إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
203

قميصا كساكه اللَّه- عز و جل- و الّذي بعثني بالحق لئن خلعته لا تدخل الجنة حتى بلج الجمل في سمّ الخياط [ (1)].

و خرّجه الطبراني من طريق بقية عن صفوان بن عمرو بن يزيد عن النعمان بن بشير قال: حججت فأتيت عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- فقالت: من أنت فقلت أنا النعمان فقالت ابن بشير؟ فقلت: نعم‏

فقال:

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال يوما لعثمان: إن كساك اللَّه ثوبا فأرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه.

قال النعمان: فقلت: غفر اللَّه لك يا أم المؤمنين ألا ذكرت هذا حين جعلوا يختلفون إليك؟ فقالت فقلت: أنسيته حتى بلغ اللَّه فيه أمره.

و خرّجه الإمام أحمد من طريق الوليد بن سليمان قال: حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد اللَّه بن عامر، عن النعمان بن بشير، عن عائشة قالت:

أرسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى عثمان بن عفان فأقبل عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما رأينا رسول اللَّه أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر كلام كلمه، أن ضرب منكبه و قال: يا عثمان إن اللَّه- عز و جل- عسى أن يلبسك قميصا فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثا

فقلت لها: يا أم المؤمنين فأين كان هذا عنك؟ قالت: أنسيته و اللَّه فما ذكرته، قال فأخبرته معاوية بن أبي سفيان فلم يرض بما أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين، أن اكتبى إليّ به، فكتبت به إليه كتابا [ (2)].

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)- و رواه فرج بن فضالة عن محمد بن الوليد الزبيدي، عن الزهريّ، عن عروة عن عائشة.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 392- 393، و سمّ الخياط: خرق الإبرة، و هو كناية على الاستحالة، اقتباسا من قوله- تعالى-: إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَ اسْتَكْبَرُوا عَنْها لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوابُ السَّماءِ وَ لا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وَ كَذلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ‏ [الأعراف: 40].

[ (2)] (مسند أحمد): 7/ 126- 127، حديث رقم (24045)، من حديث السيدة عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-.

204

و رواه محمد بن عبد الأعلى بن كناسة الأسدي أبو يحيى، عن إسحاق بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص، عن ابنه قال: بلغني أن عائشة قالت:

و رواه عبد الرحمن بن أبي الزناد، و حماد بن سلمة كلاهما عن هشام بن عروة، عن ابنه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-.

و رواه يحيى بن سعيد عن إسماعيل، عن قيس، عن أبي سلمة، عن عائشة.

و رواه أبو معاوية محمد بن حازم الضرير، عن إسماعيل بن أبي خالد عن قيس بن أبي حازم، عن أبي سهلة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-.

و رواه سفيان بن عيينة و زيد بن أبي أنيسة، عن إسماعيل بن أبي خالد، فجعله من مسند عثمان.

و خرّج الإمام أحمد [ (1)] من حديث أرطاة بن المنذر، أخبرني أبو عون الأنصاري‏

أن عثمان بن عفان قال لابن مسعود: هل أنت منته عما بلغني عنك؟

فاعتذر إليه بعض العذر، فقال عثمان: ويحك! إني قد سمعت و حفظت و ليس كما سمعت أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: إنه سيقتل أمير و ينتزى منتز

و إني أنا المقتول، و ليس عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- إنما قتل عمر واحد و إنه يجتمع عليّ.

و قال موسى بن عقبة [ (2)]: حدثني جدي أبو أمي أبو حبيبة

أنه دخل الدار و عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- محصور فيها، و أنه سمع أبا هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يستأذن عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في الكلام، فأذن له، فقام فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: إني سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: إنكم ستلقون بعدي فتنة، و اختلافا، أو قال: اختلافا و فتنة، فقال قائل من الناس: فمن لنا يا رسول اللَّه؟ أو ما تأمرنا به؟ قال:

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 1/ 107، حديث رقم (481)، من مسند عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 393.

205

عليكم بالأمين، و أصحابه، و هو يشير إلى عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بذلك.

و قال يعقوب بن سفيان عن عبيد اللَّه بن موسى، قال: أخبرنا إسرائيل، عن منصور عن ربعيّ بن خراش عن البراء بن ناجية الكاهليّ، عن ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

تدور رحى الإسلام عند رأس خمس، أو ست و ثلاثين، أو سبع و ثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، و إلا تروحى عنهم سبعين سنة، فقال عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: أمن هذا؟ أو من مستقبله؟ قال: من مستقبله.

قال البيهقيّ‏

:

تابعه الأعمش، و سفيان الثوريّ، عن منصور [ (1)].

و خرّج الحاكم من حديث قبيصة بن عقبة قال: حدثنا سفيان، عن منصور، عن ربعيّ، عن البراء بن ناجية، عن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

تدور رحى الإسلام على خمس و ثلاثين، أو ست و ثلاثين، فإن يهلكوا فسبيل من هلك، و إن بقي لهم دينهم سبعين عاما، فقال عمر: يا رسول اللَّه بما بقي؟ أو بما مضى؟ قال: بما بقي،

قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد [و لم يخرجاه‏] [ (2)].

و خرجه ابن حبان في (صحيحه) من حديث مسدد، عن يزيد بن مروان، عن العوام بن حوشب، عن سليمان بن أبي عبلة، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن مسعود، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

تدور رحى‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 393- 394.

[ (2)] (المستدرك) 3/ 123، كتاب معرفة الصحابة، حديث رقم (4593). و أخرجه الحاكم أيضا في (المستدرك): 4/ 566، كتاب الفتن و الملاحم، حديث رقم (8589)، و قال: هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، حديث إسناده خارج عن الكتب الثلاث، أخرجته تعجبا إذ هو قريب مما نحن فيه. و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): صحيح.

206

الإسلام على خمس و ثلاثين، أو ست و ثلاثين، فإن هلكوا فسبيل من هلك، و إن بقوا بقي لهم دينهم سبعين سنة [ (1)].

____________

[ (1)] (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان): 15/ 46، كتاب التاريخ، باب (10) إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عما يكون في أمته من الفتن و الحوادث، ذكر خبر شنع به بعض المعطلة و أهل البدع على أصحاب الحديث حيث حرموا توفيق الإصابة لمعناه، حديث رقم (6664) و قال: في هامشه:

إسناده صحيح، رجاله ثقات رجال الصحيح. سليمان بن أبي سليمان: هو أبو إسحاق الشيبانيّ، و القاسم بن عبد الرحمن: هو القاسم بن عبد اللَّه بن مسعود الهذليّ.

ثم قال بعقب هذا الحديث: هذا خبر شنع به أهل البدع على أئمتنا، و زعموا أن أصحاب الحديث حشوية، يروون ما يدفعه العيان و الحسّ، و يصححونه، فإن سئلوا عن وصف ذلك قالوا: نؤمن به و لا نفسّره.

و لسنا بحمد اللَّه و منه مما رمينا في شي‏ء، بل نقول: إن المصطفى (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما خاطب أمته قط بشي‏ء لم يعقل عنه، و لا في سننه شي‏ء لا يعلم معناه، و من زعم أن السنن إذا صحت يجب أن تروى و يؤمن بها من غير أن تفسر و يعقل معناها، فقد قدح في الرسالة، اللَّهمّ إلا أن تكون في السنن الأخبار التي فيها صفات اللَّه جلّ و علا، التي يقع فيها التكييف، بل على الناس الإيمان بها.

و معنى هذا الخبر عندنا مما نقول في كتبنا: إن العرب تطلق اسم الشي‏ء بالكلية على بعض أجزائه، و تطلق العرب في لغتها اسم النهاية على بدايتها، و اسم البداية على نهايتها، أراد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

بقوله: تدور رحى الإسلام على خمس و ثلاثين، أو ست و ثلاثين،

زوال الأمر عن بني هاشم إلى بني أمية، لأن الحكمين كان في آخر سنة ست و ثلاثين، فلما تلعثم الأمر على بني هاشم و شاركهم فيه بنو أمية، أطلق (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اسم نهاية أمرهم على بدايته، و قد ذكرنا استخلافهم واحدا واحدا إلى أن مات عمر بن عبد العزيز سنة إحدى و مائة، و بايع الناس في ذلك يزيد بن عبد الملك، و توفى يزيد بن عبد الملك ببلقاء من أرض الشام [و هي اليوم إحدى محافظات المملكة الأردنية الهاشمية] يوم الجمعة لخمس ليال بقين من شعبان سنة خمس و مائة، و بايع الناس هشام بن عبد الملك أخاه في ذلك اليوم، فولّى هشام خالد بن عبد اللَّه القسري العراق، و عزل عمر بن هبيرة في أول سنة ست و مائة، و ظهرت الدعاة بخراسان لبني العباس، و بايعوا سليمان بن كثير الخزاعي الداعي إلى بني هاشم، فخرج في سنة ست و مائة إلى مكة، و بايعه‏

207

قال البيهقيّ: و بلغني أن في هذا إشارة إلى الفتنة التي كان فيها قتل عثمان سنة خمس و ثلاثين، ثم إلى الفتن التي كانت في أيام على- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و أراد بالسبعين- و اللَّه أعلم- ملك بني أمية، فإنه بقي ما بين أن استقر لهم الملك إلى أن ظهرت الدعاة بخراسان، و ضعف أمر بنى أمية، و دخل الوهن فيه نحوا من سبعين سنة [ (1)].

و خرّج البيهقيّ من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة أن رجلا حدثه، عن عبد الرحمن بن عديس [ (2)] أنه قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

يخرج أناس يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون في جبل لبان، أو الجليل، أو جبل لبنان [ (3)].

و خرّجه ابن يونس من حديث ابن لهيعة، عن عياش بن عياش، عن الهيثم بن شفيّ، عن عبد الرحمن بن عديس قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

يخرج ناس من أمتي يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية يقتلون في جبل لبنان و الخليل [ (4)].

و من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب أن معاوية بن أبي سفيان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أخذ ابن عديس في زمن أهل مصر، فجعله في بعلبكّ، فهرب منه، فطلب سفيان بن مجيب فأدركه رجل رام من قريش،

____________

[ ()] الناس لبني هاشم، فكان ذلك تلعثم أمور بني أمية، حيث شاركهم فيه بنو هاشم، فأطلق اسم نهاية أمرهم على بدايته، و قال: و إن بقوا بقي لهم دينهم سبعين سنة، يريد على ما كانوا عليه.

(الإحسان): 15/ 47- 49.

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 394.

[ (2)] عبد الرحمن بن عديس بن عمرو بن كلاب البلوي، صحب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و سمع منه، و شهد فتح مصر، و كان فيمن سار إلى عثمان.

[ (3)] أخرجه يعقوب بن سفيان، و البغوي، و ابن مندة، و ابن السكن، و غيرهم، و هو في (كنز العمال) رقم (31243) و عزاه إلى ابن مندة و الطبرانيّ و البيهقيّ و ابن عساكر عن عبد الرحمن بن عديس.

[ (4)] راجع التعليق السابق.

208

فأشار إليه بنشابة، فقال ابن عديس: أنشدك اللَّه في دمي، فإنّي ممن بايع تحت الشجرة، فقال: إن الشجر كثير في الجبل، أو قال: الجليل فقتله، قال ابن لهيعة: كان عبد الرحمن بن عديس البلويّ سار بأهل مصر إلى عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقتلوه، ثم قتل ابن عديس بعد ذلك [ (1)] [بعام أو اثنين بجبل لبنان أو بالجليل‏] [ (2)].

قال البيهقيّ: و رواه عثمان بن صالح، عن ابن لهيعة، عن عياش بن عياش، عن أبي الحصين، عن عبد الرحمن بن عديس بمعنى الحديث المرفوع ثمّ في قتله، و رواه عمرو بن الحارث، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بمعنى الحديث المرفوع [ (3)].

قال البيهقيّ: و بلغني عن محمد بن يحيى الذّهليّ أنه قال: عبد الرحمن البلويّ هو رأس الفتنة لا يحل أن يحدّث عنه بشي‏ء، و

بلغني عن أبي حامد بن الشرقي أنه قال: حدثونا أن عبد الرحمن البلويّ هذا خطب حين حصر عثمان، فقال ابن مسعود يقول: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

عثمان أضلّ عيبة بفلاة عليها قفل ضل مفتاحها،

فبلغ ذلك عثمان فقال: كذب البلويّ ما سمعها من عبد اللَّه بن مسعود، و لا سمعها من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (4)].

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)-: قد روى الشاميون عدة أحاديث في مقتل عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أورد منها الحافظ أبو القاسم بن عساكر جملة في تاريخ دمشق، و لما كلم على عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- عند ما بدأ الناس يعينونه، كان مما قاله لعثمان: و إني أحذرك أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه كان يقال: يقتل في هذه الأمة إمام يفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 394- 395.

[ (2)] زيادة للسياق من المرجع السابق.

[ (3)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 395.

[ (4)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 395.

209

و قال عبد اللَّه بن محمد بن عقيل: قتل عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- سنة خمس و ثلاثين، فكانت الفتنة خمس سنين منها أربعة أشهر للحسن- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-. قاله الإمام أحمد في (المسند) [ (1)].

و أما إنذاره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأقوام يؤخرون الصلاة

فخرّج مسلم [ (2)] عن حماد بن زيد، عن أبي عمران الجونيّ، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كيف أنت إذا كانت عليك أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، أو يميتون الصلاة عن وقتها؟ قال: قلت: فما تأمرني؟ قال: صلّ الصلاة لوقتها، فإن أدركتها معهم فصلّ، فإنّها لك نافلة.

و خرّج مسلم [ (3)] و الترمذي [ (4)] من حديث جعفر بن سليمان، عن أبي عمران الجوني، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر قال: قال لي رسول‏

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 1/ 119، حديث رقم (551) من مسند عثمان بن عفان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 152- 153، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب (41) كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، و ما يفعله المأموم إذا أخرها الإمام، حديث رقم (238).

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (239).

[ (4)] (سنن الترمذيّ): 1/ 332- 333، أبواب الصلاة، باب (129) ما جاء في تعجيل الصلاة إذا أخرها الإمام، حديث رقم (176).

قال الإمام النووي في (شرح مسلم): معنى يميتون الصلاة: يؤخرنها فيجعلونها كالميت الّذي خرجت روحه، و المراد بتأخيرها عن وقتها، أي وقتها المختار، لا عن جميع وقتها، فإن المنقول عن الأمراء المتقدمين و المتأخرين إنما هو تأخيرها عن وقتها المختار، و لم يؤخرها أحد منهم عن جميع وقتها، فوجب حمل هذه الأخبار على ما هو الواقع.

و قال الحافظ في (الفتح): قال المهلب: المراد بتضييعها تأخيرها عن وقتها المستحب، لا أنهم أخرجوها عن الوقت. كذا قال: و تبعه جماعة، و هو مخالف للواقع، فقد صح أن‏

210

اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

يا أبا ذر إنه سيكون بعدي أمراء يميتون الصلاة، فصلّ الصلاة لوقتها، فإن صليت لوقتها كانت لك نافلة و إلا كنت قد أحرزت صلاتك.

و خرّج مسلم [ (1)] و النسائي [ (2)] من حديث يحيى بن حبيب الحارثي، حدثنا خالد بن الحارث قال: حدثنا شعبة، عن بديل قال: سمعت أبا العالية يحدث عن عبد اللَّه بن الصامت عن أبي ذر قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ضرب فخذي:

كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ قال: فما تأمر؟

قال: صلّ الصلاة لوقتها، ثم اذهب لحاجتك، فإن أقيمت الصلاة و أنت في المسجد، فصل.

____________

[ ()] الحجاج و أميره الوليد و غيرهما، كانوا يؤخرون الصلاة عن وقتها، و الآثار في ذلك مشهورة، منها: ما رواه عبد الرزاق عن ابن جريح عن عطاء قال: أخر الوليد الجمعة حتى أمسى، فجئت فصليت الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر و أنا جالس ايماء و هو يخطب. و إنما فعل ذلك عطاء خوفا على نفسه من القتل.

و منها ما رواه أبو نعيم- شيخ البخاريّ- في كتاب الصلاة من طريق أبي بكر بن عتبة، قال: صليت إلى جنب أبي جحيفة، فمسي الحجاج بالصلاة، فقام أبو جحيفة فصلى.

و من طريق ابن عمر: أنه كان يصلي مع الحجاج، فلما أخر الصلاة ترك أن يشهدها معه، فنظرت إلى سعيد بن جبير و عطاء يومئان إيماء و هما قاعدان.

قال أبو عيسى: و في الباب عن عبد اللَّه بن مسعود، و عبادة بن الصامت، قال: و حديث أبي ذر حديث حسن [بل هو حديث صحيح، رواه مسلم، و أبو داود، و الدارميّ، و نسبه إلى المنذريّ أيضا و ابن ماجة].

قال أبو عيسى: و هو قول غير واحد من أهل العلم: يستحبون أن يصلي الرجل الصلاة لميقاتها إذا أخرها الإمام، ثم يصلى مع الإمام، و الصلاة الأولى المكتوبة عند أكثر أهل العلم.

و أبو عمران الجونيّ اسمه: عبد الملك بن حبيب.

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 5/ 155، كتاب المساجد و مواضع الصلاة، باب (41) كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار، و ما يفعله المأموم إذا أخرها، حديث رقم (241).

[ (2)] (سنن النسائي): 2/ 409- 410، كتاب الإمامة، باب (2) الصلاة مع أئمة الجور، حديث رقم (777).

211

و خرّجاه [ (1)] من حديث إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب عن أبي العالية البراء قال:

أخر ابن زياد الصلاة، فجاءني عبد اللَّه بن الصامت، فألقيت له كرسيا، فجلس عليه، فذكرت له صنيع ابن زياد، فعض على شفته و ضرب على فخذي و قال: إني سألت أبا ذرّ كما سألتني فضرب فخذي كما ضربت فخذك، و قال: إني سألت رسول اللَّه ص كما سألتني، فضرب فخذي كما ضربت فخذك، و قال: صلّ الصلاة لوقتها فإن أدركتك الصلاة معهم فصلّ و لا تقل: إني قد صليت، فلا أصلي.

و خرّجاه [ (2)] من حديث خالد بن الحارث قال: عن شعبة، عن أبي نعامة، عن عبد اللَّه بن الصامت، عن أبي ذر قال:

كيف أنتم؟ أو قال: كيف أنت إذا بقيت في قوم يؤخرون الصلاة عن وقتها؟ فصلّ الصلاة لوقتها، ثم إن أقيمت الصلاة فصلّ معهم فإنّها زيادة خير.

و خرّج مسلم [ (3)] من طريق مطر، عن أبي العالية البراء قال:

قلت لعبد اللَّه بن الصامت: نصلي يوم الجمعة خلف أمراء، فيؤخرون الصلاة، قال:

فضرب فخذي ضربة أوجعتني و قال: سألت أبا ذر عن ذلك، فضرب فخذي، و قال: سألت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ذلك، فقال: صلوا الصلاة لوقتها، و اجعلوا صلاتكم معهم نافلة.

و لابن الجارود من حديث أبي بكر بن عياش، عن عاصم، عن زرّ بن حبيش، عن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: لعلكم تدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها، فإن أدركتموهم، فصلوا في بيوتكم الوقت الّذي تعرفون، ثم صلوا معهم، و اجعلوها تسبيح.

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): حديث رقم (242)، كتاب المساجد و مواضع الصلاة.

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): حديث رقم (243)، كتاب المساجد و مواضع الصلاة.

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): حديث رقم (244)، كتاب المساجد و مواضع الصلاة ثم قال بعقبة:

قال: و قال عبد اللَّه: ذكر لي أن نبي اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ضرب فخذ أبي ذر.

212

و قال ابن عبد البر: و قد روى الخبر عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبادة بن الصامت، و عامر بن ربيعة، و قبيصة بن وقاص، و معاذ بن جبل، كما رواه أبو ذر، و ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- و هي آثار صحاح كلها ثابتة.

خرّج البيهقيّ من طريق عبد اللَّه بن عثمان بن خيثم، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود، قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إنه سيلي أمركم قوم يطفئون السنة، و يحدثون البدعة، و يؤخرون الصلاة عن مواقيتها.

قال ابن مسعود: فكيف أصنع يا رسول اللَّه إن أدركتهم؟ قال: يا ابن أم عبد لا طاعة لمن عصى اللَّه، قالها ثلاثا [ (1)].

و من طريق ابن خثيم، عن القاسم بن عبد الرحمن أن أباه أخبره أن الوليد بن عقبة أخر الصلاة بالكوفة و أنا جالس مع أبي في المسجد، فقام عبد اللَّه بن مسعود، فثوب بالصلاة، فصلى بالناس، فأرسل الوليد إليه: ما حملك على ما صنعت، أ جاءك من أمير المؤمنين أمر؟ فسمع و طاعة، أم ابتدعت الّذي صنعت؟ قال: لم يأتنا من أمير المؤمنين أمر، و معاذ اللَّه أن أكون ابتدعت أبى اللَّه علينا و رسوله أن ننتظرك في صلاتنا و نتبع حاجتك [ (2)].

و روى ابن يونس من طريق عيسى بن حماد، عن ابن وهب، عن عمرو بن مالك، و حيوة بن شريح، عن ابن الهاد، قال: خرجت أنا و ربيعة بن أبي عبد الرحمن، و عبد الرحمن بن القاسم، فقال ربيعة: سأل رجل القاسم بن محمد و أنا و عبد الرحمن معه، و ذلك في إمرة ابن حبان، و كان ابن حبان يؤخر الصلاة، و كان الناس يومئذ لا يصلون الصلاة معهم حتى يذهب وقتها، فقال له رجل: يا أبا محمد صليت قبله؟- يعني ابن حبان- قال: نعم، قال:

و تصلي معهم أيضا؟ قال: نعم، قال: تصلي مرتين؟ فقال القاسم: نعم أصلى مرتين أحب إليّ من أن لا أصلي.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 396، باب ما جاء في في إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد اللَّه بن مسعود و غيره بأنهم يدركون أقواما يصلون الصلاة لغير وقتها، و ما ظهر من صدقة فيما قال. و أخرجه ابن ماجة في كتاب الجهاد، باب (40) لا طاعة في معصية اللَّه، حديث رقم (2865).

[ (2)] (المرجع السابق): 397.

213

و قال عيسى بن حماد: قلت لعبد اللَّه بن وهب: فما كان يمنعهم أن يصلوا في منازلهم، و لا يحضروا معهم؟ قال: لم يكن يمكنهم ذلك، كان من تخلف عنهم عوقب أشد العقوبة.

قال ابن وهب: حدثني الحارث بن نبهان، عن سليمان بن عمرو عن محمد بن إسماعيل قال: كنت بين عطاء، و سعيد بن جبير، و الحجاج بن يوسف يخطب، و قد أخر الصلاة حتى كادت تفوت، قال: فرأيت عطاء، و سعيد بن جبير يصليان إيماء.

و ذكر ابن عبد البر من حديث حفص بن غياث، عن عقبة بن معتب، قال: كنا نصلي مع الحجاج الجمعة، ثم ننصرف فنبادر مسجد سماك نصلي العصر.

و عن ابن جريح، عن عطاء قال: أخّر الوليد مرة الجمعة حتى أمسى، قال: فصلينا الظهر قبل أن أجلس، ثم صليت العصر و أنا جالس و هو يخطب، قال أضع يدي على ركبتي، و أومى إيماء برأسي.

و عن الثوري، عن محمد بن إسماعيل قال: رأيت سعيد بن جبير، و عطاء بن أبي رباح، أخّر الوليد بن عبد الملك الصلاة، فرأيتهما يومئان إيماء و هما قاعدان.

و عن الثوري، عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق و أبى عبيدة أنهما كانا يصليان الظهر إذا حانت الظهر، و إذا حانت العصر صليا العصر في المسجد مكانهما، و كان ابن زياد يؤخر الظهر و العصر.

و عن إسرائيل، عن عامر بن شقيق، عن شقيق قال: كان يأمرنا أن نصلي الجمعة في بيوتنا، ثم نأتي المسجد و ذلك أن الحجاج كان يؤخر الصلاة.

و قال أبو زرعة عن أبي مسهر، عن سعيد بن عبد العزيز قال: كانوا يؤخرون الصلاة في أيام الوليد بن عبد الملك، و يستحلون الناس أنهم ما صلوا، فأتى عبد اللَّه بن أبي زكريا، فاستحلف أنه ما صلى، و قد كان صلى، و أتى مكحول، فقال: فلما جئنا إذن؟ فترك.

قال ابن عبد البر: و كانت ملوك بنى أمية على تأخير الصلاة، كان ذلك شأنهم قديما من زمن عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و قد كان الوليد

214

ابن عقبة يؤخرها في زمن عثمان، و كان ابن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- ينكر ذلك عليه، و من أجل ذلك حدث ابن مسعود بالحديث في ذلك، و كانت وفاة ابن مسعود في خلافة عثمان، قال: و إنما صلّى من صلّى إيماء و قاعدا لخوف خروج الوقت، و للخوف على نفسه القتل و الضرب، و من كان شأنه التأخير لم يؤمن عليه فوات الوقت من المدينة و الشام إلا على إنكاره عليهم تأخير الصلاة، و لا يصح عندي إخراجه من المدينة ذلك، و إنما حمل العلماء- و اللَّه أعلم- الصلاة معهم أمره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك، و حضه على لزوم الجماعة، و

في قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأبي ذر:

كيف بك يا أبا ذر إذا كان عليك أمراء؟

و يقوله لكبار الصحابة الذين رووا الحديث: يكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة، دليل على تأخير الصلاة عن وقتها، و قد كان قبل زمن الوليد بن عبد الملك لأن أبا ذر توفى في خلافة عثمان بالربذة [ (1)]، و دفن بها على قارعة الطريق، و صلّى عليه ابن مسعود منصرفه من الكوفة إلى المدينة، و توفى ابن مسعود بالمدينة بعد ذلك بيسير، و في‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حديث أبي ذر و غيره:

سيكون عليكم أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها،

و لم يقل: خلفا، دليل على أن عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- لم يكن يؤخر الصلاة، و لا يظن ذلك مسلم به لأن عثمان من الخلفاء لا من الأمراء،

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

عليكم بسنتي و سنة الخلفاء الراشدين من بعدي، أبي بكر، و عمر، و عثمان، و عليّ، فسماهم خلفاء، و قال: الخلافة بعدي ثلاثون سنة، ثم إمارة، و ملكا، و جبروتا،

فتضمنت الخلافة هذه الأربعة.

____________

[ (1)] الرَّبَذَة: من قرى المدينة على ثلاثة أيام، قريبة من ذات عرق على طريق الحجاز إذا رحلت من فيد تريد مكة، و بهذا الموضع قبر أبي ذرّ الغفاريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و اسمه جندب بن جنادة. (معجم البلدان):/ 27، موضع رقم (5353) مختصرا.

215

و أما ظهور صدقة (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما قال لعقبة بن أبي معيط في صبيته‏

فخرّج البيهقيّ [ (1)] من حديث زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن إبراهيم قال: أراد الضحاك بن قيس أن يستعمل مسروقا، فقال له عمارة بن عقبة: عن أبي معيط تستعمل رجلا من بقايا قتله عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-،

فقال له مسروق: عن عبد اللَّه بن مسعود- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

، و كان في أنفسنا موثوق الحديث، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما أراد قتل أبيك قال: من للصبية قال: النار، فقد رضيت لك ما رضي لك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و قال الإمام أحمد [ (2)]: عن فياض بن محمد الرقى، عن جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج الكلابي، عن عبد اللَّه الهمدانيّ، عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم، فيمسح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على رءوسهم، و يدعو لهم، فجي‏ء بي إليه و إني مطيب بالخلوق فلم يمسح على رأسي و لم يمنعه من ذلك إلا أن أمي خلقتني بالخلوق فلم يمسني من أجل الخلوق.

قال الإمام أحمد [ (3)] و قد روي أنه مسح يومئذ فقذره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلم يمسه و لم يدع له الخلوق و لا يمنع من الدعاء لطفل في فعل غيره لكنه منع بركة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لسابق علم اللَّه فيه.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه) و عفى عنه-: عبد اللَّه الهمزاني على الشك أبو موسى قال ابن عدي: لا يصح حديثه، قال البخاريّ [ (4)]: قال ابن عدي‏

____________

[ (1)] (سنن البيهقيّ): 9/ 65، كتاب السير، باب ما يفعله بالرجال البالغين منهم.

[ (2)] (مسند أحمد): 4/ 615- 616، حديث رقم (15944). من حديث الوليد بن عقبة بن أبي معيط- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (3)] راجع التعليق السابق.

216

و عبد اللَّه الهمدانيّ: لم ينسب و لم أعرفه إلا هكذا، و قال ابن عبد البر و أبو موسى: هذا محمول و الحديث منكر مضطرب لا يصح، و لا يمكن أن يكون من بعث مصدقا في زمن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صبيا يوم الفتح، و يدل أيضا على فساد ما رواه أبو موسى مجهول، إن الزبير و غيره من أهل العلم اليسير و الخبر، ذكروا أن الوليد و عمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة و كانت هجرتها في الهدنة بين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و بين أهل مكة و من كان غلاما مخلقا يوم الفتح يجي‏ء منه مثل هذا و ذلك واضح و الحمد للَّه.

____________

[ ()] (4) (جامع الأصول): 4/ 746، حديث رقم (2879)، أخرجه أبو داود رقم (4181) في الترجل، باب في الخلوق للرجال، و من حديث جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن عبد اللَّه الهمدانيّ، عن الوليد بن عقبة، و قال فيه غيره: عن أبي موسى الهمدانيّ، عن الوليد ابن عقبة، و يقال: الهمدانيّ، قاله جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، و لا يصح حديثه. و قال الحافظ أبو القاسم الدمشقيّ: إن عبد اللَّه الهمدانيّ هو أبو موسى. و قال الحاكم أبو أحمد: الكرابيسي و ليس يعرف أبو موسى الهمدانيّ، و لا عبد اللَّه الهمدانيّ، و قد خولف في هذا الإسناد. و قال ابن أبي خثيمة: أبو موسى الهمدانيّ اسمه عبد اللَّه، و هذا حديث مضطرب الإسناد، و لا يستقيم عن أصحاب التواريخ أن الوليد بن عقبة كان يوم فتح مكة صغيرا، و قد روي أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعثه ساعيا إلى بني المصطلق، و شكته زوجته إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و روي أنه قدم في فداء من أسر يوم بدر.

و قال أبو عمر النمري: و هذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج، عن أبي موسى الهمدانيّ، و يقال: الهمدانيّ، كذلك ذكره البخاريّ على الشك، عن الوليد بن عقبة.

قالوا: و أبو موسى هذا مجهول، و الحديث منكر مضطرب لا يصح، و لا يمكن أن يكون من بعث مصدقا في زمن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صبيا يوم الفتح، و بدل على فساد ما رواه أبو موسى المجهول:

أن الزبير بن بكار و غيره ذكروا أن الوليد و عمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، و كانت هجرتها في الهدنة بين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بين أهل مكة. و من كان غلاما مخلقا يوم الفتح ليس يجي‏ء منه مثل هذا، ثم قال: و له أخبار فيها نكارة و شناعة. و قال الحافظ ابن حجر في (التقريب): عبد اللَّه الهمدانيّ أو أبو موسى مجهول، و خبره منكر، قاله ابن عبد البر.

217

و قال عبد الرزاق [ (1)]: عن معمر، عن قتادة في قوله- تعالى- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا [ (2)] قال: بعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الوليد بن عقبة إلى بنى المصطلق، فأتاهم الوليد بن عقبة فخرجوا يتلقونه، ففرقهم فرجع إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: ارتدوا، فبعث النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خالد بن الوليد، فلما دنا منهم، بعث عيونا ليلا فإذا هم يصلون و ينادون فأتاهم خالد، فلم ير منهم إلا طاعة و خيرا، فرجع إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره، فأنزل اللَّه الآية- و قال ابن عبد البر: و لا خلاف بين أهل العلم بتأويل القرآن فيما علمت أن قوله- عز و جل- إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ نزلت في الوليد بن عقبة و ذكر ذلك عن مجاهد و قتادة و ابن أبي ليلى.

و من حديث الحكم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: نزلت في علي بن أبي طالب و الوليد بن عقبة في قصة ذكرها أَ فَمَنْ كانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كانَ فاسِقاً لا يَسْتَوُونَ‏ [ (3)].

قال ابن عبد البر [ (4)]: و كان الأصمعي و أبو عبيدة و ابن الكلبي و غيرهم يقولون: كان الوليد بن عقبة فاسقا شريب خمر و كان شاعرا كريما [تجاوز اللَّه عنا و عنه‏] قال أبو عمر بن عبد البر: أخباره في شرب الخمر و منادمته أبا زبيد الطائي كثيرة مشهورة يسمج بنا ذكرها هنا، و له أخبار فيها نكارة و شناعة بقطع على سوء حاله، و قبح أفعاله، غفر اللَّه لنا و له، فلقد كان من رجالات قريش ظرفا و حلما و شجاعة و أدبا و كان من الشعراء المطبوعين، و تذكر منها طرفا: ذكر عمر بن شبة قال: عن هارون بن معروف عن ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب قال: صلى الوليد [ابن عقبة] بأهل الكوفة الصبح أربع ركعات، ثم التفت إليهم فقال: أزيدكم؟ فقال عبد اللَّه بن مسعود: ما زلنا معك في زيادة منذ اليوم.

____________

[ (1)] (تفسير عبد الرزاق): 2/ 188، تفسير سورة الحجرات، مسألة رقم (2929).

[ (2)] الحجرات: 6.

[ (3)] السجدة: 18.

[ (4)] (الإستيعاب): 4/ 1552- 1557، ترجمة رقم (2721).

218

قال: و حدثنا محمد بن حميد، عن جرير، عن الأجلح، عن الشعبي في حديث الوليد بن عقبة حين شهدوا عليه فقال الخطيئة: في ذلك:

شهد الخطيئة يوم يلقي ربه* * * أن الوليد أحق بالغدر

نادي و قد تمت صلاتهم* * * أ أزيدكم سكرا و ما يدري‏

فأبوا أبا وهب و لو أذنوا* * * لقرنت بين الشفع و الوتر

كفّوا عنانك إذ جريت و لو* * * تركوا عنانك لم تزل تجري‏

و قال أيضا:

تكلم في الصلاة و زاد فيها* * * علانية و جاهر بالنفاق‏

و مج الخمر في سنن المصلي* * * و نادي و الجميع إلى افتراق‏

أزيدكم على أن تحمدوني* * * فما لكم و ما لي من خلاق‏

قال ابن عبد البر: و خبر صلاته بهم و هو سكران، و قوله لهم: أزيدكم بعد أن صلى الصبح أربعا، مشهورة من رواية الثقات من نقل أهل الحديث و أهل الإخبار.

و قد روى فيما ذكر الطبري: أنه تعصب عليه قوم من أهل الكوفة بغيا و حسدا و شهدوا عليه زورا أنه تقيأ الخمر، و ذكر القصة، قال ابن عبد البر:

و هذا الخبر من نقل أهل الأخبار لا يصح عند أهل الحديث: و لا له عند أهل العلم أصل، و الصحيح عندهم في ذلك ما رواه عبد العزيز بن المختار و سعيد بن أبي عروبة، عن عبد اللَّه الداناج، عن حصين بن المنذر أبي ساسان، أنه ركب إلى عثمان فأخبره بقصة الوليد، و قدم على عثمان رجلان فشهدا عليه بشرب الخمر، و أنه صلى صلاة الغداة بالكوفة أربعا، ثم قال:

أزيدكم؟ فقال أحدهما: رأيته يشربها، و قال الآخر: رأيته يتقيأها، فقال عثمان: إنه لم يتقيأها حتى شربها. و قال لعلي: أقم عليه الحد،

فقال عليّ لابن أخيه عبد اللَّه بن جعفر أقم عبد اللَّه بن جعفر أقم عليه الحد، فأخذ السوط، فجلده و عثمان يعد، حتى بلغ أربعين، فقال عليّ: أمسك، جلد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الخمر أربعين، و جلد أبو بكر أربعين، و جلد عمر ثمانين، و كل سنة.

قال ابن عبد البر: و كان معاوية لا يرضاه، و هو الّذي حرضه على قتال عليّ، فرب حريص محروم.

219

و ذكر له ابن عبد البر [ (1)] في تحريضه معاوية على قتال عليّ أتركها طلبا للاختيار.

و قد سمع أبو جعفر محمد بن جرير الطبري- (رحمه اللَّه)- فيما ذكر من تعصب القوم، قال الوليد: و إنهم شهدوا عليه بالزور، سيف بن عمر فإنه أورد ذلك في كتاب (الردة) له، و لو لا خوف الإطالة لنقلت ما رواه من ذلك.

و قد خرّج البيهقيّ حديث عبد اللَّه الداناج من طريق سعيد بن أيوب قال يزيد بن هارون عن سعيد بن أبي عروبة، عن عبد اللَّه الداناج فذكره.

و أما إنذاره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالفتن من بعده فكان كما أخبر (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و وقعت الفتنة في آخر أيام عثمان و في أيام علي رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما

فخرّج البخاريّ [ (2)] من حديث ابن عيينة أنه سمع الزهريّ، عن عروة، عن زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة، عن زينب بنت جحش- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أنها قالت:

استيقظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من النوم محمرا وجهه يقول: لا إله إلا اللَّه ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذه- و عقد سفيان تسعين أو مائة- قيل: أ نهلك و فينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.

____________

[ (1)] (الاستيعاب): 4/ 1555، ترجمة رقم (2721).

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 470، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (7) قصة يأجوج و مأجوج، حديث رقم (3346)، و في كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3598). و أخرجه في كتاب الفتن، باب (4) قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ويل للعرب من شر قد اقترب، حديث رقم (7059).

220

و خرّجه مسلم [ (1)] من حديث سفيان بهذا الإسناد و لفظه‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استيقظ من نومه و هو يقول لا إله إلا اللَّه ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذه- و عقد سفيان بيده عشرة- قلت: يا رسول اللَّه أ نهلك و فينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث.

و خرّجه مسلم [ (2)] من حديث يونس عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير أن زينب بنت أبي سلمة أخبرته أم حبيبة بنت أبي سفيان أخبرتها أن زينب بنت جحش قالت:

خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوما فزعا محمرا وجهه يقول لا إله إلا اللَّه ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج و مأجوج مثل هذا و حلق بإصبعه الإبهام و التي تليها فقلت: يا رسول اللَّه أ نهلك و فينا الصالحون؟

قال: نعم إذا كثر الخبث.

و خرّجه من حديث الليث [ (3)] قال: حدثني عقيل بن خالد، و من حديث إبراهيم بن سعد قال أبي: عن صالح كلاهما عن ابن شهاب بمثل حديث يونس، عن الزهريّ بإسناده.

و خرّجه البخاريّ في كتاب الأنبياء [ (4)] من حديث الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة.

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 18/ 219- 220، كتاب الفتن و أشراط الساعة باب (1) اقتران الفتن، و فتح ردم يأجوج و مأجوج، حديث رقم (1).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (2).

قال الإمام النووي: هذا الإسناد اجتمع فيه أربع صحابيات: زوجتان لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ربيبتان له بعضهن عن بعض، و لا يعلم حديث اجتمع فيه أربع صحابيات بعضهن عن بعض غيره.

قوله‏ (أ نهلك و فينا الصالحون؟) قال: إذا كثر الخبث‏

هو بفتح الخاء و الباء و فسره الجمهور بالفسوق و الفجور، و قيل: المراد الزنا خاصة، و قيل أولاد الزنا، و الظاهر أنه المعاصي مطلقا و يهلك بكسر اللام على اللغة الفصيجة المشهورة و حكى فتحها و هو ضعيف، أو فاسق و معنى الحديث أن الخبث إذا كثر فقد يحصل الهلاك العام و إن كان هناك صالحون.

[ (3)] (المرجع السابق): الحديث الّذي بين (2)، (3) بدون رقم.

[ (4)] (فتح الباري): 6/ 470، كتاب أحاديث الأنبياء، باب (7) قصة يأجوج و مأجوج، حديث رقم (3346) و أطرافه في (3598)، (7050)، (7135).

221

و خرّجه في كتاب الفتن [ (1)] من حديث محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن عروة مثل حديث عقيل.

و خرّجه في باب علامات النبوة [ (2)] في الإسلام من حديث شعيب، عن الزهريّ قال: أخبرني عروة نحو حديث عقيل، و لأبي داود [ (3)] من حديث عقيل، و لأبي داود من حديث سلام بن سلام بن سليم، عن منصور، عن هلال بن سياف، عن سعيد بن زيد، قال:

كنا عند النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكر فتنة فعظم أمرها أو قالوا: يا رسول اللَّه لئن أدركتنا هذه لتهلكنا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كلا، إن بحسبكم القتل، قال سعيد: فرأيت إخواني قتلوا.

و له من حديث الأعمش عن أبي صالح، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

ويل للعرب من شر قد اقترب، موتوا إن استطعتم.

و خرّج الحاكم [ (4)] من حديث عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن إسماعيل بن أمية، عن سعيد بن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

ويل للعرب من شر قد اقترب، على رأس الستين تصير الأمانة غنيمة، و الصدقة غرامة، و الشهادة بالمعرفة، و الحكم بالهوى [ (5)].

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

[ (3)] (سنن أبي داود): 4/ 468، كتاب الفتن و الملاحم، باب (7) ما يرجى في القتل، حديث رقم (4277).

[ (4)] (المستدرك): 4/ 486، كتاب الفتن و الملاحم، باب (50) حديث رقم (8357) قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): على شرط مسلم.

[ (5)] (المرجع السابق): 4/ 530، حديث رقم (8489). و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص):

على شرط البخاريّ و مسلم.

222

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين و لم يخرّجاه بهذه الزيادات.

و قال سليمان بن حرب عن يزيد بن إبراهيم التستري قال: سمعت الحسن- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يقول: قال الزبير: لما نزلت‏ وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً [ (1)] ما كنا نشعر أنها وقعت. و لأبي داود الطيالسي من حديث الصلت بن دينار قال: حدثنا عقبة بن صهبان و أبو رجاء العطاردي قالا: سمعنا الزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و هو يتلو هذه الآية: وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال: وقعت حيث وقعت [ (2)].

و قال الإمام أحمد [ (3)]: حدثنا أبو سعيد- مولى بني هاشم، عن شداد يعني ابن سعيد، عن غيلان بن جرير، عن مطرف قال: قلنا للزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: يا أبا عبد اللَّه ما جاء بكم؟ ضيعتم الخليفة حتى قتل، ثم جئتم تطلبون بدمه؟، قال الزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: إنا قرأناها على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أبي بكر و عمر و عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- وَ اتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً قال: لقد تلوت هذه الآية زمانا و ما أراني من أهلها فأصبحنا من أهلها.

و خرّجه من حديث أسود بن عامر حدثنا جرير سمعت الحسن قال: قال الزبير: فذكر معناه.

و خرّج البخاريّ [ (4)] من حديث شعيب عن الإمام، و من حديث محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب، عن هند بنت الحارث الرواسية أن أم سلمة زوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قالت:

استيقظ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليلة فزعا يقول سبحان اللَّه ما ذا أنزل‏

____________

[ (1)] الأنفال: 25.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 6/ 406- 407.

[ (3)] (مسند أحمد): 1/ 267، حديث رقم (1417).

[ (4)] (فتح الباري): 6/ 759، كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3599).

223

اللَّه من الخزائن و ما ذا أنزل من الفتن [ (1)]؟ من يوقظ صواحب الحجرات- يريد أزواجه- لكي يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة.

ذكره في الفتن، و ذكره في كتاب الأدب من حديث شعيب عن الزهريّ، حدثتني هند بنت الحارث أن أم سلمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

استيقظ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال سبحان اللَّه ما ذا أنزل من الخزائن، و ما ذا أنزل من الفتن؟

من يوقظ صواحب الحجر- يريد أزواجه- حتى يصلين؟ رب كاسية في الدنيا عارية في الآخرة،

و خرّجه في كتاب (العلم) [ (2)] و في كتاب (اللباس) [ (3)] من حديث معمر عن الزهريّ.

و خرّج البخاريّ [ (4)] و مسلم [ (5)] كلاهما من حديث سفيان بن عيينة، عن الزهريّ، عن عروة، عن أسامة بن زيد- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-

____________

[ (1)] إلى هنا آخر الحديث في المناقب، و سياقته في كتاب الفتن أتم.

[ (2)] (المرجع السابق): 1/ 280، كتاب العلم، باب (40) العلم و العظة بالليل، حديث رقم (115).

[ (3)] (المرجع السابق): 10/ 372، كتاب اللباس، باب (31) ما كان النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتجوز من اللباس و البسط، حديث رقم (5844).

[ (4)] المرجع السابق 13/ 14، كتاب الفتن، باب (4) قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ويل للعرب، من شر قد اقترب. حديث رقم (7060).

قال الحافظ: و إنما اختصت المدينة بذلك لأن قتل عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- كان بها، ثم انتشرت الفتن في البلاد بعد ذلك، فالقتال بالجمل و بصفين كان بسبب قتل عثمان، و القتال بالنهروان كان بسبب التحكيم بصفين و كل قتال وقع في ذلك العصر إنما تولد عن شي‏ء من ذلك أو عن شي‏ء تولد بتوليته لهم، و أول ما نشأ ذلك من العراق و هي من جهة المشرق فلا منافاة بين حديث الباب و بين الحديث الآتي: إن الفتنة من قبل المشرق، و حسن التشبيه بالمطر لإرادة التعميم لأنه إذا وقع في أرض معينة عمها و لو في بعض حباتها، قال ابن بطال: أنذر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في حديث زينب بقرب قيام الساعة كي يتوبوا قبل أن تهجم عليهم، و قد ثبت أن خروج يأجوج و مأجوج قرب قيام الساعة فإذا فتح من ردمهم ذلك القدر في زمنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يزل الفتح يتسع على مر الأوقات،

و قد جاء في حديث أبي هريرة رفعه‏ «ويل» للعرب من شر

224

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أشرف على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ قالوا:

لا، قال: فإنّي لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كوقع القطر. و قال البخاريّ:

على أطم من الآطام و قال: إني أرى الفتن تقع خلال بيوتكم كوقع القطر.

و خرّجه مسلم [ (1)] من حديث معمر عن الزهريّ بهذا الإسناد نحوه.

و خرّج البخاريّ [ (2)] في آخر كتاب الحج من حديث سفيان عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة قال سمعت أسامة قال:

أشرف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على أطم من آطام المدينة فقال: هل ترون ما أرى؟ إني لأرى مواقع الفتن خلال بيوتكم كمواقع القطر،

قال الحافظ أبو نعيم: فكان تحقيق هذا الخبر ما وقع بالمدينة و قتل عثمان و ما وقع يوم الحرة في أيام يزيد بن معاوية.

و خرّج مسلم [ (3)] من حديث ابن وهب قال: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب أن أبا إدريس الخولانيّ كان يقول: قال حذيفة بن اليمان: و اللَّه إني لأعلم الناس بكل فتنة فهي كائنة فيما بيني و بين الساعة و ما بي إلا أن يكون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أسرّ إلى في ذلك شيئا لم يحدثه غيري و لكن‏

رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

____________

[ ()] قد اقترب، موتوا إن استطعتم‏

قال: و هذا غاية في التحذير من الفتن و الخوض فيها حيث جعل الموت خيرا من مباشرتها، و أخبر في حديث أسامة بوقوع الفتن خلال البيوت ليتأهّبوا لها فلا يخوضوا فيها و يسألوا اللَّه الصبر و النجاة من شرها. (فتح الباري).

[ (5)] (مسلم بشرح النووي): 18/ 224، كتاب الفتن و أشراط الساعة باب (3) نزول الفتن كمواقع القطر، حديث رقم (9).

[ (1)] (المرجع السابق): الحديث الّذي يلي رقم (9) بدون رقم.

[ (2)] (فتح الباري): 4/ 117، كتاب فضائل المدينة، باب (8) آطام المدينة، حديث رقم (1878)، و أخرجه أيضا في كتاب المظالم، باب (25) الفرقة و العلية المشرقة و غير المشرفة في السطوح و غيرها، حديث رقم (2467).

و أخرجه أيضا ف كتاب المناقب، باب (25) علامات النبوة في الإسلام، حديث رقم (3597).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 18/ 231، كتاب الفتن و أشراط الساعة، باب (6) إخبار النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيما يكون إلى قيام الساعة، حديث رقم (22).

225

و هو يحدث مجلسا أنا فيه عن الفتن فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يعد الفتن: منهن ثلاث لا يكدن يذرن شيئا و منهن فتن كرياح الصيف منها صغار و منها كبار

قال حذيفة: فذهب أولئك الرهط كلهم غيري.

قال البيهقيّ [ (1)]: و مات حذيفة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بعد الفتنة الأولى يقتل عثمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و قيل الفتنتين الأخريين في أيام علي- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فهن ثلاث لم يكدن يذرن شيئا و هن المراد بالمذكورات في الخبر فيما نعلم. و اللَّه أعلم.

و له من حديث يحيى بن عبد الحميد قال: عن إبراهيم بن سعد عن سالم بن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبيه، عن محمود بن لبيد، عن محمد بن مسلمة أنه قال:

يا رسول اللَّه كيف أصنع إذا اختلف المصلون قال: تخرج بسيفك إلى الحرة و نفر فتضرب بها ثم تدخل بيتك حتى تأتيك منية قاضية أو يد خاطئة.

و لأبي داود [ (2)] من حديث عمرو بن مرزوق، أخبرنا شعبة، عن الأشعث بن سليم، عن أبي بردة، عن ثعلبة بن ضبيعة، قال: دخلنا على حذيفة، فقال: إني لأعرف رجلا لا تضره الفتن شيئا، فخرجنا، فإذا فسطاط مضروب، فإذا فيه محمد بن مسلمة، فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل على شي‏ء من أمصارهم حتى تنجلي عما انجلت.

حدثنا مسدد [ (3)]، عن أبي عوانه، عن أشعث بن سليم، عن أبي بردة عن ضبيعة بن حصين الثعلبي، بمعناه.

خرّج مسلم [ (4)] من حديث حماد بن زيد قال عثمان السحام:

انطلقت أنا و فرقد السبخي إلى مسلم بن أبي بكرة و هو في أرضه فدخلنا عليه فقلنا: هل‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 406، (السنن الكبرى للبيهقيّ) 8/ 191، كتاب قتال أهل البغي.

[ (2)] (سنن أبي داود): 5/ 50، كتاب السنة، باب (13) ما يدل على ترك الكلام في الفتنة، حديث رقم (4664).

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (4665).

226

سمعت أباك يحدث، قال: سمعت أبا بكرة يحدث قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إنها ستكون فتن ألا ثم تكون فتنة القاعد فيها خير من الماشي فيها، و الماشي فيها خير من الساعي إليها، ألا فإذا نزلت أو وقعت، فمن كان له أرض فليلحق بأرضه، قال: فقال رجل: يا رسول اللَّه أ رأيت من لم يكن له إبل و لا غنم و لا أرض؟ قال: يعمد إلى سيفه فيدق على حده بحجر، ثم لينج إن استطاع النجاء، اللَّهمّ هل بلغت، اللَّهمّ هل بلغت، اللَّهمّ هل بلغت؟ قال: فقال رجل: يا رسول اللَّه أ رأيت إن أكرهت حتى ينطلق بي إلى أحد الصفين أو إحدى الفئتين فضربني رجل بسيفه أو يجي‏ء سهم فيقتلني؟ قال: يبوء بإثمه و إثمك و يكون من أصحاب النار.

و خرّجه من حديث وكيع [ (1)] و ابن أبي عدي كلاهما، عن عثمان الشحام بهذا الإسناد حديث ابن أبي عدي نحو حديث حماد إلى آخره، و انتهى حديث وكيع عند قوله إن استطاع النجاء. و لم يذكر ما بعده.

____________

[ ()] (4) (مسلم بشرح النووي): 18/ 225، كتاب الفتن و أشراط الساعة، باب (3) نزول الفتن كمواقع القطر، حديث رقم (13).

[ (1)] (المرجع السابق): الحديث الّذي يلي رقم (13) بدون رقم.

227

و أما صدق إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأن إحدى نسائه تنبح عليها كلاب الحوأب [ (1)]

و ماء الحوأب ينسب إلى الحوأب ابنة كلب بن وبرة أم ثعلبة و هو ظاعنه و محارب بن مر بن أو بن طابخة بن إلياس بن نضر بن نزار بن معد بن عدنان.

خرّج الإمام أحمد [ (2)] من حديث محمد بن جعفر قال: عن شعبة، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس أن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

لما أتت على الحوأب سمعت نباح الكلاب فقالت: ما أظنني إلا راجعة إني سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول لنا: أيتكن تنبح عليها كلاب الحوأب؟

فقال الزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: ترجعين عسى اللَّه أن يصلح بك بين الناس.

____________

[ (1)] الحوأب: بالفتح ثم السكون، همزة مفتوحة، و باء موحدة، و أصله في اللغة، يقال: حافر حوأب و أب صعب، و الحوأبة: العلبة الضخمة، و الحوأب: الوادي الوسيع في هذه.

و الحوأب: موضع في طريق البصرة محاذي البقرة ماءة أيضا من مياهم، قال أبو زياد:

و من مياه أبي بكر بن كلاب الحوأب، و هو من المياه الأعداد، قديم جاهلي، و قال نصر:

الحوأب من مياه العرب على طريق البصرة، و الحوأب و الغناب و الحزيز: جبال سود أظنها في ديار عوف بن عبد بن أبي بكر بن كلاب أخي قريط بن عبد، و قيل: سمي الحوأب بالحوأب بنت كلب بن وبرة، و هي أم تميم و بكر المعروف بالشعيراء و الغوث و هو الربيط، و هو صوفة و ثعلبة، و هو ظاعنة و غيرهم من ولد مر بن أد بن طابخة، و في الحديث: أن عائشة لما أرادت المضي إلى البصرة في وقعة الجمل مرت بهذا الموضع فسمعت نباح الكلاب فقالت: ما هذا الموضع؟ فقيل لها: هذا موضع يقال له الحوأب، فقالت: إنا للَّه! ما أراني إلا صاحبة القصة، فقيل لها: و أي قصة؟

قالت: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، يقول و عنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب‏

سائرة إلى الشرق في كتيبة! و همت بالرجوع فغالطوها و حلفوا لها أنه ليس بالحوأب. (معجم البلدان): 2/ 360- 361، موضع رقم (3972).

[ (2)] (مسند أحمد): 7/ 140، حديث رقم (24133).

228

و خرّجه أيضا من حديث يحيى عن إسماعيل عن قيس قال: لما أقبلت عائشة بلغت مياه بني عامر ليلا نبحت الكلاب، قالت: أي ماء هذا؟ قالوا:

الحوأب، قالت: ما أظنني إلا راجعة، فقال بعض من كان معها: بل تقدمين فيراك المسلمون فيصلح اللَّه- عز و جل- ذات بينهم،

قالت:

إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال لها ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب [ (1)].

و خرّجه بقي بن مخلد من حديث أبي أسامة عن إسماعيل، عن قيس قال لما بلغت عائشة بعض مياه بني عامر ليلا نبحت عليها الكلاب فقالت:

أي ماء هذا؟ قالوا: ماء الحوأب، فوقفت و قالت: ما أظنني إلا أني راجعة سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لنا ذات يوم: كيف بإحداكن تنبح عليها كلاب الحوأب [ (2)].

و خرّج البيهقيّ [ (3)] من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين قال: عن عبد الجبار بن الورد، عن عمار الدهني، عن سالم بن أبي الجعد عن أم سلمة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

ذكر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خروج بعض نسائه أمهات المؤمنين فضحكت عائشة و قال: انظري يا حميراء أن لا تكوني أنت ثم التفت إلى علي فقال: يا علي و ليت من أمرها شيئا فأرفق بها.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)- عمار الدهني هو عمار بن معاوية و يقال:

ابن أبي معاوية و يقال: ابن صالح و يقال: ابن حبان البجلي الكوفيّ مولى الحكم بن نفيل و أحمد و ابن معين و أبو حاتم: ثقة، إلا أنه كان شيعيا، قطع بشر بن مروان عن عرقوبيه في التشيّع [ (4)].

و قال البيهقيّ [ (5)] و حذيفة بن اليمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- توفى قبل مسير عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-، و قد أخبرنا الطفيل‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 7/ 78، حديث رقم (23732).

[ (2)] (المرجع السابق).

[ (3)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 411.

[ (4)] (تهذيب التهذيب): 7/ 355- 356، ترجمة رقم (662).

[ (5)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 411.

229

و عمرو بن ضليع بمسير إحدى أمهات المؤمنين في كتيبة و لا يقوله إلا عن سماع.

و ذكر من حديث عبد اللَّه بن رجاء قال: عن همام بن يحيى قال: عن قتادة، عن أبي الطفيل قال: انطلقت أنا و عمرو إلى حذيفة فذكر الحديث و قال فيه: لو حدثتكم أن أم أحدكم تغزوه في كتيبة تضربه بالسيف ما صدقتموني، قال: رواه أيضا أبو الزاهرية عن حذيفة [ (1)].

و خرّج الحاكم [ (2)] من حديث هلال بن العلاء الرقي، عن عبد اللَّه بن جعفر، عن عبيد اللَّه بن عمرو، عن زيد بن أبي أنيسة، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة بن عبد الرحمن قال: كنا عند حذيفة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال: بعضنا حدثنا يا أبا عبد اللَّه ما سمعت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لو فعلت لرجمتموني، قال: قلنا: سبحان اللَّه أ نحن نفعل ذلك؟ قال: أ رأيتكم لو حدثتكم أن بعض أمهاتكم تأتيكم في كتيبة كثير عددها، شديد بأسها، صدقتم به؟

قالوا: سبحان اللَّه! و من يصدق بهذا، ثم قال حذيفة: أتتكم الحميراء في كتيبة يسوقها أعلاجها حيث تسوء وجوهكم ثم قام فدخل مخدعا.

قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين. [و لم يخرجاه‏].

و قال البيهقيّ [ (3)] عن جعفر بن عون، أخبرنا إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

وددت أني ثكلتك عشرة مثل ولد الحارث بن هشام و أني لم أسر مسيري الّذي سرت.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 6/ 411.

[ (2)] (المستدرك): 4/ 517- 518، كتاب الفتن و الملاحم باب (50) الفتن و الملاحم، حديث رقم (8453) و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): على شرط البخاريّ و مسلم. و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق من (المستدرك).

[ (3)] (دلائل البيهقي): 6/ 411- 412، باب ما جاء في إخباره و ما روى في إشارته على عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- بأن يرفق بها، و ما روى في توبتها منن خروجها، و تلهفها على ما خفي عليها من ذلك، و كونها منن أهل الجنة مع زوجها (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و رضي عنها.

230

و قال حدثنا أحمد بن يوسف، حدثنا محمد بن يوسف، قال: ذكر سفيان، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لوددت إذا مت و كنت نسيا منسيا [ (1)].

أخبرنا أبو عبد اللَّه الحافظ، أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي، حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل، قال حدثنا أبي، عن محمد بن جعفر، عن شعبة، عن الحكم، قال: سمعت وائلا قال: لما بعث عليّ عمارا و الحسن إلى الكوفة يستنفرهم خطب عمار، فقال: أني لأعلم أنها زوجته في الدنيا و الآخرة و لكن اللَّه- تبارك و تعالى- ابتلاكم لتتبعوه أو إياها [ (2)].

و خرّجه البخاريّ في كتاب الفتن [ (3)] من حديث أبي بكر، عن عياش، عن ابن عباس، عن ابن حصين، عن أبي مريم عبد اللَّه بن زياد الأسدي قال: لما صار طلحة، و الزبير، و عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهم- إلى البصرة بعث عليّ عمار بن ياسر و الحسن بن علي فقدما علينا الكوفة فصعدا المنبر، فكان الحسن بن علي فوق المنبر في أعلاه و قام عمار أسفل من الحسن فاجتمعنا إليه، فسمعت عمارا يقول: إن عائشة قد سارت إلى البصرة و اللَّه إنها لزوجة نبيكم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الدنيا و الآخرة و لكن اللَّه ابتلاكم ليعلم إياه تطيعون أم هي.

و ذكره في كتاب (الفتن) من حديث ابن أبي غنيّة، عن الحكم، عن أبي وائل قال: قام عمّار على منبر الكوفة، فذكر عائشة و ذكر مسيرها و قال: إنها زوجة نبيكم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الدنيا الآخرة، و لكنها مما ابتليتم [ (4)].

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 412، و أخرجه البخاريّ في كتاب التفسير، باب (8) إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَ تَقُولُونَ بِأَفْواهِكُمْ ما لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَ تَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَ هُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ‏، حديث رقم (4754)، و في (مسند أحمد): 1/ 455، و هو جزء من حديث طويل رقم (2492) من حديث عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-.

[ (2)] (المرجع السابق).

[ (3)] (فتح الباري): 13/ 67، كتاب الفتن، باب (18) حديث رقم (7100).

[ (4)] (المرجع السابق): حديث رقم (7101).

231

و خرّج البيهقيّ [ (1)] من طريق أبي نعيم قال: عن عبد الجبار بن العباس الشامي الكوفي، عن عطاء بن السائب، عن عمرو بن الهجنع، عن أبي بكرة، قال: قيل له: ما يمنعك ألا تكون قاتلت على بصيرتك يوم الجمل؟

قال:

سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

يخرج قوم هلكى لا يفلحون، قائدهم امرأة قادئهم في الجنة.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)-: قد وقع حديث أبو بكرة في البخاريّ من حديث عوف، عن الحسن، عن أبي بكرة قال: لقد نفعني اللَّه بكلمة سمعتها من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أيام الجمل بعد ما كدت ألحق بأصحاب الجمل فأقاتل معهم.

قال:

لما بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أهل فارس قد ملكوا عليهم بنت كسرى قال: لن يصلح قوم ولّوا أمرهم امرأة.

ذكره في آخر كتاب المغازي [ (2)] و في كتاب الفتن [ (3)].

ذكر خبر وقعة الجمل تصديقا للفقرة السابقة

[خرجت [ (4)] عائشة و من معها من مكة و تبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فبكوا على الإسلام، فلم ير يوم كان أكثر باكيا و باكية من ذلك اليوم، فكان يسمى يوم النحيب، فلما بلغوا ذات عرق لقي سعيد بن العاص مروان بن الحكم و أصحابه بها فقال: أين تذهبون و تتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم؟ يعني عائشة و طلحة و الزبير، اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم.

فقالوا: نسير فلعلنا نقتل قتلة عثمان جميعا. فخلا سعيد بطلحة و الزبير فقال: إن‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 6/ 413، و عبد الجبار الشبامي: قال أبو نعيم: لم يكن بالكوفة أكذب منه.

[ (2)] (فتح الباري): 8/ 160، كتاب المغازي، باب (83) كتاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى كسرى و قيصر، حديث رقم (4425).

[ (3)] (المرجع السابق): 13/ 67، كتاب الفتن، باب (18) حديث رقم (7099).

[ (4)] ما بين الحاصرتين مضطرب في الأصل و به طمس و بياض و أثبتناه من (الكامل لابن الأثير).

232

ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني. قالا: نجعله لأحدنا أينا اختاره الناس، قال: بل تجعلونه لولد عثمان فإنكم خرجتم تطلبون بدمه. فقالا: ندع شيوخ المهاجرين و نجعلها لأيتام! قال: فلا أراني أسعى إلا لإخراجها من بني عبد مناف. فرجع و رجع عبد اللَّه بن خالد بن أسيد، و قال المغيرة بن شعبة: الرأي ما قال سعيد، من كان هاهنا من ثقيف فليرجع. فرجع و مضى القوم و معهم أبان و الوليد ابنا عثمان، و أعطى يعلي بن منية عائشة جملا اسمه عسكر اشتراه بثمانين دينارا فركبته، و قيل: بل كان جملها لرجل من عرينة.

قال العرني: بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقال: أ تبيع جملك؟ قلت: نعم، قال: بكم؟ قلت: بألف درهم، قال: أ مجنون أنت؟.

قلت: و لم؟ و اللَّه ما طلبت عليه أحدا إلا أدركته و لا طلبني و أنا عليه أحد إلا فته، قال: لو تعلم لمن نريده! إنما نريده لأم المؤمنين عائشة! فقلت: خذه بغير ثمن. قال: بل ترجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة و دراهم، قال:

فرجعت معه فأعطوني ناقة مهرية و أربعمائة درهم أو ستمائة، و قالوا لي: يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق؟ قلت: أنا من أدل الناس. قالوا: فسر معنا، فسرت معهم فلا أمر على واد إلا سألوني عنه، حتى طرقنا الحوأب، و هو ماء، فنبحتنا كلابه، فقالوا: أي ماء هذا؟ فقلت هذا ماء الحوأب، فصرخت عائشة بأعلى صوتها و

قالت:

إن للَّه و إن إليه راجعون، إني لهيه، سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول و عنده نساؤه: ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب،

ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته و قالت: ردوني، أنا و اللَّه صاحبة ماء الحوأب، فأناخوا حولها يوما و ليلة، فقال لها عبد اللَّه بن الزبير: إنه كذب، و لم يزل بها و هي تمتنع، فقال لها: النجاء النجاء! قد أدرككم عليّ بن أبي طالب، فارتحلوا نحو البصرة، و لما بلغ ذلك أهل البصرة دعا عثمان بن حنيف عمران بن حصين و كان رجل عامة، و ألزّه بأبي الأسود الدئلي، و كان رجل خاصة، و قال لهما: انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما علمها، و علم من معها. فخرجا فانتهيا إليها بالحفير، فأذنت لهما، فدخلا و سلما و قالا: إن أميرنا بعثنا إليك لنسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا؟ فقالت: و اللَّه ما مثلي يعطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء و نزاع القبائل غزوا حرم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أحدثوا فيه‏

233

و آووا المحدثين فاستوجبوا لعنة اللَّه و لعنة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع ما نالوا من قتل إمام المسلمين بلا ترة و لا عذر، فاستحلوا الدم الحرام و سفكوه، و انتهبوا المال الحرام و أحلوا البلد الحرام و الشهر الحرام فخرجت في المسلمين أعلمهم ما أتي هؤلاء و ما الناس فيه وراءنا، و ما ينبغي لهم من إصلاح هذه القصة، و قرأت:

لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ‏ [ (1)] الآية، فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به، و منكر ننهاكم عنه.

فخرج عمران و أبو الأسود من عندها فأتيا طلحة و قالا: ما أقدمك؟

فقال: الطلب بدم عثمان، فقالا: أ لم تبايع عليا؟ فقال: بلى و السيف على عنقي و ما أستقيل عليا البيعة إن هو لم يحل بيننا و بينا قتلة عثمان. ثم أتيا الزبير فقالا:

له مثل قولهما لطلحة، و قال لهما مثل قول طلحة، فرجعا إلى عثمان بن حنيف و نادى مناديها بالرحيل.

فقال عثمان: إنا للَّه و إنا إليه راجعون، دارت رحى الإسلام و رب الكعبة فانظروا بأي زيفان تزيف، فقال عمران: إي و اللَّه لتعركنكم عركا طويلا قال:

فأشر عليّ يا عمران، قال: اعتزل فإنّي قاعد، قال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين. فأبى و نادى عثمان في الناس و أمرهم بلبس السلاح، فاجتمعوا إلى المسجد و أمرهم بالتجهز، و أمر رجلا دسه إلى الناس خدعا كوفيا قيسيا فقام فقال: أيها الناس أنا قيس بن العقدية الحميسي، إن هؤلاء القوم إن كانوا جاءوا خائفين فقد أتوا من بلد يأمن فيه الطير، و إن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلة عثمان، فأطيعوني و ردوهم من حيث جاءوا. فأقبلت عائشة فيمن معها حتى انتهوا إلى المربد فدخلوا من أعلاه و وقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه، و خرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، فاجتمع القوم بالمربد، فتكلم طلحة و هو في ميمنة المربد، و عثمان في ميسرته، فأنصتوا له، فحمد اللَّه و أثنى عليه، و ذكر عثمان و فضله و ما استحل منه، و دعا إلى الطلب بدمه و حثهم عليه و كذلك الزبير، فتكلمت عائشة، و كانت جهورية الصوت، فحمدت اللَّه و قالت: كان الناس يتجنون على عثمان و يزرون‏

____________

[ (1)] النساء: 114.

234

على عماله و يأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبرونا عنهم، فننظر في ذلك فنجده بريئا تقيا وفيا، و نجدهم فجرة غدرة كذبة، و هم يحاولون غير ما يظهرون، فلما قووا كاثروه، و اقتحموا عليه داره، و استحلوا الدم الحرام، و الشهر الحرام، و البلد الحرام، بلا ترة و لا عذر، إلا أن مما ينبغي لا ينبغي لكم غيره، أخذ قتلة عثمان و إقامة كتاب اللَّه، و قرأت: أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُدْعَوْنَ إِلى‏ كِتابِ اللَّهِ‏ [ (1)] الآية، فافترق أصحاب عثمان فرقتين، فرقة قالت: صدقت و برت، و قال الآخرون: كذبتم و اللَّه ما نعرف ما جئتم به! و أقيل جارية بن قدامة السعدي و قال: يا أم المؤمنين و اللَّه لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح! إنه قد كان لك من اللَّه ستر و حرمة، فهتكت سترك و أبحت حرمتك! إنه من رأى قتالك يرى قتلك! لئن كنت أتيتنا طائعة فارجعي إلى منزلك، و إن كنت أتيتنا مكرهة فاستعيني بالناس و أقبل حكيم بن جبلة العبديّ و هو على الخيل، فأنشب القتال، و أشرع أصحاب عائشة رماحهم، و أمسكوا ليمسك حكيم و أصحابه، فلم ينته و قاتلهم و أصحاب عائشة كافون يدفعون عن أنفسهم و حكيم يذمر خيله و يركبهم بها، فاقتتلوا على فم السكة، و أمرت عائشة أصحابها فتيمانوا إلى مقبرة بني مازن و حجز الليل بينهم و رجع عثمان إلى القصر، و أتى أصحاب عائشة إلى ناحية دار الرزق و باتوا يتأهبون و بات الناس يأتونهم، و اجتمعوا بساحة دار الرزق، فغاداهم حكيم بن جبلة العبديّ و هو يسب و بيده الرمح، فقال له رجل من عبد القيس: من هذا الّذي تسبه؟ قال: عائشة، قال:

يا ابن الخبيثة أ لأمّ المؤمنين تقول هذا؟ فطعنه حكيم فقتله، ثم مر بامرأة و هو يسبها أيضا، فقالت له: الأمّ المؤمنين تقول هذا يا ابن الخبيثة؟ فطعنها فقتلها، ثم سار فاقتتلوا بدار الرزق قتالا شديدا إلى أن زال النهار و كثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف و كثر الجراح في الفريقين، فلما عضتهم الحرب تنادوا إلى الصلح و توادعوا، فكتبوا بينهم كتابا على أن يبعثوا رسولا إلى المدينة يسأل أهلها، فإن كان طلحة و الزبير أكرها خرج عثمان بن حنيف عن‏

____________

[ (1)] آل عمران: 23.

235

البصرة و أخلاها لهما، و إن لم يكونا أكرها خرج طلحة و الزبير، و كتبوا بينهم كتابا بذلك و سار كعب بن سور إلى أهل المدينة يسألهم.

فقدم الكتاب على عثمان، و قدم كعب بن سور، فأرسلوا إلى عثمان ليخرج، فاحتج بالكتاب و قال: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، فجمع طلحة و الزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح و مطر، ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء، و كانوا يؤخرونها، فأبطأ عثمان، فقدّما عبد الرحمن بن عتاب، فشهر الزط و السيابجة السلاح، ثم وضعوه فيهم، فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا، و هم أربعون رجلا، فأدخلا الرجال على عثمان فأخرجوه إليهما، فلما وصل إليهما توطئوه و ما بقيت في وجهه شعرة، فاستعظما ذلك و أرسلا إلى عائشة يعلمانها الخبر، فأرسلت إليهما أن خلو سبيله.

و قد قيل في إخراج عثمان غير ما تقدم، و ذلك أن عائشة و طلحة و الزبير لما قدموا البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان: من عائشة أم المؤمنين حبيبة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان، أما بعد فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا، فإن لم تفعل فخذل الناس عن عليّ، فكتب إليها: أما بعد فأنا ابنك الخالص، لئن اعتزلت و رجعت إلى بيتك و إلا فأنا أول من نابذك.

و قال زيد: رحم اللَّه أم المؤمنين! أمرت أن تلزم بيتها و أمرنا أن نقاتل فتركت ما أمرت به و أمرتنا به و صنعت ما أمرنا به و نهتنا عنه، و بلغ حكيم بن جبلة ما صنع بعثمان بن حنيف فقال: لست أخاف اللَّه إن لم أنصره! فجاء في جماعة من عبد القيس و من تبعه من ربيعة و توجه نحو دار الرزق، و بها طعامه أراد عبد اللَّه بن الزبير أن يرزقه أصحابه! فقال له عبد اللَّه: ما لك يا حكيم؟ قال:

نريد أن نرتزق من هذا الطعام، و أن تخلوا عثمان فيقيم في دار الإمارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم عليّ، و أيم اللَّه لو أجد أعوانا عليكم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قتلتم، و لقد أصبحتم و إن دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم، أما تخافون اللَّه؟ بم تستحلون الدم الحرام؟ قال: بدم عثمان، قال: فالذين قتلتم هم قتلوا عثمان، أما تخافوا مقت اللَّه؟ فقال له عبد اللَّه: لا نرزقكم من هذا الطعام و لا نخلي سبيل عثمان حتى تخلع عليا. فقال حكيم: اللَّهمّ إنك حكم عدل فاشهد، و قال لأصحابه: لست في شك من قتال هؤلاء القوم، فمن كان في شك‏

236

فلينصرف. و تقدم فقاتلهم. فقال طلحة و الزبير: الحمد للَّه الّذي جمع لنا ثأرنا من أهل البصرة، اللَّهمّ لا تبق منهم أحدا فاقتتلوا قتالا شديدا، و مع حكيم أربعة قواد، فكان حكيم بحيال طلحة، و ذريح بحيال الزبير، و ابن المحترش بحيال عبد الرحمن بن عتاب، و حرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فزحف طلحة لحكيم و هو في ثلاثمائة، فضرب رجل رجله فقطعها، فحبا حتى أخذها فرمى بها صاحبه، فصرعه و أتاه فقتله ثم اتكأ عليه، فأتى عليه رجل و هو رثيث رأسه على آخر، فقال: ما لك يا حكيم؟ قال: قتلت، قال: من قتلك؟ قال: وسادتي، فاحتمله و ضمه في سبعين من أصحابه، و قيل: قتله رجل فقال له ضخيم و قتل معه ابنه الأشرف و أخوه الرعل بن جبلة، و لما قتل حكيم أرادوا قتل عثمان بن حنيف، فقال لهم: أما إن سهلا بالمدينة فإن قتلتموني انتصر، فخلوا سبيله، فقصد عليا. و قتل ذريح و من معه، و أفلت حرقوص بن زهير في نفر من أصحابه، فلجئوا إلى قومهم، فنادى منادى طلحة و الزبير: من كان فيهم أحد ممن غزا المدينة فليأتنا بهم، فجي‏ء بهم فقتلوا و لم ينج منهم إلا حرقوص بن زهير، فإن عشيرته بني سعد منعوه، و كان منهم، فنالهم من ذلك أمر شديد، و كتبت عائشة إلى أهل الكوفة بما كان منهم و تأمرهم أن يثبطوا الناس عن علي و تحثهم على طلب قتلة عثمان، و كتبت إلى أهل اليمامة و إلى أهل المدينة بما كان منهم أيضا، و سيرت الكتب، و كانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين.

قال الشعبي: ما نهض في تلك الفتنة إلا ستة نفر بدريون ما لهم سابع، و قال سعيد بن زيد: ما اجتمع أربعة من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لخير يعلمونه إلا و عليّ أحدهم، قيل: و قال أبو قتادة الأنصاري لعلي: يا أمير المؤمنين إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قلدني هذا السيف و قد أغمدته زمانا و قد حان تجريده على هؤلاء القوم الظالمين الذين لا يألون الأمة غشا و قد أحببت أن تقدمني فقدمني: و قالت أم مسلمة: يا أمير المؤمنين لو لا أن أعصي اللَّه و أنك لا تقبله مني لخرجت معك، و هذا ابن عمي، و هو و اللَّه أعز عليّ من نفسي، يخرج معك و يشهد مشاهدك، فخرج معه و هو لم يزل معه، و استعمله عليّ على البحرين، ثم عزله، و استعمله النعمان بن عجلان الزرقيّ، فلما أراد عليّ المسير إلى‏

237

البصرة و كان يرجو أن يدرك طلحة و الزبير فيردهما قبل وصولهما إلى البصرة أو يوقع بهما، فلما سار أستخلف على المدينة تمّام بن العباس، و على مكة قثم ابن العباس، و قيل: أمر على المدينة سهل بن حنيف، و سار علي من المدينة في تعبئته التي تعبأها لأهل الشام آخر شهر ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين، و خرج معه من نشط من الكوفيين و البصريين متخففين في تسعمائة، و سار حتى انتهى إلى الرَّبَذَة، فلما انتهى إليها أتاه خبر سبقهم، فأقام بها يأتمر ما يفعل، و

أتاه ابنه الحسن في الطريق، فقال له: لقد أمرتك فعصيتني فتقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك.

فقال له علي: إنك لا تزال تخن خنين الجارية، و ما الّذي أمرتني فعصيتك؟ قال: أمرتك يوم أحيط بعثمان أن تخرج من المدينة فيقتل و لست بها، ثم أمرتك يوم قتل أن لا تبايع حتى تأتيك وفود العرب و بيعة أهل كلّ مصر فإنّهم لن يقطعوا أمرا دونك، فأبيت عليّ، و أمرتك حين خرجت هذه المرأة و هذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فإن كان الفساد كان على يد غيرك، فعصيتني في ذلك كله.

و لما قدم الرَّبَذَة و سمع بها خبر القوم أرسل منها إلى الكوفة محمد بن أبي بكر الصديق و محمد بن جعفر و كتب إليهم: إني اخترتكم على الأمصار و فزعت إليكم لما حدث، فكونوا لدين اللَّه أعوانا و أنصارا و انهضوا إلينا، فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخوانا، فمضيا و بقي عليّ بالربذة، و أرسل إلى المدينة فأتاه ما يريده من دابة و سلاح و أمر أمره و قام في الناس فخطبهم و قال: إن اللَّه- تبارك و تعالى- أعزنا بالإسلام و رفعنا به و جعلنا به إخوانا بعد ذلة و قلة و تباغض و تباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء اللَّه، الإسلام دينهم و الحق فيهم و الكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزع بين هذه الأمة! ألا إن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ باللَّه من شر ما هو كائن.

فلما أراد المسير من الرَّبَذَة إلى البصرة قام إليه ابن لرفاعة بن رافع فقال:

أمير المؤمنين، أي شي‏ء تريد و أين تذهب بنا؟ فقال: أما الّذي نريد و ننوي فالإصلاح إن قبلوا منا و أجابونا إليه، قال: فإن لم يجيبونا إليه؟ قال: ندعهم‏

238

بعذرهم و نعطيهم الحقّ و نصبر، قال: فإن لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا قال: فإن لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذا.

و سار علي من الرَّبَذَة و على مقدمته أبو ليلى بن عمر بن الجراح، و الراية مع محمد بن الحنفية، و عليّ على ناقة حمراء يقود فرسا كميتا، فلما انتهى إلى ذي قار أتاه فيها عثمان بن حنيف و ليس في وجهه شعرة، و

قيل:

أتاه بالربذة، و كانوا قد نتفوا شعر رأسه و لحيته، على ما ذكرناه، فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني ذا لحية و قد جئتك أمرد، فقال: أصبحت أجرا و خيرا، إن الناس وليهم قبلي رجلان فعملا بالكتاب و السنة، ثم وليهم ثالث فقالوا و فعلوا، ثم بايعوني و بايعني طلحة و الزبير، ثم نكثا بيعتي و ألبّا الناس علي، و من العجب انقيادهما لأبي بكر و عمر و عثمان و خلافهما عليّ، و اللَّه إنهما ليعلمان أني لست بدون رجل ممن تقدم، اللَّهمّ فاحلل ما عقدا و لا تبرم ما أحكما في أنفسهما، و أرهما المساءة فيما قد عملا! و أقام بذي قار ينتظر محمدا و محمدا، فأتاه الخبر بما لقيت ربيعة و خروج عبد القيس.

و قيل:

إن عليا أرسل الأشتر بعد ابنه الحسن و عمار إلى الكوفة فدخل و الناس في المسجد و أبو موسى يخطبهم و يثبطهم و الحسن و عمار معه في منازعة، و كذلك سائر الناس، كما تقدم، فجعل الأشتر لا يمر بقبيلة فيها جماعة إلا دعاهم، و يقول: اتبعوني إلى القصر، فانتهى إلى القصر في جماعة الناس، فدخله و أبو موسى في المسجد يخطبهم و يثبطهم و الحسن يقول له:

اعتزل عملنا لا أم لك! و تنح عن منبرنا! و عمار ينازعه، فأخرج الأشقر غلمان أبي موسى من القصر،

فخرجوا يعدون و ينادون: يا أبا موسى هذا الأشتر قد دخل القصر فضربنا و أخرجنا. فنزل أبو موسى فدخل القصر فصاح به الأشتر: اخرج لا أم لك أخرج اللَّه نفسك! فقال: أجلني هذه العشية فقال:

هي لك و لا تبيتن في القصر الليلة، و دخل الناس ينهبون متاع أبي موسى، فمنعهم الأشتر و قال: أنا له جار، فكفوا عنه. فنفر الناس في العدد المذكور، و قيل: إن عدد من سار من الكوفة اثنا عشر ألف رجل و رجل، قال أبو الطفيل: سمعت عليا يقول ذلك قبل وصولهم، فقعدت فأحصيتهم فما زادوا رجلا و لا نقصوا رجلا. و كان على كنانة و أسد و تميم و الرباب و مزينة معقل بن يسار

239

الرياحي، و كان على سبع قيس سعد بن مسعود الثقفي عم المختار، و على بكر و تغلب وعلة بن محدوج الذهلي، و كان على مذحج و الأشعرين حجر بن عدي، و على بجيلة و أنمار و خثعم و الأزد مخنف بن سليم الأزدي،

فقدموا على أمير المؤمنين بذي قار، فلقيهم في ناس معه فيهم ابن عباس فرحب بهم و قال: يا أهل الكوفة أنتم قاتلتم ملوك العجم و فضضتم جموعهم حتى صارت إليكم مواريثهم فمنعتم حوزتكم و أعنتم الناس على عدوهم، و قد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة فإن يرجعوا فذاك الّذي نريد، و إن يلجوا داويناهم بالرفق حتى يبدءونا بظلم، و لم ندع أمرا فيه صلاح إلا أثرناه على ما فيه الفساد إن شاء اللَّه.

و كان رؤساء الجماعة من الكوفيين: القعقاع بن عمرو، و سعد بن مالك، و هند بن عمرو، و الهيثم بن شهاب، و كان رؤساء النفار: زيد بن صوحان، و الأشتر، و عدي بن حاتم، و المسيب بن نجبة، و يزيد بن قيس، و أمثال لهم ليسوا دونهم، إلا أنهم لم يؤمروا، منهم حجر بن عدي،

فلما نزلوا بذي قار دعا علي القعقاع فأرسله إلى أهل البصرة و قال: الق هذين الرجلين، و كان القعقاع من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فادعهما إلى الألفة و الجماعة و عظم عليهما الفرقة، و قال له: كيف تصنع فيما جاءك منهما و ليس عندك فيه وصاة [مني‏]؟ قال:

نلقاهم بالذي أمرت به، فإذا جاء منهم ما ليس عندنا منك فيه رأى اجتهدنا رأينا و كلمناهم كما نسمع و نرى أنه ينبغي قال: أنت لها.

فخرج القعقاع حتى قدم البصرة فبدأ بعائشة فسلم عليها و قال: أي أمه ما أشخصك و ما أقدمك هذه البلدة؟ قالت: أي بني الإصلاح بين الناس. قال:

فأبعثني إلى طلحة و الزبير حتى تسمعي كلامي و كلامها، فبعثت إليهما، فجاءا، فقال لهما: إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها، فقالت: الإصلاح بين الناس، فما تقولان أنتما؟ أ متابعان أم مخالفان؟ قالا: متابعان، قال: فأخبراني ما وجه هذه الإصلاح؟ فو اللَّه لئن عرفناه لنصلحن و لئن أنكرناه لا نصلح. قال: قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركا للقرآن. قال: قد قتلتما قتلة عثمان من أهل البصرة، و أنتم قبل قتلهم أقرب إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل فغضب لهم ستة آلاف و اعتزلوكم و خرجوا من بين أظهركم، و طلبتم‏

240

حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فإن تركتموهم كنتم تاركين لما تقولون، و إن قاتلتموهم و الذين اعتزلوكم فأديلوا عليكم، فالذي حذرتم و قويتم به هذا الأمر أعظم مما أراكم تكرهون، و إن أنتم منعتم مضر و ربيعة من هذه البلاد اجتمعوا على حربكم و خذلانكم نصرة لهؤلاء كما اجتمع هؤلاء لأهل هذا الحديث العظيم و الذنب الكبير.

قالت عائشة: فما ذا تقول أنت؟ قال: أقول: إن هذا الأمر دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير، و تباشير رحمة، و درك بثأر، و إن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر و اعتسافه كانت علامة شر، و ذهاب هذا المال، فآثروا العافية ترزقوها، و كونوا مفاتيح الخير كما كنتم، و لا تعرضونا للبلاء فتعرضوا له فيصرعنا و إياكم، و أيم اللَّه إني لأقول هذا القول و أدعوكم إليه! و إني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ اللَّه حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها و نزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الّذي حدث أمر ليس يقدر، و ليس كقتل الرجل الرجل، و لا النفر الرجل، و لا القبيلة الرجل، قالوا: قد أصبت و أحسنت فارجع، فإن قدم علي و هو على مثل رأيك صلح هذا الأمر، فرجع إلى عليّ فأخبره فأعجبه ذلك، و أشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، و رضيه من رضيه، و أقبلت وفود العرب من أهل البصرة نحو عليّ بذي قار قبل رجوع القعقاع لينظروا ما رأى إخوانهم من أهل الكوفة و على أي حال نهضوا إليهم و ليعلموهم أن الّذي عليه رأيهم الإصلاح و لا يخطر لهم قتالهم على بال.

فلما لقوا عشائرهم من أهل الكوفة قال لهم الكوفيون مثل مقاتلهم و أدخلوهم على عليّ فأخبروه بخبرهم، و سأل على جرير بن شرس، عن طلحة و الزبير، فأخبره بدقيق أمرهما و جليله و قال له: أما الزبير فيقول: بايعنا كرها.

و أما طلحة فيتمثل الأشعار، فقال الأشتر: قد عرفنا رأي طلحة و الزبير.

و أما عليّ فلم نعرف رأيه إلى اليوم، و رأى الناس فينا واحد، فإن يصطلحوا مع علي فعلى دمائنا، فهلموا بنا نثب على عليّ فنلحقه بعثمان فتعود فتنة، يرضى منا فيها بالسكون، فقال عبد اللَّه بن السوداء: بئس الرأي رأيت،

241

أنتم يا قتلة عثمان بذي قار ألفان و خمسمائة أو نحو من ستمائة، و هذا ابن الحنظلية، يعني طلحة، و أصحابه في نحو من خمسة آلاف بالأشواق إلى أن يجدوا إلى قتالكم سبيلا، فقال علباء بن الهيثم: انصرفوا بنا عنهم و دعوهم، فإن قلوا كان أقوى لعدوهم عليهم، و إن كثروا كان أحرى أن يصطلحوا عليكم، دعوهم و ارجعوا فتعلقوا ببلد من البلدان حتى يأتيكم فيه من تقوون به و امتنعوا من الناس، فقال ابن السوداء: بئس ما رأيت، ودّ و اللَّه الناس أنكم انفردتم و لم تكونوا مع أقوام برآء، و لو انفردتم لتخطفكم الناس كل شي‏ء، و أصبح عليّ على ظهر و مضى، و مضى معه الناس حتى نزل على عبد القيس فانضموا إليه، و سار من هناك فنزل الزاوية يريد البصرة، و سار طلحة و الزبير و عائشة من الفرضة، فالتفوا عند موضع قصر عبيد اللَّه بن زياد، فلما نزل الناس أرسل شقيق بن ثور إلى عمرو بن مرحوم العبديّ أن اخرج فإذا خرجت فمل بنا إلى عسكر علي فخرجا في عبد القيس و بكر بن وائل فعدلوا إلى عسكر عليّ، فقال الناس: من كان هؤلاء معه غلب، و أقاموا ثلاثة أيام لم يكن بينهم قتال، فكان يرسل عليّ إليهم يكلمهم و يدعوهم، و كان نزولهم في النصف من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين، و نزل بهم عليّ و قد سبق أصحابه و هم يتلاحقون به،

و قام عليّ فخطب الناس، فقام إليه الأعور بن بنان المنقري فسأله عن إقدامهم على أهل البصرة، فقال له عليّ: على الإصلاح و إطفاء النائرة [ (1)] لعل اللَّه يجمع شمل هذه الأمة بنا و يضع حربهم، قال: فإن لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال: فإن لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال: فهل لهم من هذا مثل الّذي عليهم؟ قال: نعم، و قام إليه أبو سلامة الدالاني فقال: أ ترى لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا اللَّه بذلك؟ قال: نعم، قال: أ فترى لك حجة بتأخير ذلك؟ قال: نعم، إن الشي‏ء إذا كان لا يدرك فإن الحكم فيه أحوطه و أعمه نفعا، قال: فما حالنا و حالهم إن ابتلينا غدا؟ قال:

إني لأرجو أن لا يقتل منا و منهم أحد نقي قلبه للَّه إلا أدخله اللَّه الجنة، فلما قدم علي أتاه الأحنف فقال له: إن قومنا بالبصرة يزعمون أنك إن ظهرت عليهم‏

____________

[ (1)] النائرة: العداوة و الشحناء.

242

غدا قتلت رجالهم و سبيت نساءهم، قال: ما مثلي يخاف هذا منه، و هل يحل هذا إلا لمن تولى و كفر، و هم قوم مسلمون؟ قال: اختر مني واحدة من اثنتين، إما أن أقاتل معك، و إما أن أكف عنك عشرة آلاف سيف، قال فكيف بما أعطيت أصحابك من الاعتزال؟ قال: إن من الوفاء للَّه قتالهم، قال: فاكفف عنا عشرة آلاف سيف:

فرجع إلى الناس فدعاهم إلى القعود و نادى: يا آل خندف! فأجابه ناس، و نادى: يا آل تميم! فأجابه ناس، ثم نادى: يا آل سعد! فلم يبق سعدي إلا أجابه، فاعتزل بهم و نظر ما يصنع الناس، فلما كان القتال و ظفر علي دخلوا فيما دخل فيه الناس وافرين، فلما تراءى الجمعان خرج الزبير على فرس عليه سلاح،

فقيل لعلي: هذا الزبير، فقال: أما إنه أحرى الرجلين إن ذكر باللَّه- تعالى- أن يذكر.

و

خرج طلحة فخرج إليهما عليّ حتى اختلفت أعناق دوابهم، فقال عليّ:

لعمري قد أعددتما سلاحا و خيلا و رجالا إن كنتما أعددتما عند اللَّه عذرا فاتقيا اللَّه و لا تكونا

كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً

[ (1)] أ لم أكن أخاكما في دينكما تحرمان دمي و أحرم دمكما، فهل من حدث أحل لكما دمي؟ قال طلحة:

ألبت على عثمان، قال علي:

يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَ‏

[ (2)] يا طلحة، تطلب بدم عثمان فلعن اللَّه قتلة عثمان! يا طلحة، أ جئت بعرس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، تقاتل بها و خبأت عرسك في البيت! أما بايعتني؟ قال: بايعتك و السيف على عنقي، فقال عليّ للزبير: يا زبير ما أخرجك؟ قال: أنت، و لا أراك لهذا الأمر أهلا و لا أولى به منا، فقال له عليّ: أ لست له أهلا بعد عثمان؟ قد كنا نعدك من بني عبد المطلب حتى بلغ ابنك السوء ففرق بيننا، و ذكره أشياء،

و افترق أهل البصرة ثلاث فرق: فرقة مع طلحة و الزبير، و فرقة مع علي، و فرقة لا ترى القتال، منهم الأحنف و عمران بن حصين و غيرهما، و جاءت عائشة فنزلت في مسجد الحدان في الأزد، و رأس الأزد يومئذ صبرة بن شيمان، فقال له كعب بن سور: إن الجموع إذا تراءت لم‏

____________

[ (1)] النحل: 92.

[ (2)] النور: 25.

243

تستطع، إنما هو بحور تدفق فأطعني و لا تشهدهم و اعتزل بقومك فإنّي أخاف أن لا يكون صلح، و دع مضر و ربيعة فهما أخوان، فإن اصطلحا فالصلح أردنا و إن اقتتلا كنا حكاما عليهم غدا.

و لما خرج طلحة و الزبير نزلت مضر جميعا و هم لا يشكون في الصلح، و نزلت ربيعة فوقهم و هم لا يشكون في الصلح، و نزلت اليمن أسفل منهم و لا يشكون في الصلح، و عائشة في الحدان، و الناس بالزابوقة على رؤسائهم هؤلاء، و هم ثلاثون ألفا، و ردّوا حكيما و مالكا إلى عليّ إننا على ما فارقنا عليه القعقاع، و نزل علي بحيالهم، فنزلت مضر إلى مضر، و ربيعة إلى ربيعة، و اليمن، فكان بعضهم يخرج إلى بعض لا يذكرون إلا الصلح، و كان أصحاب علي عشرين ألفا، و خرج علي و طلحة و الزبير فتواقفوا فلم يروا أمر أمثل من الصلح و وضع الحرب، فافترقوا على ذلك، و بعث علي من العشي عبد اللَّه بن عباس إلى طلحة و الزبير، و بعثا هما محمد بن أبي طلحة إلى عليّ، و أرسل عليّ إلى رؤساء أصحابه، و طلحة و الزبير إلى رؤساء أصحابهما بذلك، فباتوا بليلة لم يبيتوا بمثلها للعافية التي أشرفوا عليها و الصلح، و بات الذين أثاروا أمر عثمان بشر ليلة و قد أشرفوا على الهلكة، و باتوا يتشاورون، فاجتمعوا على إنشاب الحرب، فغدوا مع الغلس و ما يشعر بهم، فخرجوا متسللين و عليهم ظلمة، فقصد مضرهم إلى مضرهم، و ربيعتهم إلى ربيعتهم، و يمنهم إلى يمنهم، فوضعوا فيهم السلاح، فثار أهل البصرة و ثار كل قوم في وجوه أصحابهم الذين أتوهم، و بعث طلحة و الزبير إلى الميمنة، و هم ربيعة، أميرا عليها عبد الرحمن بن الحارث، و إلى الميسرة عبد الرحمن ابن عتّاب، و ثبتا في القلب و قالا: ما هذا؟ قالوا: طرقنا أهل الكوفة ليلا، فقالا: قد علمنا أن عليا غير منته حتى يسفك الدماء و أنه لن يطاوعنا، فرد أهل البصرة أولئك الكوفيين إلى عسكرهم، و أقبل كعب بن سور حتى أتى عائشة فقال: أدركي فقد أبى القوم إلا القتال لعل اللَّه أن يصلح بك.

فركبت و ألبسوا هودجها الأدراع، فلما برزت من البيوت و هي على الجمل بحيث تسمع الغوغاء وقفت و اقتتل الناس و قاتل الزبير فحمل عليه عمار بن ياسر فجعل يحوزه بالرمح و الزبير كاف عنه يقول: أ تقتلني يا أبا اليقظان؟

244

فيقول: لا يا أبا عبد اللَّه، و إنما كف الزبير عنه‏

لقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): تقتل عمارا الفئة الباغية،

و لو لا ذلك لقتله، و بينما عائشة واقفة إذ سمعت ضجة شديدة فقالت: ما هذا؟ قالوا: ضجة العسكر، قالت: بخير أو بشر؟ قالوا:

بشر، فما فجأها إلا الهزيمة، فمضى الزبير من وجهه إلى وادي السباع، و إنما فارق المعركة لأنه قاتل تعذيرا لما ذكر له عليّ، و أما طلحة فأتاه سهم غرب فأصابه فشك رجله بصفحة الفرس و هو ينادي: إليّ، إليّ عباد اللَّه! الصبر الصبر! فقال له القعقاع بن عمرو: يا أبا محمد إنك لجريح و إنك عما تريد لعليل، فأدخل البيوت، فدخل و دمه يسيل و هو يقول: اللَّهمّ خذ لعثمان مني حتى ترضى، فلما امتلأ خفه دما و ثقل قال لغلامه: أردفني و أمسكني و أبلغني مكانا أنزل فيه. فدخل البصرة، فأنزله في دار خربة فمات فيها، و كان الّذي رمى طلحة مروان بن الحكم و قيل: غيره. و قالت عائشة: لما انجلت الوقعة و انهزم الناس لكعب بن سور: خلّ عن الجمل و تقدم بالمصحف فادعهم إليه.

و ناولته مصحفا، فاستقبل القوم و السبئية أمامهم، فرموه رشقا واحدا فقتلوه، و رموا أم المؤمنين في هودجها، فجعلت تنادي: البقية البقية يا بنيّ! و يعلو صوتها كثرة: اللَّه اللَّه! اذكروا اللَّه و الحساب! فيأبون إلا إقداما، فكان أول شي‏ء أحدثته حين أبوا أن‏

قالت: أيها الناس العنوا قتلة عثمان و أشياعهم و أقبلت تدعو، و ضج الناس بالدعاء. فسمع عليّ فقال: ما هذه الضجة؟ قالوا: عائشة تدعوا على قتلة عثمان و أشياعهم، فقال عليّ: اللَّهمّ العن قتلة عثمان! فأرسلت إلى عبد الرحمن بن عتاب و عبد الرحمن بن الحرث بن هشام أن أثبتا مكانكما، و حرضت الناس حين رأت القوم يريدونها و لا يكفون، فحملت مضر البصرة حتى قصفت مضر الكوفة حتى زحم عليّ فنخس قفا ابنه محمد، و كانت الراية معه، و قال له: أحمل! فتقدم حتى لم يجد متقدما إلا على سنان رمح، فأخذ عليّ الراية من يده و قال: يا بني بين يدي، و حملت مضر الكوفة، فاجتلدوا قدام الجمل حتى ضرسوا و المجنبتان على حالهما لا تصنع شيئا، و مع علي قوم من غير مضر، منهم زيد بن صوحان طلبوا ذلك منه، فقال له رجل: تنح إلى قومك، مالك و لهذا الموقف؟ أ لست تعلم أن مضر بحيالك و الجمل بين يديك و أن الموت دونه؟ فقال: الموت خير من الحياة، الموت أريد،

فأصيب هو

245

و أخوه سيحان و ارتث صعصعة أخوهما و اشتدت الحرب، فلما رأى علي ذلك بعث إلى ربيعة و إلى اليمن أن أجمعوا من يليكم، فقام رجل من عبد القيس من أصحاب عليّ فقال: ندعوكم إلى كتاب اللَّه، فقالوا: و كيف يدعونا إليه من لا يستقيم و لا يقيم حدود اللَّه و قد قتل كعب بن سور داعي اللَّه! و رمته ربيعة رشقا واحدا فقتلوه، فقام مسلم بن عبد اللَّه العجليّ مكانه فرشقوه رشقا واحدا فقتلوه، و دعت يمن الكوفة يمن البصرة فرشقوهم، و أبى أهل الكوفة القتال و لم يريدوا إلا عائشة، فذكرت أصحابها فاقتتلوا حتى تنادوا فتحاجزوا، ثم رجعوا فاقتتلوا و تزاحف الناس و ظهرت يمن البصرة على يمن الكوفة فهزمتهم، و ربيعة البصرة على ربيعة الكوفة فهزمتهم، ثم عاد يمنّ الكوفة فقتل على رايتهم عشرة، خمسة من همدان و خمسة من سائر اليمن و رجعت ربيعة الكوفة فاقتتلوا قتالا شديدا فقتل على رايتهم، و هم في المسيرة: زيد و عبد اللَّه بن رقبة و أبو عبيدة بن راشد بن سلمى و هو يقول: اللَّهمّ أنت هديتنا من الضلالة و استنقذتنا من الجهالة، و ابتليتنا بالفتنة فكنا في شبهة و على ريبة، و قتل و اشتد الأمر حتى لزقت ميمنة أهل الكوفة بقلبهم و ميسرة أهل البصرة بقلبهم و منعوا ميمنة أهل الكوفة بميمنة أهل البصرة، فلما رأى الشجعان من مضر الكوفة و البصرة الصبر تنادوا: طرفوا إذا فرغ الصبر، فجعلوا يقصدون الأطراف الأيدي و الأرجل، فما رئي وقعة كانت أعظم منها قبلها و لا بعدها و لا أكثر ذراعا مقطوعة و لا رجلا مقطوعة، و أصيب يد عبد الرحمن بن عتّاب قبل قتله، فنظرت عائشة من يسارها فقالت: من القوم عن يساري؟ قال صبرة بن شيمان: بنوك الأزد، فقالت: يا آل غسان حافظوا اليوم على جلادكم الّذي كنا نسمع به، فكان الأزد يأخذون بعر الجمل يشمونه و يقولون: بعر جمل أمنا ريحه ريح المسك، و قالت لمن عن يمينها: من القوم عن يميني؟ قال: بكر بن وائل، قالت: إنما بإزائكم عبد القيس، فاقتتلوا أشد من قتالهم قبل ذلك، و أقبلت على كتيبة بين يديها فقالت: من القوم؟ قالوا: بنوا ناجية، قالت: بخ بخ سيوف أبطحية قرشية! فجالدوا جلادا يتفادى منه، ثم أطافت بها بنو ضبة فقالت: ويها جمرة الجمرات! فلما رقوا خالطهم بنو عدي بن عبد مناة و كثروا

246

حولها، فقالت: من أنتم؟ قالوا: بنو عدي خالطنا إخوتنا، فأقاموا رأس الجمل و ضربوا ضربا شديدا ليس بالتعذير و لا يعدلون بالتطريف، حتى إذا كثر ذلك و ظهر في العسكرين جميعا راموا الجمل و قالوا: لا يزال القوم أو يصرع الجمل، و صار مجنبتا علي إلى القلب، و فعل ذلك أهل البصرة، و كره القوم بعضهم بعضا،

و أخذ عميرة بن يثربي برأس الجمل و كان قاضي البصرة قبل كعب بن سور، فشهد الجمل هو و أخوه عبد اللَّه، فقال علي: من يحمل على الجمل؟ فانتدب له هند بن عمر الجمليّ المراديّ، فاعترضه ابن يثربي فاختلفا ضربتين، فقتله ابن يثربي،

ثم حمل علباء بن الهيثم فاعترضه ابن يثربي فقتله و قتل سيحان بن صوحان و ارتث صعصعة.

و لم يزل الأمر كذلك حتى قتل على الخطام أربعون رجلا، قالت عائشة:

ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بني ضبة، قال: و أخذ الخطام سبعون رجلا من قريش كلهم يقتل و هو آخذ بخطام الجمل، و كان ممن أخذ بزمام الجمل محمد بن طلحة، و قال: يا أمتاه مريني بأمرك، قالت: آمرك أن تكون خير بني آدم إن تركت، فجعل لا يحمل عليه أحد إلا حمل عليه، و قال:

حاميم لا ينصرون، و اجتمع عليه نفر كلهم ادعى قتله، المكعبر الأسديّ، و المكعبر الضبيّ، و معاوية بن شداد العبسيّ، و عفّار السعديّ النصريّ، فأنفذه بعضهم بالرمح، و أخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحد إلا خبطه بالسيف، فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي، فاختلفا ضربتين فقتل كل واحد منهما صاحبه، و أحدق أهل النجدات و الشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الخطام أحد إلا قتل، و كان لا يأخذه و الراية إلا معروف عند المطيفين بالجمل فينتسب: أنا فلان بن فلان، فو اللَّه إن كان ليقاتلون عليه و إنه للموت لا يوصل إليه إلا بطلبة و عنت، و ما رامه أحد من أصحاب علي إلا قتل أو أفلت ثم لم يعد، و حمل عدي بن حاتم الطائي عليهم ففقئت عينه، و جاء عبد اللَّه بن الزبير و لم يتكلم فقالت: من أنت؟ فقال: ابنك ابن أختك، قالت: وا ثكل أسماء! و انتهى إليه الأشتر، فاقتتلا، فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا، و ضربه عبد اللَّه ضربة خفيفة، و اعتنق كل رجل منهما صاحبه و سقطا إلى الأرض يعتركان، و أخذ الخطام الأسود بن أبي البختري فقتل، و هو قرشي‏

247

أيضا، و أخذه عمرو بن الأشرف فقتل، و قتل معه ثلاثة عشر رجلا من أهل بيته، و هو أزدي، و جرح مروان بن الحكم، و جرح عبد اللَّه بن الزبير سبعا و ثلاثين جراحة من طعنة و رمية،

قال: و ما رأيت مثل يوم الجمل، ما ينهزم منا أحد و ما نحن إلا كالجبل الأسود، و ما يأخذ بخطام الجمل أحد إلا قتل حتى ضاع الخطام، و نادى علي: اعقروا الجمل فإنه إن عقر تفرقوا، فضربه رجل فسقط فما سمعت صوتا قط أشد من عجيج الجمل،

و كانت راية الأزد من أهل الكوفة مع مخنف بن سليم فقتل و أخذها الصقعب، و أخوه عبد اللَّه بن سليم فقتل، و أخذها العلاء بن عروة، فكان الفتح و هي بيده، و كانت راية عبد القيس من أهل الكوفة مع القاسم بن سليم فقتل، و قتل معه زيد و سيحان ابنا صوحان، و أخذها عدة نفر، فقتلوا، منهم عبد اللَّه بن رقية، ثم أخذها منقذ بن النعمان فرفعها إلى ابنة مرة بن منقذ فانقضت الحرب و هي في يده، و كانت راية بكر بن وائل في بني ذهل مع الحارث بن حسان الذهلي، فأقدم و قال: يا معشر بكر لم يكن أحد له من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثل منزلة صاحبكم فانصروه، فتقدم و قاتلهم فقتل ابنه و خمسة من بني أهله، و قتل الحارث، و قتل رجال من بني محدوج، و قتل من بني ذهل خمسة و ثلاثون رجلا، و قال رجل لأخيه و هو يقاتل: يا أخي ما أحسن قتالنا إن كنا على الحق! قال: فإنا على الحق، إن الناس أخذوا يمينا و شمالا، و ان تمسكنا بأهل بيت نبينا فقاتلا حتى قتلا، و جرح يومئذ عمير بن الأهلب الضبي، فقال له الرجل: قل لا إله إلا اللَّه، قال: أدن مني فلقني فيّ صمم، فدنا منه الرجل، فوثب عليه فعض أذنه فقطعها.

و قيل في عقر الجمل: إن القعقاع لقي الأشتر و قد عاد من القتال عند الجمل، فقال: هل لك في العود؟ فلم يجبه، فقال: يا أشتر بعضنا أعلم بقتال بعض منك، و حمل القعقاع و الزمام مع زفر بن الحارث، و كان آخر من أخذ الخطام، فلم يبق شيخ من بني عامر إلا أصيب قدام الجمل، و قيل: لما سقط الجمل أقبل محمد بن أبي بكر إليه و معه عمار فاحتملا الهودج فنحياه، فأدخل محمد يده فيه، فقالت: من هذا؟ فقال: أخوك البر، قالت: عقق، قال: يا أخيّه هل أصابك شي‏ء؟ قالت: ما أنت و ذاك؟ قال: فمن إذا الضلال؟ قالت:

بل الهداة، و قال لها عمار: كيف رأيت ضرب بنيك اليوم يا أماه؟ قالت: لست‏

248

لك بأم، قال: بلى و إن كرهت، قالت: فخرتم أن ظفرتم و أتيتم مثل الّذي نقمتم، هيهات و اللَّه لن يظفر من كان هذا دأبه-! فأبرزوا هودجها فوضعوها ليس قربها أحد، و

أتاها عليّ فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت: بخير، قال:

يغفر اللَّه لك، قالت: و لك،

و جاء أعين بن ضبيعة بن أعين المجاشعي حتى اطلع في الهودج، فقالت: إليك لعنك اللَّه، فقال: و اللَّه ما أرى إلا حميراء، فقالت له: هتك اللَّه سترك و قطع يدك و أبدى عورتك، فقتل بالبصرة، و سلب، و قطعت يده، و رمى عريانا في خربة من خربات الأزد، فلما كان الليل أدخلها أخوها محمد بن أبي بكر البصرة فأنزلها في دار عبد اللَّه بن خلف الخزاعي على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، و هي أم طلحة الطلحات بن عبد اللَّه بن خلف، و تسلل الجرحى من بين القتلى ليلا فدخلوا البصرة، فأقام على بظاهر البصرة ثلاثا، و أذن للناس في دفن موتاهم، فخرجوا إليهم فدفنوهم، و جعل كلما مر برجل فيه خير قال: زعم من زعم أنه لم يخرج إلينا إلا الغوغاء و هذا العابد المجتهد فيهم،

و صلى عليّ على القتلى من أهل البصرة و الكوفة، و صلى على قريش من هؤلاء و هؤلاء، و أمر فدفنت الأطراف في قبر عظيم، و جمع ما كان في العسكر من شي‏ء و بعث به إلى مسجد البصرة و قال: من عرف شيئا فليأخذه إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان،

و كان جميع القتلى عشرة آلاف نصفهم من أصحاب عليّ و نصفهم من أصحاب عائشة، و قيل غير ذلك.

ثم دخل على البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم حتى الجرحى و المستأمنة، و أتاه عبد الرحمن بن أبي بكرة في المستأمنين أيضا فبايعه، ثم راح إلى عائشة و هي في دار عبد اللَّه بن خلف، و هي أعظم دار بالبصرة، فوجد النساء يبكين على عبد اللَّه و عثمان ابني خلف و كان عبد اللَّه قتل مع عائشة و عثمان قتل مع علي، و كانت صفية زوج عبد اللَّه مختمرة تبكي، فلما رأته قالت له: يا على يا قاتل الأحبة! يا مفرق الجمع! أيتم اللَّه منك بنيك كما أيتمت ولد عبد اللَّه منه! فلم يرد عليها شيئا، و دخل على عائشة فسلم عليها، و قعد عندها، فلما خرج عليّ أعادت عليه القول، فكف بغلته و قال: لقد هممت أن أفتح هذا الباب، و أشار إلى باب في الدار، و أقتل من فيه، و كان فيه ناس‏

249

من الجرحى فأخبر عليّ بمكانهم فتغافل عنهم فسكت، و كان مذهبه أن لا يقتل مدبرا لا يذفف على جريح و لا يكشف سترا و لا يأخذ مالا، ثم جهز علي عائشة بكل ما ينبغي لها من مركب و زاد و متاع و غير ذلك و بعث معها كل من نجا ممن خرج معها إلا من أحب المقام، و اختار لها أربعين امرأة من نساء البصرة المعروفات، و سير معها أخاها محمد بن أبي بكر، فلما كان اليوم الّذي ارتحلت فيه أتاها عليّ فوقف لها،

و حضر الناس فخرجت و ودعتهم و قالت: يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه و اللَّه ما كان بيني و بين عليّ في القديم إلا ما يكون بين المرأة و بين أحمائها، و إنه على معتبي لمن الأخيار، و قال عليّ:

صدقت، و اللَّه ما كان بيني و بينها إلا ذاك، و إنها لزوجة نبيكم في الدنيا و الآخرة.

و خرجت يوم السبت غرة رجب و شيعها أميالا و سرح بنيه معها يوما، فكان وجهها إلى مكة، فأقامت إلى الحج، ثم رجعت إلى المدينة، و قال لها عمار حين ودعها: ما أبعد هذا المسير من العهد الّذي عهد إليك! قالت: و اللَّه إنك ما علمت لقوال بالحق، قال: الحمد للَّه الّذي قضى على لسانك لي‏] [ (1)].

____________

[ (1)] (الكامل في التاريخ لابن الأسير): 3/ 209- 258 مختصرا.

250

و أما إخبار اللَّه تعالى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما عزم عليه عمرو بن جحاش من إلقاء صخرة عليه حتى قام من مكانه‏

فقال الواقدي: حدثني محمد بن عبد اللَّه، و عبد اللَّه بن جعفر، و محمد بن صالح، و محمد بن يحيى بن سهل، و ابن أبي حبيبة، و معمر بن راشد في رجال ممن لم أسمهم، فكل قد حدثني ببعض هذا الحديث، و بعض القوم كان أوعى له من بعض، و قد جمعت كل الّذي حدثوني، قالوا:

أقبل عمرو بن أمية من بئر معونة حتى كان بقناة، فلقى رجلين من بنى عامر فنسبها، فانتسبا، فقابلهما حتى إذا ناما وثب عليهما فقتلهما، ثم خرج حتى ورد على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من ساعته في قدر حلب شاة، فأخبره خبرهما، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بئس ما صنعت، قد كان لهما منا أمان و عهد! فقال: ما شعرت، كنت أراهما على شركهما، و كان قومهما قد نالوا منا ما نالوا من الغدر بنا، و جاء بسلبهما، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعزل سلبهما حتى بعث به مع ديتها، و ذلك أن عامر بن الطفيل بعث إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن رجلا من أصحابك قتل رجلين من قومي، و لهما منك أمان و عهد، فابعث بديتهما إلينا، فسار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بني النضير يستعين في ديتهما، و كانت بنو النضير حلفاء لبني عامر،

فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم السبت فصلى في مسجد قباء و معه رهط من المهاجرين و الأنصار، ثم جاء بني النضير فيجدهم في ناديهم، فجلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه، فكلمهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يعينوه في دية الكلابيين الذين قتلهما عمرو بن أمية، فقالوا: نفعل، يا أبا القاسم، ما أحببت قد أني لك أن تزورنا و إن تأتينا، أجلس حتى نطعمك! و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مستند إلى بيت من بيوتهم، ثم خلا بعضهم إلى بعض فتناجوا، فقال: حيي بن أخطب: يا معشر اليهود، قد جاءكم محمد في نفير من أصحابه لا يبلغون عشرة- و معه أبو بكر، و عمرو، و علي، و الزبير، و طلحة، و سعد بن معاذ، و أسيد بن خضير، و سعد بن عبادة- فأطرحوا عليه حجارة من فوق هذا البيت الّذي هو تحته فاقتلوه، فلن تجدوه أخلى منه الساعة!! فإنه إن قتل تفرق أصحابه، فلحق من كان معه من قريش بحرمهم، و بقي من ها هنا من‏

251

الأوس و الخزرج حلفاؤكم، فما كنتم تريدون أن تصنعوا يوما من الدهر فمن الآن! فقال عمرو بن جحاش: أنا أظهر على البيت فأطرح عليه صخرة، قال سلام بن مشكم: يا قوم، أطيعوني هذه المرة و خالفوني الدهر! و اللَّه إن فعلتم ليخبرن بأن قد غدرنا به، و إن هذا نقض العهد الّذي بيننا و بينه، فلا تفعلوا! ألا فو اللَّه لو فعلتم الّذي تريدون ليقومن بهذا الدين منهم قائم إلى يوم القيامة، يستأصل اليهود و يظهر دينه! و قد هيأ الصخرة ليرسلها على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و يحدرها، فلما أشرف بها جاء رسول اللَّه الخبر من السماء بما هموا به فنهض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سريعا كأنه يريد حاجة، و توجه إلى المدينة، و جلس أصحابه يتحدثون و هم يظنون أنه قام يقضي حاجة.

فلما يئسوا من ذلك قال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: ما مقامنا ها هنا بشي‏ء، لقد وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لأمر فقاموا، فقال حيي: عجل أبو القاسم قد كنا نريد أن نقضي حاجته و نغذيه، و ندمت اليهود على ما صنعوا، فقال لهم كنانة بن صويراء: هل تدرون لم قام محمد؟ قالوا: لا و اللَّه، ما ندري و ما تدري أنت! قال: بلى و التوراة، أني لأدري قد أخبر محمد ما هممتم به من الغدر، فلا تخدعوا أنفسكم، و اللَّه إنه لرسول اللَّه و ما قام إلا أنه أخبر بما هممتم به من الغدر، و إنه لآخر الأنبياء، كنتم تطمعون أن يكون من بني هارون فجعله اللَّه حيث شاء و إن كتبنا و الّذي درسنا في التوراة التي لم يغير و لم تبدل أن مولده بمكة و دار هجرته يثرب، و صفته بعينها ما تخالف حرفا هما في كتابنا، و ما يأتيكم [به‏] أولى من محاربته إياكم، و لكأنّي انظر إليكم ظاعنين، يتضاغى صبيانكم، قد تركتم دوركم خلوفا و أموالكم، و إنما هي شرفكم، فأطيعوني في خصلتين، و الثالثة لا خير فيها!.

قالوا: ما هما؟ قال: تسلمون و تدخلون مع محمد، فتأمنون على أموالكم و أولادكم، و تكونون من عليه أصحابه، و تبقى بأيديكم أموالكم، و لا تخرجوا من دياركم، قالوا: لا نفارق التوراة و عهد موسى! قال: فإنه مرسل إليكم:

اخرجوا من بلدي، فقالوا: نعم- فإنه لا يستحل لكم دما و لا مالا- و تبقى أموالكم، إن شئتم بعتم، و إن شئتم أمسكتم، قالوا: أما هذا فنعم، قال: أما و اللَّه إن الأخرى خيرهن لي، قال: أما و اللَّه لو لا أني أفضحكم لأسلمت، و لكن‏

252

و اللَّه لا تعير شعثاء بإسلامي أبدا حتى يصيبني ما أصابكم- و ابنته شعثاء التي كان حسان ينسب بها.

فقال سلام بن مشكم: قد كنت لما صنعتم كارها، و هو مرسل إلينا أن اخرجوا من داري، فلا تعقب يا حيي كلامه، و أنعم له بالخروج، فاخرج من بلاده، قال: أفعل، أنا أخرج! فلما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى المدينة تبعه أصحابه، فلقوا رجلا خارجا من المدينة فسألوه: هل لقيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)؟ قال: لقيته بالجسر داخلا، فلما انتهى أصحابه إليه وجدوه قد أرسل إلى محمد بن مسلمة يدعوه،

فقال أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: يا رسول اللَّه قمت و لم نشعر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): همت اليهود بالغدر بي، فأخبرني اللَّه بذلك فقمت [ (1)]،

و قد ذكر موسى بن عقبة القصة بمعنى ما تقدم.

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 363- 366، و قد ذكره الواقدي بتمامه لكن ذكره المقريزي مختصرا.