إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
253

و أما تصديق اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قوله عن أبيّ بن خلف: أنا أقتله، فقتله يوم أحد

فخرج أبو نعيم [ (1)] من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف أن أبيّ بن خلف قال حين افتدى:

و اللَّه إن عندي فرسا أعلفها كل يوم فرق ذرة و لأقتلن عليها محمدا، فبلغت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حلفته فقال: بل أنا أقتله إن شاء اللَّه، فلما كان يوم أحد طعنه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في عنقه بحربته، فوقع أبيّ عن فرسه، فلما رجع إلى فرسه و قد خدشه في عنقه خدشا غير كبير، فاحتقن الدم، قال: قتلني و اللَّه محمد! قالوا: ذهب و اللَّه فؤادك إن بك بأس، فقال: إنه قد قال لي بمكة: أنا أقتلك إن شاء اللَّه،

و اللَّه لو بصق لقتلني، فمات عدو اللَّه بسرف و هم قافلون إلى مكة.

و قال ابن إسحاق [ (2)]: حدثنا ابن شهاب، و قال قتيبة بن سعيد حدثنا الليث بن سعد عن عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب‏

أن أبي بن خلف الجمحيّ أسر ببدر، فلما افتدي من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن عندي العوذ فرسا أعلفه كل يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فيقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنا أقتلك عليها إن شاء اللَّه، فلما كان يوم أحد أقبل أبي بن خلف يركض على فرسه تلك حتى دنا من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فاعترض رجال من المسلمين ليقاتلوه فقال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): استأخروا استأخروا! فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحربة في يده فرمى بها أبي بن خلف فكسرت الحربة ضلعا من أضلاعه، فرجع إلى أصحابه ثقيلا فاحتملوه حتى ولوا به، فطفقوا يقولون له:

لا بأس بك، فقال لهم أبي: أ لم يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه؟

فانطلق به أصحابه، فمات ببعض الطريق فدفنوه، قال سعيد بن المسيب: و فيه أنزل اللَّه- تبارك و تعالى-: وَ ما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَ لكِنَّ اللَّهَ رَمى‏ [ (3)].

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 211.

[ (2)] (السيرة النبويّة لابن هشام): 4/ 33.

[ (3)] (طبقات ابن سعد): 2/ 46، من قتل من المسلمين يوم أحد.

254

قال أبو نعيم [ (1)]: و رواه حماد بن سلمة عن عليّ بن زيد بن جدعان، عن سعيد بن المسيب، و قال محمد بن سعيد: حدثني ابن شهاب الزهريّ عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال: كان كعب أول من عرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد الهزيمة، و قول الناس قتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال كعب: عرفت عينيه تزهران من تحب المغفر، فناديت بأعلى صوتي يا معشر المسلمين أبشروا هذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأشار إليّ أن أنصت، فلما عرفوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهضوا به معهم، و نهض به معهم نحو الشّعب و معه أبو بكر، و عمر، و علي، و طلحة، و الزبير، و الحارث بن الصمة في رهط من المسلمين،

فلما أسند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الشّعب أدركه أبيّ بن خلف و هو يقول: يا محمد لا نجوت إن نجوت فقال القوم: أ يعطف عليه يا رسول اللَّه رجل منا؟ فقال: دعوه، فلما دنا تناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحربة من الحارث بن الصمة،

يقول بعض القوم فيما ذكر لي:

فلما أخذها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) انتفض بها انتفاضة تطايرنا عنه تطاير الشّعر [ (2)] من ظهر البعير إذ انتفض، ثم استقبله، فطعنه بها طعنة تدأدأ [ (3)] منها عن ظهر فرسه مرارا.

و قال ابن لهيعة: حدثت أبو الأسود، عن عروة بن الزبير قال:

كان أبيّ ابن خلف أخو بني جمح حلف و هو بمكة ليقتلن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما بلغت حلفته رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنا أقتله إن شاء اللَّه،

فأقبل أبيّ مقنعا في الحديد يقول لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يريد قتله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يتقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنفسه، فقتل مصعب بن عمير، و أبصر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ترقوة أبيّ بن خلف من فرجه بين سابغة الدرع و البيضة، فطعنه بحربته فوقع أبي عن فرسه، و لم يخرج من طعنته دم، فأتوه أصحابه فاحتملوه و هو يخور خوار الثور، فقالوا: ما

____________

[ (1)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 482، حديث رقم (414).

[ (2)] الشّعر: ذباب زرق تقع على الإبل و الحمير فتنادي بها كثيرا.

[ (3)] تدأدأ: سقط و تدحرج.

255

أ جزعك؟ إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): [أقتل أبيا] ثم قال:

و الّذي نفسي بيده لو كان الّذي بى بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعين، فمات [ (1)].

و قال موسى بن عقبة: عن ابن شهاب فيمن ذكرهم من قتلى المشركين يوم أحد. قال: و أبيّ بن خلف مات بمكة أو بالطريق من طعنة، طعنه إياها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و قال عبد الرزاق: عن معمر بن عثمان الجزري، عن مقسم قال معمر:

و حدثني الزهريّ ببعضه أنّ عقبة بن أبي معيط و أبيّ بن خلف التقيا، فقال عقبة لأبيّ: لا أرضى عنك حتى تأتي محمدا فتتفل في وجهه، و تشتمه و تكذبه، فلما كان يوم أحد خرج أبيّ بن خلف مع المشركين فأخذ النبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحربة فخرج له بها فتقع في ترقوته، فخر يخور كما يخور الثور، فأقبل أصحابه حتى احتملوه و هو يخور،

فقالوا ما هذا؟ فو اللَّه ما بك إلا خدش فقال: و اللَّه لو لم يصبني إلا ريقه لقتلني أ ليس قد قال: أنا أقتله؟

فو اللَّه لو كان الّذي بي بأهل ذي المجاز لقتلهم فما لبث إلا يوما أو نحو ذلك حتى مات.

و قال الواقدي: في (مغازيه) فحدثني يونس بن محمد الظفري، عن عاصم بن عمرو، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال:

كان أبيّ بن خلف قدم في فداء ابنه و كان أسر يوم بدر فقال: يا محمد إن عندي فرسا لي أعلفها كل يوم فرقا من ذرة كي أقتلك عليها، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بل أنا أقتلك عليها إن شاء اللَّه، و يقال: قال: ذلك بمكة فبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كلمته بالمدينة فقال: أنا أقتله عليها إن شاء اللَّه، قالوا: و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في القتال لا يلتفت وراءه، و كان يقول لأصحابه إني أخشى أن يأتي أبيّ بن خلف من خلفي فإذا رأيتموه فآذنوني به، فإذا بأبيّ يركض على فرسه و قد رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فعرفه، فجعل يصيح بأعلى صوته يا محمد لا نجوت إن نجوت، فقال القوم:

يا رسول اللَّه ما كنت صانعا حين يغشاك؟ فقد جاءك، و إن شئت عطف بعضنا عليك فأبىّ رسول اللَّه‏

و دنا أبي، فتناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحربة من الحارث بن الصمة، ثم انتفض بأصحابه كما ينتفض البعير، فتطايرنا عنه تطاير الشعر من‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (415).

256

ظهر البعير، و لم يكن أحد يشبه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا جد الجد، ثم أخذ الحربة فطعنه بالحربة في عنقه و هو على فرسه، فجعل يخور كما يخور الثور، و يقول له أصحابه: أبا عامر! و اللَّه ما بك بأس، و لو كان هذا الّذي بك يعين أحدنا ما ضره، قال: لا و اللات و العزى لو كان هذا الّذي بي بأهل المجاز لماتوا أجمعون، أ ليس‏

قال:

لأقتلنك؟

فاحتملوه، و شغلهم ذلك عن طلب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لحق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعظم أصحابه في الشعب، و يقال: تناول الحربة من الزبير بن العوام.

كان ابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يقول: مات أبيّ بن خلف ببطن رابغ فإنّي لأسير ببطن رابغ بعد هوي من الليل إذ نار تأجج لي، فهبتها و إذا رجل يخرج منها في سلسلة يجتذ بها يصيح: العطش، و إذا رجل يقول: لا تسقه فإن هذا قتيل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هذا أبيّ بن خلف، فقلت: ألا سحقا، و يقال: مات بسرف، و يقال: لما تناول الحربة من الزبير حمل أبيّ علي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليضربه، فاستقبله مصعب بن عمير يجود بنفسه دون رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فضرب مصعب بن عمير وجهه، و أبصر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فرجة بين سابغة البيضة و الدرع، فطعنه هناك فوقع و هو يخور [ (1)].

و قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا محمد بن مروان عن عمارة بن أبي حصينة، عن عكرمة، قال: شجّ النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في وجهه يوم أحد و كسرت رباعيته و ذلق لسانه من العطش حتى جعل يقع على ركبتيه، و تركه أصحابه،

فجاء أبيّ بن خلف يطلبه بدم أخيه أمية بن خلف، فقال: أين هذا الّذي يزعم أنه نبيّ؟

فليبرز لي فإنه إن كان نبيا قتلني، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أعطوني الحربة، فقالوا: يا رسول اللَّه و بك حراك فقال: إني قد استسقيت اللَّه دمه، فأخذ الحربة، ثم مشى إليه فطعنه فصرعه عن دابته،

و حمله أصحابه فاستنقذوه، فقالوا له: ما نرى بك بأسا، قال: إنه قد استسقى اللَّه دمي، إني لأجد لها ما لو كانت على ربيعة، و مضر لوسعتهم [ (2)].

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 250- 252، غزوة أحد.

[ (2)] (مصنف ابن أبي شيبة): 7/ 371، كتاب المغازي، حديث رقم (36773).

257

و أما إجابة اللَّه تعالى دعاء نبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على عتبة بن أبي وقاص‏

فخرّج عبد الرزاق عن معمر، عن الزهريّ، عن عثمان الجزري، عن مقسم‏

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته، و دمي وجهه، و قال: اللَّهمّ لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرا، فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار.

و أما إجابة اللَّه تعالى دعاء رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ابن قميئة و من وافقه في ضيعه‏

فخرّج أبو نعيم [ (1)] من حديث بن جريح، عن إبراهيم بن ميسرة، عن نافع بن عاصم، قال: الّذي دمي وجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد اللَّه بن قميئة رجل من هذيل، فسلط اللَّه عليه تيسا فنطحه حتى قتله.

و قال الواقدي في (مغازيه) [ (2)]- و قد ذكر غزوة أحد-: و كان أربعة من قريش قد تعاهدوا و تعاقدوا على قتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عرفهم المشركون بذلك عبد اللَّه بن شهاب، و عتبة بن أبي وقاص، و ابن قميئة [ (3)]، و أبيّ بن خلف، و رمى عتبة يومئذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأربعة أحجار و كسرت رباعيته- أشظى [ (4)] باطنها اليمنى السفلى و شج وجنتيه حتى غاب حلق المغفر في وجنته، و أصيبت ركبتاه فجحشتا، و كان حفر حفرها أبو عامر الفاسق كالخنادق للمسلمين، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واقفا على بعضها و لا يشعر به، و الثبت عندنا أن الّذي رمى في وجنتي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ابن قميئة و الذي رمى في شفته و أصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص،

____________

[ (1)] (دلائل أبي نعيم): 488- 489، حديث رقم (424) و سنده منقطع.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 1/ 243- 246.

[ (3)] في بعض المراجع: «قمئة».

[ (4)] أشظى: كسر.

258

و أقبل ابن قميئة و هو يقول: دلوني على محمد، فو الّذي يحلف به، لئن رأيته لأقتلنه! فعلاه السيف و رماه عتبة بن أبي وقاص مع تجليل السيف، و كان عليه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) درعان، فوقع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الحفرة التي أمامه فجحشت ركبتاه، و لم يصنع سيف بن قميئة شيئا، إلا وهن الضربة بثقل السيف، فقد وقع لها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و انتهض رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و طلحة يحمله من ورائه، و علي آخذ بيديه حتى استوى قائما.

حدثني الضحاك بن عثمان عن ضمرة بن سعيد، عن أبي بشير المازني، قال: حضرت يوم أحد و أنا غلام، فرأيت ابن قميئة علا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالسيف، فرأيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وقع على ركبتيه في حفرة أمامه حتى توارى، فجعلت أصيح- و أنا غلام- حتى رأيت الناس ثابوا إليه، قال: فانظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه آخذا بحضنه حتى قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و يقال: إن الّذي شج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في جبهته ابن شهاب، و الّذي أشظى رباعيته و أدمى شفتيه عتبة بن أبي وقاص، و الّذي رمى وجنتيه، حتى غاب الحلق في وجنتيه ابن قميئة، و سال الدم من في شجته التي في جبهته حتى أخضل الدم لحيته (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و

كان سالم مولى أبي حذيفة يغسل الدم عن وجه رسول اللَّه، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول: كيف يفلح قوم فعلوا هذا بنبيهم و هو يدعوهم إلى اللَّه- عز و جل-؟

فأنزل اللَّه- عز و جل-:

لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ‏

[ (1)] الآية.

و قال سعد بن أبي وقاص- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: سمعته يقول:

اشتد غضب اللَّه على قوم أدموا وجه رسول اللَّه، اشتد غضب اللَّه على رجل قتله رسول اللَّه! قال سعد: فقد شفاني من عتبة أخي دعاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، لقد حرصت على قتله حرصا ما حرصته على شي‏ء قط، و إن كان ما علمته لعاقا بالوالد سيّئ الخلق، و لقد تخرقت صفوف المشركين مرتين أطلب أخي لأقتله، و لك راغ مني روغان الثعلب، فلما كان الثالثة قال لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا عبد اللَّه ما تريد؟ تريد أن تقتل نفسك؟ فكففت، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

____________

[ (1)] آل عمران: 128.

259

اللَّهمّ لا يحولنّ الحول على أحد منهم!

قال: و اللَّه، ما حال الحول على أحد ممن رماه أو جرجه! مات عتبة.

و أما ابن قميئة فإنه اختلف فيه، فقائل يقول: قتل في المعرك، و قائل يقول: إنه رمى يوم أحد بسهم، فأصاب مصعب بن عمير، فقال: خذها و أنا ابن قميئة! فقتل مصعبا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أقمأه اللَّه،

فعمد إلى شاة يحتلبها فنطحته بقرنها و هو معتقلها فقتلته، فوجد ميتا بين الجبال، لدعوة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كان عدو اللَّه قد رجع إلى أصحابه، فأخبرهم أنه قتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو رجل من بني الأدرم من بني فهر.

260

و أما تغسيل الملائكة حنطلة بن أبي عامر رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه لما قتل بأحد و ظهور الماء بقطر من رأسه تصديقا لإخبار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذلك‏

فقال ابن إسحاق [ (1)]: فحدثني يحيى بن عبد اللَّه، عن جده و قد التقى حنظلة بن أبي عامر الغسيل و أبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة بن أبي عامر رآه شداد بن الأسود و هو ابن شعوب، و قد علا أبا سفيان فضربه شداد بالسيف حتى قتله،

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن صاحبكم- يعني حنظلة- لتغسله الملائكة، فسألوا أهله ما شأنه؟ فسئلت صاحبته، فقالت: خرج و هو جنب سمع الهاتفة.

و ذكر الواقدي [ (2)] في (مغازيه) قصة حنظلة قال: و كان حنظلة بن أبي عامر تزوج جميلة بنت عبد اللَّه بن أبي بن سلول، فأدخلت عليه في الليلة التي في صبحها قتال أحد، و كان قد استأذن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يبيت عندها فأذن له، فلما صلى الصبح غدا يريد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لزمته جميلة فعاد فكان معها، فأجنب منها ثم أراد الخروج، و قد أرسلت قبل ذلك إلى أربعة من قومها فأشهدتهم أنه قد دخل بها، فقيل لها بعد: لم أشهدت عليه؟ قالت: رأيت كان السماء فرجت فدخل فيها حنظلة ثم أطبقت، فقلت: هذه الشهادة! فأشهدت عليه أنه قد دخل بها، و تعلق بعبد اللَّه بن حنظلة، ثم تزوجها ثابت بن قيس بعد فولدت له محمد بن ثابت بن قيس.

و أخذ حنظلة بن أبي عامر سلاحه، فلحق برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأحد و هو يسوي الصفوف، قال: فلما انكشف المشركون اعترض حنظلة بن أبي عامر لأبي سفيان بن حرب فضرب عرقوب فرسه فاكتسعت الفرس، و يقع أبو سفيان إلى الأرض! و حنظلة يريد ذبحه بالسيف، فأسمع الصوت رجالا لا يلتفتون إليه من الهزيمة، حتى عاينه الأسود بن شعوب، فحمل على حنظلة بالرمح فأنفذه،

____________

[ (1)] (السيرة النبويّة لابن هشام): 3/ 22- 23.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 1/ 273- 274.

261

فمشى حنظلة إليه بالرمح و قد أثبته، ثم ضربه الثانية فقتله، و هرب أبو سفيان يعدو على قدميه فلحق ببعض قريش، فنزل عن صدر فرسه و ردف وراء أبي سفيان- فذلك قول أبي سفيان- فلما قتل حنظلة مر عليه أبوه، و هو مقتول جنب حمزة بن عبد المطلب و عبد اللَّه بن جحش، فقال: إن كنت لأحذرك هذا الرجل من قبل هذا المصرع، و اللَّه إن كنت لبرا بالوالد، شريف الخلق في حياتك، و إن مماتك لمع سراة أصحابك و أشرافهم، و إن جزى اللَّه هذا القتيل- لحمزة- خيرا، أو أحدا أمن أصحاب محمد فجزاك اللَّه خيرا، ثم نادي يا معشر قريش حنظلة لا يمثل به و إن كان خالفني و خالفكم فلم يأل لنفسه فيما يرى خيرا، ثم نادى: يا معشر قريش، حنظلة لا يمثل به و إن كان خالفني و خالفكم، فلم يأل لنفسه فيما يرى خيرا، فمثل بالناس و ترك فلم يمثل به.

و كانت هند أول من مثل بأصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمرت النساء بالمثل- جدع الأنوف و الآذان- فلم تبق امرأة إلا عليها معضدان و مسكتان و خدمتان، و مثل بهم كلهم إلا حنظلة.

و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء و الأرض بماء المزن في صحاف الفضة، قال أبو أسيد الساعدي:

فذهبنا فنظرنا إليه فإذا رأسه يقطر ماء، قال أبو أسيد: فرجعت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرته، فأرسل إلى امرأته فسألها، فأخبرته أنه خرج و هو جنب.

و قال ابن عبد البر [ (1)]: و ذكر أهل السيرة أن حنظلة الغسيل كان قد ألم بأهله في حين خروجه إلى أحد، ثم هجم عليه من الخروج في النفير ما أنساه الغسل، و أعجله عنه، فلما قتل شهيدا أخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأن الملائكة غسلته.

و روى حماد بن سلمة، عن هشام بن عروة، عن أبيه،

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لأمرأة حنظلة بن أبي عامر الأنصاري: ما كان شأنه؟ قالت: كان جنبا و غسلت أحد شقي رأسه، فلما سمع الهيعة خرج فقتل، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لقد رأيت الملائكة تغسله.

____________

[ (1)] (الاستيعاب في معرفة الأصحاب): 1/ 381- 382 ترجمة رقم (549).

262

و ابنه عبد اللَّه بن حنظلة، ولد على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قد ذكرناه في باب العبادلة من هذا الكتاب [ (1)].

حدثنا عبد الوارث بن سفيان، حدثنا قاسم أصبغ، حدثنا محمد بن عبد السلام الخشي، قال: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم البغدادي الدورقي قال: حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن أنس، قال: افتخرت الأوس فقالوا: منا غسيل الملائكة حنظلة بن الراهب، و منا من حمته الدبر عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، و منا من أجيزت شهادته بشهادة رجلين خزيمة بن ثابت، و منا من اهتز بموته عرش الرحمن سعد بن معاذ، فقال الخزرجيون: منا أربعة قرءوا القرآن على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم يقرأه غيرهم: زيد بن ثابت، و أبو زيد، و معاذ بن جبل، و أبيّ بن كعب.

قال ابن عبد البر [ (2)]: يعني لم يقرأه كله أحد منكم يا معشر الأوس، و لكن قد قرأه جماعة من غير الأنصار منهم: عبد اللَّه بن مسعود، و سالم مولى أبي حذيفة. و عبد اللَّه بن عمرو بن العاص، و غيرهم.

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 381.

[ (2)] (المرجع السابق): 382.

263

و أما غشي النعاس المؤمنين يوم أحد

فقال اللَّه تعالى:

ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ‏ [ (1)] الأمن و هو نقيض الخوف، يقال أمن أمنا و أمنه، و قيل الأمنة الأمن و هو نقيض الخوف إنما تكون من استباق الخوف، و الأمن يكون مع عدم الخوف، و كان في ذلك علم من أعلام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإن المسلمين كانوا في غم شديد، و قد انهزموا من عدوهم، و خرج الشيطان فيهم قبل محمد، و استشهد منهم سبعون، فما نزل اللَّه- سبحانه و تعالى- عليهم مع هذه الشدائد العظيمة النعاس حتى نام أكثرهم، و إنما ينعس من يأمن، و الخائف لا ينام.

خرّج البخاريّ [ (2)] من حديث حسين بن محمد عن شيبان، عن قتادة، حدثنا أنس بن أبا طلحة قال: غشينا النعاس و نحن في مصافنا يوم أحد قال:

فجعل سيفي يسقط من يدي و آخذه، و يسقط و آخذه.

و خرّج الترمذيّ [ (3)] من حديث سعيد عن قتادة، عن أنس أن أبا طلحة قال:

غشينا و نحن في مصافنا يوم أحد، حدث أنه كان فيمن غشيه النعاس يومئذ قال:

فجعل سيفي يسقط من يدي، و آخذ، و يسقط من يدي و آخذه، و الطائفة الأخرى المنافقون ليس لهم هم إلا أنفسهم، أجبن قوم و أرغبه، و أخذ له للحق.

قال أبو عيسى هذا حديث حسن صحيح.

و خرّج أبو نعيم [ (4)] و البيهقيّ [ (5)] من طريق حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس، عن أبي طلحة قال: رفعت رأسي يوم أحد فجعلت انظر و ما منهم أحد

____________

[ (1)] آل عمران: 154.

[ (2)] (فتح الباري): 8/ 288، كتاب التفسير، باب (11) أَمَنَةً نُعاساً، حديث رقم (4562).

[ (3)] (الترمذيّ): 5/ 214، كتاب تفسير القرآن، باب (4) و من سورة آل عمران، حديث رقم (3008).

[ (4)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 487، حديث رقم (421).

[ (5)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 267، باب قول اللَّه- عز و جل-: وَ لَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ وَ تَنازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ الآية. و قول اللَّه- عز و جل- إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ فَأَثابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى‏ ما فاتَكُمْ وَ لا ما أَصابَكُمْ وَ اللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ وَ طائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [آل عمران: 153- 152، 153، 154].

264

إلا و هو يميد تحت حجمته من النعاس، فذلك قوله- تعالى عز و جل-: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعاساً يَغْشى‏ طائِفَةً مِنْكُمْ‏ [ (1)] الآية.

و خرّج أبو نعيم [ (2)] من حديث هشام بن عروة عن أبيه، عن الزهريّ أنهم كانوا جلوسا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم أحد في أصل الجبل حتى أرسل اللَّه عليهم النعاس أمنة منه، و أنهم ليغطون حتى إن حجفهم لتنتطح في أيديهم و العدو تحتهم.

و قال ابن إسحاق [ (3)]: حدثني يحيى بن عباد بن عبد اللَّه بن الزبير، عن أبيه، عن عبد اللَّه بن الزبير، عن الزبير قال: و اللَّه إني لأسمع قول معتب بن قشير أخي بني عمرو بن عوف و النعاس يغشاني ما أسمعه إلا كالحلم حين قال:

لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [ (4)].

و خرّج البيهقيّ من حديث ابن شهاب عن عبد الرحمن بن مصور بن محرقة، عن عابية، عن عبد الرحمن بن عوف- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في قوله- تعالى-: إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعاسَ أَمَنَةً مِنْهُ‏ [ (5)] قال: ألقى علينا النوم يوم أحد.

____________

[ (1)] آل عمران: 154.

[ (2)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 487، حديث رقم (422).

[ (3)] (المرجع السابق): حديث رقم (423).

[ (4)] آل عمران: 154.

[ (5)] آل عمران: 154.

265

و ذكر الواقدي [ (1)] في (مغازيه) قصة أحد، ثم قال أبو أسيد الساعدي:

لقد رأيتنا قبل أن يلقى علينا النعاس، و إنا لسلم لمن أرادنا، لما بنا من الحزن، فألقى علينا النعاس فنمنا حتى تناطح الحجف، و فزعنا و كأنا لم تصبنا قبل ذلك نكبة.

و قال طلحة بن عبيد اللَّه: غشينا النعاس حتى كان حجف القوم تناطح.

و قال الزبير بن العوام: غشينا النعاس فما منا رجل إلا و ذقنه في صدره من النوم، فأسمع معتب بن قشير يقول: و إني لك لكالحالم‏ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْ‏ءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [ (2)]، فأنزل اللَّه- تعالى- فيه.

و قال أبو اليسر: لقد رأيتني يومئذ في أربعة عشر رجلا من قومي إلى جنب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قد أصابنا النعاس أمنة منه، ما منهم رجل إلا يغط غطيطا حتى إن الحجف لنناطح، و لقد رأيت سيف بشر بن البراء بن معرور سقط من يده و ما يشعر به، و أخذه بعد ما تثلم و إن المشركين لتحتنا.

____________

[ ()] قال الشيخ أبو نعيم- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: و في هذه الغزوة مما ذكرناه من الدلائل ما حقق اللَّه من‏

قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أبيّ بن خلف: بل أنا أقتلك، و كذب أبيّ إذ قال: أنا أقتل محمدا.

و منها: ما أراهم اللَّه- عزّ و جلّ- منن ردّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حدقة قتادة بن النعمان إلى موضعها بعد سقوطها، حتى كانت أحسن عينيه و أحدهما، فثبتت الدلالة فيه من وجهين.

و فيها: غسل الملائكة لحنظلة، و ظهور ذلك للأنصار، فرأوا الماء يقطر من رأسه رفعا للجنابة التي كانت عليه.

و فيها: ما غشيهم من النعاس مع قرب العدوّ منهم، و ما يوجب في العادة أن لا يناموا، فلما كان ما وقع شيئا خارجا عن العادة، ثبتت في الدلالة فيه، و اللَّه- تعالى- أعلم. (دلائل أبي نعيم): 2/ 488.

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 295- 296.

[ (2)] آل عمران: 154.

266

و قال أبو طلحة: ألقى علينا النعاس فكنت أنعس حتى يسقط سيفي من يدي، و كان النعاس لم يصب أهل النفاق و الشك يومئذ، فكان منافق يتكلم بما في نفسه، و إنما أصاب النعاس أهل اليقين و الإيمان.

و قال أبو نعيم [ (1)]: ما غشيهم من النعاس مع قرب العدو منهم، و ما يوجب في العادة أن لا يناموا فلما كان فيما وقع شيئا خارجا عن العادة ثبتت الدلالة فيه و اللَّه أعلم.

____________

[ (1)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 488، حديث رقم (423).

267

و أما ظهور صدق الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في إخباره أن قزمان في النار

فقال الواقدي [ (1)]: و كان قزمان من المنافقين، و كان قد تخلف عن أحد، فلما أصبح عيره نساء بنى ظفر فقلن: يا قزمان، قد خرج الرجال و بقيت! يا قزمان، ألا تستحي مما صنعت؟ ما أنت إلى إلا امرأة، خرج قومك فبقيت في الدار! فأحفظته، فدخل بيته فأخرج قوسه و جعبته و سيفه- و كان يعرف بالشجاعة- فخرج يعدو حتى انتهى إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو يسوي صفوف المسلمين، فجاء من خلف الصفوف حتى انتهى الصف الأول فكان فيه، و كان أول من رمى بسهم من المسلمين، فجعل يرسل نبلا كأنها الرماح، و إنه ليكت كتيت الجمل، ثم صار إلى السيف ففعل الأفاعيل، حتى إذا كان آخر ذلك قتل نفسه، و

كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا ذكره قال: من أهل النار،

فلما انكشف المسلمون كسر جفن سيفه و جعل يقول: الموت أحسن من الفرار! يا آل أوس، قاتلوا على الأحساب و اصنعوا مثل ما اصنع! قال: فيدخل بالسيف وسط المشركين حتى يقال: قد قتل، ثم يطلع و يقول: أنا الغلام الظفري! حتى قتل منهم سبعة، و أصابته الجراحة و كثرت به فوقع، فمر به قتادة بن النعمان فقال:

أبا الغيداق! قال له قزمان: يا لبيك! قال: هنيئا لك الشهادة! قال قزمان: إني و اللَّه ما قاتلت يا أبا عمرو على دين، ما قاتلت إلا على الحفاظ، أن قريش إلينا حتى تطأ سعفنا،

فذكر للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جراحته فقال: من أهل النار،

فأندبته الجراحة، فقتل نفسه،

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن اللَّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.

و قال الواقدي [ (2)] في موضع آخر: و كان قزمان عديدا في بني ظفر لا يدري ممن هو، و كان لهم حائطا محبا، و كان مقلا لا ولد له و لا زوجة، و كان شجاعا يعرف بذلك في حروبهم، تلك التي كانت تكون بينهم، فشهد أحدا فقاتل‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 223- 224.

[ (2)] (المرجع السابق): 1/ 263- 264.

268

قتالا شديدا فقتل ستة أو سبعة، و أصابته الجراح‏

فقيل للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قزمان قد أصابته الجراح، فهو شهيد! قال: من أهل النار،

فأتى إلى قزمان فقيل له:

هنيئا لك يا أبا الغيداق الشهادة! قال: بم تبشرون؟ و اللَّه ما قاتلنا إلا على الأحساب، قالوا: بشرناك بالجنة، قال: جنة من حرمل، و اللَّه ما قاتلنا على جنة و لا نار، إنما قاتلنا على أحسابنا! فأخرج سهما من كنانته، فجعل يتوجأ به نفسه، فلما أبطأ عليه المشقص أخذ السيف فاتكأ عليه حتى خرج من ظهره،

فذكر ذلك للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: من أهل النار.

حدثنا يونس [ (1)] بن محمد الظفري، عن أبيه، قال: أقبل قزمان يشد على المشركين، و تلقاه خالد بن الأعلم، و كل واحد منهما راجل، فاضطربا بأسيافهما، فيمر بهما خالد بن الوليد فحمل الرمح على قزمان، فسلك الرمح في غير مقتل، شطب الرمح، و مضى خالد و هو يرى أنه قد قتله، فضربه عمرو بن العاص و هما على تلك الحال، و طعنه أخرى فلم يجهز عليه، فلم يزالا يتجاولان حتى قتل قزمان خالد بن الأعلم، و مات قزمان من جراحة به من ساعة، و عثمان بن عبد اللَّه بن المغيرة قتله الحارث بن الصمة خمسة.

فقال الواقدي [ (2)] في (مغازيه): قال جابر بن عبد اللَّه: لما قتل سعد بن ربيع بأحد رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى المدينة، ثم مضى إلى حمراء الأسد، و جاء أخو سعد بن ربيع فأخذ ميراث سعد، و كان لسعد ابنتان و كانت امرأته حاملا، و كان المسلمون يتوارثون على ما كان في الجاهلية حتى قتل سعد بن ربيع، فلما قبض عمهن المال- و لم تنزل الفرائض- و كانت امرأة سعد امرأة حازمة، صنعت طعاما- ثم دعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)- خبزا و لحما و هي يومئذ بالأسواف [ (3)]،

فانصرفنا إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الصبح، فبينا نحن عنده جلوس و نحن نذكر وقعة أحد و من قتل من المسلمين، و نذكر سعد بن ربيع إلى أن قال رسول‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 1/ 308.

[ (2)] (المرجع السابق): 1/ 329- 331، هذا الحديث مطموس في الأصل و نقلناه بتمامه من المرجع السابق.

[ (3)] الأسواف: اسم حرم المدينة، و قيل: اسم موضع بعينه بناحية البقيع: (معجم البلدان).

269

اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قوموا بنا، فقمنا معه و نحن عشرون رجلا حتى انتهينا إلى الأسواف، فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و دخلنا معه فنجدها قد رشت ما بين صورين، و طرحت خصفة [ (1)].

قال جابر بن عبد اللَّه: و اللَّه ما ثم وسادة و لا بساط، فجلسنا و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحدثنا عن سعد بن ربيع، يترحم عليه و يقول: لقد رأيت الأسنة شرعت إليه يومئذ حتى قتل، فلما سمع ذلك النسوة بكين، فدمعت عينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما نهاهن عن شي‏ء من البكاء.

قال جابر: ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، قال: فتراءينا من يطلع، قال فطلع أبو بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقمنا فبشرناه بما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم سلم ثم ردوا عليه، ثم جلس.

ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فتراءينا من يطلع من خلال السعف، فطلع عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، فقمنا فبشرناه بما قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فسلم ثم جلس.

ثم قال: يطلع عليكم رجل من أهل الجنة، فنظرنا من خلال السعف، فإذا علي بن أبي طالب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قد طلع، فقمنا فبشرناه بالجنة، ثم جاء فجلس فسلم ثم جلس، ثم أتي بالطعام.

قال جابر: فأتى من الطعام بقدر ما يأكل رجل واحدا و اثنان، فوضع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يده فيه، فقال: خذوا بسم اللَّه! فأكلنا منها حتى نهلنا، و اللَّه ما أرانا حركنا منها شيئا، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ارفعوا هذا الطعام! فرفعوه، ثم أتينا برطب في طبق في باكورة أو مؤخر قليل، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بسم اللَّه، كلوا! قال: فأكلنا حتى نهلنا، و إني لأرى في الطبق نحوا مما أتى به، و جاءت الظهر فصلى بنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لم يمس ماء، ثم رجع إلى مجلسه فتحدث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم جاءت العصر فأتى ببقية الطعام يتشبع به، فقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فصلى بنا العصر، و لم يمس ماء.

____________

[ (1)] الخصفة: الشي‏ء المنسوج من خوص.

270

ثم قامت امرأة سعد بن ربيع فقالت: يا رسول اللَّه، إن سعد بن ربيع قتل بأحد، فجاء أخوه فأخذ ما ترك، و ترك ابنتين و لا مال لهما، و إنما ينكح- يا رسول اللَّه- النساء على المال، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اللَّهمّ أحسن الخلافة على تركته، لم ينزل عليّ في ذلك شي‏ء، و عودي إليّ إذا رجعت! فلما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بيته جلس على بابه و جلسنا معه، فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) برحاء حتى ظننا أنه أنزل عليه، قال: فسرى عنه و العرق يتحدر عن جبينه مثل الجمان، فقال: عليّ بامرأة سعد قال: فخرج أبو مسعود عقبة بن عمرو حتى جاء بها، قال: و كانت امرأة حازمة جلدة، فقال: أين عم ولدك؟ قالت:

يا رسول اللَّه في منزله، قال: أدعية لي، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اجلسي، فجلست و بعث رجلا يعدو إليه فأتى به و هو في بلحارث بن الخزرج، فأتى به و هو متعب، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ادفع إلى بنات أخيك ثلثي ما ترك أخوك فكبرت امرأته تكبيرة سمعها أهل المسجد، و قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ادفع إلى زوجة أخيك الثمن و شأنك و سائر ما بيدك، و لم يورث الحمل يومئذ،

و هي أم سعد بنت سعد بن ربيع امرأة زيد بن ثابت أم خارجة بن زيد، فلما ولى عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و قد تزوج زيد أم سعد بنت سعد و كانت حملا، فقال: إن كانت لك حاجة أن تكلمي في ميراثك من أبيك، فإن أمير المؤمنين قد ورّث الحمل اليوم، و كانت أم سعد يوم قتل أبوها سعد حملا، فقالت: ما كنت لأطلب من أخي شيئا.

271

و أما حماية الدبر عاصم بن ثابت حتى لم تمسه أيدي المشركين تكرمة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و علما من أعلام نبوته‏

فخرّج البخاريّ من حديث الزهريّ قال: أخبرني عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن جارية الثقفي- و هو حليف لبني زهرة- و كان من أصحاب أبي هريرة إن أبا هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عشرة رهط سرية عينا، و أمر عليهم عاصم بن ثابت الأنصاري- جد عاصم بن عمرو بن الخطاب- فانطلقوا حتى إذا كانوا بالهدأة- و هو بين عسفان و مكة- ذكروا لحي من هذيل يقال لهم بنو لحيان، فنفروا لهم قريبا من مائتي رجل كلهم رام، فاقتصوا آثارهم حتى وجدوا مأكلهم تمرا تزودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب فاقتصوا آثارهم، فلما رآهم عاصم و أصحابه لجئوا إلى فدفد، و أحاط بهم القوم، فقالوا لهم: انزلوا و أعطونا بأيديكم و لكم العهد و الميثاق و لا نقتل منكم أحدا.

فقال عاصم بن ثابت أمير السرية: أما أنا فو اللَّه لا أنزل اليوم في ذمة كافر، اللَّهمّ أخبر عنا نبيك، فرموهم بالنبل، فقتلوا عاصما في سبعة، فنزل إليهم ثلاثة رهط بالعهد و الميثاق، منهم خبيب الأنصاريّ و ابن دثنة و رجل آخر، فلما استمكنوا منهم أطلقوا أوتار قسيهم، فأوثقوهم.

فقال الرجل الثالث: هذا أول الغدر، و اللَّه لأصحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة- يريد القتلى- و جرروه و عالجوه على أن يصحبهم فأبى، فقتلوه، فانطلقوا بخبيب، و ابن دثنة حتى باعوهما بمكة بعد وقيعة بدر، فابتاع خبيبا بنو الحارث بن عامر بن نوفل بن عبد مناف، و كان خبيب هو قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرا، فأخبرني عبيد اللَّه بن عياض أن بنت الحارث أخبرته أنهم حين اجتمعوا استعار منها موسى يستحد بها فأعارته، فأخذ ابنا لي و أنا غافله حين أتاه، قالت: فوجدته مجلسه على فخذه و الموس بيده، ففزعت فزعة عرفها خبيب في وجهي، فقال: تخشين أن أقتله؟ ما كنت‏

272

لأفعل ذلك، و اللَّه ما رأيت أسيرا قط خير من خبيب، و اللَّه لقد وجدته يوما يأكل من قطف عنب في يده و إنه لموثق في الحديد و ما بمكة من ثمر، و كانت تقول إنه لرزق من اللَّه رزقه خبيبا، فلما خرجوا من الحرم ليقتلوه في الحل قال لهم خبيب: ذروني أركع ركعتين، ثم قال:

لو لا أن تظنون أن بى جزع* * * اللَّهمّ أحصهم عددا

و لست أبالي حين أقتل مسلما* * * على أي شق كان للَّه مصرعي‏

و ذلك في ذات الإله و إن يشأ* * * يبارك على أوصال شلو ممزع‏

فقتله ابن الحارث، فكان خبيب هو سنّ الركعتين لكل امرئ مسلم قتل صبرا، فأستجاب اللَّه لعاصم بن ثابت يوم أصيب، و بعث ناس من كفار قريش إلى عاصم حين حدثوا أنه قتل ليؤتوا بشي‏ء منه يعرف، و كان قد قتل رجلا من عظمائهم يوم بدر، فبعث اللَّه على عاصم مثل الظلة من الدبر، فحمته من رسولهم، فلم يقدر على أن يقطع من لحمه شيئا. ذكره البخاريّ في كتاب الجهاد [ (1)]، و ترجم عليه: هل يستأسر الرجل؟ و من لم يستأسر، و من ركع ركعتين عند القتل.

و ذكره في غزوة الرجيع [ (2)] بنحوه أو قريب منه، و ذكر بعقبه من طريق سفيان، عن عمرو سمع جابر بن عبد اللَّه يقول: الّذي قتل خبيبا هو أبو سروعة.

و ذكره أيضا في غزوة بدر [ (3)]، و ذكر موسى بن عقبة هذا الحديث، و قصة من قتل منهم و من أسر بنحو حديث أبي هريرة.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 6/ 203- 204، كتاب الجهاد و السير، باب (170) هل يستأسر الرجل؟

و من لم يستأسر، و من ركع ركعتين عند القتل حديث رقم (3045).

[ (2)] (المرجع السابق): 7/ 481- 482، كتاب المغازي باب (29) غزوة الرجيع، و رعل و ذكوان، و بئر معونة و حديث عضل و القارة و عاصم بن ثابت و خبيب و أصحابه، قال ابن إسحاق: حدثنا عاصم بن عمر أنها بعد أحد، حديث رقم (4086).

[ (3)] (المرجع السابق): 7/ 392- 393، كتاب المغازي، باب (10) بدون ترجمة، حديث رقم (3989)، و ذكره في كتاب التوحيد، باب (14) ما يذكر في الذات و النعوت و أسامي اللَّه‏

273

و ذكره عروة بن الزبير أيضا، و زاد فيه قول خبيب:

اللَّهمّ إني لا انظر في وجه عدوك، اللَّهمّ إني لا أجد رسولك، فبلغه عنى السلام، فجاء جبريل (عليه السلام) إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره ذلك، و زاد موسى بن عقبة: و زعموا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال و هو جالس في ذلك اليوم الّذي قتلا فيه: و عليكما أو عليك السلام، خبيب قتلته قريش، و لا أدري أذكر زيد الدّثنّة معه أم لا؟ قال:

و زعموا أنهم رموا ابن الدّثنّة بالنبل و أرادوا قتله، فلم يزدد إلا إيمانا و تثبيتا.

و زاد عروة و موسى بن عقبة جميعا: أنهم لما رفعوا خبيبا على الخشبة نادوه يناشدونه: أ تحب أن محمدا مكانك؟ قال: لا و اللَّه العظيم ما أحب أن يفديني بشوكة يشاكها في قدميه، فضحكوا منه، و زاد بيانا قالها.

و ذكر الواقدي في (مغازيه) [ (1)] في غزوة الرجيع بأتم سياقه قال: حدثني موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود عن عروة قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصحاب الرجيع عيونا إلى مكة ليخبروه خبر قريش، فسلكوا على النجدية حتى كانوا بالرجيع، فاعترضت لهم بنو لحيان.

حدثني محمد بن عبد اللَّه، و معمر بن راشد، و عبد الرحمن بن عبد العزيز، و عبد اللَّه بن جعفر، و محمد بن صالح، و محمد بن يحيى بن سهل بن أبي حثمة، و معاذ بن محمد، في رجال من لم أسمّ، و كل قد حدثني ببعض الحديث، و بعض القوم كان أوعى له من بعض، و قد جمعت الّذي حدثوني، قالوا: لما قتل سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي مشت بنو لحيان إلى عضل و القارة، فجعلوا لهم فرائض على أن يقدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فيكلموه، فيخرج إليهم نفرا من أصحابه يدعونهم إلى الإسلام، فنقتل من قتل صاحبنا، و نخرج بسائرهم إلى قريش بمكة فنصيب بهم ثمنا، فإنّهم ليسوا لشي‏ء أحب إليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمد، يمثلون به و يقتلونه بمن قتل منهم ببدر.

____________

[ ()] عز و جل-، و قال خبيب: و ذلك في ذات الإله فذكر الذات باسمه- تعالى-، حديث رقم (7402).

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 354- 363، غزوة الرجيع في صفر على رأس ستة و ثلاثين شهرا.

274

فقدم سبعة نفر من عضل و القارة- و هما حيان إلى خزيمة- مقرين بالإسلام، فقالوا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إنا فينا إسلاما فاشيا، فابعث معنا نفرا من أصحابك يقرئوننا القرآن، و يفقهوننا في الإسلام، فبعث معهم سبعة نفر:

مرثد بن أبي مرثد الغنوي، و خالد بن أبي البكير، و عبد اللَّه بن طارق البلوي حليف في بنى ظفر، و أخاه لأمه معتب بن عبيد، حليف في بني ظفر، و خبيب بن عديّ بن بلحارث بن الخزرج، و زيد بن الدّثنّة من بني بياضة، و عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، و يقال: كانوا عشرة و أميرهم مرثد بن أبي مرثد، و يقال أميرهم عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح.

فخرجوا حتى إذا كانوا بماء لهذيل- يقال له الرجيع قريب من الهدة- خرج النفر فاستصرخوا عليهم أصحابهم الذين بعثهم اللحيانيون، فلم يرع أصحاب محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلا بالقوم، مائة رام و في أيديهم السيوف، فاخترط أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أسيافهم، ثم قاموا، فقال العدو: ما نريد قتالكم، و ما نريد إلا أن نصيب منكم من أهل مكة ثمنا، و لكم عهد اللَّه و ميثاقه لا نقتلكم.

فأما خبيب بن عدي، و زيد بن الدّثنّة، و عبد اللَّه بن طارق فاستأسروا، و قال خبيب: إن لي عند القوم يدا، و أما عاصم بن ثابت، و مرثد، و خالد بن أبي البكير، و معتب بن عبيد، فأبوا أن يقبلوا جوارهم و لا أمانهم، و قال عاصم بن ثابت: إني نذرت ألا أقبل جوار مشرك أبدا، فجعل عاصم يقاتلهم و هو يقول:

ما علتي و أنا جلد نابل* * * النبل و القوس لها بلابل‏

نزلّ عن صفحتها المعابل* * * الموت حق و الحياة باطل‏

و كل ما حم الإله نازل* * * بالمرء و المرء إليه آئل‏

إن لم أقاتلكم فأمي هابل [ (1)]

قال الواقدي: ما رأيت من أصحابنا أحدا يدفعه، قال: فرماهم بالنبل حتى فنيت نبله، ثم طعنهم بالرمح حتى كسر رمحه، و بقي السيف فقال: اللَّهمّ حميت دينك أول نهاري فاحم لي لحمي آخره! و كانوا يجردون كل من قتل من‏

____________

[ (1)] هابل: أي فاقد، يقال: هبلته أمه إذا فقدته.

275

أصحابه، قال: فكسر غمد سيفه، ثم قاتل حتى قتل، و قد جرح رجلين و قتل واحد، فقال عاصم و هو يقائل:

أنا أبو سليمان و مثلي رامي* * * ورثت مجدا معشرا كراما

أصبت مرثدا و خالدا قياما

ثم شرعوا فيه الأسنة حتى قتلوه، و كانت سلافة بنت سعد بن الشهيد قد قتل زوجها و بنوها أربعة، قد كان عاصم قتل منهم اثنين، الحارث، و مسافعا، فندرت لئن أمكنها اللَّه منه أن تشرب في قحف رأسه الخمر، و جعلت لمن جاء برأس عاصم مائة ناقة، قد علمت ذلك العرب و علمته بنو لحيان فأرادوا أن يحتزوا رأس عاصم ليذهبوا به إلى سلافة بنت سعد ليأخذوا منها مائة ناقة.

فبعث اللَّه- تبارك و تعالى- عليهم الدبر فحمته فلم يدن إليه أحد إلا لدغت وجهه، و جاء منها شي‏ء كثير لا طاقة لأحد به، فقالوا: دعوه إلى الليل، فإنه إذا جاء الليل ذهب عنه الدبر، فلما جاء الليل بعث اللَّه عليه سيلا- و كنا ما نرى في السماء سحابا في وجه من الوجوه- فاحتمله فذهب به فلم يصلوا إليه، فقال: عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و هو يذكر عاصما- و كان عاصم نذر ألا يمس مشركا و لا يمسه مشرك تنجسا به، فقال عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: إن اللَّه- عز و جل- ليحفظ المؤمنين، فمنعه اللَّه- عز و جل- أن يمسوه بعد وفاته كما امتنع في حياته.

و قاتل معتب بن عبيد حتى جرح فيهم، ثم خلصوا إليه فقتلوه، و خرجوا بخبيب، و عبد اللَّه بن طارق، و زيد بن الدّثنّة حتى إذا كانوا بمر الظهران، و هم موثقون بأوتار قسيهم، قال عبد اللَّه بن طارق: هذا أول الغدر! و اللَّه لا أصاحبكم، إن لي في هؤلاء لأسوة- يعني القتل، فعالجوه فأبى، و نزع يده من رباطه، ثم أخذ سيفه، فانحازوا عنه، فجعل يشد فيهم و ينفرجون عنه، فرموه بالحجارة حتى قتلوه- فقبره بمر الظهران، و خرجوا بخبيب بن عدي، و زيد بن الدّثنّة حتى قدموا بهما مكة، فأما خبيب فابتاعه حجير بن أبي إهاب بثمانين مثقال ذهب، و يقال اشتراه بخمسين فريضة، و يقال اشترته ابنة الحارث بن عامر بن نوفل بمائة من الإبل، و كان حجير إنما اشتراه لابن أخيه عقبة بن الحارث بن عامر ليقتله بأبيه- قتل يوم بدر-، و أما زيد بن الدّثنّة،

276

فاشتراه صفوان بن أمية بخمسين فريضة فقتله بأبيه، و يقال إنه شرك فيه أناس من قريش، فدخل بهما في شهر حرام، و في ذي القعدة، فحبس حجير خبيب بن عدي في بيت امرأة، يقال لها ماوية، مولاة لبني عبد مناف، و حبس صفوان بن أمية زيد بن الدّثنّة عند ناس من بني جمح، و يقال عند نسطاس غلامه، و كانت ماوية قد أسلمت بعد فحسن إسلامها، و كانت تقول:

و اللَّه ما رأيت أحدا خيرا من خبيب، و اللَّه لقد أطلعت عليه من صير الباب و إنه لفي الحديد، و ما أعلم في الأرض حبة عنب تؤكل، و إن في يده لقطف عنب مثل رأس الرجل يأكل منه، و ما هو إلا رزق رزقه اللَّه، و كان خبيب يتهجد بالقرآن، و كان يسمعه النساء فيبكين و يرققن عليه، قالت: فقلت له: يا خبيب، هل لك من حاجة؟ قال: لا، إلا أن تسقيني العذب، و لا تطعميني ما ذبح على النصب، و تخبريني إذا أرادوا قتلي، قالت: فلما انسلخت الأشهر الحرم و أجمعوا على قتله أتيته فأخبرته، فو اللَّه ما رأيته اكترث لذلك، و قال: ابعثي لي بحديدة أستصلح بها، قالت: فبعثت إليه موسى مع ابني أبي حسين، فلما ولى الغلام قلت: أدرك و اللَّه الرجل ثأره، أي شي‏ء صنعت؟ بعثت هذا الغلام بهذه الحديدة، فيقتله و يقول: «رجل برجل» فلما أتاه ابني بالحديدة تناولها منه، ثم قال ممازحا له: و أبيك إنك لجري‏ء! أما خشيت أمك غدري حين بعثت معك بحديدة و أنتم تريدون قتلي؟ قالت ماوية: و أنا أسمع ذلك فقلت: يا خبيب، إنما أمنتك بأمان اللَّه و أعطيتك بإلهك، و لم أعطك لتقتل ابني، فقال خبيب: ما كنت لأقتله، و ما نستحل في ديننا الغدر، ثم أخبرته أنهم مخرجوه فقاتلوه بالغداة، قال: فأخرجوه بالحديد حتى انتهوا به إلى التنعيم، و خرج معه النساء و الصبيان و العبيد و جماعة من أهل مكة، فلم يتخلف أحد، إما موتور فهو يريد أن يتشافي بالنظر من وتره، و أما غير موتور فهو مخالف للإسلام و أهله، فلما انتهوا به إلى التنعيم، و معه زيد بن الدّثنّة، فأمروا بخشبة طويلة فحفر لها، فلما انتهوا بخبيب إلى خشبته قال: هل أنتم تاركي فأصلي ركعتين؟ قالوا: نعم، فركع ركعتين أتمهما من غير أن يطول فيهما.

فحدثني معمر، عن الزهريّ، عن عمرو بن أبي سفيان بن أسيد بن العلاء، عن أبي هريرة، قال: أول من سن الركعتين عند القتل خبيب.

277

قالوا: ثم قال: أما و اللَّه لو لا أن تروا أني جزعت من الموت لاستكثرت من الصلاة، ثم قال: اللَّهمّ أحصهم عددا، و اقتلهم بددا، و لا تغادر منهم أحدا.

فقال معاوية بن أبي سفيان: لقد حضرت دعوته و لقد رأيتني و إن أبا سفيان ليضجعني إلى الأرض فرقا من دعوة خبيب، و لقد جبذني يومئذ أبو سفيان جبذة، فسقطت على عجب ذنبي فلم أزل أشتكي السقطة زمانا.

و قال حويطب بن عبد العزى: لقد رأيتني أدخلت إصبعي في أذني و عدوت هربا فرقا أن أسمع دعاؤه.

و قال حكيم بن حزام: لقد رأيتني أتوارى بالشجر فرقا من دعوة خبيب منهم أحدا.

فحدثني عبد اللَّه بن يزيد قال: حدثني بن عمرو قال: سمعت جبير بن مطعم يقول: لقد رأيتني يومئذ أتستر بالرجال فرقا من أن أشرف لدعوته.

و قال الحارث بن برصاء: و اللَّه ما ظننت أن تغادر دعوة خبيب منهم أحد و حدثني عبد اللَّه، قال: سمعت عمرو بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- سعيد بن عامر بن حذيم الجمحيّ على حمص، و كانت تصيبه غشية و هو بين ظهري أصحابه، فذكر ذلك لعمر بن الخطاب فسأله في قدمة قدم عليه من حمص فقال: يا سعيد ما الّذي يصيبك؟ أ بك جنة؟ قال: لا و اللَّه يا أمير المؤمنين، و لكني كنت فيمن حضر خبيبا حين قتل و سمعت دعوته، فو اللَّه ما خطرت على قلبي و أنا في مجلس إلا غشي علي، قال: فزادته عند عمر خيرا.

و حدثني قدامة بن موسى، عن عبد العزيز بن رمانة، عن عروة بن الزبير، عن نوفل بن معاوية الديليّ، قال: حضرت يومئذ دعوة خبيب، فما كنت أرى أن أحدا ممن حضر ينفلت من دعوته، و لقد كنت قائما فأخلدت إلى الأرض فرقا من دعوته، و لقد مكثت قريش شهرا أو أكثر و ما لها حديث في أنديتها إلا دعوة خبيب.

قالوا: فلما صلى ركعتين حملوه إلى الخشبة، ثم وجهوه إلى المدينة و أوثقوه رباطا، ثم قالوا: أرجع عن الإسلام، نخل سبيلك! قال: لا و اللَّه ما أحب أني رجعت عن الإسلام و أن لي ما في الأرض جميعا! قالوا: فتحب أن‏

278

محمدا في مكانك و أنت جالس في بيتك؟ قال: و اللَّه ما أحب أن يشاك محمد بشوكة و أنا جالس في بيتي، فجعلوا يقولون: ارجع يا خبيب! قال: لا أرجع أبدا! قالوا: أما و اللات و العزى، لئن لم تفعل لنقتلنك! فقال: إن قتلي في اللَّه لقليل! فلما أبى عليهم و قد جعلوا وجهه من حيث جاء، قال: أما صرفكم وجهي عن القبلة فإن اللَّه يقول: فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ‏ [ (1)]، ثم قال:

اللَّهمّ إني لا أرى إلا وجه عدو، اللَّهمّ أنه ليس ها هنا أحد يبلغ رسولك السلام عني، فبلغه أنت عني السلام.

فحدثني أسامة بن زيد، عن أبيه،

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان جالسا مع أصحابه، فأخذته غمية كما كان يأخذه إذا أنزل عليه الوحي، قال: ثم سمعناه يقول: و (عليه السلام) و رحمة اللَّه، ثم قال: هذا جبريل يقرئني من خبيب السلام،

قال: ثم دعوا أبناء من أبناء من قتل ببدر فوجدوهم أربعين غلاما، فأعطوا كل غلام رمحا، ثم قالوا: هذا الّذي قتل آباءكم، فطعنوه برماحهم طعنا خفيفا، فاضطرب على الخشبة فانقلب، فصار وجهه إلى الكعبة، فقال:

الحمد للَّه الّذي جعل وجهي نحو قبلته التي رضي لنفسه و لنبيه و للمؤمنين! و كان الذين أجلبوا على قتل خبيب: عكرمة بن أبي جهل، و سعيد بن عبد اللَّه بن قيس، و الأخنس بن شريق، و عبيدة بن حكيم بن أمية بن الأوقص السلميّ، و كان عقبة بن الحارث بن عامر ممن حضر، و كان يقول: و اللَّه ما أنا قتلت خبيبا إن كنت يومئذ لغلاما صغيرا، و لكن رجلا من بني عبد الدار يقال له أبو ميسرة من عوف بن السباق أخذ بيدي فوضعها على الحربة، ثم أمسك بيدي، ثم جعل يطعن بيده حتى قتله، فلما طعنه بالحربة أفلت، فصاحوا: يا أبا سروعة، بئس ما طعنه أبو ميسرة! فطعنه أبو سروعة حتى أخرجها من ظهره، فمكث ساعة يوحد اللَّه و يشهد أن محمدا رسول اللَّه.

يقول الأخنس بن شريق: لو ترك ذكر محمد على حال لتركه على هذه الحال، ما رأينا قط والدا يجد بوالده ما يجد أصحاب محمد بمحمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

____________

[ (1)] البقرة: 115.

279

قالوا: و كان زيد بن الدّثنّة عند آل صفوان بن أمية محبوسا في حديد، و كان يتهجد بالليل و يصوم بالنهار، و لا يأكل شيئا مما أوتي به من الذبائح، فشق ذلك على صفوان، و كانوا قد أحسنوا إساره، فأرسل إليه صفوان: فما الّذي تأكل من الطعام؟ قال: لست آكل مما ذبح لغير اللَّه، و لكني أشرب اللبن، و كان يصوم، فأمر له صفوان بعس من اللبن عند فطره فيشرب منه حتى يكون مثلها من القابلة، فلما خرج به و بخبيب في يوم واحد التقيا، و مع كل واحد منهما فئام من الناس، فالتزم كل منهما صاحبه، و أوصى كل واحد منهما صاحبه بالصبر على ما أصابه، ثم افترقا، و كان الّذي ولى قتل زيد نسطاس غلام صفوان، خرج به إلى التنعيم فرفعوا له جزعا، فقال: أصلي ركعتين فصلى ركعتين، ثم حملوه على الخشبة، ثم جعلوا يقولون لزيد: أرجع عن دينك المحدث و أتبع ديننا، و نرسلك! قال: لا و اللَّه، لا أفارق ديني أبدا! قالوا: أ يسرك أن محمدا في أيدينا مكانك و أنت في بيتك؟ قال: ما يسرني أن محمد أشيك بشوكة و أني في بيتي! قال: يقول أبو سفيان بن حرب: لا، ما رأينا أصحاب رجل قط أشد له حبا من أصحاب محمد بمحمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال حسان بن ثابت، صحيحة سمعتها من يونس بن محمد الظفري:

فليت خبيبا لم تخنه أمانة* * * و ليت خبيبا كان بالقوم عالما

شراه زهير بن الأغر و جامع* * * و كانا قديما يركبان المحارما

أجرتم فلما أن أجرتم غدرتم* * * و كنتم بأكناف الرجيع اللهازما

و قال حسان بن ثابت، ثبته قديمة:

لو كان في الدار قرم ذو محافظة* * * حامي الحقيقة ماض في خاله أنس‏

إذن حللت خبيبا منزلا فسحا* * * و لم يشد عليك الكبل و الحرس‏

و لم تقدك إلى التنعيم زعنفة* * * من المعاشر ممن قد نفت عدس‏

فأصبر خبيب فإن القتل مكرمة* * * إلى جنان نعيم ترجع النفس‏

دلوك غدرا و هم فيها أولو خلف* * * و أنت ضيف لهم في الدار محتبس‏

و قد ذكر يونس بن بكير بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة هذه القصة و زاد فيها أن قدوم النفر من القادة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة بعد أحد و زاد أن خبيبا قال: حين بلغه أن القوم قد اجتمعوا على صلبه أبياتا:

280

لقد جمع الأحزاب حولي و ألبوا* * * قبائلهم و استجمعوا كل مجمع‏

و كلهم مبري العداوة جاهد* * * علي لأني في وثاق بمضجع‏

و قد جمعوا أبناءهم و نساءهم* * * و قربت من جزع طويل ممنع‏

إلى اللَّه أشكو غربتي ثم كربتي* * * و ما أرصد الأحزاب لي عند مصرعي‏

فذا العرش، صبرني على ما يراد بي* * * فقد بضعوا لحمي و قد بأس مطمعي‏

و ذلك في ذات الإله و إن يشأ* * * يبارك على أوصال شلو ممزع‏

و قد خيروني الكفر و الموت دونه* * * و قد هملت عيناي من غير مجزع‏

و ما بي حذار الموت إني لميت* * * و لكن حذاري حجم نار ملفع‏

فو اللَّه ما أرجو إذا مت مسلما* * * على أي جنب كان في اللَّه مصرعي‏

فلست بمبد العدو تخشعا* * * و لا جزعا إني إلى اللَّه مرجعي‏

و ذكر عبد اللَّه بن وهب قال: حدثنا عمر بن الحرث بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه الزهريّ أخبره عن بريدة بن سفيان الأسلمي، فذكر القصة، و زاد فيها رفع خبيب على الخشبة أستقبل الدعاء.

قال رجل: فلما رأيته يدعوا لبثت بالأرض، فلم يحل الحول و منهم أحد غير ذلك الرجل الّذي لبث بالأرض.

و قال يونس عن إبراهيم بن إسماعيل: حدثني جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ أن أباه حدثه عن جده- و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعثه عينا وحده- قال:

جئت إلى خشبة خبيب، فرقيت فيها و أنا أخوف العيون، فأطلقته، فوقع بالأرض، ثم اقتحمه فانتبذت قليلا، ثم التفت فكأنما ابتلعته الأرض. ذكره جعفر بن عون، عن إبراهيم بن إسماعيل، فذكره بمعناه إلا أنه قال: فانتبذت غير بعيد، فلم أر خبيبا فكأنما ابتلعته الأرض، فلم يذكر لخبيب رمة حتى الساعة.

قال كاتبه: قد تضمن هذا الخبر عشرة أعلام من أعلام النبوة: أن الدبر جمعت عاصما حتى لم تمسه أيدي المشركين، و منها أن السيل غيبه، و منها أكل خبيب العنب في غير أوانه، و هي كرامة كما قصه اللَّه- تعالى- من شأن‏

281

مريم‏ كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً [ (1)] و منها ثباته، و ثبات زيد على دين الإسلام، و محبة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع عظيم ما جمع فيه من المحبة العظيمة في ذلك، و منها تغييب رمة خبيب عن المشركين بعد صلبه، و منها توجيه اللَّه تعالى له إلى نحو الكعبة بعد صرفهم إياه عنها، و منها إعلام اللَّه- تعالى- رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما نزل بالقوم، و إبلاغه تعالى سلام خبيب له، و منها إجابة اللَّه دعوة خبيب، و هلاك من شهد قتله من عامة كل ذلك تكرمة من اللَّه لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

____________

[ (1)] آل عمران: 37.

282

و أما حماية اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ممن بعثه أبو سفيان بن حرب ليقتله و تخليصه تعالى عمرو بن أمية الضمريّ و من معه من فتك المشركين و تأييدهما عليهم حتى قتلا منهم و أسرا

قال الواقدي [ (1)]: حدثني إبراهيم بن جعفر، عن أبيه قال: و حدثنا عبد اللَّه بن أبي عبيدة، عن جعفر بن عمرو بن أمية الضمريّ، قال: و حدثنا عبد اللَّه بن جعفر، عن عبد الواحد بن أبي عون، و زاد بعضهم على بعض قال:

كان أبو سفيان بن حرب قد قال لنفر من قريش بمكة: ما أحد يغتال محمدا فإنه يمشي في الأسواق فندرك ثأرنا، فأتاه رجل من العرب فدخل عليه منزله، و قال له: إن أنت قويتني خرجت إليه حتى أغتاله فإنّي هاد بالطريق خريت، و معي خنجر مثل خافية النسر، قال: أنت صاحبنا فأعطاه بعيرا و نفقة و قال:

أطو أمرك فإنّي لا آمن أن يسمع هذا أحد فينمه إلى محمد، قال العربيّ: لا يعلم به أحد.

فخرج ليلا على راحلته فسار خمسا و صبح ظهر الحرة، صبح سادسة، ثم أقبل يسأل عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أتى المصلي، فقال له قائل: قد توجه إلى بني عبد الأشهل، فخرج يقود راحلته حتى انتهى إلى بنى عبد الأشهل، فعقل راحلته،

ثم أقبل يؤم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فوجده في جماعة من أصحابه يحدث في مسجدهم، فدخل، فلما رآه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال لأصحابه: إن هذا الرجل يريد غدرا و اللَّه حائل بينه و بين ما يريد.

فوقف، فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أنا ابن عبد المطلب، فذهب ينحني على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كأنه يساره، فجبذه أسيد بن الحضير، و قال له: تنح عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و جبذ بداخله إزاره، فإذا الخنجر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هذا غادر، و سقط في يدي العربيّ، و قال: دمي دمي يا محمد، و أخذ أسيد يلبب، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) اصدقني: ما أنت؟ و ما أقدمك؟

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 333- 337.

283

فإن صدقتني نفعك الصدق، و إن كذبتني فقد أطلعت على ما هممت به، قال العربيّ: فأنا آمن؟ قال فأنت آمن، فأخبره بخير أبي سفيان و ما جعل له، فأمر به فحبس عند أسيد، ثم دعا به من الغد فقال: قد أمنتك، فأذهب حيث شئت، أو خير لك من ذلك، قال: و ما و هو؟ قال: أن تشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أني رسول اللَّه، قال: فإنّي أشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أنك رسول اللَّه، و اللَّه يا محمد ما كنت أفرق الرجال فما هو إلا أن رأيتك فذهب عقلي، و ضعفت نفسي، ثم اطلعت على ما هممت به مما سبقت به الركبان، و لم يعلمه أحد، فعرفت أنك ممنوع، و أنك على حق، و أن حزب أبي سفيان حزب الشيطان، فجعل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يتبسم، و أقام أياما ثم استأذن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فخرج من عنده فلم يسمع له بذكر.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعمرو بن أمية الضمريّ، و لسلمة بن أسلم بن حريش: أخرجا حتى تأتيا أبا سفيان بن حرب، فإن أصبتما منه غرة فاقتلاه، قال عمرو: فخرجت أنا و صاحبي حتى أتينا بطن [يأجج‏] فقيدنا بعيرنا،

فقال لي صاحبي: يا عمرو هل لك في أن نأتي مكة و نطوف بالبيت سبعا، و نصلي ركعتين؟ فقلت: إني أعرف بمكة من الفرس الأبلق، و أنهم أن رأوني عرفوني، و أنا أعرف أهل مكة إنهم إذا أمسوا أنفجعوا بأفنيتهم، فأبى أن يطيعني، فأتينا مكة فطفنا سبعا و صلينا ركعتين، فلما خرجت لقيني معاوية بن أبي سفيان فعرفني و قال عمرو بن أمية: [و أحزناه‏] فأخبر أباه فنيد بنا أهل مكة، فقالوا: ما جاء عمرو في خير- و كان عمرو رجلا فاتكا في الجاهلية- فحشد أهل مكة، و تجمعوا، و هرب عمرو، و سلمة، و خرجوا في طلبهما، و اشتدوا في الجبل قال عمرو: فدخلت غارا فتغيبت عنهم، حتى أصبحت و باتوا يطلبون في الجبل، و عمى اللَّه عليهم طريق المدينة أن يهتدوا لراحلتنا فلما كان الغد ضحوة أقبل عثمان بن مالك بن عبيد اللَّه التيمي يختلي لفرسه حشيشا، فقلت لسلمة بن أسلم: إن أبصرنا أشعر بنا أهل مكة، و قد أقصروا عنا فلم يزل يدنو من باب الغار حتى أشرف علينا و خرجت فطعنته طعنة تحت الثدي بخنجري فسقط و صاح، و أسمع أهل مكة، فأقبلوا بعد تفرقهم، و دخلت الغار فقلت لصاحبي: لا تحرك و أقبلوا حتى أتوا عثمان بن مالك، فقالوا: من قتلك؟

284

قال عمرو بن أمية قال أبو سفيان: و ما علمنا أنه لم يأت بعمرو خير، و لم يستطع أن يخبرهم بمكاننا كان بآخر رمق و مات، و شغلوا عن طلبنا بصاحبهم يحملونه، فمكثنا ليلتين في مكاننا، ثم خرجنا، فقال صاحبي: يا عمرو بن أمية، هل لك في خبيب بن عدي ننزله؟ فقلت له: أين هو؟ قال: هو ذاك مصلوب حوله الحرس، فقلت: أمهلني و تنح عني فإن خشيت شيئا فانح إلى بعيرك فأقعد عليه و أت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره الخبر، و دعني فإنّي عالم بالمدينة، ثم اشتددت عليه حتى حللته فحملته على ظهري فما مشيت به إلا عشرين ذراعا حتى استيقظوا فخرجوا في طلب أثري، فطرحت الخشبة، فما أنسي وقعها دب، يعني صوتها، ثم أهلت عليه من التراب برجلي فأخذت بهم طريق الصفراء فأعبوا فرجعوا و كنت لا أدرك مع بقاء نفس، فأنطلق صاحبي إلى البعير فركبه، و أتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره، و أقبلت حتى أشرفت على الغليل:

غليل ضجنان فدخلت في غار فيه معي قوس و أسهم و خنجر، فبينا أنا فيه إذ أقبل رجل من بني بكر من بني الدئل أعور طويل يسوق غنما و معزى، فدخل على الغار، فقال: من الرجل؟ فقلت: من بني بكر، فقال: و أنا من بني بكر، ثم اتكأ، فرفع عقيرته يتغنى يقول:

فلست بمسلم ما دمت حيا* * * و لست أدين دين المسلمينا

فقلت في نفسي: و اللَّه إني لأرجو أن أقتلك، فلما نام قمت إليه، فقتلته شر قتلة قتلها أحد قط، ثم خرجت حتى هبطت، فلما أسهلت في الطريق إذا رجلان بعثتهما قريش يتجسسان الأخبار، فقلت: استأسرا فأبى أحدهما فرميته فقتلته، فلما رأى ذلك الآخر استأسر فشددته وثاقا، ثم أقبلت به إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما قدمت المدينة رآني صبيان و هم يلعبون و سمعوا أشياخهم يقولون: هذا عمرو، فاشتد الصبيان إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأخبروه، و أتيته بالرجل قد ربطت إبهاميه بوتر قوسي، فلقد رأيت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يضحك، ثم دعا لي بخير، و كان قدوم سلمة قبل قدوم عمرو بثلاثة أيام.

285

و أما رفع عامر بن فهيرة بعد قتله في بعث بئر معونة

فخرّج البخاريّ قصة بئر معونة في (المغازي) [ (1)] من حديث يزيد بن زريع حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس، و من حديث همام، عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس بن أبي طلحة، حدثني أنس.

و من حديث مالك عن إسحاق بن عبد اللَّه، عن أنس، و خرّجها في غزوة الرجيع من حديث أبي أسامة، عن هشام، عن أبيه، ثم قال: و عن أسامة قال:

قال هشام بن عروة: فأخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، و أسر عمرو بن أمية الضمريّ قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ و أشار إلى قتيل، فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة، فقال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء حتى إني لأنظر إلى السماء بينه، و بين الأرض، ثم وضع فأتى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبرهم، فنعاهم الحديث.

و ذكر الواقدي خبر بعث بئر معونة، ثم قال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية: هل تعرف أصحابك؟ قال: قلت: نعم، قال: فطاف فيهم، و جعل يسأله عن أنسابهم، فقال: هل تفقد منهم عن أحد؟ قال: أفقد مولى لأبي بكر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يقال له عامر بن فهيرة، فقال: كيف كان فيكم؟ قال: قلت: كان من أفضلنا، و من أول أصحاب نبينا إسلاما. قال: ألا أخبرك خبره؟ و أشار إلى رجل، فقال: هذا طعنه برمحه، ثم انتزع رمحه، فذهب بالرجل علوا في السماء حتى و اللَّه ما أراه، قال عمرو، فقلت ذلك عامر بن فهيرة كان الّذي قتله من بني كلاب يقال له جبار بن سلمي، ذكر أنه لما طعنه قال: سمعته يقول: فزت و اللَّه، قال: فقلت في نفسي: ما قوله فزت؟ قال: فأتيت الضحاك بن سفيان الكلابي، فأخبرته بما كان، و سألته عن قوله: فزت، فقال: الجنة، قال: و عرض علي الإسلام، قال: فأسلمت، و دعاني إلى الإسلام ما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة، و رفعه إلى السماء

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 1/ 349.

286

علوا قال:

و كتب الضحاك إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخبره بإسلامي، و ما رأيت من مقتل عامر بن فهيرة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فإن الملائكة وارت جثته! و أنزل عليين.

و أما إعلام اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يهاجم به المشركون من الميل على المسلمين إذ أضلوا ليقتلوهم‏

فخرّج مسلم [ (1)] من حديث زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر قال:

غزونا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قوما من جهينة فقاتلونا قتالا شديدا، فلما صلينا الظهر قال المشركون: لو ملنا عليهم ميلة لاقتطعناهم، فأخبر جبريل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذلك، فذكر ذلك لنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: و قالوا: إنه ستأتيهم صلاة هي أحب إليهم من الأولاد، فلما حضرت العصر قال: صفنا صفين و المشركين بيننا و بين القبلة، قال: فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كبرنا و ركع فركعنا، ثم سجد و سجد معه الصف الأول، فلما قاموا سجد الصف الثاني، ثم تأخر الصف الأول، و تقدم الصف الثاني، فقاموا مقام الأول فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و كبرنا، و ركع فركعنا، ثم سجد و سجد معه الصف الأول، و قام الثاني، فلما سجد الصف الثاني، ثم جلسوا جميعا سلم عليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال أبو الزبير: ثم خص جابر أن قال: كما يصلي أمراؤكم هؤلاء.

و خرّج أبو داود [ (2)] من حديث سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن أبي عياش الزرقيّ قال: كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعسفان، و على المشركين خالد بن الوليد، فصلينا الظهر، فقال‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 6/ 375، كتاب صلاة المسافر و قصرها، باب (57) صلاة الخوف، حديث رقم (308).

[ (2)] (سنن أبي داود): 2/ 28- 29، كتاب الصلاة باب (281) صلاة الخوف، حديث رقم (1236).

287

المشركون: لقد أصبنا غرة، لقد أصبنا غفلة، لو كنا حملنا عليهم و هم في الصلاة، فنزلت آية القصر بين الظهر و العصر، فلما حضرت العصر قام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مستقبل القبلة، و المشركون أمامه، فصف خلف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صف، و صف بعد ذلك الصف صف آخر، فركع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ركعوا جميعا، ثم سجد و سجد الصف الذين يلونه، و قام الآخرون يحرسونهم فلما صلى هؤلاء السجدتين و قاموا سجد الآخرون الذين كانوا خلفهم، ثم تأخر الصف الّذي يليه إلى مقام الآخرين، و تقدم الصف الأخير إلى مقام الصف الأول، ثم ركع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ركعوا جميعا، ثم سجد و سجد الصف الّذي يليه، و قام الآخرون يحرسونهم، فلما جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و الصف الّذي يليه سجد الآخرون، ثم جلسوا جميعا، فسلم عليهم جميعا، فصلاها بعسفان، و صلاها يوم بني سليم.

قال أبو داود: روى أيوب، و هشام عن أبي الزبير، عن جابر هذا المعنى عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كذلك رواه داود بن حصين، عن عكرمة، عن ابن عباس و كذلك عبد الملك، عن عطاء، عن جابر، و كذلك قتادة، عن الحسن، عن حطان، عن أبي موسى فعله، و كذلك عكرمة بن خالد، عن مجاهد، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كذلك هشام بن عروة، عن أبيه، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

قال كاتبه: في رواية أبي داود زيادة ذكر الموضع الّذي صلى فيه، و قول أبي عياش: و على المشركين خالد بن الوليد، و هو قول الثوري.

و ذكر الواقدي، عن خالد بن الوليد- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في قصة إسلامه قال: فلما خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الحديبيّة خرجت في خيل المشركين، فلقيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أصحابه بعسفان، فقمت بإزائه، و تعرضت له فصلى بأصحابه الظهر أمامنا، فهممنا أن نغير عليه، ثم لم يعزم لنا فأطلع اللَّه نبيه على ما في أنفسنا من الهم به، فصلى بأصحابه صلاة العصر صلاة الخوف.

و قال أبو داود الطيالسي: حدثنا أبو هشام عن أبي الزبير، عن جابر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأصحابه الظهر بنخل، فهم بهم المشركون، ثم قالوا: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه أحب إليهم‏

288

من أبنائهم، قال: فنزل جبريل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره، فصلى العصر، و صفهم صفين و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بين أيديهم، و العدو بين يديّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كبروا جميعا، و ركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونه، و الآخرون قيام، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون، ثم تقدم هؤلاء، و تأخر هؤلاء، و كبروا جميعا، و ركعوا جميعا، ثم سجد الذين يلونهم و الآخرون قيام، فلما رفعوا رءوسهم سجد الآخرون.

و أما حماية اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غورث بن الحارث، و كفايته أمره‏

فخرّج البخاريّ من حديث شعيب، و محمد بن أبي عتيق، عن ابن شهاب، عن سنان، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أخبره أنه غزا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قبل نجد، فلما قفل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قفل معه، فأدركتهم القافلة في واد كثير العضاة، فنزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و تفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر، و نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تحت الشجرة، فعلق بها سيفه.

قال جابر:

فنمنا نومة، فإذا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن هذا اخترط سيفي و أنا نائم، فأستيقظت و هو في يده صلتا فقال لي: من يمنعك منى؟ قلت: اللَّه، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (1)].

و قال: أبان حدثنا يحيي بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال:

كنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بذات الرقاع، فإذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فجاء رجل من المشركين، و سيف النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معلق بالشجرة. فاخترطه، فقال له:

تخافني؟ قال: لا، قال: فمن يمنعك مني؟ قال: اللَّه‏

فتهدده أصحاب النبي‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 541- 542، كتاب المغازي، باب (32) غزوة ذات الرقاع، و هي غزوة محارب خصفة منن بني ثعلبة من غطفان فنزل نخلا، و هي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر، حديث رقم (4135).

289

(صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أقيمت الصلاة، فصلى بطائفة ركعتين، ثم تأخروا، و صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، و كان للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أربع، و للقوم ركعتان. و قال مسدد: عن أبي عوانة، عن أبي بشر أسم الرجل غورث بن الحارث، و قاتل فيها محارب خصفة [ (1)].

و خرج البخاريّ أيضا من طريق عبد الرزاق حدثنا معمر، عن الزهريّ، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد اللَّه قال:

غزونا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) غزوة نجد، فلما أدركته القائلة و هو في واد كثير العضاة، فنزل تحت شجرة، و أستظل بها، و علق سيفه فتفرق الناس في الشجرة يستظلون، و بينا نحن كذلك إذ دعانا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجئنا فإذا أعرابى قاعد بين يديه، فقال: إن هذا أتانى و أنا نائم، فأخترط سيفي، فأستيقظت و هو قائم على رأسي مخترط سيفي صلتا، قال: من يمنعك مني؟ قلت: اللَّه، فشامه، ثم قعد، فهو هذا، قال: و لم يعاقبه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (2)].

ذكره في غزوة ذات الرقاع [ (3)]، و غزوة المريسيع [ (4)].

و خرّجه النسائي [ (5)] و خرّجه البيهقيّ [ (6)] من طريق أبي بكر الإسماعيليّ قال:

أخبرنا محمد بن يحيي المروزي، قال: حدثنا عاصم هو ابن عليّ، قالا:

حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر، قال:

قاتل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) محارب خصفة بنخل، فرأوا من المسلمين غرة، فجاء رجل يقال له غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالسيف، فقال:

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (4136).

[ (2)] (المرجع السابق): 7/ 545، كتاب المغازي، باب (33) غزوة بني المصطلق من خزاعة و هي غزوة المريسيع، قال ابن إسحاق: و ذلك سنة ست، و قال موسى بن عقبة: سنة أربع، و قال النعمان بن راشد عن الزهريّ: كان حديث الإفك في غزوة المريسيع، حديث رقم (4139).

[ (3)] (سبق تخريجه).

[ (4)] (سبق تخريجه).

[ (5)] (لعله في الكبرى).

[ (6)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 375- 376.

290

من يمنعك مني؟ قال: اللَّه، قال: فسقط السيف من يده، قال: فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) السيف، فقال: من يمنعك مني؟ قال: كن خير آخذ، قال: تشهد أن لا إله إلا اللَّه و إني رسول اللَّه؟ قال: لا، و لكن أعاهدك على أن لا أقاتلك، و لا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله،

فأتى أصحابه و قال: جئتكم من عند خير الناس، ثم ذكر صلاة الخوف، و أنه صلى أربع ركعات، لكل طائفة ركعتين.

قال البيهقيّ: هذا لفظ حديث عاصم، و في رواية عارم قال الأعرابي:

أعاهدك أن لا أقاتلك، و لا أكون مع قوم يقاتلونك، قال: فخلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنه، فجاء إلى قومه، فقال: جئتكم من عند خير الناس، فلما حضرت الصلاة صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صلاة الخوف، فكان الناس طائفتين بإزاء عدوهم، و طائفة تصلي مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال: فصلى بالطائفة الذين معه ركعتين، ثم انصرفوا فكانوا مع أولئك الذين بإزاء عدوهم، و جاء أولئك، فصلى بهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ركعتين، فكانت للناس ركعتين ركعتين و للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أربع ركعات.

291

و أما إشارة الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين ضرب بالفأس في حفر الخندق و إلى ما فتحه اللَّه من المدائن لأمته‏

فخرج أبو نعيم [ (1)] من طريق ابن وهب، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد اللَّه بن عمرو بن العاص،

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خرج يوم الخندق و هم محدقون حول المدينة فتناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الفأس فضرب بها ضربة فقال:

هذه الضربة يفتح اللَّه- تعالى- بها كنوز الروم، ثم ضرب الثانية فقال: هذه الضربة يفتح اللَّه- تعالى- بها كنوز فارس، ثم ضرب الثالثة فقال: هذه الضربة يأتيني اللَّه- عزّ و جلّ- بأهل اليمن أنصارا و أعوانا.

و خرجه البيهقيّ [ (2)] من طريق محمد بن عبد اللَّه الحافظ قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن علّون المقري ببغداد، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يونس القرشيّ، قال: حدثنا محمد بن خالد بن عثمة، قال: حدثنا كثير بن عبد اللَّه بن عمرو بن عوف المزنيّ قال: حدثني أبي عن أبيه قال: خط رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخندق عام الأحزاب من أجم السّمر طرف بني حارثة حين بلغ المداد، ثم قطع أربعين ذراعا بين كل عشرة،

فاختلف المهاجرون و الأنصار- في سلمان الفارسيّ- و كان رجلا قويا- فقالت الأنصار: سلمان منا، و قالت المهاجرون: سلمان منا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): سلمان منا أهل البيت.

قال عمر بن عوف: فكنت أنا، و سلمان، و حذيفة بن اليمان، و النعمان ابن مقرّن، و ستة من الأنصار في أربعين ذراعا، فحضرنا حتى إذا بلغنا الثديّ أخرج اللَّه من بطن الخندق صخرة بيضاء مدورة، فكسرت حديدنا، و شقّت‏

____________

[ (1)] (دلائل أبي نعيم): 2/ 498- 499، من الأخبار في غزوة الخندق، حديث رقم (429)، أخرجه الطبراني بإسنادين في أحدهما حييّ بن عبد اللَّه، وثقه ابن معين، و ضعفه جماعة، و بقية رجاله رجال الصحيح، كما في (مجمع الزوائد): 6/ 131.

[ (2)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 418- 420، باب ما ظهر في حفر الخندق من دلائل النبوة و آثار الصدق.

292

علينا، فقلنا: يا سلمان، ارق إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره خبر هذه الصخرة، فإنا إن نعدل عنها فإن المعدل قريب، و إما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه، فرقى سلمان حتى أتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو ضارب عليه قبة تركية، فقال: يا رسول اللَّه، بأبينا أنت و أمنا، خرجت لنا صخرة بيضاء من الخندق مروه فكسرت حديدنا، و شقت علينا حتى ما يحيك فيها قليل و لا كثير، فمرنا فيها بأمرك، فإنا لا نحب أن نجاوز خطك، فهبط رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع سلمان في الخندق، و رقينا عن الشقة في شقة الخندق،

فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها، و برقت منها برقة أضاء ما بين لابتيها- يعني لابتي المدينة- حتى لكأن مصباحا في جوف ليل مظلم، فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.

ثم ضربها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الثانية، فكسرها، و برق منها برقة أضاء ما بين لابتيها، حتى لكأن مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تكبيرة فتح، فكبر المسلمون.

ثم أخذ بيد سلمان فرقى، فقال سلمان: بأبي أنت و أمي يا رسول اللَّه! لقد رأيت شيئا ما رأيته قط، فالتفت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى القوم، فقال: هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا: نعم يا رسول اللَّه، بأبينا أنت و أمنا، قد رأيناك تضرب، فخرج برق كالموج فرأيناك تكبر، و لا نرى شيئا غير ذلك، فقال:

صدقتم، ضربت ضربتي الأولى، فبرق الّذي رأيتم أضاءت لي منها قصور الحيرة و مدائن كسرى، كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.

ثم ضربت ضربتي الثانية، فبرق الّذي رأيتم، أضاءت لي منها قصور الحمر من أرض الروم، كأنها أنياب الكلاب، و أخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها.

ثم ضربت ضربتي الثالثة فبرق منها، الّذي رأيتم، أضاءت منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب، فأخبرني جبريل أن أمتي ظاهرة عليها، فأبشروا يبلغهم النصر، و أبشروا يبلغهم النصر، و أبشروا يبلغهم النصر.

293

فاستبشر المسلمون، و قالوا: الحمد اللَّه موعود صادق بأن اللَّه وعدنا النصر بعد الحصر، فطلعت الأحزاب، فقال المسلمون: هذا ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ صَدَقَ اللَّهُ وَ رَسُولُهُ وَ ما زادَهُمْ إِلَّا إِيماناً وَ تَسْلِيماً [ (1)].

و قال المنافقون: ألا تعجبون!؟ يحدثكم و يمنيكم، و يعدكم بالباطل، يخبركم أنه بصر من يثرب قصور الحيرة، و مدائن كسرى، و أنها تفتح لكم و أنتم تحفرون الخندق، و لا تسطيعون أن تبرزوا!!.

فأنزل القرآن: وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً [ (2)].

و له من حديث هوذة بن خليفة قال: حدثنا عوف عن ميمون، قال:

حدثني البراء بن عازب قال:

لما كان حين أمرنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بحفر الخندق عرضت لنا في بعض الخندق صخرة عظيمة شديدة لا تأخذ فيها المعاول، فشكونا ذلك إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجاء فلما رآها ألقى ثوبة، و أخذ المعول، فقال:

بسم اللَّه، ثم ضرب ضربة فكسر ثلثها، فقال: اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح الشام و اللَّه إني لأبصر قصورها الحمر الساعة، ثم ضرب الثانية، و قال: بسم اللَّه، فقطع ثلثا آخر، فقال: اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح فارس، و اللَّه إني لأبصر قصر المدائن الأبيض، ثم ضرب الثالثة، و قال بسم اللَّه، فقطع بقية الحجر، فقال:

اللَّه أكبر أعطيت مفاتيح اليمن، و اللَّه إني لأبصر أبواب صنعاء من مكاني هذا الساعة [ (3)].

و من طريق محمد بن إسحاق قال: حدثنا سعيد بن يحيى قال: حدثني أبي قال: ابن إسحاق: فحدثني من سمع حميلا يتحدث، عن أنس بن مالك قال:

قسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخندق بين المهاجرين و الأنصار، و ظل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومه ذلك بعمل فضرب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمعوله ضربة، و برقت برقة، فخرج نور من قبل اليمن، ثم ضرب أخرى فخرج نور من قبل فارس، فعجب سلمان من‏

____________

[ (1)] الأحزاب: 22.

[ (2)] الأحزاب: 12.

[ (3)] (المرجع السابق): 241، باختلاف يسير في اللفظ.

294

ذلك فقال رسول اللَّه: أ رأيت؟ قلت: نعم، قال: لقد أضاء لي أبيض المدائن، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن اللَّه قد بشرني في مقامي هذا بفتح اليمن، و الروم، و فارس.

و قال: محمد بن إسحاق، عن الكلبي عن أبي صالح، عن سلمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

ضربت في ناحية الخندق فعصت عليّ صخرة و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قريب مني فلما رآني أضرب، و رأى شدة المكان [جاء] فأخذ المعول من يدي، فضرب به ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب به ضربة أخرى، فلمعت برقة أخرى، قال: فقلت: بأبي أنت و أمي! ما هذا الّذي رأيت تحت المعول؟ قال: و قد رأيت ذلك يا سلمان؟ قلت: نعم، قال: أما الأولى فإن اللَّه فتح بها عليّ اليمن، و أما الثانية فإن اللَّه فتح بها عليّ الشام و المغرب، و أما الثالثة فإن اللَّه فتح بها عليّ المشرق.

و من طريق الحسن بن سفيان قال: حدثنا عبد الرحمن بن المتوكل، حدثنا فضيل بن سليمان، حدثنا محمد بن أبي يحيى عن العباس بن سهل، بن سعد، عن أبيه قال:

كنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الخندق، فأخذ الكرزن [ (1)] فحفره، فصادف حجرا فضحك، فقيل: لم ضحكت يا رسول اللَّه؟ قال: ضحكت من ناس يؤتي بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة، و هو كارهون.

قال أبو نعيم: فأخبر (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بانتشار المسلمين و ظهورهم حتى يسبوا سبايا الأمم مقيدين مسوقين إلى بلاد الإسلام يسترقون فيسلمون.

و قال الواقدي في (مغازيه): و حدثني أبيّ بن عباس بن سهل عن أبيه، عن جده قال:

كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الخندق، فأخذ الكرزن [ (2)]، و ضرب‏

____________

[ (1)] الكرزن و الكرزين: قال أبو حنيفة: الكرزن، بفتح الكاف و الزاى جميعا، الفأس لها حدّ،

و في الحديث عن العباس بن سهل عن أبيه قال: كنت مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الخندق فأخذ الكرزين يحفر في حجر إذ ضحك، فسئل: ما أضحك؟ فقال: من ناس يؤتى بهم من قبل المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة و هم كارهون،

قال: أبو عمرو: إذا كان لها حد واحد فهي فأس و كرزن و كرزن، و الجمع كرازين و كرازن. (لسان العرب): 13/ 358.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

295

به، [فصادف حجرا]، فصلّ الحجر فضحك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقيل: يا رسول اللَّه مم تضحك؟ قال: أضحك من قوم يؤتي بهم من المشرق في الكبول يساقون إلى الجنة و هم كارهون [ (1)].

و حدثني عاصم بن عبد اللَّه الحكمي، عن عمر بن الحكم قال: كان عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يضرب يومئذ بالمعول، فصادف حجرا صلدا، فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المعول و هو عند جبل بني عبيد، فضرب ضربة فذهبت أولها برقة إلى اليمن، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة إلى الشام، ثم ضرب أخرى فذهبت برقة نحو المشرق، و كسر الحجر عند الثالثة، فكان عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يقول: و الّذي بعثه بالحق لصار كأنه سهلة [ (2)]، و

كان كلما ضرب ضربه تبعه سليمان ببصره فيبصر عند كل ضربه برقة، فقال سلمان- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: يا رسول اللَّه رأيت المعول كلما ضربت به أضاء ما تحته، فقال: أ ليس قد رأيت ذلك؟ قال:

نعم.

قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إني رأيت في الأولى قصور الشام، ثم رأيت في الثانية قصور اليمن، و رأيت في الثالثة قصر كسرى الأبيض بالمدائن، و جعل يصفه لسلمان، فقال: صدقت و الّذي بعثك بالحق إن هذه لصفته، و أشهد أنك رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هذه فتوح يفتحها اللَّه عليكم بعدي يا سليمان، لتفتحن الشام و يهرب هرقل إلى أقصى مملكته، و تظهرون على الشام فلا ينازعكم أحد، و لتفتحن اليمن، و لتفتحن هذا المشرق، و يقتل كسرى فلا يكون [كسرى‏] بعده، قال سلمان: فكل هذا قد رأيت [ (3)].

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 449، و ما بين الحاصرتين من (الأصل) فقط.

[ (2)] السهلة: رمل ليس بالدقاق.

[ (3)] (مغازي الواقدي): 2/ 449- 450، و ما بين الحاصرتين من (الأصل) فقط.

296

و أما إخبار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأن المشركين بعد الخندق لا يغزون المسلمين، و كان كذلك‏

فخرّج البخاريّ من حديث سفيان، عن أبي إسحاق، عن سليمان بن صرد قال: قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

يوم الأحزاب نغزوهم، و لا يغزوننا [ (1)].

و من حديث إسرائيل قال: سمعت أبا إسحاق يقول: سمعت سليمان بن صرد يقول: «سمعت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول حين أجلي الأحزاب عنه:

الآن نغزوهم و لا يغزوننا، نحن نسير إليهم» [ (2)].

و ذكر يونس عن ابن إسحاق- رحمة اللَّه عليه- قال: انصرف أهل الخندق عن الخندق، قالوا: يا رسول اللَّه فما ندمنا لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا و لكنكم تغزونهم فلم تغزهم قريش بعد ذلك، و كان هو يغزوهم (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى فتح اللَّه- تعالى- عليه مكة شرفها اللَّه- تعالى- و عظمها [ (3)].

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 515، كتاب المغازي، باب (30) غزوة الخندق و هي الأحزاب، قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع، حديث رقم (4109).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (4110).

[ (3)] (دلائل البيهقيّ): 3/ 457- 458، باب قول النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد ذهاب الأحزاب الآن نغزوهم و لا يغزوننا فكان كما قال.

و أخرجه البخاريّ في (الصحيح) من حديث يحيى بن آدم عن إسرائيل.

297

و أما قذف اللَّه عز و جل الرعب في قلوب بني قريظة

فخرّج البخاريّ [ (1)] من حديث ابن نمير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قال:

لما رجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الخندق، و وضع السلاح و اغتسل، أتاه جبريل (عليه السلام)، فقال: قد وضعت السلاح! و اللَّه ما وضعناه فاخرج إليهم. قال: فإلى أين؟ قال: هاهنا، و أشار إلى قريظة، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إليهم.

و خرّجه مسلم.

و خرّج البخاريّ في الجهاد من طريق عبدة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما رجع يوم الخندق، و وضع السلاح و اغتسل، فأتاه جبريل و قد عصب رأسه الغبار فقال: وضعت السلاح؟ فو اللَّه ما وضعته، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فأين؟

قال: ها هنا و أومأ إلى بني قريظة، قال: فخرج إليهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

ترجم عليه باب الغسل بعد الحرب و الغبار [ (2)].

و خرّج من طريق جرير بن حازم عن حميد بن هلال، عن أنس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: كأني انظر إلى الغبار ساطعا في زقاق بني غنم، موكب جبريل حين سار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى بني قريظة [ (3)].

و ذكر ابن إسحاق أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حاصرهم خمسا و عشرين ليلة حتى جهدهم الحصار، و نزلوا على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فرد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحكم‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 815، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأحزاب و مخرجه إلى بني قريظة، و محاصرته إياهم، حديث رقم (4117).

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 38، كتاب الجهاد و السير، باب (18) الغسل بعد الحرب و الغبار، حديث رقم (2813).

[ (3)] (فتح الباري): 7/ 518، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأحزاب و مخرجه إلى بني قريظة، و محاصرته إياهم، حديث رقم (4118).

298

فيهم إلى سعد بن معاذ الأوسي الأشهلي، فحكم فيهم بأن تقتل الرجال، و تقسم الأموال، و تسبي الذراري و النساء [ (1)].

و خرّج البيهقيّ من طريق بشر عن أبيه قال حدثنا الزهري: قال:

أخبرني عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب بن مالك أن عمه عبيد اللَّه بن كعب أخبره أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه اللأمة، و اغتسل، و استجمر فتبدّى له جبريل- (عليه السلام)- فقال: عذيرك [ (2)] من محارب ألا أراك قد وضعت اللأمة، و ما وضعناها بعد، قال: فوثب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فزعا، فعزم على الناس أن لا يصلوا صلاة العصر حتى يأتوا بني قريظة، قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس، فاختصم الناس عند الغروب، فقال بعضهم: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فليس علينا إثم، و صلى طائفة من الناس احتسابا، و تركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوا حين جاءوا بني قريظة احتسابا، فلم يعنف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين [ (3)].

____________

[ (1)] (سيرة ابن هشام): 4/ 195، 199، و الذراري: الذرّ النسل و الذرية فعليه من الذر و هم الصغار، و تكون الذرية واحدا و جمعا، و فيها ثلاث لغات أفصحها ضم الذال، و بها قرأ السبعة، و الثانية كسرها، و يروي عن زيد بن ثابت، و الثالثة: فتح الذال مع تخفيف الراء، و بها قرأ أبان بن عثمان، و تجمع على ذريات، و قد تجمع على الذراريّ.

[ (2)] عذيرك: أي هات من يعذرك: فعيل بمعنى فاعل.

[ (3)] (دلائل البيهقيّ): 4/ 7- 8، باب مرجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأحزاب و مخرجه إلى بني قريظة، و محاصرته إياهم، و ما ظهر في رؤية من رأى من الصحابة جبريل- (عليه السلام)- في صورة دحية الكلبيّ، ثم قذف الرعب في قلوب بني قريظة و إنزالهم من حصونهم من آثار النبوة.

و قد أخرجه الإمام أحمد و الشيخان مختصرا، و الحاكم مطولا عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- و من طريق جابر أخرجه أبو نعيم في (الدلائل)، و الطبري في (التاريخ) عن عبد اللَّه بن أبي أوفى.

299

و خرّج أيضا من حديث عبد اللَّه بن نافع قال: حدثنا عبد اللَّه بن عمر عن أخيه عبيد اللَّه بن عمر، عن القاسم بن محمد، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها-

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) كان عندها، فسلم علينا رجل و نحن في البيت، فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فزعا فقمت في أثره، فإذا بدحية الكلبي. فقال:

هذا جبريل يأمرني أن أذهب إلى بني قريظة، فقال: قد وضعتم السلاح لكنا لا نضع طلبنا المشركين حتى بلغنا حمراء الأسد [ (1)]، و ذلك حين رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الخندق، فقام النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فزعا، فقال لأصحابه: عزمت عليكم أن لا تصلوا صلاة العصر حتى تأتوا بني قريظة، فغربت الشمس قبل أن يأتوهم، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يرد أن ندع الصلاة، فصلوا.

و قالت طائفة: و اللَّه إنا لفي عزيمة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ما علينا من إثم، فصلت طائفة إيمانا و احتسابا، و تركت طائفة إيمانا و احتسابا فلم فلم يعب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) واحدا من الفريقين [ (2)].

____________

[ (1)] حمراء الأسد: موضع على ثمانية أميال من المدينة، (معجم البلدان): 2/ 346، موضع رقم (3908).

[ (2)] (دلائل البيهقيّ): 4/ 8- 9، و قال في (هامشه): و قد اختلف العلماء في المصيب من الصحابة يومئذ من هو؟ بل الإجماع على أن كلا من الفريقين مأجور و معذور غير معنف، فقالت طائفة من العلماء: الذين أخروا الصلاة يومئذ عن وقتها المقدر لها حتى صلوها في بني قريظة هم المصيبون لأن الأمر يومئذ بتأخير الصلاة خاص فيقدم على عموم الأمر بها في وقتها المقدر لها شرعا، قال أبو محمد بن حزم الظاهري في كتاب السيرة: و علم اللَّه أنا لو كنا هناك لم نصلّ العصر إلا في بني قريظة و لو بعد أيام، و هذا القول منه ماش على قاعدته الأصلية في الأخذ بالظاهر.

و قالت طائفة أخرى من العلماء: بل الذين صلوا في وقتها لما أدركتهم و هم في مسيرتهم هم

المصيبون، لأنهم فهموا أن المراد إنما هو تعجيل السير إلى بني قريظة لا تأخير الصلاة، فعملوا بمقتضى الأدلة الدالة على أفضلية الصلاة في أول وقتها مع فهمهم عن الشارع ما أراد، و لهذا لم يعنفهم و لم يأمرهم بإعادة الصلاة في وقتها التي حولت إليه يومئذ كما يدعيه أولئك، و أما أولئك الذين أخروا فعذروا بحسب ما فهموا، و أكثر ما كانوا يؤمرون بالقضاء و قد فعلوه،

300

و خرج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمجالس بينه و بين بني قريظة، فقال: هل مرّ بكم من أحد؟ قالوا مرّ علينا دحية الكلبي على بغلة شهباء تحته قطيفة ديباج. فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ليس ذلك بدحية، و لكن جبريل أرسل إلى بني قريظة ليزلزلهم و يقذف في قلوبهم الرعب، فحاصرهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمر أصحابه أن يستتروا بالجحف حتى يسمعهم كلامه، فناداهم: يا إخوة القردة و الخنازير، قالوا: يا أبا القاسم لم تك فحاشا، فحاصرهم حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، و كانوا حلفاءه فحكم فيهم أن يقتل مقاتلتهم و تسبي ذراريهم و نساؤهم.

و قال يونس عن ابن إسحاق: و حدثني والدي إسحاق بن يسار، عن معبد ابن كلب بن مالك السلمي أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حاصرهم خمسا و عشرين ليلة حتى أجهدهم الحصار، و قذف اللَّه- عز و جل- في قلوبهم الرعب [ (1)].

____________

[ ()] و أما على قول من يجوّز تأخير الصلاة لعذر القتال كما فهمه البحتري، حيث احتج على ذلك بحديث ابن عمر المتقدم في هذا، فلا إشكال على من أخر، و لا على من قدم أيضا، و اللَّه- تبارك و تعالى أعلم-.

[ (1)] (سيرة ابن هشام): 4/ 195، حصار بني قريظة.

301

و أما إجابة اللَّه تعالى دعاء سعد بن معاذ رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه في جراحته و إجابة اللَّه تعالى إياه في دعوته و ما ظهر في ذلك من كرامته‏

فخرج البخاريّ [ (1)] و مسلم [ (2)] من طريق ابن نمير قال: حدثنا هشام، عن أبيه، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت: أصيب سعد يوم الخندق رماه رجل قريش يقال له ابن العرقة.

قال البخاريّ: يقال له حبان بن العرقة رماه في الأكحل، فضرب عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خيمة في المسجد، ليعوده من قريب،

فلما رجع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الخندق، وضع السلاح، فاغتسل، فأتاه جبريل- (عليه السلام)- و هو ينفض رأسه من الغبار، فقال: قد وضعت السلاح فو اللَّه ما وضعناه اخرج إليهم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فأين؟ فأشار إلى بنى قريظة، فقاتلهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فنزلوا على حكمه، فرد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحكم فيهم إلى سعد، قال: فإنّي أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، و تسبى النساء و الذرية، و أن تقسم أموالهم.

و قال مسلم بعد هذا: حدثنا أبو كريب عن ابن نمير، عن هشام قال: قال أبي: فأخبرت أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال:

لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه عزّ و جل [ (3)].

و قال البخاريّ متصلا بقوله: و أن تقسم أموالهم.

قال هشام: أخبرني أبي عن عائشة أن سعدا قال:- و تحجّر كلمه للبرء- فقال: اللَّهمّ إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهد فيك من قوم‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 523، كتاب المغازي، باب (31) مرجع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من الأحزاب، و مخرجه إلى بني قريظة، و محاصرته إياهم، حديث رقم (4122).

[ (2)] (مسلم بشرح النووي): 12/ 337- 338، كتاب الجهاد و السير، باب (22) جواز قتال من نقض العهد، و جواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، حديث رقم (65)، (66).

[ (3)] راجع التعليق السابق.

302

كذبوا رسولك و أخرجوه، اللَّهمّ فإن كان بقي من حرب قريش فأبقني أجاهدهم فيك، اللَّهمّ فإنّي أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا و بينهم، فإن كنت قد وضعت الحرب بيننا و بينهم فافجرها و اجعل موتي فيها، فانفجرت من لبته فلم يرعهم- و في المسجد خيمة من بني غفار- إلا الدم يسيل إليهم، فقالوا: يا أهل الخيمة! ما هذا الّذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد يغذو جرحه دما فمات منها.

و قال مسلم متصلا بقوله: لقد حكمت فيهم بحكم اللَّه، و عن أبي كريم قال: عن نمير، عن هشام، قال: أخبرني أبي عن عائشة أن سعدا قال:

و تحجّر كلمه للبرء، فقال: اللَّهمّ إنك تعلم أنه ليس أحد أحب إليّ أن أجاهد فيك من قوم كذبوا رسولك و أخرجوه، اللَّهمّ فإن كان بقي من حرب قريش شي‏ء، فأبقني أجاهدهم فيك اللَّهمّ فإنّي أظن أنك وضعت الحرب بيننا و بينهم فإن كنت وضعت الحرب بيننا و بينهم فافجرها، و اجعل موتى فيها، فانفجرت من ليلته، فلم يرعهم- و في المسجد معه خيمة من بنى غفار- إلا و الدم يسيل إليهم.

فقالوا: يا أهل الخيمة! ما الّذي يأتينا من قبلكم؟ فإذا سعد جرحه يغذو دما، فمات منها. [ (1)]

و خرّج البيهقيّ من حديث الليث قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، قال:

رمى سعد بن معاذ يوم الأحزاب فقطعوا أكحله، فحسمه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالنار فانتفخت يده، فتركه، فنزف الدم، فحسمه أخرى، فانتفخت يده فلما رأى ذلك قال: اللَّهمّ لا تخرج نفسي حتى تقرّ عيني من بني قريظة، فاستمسك عرقه، فما قطرت منه قطره، حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأرسل إليه رسول‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 12/ 338- 339، كتاب الجهاد و السير باب (22) جواز قتال من نقض العهد، و جواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم، حديث رقم (67)، قوله «رماه في الأكحل» قال العلماء: هو عرق معروف، قال الخليل: إذا قطع في اليد لم يرفأ الدم، و هو عرق الحياة، في عضو منه شعبة لها اسم.

قوله: «فضرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيمة في المسجد «فيه جواز النوم في المسجد، و جواز مكث المريض فيه و إن كان جريحا. و قوله: «إن سعدا تحجر كلمه للبرء «الكلم بفتح الكاف الجرح، و تحجّر أي يبس.