إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
53

المسألة الثامنة: كان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مصابرة العدو و إن كثر عددهم، و الأمة إنما يلزمهم الثبات إذا لم يزد عدد الكفار على الضعف‏

و لم يبوب البيهقيّ- (رحمه اللَّه)- على هذه الخصوصية في (سننه)، و لكن يستدل لذلك‏

بقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعروة في جملة كلامه لما خرج إليه يوم الحديبيّة:

فإن أبوا فو اللَّه لأقاتلنهم حتى تنفرد سالفتي، يريد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قريشا.

و يستدل أيضا بما وقع في يوم أحد فإنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أفرد في اثنى عشر رجلا أو نحوهم، و العدو إذ ذاك نحو ثلاثة آلاف، و مثل ذلك أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أفرد يوم حنين كما هو مشهور في السير و مرّ ذكره، و سيمر إن شاء اللَّه- تعالى-.

و من ذلك ما

ذكره الماورديّ في كتاب (الحاوي)

أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان إذا بارز رجلا في الحرب لم يكفّ عنه قبل قتله.

و منه أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم ينفر من الزحف و ثبت بإزاء عدوّه و إن كثروا، و يمكن أن يستدل لذلك بأن الفرار و التولي من الزحف إنما هو تخوف القتل، و هو (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معصوم من ذلك.

54

المسألة التاسعة: كان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا رأى منكرا أن ينكره و يغيّره إنما يلزمه ذلك عند الإمكان‏

و وجهه أن اللَّه- تعالى- وعده بالعصمة و الحفظ، فقال- سبحانه-:

وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏ [ (1)] الآية. و قد ثبت في (الصحيحين) [ (2)] و غيرهما من حديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أنها قالت:

ما خيّر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أمرين إلا أحب أيسرهما ما لم يكن إثما، فإذا كان إثما كان أبعد الناس منه، و ما انتقم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لنفسه إلا أن تنتهك حرمة اللَّه، فينتقم للَّه بها.

و وجوب تغيير المنكر سببه أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا مرّ عليه يظن جوازه، و قد قرر الآمديّ ذلك، فقال: و فرق ما إذا كان الفعل الصادر من كافر أو مسلم، فإن كان من كافر لم يدل على الجواز لما تقرر من كفره، و إن كان من مسلم فإن كان سبق منه تحريم ذلك الفعل، فسكوته يدل على النسخ، و إن لم يسبق، فيدلّ على الجواز، و أورد النووي في (الروضة) [ (3)] سؤالا، فقال: قد يقال: هذا ليس من الخصائص، بل كل مكلف يتمكن من إزالة المنكر يلزمه تغييره، ثم أجاب‏

____________

[ (1)] المائدة: 67.

[ (2)] رواه البخاريّ في الأنبياء، باب صفة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و في الأدب، باب‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يسروا و لا تعسروا»

و في الحدود، باب إقامة الحدود و الانتقام لحرمات اللَّه، و في المحاربين، باب كم التعزيز و الأدب، و مسلم رقم (2327) في الفضائل، باب مباعدته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للآثام، و الموطّأ 2/ 903 في حسن الخلق، باب ما جاء في حسن الخلق، و أبو داود رقم (4785) في الأدب، باب التجاوز في الأمر. (جامع الأصول): 11/ 248- 249.

[ (3)] (روضة الطالبين): 5/ 347، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

55

بأن المراد أنه لا يسقط عنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للخوف، فإن معصوم بخلاف غيره، و اللَّه- تعالى- أعلم.

المسألة العاشرة: كان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قضاء دين من مات من المسلمين معسرا عند اتساع المال [ (1)]

خرّج البخاريّ في آخر كتاب الكفالة [ (2)]، و في آخر كتاب النفقات [ (3)]، من طريق يحيى بن بكير، حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب.

و خرّج مسلم في آخر كتاب الفرائض [ (4)] من طريق ابن وهب، قال:

أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة

____________

[ (1)] قال الإمام النووي في (المرجع السابق): و كان عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قضاء دين من مات من المسلمين معسرا. و قيل: كان يقضيه تكرما. و قال في هامشه: و قيد الإمام محل الوجهين بما إذا صدر منه مطل ظلم به و مات، قال: فأما إذا لم يملك في حياته ما يؤديه و لم ينسب إلى المطل و التسويف لم يقض دينه من بيت المال، لأنه لقي اللَّه- تعالى- و لا مظلمة عليه، قال:

و حيث أوجبناه فشرطه اتساع المال، و فضله عن مصالح الأحياء.

[ (2)] (فتح الباري): 4/ 597- 598، كتاب الكفالة، باب (3) من تكفل عن ميت دينا فليس له أن يرجع، و به قال الحسن، حديث رقم (2295).

[ (3)] (فتح الباري): 9/ 643- 644، كتاب النفقات، باب (15)

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «من ترك كلا أو ضياعا فإلي»، حديث رقم (5371)، باختلاف يسير في اللفظ.

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 11/ 65- 66، كتاب الفرائض، باب (4)

من ترك مالا فلورثته، حديث رقم (1619).

قال الإمام النوويّ: إنما كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يترك الصلاة عليه ليحرض الناس على قضاء الدين في حياتهم، و التوصل إلى البراءة منها، لئلا تفوتهم صلاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما فتح اللَّه عليه عاد يصلي عليهم، و يقضي دين من لم يخلف وفاء.

56

- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يؤتى بالرجل عليه الدين فيسأل: هل ترك لدينه من قضاء؟ فإن حدّث أنه ترك وفاء صلى عليه، و إلا قال: صلوا على صاحبكم، فلما فتح اللَّه- تعالى- الفتوح قال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفي و عليه دين فعلى قضاؤه، و من ترك مالا فهو لورثته،

قال البخاريّ‏

: فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعليّ قضاؤه و من ترك مالا فلورثته.

و خرّج البخاريّ في كتاب الفرائض [ (1)] من طريق يونس عن ابن شهاب، حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم فمن مات و عليه دين و لم يترك وفاء فعلينا قضاؤه و من ترك مالا فلورثته.

و خرّجه في باب الاستقراض [ (2)]، و لفظه:

ما من مؤمن إلا أنا أولى به في الدنيا و الآخرة، اقرءوا إن شئتم:

النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏

[ (3)] فأيما مؤمن مات و ترك مالا فليرثه عصبته من كانوا، و من ترك دينا أو ضياعا

____________

[ ()] و فيه الأمر بصلاة الجنازة، و هي فرض كفاية، و قد قيل: إنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يقضيه من مال مصالح المؤمنين، و قيل: من خالص مال نفسه، و قيل: كان هذا القضاء واجبا عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قيل: تبرع منه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و الخلاف وجهان لأصحابنا و غيرهم.

و اختلف أصحابنا في قضاء دين من مات و عليه دين، فقيل: يجب قضاؤه من بيت المال، و قيل: لا يجب. و معنى هذا الحديث:

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: أنا قائم بمصالحكم حياة أحدكم و موته، و أنا وليه في الحالين، فإن كان عليه دين قضيته من عندي إن لم يخلف وفاء، و إن كان له مال فهو لورثته، لا أخذ منه شيئا، و إن خلف عيالا محتاجين ضائعين فليأتوا إلي فعلي نفقتهم و مؤنتهم. (شرح مسلم) مختصرا.

[ (1)] (فتح الباري): 12/ 8- 9، كتاب الفرائض، باب (4)

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «من ترك مالا فلأهله»،

حديث رقم (6731).

[ (2)] (المرجع السابق): كتاب الاستقراض و أداء الديون و الحجر و التفليس باب (11) الصلاة على من ترك دنيا، حديث رقم (2399).

[ (3)] الأحزاب: 6.

57

فليأتني فأنا مولاه.

و خرّجاه من طريق آخر، و حكى الإمام وجها أنه لم يكن واجبا عليه، بل كان يفعله تكرما. و به جزم الماورديّ.

و قال النووي في (شرح مسلم) [ (1)] كان يقضيه من مال المصالح و قيل:

من خالص ماله، و قال الإمام في (النهاية): أشعر

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

من ترك ضياعا، أو دينا فعليّ بالوجوب عليه،

و من قال: كان ذلك تكرما فهو غير سديد، لأن وعده (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حق و صدق، فلا يجوز تقدير خلافه. انتهى، على القول الأول: هل يجب ذلك على الأئمة بعده فيقومون به من مال المصالح؟ وجهان،

و قد جاء في رواية

قيل: يا رسول اللَّه و على كل إمام بعدك؟ قال: و على كل إمام بعدي‏

حكاية الوجهين و في الإطلاق نظر، لأن من استدان و بقي معسرا حتى مات، لم يقض دينه من بيت المال. و اللَّه- تعالى- أعلم.

المسألة الحادية عشر:

كان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا رأى شيئا يعجبه أن يقول:

لبيك إن العيش عيش الآخرة

[ (2)]

ذكره الرافعي بصيغة قيل، و جزم به ابن القاصّ في (تلخيصه) لكن لفظه فيه:

كان إذا رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.

و قال البيهقيّ في كتاب (السنن) [ (3)] كان إذا رأى شيئا يعجبه، ثم قال:

هذه كلمة صدرت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أنعم حاله يوم حجه بعرفة، ثم ساقه بإسناده، و في أشد حاله يوم الخندق، ثم ساقه بإسناده.

____________

[ (1)] سبق تخريجه.

[ (2)] (روضة الطالبين): 5/ 348، كتاب النكاح، باب خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

[ (3)] (سنن البيهقيّ): 7/ 48، كتاب النكاح، باب‏

كان إذا رأى شيئا يعجبه قال: لبيك إن العيش عيش الآخرة.

58

خرّج البخاريّ من طريق قتيبة، حدثنا عبد العزيز، عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، قال:

كنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الخندق و هو يحفر و نحن ننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين و الأنصار.

ذكره في غزوة الخندق [ (1)] كذلك، و ذكره في كتاب المناقب [ (2)]، و في أول كتاب الرقاق [ (3)]، و لفظه فيهما:

اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار و المهاجرة.

و خرّجه مسلم [ (4)] من طريق عبد العزيز بن أبي حازم، عن أبيه، عن سهل بن سعيد قال:

جاءنا النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و نحن نحفر الخندق و ننقل التراب على أكتافنا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اللَّهمّ لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للمهاجرين و الأنصار.

و أخرجاه من حديث أنس، و فيه زيادة.

و قال الشافعيّ: أخبرنا سعيد، عن ابن جريج، أخبرني حميد الأعرج، عن مجاهد أنه قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يظهر التلبية: لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك، قال: حتى إذا كان ذات يوم و الناس منصرفون عنه كأنه أعجبه ما هو فيه، فزاد فيها: لبيك إن العيش عيش الآخرة.

قال ابن جريج: و أحسب أن ذلك كان يوم عرفة.

قال مؤلفه: ليس في هذين الحديثين ما يقتضي الوجوب، و غاية ما فيهما استحباب مثل ذلك، و قد قيل به في حق المكلفين، و مع هذا الحديث فقول مجاهد مرسل، و قول ابن جريج منقطع.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 498- 499، كتاب المغازي، باب (30) غزوة الخندق و هي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع، حديث رقم (4098).

[ (2)] (المرجع السابق): 7/ 149، كتاب مناقب الأنصار، باب (9) دعاء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصلح الأنصار و المهاجرة، حديث رقم (3797).

[ (3)]

(المرجع السابق): 11/ 275، كتاب الرقاق، باب (1) ما جاء في الرقاق، و أن لا عيش إلا عيش الآخرة، حديث رقم (6414).

[ (4)] (مسلم بشرح النووي): 12/ 414، كتاب الجهاد و السير، باب (44) غزوة الأحزاب و هي (الخندق)، حديث رقم (126)، (127).

59

المسألة الثانية عشر: كان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا فرض الصلاة [صلاها] كاملة لا خلل فيها

قاله القاضي الماوردي.

المسألة الثالثة عشر: كان يلزمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إتمام كل تطوع يبتدأ به‏

حكاه البغوي عن بعضهم.

المسألة الرابعة عشر: أنه كان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يدفع بالتي هي أحسن‏

قاله ابن القاصّ، و دليله قوله- تعالى-: ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ‏ [ (1)] قال ابن عطية: آية جمعت مكارم الأخلاق، و أنواع الحلم، و المعنى: ادفع أمورك و ما يعرضك مع الناس و مخالطتك لهم بالفعلة، أو باليسيرة التي هي أحسن السير و الفعلات. فمن ذلك السلام، و حسن الأدب، و كظم الغيظ، و السماحة في العطاء، و الاقتضاء و غير ذلك.

قال ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-: إذا فعل المؤمن هذه الفضائل عصمه اللَّه من الشيطان، و خضع له عدوه. و فسر مجاهد و عطاء هذه الآية بالسلام عند اللقاء، و لا شك أن السلام مبدأ الدفع بالتي هي أحسن، و هو جزء منه.

____________

[ (1)] فصلت: 34.

60

المسألة الخامسة عشر: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كلف وحده من العلم ما كلف الناس بأجمعهم‏

ذكره ابن القاصّ، و استشهد له بما خرّجه البيهقيّ من طريق يونس، عن الزهريّ قال: أخبرني حمزة بن عمر، قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

بينما أنا نائم أتيت بقدح لبن، فشربت منه، حتى أني لأرى الريّ يخرج في أظفاري، ثم أعطيت فضلي يعني عمر قال: فما أولته يا رسول اللَّه؟ قال:

العلم [ (1)]،

و سيأتي بطرقه إن شاء اللَّه- تعالى- في المنامات النبويّه.

المسألة السادسة عشر: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يغان على قلبه فيستغفر اللَّه و يتوب إليه في اليوم سبعين مرة

خرّج مسلم [ (2)] من طريق حماد بن زيد، عن ثابت، عن أبي بردة، عن الأغر، و كانت له صحبة- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

إنه ليغان على قلبي و إني لأستغفر اللَّه في اليوم مائة مرة.

____________

[ (1)] سبق تخريجه، و سيأتي له مزيد بيان إن شاء اللَّه- تعالى-.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 17/ 26- 27، كتاب الذكر و الدعاء و التوبة و الاستغفار، باب (12) استحباب الاستغفار و الاستكثار منه، حديث رقم (41).

قال القاضي: قيل المراد الفترات و الغفلات عن الذكر الّذي كان شأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الدوام عليه، فإذا فتر أو غفل عدّ ذلك ذنبا، و استغفر منه، قال: و قيل هو همه بسبب أمته و ما اطلع عليه من أحوالها بعده، فيستغفر لهم، و قيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته و أمورهم و محاربة العدو، و مداراته، و تأليف المؤلفة، و نحو ذلك فيشتغل بذلك من عظيم مقامه فيراه ذنبا بالنسبة إلى عظيم منزلته، و إن هذه الأمور من أعظم الطاعات، و أفضل الأعمال، فهي نزول عن أعالي درجته و رفيع مقامه من حضوره مع اللَّه- تعالى-، و مشاهدته، و مراقبته و فراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.

61

قال أبو زكريا النووي: و المراد به هنا ما يتغشى القلب. قال القاضي يعني أبا الفضل عياض-: قيل: المراد الفترات و الغفلات عن الذكر الّذي شأنه الدوام عليه، فإذا فتر عنه أو غفل عدّ ذلك ذنبا و استغفر منه، قال:

و قيل: سببه اشتغاله بالنظر في مصالح أمته، و أمورهم، و محاربة العدوّ و مداراته، و تألف المؤلفة، و نحو ذلك، فيشتغل بذلك عن عظيم مقامه، فيراه ذنبا بالنسبة إلى عظيم منزلته، و إن كانت هذه الأمور من أعظم الطاعات، و أفضل الأعمال، فهي نزول عن عالي درجته، و رفيع مقامه، في حضوره مع اللَّه- تعالى-، و مشاهدته، و مراقبته و فراغه مما سواه، فيستغفر لذلك.

و قيل: إن هذا الغين هي السكينة التي تغشي قلبه لقوله- تعالى-: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ‏ [ (1)] و يكون استغفاره إظهارا للعبودية و الانقياد، و ملازمة الخضوع، و شكرا لما أولاه، و قد قال المحاسبي: خوف الأنبياء و الملائكة خوف إعظام، و إن كانوا آمنين من عذاب اللَّه.

و قيل: يحتمل أن هذا الغين حال خشية و إعظام، تغشي القلب، و يكون استغفاره شكرا كما سبق، و هو شي‏ء يعتري القلوب الصافية، كما تتحدث به النفس فهو يشبهها.

____________

[ ()] و قيل يحتمل أن هذا الغين هو السكينة التي تغشى قلبه لقوله- تعالى-: فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ‏ [الفتح: 18]. و يكون استغفاره إظهار للعبودية و الافتقار، و ملازمة الخشوع، و شكرا لما أولاه، و قد قال المحاسبي: خوف الأنبياء و الملائكة خوف إعظام، و إن كانوا آمنين عذاب اللَّه- تعالى-، و قيل يحتمل أن هذا الغين حال إعظام يغشي القلب و يكون استغفاره شكرا كما سبق، و قيل: هو شي‏ء يعتري القلوب الصافية مما تتحدث به النفس، فهو شأنها و اللَّه- تعالى- أعلم.

[ (1)] الفتح: 18.

62

المسألة السابعة عشر: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يؤخذ عن الدنيا عند تلقى الوحي و هو مطالب بأحكامها عند الأخذ عنها [ (1)]

و قد تقدم الكلام في كيفية تلقي الوحي.

المسألة الثامنة عشر: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس و الكلام [ (2)]

____________

[ (1)] (السنن الكبرى للبيهقي): 7/ 52، كتاب النكاح، باب كان يؤخذ عن الدنيا عند تلقى الوحي، و هو مطالب بأحكامها عند الأخذ عنها.

[ (2)] (المرجع السابق): 7/ 51، كتاب النكاح باب ما كان مطالبا برؤية مشاهدة الحق مع معاشرة الناس بالنفس و الكلام.

63

و أما الواجب المتعلق بالنكاح و هو القسم الأول من الواجبات فكان يجب عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تخيير زوجاته بين اختيار زينة الدنيا و مفارقته و بين اختيار الآخرة و البقاء في عصمته و لا يجب ذلك على غيره‏

قال اللَّه- جل جلاله-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (1)].

و معنى الآية: أن اللَّه- تعالى- يقول لنبيه محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا محمد قل لأزواجك: إن كنتن تردن الحياة الدنيا و زينتها فتعالين أمتعكن، يقول: فإنّي أمتعكن ما أوجب اللَّه على الرجال لنسائهم، من المتعة عند فراقهم إياهن بالطلاق، بقوله- تعالى-: وَ مَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَ عَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ مَتاعاً بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ‏ [ (2)] و قوله- تعالى-: وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ (3)] يقول: و أطلقكن على ما أذن اللَّه به، و أدّب به عباده بقوله- تعالى-: إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَ‏ [ (4)]، إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ [ (5)]، و إن كنتن تردن طاعة اللَّه و طاعة رسوله، و رضى اللَّه، و رضى رسوله، فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (6)].

____________

[ (1)] الأحزاب: 28- 29.

[ (2)] البقرة: 236.

[ (3)] الأحزاب: 28.

[ (4)] الطلاق: 1.

[ (5)] الأحزاب: 29.

[ (6)] الأحزاب: 29.

64

و قد اختلف سلف الأمة في سبب نزول هذه الآية على أقوال تسعة:

إحداها: أن عائشة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها قالت: سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا من عرض الدنيا إما زيادة في النفقة أو غير ذلك فاعتزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نساءه شهرا فيما ذكر

ثم أخبره اللَّه تعالى أن يخيرهن بين الصبر عليه و الرضي بما قسم لهن، و العمل بطاعة اللَّه تعالى و بين أن يمتعهن و يفارقهن إن لم يرضين بالذي يقسم لهن‏

خرّج محمد بن جرير الطبريّ من طريق ابن علية عن أيوب عن أبي الزبير

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يخرج صلوات فقالوا: ما شأنه؟ فقال عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: إن شئتم لأعلمن لكم ما شأنه، فأتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل يتكلم و يرفع صوته، حتى أذن له، قال: فجعلت أقول في نفسي: أي شي‏ء أكلم به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعله ينبسط أو كلمة نحوها؟ فقلت: يا رسول اللَّه! لو رأيت فلانة و سألتني النفقة و صككتها صكة، فقال: ذاك حبسني عنكم،

قال:

فأتى حفصة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- فقال: لا تسألي رسول اللَّه شيئا، ما كانت لك من حاجة فإليّ، ثم تتبع نساء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجعل يكلمهن، فقال لعائشة:

أ يغرك أنك امرأة حسناء و أن زوجك يحبك؟ لتنتهينّ أو لينزلنّ اللَّه فيكنّ القرآن.

قال: فقالت له أم سلمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: يا ابن الخطاب: أو ما بقي لك إلا أن تدخل بين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بين نسائه؟ فمن تسأل المرأة إلا زوجها؟ قال: و نزل القرآن: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ (1)]

____________

[ (1)] الأحزاب: 28- 29 و تمامها: وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً.

65

إلى قوله- تعالى-: أَجْراً عَظِيماً قال: فبدأ بعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- فخيرها و قرأ عليها القرآن، فقالت: هل بدأت بأحد من نسائك قبلي؟ قال: لا، قالت: فإنّي أختار اللَّه و رسول و الدار الآخرة، و لا تخيرهن بذلك، قال: ثم تتبعهن، فجعل يخبرهن و يقرأ عليهنّ القرآن، و يخبرهن بما صنعت عائشة، فتتابعن على ذلك.

و خرّج من طريق سعيد عن قتادة قال: قال الحسن و قتادة: خيرهن بين الدنيا و الآخرة، و الجنة و النار، في كل شي‏ء كن أردنه من الدنيا.

ثانيها: في غيرة كانت غارتها عائشة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها

قال أبو جعفر محمد بن جرير الطبري: و قال عكرمة: في غيرة كانت غارتها عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، و كان تحته يومئذ تسع نسوة، خمس من قريش: عائشة، و حفصة، و أم حبيبة ابنة أبي سفيان، و سودة ابنة زمعة، و أم سلمة ابنة أبي أمية، و كانت تحته صفية ابنة حيي الخيبرية، و ميمونة ابنة الحارث الهلالية، و زينب ابنة جحش الأسدية، و جويرية ابنة الحارث، فاختارت عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- اللَّه و رسوله و الدار الآخرة، رئي الفرج في وجهه، فتتابعن كلهن على ذلك، و اخترن اللَّه و رسوله و الدار الآخرة.

و خرّج من طريق عبد الأعلى قال: حدثنا سعيد عن قتادة، عن الحسن و هو قول قتادة قالا: أمره أن يخيرهن بين الدنيا، و الآخرة، و الجنة، و النار قال قتادة: و هي غيرة من عائشة في شي‏ء أرادته من الدنيا و كانت تحته تسع نسوة، فذكرهن.

قال: فبدأ بعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- و كانت أحبهن إليه، فلما اختارت اللَّه و رسوله و الدار الآخرة، رئي الفرج في وجهه فتتابعن على ذلك.

66

ثالثها: أن نسائه يغايرن عليه‏

خرّج أبو جعفر من طريق ابن وهب، قال: قال ابن زيد كان أزواجه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد تغايرن عليه [ (1)] فهجرهن شهرا، ثم نزل التخيير من اللَّه فيهن، فخيرهن بين أن يخترن أن يخلي سبيلهن و يسرحهن، و بين أن يخترن إن أردن اللَّه و رسوله على أنهن أمهات المؤمنين لا نتكحن [بعده‏] أبدا، و على أنه يؤوي إليه من يشاء منهن لمن وهبت نفسها له، حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، و يرجي من يشاء حتى يكون هو يرفع رأسه إليها، و من ابتغى ممن هي عنده و عزل، فلا جناح عليه، ذلِكَ أَدْنى‏ أَنْ تَقَرَّ أَعْيُنُهُنَّ وَ لا يَحْزَنَّ وَ يَرْضَيْنَ‏ [ (2)].

قال: وَ مَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ‏ [ (3)] من ابتغى أصابه، و من عزل لم يصبه، فخيرهن بين أن يرضين بهذا أو يفارقهن، فاخترن اللَّه و رسوله، إلا امرأة. شرط اللَّه له هذا الشرط ما زال يعدل بينهن حتى لقي اللَّه، قال الغزالي:

لأن الغيرة توغر الصدور، و تنفر القلب، و توهن الاعتقاد.

رابعها: أنهن أجمعن و قلن: نريد كما تريد النساء من الحلي و الثياب‏

فطالبنه بذلك، و ليس عنده فتأذى، و الزامهنّ الصبر على الفقر يؤذيهن، و مطالبتهن له بذلك يؤذيه، فأمر (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بإلقاء زمام الأمر إليهن ليفعلن ما يخترنه، و نزه اللَّه- تعالى- منصبه العالي عن التأذي و الإيذاء.

خامسها: أن بعض نسائه التمست منه خاتما من ذهب فاتخذ لها خاتم فضة و صفّره بالزعفران فتسخّطت‏

____________

[ (1)] في (الأصل): «كان أزواجه قد تغايرن على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ما أثبتناه أجود للسياق.

[ (2)] الأحزاب: 51.

[ (3)] الأحزاب: 51.

67

سادسها: أن اللَّه سبحانه امتحنهن بالتخيير ليكون لرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خير النساء

سابعها: أن اللَّه تعالى خيره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين الغنى و الفقر فأمره تعالى بتخيير نسائه لتكون من اختارته موافقة لاختياره‏

و عبارة الرافعي أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آثر لنفسه الفقر و الصبر عليه، فأمر بتخييرهن لئلا يكون مكرها لهن على الفقر و الصبر.

و قال الشافعيّ [ (1)]: إن من ملك زوجة فليس عليه تخييرها، و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يخير نساءه فاخترنه، و حمله ذلك أن اللَّه- تعالى- خير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين أن يكون نبيا ملكا، و عرض عليه مفاتيح خزائن الدنيا، و بين أن يكون نبيا مسكينا، فشاور جبرئيل، فأشار عليه بالمسكنة، فاختارها فلما اختارها و هي أعلى المنزلتين، و أمره اللَّه- تعالى- أن يخير زوجاته فربما كان فيهن من يكره المقام معه على الشدة تنزيها له.

ثامنها: أن سبب نزول الآية قصة مارية في بيت حفصة

____________

[ (1)] و نحوه في (البحر المحيط في التفسير): 8/ 461- 474.

68

تاسعها: أن سبب شربه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العسل في بيت زينب بنت جحش‏

و تواطؤ عائشة و حفصة رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما على أن يقولا له: إنا نجد منك ريح مغافير و نزل فيهما إِنْ تَتُوبا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُما [ (1)]

و يترجح من هذه الأقوال ما خرّجه مسلم [ (2)] من طريق روح بن عبادة قال:

حدثنا زكريا بن إسحاق حدثنا أبو الزبير، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، قال:

دخل أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يستأذن على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فوجد الناس جلوسا ببابه، لم يؤذن لأحد منهم، قال: فأذن لأبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، فدخل، ثم أقبل عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فأستأذن، فأذن له، فوجد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالسا حوله نساؤه، واجما، ساكنا، فقال: لأقولن شيئا أضحك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال:

يا رسول اللَّه لو رأيت بنت خارجة سألتني النفقة: فقمت إليها فوجأت عنقها!! فضحك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال: هن حولي كما ترى يسألنني النفقة.

فقام أبو بكر إلى عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- يجأ عنقها، و قام عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- إلى حفصة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- يجأ عنقها، يقول: تسألن رسول اللَّه ما ليس عنده؟ قلن: لا و اللَّه لا نسأل رسول اللَّه شيئا أبدا ليس عنده، ثم اعتزلهن شهرا، أو تسعا و عشرين يوما، ثم نزلت عليه هذه الآية: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَ‏

____________

[ (1)] التحريم: 4.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي) 10/ 335- 336، كتاب الطلاق، باب (4) بيان أن تخييره امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية، حديث رقم (1478). قوله: «لأقولن شيئا يضحك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و في بعض النسخ: «أضحك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)»، فيه استحباب مثل هذا، و أن الإنسان إذا رأى صاحبه مهموما حزينا، يستحب له أن يحدثه بما يضحكه و يطيب نفسه، و فيه فضيلة لأبى بكر الصديق- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

69

تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَ زِينَتَها فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا* وَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ الدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (1)].

قال:

فبدأ بعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، فقال: يا عائشة إني أريد أن أعرض عليك أمرا، أحب ألا تعجلي فيه حتى تستشيري أبويك، قالت: و ما هو يا رسول اللَّه؟ فتلا عليها الآية، فقالت: أ فيك يا رسول اللَّه أستشير أبوي؟ بل اختار اللَّه و رسوله و الدار الآخرة، و أسألك ألا تخبره امرأة من نسائك بالذي قلت، قال: لا تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها أن اللَّه- عز و جل- لم يبعثني معنتا و لا متعنتا، و لكن بعثني معلما ميسرا.

قال مؤلفه: في هذا الحديث دليل على أن نساء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طلبن منه عرض الدنيا و إن تغير عليهنّ لذلك، فنزلت آية التخيير [ (2)]، و حكى الحناطيّ وجها: أن التخيير لم يكن واجبا عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إنما كان مندوبا.

و في آية التخيير [ (1)] فوائد: و هي أن الزوج إن اعتبر بالنفقة، كان لها خيار الفسخ، و أن المتعة تجب للمدخول بها إذا طلقت، و جواز تعجيلها قبل الطلاق، و أن السراح صريح في الطلاق، و أن المتعة غير مقدرة شرعا، حكى هذه القواعد الخمس الماوردي، و زاد أبو بكر الخفاف في كتاب (الأقسام و الخصال): أن التخيير ليس بطلاق، و أنها متى اختارت فراقه وجب عليه الطلاق، و أن الخيار على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون سائر أمته، و أنه غير جائز أن يتزوج (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كافرة، و أن أزواجه محرمات على التأبيد، إلا أن تكون مطلقة غير مدخول بها.

و هنا فوائد أخر:

____________

[ (1)] الأحزاب: 28- 29.

[ (2)] الأحزاب: 28- 29.

70

أحدها: من اختارت من أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحياة الدنيا هل كان يحصل الفراق بنفس الاختيار؟

و فيه وجهان لأصحابنا: أحدهما: يحصل، كما لو خير غيره زوجته، و نوى تفويض الطلاق إليها، فاختارت نفسها، و أصحهما: لا يحصل، لقوله- تعالى-: فَتَعالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَ أُسَرِّحْكُنَّ سَراحاً جَمِيلًا [ (1)] و لو حصل الفراق باختيارها لما كان للتسريج معنى، لأنه تخيير بين الدنيا و الآخرة، فلا يحصل الفراق باختيار الدنيا، كما لو خير واحد من الأمة زوجته فاختارت الفراق.

و في السراح الجميل تأويلات: أحدها: أن تطلق دون الثلاث، و الثاني:

أن يوفي فيه المهر و المتعة، و الثالث: أنه الصريح من الطلاق دون الكناية، و الرابع: حكاه ابن القشيري في (تفسيره)، و هو أن يكون في مستقبل العدة في طهر لم يجامع فيه.

قال الماوردي: هل كان التخيير بين الدنيا و الآخرة؟ أو بين الطلاق و المقام؟ فيه قولان للعلماء، أشبههما بقول الشافعيّ الثاني، ثم قال: إنه الصحيح، فعلى الأول لا شي‏ء حتى تطلق، و على الثاني فيه وجهان: أحدهما:

أن تخييره كتخيير غيره، يرجع فيه إلى نيته و نيتها، و ثانيها: أنه صريح في الطلاق لخروجه مخرج التغليظ.

و عن أبي عباس الروياني حكاية وجهين، في أن قولها: اخترت نفسي، هل يكون صريحا في الطلاق؟ حكاهما الرافعي عنه، و الظاهر أنه ما حكاه الماوردي، فإن قلنا: تحصل الفرقة بالاختيار أو بوقوع الطلاق فطلقها دون الثلاث، ففي كونه رجعيا كما في حق غيره، أو بائنا تغليظا، لأن اللَّه- تعالى- غلظ عليه في التخيير، فيغلظ عليه الطلاق، وجهان: أحدهما: لا يكون السراح جميلا، و ثانيهما: نعم لاختيارها الدنيا على الآخرة، فلم تكن من‏

____________

[ (1)] الأحزاب: 28.

71

أزواجه في الآخرة، حكاهما الرافعي عن أبي العباس الروياني أيضا، و هما في (الحاوي) لأبي الحسن الماوردي.

ثانيهما: هل يعتبر أن يكون جوابهن على الفور؟

فيه وجهان: أصحهما في أصل (الروضة) [ (1)]، لا يجوز فيه التراخي، و به قطع القاضي ابن كج، و نقل ابن الرفعة في (المطلب) تصحيحه عن (النهاية) و لم يتردد فيه، و دليل ذلك‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: لا تعجلي حتى تستأمري أبويك،

و اعترض الشيخ أبو حامد بأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صرح بتراخي خيارها إلى مراجعة أبويها، و الكلام في التخيير المطلق.

قال الرافعي: و حكاه الإمام عن الأصحاب و هما مبنيان على الوجهين في حصول الفراق، و بنفس الاختيار، فإن قلنا به، وجب على الفور، و إن قلنا:

لا، جاز فيه التراخي.

قال الإمام: لا يجوز كما لو قال الواحد منا لزوجته: طلقي نفسك، ففي كون جوابها على الفور أو على التراخي قولان. قال الإمام: و بناء هذا الخلاف السابق عندنا في غاية الضعف، لأجل الخبر، و إن قال متكلف: ما جرى من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- تخييرا ناجزا في حقها، قلنا: نعم، فلم اكتفي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) باختيارها اللَّه و رسوله، و رآه جوابا عن التخيير، فلا حاصل فيه لذكر الخلاف.

و حكى النوراني، و الماورديّ، الخلاف في اعتبار الفور و عدمه مع جزمه بحصول الفراق بالاختيار، لكنه بناه على أن الفرقة فرقة طلاق أو فسخ، فيه وجهان، فإن قلنا: فرقة طلاق فهو على الفور، و إلا فعلى التراخي، فإن‏

____________

[ (1)] قال الإمام النووي: و هل كان جوابهن مشروطا بالفور؟ وجهان: أصحهما: لا، فإن قلنا بالفور فهل كان يمتد بامتداد المجلس، أم المعتبر ما يعد جوابا في العرف؟ وجهان. و هل كان قولها: اخترت نفسي، صريحا في الفراق؟ فيه وجهان.

72

فعلناه على الفور فيمتد بامتداد المجلس، أو يعتبر فيه الفورية المعتبرة في الإيجاب و القبول؟ فيه وجهان، حكاهما الرافعي عن الهرويّ.

ثالثها: هل كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طلاق من اختارته؟

فيه وجهان لأصحابنا، أحدهما: و به قطع الماوردي و نص عليه الشافعيّ في (الأم) نعم، كما يحرم إمساكها لو رغبت عنه، و مكافأة لهن على صبرهن، و به يشعر قوله- تعالى-: وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ‏ [ (1)] فإن التبدل فراقهن، و تزوج غيرهن، ففي تحريمه تحريم مفارقتهن، و أظهرها ما عند الإمام و الرافعي في (الشرح الصغير)، و النووي في (أصل الروضة) [ (2)]، لا كما لو أراد واحد من الأمة طلاق زوجته لا يمنع منه، و إن رغبت فيه، و لأن التبدل معناه مفارقتهن أولا، و التزويج بأمثالهن بدلا عنهن، و ذلك مجموع أمرين، فلا يقتضي المنع من أولهما.

قال الإمام: و ادعاء الحجر على الشارع في الطلاق بعيد، و فيه وجه ثالث، أنه يحرم عقب اختيارهن، و لا يحرم إذا انفصل عنه.

فإن قلت: يستدل للوجه الأظهر بأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طلق حفصة و راجعها، و عزم على طلاق سودة، فوهبت يومها لعائشة، قلنا: ذكر الماورديّ أن ذلك كان قبل التخيير، و كذا قصة الإفك،

و قول عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- لما استشاره النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في فراق أهله: لم يضيق اللَّه عليك، النساء كثير سواها،

لعله كان قبل نزول آية التخيير.

و قد قال ابن الجوزي: كان إيلاؤه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهن سنة تسع، و التخيير بعدها، لكن اصطفى (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صفية بنت حيي من سبي خيبر سنة سبع و تزوجها.

____________

[ (1)] الأحزاب: 52.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

73

و نقل الماوردي أن تزويجها كان بعد نزول آية التخيير و لا يصح ذلك، لأن التخيير كان بعد الفتح،

ففي (صحيح البخاريّ) من طريق مروان بن معاوية قال: حدثنا أبو يعفور، قال: تذكرنا عند أبي الضحى، قال: حدثنا عبد اللَّه بن عباس، قال:

أصبحنا يوما و نساء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يبكين و عند كل امرأة منهن أهلها، فخرجت إلى المسجد فإذا هو ملآن من الناس، فجاء عمر بن الخطاب فصعد إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو في غرفة له، فسلم، فلم يجبه أحد، ثم سلم، فلم يجبه أحد، ثم سلم، فلم يجبه أحد، فناداه، فدخل على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال:

أطلقت نساءك؟ فقال: لا، و لكن آليت منهن شهرا، فمكث تسعا و عشرين [ليلة]، ثم دخل على نسائه.

ترجم عليه باب هجرة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نساءه في غير بيوتهن [ (1)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 9/ 374- 375، كتاب النكاح، باب (93) هجرة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نساءه في غير بيوتهن، و يذكر عن معاوية بن حيدة رفعه: «غير أن لا تهجر إلا في البيت» و الأول أصح، حديث رقم (5203).

قوله: «باب هجرة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نساءه في غير بيوتهن» كأنه يشير إلى أن قوله:

وَ اهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضاجِعِ‏ لا مفهوم له، و أنه تجوز الهجرة فيما زاد على ذلك، كما وقع للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من هجره لأزواجه في المشربة، و للعلماء في ذلك اختلاف.

قوله: «تذاكرنا عند أبي الضحى فقال: حدثنا ابن عباس «لم يذكر ما تذاكروا به، و قد أخرجه النسائي عن أحمد بن عبد الحكم، عن مروان بن معاوية، بالإسناد الّذي أخرجه البخاريّ فأوضحه، و لفظه: «تذاكر الشهر، فقال بعضنا: ثلاثين، و قال بعضنا تسعا و عشرين، فقال أبو الضحى: ابن عباس». و كذا أخرجه أبو نعيم من وجه آخر عن مروان بن معاوية، و قال فيه: «تذاكرنا الشهر عند أبي الضحى».

قوله: «دخلت المسجد، فإذا هو ملأن من الناس» هذا ظاهر في حضور ابن عباس هذه القصة، و حديثه الطويل، بل الّذي مضى قريبا يشعر بأنه ما عرف القصة إلا من عمر، لكن يحتمل أن يكون عرفها مجملة ففصلها عمر له، لما سأله عن المتظاهرتين. (فتح الباري) مختصرا.

74

فتأمل هذا الحديث تجده دليلا على أن هجره (عليه السلام) نساءه و إيلاءه منهن كان بعد الفتح، و بيان ذلك أن ابن عباس لم يقدم المدينة إلا مع أبيه بعد الفتح، و قد صرح في هذا الحديث بحضوره القصة.

رابعها: لما خير (صلّى اللَّه عليه و سلّم) زوجاته فاخترنه كافأهن اللَّه تعالى على حسن صنيعهن بالجنة

فقال: فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِناتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً [ (1)] أي في الجنة، و بأن حرم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) التزويج عليهنّ، و الاستبدال بهن، فقال- تعالى-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ‏ لكن نسخ ذلك لتكون المنّة لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بترك التزويج عليهنّ بقوله- تعالى-: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَ ما مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَ بَناتِ عَمِّكَ وَ بَناتِ عَمَّاتِكَ وَ بَناتِ خالِكَ وَ بَناتِ خالاتِكَ اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ وَ امْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَها لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ‏ [ (2)].

الآية.

و ذهب محمد بن جرير الطبريّ إلى أنه كان لرسول اللَّه أن يتزوج من شاء من النساء اللاتي أحلهن اللَّه له على نسائه اللاتي كنّ عنده، ثم نزلت عليه‏ لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ وَ لَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَ‏ [ (3)] فلم ينهه فيها، إلا أن يفارق من كان عنده منهن بطلاق، إرادة استبدال غيرها لها، و لإعجاب بحسن المستبدلة بها إياه، إذ كان اللَّه- تعالى- قد جعلهن أمهات المؤمنين، و خيرهن فاخترن اللَّه و رسوله، فحرمن على غيره، و منع من فراقهن بطلاق.

____________

[ (1)] الأحزاب: 29.

[ (2)] الأحزاب: 50.

[ (3)] الأحزاب: 52.

75

و أما نكاح غيرهن: فلم يمنع منه بل أحله اللَّه له على ما بيّن في كتابه‏

و قد روى أبو عاصم عن ابن جريج، عن عطاء، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: ما مات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحل له النساء، يعنى أهل الأرض.

و قال سفيان: عن عمرو عن عطاء، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: ما مات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحل له النساء [ (1)].

و قال وهيب: عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد اللَّه بن عمير الليثي، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: ما توفي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحلّ اللَّه له أن يتزوج من النساء ما شاء [ (2)].

و قال عمر بن شيبة: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عطاء، قال: أحسب عبيد بن عمير حدثني، قال أبو زيد عمر بن شبة، و قال أبو عاصم مرة: عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: ما مات‏

____________

[ (1)] (سنن النسائي): 6/ 364، كتاب النكاح، باب (2) ما افترض اللَّه- عزّ و جل- على رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حرمه على خلقه، ليزيد إن شاء اللَّه قربه إليه، حديث رقم (3204)، و أخرجه الترمذيّ في تفسير القرآن، باب و من سورة الأحزاب، حديث رقم (3216)، قال الحافظ السنديّ في (حاشيته على سنن النسائي): قوله: «حتى أحل له النساء» أي بقوله- تعالى-:

إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ‏ الآية، فهي ناسخة لقوله- تعالى-: لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ الآية.

[ (2)] (سنن النسائي): 6/ 364، حديث رقم (3205)، و هذا الحديث انفرد به النسائي، قال في (جامع الأصول): و صححه ابن خزيمة و ابن حبان، و الحاكم من طريق ابن جرير عن عطاء، عن عبيد بن عمير، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، و له شاهد عند ابن أبي حاتم من حديث أم سلمة أنها قالت: لم يمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحل اللَّه أن يتزوج من النساء ما شاء إلا ذات محرم. (جامع الأصول): 2/ 321، حديث رقم (769).

76

رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أحلّ له النساء [ (1)]، قال: و قال أبو الزبير: شهدت رجلا يحدثه عن عطاء، و قال: الآية، و لأن قوله- تعالى-: إِنَّا أَحْلَلْنا يقتضي تقدم لحظر، و الثاني أنه قال فيها: وَ بَناتِ عَمِّكَ وَ بَناتِ عَمَّاتِكَ وَ بَناتِ خالِكَ وَ بَناتِ خالاتِكَ‏ و لم يكن في المخيرات أحد من هؤلاء، كما قاله الشافعيّ- (رحمه اللَّه)- في الآية.

و أجيب بأن الإحلال يقتضي تقدم حظر، و زوجاته اللاتي اخترنه لم يكنّ محرمات عليه، و إنما كان حرم عليه أن يتزوج بالأجنبيات، فانصرف الإحلال إليهن، و لأنه قال في سياق الآية: وَ بَناتِ عَمِّكَ‏ الآية، و معلوم أنه لم يكن تحته أحد من بنات عمه، و لا بنات عماته، و لا من بنات خاله، و لا من بنات خالاته، فثبت أنه أحل له التزويج بهذا ابتداء.

خامسها: إذا ثبت أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحل له التزويج فهل ذلك عام في جميع النساء؟

فيه وجهان، حكاهما الماورديّ و غيره:

أحدهما: أن ذلك يختص ببنات الأعمام و العمات، و بنات الأخوال و الخالات، المهاجرات معه لظاهر الآية.

و قد روى البيهقي [ (2)] و غيره من طريق السدي، عن أبي صالح، عن أم هانئ قالت: خطبني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فاعتذرت إليه، فعذرني، ثم أنزل اللَّه- تعالى- عليه: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنا لَكَ أَزْواجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَ‏

____________

[ (1)] راجع التعليق رقم (1).

[ (2)] (سنن البيهقيّ): 7/ 54، كتاب النكاح، باب كان يجوز له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يبدل من أزواجه أحدا ثم نسخ، قال الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: أنزل اللَّه- تبارك و تعالى- عليه:

لا يَحِلُّ لَكَ النِّساءُ مِنْ بَعْدُ وَ لا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْواجٍ‏، قال بعض أهل العلم: نزلت عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد تخييره أزواجه.

77

إلى قوله- تعالى-: اللَّاتِي هاجَرْنَ مَعَكَ‏ [ (1)]، قالت: فلم أكن أحلّ له، لم أهاجر معه، كنت من الطلقاء.

و خرّجه الترمذيّ [ (2)] و قال: حديث حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه.

و خرّجه الحاكم [ (3)] و قال: صحيح الإسناد و لم يخرّجاه، و ذكر أن ذلك في قراءة ابن مسعود: و بنات خالاتك و اللاتي هاجرن معك بواو.

و قال الضحاك في هذه القراءة: يعنى بذلك كل شي‏ء هاجر معه، ليس من بنات العم و العمة، و لا من بنات الخال و الخالة، و ردّ ذلك بأن السدي ضعيف.

و قال ابن [العربيّ‏]: هو ضعيف جدا، و لم يأت هذا الحديث من طريق صحيح.

____________

[ (1)] الأحزاب: 50.

[ (2)] (سنن الترمذيّ): كتاب التفسير، باب و من سورة الأحزاب، حديث رقم (3211)، و قال:

هذا حديث حسن لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث السدي.

قال الشيخ عبد القادر الأرنائوط: و السدي هذا هو إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي الكبير، و أبو محمد الكوفيّ، و هو صدوق بهم كما قال الحافظ في (التقريب)، و في سنده أيضا أبو صالح باذام، مولى أم هانئ، و هو ضعيف مدلس، و مع ذلك فقد صححه الحاكم، و وافقه الذهبيّ.

قال الحافظ في (تخريج الكشاف): رواه الترمذيّ، و الحاكم، و ابن أبي شيبة، و إسحاق، و الطبريّ، و الطبرانيّ، و ابن أبي حاتم، كلهم من رواية السّدّي، عن أبي صالح، عن أم هانئ. (جامع الأصول): 2/ 319، حديث رقم (767).

[ (3)] (المستدرك): 2/ 185، كتاب النكاح، حديث رقم (2754) و قال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): صحيح، و أخرجه أيضا في كتاب معرفة الصحابة من (المستدرك): 4/ 58، ذكر أم هانئ فأخته بنت أبي طالب بن عبد المطلب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- حديث رقم (6782)، و قد سكت عنه الحافظ الذهبيّ في (التلخيص).

78

و قراءة ابن مسعود لا تعارض ما ثبت بالتواتر، و مع هذا فإنه جائز أن يكون بمعنى القراءة المتواترة، فإن العرب تدخل الواو في نعت من تقدم ذكره أحيانا، كما قال الشاعر:

فإن رشيدا و ابن مروان لم يكن* * * يفعل حتى يصدر الأمر مصدرا

و رشيد هو ابن مروان.

و الثاني: و هو الأظهر، أنه عام في جميع النساء لأن الإباحة رفعت ما تقدم في الحظر، فاستباح ما كان يستبيح قبلها، و لأنه في استباحة النساء أوسع من أمته، فلم يجز أن ينقص عنهم.

و قال القاضي حسين: إن تحريم النسوة عليه، هل بقي مؤبدا أم ارتفع؟

فيه وجهان.

سادسها: قال الماوردي: تحريم طلاق من اختارته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهن إذا قلنا به كما سلف لم ينسخ بل بقي إلى الموت‏

و به استدل أبو حنيفة- (رحمه اللَّه)- على بقاء تحريم نكاح غيرهن أيضا، و كلام الإمام يشير إلى خلافه.

سابعها: هل كان يجوز له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يجعل الاختيار لهن قبل المشاورة معهن؟

فيه وجهان، حكاهما الرافعي في (الجرجانيات) لأبي العباس الروياني، و لم يذكرهما في (الروضة).

79

النوع الثاني: ما اختص به الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المحرمات‏

و ذلك تكرمة له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإن تأخير ترك المحرم، أكثر من تأخير ترك المكروه، و فعل المندوب، إذ الحرام في المنهيات كالواجب في المأمورات، و هو أيضا قسمان:

القسم الأول: المحرمات في غير النكاح‏

و فيه مسائل:

الأولى: الزكاة، فإنّها حرام عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا تحل له بإجماع العلماء على ذلك‏

و شاركه في ذلك ذو القربى بسببه أيضا، فالخاصة عائدة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنّها أوساخ الناس، و تحريم ذلك عليه و على آله، أشهر عند أهل العلم من أن يحتاج فيه إلى إكثار.

كما

خرّجه مسلم من طريق مالك، عن الزهريّ أن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب حدثه أن عبد المطلب بن ربيعة بن الحارث، حدثه فذكر الحديث إلى أن قال: ثم قال:-

يعنى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- إنّ الصدقة لا تنبغي لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس [ (1)]

و ذكره أيضا من طريق‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 167- 168، كتاب الزكاة، باب (51) ترك استعمال آل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الصدقة، حديث رقم (167).

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إن الصدقة لا تتبغي لآل محمد»

دليل على أنها محرمة سواء كانت بسبب العمل، أو بسبب الفقر و المسكنة، و غيرهما من الأسباب الثمانية، و هذا هو الصحيح عند

80

يونس بن يزيد، عن ابن شهاب و لفظه: إن هذه الصدقات إنما هي أوساخ الناس، و إنها لا تحل لا لمحمد، و لا آل محمد [ (1)].

و خرّج ابن أبي شيبة [ (2)] من طريق سفيان، عن موسى بن أبي عائشة، عن موسى بن أبي رزين، عن عليّ قال:

قلت للعباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: سل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يستعملك على الصدقة، فسأله، فقال: ما كنت لأستعملك على غسالات ذنوب الناس.

و اعلم أن منصب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منزه عن ذلك، و أيضا فإن الزكاة تعطى على سبيل التكرم، المبني على ذلّ الآخذ، فأبدلوا عنها بالغنيمة المأخوذة بطريق العز و الشرف، و المبني على عزّ الآخذ و ذلّ المأخوذ منه.

و قد اختلف علماء السلف، هل الأنبياء (عليهم السلام) تشارك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ذلك؟ أم يختص به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دونهم؟ فذهب الحسن إلى أن الأنبياء تشاركه في ذلك، و ذهب سفيان بن عيينة إلى اختصاصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك دونهم.

____________

[ ()] أصحابنا، و جوز بعض أصحابنا لبني هاشم و عبد المطلب العمل عليها بسهم العامل، لأنه أجاره، و هذا ضعيف أو باطل، و هذا الحديث صريح في رده.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إنما هي أوساخ الناس»

تنبيه على العلة في تحريمها على بني هاشم و بني عبد المطلب، و أنها لكرامتهم و تنزيههم عن الأوساخ، و معنى أوساخ الناس أنها تطهير لأموالهم و نفوسهم كما قال- تعالى-: خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَ تُزَكِّيهِمْ بِها فهي كغسالة الأوساخ. (شرح النووي).

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (168).

[ (2)] راجع التعليقات السابقة.

81

و أما صدقة التطوع ففي تحريمها على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تحريمها على آله أربعة أقوال:

أحدها: تحرم، حكاه الشيخ أبو حامد، و القفال، قال ابن الصلاح:

و خفي على إمام الحرمين، و الغزاليّ، و الصحيح الأول.

و الثاني: لا تحرم، إنما كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يمتنع منها ترفعا.

و الثالث: تحرم عليه دونهم، و هذا القول أصحهما، قال ابن عبد البر:

الّذي عليه جمهور أهل العلم و هو الصحيح عندنا: أن صدقة التطوع لا بأس بها لبني هاشم و مواليهم، و مما يدل على صحة ذلك، أن عليا و العباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- و غيرهما تصدقوا، و أوقفوا أوقافا على جماعة من بني هاشم، و صدقاتهم الموقوفة معروفة مشهورة، لا خلاف بين العلماء، أن بني هاشم و غيرهم، في قبول الهدايا و المعروف سواء،

و قد قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

كل معروف صدقة.

و الرابع: محرم عليهم الجهة الخاصة دون العامة، كالمساجد، و مياه الآبار، و أبدى الماوردي وجها آخر اختاره: أن ما كان منها أموالا متقومة كانت محرمة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون ما كان منها غير متقوم، فتخرج صلاته في المساجد، و شربه ماء زمزم، و بئر رومة، و يخرج من هذا الوجه أنه كان يحرم عليه أن يوقف عليه معينا، لأن الوقف صدقة تطوع.

و حكى الرافعي في هذا الخلاف وجهين، فقال: و في المحرمات الصدقة في أظهر الوجهين على ما سبق في قسم الصدقات، و تبع في حكاية الخلاف لذلك الإمام هنا، و الطبري صاحب (العدة) و كذا حكاه العجليّ في شرح (الوسيط) و الجرجاني في (الشافي).

82

و لكن الّذي سبق في كلام الرافعي: أن في الخلاف قولان، و هو الصواب في بعض نسخ الرافعي، و (الروضة) [ (1)]، أيضا فقد قال الماوردي في كتاب (الوقف): إنها منصوصة في (الأم) [ (2)].

و قد ثبت ما يقوي تحريم الصدقة عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مطلقا، زكاة مفروضة كانت أو تطوعا، و هو قول أكثر أهل العلم.

خرّج البخاريّ في آخر كتاب الجهاد [ (3)]، في باب من تكلم بالفارسية و الرطانة من طريق شعبة، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه‏

____________

[ (1)] (روضة الطالبين): 5/ 348، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره، الضرب الثاني، ما اختص به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المحرمات، و هي قسمان، أحدهما المحرمات في غير النكاح، فمنها الزكاة، و كذا الصدقة على الأظهر.

[ (2)] قال الإمام الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فأما آل محمد، الذين جعل لهم الخمس عوضا من الصدقة، فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئا- قل أو كثر- لا يحل لهم أن يأخذوها، و لا يجزئ عمن يعطيهموها إذا عرفهم، و إن كانوا محتاجين، و غارمين، و من أهل السهمان، و إن حبس عنهم الخمس، و ليس منعهم حقهم في الخمس يحل لهم ما حرم عليهم من الصدقة.

قال: و آل محمد الذين تحرم عليهم الصدقة المفروضة أهل الخمس، و هم أهل الشعب، و هم صليبة بني هاشم و بني عبد المطلب، و لا يحرم على آل محمد صدقة التطوع، إنما يحرم عليهم الصدقة المفروضة.

أخبرنا إبراهيم بن محمد، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، أنه كان يشرب من سقايات الناس بمكة و المدينة! فقلت له: أ تشرب من الصدقة و هي لا تحل لك؟ فقال: إنما حرمت علينا الصدقة المفروضة.

قال الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و تصدق عليّ و فاطمة على بني هاشم و بني المطلب بأموالهما، و ذلك أن هذا تطوع. و قبل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الهدية من صدقة تصدّق بها على بريرة، و ذلك أنها من بريرة تطوع لا صدقة. (الأم): 2/ 69 كتاب الزكاة، باب العلة في القسم.

[ (3)] (فتح الباري): 6/ 226، كتاب الجهاد و السير، باب (188) من متكلم بالفارسية و الرطانة، و قول اللَّه- عزّ و جلّ-: وَ اخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَ أَلْوانِكُمْ‏ [الروم: 22]، و قال: وَ ما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ‏ [إبراهيم: 4]، حديث رقم (3072).

83

تبارك و تعالى عنه- أن الحسن بن عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- أخذ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كخ، كخ! أما تعرف أنا لا نأكل الصدقة؟

و خرّجه في كتاب الزكاة [ (1)]، و ترجم عليه باب ما يذكر في الصدقة للنّبيّ و آله.

و خرّجه مسلم في آخر كتاب الزكاة به، و لفظه عن محمد- و هو ابن زياد، سمع أبا هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يقول:

أخذ الحسن بن عليّ تمرة من تمر الصدقة فجعلها في فيه، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كخ، كخ! ارم بها، أما علمت أنا لا نأكل الصدقة [ (2)]؟ و في لفظ له قال: إنا لا تحل لنا الصدقة [ (3)]،

و في لفظ البخاريّ:

إن آل محمد لا يأكلون الصدقة.

و خرّجاه أيضا من حديث معمر عن همام بن أمية، عن أبي هريرة، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

إني لأنقلب إلى أهلي فأجد التمرة ساقطة على فراشي فأرفعها لآكلها، ثم أخشى أن تكون صدقة فألقيها،

ذكره البخاريّ في كتاب اللقطة في باب إذا وجد تمرة في الطريق [ (4)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 451، كتاب الزكاة، باب (60) ما يذكر في الصدقة للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (1491). و في حديث دفع الصدمات إلى الإمام، و الانتفاع بالمسجد في الأمور العامة، و جواز إدخال الأطفال المساجد و تأديبهم بما ينفعهم، و منعهم مما يضرهم، و من تناول المحرمات، و إن كانوا غير مكلفين ليتدربوا بذلك.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 181، كتاب الزكاة، باب (50) تحريم الزكاة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و على آله، و هم: بنو هاشم، و بنو المطلب دون غيرهم، حديث رقم (161).

[ (3)] (المرجع السابق)، الحديث الّذي يلي الحديث السابق، بدون رقم.

[ (4)] (فتح الباري): 5/ 108، كتاب اللقطة، باب (7) إذا وجد تمرة في الطريق، حديث رقم (2432).

84

و خرّجه مسلم في الزكاة [ (1)]، و خرجاه من حديث سفيان، عن منصور، عن طلحة، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

مر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتمرة في الطريق فقال: لو لا أنني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها.

ذكره البخاريّ في البيوع [ (2)] و لفظة، عن أنس قال:

مرّ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بتمرة مسقوطة، فقال: لو لا أن تكون صدقة لأكلتها،

و قال همام عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال:

أجد تمرة ساقطة على فراشي،

هكذا ذكر هذا متصلا بحديث أنس، و ترجم عليهما باب ما يتنزه عنه من الشبهات.

و خرّجه مسلم [ (3)] و أبو داود [ (4)] و خرّج البخاريّ [ (5)] في كتاب الهبة في باب قبول الهدية من طريق معن قال: حدثني إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة، قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا أتى بطعام سأل عنه:

أ هدية أم صدقة؟ فإن قيل: صدقة، قال لأصحابه: كلوا، و لم يأكل، فإن قيل: هدية ضرب بيده (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأكل معهم.

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 182، كتاب الزكاة، باب (50) تحريم الزكاة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و على آله، و هم بنو هاشم و بنو المطلب دون غيرهم، حديث رقم (162).

[ (2)] (فتح الباري): 4/ 368، كتاب البيوع، باب (4) ما يتنزه عن الشبهات، رقم (2055).

قال المهلب: إنما تركها (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تورعا و ليس بواجب، لأن الأصل أن كل شي‏ء في بيت الإنسان على الإباحة، حتى يقوم دليل على التحريم، و فيه تحريم قليل الصدقة على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و يؤخذ منه تحريم كثيرها من باب أولى. (فتح الباري).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 190، كتاب الزكاة، باب (53) باب قبول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الهدية و رده الصدقة، حديث رقم (175). و فيه استعمال الورع و الفحص عن أصل المآكل و المشارب.

(شرح النووي).

[ (4)] (سنن أبي داود): 2/ 300، كتاب الزكاة، باب (29) الصدقة على بني هاشم، حديث رقم (1652).

[ (5)] (فتح الباري): 5/ 254، كتاب الهبة و فضلها و التحريض عليها، باب (6) قبول الهدية، حديث رقم (2576).

85

و خرّجه مسلم [ (1)] في كتاب (الزكاة) من طريق الربيع بن مسلم، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان إذا أتي بطعام سأل عنه، فإن قيل: هدية أكل منها، و إن قيل: صدقة لم يأكل منها.

و خرّجه النسائي [ (2)] من طريق بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا أتي بشي‏ء سأل عنه: أ هدية أم صدقة؟ فإن قيل صدقة لم يأكل، و إن قيل هديه بسط يده. ذكره في آخر كتاب الزكاة.

و في حديث سليمان:

إنها لا تحل لنا الصدقة.

و ترجم عليه الهدية للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و استبعد إمام الحرمين ثبوت الخلافة في جواز أخذه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صدقة التطوع لنفسه، و حكى ابن الصلاح عن (أمالي أبي الفرج السرخسي)، أن في صرف الكفارة و النذر إلى الهاشمي قولين، و الظاهر جريانهما في المطلبيّ أيضا لأنه في معناه.

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 190، كتاب الزكاة، باب (53) قبول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الهدية و رده الصدقة، حديث رقم (175).

[ (2)] (سنن النسائي): 5/ 112- 113، كتاب الزكاة، باب (98) الصدقة لا تحل للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (2612).

86

الثانية: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يأكل البصل، و الثوم، و الكراث، و ما له رائحة كريهة من البقول‏

خرّج البخاري [ (1)] من طريق يونس عن ابن شهاب، زعم عطاء أن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، زعم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

من أكل ثوما، أو بصلا، فليعتزلنا، أو فليعتزل مسجدنا و ليقعد في بيته، و أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أتى بقدر فيه خضروات من بقول فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيه من البقول، فقال: قربوها إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه أكلها، و قال: كل، فإنّي أناجي من لا تناجي.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 9/ 717- 718، كتاب الأطعمة، باب (49) ما يكره من الثوم و البقول، حديث رقم (5452).

قوله: (باب ما يكره من الثوم و البقول) أي التي لها رائحة كريهة، و هل النهي عن دخول المسجد لأكلها على التعميم أو على من أكل الني‏ء منها دون المطبوخ؟ و في هذه الأحاديث بيان جواز أكل الثوم و البصل و الكرات، إلا أن من أكلها يكره له حضور المسجد، و قد ألحق بها الفقهاء ما في معناها من البقول الكريهة الرائحة كالفجل، و قد ورد فيه حديث في الطبراني و قيده عياض بمن يتجشى منه، و ألحق به بعض الشافعية الشديد البخر و من به جراحة تفوح منها رائحتها، و اختلف في الكراهية: فالجمهور على التنزيه، و عن الظاهرية التحريم، و أغرب عياض فنقل عن أهل الظاهر تحريم تناول هذه الأشياء مطلقا لأنها تمنع حضور الجماعة، و الجماعة فرض عين، و لكن صرح ابن حزم بالجواز، ثم يحرم على من يتعاطى ذلك حضور المسجد، و هو أعلم بمذهبه من غيره.

87

و خرّجه مسلم [ (1)] و أبو داود [ (2)]، و قال مالك: عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يأكل الثوم، و لا الكراث، و لا البصل، من أجل الملائكة، و من أجل أنه يكلم جبريل- (عليه السلام)-.

قال ابن عبد البر: في هذا الحديث من الفقه إباحة أكل الثوم لسائر الناس، لأن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما امتنع من أكل الثوم و البصل و الكراث لعلة ليست موجودة في غيره، فصار ذلك خصوصا له.

و قد اختلف هل كان ذلك حراما عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فيه لأصحابنا وجهان:

أحدهما: يحرم، و به جزم الماوردي كيلا يتأذى به الملك، و أشبههما لا يحرم عليه، بل كان أكل ذلك مكروها في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إنما كان يمتنع منه ترفعا.

و الدليل على ذلك ما

خرّجه مسلم من طريق شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة، عن أبي أيوب الأنصاريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، قال‏

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا أتى بطعام أكل منه، و بعث بفضلة إليّ، و أنه بعث إليّ يوما بفضلة لم يأكل منها، لأن فيها ثوما فسألته: أ حرام هو؟ قال: لا، و لكني أكرهه من أجل ريحه، قال: فإنّي أكره ما كرهت.

و خرّجه الترمذيّ [ (3)] و قال: هذا حديث حسن صحيح.

و خرّجه مسلم [ (4)] أيضا من طريق عاصم، عن عبد اللَّه بن الحارث، عن أفلح مولى أبي أيوب، عن أبي أيوب، و فيه قصة، و في آخره:

و كان‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 52- 53، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب (17) نهي من آكل ثوما أو بصلا أو كراثا أو نحوها، حديث رقم (72).

[ (2)] (سنن أبي داود): 4/ 170)، كتاب الأطعمة، باب (41) أكل الثوم، حديث رقم (3822)، و قوله: «فليعتزل مسجدنا» إنما أمره باعتزال المسجد عقوبة له و ليس هذا كالمطر و الريح العاصف و نحوهما من الأمور، و قد رأيت بعض الناس صنف في الأعذار المانعة عن حضور الجماعة بابا و وضع فيها أكل الثوم و البصل و ليس هذا من ذاك في شي‏ء، و اللَّه- تعالى- أعلم.

[ (3)] (سنن الترمذيّ): 4/ 299- 230، كتاب الأطعمة، باب (13) ما جاء في كراهية أكل الثوم و البصل، حديث رقم (1806).

[ (4)] (سبق تخريجه).

88

النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يؤتي- يعني مجي‏ء الملك‏

- و هذا صريح في نفي التحريم، و إثبات الكراهة، و على هذا الجادة، قال ابن الصلاح: و هذا يبطل وجه التحريم.

و خرّج أبو داود [ (1)] من حديث بقية عن بجير، عن خالد، عن أبي زياد، عن خيار بن سلمة أنه سأل عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- عن البصل، فقالت: إن آخر طعام أكله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) طعام فيه بصل.

و خرّجه أحمد [ (2)] أيضا و هو سند صالح و اعترض صاحب (المطلب) بأن حديث أبي أيوب كان في ابتداء الهجرة، و النهي عن أكل الثوم كان عام خيبر كما رواه البخاريّ في (صحيحه).

و أجيب بما

خرّجه مسلم [ (3)] من طريق إسماعيل بن علية، عن الجريريّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدريّ، قال:

لم نعد أن فتحت خيبر فوقعنا أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في تلك البقلة، الثوم، و الناس جياع، فأكلنا منها أكلا شديدا، ثم رحنا إلى المسجد، فوجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الريح فقال: من أكل من هذه الشجرة الخبيثة شيئا فلا يقربنا في المسجد، فقال الناس: حرمت! حرمت! فبلغ ذلك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: يا أيها الناس! إنه ليس لي تحريم ما أحل اللَّه لي، و لكنها شجرة أكره ريحها.

____________

[ (1)] (سنن أبى داود): 4/ 173، كتاب الأطعمة، باب (41) في أكل الثوم حديث رقم (3829).

[ (2)] (مسند أحمد): 7/ 130، حديث رقم (24064).

[ (3)] (المرجع السابق): 5/ 54، حديث رقم (76).

89

الثالثة: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يأكل متكئا

خرّج البخاريّ [ (1)] من طريق مسعر عن عليّ بن الأقمر، سمعت أبا جحيفه قال:

كنت عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال لرجل: لا آكل متكئا.

و خرّجه ابن أبي خيثمة بهذا الإسناد مثله، و خرّجه أبو داود [ (2)] من طريق سفيان، عن عليّ بن الأقمر بهذا الإسناد مثله سواء.

و خرّج البخاريّ [ (3)] من طريق جرير بن منصور، عن عليّ بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال:

كنت عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال لرجل عنده: لا آكل و أنا متكئ.

و خرّجه النسائي من طريق شريك عن عليّ بن الأقمر، عن أبي جحيفة، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

أما أنا فلا آكل متكئا.

و خرّج عبد الرزاق عن معمر، عن يحيى بن أبي كثير، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

آكل كما يأكل العبد، و أجلس كما يجلس العبد، فإنما أنا عبد،

و خرّجه البيهقي في (شعب الإيمان) [ (4)] و في (دلائل النبوة).

و خرّج ابن سعد [ (5)]، عن أبي النضر، عن أبي معشر، عن سعيد [المقبري‏]، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-

، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لها: يا عائشة إن شئت لسارت معي جبال الذهب، أتاني ملك و إن حجزته لتساوي الكعبة، فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام، و يقول لك: إن شئت‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 9/ 675، كتاب الأطعمة، باب (13)، حديث رقم (5398).

[ (2)] (سنن أبى داود): 4/ 140- 141، كتاب الأطعمة، باب (17) ما جاء في الأكل متكئا، حديث رقم (3769).

[ (3)] (فتح الباري): 9/ 675، كتاب الأطعمة، باب (13) الأكل متكئا، حديث رقم (5399).

[ (4)] (شعب الإيمان): 5/ 107، باب (39) في المطاعم و المشارب، الأكل متكئا، حديث رقم (5975).

[ (5)] (طبقات ابن سعد): 1/ 381، ذكر صفة مأكله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

90

[كنت‏] [ (1)] نبيا [مليكا] [ (2)]، و إن شئت [نبيا] عبدا، فأشار إليّ جبريل [أن‏] ضع نفسك، فقلت: نبيا عبدا، فكان بعد ذلك لا يأكل متكئا، و يقول: آكل كما يأكل العبد، و أجلس كما يجلس العبد.

و خرّج النسائي من طريق بقية الزبيدي قال: حدثني الزهريّ، عن محمد بن عبد اللَّه بن عباس قال: كان ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يحدث‏

أن اللَّه- تعالى- أرسل إلى بيته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ملكا من الملائكة، و معه جبريل- (عليه السلام)-، فقال له الملك: إن اللَّه يخيّرك بين أن تكون عبدا نبيا و بين أن تكون ملكا فالتفت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى جبريل كالمستشير، فأشار جبريل بيده أن تواضع، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا بل أكون عبدا نبيا، فما أكل بعد هذه الكلمة طعاما متكئا.

و رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهريّ، قال: جاء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ملك لم يأته قبلها و لا بعدها، فقال: إن اللَّه يخيرك بين أن تكون نبيا ملكا، أو نبيا عبدا ... الحديث بنحوه.

و عن ابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إنما أنا عبد آكل كما يأكل العبد.

خرّجه البزار

و قال: لا نعلمه يروي بإسناد متصل إلا من هذا الوجه، و لا نعلم رواه عن ابن عمر إلا نافعا، و لا عنه إلا عبيد اللَّه، و لا عنه إلا مبارك، تفرد به حفص و قال: و مبارك كان مدلسا، و قد اختلف في ذلك، هل كان حراما عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أو مكروها؟ فيه وجهان:

أشبههما كما قال الرافعي و غيره: أنه كان مكروها فإنه لم يثبت فيه ما يقتضي‏

____________

[ (1)] من (الأصل) فقط.

[ (2)] كذا في (الأصل)، و في (الطبقات): «ملكا»، و له من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن شعيب بن عبد اللَّه بن عمرو، قال إسحاق بن عيسى في حديثه عن أبيه قال: ما رئي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأكل متكئا قط، و لا يطأ عقبه رجلان.

و من حديث الفضل بن دكين، أخبرنا مسعر، كلاهما عن عليّ بن الأقمر، قال: سمعت أبا جحيفة

يقول: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا آكل متكئا. (المرجع السابق): 1/ 380.

91

التحريم و اجتناب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الشي‏ء و اختياره غيره، لا يدل على كونه محرما عنده.

و قال النووي [ (1)]: و الصحيح أنه كان مكروها في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، لا حراما، و قال ابن شاهين: لم يكن محرما عليه و إنما هو أدب من الآداب.

و الثاني: أنه كان حراما عليه و جزم به صاحب (التلخيص) لما فيه من الكبر و العجب، فعلى أنه ليس بحرام لا يبقى من باب الخصائص، فإنه يكره لغيره أيضا الأكل متكئا على كل من تفسيريه، و إذا تقرر ذلك فما المراد بالمتكئ؟ فيه خلاف، قال ابن سيده: توكأ على الشي‏ء و اتكأ تحمل و اعتمد، و التكأة العصا يتكأ عليها في المشي، و اتكأ الرجل جعل له متكأ، و ضربه فاتكأه، ألقاه على جانبه الأيسر [ (2)]، و فسر الخطّابيّ المتكئ هنا بالمتمكن في جلوسه من التربع، و شبهه المعتمد على الوطاء تحته، قال: و كل من استوى‏

____________

[ (1)] (روضة الطالبين): 5/ 348- 349، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره، و قال في هامشه: لم يبين المصنف المراد بالاتكاء، و عن الخطابي: المراد به الجالس المعتمد على وطاء تحته، و عن ابن الجوزي: أن المراد به المائل على جنب، و فسره القاضي عياض في (الشفاء) بما ذكره الخطّابيّ.

[ (2)] قال الزجاج: هو ما يتكأ عليه لطعام أو شراب أو حديث، و قال المفسرون في قوله- تعالى-:

وَ أَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً أي طعاما، و قيل للطعام متكأ لأن القوم إذا قعدوا على الطعام اتكئوا، و قد نهيت هذه الأمة عن ذلك،

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): آكل كما يأكل العبد، و في الحديث: لا آكل متكئا.

المتكئ في العربية كل من استوى قاعدا، على وطاء متمكنا، و العامة لا تعرف المتكئ إلا من مال في قعوده معتمدا على أحد شقيه، و التاء فيه بدل من الواو، و أصله من الوكاء، و هو ما يشد به الكيس و غيره، كأنه أوكأ مقعدته و شدها بالقعود على الوطاء الّذي تحته.

قال ابن الأثير: و معنى الحديث: أني إذا أكلت لم أقعد متمكنا فعل من يريد الاستكثار منه، و لكن آكل بلغة، فيكون قعودي له مستوفزا. قال: و من حمل الاتكاء على الميل إلى أحد الشقين، تأوله على مذهب الطب، فإنه لا ينحدر في مجاري الطعام سهلا، و لا يسيغه هنيئا، و ربما تأذى به. (لسان العرب): 1/ 200- 201 مختصرا.

92

قاعدا على وطئ فهو متكئ، و معناه لا آكل أكل من يريد الاستكثار من الطعام و يقعد له متكئا بل أقعد مستوفزا [ (1)]، و آكل قليلا، فيكون الاتكاء على هذا التفسير التربع، و رجحه جماعة لما فيه من التجبّر و التعاظم، و أنكر ابن الجوزي هذا التفسير، و قال: المراد به المائل على جنب، فيكون الاتكاء على هذا التفسير الاضطجاع، و هو المتبادر إلى أفهام كثيرين، لما قد يحصل به من الأذى كما نهى عن الشرب قائما.

و قال القاضي عياض [ (2)]: و ليس هو الميل على شق عند المحققين، و اختيار ما فسره الخطابي و إليه ذهب ابن دحية أيضا فقال: الاتكاء في اللغة هو التمكن في الأكل.

الرابعة: تعليم الشّعر

قال اللَّه تعالى: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ‏ [ (3)] يقول- تعالى-: و ما علمنا محمدا الشعر و ما ينبغي له أن يكون شاعرا، فجعل اللَّه- تعالى- ذلك علما من أعلام نبوة محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لئلا تدخل الشبهة على من أرسل إليهم، فيظن به أنه قوي على القرآن بما في طبعه من القوة على الشعر.

قال سعيد: عن قتادة، قيل لعائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- هل كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتمثل بشي‏ء من الشعر؟ قالت: كان أبغض الحديث إليه غير أنه كان يتمثل بيت أخي بني قيس فيجعل آخره أوله، و أوله آخره،

فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- إنه ليس هكذا، فقال نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إني و اللَّه ما أنا بشاعر و لا ينبغي لي.

____________

[ (1)] (معالم السنن): 4/ 141، شرح الحديث رقم (3769) باب ما جاء في الأكل متكئا من (سنن أبي داود).

[ (2)] (الشفا): 1/ 51، فصل و أما ما تدعو ضرورة الحياة إليه مما فصلناه ... إلخ.

[ (3)] ياسين: 69.

93

و قال الزجّاج: معنى‏ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ‏ [ (1)] أي ما يتسهل له.

و خرّج أبو داود [ (2)] من حديث ابن عمرو- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

ما أبالي ما أتيت إن أنا شربت ترياقا، أو تعلقت تميمة، أو قلت الشعر من قبل نفسي.

فلهذا قال أصحابنا: إنه كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تعلم الشعر. قال الرافعي:

و إنما يتجه القول بتحريمهما- يعنى الشعر و الخط- ممن يقول: إنه كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحسنها، و قد اختلف فيه، فقيل: يحسنهما و يمتنع منهما، و الأصحّ أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يحسنهما. قال النووي في (الروضة) [ (3)]: و لا يمتنع تحريمهما و إن لم‏

____________

[ (1)] ياسين: 69.

[ (2)] (سنن أبي داود): 4/ 201- 202، كتاب الطب، باب (10) في الترياق، حديث رقم (3869)، ثم قال أبو داود: هذا كان للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة، و قد رخّص فيه قوم، يعني الترياق.

قال الشيخ: ليس شرب الترياق مكروها من أجل أن التداوي محظور، و قد أباح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) التداوي و العلاج في عدة أحاديث، و لكن من أجل أن يقع فيه من لحوم الأفاعي و هي محرمة. و الترياق أنواع: فإذا لم يكن فيه لحوم الأفاعي فلا بأس بتناوله و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم.

و التميمة، يقال: إنها خرزة كانوا يتعلقونها يرون أنها تدفع عنهم الآفات، و اعتقاد هذا الرأي جهل و ضلال، إذا لا مانع و لا دافع غير اللَّه- سبحانه-، و لا يدخل في هذا التعوذ بالقرآن، و التبرك و الاستشفاء به، لأنه كلام اللَّه- سبحانه-، و الاستعاذة به ترجع إلى الاستعاذة باللَّه- سبحانه-، و يقال: بل التميمة قلادة تعلق فيها العوذ، قال أبو ذؤيب:

و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع‏

و قال آخر:

بلاد بها عقّ الشباب تميمتي* * * و أول أرض مسّ جلدي ترابها

و قد قيل: إن المكروه من العوذ هو ما كان بغير لسان العرب فلا يفهم معناه، و لعله قد يكون فيه سحر أو نحوه من المحظور، و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم. (معالم السنن).

[ (3)] (روضة الطالبين): 5/ 349، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره، و قال في هامشه: قال في (الخادم) قال في: (البيان): ذكر النقاش أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

94

يحسنهما، و يكون المراد تحريم التوصل إليهما، و دليل التحريم أن اللَّه- تعالى- أخبر عن حال نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ردّ قول من قال من الكفار: إنه شاعر، و أن القرآن شعر بقوله- تعالى-: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ‏ [ (1)].

و لذلك كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يقول الشعر، و لا يزنه، و كان إذا حاول إنشاء بيت قديم متمثلا به كسر وزنه، و إنما كان يحرر المعاني فقط، من ذلك أنه انشد بيت طرفة [ (2)]:

____________

[ ()] ما مات حتى كتب. قال: و الأول أي عدم الكتابة هو المشهور. قال صاحب (الخادم): يشهد للنقاش ما

رواه البخاريّ في عمرة القضاء أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صالح سهيل بن عمرو، فكتب عليّ بن أبي طالب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- الصحيفة: هذا ما قاضي عليه محمد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال سهيل: اكتب محمد بن عبد اللَّه، فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعلي- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-:

امحه، فقال عليّ: لا أمحوك أبدا، فأخذ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكتاب فكتب: هذا ما قاضي محمد بن عبد اللَّه،

و في هذه الكتابة وجوه:

أحدها: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب و هو لا يعلم ما يكتب فانتظم مراده.

ثانيها: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أوحى إليه فكتبه عن علم بالكتابة.

ثالثها: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لكثرة كتابة اسمه بين يديه فعلم ذلك، و هذا أضعف الأوجه.

رابعها: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر من كتب و نسب الفعل إليه تجوزا، و لم يبين الشيخ هل المراد بالشعر إنشاده أو روايته أو أعم من ذلك؟ قال في (الخادم): و جعل الماورديّ و الرويانيّ قول الشعر، و تعلمه، و روايته، سواء في التحريم.

[ (1)] ياسين: 69.

[ (2)] هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن عباد بن صعصعة بن قيس بن ثعلبة، و يقال:

إن اسمه عمرو، و أمه وردة، من رهط أبيه، و كان أحدث الشعراء سنا، و أقلهم عمرا، قتل و هو ابن عشرين سنة، فيقال له: ابن العشرين، و كان حسب من قومه، جريئا على هجائهم و هجاء غيرهم، و مما سبق إليه قوله:

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا* * * و يأتيك بالأخبار من لم تزوّد

و قال غيره:

و يأتيك بالأنبياء من لم تبع له* * * بتاتا و لم تضرب له وقت موعد

(الشعر و الشعراء): 103- 108 مختصرا.

95

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا* * * و يأتيك من لم تزوره بالأخبار

و أنشد يوما، و قد قيل له: من أشعر الناس؟ فقال: الّذي يقول:

أ لم ترياني كلما جئت طارقا* وجدت بها و إن لم تطبني طبيبا و أنشد يوما:

أ تجعل نهبي و نهب العب* * * يد بين الأقرع و عيينة [ (1)]

و ربما أنشد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) البيت المستقيم في النادر.

____________

[ (1)] كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعطى في العرب الأقرع بن حابس التميميّ مائة من الإبل، و أعطى عيينة بن بدر الفزاريّ مائة من الإبل، و أعطى مالك بن عوف مائة من الإبل، و أعطى العباس بن مرداس السلميّ أربعا من الإبل، فعاتب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في شعر قاله:

كانت نهابا تلافيتها* * * بكري على القوم في الأجرع‏

و حثّى الجنود لكي يدلجوا* * * إذا هجع القوم لم أهجع‏

فأصبح نهبي و نهب العبيد* * * بين عيينة و الأقرع‏

إلا أفائل أعطيتها* * * عديد قوائمها الأربع‏

و قد كنت في الحرب ذا تدرا* * * فلمأعط شيئا و لم أمنع‏

و ما كان حصن و لا حابس* * * يفوقان مرداس في المجمع‏

و ما كنت دون امرئ منهما* * * و من تضع اليوم لا يرفع‏

فرفع أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)،

فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للعباس:

أنت الّذي تقول:

أصبح نهبي و نهب العب* * * يد بين الأقرع و عيينة؟

فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه، ليس هكذا قال! قال: كيف؟ فأنشده أبو بكر كما قال عباس، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): سواء، ما يضرك بدأت بالأقرع أم عيينة! فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: بأبي أنت و أمي، ما أنت بشاعر و لا رواية، و لا ينبغي لك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اقطعوا لسانه عني، فأعطوه مائة من الإبل، و يقال: خمسين من الإبل. (مغازي الواقدي): 3/ 946- 947.

و الأجرع:

المكان السهل. و العبيد: فرس عباس بن مرداس. أفائل: جمع أفيل، و هي الصغار من الإبل.

ذا تدرإ: أي ذا دفع، من قولك: درأه أي دفعه.

96

و روى البيهقيّ من طريق عليّ بن عمرو الأنصاري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهريّ عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

ما سمعت من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيت شعر قط إلا بيتا واحدا:

تفاءل بما تهوى يكن* * * فلقل ما يقال بشي‏ء كان ألّا يحقق‏

و ثبت في الصحيح‏

أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الخندق تمثل شعر عبد اللّه بن رواحة:

اللَّهمّ لو لا أنت ما اهتدينا* * * و لا تصدّقنا و لا صلّينا

الشعر بتمامه لكن قال أبو الحجاج المزني في حديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-: هذا حديث منكر.

و أما بشعر ابن رواحة فإنه تارة يروى برحاف، و تارة بغير رحاف، فاللَّه أعلم كيف قاله (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و ذكر الأمويّ في (مغازيه) أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جعل يوم بدر يدور بين القتلى يقول:

فعلق هاما من رجال أعزّة* * * علينا و هم كانوا أعق و أظلما

و قال الحربي: و لم يبلغني أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنشد بيتا تاما على وزنه، بل الصدر، كقول لبيد:

ألا كل شي‏ء ما خلا اللَّه باطل‏

أو العجز كقوله طرفة:

و يأتيك بالأخبار من لم تزود

فإن أنشد بيتا كاملا غيّره، قال يوما:

أ تجعل نهبي و نهب العبيد* * * بين الأقرع و عيينة [ (1)]

فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول اللَّه، ثم قرأ: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ (2)]:

الآية، و قال عمر بن شبّة [ (3)] في كتاب (أخبار مكة): حدثنا أبو داود، حدثنا

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق، ففيه البيت بدون تغيير.

[ (2)] ياسين: 69.

[ (3)] هو عمرو بن شبة يزيد بن عبيدة بن رابطة النميري أبو يزيد البصريّ، ثم البغداديّ، الأديب الأخباريّ الشهير بابن شبة. ولد سنة (173) و توفي بسر من رأى سنة

97

شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت رجلا اسمه سعد قال مرة، عن سعد و لم يذكر مرة سعدا، قال: ذكرت بنو ناجية عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإما أن يكون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: عين، فأبكى أسامة بن لؤيّ فقال رجل: علقت بأسامة العلاقة، و إما أن يكون الرجل قال، فأتم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) البيت.

و ذكر السهيليّ أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال للعباس بن مرادس: أنت القائل:

أ تجعل نهبي العب* * * يد بين الأقرع و عيينة

و تكلم السهيليّ على ما تقدم الأقرع على عيينة بمناسبات غريبة، و تكلموا على قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم حنين و هو في وجوه العدو:

أنا النبي لا كذب* * * أنا ابن عبد المطلب‏

بما حاصله أنه لم يخرج مخرج الشعر، و إنما وقع سجعا من غير قصد.

و قال الحسن بن أبي الحسن:

أنشد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

كفي بالإسلام و الشيب للمرء ناهيا

فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: يا رسول اللَّه إنما قال الشاعر:

هريرة ودع إن تجهزت غاديا* * * كفي بالشيب و الإسلام للمرء ناهيا

فقال أبو بكر و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-: أشهد أنك رسول اللَّه، يقول اللَّه عز و جل: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ‏ [ (1)]، و قال الخليل بن أحمد: كان الشعر أحب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من كثير الكلام، و لكن لا يأتي له.

و اعلم أن إصابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وزن الشعر أحيانا لا يوجب أنه لا يعلم الشعر و كذلك ما يأتي له أحيانا من نثر كلامه مما يدخل في وزن الشعر كقوله:

هل أنت إلا إصبع دميت* * * و في سبيل اللَّه ما لقيت؟

و قوله:

____________

[ ()] (262)، و له من التصانيف: أخبار أمراء البصرة، أخبار أمراء الكوفة، أخبار أمراء المدينة، أخبار مكة، أخبار بني نمير، أخبار الكوفة، و غير ذلك. (كشف الظنون): 5/ 622.

[ (1)] ياسين: 69.

98

أنا النبي لا كذب* * * أن ابن عبد المطلب‏

فقد تأتى مثل ذلك في آيات القرآن الكريم، بل في كل كلام، و ليس كل ذلك بشعر، و لا في معناه، كقوله- تعالى-: لَنْ تَنالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ‏ [ (1)]، و قوله- تعالى-: نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَ فَتْحٌ قَرِيبٌ وَ بَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ‏ [ (2)] و قوله- تعالى-: وَ جِفانٍ كَالْجَوابِ وَ قُدُورٍ راسِياتٍ‏ [ (3)]، إلى غير ذلك من الآيات، لأن ما وافق وزنه وزن الشعر، و لم يقصد به الشعر، ليس بشعر، إذ لو كان شعرا لكان كل من نطق بكلام موزون من عامة الناس الذين لا يعرفون الوزن، يصدق عليه أنه شاعر، و لم يقل بهذا أحد من العقلاء.

و قال أبو حسن الأخفش في قوله- (عليه السلام)-:

أنا النبي لا كذب‏

ليس بشعر، و قال في كتاب (العين): ما جاء من السجع على جزأين لا يكون شعرا، و روى عن الأصمعي أنه من منهوك الرجز، و قد قيل: لا يكون من منهوك الرجز إلا بالوقوف على الباء من قوله: «لا كذب»، و من قوله: «عبد المطلب»، و لم يعلم كيف قاله (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و قال ثابت: قال الخليل: المشطور ليس من الشعر، و كذلك المنهوك، قيل: فما هما؟ قال أنصاف مسجعة، فرد ذلك عليه، فقال: لأحتجن عليهم بحجة، إن لم يقرءوا بها كفروا، لو كان شعرا ما جرى على لسان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، لأن اللَّه- تعالى- يقول: وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَ ما يَنْبَغِي لَهُ‏ [ (4)].

____________

[ (1)] آل عمران: 92، قال الشاعر:

يا عباد اللَّه هبوا* * * ليس غير اللَّه ربّ‏

إن في القرآن آية* * * ذكرها للقلب طب‏

لن تنالوا البر حتى* * * تنفقوا مما تحبّوا

[ (2)] الصف: 13.

[ (3)] سبأ: 13.

[ (4)] ياسين: 69.

99

و قال القاضي أبو بكر بن العربيّ: الأظهر من حاله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال: «لا كذب»، الباء مرفوعة، و يخفض الباء من عبد المطلب على الإضافة.

و قال النحاس عن بعضهم: إنما الرواية بالإعراب، و إذا كانت بالإعراب لم يكن شعرا، لأنه إذا فتح الباء من البيت الأول، أو ضمها، أو نونها، و كسر الباء من البيت الثاني، خرج على وزن الشعر.

و قال بعضهم: ليس هذا الوزن من الشعر، ورد بأن أشعار العرب على هذا الوزن، قد رواها الخليل و غيره، و أما

قوله- (عليه السلام)-:

هل أنت إلا إصبع دميت* * * [و في سبيل اللَّه ما لقيت‏]؟ [ (1)]

فإنه من بحر السريع، إذا كسرت التاء من دميت، فإن سكنت لم يكن شعرا، لأن ما بين الكلمتين على هذه الصفة لا يكون فعولن، و يصير فعلن، و لا مدخل لفعلن في بحر السريع.

فلعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالها ساكنة، أو متحركة التاء، من غير إشباع، و على تسليم أنه شعر لا يلزم منه أن يكون (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عالما بالشعر، و لا شاعرا، لأن التمثل بالبيت النادر و إضافة القافيتين من الرجز و غيره لا يوجب أن يكون قائل ذلك عالما بالشعر، و لا يسمى شاعرا باتفاق العقلاء، كما أن من خاط مرة لا يكون خياطا.

و قال أبو إسحاق الزجاج: معنى‏ وَ ما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ [ (2)] و ما علمناه أن يشعر، أي ما جعلناه شاعرا، و هذا لا يمنع أن ينشد شيئا من الشعر.

و قد قيل: إنما أخبر اللَّه- تعالى- أنه ما علمه الشعر و لم يخبر أنه لا ينشد شعرا، و قالوا مع ذلك: كل من قال قولا موزونا لا يقصد به الشعر فإنه ليس بشعر، و إنما وافق الشعر، فالذي نفاه اللَّه- تعالى- عن نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، إنما هو العلم بالشعر، و أصنافه، و أعاريضه، و قوافيه، و الاتصاف بقوله، و لم يكن (صلّى اللَّه عليه و سلّم) موصوفا بذلك من أحد بالاتفاق، ألا ترى أن قريشا لما تراوضت فيما تقول العرب فيه إذا قدموا عليهم في الموسم، فلما قال بعضهم: نقول: إنه‏

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق.

[ (2)] ياسين: 96.

100

شاعر، قال أهل الفطنة منهم: و اللَّه لتكيدنكم العرب، فإنّهم يعرفون أصناف الشعر، فو اللَّه ما يشبهه شيئا منها، و ما قوله بشعر.

و قال أنيس أخو أبي ذر: لقد وضعت قوله على أقراء الشعر، فلم يلتئم أنه شعرا. و قال: عتبة بن ربيعة لما كلمه: و اللَّه ما هو بشعر، و لا كهانة، و لا سحر. و قد سقت هذه كلها بأسانيدها في موضعها من هذا الكتاب.

الخامسة: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يكن يحسن الكتابة

قالوا: و كان يحرم عليه ذلك، قال اللَّه- تعالى-: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ‏ [ (1)] قال ابن كيسان: واحد الآيتين أميّ، كان منسوبا إلى أمة، و الأمة لا تكتب بالجملة، إنما يكتب بعضها، و قيل نسب إلى أمه، لأن الكتاب كان في الرجال، و لم يكن في النساء [ (2)].

____________

[ (1)] الأعراف: 157، و تمامها: يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَ يُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّباتِ وَ يُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبائِثَ وَ يَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَ الْأَغْلالَ الَّتِي كانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَ عَزَّرُوهُ وَ نَصَرُوهُ وَ اتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ‏.

[ (2)] قال ابن حديدة الأنصاري (783 ه): روينا عن الإمام أبي القاسم عبد الرحمن بن عبد اللَّه الخثعميّ ثم السهيليّ- (رحمه اللَّه)- في (الروض الألف)- و قد تكلم على كتاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صلح الحديبيّة-: و أنه محا اسمه و هو «رسول اللَّه» حين قال له سهيل بن عمرو:

و لو شهدت أنك رسول اللَّه لم أقاتلك، و لكن اكتب اسمك و اسم أبيك، فكتب: «هذا ما صالح عليه محمد بن عبد اللَّه» لأنه قول حق كله، فظن بعض الناس أنه كتب بيده، و في البخاريّ:

كتب و هو لا يحسن الكتابة، فتوهم أن اللَّه- تعالى- أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصة.

و قال: هي آية، فيقال له: كانت تكون آية لا تنكر، لو لا أنها مناقضة لآية أخرى و هو كونه أميا لا يكتب، و بكونه أميا في أمة أمية قامت الحجة، و أفحم الجاحد، و انحسمت الشبهة، فكيف يطلق اللَّه- عز و جلّ- يده فيكتب لتكون آية؟ و إنما معنى «كتب» أمر أن يكتب، و كان الكاتب في ذلك اليوم عليّ بن أبي طالب- (رضوان اللَّه عليه)-، و قد كتب له عدة من‏

101

____________

[ ()] أصحابه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منهم الخلفاء الأربعة [و غيرهم‏]، ذكرهم عمر بن شبة في كتاب (الكتّاب) له، فجميعهم ثلاثة و عشرون، و قد تتبعت ما أغفله ابن شبّة- (رحمه اللَّه)- فبلغت بهم نحوا من أربعة و أربعين كاتبا مع الذين ذكرهم، خرجتهم من مصنفات علماء هذا الشأن. (المصباح المضي‏ء): 1/ 27- 28، باب في ذكر من كتب له من الصحابة، و الكلام على كتابه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صلح الحديبيّة، مختصرا.

و قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: و لأن محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اشتهر بوصف النبي الأميّ، فصار هذا المركب كاللقب له، فلذلك لا يغيره عن شهرته، و كذلك هو حيثما ورد ذكره في القرآن الكريم.

و الأميّ: الّذي لا يعرف الكتابة و القراءة، قيل: هو منسوب إلى الإمام، أي هو أشبه بأمه منه لأبيه، لأن النساء في العرب ما كنّ يعرفن القراءة و الكتابة، و ما تعلمنها إلا في الإسلام، فصار تعلم القراءة و الكتابة من شعار الحرائر دون الإماء، كما قال عبيد الراعي- و هو إسلاميّ-:

هنّ الحرائر لا ربات أخمرة* * * سود المحاجر لا يقرأن بالسّور.

أما الرجال ففيهم من يقرأ و يكتب.

و قيل: منسوب للأمة، أي الّذي جاء حاله معظم الأمة، أي الأمة المعهودة عندهم و هي العربية، و كانوا في الجاهلية لا يعرف منهم القراءة و الكتابة إلا النادر منهم، و لذلك يصفهم أهل الكتاب بالأميين، لما حكى اللَّه- تعالى- عنهم في قوله: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ‏ [آل عمران: 75].

و الأمية وصف خص اللَّه- تعالى- به من رسله محمدا (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إتماما للإعجاز العلميّ و العقلي الّذي أيده اللَّه به، فجعل الأمية وصفا ذاتيا له، ليتم بها وصفه الذاتي، و هو الرسالة، لكي يظهر أن كماله النفسانيّ كمال لدنيّ إلهي، لا وساطة فيه للأسباب المتعارفة للكمالات، و بذلك كانت الأمية وصف كمال فيه، مع أنها في غيره وصف نقصان، لأنه لما حصل له من المعرفة و سداد العقل ما لا يحتمل الخطأ في كل نواحي معرفة الكمالات الحق، و كان على يقين من علمه، و بينه من أمره، ما هو أعظم مما حصل للمتعلمين، صارت أميته آية على كون ما حصل له إنما هو من فيوضات إلهية. (تفسير التحرير و التنوير): 9/ 133.

102

و قال ابن النحاس: منسوب إلى أمه كما ولد، و قيل: نسب إلى أم القرى، و قال- تعالى-: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏ [ (1)] يقول اللَّه- جل ذكره-: و ما كنت يا محمد تتلو يعنى تقرأ قبله يعني من قبل هذا القرآن الّذي أنزلته إليك من كتاب و لا تخطه بيمينك يقول: و لم تكن تكتب بيمينك، و لكنك كنت أميا، إذا لارتاب المبطلون، يقول:

و لو كنت من قبل أن يوحى إليك تقرأ الكتب أو تخطها بيمينك، إذا لارتاب، يقول: إذا لشكّ بسبب ذلك في أمرك و ما جئتهم به من عند ربك من هذا الكتاب الّذي تتلوه عليهم المبطلون القائلون: أنه سجع و كهانة، و أنه أساطير الأولين.

قال ابن عباس: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أميا لا يقرأ شيئا و لا يكتب. و قال سعيد عن قتادة: كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يقرأ كتابا قبله، و لا يخطه بيمينه، ظقال: كان أميا، و الأمي الّذي لا يكتب، و قال أبو إدريس الأوردي، عن الحكم، عن مجاهد:

كان أميا، و الأميّ الّذي لا يكتب، قال: و كان أهل الكتاب يجدون في كتبهم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يخط، و لا يقرأ كتابا، فنزلت هذه الآية: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ‏ [ (2)] قال سعيد: إذا لقالوا: إنما هذا شي‏ء تعلمه محمد و كتبه.

و قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: المبطلون قريش، و قد زعم بعضهم أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يمت حتى تعلم الكتابة، و هذا قول لا دليل عليه، فهو مردود.

و تمسك القائل بأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يحسن الكتابة بما خرّجه البيهقيّ من طريق أبي عقيل يحيى بن المتوكل، عن مجاهد، عن عون بن عبد اللَّه، عن أبيه، قال: لم يمت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى كتب و قرأ.

و قال مجاهد: فذكرت ذلك للشعبي، فقال: قد صدق، قد سمعت من بعض أصحابنا يذكرون ذلك.

____________

[ (1)] العنكبوت: 48.

[ (2)] العنكبوت: 48.