الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
355

ستة و أربعون ميلا بالهاشمي و لا يقصر فيما دونها (1) ...

و نقل النووي عن الشافعي: أنه لا يجوز القصر إلا في مسيرة مرحلتين قاصدتين، و هي ثمانية و أربعون ميلا هاشمية، و الميل ستة آلاف ذراع و الذراع أربع و عشرون إصبعا معترضة، و الأصبح ست شعيرات معترضات معتدلات‏ (2).

و جاء في نهاية المحتاج أن المسافة ثمانية و أربعون ميلا ذهابا تحديدا لا تقريبا (3).

و قال أبو إسحاق الشيرازي: و لا يجوز ذلك (أي القصر) إلا في مسيرة يومين و هو أربعة برد و كل بريد أربعة فراسخ فذلك ستة عشرة فرسخا لما روي عن ابن عمر و ابن عباس (رضي اللّه عنهما) كانا يصليان ركعتين و يفطران في أربعة برد فما فوق ذلك ... الخ‏ (4).

و المشهور عن مالك أنه يوافق الشافعي في ثمانية و أربعين ميلا.

و روي عن مسيرة يوم و ليلة، و روى ابن القاسم أن مالكا رجع عنه.

و عن مالك أنه بلغه أن عبد اللّه بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين الطائف و مكة، و في مثل ما بين مكة و عسفان، و في مثل ما بين مكة و جدة، قال مالك: و ذلك أربعة برد، و ذلك أحب ما تقصر إليّ فيه الصلاة (5).

قال الزرقاني- في شرحه: أحب عائد لاختياره يعني أنه لا يقصر في أقل منها و هي: ستة عشر فرسخا ثمانية و أربعون ميلا.

و روى أشهب عن مالك القصر في خمسة و أربعين ميلا، و روى أبو زيد عن ابن القاسم أن من قصر في ستة و ثلاثين ميلا لا يعيد.

و قال ابن المواز يعيد و عن ابن الحكم يعيد في الوقت فإن قصر في أقل من ذلك أعاد أبدا (6).

____________

(1) الأم 1: 182.

(2) شرح مسلم للنووي 5: 195.

(3) انظر ج 2: 245.

(4) المهذب 1: 102.

(5) موطأ مالك شرح الزرقاني 1: 299.

(6) المنتقى 1: 292.

356

و وافقهم أحمد بن حنبل في تحديد المسافة بستة عشر فرسخا أو ثمانية و أربعين ميلا بالهاشمي فإنه سئل في كم تقصر الصلاة؟ قال: في أربعة برد.

قيل له مسيرة يوم تام؟ قال: لا، أربعة برد ستة عشر فرسخا و مسيرة يومين.

قال ابن قدامة: فمذهب أبي عبد اللّه- أحمد بن حنبل-: إن القصر لا يجوز في أقل من ستة عشر فرسخا، و الفرسخ ثلاثة أميال فتكون ثمانية و أربعين ميلا. قال القاضي و الميل اثنا عشر ألف قدم و ذلك مسيرة يومين قاصدين‏ (1).

و لا يخفى ما في المسألة من خلاف و كثرة أقوال، فإنهم اختلفوا في تحديد المسافة بالزمن و بالتقدير بالأميال أو الفراسخ.

أما التقدير في الزمن فهو يوم و ليلة أو يومان و أكثر الثالث أو ثلاثة أيام بلياليها كما تقدم.

و أما الاختلاف في تقدير المسافة فإن اختلافهم في الميل و تحديده و مقداره.

فمنهم من قال: إن الميل هو من الأرض منتهى مد البصر لأن البصر يميل عنه على وجه الأرض حتى يفنى إدراكه.

و قيل أن ينظر إلى الشخص في أرض مستوية فلا يدري أرجل هو أم امرأة أو ذاهب أو آت.

و قال النووي: الميل ستة آلاف ذراع و الذراع أربعة و عشرون إصبعا متراصة معتدلة، و الإصبع ست شعيرات معترضة معتدلة.

و منهم من عبر عن ذلك باثني عشر ألف قدم بقدم الإنسان.

و قيل هو أربعة آلاف ذراع و قيل ثلاثة آلاف ذراع و قيل خمسمائة و قيل ألفا ذراع، و منهم من عبر عن ذلك بألف خطوة للجمل‏ (2).

و قيدوا الأميال بالهاشمية و حدوده باثني عشر ألف قدم ستة آلاف ذراع أربعة آلاف خطوة.

____________

(1) المغني لابن قدامة 2: 255.

(2) نيل الأوطار 4: 205.

357

أما الأميال الأموية فالميل منها ينقص عن الهاشمي بنسبة واحد من ستة، أي أن الفرسخ الأموي ميلان و نصف‏ (1).

أما المسافة التي يجب معها القصر عند الشيعة فهي: ثمانية فراسخ امتدادية أو ملفقة من أربعة ذهابا و أربعة إيابا، و الفرسخ ثلاثة أميال و الميل أربعة آلاف ذراع بذراع اليد و هو من المرفق إلى أطراف الأصابع.

و ذلك هو الوارد عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من طريق أهل البيت (عليهم السلام).

الإقامة:

اختلف علماء الإسلام في تحديد المدة التي يصير بها المسافر مقيما فيجب عليه إتمام الصلاة و أداء الصيام على أقوال:

فعند الشيعة أن المسافر إذا عزم على الإقامة عشرة أيام متوالية في مكان واحد أو أنه يعلم ببقائه المدة المذكورة فيجب عليه الإتمام و الصيام؛ لانقطاع السفر في ذلك.

و كذا لو تردد في البقاء و عدمه ثلاثين يوما فإنه يجب عليه القصر إلى نهاية الثلاثين، و بعدها يجب عليه التمام إلى أن يسافر سفرا جديدا.

و ذهب أبو حنيفة إلى أن مدة الإقامة خمسة عشر يوما، و هو أحد قولي ابن عمر (2) و له قول آخر و هو: إذا أجمعت إقامة اثنتي عشرة ليلة فأتم الصلاة، و به قال سعيد بن المسيب في أحد أقواله، و قوله الآخر: إذا أقمت أربعا فصل أربعا، و له قول آخر إذا أقمت ثلاثا فأتم.

و ذهب مالك بن أنس إلى أن مدة الإقامة التي يباح بها التمام هي أربع ليال.

حدث يحيى عن مالك عن عطاء الخراساني أنه سمع سعيد بن المسيب قال:

من أجمع إقامة أربع ليال و هو مسافر أتم الصلاة. قال مالك: و ذا أحب ما سمعت إلي‏ (3).

قال ابن حزم:- بعد أن ذكر قول ابن المسيب: إذا أقمت أربعا فصل أربعا- و به‏

____________

(1) غاية المنتهى 1: 195.

(2) المبسوط للسرخسي 1: 236.

(3) شرح الموطأ للزرقاني 1: 301.

358

يأخذ مالك، و الشافعي؛ و الليث، إلا أنهم يشترطون أن ينوي إقامة أربع فإن لم ينوها قصر حولا (1).

و قال أبو الوليد: اختلف أصحابنا (أي المالكية) فروى ابن القاسم أنه يراعى فيها أربعة أيام كاملة. قال عنه عيسى و لا يعتد بيوم دخوله إلا أن يدخل في أوله. و قال الماجشون و سحنون: إذا نوى مقام زمان تجب فيه عشرون صلاة فإنه يتم.

قال أبو الوليد: وجه رواية ابن القاسم أن الخبر المستفاد منه حكم المقام إنما ورد بلفظ الأيام، و ذلك يقتضي تعلق الحكم بها.

و وجه الرواية الثانية: أن الحكم إنما يتعلق بالأيام من أجل الصلاة فوجب أن يعتبر بها (2).

و لا يخفى أن لفظ الخبر الوارد في قول أبي الوليد لم يكن خبرا عن النبي إذ ربما أن يتوهم ذلك، إذ لا خبر في الموضوع و إنما يقصد الخبر الوارد عن مالك، فليتأمل.

و الشافعي يختار تحقيق الإقامة في أربعة أيام كما جاء في كتاب الأم و حكي عنه ذلك، قال في الأم:

إذا أزمع المسافر بموضع أربعة أيام و لياليهن ليس فيهن يوم كان فيه مسافرا فدخل في بعضه و لا يوم يخرج في بعضه أتم الصلاة، و استدلالا بقول رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه ثلاثا. و إنما يقضي نسكه في اليوم الذي يدخل فيه و المسافر لا يكون دهره سائرا و لا يكون مقيما مقام سفر و سائرا (3) ... الخ، و هذا عين ما استدل به مالك.

و أجيب عن هذا الاستدلال: بأنه لا حجة لهم فيه لأنه ليس في هذا الخبر نص و لا إشارة إلى المدة التي إذا أقامها المسافر أتم، و إنما هو في حكم المهاجر، فما الذي أوجب أن يقاس المسافر يقيم على المهاجر يقيم؟! هذا لو كان القياس حقا، و كيف و كله باطل؟!

____________

(1) المحلى ج 5: 23.

(2) شرح الموطأ لابن الباجي 1: 265.

(3) الأم 1: 186.

359

و المشهور عن أحمد بن حنبل أن المدة التي تلزم المسافر الإتمام بنية الإقامة فيها هي: ما كان أكثر من إحدى و عشرين صلاة.

و عنه أيضا إذا نوى إقامة أربعة أيام أتم، و إن نوى دونها قصر، و هذا قول مالك و الشافعي و أبي ثور.

و استدلوا له بدليل قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقيم المهاجر بعد قضاء منسكه ثلاثا.

و استدلوا أيضا بأن عمر لما أخلى أهل الذمة ضرب لمن قدم منهم تاجرا ثلاثا و قال إن الثلاث بحكم السفر و ما زاد في حكم الإقامة (1).

و كيف كان فقد اختلفت أقوال الصحابة و التابعين في هذه المسألة فعن ابن عباس القول بأن الإقامة عشرة أيام و المتردد إلى تسعة- عشرة يقصر فإذا زاد أتم. و له قول آخر و هو: إن الإقامة خمسة عشر يوما و له قول: بأن المتردد إلى سنة يصلي قصرا.

و قال ابن عمر بمثل قوله هذا و له قول آخر و هو إن الإقامة اثنتا عشرة ليلة و له قول إن المتردد إلى ستة أشهر يصلي قصرا.

و ذهبت عائشة إلى أن وضع الزاد و المزاد موجب للتمام و إليه ذهب الحسن البصري فقال: صل ركعتين ركعتين إلى أن تقدم مصرا فأتم الصلاة و صم.

و قال ربيعة الرأي: إن الإقامة يوم و ليلة.

و قال الأوزاعي: إن الإقامة ثلاث عشرة ليلة.

و قال سعيد بن المسيب: إن الإقامة أربع. و له قول آخر: إنها ثلاثة.

و قال سعيد بن جبير: إن الإقامة أكثر من خمسة عشر، و له قول آخر إن الإقامة تحصل بمجرد وضع الرحل إلى آخر الأقوال و الآراء التي لا يعرف لهم فيها مستند شرعي و إنما ذلك اجتهاد من أنفسهم كما قيل عنهم ذلك.

و صفوة القول إن الأقوال في هذه المسألة مختلفة و لا يكاد الإنسان أن يلمس منها قولا يمكن أن يكون عمدة في الباب و لم يكن هناك أثر يدل على ما تطمئن النفس‏

____________

(1) المغني لابن قدامة 1: 288.

360

إليه و حيث كان الأمر كذلك فلا بد من الرجوع إلى أهل البيت و هم أدرى به لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قرنهم بكتاب اللّه فمن اتبعهم اهتدى، فهم أعلام الإسلام و حكام الأنام و لهذا فإن الشيعة يأخذون بما ورد عنهم (عليهم السلام) و يستمدون تعاليمهم منهم.

و قد وردت في هذه المسألة نصوص عن أهل البيت أخذ بها الشيعة و عملوا بموجبها، فقد روي عن الإمام علي (عليه السلام) أنه قال: يتم الذي يقيم عشرا، و الذي يقول اليوم أخرج غدا أخرج يقصر شهرا (1).

قال الشوكاني: و ذهبت القاسمية و الإمامية و الحسن بن صالح و هو مروي عن ابن عباس أنه لا يتم الصلاة إلا من نوى إقامة عشر و احتجوا بما روي عن علي (عليه السلام) (و ذكر الحديث).

و قال ابن قدامة: و روي عن علي رضي اللّه عنه قال: يتم الصلاة الذي يقيم عشرا و يقصر الصلاة الذي يقول: أخرج اليوم أخرج غدا شهرا. و هذا قول محمد بن علي (الباقر) و ابنه (جعفر الصادق) و الحسن بن صالح‏ (2).

قال الإمام الباقر (عليه السلام): و إن لم تدر ما مقامكم بها، تقول غدا أخرج أو بعد غد فقصر ما بينك و بين أن يمضي شهر فإذا تم لك شهر فأتم الصلاة و إن أردت أن تخرج من ساعتك.

و قال الإمام الصادق (عليه السلام): «إن شئت فانو المقام عشرا و أتم، و إن لم تنو المقام فقصر ما بينك و بين شهر فإذا مضى لك شهر فأتم الصلاة (3).

و في بعض الأخبار عنهما (عليه السلام) تحديد مدة التردد ثلاثين يوما.

و روى معاوية بن وهب عن الإمام الصادق (عليه السلام) قال: و إن أقمت تقول غدا أخرج أو بعد غد و لم تجمع على عشر فقصر ما بينك و بين شهر فإذا تم الشهر فأتم الصلاة».

و قال (عليه السلام): إذا عزم الرجل أن يقيم عشرا فليتم الصلاة و إن كان في شك لا

____________

(1) انظر نيل الأوطار للشوكاني ج 3: 208 و المغني لابن الحنبلي 2: 288.

(2) المغني ج 2: 288.

(3) المستمسك للإمام الحكيم 8: 138.

361

يدري ما يقيم فيقول: اليوم أو غدا فليقصر ما بينه و بين شهر فإن أقام بذلك البلد أكثر من شهر فليتم الصلاة.

و بهذا أخذ الشيعة و عليه العمل فهم يحكمون على من نوى إقامة عشرة أيام يجب عليه القصر و إن كان مترددا فإنه يقصر حتى يمضي شهر فإذا مضى شهر أتم.

و وافقهم سفيان الثوري و جماعة آخرون و الذي يظهر من الخرقي الحنبلي اختيار القول في مدة التردد إلى شهر دون تحديد الإقامة بعشر كما جاء في مختصره قال:

و إذا نوى المسافر الإقامة في بلد أكثر من إحدى و عشرين صلاة أتم، و إن قال: اليوم أخرج غدا أخرج قصر و إن أقام شهرا (1).

و ذهبت الحنفية إلى أن المسافر الذي لم ينو إقامة خمسة عشر يوما و يقول غدا أخرج أو بعد غد أخرج و استمر على ذلك لا يصير مقيما عندهم و لو بقي سنين عديدة (2).

و للشافعية أقوال في ذلك: إنه إذا أقام في بلد على حاجة إذا تنجزت رحل و لم ينو مدة فقيل إنه يقصر سبعة عشر يوما. و قيل يقصر أبدا و خرج أبو إسحاق قولا ثالثا أنه يقصر إلى أربعة أيام‏ (3).

و عند الحنابلة: أن من لم يجمع الإقامة مدة تزيد على إحدى و عشرين صلاة فله القصر و لو أقام سنين، و الذي يظهر من عبارة ابن قاسم الخرقي أن مدة التردد إلى الشهر.

السفر المبيح للقصر:

اختلفوا في السفر المبيح للقصر، فعند الشيعة أن سفر المعصية لا تقصر فيه الصلاة لأنه سفر محرم، سواء أ كان بنفسه حراما كالفرار من الزحف و إباق العبد، و سفر الزوجة بدون إذن زوجها في غير الواجب، و سفر الولد مع نهي الوالدين في غير الواجب، و كما إذا كان مضرا لبدنه.

____________

(1) المغني 1: 292.

(2) الغنية 241.

(3) المهذب للشيرازي 1: 103.

362

أم كان السفر غايته أمرا محرما: كما إذا سافر لقتل نفس محرمة، أو للسرقة أو للزنى، أو لإعانة الظالم، أو لأخذ أموال الناس ظلما و نحو ذلك. و وافقهم الشافعي و أحمد.

قال الشافعي: و ليس لأحد سافر في معصية أن يقصر، و لا يمسح مسح المسافر، فإن فعل أعاد (1).

و قال الرملي- المعروف بالشافعي الصغير-: لا يترخص العاصي بسفره كآبق، و ناشزة، و قاطع طريق و مسافر بلا إذن، إذ مشروعية الترخص في السفر للإعانة، و العاصي لا يعان، لأن الرخص لا تنال بالمعاصي ... الخ‏ (2).

و أما أحمد بن حنبل فإنه نص على عدم جواز القصر لمن كان سفره سفر معصية كإباق العبد، و قطع الطريق؛ و التجارة في الخمر و المحرمات‏ (3).

و قال أيضا: إذا خرج الرجل إلى بعض البلدان تنزها و تلذذا، و ليس في طلب حديث و لا حج و لا عمرة و لا تجارة فإنه لا يقصر الصلاة، لأنه إنما شرع إعانة على تحصيل المصلحة، و لا مصلحة في هذا.

أما الحنفية فذهبوا إلى الجواز و أن العاصي و المطيع في سفرهما واحد و يستوي المقدار المفروض على المسافر من الصلاة سفر الطاعة من الحج و الجهاد، و سفر المباح كسفر التجارة و نحوه، و سفر المعصية كقطع الطريق و البغي‏ (4).

و عن مالك روايتان: فالمشهور من مذهبه أن سفر المعصية لا تقصر فيه الصلاة، لأن سفر المعصية ممنوع منه مأمور بالرجوع عنه، فلا يصح تناول النية الشرعية لمسألة القصر فيه.

و الرواية الثانية: جواز القصر لأن هذا معنى يترخص به سفر الطاعة فجاز أن يترخص به في سفر المعصية.

____________

(1) مختصر المزني: 25.

(2) نهاية المحتاج 2: 253.

(3) المغني لابن قدامة 1: 262.

(4) انظر بدائع الصنائع 1: 93 و الهداية 1: 57.

363

هذا ما تعلق الغرض ببيانه حول صلاة المسافر و أن فرضه المتعين هو القصر كما أجمعت عليه الشيعة و وافقهم كثير من علماء المسلمين في ذلك و أن الذي يتم في السفر مع حصول شرائط القصر عليه الإعادة.

و هنا لا بد أن نشير بإيجاز إلى حكم الصائم في السفر، و قد أجمع المسلمون على جواز الإفطار في شهر رمضان لكل من سافر فيه سفرا تقصر فيه الصلاة، كما جاء في كتاب اللّه العزيز بقوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ الآية.

و قد اختلفوا في الإفطار في السفر هل هو رخصة أم عزيمة؟ فذهب الشيعة إلى أنه عزيمة، و لا يصح الصوم في السفر، كما لا يصح إتمام الصلاة فيه، لأنه هو الذي شرعه اللّه في دين الإسلام، و أن المقتضى من السفر لأحدهما هو بعينه المقتضى للآخر. كما ورد ذلك عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذ قال: (إن اللّه وضع عنه الصيام و نصف الصلاة) أخرجه النسائي عن عمر بن أمية الضمري.

و أخرج مسلم في صحيحه عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه محمد الباقر عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان فصام حتى بلغ كراع الغميم فصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «أولئك العصاة أولئك العصاة» (1).

و أخرج البخاري عن جابر بن عبد اللّه الأنصاري قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في سفر فرأى زحاما و رجلا قد ظلل عليه فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما هذا؟ فقالوا صائم. فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(ليس من البر الصوم في السفر) (2).

و أخرج أبو داود عن قزعة قال أتيت أبا سعيد الخدري و هو يفتي الناس و هم مكبون عليه، فانتظرت خلوته، فلما خلا سألته عن صيام رمضان في السفر؟

فقال: خرجنا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في رمضان عام الفتح، فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يصوم و نصوم، حتى بلغ منزلا من المنازل فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنكم قد دنوتم من عدوكم، و الفطر

____________

(1) صحيح مسلم شرح النووي 7: 232.

(2) صحيح البخاري 3: 43.

364

أقوى لكم، فأصبحنا منا الصائم، و منا الفاطر. قال: ثم سرنا فنزلنا منزلا فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

(إنكم تصبحون عدوكم و الفطر أقوى لكم فأفطروا) فكانت عزيمة من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(1).

و أخرج الترمذي عن رجل من بني عبد اللّه بن كعب بن مالك اسمه أنس بن مالك قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (إن اللّه وضع شطر الصلاة عن المسافر و رخص له في الإفطار) (2).

و أخرج مسلم عن ابن عباس أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خرج عام الفتح فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر، و كان صحابة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يتبعون الأحدث فالأحدث من أمره‏ (3) و في لفظ و إنما يؤخذ من أمر رسول اللّه بالآخر فالآخر (4).

و كيف كان فإن الشيعة قد أجمعوا على أن الإفطار في السفر عزيمة و لا يجزي الصوم عن الفرض، بل من صام في السفر وجب عليه قضاؤه في الحضر.

و قال الشوكاني: و هذا هو قول بعض الظاهرية، و حكاه في البحر عن أبي هريرة و داود و الإمامية، قال في الفتح: و حكي عن عمرو ابن عمر، و أبي هريرة، و الزهري، و إبراهيم، و النخعي و غيرهم‏ (5).

و قال ابن حزم- بعد أن استدل على وجوب الإفطار في السفر-: و لم يبق علينا إلا أن نذكر من قال بمثل قولنا لئلا يدعى علينا خلاف الإجماع، فالدعوى لذلك منهم سهلة، و هم أكثر خلافا للإجماع ..

روينا من طريق سليمان بن حرب نا حماد بن سلمة عن كلثوم بن جبر عن رجل من بني عبد القيس أنه صام في السفر فأمره عمر بن الخطاب أن يعيد. و من طريق‏

____________

(1) سنن أبي داود 1: 560.

(2) تيسير الوصول للشيباني 2: 337.

(3) صحيح مسلم 7: 130.

(4) انظر نيل الأوطار 4: 223.

(5) نيل الأوطار 4: 223.

365

سفيان بن عيينة عن عاصم بن عبيد اللّه عن عبد اللّه بن عامر بن ربيعة عن عمر بن الخطاب أنه أمر رجلا أن يعيد صيامه في السفر.

و روي عن عبد الرحمن بن عوف قال: نهتني عائشة أم المؤمنين عن أن أصوم في السفر. و عن ابن عمر أنه سئل عن الصوم في السفر فقال: (من كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر).

و سئل عن الصوم أيضا فقال: إنما هو صدقة تصدق بها اللّه عليك، أ رأيت لو تصدقت بصدقة فردت عليك؟ أ لم تغضب؟

و أن امرأة صحبته في السفر فوضع الطعام فقال لها: كلي. فقالت إني صائمة.

قال ابن عمر: لا تصحبينا.

و عن ابن عباس أنه سئل عمن صام رمضان في السفر؟ قال: لا يجزئه. يعني لا يجزئه صيامه.

و عن عبد الرحمن بن عوف أنه قال: الصائم في السفر كالمفطر في الحضر.

و عن سعيد بن المسيب أن رجلا سأله: أتم الصلاة في السفر و أصوم؟ قال:

لا. فقال: إني أقوى على ذلك. فقال سعيد: رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان أقوى منك، قد كان يقصر و يفطر.

و عن الزهري قال: كان الفطر آخر الأمرين من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و إنما يؤخذ من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالآخر.

و عن عبد الرحمن بن عوف عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال: الصائم في السفر في رمضان كالمفطر في الحضر.

و عن محمد بن علي بن أبي طالب أن أباه كان ينهى عن صيام رمضان في السفر ... الخ‏ (1).

و على أي حال: فإن الأخبار متواترة في وجوب الإفطار على المسافر في شهر رمضان و حسبنا حجة لذلك قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَ مَنْ كانَ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ.

____________

(1) انظر المحلى 5: 256- 258 ذكرنا هذه الأخبار بحذف الإسناد اختصارا.

366

قال سيدنا شرف الدين: فإن في الآية دلالة على وجوب الإفطار من وجوه:

أحدها: أن الأمر بالصوم في الآية إنما هو متوجه للحاضر دون المسافر، و لفظه كما تراه: فمن شهد منكم الشهر- أي حضر في الشهر- فليصمه و إذا فالمسافر غير مأمور، فصومه إدخال في الدين ما ليس من الدين تكلفا و ابتداعا.

ثانيها: أن المفهوم من قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ‏. أي من لم يحضر في الشهر لا يجب عليه الصوم، و مفهوم الشرط حجة كما هو مقرر في أصول الفقه، و إذا فالآية تدل على عدم وجوب الصوم في السفر بكل منطوقها و مفهومها.

ثالثها: أن قوله عز و جل: فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى‏ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ تقديره فعليه عدة من أيام أخر، هذا إن قرأت الآية برفع عدة، و إن قرأتها بالنصب كان التقدير فليصم عدة من أيام أخر و هذا يقتضي وجوب إفطار السفر إذ لا قائل بالجمع بين الصوم و القضاء على أن الجمع ينافي اليسر المدلول عليه بالآية.

رابعا: قوله تعالى: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ و اليسر هنا إنما هو الإفطار، كما أن العسر هنا ليس إلا الصوم، و إذا فمعنى الآية يريد اللّه منكم الإفطار و لا يريد منكم الصوم‏ (1).

الجمع بين الصلاتين:

لا خلاف بين المسلمين في جواز الجمع بعرفة وقت الظهر بين الفريضتين- الظهر و العصر، كما لا خلاف بينهم في جواز الجمع في المزدلفة وقت العشاء للحجاج بين الفريضتين- المغرب و العشاء.

و اختلفوا فيما عدا ذلك فمنهم من جوز الجمع بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء تقديما و تأخيرا بعذر السفر عند مالك و الشافعي و أحمد.

أما أبو حنيفة فمنع من ذلك و قال: لا يجوز الجمع بين الصلاتين بعذر السفر بحال.

قال في الغنية: و لا يجوز الجمع عندنا (الحنفية) بين صلاتين في وقت واحد، سوى الظهر و العصر بعرفة، و المغرب و العشاء بمزدلفة و عند الثلاثة يجوز الجمع بين‏

____________

(1) انظر مسائل فقهية 51- 52.

367

الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء في وقت واحد بعذر السفر أو المطر، تقديما أو تأخيرا، بأن يصلي المتقدمة في وقت المتأخرة (1).

أما عذر المطر فقد أجاز الشافعي الجمع بين الصلاتين تقديما في وقت الأولى منهما.

قال أبو إسحاق الشيرازي: و يجوز الجمع بين الصلاتين في المطر لما روى ابن عباس رضي اللّه عنه قال: صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الظهر و العصر و المغرب و العشاء جمعا من غير خوف و لا سفر، قال مالك: أرى ذلك في وقت المطر ... الخ.

و حديث ابن عباس- الذي سيأتي- لا حجة لهم في جعل المطر مسوغا للجمع بل هو مطلق و إنما كان رأي مالك أن يكون الجمع لعلة المطر و الحديث كما ترى دليل لمن يقول بجواز الجمع مطلقا لأن تعليل ابن عباس لذلك هو أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أراد أن لا يحرج أمته‏ (2).

قال ابن المنذر: لا معنى لحمل الأثر على عذر من الأعذار، لأن ابن عباس أخبر بالعلة و هو قوله: أراد أن لا يحرج أمته.

مع أن مالك بن أنس لم يجز الجمع بين الظهر و العصر بعذر المطر و قد اختلف أصحابه في ذلك فقال أشهب: أحب إلي أن لا يجمع بين الظهر و العصر في سفر و لا حضر إلا بعرفة.

و قد روي عن ابن قاسم في المجموعة ما يقرب من قول أبي حنيفة أنه قال: من جمع بين المغرب و العشاء في الحضر لغير عذر مرض أعاد العشاء أبدا (3). و كذلك روي عن مالك كراهية جمع الظهر و العصر بضرورة المطر أو أنه لا يجوزه كما تقدم.

و أحمد يوافق مالك في جواز الجمع بين العشاءين فقط لعذر المطر لا بين الظهر و العصر سواء قوي المطر أو ضعف إذا كان المطر يبل الثوب و يوجد معه مشقة و كذلك يجوز للوحل و ريح باردة شديدة في ليلة مظلمة (4).

____________

(1) غنية المتملي 244.

(2) انظر الجوهر النقي في الرد على البيهقي 1: 226.

(3) شرح الموطأ للباجي 1: 257.

(4) الروض الندي- 111.

368

قال النووي في شرح صحيح مسلم:- بعد ذكر أخبار الجمع- و أما حديث ابن عباس فلم يجمعوا على ترك العمل به بل لهم أقوال: منهم من تأوله على أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جمع بعذر المطر، و هذا مشهور عن كبار المتقدمين و هو ضعيف بالرواية الأخرى:

(من غير خوف و لا مطر).

و منهم من تأوله على أنه كان في غيم فصلى الظهر ثم انكشف الغيم، و بأن وقت العصر دخل فصلاها. و هذا أيضا باطل، لأنه و إن كان فيه أدنى احتمال في الظهر و العصر، لا احتمال فيه في المغرب و العشاء.

و منهم من تأوله على تأخير الأولى إلى آخر وقتها، فلما فرغ منها دخلت الثانية فصلاها فصارت صلاته صورة جمع، و هذا أيضا ضعيف أو باطل لأنه مخالف للظاهر مخالفة لا تحتمل، و فعل ابن عباس الذي ذكرناه حين خطب، و استدلاله بالحديث لتصويب فعله، و تصديق أبي هريرة له، و عدم إنكاره صريح في رد هذا التأويل.

و منهم من قال: هو محمول على الجمع بعذر المرض أو نحوه مما هو في معناه عن الأعذار، و هذا قول أحمد بن حنبل و القاضي حسين من أصحابنا و اختاره الخطابي و المتولي، و الروياني من أصحابنا و هو المختار في تأويله لظاهر الحديث، و لفعل ابن عباس، و موافقة أبي هريرة و لأن المشقة فيه أشد من المطر.

و ذهب جماعة من الأئمة إلى جواز الجمع في الحضر للحاجة لمن لا يتخذه عادة، و هو قول ابن سيرين، و أشهب من أصحاب مالك، و حكاه الخطابي عن القفال، عن أبي إسحاق المروزي، عن جماعة من أصحاب الحديث، و اختاره ابن المنذر و يؤيده ظاهر قول ابن عباس: أراد أن لا يحرج أمته. فلم يعلله بمرض و لا غيره و اللّه أعلم‏ (1).

و قال أشهب: إن للمقيم رخصة الجمع بين الصلاتين لغير عذر مطر و لا مرض.

قال الباجي: و هذا هو قول ابن سيرين‏ (2).

و قال الفخر الرازي- في تفسير قوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ ..... الآية- بعد أن فسر الدلوك و الغسق- ما هذا لفظه: فإن فسرنا الغسق بظهور

____________

(1) شرح النووي لصحيح مسلم 5: 218- 219.

(2) شرح موطأ مالك، 1: 255.

369

أول الظلمة كان الغسق عبارة عن أول المغرب و على هذا التقدير يكون المذكور في الآية ثلاثة أوقات وقت الزوال و وقت المغرب و وقت الفجر و هذا يقتضي أن يكون الزوال وقتا للظهر و العصر، فيكون هذا الوقت مشتركا بين الصلاتين و أن يكون أول المغرب وقتا للمغرب و العشاء، فيكون هذا الوقت مشتركا أيضا بين هاتين الصلاتين فهذا يقتضي جواز الجمع بين الظهر و العصر و بين المغرب و العشاء مطلقا، إلا أنه دل الدليل على أن الجمع في الحضر من غير عذر لا يجوز فوجب أن يكون الجمع في السفر و عذر المطر و غيره‏ (1).

و قال البغوي: حمل الدلوك على الزوال أولى القولين لكثرة القائلين به و لأنا إذا حملنا عليه كانت الآية جامعة لمواقيت الصلاة كلها، فدلوك الشمس يتناول صلاة الظهر و العصر، و إلى غسق الليل يتناول المغرب و العشاء و قرآن الفجر هو صلاة الصبح‏ (2).

(الأخبار:) أخرج مسلم عن أنس قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا أراد أن يجمع بين الصلاتين في السفر أخّر الظهر حتى يدخل وقت العصر، ثم يجمع بينهما.

و أخرج عن ابن شهاب عن أنس: أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إذا عجل به السفر يؤخر الظهر إلى أول وقت العصر، فيجمع بينهما، و يؤخر المغرب حتى يجمع بينها و بين العشاء حين يغيب الشفق‏ (3).

و أخرج البخاري عن أنس بن مالك قال: كان النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يجمع بين صلاة المغرب و العشاء في السفر (4).

و أخرج مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الظهر و العصر جميعا، و المغرب و العشاء جميعا، من غير خوف و لا سفر.

و أخرج أيضا عن سعيد بن جبير عن ابن عباس بلفظ: صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)

____________

(1) التفسير الكبير 21- 22.

(2) معالم التنزيل بهامش تفسير الخازن 4: 141.

(3) صحيح مسلم ج 5 ص 114- 215 شرح النووي.

(4) البخاري ج 2 ص 55.

370

الظهر و العصر جميعا في المدينة من غير خوف و لا سفر و أخرجه مالك في الموطأ.

قال أبو الزبير فسأل سعيدا لم فعل ذلك؟ فقال سعيد سألت ابن عباس كما سألتني فقال: أراد أن لا يحرج أحدا من أمته‏ (1).

و أخرج عن معاذ قال: خرجنا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في غزوة تبوك فكان يصلي الظهر و العصر جميعا، و المغرب و العشاء جميعا. و عن عامر بن واثلة- أبو الطفيل- حدثنا معاذ بن جبل قال جمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في غزوة تبوك بين الظهر و العصر، و بين المغرب و العشاء (2).

قال أبو الطفيل فقلت له ما حمله على ذلك؟ فقال: أراد أن لا يحرج أمته.

و أخرج عن ابن عباس قال: صليت مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثمانيا جميعا و سبعا جميعا.

و أخرج مالك بن أنس عن أبي هريرة: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يجمع بين الظهر و العصر في سفره إلى تبوك‏ (3).

و أخرج مالك عن معاذ بن جبل أنهم خرجوا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عام تبوك فكان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يجمع بين الظهر و العصر، و المغرب و العشاء قال: فأخر الصلاة يوما، ثم خرج فصلى الظهر و العصر جميعا، ثم خرج فصلى المغرب و العشاء جميعا (4).

و أخرج أبو داود عن جابر أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) غابت له الشمس بمكة فجمع بينهما بسرف‏ (5) (و هو موضع قريب من مكة).

و أخرج مسلم عن جابر بن زيد عن ابن عباس: أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صلى بالمدينة سبعا و ثمانيا الظهر و العصر، و المغرب و العشاء (6).

و عن عبد اللّه بن شقيق قال: خطبنا ابن عباس يوما بعد العصر حتى غربت الشمس، و بدت النجوم، و جعل الناس يقولون الصلاة الصلاة. قال فجاء رجل لا يفتر

____________

(1) مسلم ج 5 ص 215 شرح النووي.

(2) المصدر السابق ص 216.

(3) موطأ مالك ج 1: 291 شرح الزرقاني.

(4) المصدر السابق.

(5) سنن أبي داود ج 1: 277.

(6) صحيح مسلم 5: 217.

371

و لا ينثني فقال: الصلاة الصلاة. فقال ابن عباس: أ تعلمني بالسنة لا أم لك؟! ثم قال: رأيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جمع بين الظهر و العصر و المغرب و العشاء.

و قال عبد اللّه بن شقيق فحاك من ذلك في صدري شي‏ء فأتيت أبا هريرة فسألته فصدق مقالته‏ (1).

و في رواية أخرى قال رجل لابن عباس: الصلاة فسكت ثم قال: الصلاة فسكت، ثم قال: الصلاة، فسكت، ثم قال ابن عباس: لا أم لك أ تعلمنا بالصلاة؟! كنا نجمع بين الصلاتين على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)(2) أخرجه مسلم من طريق عبد اللّه بن شقيق.

و أخرج البخاري عن سهل بن حنيف قال سمعت أبا أمامة يقول: صلينا مع عمر بن عبد العزيز الظهر ثم خرجنا حتى دخلنا على أنس بن مالك فوجدناه يصلي العصر، فقلت يا عم ما هذه الصلاة التي صليت؟

قال العصر و هذه صلاة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) التي كنا نصلي معه‏ (3).

و أخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: خرج علينا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فكان يؤخر الظهر، و يعجل العصر، فيجمع بينهما، و يؤخر المغرب و يعجل العشاء، و يجمع بينهما (4).

و عن أبي الشعثاء أن ابن عباس صلى بالبصرة الظهر و العصر ليس بينهما شي‏ء، و المغرب و العشاء ليس بينهما شي‏ء فعل ذلك من شغل‏ (5).

هذه الآثار تدل بصراحة على جواز الجمع بين الصلاتين و أنه مشروع و علة تشريعه هي التوسعة على الأمة و عدم إحراجها بسبب التفريق.

و هذه الآثار منها ما يدل على الجواز في السفر و منها ما هو مطلق لا يختص‏

____________

(1) المصدر السابق.

(2) المصدر السابق 218.

(3) البخاري 1: 137.

(4) نيل الأوطار 3: 217.

(5) شرح الموطأ للزرقاني 1: 294.

372

بمورد، و هذا يدل على ما نقوله و أن تأويلها على خلاف ذلك أو حملها على شي‏ء غيره أمر لا يتفق مع الواقع و قد تقدم ذلك فيما ذكره النووي.

و الأحاديث الواردة في جواز الجمع متفق على صحتها، و لزوم الأخذ بها و إن كان البخاري قد أهمل الكثير منها، فذلك لا يضر بعد أن كان تخريجها على شرطه.

و كيف كان فإن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شرع ذلك لئلا يحرج أمته، كما نطقت به الأخبار السابقة و ورد ذلك عن أهل البيت (عليهم السلام).

قال الإمام الصادق (عليه السلام): إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) جمع بين الظهر و العصر بأذان و إقامتين، و جمع بن المغرب و العشاء في الحضر من غير علة بأذان واحد و إقامتين.

و عنه (عليه السلام) قال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صلى الظهر و العصر في مكان واحد من غير علة و لا سفر، فقال له عمر: أحدث في الصلاة شي‏ء؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا و لكن أردت أن أوسع على أمتي.

و عنه (عليه السلام) قال: صلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالناس الظهر و العصر حين زالت الشمس في جماعة من غير علة و صلى بهم المغرب و العشاء الآخرة قبل سقوط الشفق من غير علة في جماعة، و إنما فعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ليتسع الوقت على أمته‏ (1) إلى غير ذلك من الأخبار الواردة في الباب.

و على أي حال: فإن المتتبع المنصف لا يجد دليلا على منع الجمع في الحضر من غير عذر، و إنما كانت هناك تأويلات و ظنون، أو حمل للأخبار على غير مؤداها.

و قد جمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في حال العذر كما جمع في حال عدمه لئلا يحرج أمته، و قد وردت عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) سنة صحيحة صريحة، و نطق الكتاب به كقوله تعالى: أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كانَ مَشْهُوداً كما تقدم بيانه في كلمة الرازي السابقة و عليه جمع من المفسرين.

و قد أخذ الشيعة بتلك النصوص الصريحة فجوزوا الجمع، و وافقهم جمع من علماء المسلمين، و لا خلاف بينهم بأن التفريق أفضل.

____________

(1) انظر الوسائل ج 5: 277 طبع مصر.

373

و الذي يظهر من مجموع الأقوال و موارد الخلاف أن المراد بالجمع بين الصلاتين هو إيقاعهما في وقت واحد تقديما أو تأخيرا من غير وقوع شي‏ء بينهما من نافلة و أوراد مستحبة.

و إذا نظرنا بعين الواقع فإن عمل أكثر الشيعة يقع على جهة التفريق من حيث الالتزام بالنوافل، و أداء المستحبات، و بذلك تقع الصلاة في وقت الفضيلة، و يحصل التفريق. و سنوضح ذلك إن شاء اللّه في بيان أوقات الصلاة في الأبحاث الفقهية المستقلة عن هذا الكتاب.

و لنقف عند هذا الحد من البحث في موضوع الفقه، لأننا قد آثرنا أن نبرز كتابا مستقلا في الفقه الإسلامي، و نستعرض فيه آراء علماء المذاهب الإسلامية في جميع أبواب الفقه، من عبادات، و معاملات و غير ذلك. و لعل ما نقوم به في البحث حول موضوع الفقه الإسلامي، و التعرض لآراء علماء المذاهب هو أعظم خدمة للأمة الإسلامية، من حيث التقارب و التفاهم في أمر لا بد و أن يكشف الخلاف حوله للوقوف على الحقيقة التي احتجبت وراء سحب النعرات الطائفية، و حملات المعادين للشيعة ممن هدد منهج الشيعة مصالحهم و أغراضهم.

و لا أقول بأن ما قمت به الآن أو أقوم به فيما بعد- إن شاء اللّه- قد انفردت به:

أو أنني السابق لسد تلك الثغرة، بل أنا أحد من ساهم في هذه الخدمة، و قد سبق إلى ذلك رجالنا من علماء الدين، ممن لهم السبق في معالجة مشاكل الخلافات الطائفية، و ممن أوقفوا أنفسهم لخدمة المسلمين، فألفوا كتبا في الفقه المقارن قديما و حديثا.

و نحن نأمل أن يتسع هذا المجال و أن لا يستغل الفقه لطائفة دون أخرى و أن يدرس هذا الموضوع بعناية خاصة، بجميع نواحيه، لنصل إلى نتائج مثمرة، تعود على الأمة بالنفع الكثير من حيث التقارب و التفاهم، و أن يعطي الدارس لنفسه حرية الرأي، و الابتعاد عن نزعات الطائفية، و مرديات التعصب.

و إن الفقه الشيعي الذي يستند إلى كتاب اللّه و سنة رسوله، و يستمد من ينبوع أهل البيت الذين هم عدل القرآن، و ورثة صاحب الرسالة، قد أهمله كثير من الكتاب‏

374

غير المنصفين، و منهم من حكم عليه بأحكام خاطئة، مما يدل على الجهل الناشى‏ء من عدم الاطلاع على مصادر الفقه الشيعي، أو الاكتفاء بالاطلاع على مصادر خصومهم، من دون تحري الصدق فيما يجدونه في كتب الخصوم، تحريا دقيقا يوصلهم إلى الحقيقة ذاتها.

و قد تعرضنا فيما سبق إلى بعض الأحكام الجائرة التي حكموا بها على الشيعة، سواء في عقائدهم، أو فقههم، مما لا يستند إلى أدلة أو شواهد نقلية جديرة بالثقة، و قد تداول بعض الناس ذلك دون أن يسائلوا أنفسهم عن صحتها أو خطئها. و ما الفائدة من التجافي عن العدل و إغفال الأمانة و إهمال روابط الإخاء فليس عن ضعف يصدر القول منا في إهمال أو إغفال الفقه الشيعي، فكل ما يتصل بالشيعة فقها و تاريخا واجه ما هو أعظم من الإهمال و الإغفال، فليس وراء الحرب و استهداف القضاء على وجود الشيعة من قبل الحكام و المتسلطين وسيلة أشد و أبلغ، و كلنا ندعو- رعاية للعلم و حرصا على عطاء أمة الإسلام- شباب المسلمين أن يلقوا نظرة على الفقه الشيعي و يحكموا بأنفسهم على ما تضمه أصولهم و مصادرهم، و أن ينزعوا قيود التقليد و التأثر بمواقف آخرين وقعوا في فخ التفرقة و التعصب دون أن يدركوا ما ذا يعني إهمال ثروة من العلم و كنوز من المعرفة و ذخيرة من الحكم تنبع كلها من ينبوع الرسالة. فلقد كان رجال الشيعة أسبق الناس عملا لنصرة الحق و حرية العقول و الحضّ على العطاء.

و نأمل أن لا تكون خطوة وحيدة لا أخت لها تلك التي أقدمت عليها حكومة مصر، فأخذت من الفقه الجعفري أحكاما و أدخلتها في قانون الأحوال الشخصية، كما أن طبع كتاب (المختصر النافع) و هو من كتب فقه الشيعة، من قبل وزارة الأوقاف المصرية يحيي الأمل في إدانة سياسة الحكّام الأقدمين الذين سنّوا سنّة سيئة بمحاربتهم الفقه الشيعي.

و لا تعجب إذا قلت إن شيخ السلفية و التعصب أخذ ببعض آراء الشيعة و أحكامهم، و يبدو أنها كانت بادرة وعي قصيرة الأمد.

و لعل في هذا البيان من ذكر اختلاف الآراء و كثرة الأقوال التي تعرضنا لها في الموضوع يسهل على من يستوعبها أن يتبين انحراف من صوّر الفقه الشيعي في غير

375

صورته الواقعية و أبرزه على خلاف أغراضه و مبانيه، و ما ذلك إلا من جراء التعصب الأعمى.

و لسنا نشك بأن الحقيقة ستنكشف على نحو لا يقبل الدجل و التمويه، و ذلك لما نلمسه من الوعي الإسلامي، و الشعور المتزائد بوجوب تدارك خطر الفرقة، و أضرار التعصب الطائفي، و إن ذلك الركام الذي حجب الحقيقة أخذ ينهار يوما بعد آخر، و يندك ساعة بعد ساعة.

إن تلك الأقوال التي أطلقها أصحابها حول الشيعة من دون قيد أو شرط لم تكن صادرة عن تفكير و تدبر، بل أطلقها متحيز غير منصف، أو جامد لا يتمتع بحرية الرأي بل هو آلة صماء تتحرك في حيز محدود من غير أن يكون لها دافع أو ضابط من عقل، و ذوق سليم.

و لا أشك بأن أكثر المنحرفين عن الواقع قد سلكوا في أبحاثهم، طريق التقليد للمستشرقين الذين هم دعاة الفرقة، و خدمة الاستعمار و أبطال معركة الخلاف، و هم كما يقول الدكتور أبو الوفاء التفتازاني:

و كان من بين العوامل التي أدت إلى عدم إنصاف الشيعة أيضا أن الاستعمار الغربي أراد في عصرنا هذا أن يوسع هوة الخلاف بين السنة و الشيعة، و بذلك تصاب الأمة الإسلامية بداء الفرقة و الانقسام، فأوحى إلى بعض المستشرقين من رجاله بتوخي هذا الغرض باسم البحث الأكاديمي الحر، و مما يؤسف له أشد الأسف أن بعض الباحثين من المسلمين في العصر الحاضر تابع أولئك المستشرقين في آرائهم دون أن يتفطن إلى حقيقة مراميهم‏ (1).

و قد تعرضت في الجزء الخامس لبعض ما يتعلق بآراء بعض المستشرقين و نواياهم السيئة و لهذا آثرت أن أعود- و العود أحمد- إلى البحث عن نهجهم في دراساتهم لأنهم قد دسوا السم بالعسل و لقنوا كثيرا من كتّابنا ما يكدر صفو الإخوة الإسلامية.

____________

(1) انظر مقدمة وسائل الشيعة ج 3 طبع مصر.

376

أهم المراجع:

إن الكتب الفقهية التي اعتمدنا عليها في نقل الأقوال- في هذا الجزء و في الجزء الخامس- كثيرة لا يمكن حصرها و نحن نشير إلى الأهم منها:

[مصادر الجمهور:]

1- المهذب لأبي إسحاق الشيرازي الشافعي- مطبعة الحلبي.

2- شرح موطأ مالك للزرقاني- مطبعة الاستقامة.

3- شرح موطأ مالك للقاضي أبي الوليد الباجي- مطبعة السعادة.

4- غنية المتملي شرح منية المصلي لإبراهيم الحلبي الحنفي- طبع استانبول.

5- الهداية للشيخ علي الفرغاني الحنفي- مطبعة الحلبي.

6- بدائع الصنائع لعلاء الدين أبي بكر الكاساني- مطبعة شركة المطبوعات العلمية سنة 1327- 1328 ه.

7- حاشية ابن عابدين الطبعة الأولى.

8- بداية المجتهد لابن رشد القرطبي المالكي- مطبعة الاستقامة بالقاهرة سنة 1371.

9- المغني لابن قدامة الطبعة الثالثة- مطبعة دار المنار سنة 1367.

10- أحكام القرآن لأبي بكر ابن العربي- مطبعة الحلبي 1376.

11- المبسوط لشمس الدين السرخسي- مطبعة السعادة سنة 1324.

12- شرح صحيح مسلم للنووي- مطبعة حجازي بالقاهرة.

13- شرح العشماوية- المطبعة العلمية سنة 1316.

14- زوائد الكافي و المحرر على المقنع لعبد الرحمن بن عيدان الحنبلي المطبوع بدمشق.

15- مختصر خليل في الفقه المالكي- مطبعة محمد علي صبيح سنة 1346.

16- ضوء الشمس للسيد محمد أبو الهدى الرفاعي الحنفي المطبوع سنة 1301.

17- نيل الأوطار لمحمد بن علي الشوكاني- الطبعة الأولى سنة 1357.

18- المحلى لعلي بن حزم الأندلسي- إدارة الطباعة المنيرية بمصر.

19- غاية المنتهى للشيخ مرعي بن يوسف الحنبلي- مطبعة دار السلام بدمشق.

377

20- التنقيح المشبع في تحرير أحكام المقنع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي الحنبلي- المطبعة السلفية.

21- الروض الندي في شرح كافي المبتدي لمفتي الحنابلة بدمشق أحمد بن عبد اللّه البعلي- المطبعة السلفية.

22- السراج الوهاج في شرح متن المنهاج للشيخ محمد الزهري طبع مصر سنة 1352.

23- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج شرح الشيخ محمد الشربيني الشافعي- مطبعة مصطفى البابي 1377 ه.

24- نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج لأحمد بن حمزة الرملي الشهير بالشافعي الصغير- مطبعة الحلبي 1357.

25- الجوهر النقي في الرد على البيهقي لعلاء الدين علي بن عثمان بن إبراهيم المارديني الشهير بابن التركمان الحنفي.

26- شرح المواهب اللدنية لمحمد بن عبد الباقي الزرقاني.

27- الهادي أو عمدة الحازم في المسائل الزوائد عن مختصر أبي القاسم لابن قدامة.

و غيرها من كتب الحديث و الفقه كالصحاح و كتب السنن مما لا يسعنا ذكره كمدونة مالك، و الأم للشافعي، و مختصر المزني، و المجموع للنووي و الوجيز للغزالي و شرحه، و منهاج الطالبين و ما يتعلق به من شروح، و ملتقى الأبحر، و مراقي الفلاح و غير ذلك و قد أشرنا للبعض منها في هامش الصفحات.

المصادر الشيعية:

أما مصادرنا في البحث عن فقه الشيعة فهي من الكثرة بمكان و لا يمكن عدها هنا و لكن أهمها هي:

1- شرائع الإسلام للشيخ المحقق أبو القاسم الحلي المتوفى سنة 676.

2- المعتبر له (رحمه اللّه) طبع إيران.

3- المختصر النافع له طبع مصر نشرته وزارة الأوقاف بمصر.

4- الخلاف لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي المتوفى سنة 460 ه.

378

5- الانتصار لعلم الهدى الشريف المرتضى المتوفى سنة 436 ه.

6- كشف الغطا: للشيخ الأكبر الشيخ جعفر الكبير المتوفى سنة 1228 ه.

7- وسائل الشيعة: للمحدث الشهير الحر العاملي المتوفى سنة 1104 (1).

8- جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام للشيخ المحقق الشيخ محمد حسن النجفي المتوفى سنة 1266 (2).

9- الحدائق الناضرة في أحكام العترة الطاهرة للفقيه المحدث الشيخ يوسف البحراني المتوفى سنة 1186 (3).

10- تذكرة الفقهاء للشيخ جمال الدين الشهير بالعلامة الحلي المتوفى سنة 726 (4).

11- تبصرة المتعلمين له تغمده اللّه برحمته.

12- اللمعة الدمشقية للشهيد الأول و شرحها للشهيد الثاني المتوفى سنة 786 ه.

13- الوسيلة لعماد الدين محمد بن علي بن محمد بن حمزة الطوسي من أعيان القرن الخامس.

14- رياض المسائل في بيان الأحكام بالدلائل للحجة السيد علي الطباطبائي طبع إيران.

15- نكت النهاية لأبي القاسم جعفر بن سعيد الحلي.

16- مستمسك العروة الوثقى للإمام الحكيم دام ظله.

17- منهاج الصالحين له أيضا.

18- الغنية لعز الدين حمزة بن علي بن زهرة الحلبي- طبع إيران.

19- النهاية لشيخ الطائفة أبي جعفر الطوسي- طبع إيران.

و غير هذه الكتب التي لا نستطيع تعدادها الآن.

____________

(1) يقع الكتاب في أكثر من عشرين مجلدا و قد أعيد طبعه في مصر و لم ينته.

(2) يقع في أكثر من أربعين مجلدا و قد أعيد طبعه في النجف الأشرف- مطبعة النجف.

(3) يقع في أكثر من عشرين مجلدا و قد أعيد طبعه في النجف الأشرف- مطبعة النجف.

(4) طبع في إيران في مجلدين و أعيد طبعه في النجف في عدة أجزاء- مطبعة النجف.

379

كتّاب و مؤلّفون‏

لا تمر فترة من الزمن إلا و يطالعنا كتاب يحمل بين طياته أفكارا هدامة لكيان المجتمع الإسلامي بعبارات مسمومة و وخزات مؤلمة و حملات ظالمة و أقوال فارغة لا تقف أمام الواقع إلا كما يقف الرماد إذا اشتدت به الريح.

و لقد تطرقت لهذا الموضوع أكثر من مرة و قضيت وقتا طويلا أتصفح تلك الصفحات التي سودت بمداد الحقد و رقمت بأقلام شط بأصحابها سوء التفكير عن الخط الذي يجب أن تسير عليه لخدمة الأمة و صالح المجموع.

كنت أفكر في الأسباب التي دعت لهذه التهجمات و أتعرف على الوسائل المبررة لما يرتكبه هؤلاء الكتاب من سوء الصنع مع إخوان لهم في الدين يقرون للّه بالوحدانية و لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالرسالة و يؤدون فرائض الإسلام و هم مائة مليون أو يزيدون.

و قد قلت: إن مهمة المؤرخ عن الشيعة هي أشد صعوبة من مهمة من يؤرخ لغيرهم من طوائف المسلمين، لوجود عوامل و عقبات يجب أن يجتازها المؤرخ بنفسه، لا أن يقطعها على أجنحة التقليد و الاتباع بدون معرفة و تدبر.

و إن انفصال الشيعة عن الدولة القائمة آنذاك، و عدم مؤازرتها هو السبب الوحيد لكل ما علق بهذه الطائفة من عيوب هم براء منها، حتى تحامى الناس الميل إليهم، فكانت التهم تكال جزافا.

و أصبح بحكم الظروف القاسية أن تنسب إليهم فرق لا تمت إليهم بصلة، و يلصق بهم أناس لا تربطهم و إياهم روابط الاعتقاد.

و إن من يقف على أسماء الفرق المنسوبة للشيعة يجد هناك أسماء بلا مسميات، أو أشخاصا وهمية، و من الغريب أن تعداد فرق الشيعة لا زال بين المد و الجزر فهي‏

380

تبلغ بالعد إلى عشرين ثم يترقى الأمر و يرتفع العدد إلى أكثر فأكثر حتى يبلغ ثلاثمائة كما ذكرها بعضهم لأنهم يكتبون بدون تثبت و تدبر.

و ما دام الخيال واسعا، و البحث لم يكن على أسس عملية، و الأقوال تطلق بدون قيد فلا يستغرب أن يصل العدد إلى الألف.

و قد وضحنا فيما سبق أخطاء كتّاب الفرق، و ما ارتكبوه من الخلط و الخبط، و إنهم قد تعصبوا تعصبا دفعهم إلى ارتكاب ما لا يغتفر لهم في حق الأمة، مما خلفوه للأجيال من تلك الافتعالات، و ما أثبتوه من خرافات، و ما جنوه من أخطاء في تشويه الحقائق بدافع من الميول و التعصب و الاتجاه في الأبحاث على غير ما تقتضيه الأصول و القواعد.

و لقد كان لتحوير الحقائق، و التلاعب بالنصوص التاريخية، دور فعال في بث روح البغضاء بين طوائف المسلمين، مما أدى إلى تفكك أوصال ذلك المجتمع، و قد عاش المسلمون في ظروف ساد فيها القلق، و تركزت فيها عوامل الحقد، فتبدلت الوحدة بالفرقة، و الاخاء بالعداء، و الوصل بالقطيعة.

فيجب علينا أن نتساءل عن الفائدة التي حصلنا عليها من هذه الفرقة كما يجب أن نتساءل عن عواملها و أسباب اتساعها، و ننظر بواقعية إلى تلك الأضرار الناجمة عن ذلك التباعد، و هناك يتضح لنا الطريق إلى الحول الجذرية التي يجب أن تتخذ لرفع تلك الآثار السيئة التي خلفها سوء الفهم، و عدم الخضوع للواقع.

و على أي حال فإن كثيرا من الكتّاب و المؤلفين قد تعرضوا للبحث عن تاريخ الشيعة من حيث عقائدهم، أو آدابهم، أو تاريخ نشأتهم، أو غير ذلك، و لكن بمزيد الأسف- أن الغالب من هؤلاء لم يتجهوا بإخلاص للبحث، أو حرية في الرأي، ليدركوا الأشياء على حقيقتها، و يتركوا وراء ظهورهم رؤيا الخيال المريض، و وحي العاطفة الكاذب ليسلموا من ارتكاب الأخطاء و خيانة أمانة التاريخ، لأن السير على غير منهج العلم السديد يوقع صاحبه في شباك أخطاء تنحرف به عن الواقع.

381

و من المؤسف له أيضا أن أكثر أولئك الكتاب يولعون بتتبع الأساطير و القصص التي لا تثبت صحتها، ليبنوا منها أحكاما كلها أوهام و خيالات، و إسراف في إصدار النتائج و الأحكام بما لا يسيغه العقل و لا يقره الوجدان.

و للإيضاح نضع بين يدي القراء ما أورده الدكتور محمد حسين الذهبي في كتابه التفسير و المفسرون دليلا لما احتج به على وضع الشيعة للحديث، و اتهم جابر بن يزيد الجعفي التابعي الكبير بوضع الحديث و هو قول انفرد به الدكتور لأن جابر قد شهد له أقرانه بفضله. و لما أعوزت الدكتور الحجة استدل بأسطورة من وضع الجاحظ و دعابته.

قال الدكتور: و يعجبني هنا ما ذكره أبو المظفر الأسفراييني في كتابه التبصير في الدين و هو:

إن الروافض- و المقصود بهم الشيعة طبعا- (لما رأوا الجاحظ يتوسع في التصانيف و يصنف لكل فريق، قالت الروافض: صنف لنا كتابا، فقال لهم: لست أدري لكم شبهة حتى ارتبها و أتصرف فيها، فقالوا له: إذا دلنا على شي‏ء نتمسك به.

فقال لا أرى لكم وجها إلا أنكم إذا أردتم أن تقولوا شيئا تزعمونه تقولون إنه قول جعفر بن محمد الصادق، لا أعرف لكم سببا تستندون إليه إلى غير هذا الكلام ...

فتمسكوا بحقهم و غباوتهم بهذه السوأة التي دلهم عليها، فكلما أرادوا أن يختلقوا بدعة، أو يخترعوا بدعة نسبوا إلى ذلك السيد الصادق، و هو عنها منزه، و من مقالتهم في الدارين بري‏ء) (1).

هذه هي الأضحوكة التي أعجب بها الدكتور أو الكاتب أو أستاذ علوم القرآن و الحديث أو الأستاذ بكلية الشريعة بالأزهر الشريف.

لقد أعجب الأستاذ بما نقله نتيجة لقوة إدراكه، و اتساع تتبعه، حتى جاءنا بما لا يتناوله الشك، و لا يهبط إلى مستوى النقد!! و ما عشت أراك الدهر عجبا، لقد بلغت الحالة في الأبحاث العلمية إلى هذا

____________

(1) التفسير و المفسرون ج 2 ص 39.

382

المستوى الشائن و هل هذا إلا لغة الماجن العاجز، الذي لا يستطيع أن يدعم قوله بحجة منطقية، و أدلة عقيلة؛ و قد كشف الدكتور الشيخ عن مستوى مداركه و أعلن عن براعته و معلوماته.

و قبل أن أناقش الدكتور- مرغما- أود أن أذكر استشهادا آخر بأساطير الجاحظ و دعابته لمؤلف أراد أن يدعم قوله بما ذكره من الأسطورة و لعله أعجب بذلك كما أعجب الدكتور الذهبي.

هذا الأستاذ عبد الحسيب طه حميدة المدرس في كلية اللغة العربية يذكر في كتابه (أدب الشيعة)- مستدلا على أن التشيع أصبح بغيضا إلى النفس و سبيلا إلى السخرية و التهكم- يقول الأستاذ نقلا عن الجاحظ: كان معنا شيخ شرس الأخلاق، طويل الأطراف، و كان إذا ذكر له الشيعة غضب و أربد وجهه و زوى عن حاجبه.

قال الجاحظ: فقلت له يوما: ما الذي تكرهه من الشيعة؟! فإني رأيتك إذا ذكروا غضبت، و قبضت، فقال: (ما أكره فيهم إلا هذه الشين في أول اسمهم فإني لم أجدها قط إلا في كل شر، و شؤم، و شيطان و شغب) ووو .... الخ.

قال أبو عثمان: فما ثبت بعدها لشيعي قائمة (1). هذا ما ذكر الأستاذ حميدة.

و لست أدري هل حاسب الأستاذ نفسه عن مؤدى هذه السخافة و ما هو مورد ذكر هذه الدعابة في موضوع بحث الأدب.

و لا أستبعد أن الأستاذ المؤلف قد أثارت بنفسه هذه الأسطورة من الاشمئزاز و البغض ما جعله يخرج عن ميزان الاعتدال في كثير من أبحاثه حول الشيعة، و لئن أودع هذا الشي‏ء في نفسه ما أودعه في قلب ذلك الشيخ الشرس فلما ذا لم تنشرح نفس الأستاذ لما في هذا الشين من صفات: الشرف و الشهامة، و الشجاعة و الشهادة و الشفاء و الشفاعة و. و. و.

و أنت تستطيع أيها القارئ أن تدرك مدى ما بلغت إليه الحالة من التفكك و الانهيار، و كيف أصبحت الأكاذيب و الأباطيل تحتل مكانا في عقول من نأمل فيهم‏

____________

(1) انظر أدب الشيعة 20- 21.

383

التحرر و الانطلاق من عقال التعصب؟! سواء نظرنا إليهم من زاوية دينية علمية مشفوعة بالشهادة- الدكتوراه- و الزي- العمّة- أو من زاوية المراكز و الألقاب كحميدة، أم أن الدين لم يبق منه إلا الزي، و العلم لم يترك منه الزمن إلا التكسب و الارتزاق؟

و لقد ظل الجهل يغذي تلك الخرافات التي سادت في عصور التطاحن المذهبي و امتد أجلها إلى القرن العشرين و كانت الطائفية تصونها و تحميها و تغذي بها عقول من تعطلت فيهم ملكات التفكير فساروا وراء دعاتها سير الأغنام.

و إن أمثال هذه الأقاويل لها أثر في السيطرة على عقول السذج من الناس يوم كان الصراع محتدما، و الفتنة ترمي بشررها كانت مدرسة الإمام الصادق (عليه السلام) تشق طريقها بقوتها الروحية، و تجتاز مرحلة بعد أخرى في الانتشار، و لم يستطع أي أحد أن ينسب للإمام الصادق (عليه السلام) ما يشين بسمعته فهو الصادق في لهجته- حتى لقب بذلك- القوي في حجته حتى خضع له كل معاند، و كان المنتمون إليه هم حملة الحديث و أوعية العلم.

و لكن خصومه جاءوا من طريق حاولوا فيه الوصول إلى الطعن فيه عبر النيل من أتباعه ليشوهوا سمعة هذه المدرسة، فقالوا إن الإمام الصادق مكذوب عليه، و روجوا ذلك بدعايات و دعابات و سخافات و أساطير و تقولات و أكاذيب ليصرفوا الوقائع عن وجهتها و يشوهوا الحقائق ليطعنوا في أصحاب الإمام الصادق و شيعته، إذا أعجزهم علم الصادق و تقواه كما أعجزتهم عقيدة الشيعة و متانة أصولها.

و قد مر بنا في الجزء الرابع من الكتاب كيف كان الغلاة يدعون حب أهل البيت و هم يخفون أغراضهم و يضعون الأحاديث و يكذبون على الإمام الصادق و هو يتبرأ منهم و يشن حملته عليهم.

كما اشتهر جماعة كعمر و النبطي باختصاصهم بوضع الأحاديث على الإمام الصادق، و تحفظ لنا التراجم و السير اسم أحد الضعفاء في الحديث و قيل: فيه اجتمعت كل عيوب الضعفاء و كان اسمه جعفر بن محمد، و هو مولى يروي عن المجاهيل، جاز على ضعفة العقول أو اتخذه ضعفاء الإيمان وسيلة للطعن، و لعل الأستاذ الذهبي أراد أن يلعب ذلك الدور، فبادر لنقل هذه الأكذوبة ليكون لها أثر في نفوس من لا حصانة لها عن تقبل الأكاذيب و التأثر بالدعايات الساقطة.

384

و صفوة القول إن كثيرا من الكتاب الذين تطالعنا كتبهم بين آونة و أخرى و هي تحمل تلك الأفكار التي تضر بصالح المسلمين، و تهدم وحدتهم لا يشعرون بالأضرار الناجمة من وراء ما يكتبون من أمور لا تستند إلى أدلة أو شواهد جديرة بالثقة، و قد أثبتوا أشياء دون أن يسائلوا أنفسهم عن صحتها أو خطئها، لأنهم لم يتجردوا عن التعصب الطائفي و الهوى المذهبي.

كما أنهم قد استعذبوا ما كتبه المستشرقون فأعجبوا بذلك الأسلوب الساحر، و اعتقدوا بصحة ما يكتبون فحملوا و نقلوا بدون تفكير و تمحيص.

و مما لا جدال فيه أن المستشرقين أصحاب هوى يصدرون أحكامهم عن عصبية و تحامل على الإسلام، و هم يتبعون الشاذ من الروايات التي أخطأ فيها بعض الرواة، أو الذي تعمده الوضاعون، مما أوضحه علماء الإسلام، فجعلوا من هذا الشاذ المنكر أصلا يبنون عليه قواعدهم، التي افتعلوها و نسبوها للإسلام و علماء الإسلام و هم يغمضون أعينهم عن الحقائق.

يقول الأستاذ مالك بن نبي: و إنه لما يثير العجب أن نرى كثيرين من الشباب المسلم المثقف، يتلقون اليوم معتقداتهم الدينية، و أحيانا دوافعهم الروحية نفسها من خلال كتابات المتخصصين الأوروبيين‏ (1).

و يقول الأستاذ السباعي: و من المؤلم أن طلاب العالم الإسلامي الذين يدرسون باللغة الإنجليزية في بلادهم لا يزالون مضطرين إلى دخول الجامعات الإنجليزية، فلا يجد طلاب الدراسات الإسلامية أمامهم مراجع لدراساتهم التي ينالون بها الدكتوراه غير تلك المراجع المسمومة و هم لا يعرفون اللغة العربية فتقرر عندهم أن تلك الدسائس مأخوذة من كتب الفقهاء و العلماء المسلمين أنفسهم‏ (2).

و قد أوضحت فيما سبق أن الآراء التي ذهب إليها بعض الكتاب للطعن على الشيعة ليست من وحي أفكارهم و لا نتيجة لتتبعهم و إنما هي من مفتريات المستشرقين و افتعالاتهم و بالأخص ما كتبه أحمد أمين و هو كما يصفه الأستاذ فتحي عثمان: بأنه ضالع في الدراسات الغربية ترجم عن كتابات الغربيين ترجمة مباشرة، و صنف جامعا

____________

(1) انظر الظاهرة القرآنية ص 19.

(2) كتاب السنة 28.

385

لآرائهم المتناثرة- بعد أن هضمها- بين دفتي مؤلف واحد، و بلسان عربي مبين، و قد رجع لدراسات المستشرقين في عيون إنتاجه فجر الإسلام و ضحاه و ظهره!!! و الأستاذ أحمد يحق له أن ينعى على الاقتصار على النقل و القصور في التعليق و إبراز الرأي الشخصي، فقد جرى- (رحمه اللّه)- في مؤلفاته على أن يمتص ما يقرأ ثم يعرضه بأسلوبه و منطقه لاحما بين النقل و النقد، غير زاخم للكتاب بأرقام الحواشي، و تتابع النصوص، و الاقتباسات مكتفيا بإيراد ما رجع إليه من كتب في آخر الباب جملة مستغنيا بذلك عن إيضاح ما رجع إليه صفحة صفحة و فقرة فقرة (1).

هذا ما يقوله الأستاذ فتحي عثمان و نحن نزيد و لا نبعد عن الواقع إن قلنا: إن المتتبع لما كتبه أحمد أمين لا يخالطه شك بأن الرجل مترجم للرأي و ناقل لآراء المستشرقين بدون أن ينسبها إليهم بصراحة على أنها بحث من عنده و يلبسها ثوبا رقيقا و بدون ريب إنه كان مقلدا للغربيين في آرائه و ناقلا لأقوالهم كأنها له دونهم و أن جميع ما كتبه حول الشيعة إنما هو للمستشرق (ولهوسن) و (دوزي) و غيرهما من المستشرقين الحاقدين على الإسلام و ليس له إلا النقل و المشاركة في الخطأ.

و مما يؤيد ذلك ما نقله السباعي: بأن الأستاذ أحمد أمين قال للدكتور علي حسن عبد القادر- و هو الذي أثيرت حوله الضجة-: بأن الأزهر لا يقبل الآراء العلمية الحرة، فخير طريقة لبث ما تراه مناسبا من أقوال المستشرقين أ لا تنسبها إليهم بصراحة و لكن ادفعها إليهم على أنها بحث منك و ألبسها ثوبا رقيقا لا يزعجهم مسها كما فعلت أنا في فجر الإسلام و ضحى الإسلام‏ (2).

و كيف كان فإن أكثر المستشرقين لم تتحرر عقليتهم من نظرة التعصب و يتوسلون بفروض و همية ليصلوا إلى تشويه الحقائق العلمية و تتجلى من خلال سطور ما يكتبونه عن الإسلام و بني الإسلام روح العداء المستحكم للدين الإسلامي و هذه الروح العدائية للإسلام و المسلمين بقية من بقايا العداء الصليبي.

و هؤلاء كما يصفهم المستشرق النمساوي بقوله: إن أبرز المستشرقين‏

____________

(1) انظر أضواء على التاريخ الإسلامي- 174.

(2) السنة للسباعي 214.

386

الأوروبيين جعلوا من أنفسهم فريسة التحزب غير العلمي، في كتاباتهم عن الإسلام و يظهر في جميع بحوثهم كما لو أن الإسلام لا يمكن أن يعالج على أنه موضوع بحث في البحث العلمي، بل أنه متهم يقف أمام قضاته!! و إن بعض المستشرقين يمثلون دور المدعي العام الذي يحاول إثبات الجريمة و بعضهم يقوم مقام المحامي فهو مع اقتناعه شخصيا بإجرام موكله، لا يستطيع أكثر من أن يطلب له مع شي‏ء من الفتور اعتبار الأسباب المخففة (1).

و حيث كانوا هم الداء الفاتك و علة العلل في تغذية روح العداء في العصر الحاضر رأيت أن أعود للبحث عنهم.

من هم المستشرقون؟؟

المستشرقون قوم من أوروبا نسبوا أنفسهم إلى العلم و البحث، و شغلوها في أغلب الأحيان بالبحث في التاريخ و الدين و الاجتماع، و لكل منهم لغته الأصلية التي رضع لبانها من أمه و أبيه، و مجتمعه، و بيئته، فصارت له «اللغة الأم» كما يعبرون فهو يغار عليها و يتأثر بها و يستجيب لموحياتها، و لكن المستشرقين تعلموا اللغة العربية بجوار لغاتهم الأصلية، و مع أن كثيرين منهم قضوا شطرا كبيرا من تعلم العربية و في القراءة بها، و عاشوا في أوساط عربية ردحا من الزمن، نلاحظ أن نطقهم بالعربية لم يخل من لكنة و رطانة، و كذلك حين يكتبون بها فما تكاد تسمع المستشرق أو تقرأ له حتى تحس من نبرات صوته أو طريقة كتابته أنه دخيل في العربية طارئ عليها، و أن العربية عنده لغة ثانية لا تسري أصولها و روحها في عقله أو وجدانه أو شعوره كما تجري لغته الأصلية «اللغة الأم».

و من هنا كان طبيعيا أن نجد هؤلاء المستشرقين لا يجيدون فهم النصوص العربية فقد يفوتهم عند مطالعتها الكثير من مجازاتها و استعاراتها و خصائصها الأسلوبية و المعنوية، و نجد بعضهم أحيانا يفهم النص العربي فهما مضحكا، و لعل هذا من الأسباب التي جعلت هؤلاء يفسرون تلك النصوص العربية تفسيرا مضحكا كذلك أو يصدرون عليها أحكاما مضحكة كذلك.

____________

(1) الإسلام على مفترق الطرق.

387

و الاستشراق لم ينشأ اعتباطا و لا مصادفة بل أغلب الظن أنه نشأ حسب خطة موضوعة، فإن الغرب قد انتهز الفرصة حينما رأى الشرق غارقا في خلافاته و فتنه و اضطراباته، فأقبل عليه بخيله و رجله يحمل دياره، و يستعبد أهله و يستثمر خيراته و طاقاته، و يستبد بثمراته و بركاته، و يشوه معالم عقائده و مبادئه، و خصائص أهله، و كان المسيّر لهذا الاحتلال و الاستبداد هو الأحقاد الدينية، و الثارات الصليبية، و الضغائن الغربية العميقة الجذور ضد الإسلام و العرب ...

و تراهم يولعون بتناول مواطن خاصة، ينالون فيها من الإسلام، و يعرضون به، كما يولعون بتتبع الأساطير و القصص التي لا تثبت صحتها، ليبنوا منها أحكاما كلها أوهام و خيالات و إسراف في إصدار النتائج و الأحكام.

و يولعون بتصوير الإسلام في صورة الدين الجامد الذي لا يصلح للتطور أو التجديد، و من كيدهم في هذا الباب أنهم يحكمون دائما على الإسلام من واقع المسلمين فهم لا يصورون الإسلام من منابعه و مصادره، بل يصورونه من واقع المسلمين السيئ، و هم بطبيعة الحال يختارون البيئات الإسلامية التي نالها الضعف، أو الهزال لهذا السبب أو ذاك و يجعلون هذه البيئات الضعيفة نموذجا للإسلام ... الخ.

هكذا عرفهم الأستاذ أحمد الشرباصي المدرس بالأزهر و الرائد العام لجمعيات الشبان المسلمين‏ (1).

دراسة المستشرقين:

لقد قام المستشرقون بدراسات واسعة حول الإسلام، فنشروا كتبا كثيرة، و توسعوا في الدراسات إلى حد بعيد، و بذلوا جهودا، و لكن أكثرهم- إن لم يكن كلهم- لم يسلم من التحامل على الإسلام، و العداء لأهله، و إن تحقق ذلك في شخص تخلف عن كثيرين.

و لو أنهم كانوا قد جردوا تلك الدراسات عن التحيز و التحامل و التزموا الإنصاف‏

____________

(1) انظر التصوف عند المستشرقين ص 6- 10 العدد 27 من سلسلة الثقافة الإسلامية.

388

في أبحاثهم و لم يندفعوا وراء عواطفهم، و لم يبتغوا غير الحق لذات الحق، لكانت تلك الدراسات نافعة، و جهودهم مشكورة.

لكن دراساتهم لم تكن خالية من التحامل و الطعن، بل تكون في غالب الأحيان عند أكثرهم منصبة على الإسلام بالدس و التقول بالباطل، لأنها لم تكن للعلم من حيث العلم، بل كانت أولا بوحي من الكنيسة الكاثوليكية خاصة، للانتقاص من تعاليم الإسلام و إهدار قيم تعاليمه، حرصا على مذهب «الكثلكة» من جانب و تعويضا عن الهزائم الصليبية في (تحرير بيت المقدس) من جانب آخر.

ثم تبنى الاستعمار الغربي هذه الدراسة في الجامعات العربية نفسها حتى يقوى القائمون بأمرها على تصديرها إلى الشرق الإسلامى ... (1).

و الاستشراق أول ما ظهر بين الرهبان عند ما قامت روما تحاول تنصير العرب، فاعدت لهم الوعاظ علمتهم العربية، و انشأت مدرسة للدعاية سنة 1627 سبقتها مدرسة لليسوعيين و غيرهم، و هذه المدرسة أسسها البابا الثامن، و جعلها مركزا لدراسات اللغات السامية، ثم أنشأ الكاردينال (يورميو) مكتبة (امبروزيانا) تحت إشراف الدكتور جيجو.

و أنشأ الأب ماتوريبا المعهد العالي للغات الشرقية في نابلس سنة 1732. ثم أنشئ المعهد البابوي للغات الشرقية، و ألحقت به مكتبة غنية بالمخطوطات العربية، و تبعه مؤسسة كايتاني و المعهد الشرقي المنشأ في روما سنة 1921 و يتولى نشر مجلة الحديث.

فلا غرو إن كان ظهور الاستشراق أول ما ظهر بين الرهبان‏ (2).

و لقد قام بعضهم بأعمال خطيرة هي أكثر مما تقوم بها الجيوش. فهذا الكاردينال (لافيجري) كما يحدث هو عن نفسه في الجزائر و تونس في رسالة له: أنه قام بأكثر مما يقوم به جيش بأكمله. و لم يكن عمله ذلك لخدمة الديانة المسيحية بل كان لخدمة الاستعم‏ار، و محاولة محو الإسلام من نفوس الجزائريين لأنه هو المؤجج لروح المقاومة فيهم‏ (3).

____________

(1) انظر الفكر الإسلامي الحديث للدكتور محمد البهي ص 5.

(2) انظر أضواء على التاريخ الإسلامي ص 153.

(3) انظر مجلة البينة السنة الأولى العدد 6 ص 30.

389

لقد شوه المستشرقون كثيرا من الحقائق و ادخلوا في التاريخ الإسلامي ما ليس منه، و كانت لهم اليد الطولى في توسعة شقة الخلاف بين طوائف المسلمين بما ينشرونه من دفائن، و يبرزونه من أقوال شاذة، و آراء مقبورة، بأسلوب ماكر خداع، كما أنهم قاموا بنشاط واسع في خدمة الاستعمار، و قد وصفهم الدكتور مصطفى السباعي بأنهم: عملاء الاستعمار، و هم أداة هدم الإسلام، و تشويها لسمعة المسلمين.

و لا بد لنا هنا بأن نترك الموضوع للأدباء و الكتاب ليتحدثوا عن المستشرقين و ما قاموا به من نشاط في محاربة الإسلام، و ما نجم من وراء ذلك و كيف انخدع بهم كثير من الكتاب، و كيف أصبحت كتبهم مصدرا يستمد منه كتّابنا معلوماتهم عما يتعلق بتاريخ الإسلام و ما يتعلق به من بحوث، فلنصغ لحديث الأدباء و الكتّاب ممن تحضرنا كتبهم الآن.

حديث عن المستشرقين:

يقول الأستاذ السباعي: اتضحت لي- عن المستشرقين- الحقائق التالية:

أولا: أن المستشرقين- في جمهورهم- لا يخلو أحدهم من أن يكون قسيسا أو يهوديا و قد يشذ عن ذلك أفراد.

ثانيا: أن الاستشراق في الدول الغربية غير الاستعمارية- كالدول الاسكندينافية أضعف منه عند الدول الاستعمارية.

ثالثا: أن المستشرقين المعاصرين في الدول غير الاستعمارية يتخلون عن (جولد تسهير) و آرائه بعد أن انكشفت أهدافه.

رابعا: أن الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة و في الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة و وزارة الخارجية جنبا إلى جنب يلقى منهما كل تأييد.

رابعا: أن الاستشراق بصورة عامة ينبعث من الكنيسة و في الدول الاستعمارية يسير مع الكنيسة و وزارة الخارجية جنبا إلى جنب يلقى منهما كل تأييد.

خامسا: أن الدول الاستعمارية كبريطانيا و فرنسا ما تزال حريصة على توجيه الاستشراق وجهته التقليدية، من كونه أداة هدم للإسلام، و تشويها لسمعة المسلمين.

ففي فرنسا لا يزال «بلا شير» و «ماسينيون» و هما شيخا المستشرقين في وقتنا الحاضر يعملان في وزارة الخارجية الفرنسية كخبيرين في شئون العرب و المسلمين.

390

و في إنجلترا رأينا- كما ذكرت- أن الاستشراق له مكان محترم في جامعات لندن، و أكسفورد، و كمبردج و أدنبره و جلاسجو و غيرها، و يشرف عليها يهود و إنجليز استعماريون و مبشرون و هم يحرصون على أن تظل مؤلفات جولد سهير، و مرجليوث‏ (1)- ثم شاخت من بعدهما- هي المراجع الأصلية لطلاب الاستشراق من الغربيين، و للراغبين في حمل شهادة الدكتوراه عندهم من العرب و المسلمين، و هم لا يوافقون أبدا على رسالة لطلب الدكتوراه يكون موضوعها إنصاف الإسلام، و كشف دسائس أولئك المستشرقين.

إلى أن يقول:

و من المؤلم أن طلاب العالم الإسلامي الذين يدرسون باللغة الإنجليزية في بلادهم لا يزالون مضطرين إلى دخول الجامعات الإنجليزية، فلا يجد طلاب الدراسات الإسلامية أمامهم مراجع لدراساتهم التي ينالون بها الدكتوراه غير تلك المراجع المسمومة و هم لا يعرفون اللغة العربية، فتقرر عندهم أن تلك الدسائس مأخوذة من كتب الفقهاء و العلماء المسلمين أنفسهم‏ (2).

هذا بعض ما ذكره الدكتور مصطفى السباعي عن حقيقة المستشرقين و قد ذكر أشياء كثيرة ينقم فيها عليهم لسوء ما ارتكبوه في حق المسلمين من تحامل و عداء، و تشويه للحقائق، و تحريف للنصوص، و تأويل للوقائع التاريخية وفق مخطط مرسوم و هدف معين و هو العداء للإسلام ...

و يقول الأستاذ مالك بن نبي‏ (3):

و إنه لمما يثير العجب أن نرى كثيرين من الشباب المسلم المثقف يتلقون اليوم معتقداتهم الدينية، و أحيانا دوافعهم الروحية نفسها من خلال كتابات المتخصصين الأوروبيين. إن الدراسات الإسلامية التي تظهر في أوروبا بأقلام كبار المستشرقين‏

____________

(1) مرجليوث: المتولد سنة 1858 و المتوفى سنة 1940 من أشهر أئمة مستشرقي الإنجليز و كان في المجمع العلمي بدمشق له مؤلفات كثيرة منها عدة رسائل عن الدين و التاريخ الإسلامي.

(2) انظر كتاب السنة 26- 28.

(3) الظاهرة القرآنية 19- 21.

391

واقع لا جدال فيه، و لكن هل يمكن أن نتصور المكانة التي يحتلها هذا الواقع في الحركة الفكرية الحديثة في البلاد الإسلامية؟

إن الأعمال الأدبية لهؤلاء المستشرقين قد بلغت في الواقع درجة خطيرة من الإشعاع لا نكاد نتصورها، و حسبنا دليلا على ذلك أن يضم مجمع اللغة العربية في مصر بين أعضائه عالما فرنسيا، و ربما أمكننا أن ندرك ذلك إذا لاحظنا عدد رسالات الدكتوراه، و طبعة هذه الرسالات التي يقدمها الطلبة السوريون و المصريون كل عام إلى جامعة باريس وحدها. و في هذه الرسالات كلها يصر أساتذة الثقافة العربية في الغد أولئك الذين سيكونون باعثي النهضة الإسلامية يصرون- كما أوجبوا على أنفسهم على ترديد الأفكار التي زكاها أساتذتهم الغربيون.

و عن هذا الطريق أوغل الاستشراق في الحياة العقلية للبلاد الإسلامية محددا لها اتجاهها التاريخي إلى درجة كبيرة.

و أيا ما كان الأمر فإن الشباب المسلم المثقف في بعض ديار الإسلام يرى نفسه مضطرا إلى أن يلجأ إلى مصادر المؤلفين الأجانب خضوعا لمقتضيات عقلية جديدة، و لعله يقدم إلى حد كبير منهجها الوضعي الديكارتي و هناك أيضا قضاة و شيوخ و معممون مدرسون يتذوقون فيها رشاقتها الهندسية.

هذا كله لا غبار عليه لو لم يضم الاستشراق بمناهجه سوى الموضوع العلمي و لكن الهوى السياسي الديني قد كشف عن نفسه بكل أسف في تأليف هؤلاء المتخصصين الأوروبيين في الدراسات الإسلامية برغم أنها تدعو إلى الإعجاب حقا.

فلم يكن الأب لامانس‏ (1) الذي ظل نموذجا للمستشرق الطاعن على الإسلام و رجاله- الحالة الوحيدة التي يمكن أن تلحظ فيها العمل الصامت لتقويض دعائم الإسلام فقد كان لهذا الرجل (الشاطر) فصل في الكشف عن بغضه الشديد للقرآن و لمحمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

____________

(1) هو هنري لامنس اليسوعي 1862- 1937 بلجيكي المولد فرنسي الجنسية من أوائل الجامعة اليسوعية ببيروت تنقل شرقا و غربا ما بين سنة 1891- 1897 فدرس اللاهوت في إنجلترا و تولى إدارة التبشير في بيروت.

له مؤلفات كثيرة: الحكام الثلاثة أبو بكر و عمر و أبو عبيدة و منها كتاب فاطمة بنت محمد (عليه السلام) و السيرة، و موقف الإسلام من الفنون المصورة، و مهد الإسلام و غير ذلك.

392

و يوضح لنا الأمير شكيب ارسلان جانبا مهما من دسائسهم و يحذر المسلمين عن الانخداع بما يكتبون فيقول:

(إنه مما يجدر بأن يطلع عليه الشرقيون و المسلمون خاصة، ما يصدر في أوروبا من الكتابات المتعلقة بهم، و التصانيف الباحثة عن مصيرهم، و المقالات المصورة لأحوالهم و شئونهم بلون مخيلات الكتّاب الذين حرروها، الناطقة عن هوى الأحزاب التي ينتمي هؤلاء الكتّاب إليها، بحيث يعرف منها الشرقي أو المسلم أو المستضعف على أمره كائنا من كان ما ذا يطبخ له في الخفاء و ما ذا يدس بحقه تحت الستار، و ما ذا يدبر عليه بدون علمه، مما لا يطلع عليه إلا في الندرى و مما هو رام إلى إدامة استغلاله) (1).

و في موضع آخر يوضح لنا الأمير صورة عن دراستهم و أنهم: إذا عثروا على حكاية شاذة؛ أو نكتة فاردة في زاوية كتاب قد يكون محرفا سقطوا عليها تهافت الذباب على الحلوى، و جعلوها معيارا و مقياسا- لا بل صيروها محكا يعرضون عليه سائر الحوادث، و يغفلون أو يتغافلون عن الأحوال الخاصة، و الأسباب المستثناة، و يرجع كل هذا التهور إلى قلة الاطلاع في الأصل، هذا إذا لم يشب ذلك سوء قصد، لأن الغربي لم يبرح عدوا للشرقي و رقيبا له و النادر لا يعتد به‏ (2).

و يقول الأستاذ أحمد شاكر- حول نظرة المستشرقين للقرآن-:

فهم (المستشرقون) يرون أن علماء الإسلام، و قراء القرآن كاذبون مفترون اخترعوا هذه الروايات و هذه القراءات توجيها لما يتحمله رسم المصحف تشكيكا منهم في هذا الكتاب المحفوظ بحفظ اللّه و تكذيبا للوعد بحفظه، و بأنه لا يأتيه الباطل من بين يديه و لا من خلفه و ثأرا من المسلمين باتهامهم بالتحريف كما اتهم الذين من قبلهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه إلى أن يقول:

ذلك بأنهم أصحاب هوى، و ذلك بأنهم لا يؤمنون بصدق رسالة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و ذلك بأنهم يؤمنون بأن أصحاب رسول اللّه و تابعيهم من بعدهم لا خلاق لهم،

____________

(1) انظر حاضر العالم الإسلامي ج 1 ص 304.

(2) المصدر السابق ج 1 ص 100.

393

يصدرون عن هوى و عصبية فيظنون فيهم ما في غيرهم من الكذب على الدين، و الجرأة على اللّه و حاشا اللّه.

و ذلك بأنهم- أي المستشرقون- يتبعون الشاذ من الروايات الذي أخطأ فيها بعض رواتها أو الذي كذب فيها بعض الوضاعين، و هما اللذان بينهما علماء الإسلام و خاصة علماء الحديث أدق بيان و أوثقه و أوضحه، فيجعلون هذا الشاذ المنكر أصلا يبنون قواعدهم التي افتعلوها و نسبوها للإسلام و علماء الإسلام، و يدعون الجادة الواضحة وضوح الشمس، و يغمضون عنها أعينهم و يجعلون أصابعهم في آذانهم، ثم يستهوون منا من ضعفت مداركهم، و ضؤول علمهم بقديمهم من المعجبين بهم، و المعظميهم الذين نشئوا في حجورهم و رضعوا من لبانهم، فأخذوا عنهم العلوم حتى علوم الفقه، و القرآن، فكانوا قوما لا يفقهون‏ (1).

و يقول الشيخ محمد زاهد الكوثري حول نظرة المستشرقين للقرآن أيضا:

و نرى في المدة الأخيرة اهتماما خاصا لمستشرقي الغرب بنشر مؤلفات علماء الإسلام الأقدمين مما يتعلق بالقرآن الكريم و علومه، من كتب القراءات و كتب الطبقات، بل يواصلون سعيهم في ذلك، و في نشر ما للأقدمين من المؤلفات في الحديث و الفقه و اللغة، إلى غير ذلك من المشرقيات، و مسعى أغلبيتهم قصدهم لإحياء عهد الصليبيين بطريقة أخرى في الحملات الممتلئة تعصبا و جهلا نحو النور الوضاء، الذي أشرق من القرآن على هذه الكرة المظلمة حتى استنارت بذلك النور الوهاج، فدخل الناس في دين اللّه أفواجا، فتبدلت الأرض.

و غاية هذا الفريق مكشوفة جدا مهما تظاهر بمظهر البحث العلمي البري‏ء كذبا و زورا و خداعا.

و بتلك الإلمامة اليسيرة في تاريخ القرآن الكريم يظهر أن محاولتهم هذه ما هي إلا محاولة خائبة منكوسة، و أنهم لو ابتغوا نفقا في الأرض أو سلما في السماء ليأتوا بما له مساس بكتاب اللّه المنزل على حبيبه المرسل- (صلوات اللّه عليه) و على سائر الأنبياء- من قرب أو بعد لما وجدوا إلى ذلك أدنى سبيل ... الخ‏ (2).

____________

(1) الشرع و اللغة للأستاذ أحمد شاكر ص 26، 28.

(2) مقالات الكوثري ص 17.

394

و يقول الأستاذ عبد الباقي سرور- في حديثه عن المستشرقين و بالأخص المستشرق اليهودي جولد تسهير-: و من الأفق الغربي تأتي حملة أخرى على الروحانية الإسلامية، حملة أشد خبثا و أدهى أسلوبا، حملة سحرت أعين الناس، و جاءت بما يستهوي الأفئدة لأنها تتقنع بالعلم و تتستر بالمعرفة، و تتوارى وراء كلمات براقة خداعة هي حرية البحث أو قداسة العلم!! فرأينا يهوديا هو- جولد تسهير (1)- يكتب عن العقيدة و الشريعة في الإسلام، و يفسر القرآن كما يهوى، و يجرح صحابة الرسول كما يحب، و يخطئهم في فهمهم لدينهم، ثم يبتدع هو ما يشاء تفسيرا لروح القرآن و هدي الرسول، و نهج العقيدة في الإسلام.

إلى أن يقول: و يأتي في أعقاب هذا اليهودي إخوان له خدع بهم الشرق، بل خدعت بهم طائفة غير قليلة من رجال القلم و الفكر عندنا فظنوهم سدنة العلم الإسلامي و حملة مفاتيح كنوزه‏ (2).

و يقول الأستاذ أحمد فارس الشدياق عن المستشرقين و كيفية خبطهم في الأبحاث و خلطهم للأشياء: إن هؤلاء الأساتيذ لم يأخذوا العلم عن شيوخه ... و إنما تطفلوا عليه تطفلا، و توثبوا توثبا، و من تخرج فيه بشي‏ء فإنما تخرج على القسس ...

إذ أدخل رأسه في أضغاث أحلام أو أدخل أضغاث أحلام في رأسه، و توهم أنه يعرف شيئا و هو يجهله، و كل منهم إذا درس في إحدى لغات الشرق أو ترجم شيئا منها تراه يخبط فيها خبط عشواء فما اشتبه عليه منها رقعه من عنده بما شاء و ما كان بين الشبهة و اليقين حدس فيه و خمن فرجح منه المرجوح و فضل المفضول‏ (3).

و يصف الأستاذ قدري حافظ طوقان تحامل المستشرقين على العرب خاصة بقوله:

____________

(1) جولد تسهير هو من أسرة يهودية ولد سنة 1850 في بلاد المجر و توفي سنة 1921- 13 نوفمبر و سافر إلى الشرق سنة 1873 و دخل القاهرة فأقام بها مدة و له مؤلفات منها: الجدل عند الشيعة، و العقيدة و الشرعية في الإسلام و مذاهب التفسير الإسلامي و غيرها و ناهيك ما حوته هذه الكتب و غيرها من الدس و التضليل و القول بالباطل بالأخص ما يخص الشيعة.

(2) انظر رابعة العدوية ص 24.

(3) المستشرقون للعفيفي ص 200 نقلا عن ذيل الفازياق ص 2.

395

و نظرة بسيطة إلى ما ألفه الغربيون في التراث اليوناني، ولدى الاطلاع على آرائهم في نتاج القريحة العربية يظهر التحامل جليا واضحا، و يثبت الإجحاف، و إن بعض علماء الغرب عمدوا إلى الانتفاص من قدر الحضارة العربية، و قد قصدوا تشويه صفحات لامعات في تاريخ العرب لمآرب غير خافية على أحد (1).

و يقول الأستاذ إبراهيم هاشم:

لقد اشتهر كتّاب الغرب بعمق التفكير، و غزارة المادة و دراسة الموضوع الذي يريدون الكتابة عنه دراسة مستفيضة حتى لا تفوتهم صغيرة و لا كبيرة من شئونه.

هذه حقيقة لا سبيل إلى نكرانها، و لكن لمست إلى جانب هذه الحقيقة حقيقة أخرى و هي: أنهم لم يستطيعوا على غزارة علمهم أن يتخلوا و لو قليلا عن ماديتهم.

إلى أن يقول:

و يفترضون فروضا وهمية، ليصلوا إلى بعض الحقائق العلمية، و قد تؤدي تلك الفروض الوهمية إلى النتائج المطلوبة، يرون كل ذلك و يؤمنون به ثم يقفون جامدين مكابرين لبعض الحقائق التي عجزت عقولهم عن إدراكها في مجال العقائد الدينية، و لا يكلفون أنفسهم عناء النقاش، و قرع الحجة بالحجة خشية الاندحار ...

و آفة أخرى تتبين لنا خلال سطورهم في كل ما يكتبون عن الإسلام و نبي الإسلام، تلك هي: روح العداء المستحكم للدين الإسلامي و معتنقيه، و هذه الروح العدائية للإسلام و المسلمين بقية من بقايا العداء الصليبي ما استطاعوا أن ينقوا أعماقهم منها، رغم تمدحهم بالتسامح الذي يزعمونه لأنفسهم، و إلى أن يخلصوا من هاتين الآفتين، و نرجو أن تتخلص عقليتهم مما يزري بها في مجال التفكير السليم‏ (2).

و الخلاصة:

إننا نستوضح من هذه الأقوال و نستكشف من هذه الآراء التي قدمناها هنا للقراء عن هؤلاء الأساتذة: أن كتابة المستشرقين عن الإسلام لم يكن مقصودا بها خدمة الحق و التاريخ،- إلا المنصفين منهم و قليل ما هم- بل إنما كانت كتاباتهم بدافع‏

____________

(1) الخالدون العرب ص 3.

(2) انظر كتاب أين نحن اليوم، ص 36.

396

الحقد و العداء للإسلام و أهله، و إن ذلك يدعو إلى ضياع الحق و تشويه الحقيقة التي هي رائد كل كاتب حر.

و إن الذي يعنينا الآن هو الإشارة إلى الأثر السيئ الذي ترتب على انخداع كثير من كتّابنا بتلك الآراء، و أخذهم بتلك الأقوال المخالفة للواقع، و كأنها عندهم هي الصواب بعينه أو اليقين الذي لا يتطرق إليه شك، و لعل الكثير منهم كان يتعمد الاعتماد عليها لما فيها من الحط فيمن يتحامل عليه، انصياعا لنزعة الطائفية أو الخلافات المذهبية.

و نود أن نعود للأستاذ مصطفى السباعي لتكملة ما يتعلق بهذا الموضوع في حديثه إذ هو قد أعطى صورة واضحة عن هؤلاء المستشرقين، و من تابعهم بالقول، ثم نعود لبيان الموضوع.

يقول الدكتور السباعي- بعد بيان طويل-: لا يزال حتى اليوم أكثر الذين يشتغلون منهم بهذه الدراسات من رجال الدين، الذين يعنون بتحريف الإسلام و تشويه جماله، أو من رجال الاستعمار الذين يعنون ببلبلة بلاد الإسلام في ثقافتها، و تشويه حضارتها في أذهان المسلمين، و تتسم بحوث هؤلاء بالظواهر الآتية:

1- سوء الظن و الفهم لكل ما يتصل بالإسلام و أهدافه و مقاصده.

2- سوء الظن بالمسلمين و علمائهم و عظمائهم.

3- تصوير المجتمع الإسلامي في مختلف العصور و خاصة في العصر الأول بمجتمع متفكك تقتل الأنانية رجاله و عظماءه.

4- تصوير الحضارة الإسلامية تصويرا دون الواقع بكثير تهوينا لشأنها، و احتقارا لآثارها.

5- جهلهم بطبيعة المجتمع الإسلامي على حقيقة، و الحكم عليه من خلال ما يعرفونه من أخلاق شعوبهم، و عادات بلادهم.

6- إخضاعهم النصوص للفكرة التي يفرضونها حسب أهوائهم، و التحكم فيما يفرضونه، و يقبلونه من النصوص.

7- تحريفهم للنصوص في كثير من الأحيان تحريفا مقصودا و إساءتهم فهم العبارات حين لا يجدون مجالا للتحريف.

8- تحكمهم بالمصادر التي ينقلون منها، فهم ينقلون مثلا من كتب الأدب ما

397

يحكمون به في تاريخ الحديث، و من كتاب التاريخ ما يحكمون به في تاريخ الفقه، و يصححون ما ينقله «الدميري» في كتاب الحيوان، و يكذبون ما يرويه «مالك» في «الموطأ» كل ذلك انسياقا مع الهوى، و انحرافا عن الحق.

و بهذه الصفات المشوبة بروح العداء للإسلام و المعبرة عن جهلهم الفاضح عبر السباعي عن هؤلاء الكتّاب من المستشرقين الذين أصبحت مؤلفاتهم مصدرا لكتّاب عصرنا الحاضر- إلا القليل منهم- و قد أوضح الأستاذ ذلك أيضا بقوله:

و قد أتاح لهم أي للمستشرقين تشجيع حكوماتهم، و وفرة المصادر بين أيديهم، و تفرغهم للدراسة، و اختصاص كل واحد منهم بفن أو ناحية من نواحي ذلك الفن، يفرغ له جهده في حياته كلها، ساعدهم ذلك كله على أن يصبغوا بحوثهم بصبغة علمية، و أن يحيطوا بثروة من الكتب و النصوص ما لم يحط به علماؤنا الذين يعيشون في مجتمع مضطرب في سياسته و ثروته و أوضاعه، فلا يجدون متسعا للتفرغ لما يتفرغ له أولئك المستشرقين، و كان من أثر ذلك أن أصبحت كتبهم و بحوثهم مرجعا للمثقفين منا ثقافة غربية، و الملمين بلغات أجنبية، و قد خدع أكثر هؤلاء المثقفين ببحوثهم، و اعتقدوا بمقدرتهم العلمية و إخلاصهم للحق .. و جروا وراء آرائهم ينقلونها كما هي و منهم من يفاخر بأخذها عنهم، و منهم من يلبسها ثوبا إسلاميا جديدا، و لا أريد أن أضرب لك الأمثال فقد رأيت من صنيع الأستاذ «أحمد أمين» في فجر الإسلام مثلا لتلامذة مدرسة المستشرقين من المسلمين‏ (1).

هذا ما قرره السياغي و قد وصفهم من قبل أنهم عملاء للاستعمار يرتبطون ارتباطا مباشرا بوزارة الخارجية الاستعمارية كما وصفهم غيره بذلك.

و قد اتضح لنا مما سبق انخداع كثير من الكتّاب بما يدسه المستشرقون في كتبهم من الطعن على الإسلام و ما أكثر الشواهد على ذلك.

و لا نعدو الحقيقة إن قلنا إن الأستاذ أحمد أمين من أشد أولئك الكتّاب الذين تعرضوا للشيعة في كتبهم مستندين على أقوال المستشرقين.

____________

(1) انظر كتاب السنة للدكتور السباعي ص 366.

398

و القارئ لما كتبه أحمد أمين يجد هناك عظيم تعصبه على الشيعة و انحرافه عن الحق فيما ذكره حولهم لأنه أخذ كل معلوماته عن أساتذته المستشرقين و الذي كان من أبرز تلامذتهم.

و قد تعرضنا لبعض أقواله في الشيعة التي استمدها من أستاذه (ولهوسن) و (دوزي) (1).

و كتاب أحمد أمين فجر الإسلام قد تضمن تلك الآراء مصبوغة بعباراته و تعبيره مما يدل بوضوح على عدم تعمقه و قلة اطلاعه و قد أصبح كتابه مصدرا لكتّاب آخرين و هكذا تتوسع دائرة الابتعاد عن الحق.

و هكذا هو في بقية كتبه يقدم للأمة ما يثير الضغائن و يبعث في نفوس بعضهم الحقد على البعض الآخر.

و هو في جميع مؤلفاته يسير على نهج واحد من اتباع المستشرقين و التقليد لهم.

و قد جاء في فجر الإسلام أيضا كثير من ذلك و للمثال هنا نذكر ما يلي:

يقول الدكتور أحمد أمين- بعد أن يذكر قول المستشرق (برون) في نظرية الحق الإلهي لملوك الفرس-:

هذه مذاهب الفرس الدينية و قد ذابت في المملكة الإسلامية بعد الفتح و كثير منهم أسلموا و لم يتجردوا من كل عقائدهم التي توارثوها أجيالا، و بمرور الزمان صبغوا آراءهم القديمة بصبغة إسلامية فنظرة الشيعة في علي و أبنائه هي نظرة آبائهم الأولين من الملوك الساسانيين و ثنوية الفرس كانوا منبعا يستقي منه «الرافضة» في الإسلام ... الخ‏ (2).

و هذه النظرية استقاها من أساتذته و لا زال يردد هذه النغمة المؤلمة و قد صرح بهذا أساتذته و من امتص آراءه منهم‏ (3).

____________

(1) انظر ج 3: 30- 36 ط 1 من هذا الكتاب.

(2) انظر ظهر الإسلام.

(3) انظر الخوارج و الشيعة للمستشرق «فلهوزن» ص 235- 249 تجد ذلك و ان أحمد أمين ليس له إلا الترجمة و بعض التعبير.

399

و أنت ترى في تعبير أحمد أمين في قوله: فنظرة الشيعة في علي و أبنائه هي نظرة آبائهم الأولين ... الخ.

اعتقاده أن التشيع فارسي في الأصل فارسي في العقيدة إلى آخر ما يتذوقه الأستاذ في اتباعه لأساتذته. و قد أسهم في الجناية على التاريخ و أساء للعلم الذي يحمل صفته بما جرى عليه من متابعة المستشرقين و تقليدهم في جهله لمذهب الشيعة و مقوماته.

و كأن التشيع نشأ في عصور متأخرة و ليس له قبول في النفوس إلا عند الفرس فقط، و قد خلت منه البلاد العربية و لم يكن منشأه الحجاز في عهد صاحب الرسالة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و انتشر في البلاد الإسلامية على أيدي كبار قادة المسلمين و عظماء الأمة.

و على أي حال فما تقدم كاف للجزم بمنحى التعصب الذي نحاه و الكشف عن مصادر آرائه و أصول اعتقاداته في التشيع التي لا تمت إلى الإسلام بصلة بل تنتسب إلى أعدائه و الحاقدين عليه.

و لئن كان أحمد أمين من أبرز تلامذة مدرسة المستشرقين في عصره- على حد تعبير السباعي- فإنا نرى أن الأستاذ (الذهبي) مؤلف كتاب (التفسير و المفسرون) من أولئك التلامذة الذين انخدعوا بتلك الأساليب، و تشبعت روحهم بتلك الأبحاث، و انعكست فيهم تلك الآراء الشاذة، و لعبت بعقولهم تلك الأهواء المردية، فراحوا يحققون ما للمستشرقين من أهداف.

و لقد تجلت في هذا الرجل روح شيخ المستشرقين في الجيل الماضي و هو المستشرق اليهودي المجري «جولدتسيهر» الذي كان أشدهم خطرا و أوسعهم باعا و أكثرهم خبثا و إفسادا، و أشدهم طعنا في العقائد الإسلامية.

فلقد كانت بحوث هذا المستشرق مرجعا خصبا و مصدرا للدكتور الذهبي و إن من يقارن بين ما كتبه في كتابه (التفسير و المفسرون) حول الشيعة و بين ما كتبه المستشرق «جولدتسيهر» في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي فإنه يجد روح ذلك المستشرق و نزعته تتجلى فيما كتبه الذهبي. و لا يجد الذهبي غضاضة في كيل المديح‏

400

و زيادة الإطراء و هو يذكر أستاذه اليهودي هذا و كأنه يطري واحدا من علماء الإسلام لا يهوديا جمع بين حقد اليهودية و أغراض الاستشراق الغربية.

لقد أخذ كثيرا من الأبحاث عن أحمد أمين الذي تأثر بتلك الروح، و ظهر في كتاباته ما يدل على أن المشرب واحد.

و أود هنا إعطاء نظرة عن كتاب التفسير و المفسرون للأستاذ الذهبي و ليس بوسعنا نقد جميع أخطائه و بيان الأمور التي ارتكبها متبعا خطى المستشرقين الذين زلت أقدامهم عن طريق الصواب، و أود أن أشير بإيجاز إلى منهجه في البحث و بيان اتجاهه في دراسته و المخطط الذي سار عليه في ذلك، و لعل الفرص تواتينا فنعود لمناقشته و نسأل اللّه أن يفسح لنا في الأجل لإدراك هذا الغرض.

التفسير و المفسرون:

الكتاب يقع في ثلاثة أجزاء و مؤلفه محمد حسين الذهبي أستاذ في علوم القرآن و الحديث؛ و هذا الكتاب فيه عرض لنشأة التفسير و تطوره، و ألوانه و مذاهبه، مع عرض شامل لأشهر المفسرين، و تحليل كامل لأهم كتب التفسير على حد تعبير المؤلف.

و الذي يهمنا حول هذا الكتاب هو ما تعرض له في الجزء الثالث من العرض لتفسير القرآن عند الشيعة، و ما قدم لذلك في كلامه عنهم و عن عقائدهم، و قد اعترف في بدء حديثه: أن الشيعة هم الذين شايعوا عليا و أهل بيته، و قالوا: إن عليا هو الإمام بعد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أن الخلافة حق له استحقها بوصية من رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ... الخ.

ثم يمضي المؤلف في بيانه حتى يأتي حول تفرق الشيعة في الآراء و يقصر بحثه على الزيدية و الإمامية و يقول: في ص 5 و لست بمستوعب كل هذه الفرق و لكن سأقتصر على فرقتين هما الزيدية و الإمامية (الاثنا عشرية و الإسماعيلية) لأني لم أعثر على مؤلفات في التفسير لغير هاتين الفرقتين من الشيعة.

ثم يعرف الإمامية الاثني عشرية: بأنهم الذين يرون أن الإمامة بعد جعفر الصادق انتقلت إلى ابنه موسى ... الخ.

و بعدها يأتي في البيان إلى أشهر تعاليم الإمامية فيحصرها في أربعة: العصمة، و المهدية، و الرجعة، و التقية.

401

ثم يأخذ في بيان ذلك حسب ذوقه و تفكيره و يملي بما أدى إليه نظره. و نحن نتركه يستمر في بيانه من باب (خل سبيل من و هى سقاؤه).

إلى أن يأتي آخر هذا الفصل و يختمه بكلمة للاسفرائيني و بها يحاول أن يعطي صورة عن الشيعة الإمامية، بالأخص تلك الصورة التي يحاول بها أن تكون صورة واقعية عن الشيعة إذ أنهم كفرة يستحلون محارم الشريعة، و لا يعتمدون على القرآن إلى آخر ما وراء ذلك من أغراض و أهداف. (كبرت كلمة تخرج من أفواههم).

(يقول المؤلف:) و قبل أن أخلص من هذه العجالة أسوق كلمة أنقلها بنصها عن أبي المظفر الأسفراييني في كتابه التبصير في الدين:

(و اعلم أن الزيدية و الإمامية منهم يكفر بعضهم بعضا و العداوة بينهم قائمة دائمة، و الكيسانية يعدون في الإمامية، و اعلم أن جميع من ذكرناهم من فرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة و يدعون أن القرآن قد غير عما كان و وقع فيه الزيادة و النقصان من قبل الصحابة. و يزعمون أنه قد كان فيه النص على إمامة علي فأسقطه الصحابة منه، و يزعمون أنه لا اعتماد على القرآن الآن، و لا على شي‏ء من الأخبار المروية عن المصطفى (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و يزعمون أنه لا اعتماد على الشريعة التي في أيدي المسلمين، و ينتظرون إماما يسمونه المهدي يخرج و يعلمهم الشريعة، و ليسوا على شي‏ء من الدين، و ليس مقصودهم من هذا الكلام في الإمامة و لكن مقصودهم إسقاط كلفة تكليف الشريعة عن أنفسهم حتى يتوسعوا في استحلال المحرمات الشرعية، و يعتذرون عند العوام من تحريف الشريعة و تغيير القرآن من عند الصحابة، و لا مزيد على هذا النوع من الكفر، إذ لا بقاء فيه على شي‏ء من الدين).

هذا ما نقله المصنف عن الأسفراييني معتقدا صحة هذا القول و صدقه و ما أبعده عن ذلك و الباحث المنصف بقليل من التأمل- لا يسعه إلا أن يرى الشطط الفكري و الخطأ التاريخي الذي وقع فيه الأستاذ مدرس علوم القرآن و الحديث فيما كتبه حول هذا الموضوع.

و إن هذه الكلمة التي ساقها تمهيدا لبحثه نقلها عن أحد كتّاب الفرق الذين‏

402

اتسموا بمعاداة و مهاجمة كل من خالفهم في الرأي، فارتكبوا من الافتعالات اندفاعا وراء عواطفهم و نصرة لمذاهبهم ما جعلهم في موضع النقد، و عدم الثقة بما يكتبون.

و قد وصفهم العلامة شيخ الجامع الأزهر في العصر الحاضر الشيخ محمود شلتوت بقوله:

لقد كان أكثر الكاتبين عن الفرق الإسلامية متأثرين بروح التعصب الممقوت، فكانت كتاباتهم مما تورث نيران العداوة و البغضاء بين أبناء الملة الواحدة، و كان كل كاتب لا ينظر إلى من خالفه إلا من زاوية واحدة، هي تسخيف رأيه، و تسفيه عقيدته، بأسلوب شره أكثر من نفعه، و لهذا كان من أراد الإنصاف لا يكون رأيه عن فرقة من الفرق إلا من مصادرها الخاصة ليكون هذا أقرب إلى الصواب و أبعد عن الخطأ (1).

فهل كانت هذه النزعة إلى الخير في مدرس الأزهر اقتداء بشيخ الأزهر؟! و هل أنصف المؤلف في اعتماده على نقل ما قاله رجل في عصور مظلمة يسود فيها الصراع العقائدي مما يبعث على التألم مما حل بالمسلمين من ذلك و ما جره عليهم النزاع من ويلات الدمار، و عوامل الانهيار؟

و لا بد أن نلقي على هذه الكلمة نظرة خاطفة و نتبين ما هو محلها من الصدق؟!- و ما أبعدها عن ذلك- لنعرف اتجاه الأستاذ المؤلف و منحاه في تفسيره و مقدار تعمقه في البحث و تأكده في النقل و إلى القراء النقاط التالية:

1- يقول: إن الزيدية و الإمامية منهم يكفر بعضهم بعضا و العداوة بينهم قائمة دائمة.

و نقول: هل استطاع صاحب هذا القول أن يدعمه و لو بحادث واحد أو شاهد من قول لإحدى الطائفتين؟! و هل اشتهر عنهم ذلك الخلاف حتى أدى إلى تكفير بعضهم بعضا؟! كما اشتهر بين غيرهم من طوائف المسلمين حتى اشتهرت كلمات التكفير لبعضهم البعض كقول المظفر الطوسي الشافعي:

____________

(1) انظر إسلام بلا مذاهب ص 7.

403

(لو كان لي من الأمر شي‏ء لأخذت على الحنابلة الجزية) (1) و قول محمد بن موسى الحنفي: (لو كان لي من الأمر شي‏ء لأخذت على الشافعية الجزية) (2) و قول الشيخ أبي حاتم الحنبلي: (من لم يكن حنبليا فليس بمسلم) (3). و اشتهر عن الشيخ أبي بكر المقري الواعظ في جوامع بغداد بأنه كفر جميع الحنابلة (4).

و نودي بدمشق و غيرها: من كان على دين ابن تيمية حل ماله و دمه. و أفتى بعضهم بتكفير من يطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام‏ (5) و ابن تيمية هو شيخ الحنابلة و مقدمهم و معنى هذا أن كل حنبلي كافر. إلى غير ذلك مما لا أود استقصاءه.

ثم نقول للمؤلف: أين هذه العداوة التي دامت بين الزيدية و الإمامية؟ فهل سمع أن فتنة قامت بينهم فأغلقت الأسواق و هدمت الدور كما حدث بين الشافعية و الحنابلة في فتنة القشيري‏ (6)، و ذلك في سنة 469، و كما اضطرمت الفتنة بين الحنفية و بين الشافعية بسبب تحويل أبي سعد المتوفى سنة 562 من مذهب الحنفي إلى مذهب الشافعي و قامت الحرب على ساق و اضطرمت نيران الفتنة بين الفريقين فكانت تملأ ما بين خراسان و العراق‏ (7)، إلى غير ذلك مما يحز في النفس و يعظم استقصاؤه.

2- يقول: و اعلم أن جميع من ذكرناهم من فرق الإمامية متفقون على تكفير الصحابة.

هكذا نقل الأستاذ عن الأسفراييني و لم يقصد بذلك إلا الطعن على الشيعة و إثارة البغضاء نحوهم بما افتراه الأسفراييني و قرره الذهبي و هما في الوزر سواء.

و من الخير أن نلفت نظر الأستاذ المدرس بالأزهر الشريف إلى ما يجب عليه من تحري الصدق فهو مسئول عن هذا الجيل الذي يغذيه بأفكاره، نسأل اللّه لهم العصمة و الوقاية من تلك السموم القاتلة التي يبثها بهذه الأكاذيب و الافتراءات.

____________

(1) مرآة الزمان ج 8 ص 44 القسم الأول.

(2) مختصر تاريخ دول الإسلام للذهبي 1: 24.

(3) تذكرة الحفاظ ج 3: 357.

(4) شذرات الذهب 3: 252.

(5) ذيل تذكرة الحفاظ 320.

(6) ذيل طبقات الحنابلة لابن رجب 1: 22.

(7) طبقات الشافعية 3: 22.

404

أ لا كانت من الأستاذ الذهبي صبابة إنصاف و مسكة من عقل و قليل من تتبع فيعرف رأي الإمامية في الصحابة؛ و متى كفروهم جميعا؟ و مع التنازل كيف يصح أن تكفر الشيعة صحابة محمد الذين مدحهم اللّه بكتابه، و لا أقل إن أغلبهم عرف بالولاء لعلي (عليه السلام) و شهد معه حروبه و منهم أبطال التشيع.

و على سبيل المثال أود أن أذكر للقارئ الكريم بعضا من أولئك البررة تشيعوا لعلي و وازروه و الذين شهدوا معه حروبه، و ناصروه على الباغين عليه، و في طليعتهم:

1- عمار بن ياسر المعذب في اللّه، و الممتحن لإسلامه، و من قال فيه رسول اللّه: يا عمار تقتلك الفئة الباغية، و عن أبي هريرة أن النبي قال له: (ابشر عمار تقتلك الفئة الباغية) (1).

و أخرج الترمذي بسند عن عائشة قالت: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما خير عمّار بين أمرين إلا اختار أرشدهما (2).

2- و أبو ذر الغفاري المتوفى سنة 32 و هو من كبار الصحابة و فضلائهم و كان من شيعة علي (عليه السلام) و وسمه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالصدق فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ما أظلت الخضراء و أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق من أبي ذر. و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أبو ذر في أمتي على زهد عيسى بن مريم.

و قال الإمام علي (عليه السلام): وعى أبو ذر علما عجز الناس عنه ثم أوكئ عليه فلم يخرج منه شيئا (3).

3- خزيمة بن ثابت بن الفاكه ذو الشهادتين شهد بدرا و ما بعدها من المشاهد كلها، و قد جعل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شهادته بشهادة رجلين، و حضر مع علي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حرب الجمل، و صفين و بها قتل سنة 37 (4).

4- أبو قتادة الحارث بن ربعي حارس النبي ليلة بدر و قال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): اللهم‏

____________

(1) أسد الغابة 4: 46.

(2) انظر أسد الغابة 4: 45.

(3) المصدر السابق 5: 187.

(4) الإصابة لابن حجر 1: 426.