الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
205

مخالفة الواقع أن ينسب جواز المسح للإمام علي (عليه السلام) مع أن المقطوع به أنه لا يجوّز ذلك، و كان ينكر على من يقول به.

و من العجيب ارتكاب أعظم المخالفات في التفسير، لما ورد عن أبي إمامة في صفة وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما أخرجه أبو داود من أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يمسح على المأقين، و هما مؤخر العين، ففسروا المأقين بالخفين‏ (1) حتى تكون فيه دلالة جواز المسح عليهما و أين المأقين من الخفين!!! و التحكم ظاهر إن تسامحنا في القول و إلا فهو اختلاق تم اللجوء إليه لمعالجة وضوح السياق الذي يناقض مدّعاهم. على أن من قلدهم من الأمة لم يتخلص من دلالة الصحة في قول من خالفهم، فيروى أن أحد علمائهم سئل عن الرجل يرى المسح على الخفين إلا أنه يحتاط و ينزع خفّيه عند الوضوء و لا يمسح عليهما؟ فقال:

أحب إلي أن يمسح على خفّيه إما لنفي التهمة عن نفسه أن يكون من الروافض، و إما لأن قوله تعالى: وَ أَرْجُلَكُمْ‏ قرى‏ء بالخفض و النصب، فينبغي أن يغسل حال عدم اللبس و يمسح على الخفين حال اللبس ليصير عاملا بالقراءتين‏ (2).

فانظر كيف تحمل الأمة على الحرج و تدفع إلى المشقة مكابرة و عنادا. و ما أولى العلماء برفع الالتباس و بيان الغامض لا خلق الاختلاف و التلبيس و جعل الحرج في الدين و المشقة في أداء الفرائض «ما جعل عليكم في الدين من حرج».

مسح الأذنين:

اختلف الفقهاء في مسح الأذنين هل هو سنة أم فريضة؟ و هل يجدد له الماء أم لا؟

ذهب الإمامية إلى أنه لا يجوز مسح الأذنين و لا غسلهما في الوضوء، لأن الآية لم تتعرض لذلك، و لم يثبت من فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه مسح أذنيه و لما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك:

روى زرارة قال سألت أبا جعفر الباقر (عليه السلام): أن أناسا يقولون: إن بطن‏

____________

(1) تيسير الوصول للشيباني ج 3 ص 76.

(2) شرح العناية على الهداية للبابرتي ج 1 ص 100.

206

الأذنين من الوجه و ظهرهما من الرأس. فقال (عليه السلام): ليس عليهما غسل و لا مسح‏ (1).

و ذهب أبو حنيفة و أصحابه إلى أن مسح الأذنين سنة إلا أنهما يمسحان مع الرأس بماء واحد (2).

و قد نسب ابن رشد إلى أبي حنيفة و أصحابه أن مسح الأذنين فرض و الصحيح ما نقلناه.

و الحنابلة يوجبون مسح الأذنين مع الرأس. قال ابن قدامة في صفة الوضوء: ثم يمسح رأسه مع الأذنين يبدأ بيده من مقدمه، ثم يمرهما من قفاه، ثم يردهما إلى مقدمه ثم يغسل رجليه ... (3).

و المعروف عن مالك أن الأذنين من الرأس، و اختلف أصحابه بين الفرض و السنة (4).

قال ابن ماجة بعد أن أورد حديث ابن عباس: و لا يعرف مسح الأذنين من وجه يثبت إلا من هذا الطريق، و قال ابن الصلاح: إن الأخبار ضعفها لا ينجبر بكثرة الطرق، و قال ابن حزم في المحلى: و أما مسح الأذنين فليسا هما فرضا، و لا هما من الرأس لأن الآثار في ذلك كلها واهية، قد ذكرنا فسادها في غير هذا المكان.

و قال: فلو كان الأذنان من الرأس لوجب حلق شعرهما في الحج، و هم لا يقولون هذا، و قد ذكرنا البرهان على صحة الاقتصار على بعض الرأس في الوضوء، فلو كان الأذنان من الرأس لأجزأ أن يمسحا بدلا عن مسح الرأس و هذا لا يقوله أحد.

و يقال لهم إن كانتا من الرأس فما بالكم تأخذون لهما ماء جديدا، و هما بعض الرأس؟! و أين رأيتم عضوا يجدد لبعضه ماء غير الماء الذي مسح به سائره؟! (5).

و قال الشوكاني: قال من أثبت الوجوب: إن أحاديث الأذنين من الرأس يقوي‏

____________

(1) الخلاف للشيخ الطوسي ص 6 ج 1.

(2) الهداية شرح بداية المبتدي ج 1 ص 4.

(3) عمدة الفقه على مذهب أحمد ص 9.

(4) بداية المجتهد ج 1 ص 13.

(5) المحلى لابن حزم ج 2 ص 56.

207

بعضها بعضها، و قد تضمنت أنهما من الرأس، فيكون الأمر بمسح الرأس أمرا بمسحهما، فيثبت وجوبه بالنص القرآني.

و أجيب بعدم انتهاض الأحاديث الواردة لذلك، و المتيقن الاستحباب، فلا يصار إلى الوجوب إلا بدليل ناهض، و إلا كان من التقول على اللّه بما لم يقل‏ (1).

و قال الشافعي: السنة أن يأخذ لكل واحد منهما ماء جديدا.

و قال الكاساني: وجه قول الشافعي: إنهما عضوان منفردان و ليسا من الرأس حقيقة و حكما، أما الحقيقة فإن الرأس منبت الشعر و لا شعر عليهما، و أما الحكم فلأن المسح عليهما لا ينوب عن مسح الرأس، و لو كانا في حكم الرأس لناب المسح عليهما عن مسح الرأس كسائر أجزاء الرأس‏ (2).

و قال القاضي أبو الوليد المالكي: فهل يمسحان فرضا أم نفلا؟ ذهب محمد بن مسلمة و أبو بكر الأبهري إلى أنهما يمسحان فرضا. و ذهب سائر أصحابنا (أي المالكة) أنهما يمسحان نفلا و هو الظاهر من مذهب مالك‏ (3).

المسح على العمامة:

لا يجوز المسح على العمامة و القناع و غيرهما من الحائل عند الشيعة إجماعا، لأن اللّه تعالى أمر بمسح الرءوس، و العمامة ليست من الرأس.

و لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يمسح على ناصيته، و على رأسه العمامة. قال أنس بن مالك: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و عليه عمامة قطرية، فأدخل يده تحت العمامة، فمسح بمقدم رأسه، و لم ينقض العمامة (4).

و سئل جابر بن عبد اللّه عن المسح على العمامة فقال: لا حتى يمسح الشعر بالماء. أخرجه مالك.

____________

(1) نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 161.

(2) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 23.

(3) المنتقى ج 1 ص 75.

(4) تيسير الوصول ج 3 ص 77.

208

و سئل الإمام الصادق (عليه السلام): عن رجل توضأ و هو معتم و ثقل عليه نزع العمامة: فقال ليدخل إصبعه‏ (1).

و به قال أبو حنيفة، و الشافعي، و مالك. و جوزه الحنابلة بثلاثة شروط:

أحدها كون العمامة على ذكر، الثاني كونها محنكة (أي ذات حنك) الثالث أن تستر غير ما جرت العادة بكشفه‏ (2).

و قال ابن قدامة في عمدة الفقه الحنبلي: و يجوز المسح على العمامة إذا كانت ذات ذوابة ساترة لجميع الرأس، إلا ما جرت العادة بكشفه‏ (3).

فظهر أن الخلاف في هذه المسألة لم يكن إلا من الحنابلة، و أما بقية المذاهب فمتفقة على ما تقول به الشيعة.

قال الكاساني الحنفي: لا يجوز المسح على العمامة، و القلنسوة، لأنهما يمنعان إصابة الماء الشعر (4).

و قال أبو إسحاق الشيرازي الشافعي: و إن كان على رأسه عمامة (أي المتوضإ) و لم يرد نزعها مسح بناصيته، و المستحب أن يتمم المسح بالعمامة، لما روى المغيرة:

أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) توضأ و مسح بناصيته، و على عمامته فإن اقتصر على مسح العمامة لم يجزه، لأنها ليست برأس، و لا تلحق المشقة بإيصال الماء إليه‏ (5).

و سئل مالك عن المسح على العمامة و الخمار فقال: لا ينبغي أن يمسح الرجل و لا المرأة على عمامة، و لا خمار، و ليمسحا على رءوسهما (6).

و قال الترمذي: و قال غير واحد من الصحابة لا يمسح على العمامة، إلا أن يمسح على رأسه مع العمامة، و هو قول سفيان الثوري، و مالك بن أنس، و ابن المبارك، و الشافعي، و إليه أيضا ذهب أبو حنيفة، و احتجوا بأن اللّه فرض المسح على‏

____________

(1) الخلاف للشيخ الطوسي ص 6.

(2) الروض الندي ص 38.

(3) عمدة الفقه ص 10.

(4) بدائع الصنائع ج 1 ص 5.

(5) المهذب ج 1 ص 18.

(6) المنتقى ج 1 ص 75.

209

الرأس، و الحديث في العمامة محتمل التأويل، فلا يترك المتيقن للمحتمل، و المسح على العمامة ليس بمسح على الرأس.

و أما ما ورد من الأخبار في جواز ذلك فهي أخبار آحاد معلولة لا تصلح للاستدلال، كحديث المغيرة بن شعبة الذي أخرجه مسلم في صحيحه، فقد نص ابن عبد البر على علته.

و ما روي عن سلمان الفارسي في جواز المسح على الخف و على العمامة، فهو غير صحيح لأن في إسناده أبو شريح، و هو مجهول لا يعرف، كما قال البخاري و فيه أيضا أبو مسلم مولى زيد، و هو مجهول كذلك.

و أما حديث ثوبان الذي رواه أحمد و أبو داود من أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمرهم أن يمسحوا على العصائب، فإنه معلول، لأن الراوي عن ثوبان راشد بن سعد، و قد قال فيه أحمد: لا ينبغي أن يكون راشد سمع من ثوبان لأنه مات قديما.

مسح العنق:

و هو المعروف بالتطويق فلم يرد فيه أثر، قال أحمد بن شهاب الرملي المعروف بالشافعي الصغير في شرحه لمنهاج النووي: و لا يسن مسح الرقبة، بل قال المصنف إنه بدعة قال (أي النووي): و أما خبر (مسح الرقبة أمان من الغسل) فموضوع‏ (1).

و قال بعض الحنفية: إنه أدب و ليس بسنة. و قال قاضي خان: إنه ليس بأدب و لا سنة (2).

و قال ابن تيمية: لم يصح عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه مسح على عنقه في الوضوء، بل و لا روي عنه ذلك في حديث صحيح، بل الأحاديث الصحيحة التي فيها صفة وضوء النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لم يكن يمسح على عنقه، و لهذا لم يستحب ذلك جمهور العلماء: كمالك، و الشافعي، و أحمد، في ظاهر مذهبهما، و من استحبه فاعتمد على أثر يروى عن أبي هريرة، أو حديث يضعف نقله، أنه مسح رأسه حتى بلغ القذال، و مثل ذلك لا يصلح‏

____________

(1) نهاية المحتاج ج 1 ص 177.

(2) المنية ص 11.

210

أن يكون عمدة، و لا يعارض ما دلت عليه الأحاديث، و من ترك مسح العنق فوضوؤه صحيح باتفاق العلماء (1).

و قال ابن القيم: و لم يصح عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في مسح العنق حديث البتة. و قال السيد علي زاده من الحنفية: و أما مسح الحلقوم فمكروه. كذا في النقاية، و تحفة الفقهاء، و غنية الفتاوى‏ (2).

الموالاة:

و هي التتابع بين الأعضاء في الغسل و المسح بنحو لا يلزم جفاف تمام السابق في الحال المتعارفة، فلا يقدح الجفاف لأجل حرارة الهواء أو البدن الخارجة عن المتعارف و هي واجبة عند الإمامية.

و الحنابلة يوافقونهم في ذلك، قال في غاية المنتهى: و هي (أي الموالاة) أن لا يؤخر غسل عضو حتى يجف ما قبله بزمن معتدل‏ (3) (أي معتدل الحرارة و البرودة).

و قال في العمدة: و ترتيب الوضوء على ما ذكرناه أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف ما قبله‏ (4).

و للشافعي قولان: ففي القديم أن عدم الموالاة مبطل للطهارة، لأنها عبادة يبطلها الحديث، فأبطلها التفريق كالصلاة.

و في الجديد أن التفريق غير مبطل، لأنها عبادة لا يبطلها التفريق القليل، فلا يبطلها التفريق الكثير كتفرقة الزكاة (5).

و عند الحنفية أن الموالاة سنة و ليس بفرض‏ (6) و عند مالك هي فرض لا سنة (7) و ذكر الشيخ خليل أن فيها خلافا (بين أصحاب مالك).

____________

(1) فتاوى ابن تيمية ج 1 ص 47.

(2) كتاب شرعة الإسلام ص 92.

(3) غاية المنتهى ص 25.

(4) عمدة الفقه ص 10.

(5) المهذب لأبي إسحاق الشيرازي ج 1 ص 19.

(6) غنية المتملي ص 11.

(7) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 22.

211

فظهر مما ذكرناه أن الاتفاق حاصل في وجوب الموالاة في الوضوء إلا من الحنفية، فإنهم يذهبون إلى الاستحباب.

الترتيب:

و هو البدء بالوجه فاليدين، فالرأس فالرجلين، و قد أجمعت الإمامية على وجوب الترتيب، للآية الكريمة: إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏.

فبدأ تعالى في إيجاب الطهارة بغسل الوجه، ثم عطف باقي الأعضاء على بعضها بالواو، و كذلك يدل عليه فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و ما جاء عن آل بيته (عليهم السلام) فيما روي عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) أنه قال لزرارة: ابدأ بالوضوء كما قال اللّه تعالى.

ثم قال (عليه السلام): ابدأ بالوجه، ثم باليدين ثم امسح الرأس و الرجلين، و لا تقدمن شيئا بين يدي شي‏ء تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه، ثم أعد على الذراع، و إن مسحت بالرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل، ابدأ بما بدأ اللّه تعالى به.

و الحنفية لم يشترطوا الترتيب في الوضوء فهو سنة لا فرض، و استدلوا بما رواه أبو داود في سننه أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تيمم فبدأ بذراعيه ثم بوجهه، و الخلاف فيهما واحد ... إلى آخره. و عندهم أن من بدأ بغسل رجليه و ختم بوجهه فوضوؤه صحيح‏ (1).

أما الشافعية فقد ذهبوا إلى أن الترتيب واجب‏ (2) و كذلك الحنابلة و انه فرض لا سنة (3).

و قد خالف أبو الخطاب و هو أحد أعيان المذهب الحنبلي، فذهب إلى عدم وجوب الترتيب، و انه خرّج رواية عن أحمد في ذلك. و وافقه ابن عقيل و اتفقا على‏

____________

(1) المبسوط للسرخسي ج 1 ص 55 و الهداية ج 1 ص 5 و غيرها.

(2) نهاية المحتاج للرملي ج 1 ص 160 و عمدة الفقه لابن قدامة ص 4.

(3) عمدة الفقه ص 8 و زوائد الكافي و المحرر على المقنع ص 7.

212

تخريجها من رواية سقوط الترتيب بين المضمضة و الاستنشاق، و سائر أعضاء الوضوء (1) و لكن المشهور عندهم خلافه.

و ذهب مالك: إلى أن الترتيب من الشروط. روى علي بن زياد عن مالك أن الترتيب شرط في صحة الطهارة.

و ذهب بعض أصحاب مالك إلى أنه ليس بشرط في صحة الطهارة، مستدلين بأن العطف بالواو في الآية الكريمة لاعضاء الوضوء بعضها على بعض، لا يدل على الترتيب، و أنها تقتضي الجمع دون الترتيب‏ (2).

و قد رد ابن حزم في المحلى على المالكية لعدم اشتراطهم الترتيب بقوله: و من عجب أن المالكية أجازوا تنكيس الوضوء الذي لم يأت نص من اللّه تعالى و لا من رسوله فيه، ثم أتوا ما أجاز اللّه تنكيسه فمنعوا من ذلك، و هو الرمي و الحلق و النحر و الطواف و الذبح!!! ... الخ‏ (3).

و قال الفخر الرازي في رده على الحنفية لعدم اشتراطهم النية و الترتيب في الوضوء، للمقارنة بين مذهب الشافعي و مذهب أبي حنيفة، و ترجيح مذهب الشافعي.

المسألة الثانية: مذهب الشافعي أنه لا يجوز الوضوء إلا مع النية و الترتيب، و قالوا: (أي الحنفية) يجوز.

دليلنا أن وضوء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان منويا مرتبا، فوجب وضوؤنا كذلك.

(بيان الأول): أنه لو كان غير مرتب و لا منوي لوجب علينا كذلك لقوله تعالى:

فاتبعوه. و حيث لم يجب ذلك علمنا أنه كان منويا مرتبا، و إذ ثبت هذا وجب أن يجب علينا لقوله تعالى: فاتبعوه، و أقصى ما في الباب أن قوله تعالى: فاتبعوه عام مخصوص، لكن العام المخصوص حجة في غير محل الخصوص، و إذا ثبت الوجوب ثبت أنه شرط، لأنه لا قائل بالفرق. ثم نقول: سواء صح هذا المذهب أو فسد، فإن العمل به متروك، فإنك لا ترى أحدا في الدنيا من العوام فضلا عن العلماء أن يأتي بوضوء خال من النية و الترتيب، بل لو رأوا إنسانا يأتي بوضوء منكس لتعجبوا

____________

(1) ذيل طبقات الحنابلة ج 1 ص 271.

(2) المنتقى للباجي ج 1 ص 47.

(3) المحلى لابن حزم ج 2 ص 68.

213

منه، فكان مذهبه (أي أبو حنيفة) في هاتين المسألتين متروكا غير معمول به البتة (1).

و قال أيضا: إن الوضوء شطر الإيمان بفتوى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و معلوم أنه إنما يكون كذلك إذا كان مقرونا بالنية، لأنه على هذا التقدير يكون الوضوء عبادة، فيكون جعل الوضوء شطر الإيمان، و على هذا التقدير فإن إيمان أصحابنا أكمل و عبادتهم أشرف، و إن الوضوء العاري عن النية و الترتيب و الموالاة ليس إلا أعمال أربعة، و مع هذه الأعمال سبعة و الأكثر أشق، و الأشق أكثر ثوابا، و إن النية عمل بالقلب، و هو أفضل من عمل الجوارح، لقوله تعالى: وَ ما أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ‏ فكان الإخلاص كالروح لجميع الأعمال، فالوضوء مع النية كالجسد مع الروح، و الوضوء بدون النية كالجسد الخالي عن الروح، و العين الخالية عن النور ... الخ‏ (2).

نواقض الوضوء:

النواقض جمع ناقض و هو مأخوذ من الإزالة، و النقض إزالة الشي‏ء من أصله، و المراد بها هنا الأسباب الموجبة للوضوء.

و قد وقع الاختلاف فيها بين المسلمين، فمنها ما هو مجمع عليه كالنوم و خروج الريح و البول و الغائط مع خلاف بينهم في كيفية النوم الناقض.

و النواقض للوضوء عند الشيعة خمسة:

1- 2- البول و الغائط، من الموضع المعتاد بالأصل أو بالعارض.

3- الريح الخارج من مخرج الغائط.

4- النوم الغالب على العقل، و يعرف بغلبته على السمع من غير فرق بين أن يكون قائما أو قاعدا و مثله كلما غلب على العقل، من جنون أو إغماء، أو سكر أو غير ذلك.

5- الاستحاضة كما يأتي بيانها.

النوم:

اتفق المسلمون على أن النوم ناقض للوضوء في الجملة إلا أنهم اختلفوا في‏

____________

(1) مناقب الشافعي للرازي ص 148.

(2) المصدر السابق ص 154.

214

الكيفية الموجبة لنقض الوضوء فيه، و هناك قول شاذ بعدم ناقضيته مطلقا.

و مذهب الشيعة أن النوم ناقض مطلقا، من غير فرق بين الاضطجاع و غيره إجماعا.

قال الإمام الصادق (عليه السلام): من نام و هو راكع، أو ساجد، أو ماش أو على أي الحالات فعليه الوضوء.

و عن زيد الشحام قال: سألت أبا عبد اللّه الصادق (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتين.

فقال (عليه السلام): ما أدري ما الخفقة و الخفقتين، إن اللّه تعالى يقول: بَلِ الْإِنْسانُ عَلى‏ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ فإن عليا كان يقول من وجد طعم النوم قائما، أو قاعدا فقد وجب عليه الوضوء (1).

و قد اختلف العلماء في مسألة ناقضية النوم على مذاهب ثمانية ذكرها النووي في شرح صحيح مسلم:

1- إن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، و هذا محكي عن أبي موسى الأشعري، و سعيد بن المسيب، و أبي مجلز، و حميد الأعرج، و شعبة.

2- إن النوم ينقض الوضوء بكل حال، و هو مذهب الحسن البصري و المزني و القاسم بن سلام، و إسحاق بن راهويه، و هو قول غريب للشافعي قال ابن المنذر و به أقول، و روى معناه عن ابن عباس و أبي هريرة.

3- إن كثير النوم ينقض بكل حال و قليله لا ينقض بحال، و هذا مذهب الزهري، و ربيعة، و الأوزاعي، و مالك، و أحمد في إحدى الروايتين.

4- إنه إذا نام على هيئة من هيئات المصلين، كالراكع، و الساجد، و القائم، و القاعد، لا ينتقض وضوؤه، سواء كان في الصلاة أو لم يكن، و إن نام مضطجعا، أو مستلقيا على قفاه انتقض و هذا مذهب أبي حنيفة، و داود، و هو قول للشافعي غريب.

5- إنه لا ينقض إلا نوم الراكع و الساجد، روي هذا عن أحمد بن حنبل.

6- إنه لا ينقض إلا نوم الساجد، و روي أيضا عن أحمد.

____________

(1) الوسائل ج 1 ص 242.

215

7- إنه لا ينقض النوم في الصلاة بكل حال، و ينقض خارج الصلاة، و هو قول ضعيف للشافعي.

8- إذا نام جالسا ممكنا مقعدته من الأرض لم ينتقض و إلا انتقض، سواء قل أو كثر، و سواء كان في الصلاة أو خارجها، و هذا مذهب الشافعي، و عنده أن النوم ليس حدثا في نفسه، و إنما هو دليل على خروج الريح، فإذا نام غير ممكن المقعدة غلب على الظن خروج الريح فجعل الشرع هذا الغالب كالمحقق، و أما إذا كان ممكنا فلا يغلب على الظن الخروج و الأصل بقاء الطهارة.

و قال النووي: و اتفقوا على أن زوال العقل بالجنون و الإغماء، و السكر، بالخمر أو بالبنج، أو الدواء ينقض الوضوء، سواء قل أو كثر، سواء كان ممكنا المقعدة أو غير ممكنها (1).

هذا ما ذكره النووي عن مذاهب العلماء في ناقضية الوضوء أوردناه بطوله، لننبه على أمرين:

الأول- اختلاف أقوال العلماء و موافقة أكثرهم لما تقول به الشيعة، و أن في هذه المسألة للشافعي أربعة أقوال و لأحمد قولين.

الثاني- أن بعضهم نسب إلى الشيعة القول بعدم ناقضية الوضوء مطلقا، و هو على العكس، فإن الشيعة أجمعوا على ناقضية الوضوء كما تقدم.

و منشأ هذا هو الاشتباه الحاصل مما ذكره النووي في بيان المذهب الأول، و هو قوله: إن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، و هذا محكي عن أبي موسى الأشعري، و سعيد الأعرج و أبي مجلز و شعبة.

فاشتبه الأمر على الشوكاني، و جعل اسم شعبة شيعة، فذكر ذلك في كتابه نيل الأوطار، و إليك نص قوله في بحث ناقضية النوم للوضوء: (و قد اختلف الناس في ذلك على ثمانية مذاهب ذكرها النووي في شرح مسلم) الأول: أن النوم لا ينقض الوضوء على أي حال كان، و هو محكي عن أبي موسى الأشعري، و سعيد بن‏

____________

(1) شرح صحيح مسلم ج 4 ص 73.

216

المسيب، و أبي مجلز و الشيعة يعني الإمامية، و زاد في البحر عمر بن دينار و استدلوا بحديث أنس‏ (1).

فصاحب نيل الأوطار قد اشتبه عليه الأمر بين كلمة الشيعة و كلمة شعبة بن الحجاج العتكي المتوفى سنة 160 ه و هو أحد الأعلام المشهورين، فظن أن هذا القول هو للشيعة و أضاف منه بأنهم الإمامية.

كما اشتبه الأمر على صاحب كتاب البحر الزخار يحيى بن أحمد الزيدي المتوفى سنة 957 ه فإنه بعد أن ذكر نسبة القول بعدم ناقضية النوم للوضوء إلى أبي موسى، و حميد الأعرج- كما ذكره النووي- قال: و الإمامية (2) و لم يذكر اسم شعبة بل ذكر مكانه الشيعة الإمامية اشتباها منه.

و على كل حال: فإن العلماء قد اختلفوا في ناقضية النوم على أقوال كثيرة، فمنهم من يرى ناقضيته بمجرد حصوله، إذ هو حدث برأسه، كما هو أحد قولي الشافعي، و إذا نام على الأرض فله فيه قولان.

و الذي يظهر من الشافعية أن النوم لم يكن حدثا برأسه، بل هو مظنة لخروج الريح من غير شعور به، فإذا نام ممكنا مقعده من الأرض فلا ينتقض وضوؤه‏ (3) و لهذا ذهب الحنفية بأن من نام مضطجعا انتقض وضوؤه، لأن الاضطجاع سبب لارتخاء المفاصل‏ (4) و منه ذهبوا إلى ناقضية ما يزيل العقل بأنه ناقض في جميع الحالات، لأنه في استرخاء المفاصل فوق النوم‏ (5).

و ذهب أبو يوسف إلى أن الإنسان إذا نام ساجدا غير متعمد فوضوؤه باق، و إن تعمد ذلك فوضوؤه غير باق.

و عن أحمد بن حنبل روايات، المختار منها: أنه إذا طال نوم القائم، أو القاعد، و الراكع و الساجد فعليه الوضوء.

____________

(1) نيل الأوطار للشوكاني ج 1 ص 190.

(2) البحر الزخار ج 1 ص 88.

(3) مغني المحتاج للنووي ج 1 ص 34.

(4) شرح الهداية ج 1 ص 6.

(5) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 30.

217

قال الخطابي هذا أصح الروايات‏ (1) و قال الدمشقي في الزوائد: إذا تغير النائم عن هيئته انتقض وضوؤه‏ (2). و في غاية المنتهى: أن النوم اليسير من جالس لا ينقض، و ينقض اليسير منه وضوء الراكع، و الساجد، أو المضطجع، أو المتكي‏ (3).

أما الخارج من السبيلين: فقد أجمع الفقهاء على ناقضيته، إلا المني فإنه عند الشافعي غير ناقض، و إن أوجب الغسل.

أما الودي و الوذي فهما غير ناقضين عند الشيعة (4) و وافقهم مالك في غير المعتاد.

و اختلف العلماء في انتقاض الوضوء مما يخرج من النجس من غير السبيلين على ثلاثة مذاهب: فاعتبر قوم في ذلك وحده من أي موضع، و على أي جهة خرج، و هو مذهب أبي حنيفة و أصحابه، فإنهم يوجبون الوضوء من كل نجاسة تسيل من الجسد، و تخرج منه، كالدم، و الرعاف الكثير و الفصد، و الحجامة، و خالفهم زفر بن الهذيل، فإنه ذهب إلى نقض الوضوء بهذه الأشياء سواء سالت أو لم تسل، و كذلك القي‏ء ناقض بمجرد حصوله، و عند أصحابه الثلاثة لا يكون ناقضا إلا إذا ملأ الفم‏ (5).

و ذهب الشافعي و أصحابه إلى عدم اعتبار ما يخرج من غير السبيلين من النجاسة، و غيرها، و كل شي‏ء يخرج منهما من دم، أو حصاة، أو بلغم، و على أي وجه خرج على سبيل الصحة أو على سبيل المرض فهو ناقض‏ (6).

و ذهب مالك و أصحابه إلى عدم ناقضية الوضوء بالقي‏ء و غيره، و لا ينقضه خروج نجاسة من غير السبيلين، و قالوا باستحباب المضمضة من القي‏ء (7).

____________

(1) رحمة الأمة ص 14.

(2) زوائد الكافي لعبد الرحمن الحنبلي ص 8.

(3) غاية المنتهى ص 37.

(4) الودي: ماء كدر يخرج عقيب البول أحيانا. الوذي (بالمعجمة) ماء يخرج بعد خروج المني.

المذي: ماء لزج يخرج بلا شهوة.

(5) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 26، و الاختيار لتعليل المختار ج 1 ص 9.

(6) المهذب للشيرازي ج 1 ص 24.

(7) الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية ص 26.

218

و اعتبر الحنابلة خروج النجاسة من غير السبيلين كما ذهب إليه الحنفية و لم يعتبروا القي‏ء ناقضا (1).

و ذهب أبو حنيفة إلى ناقضية الوضوء بالقهقهة في الصلاة استحبابا و الأثر الوارد في ذلك صحيح، كما ذكر في محله، و قد انفرد بهذا كما انفرد من بين المذاهب بجواز الوضوء بنبيذ التمر، و خالفه أبو يوسف و قال: لا يجوز التوضؤ به، و ذكر في الجامع الصغير: أن المسافر إذا لم يجد الماء و وجد نبيذ التمر توضأ به.

كما أجاز أبو يوسف أن يتوضأ الإنسان بماء العنب الذي يخرج من دون علاج، و كذلك يجوز عندهم الوضوء بماء خالطه شي‏ء طاهر فغير أحد أوصافه، كاللبن، أو الزعفران، أو الصابون، أو الأشنان.

و على هذا فلا ينتقل حكم من لم يجد ماء إلى التيمم مع وجود ماء العنب أو نبيذ التمر، أو الماء مع اللبن و الزعفران و الصابون و الأشنان، فإنه يجوز التوضؤ بهذه الأشياء، و يأتي حكم التيمم بعد ذلك، و هو خلاف ما أمر اللّه به لقوله تعالى: فإن‏ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فإنه تعالى نقل الحكم من الماء المطلق إلى التراب، و لا يجوز أن ينقل الحكم من النبيذ أو ماء العنب أو غيرها إلى التراب. و سيأتي بيان ذلك إن شاء اللّه.

الشك:

من تيقن الطهارة و شك في الحدث بني على طهارته، و لا يجب عليه الوضوء، و من تيقن الحدث و شك في الطهارة تطهر عملا باليقين، و إلغاء الشك بدون خلاف بين الشيعة.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) لبكير: إذا استيقنت أنك توضأت، فإياك أن تحدث وضوءا أبدا، حتى تستيقن، أنك قد أحدثت.

و قال عبد الرحمن بن الحجاج سألت أبا عبد اللّه الصادق (عليه السلام): أجد الريح في بطني حتى أظن أنها قد خرجت.

فقال (عليه السلام): ليس عليك وضوء، حتى تسمع الصوت أو تجد الريح.

____________

(1) العمدة لابن قدامة ص 11 و التنقيح ص 26.

219

و عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام): لا ينقض اليقين أبدا بالشك، و لكن ينقضه بيقين آخر.

و يظهر أنه لا خلاف بين المسلمين أن من تيقن الطهارة و شك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة، و لا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة، و حصوله خارج الصلاة.

و عن مالك روايتان: إحداهما أنه يلزمه الوضوء إن كان شكه خارج الصلاة، و لا يلزمه إن كان في الصلاة، و الثانية يلزمه بكل حال، و الذي يظهر من عبارة الشيخ عبد الباري المالكي: أن الشك في الطهارة ناقض للوضوء عند المالكية (1).

و قد فصل القاضي أبو الوليد المالكي الأقوال في هذه المسألة و اختلاف الروايات عن مالك، و منها ما هو موافق لمذهب الشيعة (2).

أما الشافعية فالظاهر إجماعهم على ذلك كما ذكر النووي بقوله: إن من تيقن الطهارة و شك في الحدث حكم ببقائه على الطهارة، و لا فرق بين حصول هذا الشك في نفس الصلاة، و حصوله خارج الصلاة، هذا مذهبنا، و مذهب جماهير العلماء من السلف‏ (3).

و قال أبو إسحاق الشيرازي: و من تيقن الطهارة و شك في الحدث بنى على يقين الطهارة، لأن الطهارة يقين فلا يزول ذلك بالشك، و إن تيقن الحدث و شك في الطهارة بنى على يقين الحدث ... الخ‏ (4) من حيث أثرها في النقض و عدمه.

السنن أو المستحبات:

و نرى من اللازم ذكر السنن أو المستحبات للوضوء، عند المذاهب الخمسة، إتماما للفائدة و بيانا لبعض الاختلافات في ذلك.

____________

(1) حاشية الصفتي على الجواهر السنية في حل ألفاظ العشماوية ص 36.

(2) المنتقى ج 1 ص 54 تجد البحث مفصلا.

(3) شرح صحيح مسلم للنووي ج 4 ص 49.

(4) المهذب ج 1 ص 5.

220

الشيعة:

يستحب عندهم للوضوء أشياء منها:

1- السواك و هو دلك الأسنان بعود، و أفضله الغصن الأخضر، و أكمله الأراك، و هو سنة مطلقا، و لكنه يتأكد في الوضوء.

2- وضع الإناء الذي يغترف منه على اليمين.

3- التسمية و صورتها: بسم اللّه و باللّه. و يستحب إتباعها بقوله:

اللهم اجعلني من التوابين، و اجعلني من المتطهرين.

4- غسل اليدين من الزندين قبل إدخالهما الإناء الذي يغترف منه لحدث البول مرة، و للغائط مرتين.

5- المضمضة و الاستنشاق و تثليثهما، و تقديم المضمضة.

6- تثنية الغسلات.

7- بدأة الرجل بظاهر ذراعيه، و المرأة تبدأ بالباطن‏ (1).

الحنفية:

سنن الوضوء أو مستحباته عندهم أشياء منها:

1- غسل اليدين قبل إدخالهما الإناء ثلاثا إلى الرسغ.

2- السواك، و عند فقده يستاك بالاصبع.

3- المضمضة و الاستنشاق.

4- النية إذ هي ليست بواجبة عندهم، و كذلك الترتيب و الموالاة كما تقدم.

5- تكرار الغسل إلى الثلاث.

6- استيعاب المسح للرأس.

7- التسمية (2).

____________

(1) اللمعة الدمشقية للشهيد الأول و شرحها للشهيد الثاني، و الشرائع، و البيان، و المختصر النافع للمحقق الحلي، و النهاية للشيخ الطوسي، و الغنية لعز الدين زهرة الحلي، و المقنع للشيخ الصدوق و غيرها من كتب الفقه عند الشيعة.

(2) البحر الزاخر و كتاب الاختيار لتعليل المختار و مراقي الفلاح و غيرها.

221

المالكية:

1- التسمية.

2- غسل اليدين ثلاثا.

3- المضمضة و الاستنشاق.

4- و تثليث الغسلات و تكره الرابعة.

5- السواك و لو بإصبع.

6- الابتداء بالميامن.

7- و مسح وجهي كل أذن، و تجديد مائهما (1).

الشافعية:

1- السواك عرضا بكل خشن لا اصبعه.

2- التسمية في أوله فإن ترك ففي أثنائه.

3- غسل كفيه فإن لم يتيقن طهرهما كره غمسهما في الإناء.

4- المضمضة و الاستنشاق.

5- و تثليث الغسل، و المسح المفروض، و المندوب.

6- مسح كل رأسه، ثم أذنيه ظاهرهما و باطنهما. بماء جديد، و لا يسن مسح الرقبة فإنه بدعة.

7- تخليل اللحية الكثة من كل شعر يكتفي بغسل ظاهره، و تخليل أصابعه.

8- و غسل الزائد على الواجب من جميع جوانبه، و كذلك اليدين و الرجلين.

9- الموالاة و هي التتابع و في قول الشافعي القديم إنها واجبة.

10- ترك الاستعانة بصب الماء عليه من غير عذر.

11- الدعاء بعد الوضوء (2).

____________

(1) المختصر ص 8 و المنتقى و الجواهر الزكية في حل ألفاظ العشماوية.

(2) منهاج الطالبين للنووي ص 4 و نهاية المحتاج لابن شهاب الرملي ج 1 ص 162.

222

الحنابلة:

1- استقبال القبلة.

2- السواك.

3- غسل اليدين لحدث النوم، و المبالغة في المضمضة و الاستنشاق.

فرع:

من كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة، فإن تمكن من غسل ما تحتها بنزعها أو بغمسها بالماء وجب، و إن لم يتمكن لخوف الضرر، أو لعدم إمكان إزالة النجاسة، أو لعدم إمكان إيصال الماء تحت الجبيرة اجتزأ بالمسح عليها و صلى و لا إعادة لقوله تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏.

و في الصحيح عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه، أو نحو ذلك من مواضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضأ؟

فقال (عليه السلام): إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و إن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها.

و عن الإمام الصادق (عليه السلام) أيضا أنه قال له عبد الأعلى مولى آل سام: عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟

فقال (عليه السلام) يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه. قال اللّه تعالى: وَ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ امسح عليه.

و ليس عليه إعادة الصلاة، إذ لا دليل عليه، و الأصل براءة الذمة ...

و قالت الحنفية: و يجوز المسح على الجبائر و إن شدها على غير وضوء، فإن سقطت عن غير برء لم يبطل المسح، و إن سقطت عن برء بطل المسح. لزوال العذر (1).

____________

(1) القدوري ص 9 طبع الهند، و بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 51.

223

و قال السرخسي: و إن كانت الجبائر في موضع الوضوء مسح عليها، و الأصل فيه ما روي أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شج وجهه يوم أحد فداواه بعظم بال، و عصب عليه، فكان يمسح على العصابة، و لما كسرت إحدى زندي علي رضي اللّه تعالى عنه يوم حنين حتى سقط اللواء من يده، قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اجعلوها في يساره، فإنه صاحب لوائي في الدنيا و الآخرة.

فقال (علي) ما ذا أصنع بجبائري؟ قال: امسح عليها (1).

و أجاز ذلك الحنابلة، قال ابن قدامة يجوز المسح على الجبيرة إذا لم يتعد بشدها موضع الحاجة إلى أن يحلها (2).

و الشافعية يرون لزوم التيمم مع المسح، قال ابن القاسم في شرحه لغاية الاختصار: و صاحب الجبائر جمع جبيرة بفتح الجيم، و هي أخشاب أو قصب تسوى و تشد على موضع الكسر ليلتحم يمسح عليها بالماء إن لم يمكنه نزعها لخوف ضرر مما سبق و يتيمم صاحب الجبائر في وجهه و يديه‏ (3).

____________

(1) المبسوط للسرخسي ج 1 ص 73- 74.

(2) عمدة الفقه ص 11.

(3) مخطوط ص 11.

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

الغسل و التيمم‏

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى‏ حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا وَ إِنْ كُنْتُمْ مَرْضى‏ أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّساءَ فَلَمْ تَجِدُوا ماءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَفُوًّا غَفُوراً [النساء: 43].

[الغسل‏]

اتفق المسلمون على أن الغسل منه واجب، و منه مستحب، و لا خلاف بينهم في وجوب غسل الجنابة، و الحيض، و النفاس، و الأموات.

و اختلفوا فيما عدا هذه الأربعة، فأوجب الشيعة غسل مس الأموات و غسل الاستحاضة كما يأتي بيان ذلك.

و أوجب الحنابلة و المالكية غسل الكافر، و ذهب الشافعية إلى استحباب ذلك، و الحنفية يوجبون الغسل للكافر إن أسلم جنبا أو أسلمت الكافرة حائضا، و قيل يجب غسل النفاس عليها أيضا.

و الكلام هنا يقع في غسل الجنابة، و موجباته، و شرائطه، و مستحباته.

[غسل‏] الجنابة

لا خلاف في وجوب الغسل لحدث الجنابة لقوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا و قوله تعالى: إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا.

226

و الغسل اسم لإجراء الماء على المحل، و هو بفتح الغين مصدر غسل، و اسم مصدر لاغتسل، و بضمها مشترك بينها و بين الماء الذي يغتسل به، و بكسر الغين اسم لما يغسل به الرأس من سدر و نحوه.

و الجنابة دالة على البعد و منه قوله تعالى: وَ الْجارِ الْجُنُبِ‏ أي البعيد في نسبه و إن كان قريبا في داره.

و عن الشافعي أنه قال: إنما سمي جنبا من المخالطة. و من كلام العرب: أجنب الرجل إذا خالطه امرأته.

و كيف كان فإن موجبها عند الشيعة أمران: الأول خروج المني. و الثاني:

الجماع و لو لم ينزل، فإذا تحقق ذلك وجب الغسل للفاعل و المفعول. لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

«إذا التقى الختانان وجب الغسل».

واجباته:

1- النية و لا بد من استدامتها إلى آخر الغسل.

2- غسل ظاهر البشرة على وجه يتحقق به مسمى الغسل، و لا بد من تخليل ما يمنع وصول الماء إليها.

3- أن يبدأ أولا بغسل الرأس و الرقبة، ثم يغسل الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، و يسقط الترتيب بالارتماس.

و يشترط فيه إطلاق الماء و طهارته و إباحته، و إباحة الآنية و المصب، و أن يباشر الغسل بنفسه إلا في حالة الاضطرار، و أن لا يكون هناك مانع من استعمال الماء لمرض و نحوه، و أن يكون العضو طاهرا.

و يستحب فيه غسل اليدين من الزندين، و قيل من المرفقين ثلاثا، و المضمضة ثم الاستنشاق ثلاثا ثلاثا، و الاستبراء بالبول قبل الغسل، و فائدته أن البلل المشتبه لا يحكم بأنه مني، لعدم بقاء شي‏ء منه في المجرى بعد الاستبراء.

هذا موجز ما عليه مذهب الشيعة في موجبات غسل الجنابة، و واجباته بدون إطالة و تفصيل، و ذلك مذكور في كتبهم الفقهية المتكفلة لبسط الكلام و ذكر الأقوال‏

227

و الآراء من حيث الأدلة و التفريع، و جميع ما يتعلق به من الكليات و الجزئيات‏ (1).

و كيف كان فإن أكثر المذاهب تتفق مع الشيعة في كثير من الأمور المذكورة، و تختلف عنها في بعضها، كما تختلف بعضها عن بعض في ذلك.

و قد اتفق الجميع على إيجاب الغسل بمجرد الإدخال، و عقد الإجماع على ذلك، و لم يشترطوا إنزال المني.

و اتفقوا على أن خروج المني بشهوة يوجب الغسل، و لكنهم اختلفوا في انفصال المني عن شهوة، و خروجه لا عن شهوة، فأبو حنيفة يوجب الغسل، و وافقه صاحبه محمد بن الحسن، و خالفه أبو يوسف في ذلك إذ لم يوجب الغسل فيه.

و الحنابلة يختلفون لاختلاف الروايات عن أحمد في إيجاب الغسل و عدمه، و كذلك المالكية، لاختلاف الروايات عن مالك.

أما إذا انفصل المني لا عن شهوة، فالشافعية يوافقون الشيعة في إيجاب الغسل، و خالفهم الحنفية، و المالكية في ذلك، لأنهم يشترطون اقتران الشهوة في إيجاب الغسل.

و ذهب الحنفية إلى عدم إيجاب الغسل بإدخال الذكر في الفرج ملفوفا بخرقة، كما ذكره ابن عابدين في حاشيته و غيره.

كما لا يوجبون الغسل بمجرد الإدخال في الميتة و البهيمة، و ربما وافقهم الحنابلة في مسألة الخرقة، كما هو ظاهر عبارة الروض الندي‏ (2).

و من الشافعية من يذهب إلى ذلك، فلا يوجب الغسل و لا الحد على من لف ذكره بحريرة و أولجه في فرج و لم ينزل‏ (3) و سيأتي الكلام حول هذه المسألة في باب النكاح إن شاء اللّه.

____________

(1) كتاب مدارك الأحكام للسيد محمد بن علي الحسيني العاملي، و رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل للسيد علي الطباطبائي، و جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ محمد حسن صاحب الجواهر، و هداية الأنام للشيخ محمد حسين الكاظمي، و مستمسك العروة الوثقى للسيد محسن الحكيم، و طهارة الشيخ الطوسي و شرائع الإسلام، و نكت النهاية لأبي القاسم جعفر بن سعيد الحلي، و كتاب الوسيلة لعماد الدين جعفر محمد بن علي بن حمزة، و غيرها من كتب الفقه الشيعي.

(2) الروض الندي ص 43.

(3) طبقات الشافعية، ج 3 ص 241.

228

(الغسل:) اتفق الجميع على وجوب النية في الغسل إلا الحنفية، فلم يوجبوا النية كما تقدم في الوضوء، و قال بعضهم: لو احتاج إلى نية لاحتاجت النية إلى نية و هكذا. و هذا القول مردود بالتزامهم وجوب النية للتيمم، و للصلاة، فما هو الفارق؟

و جميع المذاهب يوافقون الشيعة في وجوب النية لغسل الجنابة، و انها شرط في صحة الغسل كما هو مفصل في محله.

أما الترتيب: فقد أوجبه الشيعة و هو الابتداء بغسل الرأس، ثم الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، لأنه الثابت من فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، كما تدل عليه الأخبار الصحيحة، و قد خالف الحنفية فذهبوا إلى عدم الوجوب، مع أن الثابت عندهم أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يفعل ذلك‏ (1) و قد جعلوه من السنن لا من الفروض.

و اختلفت أقوالهم في الابتداء، و انه بالجانب الأيمن مرة، و بالرأس مرة أخرى، و هو الأصح عندهم‏ (2).

و قسم الحنابلة الغسل إلى قسمين: كامل و مجزي، فالكامل: هو ما يحصل به الترتيب كما ذهب إليه الشيعة.

و المجزي: هو أن ينوي، و يسمي، و يعم بالماء بدنه‏ (3) و قالوا إن الغسل الكامل: هو أن يأتي بالنية و التسمية، و غسل يديه ثلاثا، و غسل ما به من أذى و يحثي على رأسه ثلاثا، و يفيض الماء على سائر جسده، و يبدأ بشقه الأيمن ... و هذا هو الغسل الأكمل و الأفضل.

أما إذا غسل مرة، و عم بالماء رأسه و جسده، و لم يتوضأ اجزأه بعد أن يتمضمض و يستنشق و ينوي به الغسل، و كان تاركا للاختيار (4).

و قال المالكية: باستحباب الترتيب، للأخبار الواردة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في غسله بتقديم الرأس و بدأه بالميامن، و مع ثبوت ذلك فالترتيب عندهم غير واجب‏ (5).

____________

(1) حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح.

(2) حاشية ابن عابدين ج 1 ص 164.

(3) الروض الندي ص 45.

(4) المغني لابن قدامة ج 1 ص 217- 218.

(5) المنتقى ج 1 ص 96.

229

و قال الشافعية: باستحباب الترتيب، و تقديم الشق الأيمن على الأيسر (1) و ان ذلك هو الغسل الكامل كما قال النووي في شرح صحيح مسلم.

أما وجوب الدلك فلم يقل به إلا مالك بن أنس و المزني من أصحاب الشافعي، و ذهب الجميع إلى استحبابه، و كذلك الوضوء في غسل الجنابة، فلم يوجبه أحد من أئمة المذاهب إلا داود الظاهري، فإنه أوجبه، و من سواه يقولون هو سنة، فلو أفاض الماء على جميع بدنه من غير وضوء صح غسله. و استباح به الصلاة، و غيرها، و لكن الأفضل عندهم أن يتوضأ، و تحصل الفضيلة بالوضوء قبل الغسل أو بعده‏ (2).

و على هذا فإن غسل الجنابة لا يحتاج معه إلى وضوء للصلاة، و هو مذهب الشيعة.

هذا في الغسل الترتيبي، و أما الارتماس فالظاهر أنه لا خلاف بين الجميع بالاكتفاء به إذا استوعب جميع البدن و نوى الغسل.

الأحكام:

يحرم عند الشيعة على الجنب أمور:

1- الصلاة مطلقا عدا صلاة الجنائز لقوله تعالى: وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا و ذلك بعد قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ (3) و على هذا إجماع المسلمين.

2- اللبث في المساجد، بل مطلق الدخول فيها، إلا اجتيازا بحيث يدخل من باب، و يخرج من آخر، أو لأخذ شي‏ء منها بدون مكث، إلا المسجدين الشريفين في مكة و المدينة، فإنه لا يجوز الاجتياز بهما و لا المكث.

و ذهب الحنفية إلى عدم الدخول إلى المساجد، و لكنه إذا احتاج إلى ذلك يتيمم سواء كان لقصد المكث أو للاجتياز (4).

____________

(1) ابن القاسم على غاية الاختصار ص 8 خط.

(2) شرح النووي لمسلم ج 3 ص 229.

(3) المائدة، آية: 6.

(4) الكاساني ج 1 ص 38.

230

و قال الشافعي يجوز له الدخول بدون تيمم إذا كان مجتازا. لقوله تعالى: وَ لا جُنُباً إِلَّا عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى‏ تَغْتَسِلُوا و المراد من الصلاة في الآية مكانها، و هو المسجد كما روي عن ابن مسعود (1).

و أجاز أحمد بن حنبل المكث للجنب في المسجد بشرط أن يتوضأ، و لو كان الغسل يمكنه بدون مشقة (2) و إذا احتاج إلى اللبث جاز عندهم بدون تيمم‏ (3) و ذهب مالك إلى عدم جواز المرور في المسجد، و لكنه إذا اضطر إليه وجب عليه التيمم‏ (4).

3- يحرم مس كتابة القرآن، أو شي‏ء عليه اسم اللّه تعالى، تعظيما له و إجلالا حتى الدراهم التي عليها اسمه تعالى، قال الإمام الصادق (عليه السلام): (لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه).

4- يحرم قراءة سور العزائم. و هي: الم السجدة، و حم السجدة، و النجم، و العلق حتى البسملة منها، و قيل إنما يحرم قراءة آية السجدة فقط.

و يكره قراءة غيرها من القرآن.

و القول بالكراهة مروي عن جماعة من الصحابة و التابعين للأصل، و لقوله تعالى: فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنْهُ‏. و كان ابن عباس لم ير في القراءة للجنب بأسا.

و في الباب أخبار تدل على الحرمة مطلقا، و لكنها أخبار لم تسلم من خدشة و طعن في السند، كحديث ابن عمر عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: لا يقرأ الجنب و لا الحائض شيئا من القرآن‏ (5).

و قد تكلم العلماء في هذا الحديث لأن في رواته من ليس بثقة، و فيه إسماعيل بن عياش، و رواياته عن الحجازيين ضعيفة.

و قال أبو حاتم: إن هذا ليس بحديث و لكنه من كلام ابن عمر.

____________

(1) الكاساني ج 1 ص 38.

(2) حاشية نهاية المحتاج ج 1 ص 302.

(3) غاية المنتهى ص 46.

(4) المنتقى ج 1 ص 112.

(5) أخرجه أبو داود، و الترمذي، و ابن ماجة.

231

و قال أحمد بن حنبل: هذا حديث باطل أنكره على إسماعيل بن عياش و أما ما يروى عن علي (عليه السلام) أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان لا يحجزه عن القرآن شي‏ء ليس الجنابة (1) فقد قال الشافعي: أهل الحديث لا يثبتونه.

و قال الخطابي: كان أحمد يوهن هذا الحديث. و قال الشوكاني: إن هذا الحديث ليس فيه ما يدل على التحريم، لأن غايته أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ترك القراءة حال الجنابة، و مثله لا يصلح مستمسكا للكراهة فكيف يستدل به على التحريم؟ (2).

و كيف كان فإن الشيعة يذهبون إلى كراهة قراءة ما زاد على سبع آيات و يحرمون قراءة سور العزائم، و غيرهم من المذاهب لم يفرقوا بين العزائم و غيرها.

و ذهب الحنفية إلى منع الجنب من القراءة، و أجاز أبو يوسف كتابة القرآن للجنب، و ذهب محمد بن الحسن الشيباني إلى الكراهة، لأن الكتابة تجري مجرى القراءة. و زاد بعضهم تحريم مس التوراة، و الإنجيل، و سائر الكتب الشرعية (3).

و منع الشافعي القراءة مطلقا، إذا كان بقصد التلاوة، أما إذا قصد الذكر لا التلاوة فيجوز له ذلك، و يظهر من الحنابلة موافقتهم له.

أما مالك فقد منع ذلك إلا المتيمم، فيجوز له أن يقرأ حزبه من القرآن، و يتنفل ما لم يجد ماء (4).

5- يحرم على الجنب تعمد البقاء على الجنابة لمن وجب عليه الصوم، كما يأتي تفصيل ذلك في محله، و كذلك الطواف الواجب إن شاء اللّه.

و أما ما يكره للجنب فهي أشياء منها الأكل و الشرب و النوم، ما لم يتوضأ، و تفصيل ذلك في الرسائل العملية لعلماء الشيعة و غيرها من كتبهم الاستدلالية ليس هذا محل ذكرها.

و أما السنن عند المذاهب الأخرى لغسل الجنابة فهي كثيرة لا مجال لذكرها، إذ الخلاف في ذلك غير مهم و اللّه الموفق للصواب.

____________

(1) أخرجه الخمسة.

(2) نيل الأوطار ج 1 ص 226.

(3) كتاب ضوء الشمس لأبي المدى ج 1 ص 148.

(4) المنتقى ج 1 ص 112.

232

غسل الحيض:

و هو واجب عند الجميع و كيفيته كغسل الجنابة، و هو في اللغة السيل تقول العرب: حاضت الشجرة إذا سالت رطوبتها، و حاض الوادي إذا سال، و في الشرع هو الدم الذي له تعلق بانقضاء العدة، إما بظهوره أو انقطاعه، و قيل إنه اسم لدم مخصوص من موضع مخصوص. كما عرفه السرخسي. و له تعاريف أخرى لا حاجة لبيانها.

و الكلام هنا يقع بما وقع الخلاف فيه، و هو تحديد مدته و زمانه و الأحكام المتعلقة به على وجه الإجمال:

مدته:

اختلف العلماء في مدة الحيض، فقال الإمامية: بأن أقل مدة الحيض ثلاثة أيام و أكثره عشرة. و ما نقص عن الثلاثة أو زاد عن العشرة فليس بحيض إجماعا، و وافقهم الحنفية في ذلك.

و كان أبو حنيفة يقول: إن أقل الحيض يوم و ليلة، و أكثره خمسة عشر ثم رجع‏ (1) إلى ما قلناه من موافقة ما يقوله الشيعة، بأن أقله ثلاثة أيام، و أكثره عشرة.

و قال الشافعي: إن أقله يوم و ليلة و أكثره خمسة عشر يوما، و قيل يوما واحدا و قال أصحابه: هما قولان له و منهم من قال: هو قول واحد لدخول الليلة في اليوم‏ (2).

و قال مالك: إنه بقدر ما يوجد و لو ساعة، لأنه حدث لا يتقدر أقله بسائر الأحداث‏ (3) و يروى عنه أنه قال: لا وقت لقليل الحيض و لا لكثيره.

و حكى عبد الرحمن بن المهدي عنه بأنه كان يرى أن أكثر الحيض خمسة عشر يوما (4).

____________

(1) أحكام القرآن للجصاص ج 1 ص 400.

(2) المهذب ج 1 ص 38.

(3) المبسوط للسرخسي ج 3 ص 147.

(4) الجصاص ج 1 ص 400.

233

و قال أحمد بن حنبل: إن أقل الحيض يوم و ليلة، و أكثره خمسة عشر يوما، و قال الخلال: إن مذهب أحمد لا اختلاف فيه، إن أقل الحيض يوم و أكثره خمسة عشر يوما.

و قيل عنه: إن أكثره سبعة عشر يوما (1) و بهذا القول يخالف ما ذهب إليه الشافعي.

أيام الطهر:

قال الشيعة: بأن أقل الطهر عشرة أيام، فإذا رأيت دم الحيض و انقطع مدة عشرة أيام، فالثاني حيض مستقل، و ليس لأكثره حد، و قال أبو حنيفة: أقل الطهر خمسة عشر يوما. و به قال الشافعي.

و قال مالك بن أنس: بعدم التوقيت. و في رواية عبد الملك بن حبيب عنه أن الطهر لا يكون أقل من خمسة عشر يوما.

و عند الحنابلة: أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما، لأن كلام أحمد لا يختلف أن العدة تصح أن تنقضي في شهر واحد إذا قامت به البينة (2) و قال إسحاق بن راهويه: و توقيت هؤلاء بالخمسة عشر باطل.

سن الحائض:

و هو الزمان الذي يحكم على الدم الخارج من المرأة بصفات الحيض أنه حيض. فقد اتفق المسلمون على أن ما تراه الأنثى قبل بلوغها تسع سنين لا يكون حيضا، و كذا ما تراه بعد اليأس.

و من الحنفية من قدر سن الحائض بسبع سنين، مستدلا بقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): مروهم بالصلاة إذا بلغوا سبعا، و الأمر حقيقة للوجوب، و ذلك بعد البلوغ.

و سئل أبو نصر عن ابنة ست سنين: إذا رأت الدم هل يكون حيضا؟ فقال: نعم إذا تمادى بها مدة الحيض‏ (3).

____________

(1) المغني لابن قدامة ج 1 ص 308.

(2) المغني لابن قدامة ج 1 ص 310.

(3) السرخسي ج 1 ص 149.

234

أما سن اليأس: فقد وقع الخلاف فيه بين المسلمين:

فذهب الشيعة: إلى أن الحد الذي يتحقق فيه اليأس هو بلوغ سن المرأة خمسين سنة، إن لم تكن قرشية، و هو المروي عن أبي عبد اللّه الصادق (عليه السلام) أنه قال: حد التي تيأس من الحيض خمسون.

و عنه أيضا: المرأة التي تيأس من الحيض حدها خمسون سنة.

و قال (عليه السلام): إذا بلغت المرأة خمسين سنة لم تر حمرة إلا أن تكون امرأة من قريش.

و ذهب الحنفية إلى أن حد اليأس خمس و خمسون سنة، و في رواية عن أبي حنيفة: أن اليأس لا يحد بحد، بل هو أن تبلغ من السن ما لا تحيض مثلها (1).

و قال محمد بن الحسن الشيباني: أن العجوز الكبيرة إذا رأت الدم مدة الحيض كان حيضا. و كان محمد بن مقاتل الرازي يقول: هذا إذا لم يحكم بإياسها، أما إذا انقطع الدم زمانا حتى حكم بإياسها، و كانت بنت تسعين سنة أو نحو ذلك فرأت الدم بعد ذلك لم يكن حيضا (2).

و ذهب الشافعية إلى أن حد اليأس اثنان و ستون سنة، و يلغي هذا التحديد إن رأت دما فيحكم بكونه حيضا (3).

و عند المالكية أن حد اليأس سبعون سنة قطعا، و إن بلغت الخمسين و رأت دما يسأل عنه النساء، فإن جزمن بأنه حيض أو شككن فهو حيض، و إلا فلا، أما إذا بلغت السبعين فليس بحيض قطعا (4).

و اختلفت الروايات عن أحمد بن حنبل فمنها: أن المرأة لا تيأس من الحيض يقينا إلى ستين سنة، و ما تراه فيما بين الخمسين و الستين مشكوك فيه لا تترك له الصلاة و لا الصوم، لأن وجوبهما متيقن فلا يسقط بالشك.

و منها: أنه جعل الحد خمسين سنة لأن المرأة بعد الخمسين لا تحيض، و بهذا

____________

(1) حاشية ابن عابدين ج 1 ص 212.

(2) المبسوط ج 1 ص 149- 150.

(3) نهاية المحتاج، ج 1 ص 308.

(4) الجواهر الزكية ص 84.

235

قال إسحاق بن راهويه: بأنه لا يكون حيضا بعد الخمسين، و يكون حكمها فيما تراه من الدم حكم المستحاضة، لما روي عن عائشة رضي اللّه عنها أنها قالت: «إذا بلغت خمسين سنة خرجت من حد الحيض» (1).

و الذي يظهر أن العمل عندهم على رواية الخمسين لإطلاق بعضهم ذلك بدون ذكر لمورد الشك، قال موفق الدين بن قدامة: كل دم تراه الأنثى قبل تسع سنين و بعد الخمسين فليس بحيض‏ (2) و كذلك قال صاحب الروض الندي و لم يقيد بالشك‏ (3).

و على كل حال فهم يوافقون ما عليه المشهور عند الشيعة من تحديد اليأس بالخمسين في غير القرشية.

أما في القرشية فقد قال في المغني: إن نساء الأعاجم ييأسن من المحيض في خمسين، و نساء بني هاشم و غيرهم من العرب إلى ستين سنة، و هو قول أهل المدينة، لما روى الزبير بن بكار في كتاب النسب، عن بعضهم أنه قال: لا تلد لخمسين سنة إلا العربية، و لا تلد لستين إلا قرشية.

و قال أحمد في امرأة من العرب رأت الدم بعد الخمسين: إن عاودها مرتين أو ثلاث فهو حيض، و ذلك لأن المرجع في هذا إلى الوجود، و قد وجد حيض من نساء ثقات اخبرن به عن أنفسهن بعد الخمسين، فوجب الاعتقاد بكونه حيضا، كما قبل الخمسين‏ (4).

و المشهور عند الشيعة في القرشية أنها لا تيأس، إلا إذا بلغت ستين، و قد وردت بذلك عن أهل البيت (عليهم السلام) أخبار كما تقدم.

الأحكام:

أجمع المسلمون على أن الحائض يحرم عليها العبادة المشروطة بالطهارة، كالصلاة، و الصوم، و الطواف.

____________

(1) المغني لابن قدامة ج 1 ص 263.

(2) كتاب الهادي أو عمدة الحازم ص 14 لابن قدامة.

(3) الروض الندي ص 54.

(4) المغني ج 1 ص 263.

236

كما أجمعوا على أنها تقضي الصوم دون الصلاة، و الخوارج يخالفون المسلمين بوجوب قضاء الصلاة عليها.

و كيف كان فإن العلماء اتفقوا على تحريم أمور على الحائض كمس كتابة القرآن، و اللبث في المساجد، و غير ذلك.

أما قراءة القرآن فقد حرم الشيعة سور العزائم أو آيات السجدات فقط، كما تقدم في الوضوء، أما قراءة غيرها على كراهية، و أجاز مالك بن أنس قراءة القرآن للحائض دون الجنب، لأن الجنب قادر على تحصيل صفة الطهارة بالاغتسال، فيلزمه تقديمه على القراءة، و الحائض عاجزة عن ذلك، فكان لها أن تقرأ، و قد تقدم الكلام في بحث الجنابة، و إن عمدة ما يستدل به المانعون هو حديث ابن عمر، و قد ذكرنا ما فيه من عدم صلاحيته للاستدلال، و كل حكم بلا دليل إنما هو تحكم.

و لا حاجة إلى بسط القول في الموضوع. بقي الكلام في حرمة وطء الحائض و وجوب الكفارة في ذلك.

حرمة الوطء:

اتفق المسلمون على حرمة وطء الحائض، و اختلفوا في جواز الاستمتاع فيها بما دون ذلك. كما اختلفوا في جواز الوطء بعد انقضاء الحيض و قبل الغسل.

أما حرمة وطئها. فمجمع عليه لأن اللّه تعالى أمر باعتزال النساء بقوله عز اسمه:

قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ‏ قيل المراد: أن الأذى يكون في موضع الدم، و هو منهي عنه، و مأمور بالاعتزال منه، أما سائر جسدها فغير مشمول. و قيل بالعموم إلا ما خصصته السنة كما سيأتي.

و كيف كان فإن من وطأ زوجته في زمان الحيض عالما بالحكم و الموضوع، فإن عليه الكفارة، و هي دينار في أوله، و نصف دينار في وسطه، و ربع دينار في آخره، يتصدق به عينا أو قيمة. هذا هو المشهور عند الشيعة.

أما الحنفية فالمروي عن أبي حنيفة أنه قال لا كفارة، و ذهب أكثر علماء الحنفية إلى استحباب التصدق بدينار أو نصفه، و يتوب و يستغفر.

و صرح بعض الحنفية بكفر مستحل الوطء في الحيض، و قيل لا يكفر و عليه العمل عندهم.

237

و قال الحصكفي في شرح التنوير: و يندب الصدقة بدينار، أو نصفه، و مصرفه كالزكاة. و هل على المرأة تصدق؟ قال في الضياء لا (1).

و عند المالكية: أن الوطء ممنوع، فمن فعل ذلك أثم، و لا غرم عليه، و دليلهم من جهة القياس أن هذا محرم لا لحرمة عبادة، فلم تجب فيه كفارة كالزنى‏ (2).

و للشافعي قولان: أحدهما ليس عليه كفارة، و الآخر أن عليه كفارة و هي دينار، يتصدق به، إن كان في أوله، و إن كان في آخره يتصدق بنصف دينار، لما روي عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «في الذي يأتي امرأته و هي حائض يتصدق بدينار أو بنصف دينار» (3).

و بهذا قال أحمد بن حنبل في إحدى الروايات عنه، لما رواه النسائي و أبو داود في ذلك.

قال ابن قدامة: و في قدر الكفارة روايتان: إحداهما أنها دينار أو نصف دينار، على سبيل التخيير أيهما أخرج أجزأ. روى ذلك عن ابن عباس.

و الثانية: أن الدم إن كان أحمر فهي دينار، و إن كان أصفر فنصف دينار و هو قول إسحاق.

و قال النخعي إن كان في فور الدم فدينار، و إن كان في آخره فنصف دينار، لما روى ابن عباس عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: إن كان دما أحمر فدينار، و إن كان دما أصفر فنصف دينار، رواه الترمذي‏ (4).

قبل الاغتسال:

و اختلف الفقهاء في وطء الحائض في طهرها و قبل الاغتسال، فذهب أبو حنيفة و أصحابه إلى أن ذلك جائز، إذا طهرت لأكثر أمد الحيض، و هو عنده عشرة أيام‏ (5) و به قال الأوزاعي.

____________

(1) حاشية ابن عابدين.

(2) المنتقى ج 1 ص 117.

(3) المهذب للشيرازي ج 1 ص 38.

(4) المغني ج 1 ص 236.

(5) مراقي الفلاح ص 44 و ملتقى الأبحر ص 7.

238

و ذهب مالك و الشافعي و أحمد إلى عدم الجواز حتى تغتسل و سبب اختلافهم الاحتمال الذي في قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ‏ [البقرة: 222] فهل المراد به الطهر الذي هو انقطاع دم الحيض أم الطهر بالماء؟

ثم إن كان الطهر بالماء فهل المراد طهر جميع الجسد أم طهر الفرج. كما ذهب إليه الأوزاعي؟ لأن الطهر في كلام العرب و عرف الشرع اسم مشترك يقال على هذه المعاني الثلاثة.

و قد رجح المانعون بأن صيغة التفعل إنما تنطلق على ما يكون من فعل المكلفين لا على ما يكون من فعل غيرهم، فيكون قوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ‏ أظهر في معنى الغسل بالماء منه في الطهر الذي هو انقطاع الدم، و الأظهر يجب المصير إليه حتى يدل الدليل على خلافه‏ (1).

و غسل الحيض كغسل الجنابة في الكيفية من الارتماس و الترتيب، نعم المشهور عند الشيعة أنه لا يجزي عن الوضوء.

[غسل‏] الاستحاضة:

اختلف المسلمون في وجوب غسل الاستحاضة، فمنهم من أوجبه لكل صلاة، و منهم من لم يوجبه، و منهم من أوجب عليها طهرا واحدا في اليوم و الليلة، و منهم من أوجب عليها ثلاثة أطهار للصبح غسل، و لصلاة الظهر و العصر غسل، و لصلاة المغرب و العشاء غسل، و بهذا قال الشيعة و أوجبوه في الاستحاضة الكثيرة.

أما المتوسطة فعليها مع الوضوء غسل واحد لصلاة الصبح فقط، و القليلة منها ليس عليها شي‏ء إلا الوضوء لكل صلاة، فريضة كانت أو نافلة، كما هو مذكور مفصل في محله من كتب الفقه.

و كيف كان فإن الشيعة يذهبون لوجوب غسل الاستحاضة إن كانت متوسطة أو كثيرة مع الوضوء، و إن كانت قليلة فلا يجب إلا الوضوء كما تقدم.

و قال بوجوب الغسل جماعة من السلف كابن الزبير و عطاء بن أبي رباح و عائشة، و هو المروي عن علي (عليه السلام).

____________

(1) ابن رشد في البداية ج 1 ص 56.

239

و قال سعيد بن المسيب و الحسن البصري: بوجوب الغسل من صلاة الظهر إلى صلاة الظهر.

و في الباب أحاديث صحيحة تدل على وجوب الغسل، و لكنهم حملوها على الاستحباب، منها حديث عائشة أنها قالت: استحيضت زينب بنت جحش فقال لها النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اغتسلي لكل صلاة (1). فكانت عائشة تذهب إلى وجوب الاغتسال كما في بعض الروايات عنها.

و منها حديث أسماء بنت عميس: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمر فاطمة بنت أبي حبيش أن تغتسل للظهر و للعصر غسلا واحدا، و تغتسل للمغرب و العشاء غسلا واحدا، و تغتسل للفجر غسلا واحدا (2) أخرجه أبو داود.

و منها حديث عائشة عن أم حبيبة بنت جحش أنها استحاضت فأمرها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أن تغتسل لكل صلاة (3).

و منها حديث عائشة أيضا قالت: استحيضت امرأة على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

فأمرت أن تعجل العصر، و تؤخر الظهر حتى تغتسل لهما غسلا، و أن تؤخر المغرب و تعجل العشاء و تغتسل لهما غسلا، و تغتسل لصلاة الصبح غسلا (4).

و مثله حديث سهلة بنت سهيل أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أمرها أن تجمع بين الظهر و العصر بغسل، و المغرب و العشاء بغسل، و تغتسل للصبح‏ (5).

فإن هذه الأحاديث و غيرها تدل بمجموعها على التفصيل الذي ذهبت إليه الشيعة، مضافا لما ورد عن أهل البيت (عليهم السلام) بالطرق الصحيحة، من حيث وجوب الغسل على المستحاضة كما ذهب إليه كثير من علماء السلف.

قال ابن رشد القرطبي: فلما اختلفت ظواهر هذه الأحاديث ذهب الفقهاء في تأويلها أربعة مذاهب: مذهب النسخ، و مذهب الترجيح، و مذهب الجمع، و مذهب‏

____________

(1) سنن أبي داود ج 1 ص 68.

(2) سبل السلام للأمير الصنعاني ج 1 ص 101.

(3) صحيح مسلم شرح النووي ج 4 ص 22.

(4) سنن أبي داود ج 1 ص 70.

(5) المصدر السابق.

240

بناء، و الفرق بين الجمع و البناء: أن الباني ليس يرى أن هناك تعارضا فيجمع بين الحديثين، و أما الجامع فهو يرى أن هنالك تعارضا في الظاهر. الخ‏ (1).

و قال ابن دقيق العيد: و ذهب قوم إلى أن المستحاضة تغتسل لكل صلاة، و قد ورد الأمر بالغسل لكل صلاة في رواية ابن إسحاق خارج الصحيح، و الذين لم يوجبوا الغسل لكل صلاة حملوا ذلك (أي الأخبار الدالة على الوجوب) على مستحاضة ناسية للوقت و العدد، يجوز في مثلها أن ينقطع الدم عنها في وقت كل صلاة (2).

و على كل حال: فإن التفصيل الذي ذهب إليه الشيعة في الاستحاضة، و وجوب الغسل عليها لم يذهب إليه أحد من أئمة المذاهب، و حملوا أخبار الوجوب على الاستحباب، أو أنهم ذهبوا إلى الترجيح، و أن الأصل عدم الوجوب.

قال النووي: و اعلم أنه لا يجب على الاستحاضة الغسل لشي‏ء من الصلاة، و لا في وقت من الأوقات، إلا مرة واحدة في وقت انقطاع حيضها، و بهذا قال جمهور العلماء من السلف و الخلف، و هو مروي عن علي و ابن مسعود، و ابن عباس، و عائشة رضي اللّه عنهم، و هو قول عروة بن الزبير، و أبي سلمة و مالك و أبي حنيفة و أحمد.

و روي عن ابن عمر، و ابن الزبير، و عطاء بن أبي رباح أنهم قالوا: يجب عليها أن تغتسل لكل صلاة، و روي هذا أيضا عن علي و ابن عباس.

و روي عن عائشة أنها قالت: تغتسل كل يوم غسلا واحدا، و عن المسيب و الحسن قالا: تغتسل من صلاة الظهر دائما.

و قال ابن حزم بعد أن أورد الأخبار الدالة على وجوب الغسل: هذه آثار في غاية الصحة، رواها عن رسول اللّه أربع صواحب: عائشة أم المؤمنين، و زينب بنت أم سلمة، و أسماء بنت عميس و أم حبيبة بنت جحش، و رواها عن كل واحدة من عائشة و أم حبيبة: عروة، و أبو سلمة، و رواه أبو سلمة عن زينب بنت سلمة، و رواه عروة عن أسماء، و هذا نقل تواتر يوجب العلم.

و بعد أن ذكر الأخبار التي تدل على ما أفتى به بعض الصحابة في وجوب الغسل، كعلي (عليه السلام) و ابن عباس، و أم حبيبة، و ابن الزبير، و ابن عمر.

____________

(1) بداية المجتهد ج 1 ص 29.

(2) العدة ج 1 ص 484.

241

ثم قال: فهؤلاء من الصحابة: أم حبيبة و علي بن أبي طالب و ابن عباس، و ابن عمر، لا مخالف لهم يعرف من الصحابة رضي اللّه عنهم، إلا رواية عائشة أنها تغتسل كل يوم عند صلاة الظهر، و رويناه هكذا من طريق معمر عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة مبينا: كل يوم عند صلاة الظهر. و من التابعين عطاء، و سعيد بن المسيب و النخعي و غيرهم، كل ذلك بأسانيد في غاية الصحة.

ثم أخذ ابن حزم في الرد على من يترك الأخذ بالسنة الصحيحة تقليدا لإمامه، و توجيها لموافقة آرائه، و بين في رده فساد أدلتهم على عدم الوجوب‏ (1).

و على كل حال: فإن مسألة وجوب غسل الاستحاضة قد وردت فيه نصوص صريحة تقول بالوجوب كما مر بيانه، و القول بأن الأصل عدم الوجوب لعدم ورود أمر من الشارع في ذلك مردود بالسنة الصحيحة، و المسألة تحتاج إلى مزيد بيان لا يسمح به الوقت و لا يتسع له المجال.

[غسل‏] النفاس:

قال الجرجاني: هو دم يعقب الولادة، و قيل: إنه مشتق من تنفس الرحم به، و قيل هو النفس الذي هو عبارة عن الدم، و قيل هو من النفس التي هي الولد، فخروجه لا ينفك عن دم يتعقبه، و قيل: إنه دم حيض مجتمع يخرج بعد فراغ جميع الرحم. و قيل غير ذلك.

اتفق الجميع على وجوب غسل النفاس، و اختلفوا في تحديده قلة و كثرة، فالشيعة يقولون: لا حدّ لقليله، و حد كثيره عشرة أيام من حين الولادة لا قبلها، و إذا رأته بعد العشرة لم يكن نفاسا، و كذا إن لم تر دما أصلا.

هذا هو المشهور عند الشيعة، و وافقهم الشافعية، و المالكية، و الحنابلة. أما الحنفية فقد نقل عن أبي حنيفة أنه قال: إن أقل مدة النفاس خمسة و عشرون يوما، و نقل عن أبي يوسف أنه قال: إن أقله أحد عشر يوما، ذكر ذلك أبو موسى في مختصره، و ابن رشد في بداية المجتهد (2).

____________

(1) المحلى ج 2 ص 213- 218.

(2) البداية ج 1 ص 50.

242

و لكن الحنفية اتفقوا على عدم التحديد (1) و قالوا: إن المراد بقول أبي حنيفة إن أقله خمسة و عشرون يوما هو إذا وقعت الحاجة إلى نصب العادة لهذا في النفاس، لا ينقص ذلك من خمس و عشرين يوما إذا كانت عادتها في الطهر خمسة عشر، لأنه لو نصب لها دون هذا القدر أدى إلى نقص العادة ... الخ‏ (2).

و بهذا فقد حصل الاتفاق من الجميع على عدم التحديد، لأقل مدة النفاس.

و اختلفوا في أكثره فقال الشيعة: بأن أكثره عشرة أيام. و ما ذكره صاحب البحر:

من أن أكثره عند الإمامية نيف و عشرون يوما (3) و تبعه الشوكاني في قوله: و قالت الإمامية نيف و عشرون و النص يرد عليهم‏ (4) فهو غير صحيح إذ المشهور عند الإمامية أنه أكثر النفاس عشرة أيام، نعم هناك قول متروك ينسب إلى ابن أبي عقيل أنه قال: إن أيامها أيام حيضها، و أكثره واحد و عشرون يوما.

و إن نسبة ذلك إلى جميع الشيعة، و إنه مذهبهم فغير صحيح، و أمثال هذه الأمور التي تنسب إلى الشيعة بدون صحة كثيرة، و سنفرد لها فصلا خاصا إن شاء اللّه تعالى.

و كذلك نسب صاحب البحر و تبعه الشوكاني إلى الإمام موسى بن جعفر (عليهم السلام) أنه قال: أكثر النفاس أربعون يوما، و هو غير صحيح، و لم يثبت عن الإمام موسى ذلك.

و ذهب الحنفية إلى أن أكثر النفاس أربعون يوما، و ما زاد فهو استحاضة على خلاف بين أبي حنيفة و أصحابه في تخلل الطهر الفاصل بين هذه المدة (5).

و قالوا: إن أكثر أيام النفاس أربعة أمثال أكثر الحيض‏ (6) و هم يقولون بأن أكثر أيام الحيض عشرة. و من يقول بأن أكثره خمسة عشر يلزمه القول بأن أكثر أيام النفاس ستين.

____________

(1) القدوري ص 10 طبع الهند و شرح الهداية ج 1 ص 20 و ملتقى الأبحر ص 7 و غيرها.

(2) المبسوط ج 3 ص 211.

(3) البحر الزخار ج 1 ص 146.

(4) نيل الأوطار ج 1 ص 283.

(5) ذكر ذلك السرخسي في المبسوط مفصلا ج 3 ص 112- 119.

(6) حاشية ابن عابدين ج 1 ص 309.

243

و المالكية عندهم أن أكثر مدة النفاس ستون يوما، و هو أحد أقوال مالك، و مرة يقول: إنه أربعون، و رجع عن ذلك و قال تسأل النساء عن ذلك، و أصحابه ثابتون على القول الأول‏ (1) و هو الستون.

و الشافعية يوافقون المالكية في ذلك، و قال المزني بقول الحنفية إنه أربعون، و كذلك الحنابلة يقولون: إنه أربعون يوما، فإن تجاوز دمها الأربعين و صادف عادة حيضها و لم يزد، أو زاد و لم يجاوز أكثره فحيض، و إلا فاستحاضة (2).

و هذا الاختلاف حاصل لعدم ورود حديث صحيح عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ذلك، و ما روي عن أم سلمة أنها قالت: كانت النفساء تجلس على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أربعين يوما، و كنا نطلي وجوهنا بالورس من الكلف. رواه الخمسة إلا النسائي فقد ناقش الحفاظ هذا الحديث و ضعفوه، لأن فيه من هو ضعيف الرواية، و منه مجهول الحال.

و روي من طريق آخر كما أخرجه ابن ماجة من طريق سلام عن حميد عن أنس و سلام هذا ضعيف، كذبه ابن معين.

و في الباب عن أبي الدرداء و أبي هريرة قالا: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): تنتظر النفساء أربعين يوما. و فيه العلاء بن كثير و هو ضعيف جدا، و بهذا لا يصح أن يقال بورود أثر صحيح.

قال ابن رشد: و سبب الخلاف عسر الوقوف على ذلك بالتجربة، لاختلاف أحوال النساء في ذلك، و لأنه ليس هناك سنة يعمل عليها، كالحال في اختلافهم في أيام الحيض و الطهر (3).

و قال ابن حزم: فأما من حد ستين يوما فما نعلم لهم حجة. و أما من قال:

أربعين يوما فإنهم ذكروا روايات عن أم سلمة من طريق مسة الأزدية، و هي مجهولة ... الخ.

و قال: فلما لم يأت في مدة النفاس نص قرآن، و لا سنة، و كان اللّه تعالى قد

____________

(1) البداية للقرطبي ج 1 ص 50.

(2) البداية ج 1 ص 51.

(3) غاية المنتهى لابن يوسف الحنبلي ج 1 ص 83.

244

فرض عليها الصلاة و الصيام بيقين، و أباح وطأها لزوجها لم يجز لها أن تمتنع من ذلك، إلا حيث يمتنع بدم الحيض، لأنه حيض‏ (1).

و على أي حال: فإن القول بالتحديد المذكور إما على القياس و هو باطل، أو اعتماد على أثر و هو غير صحيح.

أما الشيعة فقد صح عندهم ما روي عن أهل البيت (صلوات اللّه عليهم). قال شيخنا المحقق في المعتبر: لنا مقتضى الدليل لزوم العبادة و ترك العمل به في العشرة إجماعا فيما زاد، و لأن النفاس حيضة حبسها الاحتياج إلى غذاء الولد، فانطلاقها باستغنائه عنها، و أقصى الحيضة عشرة. و يؤيد ذلك المستفيض عن أهل البيت: منه ما رواه الفضيل عن أحدهما (الباقر أو الصادق (عليهم السلام)) قال: النفساء تكف أيام أقرائها التي كانت تمكث فيها، ثم تغتسل، و تعمل ما تعمله المستحاضة.

و الخلاصة: أن المشهور عند الشيعة أن أكثره عشرة أيام لورود النصوص المستفيضة عن أهل البيت، و إن كان هناك ما يدل على الأكثر فلم يشتهر بها العمل.

و النفساء بحكم الحائض، فيحرم عليها ما يحرم على الحائض، و يكره لها ما يكره للحائض، و تقضي الصوم دون الصلاة، و لا يصح طلاقها إلى غير ذلك من أحكام الحائض.

غسل الأموات:

اتفق الجميع على وجوب غسل الميت المسلم، ما عدا الشهيد المقتول في المعركة في حفظ بيضة الإسلام، و اتفقوا على أن غير المسلم لا يجوز تغسيله، و أجاز الشافعية ذلك‏ (2).

و اختلفوا في نزع قميص الميت هل ينزع إذا غسل، أم يغسل في قميصه؟ فقال الشيعة: ينزع قميصه من طرف رجليه، و إن استلزم فتقه، بشرط إذن الوارث، و تستر عورته.

____________

(1) المحلى ج 2 ص 203 و 205.

(2) المهذب لأبي إسحاق ج 1 ص 128.

245

و قال مالك: تنزع ثيابه و تستر عورته، و به قال أبو حنيفة. أما الشافعي فقال:

يغسل الميت في قميصه.

و قال الحنابلة: باستحباب تجريده من ثيابه، و ستر ما بين سرته و ركبته، و ستره عن العيون تحت ستر أو سقف.

و كيف كان فالكلام هنا يقع في أمرين وقع الاختلاف فيهما بين الشيعة و غيرهم من المذاهب و هما: كيفية غسل الميت، و وجوب الغسل على من مس ميتا.

1- كيفية الغسل:

أما كيفية الغسل ففيه واجب و مستحب: أما الواجب عند الشيعة فهو إزالة النجاسة عن جميع بدن الميت قبل الشروع، كما يجب فيه طهارة الماء و إباحته، و إباحة السدر و الكافور. بل الفضاء الذي يشغله الغسل.

و أن يغسل ثلاث مرات: الأولى بماء السدر، و الثانية بماء الكافور و يعتبر في كل من السدر و الكافور ألا يكون كثيرا بمقدار يوجب خروج الماء عن الإطلاق إلى الإضافة، و لا قليلا بحيث لا يصدق أنه مخلوط بالسدر و الكافور. و الثالثة بماء القراح، و يشترط فيه الترتيب: بأن يغسل في كل مرة رأسه ثم الجانب الأيمن، ثم الجانب الأيسر، و لا بد فيه من النية.

و يستحب أن يغسل رأسه برغوة السدر و أن يبدأ بغسل يديه إلى نصف الذراع، و أن يقف الغاسل على الجانب الأيمن من الميت، و غير ذلك مما ذكره العلماء.

و يكره إقعاده حال الغسل و ترجيل شعره، و قص أظافره، و حلق عانته، و قص شاربه، و غسله بالماء الساخن، و جعله بين رجلي الغاسل.

أما المذاهب الأخرى فلم يوجبوا شيئا من ذلك و إنما هي أمور مستحبة لأن الأكثر منهم لا يرون وجوب كيفية خاصة لغسل الميت، بل المطلوب هو تطهيره بالماء (1).

و ما ذهبوا إليه من الغسل بالسدر و الكافور، فهو على جهة الاستحباب و الحنفية

____________

(1) ملتقى الأبحر ص 24 و القدوري ص 24 طبع الهند و الاختيار لتعليل المختار ج 1 ص 92 و الهداية ج 1 ص 23 و غنية المتملي ص 352 و غيرها من كتب الفقه الحنفي.

246

يوجبون النية لإسقاط الفرض عن الجميع لأنه واجب كفائي، و إذا وجد غريق فإنه يجزي في غسله عندهم أن يحرك في الماء بنية الغسل‏ (1).

و قال في مراقي الفلاح: و النية في تغسيله لإسقاط الفرض عنا، حتى إذا وجد غريقا يحرك في الماء بنية غسله.

و على قول أبي يوسف أنه يحرك ثلاثا كما في الفتح، و عن محمد الشيباني أنه إن نوي الغسل عند الإخراج من الماء يغسل مرة على وجه السنة، و الفرض قد سقط بالنية عند الإخراج‏ (2).

و قال الكاساني: الواجب هو الغسل مرة واحدة، و التكرار سنة، و ليس بواجب حتى لو اكتفي بغسلة واحدة، أو غسلة واحدة في ماء حار، لأن الغسل إن وجب لإزالة الحدث- كما ذهب إليه بعضهم- فقد حصل بالمرة الواحدة كما في غسل الجنابة، و إن وجب لإزالة النجاسة المتشربة كرامة له على ما ذهب إليه العامة، فالحكم بالزوال بالغسل مرة واحدة أقرب إلى معنى الكرامة، و لو أصابه المطر لا يجزي عن الغسل، لأن الواجب فعل الغسل، و لم يوجد و لو غرق في الماء فأخرج إن كان المخرج حركه كما يحرك الشي‏ء بقصد التطهير سقط الغسل، و إلا فلا ... (3).

و الشافعية لا يوجبون النية في غسل الميت في قول، لأن القصد منه التنظيف فلم تجب فيه النية كإزالة النجاسة. و قول: بأنها تجب، لأنه تطهير لا يتعلق بإزالة عين، فوجبت فيه النية كغسل الجنابة (4).

و لهذا اختلفوا في الغريق فقول: بأنه لا يغسل، و غرقه يكفي عن غسله، إذ النية ليست بشرط. و قول آخر أنه يجب غسل الغريق‏ (5).

و الغسل الأكمل عندهم أن يغسل بسدر و كافور بماء بارد، خلافا للحنفية إذ

____________

(1) حلية الناجي ص 531.

(2) حاشية الطحاوي على مراقي الفلاح ص 312.

(3) بدائع الصنائع ج 1 ص 300.

(4) المهذب للشيرازي ج 1 ص 128.

(5) منهاج الطالبيين للنووي ص 21 و السراج الوهاج للغمراوي.

247

قالوا باستحبابه و استحباب الترتيب في الغسل، و تنظيف أسنانه و منخريه إلى آخر ما ذكروه من المستحبات.

المالكية:

قال مالك: ليس لغسل الميت عندنا شي‏ء موصوف، و لا لذلك صفة معلومة و لكن يغسل و يطهر.

قال القاضي أبو الوليد الباجي: هذا كما قال (مالك): إنه ليس لغسل الميت صفة لا يجوز أن تتعدى فتكون شرطا في صحة غسله، لكن الغرض من ذلك تطهيره، و يستحب أن يبدأ في المرة الأولى من غسله فيصب عليه الماء، و يبدأ بغسل رأسه و لحيته، ثم بجسده يبدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر.

و على هذا فالغسل عند المالكية هو تطهير جسد الميت بالماء كيف اتفق، و ليس له صفة مخصوصة.

و الحنابلة يشترطون النية في الغسل كبقية المذاهب في الاكتفاء بمجرد الغسل بالماء، و لا يجب فيه فعل مخصوص، فلو ترك الميت تحت ميزاب و نحوه و حضر من يصلح لغسله، و نوى و مضى زمن يمكن غسله فيه صح‏ (1).

و على هذا فإن كل ما يجرونه في غسل الميت هو على طريق الاستحباب لا الوجوب، كغسله بماء السدر و الكافور عند الجميع، و الترتيب فيه، أما بقية الأمور من تقليم الأظفار و تسخين الماء عند الحنابلة و الحنفية، فقد كرهها المالكية و الشافعية إلى غير ذلك من الأمور الاستحسانية في زيادة تطهيره.

فتبين مما ذكرناه أن الشيعة لا تتفق مع جميع المذاهب في حكم غسل الميت، في أن المطلوب هو تطهيره بدون صفة خاصة، كما تطهر الأشياء النجسة بأي كيفية اتفق مع اشتراط النية من المطهر عند بعضهم، بل الواجب عند الشيعة تطهير الميت بصفة خاصة، بينها الشارع المقدس فوجب اتباعه.

أخرج مسلم في صحيحه بسند عن أم عطية الأنصارية قالت: دخل علينا النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و نحن نغسل ابنته (زينب) فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اغسلنها ثلاثا أو خمسا أو أكثر- إن‏

____________

(1) التنقيح المشبع ص 70.

248

رأيتن ذلك- بماء و سدر، و اجعلن في الأخيرة كافورا أو شيئا من كافور ...

الحديث‏ (1).

و مثله عن يحيى بن يحيى، عن حفصة بنت سيرين، و بهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضا عن أيوب، عن محمد، عن أم عطية، و به في حديث ابن علية (2).

و أخرجه الجماعة بهذا اللفظ، و في رواية لهم ابدأن بميامنها و مواضع الوضوء منها.

و بهذا استدل جماعة على وجوب غسل الميت بالسدر و الكافور، كما هو ظاهر الأمر على ذلك.

قال ابن دقيق العيد: و الاستدلال بصيغة هذا الأمر على الوجوب عندي يتوقف على مقدمة أصولية، و هي جواز إرادة المعنيين المختلفين بلفظة واحدة من حيث أن قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثلاثا غير مستقل بنفسه، فلا بد أن يكون داخلا تحت صيغة الأمر، فتكون محمولة فيه على الاستحباب، و في أصل الغسل على الوجوب، فيراد بلفظ الأمر على الوجوب بالنسبة إلى أصل الغسل، و الندب بالنسبة إلى الإيثار (3).

و قال الأمير الصنعاني في تعليقته: إنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قيد بقوله اغسلنها فهو داخل تحت الأمر، أي مأمور به‏ (4).

و قال الزين بن المنير في هذا الحديث: ظاهره أن السدر يخلط في كل مرة من مرات الغسل، لأن قوله بماء و سدر يتعلق بقوله اغسلنها. قال و هو مشعر بأن غسل الميت للتنظيف لا للتطهير، لأن الماء المضاف لا يتطهر به.

و تعقبه الحافظ بمنع لزوم مصير الماء بذلك، لاحتمال أن لا يغير السدر وصف الماء بأن يمعك بالسدر ثم يغسل بالماء في كل مرة، فإن لفظ الخبر لا يأباه‏ (5).

و أخرج أحمد عن ابن عباس قال: بينما رجل واقف بعرفة إذ وقع عن راحلته‏

____________

(1) صحيح مسلم شرح النووي ج 7 ص 2.

(2) صحيح مسلم ج 7 ص 3 و 4.

(3) انظر العدة ج 1 ص 239.

(4) المصدر السابق.

(5) نيل الأوطار للشوكاني ج 4 ص 31.

249

فوقصته- أي صرعته فكسرت عنقه- فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اغسلوه بماء و سدر، و كفنوه في ثوبيه و لا تحنطوه.

و في هذا دليل على وجوب الغسل بالماء و السدر، و ان المحرم لا يحنط كما هو مذهب الشيعة، و وافقهم الشافعي لأن عنده المحرم إذا مات يبقى في حقه حكم الإحرام، و خالف في ذلك مالك، و أبو حنيفة، و هو مقتضى القياس عندهم لانقطاع العبادة بزوال محل التكليف، و هو الحياة، و لكن الشافعي اتبع الحديث، و هو مقدم على القياس عنده. و بذلك قالت الحنابلة (1) ..

و الخلاصة: أن الأثر الوارد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالأمر في غسل الميت، هو بالكيفية التي عليها مذهب الشيعة مضافا إلى ما استفاض عن أهل بيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ذلك.

قال الإمام الصادق (عليه السلام) في كيفية غسل الميت: اغسله بماء و سدر، ثم اغسله على أثر ذلك مرة أخرى بماء و كافور، و ذريرة إن كانت، و اغسله الثالثة بماء قراح ثلاث غسلات لجسده.

و قال (عليه السلام): يغسل الميت ثلاث غسلات، مرة بالسدر و مرة بالماء يطرح فيه الكافور و مرة أخرى بالماء القراح.

هذا ما يتعلق بالأمر الأول مما اختلف فيه، ذكرناه بصورة موجزة، أما الأمر الثاني فهو غسل المس.

2- غسل المس:

أوجب الشيعة الغسل على من مس ميتا من الناس بعد برده و قبل تطهيره، و ذهب بقية المذاهب إلى الاستحباب، و قال الشافعي في الجديد: الغسل من غسل الميت آكد من غسل الجمعة، لأن غسل الجمعة غير واجب، و الغسل من غسل الميت متردد بين الوجوب و غيره.

و قال البويطي: إن صح الحديث قلت بوجوبه‏ (2) و هو ما رواه أبو هريرة عن‏

____________

(1) عمدة الفقه لابن قدامة ص 31.

(2) المهذب ج 1 ص 129.

250

النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: من غسل ميتا فليغتسل، و من حمله فليتوضأ، أخرجه الجماعة، و لم يذكر ابن ماجة الوضوء.

و قد وقع الاختلاف في صحة هذا الحديث، فحسنه الترمذي، و الحافظ ابن حجر، و قال الذهبي: هو أقوى من عدة أحاديث احتج بها الفقهاء، و ذكر الماوردي:

أن بعض أصحاب الحديث خرج لهذا الحديث مائة و عشرين طريقا.

و الحديث يدل على وجوب الغسل. و في الباب عن علي (عليه السلام) عند أحمد أنه قال: من غسل ميتا فليغتسل. و رواه أبو داود، و النسائي، و أبو يعلي و البزار، و البيهقي.

و عن مكحول أن حذيفة سأله رجل مات أبوه. فقال حذيفة اغسله، فإذا فرغت فاغتسل.

و عن عائشة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: يغتسل من أربع: من الجمعة، و الجنابة و الحجامة، و غسل الميت.

و قد ورد عن أهل البيت ذلك قال الإمام الصادق (عليه السلام): من غسل ميتا فليغتسل. فقال له حريز: فمن مسه قال (عليه السلام): فليغتسل.

و قال (عليه السلام): من مسه (أي ميت الإنسان) و هو سخن فلا غسل عليه: فإذا برد عليه الغسل. إلى غير ذلك من النصوص المتواترة في وجوب الغسل على من مس ميتا، و هو المشهور عند الشيعة، بل قيل إنه إجماع. إلا ما ذهب إليه السيد المرتضى من القول بالاستحباب.

و لا يعارض هذه الأدلة ما ورد عن أسماء بنت عميس أنها غسلت أبا بكر فلما فرغت قالت لمن حضرها من المهاجرين: إني صائمة، و إن هذا يوم شديد البرد. فهل علي من غسل؟ قالوا: لا، و غير ذلك مما يمكن أن يتمسك به المانعون.

فإن حديث أسماء بعد التسليم بأنها تولت غسل الخليفة دون غيرها من المهاجرين و الأنصار، و أقربائه من الصحابة، فإن ذلك لا يثبت للمانعين به شيئا، لأن الراوي له هو القاضي عبد اللّه بن أبي بكر بن عمرو بن حزم و لا يصح ذلك عنه لأنه ولد سنة 65 من الهجرة، و كانت هذه القضية سنة 13 من الهجرة أي سنة وفاة أبي بكر

251

فكيف تصح روايته عن أسماء بنت عميس و هو لم يولد بعد!!! و القضية قبل ولادته باثنتين و خمسين سنة.

و حديث أسماء هو عمدة ما في الباب، و هو كما ترى من عدم الصحة على ما فيه من موهنات أخرى.

و الحاصل أن بعضهم حمل أحاديث الباب على المعنى المجازي، لما فيه من الجمع بين الأدلة بوجه مستحسن عندهم، و هو الاستحباب، و به قال مالك و أصحاب الشافعي‏ (1)، و الحنابلة.

و قال أبو حنيفة و أصحابه: إنه لا يجب و لا يستحب، لحديث (لا غسل عليكم من غسل الميت). كما أخرجه البيهقي عن ابن عباس، و لم يرفعه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لا حجة في ذلك، و لا يصلح لصرف تلك الأحاديث الصحيحة عن معناها الحقيقي، و هو الوجوب، و لو حملها على الاستحباب كغيره لكان أليق.

و على كل حال: فإن مس ميتة الإنسان توجب الغسل على الماس، اختيارا كان المس أم لا، و سواء كان صغيرا أم كبيرا، و كذلك يجب الغسل بمس القطعة المبانة من الحي أو الميت، إذا كانت مشتملة على العظم دون الخالية منه، و دون العظم المجرد من الحي هذا هو المشهور عند الشيعة (2).

و هم يعتبرون مس الميت كحكم الحدث الأصغر فيمنع من الأعمال التي يشترط فيها الوضوء فقط، فيجوز لمن عليه غسل المس دخول المساجد، و المكث فيها، و قراءة العزائم، و لا يجوز مس كتابة القرآن و نحوها، مما لا يجوز للمحدث.

الصلاة [على الميت‏]:

أما الصلاة على الميت فقد وقع الخلاف بين الشيعة و غيرهم من المذاهب في عدد التكبيرات، إذ الشيعة يوجبون خمس تكبيرات. و غيرهم يراها أربعا، كما اختلفت المذاهب فيما بينها في قراءة الفاتحة في الأولى، كما ذهب الشافعي لذلك، و به قالت الحنابلة.

____________

(1) نيل الأوطار ج 1 ص 238.

(2) غاية المنتهى ج 1 ص 48.

252

أما المالكية و الحنفية فهم يتفقون مع الشيعة في عدم وجوب قراءة الفاتحة، إذ لم يثبت ذلك بأثر صحيح.

أما التكبيرات فإن الشيعة يخالفون جميع المذاهب في وجوب الخمس، لأن ذلك هو الثابت من فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أهل بيته، و كثير من أصحابه، كابن عباس، و أبي ذر، و زيد بن أرقم، و حذيفة اليماني و غيرهم.

و كبر زيد بن أرقم على جنازة خمس تكبيرات، فسألوه فقال: كان رسول اللّه يكبرها. رواه مسلم و الترمذي و أبو داود و النسائي.

و صلى حذيفة على جنازة فكبر خمسا، ثم التفت فقال: ما نسيت، و لا و همت، و لكن كبرت كما كبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، صلى على جنازة فكبر خمسا. رواه أحمد.

و روى ابن المنذر عن ابن مسعود: أنه صلى على جنازة رجل من بني أسد، فكبر خمسا.

و غير ذلك من الآثار الدالة على تعين الخمس، مضافا لما روي عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذلك.

و أما ما يروى من أن عمر بن الخطاب هو الذي جمع الناس على أربع تكبيرات، لاختلاف الناس في ذلك، كما رواه الطحاوي في معاني الآثار (1)، فهذا شي‏ء لا يمكن الركون إليه، لعدم الثقة بالراوي و جهله أولا، و بتنزيه عمر عن إحداث فريضة لم تكن على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، إذ ليس له حق التشريع، و لو فعل فلا يجب اتباعه، لأن ذلك من وظيفة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فنحن نتبع ما ورد عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، دون سواه. و لم يرد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ذلك و سيأتي تفصيل صلاة الميت في كتاب الصلاة و نلفت أنظار القراء الكرام إلى ما افتراه بعض الكتّاب على الشيعة، بأن صلاة الميت عندهم تختلف عدد ركعاتها عليه، تبعا لمكانته، و هذا شي‏ء لم يقل به أحد منهم، و إجماعهم على وجوب خمس تكبيرات، كما ذكرنا و ما يأتي تفصيله.

____________

(1) معاني الآثار ج 1 ص 288.

253

و إنما اختلاف عدد الركعات عند غيرهم، و لكن أولئك الكتاب لم يراعوا الصدق، و لم يحتفظوا بأمانة التاريخ، فويل لهم مما كسبت أيديهم من افتراء في القول، و كذب في النقل، و ويل لهم مما يكتبون، بدون تثبت و عن غير دراية، و قد أشرنا لهذا القول من قبل.

أما الصلاة على الغائب فذهب الشيعة إلى عدم جوازها، و وافقهم الحنفية و المالكية، و ستأتي الإشارة لذلك إن شاء اللّه تعالى. هذا ما يتعلق به الكلام في هذا الباب، و قد أعرضنا عن كثير من المسائل خشية الإطالة إذ الاستقصاء ليس من شرط هذا الكتاب.

التيمم‏

و هو في اللغة القصد، يقال يممت فلانا أي قصدته. و منه قول الشاعر:

تيممتكم لما فقدت أولي النهى* * * و من لم يجد ماء تيمم بالترب‏

و في الشرع: قصد الصعيد الطاهر، و استعماله بصفة مخصوصة، لإزالة الحدث، أو أنه: مسح الوجه و اليدين بالصعيد، و قيل: إيصال التراب إلى الوجه و اليدين بشرائط مخصوصة، و قيل غير ذلك.

و قد أجمع المسلمون على مشروعية التيمم في الجملة. لقوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً.

و اختلفوا في مسوغاته و كيفيته، هل هو بدل عن الطهارة الكبرى و الصغرى؟ أم عن الصغرى فقط؟ و في صفة الصعيد الذي يتيمم به، و هل النية شرط فيه أم لا؟ و هل يصح قبل دخول الوقت أم لا؟ و هل هو رافع أم مبيح؟ إلى غير ذلك مما يطول الكلام فيه و نقتصر هنا على بيان مسوغاته و كيفيته.

مسوغاته:

اتفقت المذاهب الإسلامية على أن عدم وجدان الماء، أو عدم التمكن من الوصول إليه، أو حصول الضرر في تحصيله أو استعماله مسوغ للتيمم.

و اختلفوا في وجوب الطلب لفاقد الماء، فمنهم من لم يحدد مقداره، فذهب‏

254

مالك أنه لا يحد بحد. و قال: إنه كل ما يشق على المسافر طلبه، و الخروج إليه و إن خرج فاته أصحابه، و المشهور من مذهبه أن طلب الماء شرط في صحة التيمم، و به قال أبو حنيفة (1).

و قال الشافعي: يجب الطلب للماء بعد دخول الوقت، سواء في رحله أو مع رفقته، فيسأل رفيقه عن الماء، فإن بذله لزمه قبوله فإنه لا منة عليه، و كيفية الطلب أن ينظر عن يمينه، و شماله، و أمامه، و وراءه، فإن كان بين يديه حائل من جبل أو غيره صعده‏ (2).

و قال الحنفية: بوجوب الطلب على فاقد الماء في المصر مطلقا، ظن قربه أو لم يظن، أما إذا كان مسافرا فإن ظن قربه منه بمسافة أقل من ميل وجب عليه.

و قال الكاساني: و الأصح أنه قدر ما لا يضر بنفسه و رفقته بالانتظار. و نقل عن أبي يوسف أنه قال: إن كان الماء بحيث لو ذهب إليه لا تنقطع عنه جلبة العير، و يحس بأصواتهم و أصوات الدواب. إلى آخر ما هنالك من الاختلاف عند الحنفية في تحديث الطلب‏ (3).

و الحنابلة يذهبون: إلى وجوب مطلق الطلب، و هو شرط في جواز التيمم، فلا يجوز التيمم حتى يطلب الماء في رحله، و رفقته، و ما قرب منه، فإن بذل له أو بيع بزيادة يسيرة على مثله لا يجحف بماله لزمه قبوله، و إن علم بماء لزمه قصده، ما لم يخف عن نفسه و ماله، و لم يفت الوقت‏ (4) و خالفهم الشافعي فقال: لا يلزمه شراؤه بزيادة يسيرة و لا كثيرة لذلك‏ (5).

و بهذا يظهر أن المذاهب تتفق مع الشيعة في وجوب الطلب، و هو الفحص عن الماء إلى اليأس أو ضيق الوقت، و إذا كان في مفازة فيكفي الطلب عندهم مقدار غلوة سهم في الأرض الحزنة، و غلوة سهمين في الأرض السهلة. في الجوانب الأربع،

____________

(1) المنتقى ج 1 ص 110.

(2) المهذب للشيرازي ج 1 ص 34.

(3) بدائع الصنائع للكاساني ج 1 ص 46.

(4) الهادي أو عمدة الحازم ص 13.

(5) المغني لابن قدامة ج 1 ص 241.