الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
155

بحب من رضي اللّه عنهم، بما أحسنوا الصحابة، و أبلوا البلاء الحسن في نصرة الدين، و ندعو اللّه في كل آن عن عقيدة خالصة بدعاء سيدنا الإمام زين العابدين (عليه السلام) في صحيفته المعروفة بزبور آل محمد في دعائه لاتباع الرسل:

اللهم و أتباع الرسل و مصدقوهم من أهل الأرض بالغيب، عند معارضة المعاندين لهم بالتكذيب، و الاشتياق إلى المرسلين بحقائق الإيمان، في كل دهر و زمان، أرسلت فيه رسولا، و أقمت لأهله دليلا، من لدن آدم إلى محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من أئمة الهدى، و قادة أهل التقى على جميعهم السلام.

اللهم و أصحاب محمد خاصة، الذين أحسنوا الصحابة، و الذين أبلوا البلاء الحسن في نصره، و كانفوه، و أسرعوا إلى وفادته، و سابقوا إلى دعوته و استجابوا له حيث أسمعهم حجة رسالاته؛ و فارقوا الأزواج و الأولاد في إظهار كلمته، و قاتلوا الآباء و الأبناء في تثبيت نبوته، و انتصروا به، و من كانوا منطوين على محبته يرجون تجارة لن تبور في مودته، و الذين هجرتهم العشائر إذ تعلقوا بعروته، و انتفت منهم القرابات إذ سكنوا في ظل قرابته فلا تنس لهم اللهم ما تركوا لك و فيك، و أرضهم من رضوانك، و بما حاشوا الخلق عليك، و كانوا مع رسولك دعاة لك و إليك، و أشكرهم على هجرتهم فيك ديار قومهم، و خروجهم من سعة المعاش إلى ضيقه ...

هؤلاء هم محل تقدير أهل البيت، و شيعتهم لا يتعدون ما رسموه لهم و أوضحوه بتعاليمهم؛ و نشكو إلى اللّه ما تجناه المغرضون، و ما يقوله المهرجون من أن الشيعة يطعنون بجميع الصحابة أو يكفرونهم- و العياذ باللّه- و نحن ندين اللّه بموالاة أصحاب محمد الذين أحسنوا الصحابة و مدحهم اللّه تعالى في كتابه العزيز، كما نتبرأ ممن أساء إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و آذاه و من ارتكب الجرائم و خالف أوامر الإسلام.

و نحن لا نتنازل عن بغض من ظلم أهل البيت و عاداهم، و أعلن الحرب عليهم، و آذى رسول اللّه فيهم، فأولئك لا نتبرأ من البراءة منهم، و نتقرب إلى اللّه في معاداتهم، لأنهم ظالمون.

مناقشة أبي زهرة بمسألة الصحابة:

و نعود إلى الحديث مع الشيخ و مناقشته بعد أن ذهبنا في الموضوع إلى بيان ما يتعلق بمسألة الصحابة من حيث هي، إجمالا في البيان، و اختصارا للكلام، و إلا

156

فالأمر يدعو إلى مزيد من البيان، وسعة في البحث، لأنها أعظم مشكلة حلت في الجامعة الإسلامية، فقد أريقت دماء أتباع أهل البيت بحجة سب الصحابة، أو سب الشيخين، و قد أفتى علماء الدولة بأن ساب الشيخين يقتل و لا تقبل توبته، إلى آخر ما هنالك من أمور كانت أعظم سبب في تفرقة الصف الإسلامي، و هي مثار لكثير من المشاكل التي أحاطت بالمجتمع.

نعم نعود فنسائل فضيلة الشيخ عن قوله: إن أصحاب محمد جميعا كانوا محل تقدير جعفر و أبيه. فما هو الدليل على ذلك؟ و أي أثر استنتج منه هذا القول؟ و كيف صح هذا التعبير؟!! أ يصح أن يقال: إن جميع الصحابة كانوا محل تقدير جعفر و أبيه؟! و إن كل من و سم في الصحبة هو عادل، كما هو رأي الجمهور من السنة، و بهذا تظهر مخالفة الشيعة لأهل البيت و ذلك قول لا يسنده برهان و لا تدعمه حجة.

أ يكون أولئك الذين وصفهم القرآن بصفات الكمال و العدالة و حقيقة الإيمان، هم و أهل الجرائم و من يراءون الناس فيقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم على حد سواء!!! أ نقول بعدالة الجميع و نعصب عيوننا عن تلك المشاهد المؤلمة، التي مثلها بعض من وسم بالصحبة؟! أم نصم أسماعنا عن أصوات المظلومين الذين تجرعوا الغصص و المصائب من سوء أعمال من وسموا بالصحبة؟!.

و إن أجلى مثال لما نقوله، و أصدق صورة لما نبينه، هو عهد معاوية، ذلك العهد الظالم، و الدور المظلم و هو معدود من الصحابة، و قد وازره على ذلك عدد يعدون منهم: كمروان بن الحكم، و المغيرة بن شعبة، و سمرة بن جندب، و بسر بن أرطاة، و عمرو بن العاص، و غيرهم.

و لنترك الحديث للمؤلف نفسه عن ذلك العهد الأسود، و نرجع إلى الوراء قليلا، و نصغ لبعض حديثه هناك عن أعمال معاوية و أعوانه، إذ يقول في ص 114:

لقد ارتكب معاوية بن أبي سفيان أشد ما ارتكب لطمس معالم الشورى في الحكم الإسلامي، فقد عهد إلى ابنه يزيد بن معاوية، فحول الخلافة إلى ملك عضوض، بل إلى ملك فاجر، و قد زعم و هو يعهد إلى ابنه بأنه يقتدي في أبي بكر و عمر ...

157

و يقول: أما معاوية بن أبي سفيان فقد علم فيه التاريخ ما علم، و قد قال في هذا المقام الحسن البصري: «أربع خصال في معاوية لو لم تكن إلا واحدة لكانت موبقة:

خروجه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها بغير مشورة منهم، و استخلافه يزيد و هو يسكر و يلبس الحرير، و يضرب بالطنابير، و ادعاؤه زيادا و قد قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): الولد للفراش، و للعاهر الحجر، و قتله حجر بن عدي» (1).

و يقول في ص 116: و هنا مثل آخر لتأثير الوقائع على الآراء: ما سنه معاوية من سنة سيئة: و هي لعن علي سيف الإسلام على المنابر، فإن ذلك له تأثير شديد في نفوس المؤمنين، لأن ما ثبت لعلي من سابقات مكرمات، لا يمكن أن يذهب إذا وقف منافق يلعنه، بل إن ذلك يزيد منزلته في النفوس تمكينا، إذ يحس الناس بغضاضة الظلم، و فحش العمل، فيلعنون في نفوسهم و مناجاتهم- من يلعن سيف اللّه الذي سله على الشرك، و لذلك سادت النقمة و لم تعلن الحروب على من يأمرون بلعن الإمام العالم، التقي رضي اللّه عنه، و عن آله الأطهار، و إذا كان قد روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال لعلي (كرم اللّه وجهه): «لا يحبك إلا مؤمن، و لا يبغضك إلا منافق» (2) فقد علم الذين شاع بينهم الخبر وصف النبوة لهؤلاء الذين سنوا سنة السوء.

و قال في ص 112: و قد لام كثيرون معاوية على ذلك العمل (أي سب علي (عليه السلام)) البالغ أقصى حدود الحقد، و لقد أرسلت أم المؤمنين السيدة أم سلمة تقول له: «إنكم تلعنون اللّه و رسوله؛ إذ تلعنون علي بن أبي طالب و من يحبه، و أشهد أن اللّه و رسوله يحبانه».

و قال في ص 116: و لكن تعلل معاوية في خروجه بأن الاختيار لمن في المدينة و غيرها من الأمصار، و لا حكم لعلي ما دام اختياره لم يتم بالعرب في جميع الأمصار الإسلامية كلها، و لكن ذلك التعلل لم يمنع من أن يحكم عليه بالإجماع أنه كان باغيا، و إن ترفق بعضهم فسماه متأولا، و لكن يجب على المترفق أن يقول: إن تأويله كان‏

____________

(1) المنية و الأمل و حجر بن عدي خرج على معاوية ثم آمنه ثم قتله غدرا.

(2) روى هذا الحديث مسلم في صحيحه ج 1 ص 64 و النسائي في الخصائص ص 27 و الطبري في ذخائر العقبى ص 91 و ابن عبد البر في الاستيعاب ج 1 ص 37 بهامش الإصابة و الخفاجي في شرح الشفاء ج 3 ص 457 و غيرهم.

158

باطلا لا يبرر خروجه على مثل إمام الهدى علي بن أبي طالب، إن كان للدين سلطان على نفسه.

هذا بعض ما حدثنا به المؤلف عن أعمال معاوية و حزبه، و فيهم من وسموا بالصحبة و كانوا في عداد الصحابة؛ و على هذا أ يصح أن يكون أمثال هؤلاء محل تقدير جعفر و أبيه؟ و هم يعلنون سب علي (عليه السلام) حتى ورد أنه كان في أيام بني أمية أكثر من سبعين ألف منبر يلعن عليها علي (عليه السلام) بما سنه لهم معاوية بن أبي سفيان.

و أخرج الدار قطني: إن مروان بن الحكم قال: ما كان أحد أدفع عن عثمان من علي.

فقيل له: ما لكم تسبونه على المنابر؟ فقال: إنه لا يستقيم لنا الأمر إلا بذلك.

و قد أشار إلى ذلك العلامة أحمد الحفيظ الشافعي في أرجوزته:

و قد حكى الشيخ السيوطي أنه* * * قد كان فيما جعلوه سنه‏

سبعون ألف منبر و عشره* * * من فوقهن يلعنون حيدره‏

و هذه في جنبها العظائم* * * تصغر بل توجه اللوائم‏

فهل ترى من سنها يعادى* * * أم لا و هل يستر أو يهادى‏

أو عالم يقول عنه نسكت* * * أجب فإني للجواب منصت‏

و ليت شعري هل يقال اجتهدا* * * كقولهم في بغيه أم ألحدا

أ ليس ذا يؤذيه أم لا فاسمعن* * * إن الذي يؤذيه يؤذي من و من‏

بل جاء في حديث أم سلمه* * * هل فيكم اللّه يسب منه له‏ (1)

عاون أخا العرفان في الجواب* * * و عاد من عادى أبا تراب‏

فكيف يكون هؤلاء محل تقدير جعفر و أبيه كما يقرره المؤلف؟؟!! أ يكون المغيرة بن شعبة الذي كان يلعن عليا على منبر الكوفة؛ و يدعو الناس إلى البراءة منه محلا للتقدير؟؟.

أم سمرة بن جندب الذي أراق دماء المسلمين؛ و هتك الحرمات عند ولايته على البصرة من قبل زياد في عهد معاوية؟ و كان ممن يحث الناس على الخروج‏

____________

(1) هكذا ورد الأصل و الوزن لا يستقيم و المعنى غير واضح.

159

لحرب الحسين (عليه السلام)؛ و قد وضع أحاديث فيما يؤيد معاوية و يشد عضده.

أم بسر بن أرطاة ذلك السفاك لدماء المسلمين؛ و من هتك حرماتهم و قد سبى نساء المسلمين في اليمن؛ و أقامهن في الأسواق للبيع؛ فكان يكشف عن سوقهن فأيهن أعظم ساقا اشتريت‏ (1).

أم أبو الغادية قاتل عمار بن ياسر (رضوان اللّه عليه) و قد قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يا عمار تقتلك الفئة الباغية.

و هكذا مما لا يسع المقام تعدادهم؛ و هم الذين آزروا الحكم الأموي الغاشم، و أعلنوا الحرب على أهل البيت؛ و اشتركوا في إراقة تلك الدماء الزكية.

و لا نريد هنا أن نعود إلى زمان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فنعطي صورة عمن و سموا بصحبته و لكنهم انحرفوا عن الحق و خالفوا أوامره‏ (2).

و نحن ندين اللّه بحب من أحسن الصحبة؛ و نتبرأ ممن أساء و انحرف عن الحق.

و نعود مع الشيخ من جديد إلى الرواية التي أوردها حول آية الولاية و لعله استنتج منها حكمه السابق و إن كانت لا تنتج شيئا.

آية الولاية:

هذه الآية الكريمة و هي قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ. وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ (3).

هذه الآية الكريمة نزلت في الإمام علي (عليه السلام)؛ و يكاد المفسرون يجمعون على ذلك؛ و رواه كثير من حفاظ الحديث عن علي (عليه السلام)؛ و عبد اللّه بن عباس؛ و عمار بن ياسر، و أبي رافع.

و أخرجه الخطيب في المتفق؛ و ابن مردويه في مسنده، و كنز العمال و منتخبه، و إسحاق النيسابوري في تفسيره.

و قد نقل إجماعهم هذا القوشجي في مبحث الإمامة من شرح التجريد. و أخرج‏

____________

(1) الاستيعاب بهامش الإصابة ج 1 ص 158.

(2) قد ذكرنا في الجزء الثاني من هذا الكتاب بعضا منهم فراجع.

(3) سورة المائدة، آية: 55 و 56.

160

الطبراني في الأوسط بسند عن عمار بن ياسر قال: وقف سائل على علي بن أبي طالب و هو راكع في تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل؛ فنزلت‏ إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏.

و قال السيوطي في اللباب: و له شاهد: قال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية.

و أخرج ابن جرير عن مجاهد و ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل مثله فهذه شواهد يقوّي بعضها بعضا (1).

و قال الواحدي في أسباب النزول: إن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب لأنه أعطى خاتمه سائلا و هو راكع؛ و عن ابن عباس: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خرج إلى المسجد و الناس بين قائم و راكع فنظر سائلا فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): هل أعطاك أحد شيئا؟.

قال: نعم خاتم.

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من أعطاكه؟

قال: ذاك القائم و أشار بيده إلى علي (عليه السلام).

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطاني و هو راكع فكبر رسول اللّه ثم قرأ: وَ مَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ‏ [المائدة: 56].

هذا بعض ما ورد حول هذه الآية نذكره بإيجاز للتنبيه على عدم صحة ما نسب للإمام أبي جعفر الباقر (عليه السلام) حول آية الولاية أنها لجميع الصحابة.

و قد ورد عنه (عليه السلام) بطرق صحيحة، أنه (عليه السلام) قال: أمر اللّه عز و جل بولاية علي (عليه السلام) و أنزل قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ [المائدة: 55].

و كذلك ورد عن ولده أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) كما رواه عبد الأعلى قال:

قلت لأبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام): الأوصياء طاعتهم مفترضة؟.

قال: نعم هم الذين قال اللّه عز و جل فيهم: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏ الآية.

____________

(1) اللباب للسيوطي ص 9.

161

و عن الحسين بن أبي العلاء قال: ذكرت لأبي عبد اللّه قولنا في الأوصياء: إن طاعتهم مفترضة.

فقال (عليه السلام): نعم هم الذين قال اللّه عز و جل فيهم: أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ‏ [النساء: 59] و هم الذين قال فيهم: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا [المائدة: 55].

و على أي حال: فإن المؤلف لم يبين لقرائه رأي الإمام الصادق (عليه السلام) في الصحابة، و لم يأت بأثر عنه في ذلك، و الواقع أن الغرض لم يتعلق ببيان رأي الإمام الصادق (عليه السلام) في ذلك، و لكن الغرض يدور حول معتقد الشيعة- و قد أشرنا إليه- و هل أنهم يتبعون أهل البيت أم لا؟.

أما الجهة التي تعرض لها و هي الطعن في الشيخين أو الخلفاء فإنا نقول: من هو الذي يقول إن الأئمة يجوزون ذلك؟ و إن الشيعة يعتقدون هذا؟ و لنترك الجواب لسماحة الأستاذ الأكبر المغفور له حجة الإسلام الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء (رحمه اللّه).

قال بعد ذكر الاختلاف في الخلافة في بحث الفروق الجوهرية بين الطائفتين‏ (1): «نعم و نريد أن نكون أشد صراحة من ذلك، و لا نبقي ما لعله يعتلج أو يختلج في نفس القراء فنقول: لعل قائلا يقول: إن سبب العداء بين الطائفتين أن الشيعة ترى جواز المس من كرامة الخلفاء، أو الطعن فيهم، و قد يتجاوز إلى السب و القدح، مما يسي‏ء الفريق الآخر و يهيج عواطفهم فيشتد العداء و الخصومة بينهم.

و الجواب أن هذا لو تبصرنا قليلا و رجعنا إلى حكم العقل، بل و الشرع أيضا لم نجده مقتضيا للعداء أيضا.

أما أولا: فليس هذا من رأي جميع الشيعة، و إنما هو رأي فردي من بعضهم، و ربما لا يوافق عليه الأكثر، كيف و في أخبار أئمة الشيعة النهي عن ذلك؟! فلا يصح معاداة الشيعة أجمع لإساءة بعض المتطرفين منهم. الخ.

و ما أكثر الشواهد على تفنيد تلك المزاعم و كذب تلك الأقوال حول عقيدة الشيعة في الصحابة.

____________

(1) مجلة الإسلام السنة الثانية العدد 2 ص 227- 228 تحت عنوان: بيان للمسلمين.

162

و مما تجدر الإشارة إليه أن المؤلف يوافق القائلين بأن الشيعة يطعنون على جميع الصحابة بدون استثناء، كما أشرنا لذلك، و لكنه بعد برهة من المضي في بحثه يعترف بخطئه و يستغفر من ذنبه، و ذلك بعد أن وقف على ما نقله عن ابن أبي الحديد و أورده في ص 209 عقبه بقوله: و لا شك أن هذا الرأي معتدل في هذا الجزء كل الاعتدال، و يكون تعميم الحكم عليهم بأنه في ماضيهم يستسيغون سب الصحابة، و إذا كانت بعض عباراتنا فيما كتبنا تفيد التعميم فإنا نستغفر اللّه عنها، و نقول: يجب تخصيص هذا العام.

و هكذا يتراجع الشيخ عن رأيه و ينقض حكمه، و يعترف بخطئه و يستغفر من ذنبه. و أن هذا الحكم الجائر: و هو تعميم سب الشيعة لجميع الصحابة أو بعضهم هو أمر دبّر بليل، و خطة مرسومة من قبل ولاة أمر حاولوا القضاء على أتباع آل محمد، فقد جعلوا ذلك وسيلة للقضاء عليهم، إذ رموهم بالزندقة و الكفر و قد وجدت السياسة بهذا الحكم الجائر أقرب طريق للقضاء على الشيعة، و هم خصوم لا تلين قناتهم، و لا يرهبهم الموت، و لا تفزعهم أهوال الإشاعات الكاذبة، ما داموا على بينة من أمرهم في المحافظة على وصية النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في آله، فهم أهل الحق و أئمة الهدى و مهما كلفهم الأمر في ذلك من تحمل المحن، و مواجهة المصاعب فهم لا يزدادون إلا إيمانا، و رسوخ عقيدة، و لم تقعد بهم تلك الإشاعات المغرضة، و الأقوال المكذوبة التي كان يروجها دعاة السوء و أعوان الظالمين.

و إن الشيخ أبو زهرة قد أطلق حكمه بدون دراسات للبينات، أو وقوف على حقيقة الأمر، و إنما كان ذلك لتأثره بتلك الدعايات الكاذبة، و قد اعترف بخطئه و استغفر من ذنبه.

و فيما قدمناه كفاية عن الإطالة، لأننا قررنا الاختصار في البحث و ترك المناقشة لأمور استوجبت ذلك. إننا نترك الكثير من الأشياء التي تلفت النظر و تستوجب المناقشة، و نشير للبعض بموجز من القول حتى ننتهي إلى الحد الذي تقرر الوقوف عليه و الافتراق منه.

و لهذا فإنا نسرع الخطى، و لا نقف عند أكثر نقاط المناقشة، فنمر على ما يذكره حول رأي الإمام الصادق (عليه السلام) في شروط الإمامة ص 211 و قوله: إننا لا نتفق مع‏

163

إخواننا الإمامية في الإمامة كانت بالنص إلى آخر ما يقوله و لا نتعرض له بشي‏ء، لأنا قد بينا هناك ضعف أدلته، و عقم استنتاجه، فلنتركه و رأيه.

كما أننا نترك التعليق على ما يقوله في ص 212: إننا لا نعرف للإمام رأيا مقطوعا بنسبته في ذلك، لأن الذين كانوا يتشيعون له ... الخ.

و هنا لا نقف معه، لأن المقطوع به أن الأخ المؤلف لم يصل بدراسته إلى إيضاح رأي من آراء الإمام الصادق (عليه السلام)، و لم يوضح لقرائه من ذلك شيئا.

و من الحق أن نقول: إن المؤلف قليل العدة من المصادر التي يتعرف على آراء الإمام الصادق (عليه السلام) منها، و لهذا أصبح في دائرة ضيقة مع فسحة المجال في ذلك.

و نستمر مع الأستاذ بعجالة فنمر على كلمته التي تحز في النفس و تبعث على الأسف لما وصل إليه من التساهل في الحكم و هي قوله في ص 213: و قد مد يده (أي الإمام الصادق (عليه السلام)) ليبايع عبد اللّه بن الحسن.

و هذا أمر لم تشر إليه المصادر التاريخية مطلقا، و لا يكون أبدا، و لكن المؤلف استنتجه بدون مقدمات، و قد أشرنا له.

و بعد هذا نسرع أكثر من قبل، و نعرض عن ذكر أي شي‏ء فنتحول من ص 213 إلى 252 و إنما قطعنا هذه المسافة بسرعة لأن الحديث فيها يدور حول آراء الإمامية بالذات، و يذكر آراء الإمام الصادق (عليه السلام) بالعرض، و هو خلاف موضوع البحث فنتركه عن النقاش، و نصل إلى موضوع:

فقه الإمام الصادق:

و هو موضوع مهم، و عنوان شيّق، إنه يريد أن يحدثنا عن فقه الإمام الصادق (عليه السلام)، و بدون شك، إننا نهتم بهذا غاية الاهتمام، و هو مدار بحثنا.

ما ذا يريد أن يقول المؤلف تحت هذا العنوان؟ أ تراه يريد أن يقدم دراسة تاريخية عن مدرسة الإمام، و نشاطها و كثرة المنتمين؟ أم تراه يريد أن يتحدث عن تراث الإمام العلمي، و مكانته في المجتمع، و أثره في بعث الفكر الإسلامي؟ و هل يحاول أن يقدم لقرائه عن فقه الإمام الصادق (عليه السلام) ما يتفق مع الواقع؟

نريد أن نتريث و نترك الاستعجال و لنصغ لبعض حديثه حول الموضوع إذ يقول:

إنه بلا ريب كان الإمام الصادق من أبرز فقهاء عصره إن لم يكن أبرزهم، و قد شهد له‏

164

بالفقه فقيه العراق الإمام أبو حنيفة، الذي قال فيه الشافعي: الناس في الفقه عيال على أبي حنيفة.

ثم يستمر بالحديث حول رواية الإمام الصادق، و الرواة عنه، و يتعرض للتشكيك في صحة ما يروى عنه (عليه السلام)، لا من حيث ذاته، و لكن من حيث سند الرواية، ثم يمزج بين الخطابية و أصحاب المغيرة و غيرهم فيمن روى عنه الأكاذيب.

إلى أن يأتي لتأييد ما يراه و قرره في نظره سابقا من أن الإمام الصادق كان يروي عن غير آبائه الكرام و يورد رواية كتاب الآثار لأبي يوسف عن أبي حنيفة عن جعفر عن سعيد بن جبير عن ابن عمر. الخ. كما في ص 253 و هكذا حتى ننتهي إلى آخر البحث ص 255.

و لنقف هنا مليا- رغم إصرارنا على عدم الوقوف- و نشر إلى ما تجدر الإشارة إليه بدون إسهاب، و بعد فحص ما ذكره الأستاذ لم نلمس شيئا حول بيان فقه الصادق، و لم يتبين لنا ما يندرج تحت العنوان، سوى ألفاظ لا تؤدي إلا إلى التشكيك، و لا تخلو من و خزات.

و الذي نود التنبيه عليه هو رواية أبي حنيفة، فإنه أسند عن جعفر بن محمد عن سعيد بن جبير، و هذا أمر لا يخلو من مناقشة، فإن التاريخ لم يثبت لنا التقاء سعيد بن جبير بالإمام الصادق (عليه السلام) لأن ولادة الإمام الصادق (عليه السلام) كانت سنة 83 ه و كان سعيد مع ابن الأشعث في حربه على الحجاج، و قد شهد وقعة دجيل سنة 82 ه و وقعة دير الجماجم سنة 83- 85 ه و هرب سعيد إلى بلاد إيران، و بقي متخفيا هناك خائفا من الحجاج و اعتمر متخفيا و كان يأوي إلى الشعاب و الوديان، و ألقي عليه القبض، و قتله الحجاج في شهر شعبان سنة 95 ه و كانت مدة اختفائه اثنتي عشرة سنة، و لم يلتق بالإمام الصادق (عليه السلام) و كان عمره (عليه السلام)، يوم قتل سعيد أحد عشر عاما.

و الغرض نحن نشك في صدق هذه الرواية، كما نشك في صدق ما أورده من قول الشافعي في أبي حنيفة.

و ننتهي من الحديث عن فقه الإمام الصادق، و لكن بدون نتيجة لأنه لم يتعرف على فقه الإمام الصادق (عليه السلام) لما ساوره من تشكيك، و ما اعترض طريقه من عقبات و بدون شك أنها وهمية.

165

و هنا يحاول أن يتصل به من طريق آخر و هو طريق الشيعة فيضع العنوان المتقدم و يقول في ص 156:

و لذلك لا بد لتعرف فقه الإمام الصادق من الشيعة، و نخص منهم بالذكر الاثني عشرية، لأنهم متمسكون بالقول: بأن فقههم ينتهي إلى الإمام الصادق و سائر الأئمة الأحد عشر (عليهم السلام)؛ لأن الثاني عشر مغيب لا يعرف علمه في غيبته.

ثم يمضي المؤلف في كلامه حول الرواية عن الإمام الصادق (عليه السلام) بما يشاء أن يتكلم به، مما يطول نقله و نبعد عن الطريق في نقاشه، إلى أن يقول في صفحة 258:

الأمر الثاني الذي يعترض الباحث عند ما يدرس الروايات عن الإمام الصادق (عليه السلام) و غيره أنه إن طبق أصول الإسناد التي يطبقها علماء الحديث لا يجد السند متصلا بينها و بين الإمام في كل الأحوال، ذلك أن أقدم المؤلفين الذين جمعوا أحاديث الصادق و أفعاله و أقواله هو الكليني في كتابه الكافي، و إذا لو حظ أن الكليني توفي سنة 329 ه أي بعد وفاة الإمام الصادق رضي اللّه عنه بنحو من 181 و لم يذكر السند المتصل إلى الإمام الصادق في كل الأحوال. نعم إنه يروي الكثير عن تلاميذه و لكن من المؤكد أنه لم يلتق بتلاميذه إلا إذا فرضنا أن تلاميذه امتدت أعمارهم إلى أكثر من مائة سنة أو فرضنا عنده سندا متصلا غير منقطع و من تلاميذه من مات في حياته كالمعلى بن خنيس.

قد يقال: إن تلك الأحاديث و الأخبار كانت مدونة عند تلاميذ الصادق و إنه نقل هذه المدونات، و لكن يجب أن تكون هذه المدونات قد اشتهرت و عرفت، و تكون هي الأصل الذي يعتمد عليه، و لا يكون الأصل هو الكافي وحده، أو غيره من الكتب التي جاءت من بعده، بل يعد الأصل تلك المدونات التي دونها أصحابه كالشأن في المجموعين اللذين أسندا إلى الإمام زيد رضي اللّه عنه، فإنهما نسب جمعهما إلى تلميذه أبي خالد، و عرف من تلقاهما عن أبي خالد، و من تلقاهما منه جيلا بعد جيل حتى اشتهرا و صارا ككل كتاب مشهور معروف تتوارثه الأجيال بعد هذا الاشتهار، و قد يقول قائل: إن هذه الكتب قد اشتهرت و توارثتها الأجيال جيلا بعد جيل. و نقول: إن الكلام في الفترة ما بين الكليني و من بعده من الرواة و بين الصادق رضي اللّه عنه، فإن هذه الفترة فجوة ربما تقطع السند و يمنع اتصاله، إلا إذا كان السند موصولا بطرق أخرى.

166

و مهما يكن فإنا نريد أولا أن ندرس رواية فقه الإمام الصادق دراسة موضوعية، و لا مانع من أن نبدي رأينا فيما تواضع عليه إخواننا من غير أن نجرح مبادئهم، و لا نمس اعتقادهم، و لكن نقول: بنظرنا دون نظرهم عند ما نتجه إلى إبداء رأينا، و اختلاف أوجه النظر لا ضرر فيه و إنما الافتراق هو الذي يكون فيه الضرر من غير ريب. انتهى.

هنا يجب على المؤلف أن يستغفر اللّه ألف مرة لهذا الحكم المرتجل بوصفه للأسانيد بأنها مقطوعة فلا يصح الاعتماد عليها كما يراه، و الصحيح أنه لم يستنطق البينات و لم يتريث في الحكم. و هو- غفر اللّه له- قد جاء هنا بأمر لا يمكن السكوت عنه، و إسدال الستار عليه، إنه يتحدث عن فقه الشيعة بالذات، و لكنه يطعن في أسانيدهم إلى الإمام الصادق، و إذا و هن السند فلا قيمة للاستدلال.

المؤلف- هداه اللّه- يعتبر نفسه باحثا و منقبا و يريد أن يصل إلى الواقع من أوضح الطرق، و هو هنا يظهر لقرائه مشكلة تقف أمامه عند البحث عن فقه الإمام الصادق حينما يطبق أصول الإسناد.

و كأنه قد درس دراسة موضوعية صحيحة، فلم يجد اتصالا بين الإمام الصادق (عليه السلام) و بين من يروي عنه في كل الأحوال، و بالأخص ما يرجع إلى رواية الكليني، و أنه يروي عن أناس لم يلتق بهم، و يعطي صورة أوضح من ذلك و هي:

إن الكليني يروي عن أناس ماتوا في حياة الإمام الصادق (عليه السلام) كالمعلى ابن خنيس، فالشيخ الكليني يروي عن المعلى بدون إسناد.

هذا ما يورده المؤلف و لا نتعب أنفسنا بعناء الرد عليه فيما أورده.

و لكن نحيل القراء إلى كتاب الكافي ليقفوا على صحة هذه الفروض التي افترضها المؤلف أو صدق الأقوال التي قالها.

نعم ربما يظن أن المؤلف على حق فيما يقول حول الكافي؛ و لكن بعد الفحص و التتبع يجد القارئ أن ما قاله المؤلف أبعد ما يكون عن الحق. لأننا إذا رجعنا إلى الكافي نفسه نجد السند متصلا و لا صحة لما جزم من عدم الاتصال.

فمثلا يقول: إن الكليني يروي عن المعلى بن خنيس، و قد مات المعلى في حياة الإمام الصادق (عليه السلام) و قد أكد ذلك في آخر الكتاب ص 437 بقوله: و يجب أن‏

167

ننبه هنا إلى أن الكليني قد يروي عن أشخاص قد ماتوا في حياة الصادق، كروايته عن المعلى بن خنيس، فقد روى عنه عدة أخبار من غير أن نرى من توسط بينه و بين الكليني فيما تحت أيدينا من إسناد، و لنضرب لذلك مثلا قد نقلناه في ما مضى من قولنا و هو: عن المعلى بن خنيس قال قلت لأبي عبد اللّه: إذا جاء حديث عن أولكم، و حديث عن آخركم، بأيهما نأخذ؟ فقال: خذوا به حتى يبلغكم عن الحي.

قال: ثم قال أبو عبد اللّه: إنا و اللّه لا ندخلكم إلا فيما يسعكم، و في حديث آخر خذوا بالأحدث.

و إنه ثبت أن المعلى قتل في عهد الصادق، قتله داود بن علي والي المدينة من قبل المنصور.

هذا ما يقوله المؤلف حول رواية الكافي، و انقطاع السند فيما يرويه، و لنرجع إلى الكافي نفسه يتضح لنا الأمر إذ الشيخ أبو زهرة لم يراجع الكافي عند نقله. و لو راجع لوجدها كما يلي: روى الكليني عن علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن إسماعيل بن مرار، عن يونس، عن داود بن فرقد، عن المعلى بن خنيس، قال:

قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إذا جاء حديث عن أولكم، و حديث عن آخركم بأيهما نأخذ؟ (1).

فأنت ترى أن سند الرواية هم علي بن إبراهيم و أبوه، و إسماعيل بن مرار، و يونس، و داود بن فرقد، هؤلاء خمسة رواة بين الشيخ الكليني (رحمه اللّه) و بين الإمام الصادق (عليه السلام) و لكن المؤلف أنكر الخمسة و أبرز الرواية بدون واسطة، و على هذا قرر حكمه السابق في ص 458 «بأن الباحث لا يجد السند متصلا بينها و بين الإمام».

و لا ندري ما معنى هذا التساهل، و ما هو هذا التسرع، في إعطاء النتائج التي تدعو إلى التشكيك في أخبار الكافي.

و نحن نناشد المؤلف: هل وقف على كتاب الكافي، و اطلع على أسانيده فبان له عدم الاتصال فيها حتى يوجه هذا النقد و يورد هذا التشكيك؟ أم أنه نقل ذلك بالواسطة، و ادعى الإشراف و الاطلاع عليه؟ فإن كان قد قرأ كتاب الكافي فكيف يصح‏

____________

(1) الكافي ج 1 ص 67 طبعة دار الكتب الإسلامية.

168

له أن يصف أسانيده بعدم الاتصال في جميع الأحوال!! إذ الأمر خلاف ما يقول، كما ذكرنا في رواية المعلى بن خنيس، و أنها متصلة السند، و لكن المؤلف يدعي بأنها غير متصلة فما أدري بأي منظار ينظر. و كيف أسقط عدة رواة فجزم بحكمه الجائر.

و إن كان لم يطلع بل اعتمد على نقل الغير، فليس من شأن الباحث الفاحص أن يحكم على شي‏ء بدون اطلاع عليه.

و من المؤسف له أن المؤلف يدعي قراءة الكافي و الاطلاع عليه، إذ يقول في ص 438: هذه نظرات في كتاب الكافي ألقيناها، و نقلنا إلى القارئ صورة ما انطبع في نفوسنا عند قراءته.

هذا ما يقوله المؤلف بأنه أعطى صورة عن الكافي عند قراءته و لعل قرّاءه يصدقون ذلك.

و نحن نقول: إنه لم يقرأ الكافي و لو قرأه لما حكم على بعض الروايات بأنها مقطوعة السند، و على الأقل أنه لا يصدق بمن نقل ذلك، إذ الروايات التي ادعى أنها مقطوعة السند عند قراءته للكافي أو قراءة من نقل ذلك هي متصلة الإسناد غير منقطعة، و إليك بيان ما ذكره المؤلف في ص 435 عن الكافي:

1- الكافي عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال: من زعم أن اللّه يأمر بالفحشاء فقد كذب على اللّه، و من زعم أن الخير و الشر إليه فقد كذب على اللّه.

هكذا يورد المؤلف هذه الرواية و يقول بعد ذلك: و نرى في هذا أن الذي يصل السند واحد فقط، و ليس من المعقول أن يكون قد لقيه؛ لأن ما بين وفاة الصادق و وفاة الكليني نحو 180 سنة.

و نحن نقول: ليس من المعقول أن الشيخ المؤلف قد قرأ كتاب الكافي فيورد هذا النقد إذ لو قرأه لوجد السند متصلا و إلى القراء ذلك.

سند الرواية:

الكليني عن الحسين بن محمد، عن معلى بن محمد عن الحسين بن علي الوشاء عن حماد بن عثمان، عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال: من زعم‏ (1) ..

____________

(1) الكافي ج 1 ص 156 طبعة دار الكتب الإسلامية.

169

الرواية. فهؤلاء الرواة قد أنكر المؤلف وجودهم، و حكم على أن السند منقطع بدون حجة ظاهرة.

و لزيادة البيان نذكر ما أورده على الرواية الأخرى‏ (1) و هي: الكافي عن حفص بن قرط عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من زعم أن اللّه يأمر بالسوء و الفحشاء فقد كذب على اللّه. الحديث.

و هذه الرواية أوردها المؤلف على أنها منقطعة السند و الصحيح أنها متصلة السند و هي:

الكليني عن علي بن إبراهيم، عن محمد بن عيسى، عن عبد الرحمن عن حفص بن قرط، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من زعم أن اللّه يأمر بالفحشاء .. الحديث.

و بهذا يظهر كلامه حول رواية الكافي بدون روية و تريث، فهو يصف كل رواياته بالإرسال، و ضرب لنا مثلا في ذلك و نسي نفسه، بأنه يتصف بصفة الباحث المنقب، أو القاضي العادل، إذ لم يسلك المسلك الذي يلزمه أن يسلكه بما وصف نفسه فيه.

و لنتحول مع القراء إلى نقده للشيخ الصدوق عليه الرحمة صاحب كتاب من لا يحضره الفقيه، لنعطي للقراء صورة عن تساهل الشيخ و تسرعه في حكمه، و إن هذا الكتاب تتصف رواته بالإرسال.

فيقول في ص 445:

و للصدوق كتاب آخر غير من لا يحضره الفقيه اسمه التوحيد، كل ما فيه رواية، و فيه ذكر لكلام الصادق في العقائد، و المسلك الذي سلكه في كتاب من لا يحضره الفقيه هو المسلك الذي سلكه في كتابه التوحيد، من حيث الإرسال، و الاعتماد على الكتب التي قبله، و لنقبض قبضة منه. تريك منهاجه في الرواية .. انتهى.

و إن القارئ يتصور عند ما يقف على تعبير الشيخ في نقده، بأنه يتحدث عن خبرة و دراية، و أنه نقل من الكتاب ما يريد أن يصور فيه منهاج الشيخ الصدوق في كتاب التوحيد، و إن مسلكه هنا هو مسلكه في كتاب من لا يحضره الفقيه من حيث‏

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 435.

170

الإرسال‏ (1) و قد قبض قبضة من مرويات كتاب التوحيد و قدمها لقرائه، دليلا على ما يقول، و حجة على ما يذهب إليه من ادعاء الإرسال في الروايات.

فلنصغ لحديثه عن روايات التوحيد، و نعده لمعرفة واقع الحال، و حقيقة الأمر، و هل كان الأمر كما حدث به الشيخ أم لا؟

قال المؤلف:

1- جاء في كتاب التوحيد عن هشام بن الحكم قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما الدليل على أن اللّه واحد؟.

قال: اتصال التدبير، و تمام الصنع، كما قال عز و جل: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22].

2- و في كتاب التوحيد قال قوم للصادق: ندعو فلا يستجاب لنا؟. فقال:

لأنكم تدعون من لا تعرفون.

و نرى أنه من هذا لم يذكر حتى من روى عن الصادق، فدل هذا على أنه أخذ من كتاب لا من سند مرسل أو متصل.

3- و جاء في التوحيد عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال: قلت: أخبرني عن اللّه عز و جل هل يراه المؤمنون يوم القيامة؟ فقال: نعم. و قد رأوه قبل يوم القيامة.

فقلت: متى؟

قال: حين قال لهم: أ لست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم سكت (الإمام الصادق) ساعة ثم قال: و إن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة، أ لست تراه في وقتك هذا؟. قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا حدثت أنكره منكر جاهل بمعنى ما نقوله.

4- و في التوحيد عن الصادق (عليه السلام) أنه قيل له: إن رجلا منكم ينتحل موالاتكم أهل البيت يقول: «إن اللّه تبارك و تعالى لم يزل سميعا بسمع و بصيرا ببصر

____________

(1) من المؤسف له أن الشيخ أبا زهرة يتحدث عن مسلك الصدوق في الرواية بدون وقوف على الحقيقة، و ذلك أن الشيخ الصدوق حذف الأسانيد اختصارا و ذكرها في آخر الكتاب، و لو أن أبا زهرة وقف على كتاب من لا يحضره الفقيه لعرف مسلكه و لم يقع في هذا الخطأ.

171

و عليما بعلم و قادرا بقدرة فغضب (عليه السلام) و قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك و ليس من ولايتنا على شي‏ء، إن اللّه تعالى ذاته عليمة سميعة بصير قادرة.

و نرى أن هذه الرواية لم تذكر بسند قط، فهي من القسم الذي أخذه من الكتب.

هذا ما ذكره المؤلف عن دراسته لكتاب التوحيد و ألقاه على تلامذته و حدث قرّاءه. و كأنه واثق من صحة ما يقوله، لأنه اعتمد على كتاب جاءت هذه الأخبار مرسلة نقلا عن كتاب الصدوق، و قد حذف الناقل إسنادها.

فإن هذه الأخبار التي ساقها المؤلف أو القبضة التي قبضها من كتاب التوحيد ليبين للقراء منهاج الصدوق، لم تكن مرسلة كما يدعي المؤلف، بل هي مسندة، و إلى القراء بيان ذلك بعد مراجعة كتاب التوحيد، و الوقوف عليها و هي كما يلي:

الخبر الأول:

قال الصدوق: حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد (ره)، قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن محمد بن عمير عن هشام بن الحكم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما الدليل على أن اللّه واحد؟

قال: اتصال التدبير، و تمام الصنع، كما قال عز و جل: لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا [الأنبياء: 22].

هذا هو الخبر الأول الذي يدعي المؤلف أنه مرسل، و هو كما ترى موجود في كتاب التوحيد صفحة 178 طبع طهران سنة 1375.

الخبر الثاني:

قال الصدوق: حدثنا أحمد بن محمد بن عبد الرحمن المروزي المقري، قال:

حدثنا أبو عمرو محمد بن جعفر المقري، قال: حدثنا محمد بن الحسن الموصلي ببغداد، قال: حدثنا عياش بن يزيد بن الحسن بن علي الضحاك مولى زيد بن علي، قال: حدثني أبي، قال: حدثني موسى بن جعفر قال: قال قوم للصادق (عليه السلام):

ندعو فلا يستجاب لنا؟ قال: لأنكم تدعون من لا تعرفونه.

هذا هو الخبر الثاني أورده الصدوق عليه الرحمة بهذا الإسناد في كتابه التوحيد كما في صفحة 206 منه.

172

الخبر الثالث:

قال الصدوق: حدثنا أحمد بن محمد بن عمران الدقاق (ره) قال: حدثنا محمد بن أبي عبد اللّه الكوفي، قال: حدثنا موسى بن عمران النخعي عن الحسين بن يزيد النوفلي، عن علي بن أبي حمزة، عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه قال: قلت له: أخبرني عن اللّه عز و جل هل يراه المؤمنين يوم القيامة؟ قال: نعم و قد (رآه) (1) قبل يوم القيامة.

فقلت: متى؟.

قال حين قال لهم: أ لست بربكم؟ قالوا: بلى .. ثم سكت ساعة (أي الإمام الصادق) ثم قال: و إن المؤمنين ليرونه في الدنيا قبل يوم القيامة. أ لست تراه في وقتك هذا؟.

قال أبو بصير: فقلت له: جعلت فداك فأحدث بهذا عنك؟ فقال: لا، فإنك إذا (أحدثت) (2) به فأنكر منكر جاهل بمعنى ما نقوله (ثم قدر أن ذلك تشبيه كفر، و ليست الرؤية بالقلب كالرؤية بالعين، تعالى اللّه عما يصفه المشبهون و الملحدون).

هذا هو الخبر الثالث أورده الصدوق (رحمه اللّه) بهذا الإسناد كما جاء في كتاب التوحيد في صفحة 70 منه. و ليس الأمر كما يقول المؤلف و قد حذف أبو زهرة- عن قصد أو غير قصد- من هذا الخبر ما فيه تمام فائدته و قد جعلنا ما حذفه بين قوسين و إن الحذف يغير معنى الخبر و يكون دالا على معنى رؤية الباصرة كما تدعيه بعض الفرق، و هذا لم يكن من رأي أهل البيت (عليهم السلام).

الخبر الرابع:

قال الصدوق: حدثنا محمد بن علي بن ماجيلويه رضي اللّه عنه، قال: حدثني عمي محمد بن أبي القاسم، قال: حدثني محمد بن علي الصيرفي الكوفي، قال:

حدثني محمد بن سنان عن أبان بن عثمان الأحمر، قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (عليهم السلام): أخبرني عن اللّه تبارك و تعالى لم يزل سميعا بصيرا عليما قادرا؟ قال:

نعم.

____________

(1) هكذا في الأصل و الصحيح رأوه.

(2) هكذا في الأصل و الصحيح بحذف الهمزة.

173

فقلت له: إن رجلا ينتحل موالاتكم أهل البيت يقول: إن اللّه لم يزل سميعا بسمع و بصيرا ببصر و عليما بعلم و قادرا بقدرة. فغضب (عليه السلام) ثم قال: من قال ذلك ودان به فهو مشرك و ليس من ولايتنا على شي‏ء إن اللّه تبارك و تعالى ذاته عليمة سميعة بصيرة قادرة.

هذه هي الأخبار التي أوردها المؤلف لبيان منهاج الصدوق في رواياته و أنها مرسلة، و ها أنت ذا قد رأيت أن الصدوق عليه الرحمة يروي الحديث بسند متصل، و هو يذكر الرجال و آباءهم، و صفاتهم، و ألقابهم، و لكن المؤلف ينكر ذلك، و نحن ننكر عليه أشد الإنكار، لأن ما ذهب إليه و ما حكم به أمر يثير التشكيك و يبعث على عدم الثقة، و إن كان المؤلف يدعي البراءة من ذلك، كما يقول بعد إيراده لهذه الأخبار ص 447: هذه نظرات ألقيناها على رواية من لا يحضره الفقيه، و كتاب التوحيد، و كلاهما لابن بابويه القمي، و قد قصدنا بهذه النظرات أن ننقل صورة للكتاب في روايته و في منهاجه، و ما قصدنا أن نثير غبارا من الشك أو التشكيك حوله، و ليس لنا أن نتهجم على مقدسات إخواننا و لكننا أردنا التوضيح و البيان.

هذا ما يقوله!! و هو يحاول إقناع قرّائه بأن يأخذوا برأيه حول طعنه في روايات هذه الكتب، و يدعي أن قصده الإيضاح و البيان في إعطائه هذه الصورة، و هو يزعم أنها طبق الأصل. و بمزيد من الأسف إن الأستاذ لم يقل الحقيقة، فهو يدعي اطلاعه على هذه الكتب، و نقله منها و لكنه لم يطلع عليها، بل نقل عنها بالواسطة.

و نظرا لحصول أشياء كثيرة من أمثال هذه الأمور التي خالف المؤلف فيها ما يوجبه عليه الحق من سعة الاطلاع و التتبع، فإن متابعة ذلك يدعو إلى اتساع البحث، و استيعاب هذا الجزء كله، و ربما يتعداه إلى الجزء السادس فآثرنا الاختصار، و الاكتفاء بالإشارة لما يلزم التنبيه عليه. و قد ألف الأستاذ الكبير الشيخ عبد اللّه السبيتي كتابا في الرد على أبي زهرة و كذلك الأستاذ العلامة السيد حسين بن يوسف المكي العاملي.

و في الختام نقول:

كنا نأمل من الشيخ المحترم أن يكون قلمه رائدا لحرية الفكر، لأنه يتحدث عن نفسه في هذه الدراسة: إنها بروح خالية من الطائفية (1) و إنه يدرس و يوازن، و يختار

____________

(1) الإمام الصادق لأبي زهرة ص 13.

174

فيأخذ ما هو الأصلح لغذاء العقول و النفوس، و أقواها في بناء المجتمع على أسس تشتق من الماضي قوتها، و تلائم الحاضر، و لا تنافي الصالح العام‏ (1) و هو كقاض يدرس البينات يستنطقها و يأخذ عنها حتى إذا انتهى إلى الحكم نطق به‏ (2) إلى كثير من أقواله التي تدل بظاهرها على حرصه الشديد في إظهار الحقيقة، و مناصرة الحق بدراسة عميقة، و تتبع واسع، و بذل جهد في الحصول على ما يتفق مع الحقيقة.

و لقد ساءنا- كما ساء كثيرا من القراء- ما لمسناه من تساهله في النقل و اعتماده على مصادر لا يليق بالباحث المنقب الاعتماد عليها، و كان الأجدر به أن يتأمل فيما يكتب، و يتوثق ممن ينقل عنه، لأنه يبحث عن أمور لها أهميتها من الواقع و ما يترتب عليها في بناء المجتمع بإزالة رواسب خلقتها أفكار بالية و غذتها طائفية رعناء.

و على كل حال: فإن جوهر الخلاف بيننا و بين المؤلف في إبداء هذه الملاحظات هو ما استنكرناه من الأمور المخالفة للحقيقة و البعيدة عن الصحة لأني لمست منه الاسترسال و عدم التتبع، في حكمه على كثير من الأمور بدون بينة، و إعطاء النتائج بدون مقدمات، مما أوقعه في أخطاء كثيرة، و هو مؤاخذ على ذلك، و لا يغفر له و لأمثاله، ممن نأمل منهم أن ينظروا إلى الأمور بمنظار الواقع، و يتأملوا فيما يسجلونه، فإن الإسفاف وراء سراب الخداع و الإشاعات المغرضة، ليس من شأن العلماء الذين يعتصمون بغزارة علمهم لأنهم يحترمون الحقائق أكثر من غيرهم، و يحاولون رفع ما يتأشب به الحق من الأباطيل.

و لهذا فقد ترفعنا عن مناقشة من يدعي العلم و هو جاهل، و ينتحل الدفاع عن الإسلام و يطعنه في الصميم، لأن هؤلاء يبذرون الشقاق، و يوقدون نار الفتنة، بما تقذفه أقلامهم من سموم، و لم يتعظوا بمآسي التاريخ، و ما حل بالمسلمين من ويلات الدمار، و عوامل الانهيار، و ما جلبه عليهم انشقاق كلمتهم من الذل و الهوان.

و الغرض أننا نظرنا إلى الشيخ بعين الإكبار و التقدير و سايرناه في بحوثه نظرا لشهرته الواسعة و كثرة إنتاجه، و لكنه بمزيد الأسف لم يعط الموضوع ما يستحقه من التتبع و كثرة المصادر، بل أقول بكل صراحة إن دراسته هذه أعطتنا عنه صورة غير ما

____________

(1) نفس المصدر ص 11.

(2) نفس المصدر ص 185.

175

كنا نتصوره، و الشي‏ء الذي نود التنبيه عليه هو اعتماد المؤلف على مصادر لا يصح الاعتماد عليها ككتاب الوشيعة لموسى جار اللّه و قد أشرنا له من قبل.

كما أنه جعل المرآة الكاشفة عن كتب الحديث عند الشيعة: كتاب المسند المنسوب للإمام الصادق، و هو كتاب مجهول المؤلف، و ليس له مقدمة و لا تقديم من أحد، و لا يعرف منهاجه و لا يدرى قصده، و ليس فيه ما يدل على جعله في ميزان الاعتبار.

و هو كمجموع لبعض الأحاديث اختارها مؤلفه المجهول من كتب الحديث و حذف إسنادها، و مع هذا سماه (مسند الإمام الصادق).

و إن الأستاذ أبو زهرة تصور في خياله الواسع، أن هذا الكتاب لجماعة في النجف إذ يقول في ص 435: و لقد وجدنا إخوانا بالنجف يجمعون الكتب الأربعة في كتاب سموه المسند، و قد صدر عدة أجزاء منه من دار الفكر ببيروت‏ (1).

و هذا القول جدير بالتأمل و التعجب، لأنا لا ندري بأي دليل يستدل الأستاذ على أن المسند لجماعة من إخوانه في النجف، و هل استنتج ذلك من مقدمة الكتاب و ليس له مقدمة، أم من تقديم لأحد و لا تقديم له، أم تقريظ له و كل ذلك لم يكن أبدا!!! و إنما هي ظنون و تساهل، و لا نقول: إنه تعمد ذلك حتى يتسنى له النقد، و الطعن في أمور لا يصح له نقدها، و لكنه يعتذر بأنه اعتمد على كتاب إخوانه في النجف الذين أخفوا أسماءهم في هذا الكتاب كما يزعم المؤلف، و إن اعتماده على أمثال ذلك هو من الغرابة بمكان و ليس هذا من شأن المحققين.

و لنترك الحديث عن المسند و حديثه شجون- و لا نطيل الوقوف مع أبي زهرة بعد أن قررنا أن نفترق فلنطو بساط البحث، و أملنا أن نعود لمناقشته في كتاب الإمام الصادق و غيره من مؤلفاته التي تعرض بها لذكر الشيعة، أو أفردها للبحث عن فقههم‏

____________

(1) أصدرت دار الفكر ببيروت كتابا في جزءين مجموع صفحاته 244 بقطع الربع كتب عليه: الإمام الصادق- المسند- دار الفكر بيروت- دار الولاء النجف، و ليس للكتاب مقدمة، و لا تقديم، و لم يذكر اسم مؤلفه، و قد جمع أخبارا من الكتب الأربعة بدون إسناد، و ما كنا نعتقد أن أحدا يأخذ مثل هذا الكتاب بعين الاعتبار و لكن أبو زهرة استأنس له، و اعتمد عليه و جعل ينظر إلى الكتب الأربعة بواسطة هذا الكتاب.

176

و أصوله، فإنه عافاه اللّه قد ارتكب- في كثير منها- أخطاء لا يصح لمثله أن يرتكبها، لما اتصف به من كثرة التأليف و هو- بمزيد الأسف- قد بنى أبحاثه على التساهل و عدم التعمق بالبحث، فذكر أشياء على غير وجهها الصحيح، و قد تركت هنا كثيرا من الأمور التي أخطأ فيها، لأن استقصاءها يقصينا عن منهج البحث، و ما ذكرناه في هذا العرض إنما هو صورة مصغرة عن متطلبات الموضوع قدمناها للقراء و لهم الحكم، و من اللّه نسأل أن يجمع شمل المسلمين و يوحد كلمتهم و ينصرهم و ما النصر إلا من عند اللّه.

177

الفقه الإسلامي بين الشيعة و السنّة

من أهم المواضيع التي يجدر بنا التعرض لها بالبحث هو موضوع الخلافات في المسائل الفقهية بين الشيعة و السنة؛ لإيضاح ما أبهم أمره على كثير من الناس، حتى تسرب سوء الفهم إلى بعض الأدمغة و أثمرت حملات الظالمين و أقوال المفترين، فجعل الشيعة بمعزل عن فقه المسلمين، و أنهم ينفردون بمذهب خاص لا يلتقي مع غيرهم، أو كما يذهب ابن خلدون: إلى شذوذ أهل البيت في مذاهب ابتدعوها و فقه انفردوا به.

كلمة قالها ابن خلدون، و مرت مع الزمن تعمل عملها في نفوس البسطاء كما تعمل غيرها من كلمات الكذب و الافتراء، التي تطلق بدون قيد و شرط.

غريب و أيم الحق أن يصل الأمر إلى هذا الحد و لكن للعلم كلمته الفاصلة، و ما دام هو المتكفل بوضع الأشياء في مواضعها، فالحكم للعلم و حكمه العدل، و قوله الفصل. و لا حاجة بنا إلى الإطالة في عرض الأقوال، و بيان الآراء حول فقه الشيعة و أصوله، مما يبعث على العجب و الاستغراب، لصدورها من أناس يدعون المعرفة، وسعة الاطلاع.

و أمر آخر يحضرني الآن و أود أن أنبه عليه: ذلك أن أكثر من كتب عن التشريع الإسلامي يقصرون الفقه الإسلامي على المذاهب الأربعة، و لا يبحثون عن سواها، كأن لم يكن الفقه للجميع، فلم يتعرضوا إلى فقه الشيعة بما يكشف عن واقعه، كأن الشيعة ليسوا من المسلمين، أو أنهم أمة انقرضت فلا يعتني بالبحث عن فقههم، و ربما تعرض أولئك الكتاب إلى فقه المذاهب البائدة التي لا يوجد بها عامل واحد اليوم.

أما الشيعة الذين يزيد عددهم على المائة مليون فلم يكن لهم نصيب من‏

178

الاشتراك في بيان التشريع الإسلامي و ذكر فقههم، و ما عندهم من ثروة فقهية هي أعظم ثروة إسلامية، و ينبوع متدفق يتصل بالمشرع الأول و الرسول الأعظم، بواسطة آله الأطهار.

و لئن تعرض لهم كاتب فإنما هو تعريض بهم إذ يأخذ بأقوال شاذة و آراء فاسدة، و ينهج نهج المقلد الذي ليس لتفكيره حظ من التصرف، كأن لم تكن الشيعة في طليعة الفرق الإسلامية إلى جميع العلوم، و هم السابقون إلى التدوين، و المحافظون على التراث الإسلامي، و بفتح باب الاجتهاد قد صانوا الفقه عن الجمود الفكري، و وسعوا مجاله جريا مع الزمن و تطورا مع الحوادث، إذ لم يهمل الإسلام حكمها، فلكل واقعة حكم، و لكل قضية قاعدة إذ هو عام شامل لجميع أدوار الحياة الإنسانية.

إنهم أهملوا فقه الشيعة و هو فقه أهل البيت أوصياء النبي و حملة علمه، و أهل البيت أدرى بالذي فيه.

كأن الذين أهملوا فقه الشيعة أو طعنوا فيه قد خدموا الإسلام، أو جردوه عن زوائد ليست لها صلة فيه، و في الحق- و ما أضيع الحق- أنهم قد جنوا على الإسلام جناية لا تغفر، إذ خضعوا لعوامل زمن اشتد فيه الصراع بين طوائف المسلمين، فكفر بعضهم البعض، و ابتعد بعضهم عن بعض، كأن الإسلام لم يأمرهم بالتمسك بحبل اللّه، و الاعتصام به، و أن يكونوا جميعا و لا يتفرقوا، ليصبحوا قوة متماسكة، تقضي على كل محاولة ضد الإسلام لينتشر العدل، و تجف الأرض من الدموع و الدماء، و يصبح الناس إخوانا و ليس في قلوبهم غل، و لا أثر للأثرة، و لا مكان للاستغلال في المجتمع.

إن تلك الرواسب التي خلفتها عصور التطاحن يجب أن يخلو الطريق منها، و نزعات يجب أن تقبر، و هياكل و همية يجب أن تزول. و قد نسبوا إلى الشيعة آراء في الفقه ليست هي آراؤهم، و لا يقول بها أحد أبدا، و إن وجدوا قولا شاذا لواحد ينسب إليهم جعلوها للمجموع و ادعوا عليه الإجماع، و إذا نسب لفرد رأي في عقيدة كان ذلك الرأي للجماعة كأن الجماعة هي الفرد، و الفرد هو الجماعة.

كل ذلك مبعثه التعصب الذي ضرب ستارا بين الواقع و بين ما يقولون، و قد مرت الإشارة لبعض ذلك، و من المؤسف و المؤلم أن يمضي الكثير على ما اختلقه طغاة الأمس و بغاة الماضي و يبقوا غشاوة التحامل على عيونهم فيحكموا مقلدين بدون‏

179

دليل و يهجروا ما في أيدي الشيعة من فقه و علم و أدب، و سنشير لبعض الآراء الفقهية أو الفتاوى الشاذة التي نسبت إلى الشيعة و لا قائل منهم في ذلك. و قد لعبت الدعايات الكاذبة دورها في الأفكار و اتجاه الجماعات حتى أصبح الرجل يهون عليه أن يتهم بالزندقة و الإلحاد و لا يتهم بالتشيع. و اشتهر قول بعض من ينسب إلى العلم: آكل ذبيحة اليهودي و النصراني و لا آكل ذبيحة الشيعي أو الرافضي.

و ما أكثر الأقوال في ذلك و لا ذنب للشيعة من حيث الواقع، و لكنها السياسة التي أعلن الشيعة الانفصال عنها، و استقلوا بتعاليمهم من دون مؤثرات على نهج تعاليمهم، و نفضوا أيديهم من غبار أطماعها، فانفصلت مدرستهم انفصالا تاما في جميع الأدوار، فلا مدارس تشاد لهم من قبل الحكومات، و لا وظائف تدريس، و لا رواتب لطلاب، و لا تشجيع لهم من جميع الجهات التي لها اتصال بتلك السياسة الجائرة.

نعم كانت هناك مراقبة و معارضات، و مقاومة شديدة، تحاول القضاء عليهم.

و قد اجتازت مدرستهم في أدق المراحل و أقسى الظروف خطوات واسعة، و عقبات شديدة، و دكت صروحا، و أحرزت النصر، فكان لهم أثر عظيم في خدمة الإسلام، و انتشار علومه، و نمو فقهه و باب الاجتهاد مفتوحا عندهم.

و إن ما خلفته أقلام أعلام الشيعة من تراث علمي في جميع المجالات شي‏ء يبعث على الفخر، و يفوق حد الحصر، و إن مؤلفاتهم التي نشرت و التي لم تنشر هي من الكثرة بمكان، و هذه المؤلفات الموجودة هي بقية التلف إذ صارت مؤلفات الشيعة وقودا للحمامات، و طعمة للأنهار، في أيام تحكم الطائفية و انتشار التعصب المذهبي، الذي لعب دورا في التاريخ.

و الشي‏ء الذي تجدر الإشارة إليه- لأهميته- هو ما بلغت إليه الحالة من جراء التعصب و اشتباك عوامل الخلافات، أن بعضهم قد التزم مخالفة الشيعة فيما يفتون به مع وضوح الدليل، و قوة المأخذ، و هو يرى أن ذلك أولى من القول بما تقوله الشيعة، و يظهر أثر ذلك في كثير من المستحبات و الواجبات.

يقول ابن تيمية في منهاجه- عند بيان التشبه بالشيعة-: و من هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات، إذ صارت شعارا لهم (أي للشيعة) فإنه و إن لم‏

180

يكن الترك واجبا لذلك لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم فلا يتميز السني من الرافضي، و مصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم، و مخالفتهم أعظم من مصلحة المستحب.

و قال مؤلف كتاب الهداية: إن المشروع التختم باليمين و لكن لما اتخذته الرافضة (أي الشيعة) جعلناه في اليسار.

و قال الزرقاني في شرح المواهب اللدنية في صفة عمامة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما روى الإمام علي (عليه السلام) في إسدالها على منكبه حين عممه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إن الحافظ العراقي قال: إن ذلك أصبح شعار كثير من فقهاء الإمامية فينبغي تجنبه لترك التشبه بهم.

و قال الشيخ محمد بن عبد الرحمن في كتاب رحمة الأمة: السنة في القبر التسطيح و هو أولى على الراجح من مذهب الشافعي و قال أبو حنيفة و أحمد: التسنيم أولى لأن التسطيح صار شعارا للشيعة.

و قال الغزالي: إن تسطيح القبور هو المشروع و لكن لما جعلته الرافضة شعارا عدلنا عنه إلى التسنيم.

و غير ذلك مما ستقف عليه في هذا الموضوع في كثير من المسائل الفقهية.

و إن موضوع البحث عن آراء رؤساء المذاهب و اتباعهم أمر ليس من السهل الإحاطة فيه، لأنا نجد أن أقوال صاحب المذهب مختلفة، كما أن أصحابه الذين عليهم المعول في أخذ الأحكام و نشر المذهب تختلف أقوالهم، فمرة يوافقونه و مرة يخالفونه. و هناك آراء فردية يذهب إليها البعض.

فالحنفية يوردون في كتبهم أقوال أئمتهم الأربعة: أبو حنيفة، و أبو يوسف، و محمد بن الحسن، و زفر، فربما يكون في مسألة واحدة أربعة أقوال لكل واحد منهم قول يخالف فيه الآخر، حسب ما يظهر لهم من الآثار و المعاني. و يأتي المتأخرون بآراء يخالفون بها سلفهم.

و قد حاول بعض الحنفية أن يجعل أقوالهم المختلفة أقوالا لأبي حنيفة رجع عنها، و الواقع إنا نجد هؤلاء يخالفون أبا حنيفة عن أدلة و استنتاج، و هم غير مقلدين له في ذلك‏ (1).

____________

(1) انظر هذا المبحث في الجزء الأول من هذا الكتاب في مواضيع متفرقة.

181

كما أن الشافعي له أقوال مختلفة و فقهه يعرف بالقديم و الجديد، أي أن له فقها رجع عنه فسمي بالقديم، و قد نهى عن العمل به‏ (1).

و كذلك جميع أئمة المذاهب لا تتفق أقوالهم، و كثير من أصحابهم يخالفونهم في كثير من المسائل، و هذا أمر مجهد لا يمكن استقصاؤه، و نحن نحاول قدر الاستطاعة أن نتعرض لأشهر الأقوال عندهم.

و ناحية أخرى و هي اختلاف المذاهب فيما بينها كما أن كثيرا من العلماء ألفوا كتبا للرد على رؤساء المذاهب بما خالفوا فيه الكتاب و السنة، و أول من كتب في هذا الليث بن سعد أحد رؤساء المذاهب البائدة في رسالته للإمام مالك يرد عليه.

و قد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد اللّه بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب يحدّث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مما قال مالك فيها برأيه.

و الشافعي وضع كتبا في الرد على مالك و معارضة أقواله، و كان يقول: قدمت مصر و لا أعرف أن مالكا يخالف من أحاديثه إلا ستة عشر حديثا، فنظرته و إذا به يقول بالأصل و يدع الفرع، و يقول بالفرع و يدع الأصل. و تعرض الشافعي في رده على مالك للمسائل التي ترك فيها الأخبار الصحيحة بقول واحد من الصحابة، أو بقول واحد من التابعين، أو لرأي نفسه‏ (2).

و لعل هذا هو الذي حمل أكثر المالكية في وضع الكتب للرّد على الشافعي فيما خالف الكتاب و السنة، و قد ألف جماعة منهم في ذلك: كأحمد بن مروان المتوفى سنة 289 ه، و أحمد بن يعلى المتوفى سنة 399 ه، و حماد بن إسحاق المتوفى سنة 269 ه، و أبو عمر يوسف بن يحيى المتوفى سنة 288 ه، و يحيى بن عمر بن يوسف الكناني المتوفى سنة 289 ه.

و لإسماعيل بن إسحاق القاضي كتاب الرد على الشافعي، و كتاب الرد على أبي حنيفة (3) و غير ذلك مما يمثّل الصعاب التي تواجه الباحث عن الفقه الإسلامي‏

____________

(1) فصلنا ذلك في الجزء الثالث من هذا الكتاب في ترجمة الشافعي.

(2) انظر جامع بيان العلم و فضله لابن عبد البر. ج 2 منع القول بالرأي.

(3) انظر الديباج المذهب تجد الكثير من ذكر الكتب المؤلفة في الرد على أئمة المذاهب.

182

و اختلاف الآراء في كثير من مسائله، و منشأه الاختلاف في الأصول و المباني العامة التي يعتمدون عليها في استنباطهم. و اختلافهم في مدى انطباق القاعدة أو النص أو الأصول التي يتخذونها طريقا للاستدلال.

اختلاف الفقهاء في الفتوى:

و نظرا للاختلاف الحاصل من تفهم أدلة الاستنباط، فقد انفرد رؤساء المذاهب بمسائل لا يقول بها صاحب المذهب الآخر، كما انفرد بعض أعيان المذاهب بأقوال لا يقول بها رئيس مذهبه و لا غيره، و هذا شي‏ء كثير يمكن حصره من تتبع الأقوال المختلفة.

و قد حاول بعضهم حصر تلك الأقوال المنفردة، و لكن التتبع يضيف إلى ذلك كثيرا منها. و قد نقل صاحب كتاب الفوائد العديدة عن كتاب الإفصاح للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة، ما انفرد كل مذهب فيه عن سائر المذاهب، و نظرا لما في ذلك من الفائدة و الإيضاح ننقل هنا تلك الأقوال التي اختص بها كل واحد عن غيره، بدون تعليق على ذلك أو بيان لما يحتاج إلى بيان.

أبو حنيفة:

قال في الإفصاح: اعلم أن الإمام أبا حنيفة تفرد بخمس عشرة مسألة:

1- العفو عن مقدار الدرهم من النجاسات، و الأئمة يوافقونه في الدم.

2- عدم النية في الوضوء و الطهارة.

3- جواز التوضؤ بالمائعات.

4- الخروج من الصلاة بما ليس منها.

5- عدم الطمأنينة فيها، إلا ما رواه أبو يوسف.

6- كل إهاب يطهر بالدباغ عنده.

7- جواز الربا في دار الحرب.

8- إن للمرأة ولاية النكاح.

9- قتل النفس بالنفس مطلقا.

10- عدم جواز الوقف في المنقول.

11- عدم القضاء على الغائب.

183

12- ميراث الذين عقدت أيمانكم.

13- طهارة الخمر بالمعالجة.

14- عدم جواز الجمع إلا في عرفة و مزدلفة.

15- ثبوت الربا في الجص، و النورة، و الزرنيخ.

مالك بن أنس:

و أما ما اختص به الإمام مالك:

1- الإرسال في الصلاة (أي إرسال اليدين).

2- طهارة الكلب.

3- جواز القراءة للحائض خوف النسيان.

4- عدم التوقيت للمسح على الخفين.

5- قتل المرتد من غير استتابة.

6- وجوب الغسل للجمعة.

7- تفضيل المدينة على مكة.

8- تجاوز الميقات بلا إحرام، إذا مر عليه و لم يكن له.

الشافعي:

و أما ما اختص به الإمام الشافعي:

1- وجوب قراءة الفاتحة على المأموم.

2- وجوب التشهد الأخير.

3- زواج البنت من الزنا.

4- اتخاذ أواني الذهب و الفضة من غير استعمال.

5- لعب الشطرنج.

6- نجاسة الأوراق مطلقا.

أحمد:

و أما ما اختص به الإمام أحمد:

1- وجوب المضمضة و الاستنشاق.

184

2- وجوب غسل اليدين عند القيام من النوم.

3- الاقتصار على المفصل في اليد في مسح التيمم قياسا على السرقة.

4- مؤاخذة المقر بإقراره، و إن استثنى أنه أعطى فلا يقبل منه و إن كانت البينة.

ما انفرد به ابن تيميّة:

1- القول في قصر الصلاة في كل ما يسمى سفرا طويلا كان أو قصيرا، و هو مذهب الظاهرية.

2- إن البكر لا تستبرئ و إن كانت كبيرة، و هو قول ابن عمر و اختاره البخاري.

3- إن سجود التلاوة لا يشترط له وضوء، و هو مذهب ابن عمر و اختاره البخاري.

4- القول بأن من أكل في شهر رمضان معتقدا أنه ليل، فبان نهارا لا قضاء عليه، كما هو الصحيح عن عمر، و ذهب إليه بعض الفقهاء و التابعين.

5- إن المتمتع يكفيه سعي واحد بين الصفا و المروة، كالقارن و المفرد و هو قول ابن عباس و رواية عن أحمد.

6- جواز المسابقة بلا محلل.

7- القول باستبراء المختلعة بحيضة، و كذلك الموطوءة بشبهة و المطلقة آخر ثلاث تطليقات.

8- إباحة وطي الوثنيات بملك اليمين.

9- جواز عقد الرداء في الإحرام و لا فدية.

10- جواز طواف الحائض و لا شي‏ء عليها إذا لم يمكنها أن تطوف طاهرة.

11- القول بجواز بيع الأصل بعصيره كالزيت بالزيتون و السمسم بالشيرج.

12- جواز الوضوء بكل ما يسمى ماء مطلقا كان أو مقيدا.

13- جواز بيع ما يتخذ من الفضة للتحلي و غيره بالفضة متفاضلا و جعل الزيادة في الثمن في مقابلة الصنعة.

14- المائع لا ينجس بوقوع النجاسة فيه إلا أن يتغير قليلا كان أو كثيرا.

185

15- جواز التيمم لمن خاف فوات العيد و الجمعة باستعمال الماء.

16- جواز التيمم في مواضع معروفة.

17- الجمع بين الصلاتين في أماكن مشهورة.

18- و كان يميل أخيرا إلى القول بتوريث المسلم من الكافر.

19- و من أقواله المشهورة التي جرى بسببها و الإفتاء بها محن: قوله بالتكفير بالحلف و إن الطلاق لا يقع إلا واحدة، و إن الطلاق المحرم لا يقع و إن جميع أيمان المسلمين مكفر (1).

الخلاف بين المذاهب:

و إذا أردنا أن نتابع للوقوف على الأقوال التي ربما يقال إن أصحابها انفردوا عن مذاهبهم بالذهاب إليها، فإن طول المسافة يبعدنا عن الهدف المقصود. كما أن الخلاف بين المذاهب بعضهم مع بعض شي‏ء لا يمكن إنكاره لكثرته، و قد أحصي الخلاف بين مذهب أحمد بن حنبل و مذهب الشافعي فكانت المسائل المختلف فيها أكثر من عشرة آلاف مسألة.

و صنف القاضي عز الدين الحنبلي في المفردات المخالف للمذاهب الثلاثة كتابا ذكر فيه أكثر من ثلاثة آلاف مسألة.

و ذكر صاحب الفواكه العديدة: أن مذهب الإمام أحمد وسط بين المذاهب في كثير من المسائل مما تدعو حاجة الناس إليه من مذهب الإمام أحمد؛ منها:

1- القول بطهارة بول جميع الحيوانات المأكولة اللحم، و روثها كالغنم، و البقر، و الخيل، و الدجاج، و الإبل، و الإوز، و غير ذلك.

2- إن مني الآدمي و مني ما يؤكل لحمه طاهر و هذا أيضا فيه رخصة.

3- جواز المسح على العمامة و الجورب و فيه أيضا رخصة.

4- صوم رمضان بالغيم و القتر ليلة الثلاثين من شبعان.

____________

(1) الفوائد العديدة في المسائل المفيدة لأحمد بن محمد التيمي النجدي ص 48- 50، نقلا عن كتاب الإفصاح للوزير عون الدين يحيى بن هبيرة.

186

5- صحة البيع بالمعاطاة.

6- للوالد أن يتملك من مال ولده ما شاء.

7- إن الخلع فسخ لا ينقص به عدد الطلاق.

8- عدم وقوع الطلاق من السكران.

9- الرد في باب الفرائض و توريث ذوي الأرحام.

10- إن الكافر إذا مات حكم بإسلام من لم يبلغ من ولده.

11- جواز الاستمناء (1) باليد و نحوها لمن خاف العنت و هي رخصة عظيمة و كذلك المرأة بشي‏ء.

12- جواز الوقف في إحدى الروايتين عن أحمد.

13- جواز بيع الوقف و المناقلة إذا تعطلت منافعه و بيع المسجد و نقله إذا تعطل نفعه أو لم ينتفع به.

14- فسخ النكاح لعدم النفقة و الوطء.

15- الحكم بالشهادة على الخط و غير ذلك.

و على أي حال: فإن الاختلاف بين المذاهب في الفقه أمر لا يمكن حصره، و نحن بهذا العرض نحاول إعطاء صورة عن البعض من ذلك، و قد ألف علماؤنا الأعلام كتبا في الخلافات الفقهية بين السنة و الشيعة، و بين المذاهب السنية أنفسها.

و لما كان هذا الموضوع من أهم الأمور التي يلزمنا البحث فيها، رأينا أن نختصر البحث، و نقتصر على ما يتعلق بالصلاة و مقدماتها، و أفعالها، و نذكر طرفا من مسائل الطهارة في هذا الجزء، و أفعال الصلاة في الجزء السادس، و نستدرك بقية المباحث الفقهية في كتاب مستقل يرتبط بهذه السلسلة كمستدرك لها، و إني لا أضمن لنفسي السلامة من الخطأ، فربما يكون هناك شي‏ء لم أتعمده، و أمر لم أقصده، و من اللّه أطلب التسديد و عليه أتوكل و هو حسبي و نعم الوكيل.

____________

(1) الاستمناء باليد هو المعروف بالعادة السرية المنهي عنها شرعا، و قد أيد الطب ذلك و أنها تورث (الهستيريا) و لعل المراد بقوله و نحوها هو: جواز التفكر بجمال امرأة أو النظر إليها لإنزال الشهوة أو العبث بالذكر، و قد جوز الأحناف ذلك لمن كان أعزب لتسكين شهوته كما جاء في شرح مراقي الفلاح ص 17 و عندنا كل ذلك حرام مخالف للأدلة.

187

الطهارة الوضوء و الغسل و التيمم‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ ما يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَ لكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَ لِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ‏ [المائدة: 6].

أجمع المسلمون على وجوب الطهارة للصلاة:

و هي في اللغة النظافة و النزاهة من الأدناس، و في الشرع: اسم للوضوء، أو الغسل أو التيمم، على وجه له تأثير باستباحة الصلاة.

و عرفها الشهيد الأول: بأنها استعمال طهور مشروط بالنية، و الطهور هو الماء و التراب.

و قال في التذكرة: إنها وضوء، و غسل، و تيمم يستباح به عبادة شرعية.

و قال القرطبي: الطهارة من الحدث ثلاثة أصناف: وضوء، و غسل، و بدل منهما، و هو التيمم. و قال ابن حمدان الحنبلي: الطهارة تحصل عند وجود سببها قصدا و اتفاقا.

و قال الشوكاني: إنها صفة حكمية تثبت لموصوفها جواز الصلاة به أو فيه أو له.

188

و قال في الروض الندي: هي ارتفاع حدث و ما في معناه، و زوال خبث أو ارتفاع حكم ذلك.

و قال في شرح مراقي الفلاح: حكم يظهر بالمحل الذي تتعلق به الصلاة لاستعمال المطهر (1).

و الطهور اسم للماء و التراب لقوله تعالى: وَ أَنْزَلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً طَهُوراً.

و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا» و سيأتي بيان ذلك.

و مهما يكن من اختلاف في تعبير الفقهاء في تعريف الطهارة، فلا خلاف بينهم في وجوبها للصلاة، و أنها اسم للوضوء، و الغسل، و التيمم، و إن الصلاة تتوقف على إزالة الحدث في ذلك.

و قد وقع الخلاف في هذه الأشياء لا من حيث وجوبها، بل من حيث موجبها و واجباتها و سننها و شرائطها.

الوضوء

لا خلاف بين جميع المسلمين في وجوب الوضوء للصلاة لقوله تعالى: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ... و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا يقبل اللّه صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ.

كما لا خلاف بينهم في أن أعضاء الوضوء مغسولة و ممسوحة، و إنما الخلاف في الرجلين كما سيأتي:

و للوضوء فروض، و سنن، و شروط و قد وقع الخلاف في ذلك بين جميع المذاهب.

فروضه:

فروض الوضوء عند الشيعة خمسة:

1- النية و هي: الإرادة، أو القصد إلى الفعل على أن يكون الباعث إليه أمر اللّه‏

____________

(1) شرائع الإسلام للمحقق الحلي ص 2 و شرح اللمعة الدمشقية للشهيد الثاني طبع مصر ص 12 و تذكره الفقهاء ص 1 و بداية المجتهد للقرطبي ص 6 و الروض الندي شرح كافي المبتدي ص 21 و الفواكه العديدة ص 6 و شرح مراقي الفلاح ص 2 و غيرها.

189

تعالى، و لا بد فيها من الإخلاص، فلو لم يكن مخلصا لا يصح على تفصيل يذكره الفقهاء في باب النية بداعي امتثال أمر اللّه، و إطاعته.

2- غسل الوجه: و هو ما دارت عليه الإبهام. و الوسطى عرضا، و ما بين قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولا، و يجب الابتداء بأعلى الوجه إلى الأسفل.

3- غسل اليدين من المرفقين إلى أطراف الأصابع، و المرفق مجمع عظمي الذراع و العضد و يجب غسله مع اليد.

4- مسح مقدم الرأس و يكفي فيه المسمى، و لو قدر أصبع إلى ثلاثة أصابع.

5- مسح الرجلين من أطراف الأصابع إلى الكعبين، و هما قبتا القدم.

و شرائط الوضوء: طهارة الماء و إطلاقه، و عدم استعماله في التطهير من الخبث، و طهارة أعضاء الوضوء، و عدم المانع من استعمال الماء لمرض أو عطش، و الموالاة و الترتيب كما سيأتي بيانه.

هذه هي فروض الوضوء عند الشيعة كما دلت عليه الأدلة من الكتاب و السنة النبوية بما هو مذكور في محله من كتب الفقه‏ (1) فهم يتفقون مع المذاهب في أمور و يفترقون عنها في أمور، فلننظر في ذلك لنرى مدى الاتفاق و الافتراق بينهم و بين غيرهم من المذاهب، كما ننظر إلى الاتفاق و الافتراق بين المذاهب الأربعة نفسها.

اتفق جميع العلماء على اشتراط النية في الوضوء و غيره من أنواع الطهارة من الحدث، و إنها فرض كما تقول به الشيعة، إلا أبو حنيفة فإنه لم يشترط النية في الوضوء و الغسل و اشترطها في التيمم.

و حجته أن المكلف إنما أمر بغسل جسمه أو غسل هذه الأعضاء، و لو غسلهما للتبرد أو التنظيف فقد فعل ما أمر به، و قاس ذلك على إزالة النجاسة، فإنها تجزي بلا نية عند الجميع.

و قال مالك، و الشافعي، و أحمد بن حنبل، و الليث بن سعد: بوجوب النية.

____________

(1) شرائع الإسلام للمحقق الحلي، و التذكرة للعلامة الحلي، و الخلاف للشيخ الطوسي، و العروة الوثقى للسيد اليزدي، و المستمسك للسيد الحكيم، و المختصر النافع للمحقق، و غيرها من كتب الفقه.

190

و عقد الإجماع على اشتراط النية لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنما الأعمال بالنيات و لكل امرئ ما نوى.

غسل الوجه:

لا خلاف بين جميع المسلمين في وجوب غسل الوجه مرة واحدة و قد اختلفوا في تحديده.

فمذهب الشيعة: أن حده من قصاص الشعر إلى منتهى الذقن طولا، و ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا.

و مذهب مالك أن البياض الذي بين العذار و الأذن ليس من الوجه، و بهذا يتفق مع الشيعة، و لكنه فرّق بين الأمرد و الملتحي، كما هو مذكور في محله‏ (1).

و ذهب أبو حنيفة، و الشافعي‏ (2)، و أحمد إلى أن البياض الذي بين العذار و الأذن من الوجه فيجب غسله‏ (3).

و كذلك اختلفوا فيما تحت الذقن، فالمشهور عن الشافعي أنه يوجب غسل ما تحت الذقن، و عند الحنفية أن حد الوجه ما بين قصاص الشعر و أسفل الذقن (طولا) و شحمتي الأذنين‏ (4) (عرضا).

و سبب هذا الاختلاف هو خفاء تناول اسم الوجه لهذه المواضع.

غسل اليدين:

اتفق المسلمون على أن غسل اليدين و الذراعين من فروض الوضوء، و اختلفوا في موضعين:

الأول: في إدخال المرافق فيها، فذهب الجمهور، و مالك، و الشافعي، و أبو حنيفة (5) و أحمد بن حنبل‏ (6)، إلى وجوب إدخالها في الغسل، و هو مذهب الشيعة

____________

(1) المنتقى في شرح موطأ مالك ج 1 ص 35.

(2) بداية المجتهد ج 1 ص 10.

(3) الروض الندي ص 35.

(4) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص 8.

(5) بداية المجتهد ج 1 ص 10.

(6) الروض الندي ص 36.

191

و ذهب بعض أهل الظاهر، و بعض متأخري أصحاب مالك، و زفر بن الهذيل- من أصحاب أبي حنيفة- و الطبري إلى أنه لا يجب إدخالها في الغسل.

الثاني: كيفية الغسل؛ فمذهب الشيعة أن الابتداء بالغسل من المرافق إلى أطراف الأصابع، و لا يجوز غسلها من الأصابع إلى المرافق، لأن إلى في الآية الكريمة بمعنى مع كقوله تعالى: تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى‏ أَمْوالِكُمْ‏ و قوله تعالى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ‏ و أراد بذلك (مع).

و إنها لبيان المغسول لا لكيفية الغسل و يحتاج ذلك إلى بيان، و قد ثبت عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من طريق أهل البيت أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) غسل من المرافق إلى أطراف الأصابع.

مسح الرأس:

أجمع المسلمون على وجوب مسح الرأس للآية الشريفة و لفعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ذلك، و لكنهم اختلفوا في مقدار المسح فهل يمسح كله أو بعضه؟.

فالإمامية أوجبوا مسح البعض من مقدم الرأس و قالوا: يجزي ما يسمى مسحا، و يشترطون أن يكون ذلك بنداوة الوضوء، فلو استأنف ماء جديدا بطل الوضوء.

و احتجوا بقوله: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ و الباء للتبعيض.

و لأن ذلك من المعروف من فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما رواه المغيرة بن شعبة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) توضأ فحسر العمامة عن رأسه و مسح على ناصيته.

و روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع.

و عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: امسح على مقدم الرأس و امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن‏ (1).

و وافقهم الشافعية في ذلك، إذ الواجب عندهم ما يقع عليه اسم المسح و إن قل، قال أبو العباس بن القاص: أقله ثلاث شعرات كما نقول في الحلق في الإحرام.

و قال في المهذب: إنه لا يتقدر لأن اللّه أمر بالمسح و ذلك يقع على القليل و الكثير و المستحب أن يمسح جميع الرأس‏ (2).

____________

(1) الكافي ج 3 ص 29.

(2) المهذب للشيرازي ج 1 ص 17.

192

أما الحنفية فاختلفوا في المقدار، فعن أبي حنيفة و أبي يوسف أن المفروض ربع الرأس، و عن محمد بن الحسن أن المفروض ثلاثة أصابع إذا اعتبر الممسوح به عشرة أصابع، و ربعها إصبعان و نصف، إلا أن الاصبع الواحد لا يتجزأ فجعل المفروض ثلاثة أصابع‏ (1).

و قال زفر: يجوز أن يمسح باصبع واحد مقدار ربع الرأس‏ (2).

و ذهب مالك إلى أن الواجب مسح الرأس كله، و خالفه بعض أصحابه و جعل فرض المسح بعض الرأس، و من أصحاب مالك من حد هذا البعض بالثلث و بعضهم بالثلثين‏ (3).

و أوجب الحنابلة مسح جميع الرأس، و يكره غسله بدلا من المسح إن أمرّ يديه‏ (4). و في إحدى الروايتين عن أحمد بن حنبل أنه اكتفى بمقدم الرأس‏ (5).

قال النووي في شرح مسلم: و أجمعوا على وجوب مسح الرأس و اختلفوا في قدر الواجب فيه، فذهب الشافعي في جماعة إلى أن الواجب ما يطلق عليه الاسم و لو شعرة واحدة، و ذهب مالك و أحمد إلى وجوب استيعابه و قال أبو حنيفة في رواية الواجب ربعه‏ (6).

و كذلك وقع الاختلاف في عدد المسح، فقال الشافعي و جماعة إن المستحب ثلاث مرات، و ذهب أبو حنيفة و مالك و أحمد إلى أن السنة مرة واحدة و لا يزاد عليها.

و قال الإمامية: لا تكرار في المسح.

الأرجل:

اختلف علماء الإسلام في نوع طهارة الأرجل من أعضاء الوضوء، فذهب‏

____________

(1) انظر المبسوط للسرخسي ج 1 ص 65.

(2) بدائع الصنائع ج 1 ص 5.

(3) بداية المجتهد ج 1 ص 11.

(4) غاية المنتهى ص 31.

(5) نيل الأوطار: ج 1 ص 155.

(6) شرح صحيح مسلم للنووي ج 4 ص 107.

193

الكثيرون منهم إلى وجوب الغسل، و منهم الأئمة الأربعة، إلا ما ينقل عن أحمد بن حنبل في إحدى الروايات، بأنه جوز المسح‏ (1).

و عند الأوزاعي، و الثوري، و ابن جرير، و الجبائي، و الحسن البصري إن الإنسان مخير بين الغسل و بين المسح.

و قال بعض علماء أهل الظاهر بوجوب المسح و الغسل‏ (2).

و أجمعت الشيعة تبعا لأهل البيت على وجوب المسح و دليلهم على ذلك كتاب اللّه و سنة نبيه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لما روي عن الأئمة (عليهم السلام) في بيان كيفية وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أنه مسح على رجليه كما يأتي.

أما الكتاب فقوله تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ قرى‏ء بنصب أرجل و خفضها، أما قراءة الخفض فهي الحجة، و أما النصب فكذلك منصوبة إما على إسقاط الخافض أو أنها بفعل محذوف.

فأوجب سبحانه و تعالى على الوجوه بظاهر اللفظ الغسل، ثم عطف الأيدي على الوجوه، و أوجب لها بالعطف مثل حكمها و هو الغسل فكأنه قال: اغسلوا وجوهكم و اغسلوا أيديكم، ثم أوجب مسح الرءوس بصريح اللفظ كما أوجب غسل الوجوه كذلك، ثم عطف الأرجل على الرءوس، فوجب أن يكون لها حكم الرءوس و هو المسح بمقتضى العطف، و لو جاز أن يخالف في الحكم المذكور الرءوس الأرجل جاز أن يخالف حكم الأيدي في الغسل الوجوه.

و سواء قرى‏ء بنصب الأرجل أم خفضها فكلا القراءتين يدلان على وجوب المسح، كما ذهب إليه كثير من الصحابة و التابعين، و دلت عليه الآثار الصحيحة من صفة وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بأنه مسح على رجليه، كما روى ذلك عنه أهل بيته (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و أما القول بأن قراءة الخفض في أرجلكم إنما كان للمجاورة فهو غير صحيح، لأن ذلك لا يجوز إلا مع ارتفاع اللبس، فأما مع حصوله فلا يجوز (3).

____________

(1) رحمة الأمة في اختلاف الأئمة ج 1 ص 19 بهامش ميزان الشعراني.

(2) نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 168.

(3) انظر هذا المبحث في كتاب المسائل الناصرية، و كتاب الانتصار للسيد المرتضى، و تفسير التبيان لشيخ الطائفة محمد بن الحسن الطوسي ج 3 ص 152- 157، و تفسير مجمع البيان لأبي علي بن الفضل بن الحسن الطبرسي ج 6 ص 37 ط دار الفكر، و الغنية لأبي المكارم عز الدين حمزة بن علي بن زهرة الحلبي، و غيرها من كتب الفقه و التفسير.

194

و أما حمل بعضهم الأمر بالمسح هنا على الغسل فهو بعيد جدا و هو تعسف و صرف لظواهر الكتاب عما تدل عليه.

و على كل حال: فإن كلا القراءتين يفهم منهما وجوب مسح الرجلين و قد وافقنا على ذلك جماعة من علماء المسلمين ممن لا يقول به و لنترك الحديث لبعضهم:

قال الفخر الرازي في تفسيره حول الاحتجاج بهذه الآية الكريمة:

حجة من قال بوجوب المسح مبني على القراءتين المشهورتين في قوله تعالى:

وَ أَرْجُلَكُمْ‏ فقرأ ابن كثير، و حمزة، و أبو عمر، و عاصم- في رواية أبي بكر- بالجر، و قرأ نافع، و ابن عامر، و عاصم- في رواية حفص عنه- بالنصب.

ثم قال: فنقول أما القراءة بالجر فهي تقتضي كون الأرجل معطوفة على الرءوس، فكما وجب المسح في الرأس فكذلك في الأرجل.

فإن قيل: لم لا يجوز أن يقال: هذا كسر على المجاورة كما يقال: جحر ضب خرب.

قلنا: هذا باطل من وجوه: (الأول) أن الكسر على الجوار معدود في اللحن الذي قد يتحمل لأجله لضرورة في الشعر، و كلام اللّه منزه عنه.

و ثانيها: أن الكسر على الجوار إنما يصار حيث يحصل الأمن من الالتباس، كما في قوله: جحر ضب خرب، فإن من المعلوم بالضرورة، أن الخرب لا يكون نعتا للضب بل للجحر، و في هذه الآية الأمن من الالتباس غير حاصل.

و ثالثها: أن الكسر بالجوار إنما يكون بدون حرف العطف، و أما مع حرف العطف فلم تتكلم به العرب.

و أما القراءة بالنصب فقالوا أيضا توجب المسح و ذلك لأن قوله: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ فرؤوسكم في محل النصب بامسحوا لأنه المفعول به، و لكنها مجرورة لفظا بالباء، فإذا عطفت الأرجل على محل الرءوس جاز في الأرجل النصب عطفا على محل الرءوس، و جاز الجر عطفا على الظاهر.

195

فإذا ثبت هذا فنقول: ظهر أنه يجوز أن يكون عامل النصب في قوله تعالى:

و أرجلكم هو قوله: و امسحوا. و يجوز أن يكون هو قوله فاغسلوا، لكن العاملان إذا اجتمعا على معمول واحد كان إعمال الأقرب أولى، فوجب أن يكون عامل النصب في قوله تعالى: و أرجلكم هو قوله تعالى: و امسحوا.

فثبت أن قراءة و أرجلكم بنصب اللام توجب المسح أيضا (1) ..

هذا ما قرره عالم من كبار علماء الشافعية، و من أشهر المفسرين، و هو موافق لما يذهب إليه الشيعة، و ما أجمعوا عليه من وجوب المسح للأرجل، كما دلت عليه آية الوضوء، و إن كان هذا العالم ذهب إلى الغسل نظرا لوجود أخبار تدل عليه إذ يقول:

ان الأخبار الكثيرة وردت بإيجاب الغسل و الغسل مشتمل على المسح، و لا ينعكس، فكان الغسل أقرب إلى الاحتياط، فوجب المصير إليه، و على هذا الوجه يجب القطع بأن غسل الأرجل يقوم مقام مسحهما.

و أنت ترى ما في هذا الاستدلال من البعد عن الواقع، و هو تمحل و تكلف، و ستأتي الإشارة إلى الأخبار في هذا الباب.

و قال الجصاص:

أحمد بن الرازي الحنفي المتوفى سنة 370 ه في كتابه أحكام القرآن:

و لا يختلف أهل اللغة أن كل واحدة من القراءتين محتملة للمسح بعطفها على الرأس، و يحتمل أن يراد بها الغسل بعطفها على المغسول، لأن قوله تعالى:

و أرجلكم، بالنصب يجوز أن يكون مراده فاغسلوا أرجلكم، و يحتمل أن يكون معطوفا على الرأس فيراد بها المسح، و إن كانت منصوبة فيكون معطوفا على المعنى لا على اللفظ، لأن الممسوح مفعول به كقول الشاعر:

معاوي إننا بشر فاسجح* * * فلسنا بالجبال و لا الحديدا

فنصب الحديد و هو معطوف على الجبال بالمعنى.

و يحتمل قراءة الخفض معطوفة فيراد به المسح، و يحتمل عطفه على الغسل‏

____________

(1) تفسير الرازي ج 3 ص 37.

196

و يكون مخفوضا بالمجاورة كقوله تعالى: يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ مُخَلَّدُونَ‏ ثم قال تعالى:

وَ حُورٌ عِينٌ‏ فخفضهم بالمجاورة.

إلى أن يقول: فثبت بما وصفنا احتمال كل واحدة من القراءتين للمسح و الغسل .. (1).

و قال إبراهيم الحلبي:

قرأ السبعة بالنصب و الجر، و المشهور أن النصب بالعطف على وجوهكم و الجر على الجوار، و الصحيح أن الأرجل معطوفة على (برءوسكم) في القراءتين، و نصبها على المحل، و جرها على اللفظ، و ذلك لامتناع العطف على المنصوب للفصل بين العاطف و المعطوف بجملة أجنبية، و الأصل أن لا يفصل بينهما بمفرد فضلا عن الجملة، و لم يسمع في الفصيح نحو ضربت زيدا و مررت بعمرو و بكرا، بعطف بكر على زيد، و أما الجر على الجوار فإنما يكون على قلة في النعت كقول بعضهم: هذا جحر ضب خرب، بجر خرب و في التأكيد كقول الشاعر:

يا صاح بلغ ذوي الزوجات كلهم* * * أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب‏

بجر كلهم على ما حكاه القراء.

و أما في عطف النسق فلا يكون، لأن العاطف يمنع المجاورة (2).

و قال ابن حزم:

و أما قولنا في الرجلين فإن القرآن نزل بالمسح قال اللّه تعالى: وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ‏ و سواء قرى‏ء بخفض اللام أو بفتحها هي على كل حال عطف على الرءوس: إما على اللفظ و إما على الموضع لا يجوز غير ذلك، لأنه لا يجوز أن يحال بين المعطوف و المعطوف عليه بقضية مبتدأة، و هكذا جاء عن ابن عباس: نزل القرآن بالمسح. يعني في الرجلين في الوضوء (3).

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص ج 2 ص 422.

(2) هامش غنية المتملي ص 8.

(3) المحلى لابن حزم ج 1 ص 207.

197

الأخبار:

إن أخبار الغسل لا يمكن أن يخصص بها الكتاب إذ هي أخبار آحاد، و منها ما لا دلالة فيه على المدعى، كخبر عبد اللّه بن عمرو بن العاص في الصحيحين أنه قال: تخلف عنا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في سفر سافرنا معه فأدركنا و قد حضرت صلاة العصر، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى ويل للأعقاب من النار.

و هذا الخبر كما ترى يدل على مسح الأرجل و شهرته بين المسلمين، و لم يصدر من النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنكار عليه، و إنما أنكر عليهم قذارة أعقابهم، و لا سيما في السفر، و قد نالها في الطريق أوساخ و قذارات لا يجوز الدخول في الصلاة معها، إذ فيهم أعراب جفاة، لا يتنزهون عن قذارة.

و يؤيد هذا ما قاله ابن رشد القرطبي بعد إيراد هذا الحديث: قال: و هذا الأثر و إن كانت العادة قد جرت بالاحتجاج به في منع المسح، فهو أدل على جوازه منه في منعه، لأن الوعيد إنما تعلق فيه بترك التعميم، لا بنوع الطهارة، بل سكت عن نوعها، و ذلك دليل على جوازه و وجوب المسح هو أيضا مروي عن بعض الصحابة و التابعين‏ (1).

و منها ما حكاه حمران مولى عثمان بن عفان من وضوء مولاه عثمان، و أنه غسل كل رجل ثلاثا، ثم قال رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يتوضأ مثل وضوئي.

و مثله ما روي عن عبد اللّه بن زيد بن عاصم، و قد قيل له توضأ لنا وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فتوضأ ثم غسل رجليه إلى الكعبين، كما روى ذلك مسلم في صحيحه‏ (2).

و الحاصل أن عمدة ما في الباب هو هذه الأخبار، و الأصل المعتمد عليه هو خبر حمران مولى عثمان بن عفان؛ و كل ذلك لا يصلح أن يكون مقابلا لحكم الآية أو ناسخا لها.

و عليه فقد صرح بالمسح جماعة من السلف كابن عباس، و أنس بن مالك و الشعبي و عكرمة و غيرهم.

____________

(1) بداية المجتهد ج 1 ص 15.

(2) صحيح مسلم شرح النووي ج 4 ص 121- 123.

198

و قد اشتهر عن ابن عباس إنكاره على من يغسل رجليه فكان يقول: الوضوء غسلتان و مسحتان.

و كان يقول: افترض اللّه غسلتين، و مسحتين، أ لا ترى أنه ذكر التيمم فجعل مكان الغسلتين، و ترك المسحتين‏ (1).

و قال الشعبي: إنما هو المسح على الرجلين، أ لا ترى أن ما كان عليه الغسل جعل عليه التيمم و ما كان عليه المسح أهمل.

و قال عكرمة: ليس في الرجلين غسل، إنما نزل فيهما المسح‏ (2).

و قال موسى بن أنس لأنس: يا أبا حمزة إن الحجاج خطبنا بالأهواز و نحن معه فذكر الطهور فقال: اغسلوا حتى ذكر الرجلين و غسل العراقيب.

فقال أنس: صدق اللّه و كذب الحجاج. قال اللّه سبحانه: فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏.

فكان أنس إذا مسح قدميه بلهما و قال نزل القرآن بالمسح. و جاءت السنة بالغسل‏ (3).

و نحن لا نستبعد تدخل السلطات في هذه القضية، فالحجاج عند ما يأمر الناس بحكم فبدون شك أنه لا يوجد من يخالف، و كثير من يؤيده، و من تكلم بغير ما يأمر فمصيره إلى الفناء، و ليس لمحتج عليه من سبيل، و لا لقائل على خلاف قوله إلا أن يكذب، إن كانت له بقية من حياة و امتداد في عمر.

و على أي حال: فإن لنا بكتاب اللّه العزيز، و ما ورد عن عترة رسوله العظيم، ما يكفينا عن الاستدلال في الحكم، فإن القرآن ناطق بذلك و لا سبيل إلى صرفه إلى غيره و لا تنسخه أخبار آحاد لا تصلح للاستدلال.

و قد أخرج أبو داود من حديث أوس بن أبيّ الثقفي أنه قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أتى كضامة قوم و مسح على نعليه و قدميه.

____________

(1) تفسير الخازن ج 2 ص 16 و معالم التنزيل للبغوي ص 16 ج 1 بهامش الخازن.

(2) تفسير الخازن ج 2 ص 16.

(3) أحكام القرآن لابن الغربي ج 2 ص 574.

199

و جاء من طريق همام عن إسحاق بن أبي عبد اللّه: حدثنا علي بن خلاد عن أبيه عن عمه- هو رفاعة بن رافع- أنه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: (إنها لا تجوز صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره اللّه عز و جل: يغسل وجهه و يديه و يسمح رأسه و رجليه إلى الكعبين.

و عن إسحاق بن راهويه: حدثنا عيسى بن يونس، عن عبد خير عن علي (عليه السلام) (كنت أرى باطن القدمين أحق بالمسح، حتى رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يمسح ظاهرهما).

و روى شعبة عن عبد الملك بن ميسرة، عن النزال بن ميسرة أن عليا (عليه السلام) صلى الظهر ثم قعد في الرحبة، فلما حضرت العصر، دعا بكوز من ماء فغسل يديه و وجهه، و ذراعيه، و مسح برأسه و رجليه و قال: هكذا رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فعل.

و روى الحسن بن علي الطوسي في مجالسه عن أبيه بسند عن أبي إسحاق الهمداني، عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في عهده إلى محمد بن أبي بكر حين ولاه مصر أن قال فيه: و انظر إلى الوضوء فإنه من تمام الصلاة: تمضمض ثلاث مرات، و استنشق ثلاثا، و اغسل وجهك، ثم يدك اليمنى ثم اليسرى ثم امسح رأسك و رجليك، فإني رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يصنع ذلك، و اعلم أن الوضوء نصف الإيمان‏ (1).

و أما ما أخرجه ابن ماجة من طريق أبي إسحاق عن أبي حية قال رأيت عليا (عليه السلام) توضأ فغسل قدميه إلى الكعبين ثم قال أردت أن أريكم طهور نبيكم.

فهو مما تفرد به أبو إسحاق، و قد ترك الناس حديثه لأنه اختلط و نسي، و أن أبا حية، راوي هذا الحديث، نكرة لا يعرف، و لا ذكر له في رواة الحديث، و لعله شخصية و همية برزت في إطار الخيال لغاية في نفس المصور لها.

و روى الكليني بسند عن بكير بن أعين أن أبا جعفر الباقر (عليه السلام) قال: أ لا أحكي لكم وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأخذ بكفه اليمنى كفا من ماء فغسل به وجهه، ثم أخذ بيده اليسرى كفا من ماء فغسل به يده اليمنى، ثم أخذ بيده اليمنى كفا من ماء

____________

(1) الوسائل ج 1 ص 377.

200

فغسل به يده اليسرى، ثم مسح بفضل يديه رأسه و رجليه‏ (1).

و مثله عن زرارة بن أعين و محمد بن مسلم عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام).

و روى الكليني بسند عن حماد بن عثمان قال: كنت قاعدا عند أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) فدعا بماء فملأ به كفه فعم به وجهه، ثم ملأ كفه فعم به يده اليمنى، ثم ملأ كفه فعم به يده اليسرى، ثم مسح على رأسه و رجليه‏ (2).

و في الخصال للصدوق بإسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمد الصادق (عليه السلام) أنه قال: هذه شرائع الدين لمن أراد أن يتمسك بها و أراد اللّه هداه.

إسباغ الوضوء كما أمر اللّه في كتابه الناطق، غسل الوجه و اليدين إلى المرفقين، و مسح الرأس و القدمين إلى الكعبين مرة مرة، و مرتان جائز، و لا ينقض الوضوء إلا البول و الريح و النوم و الغائط و الجنابة.

و من مسح على الخفين فقد خالف اللّه و رسوله و كتابه و وضوؤه لم يتم‏ (3).

المسح على الخفين:

هذه المسألة من المسائل التي وقع الخلاف فيها بين الشيعة و غيرهم من المذاهب، و قد تطورت الحالة حتى أصبح المسح على الخفين من علامة السنة، و عدمه من علامات البدعة، و أصبحت هذه المسألة من أصول الاعتقاد.

و نحن نذكر ذلك بإيجاز:

قالت الشيعة، لا يجوز المسح على الخفين، أو الجورب مطلقا، سواء في حضر أم سفر، لأن ذلك خلاف ما نزل به القرآن في بيان الوضوء، و هو قوله تعالى:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ‏ فأوجب تعالى إيقاع الفرض على ما يسمى رجلا، و الخف لا يسمى بذلك، كما أن العمامة لا تسمى رأسا.

كما أن الأخبار الواردة في ذلك لا تقابل دلالة الآية على وجوب المسح على الرجل، و عمدة ما في الباب هو حديث جرير بن عبد اللّه:

____________

(1) الكافي ج 3 ص 24.

(2) الكافي ج 3 ص 27.

(3) الوسائل طبع مصر ج 1 ص 376- 377.

201

روى الجماعة أن جريرا بال ثم توضأ و مسح على خفيه، فقيل له تفعل هكذا؟

قال: نعم رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بال ثم توضأ، و مسح خفيه، و قد أنكر المسح على الخفين جماعة من الصحابة، و كان علي (عليه السلام) يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين.

و روى زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال، سمعته يقول: جمع عمر بن الخطاب أصحاب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و فيهم علي (عليه السلام)، فقال: ما تقولون في المسح على الخفين؟ فقام المغيرة بن شعبة و قال: رأيت رسول اللّه يمسح على الخفين.

فقال علي (عليه السلام) قبل المائدة أو بعدها؟ فقال المغيرة: لا أدري. فقال علي (عليه السلام): إنما نزلت المائدة قبل أن يقبض النبي بشهرين أو ثلاثة.

و قال أبو الورد: قلت لأبي جعفر الباقر (عليه السلام): إن أبا ضبيان حدثني أنه رأى عليا (عليه السلام) أراق الماء ثم مسح على الخفين، فقال (عليه السلام): كذب أبو ضبيان ...

الحديث.

و روى إسحاق بن عمار عن الإمام الصادق (عليه السلام): النهي عن المسح على الخفين.

و عن الحلبي قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المسح على الخفين فقال: لا تمسح و قال: إن جدي قال: سبق الكتاب‏ (1).

فالشيعة الإمامية يذهبون- تبعا للعترة الطاهرة- إلى عدم جواز المسح على الخفين لما ذكرناه و ما سيأتي بعد.

و قد وقع الاختلاف في هذه المسألة على أقوال:

1- الجواز مطلقا سفرا و حضرا.

2- الجواز في السفر دون الحضر.

3- عدم الجواز بقول مطلق لعدم ثبوته في الدين، و أن القرآن على خلافه، و على كل حال فإن الاختلاف في هذه المسألة وقع في الصدر الأول، فمنهم من يرى‏

____________

(1) الوسائل طبع مصر ج 2 ص 27 و الخلاف للشيخ الطوسي ج 1 ص 22 و الكافي ج 3 ص 32 و المعتبر للمحقق الحلي ص 41 و غيرها.

202

عدم مشروعية المسح على الخفين، و ما يروى في ذلك معارض لآية الوضوء، و هي متأخرة عما يروى في ذلك، و لم تكن منسوخة إذ المائدة لم تنسخ منها آية واحدة.

و كان في طليعة المنكرين لذلك الإمام علي (عليه السلام) و كفى بذلك ردا للمدعى، إذ هو باب مدينة علم النبي، و هو أعرف الناس بما يصدر عن الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، لملازمته إياه في حضره و سفره، و لما سألت عائشة عن المسح على الخفين قالت: سلوا عليا فإنه كان أكثر سفرا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قد ثبت عن علي (عليه السلام) أنه كان ينهى عن المسح على الخفين.

و كذلك حبر الأمة عبد اللّه بن عباس، فقد ورد عنه أنه كان يقول: لأن أمسح على جلد حمار أحب إليّ من أن أمسح على الخفين.

و كانت عائشة تنكر المسح على الخفين أشد الإنكار و تقول: لأن تقطع قدماي أحب إليّ من أن أمسح على الخفين، و في لفظ: لأن أقطع رجلي أحب إليّ من أن أمسح عليهما (1).

و كان ابن عمر يخالف الناس في المسح على الخفين، و إن ادعى أنه رجع عن ذلك قبل موته فهي دعوى لم تثبت.

و سئل ابن عباس: هل مسح رسول اللّه على الخفين؟ فقال: و اللّه ما مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على الخفين بعد نزول المائدة، و لان أمسح على ظهر عير في الفلاة أحب إليّ من أن أمسح على الخفين، و في رواية: لأن أمسح على جلد حمار أحب إليّ من أن أمسح على الخفين‏ (2).

و قد روي عن مالك بن أنس في العتيبية ما ظاهره المنع من المسح على الخفين. و قال الشيخ أبو بكر في شرح المختصر الكبير إنه روي عن مالك: لا يمسح المسافر و لا المقيم، و كذلك روي عن ابن وهب في النوادر عن مالك أنه قال: لا مسح في سفر و لا حضر، و يقال إن منعه كان على وجه الكراهية لما لم ير أهل المدينة يمسحون، ثم رأى الآثار فأباح المسح على الإطلاق‏ (3).

____________

(1) نيل الأوطار ج 1 ص 177 و تفسير الرازي ج 3 ص 371 بداية المجتهد ج 1 ص 17.

(2) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 7.

(3) المنتقى لابن الباجي ج 1 ص 77.

203

و على كل حال: فإن فعل جرير و استنكار الناس عليه عند ما مسح على الخفين، يؤيد أن هذا لم يكن معهودا، و مثله يلزم أن يكون مشهورا شهرة عظيمة، لا تخفى على الأكثرين.

و إن ما ذهبت إليه الشيعة في عدم الجواز مطلقا هو الموافق لكتاب اللّه، و مبرئ للذمة، لأن المسح على الخفين لا يصدق عليه مسحا على الرجلين لا لغة و لا شرعا، كما أن العمامة لا تسمى رأسا، و البرقع لا يسمى وجها، و ما يقال في الاحتجاج بصحة القول: وطأت كذا برجلي. و إن كان لابسا للخف فإن ذلك مجاز و اتساع بلا خلاف. و المجاز لا يحمل عليه الكتاب، إلا بدليل ظاهر.

و قد صح عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه لم يمسح على خفيه، و ربما وقع اشتباه من الراوي في مسحه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على رجله، و هو لابس للحذاء الذي لا يمنع من المسح، و إن كان هذا بعيدا لأنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مشرع و وضوؤه لا بد أن يأتي بصورة أكمل و بيان أفضل.

ثم إن الوضوء لم يكن من الأعمال التي يمكن أن تخفى لكثرة تردده و استعماله حتى يختص جرير بن عبد اللّه بهذا الحكم، و يتفرد بها البيان كما تقدم.

و على كل حال: فالشيعة لم تنفرد بالمنع و لم يستدلوا في هذا الحكم بغير الكتاب و سنة الرسول، و كفى بذلك أمنا من العقاب و براءة للذمة.

و مهما يكن من أمر فقد وقع الاختلاف بين القائلين بجواز المسح من حيث توقيته و كيفيته مما لا حاجة إلى ذكره.

و الشي‏ء الذي نود التنبيه عليه هو أن مسألة المسح على الخفين أصبح لها أثر في المجتمع الإسلامي، مما دعا إلى حجر الأفكار عن الخوض في صحتها، حتى ادعي أن روايتها متواترة، و أنها ناسخة لكتاب اللّه، مع أنها متقدمة على نزول الآية.

و كان مالك لا يرى جواز المسح على الخفين و لكنه يجيزه لأصحابه، و قد جعل إنكار المسح طعنا على الصحابة، و نسبتهم إلى الخطأ، و لهذا قال الكرخي: أخاف الكفر على من لا يرى المسح على الخفين‏ (1).

____________

(1) بدائع الصنائع ج 1 ص 7.

204

و إن المسح على الخفين من شرائط السنة، و قال أبو حنيفة: من شرائط السنة و الجماعة تفضيل الشيخين، و محبة الختنين، و أن ترى المسح على الخفين، و أن لا تحرم نبيذ التمر (1).

و قال ابن العربي: إذا ثبت وجه التأويل في المسح على الخفين، فإنهما أصل في الشريعة، و علامة مفرقة بين أهل السنة و البدعة (2).

و ذلك أن ابن العربي قد أول قراءة الخفض في أرجلكم، و هي قوله تعالى:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ‏ بكسر لام أرجلكم، إن ذلك لبيان أن الرجلين يمسحان حال الاختيار على حائل، و هما الخفان بخلاف سائر الأعضاء، فعطف بالنصب مغسولا على مغسول (أي الوجه و الأيدي) و عطف بالخفض ممسوحا على ممسوح (أي الرأس و الخفين) و صح المعنى.

و أنت ترى ما في هذا التأويل من البعد عن الحق، فاللّه سبحانه و تعالى يقول:

رءوسكم و أرجلكم و هم يقولون رءوسكم و نعالكم.

و إن هذه القضية قد ارتكب فيها ما لا يتفق مع الحقيقة و الواقع، إذ أصبحت بشكل يدعو إلى الاستغراب و التعجب، حتى ذهب بعضهم إلى لزوم الأخذ و الالتزام بما يدل على مسح الخفين مهما كان، هو أفضل لأن فيه تأييدا للسنة و طعنا في البدعة.

قال ابن المنذر: اختلف العلماء أيهما أفضل المسح على الخفين أم نزعهما، و غسل القدمين؟ و الذي أختاره أن المسح أفضل، لأجل من طعن فيه من أهل البدع و الروافض، و إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه‏ (3).

فلا نستغرب إذا عند ما يدعى إجماع الصحابة على جواز المسح من مخالفة أكثرهم، إن لم نقل كلهم إلا فردا نادرا.

و ليس من الغريب على من يجوز نصر السنة و محاربة البدعة- كما يقولون- مع‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) أحكام القرآن ج 2 ص 576.

(3) الشوكاني ج 1 ص 176.