الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
55

إنكارها أو تجاهل نتائج القضاء على الإمام الصادق بين أوساط العلماء و هو الذي يتودد إليهم و يحاول أن يركز سلطانه بصفة تتجاوز حدود الإمامة، كما يسعى إلى تركيز شخصيات عساها تؤثر على انصراف الناس إلى الإمام الصادق.

و لا يعني في واقع الأمر شيئا ما يطلقه المنصور على الإمام الصادق قدحا أو مدحا و أنه وصف الإمام بالصادق لأنه رفض أن يستجيب لدعوة بني عمه الحسنيين، إذ كان يرى أن بني العباس قد تهيئوا للأمر و أكل قلوبهم حب الحكم، فصرّح (عليه السلام) بأن الأمر سيكون لهم، و إنما كان ذلك من خلال حركة الدين و العلم إذ ضجت المراكز و مساجد الصلاة بالعلماء و هم يحدثون عن الإمام جعفر بن محمد في زمن كثر فيه ادعاء العلم و نشطت فيه حركة الوضع، فكان كل منهم يقول: حدثني الصادق، أو (أخبرنا العالم) إشارة إلى الإمام جعفر وارث علم النبيين و الراوي بسلسلة ذهبية تنمى إلى جده المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، حيث صار من يدعي العلم ممن هو إمّعة بيد السلطان الجائر يسير في ركابه و ينفذ أغراضه الدنيئة ممن تسمّى بجعفر أيضا يرمى بالكاذب تمييزا عن جعفر الهدى و الصدق و سيد أهل عصره.

و يمكننا القول أن لقب الصادق كان أصل إطلاقه لأجل المكانة العلمية و المنزلة الروحية، ثم كان سببا في إطلاق لقب الكاذب على من حمل اسمه و قصد الإساءة لنهج أهل البيت، فهو في الأساس لصفة الصدق الغالبة في العلم و الحديث، و هي من خصائص أهل البيت، ثم كانت في مواجهة الانحراف عن السلوك المحمدي. فالواقع أن هناك من يرى أن اللقب وجد في هذه الظروف الأخيرة و هو اشتباه أيضا.

56

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

57

الإمام الصادق لمحات من أخلاقه و آدابه‏

تمهيد:

و جريا على ما نهجناه في الأجزاء السابقة من ذكر طرف من تعاليم الإمام الصادق (عليه السلام) و سيرته و حكمه، التي تتمثل فيها مفاهيم الإسلام، في نهج التربية، و حسن السلوك في الحياة، و قد رأينا هناك كيف كان حرصه على تربية من يتصل به تربية صحيحة، يوجهه و يرشده إلى طريق الحق و نهج الصواب.

فقد كان لا يدع فرصة مناسبة إلا اغتنمها للإرشاد ببليغ قوله، و حسن بيانه و نورد هنا بعضا مما لم نذكره هناك من أخباره و حكمه، و آدابه و مواعظه و توجيهاته، تيمنا بذلك، و لئلا يخلو هذا الجزء من ذلك التراث القيم الذي أفردنا له جزءا خاصا.

تعاليمه:

قال عنبسة بن نجاد: لما مات إسماعيل بن الإمام جعفر بن محمد (عليه السلام) و فرغنا من جنازته، جلس الإمام و جلسنا حوله و هو مطرق، ثم رفع رأسه إلينا و قال:

أيها الناس هذه الدنيا دار فراق و دار التواء، لا دار استواء، على أن لفراق المألوف حرقة لا تدفع، و لوعة لا تقلع، و إنما يتفاضل بحسن العزاء، و صحة الفكر، فمن لم يثكل أخاه ثكله أخوه، و من لم يقدم ولدا كان هو المقدم دون الولد، ثم تمثل بقول الهذلي:

فلا تحسبي أني تناسيت عهده* * * و لكن صبري يا أميم جميل‏

و كان يقول لأصحابه: إن اللّه أوجب عليكم حبنا و موالاتنا، و فرض عليكم طاعتنا، ألا فمن كان منا فليقتد بنا، و إن من شأننا الورع، و الاجتهاد و أداء الأمانة إلى‏

58

البر و الفاجر، و صلة الرحم و إقراء الضيف، و العفو عن المسي‏ء؛ و من لم يقتد بنا فليس منا، لا تسفهوا، فإن أئمتكم ليسوا بسفهاء.

قال صفوان بن يحيى‏ (1): جاءني عبد اللّه بن سنان‏ (2) فقال: هل عندك شي‏ء؟

قلت: نعم. فبعثت ابني و أعطيته درهما يشتري به لحما، فقال لي عبد اللّه: أين أرسلت ابنك؟ فأخبرته، فقال: ردّه ردّه؛ عندك زيت؟ قلت: نعم. قال: هات فإني سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: هلك امرؤ احتقر لأخيه ما يحضره و هلك امرؤ احتقر لأخيه ما قدم إليه.

و قال (عليه السلام): المؤمن لا يحتشم من أخيه و لا يدري أيهما أعجب: الذي يكلف أخاه إذا دخل أن يتكلف له، أو المتكلف لأخيه.

و قال هشام بن سالم: دخلنا مع ابن أبي يعفور على أبي عبد اللّه و نحن جماعة، فدعا بالغداء فتغدينا و تغدى معنا، و كنت أحدث القوم سنا، فجعلت أقصر و أنا آكل فقال لي (عليه السلام): كل، أ ما علمت أنه تعرف مودة الرجل لأخيه بأكله من طعامه.

قال ابن أبي يعفور: رأيت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) ضيفا فقام يوما في بعض الحوائج فنهاه أبو عبد اللّه عن ذلك، و قام بنفسه إلى تلك الحاجة و قال (عليه السلام): نهى رسول اللّه عن أن يستخدم الضيف.

و قال الجارود بن المنذر: قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): بلغني أنه ولد لك ابنة فتسخطها، و ما عليك منها، ريحانة تشمها و قد كفيت رزقها، و قد كان رسول اللّه أبا بنات.

و قال (عليه السلام): إن أبي إبراهيم سأل ربه أن يرزقه ابنة تبكيه و تندبه بعد موته.

____________

(1) صفوان بن يحيى أبو محمد البجلي المتوفى سنة 210 ه، كان من أصحاب الإمام موسى بن جعفر، و قد روى عن أربعين رجلا من رواة الإمام الصادق، و كان معروفا بالزهد و العبادة، و كان قد تعاقد هو و عبد اللّه بن جندب، و علي بن النعمان؛ أن من مات منهم صلى من بقي منهم صلاته و صام صيامه فماتا و بقي صفوان، فكان يصلي في كل يوم مائة و خمسين ركعة فرضا و نفلا، و يصوم في السنة ثلاثة أشهر، و كان مؤلفا و له كتب يربو عددها على الثلاثين ذكره النجاشي و غيره.

(2) عبد اللّه بن سنان بن طريف الحنظلي، كان من ثقات أصحاب الصادق (عليه السلام) و قد مرت الإشارة إليه.

59

كلماته الحكمية:

و قال (عليه السلام) لولده موسى الكاظم (عليه السلام): يا بني افعل الخير إلى كل من طلبه منك، فإن كان من أهله فقد أصبت موضعه، و إن لم يكن له بأهل كنت أنت أهله، و إن شتمك رجل عن يمينك ثم تحول إلى يسارك و اعتذر إليك فاقبل منه.

و قال (عليه السلام): ليس شي‏ء إلا و له حد. فقال له أبو بصير: جعلت فداك فما حد التوكل؟ قال (عليه السلام): اليقين.

فقال أبو بصير: فما حد اليقين؟ قال (عليه السلام): أ لا تخاف مع اللّه شيئا.

و قال (عليه السلام): من صحة يقين المرء المسلم ألا يرضي الناس بسخط اللّه، و لا يلزمهم على ما لم يؤته اللّه، فإن الرزق لا يسوقه حرص حريص و لا يرده كراهة كاره.

و قال (عليه السلام): حسن الظن باللّه أن لا ترجو إلا اللّه و لا تخاف إلا ذنبك.

و قيل له (عليه السلام): أي الجهاد أفضل؟ فقال: كلمة حق عند إمام ظالم.

و قال (عليه السلام) لأصحابه: لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما فات فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما يأتي.

و قال محمد بن العلا و إسحاق بن عمار: ما ودعنا أبو عبد اللّه الصادق قط إلا أوصانا بخصلتين: بصدق الحديث و أداء الأمانة إلى البر و الفاجر، فإنهما مفتاح الرزق.

و قال (عليه السلام):

ينبغي للعاقل أن يكون مقبلا على شأنه حافظا للسانه عارفا بأهل زمانه.

أربع يذهبن ضياعا، مودة تمنح من لا وفاء له، و معروف يوضع عند من لا يشكره، و علم يعلم من لا يستمع له، و سر يودع من لا حصانة له.

إصلاح المال من الإيمان.

أنفق و أيقن بالخلف، و اعلم أنه من لم ينفق في طاعة اللّه ابتلي بأن ينفق في معصية اللّه، و من لم يمش في حاجة وليّ اللّه ابتلي بأن يمشي في حاجة عدو اللّه.

و سئل (عليه السلام) عن الزاهد في الدنيا فقال: الذي يترك حلالها مخافة حسابه و يترك حرامها مخافة عذابه.

60

و وصفوا عنده رجلا بالدين و الفضل و العبادة و غيرها.

فقال (عليه السلام): كيف عقله؟ إن الثواب على قدر العقل.

و قال لداود الكرخي حينما أراد أن يتزوج: انظر أين تضع نفسك.

و قال (عليه السلام): لا يصلح المرء المسلم إلا بثلاث: التفقه في الدين و التقدير في المعيشة و الصبر على البلايا.

اصبر على أعداء النعم فإنك لن تكافي من عصى اللّه فيك من أن تطيع فيه.

من لم يكن واعظ من قلبه و زاجر من نفسه و لم يكن له قرين مرشد استمكن عدوه من عنقه.

اجعل قلبك قرينا تزاوله، و اجعل علمك والدا تتبعه، و اجعل نفسك عدوا تجاهده و اجعل مالك عارية تردها.

جاهد هواك كما تجاهد عدوك.

العاقل من كان ذلولا عند إجابة الحق، جموحا عند الباطل، يترك دنياه و لا يترك دينه، و دليل العاقل شيئان صدق القول و صواب العمل.

الملوك حكام على الناس و العلماء حكام على الملوك.

و قال له رجل من أصحابه: جعلت فداك ما أحب إلي من الناس من يأكل الجشب، و يلبس الخشن، و ينخشع فيرى عليه أثر الخشوع.

فقال (عليه السلام): ويحك إنما الخشوع في القلب أو ما علمت أن نبيا ابن نبي كان يلبس أقبية الديباج مزرورة بالذهب، و كان يجلس و يحكم بين الناس فما يحتاج الناس إلى لباسه، و إنما احتاجوا إلى قسطه و عدله. كذلك إنما يحتاج الناس من الإمام إلى أن يقضي بالعدل، إذا قال صدق، و إذا وعد أنجز، و إذا حكم عدل، إن اللّه عز و جل لم يحرم لباسا أحله، و لا طعاما و لا شرابا من حلال، و إنما حرم الحرام قل أو كثر، و قد قال اللّه عز و جل: قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبادِهِ وَ الطَّيِّباتِ مِنَ الرِّزْقِ‏ [الأعراف: 32].

و سئل (عليه السلام) عن رجل دخله الخوف من اللّه تعالى حتى ترك النساء و الطعام الطيب و لا يقدر أن يرفع رأسه إلى السماء تعظيما للّه تعالى؟

61

فقال (عليه السلام): أما قولك في ترك النساء فقد علمت ما كان لرسول اللّه منهن، و أما قولك في ترك الطعام الطيب فقد كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يأكل اللحم و العسل، و أما قولك دخله الخوف من اللّه حتى لا يستطيع أن يرفع رأسه إلى السماء، فإنما الخشوع في القلب، و من ذا يكون أخشع و أخوف من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)؟! فما كان هذا يفعل؟!! و قد قال اللّه عز و جل: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كانَ يَرْجُوا اللَّهَ وَ الْيَوْمَ الْآخِرَ [الأحزاب: 21].

و قال (عليه السلام): إن عليا كان يقول: ينبغي للرجل إذا أنعم اللّه عليه بنعمة أن يرى أثرها عليه في ملبسه ما لم يكن شهرة.

و سأله رجل فقال: يا ابن رسول اللّه هل يعد من السرف أن يتخذ الرجل ثيابا كثيرة يتجمل بها و يصون بعضها من بعض؟

فقال (عليه السلام): لا، ليس هذا من السرف.

و قال: أربع خصال يسود بها المرء: العفة، و الأدب، و الجود، و العقل.

لا مال أعود من العقل، و لا مصيبة أعظم من الجهل، و لا ورع كالكف، و لا عبادة كالتفكر، و لا قائد خير من التوفيق، و لا قرين خير من حسن الخلق، و لا ميراث خير من الأدب.

لا يتكلم الرجل بكلمة هدى فيؤخذ بها إلا كان له مثل أجر من أخذ بها، و لا يتكلم بكلمة ضلالة إلا كان عليه مثل وزر من أخذ بها.

الإمام العادل لا ترد له دعوة، و المظلوم لا ترد له دعوة و من قواصم الظهر سلطان جائر يعصي اللّه و أنت تطيعه!! هذا غاية ما يسمح لي الوقت به من ذكر بعض أخباره و حكمه و آدابه (عليه السلام)، و قد مر في كل جزء من الأجزاء السابقة بعض منها و سننشر ما بقي من ذلك و ما ذكر سابقا في جزء مستقل ليكون أعم نفعا و أسهل تناولا فإن ذلك التراث الفكري الخالد و تلك الآداب التي كان (عليه السلام) يؤدب بها من يتصل به هي أشمل لنظام الحياة لاتصالها بواقع المسلمين من حيث الأخذ بتعاليم دينهم الذي يتكفل لهم السعادة.

62

صفاته:

لقد كان الإمام الصادق (عليه السلام) مثلا أعلى للصفات الكاملة، و المزايا الحميدة، و الأخلاق الفاضلة، فهو الصادق في القول، و الناطق بالحق، و العالم العامل بعلمه، و الموجه للأمة بدعوته، و ما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم كما أجمعوا على فضله و علمه.

و قد كان قويا في دينه، لا يهن لشدة، و لا يتزلزل عند النوازل، و لا يضعف عند النكبات، بل يتلقى كل ذلك بعزم راسخ و جنان ثابت.

و لقد وصفه المنصور و هو خصمه الألد بقوله: إنه ممن اصطفاه اللّه، و كان من السابقين في الخيرات.

شهد الأنام بفضله حتى العدا* * * و الفضل ما شهدت به الأعداء

و قد وصفه تلميذه مالك بن أنس بأنه: كان من العلماء العباد الذين يخشون اللّه.

و وصفه أبو حنيفة بأنه: أعلم أهل زمانه و ما رأى أعلم منه و أن هيبته تفوق هيبة المنصور صاحب الملك و الصولجان.

و وصفه عمرو بن المقدام بقوله: ما نظرت إلى جعفر بن محمد إلا و علمت أنه من سلالة النبيين.

و قد ثبت عن الإمام زيد بن علي (عليه السلام) أنه قال: إنه (أي الصادق) حجة اللّه، لا يضل من تبعه، و لا يهتدي من خالفه.

و لا بد لنا من الإيجاز هنا فيما يتعلق بصفاته و مميزاته بعد أن ذكرنا بعضا من ذلك في الأجزاء السابقة، و لنا عودة في بيان صفاته و مميزاته إن شاء اللّه.

و الآن و قد أوشكنا على الالتقاء بالأستاذ محمد أبو زهرة الذي نوهنا عنه في المقدمة؛ لإبداء ملاحظاتنا حول ما كتبه عن الإمام الصادق (عليه السلام)، و قبل أن يضمنا مجلس النقاش، و تبادل الآراء، نود هنا أن نقتطف من ذلك الكتاب بعض انطباعات الأستاذ عن شخصية الإمام، و صفاته و مميزاته، فلنترك الحديث له.

من كتاب الإمام الصادق:

ما أجمع علماء الإسلام على اختلاف طوائفهم، كما أجمعوا على فضل الإمام‏

63

الصادق و علمه، فأئمة السنة الذين عاصروه تلقوا عنه و أخذوا، أخذ عنه مالك رضي اللّه عنه، و أخذ عنه طبقة مالك كسفيان بن عيينة، و سفيان الثوري، و غيرهم كثير، و أخذ عنه أبو حنيفة مع تقاربهما في السن و اعتبره أعلم الناس، لأنه أعلم الناس باختلاف الناس، و قد تلقى عليه رواة الحديث طائفة كبيرة من التابعين، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري و أيوب السختياني و أبان بن تغلب و أبو عمرو بن العلاء و غيرهم من أئمة التابعين في الفقه و الحديث، و ذلك فوق الذين رووا عنه من تابعي التابعين و من جاء بعدهم و الأئمة المجتهدين الذين أشرنا إلى بعضهم.

و فوق هذه العلوم أوتي الإمام الصادق (عليه السلام) علما بحاجات سلوك المؤمن و متطلبات الحفاظ على الأخلاق، فسدد إلى الرأي الناجع و القول الحكيم، و ألهم قدرة التقويم و التأثير في النفوس. و قد اطلعنا على جوانب من اهتمام الإمام (عليه السلام) بحياة الناس و مشاكل المجتمع فكان يبذل جهده من رأي و مال و مشاركة فعلية، و جعل علم الأخلاق في مقدمة ما يرمي إلى شيوع أصوله و قواعده المتمثلة بدعوته إلى التمسك بتعاليم الدين الحنيف، و قد أشرق علم الأخلاق من خلال قوة البرهان و نور الوجدان الديني و فعل مواقف الإمام و سيرته في النفوس و كانت وجوه التقوى و الورع في مواجهة الانحراف و تقبّل الناس للرذيلة.

و هكذا النفس المسئولة التي تتحمل أعباء دوام الدعوة تعالج الاعوجاج بالخلق القويم و تواجه الباطل بالحق المبين.

و لننقل لك وصيته لابنه موسى فهي خلاصة تجارب نفس مؤمنة مستمسكة تمرست بالحياة و علمت ما فيها، فقد جاء في حلية الأولياء ما نصه:

حدث بعض أصحاب جعفر بن محمد الصادق، قال: دخلت على جعفر و موسى بين يديه و هو يوصيه فكان مما حفظت منها أن قال:

يا بني اقبل وصيتي، و احفظ مقالتي، فإنك إن حفظتها تعيش سعيدا، و تموت حميدا.

يا بني، من رضي بما قسمه اللّه له استغنى، و من مد عينيه إلى ما في يد غيره مات فقيرا، و من لم يرض بما قسمه اللّه اتهم اللّه في قضائه، و من استصغر زلة نفسه استعظم زلة غيره.

64

يا بني، من كشف حجاب غيره انكشفت عورات بيته، و من سل سيف البغي قتل به، و من احتفر لأخيه بئرا سقط فيها، و من داخل السفهاء حقر، و من خالط العلماء وقر، و من دخل مداخل السوء اتهم.

يا بني إياك أن تزري بالرجال فيزرى بك، و إياك و الدخول فيما لا يعنيك فتذل لذلك.

يا بني قل الحق لك أو عليك، يا بني كن لكتاب اللّه تاليا، و للسلام فاشيا، و بالمعروف آمرا، و عن المنكر ناهيا، و لمن قطعك و اصلا، و لمن سكت عنك مبتدئا، و لمن سألك معطيا، و إياك و النميمة فإنها تزرع الشحناء في قلوب الرجال، و إياك و التعرض لعيوب الناس فمنزلة المتعرض لعيوب الناس بمنزلة الهدف ...

2- و يقول في ص 99: إن الصادق كان على علم دقيق بالفلسفة و مناهج الفلاسفة و على علم بمواضع التهافت عندهم، و إنه مرجع عصره في رد الشبهات، و قد كان بهذا جديرا، و ذلك لانصرافه المطلق إلى العلم، و لأنه كان ذا أفق واسع في المعرفة لم يتسنّ لغيره من علماء عصره، فقد كانوا محدثين أو فقهاء، أو علماء في الكلام، أو علماء في الكون، و كان هو في كل ذلك رضي اللّه عنه.

3- و لقد اشتهرت مناظرات الإمام الصادق حتى صارت مصدرا للعرفان بين العلماء، و كان مرجعا للعلماء في كل ما تعضل عليهم الإجابة عنه من أسئلة الزنادقة و توجيهاتهم، و قد كانوا يثيرون الشك في كل شي‏ء، و يستمسكون بأوهى العبارات ليثيروا غبارا حول الحقائق الإسلامية و الوحدانية التي هي خاصة الإسلام.

و يقول في ص 75: و بقي أن نقول كلمة في صفاته و شخصيته العلمية، نتيجة لما سقناه و النتيجة دائما مطوية في مقدماتها و كل ما أوتي به من علم، و ما أثر عنه من فقه، هو نتيجة لتلك الشخصية التي تميزها صفاته.

و أول ما يستشرف له القارئ هو أن يقدم له الكاتب وصفا جسميا يقربه إلى خياله و تصويره، و قد قال كتّاب مناقبه: أنه ربعة ليس بالطويل و لا القصير، أبيض الوجه أزهر، له لمعان كأنه السراج، أسود الشعر جعده أشم الأنف قد انحسر الشعر عن جبينه، و على خده خال أسود.

65

و يظهر أن هذا الوصف كان في شبابه قبل أن يعلوه الشيب فيزيده بهاء و وقارا و جلالا و هيبة.

هذا وصفه الجسمي أما وصفه النفسي و العقلي فقد بلغ فيه الذروة، و ها هي ذي قبسة من صفاته التي علا بها في جيله حتى نفس حكام الأرض عليه مكانه، و لكنها هبة السماء، و أنّى لأهل الأرض أن يسامتوا أهل السماء ..

الإخلاص:

قد اتصف الإمام الصادق التقي بنبل المقصد و سمو الغاية، و التجرد في طلب الحقيقة من كل هوى، أو عرض من أعراض الدنيا، فما طلب أمرا دنيويا تنتابه الشهوات أو تحف به الشبهات، بل طلب الحقائق النيرة الواضحة و طلب الحق لذات الحق لا يبغي به بديلا، لا تلتبس عليه الأمور و إذا ورد عليه أمر فيه شبهة هداه إخلاصه إلى لبه، و نفذت بصيرته إلى حقيقته، بعد أن يزيل عنه غواشي الشبهات، و إذا عرض أمر فيه شهوة أو إثارة مطمع بدد الظلمات بعقله الكامل، و هو في هذا متصف بما ورد في حديث مرسل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ قال: «إن اللّه يحب ذا البصر النافذ عند ورود الشبهات، و يحب ذا العقل الكامل عند حلول الشهوات» و من غير الإمام الصادق يبدد الشهوات بعقله النير و بصيرته الهادية المرشدة؟! و إن الإخلاص من مثل الصادق هو من معدنه، لأنه من شجرة النبوة، فأصل الإخلاص في ذلك البيت الطاهر ثابت، و إذا لم يكن الإخلاص غالب أحوال عترة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أحفاد إمام الهدى علي (عليه السلام)، ففيمن يكون الإخلاص؟ لقد توارثوا خلفا عن سلف، و فرعا عن أصل، فكانوا يحبون الشي‏ء و لا يحبونه إلا للّه، و يعتبرون ذلك من أصول الإيمان و ظواهر اليقين. فقد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يؤمن أحدكم حتى يحب الشي‏ء لا يحبه إلا للّه».

و قد أمد اللّه تعالى الإخلاص في قلب الإمام الصادق بعدة عناصر غذته و نمته فآتى أكله.

أولها: ملازمته للعلم و رياضته نفسه و انصرافه للعبادة، و ابتعاده عن كل مآرب الدنيا.

و لنترك الكلمة للإمام مالك يصف حاله فيقول: كنت آتي جعفر بن محمد،

66

و كان كثير التبسم، فإذا ذكر عنده النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اخضرّ و اصفرّ، و لقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على إحدى ثلاث خصال: إما مصليا، و إما صائما، و إما يقرأ القرآن، و ما رأيته قط يحدث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلا على طهارة، و لا يتكلم فيما لا يعنيه، و كان من العباد الزهاد الذين يخشون اللّه‏ (1).

و ثانيها: الورع، و لكن ورعه لم يكن حرمانا مما أحل اللّه، فلم يكن تركا للحلال، بل كان طلب الحلال من غير إسراف و لا خيلاء، و قد أخذ بقول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«كلوا و اشربوا و البسوا في غير سرف و لا مخيلة».

و لكنه مع طلبه الحلال كان يميل إلى الحسن من الثياب، و كان يحب أن يظهر أمام الناس بملبس حسن لكيلا تكون مراءاة فيما يفعل، فكان يخفي تقشفه تطهيرا لنفسه من كل رياء.

و لقد دخل سفيان الثوري على أبي عبد اللّه الصادق فرأى عليه ثيابا حسنة لها منظر حسن، و يقول الثوري: فجعلت أنظر إليه متعجبا، فقال لي: يا ثوري مالك لا تنظر إلينا؟ لعلك تعجب مما رأيت؟! قلت: يا ابن رسول اللّه ليس هذا من لباسك و لا لباس آبائك.

فقال لي: يا ثوري كان ذلك زمانا مقفرا مقترا و كانوا يعملون على قدر إقفاره و إقتاره، و هذا زمان قد أقبل كل شي‏ء فيه، ثم حسر عن ردن جبته، و إذا تحته جبة صوف بيضاء يقصر الذيل عن الذيل و الردن عن الردن، ثم قال الصادق: يا ثوري لبسنا هذا للّه، و هذا لكم، فما كان للّه أخفيناه، و ما كان لكم أبديناه.

و ثالثها: أنه لم ير لأحد غير اللّه حسابا، فما كان يخشى أحدا في سبيل اللّه و لا يقيم وزنا للوم اللائمين، و لم يخش أميرا لإمرته، و لم يخش العامة لكثرتهم، و لم يغيره الثناء، و لم يثنه الهجاء، أعلن براءته ممن حرفوا الإسلام، و أفسدوا تعاليمه، و لم يمال المنصور في أمر، و كان بهذا الإخلاص و بتلك التقوى السيد حقا و صدقا.

نفاذ بصيرته و قوة إدراكه:

و إن الإخلاص إذا غمر النفس أشرقت بنور الحكمة، و استقام الفكر و القول‏

____________

(1) المدارك مخطوط بدار الكتب المصرية الورقة رقم 210.

67

و العمل، و لذلك الإخلاص نفذت بصيرته، فصار يعرف الحق من غير عائق يعوقه، و كان مع ذلك فيه ذكاء شديد، و إحاطة واسعة و علم غزير ... الخ.

حضور بديهته:

و كان رضي اللّه عنه حاضر البديهة، تجيئه إرسال المعاني في وقت الحاجة إليها من غير حبسة في الفكر، و لا عقدة في اللسان، و إن مناظراته الفقهية الكثيرة تكشف عن بديهة حاضرة، و انظر إليه و أبو حنيفة يسأله في أربعين مسألة، فيجيب عنها من غير تردد و لا تلكؤ، مبينا اختلاف الفقهاء فيها، و ما يختار من أقوالهم، و ما يخالفهم جميعا فيه.

و إن مناظراته التي كان يلقم بها الزنادقة و غيرهم الحجة، ما كانت ليستقيم فيها الحق لو لا بديهة تسعفه بالحق في الوقت المناسب و لننقل لك مناظرة له في العدل بين الأزواج أثارها زنديق.

قال الزنديق: أخبرني عن قول اللّه تعالى: فَانْكِحُوا ما طابَ لَكُمْ مِنَ النِّساءِ مَثْنى‏ وَ ثُلاثَ وَ رُباعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: 3] و قال في آخر السورة: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ‏ [النساء: 129].

قال الصادق: أما قوله تعالى: فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَواحِدَةً [النساء: 3] فإنما عنى النفقة و قوله تعالى: وَ لَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّساءِ وَ لَوْ حَرَصْتُمْ‏ [النساء: 129] فإنما عني بها المودة، فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة.

و إن حضور البديهة من ألزم اللوازم لقادة الأفكار و الأئمة المتبعين، فلا توجد قيادة فكرية لعبي في البيان و لا توجد قيادة فكرية لمن عنده حبسة في المعاني.

جلده و صبره:

لقد كان أبو عبد اللّه الصادق ذا جلد و صبر و قوة نفس، و ضبط لها، و إن الصابرين هم الذين يعلون على الأحداث، و لا يزعجهم اضطراب الأمور عليهم و نيلهم بالأذى، و كان الإمام الصادق صبورا قادرا على العمل المستمر الذي لا ينقطع، فقد كان في دراسة دائمة.

و كان مع ذلك الصبر و ضبط النفس عبدا شكورا، و إنا نرى أن الصبر و الشكر

68

معنيان متلاقيان في نفس المؤمن القوي الإيمان فمن شكر النعمة فهو الصابر عند نزول النقمة بل إن شكر النعمة يحتاج إلى صبر، و الصبر في النقمة لا يتحقق إلا من قلب شاكر يذكر النعمة في وقت النقمة، و الصبر في أدق معناه لا يكون إلا كذلك، إذ الصبر الحقيقي يقتضي الرضا، و هو الصبر الجميل.

و لقد كان أبو عبد اللّه صابرا شاكرا خاشعا قانتا عابدا، صبر في الشدائد، و صبر في فراق الأحبة، و صبر في فقد الولد: مات بين يديه ولد له صغير من غصة اعترته فبكى و تذكر النعمة في هذا الوقت، و قال: لئن أخذت لقد أبقيت، و لئن ابتليت فقد عافيت.

ثم حمله إلى النساء، فصرخن حين رأينه، فاقسم عليهن ألا يصرخن ثم أخرجه إلى الدفن و هو يقول: سبحان من يقبض أولادنا و لا نزداد له إلا حبا. و يقول بعد أن و اراه التراب: إنا قوم نسأل اللّه ما نحب فيمن نحب فيعطينا، فإذا أنزل ما نكره فيمن نحب رضينا.

و ها أنت ذا ترى أنه رضي اللّه عنه يذكر عطاء اللّه فيما أنعم، في وقت نزول ما يكره، و ذلك هو الشكر الكامل مع الصبر الكامل.

و إن الصبر مع التململ لا يعد صبرا، إنما هو الضجر، و الضجر و الصبر متضادان، و إنا نقول بحق إن أوضح الرجال الذين يلتقي فيهم الصبر مع الشكر؛ هو الإمام الصادق.

سخاؤه:

قال كثيرون من المفسرين في قوله تعالى: وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى‏ حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً [الإنسان: 8] إنها نزلت في علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه)، و إن كانت هي في عمومها وصفا للمؤمنين الصادقي الإيمان، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، و مهما يكن من القول في ذلك فإنه من المؤكد أن علي بن أبي طالب كان من أسخى الصحابة رضي اللّه عنهم، بل من أسخى العرب، و قد كان أحفاده كذلك من بعده، فعلي زين العابدين كان يحمل الطعام ليلا ليوزعه على بيوت ما عرفت خصاصتها إلا من بعده.

و لم يكن غريبا أن يكون الإمام الصادق النابت في ذلك المنبت الكريم سخيا

69

جوادا، فكان يعطي من يستحق العطاء، و كان يأمر بعض اتباعه أن يمنع الخصومات بين الناس بتحمل ما يكون فيها من الخسائر.

و كان رضي اللّه عنه يقول: لا يتم المعروف إلا بثلاثة: بتعجيله و تصغيره و ستره. و لهذا كان يسر العطاء في أكثر الأحيان، و كان يفعل ما كان يفعله جده علي زين العابدين، فكان إذا جاء الغلس يحمل جرابا فيه خبز و لحم و دراهم، فيحمله على عاتقه، ثم يذهب إلى ذوي الحاجة من أهل المدينة و يعطيهم، و هم لا يعلمون من المعطي حتى مات، و تكشف ما كان مستورا، و ظهرت الحاجة فيمن كان يعطيهم، و جاء في حلية الأولياء: و كان جعفر بن محمد يعطي حتى لا يبقي لعياله شيئا.

و إن السخاء بالمال يدل على مقدار قوة الإحساس الاجتماعي، و إن ستره يدل على مقدار قوة الوجدان الديني، و ملاحظته جانب اللّه وحده و ليس ذلك بعجب ممن نشأ مثل نشأة الإمام الصادق.

حلمه و سماحه:

و في صفحة 81 قال:

و لقد كان رضي اللّه عنه سمحا كريما لا يقابل الإساءة بمثلها، بل يقابلها بالتي هي أحسن، عملا بقوله تعالى: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَ بَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ‏ [فصلت: 34].

و كان يقول: إذا بلغك عن أخيك شي‏ء يسوؤك فلا تغتم، فإن كنت كما يقول القائل كانت عقوبة قد عجلت، و إن كنت على غير ما يقول كانت حسنة لم تعملها.

و كان رقيقا مع كل من يعامله، من عشراء و خدم، و يروى في ذلك أنه بعث غلاما له في حاجة فأبطأ فخرج يبحث عنه، فوجده نائما فجلس عند رأسه، و أخذ يروح له حتى انتبه، فقال: ما ذلك لك تنام الليل و النهار، لك الليل و لنا النهار.

على أن التسامح و الرفق ليبلغ به أن يدعو اللّه بأن يغفر الإساءة لمن يسي‏ء إليه، و يروى في ذلك أنه كان إذا بلغه شتم له في غيبة يقوم و يتهيأ للصلاة، و يصلي طويلا، ثم يدعو ربه ألا يؤاخذ الجاني، لأن الحق حقه و قد وهبه للجاني، غافرا له ظلمه، و كان يعتبر من ينتقم من عدوه و هو قادر على الانتقام ذليلا، و إذا كان في العفو ذل فهو الذل في المظهر لا في الحقيقة، بل إنه لا ذل فيه، و الانتقام إذا صدر عن القوي إذ

70

أهانه الضعيف هو الذل الكبير، فلا ذل في عفو، و لا عظمة في انتقام، و لقد قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما نقص مال من صدقة، و ما زاد عبد بالعفو إلا عزا، و من تواضع للّه رفعه.

و إن الحلم و التسامح خلق قادة الفكر و الدعاة إلى الحق كما قال تعالى: ادْعُ إِلى‏ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَ الْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَ جادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ [النحل: 125] و كما قال آمرا نبيه، و كل هاد بل كل مؤمن: خُذِ الْعَفْوَ وَ أْمُرْ بِالْعُرْفِ وَ أَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ‏ [الأعراف:

199].

شجاعته:

و في صفحة 82 قال:

أولئك ذرية علي و نسله الكرام صقلتهم الشدائد، و لم تهن من عزائمهم المحن، فالشجاعة فيهم من معدنه، و هي فيهم كالجبلة لا يهابون الموت، و خصوصا من يكون في مثل أبي عبد اللّه الصادق الذي عمر الإيمان قلبه، و انصرف عن الأهواء و الشهوات، و استولى عليه خوف اللّه وحده. و من عمر الإيمان قلبه و من لا يخش إلا اللّه فإنه لا يخاف أحدا من عباده، مهما تكن سطوتهم و قوتهم، و قد كان رضي اللّه عنه شجاعا في مواجهته من يدعون أنهم اتباع له، و هم مع ادعاء هذه التبعية الرفيعة يحرفون الكلم عن مواضعه، فهو لم يعن عن تعريفهم الحق، و تصحيح أخطائهم و عن توجيههم حتى إذا لم يجد التوجيه و الملام أعلن البراءة منهم و أرسل من يتحدثون باسمه ليعلنوا هذه البراءة.

و كذلك كان شجاعا أمام الأقوياء ذوي السلطان و الجبروت، لا يمتنع عن تذكيرهم بالطغيان تعريضا أو تصريحا على حسب ما توجبه دعوة الحق من مراعاة مقتضى الحال، و يحكى أن المنصور سأله: لم خلق اللّه تعالى الذباب؟ و ذلك عند ما وقعت ذبابة على وجه المنصور عدة مرات، فأجاب الصادق معرضا بأهل الجبروت و الطغيان: يذل به الجبارين.

و قد كان هذا في لقائه للمنصور، و قد تقوّل عليه الذين يطوفون بالحكام الأقاويل، و إن هذه الإجابة في هذا اللقاء لأكبر دليل على ما كان يتحلى به من شجاعة، و إنه في هذا اللقاء لا يكتفي بذلك، بل ينصح المنصور قائلا له: عليك بالحلم فإنه ركن العلم، و أملك نفسك عند أسباب القدرة، فإنك إن تفعل ما تقدر عليه‏

71

كنت كمن يحب أن يذكر بالصولة، و اعلم أنك إن عاقبت مستحقا لم تكن غاية ما توصف به إلا العدل، و الحال التي توجب الشكر أفضل من الحال التي توجب الصبر.

و يروى أن بعض الولاة نال من علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) في خطبته، فوقف أبو عبد اللّه الصادق ورد قوله في شجاعة المحق المؤمن باللّه وحده، و ختم كلامه بقوله: أ لا أنبئكم بأخلى الناس ميزانا يوم القيامة و أبينهم خسرانا، من باع آخرته بدنيا غيره و هو هذا الفاسق.

فراسته:

و في صفحة 84 قال:

كان الصادق ذا فراسة قوية، و لعل فراسته هي التي منعته أن يقتحم في السياسة، و يستجيب لما كان يدعوه إليه مريدوه، مع ما يراه من حال شيعته في العراق من أنهم يكثر قولهم و يقل عملهم، و قد اعتبر بما كان منهم لأبي الشهداء الإمام الحسين رضي اللّه عنه، ثم لزيد و أولاده، ثم لأولاد عبد اللّه بن الحسن، و لذا لم يطعهم في إجابة رغباتهم في الخروج، و كان ينهى كل الذين خرجوا في عهده عن الخروج.

و إن الأحداث التي نزلت بأسرته و وقعت حوله، و أحيط به في بعضها قد جعلته ذا إحساس قوي يدرك به مغبة الأمور، مع ذكائه الألمعي و زكاة نفسه فكان بهذا من أشد الناس فراسة و ألمعية، و أقواهم يقظة حس و قوة إدراك الخ.

هيبته:

و في صفحة 85 قال:

أضفى اللّه على جعفر بن محمد الصادق جلالا و نورا من نوره، و ذلك لكثرة عبادته، و صمته عن لغو القول، و انصرافه عما يرغب فيه الناس، و جلده للحوادث، كل هذا جعل له مهابة في القلوب، فوق ما يجري في عروقه من دم طاهر نبيل، و ما يحمل من تاريخ مجيد لأسرته، و ما آتاه اللّه من سمت حسن، و منظر مهيب، و علو عن الصغائر، و اتجاه إلى المعالي، و حسبك ما ذكرنا من أن أبا حنيفة عند ما رآه في الحيرة و هو جالس مع المنصور الذي لا تغيب الشمس عن سلطانه، راعه منظر الصادق و اعتراه من الهيبة له، ما لم يعتره من الهيبة للمنصور صاحب الحول و الطول‏

72

و القوة، و لقد كانت هيبته تهدي الضال، و ترشد الحائر، و تقوّم المنحرف، و كان يلقى الرجل من دعاة رءوس الفرق المنحرفة، فإذا رأى ما عليه الإمام من مهابة و جلال و روعة تلعثم بين يديه و هو اللجوج في دعايته، ذو البيان القوي، فإذا جادله الإمام بعد أن أخذته مهابته لا يلبث أن يقول ما يقول الإمام، و يردد ما يرشده إليه.

قد التقى مرة بابن أبي العوجاء، و هو داعية من دعاة الزنادقة بالعراق، فلما رأى الصادق و استرعاه ما عليه من سمت، و أخذ الصادق يتكلم لم يحر جوابا حتى تعجب الصادق و الحاضرون فقال له: ما يمنعك من الكلام؟

و يقول الزنديق: ما ينطق لساني بين يديك، فإني شاهدت العلماء و ناظرت المتكلمين فما داخلتني هيبة قط مثلما داخلني من هيبتك.

و يختم الأستاذ هذا الفصل بقوله: تلك بعض سجايا الصادق، و إنه ببعض هذه الصفات يعلو الرجال على أجيالهم و يرتفعون إلى أعلى مراتب القيادة الفكرية فكيف و قد تحلى بهذه الصفات و بغيرها، و قد كان عطوفا ألوفا لين الجانب حلو العشرة، و كان زاهدا عابدا قنوتا شاكرا صابرا.

هذا ما أردنا ذكره- على انفراد- من انطباعات الأستاذ أبي زهرة عن شخصية الإمام الصادق (عليه السلام) في كتابه الذي خصصه لدراسة حياته (عليه السلام) و الذي نحن بصدد إبداء الملاحظات عليه، و سننتقل بالقراء إلى مجلس المناقشة معه، بعد أن نعقب على ما كتبناه هنا ببيان موجز كتمهيد للدخول في المناقشة مع الأستاذ.

استنتاج و تعقيب:

لعل ما قدمناه من البيان ينتهي بنا إلى نتيجة يحسن أن يقف عندها الباحثون عن تاريخ الشيعة، و ما اعتراه من ملابسات، و ما أحيط به من غموض. و كل ذلك يعود إلى الخصومة المتكونة بين الشيعة و بين الدولتين الأموية و العباسية. لأن أهل البيت (عليهم السلام) هم حملة لواء المعارضة في جميع الأدوار، و شيعتهم ينضمون إلى جانبهم مهما كلفهم الأمر، و هم أنصار تلك المعارضة، و حملة تلك الدعوة، و قد نكل بهم الأمويون أشد تنكيل و اضطهدوهم أعظم اضطهاد، و قد بلغ الأمر إلى حد مؤلم إذ أصبحت التسمية باسم علي توجب الاتهام بالتشيع، و أصبح اسم علي (عليه السلام) خطرا على من يذكره بخير حتى التجأ المحدثون إلى أن يكنوا عنه.

73

قال ابن عساكر (1): وفد زريق القرشي على عمر بن عبد العزيز فقال: يا أمير المؤمنين إني رجل من أهل المدينة و قد حفظت القرآن و الفرائض، و ليس لي ديوان.

فقال له عمر: من أي الناس أنت؟

قال زريق: أنا رجل من موالي بني هاشم.

فقال عمر: مولى من (أنت)؟

قال: رجل من المسلمين.

فقال عمر: أسألك من أنت و تكتمني؟

فقال زريق: أنا مولى علي بن أبي طالب و كان بنو أمية لا يذكر علي بين أيديهم فبكى عمر حتى وقعت دموعه على الأرض و قال: أنا مولى علي؛ حدثني سعيد بن المسيب عن سعد أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لعلي: أنت مني بمنزلة هارون من موسى.

و القارئ يدرك بهذه القصة مدى التكتم من ذكر اسم علي في العهد الأموي و لعلنا في غنى عن ذكر الشواهد لذلك، و بيان أعمال العنف التي ارتكبها الأمويون في معاملة شيعة علي و ما سجله التاريخ مما لا يمكن إنكاره، و إن كان هناك إنكار فهو مكابرة و مغالطة.

أما الدور العباسي فقد اشتدت به الخصومة، و تضاعفت المحنة، و أصبح الأمر أشد نكاية و أعظم وقعا: و قد أظهر العباسيون في بداية الأمر عطفهم على أبناء علي، و الطلب بثأرهم، و الانتقام من خصومهم، كسبا للظرف الراهن. و لكن سرعان ما تبدل الأمر فقد تنكر العباسيون للشيعة، لأنهم قد لمسوا عدم الارتياح منهم لدولتهم، و قد فتك السفاح بمن يتهمه بالميل لآل علي من القواد و الزعماء، مع تظاهره بالعطف على آل علي (عليه السلام).

و انقضت أيام السفاح، و جاء دور المنصور، و هو داهية العباسيين، و يعد في الواقع هو مؤسس الدولة، فكان يحسب لأهل البيت و أنصارهم ألف حساب، لأنه يخشاهم أكثر من غيرهم، فكان يراقبهم عن كثب، و يغري من يحصي عليهم المؤاخذات.

____________

(1) تاريخ ابن عساكر ج 5 ص 320.

74

و قد عامل العلويين بالشدة، و قابلهم بالنقمة، و عامل أنصارهم بأقسى أنواع الظلم و الإرهاب، و القتل و التشريد، بعد أن عجز عن جلبهم إليه و استخدامهم في دولته ليأمن جانبهم، و يمضي في حكمه بدون معارضة أو مؤاخذة.

و لكن الشيعة قد آثروا الانفصال عن الدولة، مهما نالهم من تعذيب و تنكيل، اتباعا لأوامر الإمام الصادق (عليه السلام) زعيم أهل البيت في عصره، عند ما أعلن غضبه على الدولة و أمر الناس بعدم الركون إلى حكامها.

و هكذا تمر الأدوار، و تعظم الأحداث، و يذهب ملك و يأتي آخر، و موقف الشيعة موقف ثبات و معارضة في جميع الميادين، و قد رسخت أقدامهم على ما اعتقدوه، و هان عليهم في سبيل ذلك ما يلاقونه، من ضروب المحن، و قدموا التضحيات المجيدة، حتى عرفوا في قاموس لغة السياسة (إنهم أمة هدامة أو حزب ثوري لا يعترفون بنظام الحكم القائم).

و ليس من الصحيح أن يؤخذ مفهوم الشيعة بأمثال هذه التعريفات، فالشيعة يعترفون بنظام الحكم الإسلامي الذي تتخذه الدولة شعارا لها، و لكن المعارضة من الشيعة إنما هي لنفس الحكام، إذ لم يسيروا على ما يوجبه ذلك النظام و قد لعبت بهم الأهواء و الشهوات، و حكموا بنظم مختلفة و آراء مضطربة، لا تتفق مع نظم الإسلام و تعاليمه، و ما يدعونه من المحافظة على ذلك فهو بعيد عن الواقع. و ثورة الشيعة و معارضتهم إنما هي من أجل تطبيق نظام الإسلام الذي رفضه حكام الجور، و أن أعمالهم التي سجلها التاريخ تعطي صورة عن تلك الأمور المتناقضة، و الإنكار على ذلك من أعظم الأخطار التي تهدد الدولة، فمن واجبها أن تقضي على المنكرين لتلك الأعمال.

و الشيعة- مما لا جدال فيه- هم حملة لواء المعارضة و باسمهم تقوم الثورات المتتالية على تلك الأعمال المخالفة للإسلام، و كان شعورهم بوجوب القضاء على ذلك النظام الفاسد يبدو مرة، و يكمن أخرى، و يظهر حينا و يختفي حينا آخر، و هكذا حتى أصبحوا قادة المعارضة (و أبدوا في ذلك ضروب البسالة فلم يثنهم إرهاب، و لم تلن لهم قناة، و لقد كانوا موضع إعجاب الناس و تقديرهم، و لذا فإن الخليفة الذي كان يشد قبضة الإرهاب على الشيعة كان يستفز بمسلكه جمهور المسلمين و يثير حفيظتهم) (1).

____________

(1) ثورة الزنج ص 36.

75

و على سبيل الإجمال فإن المصادر التي بين أيدينا تتضمن تلك الحوادث، و تعطي صورة عن تلك الخصومة و اتساع دائرتها، و هي أصدق تفسير لما كان يرمى به أتباع أهل البيت، من تهم و ما يسند إليهم من آراء و أقوال لا وجود لها. و إن استعمال تلك الأساليب الخداعة، في تضليل الناس عن واقع الأمر، كان أقوى سلاح تستعمله السلطة في محاربة الشيعة، فقد كان يسلم من نقمة المخدوعين (من يعرفونه دهريا، و سوفسطائيا، و لا يتعرضون لمن يدرس كتابا فلسفيا أو مانويا، و يقتلون من عرفوه شيعيا، و يسفكون دم اسم من سمى ابنه عليا) (1).

و نتيجة لتلك الخصومة فقد استطاعت السلطة بقوة الحكم و شدة الإرهاب، و أساليب الدعاية، أن يقرن اسم الشيعة بالكفر عند ما يطلق، أو بالضلال عند ما يعرّف، أو البغي عند ما يصدر علماء السوء فتوى في وجوب قتل الشيعة و إبادتهم. (2)

فيجب على المؤرخ أو الكاتب- إن كان هدفه الوصول إلى الحقيقة- أن يأخذ أثر تلك الخصومة التي نشبت بين الشيعة و بين ولاة الأمر على ممر الأيام، بعين الاعتبار، و يكون النظر إلى الحوادث بعين العقل من دون تقليد أو تعصب، إذ الاستسلام لكل قول، و الأخذ بكل رأي من دون تمحيص جناية على التاريخ.

و قد قلت سابقا: إن مهمة المؤرخ عن الشيعة، هي أعسر من مهمة من يؤرخ لغيرها من طوائف المسلمين؛ لوجود عواطف الاتهام، و زوابع الافتراء، طبقا لرغبات ولاة الأمر، مما أوجد غموضا في الموضوع، و تشويها للحقيقة، و قد اندفع أنصارهم لتأييد ما يقترحونه في اتهام الشيعة، و نشرها في المجتمع، حتى نالت تلك الأوهام على ممر الأيام صبغة الواقع، إذ لم تجد من يكشف عن واقعها بيد لم تلوث بأدران التعصب.

و المؤرخ أو الكاتب إذا كان مقلدا أو متعصبا لم يتسع أفق تفكيره، بل و يضيق مسلكه، فهو لا يؤدي حق التاريخ و أمانة الأجيال، لأن جموده على عبارات سلف نشئوا في عصور مظلمة بتيارات الخلافات المذهبية يجعله أسير آراء شاذة، و ليس‏

____________

(1) المصدر السابق ص 35.

(2) رسائل ابن عابدين ج 1 ص 368- 369 تجد نص فتوى أبي السعود في وجوب قتل الشيعة و جهادهم و مستنده أنهم بغاة على السلطان.

76

لعقله و حرية تفكيره دخل في دراسته، و لئن بقي الأمر على ما هو عليه، فستبقى القافلة تتعثر في الظلام، كما تبقى براكين العداء تغلي، و يخشى انفجارها بين آونة و أخرى، و في كل فترة يبرز كاتب مأجور، يحمل بيده مقدحة الفتنة، ليوقد نارها فنسطلي بلهيبها، و أعداؤنا يعملون عملهم الجدي، فيما يعود عليهم بالنفع و التقدم، و لا نكسب من ذلك إلا الخسران و التأخر.

و نحن الآن، و بعد أن لمسنا أضرار ذلك التفكك و الانقسام، نأمل كما يأمل كثير من الناس؛ أن تطرح المغالطات جانبا، و أن يتركز البحث على إظهار الحقيقة، ليرفع الستار و تزول الأشباح المخيفة الجاثمة من ورائه، و هناك يكون التفاهم، و يحصل التقارب الواقعي، و يخسر هنالك المبطلون الذين يعظم عليهم تقارب المسلمين، لأنهم يعيشون في الماء القذر، و لا يهمهم إلا الهوس و التهريج، و إثارة الفتنة، خدمة لأسيادهم و طمعا في الحطام الزائل.

تلك عصور مضت و أيام خلت، و ذهبت بما فيها من آلام و محن، أيام كان المسلمون يتخاصمون و يتنازعون، و يكفر بعضهم بعضا. و قد واجهت الأمة الإسلامية أعظم الأخطار، و هي تحيا حياة التفكك و الانقسام.

و الآن و قد ولت تلك الأدوار بما فيها من محن و كوارث، يلزم أن نلقي ستارا على آثار تلك الخصومات، و أن نحلل الأمور تحليلا يوصلنا إلى الحق الذي يجب أن نتبعه، و أن نوجه الأضواء الكاشفة عن حقيقة ما كتب في تلك العصور المظلمة، حول العقائد و الآراء، و لكثير من طوائف المسلمين و بالأخص الشيعة، لتظهر لنا الحقيقة كاملة و نسير على ضوء العلم و الواقع.

و نحن بهذا الوقت الحاضر لا يسعنا إلا الاعتراف بوجود وعي عام يرجى من ورائه إزالة الحواجز، التي حالت بين المسلمين و بين تقاربهم، و الدعوة إلى التآلف و التقارب لتشق طريقها بنجاح بين المسلمين جميعا.

و قد عظم ذلك على كثيرين من ضعفاء النفوس، و ذوي الأقلام المسمومة، الذين لا يروق لهم اتحاد المسلمين و تقاربهم فراحوا يثيرون الفتن و قلوبهم توقد بنار الغيظ (قل موتوا بغيظكم) فالأمة الإسلامية قد اصطدمت بواقعها، و الشعور بوجوب بناء العلاقات الإسلامية على ما أمر اللّه به و رسوله قد انتشر، و لا يمكن مقاومة هذا

77

الوعي بما تبثونه من غدر و خيانة في نشر الخلاف و بذر الحقد بين صفوف المسلمين.

و إلى اللّه نبتهل بأن يجمع كلمة الأمة الإسلامية و يحقق آمال دعاة الإصلاح في لمّ الشعث و جمع الشمل، بعد أن لعبت بهم الأهواء و فرقتهم الخصومة.

و على هذا الأمل المنشود، و الأمنية التي هي غاية كل مؤمن، نساير الأستاذ الشيخ محمد أبو زهرة في مناقشاتنا له، ببعض ما ورد في مؤلفه (الإمام الصادق) فعلى بساط الواقع، يعقد مجلسنا، و على ضوء العلم نسجل مؤاخذتنا، و خدمة الأمة هدفنا، و رضا اللّه قصدنا و هو حسبنا و نعم الوكيل.

78

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

79

لقاء مع الأستاذ (أبو زهرة) في كتابه الإمام الصادق‏

القسم الأول‏

80

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

81

تمهيد:

هنا نلتقي مع الأستاذ أبي زهرة في مناقشات علمية، و إبداء ملاحظات حول بعض ما جاء في كتابه الإمام الصادق.

و الأستاذ أبو زهرة من الشخصيات العلمية في مصر، و يتمتع بشهرة واسعة في مجتمعه و غيره، و قد درس الفقه الإسلامي و درّسه، و له اختصاص بتاريخ التشريع الإسلامي و مذاهبه، و ألف في حياة أئمة المذاهب، كأبي حنيفة و مالك و أحمد و الشافعي، كتبا بسط فيها للباحثين طرق التعرف عليهم، و الوقوف على ما يتمتعون به من شهرة، و ما لهم من منزلة، و هي أوضح بكثير من تلك الطرق التي رسمها المؤلفون في مناقبهم و تاريخ حياتهم من بعض أتباعهم، و التي تجعل الوصول إلى التعرف عليهم و أخذ صورة عنهم من الصعوبة بمكان لما أودعوا في بطون تلك الكتب من زوائد بل خرافات لا يقرها العقل.

فكانوا يتعصبون لهم، و لهذا شذوا عن الهدف، و أخطئوا في الدلالة؛ لأن التعصب أفقدهم مقياس التعريف، و هم، كما يصفهم أبو زهرة بقوله:

و كتب المناقب كتبت بعقلية متعصبة شديدة التعصب، تبالغ فيمن ترفعه إلى درجة لا يستسيغها العقل، و يمجها كما يمج الفم ما لا يتفق مع الذوق السليم، و تبالغ في الحط من شأن غيره‏ (1).

____________

(1) الإمام مالك، لأبي زهرة ص 15.

82

و هذا التعصب يجعل الدارس لحياتهم يتحمل عناء في البحث، و جهدا في التنقيب، لطول المسافة و بعد الهدف، و لكن مؤلفات (أبو زهرة) تبدو أنها أقرب الطرق و أوصلها للغاية بالنسبة لتلك المؤلفات، فهو يعالج كثيرا من الأمور و يوجهها حسب ما يراه، و ما يصل إليه تفكيره فيجعل من الشك يقينا و من اليقين شكا، مع تساهله في النقل و تسامحه عما يرد في كثير من المواضيع التي تحتاج إلى بسط و بيان.

التقيت بالشيخ أبو زهرة في كتبه عن حياة أبي حنيفة، و الشافعي، و مالك، و أحمد، فوجدته كاتبا غير متعصب على أحد منهم، و هو إلى الإعجاب و التقدير لهم جميعا أقرب، فلا يميل مع أحد، و لا يتحامل على آخر، فهو كاتب للجميع لا لمذهب دون آخر، و قد أعرض عن كثير من الزوائد التي ذكرها اتباع أئمة المذاهب الذين خرجوا بها عن حدود الاتزان في الاندفاع وراء أوهام التعصب، و خداع العاطفة، و تضليل التعصب.

و الآن التقي به في كتابه عن حياة الإمام الصادق (عليه السلام) و هو آخر ما كتبه في الدراسات عن الشخصيات التي عني بدراسة حياتهم، و الكتابة عنهم، و هم: أبو حنيفة، و الشافعي، و مالك، و أحمد، و ابن تيمية، و ابن حزم و زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام).

و كان هذا التأخير مبعث استغراب، إذ الواجب يقضي عليه تقديم الكتابة عن الإمام الصادق قبل غيره من رؤساء المذاهب الإسلامية و غيرهم، فهو مقدم عليهم بالرتبة الزمنية، و الرتبة العلمية، إذ هو المعلم الأول لهم و أستاذهم، فأبو حنيفة و مالك و غيرهم ممن أصبحوا رؤساء مدارس و أئمة حديث قد أخذوا عنه، فليس هو دونهم بل له فضل السبق، و لا يمكن أن يؤخر عن نقص و لا يقدم عليه غيره من فضل. كما يقول المؤلف نفسه‏ (1).

فالتأخير يبعث على الاستغراب من كاتب للتشريع الإسلامي، و تاريخ تطوره، و نشأة مذاهبه، لأنه كاتب للجميع و يصف نفسه بالإنصاف و عدم التحيز، و لكنه اعتذر عن الكتابة في حياة الإمام الصادق بقلة المصادر (2).

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 3.

(2) الإمام زيد ص 4.

83

و هو اعتذار ربما يكون وجيها في ظاهره، لأن قلة المصادر تجعل الكاتب في أفق ضيق لا يستطيع أن يستمد معلوماته الكافية للدراسة.

كما أن الشيخ أبو زهرة على علمه و مكانته لا نظنه قادرا على تجاوز ما جرى عليه الناس من تقليد المذاهب الأربعة و العمل بها كأن ليس في تاريخ الإسلام و ميدان الفقه هذه الحركة التي تزين التاريخ الإسلامي و توشحه و التي اتسمت بالاختصاص بأهل البيت النبوي الكريم، و كان الإمام الصادق في معترك عصره و دوامة زمنه سيد الفقهاء الآخرين.

و لا يفوتني أن أشير إلى أن الأستاذ قد كتب عن الإمام الصادق في كتابه محاضرات في الميراث عند الجعفرية المطبوع سنة 1955 بترجمة موجزة (1).

و كتاب المحاضرات لا يخلو من مؤاخذات لما وقع فيه من أخطاء لا يمكن السكوت عليها، و قد أشرت إليها في الهامش و تركت ذلك للمباحث الفقهية.

كما أنه تحدث عن حياة الإمام الصادق في كتاب الشعب‏ (2) الصادر في سنة 1959 و لم يتجاوز في حديثه ما ذكره في محاضراته إلا القليل، و لم يأت بشي‏ء يستحق أن يسمى دراسة عن شخصية الإمام، و كنا ننتظر منه أن يتحفنا بدراسة وافية عن الإمام الصادق.

وصلني كتاب (الإمام الصادق حياته و عصره آراؤه و فقهه) للشيخ (أبو زهرة) فأقبلت على دراسته، و تفرغت لمراجعته، و بعد أن قرأت الكتاب بأكمله قراءة إمعان و تدبر، إذ القراءة السريعة أو النظرة الخاطفة تبعد بالقارئ عن كثير من آراء المؤلفين و أغراضهم، و ربما يخطئ القارئ بهذا الشكل في إعطاء رأيه حول الكتاب.

وجدت أن المؤلف قد جعل من نفسه في هذا الكتاب حاكم عدل يدرس المقدمات، و يقارن و يوازن، و يستنطق الحوادث، ثم يصدر حكمه. كما أشار إلى ذلك بقوله:

و إنا على قدر جهودنا نحاول أن نصل إلى ما تطمئن إليه نفوسنا، و نرجو ألا يضيق صدر أحد حرجا بما ننتهي إليه من نتائج على أساس نظرنا، فإنا ندرس‏

____________

(1) المحاضرات ص 28- 38.

(2) كتاب الشعب ص 469- 489.

84

المقدمات كما يدرس القاضي البينات يستنطقها و لا يوجهها، و يأخذ عنها، و لا يتزيد عليها، حتى إذا انتهى إلى الحكم نطق به، و نقول إننا بشر نخطئ و نصيب‏ (1).

فالمؤلف في هذا الكتاب يقضي بالعدل لا يميل مع أحد إلا أن يكون الحق معه، فهو كما يقول يدرس القضايا و المقدمات، و ينطق بالحكم، و لا بد أن يكون حكمه عادلا، و سنرى من سير هذه الملاحظات ما يؤول إليه الأمر و يكشف الواقع، فإن كانت أحكامه عادلة شكرناه و إن كان قد أخطأ فنحن نبين ذلك، و الرجوع عن الخطأ فضيلة يحمد عليها المرء، و نحن مع الحق أين ما يكون، و لا مغضبة في الحق و من يغضب منه فلا كرامة له و لا اعتناء به.

و قد قلت أنا لا نعير اهتمامنا إلا لرجال العلم و ذوي الفهم، و كم قد وقفنا على عشرات من الكتب التي حررتها أقلام مأجورة، لمن لا يعرفون من الحق موضع أقدامهم، فتهجموا على اتباع أهل البيت، و كتبوا بدون حكمة و اتزان، و أبرزوا الأمور في غير قالبها، أولئك قوم قد ضرب الهوى على عقولهم، فجاءوا بآراء غير سديدة، ذهابا مع أهواء النفس، و خضوعا لسلطان الطائفية الجائر، فترفعنا عن مناقشتهم لا عجزا عن ذلك و إنما إهمالا لشأنهم.

لأننا لا نعبأ بمن يسير على غير هدى، و لا يرضخ للواقع و يهرب منه عند ما يصطدم به، و إظهار الحقيقة يشق عليه، لأن القضية قضية هوس و تهريج و هدف معين لا قضية مناقشات علمية و مبادلة آراء و معالجة للمشاكل.

و على كل حال: فإن تقديري لشخصية الشيخ أبو زهرة و ما عهدته فيه من عدم التعصب لمذهب دون آخر، جعلني أستغرب منه ما خالف فيه الواقع و حكم عليه بدون بينة، فكتابه الإمام الصادق الذي نحن بصدده الآن هو أهم من غيره لعدة أمور لا تخفى على القارئ النبيه، لذلك أعرناه مزيدا من الاهتمام في الدراسة، و قد قرأته بدقة فظهرت لي أشياء كثيرة تسترعي الانتباه، و تستوجب المؤاخذة عليها و إبداء الملاحظات حولها، فسجلت عليه مؤاخذات لا تتعدى حدود النقد النزيه المتركز على الموازين الصحيحة.

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 184- 185.

85

و قد اقتصرت في مناقشاتي له على بعض دون بعض، متحريا الأهم فالأهم، أو ما يتناسب و موضوعنا، و تركي للبعض دون مناقشة لا يعد إقرارا له، أو اقتناعا بصحته، و لكن تركت الاستقصاء للأساتذة الذين هم أكثر تخصصا بالبحث، و أوسع فراغا للرد.

و الذي تجدر الإشارة إليه هو أني ربما أتناول بعض المواضيع بالاختصار و البعض الآخر بالزيادة في البيان، فإن ذلك يعود لمقتضى الموضوع، و اتساع الوقت، و لم يكن قصدي من إبداء هذه الملاحظات إلا خدمة الحقيقة و إظهارها. إذ المؤلف- كما يعبر عن نفسه- قد نصب نفسه قاضيا، يستنطق الحوادث، و يدرس القضايا كما يدرسها القاضي ثم يصدر حكمه بعد ذلك.

و لا بد أن يكون حكمه عادلا، إن سلم من نقاط الضعف، و كانت دراسته دراسة المتثبت الذي يعالج القضايا معالجة المتمكن من فهم الأشياء، و استجواب البينات بالطرق العادلة، ثم يصدر حكمه و يعطي رأيه الخاص، و على هذا نساير الأستاذ و نطالبه بالعدل و الإنصاف.

كتاب الإمام الصادق لأبي زهرة:

يشتمل الكتاب على خمسمائة و ثلاث و خمسين صفحة و هو حجم لا بأس به.

و أول ما يطالعك من الكتاب شكله و حجمه، و قد طبع على ورق أبيض و عنوانه (الإمام الصادق حياته و عصره، آراؤه و فقهه) و نحن لا نعتبر الظواهر و الأشكال، فربما كبرت الأجسام عن ورم، و حسنت الصور عن تدليس. و الذي يهمنا محتوى الكتاب، و مواده لأهمية البحث في دراسة حياة الإمام الصادق و ما يحيط بها من مشاكل، و ما يكتنف عصره من أحداث و ملابسات، و إعطاء الرأي الذي يقتنع به نتيجة لدراسته، و تشبع روحه بالموضوع و قد قسم الكتاب إلى قسمين:

القسم الأول: فيما يتعلق بحياة الإمام الصادق (عليه السلام) و عصره ما بين سنة 83 ه و هي سنة ولادته (عليه السلام) و بين سنة 148 ه و هي سنة وفاته.

و القسم الثاني: يبدأ من ص 183 و ينتهي إلى آخر الكتاب و هو يتعلق بآراء الإمام الصادق و فقهه.

و قد تعرض في القسم الأول إلى ذكر الفرق و أقسامها، بموجز من البيان عن‏

86

عقائدها كما هو دأبه في كل كتاب كتبه عن رؤساء المذاهب و غيرهم، يكرر ذلك لأن لها علاقة بما يكتبه.

و نحن هنا نساير الأستاذ فيما كتبه عن الإمام الصادق و منطقنا الصدق و هدفنا جمع الكلمة، و رضا اللّه قصدنا.

و نحن كما يقول الأستاذ و اشتراطه على نفسه: نقوم بحق العلم فإن الدارس للتراث الإسلامي عليه أن يقصد إليه في كل نواحيه، و في شتى مذاهبه، لا يحول بينه و بين طلب الحق عصبية و لا مذهبية، و التحيز لطائفة دون طائفة و هذا نهجنا و على هذا نسير.

من هنا نبدأ:

يفتتح الأستاذ بحثه- بعد البسملة- بالحمد للّه على نعمه، و الصلاة على محمد و على آله و عترته و صحابته ...

ثم يقدم اعتذاره عن تأخير الكتابة عن الإمام الصادق (عليه السلام) لأن الأجدر به أن يقدم، إذ الإمام الصادق (عليه السلام) أعظم شخصية إسلامية كما يوجب العلم ذلك، و من قصر النظر و ظلم الحقيقة، أن تدرس حياته كرئيس مذهب، و إمام طائفة فحسب، بل الواقع يلزمنا أن ندرسه إماما للجميع، و موجها للأمة الإسلامية، و عميدا لأعظم مدرسة فكرية في الإسلام، فهو مقدم على الجميع بكل ما يقتضي التقديم، و لهذا فالأستاذ يتقدم بعذره عن تأخيره الكتابة عنه، فلنصغ لحديثه و نستمع لاعتذاره إذ يقول: أما بعد فإننا قد اعتزمنا بعون اللّه و توفيقه أن نكتب في الإمام الصادق، و قد كتبنا عن سبعة من الأئمة الكرام‏ (1) و ما أخرنا الكتابة عنه (أي الإمام الصادق) لأنه دون أحدهم، بل إن له فضل السبق على أكثرهم، و له على الأكابر منهم فضل خاص، فقد كان أبو حنيفة يروي عنه و يراه أعلم الناس باختلاف الناس، و أوسع الفقهاء إحاطة، و كان الإمام مالك يختلف إليه دارسا راويا، و من كان له فضل الأستاذية على أبي حنيفة و مالك فحسبه ذلك فضلا، و لا يمكن أن يؤخر عن نقص، و لا يقدم غيره عليه عن فضل، و هو فوق هذا حفيد زين العابدين، الذي كان سيد أهل المدينة في عصره؛

____________

(1) و هم أبو حنيفة، و مالك، و الشافعي، و ابن حنبل و ابن تيمية و ابن حزم و زيد بن علي و كلها مطبوعة منتشرة.

87

فضلا و شرفا و دينا و علما، و قد تتلمذ له ابن شهاب الزهري و كثيرون من التابعين، و هو ابن محمد الباقر الذي بقر العلم و وصل إلى لبابه، فهو ممن جمع اللّه تعالى له الشرف الذاتي، و الشرف الإضافي، بكريم النسب، و القرابة الهاشمية، و العزة المحمدية.

و لكنا تأخرنا في الكتابة عنه تهيبا لمقامه، و لأن طائفة من الناس قد غالوا في تقديره، و منهم من انحرفوا فادعوا له الألوهية، و كثيرون ادعوا أنه في مرتبة قريبة من مرتبة النبوة، و العلماء الذين عاصروه و الذين جاءوا من بعدهم، وصفوه بأنه في الذروة في العلماء، و اعترفوا له بالإمامة في فقه الدين، و لم يتجاوزوا مرتبة العالم الإمام، و المجتهد المتبع الذي يؤخذ عنه، و أخذ عنه الأئمة الأعلام، و أضاف بذلك إلى شرف النسب و طهارة العرق فضل العلم و الإمامة فيه، فاجتمع له الفضلان‏ (1).

المناقشة:

يباغتنا المؤلف بهذه الصدمة العنيفة، و نحن في نقطة البداية من البحث بقوله:

(و لأن طائفة من الناس غالوا في تقديره، و منهم من انحرفوا، فادعوا له الألوهية، و كثيرون ادعوا أنه في مرتبة قريبة من مرتبة النبوة) (2).

و لم يكن ينتظر و لا يرتجى من المؤلف هذه المباغتة المؤلمة في أول اللقاء. هي كلمة قالها و سجلها في كتابه، و هي في نظرنا لها أثرها و مغزاها، فهي تحمل في طيّاتها التشكيك بما يوصف به الإمام الصادق من علو مرتبة، و عظيم المنزلة.

و هو بهذا القول يجعل الإمام الصادق شخصية أحيطت بأوهام و تعصب، و النظر إليه لا يعدو هذه الأمور الثلاثة: الغلو، ادعاء الألوهية، ادعاء مرتبة قريبة من مرتبة النبوة، أجل فأين الواقع و أين المعتدلون؟.

الغلو يدعو إلى التعصب، و التعصب يدعو إلى إطفاء شعلة العقل و تعطيل التفكير، أما ادعاء النبوة للشخص أو ادعاء الألوهية، فنترك تقديره للمؤلف نفسه، فإنه اعتمد على مصادر لا يصح لمثله أن يعتمد عليها، لأنها غير صالحة للاستدلال.

____________

(1) الإمام الصادق ص 2- 4.

(2) الإمام الصادق ص 2.

88

و نعود فنسائل المؤلف، و أملنا أن يتسع صدره و لا يضيق حرجا: من هم المغالون في تقدير الإمام؟ و ما هي هذه المغالاة و ما الدليل عليها؟ و من هم الذين ألّهوا الإمام الصادق؟ أو ادعوا له مرتبة فوق مرتبة النبوة؟

و لعل المؤلف يريد أن يرجع عجلة التاريخ فيعيدنا إلى القرن الثاني الهجري و يقول: كان أبو الخطاب يؤلّه الإمام الصادق، و هذا من أغرب الأمور و أبعدها عن الواقع، إذ يتوقف عن الكتابة لوجود رأي طائفة نقل عنهم هذا، و قد قبرت آراؤهم في مهدها، و الكل يعترف بذلك.

ثم ما هي الفائدة التي نحصل عليها في عصرنا الحاضر من آراء بالية، نشأت لأغراض وقتية، و لحساب من يكون هذا.

إن تلك الآراء أوجدتها خصومة مذهبية، و قد مضى المتخاصمون، و نحن أبناء عصرنا الحاضر.

أ لست القائل يا أستاذ في غير هذا الكتاب حول تاريخ فقه الشيعة: (لقد مضى الذين تخاصموا في الدين و حسابهم عند رب العالمين و كل امرئ بما كسب رهين، و لكن علينا نحن الذين لم نشاهد تلك الخصومة و لم نعانها أن ننتفع بما خلفته من أفكار، لأنها ثروة فكرية، يجب الانتفاع بها، و ليس علينا شي‏ء مما كان بين المتخاصمين «تلك أمة قد خلت لها ما كسبت و عليها ما اكتسبت» (1) أم أنه يريد منا أن نتحول من الحقائق العلمية إلى الأمور الوهمية، و الأساطير الخيالية، فنبرزها كأنها أمور ملموسة مثل أسطورة السبئية، و مع ذلك فهو يعترف بأنها انقرضت و لا بقاء لها (2).

و كذلك يعترف المؤلف بأنه لا يوجد اليوم من الشيعة من يؤلّه الأئمة (3). و متى ألّه الشيعة أئمتهم؟!! و لا يمكن أن يصدر هذا القول إلا ممن يجهل معاناة الأئمة من أقوال الغلاة و فضح الإمام الصادق ادعاءاتهم و عقائدهم و تبرؤه منهم، و إجماع الشيعة على الطعن بتلك العقائد، و إنما كان الغلو ستارا لأعداء الإسلام و أهل‏

____________

(1) المحاضرات ص 8.

(2) ابن حزم لأبي زهرة ص 119.

(3) المذاهب الإسلامية لأبي زهرة ص 66.

89

البيت (عليهم السلام)، و كيف تبقى صلة بمثل هذه الفرق الضالة بعد حملة الأئمة من أهل البيت ضدهم؟ و حسب هؤلاء فضيحة و بعدا عن الإسلام قول الإمام الصادق «أدنى ما يخرج الرجل به من الإيمان أن يجلس إلى غال فيستمع حديثه».

و على كل حال: فما هي الثمرة من هذه الكلمة، و ما هذا الاعتذار؟ إن من واجبنا أن نشتد هنا على المؤلف، و لا معنى للتساهل مع من يتهم البري‏ء ركونا للظنون و الأوهام، و هو مع ذلك يجعل من نفسه حاكم عدل و من واجبه أن يكون مع المتهم حتى تظهر إدانته. نعم من حقنا أن نشتد في المناقشة و لكننا نبتعد عنها، لأن الأمر الذي توخيناه في نقاشنا أن تكون الحجة هي الفاصل، و العقل هو الحكم، و الخلق الأدبي هو الذي يسود النقاش.

أما ادعاء الرتبة التي هي قريبة من مرتبة النبوة فلا أدري ما ذا يقصد بهذا القول؟؟

لأنه لم يوضح ما قال، و ترك هذا بدون بيان يوجب تهويل الأمر و إثارة الشكوك.

و لئن سكت عن هذه النقطة هنا فقد أوضحها في غير هذا الكتاب و كان ذكرها هنا أولى و أجدر به.

يقول في محاضراته الميراث عند الشيعة: إنهم يرون (أي الشيعة) أن الأحاديث المروية عن هؤلاء الأئمة من السنة، إذ هم الذين حملوا إلى الناس علم النبي فما عندهم من علم فهو من علم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) متبع، فعلمهم متبع أيضا.

و هكذا نرى هذه الفرقة ترفع الأئمة إلى هذه المرتبة التي لا تعلو عليها إلا مرتبة النبوة، فهم يعطون الإمام ما يعطونه للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يعصمونه عن الكبائر و الصغائر، و عن الخطأ و النسيان و الغفلة، و لا يعلو عليه النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلا بأنه يوحى إليه، و أنه النبي المبعوث، و أن كل علم لهم مشتق من علمه الشريف‏ (1).

هذا ما يقوله حول ادعاء المرتبة المقاربة من مرتبة النبوة، و لا أدري ما هو مورد الاستنكار من ذلك، و ما معنى الإمامة إن لم تكن كذلك، فالإمام هو ممثل النبي، و المبلغ عنه أحكام اللّه سبحانه و تعالى، و هو أعلم الأمة و أورعهم، و أزهدهم و أتقاهم، و هو متصف بجميع صفات الكمال، و منزه عن شوائب الأعمال، و معصوم‏

____________

(1) المحاضرات ص 23- 34.

90

من الزلل إلى آخر صفاته، و إذا لم يكن الإمام كذلك- كما نعتقد- فما الفرق بينه و بين غيره، و ما هو اختصاصه في تحمل عب‏ء تبليغ الأحكام و رعاية الأمة.

و أعود فأقول إن الأسباب التي ذكرها في اعتذاره عن تأخير الكتابة عن الإمام الصادق هي أسباب واهية، لا تصلح أن تكون في نظر الاعتبار مانعة، و لئن كان الغلو و ادعاء الألوهية و ادعاء الرتبة المقاربة لرتبة النبوة مانعة، فإن التأخير عن الكتابة في أبي حنيفة أولى لأن أخباره قد رفعته إلى أسمى درجة من الكمال، و هي قريبة من مرتبة النبوة، بل فوقها، و المؤلف مع ذلك يقول: إن اتباع مذهبه غالوا في الثناء عليه حتى تجاوزوا فيه رتبة الفقيه المجتهد (1).

و هذه الكلمة لا تثير التشكيك، و لا تبعث على الدهشة، مع أنا وجدناهم يرفعون مقام أبي حنيفة إلى درجة لا يقاربها أحد، فهو بصورة الإنسان و سيرة الملك، كما يقول الأستاذ السيد عفيفي المحامي‏ (2).

و إنه وضع ستين ألف مسألة في الإسلام، ثمانية و ثلاثين ألفا في العبادات، و الباقي في المعاملات، و لولاها لبقي الناس في الضلالة (3).

و إنه سراج الأمة. و معنى ذلك أنه دليل الهداية فاتباعه نجاة، و مفارقته وقوع في ظلمات الضلالة، إلى كثير من أقوال الغلو التي يقصد بها تقويم شخصيته، و إعلاء مكانته، و هذا كله هين بالنسبة إلى ادعاء مرتبة تعلو على مرتبة الصحابة، بل مرتبة النبوة، و إنه كلقمان الحكيم في عصره.

كما قالوا بأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أسف أن لا يكون في أمته مثل لقمان في حكمته، فأخبره جبرئيل إن كان في أمة داود مثل لقمان يتكلم بعدد كل حبة من الصبرة حكما، فنحن نجعل في أمتك نعمان يتكلم بعدد كل حبة من الصبرة مسائل و أجوبة ...

الخ‏ (4).

أي أن أبا حنيفة يصبح ملهما من اللّه في علمه، يتكلم بما لم يتكلم به غيره،

____________

(1) مقدمة كتاب (أبو حنيفة) لأبي زهرة.

(2) مقدمة كتاب (أبو حنيفة) للسيد عفيفي.

(3) مفتاح السعادة ج 1 ص 71.

(4) المناقب للمكي ج 1 ص 12.

91

و هو بهذا يرتفع إلى درجة النبوة، و أعلى من درجة الصحابة، إذ لم يكن فيهم مثل لقمان فأسف النبي لذلك، فكان أبو حنيفة سلوته.

و أعظم من هذا أنهم ادعوا له منزلة من العلم فوق منزلة الأنبياء، فإنهم قالوا:

إن أبا حنيفة كان يعلم الخضر (عليه السلام) في حياته و لما مات أسف الخضر (عليه السلام) و ناجى ربه و قال: إلهي إن كان لي عندك منزلة فأذن لأبي حنيفة حتى يعلمني من القبر على حسب عادته حتى أتعلم شرع محمد على الكمال، فأحياه اللّه و تعلم منه العلم إلى خمس و عشرين سنة إلى آخره‏ (1).

و قالوا: إن النبي افتخر بأبي حنيفة. و تقوّلوا عليه: بأنه يقول: إن آدم افتخر بي، و أنا أفتخر برجل من أمتي اسمه النعمان بن ثابت.

و بصورة أخرى: الأنبياء يفتخرون بي و أنا أفتخر بأبي حنيفة، و من أحبه فقد أحبني و من أبغضه فقد أبغضني‏ (2).

و يطول بنا المدى إن أردنا أن نقدم للقراء نماذج من الغلو في وضع أحاديث، و خلق حكايات، و تلفيق أقوال تستوجب تأخير الكتابة عن أبي حنيفة، و استخراج صورة صحيحة له من التاريخ و المناقب ليس الطريق لها معبدا، كما اعترف المؤلف نفسه.

و كذلك القول في استخراج صورة صحيحة لغيره من رؤساء المذاهب، فالجميع قد أحيطوا بهالة من الغلو و التقدير.

فمالك قد هجر أتباعه الأخذ بكتاب اللّه و سنة رسوله، و أخذوا بقوله فكان يقال لهم: قال رسول اللّه فيقولون قال مالك. إلى غير ذلك.

و الشافعي قد حصروا العلم به و أوجبوا اتباعه و التقيد بمذهبه، و أنه عالم قريش و أنه و أنه ...

و أحمد ادعي له أنه قام في الأمة مقام النبوة و أن اللّه أعز هذا الدين به و بأبي بكر

____________

(1) الياقوتة لابن الجوزي ص 48 و كتاب إشراط الساعة ص 120.

(2) الدر المختار في شرح تنوير الأبصار ج 1 ص 52، 54.

92

فقط و ليس في الإسلام مثل أحمد بن حنبل‏ (1) و أن حبه علامة السنة و بغضه علامة البدعة، و أن الصلاة عليه أفضل من الجهاد في سبيل اللّه‏ (2) و أن من أبغضه كافر و لو لا أحمد لذهب الإسلام‏ (3) و أن من لم يرض بإمامته فهو مبتدع‏ (4). إلى آخر ما هنالك من أقوال، و بهذا العرض السريع أمام القراء أترك لهم الحكم و إذا ما كان الغلو يدعو إلى تأخير الكتابة عن الشخص، فلما ذا لا يدعو ذلك إلى تأخير من هو محاط بهالة من الغلو أكثر من غيره؟ و بهذا يظهر من الأستاذ أبو زهرة أن هؤلاء الذين كتب عنهم هم أقل غلوا، و الطريق إلى معرفتهم أسهل بكثير من طريق معرفة شخصية الإمام الصادق (عليه السلام).

هذا ما ينم عنه قوله، و ما يعبر عنه تعبيره، و لكننا لا نترك هذا الموضوع إلا بأن نستفهم من الأستاذ عن معالجته لموضوع الغلو و لم لم يتعرض له؟

و أما التأليه للأئمة- و العياذ باللّه- فلم يذكر عنه شيئا- لأنه لم يكن هناك من شي‏ء سوى أبواق دعاية التضليل، و خرافات و أقوال واهية لا تصلح أن تكون محل اعتبار.

أما غلو أصحاب المذاهب فقد وجهه المؤلف و عزاه إلى التعصب. و استخرج ما شاء و ترك ما شاء، و دافع أكثر من غيره، و له رأيه، و لا نتشدد في المؤاخذة عليه فنحن نخالفه في الرأي، و سنعطي رأينا حول أسباب تأخيره الكتابة كما نراه.

تمهيد الأستاذ أبي زهرة:

مهد الأستاذ لدراسته عن الإمام بتمهيد لطيف بعد ذكره لكلمة الإمام الصادق (عليه السلام): (إياكم و الخصومة فإنها تحدث الشك و تورث النفاق) و ذلك التمهيد يتضمن سوء عاقبة الخصومة في الدين، لأنها تحدث تشكيكا في الحقائق، و حيث كان التشكيك كان الاضطراب النفسي، و إن طلب الحق يجب أن يكون لذات الحق، فلا يستقيم الفكر إلا إذا أخلص القلب، و لا يخلص القلب إلا إذا اتجهت النفس بكليتها

____________

(1) تهذيب تاريخ ابن عساكر ج 2 ص 32.

(2) نفس المصدر ص 34.

(3) طبقات الحنابلة ج 1 ص 13.

(4) نفس المصدر ص 15.

93

نحو الحقيقة، و لذلك يضيع الحق دائما وسط ما تثيره الخصومات من لجاجة، و ما يجتهد كل خصم من أن يدحض حجة صاحبه، غير ملتفت لما يكون في قوله، أو ادعائه من صواب.

و إن الخصومة حول الحقائق، و خصوصا الدينية هي آفة الأمم في قديمها و حديثها، و إن كلمة الإمام الهاشمي العلوي الفاطمي (جعفر الصادق) كلمة مصورة تمام التصوير لتلك الحقائق، و كأنها نور يشق حجب الغيب، و يصور ما وقع؛ و يهدي إلى التي هي أقوم.

ثم يذكر الفرق بين الخصومة في الدين، و اختلاف الفقهاء حول استنباط الأحكام التي ليس فيها نص قطعي الدلالة و الثبوت.

و يستمر في البيان فيقول: و إننا وجدنا بعد أن ذهبت الخصومة التي صحبت فتنا كانت تموج كموج البحر، و قد ظهرت كقطع الليل المظلم، أن الفرق التي حملت هذه الخصومات حملت مع الافتراق علما فيه بيان وجهات النظر المختلفة، ففي كل فرقة من الفرق ميراث لعلم غزير يجب أن يدرس، و يمكن أن نستخلص منه حقائق تفيد الإسلام، و قد تتخذ سلاحا للدفاع عنه كتلك الفلسفة التي تركها المعتزلة في تنزيه اللّه تعالى.

و إن في الآراء الفقهية التي وصلت إليها بعض الفرق الإسلامية، كالزيدية و الإمامية ما يصح الأخذ به، و يكون علاجا لبعض أدوائنا الاجتماعية، و هو في ذاته لا يخالف كتابا و لا سنة، بل استنباط حسن على ضوئهما، و قد أخذت قوانين مصر بالفعل من آراء الإمامية، وقوع الطلاق الثلاث بلفظ الثلاث طلقة واحدة، نعم صرحت المذكرة التفسيرية أنها أخذته من ابن تيمية، و لكن ابن تيمية صرح بأنه أخذها من أقوال الأئمة من آل البيت، و أخذ قانون الوصية رقم 71 سنة 1946 بإجازة الوصية لوارث، و هو رأي عند الإمامية، و إن كان المأثور عن الإمام جعفر خلافه.

الملاحظة:

نتفق مع الأستاذ في كثير من أقواله، و هو بحديثه هذا يبعث الأمل في النفس بتحقيق ما يجب على كل مسلم تحقيقه، من الدعوة إلى الألفة و نبذ الخصومات، و ترك الحزازات، ليخف المصاب و يهون الخطب، و يزول سوء التفاهم، بالدعوة إلى‏

94

التقارب في عصر أحوج ما نكون فيه إلى التفاهم و التقارب.

فقد حلت بنا مشاكل متشابكة. و فرقتنا عوامل مختلفة، و هي لا تزال تفتك بدائها رغم الوعي الذي حصل في الآونة الأخيرة عند أكثر المفكرين، و دعاة الإصلاح، و نحن نشكر الأستاذ لهذا الشعور.

و الذي يلزمنا أن نؤاخذه فيه علميا هو نسبة الأثر عن الإمام الصادق بعدم الوصية للوارث، و الذي يظهر من الأستاذ جزمه بهذا، و الواقع خلاف ما ذهب إليه، فإن الأثر الصحيح عن الإمام الصادق هو إجازة الوصية للوارث.

قال أبو بصير: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوصية للوارث؟ فقال: تجوز.

و قال محمد بن مسلم: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الوصية للوارث؟ فقال:

تجوز.

أما ما رواه القسم بن سليمان قال: سألت أبا عبد اللّه عن رجل اعترف لوارث بدين في مرضه، فقال: لا تجوز وصيته لوارث و لا اعتراف له بدين.

فقد حمل ذلك على نفي الوصية بالزائد عن الثلث، كما في الحديث النبوي المروي عن تحف العقول أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إن اللّه قد قسم لكل وارث نصيبه الميراث، و لا تجوز وصية الوارث بأكثر من الثلث.

و الذي تجدر الإشارة إليه- هنا قبل مغادرتنا هذا الموضوع- هو أن عبارة الأستاذ حول إجازة الوصية للوارث في المذهب الجعفري توهم بأن ذلك مخالف لكتاب اللّه العزيز، و الحقيقة أن القول بعدمها خلاف لكتاب اللّه إذ يقول عز من قائل:

كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ‏ [البقرة:

180]، فهذا نص، و ادعاء نسخه بالحديث الذي رواه أبو قلابة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: «لا وصية لوارث» فهو خبر آحاد، و الكتاب لا ينسخ بخبر الآحاد، و على مذهب الشافعي أن القرآن لا ينسخ بالسنة (1) و لذلك ادعى بعضهم الإجماع على مضمون الخبر و ذهب بعضهم إلى أن الحديث مخصص للآية (2).

____________

(1) نيل الأوطار للشوكاني ج 6 ص 40.

(2) بدائع الصنائع للكاساني الحنفي ج 7 ص 331.

95

و نحن نأمل من الأستاذ أن يترك التعبير بما يثير الشك و يطمس الحقيقة و كان الأجدر به أن يشير إلى الخلاف ليسلم من المؤاخذة في مخالفة ما وعد فيه بتمهيده السابق.

و بعد ذلك ينتقل إلى البحث حول المتعة و ينسب إلى الإمام الصادق عن كتب الزيدية بأنه قال: هي الزنا، و يذهب لتأييده و يبدي رأيه بأن المتعة من المخادنة التي نهى اللّه عنها.

و هذه المسألة قد حررها العلماء و بسطوا القول فيها، و كثر فيها النقاش و الجدل، و لا جدال في مشروعيتها في عهد النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ادعي بعد ذلك نسخها، و قد ثبت على تحليلها بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جماعة من السلف، منهم من الصحابة: أسماء بنت أبي بكر، و جابر بن عبد اللّه، و ابن مسعود، و ابن عباس، و معاوية، و عمرو بن حريث، و أبو سعيد و سلمة ابنا أمية بن خلف، و رواه جابر بن عبد اللّه عن جميع الصحابة مدة حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و مدة أبي بكر و عمر إلى قرب آخر خلافة عمر (1).

و قال الحافظ في التلخيص: و من المشهورين بإباحتها ابن جريح فقيه مكة و لهذا قال الأوزاعي: يترك من قول أهل الحجاز خمس منها متعة النساء (2).

و روي عن عمر بن الخطاب أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان‏ (3).

و قال ابن بطال: روى أهل مكة و اليمن عن ابن عباس إباحة المتعة و روي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، و إجازة المتعة عنه أصح و هو مذهب الشيعة (4).

و قال الشوكاني: و ممن حكي القول بجواز المتعة عن ابن جريح، الإمام المهدي في البحر، و حكاه عن الباقر و الصادق و الإمامية (5).

و من هذا يظهر أن كتب الزيدية تنص على أن الإمام الباقر و الصادق (عليه السلام) كانا يقولان بجواز المتعة.

____________

(1) المحلى لابن حزم ج 9 ص 519.

(2) نيل الأوطار ج 6 ص 135.

(3) المحلى ج 9 ص 520.

(4) العدة لمحمد بن إسماعيل الصنعاني ج 4 ص 195.

(5) نيل الأوطار ج 6 ص 136.

96

أما ما ذكره المؤلف هنا من أن الإمام الصادق قال عن المتعة إنها الزنا، فهو لا صحة له و مكذوب عليه، و ليت المؤلف ذكر المصدر لذلك.

و الذي أراه أنه اشتبه على المؤلف الأمر فيما ذكره الشوكاني عن الخطابي إذ يقول: و البيهقي نقل عن جعفر بن محمد أنه سئل عن المتعة فقال: هي الزنا بعينه.

فظن المؤلف أن هذا النقل عن الشوكاني، و يعتبر ذلك كرواية يرويها عن الإمام الصادق (عليه السلام) و قد ذكر ذلك محمد بن إسماعيل في العدة (1) و لا أستبعد ذلك من تساهل الشيخ في النقل و تسرعه في الحكم، و لنترك الحديث في الموضوع لمحله في المباحث الفقهية، و نفسح المجال للأستاذ في حديثه، و نحن نصغي إلى ما يقول معرضين عن مناقشته في أمور كثيرة نتحمل ما يمر على أسماعنا من أقوال هي أبعد ما تكون عن الحق، و لا نحب أن نقطع حديثه فيما نستنكره خشية طول المكث، فالنقاش معه طويل، و نحن في أول مرحلة من مراحل البحث، كما لا نحب مبادرته في المناقشة، و الرد حول أمور نحاول أن نجد لها عذرا من جانبه، و لأننا نحب أن نخطو معه خطوات يسودها الاتزان، و التجرد عن النقد المرير.

خطوات تحقيق هدف سام، و غاية شريفة، و أمل منشود من قديم الزمن، و هو رفع الالتباس، و إزالة الحواجز عن طريق التقارب و التفاهم و نحن نود أن ينتهي بنا السير و لا نتفرق من مجلس النقاش إلا على ما نحب من الوصول إلى الحقيقة، و لا سلطان للعاطفة علينا، و لا أثر لغبار الطائفية في أبرادنا.

نريد أن نتفاهم، و نريد أن نصل إلى الواقع، عسى أن يزول كابوس الطائفية الرعناء، التي مزقت جسم الأمة و نهشت عظامها و فرقت شملها، و من اللّه نستمد العون و عليه الاتكال.

بيت الإمام الصادق من سنة 80 ه إلى سنة 148 ه

(بيته:) يتكلم المؤلف تحت هذا العنوان عن بيت الإمام الصادق (عليه السلام) فيقول: كان البيت العلوي أكبر مصادر النور و العرفان بالمدينة المنورة، فإنه منذ نكبة الإسلام‏

____________

(1) العدة ج 4 ص 195.

97

بمقتل الشهيد و أبي الشهداء الحسين بن علي رضي اللّه عنهما انصرف آل البيت إلى العلم النبوي يتدارسونه ...

ثم يتحول إلى الإشارة لجده زين العابدين و أبيه الباقر (عليه السلام) و قال: و كان يقصده- أي الإمام الباقر (عليه السلام)- من أئمة الفقه و الحديث كثيرون: منهم سفيان الثوري، و سفيان بن عيينة محدّث مكة، و منهم أبو حنيفة فقيه العراق، و كان يرشد كل من يجي‏ء إليه و يبين له الحق الذي لا عوج فيه. و لنذكر لك مناقشة جرت بينه و بين أبي حنيفة فقيه العراق، و كان أبو حنيفة قد اشتهر بكثرة القياس، حتى تناولته الألسن، و إليك بعض ما جرى بينهما.

قال محمد الباقر: أنت الذي حولت دين جدي و أحاديثه إلى القياس!! قال أبو حنيفة: اجلس مكانك كما يحق لي، فإن لك عندي حرمة كحرمة جدك (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حياته على أصحابه، فجلس ثم جثا أبو حنفية بين يديه، ثم قال: إني سائلك عن ثلاث كلمات، فأجبني: الرجل أضعف أم المرأة؟

قال الباقر: المرأة أضعف.

قال أبو حنيفة: كم سهم المرأة في الميراث؟

قال الباقر: للرجل سهمان و للمرأة سهم.

قال أبو حنيفة: هذا علم جدك و لو حولت دين جدك لكان ينبغي في القياس أن يكون للرجل سهم، و للمرأة سهمان، لأن المرأة أضعف، ثم الصلاة أفضل أم الصوم؟

قال الباقر: الصلاة أفضل.

قال أبو حنيفة: هذا قول جدك، و لو حولت قول جدك لكان أن المرأة إذا طهرت أمرتها أن تقضي الصلاة و لا تقضي الصوم، ثم البول أنجس أم النطفة؟

قال الإمام الباقر: البول أنجس.

قال الإمام أبو حنيفة: لو كنت حولت دين جدك بالقياس لكنت أمرت أن يغتسل من البول، و يتوضأ من النطفة و لكن معاذ اللّه أن أحول دين جدك بالقياس.

فقام الإمام الباقر و عانقه و قبل وجهه، و من هذا الخبر تتبين إمامة الباقر للعلماء

98

يحضرهم إليه و يحاسبهم على ما يبلغه عنهم أو يبدر منهم، و كأنه الرئيس يحاكم مرءوسيه ليجعلهم على الجادة ... انتهى.

هذه القصة:

ذكرها الأستاذ هنا بدون مصدر و لا سند، و هي مقلوبة و مفتعلة، و القضية كانت بين الإمام الصادق (عليه السلام) و بين أبي حنيفة، و كان الإمام الصادق هو الذي ساق هذه المسائل على أبي حنيفة مستنكرا عمله بالقياس، و أبو حنيفة يجيب، و قد ذكرها المؤلف على وجهها الصحيح‏ (1) كما يلي:

عن عيسى بن عبد القرشي قال: «دخل أبو حنيفة على أبي عبد اللّه (أي الصادق) فقال له: «يا أبا حنيفة بلغني أنك تقيس. قال: نعم.

قال: لا تقس فإن أول من قاس إبليس حين قال: خلقتني من نار و خلقته من طين، فقاس ما بين النار و الطين، و لو قاس نورية آدم بنورية النار لعرف فضل ما بين النورين و صفاء أحدهما.

ثم قال الأستاذ: و جاء في الكافي أيضا عن أبي حنيفة: «استأذنت عليه (أي الصادق) فحجبني و جاء قوم من الكوفة ... إلى آخر ما ذكره، و إن الإمام الصادق أنكر على أبي حنيفة قياسه و أورد عليه مسألة المقايسة بين البول و المني، و مسألة الصلاة و الصوم و الحيض، و مسألة ميراث الأنثى، و ميراث الذكر ... الخ.

فالقصة إذن مختلفة و لا بد للأستاذ بأن يستنطق ثم يحكم حسب ما يؤدي إليه رأيه، و ما أدى إليه تتبعه، و هل القصة كانت بين الإمام الباقر و أنه هو المسئول و بين أبي حنيفة و هو السائل؟ أم كانت بين الإمام الصادق و بين أبي حنيفة كما هو الصحيح؟

و هنا يصدر المؤلف حكمه بصفته قاضيا فيقول:

إن لهذه القصة روايتين: إحداهما في كتب أخبار أبي حنيفة، و تروي القصة مع أبي جعفر الباقر رضي اللّه عنهما، و تذكر أن أبا حنيفة هو الذي ساق مسألة قضاء الحائض للصوم دون الصلاة، و مسألة الاغتسال من المني دون البول، و مسألة نصيب البنت دون الذكر.

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 291.

99

و الثانية رواية الإمامية بين أبي عبد اللّه و أبي حنيفة، و أن السؤال كان من الصادق‏ (1).

و بعد أن حصر المؤلف الرواية بطريقين لا ثالث لهما أخذ يقارن و يوازن ليصدر حكمه في ذلك فيقول:

هذه الرواية لم يسندها الكليني إلا إلى أبي حنيفة، و من حقنا أن نوازن بينها و بين المروي عن أبي حنيفة رضي اللّه عنه في مناقبه، أن المناقشة بينه و بين الباقر، و أن أبا حنيفة هو الذي أورد مسألة المقايسة ...

و ما دامت الرواية مستندة إلى أبي حنيفة فإنا نقبل كلام الرواة عنهم، لأنهم أعلم به و لأن الكليني ليس في درجة أبي حنيفة في الفقه ... (2).

و بهذا تصح الرواية الأولى و هي أن أبا حنيفة هو السائل و المنتصر في نظر المؤلف.

و نحن من حقنا أن نقارن و نوازن و من حقنا أن ندافع و نناقش، و لم يكن غرضنا هنا إلا إعطاء صورة عن تسرع الشيخ في حكمه و تساهله في نقله، و ليصغ لنا كما أصغينا له فنقول: قارن المؤلف هنا بين الطريقين عند ما حصر الرواية فيهما: أولهما كتب المناقب، و ثانيهما كتاب الكافي للشيخ الكليني (رحمه اللّه).

و قد اعتبر ما جاء في كتب المناقب صحيحا، و هو أوثق مما جاء عن الكليني، إذ المؤلف متحامل عليه و ما دام كذلك فهو لا يثق بما يرويه، كما صرح مرارا و هاجمه في عدة مواطن ظلما و عدوانا.

و نحن ننبه الأستاذ لوقوعه في هذا الخطأ الشائن، و إن دل على شي‏ء فإنما يدل على عدم تتبعه و إحاطته، و يكشف عن تسرعه في حكمه.

و القصة لم تكن منحصرة في هذين الطريقين فقط، فقد رواها الكثيرون بأنها كانت بين الإمام الصادق و أبي حنيفة، و ما جاء في كتب المناقب غير صحيح.

و لا نبعد بالقارئ فنقدم له مصادر أخرى، و لكنا نذكر هنا واحدا منها و هو

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 517.

(2) المصدر السابق ص 293.

100

كتاب الحلية؛ لعلم من أعلام السنة، و محدث من محدثيهم، و هو أبو نعيم‏ (1) فقد أوردها (2) بسند عن عبد اللّه بن شبرمة (3) قال:

دخلت أنا و أبو حنيفة على جعفر بن محمد، فقال لابن أبي ليلى: من هذا معك؟ قال ابن أبي ليلى: هذا رجل له بصر و نفاذ في أمر الدين.

قال: لعله يقيس الدين برأيه؟ قال: نعم.

فقال جعفر لأبي حنيفة: ما اسمك؟ قال: نعمان ... ثم قال له: حدثني أبي عن جدي أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: أول من قاس أمر الدين برأيه إبليس قال اللّه تعالى له: اسجد لآدم. فقال: (أنا خير منه خلقتني من نار و خلقته من طين) فمن قاس الدين برأيه قرنه اللّه يوم القيامة بإبليس، لأنه اتبعه بالقياس.

ثم قال جعفر: أيهما أعظم، قتل النفس أو الزنا؟

قال أبو حنيفة: قتل النفس.

قال الصادق: فإن اللّه عز و جل قبل في قتل النفس شاهدين، و لم يقبل في الزنا إلا أربعة.

قال الصادق: أيهما أعظم الصلاة أم الصوم؟

قال أبو حنيفة: الصلاة.

قال الصادق: فما بال الحائض تقضي الصوم، و لا تقضي الصلاة؟! فكيف ويحك يقوم لك قياسك؟ .. اتق اللّه و لا تقس برأيك.

هكذا يروي أبو نعيم في كتاب الحلية هذه القصة، و هو أوثق و أشهر من كتاب المناقب لأبي حنيفة.

____________

(1) أبو نعيم هو أحمد بن عبد اللّه بن أحمد بن إسحاق بن موسى بن مهران الأصبهاني المتولد سنة 336 ه و المتوفى سنة 430 ه له كتب كثيرة منها كتاب الحلية في عشرة أجزاء و هو من حفاظ الدنيا و قد تعصب عليه الحنابلة فهجر.

(2) حلية الأولياء ج 3 ص 196.

(3) عبد اللّه بن شبرمة الضبي الكوفي المتوفى سنة 144 ه قاضي الكوفة، و أحد الأعلام، روى عن أنس، و أبي الطفيل، و الشعبي، و عنه شعبة و السفيانان، و ابن المبارك، قال العجلي كان فقيها عاقلا عفيفا، ثقة شاعرا حسن الخلق.

101

فحكم الشيخ بانحصار طريق هذه القصة غير صحيح، و لأن قدّم الشيخ كتب المناقب على كتاب الكافي و ذهب لصحتها دونه، ففي ذلك أمر لا يخفى و قصد لا يجهل، دائما يتراءى من وراء الألفاظ، و لنفرض تنزلا عدم الوثوق بما ينقله الشيخ الكليني فكيف خفيت عليه المصادر الأخرى، كدعائم الإسلام، للقاضي أبي حنيفة النعمان المغربي، و هو أقدم من كتاب المناقب و غيره من كتب التاريخ و الحديث.

و على أي حال: فالمؤلف مؤاخذ هنا في عدة أمور نرجو أن يتنبه لها و لا يضيق صدره حرجا لأن تساهله في نقله من أهم ما يؤاخذ عليه.

و لقد عرتني دهشة عند ما وقفت على نقل المؤلف لهذه المحاورة المحورة، إذ المشهور أنها بين الإمام الصادق و أبي حنيفة فكيف استساغ نقلها و أخفى مصدرها ثم بعد ذلك يوازن و يقارن و يحكم بصحتها ... غريب ذلك.

لقد أخفى المؤلف مصدر المحاورة و نحن لا نخفيه على القراء، إن هذه القصة أو هذه المحاورة المقلوبة ذكرها الكردري في مناقب أبي حنيفة (1) و الخوارزمي في مناقب أبي حنيفة أيضا (2) و كلاهما يرويانها بسند عن عبد اللّه بن المبارك فهو شاهد عيان لهذه القصة، و هي تبدأ بمكاتبة أبي المحاسن، و سند هذه المحاورة كلهم من الحنفية، و لا نكلف أنفسنا بالبحث عنهم و لكننا نكتفي باستنطاق عبد اللّه بن المبارك، فهل شاهد هذه القصة أم رواها عن أحد؟! و لا يمكن أن يكون هو المشاهد و ذلك لأنا إذا وجهنا أشعة التاريخ فإنها تكشف أن ولادة عبد اللّه بن المبارك كانت في سنة 118 ه و وفاته في سنة 181 ه (3) و بهذا يثبت أن ابن المبارك لم يشاهد القصة، و أنها مكذوبة عليه، إذ كيف يعقل أن يدعي مشاهدة شي‏ء و هو في بطون الأرحام، لأن وفاة الإمام الباقر (عليه السلام) كانت سنة 114 ه أي قبل ولادة ابن المبارك بثلاث سنين و على ما يرويه الكردري من أنه قيل إن ولادة ابن المبارك سنة 129 ه فيكون الفرق أربع عشرة سنة بين ولادة ابن المبارك و وفاة الإمام الباقر.

____________

(1) المناقب للكردري ج 1 ص 208.

(2) المناقب للخوارزمي ج 1 ص 167- 197.

(3) شذرات الذهب ج 1 ص 295 و الخلاصة للخزرجي ص 179 و مناقب أبي حنيفة للكردري ج 2 ص 167.

102

و على كل حال: فإن مقارنة الأستاذ و حكمه بعد ذلك غير صحيح، لأن كتّاب المناقب قد وضعوا أشياء كثيرة، و خلقوا حكايات و قالوا فيها أقوالا مغرقة في الكذب، و مسرفة في المبالغة، و دافعهم في ذلك تعصبهم لإمامهم، و إعجابهم به، و هذا يستوجب التثبت في الحكم بصحة ما ينقلونه و تحقق صدق ما يقولونه.

و لقد دفعهم التعصب إلى تغيير بعض المحاورات و المناظرات عن أصلها، أمثال هذه المحاورة و غيرها، و على سبيل المثال نشير هنا إلى ما ذكره الكردري في محاورة (1) مؤمن الطاق مع أبي حنيفة على غير صورتها الواقعية و قد ذكر هذه المناظرة ابن النديم في الفهرست و هو أقدم من الكردري و أوثق، و إليك نصها:

قال ابن النديم المتوفى سنة 378 ه في ترجمة مؤمن الطاق: و كان حسن الاعتقاد و الهدي، حاذقا في صناعة الكلام، سريع الخاطر و الجواب، و له مع أبي حنيفة مناظرات منها:

لما مات جعفر الصادق (عليه السلام) قال أبو حنيفة لشيطان الطاق: قد مات إمامك! قال: لكن إمامك لا يموت إلا يوم القيامة. يعني إبليس‏ (2).

و لكن الكردري يقلب هذه المحاورة على غير واقعها؛ تعصبا و من دون مراعاة للحقيقة و التفات للأمانة.

و لإظهار الحقيقة أطلنا النقاش هنا مع الأستاذ، و إلا فالقصة لا ترفع من مقام الإمام في واقعها، و لا تضع إن غيرت عنه، لأنا دائما يجب أن نراعي الحقيقة، و نجهد في إظهارها من بين حجب التمويه، و غبار الشكوك.

و الذي يظهر جليا أن أبا حنيفة أخذ بأمر الإمام الصادق (عليه السلام) و انتفع بوصيته عند ما أقام في المدينة مدة سنتين و لهذا أعلن بقوله: (لو لا السنتان لهلك النعمان).

شيوخه:

يقول الأستاذ في ص 87: هنا يختلف تفكيرنا عن تفكير إخواننا الإمامية، فهم يرون أن علمه إلهامي لا كسب فيه، و نحن نقول: إن علمه كسبي فيه إشراق‏

____________

(1) المناقب للكردري ج 1 ص 162.

(2) تكملة الفهرست ص 8.

103

الإخلاص، و نور الحكمة، و رياضة النفس على التقوى، و الفضيلة و السمو الروحي، و العزوف عن مناعم الدنيا و مشاغلها، و لذلك نحن نفرض أنه تلقى على شيوخ، و أخذ عنهم و دراسهم، و أنه بهذا جمع علوم الحديث، و الفقه، و القرآن، و اتصل بمعاصريه في سبيل الحصول على هذه المجموعة العلمية، كما كان بيته بيت الحكمة و العلم.

ثم يقول الأستاذ ص 87.

و إننا لا بد أن نفرض أن أساتذته ثلاثة، تلقى عليهم، و كلهم له قدم ثابتة في العلم، و كلهم إمام يؤخذ عنه.

أولهم جده علي زين العابدين رضي اللّه عنه، فقد مات زين العابدين و الصادق في الرابعة عشرة من عمره أو حولها، و هذه السن هي سن التلقي و الأخذ، فلا بد أنه أخذ عنه، و خصوصا أنه بقية السيف من أولاد الحسين رضي اللّه عنهم.

و إن زين العابدين هذا كان يأخذ علم آل البيت و يضيف إليه علم التابعين الذين عاصروه، و كان يدخل مسجد رسول اللّه و يجلس في حلقاتهم و قد روي أنه قال له نافع بن جبير بن مطعم القرشي عاتبا: غفر اللّه لك، أنت سيد الناس تأتي تتخطى خلق اللّه و أهل العلم من قريش حتى تجلس مع هذا العبد الأسود!! فقال له علي بن الحسين: إنما يجلس الرجل حيث ينتفع، و إن العلم يطلب حيث كان.

و روي أنه كان يسعى للالتقاء مع سعيد بن جبير التابعي و كان من الموالي، فقيل له ما تصنع به؟ قال: أريد أن أسأله عن أشياء ينفعنا اللّه بها، و لا ينقصه أنه ليس عندنا ما يرمينا به هؤلاء (1).

المناقشة:

كنا نصغي لحديث الشيخ و هو يصور الشيعة بأنهم ينفون أخذ الإمام الصادق (عليه السلام) عن جده زين العابدين و أبيه الباقر (عليه السلام)، و هذا أمر لا تقول به الشيعة الإمامية، فهم متفقون على أخذ الأئمة بعضهم من بعض، و رواية بعضهم عن بعض، فأهل البيت حلقة متماسكة، و مدرسة مستقلة تتصل برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأوضح السبل، و أقرب الطرق.

____________

(1) ابن كثير ج 9 ص 107.

104

و الشيخ يعد هذا الاستقلال غريبا لا يهضمه التفكير و لا يقبله ذوقه، و لهذا أصبح في موضوع علم الإمام (عليه السلام) في لف و دوران، و يحوم حول الظنون و التخمينات و الافتراض و اللّابدية، فهو بهذا قد خرج عن دائرة الإثبات إلى خضمّ الفروض و التخمينات، و هو لا يتفق بتفكيره مع تفكير إخوانه الإمامية في مسألة استقلال علم أهل البيت و أخذ بعضهم عن بعض، إلا أن يضم إليهم بعضا آخر من غيرهم.

و قد فرض فرضا فأدخل القاسم بن محمد بن أبي بكر في شيوخ الإمام الصادق لأنه جده فلا بد أنه روى عنه.

و لا محل للّابدية، و لا مجال للافتراض، فإن الأمر يدور حول الثوابت و الوقائع.

و لا نبخس حق القاسم فهو علم من أعلام الأمة، و من الفقهاء السبعة، و من تلامذة الإمام زين العابدين (عليه السلام)، و لكن لم نجد للإمام الصادق عنه رواية أو نقل قول، فالافتراض عجز، و للّابدية تحكم.

و نحن لا نقيم للافتراض وزنا، فإنما المدار مدار الثبوت و الواقع، و قد سلك الأستاذ طريقا آخر في إثبات أخذ أهل البيت عن غيرهم، فحدثنا برواية نافع بن جبير أن الإمام زين العابدين قد حضر عند زيد بن أسلم، و هذه الرواية قد ذكرها أيضا في صفحة 200 و عقبها بقوله: و قد رواها صاحب حلية الأولياء بسند متصل نعتبره نحن سندا صحيحا صادقا.

و لا نتجاوز الموضوع بدون بيان، و لا بد لي أن أسارع هنا فأجيب عمّا يدّعيه هناك، من اتصال السند و صحته و صدقه.

الراوية:

قال أبو نعيم حدثنا عمر بن أحمد بن عثمان، قال حدثنا الحسين بن محمد بن سعيد، قال حدثنا الربيع بن سليمان، قال حدثنا بشر بن بكر و الخصيب بن ناصح، قالا حدثنا عبد اللّه بن جعفر عن عبد الرحمن بن حبيب بن أزدك، قال سمعت نافع بن جبير يقول لعلي بن الحسين: غفر اللّه لك أنت سيد الناس و أفضلهم تذهب إلى هذا العبد فتجلس معه- يعني زيد بن أسلم- فقال: ينبغي للعلم أن يتبع حيث ما كان‏ (1).

____________

(1) الحلية ج 3 ص 137- 138.