الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
105

هذه هي الرواية الصحيحة السند، الصادقة المتن كما يقول، و قبل الخوض في المناقشة نلفت نظر القارئ إلى الخلاف بين نقل الأستاذ و بين من نقل عنه فليس في أصل الرواية (تتخطى خلق اللّه)، و ليس فيها لفظ (عابثا)، و ليس فيها (إنما يجلس الرجل حيث ينتفع). فهذه الأمور لم تأت بلفظ الرواية المنسوبة إلى نافع كما ذكرها المؤلف هنا.

و نعود فنسائل الأستاذ عن حكمه السريع العاجل باتصال السند و صحته و صدق الرواية فهل عرفهم و قاس ذلك بمقياس العلم؟ إذ من الخطأ الحكم على شي‏ء قبل معرفته، و نحن بعد أن وجهنا أشعة التاريخ و إجراء الفحص الدقيق، تبين علة هذه الرواية في موضعين.

الأول- رجال السند: فقد ظهر أن هذا السند الذي وصفه الأستاذ بالصحة فيهم من لم يعرف أو هو في طيات الجهالة، و ليس له ذكر في كتب الرجال و الحديث إلا الربيع بن سليمان و هما اثنان:

الأول الربيع بن سليمان بن داود الجيزي المتوفى سنة 256 ه و لم يوثقه أحد إلا يونس.

و الثاني الربيع بن سليمان بن داود المرادي مولاهم المصري مؤذن الفسطاط المتوفى سنة 270 ه.

و أما عمر بن أحمد بن عثمان فهذا الاسم ينطبق على رجلين، أحدهما الحضرمي و الثاني النهرواني، و كلاهما مجهولان و أحدهما متهم بالوضع، فلا يمكن وصف هذا السند بالصحة و ذاك القول بالصدق.

أما الحسين بن محمد بن سعيد فلا يعرف من هو حتى يوصف نقله بالصحة و قوله بالصدق، و لعل الأستاذ الذي صحح حديثه يوافينا بترجمة فنشكر له ذلك.

و أما بشر بن بكر فليس له منزلة يتحلى فيها بالصدق فيوصف حديثه بالصحة، فهو مجهول لا يعرف، بل منكر الحديث كما نص على ذلك الأزدي و غيره إلى آخر السلسلة كابن أزدك و ابن ناصح.

أما اتصال السند فنرجو من الأخ المؤلف أن يوصل لنا السلسلة بين ابن أحمد و بين الربيع بن سليمان، فإن التحقيق قد أظهر لنا الانفصال، و ذلك بطول المدة و تفاوت الوقت، و هذا من أعظم الموهنات.

106

الثاني- إننا يجب أن نحترم الحقائق قبل أن نحترم الشخصيات، و الحقيقة التي لا غبار عليها أن القول بحضور الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حلقة زيد كان من أعظم ضروب التجني على الحقائق، لأنه أبعد ما يكون عن الواقع، و ذلك بغض النظر عن علو منزلة الإمام زين العابدين: إذ هو أفقه قريش في عصره، بل أفقه الأمة على الإطلاق. و ليس في عصره من يدانيه في منزلته، أو يماثله في علمه و معارفه.

و بعد أن فحصنا سند الرواية، و ظهرت علتها يلزمنا أن نفحص الرواية نفسها، و قد انكشف لنا أن زيد بن أسلم لم تكن له حلقة درس في عصر الإمام زين العابدين، لأن زيدا كان حدث السن لم يتجاوز عمره الخامسة و العشرين عند وفاة الإمام زين العابدين (عليه السلام) فإن ولادة زيد سنة 66 ه و وفاته سنة 126 ه. و كانت ولادة الإمام زين العابدين (عليه السلام) سنة 38 ه و وفاته سنة 92 ه فالإمام زين العابدين (عليه السلام) أكبر من زيد بثمان و عشرين سنة.

فهل يستطيع أحد أن يفرض حلقة درس لشاب حدث السن مع وجود شيوخ المدينة، و سادات قريش، و كبار رجال العلم، مع أن علماء الرجال قد ذكروا زيد بن أسلم في عداد تلامذة الإمام زين العابدين و رواة حديثه‏ (1) و هو أصغرهم سنا، و إن أبي الشيخ إلا الإصرار على رأيه فإني لا أتهمه هنا في علمه، بل أتهمه في عاطفته و جدله، فهو يقر بهذا الأمر، كما يقول في كتاب الإمام زيد (2) بعد أن ذكر التقاء زيد بواصل بن عطاء: أ يصح أن نقول إن زيدا تتلمذ على واصل؟ إن الرجلين في سن واحدة، فقد ولد كلاهما في سنة 80 من الهجرة النبوية أو قريبا من ذلك‏ (3)، و يظهر أنهما عند ما التقيا كان زيد في سن قد نضجت، لأن واصلا (4) لا يمكن أن يكون في مقام من يدرس، إلا إذا كان في سن ناضجة.

____________

(1) الخزرجي في خلاصة تذهيب الكمال ص 131 و تذكرة الحفاظ ج 1 ص 124 و تهذيب الأسماء و اللغات للنووي ج 1 ص 200 و غيرها من كتب الرجال.

(2) كتاب الإمام زيد لأبي زهرة ص 39.

(3) الصحيح أن ولادة زيد كانت سنة 66- 67 و ما ذكر هنا غير صحيح، و إن ذكر ذلك بعض المؤرخين، لأن الثابت أن أم زيد اشتراها المختار بن أبي عبيدة، و كان قتل المختار سنة 67 ه.

(4) هو أبو حذيفة واصل بن عطاء الغزال المتولد سنة 80 ه و المتوفى سنة 131 ه رئيس المعتزلة الأول، و هو واضع الأصول الخمسة التي يرتكز عليها الاعتزال، و روى الجاحظ عنه أنه كان يزعم أن جميع المسلمين كفروا بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو تلميذ الحسن البصري، و اختلف معه في مسألة مرتكب الكبيرة و اعتزل عنه، فقال الحسن: اعتزل عنا واصل، فسمي هو و أصحابه معتزلة.

107

هكذا يقرر الأستاذ هذه الحقيقة، و نحن نشكره للتنبيه عليها، فقد نسب كتّاب الفرق- الذين يكتبون بدون تثبت- لزيد أنه أخذ الاعتزال عن واصل بن عطاء و تلمذ له، و هذا بعيد عن الصحة.

و ما أجدر ذلك بالمؤلف لو التفت في المورد الذي نبحثه من كتابه: الإمام الصادق لهذه الحقيقة فيقررها، فإن حضور الإمام زين العابدين (عليه السلام) في حلقة زيد و هو شيخ قد قارب الستين، و زيد شاب لم يتجاوز السادسة و العشرين من عمره، شي‏ء لا يمكن، هذا مع الإعراض عما يحوط الرواية من الأمور النافية لذلك.

و إن استدلال المؤلف بهذه الرواية، و تكريره لها في عدة مواطن من كتابه أمر لا يتفق مع الواقع، و هو مكذوب و لا أصل له.

و أما الرواية الثانية فهي مرسلة لا تصلح للاستدلال، و لا أتردد في القول إن كلا الروايتين هما من وضع الموالي، إذ الرواة كلهم منهم، و هم يحاولون رفع مكانة أبناء قومهم بكل وسيلة، لأن زيد بن أسلم كان من الموالي، فأرادوا أن يرفعوا من شأنه فجعلوه أستاذ حلقة يحضرها كبار قريش و علماؤهم، و من الأمور المستغربة حكم المؤلف بصحة الرواية و استنتاجه ما يؤيد به قوله، و هو أوهى من بيت العنكبوت.

و الخلاصة: أن الشيخ حكم بصحة هذه الرواية بدون التفات إلى ما يحوط بها من أمور يجب أن يلاحظها قبل إطلاق حكمه ثم يأتي بعد ذلك بأمر لا نعرفه و لا ندري ما يقصد به و هو قوله:

و لا يضيق صدر إخواننا حرجا، إذا استشهدنا بكتب ليست من كتبهم، فإنا قد رأينا أفاضل من كتّابهم يستشهدون على فضل الصادق نقلها عنها، و لا بد أنه اعتبره صادقا في نقله، و من وصف بالصدق فهو صادق في كل ما ينقل، فالصدق خلة في الصادق لا تتجزأ (1).

و نحن نقول:

لا يضيق صدر أخينا حرجا إذا استشهدنا لرد قوله بكتب ليست من كتبه، فإنا قد رأيناه يستشهد على تأييد أقواله نقلها عنها، و لا بد أنه اعتبرها صادقة.

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 201.

108

و أما قوله: و من وصف بالصدق فهو صادق في كل ما ينقل فالصدق خلة في الصادق لا تتجزأ.

فهذا قول يثير الدهشة، و يبعث على الاستغراب و هو حكم يقرره الشيخ بدون دليل، و لا أدري ما يريد بذلك، أ يريد منا أن نسلم لكل كتاب ننقل منه شيئا من باب الإلزام بأن جميع ما فيه صادق، لأنا صدقناه في البعض مما ينقل، و يلزم ذلك التصديق بباقيه؟

و هل التزم فضيلته بهذه القاعدة؟ أم أنه يلزم غيره و لا يلتزم، و قد رأيناه يستشهد بكتب لا يقرها و لا يعترف بصحتها، ككتاب الكافي، فهو يطعن فيه و يتهجم على مؤلفه ظلما و عدوانا، و لا تخفى علينا بواعث ذلك التهجم.

و نسائله أيضا أنك اعتمدت على كتاب مسند الإمام الصادق و قد جمعه مؤلف مجهول، و عليه بنيت أكثر أبحاثك فهل تصدق بكل ما ينقل؟ و لا تتهم صاحبه بالكذب؟ و لكنه لا يلتزم و يريد أن يلزم غيره؟! و نعود و العود أحمد:

نعود لنستمع بقية حديث الأستاذ بعد أن قطعنا عليه حديثه، و سارعنا لإتمام المناقشة، و أوضحنا للقراء مدى صحة استدلاله، و قوة برهانه حول استنكاره لعلم الأئمة الاستقلالي.

و قد فاتنا أن ننبه على ما جاء في صفحة 63 تحت عنوان وفاة الإمام الصادق (عليه السلام) إذ يقول:

و قد قال بعض الإمامية، إن أبا جعفر المنصور دس له السم في طعامه و لا دليل على هذا القول، بل إن الذي يذكره المؤرخون خلافه، لأن المنصور بكى عند ما بلغه نعيه، حتى أخضلت لحيته ... و استشهد بما يرويه اليعقوبي من بكاء المنصور و قد مر بيانه.

ثم يستمر في كلامه حول فراسة المنصور، و أن عيونه كانت يقظة متبعة، فكان على علم باعتزال الصادق السياسة العملية و جنوحه إلى العلم، يغترف من مناهله و يسقي الناس من موارده و مصادره.

و لهذا نرجح أنه مات (أي الإمام الصادق) غير مقتول بسم أو غيره انتهى.

109

و لا نود أن نقول كل ما يلزم أن نقوله، عما تنطوي عبارته: باعتزال الصادق السياسة العملية و جنوحه إلى العلم يغترف من مناهله ...

فهي عبارة ساقها بلباقة، و ظاهرها المدح، و لكنها تنطوي على تدعيم رأيه بعدم استقلال علوم أهل البيت عن غيرهم، فلا نطيل المقالة هنا حول بقية أقواله.

و لكنا نؤاخذه بما رجّح به رأيه من نفي وفاة الإمام بالسم. فهو ترجيح بدون مرجح و تحكم على التاريخ، و لقد ذكر ذلك منهم جماعة و صرح بعضهم بأن المنصور هو الذي دس إليه السم و إليك منهم:

1- المسعودي في مروج الذهب ج 2 ص 212.

2- ابن حجر في صواعقه صفحة 120.

3- ابن الصباغ المالكي في الفصول المهمة صفحة 243.

4- الشبراوي في الاتحاف لحب الأشراف صفحة 54.

5- الشبلنجي في نور الأبصار صفحة 144.

6- 7- و القرماني في تاريخه، و الخفاجي في شرح الشفاء و غيرهم مما يطول ذكره، و بهذا يظهر نسبة القول للإمامية فقط غير صحيح، و نفي وفاة الإمام الصادق غير مسموم جناية على التاريخ و ترجيح للافتراضات و اللّابدية.

لو لا السنتان لهلك النعمان:

هذه كلمة مشهورة قالها أبو حنيفة تلميذ الإمام الصادق (عليه السلام) لأنه صحبه عامين، و يعد ذلك نجاة له كما هو مدلول اللفظ، و لكن الأستاذ أبو زهرة أراد أن يموه أو يشكك في صحة نسبة هذا القول لأبي حنيفة، فنسب نقل هذه العبارة لكتب الإمامية، كما يقول في ص 38: و أبو حنيفة كان يروي عنه كثيرا (أي عن الصادق (عليه السلام)) و اقرأ كتاب الآثار لأبي يوسف، و الآثار لمحمد بن الحسن الشيباني، فإنك واجد فيهما رواية أبي حنيفة عن جعفر بن محمد في مواضع ليست غير قليلة.

و يقول كتّاب الإمامية إنه قد صحبه عامين، و يقولون: إن أبا حنيفة قال في هذين العامين: (لو لا السنتان لهلك النعمان).

110

المصدر:

لا أكلف الأستاذ بتتبع المصادر لهذه الكلمة المشهورة في كتب السنة، لأن ذلك يشق عليه، إذ هو مطبوع على التساهل في النقل، و لهذا أضع بين يديه أقرب كتاب إليه هو (مختصر التحفة الاثنا عشرية) لمحمود شكري الآلوسي ففي صفحة 8 من الطبعة الأولى سنة 1301 ه في الهند يقول: (و هذا أبو حنيفة رضي اللّه عنه و هو من بين أهل السنة كان يفتخر و يقول بافصح لسان: لو لا السنتان لهلك النعمان يريد السنتين اللتين صحب فيهما لأخذ العلم الإمام جعفر الصادق رضي اللّه تعالى عنه).

هذا نص العبارة في الطبعة الأولى الحجرية و لعل تحصيلها يشق عليه، و لا يتكلف فإني أضع بين يديه الطبعة الثانية المطبوعة في مصر سنة 1373 ه في المطبعة السلفية و العبارة موجودة في الصفحة الثامنة أيضا.

و الشي‏ء الذي يبعث على الاستغراب هو عدم وقوف الأستاذ على هذا الكتاب و اطلاعه عليه، إذ الكتاب له صدى في العالم الإسلامي بما أحدثه من ضجة، و ما أثاره من فتنة، يوم أراد الاستعمار أن يحقق أهدافه في بلاد الهند في إثارة الطائفية، فانتدب لهذه المهمة رجلا يسمى شاه ولي اللّه الهندي فألف كتابا أسماه التحفة الاثني عشرية و ملأه طعونا على الشيعة، و مات قبل أن يتمه فاتمه ولده و ترجمه إلى العربية رجل يسمى غلام محمد سنة 1227 ه و اختصره محمود شكري الآلوسي، و حدث من وراء نشر هذا الكتاب ما حدث من مآسي لحساب الاستعمار في البلاد الإسلامية، مما يؤلم ذكره، و بعد أن هدأت الفتنة و مر الزمن، و أفلس الاستعمار و أحس بشعور التقارب و التفاهم بين المسلمين، أراد أن يرجع عجلة التاريخ، فيلعب لعبته لتربح ورقته فأعيد طبع هذا الكتاب على يد السادة السلفية عسى أن يعيد التاريخ نفسه، و لكن خاب الأمل و كفى اللّه المؤمنين القتال و خسر هنالك المبطلون.

و بعد ذلك يقول:

و لعل هاتين السنتين كانتا عند ما خرج أبو حنيفة من العراق مهاجرا بدينه، و فرارا من تعذيب ابن هبيرة له، فإنه أقام حينئذ ببلاد الحجاز، و لعله قد لازم الإمام جعفرا في هذه المدة.

و قد جاء في حلية الأولياء ما يؤكد رواية هؤلاء الأعلام و غيرهم عن الإمام‏

111

الصادق فقد جاء فيها: و روى عن عدة من التابعين، منهم يحيى بن سعيد الأنصاري، و أيوب السختياني، و أبان بن تغلب و أبو عمر بن العلاء و يزيد بن عبد اللّه الهادي، و حدث عنه من الأئمة الأعلام مالك بن أنس و شعبة بن القاسم و سفيان بن عيينة، و سليمان بن بلال و إسماعيل بن جعفر (1).

و قد رأينا كيف غالى بعض المنتسبين إلى مذهب الإمام جعفر فادعوا له علما لم يكن قد تلقاه بطرق العالم عند البشر، و من الغريب أننا نجد بجوار هؤلاء من محدثي القرن الثالث من يتشكك في رواية الإمام الصادق عترة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و يتكلم في الثقة بحديثه «كبرت كلمة تخرج من أفواههم ان يقولوا إلا كذبا» و لكنه التعصب المذهبي يعمي و يصم، و ليس في قول المغالين، و لا في قول المتشككين ما ينقص من مقام الإمام الصادق الجليل، فلم ينقص من مقام جده علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) كذب الكذابين عليه، كما لم يضر عيسى بن مريم (عليه السلام) افتراء المفترين عليه ما بين منكر لرسالته و مدع لألوهيته.

المؤلف سامحه اللّه قد تركزت في ذهنه فكرة الغلو فهو يرددها بين آونة و أخرى، ليبعث التشكيك في كثير من الأمور، و قد مر بيان ذلك، و نحن هنا نسائل المؤلف عن الغلو و عن المغالين في الإمام بعد أن أشرنا لذلك؛ و لكننا نريد أن نسائله عمن يتشكك في رواية الإمام الصادق من المحدثين؛ فإنا لم نجد منهم من يذهب إلى ذلك أبدا، نعم يسبق إلى الذهن ما ينسب إلى البخاري في توقفه عن تخريج أحاديث الإمام الصادق (عليه السلام) و قد قلنا إن عدم تخريج البخاري لحديث الإمام الصادق لا يضر بمقامه (عليه السلام) بعد أن رأينا البخاري قد خرج أحاديث عن أناس لا يتصفون بالصدق و العدالة، و منهم المتهم في عقيدته و الكاذب في لهجته.

و المؤلف لم يذكر اسم البخاري، و ربما يتبادر إلى الذهن أن هناك من المحدثين من يتشكك في رواية الإمام الصادق (عليه السلام) فأحببنا أن يذكره للاطلاع، و بعد أن نساير الأستاذ مراحل عديدة، نجده يصرح بقوله تحت عنوان فقه الصادق صفحة 252:

«و كان (أي الإمام الصادق) من الثقات عند أهل الحديث ...

و قد قالوا إن البخاري لم يقبل الأحاديث المنسوبة إليه، و أن ذلك يحتاج إلى‏

____________

(1) حلية الأولياء ج 3 ص 199.

112

نظر، و قد أشرنا من قبل إلى أن عدم قبول البخاري للمرويات التي تنسب إليه لا يمكن أن ينال من إمامته، و الآن نقول: إنه لا يمكن أن يكون البخاري يجعل صدق من لقبه المسلمون جميعا بالصادق موضع كلام و نظر، و أنه روى عمن دونه من التابعين فضلا. ثم يوجه ذلك برأيه و رأيه محترم».

و نحن نقول: إن عدم تخريج البخاري لأحاديث الإمام هو لشي‏ء في نفس البخاري لا في الإمام الصادق (عليه السلام)، فقد روى البخاري عن أناس كذابين و آخرين منحرفين و قد مر الكلام حوله في الجزء الأول في هذا الكتاب.

و الخلاصة: أن صحيح البخاري قد أحيط بهالة من التعظيم و الإجلال و الإكبار، فهو عدل القرآن، و كل ما فيه صحيح، و قد تهيب أكثر الحفاظ عن نقد أحاديثه، و من أقدم على ذلك عنف‏ (1) و من أظرف ما نقل في ذلك أن مجلس المبعوثان في عهد الأتراك بالعراق قد قرر مبلغا جسيما لوزارة الحربية جعلوه لقراءة البخاري في الأسطول. فقال الزهاوي و كان عضوا في المجلس: أنا أفهم أن هذا المبلغ في ميزانية الأوقاف، أما في الحربية فالمفهوم أن الأسطول يمشي بالبخار لا بالبخاري فثار عليه المجلس و شغب عليه العامة (2).

و لا نطيل الحديث حول البخاري فنجرح عاطفة كثير من الناس كما جرح المؤلف عواطف ملايين منهم بتهجمه على الشيخ الكليني بدون حجة، و نسبه لما لا يليق بشأنه، فهي كلمة لعمر اللّه قالها المؤلف بدون تأمل و تريث.

يقول المؤلف في ص 71:

«و لو قلنا إن علمه (أي الإمام الصادق) كان إلهاميا خالصا ما كان مجتهدا و ما كان متعرفا للأحكام، بل كانت تلقى عليه إلقاء كما يتلقّى الوحي».

ذكر هذا بعد أن مهد له تمهيدا لطيفا حول الإشراق النفسي، و بيان الإلهام الذي فسره بقوله: و ما من عالم باحث إلا شعر بأن وراء جهوده إلهاما من اللّه تعالى نسمّيه توفيقا منه و هو ولي التوفيق انظر ص 69 إلى ص 71.

____________

(1) تهذيب التهذيب ج 8 ص 146.

(2) مجلة الرسالة ص 402 السنة الخامسة.

113

أقول:

و لا أدري كيف يصح للأستاذ أن يسمى، الإلهام بأنه وحي ينزل على الأئمة كما ينزل على الأنبياء!؟ و لا أدري من أين أخذ هذا و بأي دليل يؤيده؟! فإن الشيعة لم تدّع للأئمة نزول الوحي عليهم، إذ لا نبي بعد خاتم الأنبياء، و إنما استقوا علمهم من الرسول الأعظم الذي لا ينطق عن الهوى بل هو وحي يوحى.

فدعوى أن الشيعة يدّعون نبوة الأئمة و أن علمهم وحي كالأنبياء، دعوى باطلة لا تستند إلى برهان و لا يؤيدها دليل، و ما أكثر ما رميت به الشيعة من التهم، و إن ربك لبالمرصاد.

و الذي أراه أن الكاتب قلد في هذا الرأي بعض الكتّاب من الغربيين أو غيرهم، من الذين درسوا تاريخ الشيعة تحت ضغط التيارات الطائفية، فنقلوا و تقولوا كلما دعت الظروف القاسية لاختراعه حول الشيعة، لإبرازهم بالصورة التي يحب خصومهم أن يبرزوا للمجتمع فيها.

و لا أبعد عن الواقع إن قلت إنه أخذ هذا الرأي من كاتب مشهور و هو الأستاذ أحمد شلبي الأستاذ في الجامعة الإسلامية بأندنوسيا كما تقدم ذكره، أو من كتب المستشرقين الذين يثيرون الشكوك و الريب.

حول الانحراف:

يبذل المؤلف جهده هنا في بيان ظهور الانحراف في العقائد و الآراء في عامة المسلمين فيقول في صفحة 121 تحت عنوان: الانحراف بين بعض الذين يدعون التشيع: و قد ظهرت تلك الحركات في عهد الإمامين محمد الباقر و جعفر الصادق الذي نشأ فوجد أباه في أمر مرير من هؤلاء الذين يدعون التبعية له، و هو منهم برى‏ء، إذ كانوا يحاولون الاتصال به و بالصادق من بعده، و لكن كان ينفر منهم نفورا شديدا.

إلى أن يقول: و كان ظهور ذلك الانحراف مع آراء أخرى حول القرآن، فقد ظهر القول بخلق القرآن الذي يقصد به إثارة الفتن لا بيان الحقيقة، و قد قاله الجعد بن درهم، و منها القول بالجبر إلى آخر بيانه من ذكر فرق الغلاة و غيرهم من خطابية و بيانية ...

و يذكر آراءهم و يبين الأسباب من ذكرهم هنا إلى أن يقول: و إذا كان هؤلاء قد تفرقوا في الفرق الإسلامية ما بين مرجئة و حشوية و غيرهم، فلا بد أن نتصور أنهم قد نقلوا

114

الأكاذيب على جعفر الصادق الإمام المفترى عليه، و لا بد أنهم دسوا في الأحاديث المروية عنه ترهات من أباطيلهم، و أخبارا من أكاذيبهم، و أن الخطابية أول من تكلم في الجفر، و نسب فيه الكلام إلى الصادق، فهل لنا أن نتصور أنه وصل إلى الكافي منهم؟ و هل لنا أن نتصور أن الكلام في نقص القرآن قد سرى إلى الكافي منهم؟

لا نقول هذا تشكيكا في المصادر التي يستمسك بها إخواننا الإمامية، و لكنا نقوله مخلصين لنتحرى الصادق النسبة إلى الإمام الصادق، الذي هو إمام من أكبر أئمة المسلمين، و ليس إماما للاثني عشرية فقط ... الخ.

هكذا يطل بنا المؤلف على ذلك العصر، و يطلعنا على صور مؤلمة و أشباح هائلة، و هو يريد أن نتحرى الحق و أ لا نخدع بتلك الآراء.

و هكذا يتحدث المؤلف عن ظهور الآراء المنحرفة و العقائد الشاذة، و هو يظهر الأسى و الأسف عما ابتلي به أئمة أهل البيت ممن يتشيع لهم.

إنه يصور لنا عظيم الموقف و خطره، و يطيل في بيانه، و ينتهي إلى نتائج، منها أن هذه الانحرافات كانت محصورة في التشيع كما يفهم من عباراته و تعبيره. و منها أن وضع هؤلاء الأحاديث المكذوبة كانت في كتب الشيعة، ثم يتحول بلباقة و مهارة إلى الطعن في الكافي إذ يقول:

(فهل لنا أن نتصور أنه وصل إلى الكافي منهم).

و يحذف فاعل وصل و بحذفه تعبير عما يقصده، و كذلك في الجملة التي بعدها فهو يكتم أمرا و يعبر عن قصد، و ليس هذا أول طعونه الخفية، فله أشياء كثيرة أسدلنا الستار بيننا و بينها، و كذلك نفعل هنا.

كما نسدله على مؤاخذته في قوله تحت عنوان الخوارج: هذه هي الطوائف التي كانت تدعي التشيع لآل علي. كما في صفحة 130، فما كان قصده من ذلك؟ هل أن الشيخ تعمد أن يدخل ما يخص الطوائف التي ذكرها سابقا و يدرجها في الخوارج؟، و هل وضع العنوان هنا خطأ عن غير قصد؟ أم كان هناك قصد و اللّه من وراء القصد.

و منها: أنه يجعل الفحص و الدراسة للأخبار المدسوسة لازمة لكتب الشيعة، و كأن الشيعة قد أهملوا هذه الناحية فليس لهم شروط لقبول الرواية و صفات الراوي و مؤهلاته لتصديق ما يروى، مع العلم بأنهم أشد الطوائف فحصا و أعظمهم تدقيقا في قبول المرويات، فلم يقفوا أمام كتاب موقف قدسية و تحاش عن رد رواية يرويها ما لم‏

115

تجمع شرائط القبول، و ليس فيهم من يقول: و لو لا هيبة هذا الكتاب لقلت إن هذا الحديث غير صحيح، كما يقوله غيرهم أمام كتب ألبسوها أبراد القدسية، و أضفوا عليها ثياب الصحة، و برأوها من كل ما يشين بسمعة أصحابها من القول بأن فيها ما لا يصح. و لا يجرأ أحدهم على التصريح بالطعن في الحديث، لأنه ورد في كتاب الصحيح كما يدعي، فعلامة صحة الحديث عند أكثرهم هو وروده في ذلك الكتاب، و أن الشيعة يتشددون في قبول الروايات، و باب الاجتهاد مفتوح عندهم، و لهم أصول قوية، و هم أقدم الفرق في وضع الأصول. و ليس هذا محلا لبيان ما يتعلق بهذا الباب، و الغرض أن المؤلف يطعن في كتب الشيعة بصورة جلية، و لكنه يحاول أن لا يظهر عليه ذلك و قد قلت سابقا إنه يتستر بأبراد تم عما تحتها.

المختار الثقفي:

ثم يتحدث المؤلف هنا عن أثر مقتل الحسين (عليه السلام) في النفوس المؤمنة فيقول: «و إن هذا الأثر قد استغله بعض من أولئك الذين يستغلون العاطفة القوية البريئة لينصروها، و يعلنوا انحرافهم من وراء نصرها، و قد كان الاستغلال شديدا بعد مقتل الحسين رضي اللّه عنه و صلى اللّه على جده و سلم.

ذلك أن المختار الثقفي الذي كان من الخوارج، ثم انتقل إلى الذين يتشيعون لعلي (كرم اللّه وجهه)، و أولاده الكرام من بعده، كان قدم الكوفة مع مسلم بن عقيل بن أبي طالب عند ما جاءها من قبل الحسين رضي اللّه عنه».

ثم يتحدث عن آراء المختار (1) التي كان يبثها، و أن فرقة تسمى بالكيسانية قد تكونت تحمل آراءه، و إنها لا تقوم على ألوهية أحد من أهل البيت كالسبئية، ثم يذكر بعض الآراء إلى أن يقول في صفحة 121:

(إن تفكير المختار لم ينته، بل كان كالبذر الخبيث الذي يلقى فلا ينتج إلا نكدا) و يستمر فضيلته فيسود صحائف من كتابه بدون أن يستخلص النتائج التي تحجب وراءها، و هنا نلمس مهارة المؤلف و لياقته في سلوك موارد الطعن من حيث يخفى كما

____________

(1) هو المختار بن أبي عبيدة بن مسعود بن عمر الثقفي، و كنيته أبو إسحاق ولد عام الهجرة، و أمه دومة بنت وهب، و قتل سنة 67 ه قتله مصعب بن الزبير، و قتل من أصحابه سبعة آلاف رجل كلهم خرجوا معه للطلب بدم الحسين (عليه السلام).

116

يظن، فأنت لا تنتهي من جملة حتى يصدمك بجملة أخرى بلهجة قاسية و تعبير شائن، و خلط في الحوادث و مزج في الآراء، و كل ذلك نستنكر منه، و إبداء الملاحظات على كل ما جاء يطول، و نقتصر على ما يلي:

أولا: إن حكم المؤلف على المختار بكونه كان خارجيا هو حكم قاس لا يستند إلى مادة علمية، و إنما أخذه عن قائل مجهول لا يعرف، كما نقل صاحب الإصابة بقوله: و يقال إنه كان في أول أمره خارجيا ثم صار زيديا ثم صار رافضيا (1).

و إذا أردنا أن نسلّم كل ما يقال، فما الداعي لموازين العلم و مقاييس الرجال إذن؟، مع أن هذه العبارة هي من المضحكات، إذ ورد فيها أنه صار زيديا، و متى كانت الزيدية في عصر المختار؟ فهو في القرن الأول و الزيدية عرفت في القرن الثاني، إذ المختار قتل سنة 67 هجرية و زيد بن علي بعد لم يولد، و هو الذي تنسب إليه فرقة الزيدية، و قتل سنة 122 ه و لنفرض أن هذا غلط مطبعي فما القول في كونه صار رافضيا؟! لأن هذه الكلمة لم تعرف إلا في عهد زيد بن علي (عليه السلام) بإجماع المؤرخين. و لكن الشيخ أخذ من هذا القول الكاذب بعضا منه و ترك البعض الآخر، فجزم بصحته و أصدر حكمه.

و يلزمنا هنا أن نقيس أحكامه الآتية على المختار على هذا النمط من التساهل و عدم التثبت.

ثانيا: قوله قدم الكوفة مع مسلم بن عقيل، و هذا غير صحيح أيضا، و لا أدري من أين أخذه، لأن المختار كان متوطنا في الكوفة و نزل مسلم بن عقيل عليه ضيفا.

ثالثا: كان الأجدر به و اللائق بمكانته أن يدرس الحوادث و يستنطق البينات، لأن المختار قد أثيرت حوله ضجة، و اتهم بأشياء كان اللازم على من يتصدر للحكم في محكمة التاريخ أن يدرس ملابسات حياته، إذ المختار له أثره في التاريخ، فهو الثائر على الأمويين، و المنتقم من أعداء أهل البيت، فما أكثر الموتورين منه. و ما أعظم خطره على الدولة الأموية، هذا من جهة و من جهة أخرى، نرى أن المؤلف كثيرا ما يعطي النتيجة بدون مقدمات، و يحكم بدون بينة، و هذا شي‏ء لا نقرّه و نؤاخذه عليه،

____________

(1) الإصابة ج 3 ص 519.

117

لأنه قد أخذ على نفسه بدراسته عن المذاهب: (أن يستخلص الحق مما تأشب به و اختلط، كما يستخلص الذهب مما اختلط به من مواد غريبة عنه، و إن تم بينه و بينها المزج و الاتحاد، و في هذا السبيل نرد بعض الأقوال و نقبل بعضها كما يفعل الصيرفي، إذ يرد الزيوف من النقود و يقبل النافقة الرائجة) (1).

و ليس من الحق هنا أن يعرض عما تأشب به، و ليس من الحق هنا أن تقبل المزيف و لا ترده، و إنك يا فضيلة الشيخ نصبت نفسك هنا حاكما لا مدعيا، فكان الأجدر بك ألا تأخذ بكل ما يقال فتحكم به، و إن جزمك بوجود الفرقة السبئية يهدم أملنا بك و بأمثالك من دعاة الوحدة الإسلامية، ممن نرجو بهم إظهار الحقيقة، و القضاء على الأساطير و الخرافات، التي وضعت حجر عثرة في طريق تقارب المسلمين، و إن أسطورة ابن سباء قد آن الأوان لانتزاعها من الأذهان، فهي حديث خرافة لا يليق برجال العلم أن يعتنوا بها. فهي من وضع الزنيدقة الذين كان جل قصدهم إثارة الفتنة بين المسلمين.

كما أن اتهام المختار بما لا يليق به هو من الأمور المزيفة التي يلزم استخلاصها و عدم قبولها على ما ألحقته به الأغراض و النوايا التي عارضتها ثورته.

هذا كله بالنظر إلى قضية اتهام المختار من حيث ذاتها مجردة عن كل الملابسات، أما إذا نظرنا إليها من حيث ما جره عداء الأمويين له، و تحزبهم عليه و ساعدهم على ذلك قوم موتورون، لأنه قد حكم السيف منتقما ممن أراق دم أبناء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فإذا تعمق الباحث في بحثه، و مشى على ضوء الأدلة متجردا عن الهوى و العصبية، فلا يجد أي سبب لتلك الاتهامات، و المختار بري‏ء مما علق بأبراده من درن، و كان من الواجب أن يعطي موقفه ضد أعداء أهل البيت، و موقف أبيه من قبل ضد أعداء الإسلام مزيدا من التريث في إعطاء الحكم عليه بدون درس لقضيته و استنطاق للحوادث‏ (2).

و إن حكم الشيخ أبي زهرة بهذه الصورة المؤلمة، في إسناد الأفكار الخبيثة إليه، و أن المختار هو مصدر اختلاف الآراء، و نشر العقائد أمر مخالف للحق، و بعيد

____________

(1) كتاب مالك لأبي زهرة ص 15.

(2) أضفنا بابا عن ثورة المختار في كتابنا (مع الحسين في نهضته) بطبعته الجديدة إنشاء اللّه.

118

عن الواقع. و قد اعتمد على قول لا يعرف قائله، و ناهيك بما للاستسلام في الأقوال و الانقياد في الآراء من جناية على التاريخ و الأحداث، و التخلص من قيودهما من أولى مستلزمات البحث الهادف و الدراسة العلمية.

الكيسانية:

يقول المؤلف: و قد تكونت من آراء المختار التي كان يبثها فرقة تسمى الكيسانية حملت آراءه.

ثم يذكر عقائدهم و بعد ذلك يقول: و هذه الآراء منحرفة بلا شك، و إنها و إن كانت لفرقة قد قل الذين اعتنقوها، قد فتحت بابا للأخيلة الفاسدة التي جاءت من بعد.

و إذا كان الذي أثار هذا التفكير قد ثار للحسين، و أرضى قلوب قوم مؤمنين، فقد كان بهذه الآراء مثيرا لأفكار وجد من بنى عليها، و وسع فيها و استرسل في الخيال إلى درجة الكفر، و لذلك نقول في المختار إنه خلط عملا صالحا بعمل كثير سيئ.

و نحن نقول:

إن عمل المختار لم يخالطه ما يسوء، و هو صالح في نفسه و في عمله و ما نبز به من الاتهام، و ما رمي به من سوء الاعتقاد، فهو مفتعل عليه وضعه أعداؤه، و لفقه خصومه، و غذته سياسة عصره بروايات موضوعة، و أخبار مفتراة، تشويها لسمعته وشلا لاتساع حركته الانتقامية، من قتلة آل محمد.

و قد دعا له الإمام السجاد و شكره الإمام الباقر على صنيعه و أطراه و ترحم عليه، و كذلك الإمام الصادق (عليه السلام) و تواتر الثناء عليه و الذب عنه من علماء الشيعة، و لم يغمزه إلا من لم يقف على حاله‏ (1).

و أما قول المؤلف: قد تكونت من آراء المختار التي كان يبثها فرقة تسمى الكيسانية حملت آراءه: فهو قول بعيد عن الصواب، لأنا لم نجد في المصادر الموثوق بها شيئا من ذلك.

____________

(1) كتاب فرق الشيعة ص 23 تعليق العلامة الجليل السيد محمد الصادق آل بحر العلوم.

119

فهذا شيخ الطائفة أبو جعفر الطوسي قد ذكر الفرقة الكيسانية في الغيبة و لم يذكر انتسابها إلى المختار.

و السيد الجزائري ذكر (في الأنوار) جملة من الفرق و لم يذكر انتماءهم إلى أحد، مع ذكره لكثيرين تعزى إليهم المذاهب.

و السيد مرتضى الرازي «في تبصرة العوام» ذكر أن الفرقة الكيسانية تزعم أن أبا مسلم الخراساني منها، و قال: إنه غير صحيح، و لم يذكر المختار أصلا.

و لو سلمنا جدلا أن الفرقة الكيسانية تنسب إلى المختار فلا موجب لتلويث سمعته، و الحط من موالاته، و إلا لجرى ذلك في حق إسماعيل بن الصادق لانتساب الإسماعيلية إليه‏ (1).

و قال النوبختي: إنما لقب المختار كيسان لأن صاحب شرطته المكنى بأبي عمرة كان اسمه كيسان‏ (2).

و الحاصل أن انتساب الكيسانية إليه لا يدل على أنه صاحب المذهب و إن كانوا قد انضموا لجيشه، و تابعوه على أخذ الثار، فهو بعيد عن تلك الآراء التي تنسب إليه، و نسبتها إليه نشأت عن ضيق في النظر، و تعصب أعمى، و فساد في الذوق، و انحراف عن الأصول التي يجب أن يتبعها الباحث، و أن التثبت في عزو الآراء و نسبة العقائد لازم قبل الحكم بذلك، كما أن فرقة الكيسانية ليس لها وجود معيّن و هي من وحي الخيال أسهمت في رسم صورتها الدوافع السياسية.

و أعود فأقول: إن فضيلة الشيخ قد جعل من آراء المختار (التي هي كالبذر الخبيث)- على حد تعبيره- أساسا لجميع العقائد الفاسدة، و الآراء الشاذة، و على ذلك نهج في ذكر العقائد و بيان الآراء، و هو يقصد أمرا و يشير إلى شي‏ء من طرف خفي، و يحسب أنه قد أصاب الهدف و نال الغرض، و لكنه أخطأ الغرض، و ظلم في الحكم، و هو كمن يبني قصورا في الهواء، أو يخط صحائف في الماء.

____________

(1) انظر رسالة تنزيه المختار المطبوعة مع كتاب زيد الشهيد لمؤلفهما العلامة السيد عبد الرزاق المقرم، و قد تكفلت هذه الرسالة- على صغرها- ترجمة المختار ورد الشبه عنه بالطرق العلمية بأوجز عبارة و أوضح بيان.

(2) الفرق للنوبختي ص 22.

120

إننا لم نقصد بهذا العرض الموجز تنزيه المختار- و هو المنزه- و لكن الغرض خدمة الحقيقة و التاريخ، فنحن نكتب للحقيقة و التاريخ و لم ننكر على الشيخ تهجمه على المختار بدافع العاطفة- معاذ اللّه من ذلك- و إنما ننكر عليه لمخالفته للحقيقة، لأنا بحثنا كل ما ورد في المختار من طعون، و ما رمي به من تهم، فوجدنا ذلك بعيدا عن الواقع، و إنما هي أمور أوجدها التحامل عليه، و البغض له من قوم موتورين، و قد استخدمت الدولة الأموية دعاتها، و اتسعت دعايتها ضده بوضع أشياء و خلق أحاديث، لتشويه سمعته و رميه بما هو بري‏ء منه، و سنوضح ذلك في محله‏ (1).

و الخلاصة: أن كثيرا من الكتاب يدرسون الأمور دراسة سطحية فيقعون في الخطأ و الظلم الفاحش، إذ يتقبلون كل قول، و يحكمون بدون تثبت. نسأل اللّه لهم الهداية لطريق الصواب و خدمة الأمة الإسلامية.

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى‏ ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ‏ (2).

الإمام الصادق و انصرافه إلى العلم:

يتحدث المؤلف عن الإمام الصادق (عليه السلام) و انصرافه للعلم- بعد أن مهد للبحث- و إنه (عليه السلام) قد انصرف إلى العلم انصرافا كليا إلى أن يقول:

و لقد خاض في عدة علوم، و بلغ في أكثرها الذروة (بل في جميعها) فهو نجم بين علماء الحديث، قد علم أحاديث آل البيت العلوي، و علم أحاديث غيرهم، و خصوصا أحاديث عائشة، و عبد اللّه بن عباس عن جده أبي أمه القاسم بن محمد، و استمر على منهاجه في إلقاء الحديث.

إلى أن يقول في ص 95: و ساد علماء عصره في الفقه حتى كان يعلم اختلاف الفقهاء، و كان العلماء يتلقون عنه التخريجات الفقهية، و تفسير الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الفقهية ...

____________

(1) ستأتي ترجمة المختار في كتابنا تاريخ الكوفة، الذي وضعناه حول حوادث الكوفة و نسأل اللّه إكماله و إنجازه.

(2) الحجرات: 6.

121

و قد عني بدراسة علوم القرآن، فكان على علم دقيق بتفسيره، و كان على علم بتأويله، يعلم الناسخ و المنسوخ، و كان ذلك مما تناول العلماء الكلام فيه، و قد قلنا إن القاسم بن محمد روى عن ابن عباس، و كان ابن عباس أشد المتأخرين من الصحابة الذين عنوا بالقرآن الكريم حتى وصف بأنه ترجمان القرآن، و نحن قد فرضنا فرضا صادقا أن علم القاسم بن محمد قد آل إلى حفيده الإمام الصادق فيما آل إليه من علم التابعين.

و نقول بصراحة:

إن أمر الأستاذ لمريب، و إن موقفه ليبعث على الدهشة، نحن نسير على المنهج الواقعي، و هو يبتعد عن ذلك، إننا نحاول أن نصل إلى الأمور بالبرهان، و هو يريد الفرض و التخمين، و مع ذلك يصف ما يذهب إليه بالصدق، فما أدري أي الأمرين أعجب: افتراضه في تصوره؟! أم وصف ذلك بالصدق، و إسباغه صبغة القبول عليه؟! هذه أمور لا ترجع إلى تصور و لا تخمين، بل هي تعود للواقع من حيث هو.

و لما ذا هذا التمحل و لأي شي‏ء هذا الابتعاد عن الواقع؟! و ما الضير في قول الحقيقة الصارخة بتلقي الإمام الصادق علم علي (عليه السلام) من جده زين العابدين، و أبيه الباقر فقط و أنه استقى من ذلك المنهل كما استقى ابن عباس و غيره.

و قد قلت سابقا في الجزء الثالث من هذا الكتاب: إن القول بحضور الإمام الصادق عند أحد من التابعين، أو روايته عنهم لا يثبته التتبع، و هو بعيد عن الصواب، بل هي كلمات يلوكها من يرسل القول على عواهنه، و يعطي الآراء جزافا، و ينقل الأقوال بدون تثبت و تمحيص، لأننا لم نجد في حديثه، و ما أكثر حديثه و أصدقه، أنه أسند عن أي واحد من الناس سوى آبائه الطاهرين (عليهم السلام)، فإذا أراد أن يسند فسلسلة حديثه هكذا.

حدثني أبي الباقر، قال: حدثني أبي زين العابدين، قال: حدثني أبي الحسين، قال حدثني أبي علي بن أبي طالب، قال حدثني رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و هو أصح الأسانيد عند علماء الحديث كما تقدم، و هو الترياق المجرب كما سماه العلماء.

و ربما أرسل حديثه (عليه السلام) بدون إسناد، و لكنه أعطى قاعدة مشهورة إذ قال:

122

حديثي حديث أبي، و حديث أبي حديث جدي، و حديث جدي حديث أبيه، و حديث أبيه حديث علي بن أبي طالب، و حديث علي حديث رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و نحن على هذا النهج نسير، فلا دخل للافتراض، و لا معنى للالتزام بالتصورات الخيالية، و ليس بمستطاع أي أحد أن يأتينا برواية للإمام الصادق و في سندها أحد غير آبائه الذين هم أصدق الناس قولا، و أعلمهم بما جاء به النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و من المؤسف أن الأستاذ يبرز نفسه بمظهر الاعتزاز بها، و الاعتماد على ما توحيه إليه مخيلته من دون التفات إلى ما وراء ذلك من نقص.

إنه يرى علم أهل البيت لا يكمل حتى يدخل معهم غيرهم و لو كان واحدا، و إننا ننفي ذلك، و هو مصر على رأيه، و لا ندري إلى أي حد يصل بنا هذا الافتراق، إذ لا نسلم له حتى من باب الجدل و التنازل. و نحن نطلب منه التوسع في الدراسة و الرجوع إلى المصادر و ترك الافتراض و التخمين، لأن الحقيقة أولى من الافتراض و ليس للشيخ استخدام هذا الفرض أمام أمر هو في أحاديث أهل البيت من الخصائص و المميزات إلا أن يرد إقحام القاسم بن محمد بن أبي بكر في أمر هو في غنى عنه، و قد أشرنا إلى علمه و مكانته في أكثر من موضع في هذا الكتاب و هو الثقة.

علم المدينة ص 158:

يتحول الأستاذ بالحديث عن علم المدينة الفاضلة، و يذكر عهد الراشدين و ما قاموا به من نشر الأحكام ...

إلى أن يأتي إلى رأي ابن القيم في حصر الدين و الفقه و انتشاره في الأمة بأربعة و هم: ابن مسعود، و زيد بن ثابت، و عبد اللّه بن عمر، و عبد اللّه بن عباس إلى آخره ...

و يبدأ المؤلف ملاحظته حول هذا الرأي المخالف للحقيقة لكثرة أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هم حملة رسالة الإسلام و فيهم الإمام علي بن أبي طالب، و لننقل للقراء كلمته في ذلك بطولها.

فيقول في ص 161: ثم إن هناك علي بن أبي طالب مكث نحوا من ثلاثين سنة بعد أن قبض اللّه رسوله إليه يفتي، و يرشد، و يوجه، و قد كان غواصا طالبا للحقائق، و قد أقام في الكوفة نحو خمس سنوات، و لا بد أنه ترك فيها فتاوى و أقضية، و كان‏

123

فيها المنفرد بالتوجيه و الإرشاد، و إنه قد عرف بغزارة العلم (كرم اللّه وجهه). و عمق انصرافه إلى الإفتاء في مدة الخلفاء قبله، و المشاركة في كل الأمور العميقة التي تحتاج إلى فحص و تقليب للأمور من كل وجوهها، مع تمحيص و قوة استنباط.

و إنه يجب علينا أن نقرر هنا أن فقه علي و فتاويه و أقضيته لم ترو في كتب السنة بالقدر الذي يتفق مع مدة خلافته، و لا مع المدة التي كان منصرفا فيها إلى الدرس و الإفتاء في مدة الراشدين قبله، و قد كانت حياته كلها للفقه و علم الدين، و كان أكثر الصحابة اتصالا برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقد رافق الرسول و هو صبي قبل أن يبعث (عليه السلام) و استمر معه إلى أن قبض اللّه تعالى رسوله إليه، و لذا كان يجب أن يذكر في كتب السنة أضعاف ما هو مذكور فيها.

و إذا كان لنا أن نتعرف السبب الذي من أجله اختفى عن جمهور المسلمين بعض مرويات علي و فقهه فإنا نقول: إنه لا بد أن يكون للحكم الأموي أثر في اختفاء كثير من آثار علي في القضاء و الإفتاء، لأنه ليس من المعقول أن يلعنوا عليا فوق المنابر، و أن يتركوا العلماء يتحدثون بعلمه، و ينقلون فتاويه و أقواله للناس، و خصوصا ما كان يتصل منها بأساس الحكم الإسلامي.

و العراق الذي عاش فيه علي رضي اللّه عنه و كرم وجهه، و فيه انبثق علمه، كان يحكمه في صدر الدولة الأموية و وسطها حكام غلاظ شداد، و هم الذين يخلقون الريب و الشكوك حوله، حتى أنهم يتخذون من تكنية النبي له «بأبي تراب» ذريعة لتنقيصه، و هو رضي اللّه عنه كان يطرب لهذه الكنية و يستريح لسماعها لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قالها في محبة كمحبة الوالد لولده.

و لكن هل كان اختفاء أكثر آثار علي رضي اللّه عنه و عدم شهرتها بين جماهير المسلمين سبيلا لاندثارها، و ذهابها في لجة التاريخ إلى حيث لا يعلم بها أحد ...!!

إن عليا قد استشهد و قد ترك وراءه من ذريته أبرارا أطهارا كانوا أئمة في علم الإسلام و كانوا ممن يقتدى بهم، ترك ولديه من فاطمة الحسن و الحسين، و ترك رواد الفكر محمد بن الحنفية فأودعهم رضي اللّه عنه ذلك العلم ...

أقول:

ذكرنا هذه الملاحظة مع طولها باختصار و فيها تقرير لحقائق يجب مراعاتها و الالتفات إليها بدون تحيز.

124

و نحن نأمل أن تلاحظ هذه الملاحظات عند كل باحث لإعطاء البحث عن تاريخ أهل البيت و أتباعهم مزيدا من التأمل و التريث، و عدم إرسال القول بسرعة، و إعطاء الحكم بعجالة، فإن تأثير ذلك التدخل الجائر في شئون الأمة قد غير كثيرا من الحقائق، و أوجد كثيرا من المشاكل في طريق الباحث المتحرر.

و إن الحصر الذي ذكره ابن القيم الجوزية (1) كان من جراء ذلك التأثر، شأنه شأن كثير من المؤرخين.

و على كل حال: فإن اتجاه الأمويين في سياستهم ضد أهل البيت، قد وجهوا به كثيرا من الناس في طريق الانحراف عن الواقع؛ لأنهم كانوا يحاولون القضاء على مآثر أهل البيت، فلا يسمحون لأحد أن يذكرهم بخير، أو يروي عنهم شيئا، و من خالف عوقب بأشد العقاب.

و يعطينا الحسن البصري صورة جلية عن ذلك. فإنه على عظم منزلته في الدولة الأموية كان لا يذكر عليا، و إذا حدث عنه يقول: قال أبو زينب و يظهر الابتعاد عن علي (عليه السلام) حتى ظهر منه ما يوجب الإنكار عليه، فقال له أبان بن عياش: ما هذا الذي يقال عنك أنك قلته في علي؟

فقال: يا ابن أخي أحقن دمي من هؤلاء الجبابرة- يعني بني أمية- لو لا ذلك لسالت بي أعشب‏ (2).

و قال أبو حنيفة النعمان بن ثابت: إن بني أمية كانوا لا يفتون بقول علي، و لا يأخذون به، و كان علي لا يذكر في ذلك باسمه، و كانت العلامة باسمه بين المشايخ أن يقولوا قال الشيخ‏ (3).

و لعل من المستحسن أن نعود لمناقشة الأستاذ حول كثير من آرائه، و إصدار أحكامه بدون دراسة للأمور، و معالجة للموضوع، استسلاما لما نقله بعض، أو قاله‏

____________

(1) هو محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد بن حريز الزرعي الدمشقي الحنبلي، المتولد سنة 690 ه و المتوفى سنة 751 ه كان من تلامذة ابن تيمية، و سجن معه، و له حملات على سائر الطوائف بلهجة قاسية، و له قصيدة نونية يذكر فيها عقائد الفرق و ينتصر بها للمجسمة.

(2) الحسن البصري لابن الجوزي ص 7.

(3) مناقب أبي حنيفة للمكي ج 1 ص 171.

125

بعض آخر، فإن وجود مشكلة الضغط الأموي، و حجر الأفكار عن حريتها، يوجب التشكيك على الأقل في كل ما يوجد من نقول غير لائقة بمن عرف بالعداء للأمويين و موالاته لآل علي.

فهذا الحسن البصري و هو في ثغر البصرة يعدّ بقوة الدفاع عنهم أعظم من الجيوش المدربة في ساحات الحرب، حتى قالوا: «لو لا لسان الحسن، و سيف الحجاج لوئدت الدولة المروانية في لحدها، و أخذت من كرها» مع ذلك يخشى وقوع النقمة عليه إن ذكر عليا بخير، و قد ألجأه الأمر إلى أن ينال من علي.

و على هذا سارت الأمور، و اتسع الخرق، و اختلط الحابل بالنابل، و ظهرت المشاكل، و سار أكثر الناس زرافات و وحدانا في ركب تلك السياسة الجائرة، يعلنون ولاءهم للدولة بإظهار البراءة من خصومهم، و يسارعون لنشر الأباطيل و خلق التهم، و وضع الحكايات.

نعم من المستحسن أن نعود و لكن المجال لا يسع لذلك، و الذي نريد أن نقوله هنا: إنه يجب على كل كاتب أن يتحرى الواقع، و أن يحسب للظروف حسابها، و يعالج الأمور معالجة المتمكن في دراسة عميقة، و فطرة مستقيمة في فهم الأشياء و إصدار الأحكام.

و الشيخ المؤلف قد أصدر أحكاما كثيرة بدون مراعاة للموازين، و أظهر شي‏ء في ذلك إصدار حكمه في حق الثائر المجاهد المختار بن أبي عبيدة كما تقدم، و لا نطيل الحديث هنا فيطول المكث، و الوقت من ذهب.

الفقهاء السبعة:

و بعد ذلك يتحول المؤلف إلى ذكر الفقهاء السبعة فيقول ص 165: و لا بد أن نشير إليهم بكلمة لأنهم يصورون فقه المدينة، و هم كانوا أبرز أساتذته، و من جهة أخرى فأحدهم كان جد الإمام جعفر الصادق لأمه.

إن انحصار الفقه الإسلامي في مهد تشريعه و محل تنزيله بهؤلاء السبعة فقط يبعث على الاستغراب، فالمدينة المنورة كانت تزخر برجال الأمة من أهل العلم، و فيها حلقات الفقه، و إليها يفد طلابه من مختلف الأقطار الإسلامية، و يتخرج منها حفاظ الحديث و حملة الفقه، لأنها دار هجرة الرسول الأعظم، و موطن الشرع و مبعث‏

126

النور، و عاصمة الحكم الإسلامي الأول، و فيها أهل بيت النبي و عترته «الذين أذهب اللّه عنهم الرجس و طهرهم تطهيرا» فهم حملة العلم «و أعلام الأنام و حكام الإسلام» قوم بنور الخلافة يشرقون و بلسان النبوة ينطقون.

و إن الحصر بهؤلاء السبعة أمر يبعث على التساؤل عن أسباب ذلك مع وجود تلك الفئة الصالحة، و لعل الجواب لا يعسر على من يدرس تلك الأوضاع، و يقف على حوادث الزمن الذي من أجله كان ذلك الحصر.

و لا نعدو الواقع إن قلنا إنه حصر سياسي يعود لمصلحة الأمويين لصرف الناس عن الاتصال بأهل البيت، و قد مرت الإشارة من المؤلف لذلك.

و أرى من اللازم الإشارة لكل واحد من الفقهاء السبعة بترجمة موجزة و هم:

1- سعيد بن المسيب:

هو أبو محمد سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي المتوفى سنة- 93- 94 ه.

تزوج بنت أبي هريرة الدوسي، و كانت جل روايته عنه، و قد ضرب في السياط مرتين لمخالفته الحكام فيما يرونه.

2- عروة:

أبو عبد اللّه المدني عروة بن الزبير بن العوام المتوفى سنة 92 ه.

كان من المبرزين في الدولة، و كان كثير الرواية عن خالته أم المؤمنين عائشة، و كان عبد الملك يشيد بذكره حتى قال: من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى عروة بن الزبير و قد حضر الجمل مع أبيه الزبير في حرب علي.

3- عبد الرحمن:

أبو بكر عبد اللّه بن الحارث المتوفى سنة 94 ه.

كان أبوه الحارث أخا لأبي جهل لأمه، و كان عبد الرحمن في جيش البصرة مع عائشة، و كان صغيرا فرد هو و عروة بن الزبير عن القتال و كان أعمى.

127

4- عبيد اللّه:

أبو عبد اللّه عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة بن مسعود المتوفى سنة 98 ه.

كان أكثر ما يروي عن عائشة، و أبي هريرة و ابن عباس، و قد تتلمذ له عمر بن عبد العزيز، فكان بذلك موضع إجلال و تقدير، و كان أديبا شاعرا، و من شعره ما ذكره ابن الجوزي في كتاب ذم الهوى قال: قدمت امرأة من هذيل المدينة، فخطبها الناس، و كادت تذهب بعقول أكثرهم لفرط جمالها فقال فيها عبيد اللّه بن عبد اللّه بن عتبة:

أحبك حبا لو علمت ببعضه* * * لجدت و لم يصعب عليك شديد

أحبك حبا لا يحبك مثله* * * قريب و لا في العاشقين بعيد

و حبيك يا أم الصبي مدلهي* * * شهيدي أبو بكر فذاك شهيد

و يعلم وجدي قاسم بن محمد* * * و عروة ما ألقى بكم و سعيد

و يعلم ما عندي سليمان علمه* * * و خارجة يبدي بنا و يعيد

متى تسألي عما أقول فتخبري* * * فللّه عندي طارف و تليد (1)

و هؤلاء الذين استشهد بهم و هو معهم هم الفقهاء السبعة.

5- سليمان:

أبو أيوب سليمان بن يسار أخو عطاء، مولى ميمونة المتوفى سنة 100 ه أو 107 ه كان أكثر ما يروي عن عائشة و أبي هريرة.

6- خارجة:

أبو زيد المدني خارجة بن زيد بن ثابت الأنصاري المتوفى سنة 99- 100 ه أحد الفقهاء السبعة كان قليل الحديث و كان فقيه رأي و لم يذكره الذهبي في حفاظ الحديث، لأنه قليل الرواية، و لكن الأستاذ أبو زهرة حكم له بكثرة الرواية و كثرة الإفتاء بالرأي.

____________

(1) شذرات الذهب ج 1 ص 104.

128

تنبيهات:

1- إننا لم نتعرض لترجمة هؤلاء الفقهاء بالتفصيل حذرا من الإطالة في الموضوع، و إن ذلك يجرنا إلى البحث حول سعيد بن المسيب و الاختلاف في نزعته، فقد ورد في بعض الروايات أنه كان من حواريي الإمام زين العابدين، و أخص تلامذته كرواية علي بن أسباط عن أبي الحسن.

و كان يظهر المعارضة للأمويين، و ينقم على معاوية ما خالف فيه أحكام الإسلام، كإلحاقه زياد بن سمية بأبي سفيان و قد ولد من الزنا على فراش أبي عبيد، و خالف بذلك الحديث المشهور (الولد للفراش و للعاهر الحجر).

و يستدل بعضهم بهذه المعارضة أنه كان على صلة تامة بأهل البيت، و إن هناك روايات تدل على ابتعاده عنهم، و الأمر يدعو إلى مزيد من البيان و لا يمكن ذلك بهذه العجالة و إعطاء الرأي الصحيح فيه.

2- إننا تركنا التعرض لترجمة القاسم بن محمد بن أبي بكر اكتفاء بما سبق.

3- إن قول المؤلف أبو زهرة في أول ذكره للفقهاء السبعة: إنهم كانوا من أبرز أساتذة الإمام الصادق، لم يكن مبنيا على حجة و لا مستندا إلى دليل بل هو قول يفرضه، و رأي يرتئيه و لا يقره التتبع، و ما أكثر ما يفترضه الأستاذ و ما يتخيله و لا يثبت ذلك أمام الحقائق.

و الخلاصة أن هؤلاء الفقهاء السبعة لم يكن الإمام الصادق راويا عن واحد منهم، و لم يأخذ العلم عنهم بل كان أكثر هؤلاء رواة لحديث أبيه و جده و من تلامذتهما، و قد ذكرنا في الجزء الثالث من هذا الكتاب رد قول من يزعم أن الإمام الصادق كان يروي عن عروة بن الزبير.

و على كل حال: فإن القول بأخذ الإمام الصادق عن هؤلاء إنما هو من باب التخمين و الافتراض، و ذلك لا يثبت حقيقة و لا يدل على واقع.

4- إن حصر الفقه في هؤلاء السبعة أمر يدعو إلى الاستغراب و التساؤل، فهل كان ذلك أمرا واقعيا بحيث أن هؤلاء هم المبرزون في عصرهم و المجمع على فقاهتهم؟.

و هل أقر لهم أقرانهم بذلك، و شهد لهم أساتذتهم به؟

129

نحن لا نعرف لهذا أسبابا واقعية، و إنما يغلب على الظن و يتبادر إلى الذهن أنها فكرة سياسية لاستخدام التشريع الإسلامي في أغراض الولاة، تأييدا للدولة و كسبا لرضا الأمة الناقمة على وضع النظام القائم، لانحرافه عن نظم الإسلام، و ابتعاد رجال السلطة عن العمل به.

فكان لجوؤهم إلى تعيين رجال يؤخذ العلم عنهم، و أحكام التشريع منهم، أمرا يأملون به رد المؤاخذات، و صرف الناس عن الالتقاء بمن هو خصم لهم، و لا يحبون أن يظهر أمره أو ينتشر ذكره.

و إذا أردنا أن نلقي نظرة فاحصة عن أسباب الاختصاص بهؤلاء دون سواهم فإنا نجد ذلك يرجع إلى صفات يتحلى بها هؤلاء أكثر من غيرهم.

فسعيد بن المسيب مثلا كان جل روايته عن صهره أبي هريرة الدوسي، و كان يأخذ بقضاء عمر و فقهه حتى قيل إنه رواية عمر و حامل علمه، و كل ذلك لا يعارض أهداف السلطة الحاكمة، لأنها تهتم إذا ما ذكر علي (عليه السلام) و نشر علمه، أو كان لأهل بيته ذكر في المجتمع العلمي.

و عروة بن الزبير هو راوية أم المؤمنين خالته عائشة، و كان يتألف الناس بالرواية عنها، و هو من أعوان الدولة الأموية، و السائرين في ركابها و قد روى عن أم المؤمنين عائشة أشياء لا يقبلها العقل.

و أما القاسم بن محمد فهو حفيد أبي بكر الصديق و له منزلة علمية، و مكانة لا تجهل، و إشادة الدولة بذكره يعود عليها بالنفع، و إن لم يرتض ذلك أو يقبله هو، فالسياسة تهدف إلى منافعها قبل كل شي‏ء و هكذا بقية الجماعة من الفقهاء السبعة.

و الغرض أن هذا الحصر كان أمرا مقصودا و شيئا مدبرا، و ربما يلمح له شعر عبيد اللّه بن عبد اللّه السابق الذكر في استشهاده بهؤلاء الجماعة إذ يتجلى منه أنه أمر مقرر، و شي‏ء مشهور.

كما أن ابتعاد الناس عن الفتوى في ذلك الزمان و دفع السائل إلى أحد هؤلاء يستنتج منه الإلزام و التعين.

قال أبو إسحاق: كنت أرى الرجل في ذلك الزمان و إنه ليدخل يسأل عن الشي‏ء

130

فيدفعه الناس من مجلس إلى مجلس، حتى يدفع إلى مجلس سعيد بن المسيب كراهية للفتيا (1).

5- عقب الأستاذ أبو زهرة هذا الموضوع بأشياء لا نتعرض لها و كل ذلك يدور حول أخذ الإمام الصادق عن غير أهل بيته، و لكنه لم يهتد للطريق و لم يصل إلى الهدف.

6- إننا لم نتعرض في إبداء الملاحظات حول موضوع الرأي و الحديث الذي جاء بعد هذا الموضوع، لأننا قد أشرنا إليه في الجزء الأول فلا نحب الإعادة و الإطالة.

____________

(1) أعلام الموقعين ج 1 ص 18.

131

القسم الثاني من: لقاء مع الأستاذ (أبو زهرة) في كتابه الإمام الصادق‏

(القسم الثاني)

132

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

133

آراء الإمام الصادق:

نتحول مع المؤلف من القسم الأول من كتابه إلى القسم الثاني و هو البحث عن آراء الإمام الصادق و فقهه.

و هذا القسم هو أهم من القسم الأول بكثير، نمضي مع المؤلف على منهج الدقة في النقاش، و هنا نشتد معه في الحساب، و لا نعني أننا نريد أن نغير من منهجنا الذي التزمنا أن ننهجه معه في القسم الأول، من التقيد بآداب البحث، و شروط النقد، أو نتعدى حدود خدمة الحقيقة و إظهار الواقع.

إن هذا القسم- كما قلت- مهم في حد ذاته، و المؤلف يريد أن يتحدث عن آراء الإمام الصادق و فقهه، و نحن نصغي لحديثه، لنعرف مدى إلمامه بالموضوع، و إحاطته بأطرافه، فهل تشبعت روحه و هضم مادته ليستخلص النتائج التي تعطي عن الموضوع صورة واقعية؟

و هل خضع لما تقتضيه النتائج فسار على ذلك؟ أم أنه يريد أن يخضع الموضوع لطبيعته من التساهل و استعمال الافتراض، و اللابدية، و إمكان ما لا يمكن، فيتساهل في النقل و يتسرع في الحكم و إعطاء النتيجة من دون قياس، و يتصرف حسب ذوقه الخاص؟! و هل فكر قبل أن ينسب الفكرة للإمام الصادق ليتحقق صدق النسبة إليه؟

و هل يحاول أن يكشف على أضواء الأدلة الصحيحة حقائق كانت وراء ظلمات من الأوهام و التخيلات؟

و هل عالج المواضيع أو المشاكل- كما يقول- بعلاج ناجع؟!

134

و ما هي النتائج التي استخرجها من بحثه و تنقيبه؟، و نحن نسايره هنا و مل‏ء صدورنا أمل بأن يكون مؤديا ما يجب عليه من بذل الجهد و استفراغ الوسع لحل هذه المشاكل التي يقف أمامها لاستخلاص الآراء الثابتة كما يقول في ص 184: و إن استخلاص الآراء الثابتة للإمام من أعسر الأمور على الكاتب الذي يريد تحري الحقيقة بعد أن ينحي أفكار الذين غالوا في تقديره حتى رفعوه إلى مرتبة النبوة.

و نحن هنا ندعو اللّه للكاتب المحترم و الشيخ (المحقق) بأن يمده بالعون و يلهمه الصواب للوصول إلى الحقيقة التي يتطلبها كل منصف.

كما ندعو اللّه بأن يوفق الشيخ لنبذ أفكار منحرفة عن الواقع في فهم حقيقة التشيع و جوهره، ليخفف من تكرار عبارات الغلو في تقدير الإمام و يهون من خطب دعايات السوء التي أحيطت بها مفاهيم المذهب الشيعي.

و إن الذي يحقق الأمل في هذا الفصل هو أن الشيخ المؤلف قد جعل من نفسه قاضيا في محكمة التاريخ كما يقول: (فإنا ندرس المقدمات كما يدرس القاضي البينات يستنطقها و لا يوجهها و يأخذ عنها و لا يتزيد عليها حتى إذا انتهى إلى الحكم نطق به).

و حيث إن الشيخ قد جعل من نفسه قاضيا في محكمة التاريخ، فلا بد أن يتسع صدره لمشقة الدراسة، ليقضي بالحق، و يحكم بالعدل، إن الواجب يقضي عليه أن يحاسب نفسه قبل أن يخط أي كلمة، و يتحرى الحقيقة في نسبة الآراء و العقائد، و أن لا يعتمد إلا على المراجع المعتبرة، و أن يتجنب الأخذ بالشائعات، و لا يأخذ بأقوال المخالفين و المتحاملين.

و أن يجعل نصب عينه سياسة الحكام الذين تدخلوا في شئون الأمة فأثاروا الخلاف، و روجوا الشائعات و استعملوا دعايتهم ضد من يعارض سياستهم، و قد استخدموا أقلاما مسمومة، سخروها لأغراضهم، فكانت أمضى جرحا من السيف، و قد ذهبوا جميعا و بقيت تلك الآثار السيئة، يستعملها من يريد تفرق الأمة طمعا في تحقيق أهدافه.

فاللازم عليه بأن يتثبت قبل الحكم و يتأكد من صدق البينات، و أن تكون له خلوة مع أوراقه و مع ضميره و مع ربه، و يجعل حسابه نصب عينيه.

135

و نود هنا أن نسائل فضيلة الأستاذ المؤلف أو القاضي المحترم عن بينته الصادقة في قوله ص 195 بعد ذكره لحديث الوصاية: «هذا خبر روي عن الصادق نفسه».

نسائله بوجدانه و بحرمة العدل هل قرأ هذا الخبر في الكافي نفسه فأصدر حكمه فيه؟ إنه يجيب بأنه لم يقرأ الخبر و لم ينقله عن الكافي كما يقول في صدر الصحيفة:

(و قد نقلنا هذا من قبل و ننقله هنا فقد روى الكليني ... الخ).

و إذا رجعنا إلى الوراء نجده قد نقله في ص 35 من القسم الأول و لكن عمن نقله و أي إنسان حدثه به!!؟ نعم مصدره كتاب الوشيعة لموسى جار اللّه.

و هنا يحق لنا أن نطالب الشيخ بالعدل و الإنصاف لتساهله في قبول البينات و نقله عن كتاب خصم للشيعة، و قد سود صحائفه بالطعن و الافتراء في القول و الكذب في النقل، فهو ناقد حاقد و كاتب متطرف لا يتقيد بأصول النقد و لا يتثبت في النقل.

كتاب حاول فيه مؤلفه أن يعيد مآسي التاريخ المؤلمة، و يشهر المسلم سيفه على أخيه بدل أن يشهره على عدوه، و يثير الحرب بين أبناء التوحيد بدل أن تثار في محاربة المشركين.

كتاب رقمه صاحبه بقلم يقطر سما، و قلب يمتلئ حقدا، و يكاد يتميز من الغيظ لتقارب المسلمين بعد التباعد.

كتاب أوحته طائفية رعناء بل رجة عصبية و حركة لا شعورية، و هو يأمل من ورائها تحقيق قصد، و اللّه من وراء القصد، و اللّه يدافع عن الذين آمنوا، و كفى اللّه الأمة الإسلامية شر ذلك الكتاب.

و المؤلف في اعتماده على ما ينقله صاحب كتاب الوشيعة لا بد و أنه يصدقه بكل ما قال كما قرر ذلك في ص 201.

و بالطبع إنه باعتماده على كتاب الوشيعة لا بد و أن يتأثر، لما فيه من مغالطة للحقيقة، و اتهام للأبرياء، و وصف الشيعة بصفات تؤثر في النفس، و تحدث ثورة يكون أثرها محسوسا في حكمه.

و على كل حال: فإن جعل كتاب الوشيعة مصدرا للبحث و بينة للحكم أمر مخالف للعدل، و شي‏ء نستغربه و نؤاخذ الأستاذ عليه، لأنه في ذلك يصبح مشجعا

136

لهؤلاء المتمردين على مفاهيم الإسلام، و الضاربين على وتر الطائفية ليثيروا أحقادا كامنة و يفتحوا أبواب فتن موصدة.

و نسائله أيضا- و أملنا أن يتسع صدره و لا يضيق حرجا- عن البينة التي حكم بها على الدكتور الهاشمي بأنه شيعي اثنا عشري و ذلك قوله في ص 198: هذا كلام عالم محقق فاضل و هو اثنا عشري.

أطلق فضيلته هذا القول بعد البحث في التشكيك بما يروى في كتب الشيعة، و بالأخص الكافي فيقول في ص 196: (و إننا نشك في صدق هذه الأخبار لأن رواية أكثرها عن طريق الكافي و نحن نضع رواياته دائما في الميزان).

و إني لأعجب من الأستاذ في إطلاق هذا القول من فمه و تحريره له بقلمه، و كأنه يصدر ذلك و هو الحافظ الحجة، الذي خاض في علم السنة، و عرف الصحيح و الضعيف، و الموضوع و المسند و المرسل، و نقد الأسانيد بقانون علمي، و وزنها بميزان صحيح.

إني لأعجب و أبتسم لذلك، لأني أعرف أن المؤلف لم يقرأ كتاب الكافي، و لم يطلع عليه، بل نقل عنه بوسائط غير صحيحة كما سيتضح ذلك فيما بعد.

كما أني أعرف عن المؤلف أنه ليس له خبرة بعلم الحديث و لا دراية له بعلم الدراية، و لست بظالم له في ذلك.

و المؤلف كأنه يريد أن يبين لقرائه أمورا هامة في هذا الموضوع، و لكن القارئ عند ما يقف على ما كتبه هنا، فإنه لا يعدو التشكيك فيما تعتقده الشيعة في الإمامة و منزلة الإمام و علمه و عصمته، فيسوق أقوالا و يورد أحاديث، فيوجه و يشكك، و هو يظن بأنها هي أدلة الشيعة على ذلك لا غير، حتى يأتي إلى حديث الثقلين و هو الحديث المشهور عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بلزوم التمسك بالكتاب و العترة للنجاة من الضلال بعده و الابتعاد عن الهلكة.

و هنا يلتوي الطريق بالمؤلف و تتحكم فيه عاطفة التأثر و تتلاطم به أمواج التفكير فتلقيه على ساحل التحريف لهذا الحديث و تغييره عن أصله فيقول سلمه اللّه في ص 199:

و نقول إن إخواننا الإمامية يقولون إن رواية (و عترتي) هي شبه متواترة، و لكنا

137

نقول إن كتب السنة التي ذكرته بلفظ سنتي أوثق من الكتب التي روته بلفظ عترتي.

حديث الثقلين و أسانيده:

هكذا يطلق الأستاذ حكمه بأن قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي. قد نقلته كتب غير موثوق بها، و لكن الكتب الموثوقة نقلته بلفظ: كتاب اللّه و سنتي.

فأين هي هذه الكتب و كيف حكم بأنها أوثق من الكتب التي روتها بلفظ عترتي؟

أ ليس هذا شي‏ء يبعث على الدهشة، أ ليس هذا تجنيا على الحقائق العلمية، و ما ذا نقول حول هذا الحكم يا أخي القارئ؟! نحن في معرض تقرير حقائق نعرضها أمامك و إليك الحكم بكل حرية و اختيار.

نحاسب الشيخ على استنباطه هنا، و لا نوجه إليه أي كلمة، و إنما نحن مع القراء في بيان هذه الحقيقة، و هم يحاسبونه.

الشيخ يقول: إن كتب السنة التي ذكرته (أي هذا الحديث) بلفظ سنتي أوثق من الكتب التي روته بلفظ عترتي. انتهى.

و لعل هناك من يثق بقوله و لكن له أن يطالبه بالكتب التي روت بلفظ سنتي، و هو لم يشر إلى واحد منها، لأنه في معرض لف و دوران.

و هنا نوقف القارئ على تلك الكتب التي يفهم من لفظ المؤلف أنها غير موثوقة، و غيرها أوثق منها. فصح له أن يطعن فيها و يصدر حكمه، و هذه الكتب هي:

1- صحيح مسلم:

لمسلم بن الحجاج المتوفى سنة 261 ه، و هو أحد الصحيحين المعمول بكل ما فيها، و الموثوق عند الجميع، و قد قالوا فيه: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم‏ (1).

أخرج مسلم في صحيحه عن زيد بن أرقم خطبة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يوم الغدير و قوله فيها:

____________

(1) تذكرة الحفاظ ج 1 ص 104.

138

«و أنا تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به، فحث على كتاب اللّه و رغب فيه ثم قال: و أهل بيتي أذكر كم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي‏ (1).

2- الترمذي:

صحيح محمد بن عيسى المعروف بالترمذي المتوفى سنة 271 ه.

و قد وصفوه بأنه أنور من كتاب البخاري، و قد أخرج الحديث في صحيحه: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر: كتاب اللّه ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما (2).

3- المسند:

للإمام أحمد بن حنبل أخرج بسنده عن أبي سعيد الخدري أن النبي قال: إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، و إنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض.

و أخرجه أيضا عن أبي سعيد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: إني أوشك أن أدعى فأجيب و إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي أهل بيتي، كتاب اللّه حبل ممدود من السماء إلى الأرض، و عترتي أهل بيتي، و إن اللطيف الخبير أخبرني أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فانظروا بم تخلفوني فيهما.

و أخرجه أيضا بهذا اللفظ في ص 26.

4- المستدرك:

لأبي عبد اللّه الحاكم أخرجه من طريق زيد بن أرقم رضي اللّه عنه: قال لما رجع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من حجة الوداع و نزل غدير خم، أمر بدوحات فقمن فقال:

«كأني قد دعيت فأجبت، إني قد تركت فيكم الثقلين، أحدهما أكبر من الآخر:

____________

(1) صحيح مسلم ج 7 ص 122 مطبوعات مكتبة محمد علي صبيح و أولاده 24 ربيع الأول سنة 1334.

(2) صحيح الترمذي ج 2 ص 208.

139

كتاب اللّه و عترتي، فانظروا كيف تخلفوني فيهما، فإنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، ثم قال: إن اللّه مولاي، و أنا مولى كل مؤمن، ثم أخذ بيد علي فقال: من كنت مولاه فهذا عليّ مولاه، اللهم وال من والاه و عاد من عاداه- الحديث‏ (1).

5- تفسير ابن كثير:

و أخرجه أبو الفدا إسماعيل بن كثير الدمشقي المتوفى سنة 774 ه:

قام (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خطيبا بماء يدعى بخم بين مكة و المدينة فحمد اللّه و أثنى عليه و وعظ و ذكر ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«أما بعد ألا أيها الناس فإنما أنا بشر يوشك أن يأتيني رسول ربي فأجيب، و أنا تارك فيكم ثقلين أولهما كتاب اللّه تعالى فيه الهدى و النور فخذوا بكتاب اللّه و استمسكوا به- و رغّب ثم قال: و أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي أذكركم اللّه في أهل بيتي ثلاثا» (2) 6- الصواعق:

و أخرجه الحافظ ابن حجر في صواعقه بطرق مختلفة، و قال: و لهذا الحديث طرق كثيرة عن بضع و عشرين صحابيا (3).

7- الجامع الصغير:

و أخرجه جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي في الجامع الصغير، و قال الشيخ أحمد بن علي الشافعي في شرحه: إنه حديث صحيح و المراد أن العلماء منهم أي من عترة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يستمرون آمرين بما في الكتاب إلى قيام الساعة (4).

8- المواهب اللّدنية:

للحافظ ابن حجر العسقلاني و رواه عن أحمد بن حنبل من طريقين و قال‏

____________

(1) مستدرك الحاكم ج 3 ص 109.

(2) تفسير ابن كثير ج 3 ص 486.

(3) الصواعق المحرقة ص 136 ط 1.

(4) السراج المنير في شرح الجامع الصغير ج 2 ص 56.

140

محمد بن عبد الباقي في شرحه للمواهب: الرواية ثقلين بدون ألف و في رواية خليفتين.

و قال بعد ذكر لفظ عترتي: في الحديث تفصيل بعد إجمال أو بيان يعني: إن ائتمرتم بأوامر كتاب اللّه و انتهيتم بنواهيه و اهتديتم بهدي عترتي و اقتديتم بسيرتهم اهتديتم فلم تضلوا (1).

و قال القرطبي بعد ذكر هذا الحديث بلفظ عترتي:

و هذه الوصية و هذا التأكيد العظيم يقتضي وجوب احترام آله و برهم و توقيرهم و محبتهم، وجوب الفرائض التي لا عذر لأحد في التخلف عنها، هذا مع ما علم من خصوصيتهم به (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و بأنهم جزء منه كما قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): فاطمة بضعة مني. و مع ذلك قابل بنو أمية هذه الحقوق بالمخالفة و العقوق فسفكوا من أهل البيت دماءهم، و سبوا نساءهم و أسروا صغارهم، و جحدوا شرفهم و فضلهم و استباحوا سبهم و لعنهم، فخالفوا وصيته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قابلوا بنقيض قصده، فما أخزاهم إذا وقفوا بين يديه و يا فضيحتهم يوم يعرضون عليه.

و قال الشريف السمهودي: هذا الخبر يفهم وجود من يكون أهلا للتمسك به من عترته في كل زمن إلى قيام الساعة، حتى يتوجه الحث المذكور على التمسك به، كما أن الكتاب كذلك، و لذا كانوا أمانا لأهل الأرض فإذا ذهبوا ذهب أهل الأرض‏ (2).

و قال الزرقاني بعد شرحه لهذا الحديث الشريف:

قوله أولا: إني تارك فيكم. تلويح بل تصريح بأنهما كتوأمين خلفهما، و وصى أمته بحسن معاملتهما، و إيثار حقهما و التمسك بهما في الدين.

أما الكتاب فلأنه معدن العلوم الدينية و الأسرار و الحكم الشرعية، و كنوز الحقائق، و خفايا الدقائق.

و أما العترة فلأن العنصر إذا طاب أعان على فهم الدين، فطيب العنصر يؤدي إلى حسن الأخلاق و محاسنها يؤدي إلى صفاء القلب و نزاهته و طهارته، و أكد تلك‏

____________

(1) شرح المذاهب ج 8 ص 7.

(2) انظر شرح المواهب اللدنية ج 8 ص 7.

141

الوصية و قواها بقوله: (فانظروا بما ذا تخلفوني فيهما) هل تتبعوني فتسروني أو لا فتسيئوني؟ (1).

و ربما يختلج في نفس بعض القراء بأن هناك مصادر موثوقا بها تذكر هذا الحديث بلفظ سنتي بدل عترتي، و دفعا لذلك نشير إلى ما يحضرنا الآن من بقية المصادر التي روته بلفظ عترتي.

9- الخطيب البغدادي أخرجه عن حذيفة بن أسيد ج 8 ص 443.

10- الدارمي في فضائل القرآن ج 2 ص 431.

11- و أخرجه الطبراني من طريق زيد بن أرقم في الذخائر.

12- السيوطي في جامعه من ثلاث طرق: عن زيد بن ثابت، و زيد بن أرقم، و أبي سعيد الخدري.

و قال المناوي في شرحه ج 3 ص 15، قال الهيتمي: رجاله موثوقون.

13- الشيخ حمزة العدوي في مشارق الأنوار ص 146.

14- الشيخ محمد أمين المعروف بابن عابدين في رسائله ص 4.

15- الشيخ عبد اللّه الشبراوي في كتاب الأتحاف بحب الأشراف ص 6 و هامشه إحياء الميت بفضائل أهل البيت للسيوطي.

16- السيد خير الدين أبي البركات نعمان الآلوسي في غالية المواعظ ج 2 ص 87.

17- الشيخ عبد الرحمن النقشبندي في كتاب العقد الوحيد ص 78.

18- الحافظ الطبري في ذخائر العقبي ص 16 من عدة طرق.

19- و قد أفرد هذا الحديث بالتأليف: الحافظ محمد بن طاهر بن علي المعروف بابن القيصراني في كتاب خاص جمع فيه طرق هذا الحديث، و قد خرجه عن 27 صحابيا.

20- و كذلك خرجه إسحاق بن راهويه في مسنده.

____________

(1) انظر شرح المواهب اللدنية ج 8 ص 7.

142

21- و الحافظ ابن عقدة في الموالاة.

22- و أخرجه فقيه الحرمين محمد بن يوسف بن محمد الشافعي الكنجي المتوفى سنة 658 ه في كتابه كفاية الطالب.

23- الفصول المهمة لعلي بن محمد المالكي المكي المتوفى سنة 855 ه في ص 22 عند ذكره لخطبة يوم الغدير.

24- ابن حجر الهيتمي في شرح الهمزية ص 278.

25- إسعاف الراغبين المطبوع على هامش نور الأبصار.

26- علي بن محمد بن إبراهيم البغدادي المعروف بالخازن المتوفى سنة 725 ه أخرجه في تفسيره المعروف: بتفسير الخازن في الجزء الأول الصفحة الرابعة.

27- مقدمة تفسير الجامع المحرر الصحيح لعبد الحق بن أبي بكر بن عبد الملك الغرناطي بن عطية المتوفى سنة 543 ه المطبوعة مع مقدمة كتاب المباني ص 257.

28- دليل مباحث علوم القرآن المجيد لمحمد العربي الغزوزي ص 12. و غيرها من كتب التفسير و الحديث مما يطول بيانه.

حديث الثقلين في اللغة:

و قد نصت كتب اللغة المعتمد عليها بورود هذا الحديث بلفظ العترة نذكر منها:

القاموس المحيط في مادة ثقل قال: و الثقل محرك متاع المسافر و حشمه، و كل شي‏ء نفيس مصون، و منه الحديث: (إني مخلف فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي).

و قال محب الدين في التاج: في مادة ثقل عند ذكر الحديث: جعلهما ثقلين إعظاما لقدرهما و تفخيما لهما. و قال ثعلب: سماهما ثقلين لأن الأخذ بهما ثقيل و العمل بهما ثقيل.

و قال ابن الأثير في النهاية بعد أن ذكر قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي: سماهما ثقلين لأن الأخذ بهما و العمل بهما ثقيل، و يقال لكل شي‏ء نفيس مصون خطير ثقل ... الخ. و يقول في الجزء الثالث بعد التعرض لاحتمالات اللفظ التي تقع في نفوس انطوت على المناوأة و المعارضة لصالح الظلمة: «و المشهور المعروف أن عترته أهل بيته الذين حرمت عليهم الزكاة».

143

و قال الشيخ عبد اللّه البستاني في معجمه اللغوي البستان: الثقلان كتاب اللّه و عترة نبي المسلمين و منه الحديث.

و قال ابن منظور في لسان العرب في مادة ثقل: روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال في آخر عمره: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب اللّه و عترتي) قال ابن الأعرابي: إن العترة ولد الرجل و ذريته من صلبه و لا تعرف العرب من العترة غير هذا.

مقاصد المؤلف من التشكيك بالروايات:

هذا ما يحضرنا من المصادر الآن في بيان هذا الحديث، و لم أكن الآن بمعرض الاستدلال حول الإمامة و عقيدة الشيعة في ذلك، و الرد على المؤلف، إذ يحاول هدم عقيدة الشيعة في الإمامة بأمور افتراضية و أشياء غير واقعية.

أنا لا أريد ذلك فللشيعة حججهم من الكتاب و السنة و العقل ما لا تخدش بأمثال هذه الافتراضات و التخمينات، و قد ملأت كتب الأخبار، و الفلسفة، و الكلام، في النقاش و الجدل، و لم يكن نصيب الشيعة إلا الثبات و الغلبة لقوة الحجة و وضوح البرهان، و إن التعرض لذلك يجرنا إلى اتساع الموضوع و إطالة البحث.

فلسنا الآن بمعرض الاستدلال على إمامة أهل البيت (عليهم السلام) و عصمتهم، و أن الهدى باتباعهم، و أنهم حملة علم الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هديهم من هديه و علمهم من علمه، و قد طهرهم اللّه و أذهب عنهم الرجس، و هم كسفينة نوح من ركبها فقد نجا و من تأخر عنها غرق و هوى‏ (1) و مودتهم أجر الرسالة، و هم العاملون بالكتاب و هم عدله و حملته.

____________

(1) قال ابن حجر في شرح الهمزية ص 279: و صح حديث أهل بيتي سفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها هلك.

و قال الثعالبي في ثمار القلوب ص 29: قال رسول اللّه إن عترتي كسفينة نوح. من ركب فيها نجا و من تأخر عنها هلك، و أخذ هذا المعنى أبو عثمان الخالدي فقال:

أعاذل إن كساء التقى* * * كسانيه حبي لأهل الكساء

سفينة نوح فمن يعتلق* * * بحبلهم يعتلق بالنجاء

و قال الشيخ الحفني في تعليقه على هذا الحديث: و ما ألطف قول بعضهم في مدح آل البيت:

يا بحار الندى أ أخشى و أنتم* * * سفن للنجاة يوم المعاد

لست أخشى يا آل أحمد ذنبا* * * مع حبي لكم و حسن اعتقادي‏

و سيأتي بيان مخارج هذا الحديث.

144

و الأخبار متواترة، و الآيات متضافرة في الدلالة على علو قدرهم، و عظيم شأنهم، و أهليتهم لتحمل عب‏ء الإمامة و إن تمحل من تمحل في القول، و تأول من تأول في الاستدلال، فتلك أمور لا تقف أمام الواقع، و لا تحجب الحقيقة.

و إن الشيخ أراد أن يهدم عقيدة الإمامة أو يشكك في الاستدلال على ذلك، بما لا يصلح للاستدلال فإنه متساهل في أموره، متسامح في نقله، يستوحي من جدران مكتبته خواطر لا تتعداها، نسأل اللّه لنا و له التوفيق.

و يستمر فضيلة الشيخ أو القاضي المحترم في تأييد رأيه و دعم حكمه الصادر بنفي العلم الاستقلالي- كما بيناه- لأهل البيت، و الوصاية لهم، و أنهم مبلغون للرسالة المحمدية. بما يستأنس من مصادر يتعرف عليها الحق و يطبق بذلك قواعد العدل، فيذكر الرواية التي يستأنس من مصادر يتعرف عليها الحق و يطبق بذلك قواعد العدل، فيذكر الرواية التي ناقشناها من قبل، و أثبتنا كذبها لبعدها عن الحقيقة و الواقع، و إن سندها غير صحيح فهي لا تصلح للاستدلال، و هي الرواية القائلة بأن الإمام زين العابدين (شيخ العلويين و سيد الهاشميين و أعلم أهل عصره) كان يحضر في حلقة درس زيد بن أسلم، الشاب الذي لم تكن له أهلية التدريس في ذلك العصر.

و لكن المؤلف استأنس لهذه الرواية، و جعلها في درجة من الصحة، لا بصحة السند و لا بدلالتها و لكن لأنها مروية في كتاب حلية الأولياء. و إليك نص قوله:

و قد رواها- أي الرواية- صاحب حلية الأولياء بسند متصل نعتبره نحن سندا صحيحا صادقا، إلى أن يقول: و لا يضيق صدر إخواننا حرجا إذا استشهدنا بكتب ليست من كتبهم، فإنا قد رأينا أفاضل من كتّابهم يستشهدون على فضل الصادق، بنقول نقلها عنها، و لا بد أنه اعتبره صادقا في نقله، و من وصف بالصدق فهو صادق في كل ما ينقل، فالصدق خلة في الصادق لا تتجزأ.

و قد رددنا هذا من قبل فلا حاجة إلى الإعادة و لكنا نقول: إن هذا الحكم الذي نطق به الشيخ، و هو أن كل من نقل عن أحد خبرا يستشهد به فلا بد أن يلتزم بتصديق كل ما ينقل، و ما أدري من يقول هذا و من يقرره و يقره؟ أهم البيانيون أم المحدثون أم الفقهاء أم المؤرخون؟؟

و لعل الشيخ وحده يلتزم بهذه القاعدة و على هذا يلزمه أن يصدق بكل ما جاء في كتب جابر الجعفي (رحمه اللّه)، لأنه استشهد بما يرويه عن الإمام الباقر (عليه السلام) على‏

145

فضل أبي بكر و عمر، و استشهد بكتاب الإمام الصادق للشيخ المظفر، و استشهد بكتاب دعائم الإسلام و غيرها، فلا بد أنه اعتبرها صادقة، و لا حق له أن يقبل البعض و يرد البعض الآخر، إذ الصدق خلة لا تتجزأ كما يقول.

و هو لا يعترف بذلك و لكنها كلمة قالها، و نترك تقديرها و إيضاحها لعلماء البيان، و أهل الأدب من الكتّاب و المؤرخين.

و لعلنا في عودتنا لمناقشته نورد من كتاب الحلية الذي اعتبره بالذات صادقا فيما ينقل أحاديث لا يمكنه الاعتراف بها، و لا التصديق بموادها.

و لنطو صفحة المناقشة هنا و نتابع خطواتنا مع الأستاذ في قراراته و أحكامه، و هنا يفتح لنا الأستاذ جهة للاستدلال على ما يدعيه من نفي الاعتقاد بالإمامة.

اتجاه آخر في التشكيك بالروايات:

يحاول المؤلف أن يدعم حكمه بأدلة يظن أنها تنفع في طريق الاستدلال، و تنتج في أسلوب المقارنات، فهو هنا يذهب إلى أن الإمام الصادق ما كان يرى نفسه إماما في عصره، و أن منصب الإمامة مملوء بوجوده، و يستدل المؤلف على هذا الرأي بحادثة الأبواء عند ما اجتمع بنو هاشم للبيعة لمن يرتضونه، و أن الإمام الصادق (عليه السلام) قد امتنع عن بيعة محمد ذي النفس الزكية لصغر سنه، و أنه (عليه السلام) استعد لبيعة عبد اللّه بن الحسن، و قال له: امدد يدك أبايعك‏ (1) إلى آخر ما يذكره من جهة نظره.

إن أخبار يوم الأبواء مشهورة، و حوادثه متكررة، و القول بأن الإمام الصادق (عليه السلام) قال لعبد اللّه بن الحسن: امدد يدك أبايعك. إنما ذلك من وحي الخيال و الكذب في القول، و هو افتراء محض و تقوّل باطل، و النصوص التي تتكفل بيان هذا الحادث لا تذكر ذلك، و إن أصح كتاب يعتمد عليه في هذا: هو كتاب الإرشاد للشيخ المفيد، لأنه ينقل عن نسخة مقاتل الطالبيين التي هي بخط المؤلف، و قد أشار لذلك ناشر كتاب مقاتل الطالبيين في مصر السيد أحمد صقر سنة 1368 ه 1949 م بقوله: و لكتاب الإرشاد هذا أهمية خاصة لأنه ينقل عن نسخة أبي الفرج الأصفهاني نفسه.

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 203.

146

و لنضع بين يدي القراء النص الكامل لهذه القضية:

نص الرواية:

قال في الإرشاد: وجدت بخط علي بن الحسين بن محمد الأصفهاني في أصل كتابه المعروف بمقاتل الطالبيين:

أخبرني عمر بن عبد اللّه العتكي، قال حدثنا عمر بن شيبة، قال حدثني فضل بن عبد الرحمن الهاشمي و ابن داجة، قال أبو زيد و حدثني عبد الرحمن بن عمر بن جبلة، قال حدثني الحسن بن أيوب مولى بني نمير عن عبد الأعلى بن أعين، قال و حدثني إبراهيم بن محمد بن أبي الكرام الجعفري عن أبيه، قال و حدثني محمد بن يحيى عن عبد اللّه بن يحيى، و قال و حدثني عيسى بن عبد اللّه بن محمد بن علي عن أبيه، و قد دخل حديث بعضهم في حديث الآخرين أن جماعة من بني هاشم اجتمعوا بالأبواء، و فيهم إبراهيم بن محمد بن عبد اللّه بن عباس، و أبو جعفر المنصور، و صالح بن علي، و عبد اللّه بن الحسن، و ابناه محمد و إبراهيم و محمد بن عبد اللّه بن عمر بن عثمان.

فقال صالح بن علي: قد علمتم أنكم الذين يمد الناس إليهم أعينهم، و قد جمعكم اللّه في هذا الموضع فاعقدوا بيعة لرجل منكم، تعطونه إياها من أنفسكم، و تواثقوا على ذلك حتى يفتح اللّه و هو خير الفاتحين.

فحمد اللّه عبد اللّه بن الحسن و أثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن ابني هذا هو المهدي فهلم فلنبايعه.

قال أبو جعفر (أي المنصور): لأي شي‏ء تخدعون أنفسكم؟ و اللّه لقد علمتم ما الناس أميل أعناقا و لا أسرع إجابة منهم إلى هذا الفتى. يريد به محمد بن عبد اللّه.

قالوا: قد و اللّه صدقت إن هذا الذي نعلم. فبايعوا محمدا جميعا و مسحوا على يده.

قال عيسى: و جاء رسول عبد اللّه إلى أبي أن ائتنا فإنا مجتمعون لأمر، و أرسل بذلك إلى جعفر بن محمد (عليه السلام).

و قال غير عيسى: إن عبد اللّه بن الحسن قال لمن حضر: لا تريدوا جعفرا فإنا نخاف أن يفسد عليكم أمركم.

147

قال عيسى بن عبد اللّه بن محمد: فأرسلني أبي أنظر ما اجتمعوا له فجئتهم و محمد بن عبد اللّه يصلي على طنفسة مثنية، فقلت لهم أرسلني أبي إليكم أسألكم لأي شي‏ء اجتمعتم؟

فقال عبد اللّه: اجتمعنا لنبايع المهدي محمد بن عبد اللّه.

قال: و جاء جعفر بن محمد (عليه السلام) فأوسع له عبد اللّه بن الحسن إلى جنبه، فتكلم بمثل كلامه.

فقال جعفر (عليه السلام): لا تفعلوا فإن هذا الأمر لم يأت بعد، إن كنت ترى أن ابنك هذا المهدي فليس به و لا هذا أوانه، و إن كنت تريد أن تخرجه غضبا للّه، و ليأمر بالمعروف و ينهى عن المنكر، فإنا و اللّه لا ندعك فأنت شيخنا و نبايع ابنك في هذا الامر!!! فغضب عبد اللّه، و قال: لقد علمت خلاف ما تقول و و اللّه ما أطلعك اللّه على غيبه، و لكنه يحملك على هذا الحسد لابني.

فقال (الصادق): و اللّه ما يحملني، و لكن هذا و إخوته و أبناؤهم دونكم، و ضرب بيده على ظهر أبي العباس (السفاح) ثم ضرب بيده على كتف عبد اللّه بن الحسن و قال: إيها و اللّه ما هي إليك، و لا إلى ابنيك، و لكنها لهم، و إن ابنيك لمقتولان.

ثم نهض و توكأ على يد عبد العزيز بن عمران الزهري فقال: أ رأيت صاحب الرداء الأصفر يعني أبا جعفر فقال له: نعم. فقال إنا و اللّه نجده يقتله.

هذا هو نص رواية الإرشاد عن مقاتل الطالبيين كما هو موجود بكامله في الطبعة الأولى و الطبعة الثانية و ليس فيه كلمة (و إن شئت بايعتك) (1).

و المؤلف قد أضاف العبارة بعد ذلك ببيانه: إن الإمام الصادق (عليه السلام) قال لشيخ بني علي: امدد يدك أبايعك.

و إنا قد ذكرنا هذا النص بطوله ليتضح للقراء هل كان فيه ما يدل على الحكم الذي حكم به الشيخ في نفي الإمامة بالوصاية، و ما تعتقده الشيعة؟

و كان الأجدر به و اللائق بمقامه، أن يعطي كلمة الإمام الصادق (عليه السلام) حقها

____________

(1) إرشاد المفيد ص 259 و 260.

148

من الواقع و هي قوله لعبد اللّه: «إيها و اللّه ما هي إليك، و لا إلى ابنيك»، فكيف ينفيها عنه و يدعو عبد اللّه لقبول البيعة، إن هذا من التناقض بمكان، ثم إن قوله: فإنا و اللّه لا ندعك و أنت شيخنا. بعد قوله تريد أن تخرجه غضبا، لم يكن المراد منه لا ندعك عن البيعة كما ذكره، بل العبارة تدل على أنا لا ندعك تخرجه و تنصبه للخلافة و نبايعه.

و الخلاصة:

أن المؤلف يحاول فيما أورده نفي الإمامة كما تعتقد الشيعة، و أنه لا وصاية هناك، و لا شي‏ء يدل على أنها بالوراثة.

و قد أورد كلمة تقوّل فيها على الإمام الصادق و هي قوله: بل قال أولا لشيخ بني علي عبد اللّه بن الحسن: امدد يدك أبايعك.

و هذا القول لم يصدر من الإمام الصادق (عليه السلام)، بل هو استنتاج من الشيخ و افتراض، كما هو دأبه في كثير من أبحاثه، و على هذا الافتراض، و تلك المقدمات العقيمة الإنتاج، يحاول أن يصدر حكما و هو يظن أنه أصاب الهدف، و وصل إلى الغاية المطلوبة، و هي نفي الإمامة، سواء بالوراثة أو الوصاية. فيقول:

و ننتهي من ذلك إلى أن الإمام الصادق رضي اللّه عنه و عن آل بيته الكرام، لم يثبت ثبوتا قاطعا أنه اعتبر الإمامة تكون بالوصاية، و إن ثمة اثني عشر منصوصا عليهم، و إننا في حل من أن نقول: إن نسبة هذا إليه موضع نظر (1).

و نقول: بأن الشيخ لم يطلع على نصوص الوصاية و الوراثة، و لم يقف على أقوال الإمام الصادق (عليه السلام) في ذلك، و نحن في حلّ لنقول: إن هذا الحكم و هذا الاستنتاج، يدلان على قصر النظر و ضيق أفق التفكير.

و من الغريب أن الشيخ يظن أنه لا أثر وارد حول هذه المسألة، و لا رواية تدل على ذلك، و لا نص فيه إلا ما حدثه به الشيخ موسى جار اللّه في كتاب الوشيعة، نقلا عن الكافي حول حديث الوصاية الذي ذكره في أول الكتاب- إن صح ذلك- فإذا أبطله أو نقضه انتهى كل شي‏ء.

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 205.

149

و كتاب الوشيعة لموسى جار اللّه هو من أبرز الشواهد على الجهود السيئة و الأعمال المرفوضة التي تكشف عن الجهات التي تسعى إلى تفريق صفوف الأمة، و تمزيق وحدة المسلمين، لأن مضامينه لم تقم على وقائع مقررة و لا حقائق ثابتة إنما احتوت و شيعة جار اللّه خيوطا من اتهامات باطلة و مسمومة لا تنسج إلا على منوال التعصب و التحامل على آل البيت و قد تولى السيد عبد الحسين شرف الدين (رحمه اللّه تعالى) مهمة نقض الوشيعة ورد مسائلها، فكان الحجة شرف الدين بأسلوبه الرصين و علمه الفائق قد خدم الحقيقة و أدى ما عليه من أمانة. و لو استمع الشيخ أبو زهرة إلى نبرة التعصب و لهجة التعدي التي استولت على موسى جار اللّه لتردد كثيرا في الاعتماد عليه و استخلاص النصوص التي يحتاجها من بين ركامات الابتعاد عن الحق و الشذوذ عن الواقع الذي يتصف به كتاب جار اللّه.

و أود أن أنبه المؤلف أن الأحاديث الواردة في ذلك هي من الكثرة بمكان، و هي واردة بطرق معتبرة صحيحة، و كتب موثوق بها، لا ككتاب الوشيعة، و قد ألف جماعة من العلماء في ذلك كتبا خاصة في الوصاية. منهم: هشام بن الحكم، و الحسين بن سعيد، و الحكم بن مسكين، و علي بن المغيرة، و علي بن الحسين بن الفضل، و محمد بن علي بن الفضل، و أحمد بن محمد بن خالد البرقي، و علي بن رئاب، و يحيى بن المستفاد، و محمد بن أحمد الصابوني، و محمد بن الحسين بن فروخ، و علي بن الحسين المسعودي، و محمد بن الحسن الطوسي.

و كل هؤلاء من علماء القرن الثاني و الثالث و الرابع و غير هؤلاء من القدماء و المتأخرين، و باستطاعة المؤلف أن يرجع إلى مصادر أخرى فيما يكتب حول هذه الأمور الهامة، و إن كان الأولى و الأجدر به ترك الخوض في أمر لم يهضم مادته، و لم تتشبع روحه موضوعه، و لذلك فقد تحكم في شي‏ء لا يصح له أن يتحكم فيه، و ليس من صلاحيته ذلك.

إن عقيدة الشيعة في الإمامة، هي أمر جوهري، و فيه تختلف عن سائر الفرق، و لا يكون هذا إلا عن حجة قوية، و أدلة ظاهرة، و آراء صحيحة، و هي أهم مسألة كلامية تضاربت فيها الأفكار، و كثر حولها الجدل و النقاش على ممر العصور و الأيام.

و كأن المؤلف يجهل هذا!! فاعتبرها قضية اعتيادية، أو مسألة من مسائل التاريخ تدحض بقوله فارغ، و حجة لفظية. و لا يسعنا أن نعتذر له بقصر الباع و ضيق الاطلاع‏

150

في مثل هذا الأمر و هو يكتب عن أحد أئمة أهل البيت الذين ترى الشيعة أن إمامة الاثني عشر منهم من أركان الدين و هي من الأصول التي بني عليها الاعتقاد.

إن المسألة ذات أهمية كبرى، و ليس تأييدها أو نقضها يعود إلى نقل أبي الفرج و أمثاله أو كتاب الوشيعة، أو تبتنى على ظنون و تخمينات.

و باستطاعتنا أن نقدم له بعض النصوص الصريحة في الأئمة الاثني عشر (عليهم السلام)، و ما ورد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ذلك، و ما جاء عن الإمام الصادق (عليه السلام) من الروايات الكثيرة.

و لكن الشيخ إنما يكتب بنظره كما يشير إلى ذلك في ص 205 بقوله: و إننا كما قررنا نكتب عن الصادق بنظرنا لا بنظر إخواننا وحدهم- و لا ندري من هم إخوانه-؟

و مع هذا فلا يصح أن نطيل المقام معه، لأن في نظره التشكيك فيما يروى في ذلك من أحاديث في الوصاية للأئمة.

و هل أشهر من حديث الغدير و الوصاية لعلي (عليه السلام) مما ملأ سمع الدنيا، و شهد به جماعة من الصحابة يربو عددهم على المائة صحابي، و ألفت فيه كتب قيمة، من جميع علماء الإسلام، و مع ذلك فهو عند الشيخ موضع نظر.

و كذلك حديث الثقلين و وروده في كتب صحيحة موثوق بها، و هو يراها غير موثوقة، بدون حجة كما تقدم، فلنترك الحديث هنا، و نتجاوز هذا الموضوع؛ و نغض الطرف عما فيه من و خزات و طعون تخالف ما يتظاهر به من الدعوة لترك الحزازات و الخصومة.

حول الصحابة:

ليست دراسة الآراء حول الصحابة باليسيرة الممهدة، لوجود عقبات تعترض السبيل و لا يمكن التغلب عليها بسهولة.

و قد أشرت لما يتعلق في هذه المسألة في الجزء الثاني من هذا الكتاب بموجز من البيان، و كان بودي عدم التعرض لها، إذ هي مشكلة وقف التاريخ أمامها ملجما، و اختفت الحقيقة فيها وراء ركام من الآراء، فالتوت الطرق الموصلة إليها، كما أثيرت حولها زوابع من المشاكل و الملابسات، و لم تعالج القضية بدراسة علمية، ليبدو جوهر المسألة واضحا، و تبرز الحقيقة كما هي.

151

و حيث إن المؤلف تحول إلى بيان رأي الإمام الصادق (عليه السلام) في الصحابة و بالطبع أن رأيه (عليه السلام) هو ما عليه أهل البيت أجمع، فلنر ما هو رأي الإمام الصادق (عليه السلام) الذي يريد أن يبينه الأستاذ لقرائه و بعده نعود لأصل المسألة و بيان الحقيقة فيها.

يقول في ص 207 تحت عنوان: رأيه في الصحابة.

و كان الصادق كآبائه يعتبر الطعن في أبي بكر و عمر و عثمان رضي اللّه عنهم مخالفا للسنة؛ و قد أثر ذلك عن جده زين العابدين، كما أثر ذلك عن أبيه الباقر، و قد أثر عنه أيضا أو على الأقل لم يوجد دليل على المخالفة، و الأصل الموافقة.

و إلى هنا لم يظهر لنا ما ينطبق على العنوان من بيان رأي الإمام الصادق (عليه السلام) في الصحابة، و ما ذكره لا يصلح أن يكون عاما، إذ هو لجهة خاصة فليس الكلام يدور حول الخلفاء الثلاثة، و مع ذلك فلم يبين رأي الإمام الصادق و ما ذكره عن الإمام زين العابدين من الأثر فهو لا يدل على ذلك حتى يقيس عليه- إن صح الأثر-.

ثم ننتظر من الأستاذ أن يبين لنا رأي الإمام الصادق في الصحابة، فيذكر لنا رواية عن الحلية بأن الإمام الصادق (عليه السلام) كان يستشهد بأعمال أبي بكر بعد أن ذكر رواية جابر الجعفي، و هي عن الحلية أيضا في النهي عن تناول أبي بكر و عمر.

و نحن لا نريد هنا أن نناقش ما رواه صاحب الحلية، و لكنا نريد أن يبين لنا ما يدل عليه العنوان بعمومه، فليست القضية قضية أفراد، و لا قضية الطعن في أبي بكر و عمر.

و بعد ذلك يقرر الأستاذ، و ينطق بالحكم و هو قوله في ص 208:

إن أصحاب محمد جميعا كانوا محل تقدير جعفر و أبيه الباقر، رضي اللّه عنهما.

و نحن هنا نتساءل من أين استنتج هذا الحكم؟ و على أي بينة اعتمد، أ يكون التقدير للبعض تقديرا للجميع؟ و هل يجعل تقدير الخلفاء الثلاثة تقديرا لباقي الصحابة أجمع، كما أن الطعن على البعض طعن على الجميع؟ هذا أمر لا نعرفه و ليس من رأي شيعة أهل البيت.

و لنصغ لبقية قوله بعد هذا فيقول: و قد سئل الإمام محمد الباقر عن قوله تعالى:

152

إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ [المائدة: 55].

فقال (عليه السلام): أصحاب محمد.

فقال السائل: يقولون هو علي. فقال الإمام المتبع: علي منهم.

رأي الشيعة في الصحابة:

إنه ليست المسألة مسألة بيان رأي الإمام الصادق (عليه السلام) في الصحابة و إنما الأمر يدور حول عقيدة الشيعة في الصحابة، فإذا ثبت أن جميع الصحابة محل تقدير الإمام الصادق و أبيه الباقر (عليه السلام)، فإن الثابت أن الشيعة لا يذهبون إلى ذلك، و لا بد هنا أن نذكر بعض ما يتعلق بهذه المسألة و فروضها ثلاثة:

الأول: إن الصحابة كلهم عدول أجمعين، و ما صدر منهم يحتمل لهم، و هم مجتهدون و هذا هو رأي الجمهور من السنة.

الثاني: إن الصحابة كغيرهم من الرجال و فيهم العدول، و فيهم الفساق، فهم يوزنون بأعمالهم، فالمحسن يجازى لإحسانه، و المسي‏ء يؤخذ بإساءته. و هذا رأي الشيعة.

الثالث: إن جميع الصحابة كفار- و العياذ باللّه- و هذا رأي الخارجين عن الإسلام و لا يقوله إلا كافر، و ليس من الإسلام في شي‏ء.

هذه ثلاثة فروض للمسألة و هنا لا بد أن نقف مليا لنفحص هذه الأقوال: أما القول الثالث فباطل بالإجماع و لم يقل به إلا أعداء الإسلام أو الدخلاء فيه. و أما القول الأول و هو أشبه شي‏ء بادعاء العصمة للصحابة، أو سقوط التكاليف عنهم، و هذا شي‏ء لا يقره الإسلام، و لا تشمله تعاليمه.

بقي القول الوسط و هو ما تذهب إليه الشيعة، من اعتبار منازل الصحابة حسب الأعمال، و درجة الإيمان و ذلك:

إن الصحبة شاملة لكل من صحب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو رآه أو سمع حديثه، فهي تشمل المؤمن و المنافق، و العادل و الفاسق، و البر و الفاجر، كما يدل عليه قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في غزوة تبوك عند ما أخبره جبرئيل بما قاله المنافقون: إن محمدا يخبر بأخبار السماء و لا يعلم الطريق إلى الماء، فشكا ذلك إلى سعد بن عبادة.

153

فقال له سعد: إن شئت ضربت أعناقهم. قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه و لكن نحسن صحبتهم ما أقاموا معنا».

فالصحبة إذن لم تكن بمجردها عاصمة تلبس صاحبها أبراد العدالة؛ و إنما تختلف منازلهم و تتفاوت درجاتهم بالأعمال.

و لنا في كتاب اللّه و أحاديث رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كفاية عن التمحل في الاستدلال على ما نقوله؛ و الآثار شاهدة على ما نذهب إليه؛ من شمول الصحبة و أن فيهم العدول من الذين صدقوا ما عاهدوا عليه اللّه، و رسخت أقدامهم في العقيدة، و جرى الإيمان في عروقهم، و أخلصوا للّه فكانوا بأعلى درجة من الكمال، و قد وصفهم اللّه تعالى بقوله:

أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ تَراهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَ رِضْواناً سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ مَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى‏ عَلى‏ سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَ أَجْراً عَظِيماً (1).

و هم المؤمنون‏ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتابُوا وَ جاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَ أَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ‏ (2).

و قد أمر اللّه تعالى باتباعهم و الاقتداء بهم بقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَ كُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ‏.

و فيهم‏ وَ السَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهاجِرِينَ وَ الْأَنْصارِ وَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَ رَضُوا عَنْهُ وَ أَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ‏ (3).

هؤلاء من أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و من يستطع أن يقول فيهم ما لا يرضي اللّه تعالى و يخالف قوله.

كما أن الصحبة تشمل من مردوا على النفاق، و الذين ابتغوا الفتنة من قبل و قلبوا

____________

(1) سورة الفتح، آية: 29.

(2) سورة الحجرات، آية: 15.

(3) سورة التوبة، آية: 100.

154

لرسول اللّه الأمور، و أظهروا الغدر، حتى جاء الحق و ظهر أمر اللّه و هم كارهون.

و فيهم من كان يؤذي رسول اللّه و قد وصفهم اللّه بقوله: وَ مِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَ يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ‏ (1) إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ وَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذاباً مُهِيناً [الأحزاب: 57] وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ [التوبة: 61].

و فيهم المخادعون و الذين يظهرون الإيمان، و قد وصفهم اللّه تعالى بقوله:

وَ مِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَ بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَ ما هُمْ بِمُؤْمِنِينَ. يُخادِعُونَ اللَّهَ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ ما يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَ ما يَشْعُرُونَ‏ [البقرة: 8 و 9] وَ إِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَ إِذا خَلَوْا إِلى‏ شَياطِينِهِمْ قالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّما نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ‏ [البقرة: 14].

وَ مِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتانا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَ لَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ. فَلَمَّا آتاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَ تَوَلَّوْا وَ هُمْ مُعْرِضُونَ. فَأَعْقَبَهُمْ نِفاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلى‏ يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِما أَخْلَفُوا اللَّهَ ما وَعَدُوهُ وَ بِما كانُوا يَكْذِبُونَ‏ [التوبة: 75- 77].

و الحاصل أن الصحبة منزلة عظيمة، و فضيلة جليلة، و هي بعمومها تشمل من امتحن اللّه قلبه للإيمان، و أخلص للّه، و جاهد و ناصر، و من رقي درجة الكمال النفساني، فكان مثالا لمكارم الأخلاق، و هم يخشون اللّه و يمتثلون أوامره، كما وصفهم تعالى بقوله: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَ إِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَ عَلى‏ رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَ مَغْفِرَةٌ وَ رِزْقٌ كَرِيمٌ‏ (2).

كما أنها تشمل من لم يدخل الإيمان قلبه‏ يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ‏ [الفتح: 11] و اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ. ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى‏ قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لا يَفْقَهُونَ‏ [المنافقون: 2 و 3].

فنحن لا نرتاب في ديننا، و لا نخالف قول ربنا و ما جاء عن رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أهل بيته، في تمييز منازل الصحابة، و درجاتهم فنتبع الصادقين و نوالي المؤمنين، و ندين اللّه‏

____________

(1) سورة التوبة، آية: 61.

(2) سورة الأنفال، آية: 2 و 3 و 4.