين، دين معاوية و حلمه، و دهائه يحسبه الجاهل خورا، حلما يتسع به صدره إلى أن يسمع الاقذاع من الناس، و النقد لسياسته، فيقابل إساءتهم بالصفح، و اقذاعهم بالعطاء ثم هو مع ذلك يحلو له أن تعج منابره بسب علي و آله.

بهذا كان يفكر الأستاذ و يجيل النظر حتى اهتدى إلى حل هذه المشكلة بقوله:

و لعل معاوية- كساسة اليوم- قد علم أن الدعاية من أشد أسلحة الحرب مضاء، و أبلغها نفاذا، فاستعمل هذا السلاح ليصرف الناس عن آل البيت و يحول قلوبهم عنهم، و في هذا دوام ملكه، فاستحل سياسيا ما حرمه الدين، و وضع لمن بعده شرعة السباب لهذا البيت الكريم، فاستعملها خلفاء بني أمية حتى غدت سخرية الناس و تندرهم إلى أن أبطلها إمام عادل .... الخ.

و بهذا انحلت تلك المشكلة التي تقف أمام الأستاذ في دراسته، فمعاوية استساغ سب علي لأجل الدعاية و ذلك لا ينافي الدين كما يظن الأستاذ و هكذا يبدو المؤلف بهذا الموضوع بتفكيره الجديد في حل هذه المشكلة رغم عظيم وقعها.

و نحن كما قلنا لا نريد أن نقف هنا طويلا، و من الخير أن نشير إلى إنكار الصحابة؛ منهم: أم المؤمنين أم سلمة رضي اللّه عنها فقد انكرت على معاوية فيما ارتكبه، فإنها أرسلت إلى معاوية تقول له:

(إنكم تلعنون اللّه و رسوله، إذ تلعنون علي بن أبي طالب و من يحبه و أشهد أن اللّه و رسوله يحبانه).

و مر ابن عباس بقوم يسبون عليا (عليه السلام) فقال لقائده: أ ما سمعت هؤلاء ما يقولون؟!

472

قال: سبوا عليا.

قال: فردني إليهم. فرده.

فقال: أيكم الساب لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟! قالوا: سبحان اللّه من سب رسول اللّه فقد كفر!! فقال: أيكم الساب لعلي؟

قالوا: أما هذا فقد كان. قال ابن عباس: فأنا أشهد باللّه لسمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: من سب عليا فقد سبني، و من سبني فقد سب اللّه و من سب اللّه عز و جل أكبه اللّه على منخريه في النار (1).

و لدينا أمثلة أخرى من إنكار الصحابة على معاوية فيما ارتكبه من سب علي (عليه السلام)، و أصبح ذلك أمرا عاما في جميع أطراف المملكة، و لكن المسلمين كانوا يقابلون ذلك بالإنكار، لأن صوت رسول اللّه يقرع أسماعهم في إعلانه بأن عليا نفسه، و هو منه كما أخرج البخاري أن النبي قال لعلي: (أنت مني و أنا منك) (2) و أخرج ابن النجار عن ابن عمر و النضيري عن عائشة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: (علي نفسي).

و لسنا بحاجة إلى إيراد كل ما صرح به (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من بيان منزلة علي (عليه السلام) و أنه نفسه و أنه (منه بمنزلة رأسه من بدنه) (3).

و قد شهد أصحابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بشتى المناسبات بأنه كان يشرك عليا في عمله، و ينزله منزلة نفسه.

قال غرقة بن الحرث الكندي: شهدت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أتي بالبدن فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

ادعو لي أبا حسن. فدعي له. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): خذ بأسفل الحربة، و أخذ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأعلاها، ثم طعنا بها البدن. (يوم النحر) فلما فرغ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ركب و أردف عليا (4).

قال الحافظ: اشترك (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو و علي في نحر ثلاث و ثلاثين بدنة. فهو (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان‏

____________

(1) النسائي في الخصائص 24 و الرياض النضرة 2: 219.

(2) البخاري 5: 22.

(3) الخطيب 7: 41.

(4) شرح المواهب 8: 194.

473

ينزل عليا منزلة نفسه كما خصه اللّه تعالى في ذلك بقوله عز و جل: قال تعالوا ندعو أبناءنا و أبناءكم و نساءنا و نساءكم و أنفسنا و أنفسكم.

و يحدثنا البيهقي: أن رجلا قام في مجلس ابن أبي عائشة فقال: يا أبا عبد الرحمن، من أفضل أصحاب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟ فقال: أبو بكر، و عمر، و عثمان، و طلحة، و الزبير.

فقال الرجل: فأين علي بن أبي طالب؟!! فقال ابن أبي عائشة: تستفتيني عن أصحابه أم عن نفسه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟

فقال الرجل: عن أصحابه. فقال ابن أبي عائشة: إن اللّه تبارك و تعالى يقول:

فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ وَ نِساءَنا وَ نِساءَكُمْ وَ أَنْفُسَنا وَ أَنْفُسَكُمْ ... الآية فكيف يكون أصحابه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مثل نفسه؟

إذا فكيف يجتمع الدين مع إعلان السب للّه و رسوله! و هل يكون الإنسان معذورا إذا وجد طريقا سياسيا لمخالفة الدين؟ هذا من جهة، و من جهة أخرى فإن ذلك السب منبعث عن البغض لعلي (عليه السلام) و بغض علي علامة النفاق، أخرج الترمذي عن عدي بن ثابت عن زرّ بن حبيش عن الإمام علي قال: لقد عهد إلي النبي الأمي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه لا يحبك إلا مؤمن و لا يبغضك إلا منافق قال عدي بن ثابت: أنا من القرن الذي دعا لهم النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1). و إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار.

و كذلك نترك الأستاذ المؤلف يماشي الشيخ الخضري و يذهب مذهبه في توجيه اللائمة على الحسين (عليه السلام) في خروجه على يزيد بن معاوية (2)، لأننا نفضل ترك الخوض في هذا الموضوع لأنه يخرجنا عن الصدد في استعراض أخطاء الشيخ الخضري، و تهجمه على مقام الحسين (عليه السلام) مما يدل على نزعته، و انحرافه عن طريق الصواب.

____________

(1) صحيح الترمذي ج 13 ص 177.

(2) محاضرات الشيخ محمد الخضري ج 1 ص 129.

474

و المؤلف فيما يظهر يؤيد ما ذهب إليه عن قناعة غير ناشئة عن تفهم الموضوع تفهما واقعيا، لكنه استعذب القول فنقله بدون تريث كما هو شأنه في كثير من آرائه التي لا يعترف بها العقل و لا يقرها المنطق.

و على أي حال فليس من قصدنا أن نستوعب جميع ما في الكتاب من أشياء تستوجب النقد و الرد.

و لنتحول الآن إلى أهم ما قصدناه في هذا العرض و أردنا إيضاحه و هو قضية ابن سبأ فلنجعلها بعنوان مستقل و نبحثها على ضوء الواقع لنقف على الحقيقة التي هي أسمى هدف للمنصفين.

475

ابن سبأ مرة أخرى‏

تمهيد:

قلما يصدر كتاب يتناول البحث عن تاريخ الإسلام إلا و عبد اللّه بن سبأ يحتل مكانا في البحث و يشغل صحائف من الكتاب.

إن هذا الرجل الموهوم قد صوروه بألوان من الصور و أبرزوه بمختلف الأشكال.

و قد وصفوه بأنه بطل يخوض غمار الأهوال، و يتحمل متاعب الانتقال، و مشقة الأسفار- فمن المدينة لمكة، و منها إلى البصرة، ثم الكوفة فالشام، ثم يجوب البراري و يقطع القفار. فلا يخلو منه مكان: هو موج ساحر أو برق خاطف يسير بسرعة الصوت.

إنه داعية إلحاد و شرك، يضلل الناس بآرائه، و يسمم العقول بقوله. يدعو إلى المبادئ اليهودية، و العقائد الزرادشتية له سيطرة على العقول، و هيمنة على الأفكار، يقول فيصدق و يأمر فيطاع، يسوق العرب بعصاه، حتى انصاع له جمع من الصحابة- و العياذ باللّه- و اعتنقوا مبادئه- كما يقولون و ما أعظم ما يقولون- و أصبح أبو ذر خريج مدرسة محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من شهد له الرسول بالصدق و عمار بن ياسر، المعذب- هو و أبوه و أمه- في اللّه من أنصار دعوته، و حملة عقيدته، و المتأثرين بأفكاره.

فثورة أبي ذر على ذوي الأثرة الذين جعلوا مال اللّه دولا و عباده خولا كانت من آثار ابن سبأ!!- كما يفترون- و الثورة على عثمان من دسائسه، و حرب الجمل من تصلبه، و وقعة صفين عن أمره، و مبادئ التشيع من تفكيره و آرائه!!! و. و. و.

476

فيا لمهزلة العقل و إسفاف الآراء، و خفة الأحلام! و يا لضياع الحق و ظهور الباطل.

إن أعظم شي‏ء أن يحال بين العقل و بين الحقيقة و يزج به في متاهات من الاختلافات و التزييف و التضليل ليكون من نتائجه التصديق بأكذوبة ابن سبأ و ظهور نتاجات و كتابات كالتي نحن بصدد تفنيدها.

لقد حان الوقت لأن نلتفت إلى الوراء لنكشف حقيقة نشأة هذه الأسطورة، و نقف على عوامل تلك الأباطيل التي طالما ظلت أيد سوداء ممتدة فوقها في سكون و صمت.

إن تلك الأيدي العابثة بمقدسات الدين، و التي تثير الغبار في طريق وحدة المسلمين، تتحرك اليوم بارتجاف و اهتزاز، لأن الوقت قد حان لرفع الستار الذي تكمن وراءه، و افتضاح أولئك المحركين لها، لأن الوعي بوجوب تدارك خطر الفرقة أصبح ينذر أولئك الدساسين بالخطر.

و يخطئ من يقول: بأن بحث قضية ابن سبأ من الأمور التي لا جدوى من بحثها الآن و إثارتها في هذا العصر، فالزمن قد تغير، و هذه من دفائن الماضي و ليس من الصحيح نبش تلك الدفائن و نشر صحائف مطوية، أكل الدهر عليها و شرب.

و إننا نقول: إن هذه القضية ليست كما يتوهم المتوهمون بأنها من الصحائف المطوية، و الآثار المنسية، بل هي في كل وقت غضة جديدة لا تغيرها الأيام مهما طال زمانها، فهي تنشر في كل وقت و تجعل من الأسس التي يستند إليها أكثر كتّاب عصرنا الحاضر كوسيلة لطعن على الشيعة، و في طليعة أولئك الكتّاب شيوخ يرجى بهم سد ثغرة الخلاف، و السعي في إصلاح ما أفسدته ظروف قاسية، و عصور مظلمة.

و هناك أساتذة يؤمل بهم تنوير عقول الناشئة الإسلامية، بما يعود على الجميع بالنفع.

و لكنهم بمزيد الأسف استسلموا لعوامل كان أليق بهم أن يقفوا أمامها موقفا واعيا يتمشى مع مسئوليتهم الملقاة على عواتقهم في تربية النش‏ء و خدمة الأمة الإسلامية، في اتباع مناهج الإسلام في التثبت في النقل، و الاعتدال في النقد.

إنهم قد نقلوا أشياء كثيرة بدون تثبت من صحتها، أو رجوع إلى مصادرها

477

الموثوق بها. و أجلى مثال لذلك الاسترسال في تقبل كل شي‏ء هو إيراد أسطورة ابن سبأ كدليل قاطع، و برهان واضح لا يمكن رده و ليس من المستطاع تكذيبه.

فقد توالت العصور و الناس تتداول هذه الأكذوبة و تردد هذه الأسطورة و لا بد من النظر إلى الغد عند ما تنجاب هذه الغمامة و تلك الحجب عن العقول و البصائر و يأخذ الجيل الواعي بنقد ما لا يقرّه العقل و المنطق، و نحن نرى اليوم الكثير من الكتّاب و الأساتذة الذين حكّموا العقل و نزعوا قيود الاستسلام يبادرون إلى رفض قصة عبد اللّه بن سبأ و كشف زيفها و التباسات قيامها، عند ذاك ما ذا ستكون النظرة لمن أسهم في ترويج هذه الأكذوبة و نشر هذه الأسطورة؟.

نحن نرى أن لا مندوحة من التأكيد على الحقائق التي تضمها وقائع التاريخ منذ مبعث النبي المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لا نرى بحال أن ذلك نبشا للماضي، لأن جذور التشيع نمت في ظل الرسالة و ولدت بذرته معها، فحقائق الرسالة و السيرة النبوية و ولاية الإمام علي (عليه السلام) و دور الأوصياء في حفظ الدين و رعاية الدعوة هي الوقائع التي تصاحب تطورات الأحداث و تختزن جوهر التاريخ. و لو نظرنا إلى حملات العداء و الكراهية لآل البيت الأطهار و من يتولاها على امتداد العصور و الأدوار لعلمنا أن القصد مصالح كاد يمحقها الإسلام، و أغراضا سياسية يحاربها الدين. و لقد كانت قصة عبد اللّه بن سبأ واحدة من محاولات أعداء الحق و أهله و محاربي دعاة العدل بقصد الإساءة إلى مبادئ أهل البيت و تلطيخ تاريخهم الناصع الوضّاء.

و من المؤسف أن نرى اليوم من يستسلم لمثل هذه الأسطورة و يتخلى عن الأخذ بمقاييس العلم و أحكام العقل مستسلما للنقل رغم وضوح جوانب الوضع و تهافت هذه القصة الأكذوبة.

و للمثال نذكر ما كتبه بعض أولئك الرجال حول قضية ابن سبأ و استنتاجهم منها أمورا تركز بحثهم عليها فمنهم:

أبو زهو:

الشيخ محمد أبو زهو- من علماء الأزهر الشريف و أستاذ كلية أصول الفقه في الوقت الحاضر- قال تحت عنوان (التشيع ستار لأعداء الإسلام):

و يقيني أن التشيع كان ستارا احتجب وراءه كثير من أعداء الإسلام، من الفرس‏

478

و اليهود، و الروم، و غيرهم ليكيدوا لهذا الدين و يقلبوا نظام هذه الدولة الإسلامية ...

إلى أن يقول: أخذوا (أي أعداء الإسلام) يتحسسون أبواب الضعف، فلم يجدوا بابا أنجح لهم من الحيلة و الخداع، فاظهر جماعة منهم الإسلام، و انضموا إلى أهل التشيع مظهرين محبة أهل البيت، و سخطهم على من ظلم عليا رضي اللّه عنه، ثم أخذوا يسلكون به مفاوز الفتن و المهالك، حتى أبعدوا كثيرا منهم عن التدين الصحيح، بما بثوه فيه من العقائد الزائفة، التي يدور معظمها على هدم قواعد الدين، و التحلل من تعاليم الإسلام و أحكامه، و أصل هذه الفتنة على ما ذكره المؤرخون:

رجل يهودي يدعى عبد اللّه بن سبأ، غلا في حب علي حتى زعم أن اللّه تعالى حل فيه، و أخذ يؤلب الناس على عثمان ... الخ.

هذا ما يقره أخونا الشيخ المعاصر محمد أبو زهو و يرسله إرسال المسلّمات، فيلقيه على طلابه ليؤدي رسالة الأجيال التي تحمل في طياتها انتصار اليهود على المسلمين، و أن رجلا واحدا منهم استطاع بمكره و خداعه، أن يسوق أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يستدرجهم لأغراضه، و يفتنهم بدعوته فيستسلمون له بدون تدبر و تفكير، و يقومون بأمر لا باعث له إلا دعاية رجل يهودي فاستجابوا لدعوته، و خضعوا لإرادته و حاشاهم من ذلك، و هم أجل و أسمى، من أن ينزلوا إلى هذا الحضيض. و لكن الشيخ (سلمه اللّه) اقتنع بدون ما يوجب ذلك فنسأل اللّه لنا و له الهداية.

محمد أبو زهرة:

الشيخ محمد أبو زهرة أستاذ الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، جامعة القاهرة، يقول- (1) بعد ذكر الأسباب التي أدت إلى الفتن في عهد عثمان-: و لقد كان من نتائج هذا تولية (عثمان) ولاة من أقاربه، أن حرك عوامل الاتهام بالمحاباة، و بعض هؤلاء لم يكونوا من ذوي السبق في الإسلام و بعضهم كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد أباح دمه إذ ارتد بعد إيمان «كعبد اللّه ابن سعد بن أبي سرح» و قد ولاه (عثمان) بعد عمرو بن العاص و قد أخذ هذا (أي ابن العاص) يؤلب الناس على «عثمان» بسبب ذلك حتى كان يقول:

«و اللّه إن كنت لألقى الراعي فأحرضه عليه» (أي على عثمان) و انتشرت بتولية عبد اللّه‏

____________

(1) انظر المذاهب الإسلامية 46: 47.

479

قالة السوء عنه: إذ أخذ الناس يتحدثون عنه، و هو الرجل الذي آمن ثم كفر ثم كذب على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ...

إلى أن يقول: و من الأسباب و هو أعظمها وجود طوائف من الناقمين على الإسلام الذين يكيدون لأهله، و يعيشون في ظله، و كان أولئك يلبسون لباس الإسلام، و قد دخلوا في الإسلام ظاهرا، و اضمروا الكفر باطنا، فأخذوا يشيعون السوء عن ذي النورين «عثمان» و يذكرون «علي بن أبي طالب» رضي اللّه عنه بالخير و ينشرون روح النقمة في البلاد، و يتخذون مما يفعله بعض الولاة ذريعة لدعايتهم، و كان الطاغوت الأكبر لهؤلاء: عبد اللّه بن سبأ و قد قال فيه ابن جرير الطبري:

كان عبد اللّه بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء أمه سوداء فأسلم زمان عثمان ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالهم فبدأ ببلاد الحجاز، ثم البصرة ثم الشام فلم يقدر على ما يريد عند أحد من أهل الشام فأخرجوه حتى أتى مصر فقال لهم فيما يقول: لعجب ممن يزعم أن عيسى يرجع و يكذب بأن محمدا يرجع، و قد قال اللّه تعالى إن الذي فرض عليك القرآن لرادك إلى معاد، ثم محمد أحق بالرجعة من عيسى ...

ثم قال لهم بعد ذلك: إنه كان ألف نبي، و لكل نبي وصي، و كان علي وصي محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثم قال: محمد خاتم النبيين و علي خاتم الأوصياء.

ثم قال بعد ذلك: إن عثمان أخذها بغير حق، و هذا وصي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

فانهضوا في هذا الأمر فحركوه، و أيدوه بالطعن على أمرائكم، و أظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، لتستميلوا الناس ... فبث دعاته و كان ممن استفسد في الأمصار و كاتبوه و دعوا في السر إلى ما عليه رأيهم، و أظهروا الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و جعلوا يكتبون إلى الأمصار كتبا، يضعونها في عيوب ولاتهم، و يكاتبهم إخوانهم بمثل ذلك، و وسعوا الأرض إذاعة، و هم يريدون غير ما يظهرون و يسرون غير ما يبدون.

و هكذا نرى شيخ المؤرخين «الطبري» بين كيف كانت مؤامرة هؤلاء لإفساد المسلمين و اتخذوا من الشكوى من بعض ولاة عثمان ذريعة للدعوة إلى الانتفاض و بث الأفكار المنحرفة، المفرقة إلى أن يقول:

480

و في ظل هذه الفتن نبت المذهب الشيعي و إن كان الشيعة و معهم غيرهم يقول:

إن جذوره تمتد إلى وقت وفاة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ... انظر المذاهب الإسلامية ص 46- 47.

أحمد أمين:

و هذا الأستاذ أحمد أمين يصفه بأنه ممن أوعز إلى أبي ذر- صاحب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)- بتعاليمه فتأثر بها إذ يقول:

و نلمح وجه الشبه بين رأي أبي ذر الغفاري و بين رأي مزدك في الناحية المالية فقط، فالطبري يحدثنا: «أن أبا ذر قام بالشام و جعل يقول: يا معشر الأغنياء و اسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب و الفضة و لا ينفقونها في سبيل اللّه بمكاوي من نار تكوى بها جباهم و ظهورهم. فما زال حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، و أوجبوه على الأغنياء، و حتى شكا الأغنياء ما يلقونه من الناس» ثم بعث به معاوية إلى عثمان بن عفان بالمدينة حتى لا يفسد أهل الشام. و لما سأله عثمان: ما لأهل الشام يشكون ذربك؟ قال: لا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا.

يقول أحمد أمين- فنرى من هذا أن رأيه قريب جدا من رأي مزدك في الأموال.

و لكن من أين أتاه هذا الرأي؟

و بعد أن يوجه الأستاذ أحمد أمين هذا السؤال و يفكر عن وجود هذه الفكرة عند الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري (رحمه اللّه) و هنا ينقدح له الجواب عن ذلك فيقول:

يحدثنا الطبري أيضا عن جواب السؤال فيقول: «إن ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك، و إن ابن السوداء هذا أتى أبا الدرداء و عبادة بن الصامت، فلم يسمعا لقوله، و أخذه عبادة إلى معاوية و قال له: هذا و اللّه الذي بعث عليك أبا ذر (1).

ثم يقول بعد ذلك: و نحن نعلم أن ابن السوداء هذا لقب لقّب به عبد اللّه بن سبأ، و كان يهوديا من صنعاء، أظهر الإسلام في عهد عثمان، و إنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، و بث في البلاد عقائد كثيرة ضارة قد نعرض لها فيما بعد، و كان قد طوف في بلاد كثيرة- في الحجاز، و البصرة، و الكوفة، و الشام، و مصر، فمن المحتمل القريب أن يكون قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن،

____________

(1) الفجر 110 ط 2.

481

و اعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقادها و صبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه، فقد كان من اتقى الناس، و أورعهم و أزهدهم في الدنيا، و كان من الشخصيات المحبوبة، التي أثرت في الصوفية (1).

الخطيب:

و نرى أنفسنا مضطرين لأن نننقل ما كتبه الخطيب المعروف (بمحب الدين) ليستبين القارئ ما بلغته الحالة من الاعتماد على الأكاذيب، و الأخذ بالأساطير، و جعل ذلك في طريق الحجاج كما يتجلى التحدي لمقام الصحابة الكرام، و الطعن عليهم بدون مبرر و إنما هو جرأة على مخالفة الحق و الانصياع لداعية الهوى.

و هذا الرجل قد صب هذه الأسطورة بقالب رغباته، و أبرزها في إطار هواه- و كم له من اختراع في شتى المجالات- بدون أن يستند إلى دليل، أو يعتمد على مصدر.

يقول:- بعد ذكره لابن سبأ- إن هذا الشيطان هو عبد اللّه بن سبأ من يهود صنعاء، كان يسمى ابن السوداء، و كان يبث دعوته بخبث و تدرج و دهاء، و استجاب له ناس من مختلف الطبقات ...

إلى أن يقول: و عني بالتأثير على أبناء الزعماء من قادة القبائل، و أعيان المدن، الذين اشترك آباؤهم في الجهاد و الفتح، فاستجاب له من بلهاء الصالحين، و أهل الغلو من المتنطعين جماعات- كان على رأسهم في الفسطاط: الغافقي ابن حرب العلكي، و عبد الرحمن بن عديس البلوي التجيبي الشاعر، و كنانة بن بشر، و سودان بن حمران، و عبد اللّه بن زيد بن ورقاء، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و عروة بن النباع الليثي و قتيرة السكوني ...

و كان على رأس من استغواهم ابن سبأ في الكوفة: عمر بن الأصم، و زيد بن صوحان العبدي، و الأشتر مالك النخعي، و زياد بن النظر الحارثي و عبد اللّه بن الأصم.

____________

(1) المصدر السابق- 111.

482

و من البصرة: حرقوص بن زهير السعدي، و حكيم بن جبلة العبدي، و ذريح بن عباد العبدي، و بشر بن شريح، و الحطم ضبيعة القيسي، و ابن المحرش بن عبد.

أما المدينة فلم يندفع في هذا الأمر من أهلها إلا ثلاث نفر: محمد بن أبي بكر، و محمد بن أبي حذيفة، و عمار بن ياسر.

و من دهاء ابن سبأ و مكره: أنه كان يبث في جماعة الفسطاط الدعوة لعلي، و في جماعة الكوفة الدعوة لطلحة، و في جماعة البصرة الدعوة للزبير .. ثم يذكر تزوير الرسائل من قبل ابن سبأ.

ثم يوجه (الخطيب) لومه على أهل المدينة بل نقده للصحابة فيقول: و كان ينبغي أن يكون ذلك سببا ليقظتهم و يقظة علي أيضا إلى أن بين المسلمين من يزور عليهم الفساد لخطة مرسومة تنطوي على الشر الدائم و الشرر المستطير، و كان ذلك كافيا لإيقاظهم إلى أن هذه اليد الشريرة هي التي زورت الكتاب على عثمان، بدليل أن حامله كان يتراءى له معتمدا ثم يتظاهر بأنه يتكتم عنهم، ليثير ريبتهم فيه، فراح المسلمون إلى يومنا هذا ضحية سلامة قلوبهم في ذلك الحين ... الخ‏ (1).

و هكذا رسخت هذه الأسطورة في أدمغة كثير من الكتّاب المعاصرين و غيرهم، و لا نود الاستمرار بأقوال الآخرين منهم، و بما ذكرنا كفاية لإيضاح الموقف و خطره.

فابن سبأ- كما مر عليك من الأقوال و كما تقف عليه في غير هذه الكتب- هو الذي حرك أبا ذر على معارضة معاوية في تصرفه بالأموال، و أن تلك الفكرة لم تكن من روح الإسلام و تعاليمه، و إنما هي فكرة مزدكية و كأن الآيات التي استشهد بها أبو ذر كانت من تعاليم ابن سبأ لا من تعاليم الإسلام.

كما أن هؤلاء الذين ذكرهم الخطيب من صحابة و تابعين، أصبحو يترأسون دعوة ابن سبأ و هم (البلهاء، أو أهل الغلو)- على حد تعبير الخطيب- كعمار بن ياسر الذي ستقف على ترجمته قريبا و عبد اللّه بن زيد، و عمرو بن الحمق الخزاعي، و حكيم بن جبلة العبدي و زيد بن صوحان و. و.

____________

(1) حملة رسالة الإسلام 23- 24.

483

و أي جناية أعظم من هذه الجناية في هذا التهجم العظيم على رجال الأمة و عظمائها.

و لا ندري ما هو دليل هذا الحكم، و سند هذه الأقوال. نعم ليس له مصدر إلا الطبري كما سيأتي.

و هذا الكاتب بالأخص- و هو الخطيب- لا يثق بأقوال الطبري إلا بشروط ستقف عليها. و لكن قضية ابن سبأ قد وافقت هوى في نفسه، فأصبح فيها- كحاطب ليل- خضوعا لهواه.

من أين و إلى أين ...

إن قضية ابن سبأ قد لاقت هوى في قلوب كثير من الكتاب من مستشرقين و غيرهم فأحاطوها بعناية خاصة، و منحوها مزيدا من البيان فأسبغوا عليها ألفاظا براقة خلابة دبجتها أقلامهم و صاروا يقررونها و يرددونها ترديد المؤمن بصحتها الواثق بوقوعها، و كأنها من الحقائق التي لا تقبل التشكيك، و لا ينالها النقاش من دون التفات إلى ما وراء الأكمة من الخطر.

و بمزيد الأسف انهم غفلوا أو تغافلوا عن مصدر هذه القضية من أين ابتدأت و إلى أين انتهت بأثرها العظيم و ما كان من ورائها من نتائج سيئة و عواقب و خيمة.

فابن سبأ يقولون عنه- كما تقدم- هو مثير الخلافات بين المسلمين و هو مؤسس مذهب يربو على مائة مليون، و هو البطل الذي استطاع أن يحقق آماله في مصر- بعد أن فشل في غيرها من البلدان الإسلامية- فجمع الجموع، و توجه إلى عاصمة المسلمين، و فيها الخليفة عثمان ليقلب نظام الحكم، و قد تم له ما أراد كما ذكره الشيخان أبو زهو و أبو زهرة و غيرهما.

و هو الذي سيطر على مشاعر أبي ذر الصحابي الجليل- الذي وصفه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالصدق- فأعلن على معاوية إنكاره في احتكار الأموال.

و إن ابن سبأ لقن أبا ذر فكرة مزدك المجوسي الإباحي- نعوذ باللّه من خطل الرأي-.

و إن ابن سبأ استطاع أن يجعل من كبار الصحابة أعضاء لدعوته، و دعاة لفكرته، إلى آخر ما أحيطت بهذه القضية من مبالغات، و هي تزداد على ممر الأيام و لا نعلم إلى‏

484

أين ينتهي ذلك ما دام ضوء البحث و التتبع لم يتوجه إليها و ما دامت الأقلام تكتب بدون مراعاة لحق العلم.

و يجب على كل مفكر أن يتساءل عن مصدر هذه القصة، و ما هو المنبع الذي استقى منه المؤرخون، و من بعدهم الكتّاب من مستشرقين و غيرهم.

و هل تواتر النقل من طرق متعددة حتى يصبح الاعتماد عليها و تكون ذات قابلية لاعتبارها من الأمور التاريخية التي تعالج بعناء من حيث الدقة في تعيينها. لما فيها من ملابسات، و ما تضمنته من أمور لا يقبلها العقل حتى لو وردت بطرق متعددة موثوق بها.

ربما يظن أن لهذه القضية مصدرا موثوقا به نظرا لشهرتها و انتشارها، في عدة كتب من كتب التاريخ و الأدب، و لكن كل ذلك لم يكن، و ليس لها أي مصدر يمكن الركون إليه كما سنبينه إن شاء اللّه.

و بغض النظر عن مصدر القصة، و البحث عن سندها، و معرفة رجالها فإن العقل يحكم بسقوطها عن الاعتبار، لما فيها من مخالفة للعقل و بعد عن الحق و عدم ارتباطها بالواقع.

و لهذا فإن اللائق بمقام الأديب الباحث، أو المؤرخ المنصف، أو الأستاذ المثقف، أن يقف موقف المتثبت كما يقتضيه الحق و يفرضه الواجب العلمي، إذ المسألة ذات أهمية كبرى، لأنها تضمنت الحط من مقام المسلمين و سلبتهم ميزة التفكر، و النظر في الأمور عند ما أطاعوا رجلا لم يعرفوه، و ساروا وراء خداعه سير الأغنام.

و فيها طعن على كبار الصحابة، و توهين لرجال الإسلام، و وصفهم بالبلاهة- على حد تعبير بعضهم- و انصياعهم لأقوال وافد غريب، و داعية شرك و إلحاد، هذا من جهة.

و من جهة ثانية أن فكرته لم تلق نجاحا إلا في مصر، فإنهم انخدعوا فيه بسرعة، و مالوا إليه بأقصر وقت، و هو داعية مجهول، و رائد غريب كيف يقوم فيهم بكل صراحة، و من دون حذر، يدعوهم و يؤلبهم على الانتفاضة ضد سلطان قائم، و يحثهم على العصيان، بدون سبب و لا سابقة.!!

485

فأين أهل الرأي و ذوو الحزم و ذوو التفكير، أ كانوا كلهم (بلهاء) (1) لا يعقلون؟! إن هذا ليس من العقل و لا من المنطق أن تخضع مصر بهذه السرعة و هي الأمة المسلمة، و فيها أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من ذوي العقول الراجحة، و الفكر الثاقب، و ذوي الخبرة و التجارب.

و لنترك الحديث للدكتور طه حسين حول أسطورة ابن سبأ و ما فيها من مخالفات للواقع (باختصار).

يقول الدكتور في كتابه الفتنة الكبرى عثمان الفصل 14:

و هناك قصة أكبر الرواة المتأخرون من شأنها، و أسرفوا فيها حتى جعلها كثير من القدماء مصدرا لما كان من الاختلاف على عثمان، و لما أورث هذا الاختلاف من فرقة بين المسلمين لم تمح آثاره، و هي قصة عبد اللّه بن سبأ الذي يعرف بابن السوداء.

قال الرواة: كان عبد اللّه بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء حبشي الأم فأسلم في أيام عثمان، ثم جعل يتنقل في الأمصار يكيد للخليفة و يغري به، و يحرض عليه، و يذيع في الناس آراء محدثة أفسدت عليهم رأيهم في الدين و السياسة جميعا ...

و إلى ابن السوداء يضيف كثير من الناس كل ما ظهر من الفساد و الاختلاف في البلاد الإسلامية، أيام عثمان، و يذهب بعضهم إلى أنه أحكم كيده إحكاما، فنظم في الأمصار جماعات خفية تستتر بالكيد؛ و تتداعى بينها إلى الفتنة، حتى إذا تهيأت لها الأمور و ثبت على الخليفة فكان ما كان من الخروج و الحصار و قتل الإمام.

و يخيل إليّ أن الذين يكبرون من أمر ابن سبأ إلى هذا الحد يسرفون على أنفسهم و على التاريخ إسرافا شديدا، و أول ما نلاحظه أنا لا نجد لابن سبأ ذكرا في المصادر المهمة التي قصت أمر الخلاف على عثمان، فلم يذكره ابن سعد حين قص ما كان من خلافة عثمان، و انتقاض الناس عليه، و لم يذكره البلاذري في أنساب الأشراف، و هو فيما أرى أهم المصادر لهذه القصة و أكثر تفصيلا. و ذكره الطبري عن سيف بن عمر و عنه أخذ المؤرخون الذين جاءوا بعده فيما يظهر.

____________

(1) هكذا يعبر الخطيب المعروف (بمحب الدين).

486

و لست أدري أ كان لابن سبأ خطر أيام عثمان أم لم يكن؟ و لكن اقطع بأن خطره- إن كان له خطر- ليس ذا شأن، و ما كان المسلمون في عصر عثمان ليعبث بعقولهم و آرائهم و سلطانهم طارئ من أهل الكتاب أسلم أيام عثمان ...

و من أغرب ما يروى من أمر عبد اللّه بن سبأ هذا أنه هو الذي لقن أبا ذر نقد معاوية فيما يقولون من أن المال هو مال اللّه، و علمه أن الصواب أن يقول: إنه مال المسلمين. و من هذا التلقين إلى أن يقال إنه هو الذي لقن أبا ذر مذهبه كله في نقد الأمراء و الأغنياء ...

فالذين يزعمون أن ابن سبأ قد اتصل بأبي ذر فألقى إليه بعض مقاله يظلمون أنفسهم، و يظلمون أبا ذر و يرقون بابن السوداء هذا إلى مكانة ما كان يطمع في أن يرقى إليها.

و الرواة يقولون: إن أبا ذر قال ذات يوم لعثمان بعد رجوعه من الشام إلى المدينة: لا ينبغي لمن أدى زكاة ماله أن يكتفي بذلك حتى يعطي السائل، و يطعم الجائع، و ينفق في سبيل اللّه، و كان كعب الأحبار حاضرا هذا الحديث. فقال: من أدى الفريضة فحسبه. فغضب أبو ذر و قال لكعب: يا بن اليهودية! ما أنت و هذا؟

أ تعلمنا ديننا؟! ثم وجأه بمحجنه. فأبو ذر ينكر على كعب الأحبار أن يعلمه دينه، بل أن يدخل في أمور المسلمين حتى بإبداء الرأي، مع أن كعب الأحبار مسلما أبعد عهدا بالإسلام من ابن سبأ و كان مجاورا في المدينة ...

و أكبر الظن أن عبد اللّه بن سبأ هذا إن كان كل ما يروى عنه صحيحا إنما قال ما قال و دعا إليه بعد أن كانت الفتنة، و عظم الخلاف، فهو قد استغل الفتنة و لم يثرها، و أكبر الظن كذلك أن خصوم الشيعة أيام الأمويين و العباسيين قد بالغوا في أمر عبد اللّه بن سبأ هذا ليشككوا في بعض ما نسب من الأحداث إلى عثمان و ولاته من ناحية و ليشنعوا على علي و شيعته من ناحية أخرى، فيردوا بعض أمور الشيعة إلى يهودي أسلم كيدا للمسلمين .. إلى أن يقول:

هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل و لا تثبت للنقد، و لا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ ..

ثم يأخذ الدكتور في بيان أسباب الثورة على عثمان. تركنا التعرض لها.

487

المدينة المنورة:

ثم نعود لعاصمة المسلمين المدينة المنورة و فيها المهاجرون و الأنصار الذين خاضوا غمار الحرب في سبيل إعلاء كلمة الإسلام، و في طليعتهم الإمام علي بن أبي طالب.

كيف يصح أن يقال بأنهم استسلموا و لم يقفوا موقف الحزم أمام جيش قاده ابن سبأ، و قطع به تلك المسافة البعيدة من مصر إلى المدينة، فيحتلها، و يقلب نظام الحكم، و يقتل الخليفة، و لم يقف المسلمون موقف الدفاع، لإنقاذ الموقف و دفع هذه الكارثة.

و لكن الواقع هو غير هذا؛ فإن الثورة لم تكن من مصر فقط، و لم يكن القائد لها ابن سبأ إذ لا وجود له و إنما كانت من المدينة للاستياء العام الذي انتشر في بلاد الإسلام من سوء تصرف الأمويين، و أعمال مروان خاصة، مما دعا إلى تداول الرأي بين الصحابة لإصلاح الوضع الراهن كما ذكر ذلك أكثر المؤرخين.

و لنترك الحديث للأستاذ أحمد أمين في آخر مؤلف ظهر له و هو (يوم الإسلام) يقول أحمد أمين: و قد سار عثمان في السنين الست الأولى سيرة عادلة رحيمة، و لكنه في الست الأخيرة كانت قد كبرت سنه، و خضع لأقاربه من الأمويين، فترك تصرف الأمور لرئيسهم مروان بن الحكم الأموي ... فاغضب ذلك كثيرا من الصحابة، و خصوصا عليا و الزبير و طلحة و غيرهم، فأرادوا أول الأمر أن يحرروا الخلافة من هذه السلطة، فنصحوا عثمان بالاعتزال فأبى، و لم تمض إلا فترة قصيرة حتى كان عثمان في المدينة، و ليس معه إلا نفر قليل من الأصدقاء، و كان من أكبر الشخصيات في محاربته و تأليب الناس عليه- عائشة بنت أبي بكر، و استطاع خصومه جميعا أن يثيروا الأمصار عليه، و اجتمع أهل المدينة حول بيته، و رفضوا أن يتزحزحوا عنه، و ثار المصريون أيضا لما علموا أن كتابا كتب باسم عثمان إلى عامله عبد اللّه بن أبي سرح يأمره فيه بالفتك بالزعماء عند عودتهم .. (1).

و يقول: و كان من أهم ما نقم الناس على عثمان أن طلب منه عبد اللّه بن خالد بن أسيد الأموي صلة فأعطاه أربعمائة ألف درهم، و أعاد الحكم بن أبي العاص‏

____________

(1) انظر يوم الإسلام لأحمد أمين- 57.

488

بعد أن نفاه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أعطاه مائة ألف درهم، و تصدق رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بموضع سوق المدينة على المسلمين فاقطعه عثمان الحارث بن الحكم، و اقطع مروان فدك، و قد كانت فاطمة طلبتها بعد وفاة أبيها، تارة بالميراث، و تارة بالنحلة، فدفعت عنها و حمي المرعى حول المدينة كلها، من مواشي المسلمين كلهم إلا عن بني أمية، و أعطى عبد اللّه بن أبي سرح جميع ما أفاء اللّه عليه من فتح إفريقيا بالغرب، و هي من طرابلس إلى طنجة من غير أن يشركه أحد من المسلمين.

و أعطى أبا سفيان مائتي ألف من بيت المال في اليوم الذي أمر فيه لمروان بن الحكم بمائة ألف و قد كان زوج ابنته أم أبان، فجاء زيد بن أرقم صاحب المال بالمفاتيح فوضعها بين يدي عثمان و بكى.

فقال عثمان: أ تبكي إن وصلت رحمي؟ قال: لا و لكن أبكي لأني أظنك أخذت هذا المال عوضا عما كنت أنفقته في سبيل اللّه في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و اللّه لو أعطيت مروان مائة درهم لكان كثيرا. فقال (عثمان): الق المفاتيح فإنا سنجد غيرك.

و أتاه أبو موسى الأشعري بأموال كثيرة من العراق فقسمها كلها في بني أمية.

و زوج الحارث بن الحكم فأعطاه مائة ألف من بيت المال، و نفى أبا ذر (رحمه اللّه) إلى الربذة لمناهضته لمعاوية في الشام في كنز الذهب و الفضة.

و ضرب عبد اللّه بن مسعود حتى كسر أضلاعه، و عدل عن طريق عمر في إقامة الحدود، ورد المظالم، و كف الأيدي العابثة، و الانتصاب لسياسة الرعية ..

الخ‏ (1).

و كيف كان فإن الثورة ابتدأت من المدينة، و قام جل الصحابة في المعارضة لإصلاح الوضع مما ارتكبه الأمويون عند ما استغلوا تلك الفرصة. و قد كاتب الصحابة أهل الأمصار: إن أردتم الجهاد فهلموا فإن دين محمد قد أفسده خليفتكم‏ (2)

____________

(1) يوم الإسلام لأحمد أمين ص 58: 59.

(2) انظر البلاذري 5- 60 و ابن الأثير و الطبري و غيرهم.

489

المصدر:

نرى أنفسنا ملزمين بأن نستعرض مصدر هذه القصة، و نقف على المنبع الذي استقى منه الكتّاب معلوماتهم عنها، لأنا قد وجدنا بعض الكتّاب ممن يميل إلى التشكيك في صحتها و لكنهم لا يستطيعون أن يقولوا ذلك بصراحة لأنهم يظنون أنها متعددة الروايات متواترة عن الثقات، من المؤرخين، الأمر الذي يدعو إلى عدم طرحها و لكنه ينفي المبالغات التي فيها.

و يذهب بعضهم إلى الجزم بصحتها لأنها وردت عن راو خرج حديثه الترمذي و من هذا و ذاك اختلط الأمر على كثير منهم.

يقول الدكتور ضياء الدين الريس: و قد أخذ بعض المؤلفين يميل إلى الشك في شخصية هذا الرجل (و هو عبد اللّه بن سبأ) و لكن تعدد الروايات عنه، و تواتر أنباء الثقات من المؤرخين تؤيد القول بوجوده، و إن كان محل المبالغة أنه ينسبون إليه كل ما حدث في عهد عثمان و يحملونه تبعته ... الخ‏ (1).

فالدكتور الريس هو واحد من أولئك الذين اشتبه عليهم الأمر فظن تعدد طرق الروايات لقضية ابن سبأ إذ وجدها مذكورة في عدة كتب و لكنه لا يرى صحة ما أحاط بهذه الشخصية من حكايات، فهو يذهب إلى وجود شخصيته مجردة من المبالغات، و كل اعتماده في هذا القول هو أن الروايات متعددة، و الأنباء عن ابن سبأ متواترة، قد نقلها الثقات من المؤرخين.

و نحن هنا نستشعر إدراكه للحقيقة و ميله إلى الشك بوجود شخصية في التأريخ اسمها عبد اللّه بن سبأ، غير أنه لا يقوى على الافلات من تأثير الأساليب القديمة و قواعدها و التي أخذت من طبيعة العمل بالرواية و اتصالها بالحديث الشريف، فكان ما يرويه (الثقات) قطعيا و إن كان الأمر يتعلق بحوادث أو أفكار أو أشخاص لكل الناس الحق في النظر إليها نظرة واقعية، و نرى أن واجبنا العلمي يقضي بتوجيه أشعة البحث العلمي لنرى على ضوئه ما كمن في ظلمات الجهالة من حقائق يلزم إبرازها، و إزالة كل ما يعتريها من خفاء.

____________

(1) النظريات السياسية الإسلامية- 41.

490

و لا شك أن مسألة كهذه يجب على كل باحث حر أن يعطيها مزيدا من الوقت، لأنها ذات نتائج و خيمة أدت بالمجتمع إلى أضرار و وقوع فوادح يذوب لها قلب كل مسلم، فلننظر على ضوء البحث ما هو مصدرها؟

إنه المصدر الأول لهذه القضية التي لم يسبقه أحد إلى ذكرها هو:

أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 صاحب التفسير الكبير و مؤلف تاريخ الأمم و الملوك المعروف بتاريخ الطبري. و هو المصدر الوحيد لهذه القصة و جميع ما يتعلق بأخبار عبد اللّه بن سبأ.

و أخذ عن ابن جرير كل من ابن الأثير المتوفى سنة 630 و ابن كثير المتوفى سنة 774 و ابن خلدون المتوفى سنة 808 و غيرهم.

و كل ما أورده ابن جرير حول أخبار ابن سبأ و حوادث عهد عثمان و أخبار الردة إنما كان مصدره سيف بن عمر المتوفى في عهد الرشيد أو بعده.

و ليس لنا أن نتكلم حول ابن جرير و نقله لأمثال هذه الأسطورة، فإنه نقل أقوالا و ذكر ما بلغه و سمى قائليها، و ترك للباحث الحكم لها أو عليها و قد خرج الطبري عن عهدة المؤاخذات بما ذكره في مقدمة كتابه بقوله:

(فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، و لا معنى في الحقيقة فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، و إنما من قبل بعض ناقليه إلينا، و انا إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا) (1).

و بهذا فهو لم يقرر صحة كل ما نقل إليه- و قد ترك باب النقاش مفتوحا للباحث- كما أنه يأتي في كتابه بالأخبار المتعارضة التي يستحيل أن تصح معا و لا يتعرض لها بالموازنة و الترجيح إلا إذا دعت الحاجة لذلك.

و الطبري، لا شك مؤرخ جليل و فقيه عالم، نذر نفسه للعلم و المعرفة و من وجوه علمه أن يجعل في المقدمة تنبيها على طريقة كتابته لتاريخ الأمم و الملوك و بيان أنه أخذ أخبار الماضين كما نقلت إليه و بذلك فهو ينأى بنفسه عن مؤاخذات عدم‏

____________

(1) تاريخ الطبري 1: 5.

491

الصحة و الاختلاق و الوضع، و لم يجعل نفسه وراء نقوله و الأخبار التي أثبتها، و لم يطالبنا بتصديق كل ما ورد في كتابه و الاعتراف منا بصحة ما ضمّه تاريخه.

أخبار الطبري:

و نرى من الأنفع هنا أن ننقل للقارئ الكريم ما كتبه الخطيب (المعروف بمحب الدين) حول تاريخ الطبري. يقول الخطيب:

إنما ينتفع بأخبار الطبري من يرجع إلى تراجم رواته في كتب الجرح و التعديل، فتراجم شيوخه مباشرة و شيوخهم توجد في مثل تذكرة الحفاظ للذهبي، و تراجم الرواة الذين كانوا إلى أواخر المائة الثانية توجد في خلاصة تهذيب الكمال للصفي الخزرجي، و تهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر، و الذين تناولهم الجرح من الضعفاء يترجم لهم الحافظ الذهبي في ميزان الاعتدال، و في طبقات ابن سعد، و تاريخ بغداد للخطيب، و تاريخ دمشق لابن عساكر، و تاريخ الإسلام للذهبي، و البداية و النهاية لابن كثير، و ان كتب مصطلح الحديث تبين الصفات اللازمة للراوي و متى يجوز الأخذ برواية المخالف و لا نعرف أمة عني مؤرخوها بتمحيص الأخبار و بيان درجاتها، و شروط الانتفاع بها كما عني بذلك علماء المسلمين، و إن العلم بذلك من لوازم الاشتغال بالتاريخ الإسلامي.

أما الذين يحتطبون الأخبار بأهوائهم، و لا يتعرفون إلى رواتها و يكتفون بأن يشيروا في ذيل الخبر إلى الطبري رواه في صفحة كذا من جزئه الفلاني، و يظنون أن مهمتهم قد انتهت بذلك فهؤلاء من أبعد الناس عن الانتفاع بما حفلت به كتب التاريخ الإسلامي من ألوف الأخبار.

و لو أنهم تمكنوا من علم مصطلح الحديث و أنسوا بكتب الجرح و التعديل و اهتموا برواة كل خبر كاهتمامهم بذلك الخبر، لاستطاعوا أن يعيشوا في جو التاريخ الإسلامي، و لتمكنوا من التمييز بين غث الأخبار و سمينها و لعرفوا للأخبار أقدارها، بوقوفهم على أقدار أصحابها (1).

____________

(1) مجلة الأزهر المجلد 24 ص 210 سنة 1372.

492

هذا ما يقرره الكاتب الخطيب. و قبل أن ندخل في موضوع البحث عن سند الروايات في قضية ابن سبأ نود أن نسائل هذا الكاتب:

هل التزم هو بما قرره هنا فبحث عن رجال السند لما ينقله عن الطبري و غيره؟! و هل تمكن من علم مصطلح الحديث؟ و أنس بكتب الجرح و التعديل فوقف عن قبول رواية من جرحوه؟ و تقبل رواية من عدلوه؟

فإن أجاب بنعم فالواقع يكذبه، لأنه أورد في كتاباته أشياء لا تستند إلى مصدر موثوق به، فقرر قبولها طاعة لهواه.

و أجلى مثال لذلك هو ما ذكرناه هنا عن قضية ابن سبأ التي انفرد بها الطبري و لم يكن في سند الرواية من يتصف بصفة القبول فكيف اعتمد عليها؟! و لا أدري أن ما ذكره هنا لما ذا لا يطبقه على نفسه بل يريد ذلك للغير و ما هو إلا من (الآمرين بالمعروف التاركين له الناهين عن المنكر الفاعلين له).

و إلى القراء بيان سند الرواية ليتضح لهم أن ما كتبه الخطيب لا يعدو حبرا على ورق.

السند:

رأينا فيما سبق كيف أخذت أسطورة ابن سبأ مأخذها في التاريخ الإسلامي و شقت طريقها إلى الهدف الذي وضعت من أجله، و هو الطعن في عقائد المسلمين، و إبرازهم في إطار الجهالة و الانخداع، ممن يتظاهر لهم بأمور ينسبها إلى الدين، و قد عبر كثير من الكتّاب عن أولئك الرجال العظام الذين يدعي بعض الكتّاب أنهم استجابوا لابن سبأ: بأنهم تقبلوا ذلك عن حسن نية. و بعضهم يصفهم بالبلاهة، و بعضهم بالغلو إلى آخر ما عندهم من سوء التعبير.

و قد رأينا أيضا أن ابن سبأ أصبح ذا قوة و سلطان ينشر عقائده، و يبث مفاسده في المجتمع الإسلامي، بدون خوف من سلطان، أو حذر من مؤاخذة الرأي العام، حتى استطاع أن ينحرف بأكثر المسلمين عن جادة الحق بدون أن تمسه عقوبة، أو يناله ضرر من ولاة الأمصار الذين عرفوا منه السعي بما يضر بالدولة، في دعوة الناس إلى ثورة ضد الخليفة عثمان.

493

و قد ذكروا أن والي البصرة اكتفى بإخراجه من البلد، و أن معاوية عند ما علم بأمره لم يعمل معه أي شي‏ء، و ابن أبي سرح في مصر لم يؤاخذه بشي‏ء، و هو يرى تحشد جموعه، و تأهبهم لغزو المدينة، لحدوث انقلاب إلى آخر ما ذكروه من تهويل أمره و رفع شأنه.

يقول الدكتور طه حسين- بعد ذكره لقضية ابن سبأ و استبعاده صحتها-:

فلنقف من هذا كله موقف التحفظ، و التحرج و الاحتياط، و لنكبر المسلمين في صدر الإسلام عن أن يعبث بدينهم، و سياستهم، و عقولهم رجل أقبل من صنعاء، و كان أبوه يهوديا، و كانت أمه سوداء و كان هو يهوديا ثم أسلم لا رغبا و لا رهبا، و لكن مكرا و كيدا و خداعا، ثم أتيح له من النجح ما كان ينبغي، فحرض المسلمين على خليفتهم حتى قتلوه و فرقهم بعد ذلك أو قبل ذلك شيعا و أحزابا.

هذه كلها أمور لا تستقيم للعقل، و لا تثبت للنقد، و لا ينبغي أن تقام عليها أمور التاريخ ... (1)

نعم إن هذه الأمور التي أحاطت بهذه القصة و ما تضمنته من أشياء لا يمكن تصديقها- و هي كافية في طرحها، و عدم الاعتماد عليها، و لا حاجة بعد هذا إلى البحث عن السند و معرفة حالة الرواة، لأن ذلك- كما هو الواقع- شي‏ء زائد لا يحتاج إليه.

و لكن نظرا لما لهذه القصة من أهمية، و أن بعضهم يظن أن رواتها ثقات فقد دعت الحاجة إلى معرفة حالة رجال السند، و الاستماع لأقوال علماء الرجال ليتضح الأمر، و تظهر الحقيقة، و يكون الحكم للعقل لا للعاطفة، و للعلم لا للجهل، و للحق لا للباطل.

و إن مستند هذه القصة هو واحد لا غير و هو سيف بن عمر و قد انفرد الطبري بذلك و عنه أخذ بقية المؤرخين كما سبق. و الآن نضع رجال السند أمام القراء و لهم الحكم.

____________

(1) الفتنة الكبرى- 134.

494

رجال السند:

الطبري- في حوادث سنة 30- يقول: و في هذه السنة كان ما ذكر من أمر أبي ذر، و إشخاص معاوية إياه من الشام إلى المدينة، و قد ذكر في سبب إشخاصه إياه منها (من الشام) إليها (إلى المدينة) أمور كثيرة كرهت ذكر أكثرها، فأما العاذرون معاوية في ذلك فإنهم ذكروا في ذلك قصة كتب بها إلى السري يذكر أن شعيبا حدثه عن سيف، عن عطية عن يزيد الفقعسي قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر أ لا تعجب إلى معاوية يقول: المال مال اللّه ... الخ‏ (1) كما ذكره أحمد أمين في استدلاله على أن ابن السوداء لقن أبا ذر مبادئ مزدك المجوسي إذ يقول أحمد أمين:

و نلمح وجه الشبه بين رأي أبي ذر و بين رأي مزدك في الناحية المالية فقط فالطبري يحدثنا:

أن أبا ذر قام بالشام و جعل يقول: (يا معشر الأغنياء و اسوا الفقراء. بشر الذين يكنزون الذهب و الفضة) ... الخ كما تقدم.

ثم يقول أحمد: و لكن من أين أتاه هذا الرأي؟ (أي أبا ذر) يحدثنا الطبري أن ابن السوداء لقي أبا ذر فأوعز إليه بذلك ... (2).

و هو ما أشرنا إليه الآن، فحديث الطبري كان عن مكاتبة من السري أن شعيبا حدثه عن سيف عن عطية عن يزيد الفقعسي.

فهؤلاء هم رجال سند هذه القصة و مستند حكم أحمد أمين على أبي ذر بأنه يرى رأي مزدك، و أنه أخذه عن ابن السوداء!.

فمن هم هؤلاء الرجال؟ و ما هي منزلتهم؟ و ما محلهم من الصدق؟! ستأتي الإجابة عن ذلك قريبا إن شاء اللّه.

و لا يفوتنا هنا أن نلفت نظر القارئ إلى أن الطبري يجعل هذه القصة من قبل العاذرين لمعاوية، و هم المتعصبون له و ناهيك ما للتعصب من أثر في الافتعال.

____________

(1) الطبري 5: 66 ط 1.

(2) انظر فجر الإسلام- 110.

495

أما ما يتعلق بقضية ابن السوداء و تجواله في الأمصار الإسلامية و فشل محاولاته، و أخيرا يحط رحله في مصر و أنه أظهر قوله فيها في الرجعة و الوصاية و أنه بث دعاته- كما يروي الطبري- و كاتب من كان استفسد في الأمصار و كاتبوه و دعوا في السر إلى ما عليه أمرهم إلى آخر ما رواه الطبري‏ (1) و ذكره الشيخ أبو زهرة و غيره من الكتّاب.

و إذا رجعنا لمصدر القصة فحديث الطبري هكذا يقول: فيما كتبه إلى السري:

عن شعيب، عن سيف، عن عطية، عن يزيد الفقعسي قال كان عبد اللّه بن سبأ يهوديا من أهل صنعاء، أمه سوداء فأسلم زمان عثمان، ثم تنقل في بلدان المسلمين يحاول ضلالهم فبدأ بالحجاز، ثم البصرة ثم الكوفة. إلى آخر ما ذكر في ج 5 ص 98- 99 ط 1.

فالحديث يدور حول الطبري، و السري، و شعيب و سيف و عطية و يزيد الفقعسي. هؤلاء هم رجال سند الرواية و هؤلاء مستند من ذكروا ابن سبأ في كتبهم و عظموا أمره في كتاباتهم و خلقوا منه شخصية قوية ذات أثر في تاريخ المسلمين بل غير مجرى التاريخ.

و أصبحت الرواية متواترة و مشهورة و قد لعبت طريقة الاتباع دورها في تجميد العقل و ترك التحقيق على ما فيها من مخالفة لقواعد التطور و قوانين الحياة التي تقضي باستخدام مقاييس العقل فيما يروى و يصدر عن الناس فأي مقنع في أن تكون أقوى دعامة لعدم الرد على صحة قضية ابن سبأ تواترها أو صدورها من ثقات كالطبري و هو راوية و لم يفصح عن تقرير كل ما حواه تاريخه؟ و لم يقل بصحة ما ضمه.

كما أن أي رواية في قيمتها تتأثر بسندها. و قد انحصرت قصة ابن سبأ في دائرة الطبري و بدأ عرضها على لسان سيف و لم يشارك الطبري أحد من المؤرخين الثقات الآخرين كما أن الفجوة الزمنية تبقى قائمة لا تغلقها أو تملأها ذيول من الأكاذيب.

فأين كان ذكر ابن سبأ قبل رواية سيف؟

و نتنزل لمقتضيات الأمانة و مستلزمات التحقيق و نسلط أشعة التحقيق على رجال فصة ابن سبأ.

____________

(1) الطبري 5- 98 ط 1.

496

و الواجب يقضي علينا عدم التصديق بأمثال هذه المفتريات و لكن لزيادة الإيضاح و التنازل للحصول على ما هو الواقع نجعل هؤلاء الرجال تحت أشعة التحقيق العلمي.

التحقيق:

الطبري: أبو جعفر محمد بن جرير الطبري المتوفى سنة 310 صاحب التأريخ الكبير المعروف بتاريخ الطبري، و لا يتعلق لنا غرض بالبحث عن شخصيته فهو شخصية معلومة و من رؤساء المذاهب البائدة، و قد تبرأ من عهدة النقل بقوله الآنف الذكر: فما يكن في كتابي هذا من خبر ذكرناه عن بعض الماضين مما يستنكره قارئه، أو يستشنعه سامعه، من أجل أنه لم يعرف له وجها في الصحة، و لا معنى في الحقيقة، فليعلم أنه لم يؤت في ذلك من قبلنا، و إنما أتى من قبل بعض ناقليه إلينا، و إنما أدينا ذلك على نحو ما أدي إلينا (1).

و على هذا أصبحت المسئولية على عاتق الرواة الذين روى عنهم، و هنا نجري التحقيق العلمي عن رجال سند هذه القصة الذين روى عنهم الطبري و هم:

السري، و شعيب، و سيف بن عمر، و عطية، و يزيد الفقعسي. فمن هم هؤلاء و ما مقدار تحملهم للرواية؟ و ما ذا يقول عنهم علماء الرجال؟

1- السري:

هذا هو أول سلسلة الرواية، و الطبري عند ما يروي عنه يقول: كتب إليّ السري، أو فيما كتب إليّ به السري. من دون أن ينسبه إلى أبيه أو عشيرته.

و لكنه روى عنه مرة مشافهة فقال: حدثني السري بن يحيى‏ (2).

فظهر أن الذي يحدث عنه الطبري هو السري بن يحيى، و هو مع ذلك مجهول لا يعرف و يتردد هذا الاسم بين جماعة هم:

السري بن يحيى بن اياس و هذا لم يعاصر الطبري، لأن وفاة السري بن يحيى‏

____________

(1) الطبري 1- 5.

(2) تاريخ الطبري 3: 213.

497

سنة 167 أي قبل ولادة الطبري بسبع و خمسين سنة إذ ولادة الطبري سنة 224 و وفاته سنة 310 فهذا لا يمكن أن يكون هو.

السري بن يحيى بن السري ابن أخي هناد بن السري ذكره ابن أبي حاتم المتوفى سنة 327 و هذا كان في عصر الطبري لأنه عاصر ابن أبي حاتم و لكن لم تذكر له رواية، أو يشير أحد إلى من روى عنه و لم يصفه أحد بأنه محدث أو حدث عن أحد أو حدثوا عنه و بهذا فهو مجهول.

و على أي حال لا يوجد بهذه النسبة من عرف بالحديث أو اشتهر بالرواية.

و بعضهم يرى أن السري الذي يروي عنه الطبري هو السري بن إسماعيل الهمداني الكوفي ابن عم الشعبي و كاتبه، و هذا أيضا لا يصح لأن وفاة الشعبي سنة 103 و ولادة الطبري 224 و لا يمكن أن يمتد عمر السري هذا إلى زمن الطبري فيحدثه، و مع هذا فقد اتصف بصفات توجب رد ما يرويه فهو ضعيف و متروك الحديث كما يقول ابن المبارك و أبو داود و النسائي و هو ليس بثقة و أحاديثه التي يرويها لا يتابعه عليها أحد كما يقول ابن عدي. و قال ابن حبان: كان يقلب الأسانيد، و يرفع المراسيل إلى آخر ما وصفوه به‏ (1).

و يرى بعضهم أن السري الذي يروي عنه الطبري هو: السري بن عاصم ابن سهل أبو عاصم الهمداني مؤدب المعتز باللّه، و قد ينسب إلى جده، و هذا معاصر للطبري لأن وفاته سنة 258 في بغداد و كان عمر الطبري عند وفاة السري هذا ثلاثين سنة فيمكن أن يكون هو.

و مع هذا فقد كذبه ابن خراش و وهاه بن عدي، و قال: يسرق الحديث و قال النقاش: إنه وضاع، و ذكر الذهبي حديثين من وضعه‏ (2).

و كيف كان فإن الجهالة تحيط بهذا الراوي الذي يروي عنه الطبري، و لو فرضنا أنه معروف و أنه ثقة، و لكن يلزمنا أن نحقق عن شيخه الذي يروي عنه و هو شعيب.

____________

(1) انظر تهذيب التهذيب 3: 459- 460، و ميزان الاعتدال 1: 270.

(2) ميزان الاعتدال 1: 270 و لسان الميزان 3: 12.

498

2- من هو شعيب؟

شعيب بن إبراهيم و هو مجهول، قال الذهبي: شعيب بن إبراهيم رواية كتب سيف عنه: فيه جهالة؛ و ذكره ابن عدي و قال ليس بالمعروف و هذا لا يحتاج إلى إطالة بحث، لأن الجهالة قد أرخت عليه سدولها و لا يعرف إلا أنه راوية سيف بن عمر.

3- من هو سيف؟

سيف بن عمر الضبي الأسدي و يقال التميمي البرجمي و يقال السعدي الكوفي المتوفى بعد سنة 170 و هو راوية أحاديث السقيفة و الردة، و حوادث عهد عثمان، و هو نقطة انطلاق أسطورة ابن سبأ، و عليه تدور أخبار السبئية، و نشأتهم و أثرهم في المجتمع الإسلامي، و ما أحدثوه من بدع، و ما أوجدوه من خلاف.

إنه هو المبدع لهذه الأساطير، و الموجد لتلك الحوادث، و المنفرد بتصوير شخصية ابن سبأ، و الباني لكيانه.

و قد وصفوه بأنه وضاع كذاب، زنديق يروي الموضوعات عن الاثبات، و لننظر أولا إلى من يروي عنهم سيف أو بعبارة أوضح من يضع عنهم الروايات، ثم نعود إلى الحديث عن سيف.

4- من هو عطية؟

لا يدرى من هو عطية الذي يروي عنه سيف فهل هو عطية العوفي المتوفى سنة 110 أم عطية بن قيس الكلابي المتوفى سنة 121 أم غيرهما؟ فإن كان المراد به العوفي فذلك شي‏ء بعيد جدا لأن عطية العوفي كان من التابعين و توفي سنة 110 فسيف بن عمر لم يدركه لأنه متأخر عنه بل كان في بطون الأرحام و ليس من الصعب على سيف أن يدعي الرواية عنه و هو لم يدركه. أما عطية بن قيس الكلابي فهو شامي و لم يتصل به سيف، و نحن لا ندري من هو و لئن حصلت لنا دراية فما ذا تنفع و سيف ثبت أنه وضاع.

و من جهة ثانية ان يزيد الفقعسي و هو نهاية السلسلة و بداية الأسطورة لم يعرف من هو، و لا يوجد في الرجال من يسمى بهذا الاسم و يلقب بالفقعسي، و هنا تنقطع السلسلة، و لا يبعد أنه شخصية و همية كشخصية عبد اللّه بن سبأ فسيف بن عمر قادر على أن يخلق ألف شخصية و شخصية، و يخترع آلاف الأساطير. فهو وضاع بارع و يوجد من لا شي‏ء أشياء كثيرة و إليك بعض ما وصف به:

499

سيف بن عمر في الميزان:

و بعد أن كشف التحقيق عن رواة هذه القصة، أي قصة ابن سبأ نود أن نضع بطل هذه الأسطورة سيف بن عمر في الميزان، لنعرف قيمة روايته مما بينه علماء الرجال من حاله.

قال ابن حجر: سيف بن عمر التميمي البرجمي و يقال السعدي، و يقال الضبعي، و يقال الأسدي الكوفي صاحب كتاب الردة و الفتوح روى عن عبد اللّه بن عمر العمري و أبي الزبير ...

قال ابن معين: ضعيف الحديث و قال مرة فليس خير منه (أي لا يأتي منه خير) و قال أبو حاتم: متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي و قال أبو داود ليس بشي‏ء.

و قال النسائي و الدار قطني: ضعيف، و قال ابن عدي: بعض أحاديثه مشهورة، و عامتها منكرة لم يتابع عليها، و قال ابن حبان يروي الموضوعات عن الاثبات. و قال (ابن حبان أيضا) و قالوا عنه إنه كان يضع الحديث، و اتهم بالزندقة، و قال البرقاني عن الدار قطني: متروك. و قال الحاكم: اتهم بالزندقة (1).

و قال الذهبي: سيف بن عرم الضبي الأسدي التميمي البرجمي و يقال السعدي الكوفي مصنف الفتوح و الردة.

ثم يذكر أقوال علماء الرجال كما ذكر ابن حجر و نقل عن جعفر بن أبان أنه سمع ابن نمير يقول: كان سيف يضع الحديث، و قد اتهم بالزندقة (2).

و قال ابن أبي حاتم: سيف بن عمر الضبي: عن يحيى بن معين أنه قال:

سيف بن عمر الضبي الذي يحدث عنه المحاربي ضعيف الحديث. و قال سئل أبي عن سيف بن عمر الضبي فقال متروك الحديث يشبه حديثه حديث الواقدي‏ (3).

و في ترجمة القعقاع عند ابن أبي حاتم أورد له حديثا رواه سيف بن عمر، عن عمر بن تمام، عن أبيه عن القعقاع، و قال ابن أبي حاتم: و سيف متروك الحديث‏

____________

(1) تهذيب التهذيب 4: 291.

(2) ميزان الاعتدال 1: 438.

(3) الجرح و التعديل لابن أبي حاتم 2 قسم 1 ص 278.

500

فبطل الحديث. و إنما كتبنا ذلك للمعرفة (1) و الحديث هو ما رواه سيف عن القعقاع بن عمر قال: شهدت وفاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فلما صليت الظهر جاء رجل حتى قام في المسجد فأخبر بعضهم أن الأنصار قد أجمعوا أن يولوا سعدا- يعني ابن عبادة- و يتركوا عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فاستوحش المهاجرون‏ (2).

قال ابن السكن: سيف بن عمر ضعيف. و ذكر ابن حجر قول ابن أبي حاتم سيف بن عمر متروك الحديث، و كذلك ذكره ابن عبد البر في الاستيعاب ج 3 ص 263 بهامش الإصابة.

و قال السيوطي: سيف و ضاع. و ذكر حديثا من طريق السري بن يحيى عن شعيب بن إبراهيم عن سيف فقال السيوطي: موضوع فيه ضعفاء أشدهم سيف.

و لعلنا فيما أوردناه من أقوال علماء الرجال هو كاف لمعرفة سلسلة هذه الأسطورة، و بالأخص بطلها الأول سيف بن عمر، فقد استبان وزنه، و عرفت حالته، و لم يرد عن أحد منهم فيه كلمة ثناء كما وقفت عليه.

و ربما يقال إن سيف بن عمر خرج له الترمذي و روى له في صحيحه فيظن أن له أحاديث في الأحكام و غيرها، أو أن الترمذي صحح حديثه و بهذا يتثبت من يريد أن يخلق لسيف بن عمر شخصية يوثق بها.

و لكن الترمذي لم يرو له إلا حديثا واحدا و قال- بعد أن ذكره-: و هذا منكر.

و الحديث الذي رواه الترمذي هو عن أبي بكر بن نافع عن سيف بن عمر السعدي، عن عبيد اللّه بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إذا رأيتم الذين يسبون أصحابي فالعنوه.

قال الترمذي: و هذا الحديث منكر. و بهذا فهو ساقط عن الاعتبار.

____________

(1) الجرح و التعديل 3: 136 قسم 2.

(2) انظر الإصابة لابن حجر 3: 239 ط 1.

501

و لسنا بحاجة إلى أكثر من هذا البيان لمعرفة حالة سيف بن عمر و مقدار تحمله للرواية؛ فهو كما رأيت: و ضاع كذاب، زنديق متروك الحديث، أحاديثه منكرة و. و.

الخ.

و نحن إذ نتكلف البحث عن سند هذه الأسطورة و غيرها من أحاديث سيف التي هي أبعد ما تكون عن الواقع، فكل قصدنا التنبيه على ما يظن أو يتبادر إلى ذهن البعض بأن تلك الأساطير قد اشتهرت و ذكرها كثير من المؤرخين فلا بد أنهم وثقوا من الناقلين فأثبتوها، فنالت هذه الشهرة.

و الواقع أن هذه الشهرة لم تكن للتواتر، و لا لصحة ما يروى عن سيف و إنما المصدر الوحيد هو الطبري كما قدمنا، و قد أخذ عنه كل من ابن الأثير، و ابن كثير، و ابن خلدون، و أبو الفداء و غيرهم.

فأما ابن الأثير فقد صرح في مقدمة تاريخه بأنه أخذ ما في كتاب الطبري و زاد عليه ... الخ‏ (1).

و أما ابن كثير فقد ذكر في تاريخه عن سيف بن عمر- فقط- أن سبب تألب الأحزاب على عثمان: أن رجلا يقال له عبد اللّه بن سبأ، كان يهوديا فأظهر الإسلام، و صار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من نفسه، مضمونه أنه يقول للرجل ... الخ‏ (2) ثم ينقل القصة و بعد ذلك ينقل عن سيف وحده بعض الحوادث كما في ص 169 ثم يمضي في ذكر الحوادث، حتى يأتي إلى صفحة 246 فيقول: هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر محمد بن جرير (رحمه اللّه).

و أما ابن خلدون فإنه ذكر السبئية في حادثة الدار و الجمل و قال: هذا أمر الجمل ملخصا من كتاب أبي جعفر الطبري‏ (3).

و قال في ص 457 منه: هذا آخر الكلام في الخلافة الإسلامية و ما كان فيها من الردة، و الفتوحات ثم الاتفاق و الجماعة، أوردتها ملخصة من كتاب محمد بن جرير الطبري، و هو تأريخه الكبير ... الخ.

____________

(1) انظر الكامل لابن الأثير 1: 3 الطبعة الأولى سنة 1301.

(2) تاريخ ابن كثير 7: 167.

(3) تاريخ ابن خلدون 2: 425.

502

أما ابن عساكر في تاريخه مدينة دمشق و هو مرجع لكثير من الكتّاب: إما إليه نفسه أو إلى تهذيبه لابن بدران، و قد يرجعون إليهما معا.

فإن ابن عساكر في حديثه عن السبئية ينقل عن الطبري بل ينقل نفس العبارة كما في تهذيبه‏ (1) لابن بدران و لكنه يترك السند و في ج 7 ص 429 يقول و روى سيف بن عمر عن أبي حارثة و أبي عثمان. ثم يذكر قصة ورود ابن سبأ إلى مصر.

و يروي ابن عساكر في تاريخه عن أبي القاسم السمرقندي، عن أبي الحسين النقور عن أبي طاهر المخلص، عن أبي بكر سيف، عن السري بن يحيى، عن شعيب بن إبراهيم، عن سيف بن عمر.

فهذا هو سند ابن عساكر لجميع ما ينقله حول ابن سبأ و أنت تراه يلتقي مع الطبري في السند الذي أورد فيه تلك الحوادث.

و صفوة القول ان الجميع عيال على الطبري في إيراد حوادث ابن سبأ، و الطبري كما تقدم لم يضمن أصلا صحة ما أورده في تاريخه، بل هو ناقل و ترك لقرائه البحث و التنقيب لأنه تبرأ من عهدة رواياته في التاريخ و حملها على أكتاف رواتها له، و قد تقدم، و ان الراوي هو سيف به عمر و لا طريق غيره.

هذا و نرى أنفسنا في غنى عن التوسع في البحث حول هذه القضية إن كان الأمر يدور حول الواقع، و معرفة الحقيقة، و إن الحكم للعلم من دون مغالطة و تعصب.

و قد أثبت التحقيق العلمي مقدار ما لهذه الأسطورة من الواقع، فهي بعيدة كل البعد عنه.

و ما أوردته هنا من الموهنات لهذه الأسطورة و ما ورد في نقد سلسلة رجالها ليس كل ما ورد فيها، بل هناك أشياء كثيرة لم نذكرها اختصارا.

و من الحق و الإنصاف أن نشير إلى ما كتبه العلامة السيد المرتضى العسكري حول أحاديث سيف بن عمر و أسطورة ابن سبأ، في كتاب عبد اللّه بن سبأ (2) بصورة

____________

(1) انظر تهذيب تاريخ ابن عساكر 7: 428.

(2) طبع منه الجزء الأول الطبعة الأولى في النجف الأشرف و الطبعة الثانية في القاهرة.

503

واسعة مستقصيا أحاديثه في الحوادث التاريخية، و ماله من افتعالات و أحداث.

و قد تعرض إلى أسماء الصحابة الذين افتعل سيف بن عمر أسماءهم و لم توجد إلا من طريقه بل ابتكاره.

و قد سبق أن العلامة الأميني في الجزء الثامن من كتابه الغدير قد تعرض لأحاديث سيف بن عمر الموضوعة و أحصاها و هي 701 و قال: تحت عنوان: نظرة في تاريخ الطبري:

شوه الطبري تاريخه بمكاتبات السري الكذاب الوضاع عن شعيب المجهول الذي لا يعرف، عن سيف الوضاع المتروك، الساقط المتهم بالزندقة؛ و قد جاءت في صفحاته بهذا الإسناد المشوه 701 رواية وضعت للتمويه على الحقائق الراهنة في الحوادث الواقعة من سنة 11 إلى 37 عهد الخلفاء الثلاثة، و لا يوجد شي‏ء من هذا الطريق الوعر في أجزاء الكتّاب كلها غير حديث واحد ذكره في السنة العاشرة.

و إنما بدأ برواية تلكم الموضوعات من عام وفاة النبي الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بثها في الجزء الثالث، و الرابع، و الخامس، و انتهت بانتهاء خامس الأجزاء:

ذكر في الجزء الثالث من ص 210 في حوادث سنة 11، 67 حديثا.

أخرج في الجزء الرابع في حوادث سنة 12، 427 حديثا.

أورد في الجزء الخامس في حوادث السنة ال- 23- 37- 207 أحاديث فيكون المجموع 701 حديث‏ (1).

و على أي حال فإن هذه الأسطورة التي أخذت مفعولها في المجتمع و أثرت أثرها السيئ، هي نتيجة للتعصب الأعمى الذي ينحرف بأصحابه عن جادة الصواب و يطلق الأوهام و الخرافات من عقالها، و قد مرت قرون و هي تحتل مكانا من الكتب التاريخية، بدون أن ينالها التحقيق أو تسأل عن كفاءتها لاحتلال ذلك المكان.

و قد تصرف فيها كثير من الكتّاب، وفقا لأهوائهم، و طبقا لرغباتهم و لم يهتدوا بهدي عبقرياتهم، و مواهبهم العلمية.

____________

(1) الغدير 8: 335- 336.

504

و إنا لا ننكر أن هناك من أنكر وجود هذه الأسطورة في صفحات الكتب و استنكر وجودها، و انها لا تستحق أن تحتل ذلك المحل من التاريخ الإسلامي، فأخذ يحارب وجودها، و يطالب بإبعادها، و بعض يشك في أمرها، و يتوقف عن نفيها أو إثباتها.

و من الغريب أن نجد من يتعصب لابن سبأ و يثبت وجوده و سعيه المنكر في إثارة الفتنة بين الصحابة، و يتحامل على من ينكر ذلك، و يصل به تعصبه لابن سبأ إلى حد القول بأن إنكاره كمن ينكر وجود عيسى بن مريم، أو ينكر الشمس، و هذا قول بدون دليل، بل هو من المتناقضات كما سنبينه، فمن هو هذا المنكر؟ هو محمد زاهد كوثري‏ (1) و إليك نص قوله:

يقول الكوثري:

عبد اللّه بن سبأ المعروف بابن السوداء اليماني، كان يتعثر في اذياله في سبيل الركض وراء إثارة فتن بين الصحابة رضي اللّه عنهم، متنقلا بين اليمن، و الحجاز، و البصرة و الكوفة، و مصر و الشام، للدس و تعكير الصفاء بين المسلمين في عهد عثمان و علي رضي اللّه عنهما، أيام كان المسلمون ما خبروا أساليب الماكرين، و طرق فتن الفاتنين، من قوم بهت، أهل غدر و كذب و فجور، على ما في صحيح البخاري و غيره، و نتائج تلك الفتن ماثلة أمام كل باحث، مدونة في كتب ثقات المؤرخين من علماء هذه الأمة، من أمثال ابن أبي خيثمة، و ابن جرير، و ابن عساكر، و ابن كثير، و ابن السمعاني و غيرهم رغم محاولة بعض المسفسطين من أبناء اليوم إنكار وجود شخص يقال له عبد اللّه بن سبأ، فضلا عن أن يكون أحدث تلك الأحداث، ضاربا أقوال هؤلاء السادة عرض الحائط، فيما يمس بني العمومة- و العرق دساس- و شأن هذا الصنف من الكتّاب شأن من ينفي صلة إسماعيل (عليه السلام)

____________

(1) الشيخ محمد زاهد بن حسن الكوثري أصله من القوقاز ولد في الأستانة المتولّد سنة 1296 ه و المتوفى في القاهرة سنة 1371 ه وكيل المشيخة الإسلامية في الخلافة العثمانية و صاحب المؤلفات الكثيرة في المذهب الحنفي و غيره. و له تعليقات على بعض الكتب ينتصر بها للحنفية و هو شديد التحامل على من خالف مذهبه. و له رد على الخطيب البغدادي حول ما ذكره في ترجمة أبي حنيفة.