إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
103

قال البيهقيّ: إنه حديث منقطع، و في روايته جماعة من الضعفاء و المجهولين [ (1)].

قال مؤلفه: يحيي بن المتوكل أبو عقيل المدني الحذاء الضرير [ (2)] مولى آل عمر و صاحب بهيمة، روى عنهما، و عن محمد بن المنكدر، و القاسم بن عبد اللَّه العمري، و جماعة، و روى عنه ابن المبارك، و وكيع، و جماعة.

قال ابن معين: ليس بشي‏ء، و مرة قال: ليس به بأس، و مرة قال:

ضعيف، و قال الدارميّ: هو ضعيف، و قال أحمد بن حنبل: أحاديثه عن بهيمة، عن عائشة منكرة، لم يرو عن بهيمة شي‏ء و ما روى عنها إلا هو واهي الحديث، و مرة قال: يروي عن قوم لا أعرف منهم واحدا، و لم يحل عنهم.

و قال الفلاس: هو ضعيف، و مرة قال: فيه ضعيف، و قال السعديّ:

أحاديثه منكرة، و قال النسائي: ضعيف و قال ابن عدي: و عامة أحاديثه غير محفوظة، و مجالد بن سعيد بن عمير بن ذي يزن، أبو عمير الهمدانيّ، الكوفي، ضعفه يحيى القطان، و ابن معين، و السعديّ، و النسائي، و قال ابن عدي: و عامة ما يروونه غير محفوظ.

و ذكر النقاش في (تفسيره) عن الشعبي أنه قال: ما مات النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى كتب، و أسند من حديث أبي كبشة السلوليّ أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قرأ صحيفة لعيينة بن حصن.

قال ابن عطية: و هذا كله ضعيف، و تمسك أيضا بما

خرّجه البخاري [ (3)] في كتاب الصلح في عمرة القضاء من طريق إسرائيل عن أبي إسحاق، عن‏

____________

[ (1)] (سنن البيهقيّ): 7/ 42- 43، كتاب النكاح، باب لم يكن له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يتعلم شعرا و لا يكتب.

[ (2)] يحيى بن المتوكل العمري أبو عقيل المدنيّ، و يقال: الكوفيّ الحذاء الضرير، صاحب بهية، مولى العمريين، روى عن أبيه، و أمه أم يحيى و بهية و يحيى بن سعيد الأنصاريّ و غيرهم، عن يحيى بن معين و هو ضعيف، و ليس حديثه بشي‏ء، و عن عليّ بن المديني كذلك، كما ضعفه النسائي و غيره، قال ابن قانع: مات سنة (167). له ترجمة في: (تهذيب التهذيب):

11/ 237، (تاريخ بغداد): 14/ 108، (الكامل في ضعفاء الرجال): 7/ 206- 208.

104

____________

[ ()] (3) (فتح الباري): 5/ 380، كتاب الصلح، باب (6) كيف يكتب «هذا ما صالح فلان بن فلان فلان ابن فلان» و إن لم ينسبه إلى قبيلته أو نسبه، حديث رقم (2699).

قال الحافظ: و قد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي، فادعى أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع عليه علماء الأندلس في زمانه، و رموه بالزندقة، و أن الّذي قاله يخالف القرآن، حتى قال قائلهم:

برئت ممن شرى دنيا بآخرة* * * و قال إن رسول اللَّه قد كتبا

فجمعهم الأمير فاستظهر الباجي عليهم بما لديه من المعرفة و قال للأمير: هذا لا ينافي القرآن، بل يؤخذ من مفهوم القرآن، لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن، فقال: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‏ و بعد أن تحققت أمنيته، و تقررت بذلك معجزته، و أمن الارتياب في ذلك، لا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى.

و ذكر ابن دحية أن جماعة من العلماء وافقوا الباجي في ذلك، منهم شيخه أبو ذر الهرويّ، و أبو الفتوح النيسابوريّ، و آخرون من علماء إفريقية و غيرها، و احتج بعضهم لذلك بما أخرجه ابن أبي شيبة، و عمر بن شبة، من طريق مجاهد عن عون بن عبد اللَّه قال: «ما مات رسول اللَّه حتى كتب و قرأ» قال مجاهد: فذكرته للشعبيّ فقال: صدق، قد سمعت من يذكر ذلك.

و من طريق يونس بن ميسرة على أبي كبشة السلوليّ، عن سهل بن الحنظلية» أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر معاوية أن يكتب للأقرع و عيينة، فقال عيينة: أ تراني أذهب بصحيفة المتلمس؟ فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصحيفة فنظر فيها فقال: قد كتب لك بما أمر لك». قال يونس: فنرى أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب بعد ما أنزل إليه.

قال عياض: وردت آثار تدل على معرفة حروف الخط و حسن تصويرها،

كقوله لكاتبه:

«ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك»،

و قوله لمعاوية: «ألق الدواة و حرف القلم، و أقم الباء، و فرق السين و لا تعور الميم»،

و قوله: «لا تمد بسم اللَّه».

قال: و هذا و إن لم يثبت أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب، فلا يبعد أن يرزق علم وضع الكتابة، فإنه أوتى من كل شي‏ء.

و أجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث. و عن قصة الحديبيّة بأن القصة واحدة، و الكاتب فيها عليّ، و قد صرح في حديث المسور بأن عليا هو الّذي كتب، فيحمل على أن النكتة في‏

105

البراء، قال: اعتمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في ذي القعدة، فأبي أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة حتى قاضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام، فلما كتبوا الكتاب كتبوا: هذا ما قاضى عليه محمد رسول اللَّه، فقالوا: لا نقرّبها، فلو نعلم أنك رسول اللَّه ما منعناك، لكن أنت محمد بن عبد اللَّه، فقال: أنا رسول اللَّه، و أنا محمد بن عبد اللَّه، ثم قال لعليّ بن أبي طالب: امح رسول اللَّه، قال: لا و اللَّه لا أمحوك أبدا، فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكتاب‏

- و ليس بحسن يكتب- فكتب هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه. و ذكر الحديث.

و وقع في (أطراف أبي مسعود الدمشقيّ) أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخذ الكتاب و ليس يحسن أن يكتب،

فكتب: مكان «رسول اللَّه»: «محمدا» و كتب: «هذا ما قاضى عليه محمد».

و أخرجه الإسماعيلي، و قال ابن دحية في كتاب (التنوير) بعد أن عزاها إلى أبي مسعود: هي زيادة متلوّة ليست في (الصحيحين)، و غفل- (رحمه اللَّه)- عن وقوعها في (صحيح البخاريّ)، كما بيّنا، و ليس في هذه الزيادة

____________

[ ()] قوله: «فأخذ الكتاب و ليس يحسن يكتب» لبيان أن‏

قوله: «أرني إياها»

أنه ما احتاج إلى أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي من محوها، إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، و على أن قوله بعد ذلك: «فكتب» فيه حذف، تقديره: فمحاها، فأعادها لعليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فكتب، و بهذا جزم ابن التين، و أطلق كتب بمعنى أمر الكتابة، و هو كثير كقوله: كتب إلى قيصر، و كتب إلى كسرى، و على تقدير حمله على ظاهره، فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم و هو لا يحسن الكتابة أن يصير عالما بالكتابة و يخرج عن كونه أميا، فإن كثيرا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصور بعض الكلمات و يحسن وضعها و خصوصا الأسماء، و لا يخرج بذلك عن كونه أميا ككثير من الملوك و يحتمل أن يكون جرت يده بالكتابة حينئذ و هو لا يحسنها، فخرج المكتوب على وفق المراد، فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، و لا يخرج بذلك عن كونه أميا. و بهذا أجاب أبو جعفر السمناني- أحد أئمة الأصول من الأشاعرة- و تبعه ابن الجوزي، و تعقب ذلك السهيليّ و غيره، بأن هذا و إن كان ممكنا و يكون آية أخرى، لكنه يناقض كونه أميا لا أن يصير يكتب بعد ذلك لعادت الشبهة. (فتح الباري):

7/ 641- 642، كتاب المغازي، باب (44) عمرة القضاء، حديث رقم (4251).

106

دليل، فقد تقرر في موضعه أن المقيد يقضي على المطلق،

ففي الرواية الأخرى:

فأمر عليا فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد اللَّه، و له طرق عديدة في (الصحيحين) و غيرهما.

قال ابن دحية: و ذكر عمر بن شبة في كتاب (الكتاب) له، أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب يوم الحديبيّة بيده، و نحى في قوله إلى أنه قصر الكتاب عالما به في ذلك الوقت، و لم يعلمه قبله، و إن ذلك من معجزاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، أن تعلم الكتاب في وقته، لأن ذلك خرق للعادة.

و قال بهذا القول بعض المحدثين، منهم أبو ذرّ الهروي، و أبو الفتح النيسابورىّ، و القاضي أبو الوليد الباجي، و صنف في ذلك كتابا، و قيل: إنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كتب ذلك اليوم غير عالم بالكتابة، و لا مميز لحروفها، لكنه أخذ العلم بيده، فخط به ما لم يميزه هو فإذا هو كتاب ظاهر بين على حسب المراد.

قال: و ذهب إلى ذلك القاضي أبو جعفر السمنانيّ الأصوليّ، قال الباجي:

كان من أوكد معجزاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يكتب من غير تعلم، قال ابن دحية: و هذا كله ليس بشي‏ء، و قد ردّ على الباجي فيما ذهب إليه من ذلك ابن معوذ، و سمّع عليه بسبب المقالة، و تبعه كثير من فقهاء الأندلس و غيرهم بموافقته، منهم.

محمد بن إبراهيم الكناني، و أجاد فيما كتب، و بين أن ذلك لا يبطل المعجزة، و استأنس بمفهوم‏ وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ‏ و حكى في أثناء ذلك عن بعض أهل الأدب أنه زعم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يحسن الشعر و لكنه كان لا يتعاطاه، قال: و إن ذلك أتم و أكمل مما لو قلنا إنه كان لا يحسنه.

و حكى البغوي في (التهذيب) الخلاف، فقال: و قيل: كان يحسن الخط و لا يكتب، و يحسن الشعر و لا يقوله، و الأصح أنه كان لا يحسنهما، و لكن كان يميز بين جيد الشعر و رديئة.

و قال القضاعي في (عيون المعارف): أن من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه لم يكن له أن يقول شعرا، و لا أن ينقله، و ألحق الماوردي بقول الشعر روايته و بالكتابة و القراءة أي في كتاب لقوله- تعالى-: وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ‏ قال موسعة و الصواب أن اللَّه- تعالى- إنما سأل نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما فضّل به ملائكته‏

107

مع إعلاء ذكره و ما خصّه به من بين أنبيائه إلا لما هو أفضل منه و أقوم بحجته على الكافرين به، و هو أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث في زمن الفصاحة و البلاغة، فلو كان ممن يقرأ و يكتب لتوجه للطاعن الطعن مع أنه مع شدة فصاحة أهل بيته و تميزهم فيها على فصاحة قريش كلها و إتقان المعرفة بالكتابة و الخط أن يأتي بما أتى به من القرآن فيتبع لقريش الحجة بذلك، و حاش له معرفة الكتابة ليكون له ذلك معجزا يبطل به دعواهم، و يحصن، حجتهم و يكذب أقوالهم، إذ كان قد أتى العرب من رجل أي ما أنجزه، و منعهم عن الإتيان بمثله.

108

السادسة: كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدو

و يقاتله لحديث يوم أحد

لما أشار عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جماعة من المؤمنين بالخروج إلى عدوه إلى أحد فدخل فلبس لأمته فلما خرج عليهم قالوا: يا رسول اللَّه إن أبيت أن ترجع فقال: ما ينبغي لنبيّ إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل‏

هكذا في رواية يونس بن بكير عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن شهاب و غيره، و في رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب و أذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل.

و قال الواقدي [ (1)] في روايته: عن الزهريّ عن عروة، عن المستورد بن مخرمة: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

قد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم، و لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يحكم اللَّه بينه و بين أعدائه، [و كانت الأنبياء قبله إذا لبس النبي لأمته لم يضعها حتى يحكم اللَّه بينه و بين أعدائه‏] [ (2)].

و في سنن البيهقيّ مرسلا [ (3)]:

لا ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب و أذن في الناس بالخروج إلى العدوّ أن يرجع حتى يقاتل،

ثم قال: و قد كتبناه موصولا

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 214، في سياق حوادث غزوة أحد، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

[ (2)] و على ذلك لا تكون خصوصية له (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ما دامت كانت للأنبياء قبله.

[ (3)] (سنن البيهقيّ): 7/ 40- 41، كتاب النكاح، باب لم يكن له إذا لبس لأمته أن ينزعها حتى يلقى العدوّ و لو بنفسه، ثم قال: و هكذا ذكره موسى بن عقبة عن الزهريّ، و كذلك ذكره محمد بن إسحاق عن يسار عن شيوخه من أهل المغازي، و هو عام في أهل المغازي و إن كان منقطعا، و كتبناه موصولا بإسناد حسن.

109

بإسناد حسن، فذكره من رواية ابن عباس و أخرجه الإمام أحمد [ (1)] من حديث أبي الزبير عن جابر.

و ذكره البخاريّ في (صحيحه) [ (2)] في باب المشاورة بغير إسناد. و قوله في الحديث: لأمته هو بالمحركة قيده صاحب (المشارق)، و قال أبو الخطاب ابن دحية في كتاب (نهاية السؤول في خصائص الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم)) كذا سمعته.

قال ابن فارس في (المحل) اللأمة مهمون الزرع قال: كذا قيدتها بالتمييز في كتاب (فقه اللغة) إلا أنه جعلها الزرع التام و كذا قيده في (كفاية المتحفظ) و قال ابن سيدة في مادة لأم: أو اللأمة الزرع و جمعها لأم و هذا على غير قياس و إسلام لأمته و تلاءم منها لبسها و جاء ملاء ما عليه لأمة و الأمة سلاح كلها، عن بن الأعرابيّ و قد استلأم بها، و قد اختلف في هذه المسألة فاشتهر الجمهور بأنه كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) التسرع حتى يقاتل و يمكن تقرير دليله بأن نزع اللأمة بعد لبسها يشعر بالجبن و هو من ضعف النفس و ذلك ممتنع على الأنبياء غير جائز عليهم، و عن رواية الشيخ أبي على: إن ذلك كان مكروها لا محرما، و قال الإمام: و هذا بعيد غير موثوق به قال: و قد قيل بناء عليه:

إنه كان لا يبتدي تطوعا إلا لزمه إتمامه، فإذا كان ذلك في القتال الّذي هو

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 4/ 317، حديث رقم (14373)، من مسند جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] (فتح الباري): 13/ 419، كتاب الاعتصام بالكتاب و السنة، باب (28) قول اللَّه- تعالى-:

وَ أَمْرُهُمْ شُورى‏ بَيْنَهُمْ‏، وَ شاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ، و أن المشاورة قبل العزم و التبين لقوله- تعالى-: فَإِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ‏ الحديث الّذي بين رقمي (7368)، (7369) بدون إسناد أو رقم. و ذلك‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما جاءه المشركون يوم أحد كان رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقيم بالمدينة فيقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكون شهدوا ما أصاب أهل بدر، فما زالوا برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى لبس لأمته، فلما لبسها ندموا و قالوا: يا رسول اللَّه أقم، فالرأي رأيك، فقال: ما ينبغي لنبي أن يضع أداته بعد أن لبسها حتى يحكم اللَّه بينه و بين عدوه، و كان قد ذكر لهم قبل أن يلبس الأداة: إني رأيت أني في درع حصينة فأولتها المدينة. (فتح الباري).

110

فرض و هذا التفريع ضعيف لما قام من أكله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحيس بعد ما أصبح صائما و قد ضعف هذا التفريع النووي- (رحمه اللَّه)-.

السابعة: كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خائنة الأعين أي لم يكن له أن يومئ بطرفه خلاف ما يظهره بكلامه‏

و قد اختلف في المراد بخائنة الأعين فقيل: نفى الإيماء بالعين و قيل:

مقاربة النظر. و قال الرافعي: هي الإيماء إلى مباح من ضرب أو قتل و غيره على خلاف ما يظهره و ما يشعر به الحال [ (1)] دائما، قيل لها: خائنة الأعين، تشبهها بالخيانة من حيث أنه يخفى خلاف ما يظهر، و لا يحرم ذلك على غير الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

خرّج النسائي [ (2)] من حديث أسباط بن نصر قال: زعم السدي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه قال:

لما كان يوم فتح مكة أمن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الناس، إلا أربعة نفر و امرأتين و قال: اقتلوهم و إن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة، عكرمة بن أبي جهل، و عبد اللَّه بن خطل، و مقيس بن صبابة، و عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح،

فأما عبد اللَّه بن خطل فأدرك و هو متعلق بأستار الكعبة، فاستبق إليه سعيد بن حريث و عمار بن ياسر، فسبق سعيد عمارا و كان أشبه الرجلين فقتله، و أما مقيس بن صبابة فأدركه الناس في السوق فقتلوه، و أما عكرمة فركب البحر فأصابتهم ريح عاصف، فقال أصحاب السفينة: أخلصوا فإن آلهتكم لا تغني عنكم شيئا هاهنا، فقال عكرمة: و اللَّه لئن لم ينجني من البحر إلا الإخلاص لا ينجيني في البر غيره، اللَّهمّ إن لك علي عهدا إن أنت عافيتني مما أنا فيه أن آتى محمدا حتى أضع يدي في يده فلأجدنه‏

____________

[ (1)] (روضة الطالبين): 5/ 350، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

[ (2)] (سنن النسائي): 7/ 122، كتاب التحريم، باب (14) الحكم في المرتد، حديث رقم (4078).

111

عفوّا كريما، فجاء فأسلم،

و أما عبد اللَّه بن سعد بن أبي السرح فإنه اختبأ عند عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فلما دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الناس إلى البيعة جاء حتى أوقفه على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: يا رسول اللَّه بايع عبد اللَّه، قال: فرفع رأسه فنظر إليه ثلاثا كل ذلك يأبى، فبايعه بعد ثلاث، ثم أقبل على أصحابه فقال: أما كان فيكم رجل رشيد يقوم إلى هذا حيث رآني كففت يدي عن بيعته فيقتله، فقالوا: و ما يدرينا يا رسول اللَّه ما في نفسك؟ هل أومأت إلينا بعينك، قال: إنه لا ينبغي لنبيّ أن تكون له خائنة أعين.

و خرّجه أبو داود [ (1)] بهذا الإسناد يوم كان فتح مكة:

اختبأ عبد اللَّه بن سعد ابن أبي السرح عند عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فجاء به حتى أوقفه على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال يا رسول اللَّه بايع عبد اللَّه، الحديث ... إلى آخره و لم يذكر أوله، ذكره في الحدود.

أخرجه الحاكم [ (2)] و قال حديث صحيح على شرط مسلم، و روى بن سعد [ (3)] من طريق سعيد بن المسيب، قال:

أمر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقتل ابن أبي السرح و مقيس بن صبابة و الحويرث بن نقيذ و عبد اللَّه [بن هلال‏] بن خطل، فأما ابن خطل [الأدرمي‏] و هو متعلق بأستار الكعبة فبقر بطنه و كان رجل من الأنصار نذر إن رأى ابن أبي السرح أن يقتله، فجاء عثمان- و كان أخا لابن أبي السرح من الرضاعة- فشفع له النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد أخذ الأنصاريّ يقلم السيف ينتظر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) متى ينوي إليه أن يقتله فشفع له عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- حتى تركه، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للأنصاريّ قد انتظرتك أن توفي بنذرك، قال: يا رسول اللَّه هبتك، أ فلا أومأت إليّ؟ قال: إنه ليس لنبي أن يومئ.

رواه‏

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 3/ 133، كتاب الجهاد، باب (127) باب قتل الأسير و لا يفرض عليه الإسلام حديث رقم (2683).

[ (2)] (المستدرك): 2/ 62، كتاب البيوع، باب (19) حديث رقم (2329) و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): صحيح.

[ (3)] (طبقات ابن سعد): 2/ 136، غزوة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام الفتح.

112

البيهقيّ في دلائل النبوة [ (1)] من طريق قتادة، عن أنس نحوه في قصة ابن أبي السرح، قد حكى سبط بن الجوزي في (مرآة الزمان) أن هذا الأنصاريّ عباد بن بشر، و استدل صاحب (التلخيص) بهذا على أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يكن له أن يجزع في الحرب.

قال الرافعي: احتج بما خرّجه البخاريّ من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب، عن ابن مالك أن عبد اللَّه بن كعب قال: سمعت كعب بن مالك حين تخلف عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم يكن يريد رسول اللَّه غزوة إلا ورّى بغيرها، و من طريق عبد اللَّه بن المبارك، عن الزهريّ قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال: سمعت كعب بن مالك يقول كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قل ما يريد غزوة إلا ورّى بغيرها حتى كانت غزوة تبوك فغزاها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حر شديد و استقبل سفرا بعيدا و استقبل غزو عدو كبير فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة عدوهم، و أخبرهم بوجهه الّذي يريد.

و عن يونس، عن الزهريّ، أخبرني عبد الرحمن بن كعب بن مالك أن كعب بن مالك كان يقول: لقل ما كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخرج إذا خرج في سفر إلا يوم الخميس. هكذا وقع هذا الحديث في صحيح البخاريّ [ (2)]، عن يونس،

____________

[ (1)] (دلائل النبوة): 5/ 60، باب من أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقتله يوم فتح مكة و لم يدخل فيما عقد من الأمان.

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 140، كتاب الجهاد و السير، باب (103) من أراد غزوة فورّى بغيرها، و من أحب الخروج يوم الخميس، حديث رقم (2949).

و أخرجه أبو داود في الجهاد، باب (84) في أي يوم يستحب السفر، حديث رقم (2605)، و أخرجه الدارميّ في السير، باب في الخروج يوم الخميس. من حديث عثمان بن عمر، عن يونس عن الزهريّ، و أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 4/ 491، حديث رقم (15352) من حديث كعب بن مالك الأنصاري، و لفظه: «أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خرج يوم الخميس في غزوة تبوك»، و رقم (15354) من حديث كعب بن مالك الأنصاري أيضا، و لفظه: «أقل ما كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخرج إذا أراد سفرا إلا يوم الخميس»، و حديث رقم (26637) بنحوه.

113

عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال سمعت كعب بن مالك يقول، و إن كعب بن مالك كان يقول، و الحديث منقطع لأنه لم يسمع عبد الرحمن بن عبد اللَّه من عمه عبيد اللَّه عن ابنهما كعب بن المبارك و عدد ذلك من أوهام عبد اللَّه بن المبارك، لأن ابن سعد و عبد اللَّه بن وهب.

روياه عن يونس، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن، عن أبيه، عن جده كعب بن مالك، و رواه الليث عن عقيل عن الزهريّ بهذا الإسناد أيضا متصلا، و روى مسلم قوله: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قل ما يريد غزوة إلا ورّى [بغيرها] [ (1)]، من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، و من حديث محمد ابن عبد اللَّه ابن أخى بن شهاب، عن عمه، عن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك و هو حديث طويل و له طرق عديدة.

و احتجوا أيضا بما

خرّجه البخاريّ و مسلم و غيرهما من حديث معمر، عن همام عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

الحرب خدعة [ (2)].

____________

[ (1)] سبق تخريجه.

[ (2)] أخرجه الجماعة إلا (الموطأ)، و (النسائي).

فقد أخرجه البخاريّ في الأنبياء، باب علامات النبوة في الإسلام، و في الجهاد، باب الحرب خدعة،

و قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحلت لكم الغنائم،

و في الأيمان و النذور، باب كيف كانت يمين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و مسلم في الفتن، باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء، حديث رقم (2918)، و الترمذي في الفتن، باب ما جاء في الفتن، حديث رقم (2127).

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «الحرب خدعة»

تروى بفتح الخاء، و هي اللغة الفصحى، و هي المرة الواحدة من الخداع، يعني أن الحرب بمرة واحدة من الخداع، يبلغ فيها الغرض، لأن الخصم متى انخدع غلب و قهر، و تروى بضم الخاء، و هي الاسم من الخداع، و قد روى بضم الخاء و فتح الدال- بوزن همزة- أي: إن الحرب تخدع الرجال كثيرا. (جامع الأصول): 11/ 312، شرح الحديث رقم (8875).

قال الخطابيّ: هذا الحرف يروى بفتح الخاء و سكون الدال، و هو أفصحها، و بضم الخاء و سكون الدال، و بضم الخاء و فتح الدال، فمعنى الأولى: المرة الواحدة من الخداع: أي أن‏

114

و بما

خرّجاه من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو سمع جابر بن عبد اللَّه قال: قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

الحرب خدعة،

و بما

خرّجه أبو بكر بن أبي شيبة [ (1)] من حديث زكريا عن أبي إسحاق، عن سعد بن ذي حدان، عن عليّ قال:

إن اللَّه سمّي على لسان نبيه إن الحرب خدعة.

و احتجوا بما فعله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الأحزاب من أمره نعيم بن مسعود أن يوقع بين قريش و قريظة و فعل ما فعل، حتى فرق اللَّه شملهم على يديه، و ألقى بينهم العداوة، و قلل اللَّه جمعهم بذلك و بغيره، و سيرد خبر نعيم في ذكر رسله (عليهم السلام)، و الفرق بين الرّنو بالعين و الخداع بالحرب: أن الرّنو يزرى بالرامز بخلاف الإبهام في الأمور العظام فإنه يدل على الحزم و اللَّه أعلم.

____________

[ ()] المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم يكن لها إقالة، و معنى الثانية: الاسم من الخداع، و معنى الثالثة:

أراد أن الحرب تخدع الرجال، و تمنيهم، و لا تفي لهم، كما يقال: فلان رجل لعبة: إذا كان يكثر اللعب، و ضحكة: إذا كان يكثر الضحك. (المرجع السابق): 2/ 575- 576، شرح الحديث رقم (1054).

و أخرجه مسلم في الجهاد، باب جواز الخداع في الحرب، حديث رقم (1740)، و أخرجه أبو داود في الجهاد، باب المكر في الحرب، حديث رقم (2637)، و إسناده صحيح.

[ (1)]

(المصنف): 6/ 453، باب (185) في المكر و الخدعة في الحرب، حديث رقم (33650)، و حديث

رقم (33651): «إن اللَّه قضى على لسان نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن الحرب خدعة، و إني محارب أتكلم في الحرب، قال: و لكن إذا قلت: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فو اللَّه لأن أخر من السماء أحب إليّ من أن أقول على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما لم يقل.

115

الثامنة: اختلف أصحابنا هل كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يصلي على من عليه دين؟ على وجهين، و في جوازه مع وجود الضامن على طريقتين‏

حكاهما أبو العباس في (الجرجانيات)، يثاب على ما حكاه الرافعي عنه، قال النووي في (الروضة) [ (1)] بعد أن حكى الخلاف في الثانية وجهين على خلاف الرافعي، من كونه طريقتين: و الصواب الجزم بجوازه مع الضامن نسخ التحريم، فكان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد ذلك يصلي على من عليه دين و لا ضامن له و يوفيه من عنده و الأحاديث الصحيحة [مصرحة بما ذكرته‏]، ففي الباب حديث أبي سلمى، عن أبي هريرة في (الصحيحين)، و عن سلمة بن الأكوع، في البخاريّ، و عن أبي قتادة في الترمذيّ، و عن جابر عند أبي داود، و عن أبي سعيد، عند البيهقيّ، و عن ابن عمر، عند الطبراني، قال في (الأوسط): عن أبي أمامة و أسماء بنت يزيد و عنده في (الكبير)، و عن ابن عياش في (الناسخ) للبخاريّ.

و في حديث سلمة يعني الضامن أنه قتادة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و في حديث أبي سعيد أن الضامن عليّ فتكون القصة تكررت و كل ذلك لا يدل على التحريم فقيل في امتناعة (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنه تأديب للأحياء لئلا يأكلوا أموال‏

____________

[ (1)]

(روضة الطالبين): 5/ 350، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه

و سلّم) في النكاح و غيره، و قال في (هامشه): كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يؤتي بالرجل المتوفى عليه الدين فيسأل:

هل ترك لدينه قضاء؟ فإن حدّث أنه ترك وفاء صلى عليه، و إن قيل: لا، قال للمسلمين:

صلوا على صاحبكم، فلما فتح عليه الفتوح قام فقال: أنا أولى بالمؤمنين من أنفسهم، فمن توفى من المؤمنين فترك دينا فعليّ قضاؤه، و من ترك مالا فلورثته. [متفق عليه‏].

و أخرجه البيهقيّ في (السنن الكبرى): 7/ 44، كتاب النكاح، باب كان عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قضاء دين من مات من المسلمين، و قال: رواه مسلم في الصحيح، عن حرملة بن وهب، و أخرجه البخاريّ من وجه آخر عن يونس، 7/ 53 كتاب النكاح، باب كان لا يصلي على من عليه دين ثم نسخ، بنحوه.

116

الناس و قيل: هي عقوبة في أمور الدين أصلها المال، و حديث سلمة عند البخاريّ مصرح بمسألة الصلاة إذا وجد الضامن.

التاسعة: كان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يستكثر و معناها: أن يعطي شيئا ليأخذ أكثر منه‏

و قد اختلف في تأويل ذلك، فعن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: لا يعطي عطية يلتمس بها أفضل منها. و قال أرطاة عن ضمرة بن حبيب و أبي الأحوص: لا يعطي شيئا له معطي أكثر منه. و قال أبو دجانة عن عكرمة: لا يعطي شيئا لأن يعطى أكثر منه، و عنه أيضا قال: لا تعطي العطية لتريد أن تأخذ أكثر منها، و قال منصور عن إبراهيم: لا تعطي فيما يزداد، و قال مغيرة عن إبراهيم: لا تعطي شيئا تأخذ أكثر منه، و في رواية عنه: لا تعطي شيئا ليزداد، و في رواية: لا تعط أكثر منه، و قال سلمة عن الضحاك: لا تعطى و تعطي أكثر منه، و قال وكيع عن أبي داود عن الضحاك قال: هو الربا الحلال، قال: للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة.

و في رواية: هما ربا، إن حلال أو حرام، و قلنا: الحلال فالهدايا، و أما الحرام فالربا، و قال سعيد عن قتادة: قال: لا تعط شيئا لشي‏ء أكثر منه، و قاله أيضا طاووس، قال: و نقل عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد قال: لا تعط مالا مصانعة رجاء أفضل من الثواب في الدنيا. و قال سفيان، عن منصور، عن إبراهيم قال: لا تعط لتزداد، قال سفيان عن رجل عن الضحاك بن مزاحم:

وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ [ (1)] قال: للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة، و للناس عامة موسع عليهم.

____________

[ (1)] المدثر: 6، و قرأ الجمهور: وَ لا تَمْنُنْ‏، بفك التضعيف، و الحسن و أبو السمال: بشد النون. قال ابن عباس و غيره: لا تعط عطاء لتعطى أكثر منه، كأنه من قولهم: من إذا أعطى. قال الضحاك: هذا خاص به (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و مباح ذلك لأمته، لكنه لا أجر لهم. (البحر المحيط): 10/ 326- 327.

117

قال سفيان بن حسين، عن الحسن قال:

لا تمنن عملك تستكثره على ربك‏

و في رواية

لا تمنن تستكثر عملك الصالح،

و عن الربيع بن أنس قال لا تكثرن عملك في عينك فإنه فيما أنعم اللَّه عليك و أعطاك قليل، و قال حصبة عن مجاهد: لا تضعف أن تستكثر من الخير، قال: لا تمنن في كلام العرب تضعف من قولهم حبل متين إذا كان ضعيفا، و قال ابن وهب عن أبي زيد قال:

لا تمنن بالنّبوّة و القرآن الّذي أرسلناك به تستكثرهم به لتأخذ عليه عرضا من الدنيا. و اختار أبو جعفر محمد بن جرير الطبري من هذه الأقوال: و لا تمنن على ربك من أن تستكثر عملك الصالح لأنه في سياق آيات فيه أمره- تعالى- (عليه السلام) للجد في الدعاء إليه و الصبر على ما يلقاه من الأذى في فكانت أشبه بذلك من غيرها، و اختار القرطبي: لا تعط لتأخذ أكثر مما أعطيت من المال.

و قال: يقال: مننت فلانا كذا أي أعطيته، و يقال: العطية المن، فكأنه أمر بأن يكون عطاياه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للَّه- عز و جل- لا لارتقاب ثواب من الخلق عليها

لأن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما كان يجمع الدنيا، و لهذا قال: ما لي مما أفاء اللَّه عليكم إلا هذا الخمس، و الخمس مردود فيكم كان ما يفضل من نفقة عياله مصروفا إلى مصالح المسلمين،

و لهذا لم يورث لأنه كان لا يدخر، و لا يقتني، و قد عصمه اللَّه- تعالى- عن الرغبة في شي‏ء من الدنيا، و لهذا حرمت عليه الصدقة، و أبيحت له الهدية، فكان يتقبلها و يثيب عليها، و

قال:

لو دعيت إلى كراع لأجبت، و لو دعيت إلى كراع لقبلت،

قال ابن العربيّ: و كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقبلها سنّة، و لا يستكثرها شريعة، و إذا كان لا يعطي عطية يستكثر بها فالأغنياء أولى بالاجتناب، لأنها باب من أبواب المذلة، و ذكر قول من قال: معناه لا تعط عطية تنتظر ثوابها فإن الانتظار يعلق الأطماع، و ذلك في حيرة بحكم الامتناع و قد قال اللَّه- تعالى-: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ‏

118

زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ [ (1)] و ذلك جائز لسائر الخلق، لأنه متاع الدنيا، و طلب الكسب، و التكاثر بها [ (2)].

قال القرطبي: و أما من قال: أنه أراد به العمل، أي لا تمنن على اللَّه بعملك فتستكثر فهو صحيح، فإن ابن آدم لو أطاع اللَّه عمره من غير معصية لم يبلغ نعم اللَّه بعد شكرها.

خرّج البيهقي [ (3)] من طريق زكريا بن عدي حدثنا ابن المبارك، عن الأوزاعيّ، عن عطاء، و قال زكريا: أراه عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في قوله تعالى: وَ ما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ‏ [ (4)] قال: هو الربا الحلال أن يهدي يريد أكثر منه فلا أجر فيه و لا وزر، و نهي عنه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة، وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ.

____________

[ (1)] طه: 131.

[ (2)] قال أبو حيان الأندلسي: و عن ابن عباس أيضا: لا تقل دعوت فلم أجب، و عن قتادة: لا تدل بعملك، و عن ابن زيد: لا تمنن بنبوتك تستكثر بأجر أو كسب تطلبه منهم. و قال الحسن: تمنن على اللَّه بجدّك، تستكثر أعمالك و يقع لك بها إعجاب، و هذه الأقوال كلها من المنّ تعداد اليد و ذكرها.

و قال مجاهد: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ ما حملناك من أعباء الرسالة، أو تستكثر من الخير، من قولهم: حبل متين: أي ضعيف.

و قيل: و لا تعط مستكثرا رائيا لما تعطيه. و قرأ الجمهور: تَسْتَكْثِرُ برفع الراء، و الجملة حالية، أي مستكثرا. و قال الزمخشريّ: و يجوز في الرفع أن تحذف «أن» و يبطل عملها. (المرجع السابق).

[ (3)] (سنن البيهقيّ): 7/ 51، كتاب النكاح، باب ما نهاه اللَّه- عز و جلّ- عنه بقوله: وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ، ثم قال البيهقيّ: و أخبرنا أبو عبد اللَّه، و أبو بكر بن الحسن، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، حدثنا محمد حدثنا أبو نعيم، حدثنا سلمة بن سابور عن عطية عن ابن عباس‏ وَ لا تَمْنُنْ تَسْتَكْثِرُ قال: لا تعطي رجلا ليعطيك أكثر منه.

[ (4)] الروم: 39.

119

العاشرة: أمره اللَّه- تعالى- أن يختار الآخرة عن الأولى‏

فكان يحرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يمد عينيه إلى ما متع به المترفون من إقبال الدنيا قال تعالى: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ [ (1)].

____________

[ (1)] طه: 131،

قال البيهقيّ: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا معمر عن ابن طاووس عن أبيه قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): نصرت بالرعب، و أعطيت الخزائن، و خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي و بين التعجيل فاخترت التعجيل.

و أخبرنا يحيى بن إسماعيل بن سالم الأسديّ قال: سمعت الشعبيّ يحدث عن ابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال: إن جبريل- (عليه السلام)- أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخيره بين الدنيا و الآخرة فاختار الآخرة و لم يرد الدنيا. (سنن البيهقيّ): 7/ 46- 48، كتاب النكاح باب ما أمره اللَّه- تعالى- به من اختياره الآخرة على الأولى، و لا يمد عينيه إلى زهرة الحياة الدنيا، فقال تعالى: وَ لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى‏ ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَ رِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَ أَبْقى‏ [طه: 131].

120

القسم الثاني: المحرمات المتعلقة بالنكاح‏

و فيه مسائل:

الأولى: إمساك من كرهت نكاحه و رغبت عنه محرم عليه على الصحيح‏

بخلاف غيره من يخير امرأته فإنّها لو اختارت فراقه لما وجب عليه فراقا، و قال بعضهم: بل كان يفارقها تكرما. [و هو] [ (1)] حديث غريب كما قاله الرافعي [ (2)].

و استند من قال بالتحريم بما

خرّجه البخاريّ من طريق الأوزاعي [ (3)]، سألت الزهريّ:

أي أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استعاذت منه؟ قال: أخبرني عروة عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن ابنة الجون لما أدخلت على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و دنا منها، قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال لها: لقد عذت بعظيم، الحقي بأهلك.

و خرّج أيضا من طريق حمزة بن أبي أسيد [ (4)]، عن أبي أسيد [- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-] [ (5)] قال:

خرجنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى انطلقنا إلى حائط يقال له الشوط حتى انتهينا إلى حائطين جلسنا بينهما، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اجلسوا ها هنا و دخل، و قد أتى بالجونية فأنزلت في بيت في نخل في بيت أميمة بنت‏

____________

[ (1)] زيادة للسياق.

[ (2)] (روضة الطالبين): 5/ 350، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

[ (3)] (فتح الباري): 9/ 455، كتاب الطلاق، باب (3) من طلق، هل يواجه الرجل امرأته بالطلاق، حديث رقم (5254).

[ (4)] (المرجع السابق): حديث رقم (5255).

[ (5)] زيادة للسياق من (المرجع السابق).

121

النعمان بن شراحبيل و معها دايتها حاضنة لها فلما دخل عليها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

هبي نفسك لي قالت: و هل تهب الملكة نفسها للسوقة؟ قال: فأهوى بيده يضع يده عليها لتسكن فقالت: أعوذ باللَّه منك قال: قد عذت بمعاذ ثم خرج علينا فقال: يا أبا أسيد، اكسها رازقين و ألحقها بأهلها.

و قال الحسين بن الوليد النيسابورىّ: عن عبد الرحمن، عن عباس، عن سهل عن أبيه و أبي أسيد قالا:

تزوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أميمة بنت شراحيل فلما أدخلت عليه بسط يده إليها، فكأنها كرهت ذلك، فأمر أبا أسيد أن يجهزها و يكسوها ثوبين رازقين.

ترجم عليه البخاريّ باب [باب من طلق‏] [ (1)]، هل يواجه الرجل امرأته بالطلاق؟.

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (المرجع السابق).

و السوقة بضم السين المهملة، يقال للواحد من الرعية و الجمع، قيل لهم ذلك لأن الملك يسوقهم فيساقون إليه و يصرفهم على مراده، و أما أهل السوق فالواحد منهم سوقيّ. قال ابن المنير: هذا من بقية ما كان فيها من الجاهلية، و السوق عندهم من ليس بملك كائنا من كان، فكأنها استبعدت أن يتزوج الملكة من ليس بملك، و لم يؤاخذها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكلامها معذرة لها لقرب عهدها بجاهليتها. و قال غيره: يحتمل أنها لم تعرفه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخاطبته بذلك، و سياق القصة من مجموع طرقها يأبى هذا الاحتمال.

و سيأتي في الحديث التالي من طريق أبي حازم عن سهل بن سعد قال: «ذكر للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) امرأة من العرب، فأمر أبا أسيد الساعديّ أن يرسل إليها، فقدمت، فنزلت في أجم بني ساعدة، فخرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى جاء بها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها، فلما كلمها قالت: أعوذ باللَّه منك، قال: لقد اعذت مني.

فقالوا لها: أ تدرين من هذا؟ هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جاء ليخطبك، قالت: كنت أشقى من ذلك». فإن كانت القصة واحدة فلا يكون قوله في حديث الباب:

«ألحقها بأهلها»،

و لا قوله في حديث عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-:

«الحقي بأهلك»

تطليقا، و يتعين أنها لم تعرفه.

و إن كانت القصة متعددة- و لا مانع من ذلك- فلعل هذه المرأة هي الكلابية التي وقع فيها الاضطراب.

122

____________

[ ()] و قد ذكر ابن سعد بسند فيه العزرميّ الضعيف، عن ابن عمر، قال: «كان في نساء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سنا بنت سفيان بن عوف بن كعب بن أبي بكر بن كلاب، قال: و كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث أبا سعيد الساعديّ يخطب عليه امرأة من بني عامر يقال لها: عمرة بنت يزيد بن عبيد بن رؤاس بن كلاب بن ربيعة بن عامر، قال ابن سعد: اختلف علينا اسم الكلابية فقيل: فاطمة بنت الضحاك بن سفيان، و قيل: عمرة بنت يزيد بن عبيد، و قيل: سنا بنت سفيان بن عوف، و قيل: العالية بنت ظبيان بن عمرو بن عوف».

«فقال بعضهم: هي واحدة اختلف في اسمها، و قال بعضهم: بل كن جميعا، و لكن لكل واحدة منهن قصة غير قصة صاحبتها»، ثم ترجم الجونية فقال: أسماء بنت النعمان.

ثم‏

أخرج من طريق عبد الواحد بن أبي عون قال: «قدم النعمان بن أبي الجون الكندي على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مسلما، فقال: يا رسول اللَّه، ألا أزوجك أجمل أيم في العرب، كانت تحت ابن عم لها فتوفى، و قد رغبت فيك؟ قال: نعم، قال: فابعث من يحملها إليك، فبعث معه أبا أسيد الساعديّ،

قال أبو أسيد: فأقمت ثلاثة أيام ثم تحملت معي في محفة، فأقبلت بها حتى قدمت المدينة، فأنزلتها في بني ساعدة، و وجهت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو في بني عمرو بن عوف فأخبرته «الحديث. قال ابن عون: و كان ذلك في ربيع الأول سنة تسع، ثم أخرج من طريق أخرى عن عمر بن الحكم، عن أبي أسيد، قال: «بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الجونية فحملتها حتى نزلت بها في أطم بني ساعدة، ثم جئت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته، فخرج يمشي على رجليه حتى جاءها «الحديث».

و من طريق سعيد بن عبد الرحمن بن أبزى، قال: اسم الجونية أسماء بنت النعمان بن أبي الجون، قيل لها: استعيذي منه فإنه أحظى لك عنده، و خدعت لما رئي من جمالها، و ذكر لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حملها على ما قالت،

فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «إنهن صواحب يوسف و كيدهن».

فهذه تتنزل قصتها على حديث أبي حازم عن سهل بن سعد.

و أما القصة التي في حديث الباب من رواية عائشة، فيمكن أن تنزل على هذه أيضا، فإنه ليس فيها إلا الاستعاذة، و القصة التي في حديث أبي أسيد فيها أشياء مغايرة لهذه القصة، فيقوى التعدد، و يقوى أن التي في حديث أبي أسيد اسمها أميمة، و التي في حديث سهل اسمها أسماء، بل جاء ليخطبها فقط.

123

____________

[ ()] قوله: «فأهوى بيده» أي أمالها إليها. و وقع في رواية ابن سعد: «فأهوى إليها ليقبلها، و كان إذا اختلى النساء أقعى و قبّل» و في رواية لابن سعد: «فدخل عليها داخل من النساء و كانت من أجمل النساء فقالت: إنك من الملوك، فإن كنت تريدين أن تحظي عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإذا جاءك فاستعيذي منه»، و وقع عنده عن هشام بن محمد عن عبد الرحمن بن الغسيل بإسناد حديث الباب: «أن عائشة و حفصة دخلتا عليها أول ما قدمت فمشطتاها و خضبتاها، و قالت لها إحداهما: إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعجبه من المرأة إذا دخل عليها أن تقول: أعوذ باللَّه منك».

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «قد عذت بمعاذ»

هو بفتح الميم ما يستعاذ به، أو اسم مكان العوذ، و التنوين فيه للتعظيم. و في رواية ابن سعد: «فقال بمكة على وجهه و

قال: عذت معاذا ثلاث مرات‏

» و

في أخرى له: «فقال: أمن عائذ اللَّه».

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «يا أبا أسيد اكسها رازقين»

براء ثم زاي ثم قاف بالتثنية صفة موصوف محذوف للعلم به. و الرازقية ثياب من كتان بيض طوال. قاله أبو عبيدة و قال غيره: يكون في داخل بياضها زرقه، و الرازقي الصفيق. قال ابن التين: متعها بذلك إما وجوبا و إما تفضلا.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «و ألحقها بأهلها»

قال ابن بطال: ليس في هذا أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واجهها بالطلاق، و تعقبه ابن المنير بأن ذلك ثبت في حديث عائشة [أول أحاديث الباب‏]، فيحمل على أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لها:

الحقي بأهلك،

ثم‏

لما خرج إلى أبي أسيد قال له: ألحقها بأهلها،

فلا منافاة، فالأول قصد بالطلاق، و الثاني أراد به حقيقة اللفظ، و هو أن يعيدها إلى أهلها، لأن أبا أسيد هو الّذي كان أحضرها كما ذكرناه.

و وقع في رواية لابن سعد، عن أبي أسيد قال: «فأمرني فرددتها إلى قومها» و في أخرى له: «فلما وصلت بها تصايحوا و قالوا: إنك لغير مباركة، فما دهاك؟ قالت: خدعت. قال:

فتوفيت في خلافة عثمان». قال: «و حدثني هشام بن محمد عن أبي خيثمة زهير بن معاوية أنها ماتت كمدا «ثم روى بسند فيه الكلبيّ» أن المهاجر بن أبي أمية تزوجها، فأراد عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- معاقبتها، فقالت: ما ضرب عليّ الحجاب، و لا سميت أم المؤمنين. فكفّ عنها».

و عن الواقديّ: سمعت من يقول: إن عكرمة بن أبي جهل خلف عليها، قال: و ليس ذلك بثبت. و لعل ابن بطال أراد أنه لم يواجهها بلفظ الطلاق. و قد أخرج ابن سعد من طريق هشام بن عروة عن أبيه أن الوليد بن عبد الملك إليه يسأله، فكتب إليه: ما تزوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

124

و خرّج البخاريّ في كتاب الأشربة في باب الشرب من قدح النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و آنيته، من حديث أبي حازم عن سهل بن سعد قال:

ذكر لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) امرأة من العرب فأمر أبا أسيد أن يرسل إليها، فأرسل إليها فقدمت، فأنزلت في أجم بني ساعدة فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى جاءها فدخل عليها فإذا امرأة منكسة رأسها فلما كلمها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالت: أعوذ باللَّه منك، فقال: قد أعذتك مني،

فقالوا لها: أ تدرين من هذا؟ فقالت: لا فقالوا: هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جاءك ليخطبك فقالت: كنت أنا أشقى من ذلك. قال سهيل: فأقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ حتى جلس في سقيفة بني ساعدة هو و أصحابه، ثم قال: اسقنا يا سهل، فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه، قال أبو حازم: فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا فيه [ (1)]، قال: ثم استوهبه بعد ذلك عمر بن عبد العزيز فوهبه له [ (2)].

و خرّجه مسلم و هذه سياقته [ (3)].

____________

[ ()] كندية إلا أخت بني الجون فملكها. فلما قدمت المدينة نظر إليها فطلقها و لم يبن بها. فقوله:

فطلقها، يحتمل أن يكون باللفظ المذكور قبل، و يحتمل أن يكون واجهها بلفظ الطلاق، و لعل هذا هو السرّ في إيراد الترجمة بلفظ الاستفهام دون بت الحكم. و اعترض بعضهم بأنه لم يتزوجها إذ لم يجر ذكر صورة العقد، و امتنعت أن تهب له نفسها فكيف يطلقها؟.

و الجواب أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان له أن يزوج من نفسه بغير إذن المرأة و بغير إذن وليها، فكان مجرد إرساله إليها، و إحضارها، و رغبته فيها كان كافيا في ذلك، و يكون‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏ «هبي لي نفسك»

تطييبا لخاطرها، و استمالة لقلبها، و يؤيده قوله في رواية لابن سعد: «أنه اتفق مع أبيها على مقدار صداقها، و أن أباها قال له: إنها رغبت فيك و خطبت إليك».

و في الحديث أن من قال لأمرأته: الحقي بأهلك و أراد الطلاق طلقت، فإن لم يرد الطلاق لم تطلق، على ما وقع‏

في حديث كعب بن مالك الطويل في قصة توبته‏ «أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما أرسل إليه أن يعتزل امرأته قال لها: الحقي بأهلك فكوني حتى يقضي اللَّه هذا الأمر». (فتح الباري) مختصرا.

[ (1)] كذا في (الأصل) و في (صحيح البخاريّ): «فأخرجت لهم هذا القدح فأسقيتهم فيه. فأخرج لنا سهل ذلك القدح فشربنا منه».

125

و قال البخاريّ: اسقنا يا سهل، و قد قيل: إنّ بين القصتين تغاير فلعلهما قضيتان لامرأتين إحداهما مخطوبة، و الأخرى نزولها معقود عليها، و فيه بعد، و في رواية لابن سعد: علمها نساؤه ذلك و إسناده ضعيف.

و ذكره الحاكم في المستدرك [ (1)] و سيأتي في ذكر أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مزيد بيان لذلك، و فيها مما ذكرنا أنه حرم عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نكاح كل امرأة كرهت صحبته، و جدير أن يكون الأمر كذلك لما فيه من الإيذاء، و يشهد لذلك إيجاب التخيير كما تقدم، و ينبغي أن يفرق بالكراهة فإن كانت كراهة المرأة لذاته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنّها تكفر بذلك، و إن كانت كراهتها لأجل الغيرة فلا.

و قد قال بعضهم: ينبغي أن ينظر في التاريخ، و على تقدير أن تكون قصة المستعيذة بعد آية التخيير. ففي سبب نزول آية التخيير أقوال منها: تغاير نسائه عليه. يقول: لم يكرهن صحبته و إنما رغبتهن فيه أوجبت تغايرهن عليه،

____________

[ ()] (2) (فتح الباري): 10/ 121، كتاب الأشربة، باب (30) الشرب من قدح النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و آنيته، و قال أبو بردة: قال لي عبد اللَّه بن سلام: «ألا أسقيك في قدح شرب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه؟ «حديث رقم (5637).

قوله: «قالت: أنا كنت أشقى من ذلك» ليس أفعل التفضيل فيه على ظاهره، بل مرادها إثبات الشقاء لها لما فاتها من التزوج برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، «و سقيفة بني ساعدة» هو المكان الّذي وقعت فيه البيعة لأبي بكر الصديق- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بالخلافة.

و في الحديث: التبسط على الصاحب، و استدعاء ما عنده من مأكول و مشروب، و تعظيمه بدعائه بكنيته، و التبرك بآثار الصالحين، و استيهاب الصديق ما لا يشق عليه هبته.

(فتح الباري): مختصرا.

[ (3)] لم أجده في (صحيح مسلم).

[ (1)] (المستدرك): 4/ 38، كتاب معرفة الصحابة، ذكر الكلابية أو الكندية، حديث رقم (6813)، و قد سكت عنه الحافظ الذهبيّ في (التلخيص)، و حديث رقم (6816)، و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): سنده واه، و يروي عن زهير بن معاوية أنها ماتت كمدا، و يذكر عن هشام ابن الكلبي، عن أبيه، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خلف عن أسماء ... الخبر.

126

و حصل بذلك ضيق، فأنزل اللَّه- تعالى- الآية، فعلى هذا و نحوه لا تحريم، و هذا قويّ و دليل التحريم غير منهض قائله.

الثانية: نكاح الحرة الكتابية حرام عليه‏

قال إمام الحرمين: و قد اختلف في تحريم الحرة الكافرة عليه، قال ابن العربيّ [ (1)]: و الصحيح عندي تحريمها عليه، و بهذا يتميز علينا فإنه ما كان من جانب الفضائل و الكرامة فحظه فيه أكثر، و ما كان من جانب النقائص فجانبه عنها أظهر فجوز لنا نكاح الحرائر الكتابيات و قصر هو (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لجلالته على المؤمنات، و إذا كان لا يحل له من لم تهاجر لنقصان فضل الهجرة، فأحرى ألا تحل له الكتابية الكافرة لنقصان الكفر. انتهى [ (2)].

و خرّج الحاكم [ (3)] من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

سألت ربي- عز و جل- أن لا أزوج أحدا من أمتي و لا أتزوج إلا كان معي في الجنة فأعطاني،

قال الحاكم صحيح الإسناد [و لم يخرجاه‏].

____________

[ (1)] قال ابن العربيّ في قوله تعالى: وَ لا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَ لَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَ لَوْ أَعْجَبَتْكُمْ‏ [البقرة: 22]، قال فيها ثلاث أقوال:

الأول: لا يجوز العقد بنكاح على مشركة كانت كتابية أو غير كتابية، قال عمر في إحدى روايتيه، و هو اختيار مالك و الشافعيّ إذا كانت أمة.

الثاني: المراد به وطء من لا كتاب له من المجوس و العرب، قاله قتادة.

الثالث: أنه منسوخ بقوله تعالى: وَ الْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ‏ [المائدة: 5]. (أحكام القرآن): 1/ 156.

[ (2)] (أحكام القرآن): 3/ 1559.

[ (3)] (المستدرك): 3/ 148، كتاب معرفة الصحابة، حديث رقم (4667)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه. و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): صحيح.

127

خرّج البيهقيّ [ (1)] من حديث حذيفة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال لامرأته:

أن سرّك أن تكوني زوجتي في الجنة فلا تزوجي بعدي فإن المرأة في الجنة لآخر أزواجها في الدنيا، فلذلك حرم على أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن ينكحن بعده لأنهن أزواجه في الجنة.

و إذا تقرر ذلك، فالجنة محرمة على الكافرين و لأن الكافرة تكره صحبة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لأنه أشرف من أن يضع ماءه في رحم كافرة، قال القاضي حسين:

لا يجوز له أن ينزع ماؤه في رحمها، خالفه أبو إسحاق من أصحابنا فقال: لا يحرم عليه نكاحها كما في موالاته و حكمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح إن سعى من حكم أمته و هي حلال لهم و له أولى و هذا القائل يقول: لو نكح كتابية لهديت إلى الإسلام كرامة له، و في (الحاوي) للماورديّ أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استمتع بأمته ريحانة بنت عمر بملك اليمين و كانت يهودية من بني قريظة بعد أن عرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت بعد ذلك، و هذا دليل القائل على الأمة الكتابية كما سيأتي إن شاء اللَّه- تعالى-.

قال مؤلفه فيما نقله الماورديّ نظر،

فقد نقل الواقدي [ (2)]

أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما أخذها من سبي بني قريظة لنفسه صفية عرض عليها الإسلام فأبت فعزلها

____________

[ (1)] (السنن الكبرى): 7/ 69- 70، كتاب النكاح، باب ما خص به من أن أزواجه أمهات المؤمنين، و أنه يحرم نكاحهن من بعده على جميع العالمين.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 520- 521، باب غزوة بني قريظة.

و قال الواقدي: و حدثني ابن أبي سبرة، عن أبي حرملة، عن أخته أم عبد اللَّه ... [قالت صفية]: فسار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلينا قبل الكتيبة، فسبيت في النزار قبل أن ينتهي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الكتيبة، فأرسل بي إلى رحله، ثم جاءنا حين أمسى فدعاني، فجئت و أنا مقنعة حييّة، فجلست بين يديه فقال: إن أقمت على دينك لم أكرهك، و إن اخترت اللَّه و رسوله فهو خير لك، قالت:

أختار اللَّه و رسوله و الإسلام، فأعتقني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تزوجني و جعل عنقي مهري،

فلما أراد أن يخرج إلى المدينة قال أصحابه: اليوم نعلم أ زوجة أم سرية، فإن كانت امرأته فسيحجبها و إلا فهي سرية. فلما خرج أمر بستر فسترت به فعرف أني زوجة، ثم قدّم إلى البعير و قدّم فخذه لأضع رجلي، فأعظمت ذلك، و وضعت فخذي على فخذه، ثم ركبت. و كنت ألقى‏

128

حتى أسلمت، فسر بذلك ثم قال: فحدثني عبد الملك بن سليمان، عن أيوب بن عبد الرحمن بن أبي صعصعة، عن أيوب بن بشير المعاوي، قال: أرسل بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بيت سلمى بنت قيس أم المنذر، و كانت عندها حتى حاضت حيضة ثم طهرت من حيضتها فجاءت أم المنذر فأخبرت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجاءها في منزل أم المنذر فقال لها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن أحببت إن أعتقك و أتزوجك فعلت، و إن أحببت أن تكوني في ملكي أطؤك بالملك فعلت، فقالت: يا رسول اللَّه إني أخفّ عليك و عليّ أن أكون في ملكك، فكانت في ملك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يطؤها حتى ماتت عنده.

و حدثني بن أبي ذئب قال: سألت الزهريّ عن ريحانة فقال: كانت أمة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأعتقها و تزوجها فكانت تحتجب في أهلها و تقول: لا يراني أحد بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال الواقدي [ (1)]: فهذا أثبت الحديثين عندنا.

فتبين أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يطأ ريحانة إلا بعد أن أسلمت و يظل الاستدلال على جواز التسري بالأمة الكتابية و قد خرجوا على القول بجواز ذلك هل عليه تخييرها بين أن تسلم فيمسكها أم تقيم على دينها فيفارقها؟ فيه وجهان حكاهما الماورديّ أحدهما: عليه تخييرها لتصبح من أزواجه في الآخرة، و الثاني ليس ذلك عليه لأنه لما خير ريحانة و قد عرض عليها الإسلام فأقام على الاستمتاع بها.

____________

[ ()] أزواجه، يفخرن عليّ يقلن: يا بنت اليهوديّ و

كنت أرى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يلطف بي و يكرمني، فدخل عليّ يوما و أنا أبكي فقال: مالك؟ فقلت: أزواجك يفخرن عليّ و يقلن: يا بنت اليهوديّ.

قالت: فرأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد غضب ثم قال: إذا قالوا لك أو فاخروك فقولي: أبي هارون و عمي موسى. (مغازي الواقدي): 2/ 674- 675، باب غزوة خيبر مختصرا.

[ (1)] راجع التعليق السابق.

129

الثالثة: في تسريه بالأمة الكتابية

و فيه الخلاف المذكور قبله، و قال الرافعيّ: الأظهر هنا أجل، و به أجاب الشيخ أبو حامد، و هو اختيار الماورديّ في ريحانة، و لا ينهض دليل ذلك عنه إلا التعقب و الابتعاد [ (1)].

الرابعة: في تحريم نكاحه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الأمة المسلمة

اختلف أصحابنا في ذلك على وجهين:

أحدهما: عن أبي هريرة: لا يحرم عليه نكاحها كما في حق أبيه و أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أوسع نكاحا من أمته، و أصحهما، يحرم لأن جواز نكاح الأمة مشروط بخوف العنت، و كونه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معصوم و يفقد أن طول الحرة و نكاحه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غير مفتقر إلى المهر، و لأن من نكح أمة كان ولده رقيقا، و منصبه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منزه عن ذلك‏

____________

[ (1)] قال الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: لأنها داخلة في معنى من حرم من المشركات و غير حلال، منصوصة بالإحلال كما نص حرائر أهل الكتاب في النكاح، و اللَّه- تعالى- إنما أحل نكاح إماء أهل الإسلام بمعنيين، و في ذلك دلالة على تحريم من خالفهن من إماء المشركين، و اللَّه أعلم، لأن الإسلام شرط ثالث.

و أخبرنا أبو منصور النصروي، حدثنا أحمد بن نجدة، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا سفيان عن ابن نجيح عن مجاهد، قال: لا يصلح نكاح إماء أهل الكتاب، لأن اللَّه تعالى يقول:

مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ‏. و عن الحسن في قوله تعالى: وَ مَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا إلى قوله تعالى: مِنْ فَتَياتِكُمُ الْمُؤْمِناتِ‏ قال: فلم يرخص لنا في إماء أهل الكتاب.

و عمن أدرك من فقهائهم الذين ينتهي إلى قولهم، منهم سعيد بن المسيب، و عروة بن الزبير، و القاسم بن محمد، و أبو بكر بن عبد الرحمن، و خارجة بن زيد، و عبيد اللَّه، و سليمان بن يسار، قال: و كانوا يقولون: لا يصلح للمسلم نكاح الأمة اليهودية و لا النصرانية، إنما أحل اللَّه المحصنات من الذين أوتوا الكتاب، و ليست الأمة بمحصنة. (سنن البيهقيّ):

7/ 177، كتاب النكاح، باب لا يحل نكاح أمة كتابية لمسلم بحال.

130

و بهذا قطع جماعة، و جمع الماورديّ هذه المسألة مفرعة على جواز الاجتهاد في الخصائص، و ذهب الجمهور إلى الجواز ليتوصل به إلى معرفة الأحكام، ثم ذكر الماورديّ اختلافهم في نكاح الكتابية، ثم قال: و أما الأمة فلم يختلف أنه لم يكن له أن يتزوجها.

قال الرافعي: لكن من جوز ذلك قال: خوف العنت إنما يشترط في حق الأمة و في اشتراط فقدان الطول تردد عن الشيخ أبي محمد و غيره على وجه الجواز.

قال الإمام فإن شرطناه لم تجز الزيادة على أمة واحدة و إلا جازت و قد فرعوا على القول بأن نكاح الأمة جائز فروعا منها إذا أتت بولد هل يكون رقيقا أم لا؟ و في لزوم قيمة هذا الولد لسيدها وجهان، و هل يقدر في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نكاح غرر؟ و كل هذا مما يجب أن يصان جانبه العليّ عنه، و الإمساك في حقه إضرار إلى نكاح الأمة لأنه لو أعجبته أمة وجب على مالكها بذلها له هبة قياسا على ما ذكروه في الطعام. و اللَّه اعلم.

131

النوع الثالث: ما اختص به من المباحات و التخفيفات توسعة و تنبيها على [أنّ‏] ما اختص به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الإباحة لا يلهيه عن طاعة اللَّه تعالى و هذا النوع قسمان أيضا: متعلق بغير النكاح و متعلق به‏

و اعلم أن معظم المباحات لم يفعلها مع إباحتها له، و ليس المراد المباح هنا ما استوى طرفاه بل ما لم يحرج في فعله و لا في تركه فإنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واصل، [و كان له‏] [ (1)] الاستبداد بالخمس، قد يكون راجحا لفعل يصرفه في المصالح، و قد يكون راجح الترك لفقد هذا المعنى، و دخوله مكة بغير إحرام قد يترجح فعله، و قد يترجح تركه، و كذا الزيادة على الأربع لا يساوي فيه فإن أفعاله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أقواله كلها راجحة مثاب عليها، حتى في أكله و شربه، لأن كل واحد من أمته يكون له أن يقصد وجه اللَّه- تعالى- بذلك، و هو (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أولى بذلك.

القسم الأول: المباحات له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غير النكاح‏

و فيه مسائل:

الأولى: الوصال في الصوم أبيح له (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

قال القضاعي: أبيح له دون غيره من الأنبياء، و قد اختلف في ذلك، فقيل: يكره فيما قاله الشافعيّ، و عند الجمهور أنه من المباحات، و أحاديث وصال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و النهي عنه لغيره ثابتة في الصحيحين،

من حديث أنس‏

____________

[ (1)] زيادة للبيان.

132

ابن مالك [ (1)]، و في البخاريّ من حديث أبي سعيد [ (2)]، و في الصحيحين أيضا من حديث عبد اللَّه بن عمر [ (3)]، و من حديث أبي هريرة [ (4)]، و من حديث عائشة [ (5)]

____________

[ (1)]

أخرجه البخاريّ و مسلم و الترمذي، و لفظه «عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: واصل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في آخر شهر رمضان، فواصل ناس «من المسلمين، فبلغه ذلك، فقال: لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي- أو قال:

لست مثلكم- إني أظل يطعمني ربي و يسقيني».

و في رواية قال: قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: لست كأحد منكم، إني أبيت أطعم و أسقى». أخرجه البخاريّ و مسلم،

و أخرج الترمذيّ الرواية الثانية، و قال: إن ربي يطعمني و يسقيني.

و المتعمق في الأمر: المبالغ فيه المجاوز للحد. (جامع الأصول): 6/ 380، ترك الوصال، حديث رقم (4563).

[ (2)]

أخرجه البخاريّ و أبو داود، و لفظه:» عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه

سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، قالوا: فإنك تواصل يا رسول اللَّه؟ فقال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني و ساق يسقيني» (جامع الأصول): 6/ 382 حديث رقم (45566).

[ (3)]

أخرجه البخاريّ و مسلم و مالك و أبو داود: و لفظه: «عن عبد اللَّه بن عمر- رضي اللَّه تبارك و

تعالى عنهما- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل؟ قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم و أسقى» و في رواية: «لست مثلكم».

و للبخاريّ‏ أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واصل، فواصل الناس، فشق عليهم، فنهاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل؟ قال: لست كهيئتكم، إني أظل أطعم و أسقى، و أخرج الموطأ و أبو داود الرواية الأولى. (جامع الأصول): 6/ 379، حديث رقم (4562).

[ (4)]

أخرجه البخاريّ و مسلم و مالك، و لفظه: «عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن الوصال في الصوم، فقال له رجل من المسلمين: إنك تواصل يا رسول اللَّه؟ قال: و أيكم مثلي؟ إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني، فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوما، ثم يوما، ثم رأوا الهلال، فقال: لو تأخر لزدتكم كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا «أخرجه البخاريّ و مسلم.

133

رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، و لأحمد [ (1)] من وجهين صحيحين: إني أبيت عند ربي يطعمني و يسقيني.

____________

[ ()] و للبخاريّ: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: «إياكم و الوصال- مرتين- فقيل: إنك تواصل؟ قال:

إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني، فاكفلوا من الأعمال ما تطيقون». و لمسلم نحوه، و لم يقل:

«مرتين» و قال: «إنكم لستم في ذلك مثلي». و له في أخرى مثله، و قال: «و اكفلوا ما لكم به طاقة». و أخرج الموطأ رواية البخاريّ إلى قوله: «و يسقيني». و التنكيل، نكل به: إذا جعله عبرة لغيرة، و قيل: هو العقوبة. (جامع الأصول): 6/ 381- 382، حديث رقم (4565).

[ (5)]

أخرجه البخاريّ و مسلم و لفظه: «عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قالت: نهاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن الوصال رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل؟ إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي و يسقيني، إلا أن البخاريّ قال: «نهى» و لم يقل: «نهاهم» (جامع الأصول): 6/ 381، حديث رقم (4564).

[ (1)]

(مسند أحمد): 2/ 461، حديث رقم (7122) من مسند أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

و لفظه: «قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إياكم و الوصال، قالها ثلاث مرار، قالها ثلاث مرار، قالوا: فإنك تواصل يا رسول اللَّه، قال: إنكم لستم في ذلك مثلي، إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني، فاكلفوا من العمل ما تطيقون».

و حديث رقم (7188) من مسند أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏ إياكم و الوصال كذاك علمي، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كأحدكم، إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني».

و حديث رقم (7495) من مسند أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه‏:

«نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إنكم لستم كهيئتي، إن اللَّه حبي يطعمني و يسقيني» و قال يزيد: «إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني».

و حديث رقم (7728) من مسند أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه:

«قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏ لا تواصلوا، قالوا: يا رسول اللَّه إنك تواصل؟ قال: إني لست مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني، قال: فلم ينتهوا عن الوصال، فواصل بهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومين أو ليلتين ثم رأوا الهلال، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لو تأخر الهلال لزدتكم، كالمنكل بهم».

134

حدثنا أمية به بتخصيصه بأنه ليس كهيئاتهم، إن اللَّه يطعمه و يسقيه، قال النووي [ (1)]: قوله يطعمني و يسقيني: معناه يجعل اللَّه لي قوة الطاعم و الشارب، و قيل هو على ظاهره أنه يطعم من طعام الجنة كرامة له، و الأول أصح، لأنه لو أكل حفيفة لم يكن مواصلا،

و قد قال في رواية ابن عمر:

إني في الظل‏

____________

[ ()] و حديث رقم (8053) من مسند أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه‏:

«إياكم و الوصال، إياكم و الوصال، قالوا: إنك تواصل يا رسول اللَّه، قال: إني لست في ذاكم مثلكم، إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني، فأكلفوا من العمل ما لكم به طاقة».

و حديث رقم (10671) من مسند أبي سعيد الخدريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه: «لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل حتى السحر، فقالوا: إنك تواصل؟

قال: إني لست كهيئتكم، إني أبيت لي مطعم يطعمني، و ساق يسقيني».

و حديث رقم « (13666) من مسند أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه: «أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن الوصال، قال: قيل له: إنك تواصل؟ قال: إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني».

و حديث رقم (13170) من مسند أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لفظه: «أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن الوصال، قال فقيل: إنك تواصل؟ قال: إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني».

و حديث رقم (25680) من حديث السيدة عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- و لفظه: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهى عن الوصال، فقيل: يا رسول اللَّه فإنك تواصل؟ قال: إني أبيت يطعمني ربي و يسقيني».

و أخرجه البيهقيّ في (السنن الكبرى): 7/ 61- 62، كتاب النكاح، باب الوصال له مباح ليس لغيره، و قال: أخرجه البخاريّ و مسلم في الصحيحين من حديث مالك، و ثبت معناه من حديث أبي هريرة، و أنس بن مالك، و عائشة بنت الصديق- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم جميعا-، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 220، شرح الحديث رقم (1103) من باب (11) النهي عن الوصال في الصوم.

135

يطعمني ربي و يسقيني،

و لنفسه ظل لا يكون إلا في النهار، و لا يجوز الأكل الحقيقي في النهار بلا شك فثبت ما قلناه.

و أجيب بأنه لو أكل من طعام الجنة لم يفطر أو بأن طعام اللَّه- تعالى- لا يفطر بدليل القاضي و قد علل بقوله: إنما أطعمه اللَّه و سقاه و قيل: يعان على الصوم و يقوى عليه فكأنه أطعم أو يخلق له اللَّه من الشبع الّذي كالطاعم و الشارب.

و قيل: كان الإطعام و الإسقاء حقيقة في المنام و قال الإمام: الوصال قربة في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و إنما يثبت خصوصية الوصال للرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا قلنا بأنه حرام على الأمة. و قد نص الشافعيّ- (رحمه اللَّه)- على كراهيته، و في ذلك وجهان، قيل: كراهة تحريم، و قيل: كراهة تنزيه، أصحهما أنه كراهة تحريم في النهي عنه. قال جمهور العلماء: قاله النووي و استدل به على تحريم الوصال بما

خرّجه البخاريّ من حديث أبي حازم، عن يزيد بن الهاد، عن عبد اللَّه بن حباب، عن أبي سعيد الخدريّ أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

لا تواصلوا فأيكم إذا كان يواصل فليواصل حتى السحر. قالوا: فإنك تواصل يا رسول؟ اللَّه قال:

لست كهيئتكم إني أبيت مطعم يطعمني و ساق يسقيني [ (1)].

و النهي يقتضي التحريم، و قال القاضي عياض: قيل: النهي عنه رحمه و تخفيف فمن قدر فلا حرج، و قد واصل جماعة من السلف لأيام، و أجازه ابن وهب و أحمد و إسحاق إلى السحر ثم حكى عن الأكثرين كراهته.

و قد كانت أخت أبي سعيد تواصل و هي صحابية، و كان عبد اللَّه بن الزبير يواصل سبعة أيام، فإذا كان الليلة السابعة دعي بإناء من سمن فشربه ثم يأتي بثريدة فيها عرقان و يؤتي الناس بالجنان فيقول: هذا من خالص مالي، و هذا من بيت مالكم، و كان ابن وضاح يواصل أربعة أيام.

و قال عطاء و أبيّ و غيرهم من أصحابنا: هو من الخصائص التي أبيحت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حرمت على الأمة و احتج لمن أباحه بقوله في بعض طرق مسلم: نهاهم عن الوصال- (رحمه اللَّه)-.

____________

[ (1)] سبق تخريجه.

136

و في طرق بعضهم:

لما أبوا أن ينتهوا واصل بهم يوما ثم يوما ثم زاد الهلال فقال: لو تأخر الهلال لزدتكم. و في بعضها لو مدّ لنا الشهر لواصلنا وصالا يدع المتعمقون تعمقهم [ (1)].

و لو كان حراما ما فعله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه، و قد اشتهر عن كثير من الصلحاء الوصال، فلعل وصالهم جاء من غير قصد إليه، بل اتفق ترك تناولهم المفطر بفعله عنهم، أو لاشتغاله بالاستغراق بالمعارف، و نحن نشاهد الترك عند اشتغال القلب بما يسرّ أو يحزن فكيف بذاك؟ و على هذا تكون الخصوصية له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على كل أمته لا على أحد من أفرادها.

الثانية: اصطفاؤه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما يختاره من الغنيمة قبل قسمها من جارية أو غيرها بشي‏ء ما اختاره من ذلك الصفيّ و الجمع الصّفايا

خرّج أبو داود [ (2)] من طريق سفيان بن مسروق [حدثنا محمود بن خالد السلمي، حدثنا عمر- يعني ابن عبد الواحد- عن سعيد- يعني ابن بشير، عن قتادة، قال: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا غزا كان له سهم صاف يأخذه من حيث‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 7/ 221، كتاب الصيام، باب (11) النهي عن الوصال في الصوم، حديث رقم (1104) قال الإمام النووي: و بيان الحكمة في نهيهم و المفسدة المترتبة على الوصال، و هي الملل من العبادة و التعرض للتقصير في بعض وظائف الدين: من إتمام الصلاة بخشوعها، و أذكارها، و آدابها، و ملازمة الأذكار، و سائر الوظائف المشروعة في نهاره و ليلة. و اللَّه تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي).

[ (2)] (سنن أبي داود): 3/ 397، كتاب الخراج و الإمارة و الفي‏ء، باب (21) ما جاء في سهم الصفتين حديث رقم (2993)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه، و هو حديث مرسل، و فيه سعيد بن بشير و هو ضعيف.

137

شاء، فكانت صفية من ذلك السهم و كان إذا لم يغز [بنفسه‏] ضرب له بسهم و لم يخير.

و عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: كانت صفية من الصّفي [ (1)].

و خرّج أبو بكر بن أبي شيبة من حديث وكيع، حدثنا قرة بن خالد، عن أبي العلام يزيد بن عبد اللَّه بن الشخير قال:

كنا جلوسا بهذا المربد بالبصرة فجاء أعرابي معه قطعة من أديم أو قطعة جراب فقال: هذا كتاب كتبه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخذته فقرأته على القوم فإذا فيه: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، كتاب من محمد رسول اللَّه لبني زهير بن أقيش، إنكم إن أقمتم الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أعطيتم من المغنم الخمس، و سهم النبي و الصفيّ فإنكم آمنون بأمان اللَّه و أمان الرسول، قال: قلنا للأعرابي: أنت سمعت هذا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقال:

نعم يقول صوم شهر الصبر- يعني رمضان- و ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن من حرّ الصدر، تم انصاع مدبرا، فقال: تروني أكذب على رسول اللَّه؟.

و خرّجه أبو محمد بن داود من حديث وكيع، عن قرة بن خالد بنحوه إلى قوله:

و أمان رسول اللَّه، و بعد هذا قال: قلنا له: هل سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: شيئا؟ قال: سمعته يقول صوم شهر الصبر، و صوم ثلاثة أيام من كل شهر يذهبن في حرّ الصدر قال: قلت: إنك سمعت رسول اللَّه؟ قال: أ تروني أكذب على رسول اللَّه؟ ثم أخذ العتاب و انصاع مدبرا.

و خرّجه أبو داود [ (2)] من حديث مسلم بن إبراهيم قال: حدثنا قرة قال:

سمعت يزيد بن عبد اللَّه [ (3)] قال:

كنا بالمربد [ (4)]، فجاء رجل أشعث الرأس بيده قطعة أديم أحمر، فقلنا: كأنك من أهل البادية، فقال: أجل، قلنا: ناولنا هذه‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (2994)، و إسناده صحيح، و صححه ابن حبان و الحاكم.

[ (2)] (سنن أبي داود): 3/ 400، كتاب الخراج و الإمارة و الفي‏ء، باب (21) ما جاء في سهم الصفيّ، حديث رقم (2999).

[ (3)] يزيد بن عبد اللَّه: هو ابن الشّخير.

[ (4)] المربد: محلة بالبصرة من أشهر محالها و أطيبها.

138

القطعة الأديم التي في يدك، فناولناها [فقرأناها] [ (1)]، فإذا فيها: من محمد رسول اللَّه إلى بني زهير بن أقيش، إنكم إن شهدتم أن لا إله إلا اللَّه، و أن محمدا رسول اللَّه، و أقم الصلاة، و آتيتم الزكاة، و أديتم الخمس من المغنم، و سهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصّفيّ فأنتم آمنون بأمان اللَّه و رسوله، فقلنا: من كتب لك هذا الكتاب؟ قال: رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (2)]،

خرّجه قاسم بن أصبغ من طريق مسلم بن إبراهيم، عن قرة إلى آخره نحوه [ (3)].

قال أبو عمر بن عبد البر: سهم الصّفيّ مشهود في صحيح الآثار.

معروف عند أهل العلم، و لا يختلف أهل السير في أن صفيّ من الصّفا، و أجمع العلماء على أن سهم الصّفيّ ليس لأحد بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و خرّج البخاريّ و مسلم من طريق حماد بن يزيد، عن ثابت، عن أنس، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه أعتق صفية و جعل عتقها صداقها، و قصة صفية. خرجها البخاريّ من حديث عمرو بن أبي عمرو، عن أنس، قدمنا خيبر فلما فتحنا الحصن ذكر له جمال صفية، و قد قتل زوجها و كانت عروسا، فاصطفاها لنفسه [ (4)]، الحديث.

____________

[ (1)] زيادة للسياق من (سنن أبي داود)، و أقيش، بضم الهمزة و فتح القاف، ثم ياء مثناة ساكنة و آخره شين معجمة، هم حيّ من بني عكل.

[ (2)] قال الخطابيّ: أما سهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنه كان يسهم له كسهم رجل ممن شهد الوقعة، حضرها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أو غاب عنها. و أما الصفيّ فهو ما يصطفيه من عرض الغنيمة من شي‏ء قبل أن يخمس- عبد، أو جارية، أو فرس، أو سيف، أو غيرها- و كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مخصوصا بذلك، مع الخمس الّذي كان له خاصة. (معالم السنن).

[ (3)] و رواه بعضهم عن يزيد بن عبد اللَّه، و سمى الرجل النمر بن تولب الشاعر، صاحب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و يقال: إنه ما مدح أحدا، و لا هجا أحدا، و كان جوادا لا يكاد يمسك شيئا، و أدرك الإسلام و هو كبير، و يسمى الكيس لحسن شعره، ترجمته في (الشعر و الشعراء): 191- 192.

[ (4)] (فتح الباري): 7/ 608، كتاب المغازي، باب (39) غزوة خيبر، حديث رقم (4211).

139

و له من حديث ثابت عن أنس كان في السبي صفية، فصارت إلى دحية، ثم صارت إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (1)].

خرّج البخاريّ و مسلم من حديث عبد العزيز بن صهيب، عن أنس في قصة خيبر، فجمع السبي، فجاء دحية فقال: أعطنى جارية من السبي، قال:

اذهب فخذ جارية، فأخذ صفية، فجاء رجل فقال: يا نبيّ اللَّه! أ أعطيت دحية صفية سيدة قريظة و النضير لا تصلح إلا لك، قال: أدعوه بها، فجاء بها، فلما نظر إليها [النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏] قال: خذ جارية من السبي غيرها، الحديث [ (2)].

و عن حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس‏

أنه اشتراها من دحية بسبعة أرؤس [ (3)].

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (4200)، (4201)، قال الحافظ في (الفتح): فلما قيل للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، إنها بنت ملك من ملوكهم، ظهر له أنها ليست ممن توهب لدحية لكثرة من كان في الصحابة مثل دحية و فوقه، و قلة من كان في السبي مثل صفية في نفاستها، فلو خصه بها لأمكن تغير خاطر بعضهم، فكان من المصلحة العامة ارتجاعها منه، و اختصاص النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بها، فإن في ذلك رضا الجميع، و ليس ذلك من الرجوع في الهبة في شي‏ء.

[ (2)] (فتح الباري): 1/ 632، كتاب الصلاة، باب (12) ما يذكر في الفخذ، حديث رقم (371)، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «خذ جارية من السبي غيرها

«ذكر الشافعيّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في (الأم) عن (سير الواقدي) أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أعطاه أخت كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق، و كان كنانة زوج صفية، فكأنه طيب خاطره لما استرجع منه صفية بأن أعطاه أخت زوجها، و استرجاع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صفية منه محمول على أنه إنما أذن له في أخذ جارية من حشو السبي لا في أخذ أفضلهن فجاز استرجاعها مننه لئلا يتميز بها على باقي الجيش، مع أن فيهم من هو أفضل منه.

و وقع في رواية لمسلم أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اشترى صفية منه بسبعة أرؤس، و إطلاق الشراء على ذلك على سبيل المجاز، و ليس في قوله: «سبعة أرؤس» ما ينافي قوله هنا: «خذ جارية» إذ ليس هنا دلالة على نفي الزيادة (فتح الباري).

[ (3)] راجع التعليق السابق.

140

و ذكر الرافعي أن ذا الفقار [ (1)] كان من الصفيّ، و اعترض عليه بأن غنائم بدر كانت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كلها لأنها كانت قبل فرض الخمس، و الكلام في الصفيّ بعد فرض الخمس و على هذا المعنى يحمل ما خرّجه الترمذيّ، و ابن ماجة، و الحاكم، عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تنفل سيفه ذا الفقار يوم بدر.

و خرّجه الواقدي عن الزهريّ، عن سعيد بن المسيب، و عن عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس قال: تنفّل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سيفه ذا الفقار يومئذ، و كان لمنبه بن الحجاج، و معناه أخذه لنفسه لم يعطيه أحدا.

تتمّة

قد عد الإمام أبو حامد الغزالي- (رحمه اللَّه)- إعطاءه [تميم‏] الداريّ بنت ميمونة فتجرى من الخصائص النبويّة، و جعل ذلك من الصفايا المختصة به (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلا يكون لأحد من الأئمة بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقطع أحدا من الرعية شيئا لم يدخل في ملك المسلمين.

و تردد القاضي أبو الحسن الماوردي في ما أخذ الإقطاع الّذي وقع لتميم الداريّ، و جوز أن تكون من الخصائص بعد أن حكى الخلاف، هل لغير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يفعل ذلك؟ و سيرد كلامه في ذلك إن شاء- اللَّه تعالى-.

قال القاضي أبو بكر أبو محمد بن العربيّ المعافري الإشبيلي المالكي في شرح (الموطأ) لما تكلم على حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال في (صحيحه): و إنما تركها من تركها لقولهم: إنها غير مسموعة، و هذا لا يمنع من الاحتجاج، و قد كان عند أولاد تميم الداريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

كتاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قطعة أديم [ (2)]: بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا

____________

[ (1)] ذو الفقار: اسم سيف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (2)]

وفد عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الداريون مرتين، مرة قبل الهجرة، و مرة بعدها، و في المرة الأولى سألوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أرضا فدعا بقطعة من أدم، و كتب كتابا نسخته:

141

ما أنطى [ (1)] محمد رسول اللَّه تميما الدارميّ قطعة قرية حبرون و بيت عينون بلد الخليل،

فبقي ذلك في يده و يد أهله إلى أن غلب الفرنجة على القدس سنة اثنتين و تسعين و أربعمائة، قال: و لقد اعترض بعض الولاة على تميم الداريّ أيام كان بالشام و أراد انتزاعها فحضر القاضي حامد الهرويّ الحنفي، فاحتج الدارميّ بالكتاب، فقال القاضي: هذا الكتاب ليس بلازم لأن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أقطع تميما ما لم يملك، فاستدعى الوالي الفقهاء، و كانت الرواية التي رويت إلى الأرض كلها، و كان يقطع الجنة فيقول: قصر كذا لفلان، فوعده صدق، و عطاؤه حق، قال:

فحضره القاضي و الوالي، و أبقي الدارميين على ما في أيديهم.

____________

[ ()] بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب ذكر فيه ما وهب محمد رسول اللَّه للداريين. إذ أعطاه اللَّه الأرض وهب لهم بيت عينون، و حبرون، و المرطوم، و بيت إبراهيم و من فهيم إلى الأبد، شهد عباس بن عبد المطلب، و خزيمة بن قيس، و شرحبيل بن حسنة و كتب. فلما هاجر (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى المدينة قدموا عليه و سألوه أن يجدد لهم الكتاب فكتب ما نسخته:

بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد رسول اللَّه لتميم بن أوس الداريّ: أنّ له قرية حبرون، و بين عينون، قريتهما كلهما، و سهلهما، و جبلهما، و ماءهما، و حرثهما، و أنباطهما، و بقرهما، و لعقبه من بعده، لا يحاقه فيهما أحد، و لا يلجها عليهم أحد بظلم، فمن ظلم و أخذ منهم شيئا فإن عليه لعنة اللَّه و الملائكة و الناس أجمعين. و كتب عليّ. (مجموعة الوثائق السياسة): 531، وثيقة رقم (43) الإقطاع للداريين و هم من لخم، و وثيقة رقم (44) تجديد الكتاب السابق.

ثم رواية أخرى عن النص السابق، وثيقة (45): بسم اللَّه الرحمن الرحيم.

هذا ما أنطى محمد رسول اللَّه لتميم الداريّ و إخوته و حبرون، و مرطوم، و بيت إبراهيم و ما فيهن، نطية بت بذمتهم، و نفّذت و سلّمت ذلك لهم و لأعقابهم. فمن آذاهم آذاه اللَّه، و من أذاهم لعنه اللَّه. شهد عتيق بن أبي قحافة، و عمر بن الخطاب، و عثمان بن عفان، و كتب عليّ بن أبي طالب و شهد.

[ (1)] في بعض الروايات: «أنطى»، «أعطى» و ما أثبتناه من (الأصل).

142

و قد ذكر القاضي أبو بكر بن العربيّ- (رحمه اللَّه)- هذه القصة في كتاب سماه (قانون التأويل) [ (1)] و هو كان جمعة من قوام يد الشيخ أبي حامد محمد بن محمد الغزالي- (رحمه اللَّه)- و نصه ما قوله أدام اللَّه علوه:

فما أقطع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تميم الداريّ من الشام قبل أن يملكه أهل الإسلام ما وجه صحته مع أنه جرى قبل الملك، و لم يتصل به القدر، و لم يجر تحديد محل الإقطاع، هل يجوز لإمام أن ينزع ذلك من يد تميم؟ و متى يحصل الملك للمقطع؟ فأجاب على ذلك بأن الإقطاع صحيح لتميم و منتقل إلى أعقابه وقت حصول الملك عند تسليم الإمام المستولى على تلك الأرض له ذلك، و وجه صحته أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان مختصا بالصفايا من المغنم حتى كان يختار من المغنم ما يريد، و يدفع ملك المسلمين عنه بعد استيلائهم عليه، فلذلك كان له أن يستثنى تبعة من ذيلة الكفر عن ملك المسلمين و يعينها لبعض المسلمين فتصير ملكا له، و يكون سبب الملك تسليم الإمام و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يستثنى من التخصيصات، و ليس ذلك لغيره من الأئمة، فإنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان مطلعا بالوحي على من سيملك في المستقبل، و على وجه المصلحة في التخصيص و الاستثناء و غير ذلك و لا يطلع غيره عليه.

و أما قول من قال لا يصح إقطاعه لأنه قبل الملك، فهو كفر محض، لأنه يقال له: هل حل لرسول اللَّه ما فعل أو كان ظالما بتصرفه ذلك؟ فإن جعله ظالما كفر، و إن قال بل حل له ذلك، قيل له: أ تعلم أن ذلك يحصل أو لا فإن جهله كفر، و إن قال: إنه علم، لكن علم أنه لا يحصل، قيل له: فلا يبقى إلا أنه قد قدم عليه مع علمه مبطلاته [ (2)].

هذا كلام الشيخ أبي حامد الغزالي، كما ترى أن عطاء ذلك لتميم الداريّ منن الخصائص النبويّة و جعله من الصفايا المختصة به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلا يكون لأحد من‏

____________

[ (1)] (قانون التأويل)، للقاضي أبي بكر محمد بن عبد اللَّه الإشبيليّ المالكي، المعروف بابن العربيّ، الحافظ، المتوفى سنة (546 ه-)، ذكر حاجي خليفة في (كشف الظنون): 2/ 281

[ (2)] بعد هذه العبارة طمس في (الأصل) لم أجد له توجيها بقدر سطرين و نصف.

143

الأئمة بعد النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقطع أحدا من الرعية [شيئا] لم يملكه المسلمون و اختلف كلام القاضي أبي الحسن على الماورديّ، فجزم في (الأحكام السلطانية) بجواز ذلك عموما.

و قال في كتاب (الحاوي): و أما الإقطاع فإنه لا يصح إلا في ما لم يستقر عليه ملك، و على هذا كانت قطائع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فذكر قال: فعلى هذا كانت قطائع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا ما كان من شأن تميم الداريّ، و أبى ثعلبة، فذكرها احتمل ذلك من فعله أن يكون أقطعهما ذلك إقطاع تقليد لا إقطاع تمليك، و يجوز أن يكونا مخصوصين بتصديق إخبار و تحقيق إعجاز، و أما الأئمة بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإن أبا بكر، و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- لم يقطعا الأموات لم يجز عليه ملك و اصطفى عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- من أرض سواد أموال كسرى لأهل بيته، و ما وهب عنه أربابه أو تملكوا، و كان مبلغ ذلك تسعة آلاف ألف، و كان ينفقها في مصالح المسلمين، و لم يقطع شيئا منها، ثم إن عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أقطعها لأنه رأى إقطاعها أوفر لعلتها من تعطيلها، و شرط على من أقطعها أن يأخذ منه حق ألف، فكان ذلك منه إقطاع إجارة، قال بذلك الماورديّ، هذا، و قال في قوله: إقطاع إجارة إلى أمرائهم أن يؤجروها بأجرة معلومة ينتفعوا بها مع بقاء الرقبة. انتهى. و قد جمع الفقهاء الخصائص، و لم يعدوا منها ما ذكره الغزاليّ.

144

الثالثة: كان له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الاستبداد بخمس خمس الفي‏ء و الغنيمة و بأربعة أخماس الفي‏ء فينفرد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك‏

قال ابن سيده: و الغنم و الغنيمة و المغنم، الفي‏ء، و غنم الشي‏ء غنما، فاز به و تغنمه و اغتنمه، و انتهز غنمه و اغتنمه الشي‏ء جعله له غنيمة [ (1)]، قال:

و الفي‏ء الغنيمة، و قد فيئت فيئا و استفأت.

و كانت الغنيمة لغة: ما يناله الرجل و الجماعة بسعي، غير أنهم جعلوا على أن المراد بقوله- تعالى-: وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فإنما هو مال الكفار إذا ظفر به المسلمون على وجه الغلبة و القهر، و هذا التخصيص لا تقتضيه اللغة [ (2)]، لكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع، و سمى الشرع ما يصل من أموال الكفار باسمين: هما الغنيمة، و الفي‏ء ما ناله المسلمون من عدوهم بسعي كما تجاف الخيل و الركاب يسمى غنيمة، و لزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفيا، و كل مال دخل على المسلمين من غير حرب، و لا إيجاف، فخراج الأرضين و جزية الجماجم، و خمس الغنيمة، و نحو ذلك مما يؤخذ من المشركين عفوا يسمى فيئا.

____________

[ (1)] (لسان العرب): 12/ 445- 446.

[ (2)] قال الأزهري: الغنيمة ما أوجف عليه المسلمون بخيلهم و ركابهم من أموال المشركين، و يجب الخمس لمن قسمه اللَّه له، و يقسم أربعة أخماسها بين الموجفين: للفارس ثلاثة أسهم، و للراجل سهم واحد. و أما الفي‏ء فهو ما أفاء اللَّه من أموال المشركين على المسلمين بلا حرب و لا إيجاف عليه، مثل جزية الرءوس و ما صولحوا عليه فيجب فيه الخمس أيضا لمن قسمه اللَّه، و الباقي بصرف فيما يسدّ الثغور من خيل، و سلاح و عده، و في أرزاق أهل الفي‏ء، و أرزاق القضاة، و من غيرهم، و من يجري مجراهم.

و قد تكرر في الحديث ذكر الغنيمة، و المغنم، و الغنائم، و هو ما أصيب من أموال أهل الحرب، و أوجف عليه المسلمون الخيل و الركاب. (لسان العرب): 12/ 446.

145

و قال عطاء بن السائب: الغنيمة ما ظهر عليها من أموال المشركين و الفي‏ء ما ظهر عليه من الأرضين، و الأصل في الغنيمة قول اللَّه- تعالى-:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ [ (1)] و الأصل في الفي‏ء قوله- تعالى-:

ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ [ (2)] و قد كانت الغنيمة محرمة على الأنبياء و أحلها اللَّه- تعالى- لرسوله محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجعلها اللَّه- تعالى- ملكا له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خالصا دون غيره لقوله- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ‏ [ (3)] و الأنفال هي الغنائم، و النفل هو الزيادة من الخير، فسميت الغنائم أنفالا لأنها زيادة، ثم نسخ اللَّه- تعالى- هذه الآية بقوله- تعالى-:

وَ اعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏ [ (4)] الآية. و قال أبو عمر بن عبد البر: و أجمع على أن هذه الآية نزلت بعد قوله- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ‏ [ (5)] و إن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، و عن قوله- تعالى-: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ‏ [ (6)] نزلت في حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر، انتهى.

فلما أضاف- تعالى- مال الغنيمة إلى الغانمين، ثم استثنى منه خمسه لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و من سمى معه من أهل الخمس بقوله- تعالى-: لِلَّهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ دل على أن الباقي من بعد أخماسه ملك الغانمين، فصار مال الغانمين مقسوما على خمسة و عشرين سهما منها لأهل الخمس، و هم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ذي القربى،

____________

[ (1)] الأنفال: 41.

[ (2)] الحشر: 7.

[ (3)] الأنفال: 1.

[ (4)] الأنفال: 41.

[ (5)] الأنفال: 1.

[ (6)] الأنفال: 1.

146

و اليتامى، و المساكين و ابن السبيل، و فيه خلاف ذكر في موضعه، و صار أربعة أخماس، و هو عشرون سهما تقسم بين الغانمين لا يشاركهم فيها غيرها.

و أما مال الفي‏ء و هي الأموال الواصلة من المشركين بغير قتال و لا إيجاف بخيل و لا ركاب‏

كالذي أجلى عنه المشركون خوفا و رغبا، و الأموال التي يضحون بها عن أنفسهم، و دمائهم و أموالهم، المأخوذ من عشور أموالهم إذا دخلوا تجارا، و الجزية التي تقربهم بها إلى دارنا، و مال الخراج المقربون على أراضيهم، و الأرضين المأخوذة عفوا منهم، و مال من مات في دارنا و لا وارث له منهم، كل ذلك في‏ء لأنه واصل بغير قتال و لا إيجاف خيل و لا ركاب، هذا هو المنصوص من مذهب الشافعيّ في الجديد.

و قوله في القديم: أن الفي‏ء من جميع ذلك ما انجلى عنه المشركون خوفا و رعبا، و ما سواه من الجزية، و الخراج، و عشور التجارة، و مال من مات و لا وارث له، ليس بفي‏ء و لا يخمس و الأول أصح، و قد كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في صدر الإسلام يملك جميع الفي‏ء كما ملك جميع الغنيمة، لذلك ملك أموال بني النضير، فكانت مما أفاء اللَّه- تعالى- لم يشاركه فيها أحد، و صارت من صدقاته التي تصدق بها إلى أن أنزل اللَّه- تعالى- في الفي‏ء قوله- تعالى-:

ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ فاختلف الناس حينئذ فيما استقر حكم الفي‏ء عليه على ثلاثة مذاهب:

أحدها: إن مال الفي‏ء مصروف في وجوه المصالح لا يخمس، و هو قول أبي حنيفة.

الثاني: إن مال الفي‏ء مقسوم على خمسة أسهم لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منها سهم كأحد أهل الخمس و هو قول مالك.

الثالث: أن خمسه مقسوم على خمسة، منها لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سهم، و أربعة أخماس الفي‏ء له أيضا خاصة، فيكون جميع مال الفي‏ء مقسوما على‏

147

خمسة و عشرين سهما منها واحد و عشرين سهما لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أربعة أسهم هي لأربعة أصناف هم ذوو القربى، و اليتامى، و المساكين، و ابن السبيل، و هذا هو مذهب الشافعيّ، و لكل على قوله دليل إذا تكرر ما وصفنا، فالذي ملك اللَّه- تعالى- رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مال الغنيمة، و مال الفي‏ء، خمس الخمس من الفي‏ء و الغنيمة، و أربعة أخماس الفي‏ء، ذلك سوى الصفي‏ء من الغنيمة، فصار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مالكا لأربعة أموال: مالين من الغنيمة هما خمس الخمس، و الصفيّ، و مالين من الفي‏ء هما خمس الخمس، و أربعة أخماسه، و استدل أصحابنا على ذلك بقوله- تعالى-: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ وَ لِذِي الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ‏ فأضاف اللَّه- تعالى- الفي‏ء إلى رسوله، كما أضاف الغنيمة إلى الغانمين، ثم من استثناه في سهم الغانمين، فوجب أن يكون إطلاق ما جعل لهم من الفي‏ء محمول على المقدار المحصول من الغنيمة، و يكون الخمس، و يكون الباقي بعده لمن أضاف المال إليه و هو الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كما كان الباقي من الغنيمة لما أضافها إليه و هم الغانمون.

و قال الشافعيّ: سمعت ابن عيينة يحدث عن الزهريّ أنه سمع مالك بن أوس بن الحدثان يقول: سمعت عمر بن الخطاب، و العباس بن عبد المطلب، و على بن أبي طالب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- يختصمان إليه في أموال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال عمر: كانت أموال بنى النضير مما أفاء اللَّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليها بخيل، و لا ركاب، فكانت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون المسلمين، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينفق منها على أهله نفقة سنة، فما فضل منها جعله في الكراع و السلاح عدة في سبيل اللَّه، ثم توفي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فوليها أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بمثل ما وليها به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم وليها عمر بمثل ما ولى به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، ثم سألها في أن أوليكما هذا على أن تعملانها بمثل ما وليهما به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم وليها أبو بكر، ثم وليتها، ثم حينما تختصمان تريدان أن أدفع إلى كل واحد منكما نصفا، أ تريدان منى قضاء غير ما قضيت بينكما أولا

148

و الّذي بإذنه تقوم السموات و الأرض لا أقضي بينكما قضاء غير هذا، فإن عجزتما عنها فادفعاها إليّ أكفيكماها.

و هذا الحديث خرّجه البخاريّ [ (1)]، و مسلم [ (2)] من حديث جويرية، عن معمر، عن الزهريّ، و عن عقيل، عن ابن شهاب، و عن شعيب عن الزهريّ.

و خرّجه مسلم [ (3)] و أبو داود [ (4)]، عن ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ. و خرّجه أبو داود [ (5)] عن أسامة بن زيد، عن الزهريّ، عن مالك بن أوس، و في بعضها طول، و في بعضها اختصار.

و وجه الدلالة أن هذا الخبر اقتضى ظاهره الفي‏ء جميعه ملك لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و اقتضى ظاهر الآية أن الفي‏ء كله يقسم على خمسة، فوجب الجمع بينهما على وجه لا تنافي فيه ليستويا جميعا، و هو أن يكون معنى الخبر أن أربعة

____________

[ (1)] (فتح الباري): 6/ 242- 243، كتاب فرض الخمس، باب (1) حديث رقم (3094) مطولا.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 12/ 315- 319، كتاب الجهاد و السير، حديث رقم (49).

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (1757).

[ (4)] (سنن أبي داود): 3/ 371- 372، كتاب الخراج و الإمارة و الفي‏ء، باب (19) في صفايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأموال، حديث رقم (2965).

و أخرجه الترمذيّ في الجهاد، في باب الفي‏ء، حديث رقم (1719)، و أخرجه النسائي في كتاب قسم الفي‏ء، حديث رقم (4145).

[ (5)]

(المرجع السابق): حديث رقم (2967)، و فيه، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و

سلّم): «ردوا عليهم نساءهم و أبناءهم، فمن مسك بشي‏ء من هذا الفي‏ء فإن له به علينا ست فرائض من أول شي‏ء يفيئه اللَّه علينا «ثم دنا- يعني النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- من بعير- فأخذ وبرة من سنامه، ثم قال: «يا أيها الناس، إنه ليس لي من هذا الفي‏ء شي‏ء، و لا هذا» و رفع إصبعيه «إلا الخمس، و الخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط و المخيط»، فقام رجل في يده كبة من شعر، فقال: أخذت هذه لأصلح بها برذعة لي، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «أما ما كان لي و لبني عبد المطلب فهو لك».

و أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 2/ 282- 283، حديث رقم (6690) من مسند عبد اللَّه بن عمرو- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

149

أخماس الفي‏ء خالص لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و معنى الآية أن خمسه مقسوم على خمسة. و اللَّه أعلم.

و خرّج أبو داود [ (1)] و الحاكم [ (2)] من حديث عمرو بن عبسة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لا يحل لي من غنائمكم مثل هذا إلا الخمس، و الخمس مردود فيكم.

قال الحاكم: و هو على شرط البخاريّ، و لنا وجه يشير إليه كلام الفورانى أن الخمس من الخمس يصرف بعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى خليفة الزمان [ (3)].

قال الإمام: و لم يصح عندي نسبته إلى أحد من الأصحاب، و على هذا الوجه إن صح لا تبقى خصوصية [ (4)].

قال مؤلفه: نقل ابن عبد البر أن مذهب أبي بكر، و عمر، في سهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و فيما كان له خاصة من صفاياه، و ما لم يوجف عليه بخيل، و لا ركاب، كأموال بني النضير، و فدك، و خيبر، أن ذلك في سبيل اللَّه على حسب ما كان سبيله في حياته، كان ينفق منه على عياله، و عامله سنة، ثم يجعل باقيه عدة في سبيل اللَّه، و أن هذا مذهب جمهور أهل الحديث و الرأى، و مذهب عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن ذلك لقيامهم بأمر المسلمين يصرفه فيما وليّ من مصالح المسلمين، و لذلك أقطعه مروان، و هو قول قتادة، و الحسن.

____________

[ (1)] راجع التعليقات السابقة.

[ (2)]

(المستدرك): 3/ 714، كتاب معرفة الصحابة، ذكر عمرو بن عبسة السلمي- رضي اللَّه تبارك و

تعالى عنه-، حديث رقم (6583)، و لفظه: صلى بنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من جنب البعير فقال: «إنه لا يحل لي من هذا المغنم مثل هذه إلا الخمس، و الخمس مردود عليكم». و قد حذفه الحافظ الذهبيّ من (التلخيص).

[ (3)] قال الحنفية: سقط سهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بموته، لأنه كان يأخذه بوصف الرسالة لا يوصف الإمامة، و هذا مخالف لجمهور الأئمة (الفقه الإسلامي و أدلته): 6/ 461، الفصل الثالث، حكم الأنفال و الغنائم.

[ (4)] راجع التعليق السابق.

150

الرابعة: دخوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة بلا إحرام‏

نقله صاحب (التلخيص) و غيره: أنه كان مباحا له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و في جوازه لغيره من غير غدر خلاف، و دليل ذلك ما خرّجه مسلم من حديث ابن الزبير، عن جابر أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دخل مكة و عليه عمامة سوداء بغير إحرام، و في رواية دخل يوم فتح مكة و عليه عمامة سوداء.

و ذكر ابن عبد البر في (الكفاية): أنه من دخل مكة مقاتلا لباغ أو قاطع طريق أو خائفا من ظالم يلزمه الإحرام.

و استدل بدخوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة عام الفتح، و على رأسه المغفر، لو كان محرما لم يلبسه، و قد كان خائفا من غدر الكفار، و عدم قبولهم الصلح الواقع بينه و بين أبي سفيان، و قد علمت ما في هذا الاستدلال؟ فإن دخوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بغير إحرام خاص به، و قوله: «لو كان محرما لم يلبسه، و قد كان خائفا من غدرهم» كلام غير مستقيم لأن المحرم الخائف يباح له اللبس قطعا، و كيف يقال: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يومئذ خائفا من غدر قريش؟ و اللَّه- تعالى- قد وعده بأن يعصمه منهم، و من غيرهم بقوله- تعالى-: وَ اللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ‏، و يترك الخوض عند ذلك فيما بينه.

151

الخامسة: أبيحت له مكة يوما واحدا

و دخلها كما تقدم بغير إحرام، و قتل من أهلها يومئذ نحو عشرين، منهم:

ابن خطل، و هو متعلق بأستار الكعبة [ (1)]، و قال القضاعي: إنه خصّ به سائر الأنبياء.

و خرّج البخاريّ و مسلم من حديث جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن طاوس، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة:

لا هجرة بعد الفتح، و لكن جهاد و نيّة و إذا استنفرتم فانفروا، و قال يوم فتح مكة: إن هذا البلد حرمه اللَّه يوم خلق السموات و الأرض فهو حرام بحرمة اللَّه، و أنه لم يحل القتال فيه لأحد قبلي، و لم يحل لي إلا ساعة من نهار فهو حرام بحرمة اللَّه إلى يوم القيامة. الحديث [ (2)].

____________

[ (1)]

(السنن الكبرى للبيهقيّ): 7/ 59- 60، كتاب النكاح، باب دخول الحرم بغير إحرام و القتل فيه، من

حديث ابن شهاب عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دخل عام الفتح، و على رأسه مغفر، فلما نزعه جاءه رجل فقال: يا رسول اللَّه! ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اقتلوه. رواه مسلم في الصحيح عن يحيى، و أخرجه البخاريّ من أوجه عن مالك.

[ (2)]

(جامع الأصول): 9/ 288- 290، النوع الثالث: في مكة و حرمها، حديث رقم (6900)، و تمامه: «.. لا يعضد شوكه، و لا ينفر صيده، و لا يلتقط لقطته، إلا من عرفها، و لا يختلي خلاه، فقال العباس: يا رسول اللَّه! إلا الإذخر، فإنه لقينهم و بيوتهم، فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إلا الإذخر» أخرجه البخاريّ في الحج، باب لا ينفر صيد الحرم، و باب فضل الحرم، و في الجنائز، باب الحشيش في القبر، و في البيوع، باب ما قيل في الصواغ، و في المغازي، باب مقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمكة زمن الفتح.

و أخرجه مسلم في الحج، باب تحريم مكة، و صيدها، و خلاها، و شجرها، و لقطتها إلا لمنشد على الدوام، و النسائي في الحج، باب حرمة مكة، و باب تحريم القتال فيها، و باب النهي أن ينفر صيد الحرم، و أخرجه أيضا أبو داود في المناسك، باب تحريم حرم مكة، حديث رقم (2018)، و إسناده صحيح.

152

و للبخاريّ من حديث خالد عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

إن اللَّه حرم مكة، فلم تحل لأحد قبلي، و لا تحل لأحد بعدي، و إنما حلت لي ساعة من نهار، و الحديث له طرف آخر [ (1)]، و هذا صريح في اختصاصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك دون من قبله من الأنبياء (عليهم السلام).

السادسة: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يورث و أن ما تركه صدقة

و به قطع أبو العباس الروياني، و قال الرافعي في (الشرح الصغير):

أنه المشهور، و على هذا هل يكون وقفا على ورثته؟ فيه وجهان: حكاهما الروياني في أيضا، فإن جعلناه وفقا، فهل هو الواقف؟ فيه وجهان‏

لقوله (عليه السلام): ما تركنا صدقة.

و أصحهما عند الإمام أنه باق على ملكه، ينفق منه على أهله كما كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينفقه في حياته، و وجه الإمام بأن الأنبياء- (عليهم السلام)- أحياء، قال: و كذلك كان أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- ينفق منه على أهله، و خدمه، و يصرفه فيما كان يصرفه في حياته.

قال النووي في (الروضة) [ (2)]: و هذا ضعيف، و الصواب الجزم بأنه زال ملكه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنه، و أن ما تركه فهو صدقه على المسلمين لا يختص به الورثة، و كيف يصح غير [ما ذكرته مع‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

«لا نورث ما تركناه فهو صدقة] [ (3)]

فإنه نص على زوال الملك. ثم إن الرافعي ذكر في قسم الفي‏ء و القسمة، أن خمس الفي‏ء كان له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينفق منه على نفسه، و أهله، و في مصالحه، و لم يكن يملكه، و لا ينقل منه إلى غيره أبدا، و هذا حكم منه بأن جهة الإنفاق غير مملوكة، خلاف ما ذكر هنا، و من الغريب ما ذكره صاحب‏

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] (روضة الطالبين): 5/ 351، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

[ (3)] ما بين الحاصرتين زيادة للسياق من (روضة الطالبين)، و في (الأصل): «غير ذلك مع الحديث الصحيح».