إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
153

(البيان) في آخر (إحياء الموات) عن الشيخ أبي حامد أن بعضهم قال: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما كان يملك شيئا و لا يأتي منه الملك، و إنما أبيح له ما يأكله، و ما يحتاج إليه، و غلطه أبو حامد لقوله- تعالى-: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى‏ فَلِلَّهِ وَ لِلرَّسُولِ‏ الآية، و قد أعتق (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صفيه، و استولد مارية، و قد عد الغزالي- (رحمه اللَّه)- هذه الخصلة من هذا الضرب.

قال الرافعي: كان المعنى فيه إن جعلها صدقة تورث زيادة القربة، و رفع الدرجات، وعدها الأكثرون من المكرمات، و على هذا يجوز له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يتصدق بجميع ماله بعد موته بخلاف أمته، و هذا ليس خاصا به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بل الأنبياء- (عليهم السلام)- لا تورث، لكنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يمتاز به من بين أمته، و لما ذكر القضاعيّ ما اختص به- (عليه السلام)- من بين الأنبياء. قال: و منها أن ماله كان بعد موته قائما على نفقته و ملكه، فجعل الخصوصية، من هذه الحيثية.

و اعلم أن ما ملكه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حياته كأموال بني النضير، و النصف من فدك، و الثلث من وادي القرى، و ثلاثة حصون من خيبر، [و أطم‏] الكتيبة، و [حصن‏] الوطيح، و [حصن‏] السّلالم فإنّها بعد وفاته كلها صدقة تصدق بها في حياته لا تورث عنه [ (1)].

____________

[ (1)] خرّج البيهقيّ في (السنن الكبرى): 7/ 64- 65، كتاب النكاح، باب كان ماله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد موته قائما على نفقته و ملكه، من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة- زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- أنها- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أخبرته أن فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، أرسلت إلى أبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- تسأله ميراثها من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مما أفاء اللَّه بالمدينة، و فدك، و ما بقي من خمس خيبر،

قال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لا نورث، ما تركناه صدقة، و إنما يأكل آل محمد في هذا المال، و إني و اللَّه لا أغير شيئا من صدقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن حالها التي كانت عليه في عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لأعملن فيها بما عمل به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ... و ذكر الحديث. رواه البخاري في الصحيح عن ابن بكير، و أخرجه مسلم من وجه آخر عن الليث.

154

و أما سهمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خمس الخمس من الفي‏ء و الغنيمة

فإنه مصروف بعده في المصالح، من الكراع، و السلاح، و أرزاق المقاتلة، و القضاة، و الأئمة، و عمارة المساجد، و قناطر السابلة.

و أما سهمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أربعة أخماس الفي‏ء [ (1)]

____________

[ ()] و عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لا يقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي، و مؤنة عاملي فهو صدقة. رواه مسلم في الصحيح عن ابن أبي عمر، و أخرجه البخاريّ من حديث مالك عن أبي الزناد. و ما بين الحاصرتين في هذه الفقرة زيادة لبيان أسماء الأماكن من (مغازي الواقدي).

[ (1)] خرّج البيهقيّ في (السنن الكبرى): 7/ 58- 59، من حديث سفيان عن عمرو بن دينار، عن الزهريّ، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: أرسل إليّ عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فدعاني فدخلت عليه و هو على رمال فقال: يا ملك، إنه قد نزل علينا دواف من قومك، فخذ هذا المال فاقسمه بينهم، فقلت: يا أمير المؤمنين! ول ذلك غيري، فقال: خذها عنك أيها الرجل، فجلست، فجاء يرفا، فقال: هل لك في عبد الرحمن، و طلحة، و الزبير، و سعد؟

قال: قل لهم: فليدخلوا، فدخلوا، فقال: هل لك في عليّ و عباس؟ قال: قل لهما: فليدخلا، فدخلوا، و كل واحد منهما يكلم صاحبه، فلما جلسوا قالوا: يا أمير المؤمنين، أقضي بينهما و أرحهما، قال: أنشدكما اللَّه الّذي بإذنه تقوم السموات و الأرض، هل علمتما

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: إنا لا نورث، ما تركناه صدقة،

يعني فقالا: نعم، ثم قال ذلك للآخرين، فقال القوم: نعم، قال: و قال إن أموال بني النضير كاتب مما أفاء اللَّه على رسوله مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل و لا ركاب، فكانت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خالصة ينفق منها على أهله نفقة سنة، و ما بقي جعله في الكراع و السلاح عدة في سبيل اللَّه، ثم هي للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة. و أخرجاه من حديث سفيان مختصرا. كتاب النكاح من (السنن الكبرى): 7/ 58- 59، باب ما أبيح له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من أربعة أخماس الفي‏ء و خمس خمس الفي‏ء و الغنيمة.

155

ففي تصرفه قولان:

أحدهما: في المقاتلة، فعلى هذا يصرف جميعه فيهم خاصة.

ثانيهما: أنه يصرف جميعه في المصالح كلها.

و أما الصفيّ فقد سقط حكمه فلا يستحقه أحد بعده (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فقد خرّج البخاري و مسلم و أبو داود من حديث مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أنها قالت: إن أزواج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين توفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يسألنه ميراثهن من النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فقالت عائشة لهن:

أ ليس قد قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا نورث ما تركنا صدقة؟ [ (1)].

____________

[ ()] و من حديث صفوان بن عيسى، عن أسامة بن زيد عن الزهريّ، عن مالك بن أوس، قال: كان فيما احتج به عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال: كانت لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثلاث صفايا: بنو النضير، و خيبر، و فدك، فأما بنو النضير، فكانت حبسا لنوائبه، و أما فدك فكانت حبسا لابن السبيل، و أما خيبر فجزأها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ثلاثة أجزاء، جزأين بين المسلمين، و جزءا لنفقة أهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المسلمين.

قال الشيخ- (رحمه اللَّه)-: و أما الخمس فالآية ناطقة به مع ما روينا في كتاب قسم الفي‏ء، و اللَّه تبارك و تعالى أعلم. (المرجع السابق).

[ (1)] أخرجه البخاريّ في الفرائض، باب‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا نورث ما تركناه صدقة،

و في الجهاد، باب المجن و من يتترس بترس صاحبه و فرض الخمس، و في المغازي باب حديث بني النضير، و مخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إليهم في دية الرجلين، و في تفسير سورة الحشر، باب قوله- تعالى-: ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى‏ رَسُولِهِ‏، و في النفقات، باب حبس الرجل قوت سنة على أهله، و في الاعتصام، باب ما يكره من التعمق و التنازع في العلم و الغلوّ في الدين و البدع.

156

____________

[ ()] و مسلم في الجهاد، باب حكم الفي‏ء، حديث رقم (1757)، و الترمذيّ في السير، باب ما جاء في تركة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حديث رقم (1610)، و أبو داود، حديث رقم (2963) و إسناده صحيح، و (2964) و إسناده صحيح، و (2965) و إسناده صحيح، و في الخراج و الإمارة، باب في صفايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأموال، و النسائي: 7/ 136- 137 في قسم الفي‏ء، و إسناده صحيح.

قال القاضي عياض: و قد تأول قوم طلب فاطمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- ميراثها من أبيها على أنها تأولت الحديث- إن كان بلغها- قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لا نورث» على الأموال التي لها بال، فهي التي لا تورث .. لا ما يتركوه من طعام، و أناث، و سلاح. و هذا التأويل خلاف ما ذهب إليه أبو بكر و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، و سائر الصحابة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم أجمعين-.

و أما

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ما تركت بعد نفقة نسائي، و مؤنة عاملي»

فليس معناه: إرثهن منه، بل لكونهن محبوسات عن الأزواج لسببه، أو لعظم حقهن في بيت المال لفظلهن، و قدم هجرتهن، و كونهن أمهات المؤمنين. و كذلك اختصصن بمساكنهن لم يرثها ورثتهن.

قال القاضي: و في ترك فاطمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- منازعة أبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بعد احتجاجه عليها بالحديث: التسليم للإجماع على القضية، و أنها لما بلغها الحديث، و بين لها التأويل، تركت رأيها، ثم لم يكن منها و لا من أحد من ذريتها بعد ذلك طلب الميراث. ثم لما ولى عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- الخلافة لم يعدل بها عما فعله أبو بكر و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- فدل على أن طلب عليّ و العباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- إنما كان طلب تولى القيام بها بأنفسهما، و قسمتها بينهما كما سبق.

قال: و أما ما ذكر من هجران فاطمة أبا بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، فمعناه: انقباضتها عن لقائه، و ليس هذا من الهجران المحرم، الّذي هو ترك السلام و الإعراض عند اللقاء، و لم ينقل قط أنهما التقيا فلم تسلم عليه و لا كلمته.

قال العلماء: و في هذا الحديث: أنه ينبغي أن يولي أمر كل قبيلة سيدهم، و يفوض إليه مصلحتهم، لأنه أعرف بهم و أرفق بحالهم، و أبعد من أن يأنفوا من الانقياد له. و لهذا قال اللَّه- سبحانه و تعالى-: فَابْعَثُوا حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَ حَكَماً مِنْ أَهْلِها [النساء: 35].

157

و لأبي داود من حديث أسامة بن زيد عن ابن شهاب بإسناده نحوه قالت:

قلت ألا تتقين اللَّه؟ أ لم تسمعن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: لا نورث ما تركنا فهو صدقة؟ و إنما هو المال لآل محمد، لنا بينهم و لضيفهم، فإذا مت فإلى من يلي الأمر من بعدي.

ذكره في كتاب الفي‏ء [ (1)].

و خرّج البخاريّ و مسلم من طريق معمر عن الزهريّ، عن عروة، عن عائشة، أن فاطمة و العباس آتيا أبا بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يلتمسان ميراثهما عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هما حينئذ يطلبان أرضيهما من فدك، و سهمهما من خيبر،

فقال أبو بكر: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

لا نورث، ما تركنا صدقة، إنما يأكل آل محمد من هذا المال.

قال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و اللَّه لا أدع أمرا رأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بصنعة فيه إلا صنعته، قال: فهجرته فاطمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- فلم تكلمه حتى ماتت [ (2)].

اللفظ للبخاريّ، خرّجه في الفرائض، و خرجه في المغازي في حديث بني النضير من طريق معمر بهذا الإسناد بمعناه و قال في آخره:

إنما يأكل آل محمد في هذا المال و اللَّه لقرابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحب إليّ أن أصل من قرابتي.

و خرّجه من حديث عقيل و صالح بن كيسان و معمر بأطول من هذا و أشبع، و هي كلها مما اتفق عليه. و لهما أيضا

من حديث ابن المبارك عن يونس، عن الزهري، عن الذهبيّ، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

لا نورث ما تركنا صدقة.

____________

[ ()] و فيه جواز نداء الرجل باسمه من غير كنية، و فيه جواز احتجاب المتولي في وقت الحاجة لطعامه أو وضوئه، و نحو ذلك، و فيه قبول خبر الواحد، و فيه استشهاد الإمام على ما يقوله بحضرة الخصمين العدول لتقوى حجته في إقامة الحق، و قمع الخصم. و اللَّه- تعالى- أعلم.

(جامع الأصول): 2/ 702- 703، هامش، 9/ 636- 640، الأحاديث.

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

158

و من حديث سفيان الثوري، عن أبي الزياد، عن الأعرج، عن أبي هريرة مثله سواء.

و من حديث حماد بن سلمة [ (1)]، عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:

جاءت فاطمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- إلي أبي بكر فقالت: من يرثك؟ قال: أهلي و ولدي قالت: فما لي لإرث أبي؟ فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: لا نورث،

و لكني أعول من كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعوله، و أنفق على من كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينفق عليه. قال أبو عيسى: حديث أبي هريرة، حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما أسنده حماد بن سلمة و عبد الوهاب بن عطاء بن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، و سألت محمدا عن هذا الحديث فقال: لا أعلم أحدا رواه عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، إلا حماد بن سلمة،

قال أبو عيسى: و روى عبد الوهاب بن عطاء عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة نحو حديث حماد بن سلمة فذكره، و لفظه:

أن فاطمة جاءت أبا بكر و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- تسأل ميراثها من رسول اللَّه فقالا: سمعنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

إني لا أورث، قالت: و اللَّه لا أكلمكما أبدا فماتت و لم تكلمهما.

قال علي بن عيسى: معنى لا أكلمكما: يعني في هذا الميراث أنتما صادقان.

قال مؤلفه: تأويل عليّ بن عيسى بن يزيد البغدادي هذا غير موافق عليه، فقد روي الليث، عن عقيل، عن أبي شهاب، عن عروة، عن عائشة

____________

[ (1)] أخرجه الترمذيّ في السير، باب ما جاء في تركة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (1608) و هو حديث حسن، و قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، إنما أسنده حماد بن سلمة و عبد الوهاب بن عطاء بن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: و قد روى هذا الحديث من غير وجه عن أبي بكر الصديق، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال الترمذيّ: و في الباب عن عمر و طلحة و الزبير، و عبد الرحمن بن عوف و سعد و عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم-. (جامع الأصول): 9/ 639 الحديث رقم (7439).

159

طلبت فاطمة ميراثها في أبيها من أبي بكر، و في الحديث: فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلمه حتى توفيت. اتفق البخاري و مسلم على إخراج هذا الحديث و هذه اللفظة فيه.

و روى إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كيسان، عن ابن شهاب هذا الحديث بهذا الإسناد و فيه: فغضبت فاطمة بنت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فهجرت أبا بكر فلم تزل مهاجرته حتى توفيت، و اتفقا أيضا على هذا الحديث و انفرد البخاريّ بهذا اللفظ دون مسلم.

و خرّج البخاريّ [ (1)] في فرض الخمس و الوصايا في الفرائض. و خرج مسلم [ (2)] في الجهاد و أبو داود في كتاب الفي‏ء من حديث مالك، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

لا تقتسم ورثتي دينارا ما تركت بعد نفقة نسائي و مؤنة عاملي فهو صدقة، فقال أبو داود: و مؤنة عاملي يعني اكرة الأرض.

و خرّجه مسلم أيضا من حديث سفيان عن أبي الزناد بهذا الإسناد نحوه [ (3)]،

و خرّج أبو عمر يوسف بن عبد البر حديث لا نورث من طرق عديدة، ثم قال:

فإن قال قائل لو سلمت فاطمة و علي و العباس ذلك لقول أبي بكر ما أتى على و العباس في ذلك عمر بن الخطاب في خلافته يسألانه ذلك، و قد علمت أنهما أتيا عمر يسألانه ذلك و ذلك معلوم.

____________

[ (1)] (جامع الأصول): 9/ 636، ميراث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما خلّفه، حديث رقم (7437) ثم قال في هامشه: رواه البخاريّ في الفرائض، باب‏

قول النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا نورث ما تركنا صدقة،

و في الوصايا، باب نفقة القيم للوقف، و في الجهاد، باب نفقة نساء النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد وفاته.

و أخرجه مسلم في الجهاد، باب‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا نورث ما تركناه صدقة،

حديث رقم (1760)، (1761)، و الموطأ: 2/ 993، في الكلام باب ما جاء في تركة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و أبو داود في الخراج و الإمارة، باب صفايا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، حديث رقم (2974).

[ (2)] راجع التعليق السابق.

[ (3)] راجع التعليق السابق.

160

قيل له: أما تشاجر علي و العباس و إقبالهما إلى عمر فمشهود، و لكنهما لم يسألا ذلك ميراثا، إنما سألا ذلك عن عمد ليكون بأيديهما منه ما كان بيد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منه أيام حياته، ليعملا في ذلك بالذي كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يعمل به في حياته، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأخذ منه قوت عامه ثم يجعل ما فضل في الكراع، و السلاح، عدة في سبيل اللَّه، و كذلك صنع أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فأراد عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- ذلك لأنه موضع يسوغ فيه الاختلاف، و أما الميراث و التمليك فلا يقوله أحد إلا الروافض، و أما علماء الإسلام فعلى قولين:

أحدهما: و هو الأكثر، و عليه الجمهور، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يورث و ما ترك صدقة.

و الآخر: أن بيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يورث، لأنه خصه اللَّه- عز و جل- بأن جعل ما له صدقه زيادة في فضله.

كما خصه في النكاح بأشياء حرمها عليه أباحها لغيره، و أشياء أباحها له حرمها على غيره، و هذا القول قاله بعض أهل البصرة، منهم ابن علية، و سائر علماء المسلمين على القول الأول. و أما الروافض فليس قولهم مما يشتغل به، و لا يحكى مثله، لما فيه من الطعن على السلف، و المخالفة لسبيل المؤمنين.

و خرج أيضا من حديث عبد اللَّه بن أبي أمية قال: قرئ على مالك، عن ابن شهاب، عن ابن مالك بن أوس بن الحدثان قال: سمعت عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يقول: حدثنا أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه سمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول‏

إنا معشر الأنبياء ما تركنا صدقة،

و من حديث الحميدي [ (1)]، حدثنا سفيان عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا صدقة بعد نفقة نسائي و مئونة عاملي.

____________

[ (1)]

(جامع الأصول): 9/ 636، حديث رقم (7437)، و لفظه: أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه

و سلّم) قال: «لا تقتسم ورثتي دينارا، ما تركت بعد نفقة نسائي و مئونة عاملي فهو صدقة».

161

و قد خرّج هذا الحديث أبو عبد الرحمن النسائي في (السنن الكبير) من حديث الزبير و غيره.

السابعة: كان له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقضي بعلمه و في غير خلاف مشهود حاصله ثلاثة أقوال لجواز المنع، و في غير الحدود، و شاهد حكمه (عليه السلام) بعلمه حديث هند بنت عتبة

خرّج البخاري [ (1)] و مسلم [ (2)] من حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

جاءت هند بنت عتبة إلى‏

____________

[ (1)] رواه البخاريّ في البيوع، باب من أجرى أمر الأنصار على ما يتعارفون بينهم، و في المظالم، باب قصاص المظلوم إذا وجد مال ظالمه، و في النفقات، باب نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها، و نفقة الولد، و باب إذا لم ينفق الرجل فللمرأة أن تأخذ بغير علمه ما يكفيها و ولدها بالمعروف، و باب‏ وَ عَلَى الْوارِثِ مِثْلُ ذلِكَ‏، و في الإيمان و النذور، باب كيف كانت يمين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و في الأحكام، باب من رأى للقاضي أن يحكم بعلمه في أمر الناس إذا لم يخف الظنون و التهمة، و باب القضاء على الغائب.

[ (2)] و مسلم في الأقضية، باب قضية هند، حديث رقم (1714)، و أبو داود في البيوع، باب في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، حديث رقم (3532)، و النسائي في القضاة، باب قضاء الحاكم على الغائب إذا عرفه، 8/ 246.

قال الإمام النووي: في هذا الحديث فوائد، منها: وجوب نفقة الزوجية، و منها وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار، و منها أن النفقة مقدرة بالكفاية لا بالأمداد، و مذهب أصحابنا أن نفقة القريب مقدرة بالكفاية كما هو ظاهر هذا الحديث، و نفقة الزوجة مقدرة بالأمداد: على الموسر كل يوم مدّان، و على المعسر مدّ، و على المتوسط مدّ و نصف، و هذا الحديث يرد على أصحابنا.

و منها جواز سماع الأجنبية عند الإفتاء و الحكم، و كذا ما في معناه، و منها جواز ذكر الإنسان بما يكرهه إذا كان للاستفتاء و الشكوي، و نحوهما، و منها أن من له على غير حق و هو

162

____________

[ ()] عاجز عن استيفائه، يجوز له أن يأخذ من ماله قدر حقه بغير إذنه، و هذا مذهبنا، و منع ذلك أبو حنيفة و مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

و منها جواز إطلاق الفتوى، و يكون المراد تعليقا بثبوت ما يقوله المستفتي، و لا يحتاج المفتي أن يقول: إن ثبت كان الحكم كذا و كذا، بل يجوز له الإطلاق كما أطلق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فإن قال ذلك فلا بأس.

و منها أن للمرأة مدخلا في كفالة أولادها و الإنفاق عليهم من مال أبيهم. قال أصحابنا: إذا امتنع الأب من الإنفاق على الصغير، أو كان غائبا، أذن القاضي لأمة في الأخذ من آل الأب أو الاستقراض عليه، و الإنفاق على الصغير، بشرط أهليتها، و هل لها الاستقلال بالأخذ من ماله بغير إذن القاضي؟ فيه وجهان مبنيان على وجهين لأصحابنا في أن إذن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لهند امرأة أبي سفيان إفتاء أم قضاء، و الأصح أنه كان إفتاء، و أن هذا يجري في كل امرأة أشبهتها فيجوز، و الثاني: كان قضاء، فلا يجوز لغيرها إلا بإذن القاضي، و اللَّه- تعالى- أعلم.

و منها اعتماد العرف في الأمور التي ليس فيها تحديد شرعيّ، و منها جواز خروج المزوجة من بيتها لحاجتها إذا أذن لها زوجها في ذلك أو علمت رضاه.

و استدل به جماعات من أصحابنا و غيرهم على جواز القضاء على الغائب، و في المسألة خلاف للعلماء، قال أبو حنيفة و سائر الكوفيين لا يقضي عليه بشي‏ء. و قال الشافعيّ و الجمهور:

يقضي عليه في حقوق الآدميين، و لا يقضي في حقوق اللَّه- تعالى-.

و لا يصح الاستدلال بهذا الحديث للمسألة، لأن هذه القضية كانت بمكة، و كان أبو سفيان حاضرا بها، و شرط القضاء على الغائب أن يكون غائبا عن البلد، أو مستترا لا يقدر عليه، أو متعذرا، و لم يكن هذا الشرط في أبي سفيان موجودا، فلا يكون قضاء على الغائب، بل هو إفتاء كما سبق و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم. (شرح مسلم).

قال القاضي عياض- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: أرادت بقولها: أهل خباء، نفسه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فكنت عنه بأهل الخباء إجلالا له (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال: و يحتمل أنها تريد بأهل الخباء أهل بيته، و الخباء يعبر عن مسكن الرجل و داره.

و أما

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و أيضا و الّذي نفسي بيده،

فمعناه و ستزيدين من ذلك، و يتمكن الإيمان من قلبك، و يزيد حبك للَّه و لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و يقوى رجوعك عن بعضه، و أصل هذه اللفظة: آض يئض أيضا إذا رجع. و رجل مسيك، أي شحيح و بخيل.

163

النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت: و اللَّه يا رسول اللَّه ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ من أن يذلهم اللَّه، و قال البخاريّ: أن يذلوا من أهل خبائك، و ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي أن يعزهم اللَّه من أهل خبائك، و قال البخاريّ: إن يعزوا من أهل خبائك، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و أيضا و الّذي نفسي بيده، ثم قالت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل ممسك، و قال البخاريّ:

مسيك، فهل عليّ من حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه؟ فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف.

و قال البخاريّ:

فهل عليّ من حرج من أن أطعم من الّذي له عيالنا؟ قال لها: لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف و لم يقل في الحديث: و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و أيضا و الّذي نفسي بيده.

و خرّجه البخاريّ في الأحكام، و ترجم عليه باب القضاء على الغائب و حكم القاضي بعلمه إذا لم يخف الظنون و التهمة، كما قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لهند:

خذي ما يكفيك و ولدك بالمعروف و ذلك إذا كان مشهودا.

و خرّجه في كتاب النذور و الإيمان و في كتاب المناقب و ذكره في كتاب النفقات [ (1)] مختصرا. و خرّجاه أيضا من طريق هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة.

و خرّجه النسائي أيضا [ (2)]، و استدل به البيهقيّ [ (3)] قد اختلف في قوله (عليه السلام)

خذي من ماله ما يكفيك بالمعروف‏

و هل هو قضاء أو إفتاء جزم الرافعي و النووي في (الروضة) [ (4)] على أنه قضاء، ذكره النووي في القضاء على‏

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

[ (3)] (السنن الكبرى): 7/ 66- 67، كتاب النكاح، باب ما أبيح له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من القضاء، بعلمه، و في قضاء غيره بعلم نفسه قولان.

[ (4)] (روضة الطالبين): 5/ 352، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

164

الغائب، و ذكره في نفقة الأقارب أنه إفتاء و هو مبني على أنه كان أبو سفيان حاضرا أو غائبا و فيه قولان [ (1)].

قال الخطابي [ (2)] و قد ذكر الحديث: و فيه جواز الحكم بعلمه و ذلك أنه لم يكلفها البينة فيما ادعته من ذلك، إذ كان قد علم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما بينهما من الزوجية، و أنه كان كالمستفيض عندهم بخل أبي سفيان، و ما كان ينسب إليه من الشح، و ظاهر إطلاق الأصحاب أن له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يقضي بعلمه مطلقا سواء الحدود و غيرها.

____________

[ (1)] سبق أن أشرنا إليه مستفيضا.

[ (2)] (معالم السنن): 3/ 803، كتاب البيوع و الإجارات، باب (81) في الرجل يأخذ حقه من تحت يده، شرح الحديث رقم (3532)، ثم قال: و فيه جواز أن يقضي الرجل حقه من مال عنده لرجل له عليه حق يمعنه منه، و سواء كان ذلك من جنس حقه أو من غير جنس حقه، و ذلك لأن معلوما أن منزل الرجل الشحيح لا يجمع كل ما يحتاج إليه من النفقة و الكسوة و سائر المرافق التي تلزمه لهم، ثم أطلق إذنها في أخذ كفايتها و كفاية أولادها من ماله، و يدل على صحة ذلك قولها في غير هذه الرواية: «إن أبا سفيان رجل شحيح و أنه لا يدخل عليّ بيتي ما يكفيني و ولدي».

قال الشيخ: و قد استدل بعضهم من معنى هذا الحديث على وجوب نفقة خادم المرأة على الزوج، قال: و ذلك أن أبا سفيان رجل رئيس في قومه، و يبعد أن يتوهم عليه أن يمنع زوجته نفقتها، و يشبه أن يكون ذلك منه في نفقة خادمها، فوقعت الإضافة في ذلك إليها، إذا كانت الخادم داخلة في ضمنها، و معدودة في جملتها. و اللَّه- تبارك و تعالى- أعلم. (معالم السنن).

165

الثامنة: كان له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يحكم لنفسه و لولده على الأصح لأنه معصوم و في من عداه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وجه في حكمه لولده‏

حكاه الماوردي و حكى معه وجها آخر أنه يجوز، و جعل القضاعي هذا الخصوصية و الآتية بعدها مما خصّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بهما من بين سائر الأنبياء، و يستدل لذلك بقوله- تعالى-: فَلا وَ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَ يُسَلِّمُوا تَسْلِيماً [ (1)] فإنه يشمل قضاءه لنفسه، و لولده، و من ذلك أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان لا يكره له الفتوى و الحكم في حال الغضب، لأنه لا يخاف عليه من الغضب ما يخاف علينا، ذكره النووي في (شرح مسلم) في كتاب اللقطة [ (2)].

التاسعة: كان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقبل شهادة من يشهد له‏

خرَّج أبو داود [ (3)] من حديث أبي اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري، عن عمارة بن خزيمة أنّ عمه حدثه- و هو من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)-

أن النبي‏

____________

[ (1)] النساء: 65.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 12/ 268، كتاب اللقطة، شرح الحديث رقم (1723)، حيث قال:

و فيه جواز الفتوى و الحكم في حال الغضب، و أنه نافذ، لكن يكره ذلك في حقنا، و لا يكره في حق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، لأنه لا يخاف عليه في الغضب ما يخاف علينا، و اللَّه- تعالى- أعلم.

[ (3)] (سنن أبي داود): 4/ 31- 32، كتاب الأقضية، باب (20) إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد، يجوز له أن يحكم به، حديث رقم (3607)، قال الشيخ: هذا حديث يضعه كثير من الناس غير موضعه، و قد تذرع به قوم من أهل البدع إلى استحلال الشهادة لمن عرف عنده بالصدق على كل شي‏ء ادعاه، و إنما وجه الحديث و معناه أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنما حكم على الأعرابي بعلمه إذ كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صادقا بارا في قوله، و جرت شهادة خزيمة في ذلك مجرى التوكيد

166

(صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابتاع فرسا من أعرابي فاستتبعه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليقضيه ثمن الفرس، فأسرع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المشي و أبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي، فيساومونه بالفرس و لا يشعرون أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابتاعه، فنادى الأعرابي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: إن كنت مبتاعا هذا الفرس و إلا بعته؟ فقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين سمع نداء الأعرابي.

فقال: أو ليس قد ابتعته منك؟ قال: لا و اللَّه ما بعتكه، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

بلى قد ابتعته منك، فطفق الأعرابي يقول: هلم شهيدا، فقال خزيمة بن ثابت:

أنا أشهد أنك قد بايعته، فأقبل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على خزيمة فقال: بم تشهد؟ فقال:

بتصديقك يا رسول اللَّه، فجعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شهادة خزيمة بشهادة رجلين.

ترجم عليه باب إذا علم الحاكم صدق الشاهد الواحد يجوز له أن يقضي به.

و في صحيح البخاريّ ما يؤيد قصة خزيمة هذه، قال في تفسير سورة الأحزاب [ (1)]: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب، عن الزهريّ قال: أخبرني‏

____________

[ ()] لقوله، و الاستظهار بها على خصمه، فصارت في التقدير شهادته له و تصديقه إياه على قوله كشهادة رجلين في سائر القضايا. (معالم السنن).

و أخرجه النسائي في البيوع، باب (81) التسهيل في ترك الإشهاد على البيع، حديث رقم (4661).

قال الحافظ المنذري: و هذا الأعرابي: هو سواء بن الحارث، و قيل: سواء بن قيس المحاربي، ذكره غير واحد من الصحابة، و قيل: إنه جحد البيع بأمر بعض المنافقين، و قيل:

إن هذا الفرس هو «المرتجز» المذكور في أفراس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

قال الحافظ السندي في (حاشيته على سنن النسائي): و المشهور أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رد الفرس بعد ذلك على الأعرابي فمات من ليلته عنده. و اللَّه- تعالى- أعلم.

و أخرجه أيضا الإمام أحمد في (المسند): 6/ 282- 283، حديث رقم (21376) من حديث خزيمة بن ثابت الأنصاري، بسياقة أتم.

[ (1)] (فتح الباري): 8/ 644- 645، كتاب التفسير، باب (3) فَمِنْهُمْ مَنْ قَضى‏ نَحْبَهُ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَ ما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا [الأحزاب: 23]، حديث رقم (4784).

167

خارجة بن زيد بن ثابت قال: لما نسخنا الصحف في المصاحف فقدت آية من سورة الأحزاب كنت كثيرا أسمع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقرأها، لم أجدها عند أحد إلا مع خزيمة الأنصاريّ الّذي جعل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شهادته شهادة رجلين‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ‏ و في هذا الحديث التصريح بأنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل شهادة من شهد له. و مقتضى إطلاق صاحب (الحاوي الصغير) أن من خصائصه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أيضا قبول شهادة من شهد لولده أيضا و به صرح المروذيّ في (توضيحه الكبير) و له أيضا أن يشهد لنفسه و لولده [ (1)] (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فلو قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لفلان على فلان كذا، فيه وجهان.

____________

[ ()] قال الحافظ في (الفتح): هذا يدل على أن زيدا لم يكن يعتمد في جمع القرآن على علمه، و لا يقتصر على حفظه، لكن فيه إشكال، لأن ظاهره أنه اكتفى مع ذلك بخزيمة وحده و القرآن إنما يثبت بالواتر، و الّذي يظهر في الجواب أن الّذي أشار إليه أن فقده فقد وجودها مكتوبة، لا فقد وجودها محفوظة، بل كانت محفوظة عنده و عند غيره، و يدل على هذا قوله في حديث جمع القرآن: «فأخذت أتتبعه في الرقاع و العسب».

و في هذا الحديث فضيلة الفطنة في الأمور، و أنها ترفع منزلة صاحبها، لأن السبب الّذي أبداه خزيمة حاصل في نفس الأمر يعرفه غيره من الصحابة، و إنما هو لما اختصّ بتفطنه لما غفل عنه غيره، مع وضوحه، جوزي على ذلك بأن خصّ بفضيلة من شهد له خزيمة أو عليه فحسبه.

[ (1)] (روضة الطالبين): 5/ 352، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره. و أخرجه أيضا البيهقيّ في (السنن الكبرى): 7/ 66، كتاب النكاح، باب ما أبيح له من الحكم لنفسه، و قبول شهادة من شهد له بقوله، و إن جاز ذلك جاز أن يحكم لولده، و ولد ولده.

168

العاشرة: كان له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يحمي لنفسه و لم يقع ذلك و ليس للأئمة بعده و لا لغيره أن يحموا لأنفسهم‏

ذكر القضاعي هذه الخصيصة بما خص به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دون من قبله من الأنبياء، و قد اختلف فيما حماه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للمسلمين، فالصحيح أنه لا ينقض بحال لأنه نص، و قيل إن بقيت الجماعة التي حمى لها لم ينقض، و إن زالت فوجهان: أصحهما المنع أيضا، لأنه تغيير للمقطوع بصحته باجتهاد محتمل للخطإ، و أما الإمام بعده فله نقض ما حماه للحاجة على الأصح [ (1)].

____________

[ (1)] خرّج البيهقيّ من حديث يحيى بن بكير، حدثنا الليث بن سعد، حدثني يونس بن زيد عن ابن شهاب، عن عبيد اللَّه بن عتبة، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-، أن الصعب بن جثامة قال: قال- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: لا حمى إلا للَّه و رسوله، قال:

و بلغنا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حمى البقيع [أو النقيع‏]، و أن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- حمى الشرف و الرَّبَذَة. ثم قال: رواه البخاريّ عن يحيى بن بكير في (السنن الكبرى): 7/ 59، كتاب النكاح، باب الحمى له خاصة في أحد القولين، ثم قال في باب دوام الحمى له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة: قد روينا في كتاب الحج مرفوعا و موقوفا في حمى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه لا يخبط، و لا يعضد، و لكن يهش هشا. (المرجع السابق).

قال في هامش (جامع الأصول): أخرجه البخاريّ في الحرث و المزارعة، باب لا حمى إلا للَّه- تعالى- و رسوله، و في الجهاد، باب أهل الدار يبيتون فيصاب الوالدان و الذراري، و أبو داود في الخراج و الإمارة، باب في الأرض يحميها الإمام أو الرجل، حديث رقم (3083)، (3084).

169

الحادية عشر: له (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يأخذ الطعام و الشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إليهما و على مالكهما البذل و يفدي مهجة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمهجته صيانة لمهجة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و وقاية لنفسه الكريمة بالأموال و الأرواح‏

قال اللَّه- جل جلاله-: النَّبِيُّ أَوْلى‏ بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ‏ [ (1)] قال ابن قتيبة: يريد إذا دعاهم إلى أمر و دعتهم أنفسهم إلى خلاف ذلك الأمر كانت طاعته أولى بهم من طاعتهم لأنفسهم.

و ذكر الفورانيّ و إبراهيم المروذيّ و غيرهما، أنه لو قصده (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ظالم وجب على من حضره أن يبذل نفسه دونه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (2)]، و دليله وقاية طلحة بن عبيد اللَّه له بنفسه يوم أحد، و عد القضاعيّ هذه الخصوصية مما خصّ به دون غيره من الأنبياء، و في هذه المسألة نظر فإن قاصد نفس المصطفى (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إما كافر، و إما مسلم، فإن كان كافرا فذلك ليس من الخصوصيات، إلا على طريقه ذكرها الإمام عن الأصوليين، هي أضعف الطرق، و إن كان مسلما فهو بنفس هذا القصد كافر، فتأمله.

____________

[ (1)] الأحزاب: 6.

[ (2)] (روضة الطالبين): 5/ 352، كتاب النكاح، باب في خصائص رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في النكاح و غيره.

170

المسألة الثانية عشر: أنه يجب على أمته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يحبوه‏

قال اللَّه- تعالى-: قُلْ إِنْ كانَ آباؤُكُمْ وَ أَبْناؤُكُمْ وَ إِخْوانُكُمْ وَ أَزْواجُكُمْ وَ عَشِيرَتُكُمْ وَ أَمْوالٌ اقْتَرَفْتُمُوها وَ تِجارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسادَها وَ مَساكِنُ تَرْضَوْنَها أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَ رَسُولِهِ وَ جِهادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَ اللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ‏ [ (1)]، قال القاضي عياض: يكفي بهذا حضا و تنبيها و دلالة و حجة على إلزام محبته، و وجوب فرضها، و عظم خطرها، و استحقاقه لها (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ قرّع تعالى من كان ماله، و أهله، و ولده، أحب إليه من اللَّه و رسوله، و أوعدهم بقوله: فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ‏، ثم [فسقهم‏] [ (2)] بتمام الآية، و أعلمهم أنهم ممن ضل و لم يهده اللَّه [ (3)].

____________

[ (1)] التوبة: 24.

[ (2)] في (الأصل): «خشعهم» و صوبناها من (الشفا).

[ (3)] (الشفا بتعريف حقوق المصطفى): 2/ 14- 15، الباب الثاني في لزوم محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قال الملا على القاري في (شرح الشفا): و اعلم أن المراد بالحب هنا ليس الحب الطبيعي التابع لهوى النفس، فإن محبة الإنسان لنفسه من حيث الطبع أشد من محبة غيره، و كذا محبة ولده و والده أشد من محبة غيرهما، و هذا الحب ليس بداخل تحت اختيار الشخص، بل خارج عن حد الاستطاعة، فلا مؤاخذة به لقوله- تعالى-: لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها بل المراد الحب العقلي الاختياري، الّذي هو إيثار ما يقتضي العقل رجحانه، و إن كان على خلاف الطبع، ألا ترى أن المريض يكره الدواء المر بطبعه، و مع ذلك يميل إليه باختياره و يهوى تناوله بمقتضى عقله، لما علم أو ظنّ أن صلاحه فيه؟.

و كذلك المؤمن إذا علم أن الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يأمر و لا ينهى إلا بما فيه صلاح دينه، و دنياه، و آخرته، و عقباه، و تيقن أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أشفق الناس عليه و ألطفهم إليه، و حينئذ يرجح جانب أمره بمقتضى عقله على أمر غيره، و هذا أول درجات الإيمان.

و أما كماله: فهو أن يصير طبعه تابعا لعقله في حبه (صلّى اللَّه عليه و سلّم). قيل: و من محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نصر سنته، و الذب عن شريعته، و الاقتداء بسيرته (صلّى اللَّه عليه و سلّم). (شرح الشفا): 2/ 34.

171

خرّج مسلم [ (1)] من حديث إسماعيل بن علية، و عبد الوارث كلاهما عن عبد العزيز، عن أنس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لا يؤمن عبد، و في حديث عبد الوارث: الرجل، حتى أكون أحب إليه من أهله، و ماله، و الناس أجمعين.

و خرّج من حديث شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده و والده و الناس أجمعين [ (2)].

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 2/ 374- 375، كتاب الإيمان، باب (16) وجوب محبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أكثر من الأهل، و الولد، و الوالد، و الناس أجمعين، و إطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة، حديث رقم (69).

[ (2)] (المرجع السابق) حديث رقم (70). قال الإمام أبو سليمان الخطابي: لم يرد به حب الطبع، بل أراد به حب الاختيار، لأن حب الإنسان نفسه طبع، و لا سبيل إلى قلبه. قال: فمعناه: لا تصدق في حبي حتى تفنى في طاعتي نفسك، و تؤثر رضاي على هواك، و إن كان فيه هلاكك.

هذا كلام الخطابيّ.

و قال ابن بطال، و القاضي عياض، و غيرهما- رحمة اللَّه عليهم-: المحبة ثلاثة أقسام: محبة إجلال و إعظام، كمحبة الوالد، و محبة شفقة و رحمة كمحبة الولد، و محبة مشاكلة و استحسان كمحبة سائر الناس، فجمع أصناف المحبة في محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

قال ابن بطال- (رحمه اللَّه)-: و معنى الحديث: أن كل من استكمل الإيمان علم أن حق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) آكد عليه من حق أبيه و ابنه و الناس أجمعين، لأن به (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استنقذنا من النار، و هدينا من الضلال.

قال القاضي عياض- (رحمه اللَّه)-: و من محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نصرة سنته، و الذب عن شريعته، و تمنى حضور حياته، فيبذل ماله و نفسه دونه. قال: و إذا تبين ما ذكرناه، تبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا بذلك، و لا يصح الإيمان إلا بتحقيق إعلاء قدر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و منزلته على كل والد، و ولد، و محسن، و مفضل، و من لم يعتقد هذا و اعتقد سواه، فليس بمؤمن، هذا كلام القاضي عياض- (رحمه اللَّه)- و اللَّه تبارك و تعالى أعلم. (مسلم بشرح النووي).

172

و خرّج البخاريّ من حديث ابن علية، عن عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبّ إليه من والده، و ولده، و الناس أجمعين [ (1)].

ذكره في باب حب الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الإيمان، و خرّج فيه من طريق شعيب قال: حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

و الّذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده، و ولده [ (2)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 1/ 80، كتاب الإيمان، باب (8) حب الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الإيمان، حديث رقم (15).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (14)، و في هذا الحديث إيماء إلى فضيلة التفكر، فإن الأحبية المذكورة تعرف به، و ذلك أن محبوب الإنسان إما نفسه و إما غيرها، أما نفسه فهو أن يريد دوام بقائها سالمة من الآفات، هذا هو حقيقة المطلوب. و أما غيرها فإذا حقق الأمر فيه فإنما هو بسبب تحصيل نفع ما، على وجوهه المختلف حالا و مالا، فإذا تأمل النفع الحاصل له من جهة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الّذي أخرجه من ظلمات الكفر إلى نور الإيمان، إما بالمباشرة، و إما بالسبب، علم أنه سبب بقاء نفسه البقاء الأبديّ، في النعيم السرمديّ، و علم أن نفعه بذلك أعظم من جميع وجوه الانتفاعات، فاستحق لذلك أن يكون حظه من محبته أوفر من غيره. لأن النفع الّذي يثير المحبة حاصل منه أكثر من غيره، و لكن الناس يتفاوتون في ذلك بحسب استحضار ذلك و الغفلة عنه.

و لا شك أن حظ الصحابة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- من هذا المعنى أتم، لأن هذا ثمرة المعرفة، و هم بها أعلم، و اللَّه الموفق.

و قال القرطبيّ: كل من آمن بالنبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إيمانا صحيحا لا يخلو عن وجدان شي‏ء من تلك المحبة الراجحة، غير أنهم متفاوتون. فمنهم من أخذ من تلك المرتبة بالحظ الأوفى، و منهم من أخذ منها بالحد الأدنى، كمن كان مستغرقا في الشهوات، محجوبا في الغفلات، أكثر الأوقات، لكن الكثير منهم إذا ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اشتاق إلى رؤيته، بحيث لا يؤثرها على أهله، و ولده، و ماله، و والده، و يبذل نفسه في الأمور الخطيرة، و يجد مخبر ذلك من نفسه وجدانا لا تردد فيه، و قد شوهد من هذا الجنس من يؤثر زيارة قبره و رؤية مواضع آثاره على جميع ما

173

و خرّج في كتاب الأيمان و النذور [ (1)] من طريق ابن وهب قال: أخبرني حيوة قال: حدثني أبو عقيل زهرة بن معبد، أنه سمع جده عبد اللَّه بن هشام، قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو آخذ بيد عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال عمر: يا رسول اللَّه، لأنت أحبّ إليّ من كل شي‏ء إلا نفسي، فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا و الّذي نفسي بيده حتى أكون أحب إليك من نفسك، فقال له عمر: فإنه الآن و اللَّه لأنت أحب إليّ من نفسي، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): الآن يا عمر.

و ذكره أيضا بهذا الإسناد في مناقب عمر [ (2)]، و في كتاب الاستئذان [ (3)]، و انتهى منه إلى قوله: بيد عمر بن الخطاب.

و خرّج البخاريّ و مسلم من حديث عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، من كان اللَّه و رسوله أحب عليه مما سواهما، و أن يحب المرء لا

____________

[ ()] ذكر، لما وقر في قلوبهم من محبته، غير أن ذلك سريع الزوال بتوالي الغفلات، و اللَّه المستعان. (فتح الباري).

[ (1)] (فتح الباري): 11/ 641- 642، كتاب الإيمان و النذور، باب (3) كيف كانت يمين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ و

قال سعد: قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «و الّذي نفسي بيده»،

و قال أبو قتادة: قال أبو بكر عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لاها اللَّه إذا. يقال: و اللَّه، باللَّه، و تاللَّه، حديث رقم (6632).

قال الخطابيّ: حب الإنسان نفسه طبع، و حب غيره اختيار بتوسط الأسباب، و إنما أراد- (عليه السلام)- حب الاختيار، إذا لا سبيل إلى قلب الطباع و تغييرها عما جبلت عليه.

قال الحافظ: فعلى هذا فجواب عمر أولا كان بحسب الطبع، ثم تأمل فعرف بالاستدلال أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أحب إليه من نفسه لكونه السبب في نجاتها من المهلكات في الدنيا و الأخرى، فأخبر بما اقتضاه الاختيار، و لذلك حصل الجواب بقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «الآن يا عمر» أي الآن عرفت فنطقت بما يحب. (فتح الباري).

[ (2)] (فتح الباري): 7/ 53، كتاب فضائل أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، باب (6) مناقب عمر بن الخطاب أبي حفص القرشيّ العدويّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، حديث رقم (3694).

[ (3)] (فتح الباري): 11/ 64، كتاب الاستئذان، باب (27) المصافحة، حديث رقم (6264).

174

يحبه إلا للَّه، و أن يكره أن يعود في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه، كما يكره أن يقذف في النار [ (1)].

و قال البخاريّ [ (2)]: أن يكون اللَّه و رسوله، و لم يقل: بعد أن أنقذه اللَّه منه.

و أخرجاه من حديث شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

ثلاث من كن فيه وجد طعم الإيمان، من كان يحب المرء لا يحبه إلا للَّه، و من كان اللَّه و رسوله أحب إليه مما سواها، و من كان أن يلقى في النار أحب إليه من أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه اللَّه منه [ (3)].

و قال البخاريّ: وجد حلاوة الإيمان، و من كان اللَّه و رسوله أحب إليه مما سواهما، و من أحب عبدا لا يحبه إلا اللَّه، و من يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه اللَّه كما يكره أن يلقى في النار.

ترجم عليه باب من كره أن يعود في الكفر، كما يكره أن يلقى في النار، في كتاب الإيمان [ (4)].

و خرّجه في كتاب الأدب، في باب الحب في اللَّه من حديث شعبة [ (5)]، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لا يجد أحد حلاوة

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 2/ 372، كتاب الإيمان، باب (15) بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، حديث رقم (67).

[ (2)] (فتح الباري): 1/ 82، باب (9) حلاوة الإيمان، حديث رقم (16).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 2/ 373، كتاب الإيمان، باب (15) بيان خصال من اتصف بهن وجد حلاوة الإيمان، حديث رقم (68).

[ (4)] (فتح الباري): 1/ 98، باب (14)، حديث رقم (21).

[ (5)] (فتح الباري): 10/ 567- 568، كتاب الأدب، باب (42) الحب في اللَّه، حديث رقم (6041)، و أخرجه أيضا في كتاب الإكراه، باب (1) من اختار الضرب و القتل و الهوان على الكفر، حديث رقم (6941).

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان ...»

هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام، قال العلماء- (رحمهم اللَّه تعالى) -: معنى حلاوة الإيمان استلذاذ

175

الإيمان حتى يحب المرء لا يحبه إلا اللَّه، و حتى أن يقذف في النار أحب إليه من أن يرجع إلى الكفر بعد أن أنقذه اللَّه، و حتى يكون اللَّه و رسوله أحب إليه مما سواهما.

و لمسلم من حديث النضر بن شميل قال: حدثنا حماد، عن ثابت، عن أنس قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنحو حديثهم غير أنه قال من رجع يهوديا أو

____________

[ ()] الطاعات، و تحمل المشقات، في رضي اللَّه- عزّ و جل و رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و إيثار ذلك على عرض الدنيا و محبة العبد ربه- سبحانه و تعالى- بفعل طاعته، و ترك مخالفته، و كذلك محبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

قال القاضي- (رحمه اللَّه)-: هذا الحديث بمعنى الحديث المتقدم، ذاق طعم الإيمان، من رضي باللَّه ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد رسولا، و ذلك أنه لا يصح المحبة للَّه و رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حقيقة، و حب الآدميّ في اللَّه و رسوله، و كراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوى بالإيمان يقينه، و اطمأنت به نفسه، و انشرح له صدره، و خالط لحمه و دمه، و هذا الّذي وجد حلاوته.

قال: و الحب في اللَّه ثمرات حب اللَّه، قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب على ما يرضى الرب سبحانه، فيحب ما أخب، و يكره ما كره. و اختلفت عبارات المتكلمين في هذا الباب بما لا يؤول إلى اختلاف إلا في اللفظ، و بالجملة: أصل المحبة الميل إلى ما يوافق المحب، ثم الميل قد يكون لما يستلذه الإنسان و يستحسنه، كحسن الصورة، و الصوت، و الطعام، و نحوها، و قد يستلذه بعقله للمعاني الباطنة كمحبة الصالحين، و العلماء، و أهل الفضل مطلقا، و قد يكون لإحسانه إليه، و دفعه المضار و المكاره عنه، و هذه المعاني كلها موجودة في النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما جمع من جمال المظاهر و الباطن، و كمال خلال الجلال، و أنواع الفضائل، و إحسائه إلى جميع المسلمين، بهدايته إياهم إلى الصراط المستقيم، و دوام النعم، و الإبعاد.

و قد أشار بعضهم إلى أن هذا متصور في حق اللَّه- تعالى-، فإن الخير كله منه- سبحانه و تعالى-.

قال مالك و غيره: المحبة في اللَّه من واجبات الإسلام، هذا كلام القاضي- (رحمه اللَّه)-. و اما قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يعود أو يرجع، فمعناه يصير، و قد جاء العود، و الرجوع بمعنى الصيرورة.

(شرح النووي).

176

نصرانيا، و قال سهل بن عبد اللَّه: من لم ير ولاية الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في جميع الأحوال، و يرى نفسه في ملكه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يذوق حلاوة سنته‏

لأن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من نفسه.

و خرّج البخاريّ من حديث شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن عبد اللَّه، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال:

المرء مع من أحب [ (1)].

و خرّجاه من حديث جرير، عن الأعمش، عن أبي وائل قال:

جاء رجل إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: يا رسول اللَّه كيف ترى رجلا؟ [ (2)].

و قال البخاريّ:

كيف تقول في رجل أحب قوما، و لم يلحق بهم؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): المرء مع من أحب [ (3)].

و خرّج أبو داود من حديث يونس بن عبيد، عن ثابت، عن أنس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

ما رأيت أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرحوا بشي‏ء أشد منه، قال رجل: يا رسول اللَّه الرجل يحب العمل من الخير يعمل به، و لا يعمل مثله، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): المرء مع من أحب.

و لمسلم [ (4)] من حديث مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك‏

أن أعرابيا قال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): متى الساعة؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ما أعددت لها؟ قال: أحب اللَّه و رسوله، قال: أنت مع من أحببت.

و خرّجه البخاريّ [ (5)] من طرق.

و قد أجمع الحافظ أبو نعيم طرق هذا الحديث، و سماه كتاب (المحبين مع المحبوبين)، عدّ الصحابة فيه نحو العشرين، و قد قال بعض الحفاظ

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

المرء مع من أحب،

أو ما هذا معناه‏

____________

[ (1)] أخرجه البخاريّ في الأدب، باب علامة حب اللَّه عزّ و جلّ، و مسلم في البر و الصلة، باب المرء مع من أحب، حديث رقم (2640)، (2641) و الترمذيّ في الزهد، باب ما جاء أن المرء مع من أحب، و إسناده حسن، و قال الترمذيّ: هذا حديث حسن صحيح.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

[ (3)] راجع التعليق السابق.

[ (4)] (جامع الأصول): 6/ 555- 557، حديث رقم (4785).

[ (5)] راجع التعليق السابق.

177

مشهور جدا يكاد يبلغ درجة التواتر، رواه عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنس بن مالك، و عبد اللَّه بن مسعود، و أبو موسي الأشعريّ، و عليّ بن أبي طالب، و أبو سعيد الخدريّ، و أبو ذر الغفاريّ، و صفوان بن عسال، و البراء بن عازب، و أبو أمامة الباهليّ، و أبو هريرة، و معاذ بن جبل، و أبو قتادة الأنصاري، و عبادة الصامت، و جابر بن عبد اللَّه، و أم المؤمنين عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- قال مؤلفه: فانظر ما أعظم أجر محبة اللَّه تعالى و رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذ كل محب مع محبوبه، و انظر إلى سيرة السلف في محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كيف كانت؟ فعن عمرو بن العاص- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال: ما كان أحد أحبّ إليّ من رسول اللَّه. و عن عبدة بنت خالد بن سعد، أنها قالت: ما كان خالد يأوى إلى فراش إلا و هو يذكر من شوقه إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و إلى أصحابه من المهاجرين و الأنصار، و يقول: هم أصلي، و فصلي، و هم بحق قلبي، طال شوقي إليهم فعجّل ربّ قبضي إليك، حتى يغلبه النوم.

و روى عن أبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

و الّذي بعثك بالحق لإسلام أبي طالب كان أقر لعيني من إسلامه، يعنى أباه أبا قحافة، ذلك أن إسلام أبي طالب كان أقر لعينك، و عن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه قال للعباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن تسلم أحب إليّ من أن يسلم الخطاب لأن ذاك أحب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و عن هند بنت عمرو بن حرام [ (1)]- و قد قتل زوجها عمرو بن الجموح و ابنها خلاد بن عمرو بن الجموح، و أخوها عبد اللَّه بن عمرو بن حرام- فحملتهم على بعير تريد خيم المدينة فلقيتها عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- و قد خرجت تستروح الخبر- [فقالت‏]: فما وراءك؟ قالت هند: أما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصالح، و كل مصيبة بعده جلل و اتخذ اللَّه من المؤمنين شهداء

____________

[ (1)] هي هند بن عمرو بن حرام الأنصارية، قال ابن مندة: روى حديثها الواقديّ عن أيوب بن النعمان عن أبيها عنها (الإصابة): 8/ 157، ترجمة رقم (11680).

178

وَ رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً [ (1)].

و سئل عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- كيف كان حبكم لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال: كان و اللَّه أحب إلينا من أموالنا، و أولادنا، و أبنائنا، و أمهاتنا، و من الماء البارد على الظمأ.

و قيل لزيد بن الدّثنّة [ (2)] لما أخرجه أهل مكة من الحرم ليقتلوه، قالوا:

أ يسرك أن محمدا في أيدينا مكانك و أنت في بيتك؟ قال: ما يسرني أن محمدا أشيك بشوكة و أني في بيتي، قال: يقول سفيان بن حرب: لا، ما رأينا أصحاب رجل قط أشد له حبا من أصحاب محمد بمحمد [ (3)].

و قال القاضي حسين: يجب على المرء أن يكون حزنه على فراق النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الدنيا أكثر من حزنه على فراق أبويه، كما يجب عليه أن يكون عنده أحب إليه من نفسه، و أهله، و ماله، و الآثار في هذا عن السلف كثيرة جدا.

و قال القاضي عياض: من أحب شيئا آثره، و آثر موافقته، و إلا لم يكن صادقا في حبه، و كان مدعيا، فالصادق في حب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من تظهر علامات [ (4)] ذلك عليه، و أولها الاقتداء به، و استعمال سنته، و اتباع أقواله،

____________

[ (1)] الأحزاب: 25، و الخبر في (مغازي الواقدي): 1/ 265.

[ (2)] هو زيد بن الدّثنّة، بفتح الدال و كسر المثلثة بعدها نون، ابن معاوية بن عبيد بن عامر بن بياضة الأنصاري البياضيّ. شهد بدرا واحدا، و كان في غزوة بئر معونة، فأسره المشركون، و قتلته قريش بالتنعيم.

قال ابن إسحاق في (المغازي): حدثنا عاصم بن عمر بن قتادة، أن نفرا من عضل و القارة قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد أحد، فقالوا: إن فينا إسلاما فابعث معنا نفرا من أصحابك يفقهوا بنا في الدين، فبعث معهم خبيب بن عديّ، و زيد بن الدينة ... فذكر القصة بطولها، و هي في صحيح البخاريّ من حديث أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (3)] (مغازي الواقدي): 1/ 362، و غزوة الرجيع.

[ (4)] كذا في (الأصل)، و في (الشفا): «علامة».

179

و أفعاله، و امتثال أوامره، و اجتناب نواهيه، و التأدب بآدابه في عسره، و يسره، و منشطه و مكرهه.

و شاهد هذا قوله- تعالى-: قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ‏ [ (1)]. و إيثار ما شرعه، و حض عليه على هوى نفسه، و موافقة شهوته، قال اللَّه- تعالى-: وَ الَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَ الْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هاجَرَ إِلَيْهِمْ وَ لا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَ يُؤْثِرُونَ عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ وَ لَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [ (2)]. و إسخاط العباد في رضي اللَّه قال، فمن اتصف بهذه الصفة فهو كامل المحبة للَّه، و رسوله، و من خالفها في بعض هذه الأمور فهو ناقص المحبة، و لا يخرج عن اسمها، و دليله‏

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) للذي حده في الخمر، فلعنه بعضهم، و قال:

ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا تلعنه فإنه يحب اللَّه و رسوله،

و من علامات محبة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كثرة ذكره له، فمن أحب شيئا أكثر ذكره، و منها كثرة شوقه إلى لقائه، فكل حبيب يحب لقاء حبيبه، و من علامات ذلك كثرة ذكره و تعظيمه له، و توقيره عند ذكره، و إظهار الخشوع، و الانكسار مع سماع اسمه [ (3)].

قال إسحاق التجيبيّ: كان أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعده لا يذكرونه إلا خشعوا، و اقشعرت جلودهم، و بكوا، و كذلك كثير من التابعين، منهم من يفعل ذلك محبة له، و شوقا إليه، و منهم من يفعله تهيبا، و توقيرا، و منها محبته لمن أحب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و من هو بسببه من آل بيته، و صحابته من المهاجرين، و الأنصار، و عداوة من عاداهم، و بغض من أبغضهم، و سبهم، فمن أحب شيئا أحب من يحب، و من قال أحب شيئا، أحب كل شي‏ء يحبه، و منها بغض من أبغض اللَّه و رسوله، و معاداة من عاداه، و مجانبة من خالف سنته، و ابتدع في دينه، و استقالة كل أمر يخالف شريعته، قال- تعالى-:

____________

[ (1)] آل عمران: 31.

[ (2)] الحشر: 9.

[ (3)] (الشفا): 2/ 20.

180

لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ يُوادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ‏ [ (1)] و هؤلاء أصحابه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قد قتلوا أحبّاءهم، و قاتلوا آباءهم و أبناءهم في مرضاته.

و قال له عبد اللَّه بن أبيّ: لو شئت لأتيتك برأسه يعني أباه، و منها أن يحب القرآن و يحب تلاوته و العمل به، و تفهمه، و يحب سنته، و يقف عند حدودها، و من علامة حبه للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شفقته على أمته، و نصحه لهم، و سعيه في مصالحهم، و دفع المضار عنهم، كما كان (عليه السلام) بالمؤمنين رءوفا رحيما.

و من علامة تمام محبته زهد مدّعيها في الدنيا، و إيثاره الفقر، و إنصافه به.

قال: اختلف الناس في تفسير محبة اللَّه، و محبة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال سفيان:

المحبة اتباع الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال بعضهم: محبة الرسول اعتقاد نصرته و الذّب عن سنته و الانقياد لها، و هيبة مخالفته، و قال بعضهم: المحبة دوام الذكر للمحبوب، و قال بعضهم: المحبة مواطأة القلب لمراد الرب يحب ما أحب، و يكره ما كره.

و قال آخر: المحبة ميل القلب إلى موافق له، و أكثر العبارات المتقدمة إشارة إلى ثمرات المحبة دون حقيقتها، و حقيقة المحبة الميل إلى ما يوافق الإنسان، و تكون موافقته له إما لاستلذاذه [بذكره‏] [ (2)] بإدراكه كحب الصور الجميلة، و الأصوات الحسنة، و الأطعمة، و الأشربة اللذيذة، و أشباهها مما كل طبع سليم مائل إليها لموافقتها له، أو لاستلذاذه بإدراكه بحاسة عقله، و قلبه معاني باطنة شريفة كمحبة الصالحين، و العلماء، و أهل المعروف، و المأثور عنهم السير الجميلة، و الأفعال الحسنة، فإن طبع الإنسان مائل إلى الشغف بأمثال هؤلاء، حتى يبلغ التعصب بقوم لقوم، و التشيّع من أمة في آخرين ما يؤدي إلى الجلاء عن الأوطان، و هتك الحرم، و اخترام النفوس، أو يكون حبه إياه لموافقة له من جهة إحسانه له، و إنعامه عليه، فقد جبلت النفوس على حب‏

____________

[ (1)] المجادلة: 22.

[ (2)] من (الأصل) فقط، و ليست في (الشفا).

181

من أحسن إليها، فإذا تقرر لك هذا نظرت هذه الأسباب كلها في حقه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فعلمت أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جامع لهذه المعاني الثلاثة الموجبة للمحبة [ (1)].

أما جمال الصورة و الظاهر، و كمال الأخلاق و الباطن‏

فقد قررنا منها قبل فيما مر من الكتاب ما لا يحتاج إلى زيادة [ (2)].

و أما إحسانه و إنعامه على أمته‏

فكذلك قد مر منه في أوصاف اللَّه- تعالى- من رأفته بهم، و رحمته لهم، و هدايته إياهم، و شفقته عليهم، و استنقاذهم به من النار، و أنه بالمؤمنين رءوف رحيم، و رحمة للعالمين، مبشرا، و نذيرا، و داعيا إلى اللَّه بإذنه، و يتلو عليهم آياته، و يزكيهم، و يعلمهم الكتاب و الحكمة، و يهديهم إلى صراط مستقيم، فأي إحسان أجل قدرا، و أعظم خطرا، من إحسانه إلى جميع المؤمنين، و أي إفضال أعم منفعة، و أكثر فائدة، من إنعامه على كافة المؤمنين، و داعيهم إلى الفلاح، و الكرامة، و وسيلتهم إلى ربهم، و شفيعهم، و المتكلم عنهم، و الشاهد لهم، و الموجب لهم البقاء الدائم، و النعيم السرمد، فقد استبان لك أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مستوجب للمحبة الحقيقية شرعا، بما قدمناه من صحيح الآثار، و عادة و جبله، بما ذكرناه آنفا لإفاضة الإحسان، و عمومة الإجمال، فإذا كان الإنسان يحب من منحه في دنياه مرة أو مرتين معروفا، أو استنقذه من هلكه أو مضرة مدة التأذي بها قليل منقطع، فمن منحه ما لا يغني من عذاب الجحيم أولى بالحب [ (3)]، و إذا كان يحب بالطبع ملكا لحسن سيرته، أو حاكما لما يؤثر من قوام طريقته، أو قاص بعيد الدار لما يشاد من علمه، أو كرم‏

____________

[ (1)] (الشفا): 2/ 23- 24، فصل في معنى المحبة للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حقيقتها، مختصرا.

[ (2)] (المرجع السابق).

[ (3)] كذا في (الأصل) و في (الشفا): «فمن منحه ما لا يبيد من النعيم، و وقاه ما لا يغني من عذاب الجحيم».

182

شيمته [ (1)]، فمن جمع هذه الخصال على غاية مراتب الكمال أحق بالحب، و أولى بالميل [ (2)].

المسألة الثالثة عشر: أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا ينقض وضوؤه بالنوم بخلاف غيره‏

و دليله ما خرّجه البخاريّ من حديث سفيان، عن عمرو قال: أخبرنى كريب، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نام حتى نفخ، ثم صلى، و ربما قال: اضطجع حتى نفخ، ثم قام فصلى، ثم حدثنا به سفيان مرة بعد مرة، عن معمر، عن كريب، عن ابن عباس قال: بتّ عند خالتي ميمونة ليلة، فقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الليل، فلما كان في بعض الليل قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فتوضأ من شنّ معلقة وضوءا خفيفا يخففه عمرو، و يقلله، و قام يصلي، فتوضأت نحوا مما توضأ، ثم جئت، فقمت عن يساره، و ربما قال سفيان: عن شماله، فحولني فجعلني عن يمينه، ثم صلى ما شاء اللَّه، ثم اضطجع، فنام حتى نفخ، ثم أتاه المنادي، فآذنه بالصلاة، فقام معه إلى الصلاة، فصلى و لم يتوضأ، قلنا لعمرو: إنّ أناسا يقولون: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تنام عينيه، و لا ينام قلبه، قال عمرو: سمعت عبيد بن عمير يقول: رؤيا الأنبياء وحي، ثم قرأ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ‏ [ (3)].

____________

[ (1)] في (الأصل): «شيمه»، و ما أثبتناه من (الشفا).

[ (2)] (الشفا): 2/ 24- 25، فصل في معنى المحبة للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و حقيقتها، ثم قال: و قد قال عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في صفته (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من رآه بديهة هابه، و من خالطه معرفة أحبه، و ذكرنا عن بعض الصحابة أنه كان لا يصرف بصره عنه محبة فيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (3)] الصافات: 102.

183

ذكره البخاريّ في أول الوضوء، و ترجم عليه باب التخفيف في الوضوء [ (1)].

و ذكره في كتاب [الآذان‏] في باب وضوء الصبيان، و متى يجب عليهم الغسل، و الطهور [ (2)].

و خرّجه مسلم في كتاب الصلاة به مثله أو نحوا منه‏

، ثم اضطجع فنام حتى نفخ، ثم أتاه بلال فأذنه بالصلاة، فخرج، فصلى الصبح، و لم يتوضأ، قال سفيان: و هذا للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خاصة لأنه بلغنا أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تنام عيناه، و لا ينام قلبه [ (3)].

و خرّجه البخاريّ و مسلم من طرق عديدة.

و خرّج الترمذي [ (4)] من حديث مالك، عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي سلمة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

قلت: يا رسول اللَّه أ تنام قبل أن توتر؟ قال: يا عائشة إن عينيّ تنامان و لا ينام قلبي.

قال ابن عبد البر: و أما

قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

إن عينيّ تنامان، و لا ينام قلبي،

فتلك من علياء مراتب الأنبياء

[قال:] تنام أعيننا، و لا تنام قلوبنا. و اللَّه أعلم.

قال ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- رؤيا الأنبياء وحي لأن الأنبياء يفارقون سائر البشر في نوم القلب، و يساوونهم في نوم العين، فلو سلط النوم على قلوبهم كما يصنع بغيرهم، لم تكن رؤياهم أكثر من سواهم، و قد خصهم اللَّه- تعالى- من فضله بما شاء أن يخصهم به، و من هنا كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينام حتى ينفخ، ثم يصلي و لا يتوضأ، لأن الوضوء إنما يجب بغلبة

____________

[ (1)] (فتح الباري): 1/ 317 ن كتاب الوضوء، باب (5) التخفيف في الوضوء، حديث رقم (138).

[ (2)] (فتح الباري): 2/ 438، كتاب الأذان، باب (161) وضوء الصبيان، و متى يجب عليهم الغسل و الطهور؟ و حضورهم الجماعة و العيدين و الجنائز و صفوفهم، حديث رقم (859).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 6/ 294- 295، كتاب صلاة المسافرين و قصرها، باب (26) الدعاء في صلاة الليل و قيامه، حديث رقم (186).

[ (4)] (سنن الترمذي): 2/ 302- 303، أبواب الصلاة، باب (208) ما جاء في وصف صلاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالليل، حديث رقم (439).

184

النوم على القلب لا على العين، فكان (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يساوي أمته في الوضوء من الحدث، و لا يساويهم في الوضوء من النوم، كما لم يساويهم في وصال الصوم و غيره مما جرت عادتهم به، فإن قيل كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتوضأ، قيل له:

كان يتوضأ لكل صلاة و ما جاء عنه قط أنه قال: وضوئي هذا من النوم، و ليس ببعيد أن يتوضأ إذا خامر النوم قلبه، و ذلك نادر، كنومة في سفره عن صلاة الصبح، ليس لأمته أن الصلاة لا يسقطها خروج الوقت، و إن كان مغلوبا بنوم، أو نسيان، و هذا واضح.

روى حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نام حتى سمع غطيطه، ثم صلى و لم يتوضأ [ (1)].

قال عكرمة: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) محفوظا، و إن ذلك منه كان نادرا ليس لأمته كما سنّ في من نام، أو نسي كما

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إني لأسن.

و ذكر عند عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن أبي قلابة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

قيل لي: لتنم عينك، و لتغفل،

فقال: يا أمير المؤمنين ما يذكر من شأن ذاك أو ذاك، فقال عمر: هبلتك أمك أدركه! مرتين، أو ثلاثا، و

قال:

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لنا: إن رجلا يقال له أويس من قرن من أمره كذا،

فلما قدم الرجل لم يبدأ بأحد قبله، فدخل عليه، قال: استغفر لي، فقال:

ما بدا لك، قال: إن عمر قال لي كذا و كذا، قال: ما [أنا] بمستغفر لك حتى تجعل لي ثلاثا، قال: و ما هن؟ قال: لا تؤذيني فيما بقي، و لا تخبر بما قال لك عمر أحدا من الناس، و نسي الثالثة.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)-: و قد روى من وجوه أن أويسا [ (2)] قتل بصفين مع على- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 2/ 242- 243، كتاب الأذان، باب (57) يوم عن يمين الإمام بحذائه سواء إذا كانا اثنين، حديث رقم (697) من حديث شعبة عن الحكم، قال: سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما

[ (2)] هو أويس القرني، القدوة، الزاهد، سيد التابعين في زمانه، أبو عمرو، أويس بن عامر بن جزء بن مالك القرني المرادي اليمانيّ، و قرن بطن من مراد، وفد على عمر، و روى قليلا عنه، و عن علي- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

عن أسير بن جابر قال: كان عمر بن الخطاب إذا أتى عليه أمداد أهل اليمن سألهم:

أ فيكم أويس بن عامر؟ حتى أتى على أويس فقال: أنت أويس بن عامر؟ قال: نعم، قال:

من مراد ثم من قرن؟ قال: نعم، قال: فكان بك برص، فبرأت منه إلا موضع درهم؟ قال:

نعم، قال: أ لك والدة؟ قال: نعم،

قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: يأتي عليكم أويس بن عامر مع أمداد اليمن من مراد ثم من قرن، كان به برص فبرأ منه إلا موضع درهم، له والدة هو بها بر، لو أقسم على اللَّه لأبره، فإن استطعت أن يستغفر لك فافعل، فاستغفر لي. قال:

فاستغفر له.

وجد في قتلى صفين مع أصحاب علي- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-. له ترجمة في: (طبقات ابن سعد): 6/ 161، (طبقات خليفة): ترجمة رقم (1044)، (حلية الأولياء و طبقات الأصفياء): 2/ 79، (لسان الميزان): 1/ 471، (سير الأعلام):

4/ 19- 33. و أحاديث صلاة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالليل، و نومه و لا يتوضأ، و تنام عيناه و لا ينام قلبه المقدس. ذكرها البيهقي في (السنن الكبرى): 7/ 62، باب كان ينام و لا يتوضأ.

185

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بصلة بن أشيم [ (1)]

فخرّج البيهقيّ [ (2)] من حديث ابن المبارك، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، قال: بلغنا أنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان يقول:

يكون في أمتي رجل يقال له: صلة بن أشيم يدخل الجنة بشفاعته كذا و كذا [ (3)].

____________

[ (1)] هو أبو الصهباء، صلة بن أشيم العدويّ، له ترجمة في (التاريخ الكبير): 4/ 321، (حلية الأولياء و طبقات الأصفياء): 2/ 237- 243، ترجمة رقم (184).

[ (2)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 379، باب ما روي في إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأنه يكون في أمته رجل يقال له:

صلة بن أشيم، فكان بعد وفاته على صفته.

[ (3)] (حلية الأولياء): 2/ 241، و فيه: قال رجل لصلة بن أشيم: ادع اللَّه لي. فقال: رغبك اللَّه فيما يبقى، و زهدك فيما يفنى، و وهب لك اليقين الّذي لا يسكن إلا إليه، و لا يعول في الدين إلا عليه، و له فيه كرامات لا يتسع المقام لسردها، فلتراجع هناك.

186

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) علي بن أبي طالب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه بولادة غلام له يسميه باسمه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فخرّج البيهقي [ (1)] من طريق عون بن سلام، قال قيس: عن ليث، عن محمد بن بشر، عن محمد ابن الحنيفة، عن علي- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

سيولد لك بعدي غلام قد نحلته اسمي و كنيتي [ (2)].

و خرّجه الحافظ أبو نعيم أحمد من طريق عبد العزيز بن الخطاب عن قيس ابن الربيع، عن ليث، عن محمد بن بشر عن محمد ابن الحنفية، عن عليّ قال: قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

سيولد لك ولد قد نحلته اسمي و كنيتي [ (3)].

و في رواية: حدثنا عليّ:

سيولد لك،

و خالفهما غيرهما، عن قيس،

فقال محمد بن الأشعث: خرّجه الحافظ أبو بكر الخطيب من طريق الحسن بن بشر، عن قيس، عن ليث، عن محمد بن الأشعث، عن ابن الحنفية، عن عليّ قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

يولد لك ابن قد نحلته اسمي‏

قال: و كلا الحديثين غريب.

و المحفوظ عن ابن الحنفية، فذكر حديث وكيع، حدثنا فطر عن‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 380، باب ما جاء في إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بولادة غلام لعليّ بن أبي طالب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و إذنه إياه في أن يسميه باسمه، و يكنيه بكنيته، فكان ذلك في محمد ابن الحنفية.

[ (2)] هو محمد ابن الحنفية، السيد الإمام أبو القاسم و أبو عبد اللَّه محمد بن الإمام علي بن أبي طالب القرشي الهاشميّ، ولد في العام الّذي مات فيه أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، و كان ورعا كثير العلم، و توفى سنة إحدى و ثمانين، له ترجمة في (التاريخ الكبير): 1/ 1/ 182، (حلية الأولياء و طبقات الأصفياء): 3/ 174، (العقد الثمين): 2/ 157، (شذرات الذهب):

1/ 88، (طبقات ابن سعد): 5/ 91.

[ (3)] راجع التعليق السابق.

187

منذر، عن ابن الحنفية قال: قال على:

يا رسول اللَّه أ رأيت إن ولد لي بعدك أسميه باسمك و أكنيه بكنيتك؟ قال: نعم، فكانت رخصة من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و رواه أيوب بن واقد عن فطر، عن منذر الثوريّ، عن محمد ابن الحنفية، عن أبيه عليّ قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن ولد لك غلام فسمه باسمي، و كنه بكنيتي، و هو رخصة لك دون الناس.

و رواه يحيى بن سعيد، عن فطر، عن منذر الثوري، عن محمد ابن الحنفية، عن علي أنه استأذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن ولد له بعده أن يسميه باسمه، و يكنيه بكنيته، قال: و كانت رخصة من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: و سماني محمدا و كنيته أبو القاسم.

و رواه أبو نعيم، عن فطر هو ابن خليفة، عن منذر الثوري، قال:

سمعت ابن الحنفية يقول:

كانت رخصة لعليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: يا رسول اللَّه إن ولد لي بعدك أسميه باسمك، و أكنيه بكنيتك، قال: نعم‏

و كذا رواه على بن قادم، عن فطر.

و روى ابن عساكر من طريق محمد بن الصلت الأسدي، قال ربيع بن منذر الثوري، عن أبيه أظنه عن ابن الحنفية، قال:

وقع بين طلحة، و بين عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- كلام، قال: فقال لعليّ: إنك تسمى باسمه، و تكنى بكنيته، و قد نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ذلك أن يجمعا لأحد من أمته، فقال على إن الجري‏ء من اجترأ على اللَّه، و على رسوله، يا فلان ادع له فلانا و فلانا، فجاء نفر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من قريش فشهدوا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رخص لعليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أن يجمعهما، و حرمهما على أمته من بعده.

و من طريق محمد بن سعد [ (1)] أن محمد بن الصلت، و خالد بن مخلد قالا:

عن الربيع بن المنذر، و الثوري، عن أبيه قال:

وقع بين عليّ و طلحة كلام، فقال له طلحة: ما أجرأك على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سميت باسمه، و كنيت بكنيته، و قد نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يجمعهما أحد من أمته بعده، فقال عليّ: إن الجرى‏

____________

[ (1)] (طبقات ابن سعد): 8/ 464.

188

من اجترأ على اللَّه و على رسوله، اذهب يا فلان فادع لي فلانا و فلانا لنفر من قريش، قال: فجاءوا، فقال: بم تشهدوا؟ قالوا: نشهد أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

إنه سيولد لك بعدي غلام، فقد نحلته اسمي و كنيتي، و لا يحل لأحد من أمتي بعده.

و من حديث ابن أبي خثيمة، عن محمد بن الصلت الأسديّ، عن الربيع ابن منذر، عن أبيه قال:

كان بين عليّ و طلحة كلام، فقال عليّ: إن الجري‏ء من افترى على اللَّه، و على رسوله، يا فلان ادع لي فلانا و فلانا، فدعا نفرا من قريش، فقال: بم تشهدون؟ قالوا: نشهد أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: سمّ يا عليّ [باسمي‏] و كن بكنيتي، و لا تحل لأحد بعدك.

و أما إخباره عليه الصلاة و السلام أمّ ورقة [ (1)] بأنها ستدرك الشهادة فكان كما أخبر

فخرّج البيهقيّ [ (2)] و غيره من طريق أبي نعيم، قال الوليد بن جميع: قال حدثتني جدتي عن أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث،

و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

____________

[ (1)] هي أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث بن عويمر بن نوفل الأنصارية، و يقال لها: أم ورقة بنت نوفل، فنسبت إلى جدها الأعلى.

أخرج حديثها أبو داود من حديث وكيع بن الجراح، عن الوليد بن عبد اللَّه بن جميع، حدثتني جدتي، و عبد اللَّه بن خلاد الأنصاري، عن أم ورقة أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما غزا بدرا ...

و ذكر الحديث. و من طريق محمد بن فضيل، عن الوليد، عن عبد الرحمن بن خلاد، عن أم ورقة بنت عبيد اللَّه بن الحارث بهذا، و الأول أتم.

و أخرجه ابن السكن، من طريق محمد بن فضيل، و أخرجه ابن السكن أيضا من طريق عبد اللَّه بن داود عن الوليد، عن ليلى بنت مالك، عن أمها، عن أم ورقة، و هو عند ابن مندة بعلو عن عبد اللَّه بن داود، و كذا قيل بين عبد الرحمن بن خلاد و أم ورقة واسطة.

و أخرجه أبو نعيم من رواية أبي نعيم، عن الوليد، حدثتني جدتي عن أمها أم ورقة، و ساق الحديث كرواية وكيع. (الإصابة): 8/ 321- 322، ترجمة رقم (12294) مختصرا.

[ (2)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 381- 382، باب في إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أم ورقة بأنها تدرك الشهادة فاستشهدت في عهد عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

189

يزورها و يسميها الشهيدة، و كانت قد جمعت القرآن و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين غزا بدرا قالت: تأذن لي فأخرج معك أداوي جرحاكم، و أمرّض مرضاكم لعل اللَّه- تعالى- يهدي لي شهادة، قال: إن اللَّه- تعالى- مهد لك شهادة، فكان يسميها الشهيدة، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد أمرها أن تؤم أهل دارها، و أنها غمتها جارية لها، و غلام كانت قد دبرتهما فقتلاها في إمارة عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقيل: إن أم ورقة قتلتها جاريتها، و غلامها، و أنهما هربا، فأتى بهما فصلبهما، فكانا أول مصلوبين بالمدينة، فقال عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: صدق رسول اللَّه كان يقول: انطلقوا نزور الشهيدة [ (1)].

و خرّجه أبو داود [ (2)] من حديث وكيع بن الجراح، حدثنا الوليد بن عبد اللَّه ابن جميع، قال: حدثتني جدتي، و عبد الرحمن بن خلاد الأنصاريّ، عن أم ورقة بنت نوفل‏

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما غزا بدرا قالت له: يا رسول اللَّه ائذن لي في الغزو معك أمرّض مرضاكم لعل اللَّه أن يرزقني شهادة، قال: قري في بيتك، فإن اللَّه يرزقك الشهادة،

قال: فكانت تسمى الشهيدة، فاستأذنت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يتخذ في دارها مؤذنا، فأذن لها، قال: و كانت دبرت غلاما لها، و جارية، فقاما إليها بالليل فغماها بقطيفة لها حتى ماتت و دفناها، فأصبح عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، فقام في الناس، فقال: من عنده من هذين علم أو من رآهما فليجئ بهما فجي‏ء بهما فصلبا، فكانا أول مصلوب بالمدينة.

____________

[ (1)] (المرجع السابق)، و المدبّر هو العبد أو الجارية الّذي أعتقه سيده بحيث ينال حريته بعد موت سيده.

[ (2)] (سنن أبي داود): 1/ 396- 397، كتاب الصلاة، باب (62) إمامة النساء، حديث رقم (591).

190

قال أبو عمر بن عبد البر [ (1)]: أم ورقة بنت عبد اللَّه بن الحارث بن عويمر الأنصاريّ، و قيل: أم ورقة بنت نوفل و هي مشهورة بكنيتها، و اضطرب أهل الخبر في نسبها.

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالطاعون الّذي يأتي بعده‏

فخرّج البخاريّ [ (2)] من حديث بسر بن عبيد اللَّه أنه سمع أبا إدريس الخولانيّ قال: سمعت عوف بن مالك قال:

أتيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك و هو في قبة من أدم فقال: اعدد ستا بين يدي الساعة: موتى، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كعقاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطا، ثم فتنة لا يبقى بيت من بيوت المدينة إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم، و بين بني الأصفر، فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية تحت كل غاية اثنا عشر ألفا.

____________

[ (1)]

(الاستيعاب): 4/ 1965، ترجمة رقم (4224)، و ذكر حديثها و زاد فيه و قال: صدق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين كان يقول: انطلقوا بنا نزور الشهيدة.

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 340، كتاب الجزية و الموادعة، باب ما يحذر من الغدر و قول اللَّه- تعالى-: وَ إِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ‏ [الأنفال: 62]، حديث رقم (3176)، و فيه أشياء من علامات النبوة قد ظهر أكثرها، و فيه بشارة و نذارة، و ذلك أنه دل على أن العاقبة للمؤمنين مع كثرة ذلك الجيش، و فيه إشارة إلى أن عدد جيوش المسلمين سيكون أضعاف ما هو عليه.

و وقع في رواية للحاكم من طريق الشعبيّ عن عوف بن مالك في هذا الحديث‏ «ان عوف بن مالك قال لمعاذ في طاعون عمواس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لي: اعدد ستا بين يدي الساعة، فقد وقع منهن ثلاث، يعني موته (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و فتح بيت المقدس و الطاعون، قال: و بقي ثلاث، فقال له معاذ: إن لهذه أهلا».

و وقع في (الفتن) لنعيم بن حماد أن هذه القصة تكون في زمن المهدي على يد ملك من آل هرقل. (فتح الباري) مختصرا. و بنو الأصفر: الروم.

و أخرجه ابن ماجة في الفتن، باب (25) أشراط الساعة، حديث رقم (4042)، و بعضه في الأدب من (سنن أبى داود).

191

ذكره في كتاب الجزية و الموادعة، في باب ما يحذر من الغدر.

و خرّجه البيهقي [ (1)] بهذا السند، و لفظه قال:

أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة تبوك و هو في خباء من أدم، فجلست بفناء الخباء فسلمت، فرد و قال:

ادخل يا عوف، فقلت: أ كلي أم بعضي؟ قال: كلك، فدخلت، فرأيته يتوضأ وضوءا مكيثا، ثم قال: يا عوف احفظ خلالا ستا بين يدي الساعة: إحداهن موتى، قال عوف: فوجمت عندها وجمة شديدة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قل إحدى، فقلت: إحدى، ثم قال: فتح بيت المقدس، أظنه قال: ثم موتان يظهر فيكم يستشهد اللَّه به ذراريكم، و أنفسكم، و يزكى به أموالكم، ثم استفاضة المال بينكم، و ذكر الحديث.

و هذه الستة قد وقع بعضها، فمات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و فتح بيت المقدس في خلافة عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و وقع الطاعون، ثم استفاض المال في خلافة عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال الوليد بن مسلم، قال سعيد بن عبد العزيز: زاد عثمان الناس عامة مائة دينار، و مائة دينار في عطياتهم، قالوا: و كانت الفتنة الرابعة من الآيات الستة مقتل بالشام، و العراق، و خرسان بين الفرق و العصبية، و لا نزال متتابعة حتى تقع فتنة الروم.

و من طريق ابن وهب قال [ (2)]: أخبرني ابن لهيعة، عن عبد اللَّه بن حبان أنه سمع سليمان بن موسى يذكر أن الطاعون وقع بالناس يوم جسر عموسة، فقام عمرو بن العاص- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال: يا أيها الناس إنما هذا الوجه رجس فتنحوا منه، فقال شرحبيل بن حسنة: يا أيها الناس إني قد سمعت قول صاحبكم، و إني و اللَّه لقد أسلمت، و صليت و إن عمرا لأضلّ من بعير أهله، و إنما هو بلاء أنزله اللَّه فاصبروا، فقام معاذ بن جبل، فقال: يا أيها الناس إني قد سمعت قول صاحبيكم هذين، و إن هذا الطاعون رحمة ربكم،

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 6/ 383- 385، باب ما جاء في إخبار النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالطاعون الّذي وقع بالشام في أصحابه في عهد عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] (المرجع السابق): 385.

192

و دعوة بينكم، و

إني سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

إنكم ستقدمون الشام، فتنزلون أرضا يقال لها جسر عموسة [ (1)]، فتخرج لكم فيها جرجان لها ذباب كذباب الدمل يستشهد اللَّه به أنفسكم، و ذراريكم، و يزكى به أموالكم، اللَّهمّ إن كنت تعلم أني سمعت هذا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فارزق معاذا، و آل معاذ من ذلك الحظ الأوفى، و لا تعافه منه، قال: فطعن في السبابة، فجعل ينظر إليها و يقول: اللَّهمّ بارك فيها فإنك إذا باركت في الصغير كان كبيرا، ثم طعن ابنه، فدخل عليه، فقال:

الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ‏

[ (2)]، قال:

سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ‏

[ (3)].

قال المؤلف- رحمة اللَّه عليه-: و قوله في هذا الحديث: و أن هذا الطاعون رحمة ربكم، و دعوة نبيكم،

يشير إلى حديث يحيى بن أبي بكير، قال: عن أبي بكر النهشلي، عن رماد بن علابة عن أسامة بن شريك، قال:

خرجنا في اثنى عشر من بني ثعلبة، فبلغنا أن أبا موسى نزل منزلا، فأتيناه، فسمعناه يحدث عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال: اللَّهمّ اجعل فناء أمتي بالطعن و الطاعون، قلنا: يا رسول اللَّه هذا الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال:

وخز أعدائكم و ذراريكم من الجن، و في كل شهداء [ (4)].

و خرج ابن عساكر من طريق هشام بن خالد الأزرق عن الحسن بن يحي، عن ابن ثوبان، عن أبيه، عن مكحول، عن بشر بن مرة، عن معاذ بن جبل،

____________

[ (1)] لم أجد لهذا الموضع ذكر فيما بين يديّ من معاجم البلدان.

[ (2)] البقرة: 147.

[ (3)] الصافات: 102، و أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 5/ 218- 219، حديث رقم (17299)، من حديث شرحبيل بن حسنة عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

[ (4)] (مسند أحمد): 5/ 537، حديث رقم (19034)، من حديث أبي موسى الأشعريّ. و في (الفتوح) لابن أعثم الكوفي: و اشتدّ الطاعون بالشام، و فشا الموت في الناس، فقال عمرو بن العاص: أيها الناس! إنّ هذا الوباء قد وقع فيكم، إنما هو وخز من الجن فمن أقام به هوى، و من انحاز عنه نجا. (الفتوح): 1/ 313، ذكر الطاعون الّذي وقع بالشام، و من مات هنالك من المسلمين.

193

قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

تنزلون منزلا يقال له: الجاثية، يصيبكم فيه ذباب مثل عدة الجمل يستشهد اللَّه به أنفسكم، و دراركم، و يزكى أبدانكم.

و خرجه الطبراني إلا أنه قال:

كما يستشهد اللَّه به أنفسكم و دراركم، و يزكى به أعمالكم.

و قال سيف بن عمر: قالوا: و وقع الطاعون بالشام، و مصر، و العراق، و استقر في الشام، و مات فيه الناس الذين هم في أهل الأمصار، و في المحرم، و صفر، يعني سنة سبع عشرة و ارتفع عن الناس، و كتبوا إلى عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بإخلاء الشام، قالوا: و كان ذلك الطاعون موتانا لم ير مثيله طمع له العدو في [الناس‏] و تخوفت له قلوب المسلمين [لما] كثر موته، و طال مكثه، حتى [ما] تكلم في ذلك اثنان فاختلفوا، فأمر معاذ بن جبل- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بالصبر حتى ينجلي، و أمر عمر بن عبسة بالتنحي، ثم ذكر سيف كلامهم في ذلك.

194

و أما إنذاره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بفتن تموج كموج البحر و أنها تكون بعد قتل عمر بن الخطاب رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه‏

فخرج البخاريّ من حديث حفص بن غياث، عن الأعمش، عن شقيق سمعت حذيفة يقول:

بينا نحن جلوس عند عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- إذ فقال:* يكم يحفظ قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الفتنة؟ قال: فتنة الرجل في أهله، و ماله، و ولده، و جاره، يكفرها الصلاة، و الصدقة و الأمر بالمعروف، و النهى عن المنكر،

قال: ليس عن هذا أسألك، و لكن التي تموج كموج البحر، فقال:

ليس عليك منها يا أمير المؤمنين بأس، إن بينك و بينها بابا مغلقا.

قال عمر: أ يكسر الباب أم يفتح؟ قال: بل يكسر، قال عمر: إذن لا يغلق الباب أبدا، قلت: أجل، قلت لحذيفة: أ كان عمر يعلم الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد ليلة، و ذلك أني حدثته حديثا ليس بالأغاليط فهبنا أن نسأله من الباب، فأمرنا مسروقا فسأله، فقال: من الباب؟ قال عمر [ (1)].

و خرّجه مسلم من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن شقيق، عن حذيفة، قال:

كنا عند عمر، فقال: أيكم يحفظ حديث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الفتنة كما قال؟ قال: قلت: أنا، قال: إنك لجري‏ء، و كيف قال؟ قلت: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: فتنة الرجل في أهله، و ماله، و نفسه، و ولده و جاره، يكفرها الصلاة، و الصيام، و الصدقة، و الأمر بالمعروف، و النهي عن المنكر

فقال عمر: ليس هذا أريد إنما أريد، التي تموج كموج البحر، قال: فقلت:

____________

[ (1)] (فتح الباري): 13/ 60، كتاب الفتن، باب (17) الفتنة التي تموج كموج البحر، و قال ابن عيينة عن خلف بن حوشب: كانوا يستحبون أن يتمثلوا بهذه الأبيات عند الفتن، قال امرؤ القيس:

الحرب أول ما تكون فتية* * * تسعى بزينتها لكل جهول‏

حتى إذا اشتغلت و شب ضرامها* * * ولت عجوزا غير ذات حليل‏

شمطاء ينكسر لونها و تغيرت* * * مكروهة للشم و التقبيل‏

195

مالك، و لها يا أمير المؤمنين؟ إن بينك و بينها بابا مغلقا، قال: أ فيكسر الباب، أو يفتح؟ قال: قلت: لا بل يكسر، قال: ذلك أحرى أن لا يغلق أبدا، قال:

فقلنا لحذيفة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: هل كان عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يعلم من الباب؟ قال: نعم كما يعلم أن دون غد ليلة، إني حدثته حديثا ليس بالأغاليط قال: فهبنا أن نسأل حذيفة: من الباب؟ فقلنا لمسروق: سله، فسأله، فقال: عمر [ (1)].

و خرّجه من حديث وكيع، و جرير، و عيسى بن يونس، و يحيى بن عيسى كلهم، عن الأعمش، بهذا الإسناد نحو حديث أبي معاوية، و في حديث عيسى، عن الأعمش، عن شقيق، قال: سمعت حذيفة يقول [ (2)].

و خرّجه من حديث سفيان، عن جامع بن أبي راشد و الأعمش، عن أبي وائل، عن حذيفة، قال: قال عمر: من يحدثنا عن الفتنة، و اقتص بنحو حديثهم [ (3)].

و خرّجه البخاريّ في كتاب الصلاة، و في كتاب الزكاة، و في أول المناقب، و في أبواب علاماتها النبويّة.

و خرّج الإمام أحمد [ (4)] حديث أبي عوانة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عزرة بن قيس، عن خالد بن الوليد، قال: كتب إليّ أمير المؤمنين حين ألقى الشام، بوانية بثينة و عسلا- و شك عفان، مرة قال: حين ألقى الشام كذا و كذا- فأمرني أن أسير إلى الهند و الهند، في أنفسنا يومئذ البصرة، قال: و أنا لذلك كاره، قال: فقام رجل فقال لي: يا أبا سليمان، اتّق اللَّه فإن الفتن قد

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 17/ 233- 234، كتاب الفتن و أشراط الساعة، باب (7) في الفتنة التي تموج كموج البحر، حديث رقم (26).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (27).

[ (3)] (المرجع السابق): الحديث الّذي يلي الحديث السابق بدون رقم، و أخرجه مسلم مطولا في كتاب الإيمان، باب (65) بيان أن الإسلام بدا غريبا و سيعود غريبا و أنه ليزار بين المسجدين، حديث رقم (231).

[ (4)] (مسند أحمد): 5/ 51، حديث رقم (16379) من حديث زيد بن العوام.

196

ظهرت، قال: فقال: و ابن الخطاب حيّ؟! إنما تكون بعده، و الناس بذي بليان- أو بذي بليان- بمكان كذا و كذا، فينظر الرجل فيتفكر، هل يجد مكانا لم ينزل به ما نزل بمكانه الّذي هو فيه من الفتنة و الشر، فلا يجده، قال: و تلك الأيام التي ذكر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين يدي الساعة أيام الهرج، فنعوذ باللَّه أن تدركنا و إياكم تلك الأيام.

197

و أما إنذاره عثمان بن عفان رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه بالبلوى التي أصابته فقتل فيها

خرّج البخاريّ [ (1)] و مسلم [ (2)] من حديث سليمان بن بلال، عن شريك بن أبي نمر، عن سعيد بن المسيب قال: أخبرنى أبو موسى الأشعريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أنه توضأ في بيته، ثم خرج، فقلت: لألزمنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لأكوننّ معه يومي هذا، قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقالوا: خرج و وجه هاهنا.

قال: فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريس، قال: فجلست عند الباب- و بابها من جريد- حتى قضى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حاجته، و توضأ، فقمت إليه فإذا هو قد جلس على بئر أريس و توسط قفها، و كشف عن ساقيه، و دلاهما في البئر، قال: فسلمت عليه، ثم انصرفت، فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اليوم، فجاء أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، فدفع الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك،

قال:

فذهبت، فقلت: يا رسول اللَّه هذا أبو بكر يستأذن، قال: ائذن له و بشره بالجنة.

قال: فأقبلت حتى قلت لأبى بكر: ادخل و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يبشرك بالجنة، قال: فدخل أبو بكر، فجلس عن يمين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في القف، و دلى رجليه في البئر كما صنع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كشف عن ساقيه، ثم رجعت فجلست، و قد تركت أخي يتوضأ و يلحقني، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان يريد أخاه خيرا يأت‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 25، كتاب فضائل أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، باب (5) قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لو كنت متخذا خليلا، حديث رقم (3674). و أخرجه أيضا في كتاب الأدب، باب (119) من نكت العود في الماء و الطين، حديث رقم (6216).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 15/ 180- 181، كتاب فضائل الصحابة، باب (3) من فضائل عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، حديث رقم (29).

198

به، فإذا إنسان يحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال: عمر بن الخطاب فقلت:

على رسلك، ثم جئت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فسلمت عليه، و قلت: هذا عمر يستأذن، فقال: ائذن له و بشره بالجنة، فجئت عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، فقلت له ادخل و يبشرك رسول اللَّه بالجنة، قال: فدخل، فجلس مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في القف عن يساره، و دلى رجليه في البئر، ثم رجعت فجلست، فقلت: إن يرد اللَّه بفلان خيرا يعنى أخاه يأت به، فجاء إنسان فحرك الباب، فقلت: من هذا؟ فقال عثمان بن عفان، فقلت: على رسلك، قال: و جئت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته، فقال: ائذن له و بشره بالجنة مع بلوى تصيبه.

و قال البخاريّ: على بلوى تصيبه، قال: فجئت، فقلت: ادخل و يبشرك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالجنة مع بلوى تصيبك، قال: فدخل، فوجد القفّ قد ملي‏ء، فجلس، وجاههم من الشقّ الآخر، قال شريك: قال سعيد بن المسيب: فأولتها قبورهم [ (1)]، ذكره البخاريّ في مناقب أبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

و خرّجه مسلم [ (2)] من حديث سليمان بن بلال، قال: أخبرني شريك بن عبد اللَّه بن أبي نمر قال: سمعت سعيد بن المسيب بنحوه أو قريب منه.

و خرّجاه من حديث محمد بن جعفر بن أبي كثير، عن شريك، و خرجاه أيضا من حديث عثمان بن غياث، قال: حدثني أبو النهدي، عن أبي موسى، و من حديث حماد، عن أيوب، عن أبي عثمان النهديّ [ (3)].

و خرّجه الترمذيّ [ (4)] من طريق حماد به، و قال: هذا حديث صحيح، و قد روى من غير وجه، عن أبي عثمان النهديّ، و قال الحافظ أبو القاسم بن‏

____________

[ (1)] هذه رواية مسلم، و القف: حافة البئر. رقم (29).

[ (2)] (المرجع السابق): الحديث الّذي قبل الحديث رقم (9) بدون رقم.

[ (3)] (المرجع السابق): الحديث الّذي قبل الحديث رقم (29) بدون رقم.

[ (4)] (سنن الترمذيّ): 5/ 589- 590، كتاب المناقب، باب (19)، مناقب عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، حديث رقم (3710)، و قال: هذا حديث حسن صحيح، و قد روى من غير وجه عن أبي عثمان النهديّ، و في الباب عن جابر و ابن عمران- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

199

عساكر: و الحديث محفوظ من مسند أبي موسى، رواه عن صفية، و سعيد بن المسيب، و أبو عثمان النهديّ و ابنه أبو بردة.

و خرّجه البيهقيّ [ (1)] من طريق عبد الأعلى بن أبي المساور، عن إبراهيم بن محمد بن حاطب، عن عبد الرحمن بن بجير، عن زيد بن أرقم قال:

بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: انطلق حتى تأتي أبا بكر، فتجده في داره جالسا محتبيا، فقل: إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقرأ عليك السلام، و يقول لك: أبشر بالجنة، ثم انطلق حتى تأتي الثنية، فتلقى عمر راكبا على حمار تلوح صلعته، فقل إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقرأ عليك السلام، و يقول: أبشر بالجنة، ثم انصرف حتى تأتي عثمان فتجده في السوق، و هو يبيع و يبتاع، فقل: إن النبي يقرأ عليك السلام، و يقول: أبشر بالجنة بعد بلاء شديد، قال: فانطلقت حتى أتيت أبا بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فوجدته في داره جالسا محتبيا كما قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقلت:

إن نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقرأ عليك السلام، و يقول: أبشر بالجنة، قال: فأين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قلت: في مكان كذا و كذا قال: فقام، فانطلق إليه، قال: ثم أتيت الثنية، فإذا عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- راكب على حمار [ (2)] تلوح صلعته كما قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فقلت: إن نبي اللَّه يقرأ عليك السلام و يقول أبشر بالجنة، قال: فأين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ فقلت: في مكان كذا و كذا، فانطلق له قال: ثم انطلقت إلى السوق فأجد عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فيها يبيع و يبتاع كما قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فقلت: إن نبي اللَّه يقرأ عليك السلام و يقول أبشر بالجنة بعد بلاء شديد، قال: فأين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فقلت:

في مكان كذا و كذا، قال: فأخذ بيدي و أقبلنا جميعا حتى أتينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: يا نبيّ اللَّه إن زيدا أتاني فقال: إن نبي اللَّه يقرأ عليك السلام و يقول:

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 6/ 389- 390، باب ما جاء في إخبار النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالبلوى التي أصابت عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و الفتنة التي ظهرت في أيامه، و العلامة التي دلت على قبره و قبر صاحبيه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

[ (2)] كذا في (الأصل)، و في (دلائل البيهقيّ): «على جمله»، و ما أثبتناه أجود للسياق، و هو مطابق لصدر الحديث.

200

أبشر بالجنة بعد بلاء شديد! و أي بلاء يصيبني يا رسول اللَّه؟ و الّذي بعثك بالحق ما تغنيت و لا تمنيت و لا مسست ذكري بيميني منذ بايعتك، فأيّ بلاء يصيبني؟ فقال: هو ذاك.

قال البيهقيّ: عبد الأعلى [ (1)] بن أبي المساور ضعيف في الحديث، فإن كان حفظ هذا فيحتمل أن يكون النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعث زيد بن أرقم و أبو موسى لم يعلمه فقعد على الباب، فلما جاءوا راسلهم على لسان أبي موسى بمثل ذلك.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه) و عفى عنه- قد خرّج ابن عساكر حديث البئر من طريق بكر بن المختار و من طريق عبد الأعلى عن أبي المساور و كلاهما عن المختار بن فلفل، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

و من طريق المبارك بن فلفل أخي المختار عن أنس، و من طريق أبي معاوية، عن عمرو بن سلمة، عن أبي حازم، عن أنس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

و خرّج معناه من حديث إسماعيل بن قيس، عن أبيه قيس بن زيد بن ثابت، و من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن محمد بن عبد اللَّه، عن المطلب، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

و خرّج البيهقيّ [ (2)] من من حديث يحيى بن سعيد القطان، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي سهلة مولى عثمان بن عفان، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

ادع لي أو ليت عندي رجل من أصحابي، قالت: قلت: أبو بكر؟ قال: لا، قالت:

____________

[ (1)] عبد الأعلى بن أبي المساور، قال البخاريّ: منكر الحديث، و قال يحيى بن معين و أبو داود:

ليس بشي‏ء، و قال النسائي: متروك، و قال الدار الدّارقطنيّ: متروك، و ذكره العقيلي في (الضعفاء الكبير)، و ابن حبان في (المجروحين) و قال: كان ممن يروي عن الأثبات ما لا يشبه حديث الثقات حتى إذا سمعها المبتدئ في هذه الصناعة علم أنها معمولة.

و هو الّذي روي عن نافع عن ابن عمر قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و

سلّم): من أتى منكم الجمعة فليغتسل فإنه كفارة من الجمعة إلى الجمعة.

[ (2)] (المرجع السابق): 391.

201

قلت: عمر؟ قال: لا، قلت: ابن عمك علي؟ قال: لا، قلت: فعثمان؟ قال:

نعم، قال: فجاء عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال: قومي، قال:

فجعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يسر إلى عثمان و لون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار [ (1)] قلنا:

ألا تقاتل؟ قال: لا، إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عهد إليّ أمرا فأنا صابر نفسي عليه [ (2)].

و خرّجه الترمذيّ من حديث يحيى بن سعيد، عن إسماعيل بن خالد، عن قيس [بن أبي حازم‏] حدثني أبو سهلة قال: قال عثمان يوم الدار: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد عهد إليّ عهدا فأنا صابر عليه.

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب لا نعرفه إلا من حديث إسماعيل بن أبي خالد [ (3)].

و للبيهقي من حديث إسماعيل بن جعفر، عن عمرو بن أبي عمر مولى المطلب [ (4)]، عن حذيفة قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

«لا تقوم الساعة حتى تقتلوا إمامكم و تجتلدوا بأسيافكم و يرث دنياكم شراركم» [ (5)].

و قد خرّجه أبو عيسى من حديث عبد العزيز بن محمد، عن عمرو بن أبي عمرو، عن عبد اللَّه و هو ابن عبد الرحمن الأنصاري الأشهليّ، عن حذيفة بن اليمان أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمثله‏

،

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن إنما نعرفه من حديث عمرو بن أبي عمرو [ (6)].

____________

[ (1)] الدار التي حصر فيها عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] و أخرجه الإمام أحمد في (المسند)، حديث رقم (409)، من مسند عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و قال قيس: فكانوا يرونه ذلك اليوم أي يوم الدار.

[ (3)] (سنن الترمذيّ): 5/ 590، كتاب المناقب، باب (19) من مناقب عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، حديث رقم (3711). و أخرجه ابن ماجة في المقدمة، حديث رقم (113).

[ (4)] في (دلائل البيهقيّ): «عبد المطلب- هكذا قال أبو داود- عن حذيفة».

[ (5)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 319.

[ (6)] (سنن الترمذيّ): 4/ 407، كتاب الفتن، باب (9) ما جاء في الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، حديث رقم (2170). و أخرجه ابن ماجة في (السنن): 2/ 1342، كتاب الفتن،

202

و خرج البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن الحكم [المصري‏] و شعيب بن الليث، قالا: حدثنا الليث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط التجيبيّ، عن عبد اللَّه بن حوالة [الأسديّ‏]، عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

من نجا من ثلاث فقد نجا، قالوا: ما ذا يا رسول اللَّه؟ قال: موتى، و قتل خليفة مصطبر بالحق يعطيه، و من الدجال [ (1)].

و خرّج الترمذيّ من طريق حجين بن المثنى، عن الليث بن سعد، عن معاوية بن صالح، عن ربيعة بن يزيد، عن عبد الملك بن عامر، عن النعمان بن بشير، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

يا عثمان إنه لعل اللَّه يقمّصك قميصا، فإن أرادوك على خلعه فلا تخلعه لهم.

قال: و في الحديث قصة طويلة. قال: هذا حديث حسن غريب [ (2)].

و خرّجه البيهقيّ من حديث عبد اللَّه بن صالح قال: حدثني الليث قال:

حدثني خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن ربيعة بن سيف أنه حدثه أنه جلس يوما مع شفيّ الأصبحي فقال: سمعت عبد اللَّه بن عمرو- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- يقول: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

سيكون فيكم اثنا عشر خليفة:

أبو بكر الصديق لا يلبث خلفي [ (3)] إلا قليلا، و صاحب رحى دار العرب يعيش حميدا و يموت شهيدا، فقال رجل: يا رسول اللَّه! و من هو؟ قال:

عمر بن الخطاب، ثم التفت إلى عثمان فقال: و أنت يسألك الناس أن تخلع‏

____________

[ ()] باب (25) أشراط الساعة، حديث رقم (4043)، و أخرجه الإمام أحمد في (المسند):

6/ 537، حديث رقم (22791)، من حديث حذيفة بن اليمان.

[ (1)] (سنن البيهقيّ): 6/ 392.

[ (2)] (سنن الترمذيّ): 5/ 587، كتاب المناقب، باب (19) في مناقب عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- حديث رقم (3705).

[ (3)] في (الأصل): «بعدي» و ما أثبتناه من (دلائل البيهقيّ).