الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - ج3

- الشيخ أسد حيدر المزيد...
607 /
405

احفظ أبا قتادة كما حفظ نبيك هذه الليلة، و شهد مع علي (عليه السلام) مشاهده كلها، و مات بالكوفة سنة أربعين و هو الذي قال له معاوية حين قدم المدينة: تلقاني الناس غيركم يا معاشر الأنصار.

قال أبو قتادة: لم يكن معنا دواب. قال معاوية: و أين النواضح؟!! قال: عقرناها في طلبك و طلب أبيك يوم بدر. ثم قال: إن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لنا: إنا سنرى بعده أثرة. قال معاوية: فما أمركم به عند ذلك؟ قال: أمرنا بالصبر.

قال معاوية: فاصبروا حتى تلقوه. فبلغ ذلك عبد الرحمن بن حسان بن ثابت فأنشأ أبياته المشهورة (ألا أبلغ معاوية ابن صخر ... الخ) (1).

5- كعب بن عمرو بن عباد شهد بدرا و العقبة- و هو آسر العباس بن عبد المطلب يوم بدر، و هو الذي انتزع راية المشركين يوم بدر و كانت بيد عزيز بن عمير، و شهد صفين مع علي (عليه السلام) و مات في المدينة سنة 55.

6- سلمان الفارسي الذي قال فيه رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) سلمان منا أهل البيت.

7- عمير بن قرة الليثي شهد مع علي (عليه السلام) صفين، و كان شديدا على معاوية و أهل الشام حتى حلف معاوية إن ظفر به ليذيبن الرصاص في أذنيه.

8- أبو عمرة الأنصاري شهد العقبة و بدرا، و شهد مع علي (عليه السلام) صفين و كان يقاتل و هو صائم‏ (2).

9- أبو الهيثم مالك بن التيهان شهد العقبة و بدرا، و شهد مع علي (عليه السلام) صفين و بها قتل.

10- قيس بن سعد بن عبادة شهد مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) مشاهده كلها و كان حامل الراية يوم الفتح و شهد مع علي (عليه السلام) صفين و الجمل.

11- عبد اللّه بن العباس بن عبد المطلب المتوفى سنة 68 حبر الأمة شهد مع علي (عليه السلام) صفين و الجمل و النهروان.

____________

(1) الاستيعاب ج 3: 402.

(2) الإصابة 4: 140.

406

12- عبد اللّه بن بديل قتل هو و أخوه بصفين.

13- قيس بن المكشوح و هو أحد الذين قتلوا الأسود العنسي في حياة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) شهد صفين مع علي (عليه السلام) و معه راية بجيلة و قتل بها.

14- يزيد بن حويرث الأنصاري شهد أحدا و ما بعدها و شهدا صفين مع علي (عليه السلام).

15- جبلة بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي البياضي شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

16- الحارث بن عمر الخزرجي شهد أحدا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

17- ربعي بن عمر الأنصاري شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

18- زيد بن أرقم بن زيد بن قيس غزا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) سبع عشرة غزوة و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

19- أسيد بن ثعلبة الأنصاري شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

20- أبو بردة الحارث بن عمر الأنصاري شهد بدرا و ما بعدها مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين و الجمل مع علي (عليه السلام).

21- أبو حبة البدري شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي (عليه السلام)(1).

22- أبو فضالة الأنصاري شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

23- أبو أيوب الأنصاري شهد العقبة و بدرا و أحدا و الخندق مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد مع علي (عليه السلام) صفين و الجمل و كان على مقدمة الجيش يوم النهروان.

____________

(1) أنكر الواقدي أن أبا حبة شهد بدرا؛ و إنكاره لا يضر، فقد صح ذلك ممن هو أوثق منه.

407

24- أبو محمد الأنصاري شهد بدرا مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و شهد صفين مع علي (عليه السلام).

25- أبو ليلى الأنصاري شهد مع النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحدا و ما بعدها و شهد مع علي (عليه السلام) مشاهده كلها.

26- زبيد بن عبد الخولاني شهد صفين مع معاوية و كانت معه الراية فلما قتل عمار تحول إلى معسكر علي (عليه السلام) لأن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال لعمار: يا عمار. تقتلك الفئة الباغية.

27- جبلة بن عمر الأنصاري- الساعدي- كان من فضلاء الصحابة و فقهائهم شهد صفين مع علي (عليه السلام).

و غير هؤلاء كالمقداد بن الأسود هو من الصحابة الذين أمر اللّه رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بحبهم و هم: علي (عليه السلام) و أبو ذر و المقداد و سلمان.

و منهم وهب بن عبد اللّه أبو جحيفة، و أبو عطية الوداعي، و أبو الورد المازني، و أبو قدامة بن الحارث، و عبد اللّه بن ذئاب بن الحارث، و يعلى بن عمير بن حارثة النهدي، و يزيد بن قيس الهمداني، و عدي بن حاتم بن عبد اللّه الطائي، و الفاكه بن سعد بن جبير الأنصاري، و قرضة بن كعب الأنصاري الخزرجي، و المغيرة بن نوفل بن الحارث، و مخنف بن سلم الغامدي، و محمد بن بديل، و المهاجر بن الوليد المخزومي، و يزيد بن طعمة بن جارية الأنصاري، و يعلى بن أمية، و قد شهد الجمل مع عائشة، و شهد صفين مع علي (عليه السلام) و بها قتل، و نهشل بن جري بن حمزة رئيس بني حنظلة، و أبو الطفيل عامر بن واثلة، و البراء بن عازب، و ثعلبة بن عمرو الأنصاري، و هند بن أبي هالة، و عبد اللّه بن أبي طلحة و غيرهم‏ (1).

قال عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي: شهدنا مع علي (عليه السلام) صفين في ثلاثمائة ممن بايع الرضوان قتل منهم ثلاثة و ستون منهم عمار بن ياسر (2).

____________

(1) انظر أسد الغابة لابن الأثير، و الجرح و التعديل لابن أبي حاتم، و الإصابة لابن حجر و طبقات ابن سعد، و الاستيعاب بهامش الإصابة لابن عبد البر القرطبي و غيرها من كتب الرجال و التاريخ.

(2) الاستيعاب 2: 478.

408

و عبد الرحمن هذا هو ممن حضر صفين مع علي (عليه السلام) و هو الذي قال فيه عمر بن الخطاب: إنه ممن رفعه اللّه بالقرآن.

و على كل حال فإنه لم يتأخر عن مناصرة علي (عليه السلام) إلا نفر قليل منهم:

عبد اللّه بن عمر بن الخطاب و قد ندم بعد ذلك على ترك القتال معه، و لما حضرته الوفاة قال: ما أجد في نفسي من أمر الدنيا شيئا إلا أني لم أقاتل الفئة البغية مع علي بن أبي طالب‏ (1).

أما معاوية فلم يحضر معه صفين إلا نفر ممن لفظهم الإسلام و لم يتمكن من قلوبهم الإيمان أمثال عمرو بن العاص. و أبي الغادية قاتل عمار، و أبي الأعور السلمي الذي كان علي (عليه السلام) يدعو عليه.

و على أي حال: فإن الطعن على الشيعة بدعوى تكفيرهم الصحابة إنما كان لغرض في نفوس حكام ذلك العصر الذي كانوا يصبغون فيه التاريخ بالصبغة التي يميلون إليها من الطعن في أعدائهم بما ليس فيهم، و كان الطعن على الشيعة- و هم من أشد المعارضين لحكام الجور- هو الثمن الذي يقدمه المتزلفون للحكام لينالوا قربهم، و جزيل صلاتهم و قد (استحال التاريخ تاريخا رسميا يكتبه الوزير، و ينقحه النديم، و يقره الملك، و بلغ من الضعف أن يصانع القابض على القلم لكتب الحوادث بغمزة تصدر له من صاحب الشأن، و أما إذا كان هناك مغنم فالمؤرخ ينسى نفسه و يستهويه تهافته).

و إن هذا الموضوع و هو موضوع- الشيعة و الصحابة- لا زال بحاجة إلى مزيد من البيان و كثير من الإيضاح فهو النافذة التي يدخل منها أولئك المتداخلون في صفوف المسلمين، و قد تعرضت لهذا الموضوع أكثر من مرة فلا حاجة إلى الإطالة فيه‏ (2).

و حسبنا كتاب اللّه حكما فهو الحكم العدل و القول الفصل- فإنا نبرأ إلى اللّه من المنافقين الذين‏ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ‏ (3) و ممن كان يؤذي رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) وَ الَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ‏ (4) و ممن‏ اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ ساءَ ما كانُوا

____________

(1) أسد الغابة 3: 228 و الاستيعاب 2: 345.

(2) انظر الجزء الثاني من هذا الكتاب ص 587- 623.

(3) التوبة: 101.

(4) التوبة: 61.

409

يَعْمَلُونَ‏ وَ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ وَ لا إِلى‏ هؤُلاءِ (1).

و ممن خالفوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أحدثوا من بعده ما استوجبوا فيه عذاب اللّه و قد أشار إليهم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بقوله: (أنا فرطكم على الحوض و لأنازعن أقواما ثم لأغلبن عليهم فأقول: يا ربي أصحابي. فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك) (2).

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بلفظ: و إني ممسك بحجوركم ان تهافتوا في النار كتهافت الفراش‏ (3) أخرجه أحمد من طريق عبد اللّه بن مسعود.

و أخرج الترمذي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) (و يؤخذ بأصحابي ذات اليمين و ذات الشمال فأقول: يا ربي أصحابي فيقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك فإنهم لن يزالوا مرتدين على أعقابهم منذ فارقتهم فأقول كما قال العبد الصالح: إن تعذبهم فإنهم عبادك) (4).

و أخرج مسلم مثله من طريق عائشة ج 4 ص 65 و من طريق أم سلمة ص 67 مثله، فنحن في تمييز الصحابة لا نتعدى حدود القرآن و لا نقول بعد التهم أجمع، و لنا مع القرّاء في هذا الموضوع لقاء آخر إن شاء اللّه.

3- يقول: و ينتظرون إماما يسمونه المهدي يخرج و يعلمهم الشريعة ... الخ.

(أقول:) الشيخ الذهبي ينكر على الشيعة قولهم في خروج المهدي (عليه السلام) و قد تقدم منه في هذا الجزء من تفسيره ص 8 أن أول من قال بخروج المهدي كيسان مولى علي بن أبي طالب بأن المهدي يخرج في آخر الزمان فيملأ الأرض أمنا و عدلا بعد أن ملئت خوفا و جورا.

و لا أريد أن أناقش أستاذ الحديث و حامل الشهادة العالمية فيه حول هذا الموضوع و لكن أود أن أوضح للقارئ الكريم زيف ما يدعيه و أن ذلك لم يكن من قول كيسان، و قد وردت عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أحاديث تشير إلى خروج المهدي (عليه السلام)

____________

(1) النساء: 142- 143.

(2) مسند أحمد 5: 231.

(3) مسند أحمد 6: 51.

(4) صحيح الترمذي 2: 68.

410

و منها قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لو لم يبق من الدنيا إلا يوم لبعث اللّه رجلا من أهل بيتي يملؤها عدلا كما ملئت جورا» أخرجه الترمذي و أبو داود و ابن ماجة.

و الشيخ الذهبي ينقم على الشيعة القول بخروج المهدي (عليه السلام) لأنه ينكر ذلك و نحن نكل الجواب لعالم من كبار علماء السنة و هو: ابن حجر فقد أجاب في فتاواه الحديثية عند ما سئل: عمن يدعون أن المهدي الموعود قد مات و هم بذلك ينكرون خروج المهدي المنتظر.

قال ابن حجر: فهؤلاء منكرون للمهدي الموعود به آخر الزمان و قد ورد في حديث عند أبي بكر الإسكافي أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: من كذب بالدجال فقد كفر، و من كذب بالمهدي فقد كفر، و هؤلاء مكذبون به صريحا، فيخشى عليهم الكفر، فعلى الإمام أيد اللّه به الدين، و قصم بسيف عدله رقاب الطغاة ... إلى أن يقول ..

فنملي عليك من الأحاديث المصرحة بتكذيب هؤلاء و تضليلهم و تفسيقهم ما فيه مقنع و كفاية لمن تدبره:

أخرج أبو نعيم أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: يخرج المهدي و على رأسه عمامة و معه مناد ينادي: هذا المهدي خليفة اللّه فاتبعوه.

و أخرج هو و الخطيب رواية أخرى: يخرج المهدي و على رأسه ملك ينادي: إن هذا المهدي فاتبعوه. و الطبراني في الأوسط أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أخذ بيد علي (عليه السلام) فقال:

يخرج من صلب هذا فتى يملأ الأرض قسطا و عدلا فإذا رأيتم ذلك فعليكم بالفتى التميمي، فإنه يقبل من قبل المشرق و هو صاحب راية المهدي.

و أخرج أحمد، و نسيم بن داود، و الحاكم و أبو نعيم أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: إذا رأيتم الرايات السود قد أقبلت من خراسان فأتوها و لو حبوا على الثلج، فإن فيها خليفة اللّه المهدي. و هكذا يستمر ابن حجر في ذكر الأحاديث الواردة في ذكر المهدي كحديث حذيفة و ما فيه وقعة الزوراء، و كحديث نزول عيسى، و خروج المهدي إلى مكة و مبايعة الناس له، و ان المهدي من ولد فاطمة إلى كثير من الأحاديث التي تتضمن خروج المهدي و نسبه، و صفته و علامات خروجه.

إلى أن يقول: و بقيت علامات أخر تعرف من كتابي: (المختصر في علامات المهدي المنتظر) .... الخ.

411

هذا جواب ابن حجر و به نكتفي بالإجابة عن ذلك؛ فإن الشيعة لم تختص وحدها بانتظار المهدي و لكن الإنكار عليهم جاء لأنهم يقولون بأنه (عليه السلام) من ولد علي و فاطمة كما نطقت به أحاديث الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) من الفريقين.

و أما قول: يعلمهم الشريعة فذلك صحيح إنما يعلمهم شريعة الإسلام و يطبق أحكام اللّه و يسير بسيرة جده (صلّى اللّه عليه و آله و سلم). فلا فرق و لا مذاهب خلافا لبعض الحنفية فإنهم يدعون بأن المذهب الحنفي هو المذهب الوحيد الذي يكون حكم الشريعة الإسلامية عليه.

و قد تقدم من أسطورة تعلم الخضر (عليه السلام) العلم من أبي حنيفة في حياته و بعد مماته و إنه كان يجلس الخضر على قبر أبي حنيفة و يتعلم منه العلم و يكون الحكم به في آخر الزمان‏ (1).

و قال القاضي زاده شريف: و قيل إن الخضر (عليه السلام) تعلم الأحكام الشرعية منه و إن الإمام المهدي بعد خروجه يعمل بطريقته، و إن عيسى يحكم بمذهبه‏ (2).

و قال أيضا: و اعلم أن المذهب لا يقلده الصحابة و التابعون إلا أبو حنيفة، فإن عيسى حين ينزل من السماء يحكم بمذهبه‏ (3).

(و بعد ذلك:) يستمر الأستاذ في بحثه حول موقف الشيعة من التفسير ص 12 إلى ص 22 و هو يحاول أن يذكر الفرق المنسوبة إلى التشيع، كفرقة السبئية.

تلك الفرقة كونتها عوامل سياسية للحط من اتباع أهل البيت، كالسبائية و البيانية و المغيرية و غيرها، و يذكر تأويلهم للقرآن إلى أن يأتي إلى آخر الفصل فيقول: إذا فالأجدر أن نمسك عن موقف هذه الفرق البائدة من تفسير القرآن ما دامت قد بادت، و لم يبق لها أثر، و ما دمنا لم نقف على شي‏ء في التفسير أكثر من هذه النبذ المتفرقة،

____________

(1) انظر الجزء الأول من هذا الكتاب ط 3 ص 312.

(2) انظر مقدمة جامع الرموز للقاضي زاده شريف مخدوم 1: 3.

(3) جامع الرموز 1: 11.

412

التي وجدناها للبعض منهم و جمعناها من بطون الكتب المختلفة.

و الذي يستحق عنايتنا و بحثنا بعد ذلك هو تلك الفرق الثلاث التي لا تزال موجودة إلى اليوم محتفظة بتعاليمها و آرائها، و سنبدأ أولا بالإمامية الاثني عشرية، ثم بالإمامية الإسماعيلية ثم بالزيدية.

(و نحن نقول:) إن الأستاذ قد استمر ببحثه الطويل و غرب و شرق و جاء بأشياء مخالفة للحقيقة، و هو يحاول أن يعطي عن الغلاة صورة و يجعلها في إطار التشيع.

و إن قوله في الأخير: إن الذي يستحق عنايتنا هو تلك الفرق الثلاث التي لا تزال موجودة. و منها الإمامية الاثنا عشرية.

فهل يا ترى أن المؤلف أعطى الإمامية الاثني عشرية ما يستحقه البحث الحر؟

و هل تجرد الأستاذ من العاطفة و جعل بحثه للحق و التاريخ؟

و هل بحث عن كل فرقة من هذه الفرق الثلاث: الاثني عشرية، و الإسماعيلية و الزيدية، كل على حدة؟

و هل ترك آراء الغلاة جانبا و إنها قد بادت مع فرقهم؟

هذه أسئلة يستطيع القارئ النبيه أن يحصل على الجواب عنها فيما جاء من بحثه بعد هذا الفصل بعنوان: موقف الإمامية الاثني عشرية من تفسير القرآن الكريم.

و تحت هذا العنوان يتحدث من ص 23 إلى 41 و هو بهذا البحث الطويل قد خرج عما رسمه لنفسه من البحث عن الإمامية الاثني عشرية فقد عاد إلى آراء تلك الفرق البائدة من الغلاة، فنسب آراءهم للاثني عشرية كما في ص 34 إذ يقول:

و أعجب من هذا أنهم جعلوا لفظ الجلالة و الإله و الرب مرادا به الإمام، و كذا الضمائر الراجعة إليه سبحانه ... الخ.

و المؤلف- عافاه اللّه- يكتب و لا يدري ما يكتب، إنما هو كحاطب ليل إنه يريد أن يحمل الشيعة كل تبعة، و يريد أن يبرزهم بأقبح صورة، خضوعا لنزعته أو طعما في الشهرة.

413

أنا لا أريد أن أقف معه فالوقت أثمن، و لا أود أن أناقشه هنا، بل أترك تقدير هذا الخبط للقارئ النبيه، و كذلك أترك بيان خلطه بين الإسماعيلية و الاثنى عشرية في هذا الموضوع بالأخص.

و لنقف مليا عند قوله في ص 26: (و أما السنة فهم- أي الشيعة- غير أمناء، و لا ملتزمين ما صح منها، و سنتعرض لها فيما بعد أيضا).

هذا ما يقوله. و لا أدري و لا المؤلف يدري، لما ذا أطلق هذا القول: أ كان عن خبرة و دراية، و تتبع و تعمق في البحث؟ أم أنه قلد غيره؟

أو هي فكرة يحاول أن يصل بها إلى هدف معين؟!! إن المرء لتأخذه الحيرة في أمر من يطلق القول بدون حجة، و هو يدعي أنه ممن له إلمام و معرفة!! لنسأل الأستاذ: لما ذا لم يكن الشيعة أمناء على السنة؟ و لما ذا لم يلتزموا بما صح منها؟!! و لعله أراد أن يكون جوابا عن ذلك ما ذكره في ص 27 تحت عنوان: (موقفهم من الأحاديث النبوية) و هو قوله:

و لقد رأى الإمامية الاثنا عشرية أنفسهم أمام كثرة الأحاديث المروية عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أمام كثرة من الروايات المأثورة عن الصحابة (رضوان اللّه عليهم أجمعين) و في تلك الآثار ما يخالف تعاليمهم مخالفة صريحة لذا كان بديهيا أن يتخلص القوم من كل هذه الروايات، إما بطريق ردها و إما أن يكون قولا لصحابي، و إما أن يكون قولا لرسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عن طريق صحابي، و هم يجرحون معظم الصحابة؛ بل و يكفرونهم لمبايعتهم أبا بكر ..

ثم يمضي أستاذ الحديث في بيانه و يتعرض لمسألة المتعة و المسح على الخفين ورد الشيعة له، لأن رواية المغيرة بن شعبة رأس المنافقين- على حد تعبيره- إلى أن يقول:

و ليت الأمر وقف بهم عند هذا الحد- حد الثقة بأشياعهم و الاتهام لمن عداهم، بل وجدنا رؤساء من الشيعة كجابر بن يزيد الجعفي و غيره، قد استغلوا أفكار

414

الجمهور الساذجة، و قلوبهم الطيبة الطاهرة، و حبهم لآل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فراحوا يضعون الأحاديث على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و على آل بيته و يضمنونها ما يرضي ميولهم المذهبية، و أغراضهم السيئة الدنية. و لم يفتهم أن يحكموا أسانيد هذه الأحاديث الموضوعة حتى اغتر بها العامة لسلامة نواياهم، و سكت عنها الشيعة لأنها وجدوها مؤيدة لدعواهم ...

(أقول:) لقد طغى الحقد على قلب المؤلف حتى ملكه، فأصبح قلبه وراء لسانه لا لسانه وراء قلبه. و لهذا وجد الشذوذ مرتعا خصبا في لسانه و قلمه و لعله ما كان يؤمن بما يقول، و لكنه يقصد أن يقال إنه جاء بشي‏ء جديد عن خصمه.

إن ما أورده في هذا الفصل و الذي قبله و ما بعده- بعيد كل البعد عن روح الحق و أمانة التاريخ و منهج العلم.

و لعله كما قلت إنه لا يؤمن بصحة ذلك و لا يعتقده، و لكن هناك دواعي أدت إلى ذكره، أمور استوجبت أن ينهج هذا النهج في دراسته التي كشف عن نفسه بأنه لم يكن مؤرخا يتحرى الصدق، أو كاتبا يمسك قلمه عن الخطأ، بل هو متحامل حاقد، و كاتب لا يتأمل فيما يكتب، و في ذلك تساهل معه كبير و إلا فهو جاهل يقحم نفسه في مجال يعجز عن الخروج منه.

إنه ملأ هذه الصحائف و سودها بمداد الافتراء، و نسب الشيعة إلى أمورهم أبعد ما يكونون عنها، كالقول بتحريف القرآن و نقصانه، مع أن إجماعهم خلاف ذلك.

و المؤلف يتبع نهج المستشرقين في الاعتماد على الشاذ النادر أو المحرف فيكون اعتمادهم على ذلك من دون التفات إلى واقع الأمر.

و لا أريد أن أرجع إلى ما ذكره في أول هذا الفصل من مخالفات و بعد عن الواقع، و أكتفي هنا في التنبيه على النقاط التالية:

1- يقول: لقد رأى الإمامية الاثنا عشرية أنفسهم أمام كثرة من الأحاديث المروية عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمام كثرة من الروايات المأثورة عن الصحابة، و في تلك الأحاديث ما يخالف تعاليمهم مخالفة صريحة ...

415

هذا ما يقوله الأستاذ حول موقف الإمامية من الأحاديث النبوية و آثار الصحابة.

و لعل القارئ يظن أن أستاذ علم الحديث الذهبي قد قال هذا عن خبرة و دراية، و تتبع في الدراسة حتى أصدر حكمه على الشيعة بأنهم يرون تلك الأحاديث و الآثار المخالفة لتعاليمهم مخالفة صريحة.

و لا أدري ما ذا يقصد في ذلك؟ أ كان يريد بأن الشيعة يردون أحاديث جميع الصحابة، أم يردون البعض دون البعض الآخر؟ فإن كان يريد الأول فهو أمر يكذبه الوجدان.

و إن كان يريد الثاني و هو أنهم يأخذون عن بعض و يتركون آخرين فهذا شي‏ء لا تنكره الشيعة، لأنهم لا يقولون بعدالة جميع الصحابة كما هو مقرر عندهم، و قد تعرضنا لذلك و قلنا: إن أصالة العدالة في حق الصحابة لا أصل لها و إثبات ذلك يحتاج إلى مشقة، و النتيجة لا تثبت أي ثمرة هناك.

أما السنة فقد أثبتوا العدالة لكل صحابي- و إن ارتكب ما يخالفها- بحجة أنه مجتهد و الاجتهاد في مقابلة النص لا يصح- و استدلوا بأدلة ذكرت في محلها و مع ذلك فقد اختلفوا فذهبت طائفة إلى عدالة الصحابة أجمع بدون استثناء و آخرون ذهبوا إلى عدالة من لم يلابس الفتنة (أي من حين مقتل عثمان).

و ذهبت المعتزلة إلى فسق من قاتل عليا منهم. و حكى ابن الصلاح الإجماع على تعديل من لم يلابس الفتنة.

و حكى الآمدي و ابن الحاجب قولا: إنهم كغيرهم في لزوم البحث عن عدالتهم. إلى غير ذلك من الأقوال‏ (1).

أما الشيعة- كما تقدم- فإنهم لا يذهبون لعدالة الجميع فلا يروون إلا عن ثقة، و لهم شروط في قبول الرواية مقررة في محلها، إذا الحديث هو دستور المسلمين- بعد القرآن- و فيه منهاج حياتهم الدينية و الاجتماعية لذلك اجتهد المسلمون في دراسته من حيث السند و الدلالة.

و الشيعة يتشددون أكثر من غيرهم في قبول الرواية، و تمحيصها بكل دقة

____________

(1) انظر شرح ألفية العراقي 4: 35 و كفاية الخطيب البغدادي 81- 83.

416

و اعتدال، فلا يأخذون إلا عن الصادق الثقة، و لم يقفوا أمام كتب الحديث وقفة تهيب عن مناقشتها كما يقف إخوانهم السنة أمام صحيح البخاري و من بعده صحيح مسلم وقفة تهيب، و ينظرون إليها نظرة إكبار و تقديس، و أن جميع ما فيها صحيح ... إلى آخر ما هنالك من اعتقاد راسخ في كتب الصحاح و بالأخص البخاري.

و لكن الشيعة يتوقفون عن قبول الرواية ما لم تكن صحيحة من حيث السند و الدلالة، و لا يشترط أن تكون عن شيعي- كما يقال عنهم- أو إلا أن تكون في الكتب الأربعة من كتب الحديث، بل المدار عندهم هو الصدق و الوثاقة و العدالة؛ و قد جعلوا الكذب على اللّه و على رسوله من مفطرات الصيام.

و إن اختصاصهم بالأخذ عن أهل بيت الرسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو الذي جعلهم عرضة لهجمات المغرضين، و مؤاخذة من لا يعرف من الحق موضع قدمه.

2- يقول المؤلف: فمثلا نجدهم يردون الأحاديث و الآثار التي تثبت في تحريم نكاح المتعة و نسخ حله، كما نجدهم يردون أحاديث المسح على الخفين و يقولون إنها من رواية المغيرة بن شعبة رأس المنافقين ... الخ.

أورد الأستاذ هذه الأمثلة كدليل لما يقوله في رد الشيعة للأحاديث و أنهم غير أمناء عليها، و لعل المؤلف لم يجد غير ذلك، فإن كانت هذه مؤاخذته فما أقل تتبع أستاذ الحديث؟؟ لأن الشيعة لم ينفردوا برد ما ورد في تحريم المتعة، بل قد ردها جماعة من الصحابة و التابعين و ثبتوا على تحليلها، منهم:

جابر بن عبد اللّه، و أسماء بنت أبي بكر، و ابن مسعود، و ابن عباس و معاوية، و عمرو بن حريث، و أبو سعيد و سلمة ابنا أمية بن خلف، و رواه جابر بن عبد اللّه عن جميع الصحابة مدة حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و مدة أبي بكر إلى قرب آخر خلافة عمر بن الخطاب‏ (1).

و أما من التابعين فمنهم ابن جريح فقيه مكة و لهذا قال الأوزاعي: يترك من قول‏

____________

(1) انظر المحلى لابن حزم 9: 519.

417

أهل الحجاز خمس: متعة النساء (1) و منهم ابن جريح‏ (2) و طاوو و عطاء و غيرهم.

و روي عن عمر بن الخطاب أنه إنما أنكرها إذا لم يشهد عليها عدلان‏ (3).

و قال ابن بطال: روى أهل مكة و اليمن عن ابن عباس إباحة المتعة و روي عنه الرجوع بأسانيد ضعيفة، و إجازة المتعة عنه أصح و هو مذهب الشيعة (4).

و أخرج مسلم في صحيحه عن نظرة قال: كنت عند جابر بن عبد اللّه فأتاه آت فقال إن ابن عباس و ابن الزبير اختلفا في المتعتين.

فقال جابر: فعلناهما مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.

و نهي عمر بن الخطاب عن المتعتين مشهور و هو قوله: (متعتان كانتا على عهد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنهى عنهما و أعاقب عليهما).

و أخرج عبد الرزاق و ابن المنذر من طريق عطاء عن ابن عباس قال: يرحم اللّه عمر ما كانت المتعة إلا رحمة من اللّه رحم بها أمة محمد، و لو لا نهيه عنهما ما احتاج إلى الزنا إلا شقي‏ (5).

و قال علي (عليه السلام): لو لا أن عمر نهى عن المتعة ما زنى إلا شقي‏ (6).

و أسباب نهي عمر عن المتعة مشهورة كما رواه البيهقي في السنن و غيره من المحدثين و المفسرين فلا حاجة لنقل ذلك‏ (7) كما لا حاجة إلى المضي في بسط القول حول هذا الموضوع إذ المسألة قد حررها العلماء، و بسطوا القول فيها و كثر حولها النقاش و الجدل و لا خلاف في مشروعيتها على عهد الرسول، و إنما الخلاف في نسخها فالشيعة يردون أخبار النسخ تمسكا بالكتاب و سنة الرسول و وافقهم جماعة من الصحابة و التابعين و علماء الأمة.

____________

(1) نيل الأوطار 6: 135.

(2) نيل الأوطار 6: 136.

(3) المحلى 9: 520.

(4) العدة لمحمد بن إسماعيل الصنعاني 4: 195.

(5) الدر المنثور 2: 41.

(6) الدر المنثور للسيوطي 2: 43.

(7) بحثنا تشريع المتعة في الجزء الأول من الكتاب و في مواضع أخرى كثيرة منها المزيد.

418

و أما المسح على الخفين فقد تعرضنا له في الجزء الخامس ط 3، ص 200- 205 و ملخص القول فيه:

إن هذه المسألة قد وقع فيها الخلاف بين المسلمين على أقوال:

1- الجواز مطلقا.

2- الجواز في السفر دون الحضر.

3- عدم الجواز بقول مطلق و هو ما تذهب إليه الشيعة لا لأن الرواية عن المغيرة بن شعبة رأس المنافقين كما يقول الأستاذ و إن كان هذا هو وحده كاف في الرد، و لكن منع ذلك لعدم ثبوته في الدين، و أن القرآن على خلافه هو معارض لآية الوضوء و لم تكن منسوخة و لا آية واحدة منها.

و قد أنكر جماعة من الصحابة المسح على الخفين و في طليعتهم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) و كان يقول: سبق الكتاب المسح على الخفين.

و لما سئلت عائشة عن المسح على الخفين، قالت: سلوا عليا فإنه كان أكثر سفرا مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و ورد عن ابن عباس أنه كان ينهى عن المسح على الخفين و كان يقول: لأن أمسح على جلد حمار أحب إلي من أن أمسح على الخفين.

و ورد النهي أيضا عن أبي هريرة و عائشة و كانت تقول: لأن تقطع قدماي أحب إلي من أن أمسح على الخفين.

و في لفظ لأن أقطع رجلي أحب إلي من أن أمسح عليهما (1).

و سئل ابن عباس هل مسح رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) على الخفين؟ فقال و اللّه ما مسح رسول اللّه على الخفين بعد نزول المائدة و لأن أمسح على ظهر عير في الفلاة أحب إلي من أن أمسح على الخفين‏ (2) و جاء في العتيبية عن مالك بن أنس ما يدل على المنع. و قال الشيخ أبو بكر في شرح المختصر الكبير: إنه روي عن مالك: لا يمسح المسافر و لا المقيم.

____________

(1) نيل الأوطار 1: 177 و تفسير الرازي 3: 371.

(2) بدائع الصنائع 1: 7.

419

و قد سبق من الأستاذ في ص 27 ج 2 أنه نسب الشيعة إلى الشذوذ و التعصب في المسائل الفقهية إذ يقول:

و في الفقه لهم مخالفات يشذون بها، فمثلا نراهم يقولون: إن فرض الرجلين هو المسح دون الغسل؛ و لا يجوزون المسح على الخفين، و جوزوا نكاح المتعة، و جوزوا أن تورث الأنبياء .... إلى أن يقول:

لهذا كان طبيعيا أن يقف الإمامية الاثنا عشرية من الآيات التي تتعلق بالفقه و أصوله موقفا فيه تعصب و تعسف، حتى يستطيعوا أن يخضعوا هذه النصوص و يجعلوها أدلة لآرائهم و مذهبهم ... إلى أخره.

و هكذا عبر الأستاذ و نسب القول بمسح الرجلين، و عدم المسح على الخفين و جواز نكاح المتعة إلى الشذوذ، و كأن ذلك لم يكن له دليل من الكتاب و لا قائل به من الأصحاب، و قد أوضحنا في الجزء الخامس ط 3، ص 192- 200 بعض ما يتعلق بمسألة فرض الأرجل في الوضوء و اختلاف العلماء فيه.

و الذي يهمنا ذكره هنا هو قوله: لهذا كان طبيعيا أن يقف الإمامية الاثنا عشرية ... الخ. و لا أدري ما هذا التعسف و التعصب؟ و ما معنى إخضاع النصوص لجعلها أدلة للمذهب؟

و الشيخ مصرّ على مخالفة الواقع و تستبد به روح التحكم بالنصوص و يستسهل طرح الأدلة و تحكيم الرأي، و هي مذاهب يلجأ إليها غالبا عند ما تأبى النصوص و الأدلة التحريف لأنها ظاهرة شأنها شأن اللجوء إلى التفسير بغير الواقع كما فسر غيرهم المأقين بالخفين، عند الاستدلال على جواز المسح عليهما، فيما أخرجه أبو داود:

من أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يمسح المأقين- و هما مؤخر العينين‏ (1)- قالوا إنهما الخفّان، و أين المأقين من الخفين؟؟

و قد حكم بعضهم بأفضلية المسح على الخفين لا للدليل، و إنما كان ذلك‏

____________

(1) انظر تيسير الوصول 3: 76 و انظر الحديث في سنن أبي داود 1: 34 ط 1.

420

الحكم لأجل طعن الشيعة في أدلة المسح، و قال: و إحياء ما طعن فيه المخالفون من السنن أفضل من تركه‏ (1).

و قد طغت موجة التعصب على كثير من الفقهاء فتركوا أشياء قد ورد الدليل من الشارع في استحبابها أو وجوبها، و لكنهم رجحوا الترك لأن العمل بها يدعو إلى التشبه بالشيعة، و التشبه بالشيعة ينبغي تجنبه، كما أفتى بذلك الحافظ العراقي‏ (2).

و قد أشار ابن تيمية لذلك إذ يقول في منهاجه:- عند بيان التشبه بالشيعة-:

و من هنا ذهب من ذهب من الفقهاء إلى ترك بعض المستحبات، إذ صارت شعارا لهم (أي للشيعة) فإنه و إن لم يكن الترك واجبا لذلك، لكن في إظهار ذلك مشابهة لهم.

فلا يتميز السني من الرافضي، و مصلحة التمييز عنهم لأجل هجرانهم و مخالفتهم، أعظم من مصلحة المستحب.

و هنا يجب الالتفات إلى هذا الأمر، و ما حدث من ورائه من ترك للأعمال المستحبة و لعله أدى إلى ترك بعض الواجبات استنادا إلى هذه الحجة و هي مراعاة المصلحة، و بالطبع انها مهمة، لأن من مصلحة الإنسان المحافظة على نفسه، و ما يصل بذلك من مقومات حياته، من استقرار و مال و تقرب للولاة الذين نظروا إلى الشيعة نظرة خصم يجب القضاء عليه.

نعم إن مصلحة التمييز عن الشيعة أهم من مصلحة المستحبات الشرعية عندهم و لعله من هذا الباب ينفتح ترك الأخبار الصحيحة الواردة عن صاحب الرسالة لأن في نقلها و إثباتها يثبت التشيع و المصلحة تدعو إلى التمييز عنهم فيلزم تركها، كحديث الغدير و حديث أنا مدينة العلم و عليّ بابها و غير ذلك من الأحاديث الصحاح، و من المصلحة تأويل بعض الآيات و وضع الأحاديث بما يدعو إلى إظهار التجنب عن تهمة التشيع.

____________

(1) نيل الأوطار 1: 176.

(2) شرح المواهب اللدنية للزرقاني.

421

و من المصلحة قالوا: بمنع المصلي عن اختصاص جبهته بما يسجد عليه من أرض و غيرها، لأن ذلك الاختصاص من شعار الشيعة (1).

و طبعا إن اتخاذ شعار الشيعة فيه خطر، فمن المصلحة تركه، لأن الشيعة قد التزموا بالسجود على الأرض أو ما أنبتته الأرض لقوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): (جعلت لي الأرض مسجدا و طهورا).

و كان أصحاب محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يسجدون على الأرض فأثر ذلك في جباههم، و قد مدحهم اللّه تعالى إذ يقول: سِيماهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ و كان يقال لهم ذوو الثفنات، و كان علي بن الحسين (عليه السلام) يعرف بذي الثفنات لكثرة سجوده.

و قد أدت الحالة نظرا لرعاية مصلحة التمييز بين السنة و الشيعة- كما يقولون- بأن يترك السجود على الأرض و أصبح ذلك- على ممر الزمن- من المنكرات لأن الشيعة يلتزمون بذلك، و يحملون معهم حجرا طاهرا- كما كان بعض العلماء من التابعين يحمل معه في السفر لبنة يسجد عليها- إذ ربما لا يتسنى لهم الحصول على أرض طاهرة في السفر و غيره فالتزموا بذلك.

و حيث كان الشيعة يفضلون السجود على تربة أرض كربلا المقدسة و هي التربة الحسينية حملهم بعض من يحمل أسوأ البغض للشيعة على أنهم يسجدون للصنم- معبرين عن تلك التربة الطاهرة التي يسجدون عليها للّه جل و علا بأنها صنم، متناسين أن الشيعة في سعة، فإذا لم توجد التربة التي يطمئن لطهارتها و التي اختارها المسلم الشيعي موضعا لجبهته، يسجد الشيعة على الأرض أو ما أنبتت.

و قد عبر بعض من أكل الحقد قلبه عنها بلفظ: إنها وثن إذ يقول: لا تجد شيعيا يصلي في بقعة من بقاع الأرض حتى المسجد الحرام بمكة، و مسجد الرسول إلا و يضع وثنا من شقفة طين كربلا تحت جبهته تقديسا لها، و اعتقادا أنها أفضل بقاع الأرض لأن دم الحسين اختلط بها ... الخ‏ (2).

____________

(1) انظر غاية المنتهي في الجمع بين الإقناع و المنتهى 1: 135 في الفقه الحنبلي.

(2) انظر خاتمة كتاب السنة و الشيعة تأليف السيد رشيد رضا بقلم أحمد حامد الفقي و هذا الرجل قد تحامل تحاملا أخرجه عن اتزانه و لم يحسب للمؤاخذة أي حساب و نحن نعرض عما كتبه في الخاتمة تهاونا بشأنه و ترفعا عن نقده.

422

و غير ذلك من الألفاظ التي لا ترتبط مع الواقع بصلة، و لم يكن مبعثها إلا الجهل و سوء الظن بهذه الطائفة، و كيف يحسنون بها الظن و يقول بعضهم: إنه لا يحل و اللّه حسن الظن بمن يترفض‏ (1). و الرفض و التشيع عندهم شي‏ء واحد.

و على كل حال فإن الشيعة قالوا باستحباب السجود على تربة أرض كربلا اقتداء بأئمتهم (عليهم السلام) و لا يضرهم ما يرميهم به الجاهلون.

3- يقول الأستاذ: و ليت الأمر وقف بهم عند هذا الحد- حد الثقة بأشياعهم و الاتهام لمن عداهم- بل وجدنا رؤساء من الشيعة كجابر بن يزيد الجعفي و غيره قد استغلوا أفكار الجمهور الساذجة، و قلوبهم الطيبة الطاهرة، و حبهم لآل بيت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، فراحوا يضعون الأحاديث على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و على آل بيته ..

الخ.

أقول:

بعد أن تكلم الأستاذ حول الحديث و الفقه بما يخص الشيعة في قضية ردهم لروايات بعض الصحابة، و ضربه المثل في مسألة المتعة و المسح على الخفين و قد رأينا مدى اطلاعه و اتساع معلوماته.

راح يتكلم عما وجده عند الشيعة من وضع الحديث و يقول: وجدنا رؤساء من الشيعة كجابر بن يزيد الجعفي و غيره ... الخ.

و لم يذكر هنا إلا جابر بن يزيد الجعفي المتوفى سنة 127 و هو أحد حفاظ الحديث، و قد روى عنه شعبة، و سفيان الثوري، و سفيان بن عيينة، و زهير بن معاوية، و إسرائيل، و شريك، و الحسن بن حي، و معمر، و أبو عوانة و غيرهم.

و قد خرج حديثه الترمذي، و أبو داود، و ابن ماجة.

و قال عبد الرحمن بن المهدي: سمعت سفيان الثوري يقول: كان جابر ورعا في الحديث ما رأيت أورع في الحديث من جابر.

____________

(1) طبقات الحنابلة 1: 273.

423

و قال إسماعيل بن علية: سمعت شعبة يقول: جابر الجعفي صدوق في الحديث‏ (1).

و قال وكيع: مهما شككتم في شي‏ء فلا تشكوا في أن جابرا ثقة (2).

و قال ابن أبي الحكم سمعت الشافعي يقول: قال سفيان الثوري لشعبة: لئن تكلمت في جابر لأتكلمن فيك، و كان جابر يحفظ مائة ألف حديث‏ (3).

و قال يحيى بن أبي كثير: كنا عند زهير بن معاوية فذكروا جابر الجعفي فقال زهير: كان جابر إذا قال سمعت أو سألت فهو من أصدق الناس‏ (4).

و بهذا وصف العلماء جابر الجعفي و هكذا قال عنه معاصروه و تلامذته و لم يقل أحد إنه كان يضع الحديث.

و سئل أحمد بن حنبل عن جابر الجعفي، فقال: تركه عبد الرحمن. و قصارى ما ورد في حقه من خصومه بأنه ضعيف أولين الحديث، و قال أبو حاتم: يكتب حديثه على الاعتبار.

و ليس لمن رماه بالكذب حجة يدعم بها ما يدعيه إلا أنه يقول بالرجعة أو أنه شيعي، لأنه يعلن بالرواية عن أهل البيت و يقول- عند ما يحدث عن الإمام الباقر (عليه السلام)-: حدثني وصي الأوصياء.

و هذا أمر يعظم تحمله في عصر هبت فيه زوبعة الخلافات، و اشتد غضب السلطة على اتباع أهل البيت و أنصارهم، و كان جابر في طليعتهم، و بطبيعة الحال أن يبتعد الناس عمن يتهم في معارضة الدولة، و يرمى بكل كريهة تقع موقع الرضا من ولاة الأمر، و لهذا كانت كلمات من اتهم جابر بالكذب مشوشة، و أدلتهم واهية.

أما الأستاذ الذهبي- على ما يظهر- فإنه استند في هذا القول إلى حجة هو معجب بها و جعلها دليلا قاطعا على ما يقوله في نسبة وضع الحديث إلى الشيعة،

____________

(1) انظر الجرح و التعديل لابن أبي حاتم القسم الأول من المجلد الأول ص 497 و تذهيب الكمال للخزرجي ص 51.

(2) تهذيب التهذيب 2: 48.

(3) نفس المصدر.

(4) الجرح و التعديل لابن أبي حاتم.

424

و ذلك ما عقب كلامه و ختم هذا الفصل بذكره و هو ما نقلناه آنفا و نحب أن نكرره هنا.

يقول الأستاذ:

و يعجبني هنا ما ذكره أبو المظفر الأسفراييني في كتابه التبصير في الدين هو: أن الروافض (لما رأوا الجاحظ يتوسع في التصانيف، و يصنف لكل فريق قالت له الروافض: صنف لنا كتابا. فقال لهم الجاحظ: لست أدري لكم شبهة حتى أرتبها و أتصرف فيها. فقالوا له: إذا دلنا على شي‏ء نتمسك به، فقال: لا أرى لكم وجها إلا أنكم إذا أردتم أن تقولوا شيئا تزعمونه تقولون إنه قول جعفر بن محمد الصادق لا أعرف لكم سببا تستندون إليه غير هذا الكلام ... فتمسكوا بحمقهم و غباوتهم بهذه السوءة التي دلهم عليها، فكلما أرادوا أن يختلقوا بدعة، أو يخترعوا كذبة. نسبوها إلى ذلك السيد الصادق، و هو عنها منزه، و من مقالتهم في الدارين بري‏ء).

هذا ما ذكره الأستاذ و أعجب به و نحن لا نعجب من مؤثرات العاطفة و بواعث الحقد.

لقد أعجب الأستاذ بهذه الدعابة و هي من سخرية الجاحظ- إن صح ذلك- التي يضل بها البسطاء، و تشكيك الضعفاء، يضعها في كتبه للمضاحيك و العبث، يريد بذلك استمالة الأحداث و شراب النبيذ (1).

و من العجيب أن تكون هذه الدعابات دليلا في الأبحاث العلمية، و حجة يستدل بها على المقصود، و أعجب من ذلك أن مثل هذا يصدر ممن يفترض فيه أن يكون أستاذا متحررا و مثقفا متنورا، و هو الأستاذ الذهبي المدرس بالأزهر، و الأزهر هو الجامعة الإسلامية الكبرى؛ التي أسست على التقوى، و خدمت العلماء و نشرت الثقافة، و قامت بالإصلاح.

إننا لنفخر بها و نعتز و هي مسئولة عن تصفية الخلافات بين المسلمين، و إيضاح الحق دون تعصب و تحيز، ليتقارب المسلمون، و تتوحد كلمتهم ليكونوا قوة متماسكة، تتسلح بالإيمان باللّه، و تهتدي بهدى الرسول، لرد هجمات المعتدين،

____________

(1) انظر مختلف الحديث لابن قتيبة 71 تجد وصف الجاحظ بذلك.

425

و صد تيارات الملحدين، في هذا العصر الذي انتشرت فيه الدعوة لغير اللّه تعالى و تتضاعف فيه الحملات المعادية للإسلام.

من المؤسف حقا أن الشيخ المدرس في الأزهر الشريف يحاول بهذه الدعابة المضحكة أن يبرز لقرائه أو يغذي عقول تلامذته بأن جميع ما عند الشيعة من أخبار و تراث علمي إنما هو موضوع حسب ما أقره الأسفراييني بأسطورته، و ذكره في خرافته، و أعجب به الأستاذ في دراسته!! غريب و أيم الحق فهل كانت الشيعة أمة يسودها الجهل أو يضفي عليها النسيان ذيله، و ليس لهم في الحركة الفكرية الإسلامية أي أثر؟!! أتجاهل الأستاذ أم جهل مدرسة الشيعة التي غذّت الفكر الإسلامي بعلومها، و خدمت الأمة بآثارها؟

أ ليس من رجال الشيعة من كانوا حملة حديث، و أئمة فقه، و إليهم تشد الرحال من البلدان الإسلامية لأخذ العلوم منهم، و الرواية عنهم، في عصر الجاحظ و قبله و بعده.

و كان منهم عدد غير قليل من كبار شيوخ البخاري صاحب الصحيح و المعبر عنه (بأمير المؤمنين في الحديث) فقد أخذ عن الشيعة، و حضر عند جماعة منهم، و روى في صحيحه عنهم أمثال:

خالد بن مخلد القطواني المتوفى سنة 213.

إسماعيل بن أبان الوراق المتوفى سنة 216.

جرير بن عبد الحميد بن قرط المتوفى سنة 188.

عبد اللّه بن موسى المتوفى سنة 213.

مالك بن إسماعيل النهدي المتوفى سنة 217.

سعيد بن كثير بن عفير المتوفى سنة 226.

سعيد بن محمد بن سعد الجرمي المتوفى سنة 233.

الفضل بن دكين المتوفى سنة 218.

و غير هؤلاء كما ستقف على تراجمهم في هذا الجزء إن شاء اللّه.

426

و كذلك الإمام أحمد بن حنبل حضر عند جماعة منهم و أخذ العلم عنهم، منهم:

سعيد بن خيثم بن رشد بن هلال أبو معمر الكوفي المتوفى سنة 180.

عبد اللّه بن داود أبو عبد الرحمن الهمداني المتوفى سنة 212.

عبد الرزاق بن همام الصنعاني المتوفى سنة 211.

محمد بن فضيل بن غزوان المتوفى سنة 195.

عائذ بن حبيب الملاح الكوفي المتوفى سنة 190.

علي بن غراب أبو الحسن الفزاري الكوفي المتوفى سنة 184.

تليد بن سليمان المحاربي أبو سليمان الكوفي المتوفى سنة 205.

علي بن هشام بن البريد العابدي أبو الحسن الكوفي المتوفى سنة 180.

علي بن الجعد أبو الحسن الهاشمي المتوفى سنة 230.

الفضل بن دكين المعروف بأبي نعيم المتوفى سنة 219.

هشيم بن بشير الواسطي المتوفى سنة 183.

و غير هؤلاء من رجال الشيعة الذين كانوا قبل أن يولد الجاحظ، و بعضهم كان معاصرا له فهل يصح يا أستاذ الحديث أن يكون مثل هؤلاء الذين هم أئمة الفقه و علم الحديث، أن يقال ليس لديهم شي‏ء فالتجئوا إلى الجاحظ ليضع لهم شيئا فلم يجد إلا أنه دلهم على الكذب؟!! ثم نعود و نقول إن الإمام الشافعي قد أخذ العلم عن الشيعة و كان في طليعة شيوخه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى الأسلمي المدني المتوفى سنة 184 و هو من تلامذة الإمام الباقر (عليه السلام) و ولده الإمام الصادق (عليه السلام)، و له كتاب مبوب في الحلال و الحرام في فقه الشيعة، و قد أكثر الشافعي من النقل عنه و روى عنه أيضا ابن جريح، و الحسن بن عرفة و هو من شيوخهما و ستقف قريبا إن شاء اللّه على ترجمته و تراجم غيره من رجال الشيعة الذين روى عنهم أصحاب الصحاح و السنن.

و بعد هذا نقول:

إن الأستاذ حكم هواه فوجد رؤساء من الشيعة يضعون الحديث نصرة

427

للمذهب، و لم يذكر منهم إلا جابر الجعفي المحدث الكبير، و لم يأت بدليل على ما يقول، و لم يسند ذلك لمصدر.

و لو سلمنا جدلا أن هناك من يضع الحديث من الشيعة لنصرة المذهب فنحن نستحلفه بما يدين هل سلمت بقية الفرق و المذاهب من ذلك؟؟ عند ما هبت عواصف الآراء في المجتمع و تحكمت الأهواء، و اشتدت الخلافات و لعبت الضغائن لعبتها، و تدخلت الفتنة المحمومة تدخلها.

لا أظن أن أحدا له أدنى معرفة أو إلمام ينكر ما بلغت إليه الحالة من الافتراء و التزوير و الكذب على اللّه و على رسوله، تقوية للمبدإ و انتصارا للمذهب، يوم تحكمت الخلافات و اشتد الصراع العقائدي.

يقول الأستاذ عبد اللطيف دراز- مدير الأزهر و المعالم الدينية-: و قد غذيت هذه الخلافات و هذه السياسات بكثير من الروايات الملفقة و الأحاديث الموضوعة، و الأخبار المفتراة، و امتلأت كتب التفسير و المغازي و المناقب بما لا يحصى من الأكاذيب، و أصبح بجوار كل آية في كتاب اللّه تعالى رواية من الروايات تحمل عليها، و فسر القرآن بما يوافق أصحاب الآراء و قبل من الأحاديث ما يؤيدهم، و طعن فيما يخالفهم، و اشتبه الأمر فيما يقبل و فيما يرضى، و فيما يصح ليس على الوسط من الناس فحسب و لكن على بعض ذوي العقول الراجحة و الذكاء الألمعي أيضا، و لم يسلم من ذلك إلا من عصم اللّه و قليل ما هم.

و قد شهدت الأمة الإسلامية مع هذا نوعا آخر من أنواع الخلاف و التفرق هو خلاف الاتباع و المتعصبين للأئمة الذين ظنوا التزام مذهب من المذاهب بعينه دينا لا يجوز للمسلم أن يخالفه، و أدرجوا ذلك في حكم العقائد، و رتبوا عليه مسائل فقهية حكم من قلد غير الأربعة، و من قلد غير إمامه من الأربعة و من لفق في العبادة أو المعاملة بين مذاهب عدة، و من أفتى بغير الراجح أو المعول عليه أو المفتى به، أو بتعبير أدق بغير ما وصف في الكتب بأنه كذلك إلى غير هذا من المسائل التي ما أثارها إلا العصبية المذهبية و التي قامت بنصيبها في تفريق الأمة الإسلامية ... الخ‏ (1).

____________

(1) رسالة الإسلام العدد الثالث السنة الأولى 1368.

428

فكم حدثنا التاريخ عن أناس تعمدوا الكذب على اللّه و على رسوله انتصارا لمذاهبهم و طعنا على مخالفيهم.

فهذا محمد الثلجي شيخ الحنفية المتوفى سنة 266 قالوا عنه بأنه كان يضع أخبار التشبيه و ينسبها إلى أصحاب الحديث ذكر ذلك ابن العماد نقلا عن ابن عدي‏ (1).

و نعيم بن حماد المتوفى سنة 218 كان يضع الحديث في تقوية السنة و يذكر حكايات مزورة في ثلب أبي حنيفة (2).

و أبو العشائر البلوي المتوفى سنة 610. كان غاليا في التسنن شديد التعصب، متحاملا على آل البيت و شيعتهم، و كان يقول أشياء منكرة لا نحب ذكرها (3).

و أحمد بن عبد اللّه الأنصاري: كان من الوضاعين لنصرة السنة و كان يفسر قوله تعالى: يوم تبيض وجوه (يعني أهل السنة) و تسود وجوه يعني أهل البدعة (4).

و أبو بشر أحمد بن محمد الكندي المتوفى سنة 324 كان إماما في السنة و الرد على المبتدعة، و كان وضاعا للحديث كذابا (5).

و عبد العزيز بن الحارث التميمي المتوفى سنة 371 من رؤساء الحنابلة وضع في مسند أحمد بن حنبل حديثين منكرين‏ (6).

و أبو عبد الرحمن السلمي محمد بن الحسين النيسابوري المتوفى سنة 412.

كان مصنفا و محدثا، صنف في التفسير و التاريخ و غيره، و كان يضع الحديث للصوفية (7).

و أحمد بن محمد بن حرب كان وضاعا للحديث و قد وضع لنصرة الحنابلة

____________

(1) شذرات الذهب 2: 151.

(2) المصدر السابق 2: 67.

(3) شذرات الذهب 5: 43.

(4) لسان الميزان 4: 193.

(5) مرآة الجنان لليافعي 2: 287.

(6) الخطيب 10: 462.

(7) شذرات الذهب 3: 196.

429

حديثا عن أبي هريرة أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: من قال القرآن مخلوق فهو كافر (1).

و إسماعيل بن عبد اللّه بن أويس الأصبحي المتوفى سنة 227 ابن أخت مالك بن أنس و نسيبه، كان يضع الحديث لأهل المدينة إذا اختلفوا فيما بينهم‏ (2).

و أحمد بن محمد بن عمر بن مصعب بن بشر بن فضالة المروزي المتوفى سنة 323 هو أحد الوضاعين و الكذابين، مع كونه كان محدثا إماما في السنة و الرد على المبتدعة (3).

و قال الدار قطني: كان حافظا عذب اللسان و الرد على المبتدعة، لكنه يضع الحديث‏ (4).

و قال ابن حبان: كان ممن يضع المتون و يقلب الأسانيد. لعله قد قلب على الثقات أكثر من عشرة آلاف حديث و في الآخر ادعى شيوخا لم يرهم، فصرت أنكر عليه، فكتب يعتذر إلي، على أنه من أصلب أهل زمانه في السنة، و أبصرهم بها، و أذبهم لحريمها، و أقمعهم لمن خالفها (5).

و أحمد بن الصلت بن المغلس أبو العباس الحماني المتوفى سنة 280.

كان يضع الأحاديث في مناقب أبي حنيفة، و منها ما يضعه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و منها ما يضعه عن العلماء في فضل أبي حنيفة كما حدث عن سفيان بن عيينة أنه قال:

العلماء ابن عباس في زمانه، و الشعبي في زمانه، و أبو حنيفة في زمانه، و الثوري في زمانه.

و إنما وضع ابن المغلس هذا القول عن لسان ابن عيينة لأن ابن عيينة كان سيئ الرأي في أبي حنيفة و يعلن بذمه و سوء القول فيه‏ (6).

____________

(1) لسان الميزان 1: 218.

(2) تهذيب التهذيب 1: 311.

(3) الشذرات 2: 298.

(4) تذكرة الحفاظ 3: 24.

(5) تذكرة الحفاظ 3: 14 و ميزان الاعتدال 1: 70.

(6) تأريخ بغداد 4: 208.

430

و قد توسعت دائرة الوضع في المناقب لأصاحب المذاهب إلى حد بعيد خرجوا فيه عن حدود المعقول، و قد سبقت الإشارة لذلك.

و كان من أعظم الجرأة على اللّه و رسوله هو وضع الأحاديث في نصرة المذهب أو تأييد القول الذي يخالف الآخرين حبا للغلبة حتى لو كان الخلف بين أهل المذهب الواحد.

فهذا أصبغ بن خليل القرطبي المتوفى سنة 272 كان حافظا للرأي على مذهب مالك، و دارت عليه الفتيا.

قال الذهبي: و لم يكن له علم بالحديث و لا معرفة بطرقه و كان يعاديه و يعادي أصحابه و بلغ من عصيبته لرواية ابن القاسم في عدم ترك رفع اليدين في الصلاة؛ أن افتعل حديثا في ترك رفع اليدين.

و الغريب أن بعضهم اعتذر عن هذا الافتعال و الكذب على اللّه و على رسوله بأنه لم يقصد الكذب، و إنما قصد تأييد مذهبه.

قال القاضي عياض: و هذا كلام لا معنى له، و كل من كذب على النبي فإنما كذب لتأييد غرضه‏ (1).

و من الخير أن نشير إلى الرواية التي وضعها أصبغ عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في ترك رفع اليدين.

و هي عن عبد اللّه بن مسعود أنه قال: صليت خلف النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و خلف أبي بكر و عمر اثنتي عشرة سنة و خمسة أشهر، و خلف عثمان اثنتي عشرة سنة، و خلف علي بالكوفة خمس سنين، فلم يرفع أحد منهم يديه إلا في تكبيرة الافتتاح.

هذه هي الرواية التي وضعها أصبغ لتأييد مذهبه، و نود أن نوضح بعض ما فيها من مخالفات للواقع بالإعراض عن مناقشة السند فإن فيه رجالا لم يسمع بعضهم من بعض، و لكننا نشير لمخالفات المتن و هي:

____________

(1) انظر لسان الميزان 1: 458.

431

إن عبد اللّه بن مسعود توفي سنة 32 و كانت وفاة عثمان سنة 35 أي أنه مات قبل وفاة عثمان بثلاث سنين.

و أيضا هو لم يدرك زمن علي (عليه السلام) بالكوفة، لأن وفاته كانت سابقة عليه.

قال الذهبي: و ابن مسعود ما صلى خلف عمر و عثمان إلا قليلا لأنه كان في غالب دولتهما في الكوفة فهذا (الحديث) من وضع أصبغ‏ (1).

و لعلنا فيما أوردناه على سبيل المثال قد أوضحنا جانبا مهما نستطيع أن نعرف مدى التعصب الذي ابتليت الأمة بسببه، و ما خلفته آثاره السيئة من خلاف و تشويه للحقائق.

إن افتعال عشرة آلاف حديث أو تغيير متونها و تقليب أسانيدها نصرة للمبدإ، و تعصبا على من خالفه لهو أمر عظيم و حدث جسيم في إثارة الضغائن و إيقاد نار الفتنة بين الطوائف كما فعله المروزي الآنف الذكر.

و أعظم من هذا أنه يرى ذلك نصرة للسنة، و محاربة للبدعة، و كم مثله من أناس وضعوا الأحاديث لغرض في نفوسهم.

نقل الحاكم عن الحافظ سهل بن السري أن أحمد الجويباري و محمد بن تميم و محمد بن عكاشة، و ضعوا على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عشرة آلاف حديث.

و كثير أمثال هؤلاء الذين اجترءوا على وضع الأحاديث، نصرة لمبادئهم و كانوا يرون هذا حسنا يتقربون به إلى اللّه، كما يقول ابن كادش- عند ما وضع حديثا في فضل أبي بكر، مقابلة لحديث ورد في فضل علي (عليه السلام)-: أ ليس فعلت جيدا؟

و لا نريد أن نمضي في البيان عما وجدنا من الوضاعين للحديث تعصبا و عسى أن يقتنع الأستاذ بهذا النزر فيعترف بخطئه عما نسبه للشيعة وحدهم من الوضع- أو وجدهم كذلك على حد تعبيره-. و هذه النسبة مجرد ادعاء فارغ من دون تثبيت و روية بل هو مقلد لغيره في الافتراء و الكذب على الشيعة و عساه يرجع إلى ما يفرضه عليه العلم من التتبع خدمة للعلم و هناك يتضح له خطأ ما ذهب إليه و كذب ما ادعاه.

____________

(1) ميزان الاعتدال 1: 125.

432

و إذا أردنا أن نولي وجه البحث شطر المتعصبين للمذاهب الأربعة بصورة خاصة فإنا نجد هناك ما يبعث على الاستغراب- بل الألم الذي يحز في النفوس- مما أدت إليه سوء الحال خضوعا للعصبية و انقيادا للعاطفة العمياء حتى (تمسكوا بأقوال أئمتهم تمسكا جعلهم يقدمونها على كتاب اللّه و سنة رسوله) (1).

و أصبحوا (إذا قيل لهم: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقولون قال (فلان) (2) أي رئيس المذهب و كانوا يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم‏ (3).

و يقول السيد محمد صديق حسن- حول التمسك بآراء المتأخرين من الفقهاء-:

و قد ابتلي بهذه البلية من متأخري المقلدة للمذاهب الأربعة المشهورة فابرزوا من التفريعات و التخريجات ما لا تظله السماء، و لا تقله الأرض، و منذ حدثت هذه البدع رفعت من السنة غالبها، حتى أن الجاهل من هؤلاء يزعم أن كل مسألة في كل كتاب فقهي من المذهب الحنفي مثلا و الشافعي مثلا هي في أم الكتاب.

و يتحرج عن العمل بما ثبت من القرآن و الحديث صراحة و نصا، و ظاهرا و لا يتحرج عن العمل بما قاله إمامه.

و منهم من يؤول الحديث إلى مؤدى المذهب، و لا يصرف المذهب إلى مدلول الحديث‏ (4).

و يقول أيضا: و اتخذوا مقالات الأئمة الكرام ديانة لهم، و منهاجا ينهجون إليه، و شرعة يسلكونها.

إذا وقفوا على آية محكمة أو سنة قائمة، أو فريضة عادلة تخالف مذهبهم صاروا يؤولونها على غير تأويلها، و يصرفونها عن ظاهرها إلى ما تقرر عندهم من المذاهب و المشارب، و طفقوا يطعنون على من عمل بفحواها الظاهر، و مبناها الباهر.

مع أن كتاب اللّه سابق على وجود إمامهم و مقالاته، و سنة رسوله سابقة على هذه المجتهدات‏ (5).

____________

(1) انظر همم ذوي الأبصار 51.

(2) توالي التأسيس لابن حجر 76.

(3) الاعتصام للشاطبي 3: 259.

(4) انظر الدين الخالص 3: 245.

(5) المصدر السابق 3: 263.

433

(ملاحظة:) إن أهم ما نلاحظه في منهج الأستاذ المؤلف تنكّره لفضائل أهل البيت (عليهم السلام)، لأنه يرى أن كل آية جاءت في حقهم هي موضوعة، و هو بذلك يتأسى برجال قبله أساءوا إلى أنفسهم و فسدت دنياهم و ضاعت جهودهم و انعكست عليهم كأنما كانوا يسعون إلى إحياء ذكر أهل البيت و إفشاء محبتهم بين الناس كلما ازدادوا نصبا لهم و افتراء عليهم.

و عند كلامه حول تفسير الطبرسي يقول في ص 137 ج 2:

هذا و لا يفوتنا أن نقول إن الطبرسي (رحمه اللّه) لم يكن صادقا في وصفه لكتابه هذا بأنه محجة للمحدث، ذلك لأنا تتبعناه فوجدناه غير موفق فيما يروي من الأحاديث في تفسيره، فقد أكثر من ذكر الموضوعات خصوصا ما وضعه الشيعة و نسبوه إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أو إلى أهل البيت، مما يشهد لمعتقداتهم و يدل على تشيعهم.

إلى أن يقول: فمثلا عند تفسيره لقوله تعالى: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ نجد أنه يذكر من الروايات ما هو موضوع على ألسنة الشيعة ثم يمر عليها بدون تعقيب منه، مما يدل على أنه يصدقها و يقول بها، فهو بعد أن ذكر أقوالا أربعة في معنى هذه الآية نقل عن ابن عباس أنه قال: لما نزلت الآية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنا المنذر و علي الهادي من بعدي؛ يا علي، بك يهتدي المهتدون.

و نقل بسنده إلى أبي بردة الأسلمي أنه قال: دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالطهور و عنده علي فأخذ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بيد علي بعد ما تطهر فألزمها بصدره ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنما أنت منذر و لكل قوم هاد ..

و مثلا عند تفسيره لقوله تعالى: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ نجده يذكر أقوالا ثلاثة ... إلى أن يقول: و هنا يسوق (أي الطبرسي) الروايات عن أهل البيت و غيرهم ما يصرح بأن الذين أمر اللّه بمودتهم علي و فاطمة و ولداهما ... الخ.

و في حديثه عن تفسير فتح القدير للشوكاني يؤاخذه في نقله روايات تدل على فضل أهل البيت (عليهم السلام) و أنها موضوعة فيقول:

غير أني آخذ عليه- كرجل من أهل الحديث- أنه يذكر كثيرا من الروايات الموضوعة أو الضعيفة، و يمر عليها بدون أن ينبه عليها.

434

فمثلا نجده عند تفسيره لقوله تعالى في الآية: (55) من سورة المائدة: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ... الآية. و قوله في الآية: (67) منها: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ ... الآية يذكر من الروايات ما هو موضوع على ألسن الشيعة، و لا ينبه على أنها موضوعة ... الخ.

(و نحن نقول:) إن ما ذكره الأستاذ في هذا المورد من المؤاخذات هو غير صحيح، لأن هذه الروايات لم تكن واردة في تفسير الشيعة فقط أو من تخريجهم فحسب، حتى توصف بأنها موضوعة كما يدعي المؤلف مغالطة منه و نصبا.

فقد وردت في تفاسير إخواننا أهل السنة و خرجها العلماء الذين هم أعلم بصحة الروايات من الأستاذ و أعرف بالرجال منه و توضيحا للقارئ نقتطف فيما يلي ما رواه بعض المفسرين من غير الشيعة في هذا الموضوع.

أخرج ابن جرير و ابن مردويه و أبو نعيم في المعرفة، و الديلمي و ابن عساكر و ابن النجار، قال: لما نزلت: إِنَّما أَنْتَ مُنْذِرٌ وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يده على صدره فقال أنا المنذر و أومأ بيده إلى منكب علي رضي اللّه عنه، فقال: أنت الهادي، يا علي بك يهتدي المهتدون من بعدي.

و أخرج ابن مردويه عن أبي برزة الأسلمي رضي اللّه عنه سمعت رسول اللّه يقول: إنما أنت منذر و وضع يده على صدر نفسه، ثم وضعها على صدر علي و يقول: لكل قوم هاد.

و أخرج ابن مردويه و الضياء في المختارة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما في الآية قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المنذر، و الهادي علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه.

و أخرج عبد اللّه بن أحمد في زوائد المسند و ابن أبي حاتم و الطبراني في الأوسط و الحاكم و صححه و ابن مردويه و ابن عساكر عن علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه في قوله: إنما أنت منذر و لكل قوم هاد. قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المنذر، و الهادي رجل من بني هاشم يعني نفسه‏ (1).

____________

(1) انظر الدر المنثور 4: 45.

435

و روى ابن كثير في تفسيره عن ابن أبي حاتم بسند عن علي (عليه السلام) وَ لِكُلِّ قَوْمٍ هادٍ قال (عليه السلام): الهاد رجل من بني هاشم، قال الجنيد: هو علي بن أبي طالب.

قال ابن أبي حاتم: و روي عن ابن عباس في إحدى الروايات عنه و عن أبي جعفر محمد بن علي نحو ذلك‏ (1) أي أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هو المنذر و علي الهادي.

و قال الفخر الرازي- فيما نقله عن المفسرين-: القول الثالث المنذر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الهادي علي.

قال ابن عباس رضي اللّه عنهما: وضع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يده على صدره فقال:

أنا المنذر، ثم أومأ إلى منكب علي رضي اللّه عنه و قال: (أنت الهادي يا علي بك يهتدي المهتدون) (2).

و لا نطيل بذكر الشواهد على عدم صحة ما يقوله المؤلف فنخرج عن الغرض و نكتفي بهذا النزر القليل حول ما ورد في هذه الآية و قد ذكرها أكثر المفسرين و أوردوا الروايات مما يدل على شهرة ذلك.

أما ما يتعلق بالآية الثانية و هي:

(آية المودة في القربى:) لم يختلف المفسرون في أن هذه الآية نزلت في قرابة النبي و مودتهم و إنما الخلاف بينهم في المقصود منهم.

قال علاء الدين المعروف بالخازن: و اختلفوا في قرابته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقيل: علي و فاطمة و الحسن و الحسين رضي اللّه عنهم.

و قيل: من تحرم عليهم الصدقة من أقاربه و هم بنو هاشم و بنو المطلب‏ (3).

و قال أبو محمد الحسين الفراء: و اختلفوا في قرابته فاطمة الزهراء و علي‏

____________

(1) تفسير ابن كثير 2: 502.

(2) تفسير الفخر الرازي 19: 14.

(3) تفسير الخازن 6: 102.

436

و ابناهما و فيهم نزل: إِنَّما يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً.

و قيل هم الذين تحرم عليهم الصدقة من أقاربه و يقسم فيهم الخمس‏ (1).

و قد أخرج الحفاظ عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية قيل يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): علي و فاطمة و ابناهما.

أخرجه أحمد في المناقب و ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و الواحدي و الثعالبي و أبو نعيم و البغوي و غيرهم.

و رواه السيوطي عن ابن المنذر و ابن أبي حاتم و الطبراني و ابن مردويه عن سعيد بن جبير عن ابن عباس‏ (2).

و رواه ابن حجر عن أحمد و الحاكم و الطبراني عن ابن عباس‏ (3) ثم ذكر أبيات ابن العربي و هي:

رأيت ولائي آل طه فريضة* * * على رغم أهل البعد يورثني القربى‏

فما طلب المبعوث أجرا على الهدى* * * بتبليغه إلا المودة في القربى‏

قال: و أخرج أحمد عن ابن عباس في قوله تعالى: وَ مَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً قال هي المودة لآل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

روى النيسابوري في تفسيره عن سعيد بن جبير لما نزلت هذه الآية قالوا يا رسول اللّه: من هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم لقرابتك فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): علي و فاطمة و ابناهما.

قال النيسابوري: إن هذا فخر عظيم و شرف تام، و يؤيده ما روي أن عليا رضي اللّه عنه: شكا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حسد الناس فيه.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ ما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا و أنت و الحسن و الحسين و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا.

____________

(1) انظر تفسير معالم التنزيل 6: 101 بهامش تفسير الخازن.

(2) انظر الدر المنثور 6: 7.

(3) انظر الصواعق المحرقة 101.

437

و عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حرمت الجنة على من ظلم أهل بيتي، و آذاني في عترتي، و من اصطنع صنعة إلى أحد من ولد عبد المطلب و لم يجازه عليها فأنا أجازيه عليها.

و كان يقول: فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها، و ثبت بالنقل المتواتر أنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يحب الحسن و الحسين و إذا كان كذلك وجب علينا محبتهم لقوله تعالى:

فَاتَّبِعُوهُ‏ و كفى شرفا لآل رسول اللّه و فخرا ختم التشهد بذكرهم و الصلاة عليهم‏ (1).

هذا ما يقوله النيسابوري نظام الدين الحسن بن محمد في تفسيره لهذه الآية و هو باعتراف المؤلف ليس من تفاسير الشيعة و لا شي‏ء يدل على تشيعه فيه.

و أخرج ابن جرير في تفسيره بسنده عن أبي الديلم قال: لما جي‏ء بعلي ابن الحسين (عليه السلام) فأقيم على درج دمشق قام رجل من أهل الشام فقال: الحمد للّه الذي قتلكم و استأصلكم و قطع قرني الفتنة.

فقال له علي بن الحسين رضي اللّه عنه: أقرأت القرآن، قال نعم. قال:

أقرأت؟ قال قرأت ...

قال: قرأت، قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى؟

قال: و إنكم لأنتم هم؟!!. قال نعم‏ (2).

و أخرج الحافظ الكنجي في الكفاية:

عن جابر بن عبد اللّه: جاء أعرابي إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و قال: يا محمد أعرض علي الإسلام.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): تشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له و أن محمدا عبده و رسوله.

قال: تسألني عليه أجرا؟ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): لا إلا المودة في القربى.

قال: قرابتي أو قرابتك؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): قرابتي. قال: هات أبايعك فعلى من لا يحب قرابتك لعنة اللّه.

فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): آمين‏ (3)

____________

(1) انظر تفسير غرائب القرآن ج 25 ص 31 بهامش تفسير الطبري ط 1 الميمنية بمصر.

(2) تفسير الطبري 25: 14.

(3) كفاية الطالب.

438

و قال الزمخشري في تفسيره: و القربى كالزلفى مصدر بمعنى القرابة، و المراد في أهل القربى: روي أنها لما نزلت قيل: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): علي و فاطمة و ابناهما.

و يدل عليه ما روي عن علي (عليه السلام). شكوت إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حسد الناس لي.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ ما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة- أنا و أنت و الحسن و الحسين. و أزواجنا عن أيماننا و شمائلنا، و ذريتنا خلف أزواجنا.

و روي أن الأنصار قالوا: فعلنا و فعلنا، كأنهم افتخروا، فقال عباس و ابن عباس: لنا الفضل عليكم، فبلغ ذلك رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فأتاهم في مجالسهم.

فقال: يا معشر الأنصار أ لم تكونوا أذلة فأعزكم اللّه بي؟

قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ لم تكونوا ضلالا فهداكم اللّه بي؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه.

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): تقولون: أ لم يخرجك قومك فآويناك؟! أولم يكذبوك فصدقناك؟ أو لم يخذلوك فنصرناك؟ فما زال يقول حتى جثوا على الركب، و قالوا: أموالنا و ما في أيدينا للّه و لرسوله. فنزلت هذه الآية (1) و هي: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏.

و قال الفخر الرازي:- في تفسير هذه الآية- المسألة الثالثة نقل صاحب الكشاف عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال:

من مات على حب آل محمد مات شهيدا، ألا و من مات على حب آل محمد مات مغفورا له، ألا و من مات على حب آل محمد مات تائبا، ألا و من مات على حب آل محمد مات مؤمنا مستكمل الإيمان، ألا و من مات على حب آل محمد بشره ملك‏

____________

(1) الكشاف 2: 296 ط بولاق.

439

الموت بالجنة ثم منكر و نكير، ألا و من مات على حب آل محمد يزف إلى الجنة كما تزف العروس، ألا و من مات على حب آل محمد فتح اللّه له في قبره بابين إلى الجنة، ألا و من مات على حب آل محمد جعل اللّه قبره مزار ملائكة الرحمة، ألا و من مات على حب آل محمد مات على السنة و الجماعة.

ألا و من مات على بغض آل محمد مات كافرا، ألا و من مات على بغض آل محمد لا يشم رائحة الجنة.

قال الفخر الرازي: هذا هو الذي رواه صاحب الكشاف و أنا أقول: آل محمد هم الذين يؤول أمرهم إليه، فكل من كان أمرهم إليه أشد و أكمل كانوا هم الآل.

و لا شك أن فاطمة و عليا و الحسن و الحسين كان التعلق بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أشد التعلقات، و هذا كالمعلوم بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل.

و أيضا اختلف الناس في الآل فقيل: هم الأقارب و قيل هم أمته فإن حملناه على القرابة فهم الآل و إن حملناه على الأمة الذين قبلوا دعوته فهم أيضا آل فثبت على جميع التقديرات هم الآل أي علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام).

و أما غيرهم فهل يدخلون تحت لفظ الآل؟ فمختلف فيه.

و روى صاحب الكشاف أنه لما نزلت هذه الآية قيل: يا رسول اللّه من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): علي و فاطمة و ابناهما.

فثبت أن هؤلاء الأربعة أقارب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و إذا ثبت هذا وجب أن يكونوا مخصوصين بمزيد التعظيم، و يدل عليه وجوه:

الأول: قوله تعالى: إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى‏ و وجه الاستدلال به ما سبق.

الثاني: لا شك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يحب فاطمة (عليها السلام) قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «فاطمة بضعة مني يؤذيني ما يؤذيها»، و ثبت بالنقل المتواتر عن محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه كان يحب عليا و الحسن و الحسين و إذا ثبت ذلك وجب على كل الأمة مثله (حب علي و فاطمة و الحسن و الحسين) لقوله تعالى: وَ اتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ‏ و لقوله تعالى:

440

فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ‏ و لقوله تعالى: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏، و لقوله سبحانه: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ.

الثالث: أن الدعاء للآل منصب عظيم، و لذلك جعل هذا الدعاء خاتمة التشهد في الصلاة و هو قوله: اللهم صل على محمد و على آل محمد و ارحم محمدا و آل محمد.

و هذا التعظيم لم يوجد في حق غير الآل فكل ذلك يدل على أن حب آل محمد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) واجب و قال الشافعي:

يا راكبا قف بالمحصب من منى* * * و اهتف بساكن خيفها و الناهض‏

سحرا إذا فاض الحجيج إلى منى* * * فيضا كما نظم الفرات الفائض‏

إن كان رفضا حب آل محمد* * * فليشهد الثقلان أني رافضي‏ (1)

هذا ما ذكره الفخر الرازي في تفسيره و هذا ما استدل به على أن لفظ الآل و القربى هو منحصر في علي و فاطمة و الحسن و الحسين (عليهم السلام) و قد وردت في ذلك روايات كثيرة عن صاحب الرسالة الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

قال السيد صديق بن حسن القنوحي البخاري في تفسيره لهذه الآية: و عن ابن عباس قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في هذه الآية: تحفظوني في أهل بيتي و تودّوهم بي، أخرجه الديلمي و أبو نعيم‏ (2).

و عنه- أي عن ابن عباس- قال: لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول اللّه، من قرابتك هؤلاء الذين وجبت علينا مودتهم؟

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): علي و فاطمة و ولداهما. أخرجه ابن المنذر، و ابن أبي حاتم، و الطبراني، و ابن مردويه‏ (3).

و رواه ابن حيان في تفسيره الكبير عن ابن عباس بلفظ: من قرابتك الذين أمرنا

____________

(1) انظر التفسير الكبير للفخر الرازي 27: 165- 166.

(2) تفسير فتح البيان لمقاصد القرآن للسيد صديق بن حسن 8: 270.

(3) نفس المصدر.

441

بمودتهم؟ فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): علي و فاطمة و ابناهما (1) و رواه أيضا الشيخ إسماعيل حقي البروشوي المتوفى سنة 1137 في تفسيره عن ابن عباس بهذا اللفظ و قال و يدل عليه ما روي عن علي (عليه السلام) أنه قال شكوت إلى رسول اللّه حسد الناس لي فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أ ما ترضى أن تكون رابع أربعة أول من يدخل الجنة أنا و أنت و الحسن و الحسين. الحديث‏ (2).

ثم ذكر بعض الأحاديث الواردة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و منها يقول قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم):

من مات على حب آل محمد مات شهيدا ألا و من مات على حب آل محمد مات مغفورا له ألا و من مات على حب آل محمد مات تائبا ... الخ كما تقدم ذكره عن الفخر الرازي.

و عقبه بقوله: و آل محمد هم الذين يؤول أمرهم إليه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فكل من كان مآل أمرهم إليه أكمل و أشد كانوا هم، و لا شك أن فاطمة و عليا و الحسن و الحسين كان التعلق بينهم و بين رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أشد التعلقات بالنقل المتواتر فوجب أن يكونوا هم الآل‏ (3).

و لو أردنا أن نمضي في هذا الموضوع من تتبع أقوال المفسرين و تخريج الحفاظ لطال بنا المدى و اتسع الموضوع و لكنا نكتفي بهذا القدر القليل من أقوال هؤلاء العلماء.

و قول المؤلف بأن ما أورده الطبرسي و غيره من مفسري الشيعة في هذه الآية، أنها نزلت في علي و فاطمة و الحسن و الحسين من الأخبار الموضوعة أمر يدعو إلى الاستغراب.

لذا لا نعجب منه إذ لم يأت بدليل يثبت ما يدّعيه، و إنما كل ما يحاوله أنه وارد من طريق الشيعة فحسب، و ما أوردناه هنا يكفي أن يكون مقنعا له، إن كان هدفه الحقيقة، و هي هدف كل باحث منصف.

____________

(1) انظر تفسير البحر المحيط 7: 516.

(2) انظر تفسير روح البيان 8: 311.

(3) روح البيان 8 ص 312.

442

و لا أدري لما ذا يستنكر الأستاذ ورود أمثال هذه الآية و غيرها في أهل البيت؟! و قد وردت عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) في لزوم حبهم أحاديث هي أكثر من أن تحصى و قد خرجها حفاظ الحديث من علماء السنة. منها:

أخرج الترمذي عن علي (عليه السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أخذ بيد حسن و حسين فقال من أحبني و أحب هذين و أباهما و أمهما كان معي في درجتي يوم القيامة (1).

و أخرج من طريق أسامة بن زيد قال: طرقت باب النبي ذات ليلة في بعض الحاجة، فخرج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو مشتمل على شي‏ء لا أدري ما هو، فلما فرغت قلت:

ما هذا الذي أنت مشتمل عليه؟ قال: فكشفه فإذا حسن و حسين على وركيه.

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هذان ابناي، و ابنا ابنتي، اللهم إني أحبهما و أحب من يحبهما (2) و أخرج من طريق أبي هريرة مثله.

و روى ابن كثير أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بينما هو يخطب إذ رأى الحسن و الحسين (عليهم السلام) فنزل إليهما، فاحتضنهما، و أخذهما معه إلى المنبر و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) صدق اللّه‏ أَنَّما أَمْوالُكُمْ وَ أَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ. إني رأيت هذين يمشيان و يعثران فلم أملك أن نزلت إليهما. ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): إنكم لمن روح اللّه و إنكم لتبجلون و تحببون‏ (3).

و روى ابن كثير عن أحمد بن حنبل بطريق عن أبي هريرة قال: نظر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى علي و حسن و حسين و فاطمة فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): أنا حرب لمن حاربتم و سلم لمن سالمتم‏ (4).

و عن أبي هريرة أيضا أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «الحسن و الحسين من أحبهما فقد أحبني و من أبغضهما فقد أبغضني» (5).

و أخرج البخاري عن البراء بن عازب قال: رأيت النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الحسن على عاتقه يقول اللهم إني أحبه فأحبه‏ (6).

____________

(1) صحيح الترمذي 2: 301.

(2) صحيح الترمذي 2: 309.

(3) تاريخ ابن كثير ج 8: 33.

(4) تاريخ ابن كثير ج 8 ص 368.

(5) المصدر السابق.

(6) البخاري 5: 33 و أخرجه مسلم 7: 127.

443

و أخرجه مسلم عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنه قال للحسن (عليه السلام): اللهم إني أحبه فأحبه و أحب من يحبه‏ (1).

و أخرج البخاري في ج 5 ص 26 أن النبي قال: فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني. و مثله رواه في ص 36.

إلى غير ذلك من الأحاديث الصحيحة و الآيات الشريفة الواردة في حقهم على العموم كحديث الثقلين و غيره.

و آية التطهير و أمثالها أو على خصوص كل واحد منهم (صلوات اللّه عليهم) مما نطق به رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلزاما للأمة بمحبتهم و اتباعهم لأنهم أزمة الحق و أعلام الدين و ألسنة الصدق كما يقول الإمام علي (عليه السلام).

و هم كسفينة نوح من ركبها نجا و من تخلف عنها غرق و هوى و وصايا رسول اللّه في آله كثيرة لا تحصى، و لو اتسع المقام لذكرنا شطرا منها و لكنها نظرة خاطفة و قبسة عجلان.

(آية الولاية:) يزعم الأستاذ أن نزول آية الولاية- في الإمام علي عند ما تصدق بخاتمه- و هي قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏ إنما كان من وضع الشيعة و أكاذيبهم، و هو إذ يطلق هذا القول و يصدر هذا الحكم و لا يحسب للمؤاخذة عليه أي حساب و هو رجل له منزلة في مجتمعه إذ هو يتولى تدريس الحديث و التفسير فلا بد أن يكون له علم بكتب التفسير أو له إلمام بما ذكره المفسرون و الحفاظ من علماء السنة حول نزول هذه الآية.

أقول لا يعقل ذلك حسب رتبته و شهادته التي أهلته لأن يكون مدرسا في أكبر مؤسسة إسلامية و يربي جيلا يتولى توجيه الأمة و إرشادها. و من الغريب أن الأستاذ المؤلف في كثير من أبحاثه يتوارى وراء ستار شفاف ينم عما وراءه فيفضح أسراره و يكشف نواياه، كما لا تخفي عمته و زيه شيئا من حقيقته.

____________

(1) صحيح مسلم 7: 127.

444

إنه يؤاخذ المفسرين من الشيعة كرجل من أهل الحديث‏ (1) و إذا كان كذلك كيف يجهل ما ذكره المفسرون و الحفاظ حول هذا الموضوع؟!! و لا أعتقد أنه يتجاهل و إنما ذلك أقصى جهده و غاية علمه، و إلا فانه تجاهل بقصد العناد الذي ينعكس عن روح التعصب الأعمى الذي يذهب بكل رونق للمسلم و يبطل أثر التحصيل في الفكر.

و نحن هنا نقدم للقراء- كدليل على ما نقوله- بعضا من أولئك الرجال الذين ذكروا أن نزول هذه الآية في الإمام علي (عليه السلام) ملتزمين طريقة الاختصار على البعض خشية الإطالة و اتساع الموضوع.

قال الواحدي في أسباب النزول: إن هذه الآية نزلت في علي بن أبي طالب لأنه أعطى خاتمه سائلا و هو راكع.

و عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) خرج إلى المسجد و الناس بين قائم و راكع فنظر سائلا فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): هل أعطاك أحد شيئا؟

قال: نعم خاتم.

قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): من أعطاكه؟

قال: ذاك القائم و أشار بيده إلى علي (عليه السلام).

فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): على أي حال أعطاكه؟

قال: أعطاني و هو راكع فكبر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) ثم قرأ: و من يتولى اللّه و رسوله و الذين آمنوا فإن حزب اللّه هم المفلحون. ا ه (2).

و قال السيوطي في اللباب: و له شاهد قال عبد الرزاق حدثنا عبد الوهاب عن مجاهد عن ابن عباس في قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا الآية نزلت في علي بن أبي طالب.

و أخرج ابن جرير عن مجاهد و ابن أبي حاتم عن سلمة بن كهيل مثله‏ (3).

____________

(1) التفسير و المفسرون 2: 288.

(2) أسباب النزول للواحدي- 148.

(3) لباب النقول في أسباب النزول للسيوطي- 9.

445

و ذكر محب الدين أبو العباس الطبري أن هذه الآية نزلت في علي و هي من بعض الآي الذي نزل في حقه‏ (1).

أخرج ابن جرير (2) بطريق عن مجاهد أنه قال: في قوله تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ... الآية: إنها نزلت في علي بن أبي طالب.

و أخرج عن عبد الملك أنه قال: سألت أبا جعفر عن قول اللّه: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ... الآية.

قال: نزلت في علي بن أبي طالب تصدق و هو راكع. و أخرج مثله عن هناد عن عبد الملك.

و أخرج بطريق عن عتبة بن حكيم في هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ الَّذِينَ آمَنُوا قال: هو علي بن أبي طالب.

و قال نظام الدين الحسن بن محمد النيسابوري في تفسيره: روي أن عبد اللّه بن سلام قال: لما نزلت هذه الآية قلت: يا رسول اللّه أنا رأيت عليا تصدق بخاتمه على محتاج و هو راكع فنحن نتولاه.

و روي عن أبي ذر أنه قال: صليت مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يوما صلاة الظهر فسأل سائل في المسجد فلم يعطه أحد فرفع يده إلى السماء و قال: اللهم اشهد أني سألت في مسجد الرسول فما أعطاني أحد شيئا. و علي (عليه السلام) كان راكعا فأومأ إليه بخنصره اليمنى و كان فيها خاتم فأقبل السائل حتى أخذ الخاتم ثم قرأ النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فقال اللهم إن أخي موسى سألك فقال: رب اشرح لي صدري: إلى قوله و أشركه في أمري. فأنزلت قرآنا ناطقا: سنشد عضدك بأخيك و نجعل لكما سلطانا، اللهم و أنا محمد نبيك و صفيك فاشرح لي صدري و يسر لي أمري و اجعل لي وزيرا من أهلي عليا أشدد به أزري.

____________

(1) انظر ذخائر العقبى- 88.

(2) تفسير الطبري ج 6 ص 165.

446

قال أبو ذر: ما أتم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) هذه الكلمة حتى نزل جبرائيل فقال يا محمد اقرأ: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ ... الآية (1).

و قال الزمخشري: إنها نزلت في علي (كرم اللّه وجهه) حين سأله سائل و هو راكع في صلاته فطرح له خاتمه، كأنه كان مرجا في خنصره فلم يتكلف لخلعه كثير عمل تفسد فيه صلاته.

ثم أورد على نفسه فقال: فإن قلت: كيف صح أن يكون لعلي رضي اللّه عنه و اللفظ لفظ جماعة؟

قلت: جي‏ء به عن لفظ الجمع و إن كان السبب فيه رجلا واحدا ليرغب الناس في مثل فعله، فينالوا ثوابه و لينبه على أن سجية المؤمنين يجب أن تكون على هذه الغاية من الحرص على البر و الإحسان و تفقد الفقراء حتى إن لزمهم أمر لا يقبل التأخير و هم في الصلاة لم يؤخروه إلى الفراغ منها (2).

و قال أبو بكر الجصاص الحنفي: روي عن أبي جعفر و عتبة بن حكيم أنها نزلت في علي بن أبي طالب حين تصدق بخاتمه.

و قال- بعد ذكره لقوله تعالى: وَ يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَ هُمْ راكِعُونَ‏: يدل على أن صدقة التطوع تسمى زكاة لأن عليا تصدق بخاتمه تطوعا (3).

و قال السيوطي: أخرج الخطيب في المتفق عن ابن عباس قال تصدق علي بخاتمه و هو راكع فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) للسائل: من أعطاك هذا الخاتم؟

قال: ذاك الراكع فأنزل اللّه تعالى: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏.

و أخرج عبد الرزاق و عبد بن حميد و ابن جرير و أبو الشيخ و ابن مردويه عن ابن عباس في قوله: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ ... الآية قال: نزلت في علي بن أبي طالب.

و أخرج الطبراني في الأوسط و ابن مردويه عن عمار بن ياسر قال وقف بعلي سائل و هو راكع في صلاة تطوع فنزع خاتمه فأعطاه السائل فأتى رسول اللّه فأعلمه ذلك فنزلت على النبي هذه الآية: إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ‏ الآية.

____________

(1) تفسير النيسابوري 6: 145 بهامش تفسير ابن جرير.

(2) الكشاف 1: 218.

(3) أحكام القرآن للجصاص 2: 542- 543.

447

و أخرج ابن مردويه و أبو الشيخ عن علي مثله ... و ذكر السيوطي عدة طرق في أسباب نزول هذه الآية و أنها نزلت في علي (عليه السلام)(1).

و قد خرج حديث نزول هذه الآية كثير من الحفاظ و المفسرين ما يربو عددهم على الستين.

كالحافظ أبي عبد الرحمن النسائي المتوفى سنة 303 في سننه.

و الحافظ أبي القاسم الطبراني المتوفى سنة 360 في الأوسط.

و الفقيه ابن المغازلي الشافعي المتوفى سنة 483 من خمسة طرق.

و الحافظ أبي عبد اللّه محمد بن عمر الواقدي المتوفى سنة 207.

و غيرهم ممن ذكرناهم آنفا و ممن لم نذكرهم اختصارا للموضوع و في هذا القدر- بل بعضه- كفاية على رد ما يزعمه الأستاذ حول وضع حديث نزول هذه الآية في الإمام علي و انها من موضوعات الشيعة و لم يكن لقوله هذا حجة و لا لحكمه برهان.

و الدعاوى إن لم تقام عليها* * * بينات أبناؤها أدعياء

و غريب من الأستاذ هذا الجمود الفكري الذي لا يتناسب مع ألقابه العلمية و هو مع كثرة ما دبج يراعه من مؤلفات لم يجعل لتفكيره مجالا للخروج من ربقة التعصب و قيود الاستسلام، لأن الذهبي- و لو أضفنا ميما في أول لقبه لكان أدل- له مؤلفات أخرى.

(آية التبليغ:) و هي قوله تعالى: يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ (2).

و قد صدع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بتبليغها يوم غدير خم، و أقام في ذلك الهجير، و خطب هناك و بلغ، و قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) فيما قال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه)، و حديث الغدير حديث شجون فقد تنكر له بعض و حرفه آخرون و لا نستطيع هنا إيراد نصوصه و ذكر أسانيده.

____________

(1) الدر المنثور 2: 293.

(2) سورة المائدة: 67.

448

و قد ذكر أكثر المفسرين نزول هذه الآية يوم الغدير، و أنكرها آخرون و قد تعرضنا لهذا الموضوع في الجزء الأول، و هو أعظم من أن يدرس بمثل هذه السرعة.

و قد تكفل شيخنا العلامة الأميني في كتابه (الغدير) جميع ما يتعلق بهذا الموضوع و استخراج أحاديثه ببحث علمي يتركز على المنطق الصحيح و نكتفي في الإشارة بالرجوع إليه في هذا الموضوع‏ (1).

و إننا- كما قلنا- لم نتعرض لرد ما أورده من المخالفات جملة جملة و فقرة فقرة.

و أود هنا أن ألفت نظر المؤلف حول التأويل للأحاديث عند الشيعة نصرة للمذهب- كما يقول و لا صحة لقوله- فهل خفي عليه أبواب التأويل التي فتحت عند غيرهم لحمل الأخبار بل الآيات القرآنية على غير مؤداها.

و للمثال نذكر ما قال النووي في صحيح مسلم عند تخريجه لرواية سعد بن أبي وقاص في مناقب الإمام علي (عليه السلام) و أن معاوية أمر سعدا أن يسب عليا فامتنع سعد فقال معاوية: ما منعك أن تسب أبا تراب؟

فقال: أما ما ذكرت ثلاثا قالهن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) له فلن أسبه، لأن تكون لي واحدة منهن أحب إلي من حمر النعم:

سمعت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول له: أ ما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي.

و سمعته يقول له يوم خيبر: (لأعطين الراية رجلا يحب اللّه و رسوله و يحبه اللّه و رسوله). فتطاولنا لها فقال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): ادعو لي عليا فأتي به أرمد فبصق في عينه، و دفع الراية إليه.

و لما نزلت هذه الآية: فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَ أَبْناءَكُمْ‏ ... الآية دعا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عليا و فاطمة و حسنا و حسينا، فقال: اللهم هؤلاء أهلي‏ (2)

____________

(1) الكتاب موسوعة كبيرة يقع في عشرين مجلدا.

(2) شرح صحيح مسلم للنووي 15: 177.

449

قال النووي: قال العلماء: الأحاديث الواردة في ظاهرها دخل علي صحابي يجب تأويلها ..

ثم أخذ النووي في التأويلات المبررة من أمر معاوية سعدا بالسب و ذكر وجوها.

و ما أوسع هذا الباب الذي تدخل فيه الأحاديث بصورة و تخرج بصورة أخرى و كذلك الحوادث التاريخية تصب في غير قالبها و تبرز في غير إطارها تقوية للرأي و نصرة للمذهب و ما أكثر الأمثال على ذلك و لنترك الخوض في مثله، و قد ترفّع الشيعة عن هذا المسلك، و امتنعوا عن نصرة التشيع بما لم يتأيد دليله و برهانه ..

(و قبل الختام نقول:) إن الذين يسترعي الانتباه: هو أن المؤلف قسم التفسير بالرأي إلى قسمين:

الأول: التفسير بالرأي الجائز و فيه يذكر كتب التفسير للسنة كتفسير الرازي و البيضاوي و غيرهما من ص 288 إلى ص 362 ج 1.

الثاني: التفسير بالرأي المذموم، أو تفسير الفرق المبتدعة، و تبتدئ من ص 363 إلى ص 482 من الجزء الأول.

و هنا يتكلم أولا عن المعتزلة و موقفهم من تفسير القرآن، و أول ما يذكر من تفاسيرهم: تفسير القاضي عبد الجبار، ثم يذكر أمالي السيد المرتضى علم الهدى المتوفى سنة 436 و هو من كبار علماء الشيعة الإمامية، و علم من أعلامهم، و لكن الأستاذ نسبه للاعتزال و جعل أماليه من تفاسير المعتزلة بدون استناد.

نعم ذهب لهذا المستشرق جولد تسهير في كتابه مذاهب التفسير الإسلامي عند ما ذكر اتحاد طريقة السيد المرتضى في التفسير مع طريقة أبي علي الجبائي من حيث اللغة، و حمل العبارات الدالة على التشبيه، أو التي لا تليق بمقام الألوهية، على تأويلات أليق و أبعد عن التشبيه ... الخ‏ (1).

و الأستاذ المؤلف سار على ذلك الفرض فجزم بأن السيد المرتضى معتزلي‏

____________

(1) انظر كتاب مذاهب التفسير الإسلامي 136: 140.

450

و جعل تفسيره لهم تقليدا للمستشرقين و اتباعا لهم فيما يذهبون إليه في آرائهم المخالفة للحقيقة.

ثم ذكر تفسير الكشاف للزمخشري و ينتهي في آخر الجزء من البحث حول المعتزلة أو الفرقة المبتدعة.

و في أول الجزء الثاني يأتي دور الفرقة الثانية و هم الشيعة و منهم الإمامية الاثنا عشرية، و هناك يتكلم الأستاذ حسب ذوقه و إدراكه، و هو إذ يتناول البحث عنهم فإنما يرى أن طعنهم شي‏ء مستحسن، بل من الدين ذلك كما يراه، لأنهم مبتدعة، و كل بدعة ضلالة فهم ضالون في نظره و الإسلام محتكر له- عافاه اللّه- و من دين الذهبي أن يبرزهم في إطار التضليل و الابتعاد عن الإسلام.

و على هذا التفكير وضوء هذه النظرة سار في بحثه معتمدا على أباطيل المستشرقين، و خرافات المغرضين. و كلما توغلنا في بحثه ازددنا ثقة بخطل رأيه و قصر نظره.

و من هذا و ذاك- فإنه لم ينظر إلى الحقائق بصفته أستاذا في علوم القرآن و الحديث، بل سار في طريق بحثه مكبلا بقيود التعصب، ينظر الأمور بمنظار قاتم، و قد ترك الحقيقة وراء ظهره، فلم يسند أقواله بدليل استقاه من تعمقه بالبحث، أو استنتجه من تتبعه في دراسة الموضوع، و لم يقف على الأمور التي هي جديرة بالنظر موقف متأمل ليعرف الحق لأنه حق بالبرهان و يعرف الباطل لأنه باطل بالبرهان من دون تحيز و تعصب.

إن الواجب يقضي عليه أن لا يتعصب أو يتحيز، لأنه أستاذ في جامعة إسلامية كبرى تعدّ طلابا ستقع عليهم مسئولية عظيمة، و يجب عليه أن يدلهم على طريق الاستقامة، و الحيطة في النقد و الدعوة إلى الحق لذات الحق.

و إلى هنا ينتهي حديثنا مع الأستاذ و هنا أسدل الستار عن بقية أخطائه لأني لم أجد وقتا يساعد على الاستمرار معه، و عسى أن تسمح الظروف بالعودة إلى مناقشته و العود أحمد و نسأل اللّه لنا و له الهداية و التوفيق و إلى اللقاء- إن شاء اللّه- أيها الأستاذ المحدث.

451

أدب الشيعة:

إذا أردنا أن تحدث عن أدب الشيعة فإن أهم سماته و أبرز ملامحه هي شدة تأثره بآداب الإسلام و ثقافته أحسن تأثر، و اتصف شعراؤهم بذهنية صقلتها التجارب فكانت أكثر ما تعنى بالأفكار العميقة، و المعاني الدقيقة، و هم يمتازون بالعواطف الثورية الهائجة، لاستنهاض الأمة من كبوتها، و إيقاظها من غفلتها.

و ضمّن شعراء الشيعة قصائدهم تلك الصور الفريدة التي تعبر عن مآسي الدهر و أفعال أعداء الرسول بأهل بيته الكرام. و لئن كانت فاجعة كربلاء و استشهاد السبط الإمام الحسين في نهضة الإباء ضد ظلم أمية، مصدر إلهام ثر و عطاء فياض رسم صور البطولة و جسّد ألوان التضحية، فإن سير الأئمة من أهل البيت كانت هي الأخرى توحي للشعراء بألوان من الحكمة و ضروب من التبصّر مما يجعل بناء القصيدة قائما على الفكرة الهادفة، و العاطفة الهياجة و المشاعر النبيلة، و ترى الجزالة في النظم و التفوق في القول، و غاية ما يرجوه الشاعر أن ينشد شعره بين يدي إمامه و مرجعه من أئمة الهدى في وقت يتهافت فيه الشعراء على أعتاب الحكام بنماذج من المديح الكاذب و التملق الدني‏ء و الود الزائف فتنهمر الهدايا و الجوائز من قبل الملوك و كلها من بيت مال المسلمين.

لقد كان شعراء الشيعة يأبون الانحدار إلى الكذب، و اللجوء إلى التزلف للطغاة و الظالمين طمعا في حطام و رغبة في دنيا.

و قد منحهم ابتعادهم عن الدولة و انتصارهم لآل البيت أسلوبا صريحا لا أثر فيه للخداع و التملق، و لا يشوهه الحرص الممقوت على الصلات و الجوائز.

و إن نظرة خاطفة على موافق أولئك الأبطال- في مقابلة حكام عصرهم و ولاة الأمور الذين انحرفوا عن طريق الحق و ساروا بالأمة كما يريدون لا كما يريد العدل- تعطينا صورة صادقة عن موقف البطولات التي يتصف بها العربي المخلص لأمته، و المسلم المتفاني في عقيدته، و قد اشتهر منهم رجال كانت لهم زعامة الأدب و قد حازوا قصب السبق في جميع الأدوار حتى قيل: و هل ترى أديبا غير شيعي؟.

و إذا أرادوا أن يبالغوا في رقة شعر الرجل و حسن إبداعه، و مهارته في التصوير، قالوا: يترفض في شعره.

452

و لشعراء الشيعة و أدبائهم في المجتمع العربي الأصيل مكانة هامة، فهم من أعيان تلك المدرسة، و فرسان تلك الحبلة منهم:

الفرزدق بن همام بن غالب التميمي المتوفى سنة 110.

و أبو صخر كثير- بالتصغير- بن عبد الرحمن المعروف بكثير عزة المتوفى سنة 105.

و الكميت بن زيد الأسدي صاحب الهاشميات المتوفى سنة 126.

و إسماعيل بن محمد المعروف بالسيد الحميري توفى ببغداد سنة 179.

و دعبل بن علي الخزاعي و قيل اسمه الحسن و لقبه دعبل المتوفى سنة 246.

حبيب بن أوس أبو تمام الطائي صاحب ديوان الحماسة المتوفى سنة 231.

و أبو الفضل منصور بن سلمة المتوفى في عصر الرشيد.

و السيد الشريف أبو الحسن محمد بن الحسين الرضي المتوفى سنة 406.

و أمير الشعراء أبو فراس الحمداني المتوفى سنة 375. و غيرهم:

كابن التعاويذي المتوفى سنة 428 و الحسين بن الحجاج المتوفى سنة 391.

و مهيار الديلمي المتوفى سنة 428 و الحسن بن هاني المتوفى سنة 196. و الوزير الصاحب بن عباد المتوفى سنة 326 و الحسن بن هاني الأندلسي المتوفى سنة 362.

و الناشى‏ء الصغير المتوفى سنة 366 و غيرهم من شعراء و كتاب و خطباء.

و ليس الحديث هنا عن أدب الشيعة و أثره في المجتمع كما يقتضيه العنوان.

و يتبادر إلى ذهن القارئ، و لكننا تحت هذا العنوان نريد أن نشير إلى كتاب صدر بهذا الاسم و هو: (أدب الشيعة إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري) طبع في القاهرة سنة 1376 ه 1956 م.

و مؤلف هذا الكتاب هو الأستاذ عبد الحسيب طه أحميده المدرس في كلية الأدب العربي بمصر.

و الكتاب لم يكن موضوعه أدب الشيعة فحسب، و لكنه يتعرض إلى تاريخ التشيع و تطوره، و نشأته، و عقائد الشيعة و فرقهم، فهو كتاب تاريخ أكثر منه كتاب أدب.

453

و الشي‏ء الذي يسترعي الانتباه هو: أن المؤلف قد اعتمد على آراء المستشرقين في أبحاثه، و اقتبس عبارات كتّاب رددوها من قديم فلم يأت بشي‏ء جديد في بداية بحثه، و جزم بأشياء كان الأجدر به إما تركها، أو مناقشتها حسب ذوقه الأدبي أو التاريخي.

و لا أقصد هنا أن أنقد الكتاب أو أطريه، فهو لا يخلو من دواعي النقد أو الإطراء في آن واحد، و عسى أن تتاح لنا فرصة نستوفي الكلام حوله.

إن قصدي- و اللّه من وراء القصد- تنبيه الأستاذ على أشياء تستوجب التنبيه عسى أن يتدارك ذلك فيما بعد، ليؤدي بذلك خدمة للحق الذي ينشده كل مسلم، و إظهارا للحقيقة التي هي هدف كل باحث منصف، فقد انحجبت أنوارها عن أعين عشاقها بسحب الدجل و التمويه و الافتراء، و القول بالباطل، فإننا في عصر كئود يجب أن نهدف إلى تحقيق مبادئ الإسلام، لنجلو عن الحقيقة تلك الغشاوة التي حجبتها عن بعض الأنظار مدة من الزمن، و نتبع الحق و الحق أحق أن يتبع.

و كيف كان فإني أبدي بعض ملاحظاتي على ما ورد في هذا الكتاب و كلي أمل أن يتسع صدر الأستاذ لما أبديه، و لا يحمل ذلك على تحامل أو حقد، فلست بالناقد الحاقد.

و أهم شي‏ء أحاول تحقيقه في هذا البحث هو: رفع سوء الفهم لقضية ابن سبأ، و اتخاذها عند كثير من الكتّاب كأساس تبنى عليها حقائق، و يستنتج منها نتائج يحسبونها صحيحة تقع في أدلة الاحتجاج، مع أن كبرى ذلك القياس و صغراه غير صحيحتين فالنتيجة باطلة.

و قد آن الأوان لتقرير هذه الحقيقة التي يزداد الانتباه إلى وجودها بإدراك بواعثها و الإصغاء إلى القرائن و الأدلة على اختلاق سيف بن عمر الكذاب لقضية ابن سبأ، و انها لم يكن لها ذرة من الواقع قبل وضعها من قبله.

و سنتناول هنا قضية ابن سبأ- و إن أشرنا إليها من قبل و لكن الأستاذ الأديب قد اعتمد عليها أكثر من غيره، و جعلها دليلا يسير عليه ليصل إلى الغاية. و ما هي إلا كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء.

454

مقدمة الكتاب:

و لنقتطف هنا من مقدمة الكتاب بعض ما جاء فيها مما يدلنا بوضوح على منهجه في بحثه، و خطته التي سار عليها بعنوان أنه أديب:

يقول: يرجع ألفي إلى هذا النوع من الأدب السياسي إلى السنة الثانية من سني دراستي في كلية اللغة العربية، حينما كنت مكلفا في دراسة الأدب الأموي، و الوقوف على قديمه و جديده، فإذا أنا أمام ثروة مشرقة من آدابنا الحزبية، تظاهرت على إنضاجها عقول صقلها الإسلام، و هذبها كتّابه، و أقامتها حياة اجتماعية و سياسية ...

و يقول: ثم كانت دعوة كريمة، ناشدت أبناء الأزهر و علماءه أن يدرسوا الأحزاب الإسلامية، و يقفوا على طريق الجدل و الحجاج فيها، و ناشدتهم- بوجه خاص- أن تكون دراستهم لنشدان الحق، و وجه العلم بعيدة عن التعصب و الهوى ...

أما لما ذا اخترت أدب الشيعة موضعا لرسالتي؛ فلأنه- أولا- أدب يمجد آل الرسول- صلّى اللّه عليه و سلم- و ينتصر لحقهم، و يبكي مصارع قتلاهم و لأنه- ثانيا- أدب يصور العاطفة المتأججة، و الحب الصادق، و الأدب إذ تظاهرت على إبرازه:

عاطفة و إحساس، و عقيدة ... كان في عرف المتأدبين جديرا بالبحث و حقيقا بالحياة ...

و بعد ذلك يبين منهجه في البحث ثم يقول: و خصصت فصلا ثالثا للعقائد الشيعية و أثرها في الأدب.

و هنا غلبتني أزهريتي فوقفت قليلا عند جمهرة من هذه العقائد أناقشها و استدل لها، و عليها، و هنا كذلك و ضحت الفكرة الشيعية و استبانت أطوارها فأوجزتها في كلمات قدمت بها رسالتي.

أما قسم الأدب، فله منهج في البحث، و سبيل جديد عمدت إلى أدب الشيعة فنثرته بين يدي متوخيا عصوره، مستقصيا مناهجه و أصوله، فإذا أنا أمام أدب يتدرج في حجاجه و مناحيه، تدرج الفكرة الشيعية في سذاجتها و عمقها، فهو عربي صريح أيام أن كانت الفكرة الشيعية عربية صريحة، و هو عنيف، ثائر، في الوقت الذي‏