إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
303

اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحكم أن تقتل رجالهم، و تسبي نساؤهم، و ذراريهم، يستعين بهم المسلمون، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يا سعد: أصبت حكم اللَّه فيهم، و كانوا أربع مائة، فلما فرغ من قتلهم انفتق عرقه، فمات- (رحمه اللَّه)- [ (1)].

و أما إسلام ثعلبة و أسيد بني سعية و أسد بن عبيد و ما في ذلك من آثار النبوة

فخرج البيهقيّ من طريق جرير بن حازم، عن طريق محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر عن شيخ من بنى قريظة قال: قدم علينا من الشام رجل يهودي يقال له: ابن الهيبان، و اللَّه ما رأينا رجلا قط خيرا منه، فأقام [ (2)] بين أظهرنا، و كنا نقول له إذا احتبس المطر: استسق لنا، فيقول: لا و اللَّه، حتى تخرجوا أمام مخرجكم صدقة. فيقولون [ (3)]: ما ذا؟ فيقول: صاع [ (4)] من تمر أو مد من شعير، فنفعل [ (5)]، فيخرج بنا إلى ظاهر حرّينا، فو اللَّه ما يبرح مجلسه حتى تمر بنا الشعاب تسيل، قد فعل ذلك غير مرة، و لا مرتين، فلما حضرته الوفاة قال: يا معشر يهود أما ترونه أخرجني من أرض الخمر و الخمير إلى أرض البؤس و الجوع! قلنا: أنت أعلم، قال: أخرجني نبي‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 27- 28، دعاء سعد بن معاذ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- في جراحته، و إجابة اللَّه- تعالى- إياه في دعوته، و ما ظهر في ذلك من كرامته.

و أخرجه الترمذي في كتاب السير، باب (29) ما جاء في النزول على الحكم، حديث رقم (1582) و الإمام أحمد في (المسند): 4/ 314- 315، حديث رقم (14359).

[ (2)] في (الأصل): «فقام»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

[ (3)] في (الأصل): «فنقول»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

[ (4)] في (الأصل): «صاعا»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

[ (5)] في (الأصل): «فنخرج»، و ما أثبتناه من (دلائل البيهقي).

304

أتوقعه يبعث الآن فهذه البلدة مهاجره، و أنه يبعث بسفك الدماء، و سبي الذرية، فلا يمنعنكم ذلك منه، و لا تسبقن إليه، ثم مات [ (1)].

و خرّج من طريق يونس، عن ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن شيخ من بنى قريظة أنه قال: هل تدري عما كان إسلام ثعلبة، و أسيد ابني سعية، و أسد بن عبيد نفر من هزل لم يكونوا من بني قريظة، و لا نضير، كانوا فوق ذلك، فقلت: لا، قال: فإنه قدم علينا رجل من الشام من يهود يقال له ابن الهيبان.

فذكر القصة بمعنى رواية جرير، و زاد قال: فلما كان تلك الليلة التي افتتحت فيها قريظة، قال: أولئك الفتية الثلاثة، و كانوا شبابا أحداثا يا معشر يهود هذا الّذي كان ذكر لكم ابن الهيبان، قالوا: ما هو؟ قال: بلى إنه لهو يا معشر يهود هذا يهود، إنه و اللَّه بصفته، ثم نزلوا، و خلوا أموالهم، و أولادهم، و أهاليهم، قالوا: و كانت أموالهم في الحصن مع المشركين، فلما فتح رد ذلك عليهم [ (2)].

و قال الواقدي في (مغازيه) [ (3)]: فحدثني صالح بن جعفر، عن محمد بن عقبة، عن ثعلبة بن أبي مالك قال: قال ثعلبة، و أسيد ابنا سعيّة، و أسيد بن عبيد عمهم: يا معشر بني قريظة، و اللَّه إنكم لتعلمون أنه رسول اللَّه، و أن صفته عندنا، حدثنا بها علماؤنا، و علماء بنى النضير، هذا أولهم يعني حييّ بن أخطب مع جبير بن الهيبان أصدق الناس عندنا، هو خبّرنا بصفته عند موته. قالوا: لا نفارق التوراة، فلما رأى هؤلاء النفر إباءهم نزلوا في الليلة التي في صبحها نزل بنو قريظة [ (4)]، فأسلموا فأمنوا على أنفسهم و أهلهم و أموالهم.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 31.

[ (2)] (المرجع السابق): 4/ 32.

[ (3)] (مغازي الواقدي): 2/ 503.

[ (4)] في (المغازي): «نزلت بنو قريظة» و ما أثبتناه من (الأصل).

305

و قال أبو عمر بن عبد البر [ (1)]: أسيد بن سعية القرظي من بني قريظة أسلم و أحرز ماله، و حسن إسلامه.

و ذكر من طريق يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- قال: لما أسلم عبد اللَّه بن سلام و ثعلبة بن سعية و أسيد بن سعية و أسيد بن عبيد، و من أسلم من يهود فآمنوا و صدقوا و رغبوا في الإسلام قالت أخبار يهود: ما أتى محمد إلا شرارنا، فأنزل اللَّه- عز و جل-:

لَيْسُوا سَواءً مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ أُمَّةٌ قائِمَةٌ يَتْلُونَ آياتِ اللَّهِ آناءَ اللَّيْلِ وَ هُمْ يَسْجُدُونَ* يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ يَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ ... وَ أُولئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ‏ [ (2)].

و ذكر الطبري عن ابن حميد، عن سلمة [بن الفضل‏]، عن ابن إسحاق قال: ثم إن ثعلبة بن سعية، و أسيد بن سعية، و أسد بن عبيد و هم من بني هذيل ليسوا من بني قريظة و لا النضير نسبهم فوق ذلك، و هم بنوا عم القوم، أسلموا تلك الليلة التي نزلت فيها قريظة على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و قال البخاريّ توفي أسيد بن سعية ثعلبة بن سعية في حياة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (3)].

____________

[ (1)] (الاستيعاب): 1/ 96، ترجمة رقم (59): أسيد بن سعية، و يقال: أسيد- بالفتح بن سعية أو شعبة- بن عريب القرظيّ. قال إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق: أسيد بالضم، و قال يونس بن بكير أسيد بالفتح، و قال الدار الدّارقطنيّ: بالفتح الصواب. و قد قيل: سعية، و سعة، و سعية بالياء أكثر، نزل هو و أخوه ثعلبة بن سعية في الليلة التي في صبيحتها نزل بنو قريظة على حكم سعد بن معاذ، و نزل معهما أسد بن عبيد القرظيّ فأسلموا، و أحرزوا دمائهم و أموالهم.

[ (2)] آل عمران: 113.

[ (3)] (الاستيعاب): 1/ 96- 97، ترجمة رقم (60).

306

و أما امتناع عمرو بن سعدى القرظيّ من الغدر برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

قال ابن إسحاق [ (1)]: و خرج في تلك الليلة عمرو بن سعدى القرظيّ، فمرّ بحرس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عليه محمد بن مسلمة تلك الليلة، فلما رآه قال: من هذا؟ قال: أنا عمرو بن سعدى القرظيّ، و كان عمرو قد أبي أن يدخل مع بنى قريظة في غدرهم برسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و قال: لا أغدر بمحمد أبدا.

فقال محمد بن مسلمة حين عرفه: اللَّهمّ لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، ثم خلى سبيله، فخرج على وجهه حتى أتى باب مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالمدينة تلك الليلة، ثم ذهب فلم يدر أين ذهب من الأرض إلى يومه هذا، فذكر شأنه لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: ذلك رجل نجاه اللَّه بوفائه، و بعض الناس يزعم أنه كان أوثق برمّة فيمن أوثق من بني قريظة حتى نزلوا على حكم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأصبحت رمته ملقاه، و لا يدري أين يذهب. [فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه تلك المقالة].

و قال الواقدي في (مغازيه) [ (2)]: فحدثني الضحاك بن عثمان، عن محمد بن يحيى بن حبان قال: قال عمرو بن سعدى و هو رجل منهم: يا معشر اليهود إنكم قد حالفتم محمدا على ما حالفتموه عليه ألا تنصروا عليه أحدا من عدوه، و أن تنصروه ممن دهمه، فنقضتم ذلك العهد الّذي كان بينكم، و بينه، فلم أدخل فيه، و لم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه، فأثبتوا على اليهودية، و أعطوا الجزية، فو اللَّه لا أدرى يقبلها أم لا، قالوا: نحن لا نقر للعرب بخرج في رقابنا يأخذوننا به، القتل خير من ذلك، قال: فإنّي بري منكم، و خرج في تلك الليلة مع بني سعية، فمر بحرس النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و عليهم محمد بن مسلمة.

____________

[ (1)] (سيرة ابن هشام): 4/ 197- 198، قصة عمرو بن سعدى، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه، و الرمة: الجبل البالي.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 503- 504.

307

فقال محمد بن مسلمة: من هذا؟ قال: عمرو بن سعدى، فقال محمد:

مرّ! اللَّهمّ لا تحرمني إقالة عثرات الكرام، فخل سبيله، و خرج حتى أتى مسجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فبات به حتى أصبح، فلما أصبح غدا، فلم يدر أين هو حتى الساعة، فسئل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عنه، فقال: ذاك نجاه اللَّه بوفائه،

و يقال أنه لم يطع أحدا [ (1)] منهم، و لم يبادر للقتال.

و أما قتل أبي رافع بن أبي الحقيق و اسمه عبد اللَّه و قيل سلام‏

فقال يونس بن بكير: عن ابن إسحاق، لما انقضى شأن [ (2)] الخندق، و أمر بني قريظة، و كان أبو رافع سلام بن أبي الحقيق فيمن كان حزّب الأحزاب على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و كانت الأوس قبل أحد قد قتلت كعب بن الأشرف في عداوته لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و تحريضه عليه، فاستأذنت الخزرج و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قتل [سلام‏] بن أبي الحقيق، و هو بخيبر، فأذن لهم فيه.

قال ابن إسحاق: حدثني الزهريّ عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك قال:

كان مما صنع اللَّه به لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن هذين الحيين من الأنصار: الأوس، و الخزرج، كانا يتصاولان معه تصاول الفحلين لا تصنع أحد منهما شيئا إلا صنع الآخر مثله، فلما قتلت الأوس كعب بن الأشرف تذكرت الخزرج رجلا هو في العداوة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مثله.

فذكروا ابن أبي الحقيق بخير، فاستأذنوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قتله، فأذن لهم، فخرج له عبد اللَّه بن عتيك، و أبو قتادة، و عبد اللَّه بن أنيس، و مسعود ابن سنان، و خزاعيّ [ (3)] بن أسود حليف [لهم‏] [ (4)] من أسلم.

____________

[ (1)] في (المغازي): «لم يطلع أحد»، و ما أثبتناه من (الأصل)، و هو أجود للسياق.

[ (2)] في (الأصل): «أمر الخندق»، و ما أثبتناه من (سيرة ابن هشام).

[ (3)] في (الأصل): «الأسود بن خزاعيّ»، و ما أثبتناه من (سيرة ابن هشام).

[ (4)] زيادة للسياق من (المرجع السابق).

308

قال ابن إسحاق: و حسبت أن فيهم فلان ابن سلمة، فخرجوا إليه، فلما جاءه، و صعد إليه في علية له [طلعت منها] امرأته، فصيّحت، و كان قد نهاهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين بعثهم عن قتل النساء، و الولدان، فجعل الرجل يرفع عليها السيف، ثم يذكر نهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فيمسك يده، قال: فابتدروه بأسيافهم، فتحامل عليه عبد اللَّه بن أنيس في بطنه حتى قتله.

و روى عن إبراهيم بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن كعب بن مالك، عن أبيه، عن أمه، عن عبد اللَّه بن أنيس أنه قتل ابن عتيك، و ابن أنيس وقف عليه، و قيل فيه: أنه قتله ابن أنيس و ابن عتيك وقف عليه [ (1)].

و الصحيح ما خرّجه البخاريّ من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى أبي رافع اليهوديّ رجالا من الأنصار، و أمرّ عليهم عبد اللَّه بن عتيك و كان أبو رافع يؤذي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و يعين عليه، و كان في حصن له بأرض الحجاز، فلما دنوا منه، و قد غربت الشمس، و راح الناس بسرحهم.

قال عبد اللَّه لأصحابه: اجلسوا مكانكم فإنّي منطلق، و متلطف بالبواب لعلي أدخل، فأقبل حتى دنا من الباب، فتقنع بثوبه كأنه يقضي حاجة، و قد دخل الناس، فهتف به البواب: يا عبد اللَّه إن كنت تريد أن تدخل، فادخل، فإنّي أريد أن أغلق الباب، فدخلت، فكمنت، فلما دخل الناس أغلق الباب، ثم علق الأعاليق على ود [ (2)] قال: فقمت إلى الأقاليد، فأخذتها، ففتحت الباب، و كان أبو رافع يسمر عنده، و كان في علاليّ له، فلما ذهب عنه أهل سمره، صعدت إليه فجعلت كلما فتحت بابا أغلقت عليّ من داخل، قلت: إن القوم نذروا بي، لم يخلصوا إليّ حتى أقتله، فانتهيت إليه، فإذا هو في بيت مظلم‏

____________

[ (1)]

(سيرة ابن هشام): 4/ 234- 237، مقتل سلام بن أبي الحقيق و سياقة ابن هشام أتم، و فيها: فقدمنا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرناه بقتل عدوّ اللَّه، و اختلفنا عنده في قتله، كلنا يدعيه، قال: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هاتوا أسيافكم، قال: فجئناه بها، فنظر إليها، فقال لسيف عبد اللَّه بن أنيس: هذا قتله، أرى فيه أثر الطعام.

[ (2)] الود: الوتد في لغة تميم.

309

وسط عياله، لا أدري أين هو من البيت، قلت: أبا رافع؟ قال: من هذا؟

فأهويت نحو الصوت فأضربه ضربة بالسيف و أنا دهش، فما أغنيت شيئا و صاح، فخرجت من البيت فأمكث غير بعيد ثم دخلت إليه فقلت: ما هذا الصوت يا أبا رافع؟ فقال: لأمّك الويل، إن رجلا في البيت ضربني قبل بالسيف قال: فأضربه ضربة فأثخنته، ثم وضعت صبيب [ (1)] السيف و لم أقتله، ثم وضعت ضبيب السيف في بطنه حتى أخذ في ظهره، فعرفت أني قتلته، فجعلت أفتح الأبواب بابا بابا حتى انتهيت إلى درجة له، فوضعت رجلي و أنا أرى أني قد انتهيت إلى الأرض فوقعت في ليلة مقمرة فانكسرت ساقي، فعصبتها بعمامتي، ثم انطلقت حتى جلست على الباب فقلت: لا أخرج الليلة حتى أعلم أ قتلته؟ فلما صاح الديك قام الناعي على السور،

فقال: أنعي أبا رافع تاجر أهل الحجاز، فانطلقت إلى أصحابي فقلت: النجاء فقد قتل اللَّه أبا رافع فانتهيت إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحدثته فقال: ابسط رجلك فبسطت رجلي، فمسحها فكأنما لم اشتكها قط.

و كرره البخاريّ من غير طريق كلها تدور على البراء بن عازب [ (2)].

و قال الواقدي [ (3)]- (رحمه اللَّه)- في (مغازيه): حدثني أبو أيوب بن النعمان، عن أبيه، عن عطية بن عبد اللَّه بن أنيس، عن أبيه قال: خرجنا من‏

____________

[ (1)] ضبيب السيف: طرفه.

[ (2)] أخرجه البخاريّ في المغازي، باب (16) قتل أبي رافع عبد اللَّه بن أبي الحقيق، و يقال سلام ابن أبي الحقيق، كان بخيبر، و يقال في حصن له بأرض الحجاز، و قال الزهريّ: هو بعد كعب بن الأشرف، حديث رقم (4038).

و في هذا الحديث من الفوائد: جواز اغتيال المشرك الّذي بلغته الدعوة و أصرّ، و قتل من أعان على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بيده، أو ماله، أو لسانه، و جواز التجسيس على أهل الحرب و تطلب غرتهم، و الأخذ بالشدة في محاربة المشركين، و جواز إبهام القول للمصلحة، و تعرض القليل من المسلمين للكثير من المشركين، و الحكم بالدليل و العلامة لاستدلال ابن عتيك على أبي رافع بصوته و اعتماده على صوت الناعي بموته، و اللَّه- تعالى- أعلم. (فتح الباري).

[ (3)] (مغازي الواقدي): 1/ 391- 395.

310

المدينة حتى أتينا خيبر. قال: و قد كانت أم عبد اللَّه بن عتيك بخيبر يهودية أرضعته، و قد بعثنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خمسة نفر: عبد اللَّه بن عتيك، و عبد اللَّه ابن أنيس، و أبو قتادة، و الأسود بن خزاعيّ و مسعود بن سنان. قال: فانتهينا إلى خيبر، و بعث عبد اللَّه بن عتيك إلى أمه فأعلمها بمكانه، فخرجت إلينا بجراب مملوء تمرا كبيسا و خبزا، فأكلنا منه ثم قال لها: يا أماه إنا قد أمسينا، بيتينا عندك فادخلينا خيبر، فقالت أمه: و كيف تطيق خيبر و فيها أربعة آلاف مقاتل؟ و من تريد فيها، قال: أبا رافع، قالت: لا تقدر عليه. قال: و اللَّه لأقتلنه أو لأقتلن دونه قبل ذلك، فقالت: فادخلوا علي ليلا: فدخلوا عليها فلما ناما أهل خيبر، و قد قالت لهم: أدخلوا في خمر الناس، فإذا هدأت الرجل فأكمنوا! ففعلوا و دخلوا عليها، ثم قالت: إن اليهود لا تغلق عليها أبوابها فرقا أن يطرقها ضيف، فيصبح أحدهم بالفناء لم يضف فيجد الباب مفتوحا فيدخل فيتعشى، فلما هدأت الرجل قالت: انطلقوا حتى تستفتحوا على أبي رافع فقولوا:

إنا جئنا لأبي رافع بهداه فإنّهم سيفتحون لكم. ففعلوا ذلك، ثم خرجوا لا يمرون بباب من بيوت خيبر إلا أغلقوه، حتى أغلقوا بيوت القرية كلها، حتى انتهوا إلى عجلة عند قصر سلام، قال: فصعدنا، و قدمنا عبد اللَّه بن عتيك، لأنه كان يرطن باليهودية، ثم استفتحوا على أبي رافع فجاءت امرأته فقالت: ما شأنك؟ فقال: عبد اللَّه بن عتيك و رطن باليهودية: جئت أبا رافع بهداه ففتحت له، فلما رأت السلاح أرادت أن تصيح. قال عبد اللَّه بن أنيس: و ازدحمنا على الباب أينا يبدر إليه، فلما أرادت أن تصيح. قال: فأشرت إليهما السيف قال:

و أنا أكره أن يسبقني أصحابي إليه. قال: فسكنت ساعة. قال: ثم قلت لها:

أين أبو رافع؟ و إلا ضربتك بالسيف! فقالت: هو ذاك في البيت فدخلنا عليه فما عرفناه إلا بياضة كأنه قطنة ملقاه فعلوناه بأسيافنا، فصاحت امرأته، فهمّ بعضنا أن يخرج إليها، ثم ذكرنا أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نهانا عن قتل النساء، قال:

فلما انتهينا جعل سمك البيت يقصر علينا، و جعلت سيوفنا ترجع.

قال ابن أنيس: و كنت رجلا أعشى لا أبصر بالليل إلا بصرا ضعيفا، قال: فتأملته كأنه قمر، قال: فاتكئ بسيفي على بطنه حتى سمعت خشه في الفراش، و عرفت أنه قد قضى، قال: و جعل القوم يضربونه جميعا، ثم نزلنا

311

و نسي أبو قتادة قوسه، فذكرها بعد ما نزل، فقال أصحابه: دع القوس، فأبى فرجع فأخذ قوسه، فانفكت رجله فاحتملوه بينهم، فصاحت امرأته فتصايح أهل الدار بعد ما قتل فلم يفتح أهل البيوت عن أنفسهم ليلا طويلا، و اختبأ القوم في بعض مناهر خيبر، و أقبلت اليهود و أقبل الحارث أبو زينب، فخرجت إليه امرأته فقالت: خرج القوم الآن، فخرج الحارث في ثلاثة آلاف في آثارنا يطلبوننا بالنيران في شعل السعف، و لربما وطئوا في النهر، فنحن في بطنه و هم على ظهره فلا يرونا، فلما أوعبوا في الطلب فلم يروا شيئا رجعوا إلى امرأته فقالوا لها: هل تعرفين منهم أحدا؟ فقالت: سمعت منهم كلام عبد اللَّه بن عتيك، فإن كان في بلادنا هذه فهو معهم. فكروا الطلب الثانية، و قال القوم فيما بينهم: لو أن بعضنا أتاهم فنظر هل مات الرجل أم لا؟ فخرج الأسود بن خزاعيّ حتى دخل مع القوم و تشبه بهم، فجعل في يده شعله كشعلهم حتى كر القوم الثانية إلى القصر و كر معهم، و يجد الدار قد شحنت، قال:

فأقبلوا جميعا ينظرون إلى أبي رافع ما فعل، قال: فأقبلت امرأته معها شعلة من نار، ثم أحنت عليه تنظر أ حي أم ميت هو فقالت: فاظ و إله موسى! قال: ثم كرهت أن أرجع إلا بأمر بين، قال: فدخلت الثانية معهم، فإذا الرجل لا يتحرك منه عرق، قال: فخرجت اليهود في صحيحة واحدة و أخذوا في جهازه يدفنونه، و خرجت معهم و قد أبطأت على أصحابي بعض الإبطاء،

قال:

فانحدرت عليهم في النهر فخبرتهم، فمكثنا في مكاننا يومين ترميم حتى سكن عنا الطلب، ثم خرجنا مقبلين إلى المدينة، كلنا يدعي قتله، فقدمنا على النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو على المنبر، فلما رآنا قال: أفلحت الوجوه! فقلنا: أفلح وجهك يا رسول اللَّه، قال: أ قتلتموه؟ قلنا: نعم، و كلنا يدعي قتله، قال: عجلوا عليّ بأسيافكم، فأتيناه بأسيافنا، ثم قال: هذا قتله هذا أثر الطعام في سيف الطعام في سيفه عبد اللَّه بن أنيس.

قال: و كان ابن أبي الحقيق قد أجلب في غطفان و من حوله من مشركي من العرب جعل لهم الجعل العظيم لحرب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فبعث إليهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) هؤلاء النفر.

فحدثني أيوب بن النعمان قال: حدثني خارجة بن عبد اللَّه قال: فلما انتهوا إلى أبي رافع تشاجروا في قتله. قال: فاستهموا عليه فخرج سهم عبد

312

اللَّه بن أنيس. و كان رجلا أعشى فقال لأصحابه: أين موضعه؟ فقالوا له:

ترى بياضه كأنه قمر. قال: قد رأيت قال: و أقبل عبد اللَّه بن أنيس و قام النفر مع المرأة يفرقون أن تصيح قد شهروا سيوفهم عليها، و دخل عبد اللَّه بن أنيس، فضرب بالسيف، فرجع السيف عليه لقصر السمك فاتكأ عليه و هو ممتلئ خمرا حتى سمع خش السيف و هو في الفراش.

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأن عبد اللَّه بن أنيس إذا رأى سفيان بن خالد نبيح فرق منه فكان كذلك‏

خرّج أبو داود [ (1)] من حديث محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن ابن عبد اللَّه بن أنيس، عن أبيه قال:

بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى خالد بن سفيان ابن نبيح الهذلي، و كان نحو عرنة و عرفات، فقال: أذهب فأقتله،

فرأيته و قد حضرت صلاة العصر، فقلت: إني أومئ أخاف أن يكون بيني و بينه ما إن أؤخر الصلاة فانطلقت أمشى و أنا أصلي أمشي إيماء نحوه، فلما دنوت منه قال:

من أنت؟ قلت: رجل من العرب، بلغني أنك تجمع لهذا الرجل فجئتك في ذاك، قال: إني لفي ذاك، فمشيت معه ساعة، حتى إذا أمكنني علوته بسيفي حتى برد.

و قال الواقدي [ (2)]- (رحمه اللَّه)-: حدثنا إسماعيل بن عبد اللَّه بن جبير، عن موسى بن جبير قال‏

بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي، ثم اللحياني، و كان نزل عرنة و ما حولها في ناس من قومه و غيرهم، فجمع الجموع لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و ضوى إليه بشر كثير من أفناء الناس، فدعا رسول‏

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 2/ 41- 42، كتاب الصلاة، باب (289) في صلاة، حديث رقم (1249)، قال ابن الأثير: و هو حديث حسن بشواهده. (جامع الأصول): 5/ 749، حديث رقم (4063).

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 531- 533.

313

اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد اللَّه بن أنيس، فبعثه سرية وحده إليه ليقتله، و قال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): انتسب إلى خزاعة فقال عبد اللَّه بن أنيس: يا رسول اللَّه ما أعرفه فصفه لي فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إنك إذا رأيته هبته و فرقت منه و ذكرت الشيطان، و كنت لا أهاب الرجال، فقلت يا رسول اللَّه: ما فرقت من شي‏ء قط، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بلى، آية بينك و بينه أن تجد له قشعريرة إذا رأيته، و استأذنت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أقول، فقال: قل ما بدا لك،

قال: فأخذت سيفي لم أزد عليه، و خرجت أعتزي إلى خزاعة، فأخذت على الطريق حتى انتهيت إلى قديد فأجد بها خزاعة كثيرا، فعرضوا علي الحملان و الصحابة، فلم أرد ذلك و خرجت حتى أتيت بطن سرف، ثم عدلت حتى خرجت على عرنة، و جعلت أخبر من لقيت أني أريد سفيان بن خالد لأكون معه، حتى إذا كنت ببطن عرنة لقيته يمشي، و وراءه الأحابيش و من استجلب و ضوى إليه فلما رأيته هبته، و عرفته بالنعت الّذي نعت لي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و رأيتني أقطر فقلت: صدق اللَّه و رسوله! و قد دخلت في وقت العصر حين رأيته، فصليت و أنا أمشي أومئ إيماء برأسي فلما دنوت منه قال: من الرجل؟ فقلت: رجل من خزاعة، سمعت بجمعك لمحمد فجئتك لأكون معك، قال: أجل أني لفي الجمع له، فمشيت معه، و حدثته فاستحلى حديثي، و أنشدته شعرا، و قلت: عجبا لما أحدث محمد من هذا الدين المحدث، فارق الآباء و سفه أحلامهم قال: لم يلق محمد أحد يشبهني! قال: و هو يتوكأ على عصى يهد الأرض حتى انتهى إلى خبائه، و تفرق عنه أصحابه إلى منازل قريبة منه و هم مطيفون به، فقال: هلم يا أخا خزاعة! فدونت منه لجاريته: احلبي! فحلبت، ثم ناولتني، فمصصت ثم دفعته إليه، فعب كما يعب الجمل حتى غاب أنفه في الرغوة، ثم قال:

اجلس، فجلست معه، حتى إذا هدأ الناس و ناموا و هدأ، اغتررته فقتلته و أخذت رأسه، ثم أقبلت و تركت نساءه يبكين عليه، و كان النجاء مني حتى صعدت في جبل فدخلت غارا، و أقبل الطلب من الخيل و الرجال توزع في كل وجه، و أنا مختف في غار الجبل، و ضربت العنكبوت على الغار، و أقبل رجل معه إداوة ضخمة و نعلاه في يده، و كنت حافيا، و كان أهم أمري عندي العطش، كنت أذكر تهامة و حرها، فوضع إداوته و نعله و جلس يبول على باب الغار، ثم قال‏

314

لأصحابه: ليس في الغار أحد، فانصرفوا راجعين،

و خرجت إلى الإداوة فشربت منها و أخذت النعلين فلبستهما، فكنت أسير الليل و أتوارى النهار حتى جئت المدينة فوجدت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في المسجد، فلما رآني قال: أفلح الوجه، قلت: أفلح وجهك يا رسول اللَّه! فوضعت رأسه بين يديه، و أخبرته خبري، فدفع إليّ عصا، فقال: تخصر بهذه في الجنة، فإن المتحضرين في الجنة قليل، فكانت عند عبد اللَّه بن أنيس حتى إذا حضره الموت أوصى أهله أن يدرجوها في كفنه، و كان قتله في المحرم على رأس أربعة و خمسين شهرا.

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحارث بن أبي ضرار بأمور فكانت كما أمره (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

قال ابن إسحاق [ (1)]: و حدثني محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: لم قسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له فكاتبته على نفسها، و كانت امرأة حلوة ملاحة، لا يراها أحد إلا أخذت بنفسه فأتت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فو اللَّه ما هو إلا أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها: و عرفت أنه سيرى منها (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما رأيت،

فدخلت عليه، فقالت: يا رسول اللَّه، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه و قد أصابني من البلاء، ما لم يخف عليك فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي فجئتك أستعينك على كتابتي، قال: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: و ما هو يا رسول اللَّه؟ قال:

أقضى عنك كتابتك و أتزوجك، قالت: نعم يا رسول اللَّه، قال: قد فعلت.

قالت: و خرج الخبر إلى الناس أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد تزوج جويرية ابنة الحارث بن أبي ضرار، فقال الناس: أصهار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أرسلوا ما

____________

[ (1)] (السيرة النبويّة لابن هشام): 4/ 257- 259.

315

بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مائة أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها.

قال ابن هشام: و يقال: لما انصرف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من غزوة بني المصطلق و معه جويرية بنت الحارث، و كان بذات الجيش دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، و أمره بالاحتفاظ بها، و قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المدينة فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار بفداء ابنته، فلما بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق،

ثم أتى إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال: يا محمد، أصبتم ابنتي، و هذا فداؤها، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق، في شعب كذا و كذا؟ فقال الحارث: أشهد أن لا إله إلا اللَّه، و أنك محمد رسول اللَّه فو اللَّه ما اطلع على ذلك إلا اللَّه،

فأسلم الحارث، و أسلم معه ابنان له، و ناس من قومه، و أرسل إلى البعيرين، فجاء بهما فدفع الإبل إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و دفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت، و حسن إسلامها، فخطبها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى أبيها فزوجه إياها، و أصدقها أربعمائة درهم.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)-: قد نقدمه في موضعه من هذا الكتاب الاختلاف في نكاح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جويرية هل هو بأداء ما كتبت عليه أو بغير ذلك.

316

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بموت منافق عند هبوب الريح فكان كما أخبر

فخرج الواقدي [ (1)]: في (مغازيه) عن عبيد اللَّه بن الهرير، عن أبيه، عن رافع بن خديج قال: لما رحنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بنا يومئذ و ليلتنا، ما أناخ منا رجل إلا لحاجته، أو لصلاة يصليها و أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يستحث راحلته، و يخلف بالسوط في مراقها حتى أصبحنا و مددنا يومنا حتى انتصف النهار، أو كرب، و لقد راح الناس و هم يتحدثون بمقالة ابن أبي، و ما كان منه، فما هو إلا أن أخذهم السهر و التعب بالمسير، فما نزلوا حتى ما يسمع لقول ابن أبي في أفواههم- يعنى ذكرا- إنما أسرع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالناس ليدعوا حديث ابن أبي، فلما نزلوا وجدوا مس الأرض وقعوا نياما، ثم راح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالناس مبردا، فنزل من الغد ماء، يقال له بقعاء فوق النقيع، و سرح الناس كله ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، و سألوا عنها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و خافوا أن يكون عيينة بن حصين خالف إلى المدينة، و قالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث! و إنما بالمدينة الذراري و الصبيان، و كانت بين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عيينة مدة، فكان ذلك حين انقضائها فدخلهم أشد الخوف،

فبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خوفهم فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ليس عليكم بأس منها ما بالمدينة من نقب إلا عليه ملك يحرسه و ما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها و لكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح و كان موته للمنافقين غيظا شديدا و هو زيد بن رفاعة بن التابوت مات ذلك اليوم.

فحدثني خارجة بن الحارث، عن عباس بن سهل، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار.

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 422- 423.

317

و قال جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي: من مات؟ فقالوا:

زيد ابن رفاعة بن التابوت و ذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو اللَّه فسكتت الريح.

و حدثني عبد الحميد بن جعفر، عن أبيه قال: قال عبادة بن الصامت- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يومئذ لابن أبي: أبا حباب، مات خليلك! قال: أي أخلائي؟ قال: من موته فتح الإسلام و أهله. قال من قال زيد بن رفاعة بن التابوت قال: يا ويلاه كان و اللَّه و كان! و كان فجعل يذكر، فقلت:

اعتصمت و اللَّه بالذنب الأبتر قال: من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ قلت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة، قال: فأسقط في يديه و انصرفت كئيبا حزينا، قال: و سكنت الريح آخر النهار فجمع الناس ظهورهم و قد ذكر هذه القصة موسى بن عقبة في (مغازيه) و محمد بن إسحاق بن يسار.

و خرّج البيهقيّ [ (1)] من طريق محمد بن إسحاق الثقفي، قال: حدثنا أبو كريب من حفص بن غياث، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب، فزعم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: بعثت هذه الريح لموت منافق، قال:

فقدم المدينة فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات،

و في رواية أبي معاوية قال:

هبت ريح شديدة و النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في بعض أسفاره فقال: هذه لموت منافق قال:

فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين‏

رواه مسلم [ (2)] في (الصحيحين)، عن أبي كريب.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 61.

[ (2)] (صحيح مسلم): 17/ 132، كتاب صفات المنافقين و أحكامهم، باب (50) حديث رقم (15).

318

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بموضع ناقته لما فقدت و إخباره بما قال المنافق في ذلك‏

فقال الواقدي [ (1)]: فحدثني عبد الحميد بن جعفر، عن ابن رومان، و محمد ابن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قالا: فقدت ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) القصواء من بين الإبل، فجعل المسلمون يطلبونها في كل وجه، فقال زيد بن اللصيت- و كان منافقا و هو في رفقة قوم من الأنصار، منهم عباد بن بشر بن وقش، و سلمة بن سلامة بن وقش، و أسيد بن حضير-، فقال: أين يذهب هؤلاء في وجه قالوا: يطلبون ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد ضلت، قال: أ فلا يخبره اللَّه بمكان ناقته؟ فأنكر القوم ذلك عليه فقالوا: قاتلك اللَّه يا عدو اللَّه، نافقت!.

ثم أقبل عليه أسيد بن حضير فقال: و اللَّه لو لا أني لا أدري ما يوافق رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من ذلك لأنفذت خصيتك بالرمح يا عدو اللَّه، فلما خرجت معنا و هذا في نفسك؟ قال: خرجت لأطلب من عرض الدنيا، و لعمري أن محمد ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة، يخبرنا عن أمر السماء، فوقعوا به جميعا و قالوا: و اللَّه، لا يكون منك سبيل أبدا و لا يظلنا و إياك ظل أبدا و لو علمنا ما في نفسك ما صحبتنا ساعة من نهار، ثم وثب هاربا منهزما منهم أن يقعوا به و نبذوا متاعه فعمد لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجلس معه فرارا من أصحابه متعوذا به و قد جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبر ما قال: من السماء.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و المنافق يسمع أن رجلا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: ألا يخبره بمكانها؟ فلعمري أن محمد ليخبرنا بأعظم من شأن الناقة! و لا يعلم الغيب إلا اللَّه و أن اللَّه- تعالى- قد أخبرني بمكانها و أنها في هذا الشعب مقابلكم، قد تعلق زمامها بشجرة، فأعمدوا عمدها فذهبوا فأتوا بها من حيث قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

فلما نظر المنافق إليها قام سريعا إلى رفقائه الذين كانوا معه، فإذا رحله منبوذ، و إذ هم جلوس لم يقم رجل من مجلسه، فقالوا له حين دنا: لا تدن منا!

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 423- 425.

319

قال: أكلمكم! فدنا فقال: أذكركم باللَّه، هل أتى أحدا فأخبره بالذي قلت؟

قالوا: لا و اللَّه و لا قمنا من مجلسنا هذا. قال: فإنّي قد وجدت عند القوم ما تكلمت به، و تكلم به رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أخبرهم بما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و إنه قد أتى بناقته و أني قد كنت في شك من شأن محمد فأشهد أنه رسول اللَّه، و اللَّه لكأنّي لم أسلم إلا اليوم قالوا له: فاذهب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يستغفر لك، فذهب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فاستغفر له و اعترف بذنبه، و يقال: أنه لم يزل فسلا حتى مات، و صنع مثل هذا في غزوة تبوك.

و قد ذكر قصة الناقة موسى بن عقبة بنحو بما تقدم و زاد فرعون أن ابن اللصيب.

و قال الحافظ أبو نعيم و قد ذكر فقد الناقة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في منصرفه من تبوك و ليس ببعيد وقوع الأمرين جميعا.

و أما نفث الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شجة عبد اللَّه بن أنيس فلم تقح‏

فقال الواقدي [ (1)] فحدثني ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحصين، عن أبي سفيان، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: كان أسير بن زارم رجلا شجاعا، فلما قتل أبو رافع أمرت يهود أشير بن زارم، فقام في اليهود فقال: أنه و اللَّه ما سار محمد إلى أحد من اليهود و إلا بعث أحدا من أصحابه فأصاب منهم ما أراد، و لكني أصنع ما لا يصنع أصحابي، فقالوا:

و ما عسيت أن تصنع ما لم يصنع أصحابك؟ قال: أسير في غطفان فأجمعهم.

فسار في غطفان فجمعها، ثم قال: يا معشر اليهود نسير إلى محمد في عقر داره فإنه لم يغز أحد في داره إلا أدرك منه عدوه بعض ما يريد قالوا: نعم ما رأيت فبلغ ذلك النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: و قدم عليه خارجة بن حسيل الأشجعي، فاستخبره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما وراءه فقال: تركت أسير بن زارم يسير إليك في‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 566- 568.

320

كتائب اليهود، قال ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: فندب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الناس، فانتدب له ثلاثون رجلا.

قال عبد اللَّه بن أنيس: فكنت فيهم: فاستعمل علينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد اللَّه بن رواحة: قال: فخرجنا حتى قدمنا خيبر فأرسلنا إلى عبد اللَّه بن رواحة:

قال: فخرجنا حتى قدمنا خيبر فأرسلنا إلى أسير: إنا آمنون حتى نأتيك فنعرض عليك ما جئنا له؟ فقال: نعم، ولي مثل ذلك منكم؟ قلنا: نعم، فدخلنا عليه، فقلنا: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعثنا إليك أن تخرج إليه فيستعملك على خيبر و يحسن إليك، فطمع في ذلك، و شاور اليهود فخالفوه في الخروج و قالوا: ما كان محمد يستعمل رجلا من بني إسرائيل، فقال: بلى، قد مللنا الحرب، قال: فخرج معه ثلاثون رجلا من اليهود مع كل رجل رديف من المسلمين، قال: فسرنا حتى إذا كنا بقرقرة ثبار ندم أسير حتى عرفنا الندامة فيه. قال عبد اللَّه بن أنيس: و أهوى بيده إلى سيفي ففطنت له، قال: فدفعت بعيري فقلت: غدرا أي عدو اللَّه! ثم تناومت فدنوت منه لأنظر ما يصنع، فتناول سيفي، فغمزت بعيري و قلت: هل من رجل ينزلق فيسوق بنا؟ فلم ينزل أحد، فنزلت عن بعيري فسقت بالقوم حتى أنفرد أسير، فضربته بالسيف فقطعت مؤخرة الرجل و أندرت عامة فخذه و ساقه، و سقط عن بعيره، و في يده مخرش من شوحط، فضربني فشجني مأمومة، و ملنا على أصحابه فقتلناهم كلهم غير رجل واحد أعجزنا شدا، و لم يصب من المسلمين أحد، ثم أقبلنا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)،

قال:

فبينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحدث أصحابه إذا قال لهم: تمشوا بنا إلى الثنية نتحسب من أصحابنا خبرا، فخرجوا معه، فلما أشرفوا على الثنية، فإذا هم بسرعان أصحابنا، قال: فجلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أصحابه، قال: و انتهينا إليه فحدثناه الحديث، فقال: نجاكم اللَّه من القوم الظالمين!.

قال عبد اللَّه بن أنيس: فدنوت إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فنفث في شجتي، فلم تقح بعد ذلك اليوم، و لم تؤذني، و قد كان العظم فل، و مسح على وجهي، و دعا لي، و قطع قطعة من عصاه فقال: أمسك هذا معك علامة بيني و بينك يوم القيامة أعرفك بها، فإنك تأتي يوم القيامة متحضرا، فلما دفن جعلت معه تلي جسده دون ثيابه.

321

قال: فحدثني خارجة بن الحارث، عن عطية بن عبد اللَّه بن أنيس، عن أبيه قال:

كنت أصلح قوسي، قال: فجئت فوجدت أصحابي قد وجهوا إلى أسير بن زارم، قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا أرى أسير بن زارم! أي أقتله،

قال: ثم بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد اللَّه بن عتيك في ثلاثين راكبا فيهم عبد اللَّه بن أنيس إلى أسير بن زارم اليهودي حتى أتوه بخيبر و بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأتوه فقالوا:

إنا أرسلنا إليك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا يخدعونه، حتى أقبل معهم في ثلاثين راكبا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قرقرة، و هي من خيبر على ستة أميال، ندم أسير بن زارم فأهوى بيده إلى السيف، سيف عبد اللَّه بن أنيس، ففطن له عبد اللَّه بن أنيس فزجر راحلته، و اقتحم عبد اللَّه بن أنيس حتى استمكن من أسير بن زارم في يده محرث من شوحط، فضرب عبد اللَّه بن أنيس فشجه شجة مأمومة [ (1)]، و انكفأ كل رجل من المسلمين إلى رديفه، فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدا، و لم يصب من المسلمين أحد، و قدموا على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فبصق في شجة عبد اللَّه بن أنيس، فلم تقح و لم تؤذه، هكذا ذكر ابن لهيعة أن المبعوث عبد اللَّه بن عتيك و خالفه ابن شهاب، و ابن إسحاق فقالا: عبد اللَّه بن رواحة، كما ذكر الواقدي.

____________

[ (1)] شجة مأمومة: أي بلغت أم الرأس.

322

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مسيره إلى الحديبيّة بأن قريشا لا ترى نيرانهم و إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بمجي‏ء أهل اليمن و بشقاوة الأعرابي فكان كما أخبر

فخرّج الحافظ أبو نعيم من حديث عبد اللَّه بن وهب قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام الحديبيّة حتى إذا كنا بعسفان قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أيكم يعرف ثنية ذات الحنضل، فإن عيون قريش على ضجنان و مر الظهران، فأخذنا حين أمسينا على جبال يقال لها:

سراوع، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إلا رجل يسعى أمام الركب، فنزل رجل فجعل تنكبه الحجارة، و تتعلق به الشجرة، فقال له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اركب، فركب، ثم قال لنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إلا رجل يسعى أمام الركب، فنزل رجل آخر تنكبه الحجارة و تعلق به الشجرة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): خذوا هاهنا، و أشار إلى ناحية فأصبنا الطريق، فسرنا حتى أتينا في آخر الليلة على عقبة ذات الحنظل فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): مثل هذه الثنية الليلة كمثل الباب الّذي قال اللَّه- عز و جل- لبني إسرائيل:

ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ‏

[ (1)] ما هبط أحد من الثنية الليلة إلا غفر له، فاطلعت في آخر الليل الناس التمس أخي قتادة بن النعمان بما سمعت من رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجعل الناس يركب بعضهم بعضا حتى وجدت أخي في آخر الناس، فلما هبطنا نزلنا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من كان معه ثقل [ (2)] فليصطنع قال أبو سعيد: رأينا الّذي معه ثقل [ (3)]، فقلت: يا رسول اللَّه عسى أن ترى قريش نيراننا، فقال: لن يروكم، فلما أصبحنا صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصبح، و صلينا معه، ثم قال: و الّذي نفسي بيده‏

____________

[ (1)] البقرة: 58.

[ (2)] الثّقل: الدقيق.

[ (3)] راجع التعليق السابق.

323

لقد غفر للركب الليلة أجمعين، إلا رويكبا واحدا، التقت عليه رحال القوم ليس منهم، فذهبنا ننظر، فإذا أعرابي بين ظهرانيّ القوم قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

يوشك أن يأتي قوم تحقرون أعمالهم مع أعمالهم، فقلنا: من هم يا رسول اللَّه، أ قريش؟ قال: لا، لكن أهل اليمن هم أرق أفئدة و ألين قلوبا، قلنا: أ هم خير منا يا رسول اللَّه؟ قال: لو كان لأحدكم جبل ذهب فأنفقه ما أدرك مدّ أحدهم و لا نصيفه، إلا أن هذا فصل ما بيننا و بين الناس‏

لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَ قاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَ قاتَلُوا وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى‏ وَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

[ (1)].

و خرّج الحاكم من حديث أبي عامر العقديّ، حدثنا قرة بن خالد، حدثنا أبو الزبير، عن جابر قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

من صعد ثنية المرار، فإنه يحط عمله ما حط عن بني إسرائيل، فكان أول من صعدها جبل بني الخزرج، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كلهم مغفور لهم، إلا صاحب الجمل الأحمر،

قال: فإذا هو أعرابي ينشد ضالة له، فقلنا: يستغفر لك رسول اللَّه، فقال: لأن أجد ضالتي أحب إليّ مما يستغفر لي صاحبكم، قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

و قال الواقدي في كتاب (المغازي) [ (2)]: قالوا:

فلما أمسى قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): تيامنوا في هذا العضل، فإن عيون قريش يمر بظهران، أو بضجنان، فأيكم يعرف ثنية ذات الحنظل؟ فقال بريدة بن الحصيب الأسلمي: أنا يا رسول اللَّه عالم بها، قال: اسلك أمامنا فأخذ به بريدة في العضل قبل جبال سراوع قبل المغرب، فسار قليلا تنكبه الحجارة، و تعلقه الشجر، و حار حتى كأنه لم يعرفها قط، قال: فو اللَّه إن كنت لأسلكها في الجمعة مرارا، فلما رآه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يتوجه، قال: اركب، فركبت، فقال (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من رجل يدلنا على طريق ذات الحنظل؟ فنزل حمزة بن عمرو الأسلمي فقال: أنا يا رسول اللَّه أدلك، فقال: انطلق امامنا، فانطلق عمرو أمامهم حتى نظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى‏

____________

[ (1)] الحديد: 10.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 583- 586.

324

الثنية فقال: هذه ثنية ذات الحنظل؟ فقال عمرو: نعم يا رسول اللَّه، فلما وقف به على رأسها تحدّر به، قال عمرو: و اللَّه إن كان لا يهمني نفسي وحدي إنما كانت مثل الشراك فاتسعت لي حتى برزت فكانت محجة لا حبة [ (1)]، و لقد كان النفر يسيرون تلك الليلة جميعا معطفين من سعتها يتحدثون، و أضاءت تلك الليلة حتى كأنا في قمر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و الّذي نفسي بيده ما مثل هذه الليلة إلا مثل الباب الّذي قال اللَّه- تعالى- لبني إسرائيل:

ادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَ قُولُوا حِطَّةٌ

قالوا: ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا يجوز هذا الثنية أحد إلا غفر له.

قال أبو سعيد الخدريّ:

و كان أخي لأمي قتادة بن النعمان في آخر الناس، فقال: فوقفت على الثنية فجعلت أقول للناس: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لا يجوز هذه الثنية هذه الليلة أحد إلا غفر له، فجعل الناس يسرعون حتى جاز أخي في آخر الناس، و فرقت أن يصبح قبل أن نجوز، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حين نزل:

من كان معه ثقل فليصطنع، قال أبو سعيد: و أينا معه ثقل، إنما كان عامة زادنا التمر، فقلنا: يا رسول اللَّه إنا نخاف من قريش أن ترانا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إنهم لن يروكم، إن اللَّه سيعينكم عليهم، فأوقدوا النيران، و اصطنع من أراد أن يصطنع، فلقد أوقدوا أكثر من خمسمائة نار، فلما أصبحنا صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصبح، ثم قال: و الّذي نفسي بيده لقد غفر اللَّه للركب أجمعين إلا رويكبا واحدا على جمل أحمر

التفت عليه رجال القوم ليس منهم، فطلب في العسكر و هو يظن أنه من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فإذا هو به ناحية إلى ذرى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل من بني ضمرة من أهل سيف البحر، فقيل السعيد: إنّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: كذا و كذا، قال سعيد: ويحك اذهب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يستغفر لك، قال: بعيري و اللَّه أهم [ (2)] إليّ من أن يستغفر لي و إذ هو قد أضلّ بعيرا له يتبع العسكر يتوصل بهم و يطلب بعيره و إنه لفي عسكركم فأدّوا إليّ بعيري، قال سعيد: تحوّل عني لا حياك اللَّه، ألا لا أرى قربي إلا

____________

[ (1)] لا حبة: واسعة.

[ (2)] في (الأصل): «أحب» و ما أثبتناه منن (المغازي).

325

داهية و ما أشعر به، فانطلق الأعرابي يطلب بعيره بعد أن استبرأ العسكر، فبينما هو في جبال سراوع، إذ زلقت نعله فتردى فمات، فما علم به حتى أكلته السباع [ (1)].

و حدثني هشام بن سعد [ (2)]، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدريّ قال: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إنه سيأتي قوم تحقرون أعمالكم مع أعمالهم، فقيل يا رسول اللَّه: قريش؟ قال: لا، و لكن أهل اليمن فإنّهم أرق أفئدة، و ألين قلوبا، قلنا: يا رسول اللَّه هم بخير منا؟ فقال بيده هكذا و يصف، و أخذ هشام في الصفة كأنه يقول: سواء إلا أن فضل ما بيننا و بين الناس‏

لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ‏

[ (3)].

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 2/ 586.

[ (2)] راجع التعليق السابق.

[ (3)] الحديد: 10.

326

و أما إجابة اللَّه تعالى دعاء الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بفتح خيبر

فروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني عبد اللَّه بن بكر بن حزم، عن بعض أسلم‏

أن بني سهم من أسلم أتوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بخيبر فقالوا:

و اللَّه يا رسول اللَّه لقد جهدنا و ما بأيدينا شي‏ء، فلم يجدوا عند رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شيئا يعطهم إياه، فقال: اللَّهمّ إنك قد عرفت حالهم و أن ليس بهم قوة، و أن ليس بيدي شي‏ء أعطيهم إياه فافتح عليهم أعظم حصونها عنهم غناء و أكثرها طعاما و ودكا، فغدا الناس، ففتح اللَّه عليهم حصن الصعب بن معاذ،

و ما بخيبر حصن كان أكثر منه طعاما و ودكا، فلما فتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حصونهم ما افتح، و حاز من الأموال ما حاز، انتهوا إلى حصنيهم الوطيح و السلالم، و كانا آخر حصون أهل خيبر افتتاحا، فحاصرهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بصنع عشرة ليلة [ (1)].

و قال الواقدي- (رحمه اللَّه)- و كان حصن الصعب بن معاذ في النطاة، و كان حصن اليهود فيه الطعام، و الودك، و الماشية، و المتاع، و كان فيه خمسمائة مقاتل، و كان الناس قد أقاموا أياما يقاتلون و ليس عندهم طعام إلا العلف. قال معتب الأسلمي: أصابنا معشر أسلم خصاصة حين قدمنا خيبر و أقمت عشرة أيام على حصن النطاة لا نفتح ساقيه طعام، فأجمعت أسلم أن يرسلوا أسماء بن حارثة فقالوا: ائت محمدا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقل: إن أسلم يقرئونك السلام، و يقولون: إنا قد جهدنا من الجوع و الضعف، فقال بريدة بن الحصيب: و اللَّه إن رأيت كاليوم قط أمرا بين العرب يصنعون منه هذا الخير، فقام هند بن حارثة فقال: إنا لنرجو أن تكون البعثة إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مفتاح خيبر،

فجاءه أسماء بن حارثة فقال: يا رسول اللَّه إن أسلم تقول: إنا قد جهدنا من الجوع و الضعف فادع اللَّه لنا، فدعا لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: و اللَّه ما بيدي ما أقريهم، ثم صاح بالناس فقال: اللَّهمّ افتح عليهم أعظم حصن فيه، أكثره طعاما، و أكثره ودكا، و دفع اللواء إلى الحباب بن المنذر بن الجموح‏

____________

[ (1)] (سيرة ابن هشام): 4/ 302- 303، افتتاح أعظم الحصون على بني سهم.

327

و ندب الناس فما رجعنا حتى فتح اللَّه علينا الحصن، حصن الصعب بن معاذ،

فقالت أم مطاع الأسلمية: و كانت قد شهدت خيبر مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في نساء، قالت: لقد رأيتهم حين شكوا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ما شكوا من شدة الحال فندب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنهضوا، فرأيت أسلم أول من انتهى إلى حصن الصعب بن معاذ و إن عليه لخمسمائة مقاتل فما غابت الشمس من ذلك اليوم حتى فتحه اللَّه، و كان عليه قتال شديد برز رجل من اليهود يقال له: يويشع يدعو إلى البراز فبرز إليه الحباب بن المنذر فاختلفا ضربتين فقتله الحباب،

و برز آخر يقال له:

الذيال فبرز له عمارة بن عقبة الغفاريّ فبدره الغفاريّ فيضربه ضربة على هامته [ (1)] و هو يقول: خذها و أنا الغلام الغفاريّ! فقال الناس: بطل جهاده، فبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: ما بأس به يؤجر و يحمد [ (2)].

____________

[ (1)] في (الأصل): «عاتقة» و ما أثبتناه من (المغازي).

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 658- 660.

328

و أما طول عمر أبي اليسر بدعاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فقال الواقدي [ (1)]:

و كان أبو اليسر يحدث أنهم حاصروا حصن الصعب بن معاذ ثلاثة أيام، و كان حصنا منيعا، و أقبلت غنم لرجل من اليهود ترتع وراء حصنهم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من رجل يطعمنا من هذه الغنم؟ فقلت: أنا يا رسول اللَّه، فخرجت أسعى مثل الظبي فلما نظر إليّ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) موليا قال:

اللَّهمّ متعنا به،

فأدركت الغنم و قد دخل أولها الحصن فأخذت شاتين من آخرها فاحتضنتهما تحت يدي، ثم أقبلت أعدو كأن ليس معي شي‏ء حتى أتيت بهما رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أمر بهما فذبحتا، ثم قسمهما فما بقي أحد من أهل العسكر الذين هم معه محاصرين الحصن إلا أكل منها، فقيل لأبي اليسر: و كم كانوا؟ قال:

كانوا عددا كبيرا، فيقال: أين بقية الناس؟ فيقول: بالرجيع في العسكر، فسمع أبو اليسر- و هو شيخ كبير- و هي يبكي في شي‏ء غاظه من بعض ولده فقال:

لعمري بقيت بعد أصحابي و متعوا بي، و ما أمتّع بهم،

لقول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

اللَّهمّ متعنا به،

فبقي فكان من آخرهم.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)- أبو اليسر كعب بن عمرو بن عباد بن عمر بن غزية بن سواد بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري السلمي شهد العقبة و بدرا و هو الّذي أسر العباس بن عبد المطلب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- يوم بدر مات سنة خمس و خمسين بالمدينة [ (2)].

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 660.

[ (2)] له ترجمة في: (الاستيعاب): 4/ 1776، ترجمة رقم (3221).

329

و أما رجيف الحصن بخيبر لما رماه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بكفّ من حصا

فقال الواقدي في (مغازيه) [ (1)]: فحدثني موسى بن عمر الحارثي، عن أبي عفير محمد بن سهل بن أبي حثمة قال: لما تحول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى الشق و به حصون ذوات عدد، فكان أول حصن بدأ به منها حصن أبيّ، فقام رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على قلعة يقال لها سموان، فقاتل عليها أهل الحصن قتالا شديدا، و خرج رجل من اليهود يقال له: غزّال فدعا إلى البراز فبرز له الحباب بن المنذر و اختلفا ضربات، ثم حمل الحباب عليه فقطع يده اليمنى من نصف الذراع، فوقع السيف من يد غزّال فكان أعزل.

فبادر راجعا منهزما إلى الحصن، و تبعه الحباب فقطع عرقوبه فوقع فذفّف عليه [ (2)]، فخرج آخر فصاح من يبارز؟ فبرز له رجل من المسلمين من آل جحش فقتل الجحشيّ و قام مكانه يدعو إلى البراز فبرز له أبو دجانة قد عصب رأسه بعصابة حمراء فوق المغفر يختال في مشيته، فبدره أبو دجانة فضربه فقطع رجليه، ثم ذفّف عليه و أخذ سلبه، درعه، و سيفه، فجاء به إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنفله رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذلك.

و أحجموا عن البراز، فكبر المسلمون ثم تحاملوا على الحصن فدخلوه، يقدمهم أبو دجانة، فوجدوا فيه أثاثا، و متاعا، و غنما، و طعاما، و هرب من كان فيه من المقاتلة و تقحموا الجدر كأنهم الظباء حتى صاروا إلى حصن النزار بالشق. و جعل يأتي من بقي من قلل النطاة إلى حصن البزار فعلقوه و امتنعوا فيه أشد الامتناع.

و زحف رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في أصحابه فقاتلهم فكانوا أشد أهل الشق رميا للمسلمين بالنبل و الحجارة و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) معهم، حتى أصابت النبل ثياب‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 667- 668.

[ (2)] فذفّف عليه: أجهز عليه حتى مات.

330

رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و علقت به، فأخذ النبل فجمعها، ثم أخذ لهم كفا من حصا، فحصب به حصنهم فرجف الحصن بهم، ثم ساخ في الأرض.

قال إبراهيم بن جعفر: استوى بالأرض حتى جاء المسلمون فأخذوه أهله أخذا و كانت فيه صفية بنت حيي و ابنة عمها و صبيات من حصن النزار [ (1)].

و أما ما صنعه اللَّه سبحانه و تعالى لرسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى فرت غطفان و تركت يهود خيبر

فذكر الواقديّ [ (2)] و غيره: أن كنانة بن أبي الحقيق، خرج من خيبر في ركب إلى غطفان يدعوهم إلى نصرهم، و لهم نصف تمر خيبر سنة، و ذلك أنه بلغهم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سار إليهم، قالوا: و كان رجل من بني مرة يكنى أبا شيم يقول: أنا في الجيش الذين كانوا مع عيينة من غطفان، أقبل: مدد اليهود، فنزلنا بخيبر و لم ندخل حصنا، فأرسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى عيينة بن حصن و هو رأس غطفان و قائدهم أن ارجع بمن معك، و لك نصف تمر خيبر هذه السنة، إن اللَّه و قد و عدني خيبر.

فقال عيينة: لست بمسلم حلفائي و جيراني، فأقمنا على ذلك مع عيينة إذ سمعنا صائحا لا ندري من السماء أو من الأرض: أهلكم، أهلكم بحيفاء [ (3)]- صيح ثلاثة- فإنكم قد خولفتم إليهم!!.

و قال الواقدي- (رحمه اللَّه)-: إنه لما سار كنانة بن أبي الحقيق فيهم، حلفوا معه و ارتأسهم عيينة بن حصن، و هم أربعة آلاف، فدخلوا مع اليهود في حصون النطاة قبل قدوم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بثلاثة أيام، فلما قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر أرسل إليهم سعد بن عبادة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و هم في‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 667- 668، و قلل: جمع قلة، و قله أعلاه، و في (البداية و النهاية): «و أخذ المسلمون كل شي‏ء أخذا باليد».

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 650- 652.

[ (3)] حيفاء أو حفياء: موضع قرب المدينة.

331

الحصن، فلما انتهى سعد إلى الحصن ناداهم: إني أريد إن أكلم عيينة بن حصن، فأراد عيينة أن يدخله الحصن، فقال مرحب: لا ندخله فيرى خلل حصننا، و يعرف نواحيه التي يؤتي منها و لكن تخرج إليه، فقال عيينة: و قد أحببت أن يدخل فيرى حصانته و يرى عددا كبيرا، فأبى مرحب أن يدخله، فخرج عيينة إلى باب الحصن.

فقال سعد: إن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أرسلني إليك يقول: إن اللَّه قد وعدني خيبر، فارجعوا، و كفوا فإن ظهرنا عليها فلكم تمر خيبر سنة،

فقال عيينة:

بلغه عني أنا و اللَّه ما كنا لنسلم حلفاءنا لشي‏ء، و إنا لنعلم ما لك، و لمن معك، بما ها هنا طاقة، هؤلاء قوم أهل حصون منيعة، و رجال عددهم كثير و سلاح، إن أقمت هلكت و من معك، و إن أردت القتال عجلوا عليك بالرجال و السلاح و لا و اللَّه، ما هؤلاء كقريش، قوم ساروا إليك، فإن أصابوا غرة منك فذاك الّذي أرادوا، و إلا انصرفوا، و هؤلاء قوم يماكرونك الحرب، و يطاولونك حتى تملهم.

فقال له سعد بن عباده: أشهد ليحضرنك في حصنك هذا حتى تطلب الّذي عبادة عرضنا عليك، فلا نعطيك إلا السيف، و لقد رأيت يا عيينة من قد حللنا بساحته من يهود يثرب، كيف مزقوا كل ممزق! فرجع سعد إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره بما قال، و قال سعد: يا رسول اللَّه إن اللَّه منجز لك ما وعدك، و مظهر دينه، فلا تعطه [ (1)] تمرة واحدة يا رسول اللَّه، لئن أخذه السيف ليسلمنهم و ليهربن إلى بلاده، كما فعل قبل ذلك اليوم في الخندق، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصحابه أن يوجهوا إلى حصنهم الّذي فيه غطفان، و ذلك عشية و هم في حصن ناعم.

فنادى منادي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن أصبحوا على رايتكم عند حصن ناعم الّذي فيه غطفان، قال: فرعبوا من ذلك يومهم و ليلتهم، فلما كان بعد هذه من تلك الليلة سمعوا صائحا يصيح، لا يدرون من السماء أو الأرض: يا معشر غطفان أهلكم، أهلكم، الغوث، الغوث بحيفاء صيح ثلاثة لا تربة و لا مال.

____________

[ (1)] كذا في (الأصل)، و في (المغازي): «فلا تعط هذا الأعرابي».

332

قال: فخرجت غطفان على الصعب و الذّلول، و كان أمرا صنعه اللَّه- عزّ و جل- لنبيه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فلما أصبحوا أخبر كنانة بن أبي التحقيق و هو في الكتيبة بانصرافهم، فسقط في يديه [ (1)]، و ذلّ، و أيقن بالهلكة و قال: كنا من هؤلاء الأعراب في باطل، إنا سرنا فيهم فوعدونا النصر، و غزوّنا، و لعمري لو لا ما وعدونا من نصرهم ما نابذنا محمدا بالحرب، و لم نحفظ كلام سلام بن أبي الحقيق إذ قال: لا تستنصروا بهؤلاء الأعراب أبدا فإنا قد بلوناهم، و جلبهم لنصر بني قريظة ثم غروهم، فلم نر عندهم وفاء لنا، و قد سار فيهم حييّ بن أخطب، و جعلوا يطلبون الصلح من محمد، ثم زحف محمّد إلى بني قريظة، و انكشفت غطفان راجعة إلى أهلها.

قالوا: فلما انتهى الغطفانيون إلى أهلهم بحيفاء، وجدوا أهلهم على حالهم، فقالوا: هل راعكم شي‏ء؟ قالوا: لا و اللَّه، فقالوا و لقد ظننا أنكم قد غنمتم، فما نرى معكم غنيمة و لا خيرا.

فقال عيينة لأصحابه: هذا و اللَّه من مكائد محمد و أصحابه خدعنا و اللَّه، فقال له الحارث بن عوف: بأي شي‏ء؟ قال عيينة: إنّا في حصن النطاة بعد هدأة [ (2)]، إذا سمعنا صائحا يصيح، لا ندري من السماء أو من الأرض! أهلكم، أهلكم بحيفاء، صيح ثلاثة فلا تربة، و لا مال.

فقال الحارث بن عوف: يا عيينة و اللَّه لقد غبرت أن انتفعت و اللَّه إن الّذي سمعت لمن السماء، و اللَّه ليظهرن محمد على من ناوأه، حتى لو ناوأته الجبال لأدرك منها ما أراد، فأقام عيينة أياما في أهله، ثم دعا أصحابه للخروج إلى نصر اليهود، فجاءه الحارث بن عوف، فقال: يا عيينة أطعني، و أقم في منزلك، و دع نصر اليهود، [محمد أحب إلينا من اليهود] مع أني لا أراك ترجع إلى خيبر، إلا و قد فتحها محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و لا آمن عليك، فأبى عيينة أن يقبل قوله، و قال: لا أسلم حلفائي لشي‏ء، و لما ولي عيينة إلى أهله، هجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الحصون حصنا حصنا، فلقد انتهى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى حصن‏

____________

[ (1)] سقط في يده: ندم و تحيّر و ذلّ.

[ (2)] الهدأة: أول الليل إلى ثلاثة.

333

ناعم و معه المسلمون، و حصون ناعم عدة، فرمت اليهود يومئذ بالنّبل، و ترّس أصحاب (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن رسول اللَّه، و على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يومئذ درعان و مغفر و بيضة و هو على فرس يقال له الظرب، في يده قناة و ترس، و أصحابه محدقون به، و قد كان دفع لواءه إلى رجل من أصحابه من المهاجرين فرجع و لم يصنع شيئا، ثم دفع إلى آخر فرجع و لم يصنع شيئا، و دفع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لواء الأنصار إلى رجل منهم، فخرج و رجع و لم يعمل شيئا، فحث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسلمين، و سالت كتائب اليهود، امامهم الحارث أبو زينب يقدم اليهود يهد الأرض هدّا، فأقبل صاحب راية الأنصار فلم يزل يسوقهم حتى انتهوا إلى الحصن فدخلوه، و خرج أسير اليهوديّ يقدم أصحابه معه عاديته، و كشف راية أصحاب الأنصار حتى انتهى إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في موقفه، و وجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في نفسه حدة شديدة، و قد ذكر لهم الّذي وعدهم اللَّه، فأمسى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مهموما، و قد كان سعد بن عبادة رجع مجروحا و جعل يستبطئ أصحابه، و جعل صاحب راية المهاجرين يستبطئ أصحابه و يقول: أنتم، و أنتم!

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إنّ اليهود جاءهم الشيطان فقال لهم: إنّ محمدا يقاتلكم على أموالكم! نادوهم: قولوا لا إله إلا اللَّه، ثم قد أحرزتم بذلك أموالكم و دماءكم، و حسابكم على اللَّه، فنادوهم بذلك فنادت اليهود: إنا لا نفعل و لا نترك عهد موسى و التوراة بيننا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبه اللَّه و رسوله، يفتح اللَّه على يديه، ليس بفرّار، أبشر يا محمد بن مسلمة غدا، إن شاء اللَّه يقتل قاتل أخيك و تولى عادية اليهود، فلما أصبح أرسل إلى عليّ بن أبي طالب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و هو أرمد، فقال: ما أبصر سهلا و لا جبلا. قال: فذهب إليه فقال: افتح عينيك. ففتحهما فتفل فيهما. قال عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: فما رمدت حتى الساعة، ثم دفع إليه اللواء، و دعا له و من معه من أصحابه بالنصر، فكان أول من خرج إليهم الحارث أخو مرحب في عاديته، فانكشف المسلمون و ثبت عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فاضطربا ضربات فقتل عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، و رجع أصحاب الحارث إلى الحصن فدخلوه و أغلقوا عليهم، فرجع المسلمون إلى موضعهم،

فخرج مرحب و هو يقول:

334

قد علمت خيبر أني مرحب* * * شاكي السلاح بطل مجرب‏

أضرب أحيانا و حينا أضرب

فحمل عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقطره على الباب و فتح الباب، و كان للحصن بابان.

و حدثني ابن أبي سبرة، عن خالد بن رباح، عن شيوخ من بني ساعدة قالوا: قتل أبو دجانة الحارث أبا زينب، و كان يومئذ معلما بعمامة حمراء، و الحارث معلم فوق مغفره، و ياسر و أسير و عامر معلمين.

قال و حدثني ابن أبي سبرة، عن إسحاق بن عبد اللَّه قال: لما نظر عيينة بن حصن إلى حصن الصعب بن معاذ، و المسلمون ينقلون منه الطعام، و العلف، و البرّ، قال: ما أحد يعلف لنا دوابنا و يطعمنا من هذا الطعام الضائع، فقد كان أهله عليه كراما، فشتمه المسلمون و قالوا: لك الّذي جعل لك رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذو الرقيبة فأمسكت [ (1)].

____________

[ (1)] شرح معنى «ذو الرقيبة»، في سياق الفقرة التالية.

335

و أما إعلام اللَّه سبحانه و تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما رآه عيينة بن حصن في منامه و بالصياح الّذي أنفره إلى أهله‏

فقال الواقدي في (مغازيه) [ (1)]: قالوا: و كان أبو شييم المزني- قد أسلم، فحسن إسلامه- يحدث بقول لما نفرنا أهلها بحيفاء مع عيينة، قدمنا عليهم و هم قارون هادئون لم يهجهم هائج، رجع بنا عيينة فلما كان دون خيبر بمكان يقال له الحطام عن عرّسنا من الليل ففزعنا.

فقال عيينة: أبشروا إني أرى الليلة في النوم، أني أعطيت ذا الرقيبة- جبلا بخيبر- قد و اللَّه أخذت برقبة محمد.

قال: فلما قدمنا خيبر قدم عيينة، فوجد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد فتح خيبر و غنمه اللَّه ما فيها، فقال عيينة: أعطنى يا محمد مما غنمت من حلفائي فإنّي انصرفت عن قتالك و خذلت حلفائي و لم أكثر عليك، و رجعت عنك بأربعة آلاف مقاتل، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كذبت، و لكن الصياح الّذي سمعت أنفرك إلى أهلك، قال: أجزني يا محمد، قال: لك ذو الرقيبة! قال عيينة: و ما ذو الرقيبة؟ قال: الجبل الّذي رأيته في النوم، أنك أخذته.

فانصرف عيينة فجعل يتدسس إلى اليهود و يقول: ما رأيت كاليوم أمرا، و اللَّه ما كنت أرى أحد يصيب محمدا غيركم، قلت: أهل الحصون و العدّة، و الثروة، أعطيتم بأيديكم و أنتم في هذه الحصون المنيعة، و هذا الطعام الكثير ما يوجد له آكل، و الماء الواتن، قالوا: قد أردنا الامتناع في قلعة الزبير، و لكن الدبول قطعت عنا، و كان الحر، فلم يكن لنا بقاء على العطش، قال: فقد وليتم من حصون الناعم منهزمين حتى صرتم إلى حصن قلعة الزبير، و جعل يسأل عمن قتل منهم فيخبر، قال: قتل و اللَّه أهل الجد و الجلد، لا نظام ليهود بالحجاز أبدا. و يسمع كلامه ثعلبة بن سلام بن أبي الحقيق و كانوا يقولون: إنه‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 675- 677.

336

ضعيف العقل مختلط، فقال: يا عيينة أنت غررتهم و خذلتهم و تركتهم و قتال محمد، و قبل ذلك ما صنعت ببني قريظة.

فقال عيينة: إن محمد كادنا في أهلنا فنفرنا إليهم حيث سمعنا الصريخ و نحن نظن أن محمدا قد خالف إليهم، فلم نر شيئا فكررنا إليكم لننصركم. قال ثعلبة: و من بقي تنصره، قد قتل من قتل، و بقي من بقي، فصار عبدا لمحمد و سبانا و قبض الأموال. قال: يقول رجل من غطفان لعيينة: لا أنت خلفاءك فلم يعدوا عليك حلفنا و لا أنت حيث و ليت، كنت أخذت تمر خيبر من محمد سنة، و اللَّه إني لأرى أمر محمد أمرا ظاهرا، ليظهر على من ناوأه فانصرف عيينة إلى أهله يفتل يديه، فلما رجع إلى أهله جاءه الحارث بن عوف فقال: أ لم أقل لك إنك توضع في غير شي‏ء، و اللَّه ليظهرن محمد على من بين المشرق و المغرب، اليهود كانوا يخبروننا هذا. أشهد لسمعت أبا رافع سلام بن أبي الحقيق يقول: إنا لنحسد محمدا على النبوة حيث خرجت مكن بني هارون و هو نبي مرسل، و اليهود لا تطاوعني على هذا، و لنا منه ذبحان: واحد بيثرب و آخر بخيبر قال الحارث: قلت لسلام: يملك الأرض جميعا؟ قال: نعم، و التوراة التي أنزلت على موسى بن عمران، و ما أحب أن تعلم يهود بقولي فيه.

و قال موسى بن عقبة عن ابن شهاب:

كانت بنو فزارة ممن قدم على أهل خيبر ليعينوهم، فراسلهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن لا يعينوهم، و سألهم أن يخرجوا عنهم و لكم من خيبر كذا و كذا، هنالك من بني فزارة فقالوا: أحطنا و الّذي وعدتنا، فقال: حطكم أو قال: لكم ذا الرقيبة جبل من جبال خيبر فقالوا: إذا نقاتلك، فقال: موعدكم حقا، فلما سمعوا ذلك خرجوا هاربين، و حقا ماء من مياه بني فزاره.

337

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن رجل كان يقاتل معه بخيبر أنه من أهل النار، فقتل نفسه و صار من أهل النار

فخرّج البخاريّ من حديث أبي غسان قال: حدثني أبو حازم، عن سهل بن سعد

أن رجلا من أعظم المسلمين غناء عن المسلمين في غزوة غزاها مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فنظر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إلى هذا، فأتبعه رجل من القوم و هو على تلك الحال من أشد الناس على المشركين حتى جرح فاستعجل الموت، فجعل ذبابة سيفه بين ثدييه حتى خرج من بين كتفيه، فأقبل الرجل إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مسرعا فقال: أشهد أنك رسول اللَّه، قال: و ما ذاك؟ قال: قلت لفلان: من أحب أن ينظر إلى رجل من أهل النار فلينظر إليه، و كان من أعظمنا غناء عن المسلمين، فعرفت أنه لا يموت على ذلك فلما جرح استعجل الموت فقتل نفسه فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عند ذلك: إن العبد ليعمل عمل أهل النار و إنه من أهل الجنة، و يعمل عمل أهل الجنة و إنه من أهل النار، و إنما الأعمال بالخواتيم.

ذكره في (القدر) [ (1)] و في كتاب (الرقاق) [ (2)].

و خرّج في كتاب (القدر) [ (3)] من حديث معمر، عن الزهريّ حدثنا سعيد ابن المسيب، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

شهدنا

____________

[ (1)] (فتح الباري): 11/ 610، كتاب القدر، باب (5) العمل بالخواتيم، حديث رقم (6607).

[ (2)] (المرجع السابق): كتاب الرقاق، باب (33) الأعمال بالخواتيم، و ما يخاف منها، حديث رقم (6493)، قال ابن بطال في تغييب خاتمة العمل عن العبد حكمة بالغة، و تدبير لطيف، لأنه لو علم و كان ناجيا أعجب و كسل، و إن كان هالكا ازداد عتوا، فحجب عنه ذلك ليكون بين الخوف و الرجاء. و قد روي الطبري عن حفص بن حميد قال: قلت لابن المبارك: رأيت رجلا قتل رجلا ظلما، فقلت في نفسي: أنا أفضل من هذا، فقال: أمنك على نفسك أشدّ من ذنبه.

قال الطبري: لأنه لا يدري ما يؤول إليه الأمر، لعل القاتل يتوب فتقبل توبته، و لعل الّذي أنكر عليه يختم له بخاتمة السوء- أعاذنا اللَّه منها-.

[ (3)] (المرجع السابق): كتاب القدر، باب (5) العمل بالخواتيم، حديث رقم (6606).

338

مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لرجل ممن معه يدعي الإسلام:

هذا من أهل النار، فلما حضر القتال قاتل الرجل من أشد القتال فكثرت به الجراح فأثبتته، فجاء رجل من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: يا رسول اللَّه، أ رأيت الّذي تحدثت أنه من أهل النار قاتل في سبيل اللَّه من أشد القتال فكثرت به الجراح فأثبتته، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أما إنه من أهل النار فكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينا هو على ذلك إذ وجد الرجل ألم الجراح، فأهوى بيده إلى كنانته فانتزع منها سهما فانتحر بها، فاشتد رجال من المسلمين إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالوا: يا رسول اللَّه، صدق اللَّه حديثك، قد انتحر فلان فقتل نفسه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا بلال قم فأذن: لا يدخل الجنة إلا مؤمن و إنّ اللَّه ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر.

و خرّجه في غزوة خيبر من حديث شعيب، عن الزهري أخبرني سعيد بن المسيّب أن أبا هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: شهدنا خيبر ... إلى آخره بنحو حديث معمر و قال فيه: الجراحة في الموضعين و قال:

فاستخرج منها سهما فنحر بها نفسه، و قال بعده تابعه معمر عن الزهري [ (1)].

و قال شبيب عن يونس، عن ابن شهاب أخبرني ابن المسيب و عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن كعب أنّ أبا هريرة قال: شهدنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حنينا و قال ابن المبارك: عن يونس، عن الزهريّ، عن سعيد، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تابعه صالح عن الزهريّ.

و قال الزبيدي: أخبرني الزهريّ أن عبيد الرحمن بن كعب أخبره أن عبيد اللَّه بن كعب قال: أخبرني من شهد مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر قال الزهريّ: و أخبرني عبيد اللَّه بن عبد اللَّه و سعيد عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (2)].

و خرّج مسلم حديث عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

شهدنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حنينا، فقال الرجل: ممن يدعي بالإسلام هذا من أهل‏

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 598، كتاب المغازي، باب (39)، غزوة خيبر، حديث رقم (4204).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (4205).

339

النار، فلما حضر القتال، قاتل الرجل قتالا شديدا، فأصابه جراحة، فقيل: يا رسول اللَّه الّذي قلت له آنفا أنه من أهل النار، فإنه قاتل اليوم قتالا شديدا، و قد مات، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إلى النار، فكاد بعض المسلمين يرتاب، فبينما هم على ذلك إذ قيل: فإنه لم يمت و لكن به جراحا شديدا، فلما كان من الليل لم يصبر على الجراح، فقتل نفسه فأخبر النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: اللَّه أكبر أشهد أني عبد اللَّه و رسوله، ثم أمر بلالا فنادى في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، و إن اللَّه يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر [ (1)].

و خرّجه البخاريّ من حديث شعيب، عن الزهريّ و معمر عن الزهريّ إلى آخره بنحوه و لم يذكر حنينا و لا قال: آنفا و قال: ليؤيده، ذكره في كتاب الجهاد [ (2)].

و خرّجا من حديث أبي حازم، عن سهل بن معبد الساعدي، أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) التقى هو و المشركون فاقتتلوا ... الحديث. و لم يذكر فيه بخيبر [ (3)].

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 2/ 482- 483، كتاب الإيمان، باب (47) غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه و إنّ من قتل نفسه بشي‏ء عذب به في النار، و أنه لا يدخل الجنة نفس مسلمة، حديث رقم (111).

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 220- 221، كتاب الجهاد و السير، باب (182) إن اللَّه يؤيد الدين بالرجل الفاجر، حديث رقم (3062).

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 2/ 484- 485، كتاب الإيمان، باب (47) غلظ تحريم قتل الإنسان نفسه و إن من قتل نفسه بشي‏ء عذب به في النار، و أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، حديث رقم (112).

340

و أما إطلاع اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ما غلّه من شهد خيبر معه‏

فخرّج مسلم [ (1)] و الترمذي [ (2)] من حديث عكرمة بن عمار قال: حدثني سماك الحنفي أبو زميل قال: حدثني عبد اللَّه بن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

لما كان يوم خيبر أقبل نفر من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالوا: فلان شهيد، فلان شهيد، حتى مروا على رجل فقالوا: فلان شهيد، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كلا إني رأيته في النار في بردة غلها أوفى عباءة، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا ابن الخطاب اذهب فناد في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، قال: فخرجت فناديت في الناس: ألا إنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون،

اللفظ لمسلم و هو أتم، ذكره في كتاب الإيمان، و قال الترمذيّ: هذا حديث حسن غريب صحيح.

و خرّج مسلم في كتاب الإيمان من حديث ابن وهب، عن مالك، عن ابن أنس عن ثور بن زيد الدؤليّ، و من حديث عبد العزيز بن محمد، عن ثور، عن سالم أبي الغيث، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

خرجنا مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى خيبر ففتح اللَّه علينا فلم نغنم ذهبا و لا ورقا، غنمنا المتاع، و الطعام، و الثياب، ثم انطلقنا إلى الوادي و مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد له وهبه له رجل من جذام يدعى رفاعة بن زيد من بني الضبيب فلما نزلنا الوادي قام عبد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يحل رحله فرمى بسهم فكان فيه حتفه، فقلنا: هنيئا له الشهادة يا رسول اللَّه، قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كلا و الّذي نفسي بيده إن الشملة لتلتهب عليه نارا أخذها من المغانم يوم خيبر لم تصبها المقاسم، قال: ففزع‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 2/ 487- 488، كتاب الإيمان، باب (48) غلظ تحريم الغلول، و أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، حديث رقم (114).

[ (2)]

(سنن الترمذي): 4/ 118، كتاب السير، باب (21) ما جاء في الغلول، حديث رقم (1574)، و فيه: «قم يا علي فناد».

341

الناس فجاء رجل بشراك، أو شراكين، فقال: يا رسول اللَّه أصبت يوم خيبر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): شراك من نار أو شراكان من نار [ (1)].

و خرّجه البخاريّ في كتاب الأيمان و النذور من حديث مالك، عن ثور بن زيد الدئلي، عن أبي الغيث مولى ابن مطيع، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم خيبر فلم نغنم ذهبا و لا فضة إلا الأموال، و الثياب، و المتاع، فأهدى رجل من بني الضبيب يقال له: رفاعة بن زيد غلاما يقال له مدعم، فوجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى وادي القرى، حتى إذا كان بوادي القرى، بينما مدعم بحط رحلا لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا سهم عائر فقتله، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كلا و الّذي نفسي بيده إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لم تصبها المقاسم لتشتعل عليه نارا، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: شراك من نار أو شراكان من نار [ (2)].

____________

[ (1)]

(مسلم بشرح النووي): 2/ 488- 489، كتاب الإيمان، باب (48) غلظ تحريم الغلول، و أنه لا يدخل الجنة إلا المؤمنون، حديث رقم (115).

و في الحديثين من الفوائد غلظ تحريم الغلول، و أنه لا فرق بين قليله و كثيره، حتى الشراك، و منها أن الغلول يمنع من إطلاق اسم الشهادة على من غلّ إذا قتل ... و منها أنه لا يدخل الجنة أحد ممن مات على الكفر، و هذا بإجماع المسلمين، و منها جواز الحلف باللَّه- تعالى- من غير ضرورة،

لقوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و الّذي نفس محمد بيده،

و منها أن من غلّ شيئا من الغنيمة يجب عليه رده، و أنه إذا رده يقبل منه، و لا يحرق متاعه، سواء رده أم لم يرده، فإنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لم يحرق متاع صاحب الشملة، و صاحب الشراك، و لو كان واجبا لفعله، و لو فعله لنقل. (شرح النووي).

[ (2)]

(فتح الباري): 11/ 725، كتاب الإيمان و النذور، باب (33) هل يدخل في الإيمان و النذور، الأرض و الغنم و الزرع و الأمتعة، و قال ابن عمر: قال عمر للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أصبت أرضا لم أصب مالا قط أنفس منه، قال: إن شئت حبسّت أصلها و تصدقت بها،

و قال أبو طلحة للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أحب أموالي إليّ بيرحاء لحائط له مستقبلة القبلة حديث رقم (6707)، و الشراك:

سير النعل.

342

و خرّجه أبو داود في الجهاد، عن مالك بهذا الإسناد، و خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام خيبر، فلم نغنم ذهبا و لا ورقا إلا الثياب و المتاع و الأموال قال:

فوجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نحو وادي القرى و قد أهدى لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبد أسود يقال له: مدعم، حتى إذا كانوا بوادي القرى فبينما مدعم يحط رحل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إذا جاءه سهم فقتله .. الحديث إلى آخره نحوه [ (1)].

و خرّج في كتاب الجهاد من حديث سفيان، عن عمرو عن سالم بن أبي الجعد، عن عبد اللَّه بن عمرو قال:

كان على ثقل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رجل يقال له:

كركرة فمات، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هو في النار، فذهبوا ينظرون إليه، فوجدوا عباءة قد غلّها [ (2)].

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 3/ 155، كتاب الجهاد باب (143) في تعظيم الغلول، حديث رقم (2711).

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 230، كتاب الجهاد و السير، باب (190) القليل من الغلول، و لم يذكر عبد اللَّه بن عمرو عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه حرّق متاعه، و هذا أصح، حديث رقم (3074)، و قال في آخره: قال أبو عبد اللَّه: قال ابن سلام: كركرة، يعني بفتح الكاف، و هو مضبوط هكذا.

قوله: «على ثقل»، بمثلثة و قاف مفتوحتين: العيال، و ما يثقل حمله من الأمتعة.

قوله: «كركرة»، ذكر الواقديّ أنه كان أسود يمسك دابة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في القتال، و روى أبو سعيد النيسابورىّ في (شرف المصطفى): أنه كان نوبيا أهداه له هوذة بن عليّ الحنفيّ صاحب اليمامة فأعتقه، و ذكر البلاذريّ أنه مات في الرق.

و اختلف في ضبطه في كافه الأولى، و أما الثانية فمكسورة اتفاقا، و قد أشار البخاريّ إلى الخلاف في ذلك بقوله في آخر الحديث: «قال ابن سلام: كركرة» قال، و أراد بذلك أن شيخه محمد بن سلام رواه عن ابن عيينة بهذا الإسناد بفتح الكاف، و صرح بذلك الأصيلي في روايته، فقال: يعني بفتح الكاف. و اللَّه- تعالى- أعلم.

قال عياض: هو للأكثر بالفتح في رواية عليّ، و بالكسر في رواية ابن سلام و عند الأصيلي بالكسر في الأول، و قال القابسيّ: لم يكن عند المروزي فيه ضبط إلا أني أعلم الأول خلاف الثاني.

343

و خرّج أبو داود [ (1)] و النسائي [ (2)] من حديث يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن أبي عمرة، عن زيد بن خالد الجهنيّ‏

أن رجلا من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) توفى يوم خيبر فذكروا ذلك لرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: صلوا على صاحبكم فتغيرت وجوه الناس لذلك فقال: إن صاحبكم غلّ في سبيل اللَّه ففتشنا متاعه فوجدنا خرزا من خرز يهود لا يساوي درهمين،

اللفظ لأبي داود، و خرّجه ابن الجارود به بنحوه.

و قال الواقدي في غزاة خيبر [ (3)]:

و كان رجل أسود مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يمسك دابته عند القتال فقال له: كركرة فقتل يومئذ، فقيل يا رسول اللَّه استشهد كركر فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إنه الآن ليحرق في النار على شملة غلها، فقال رجل من القوم: يا رسول اللَّه أخذت شراكين يوم كذا و كذا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

شراكان من نار، و توفى يومئذ رجل من أشجع و إنهم ذكروه لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: صلوا على صاحبكم، فتغيرت وجوه الناس لذلك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

إن صاحبكم غلّ في سبيل اللَّه، قال زيد بن خالد الجهنيّ: ففتشنا متاعه، فوجدنا خرزا من خرز اليهود لا يسوى درهمين.

و قال في غزوة وادي القرى [ (4)]، و كان أبو هريرة [يحدث‏] [ (5)] قال:

خرجنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من خيبر إلى وادي القرى، و كان رفاعة بن زيد بن‏

____________

[ ()] و في الحديث تحريم قليل الغلول و كثيره، و قوله: «هو في النار»، أي يعذب على معصيته أو المراد هو في النار إن لم يعف اللَّه عنه.

[ (1)] (سنن أبي داود): 3/ 155، كتاب الجهاد، باب (143) في تعظيم الغلول، حديث رقم (2710)، و أخرجه ابن ماجة في الجهاد، باب الغلول، حديث رقم (2848).

[ (2)] (سنن النسائي): 4/ 366، كتاب الجنائز، باب (66) الصلاة على من غلّ، حديث رقم (1958). قال الحافظ السندي: «غل»: أي خان في الغنيمة قبل القسمة، «ما يساوي درهمين»:

أي قدرا يساوي درهمين، أو كلمة «ما» نافية. (حاشية السندي على سنن النسائي).

[ (3)] (مغازي الواقدي): 2/ 681.

[ (4)] (مغازي الواقدي): 2/ 709- 710.

[ (5)] زيادة للسياق من (المغازي).

344

وهب الجذاميّ قد وهب لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عبدا أسود يقال له: مدعم، و كان يرحل لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فلما نزلوا بوادي القرى انتهينا إلى اليهود و قد ضوى إليها أناس من العرب فبينما مدعم يحط رحل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قد استقبلتنا اليهود بالرمي حيث نزلنا، و لم يكن على تعبئة و هم يصيحون في آطامهم، فيقبل سهم عائر [ (1)]

فأصاب مدعما فقتله، فقال الناس: هنيئا لك الجنة، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كلا و الّذي نفسي بيده، إن الشملة التي أخذها يوم خيبر من المغانم لتشتعل عليه نارا فلما سمع بذلك الناس جاء رجل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بشراك أو بشراكين فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): شراك [ (2)] من نار، أو شراكان من نار.

و قال في غزوة حنين [ (3)]:

[أن رجلا] قاتل قتالا شديدا حتى اشتد به الجراح فذكر للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: من أهل النار، فارتاب المسلمون في ذلك، و وقع في أنفسهم ما اللَّه به عليهم، فلما اشتدّ به الجراح أخذ مشقصا [ (4)] من كنانته فانتحر به، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بلالا ينادي: ألا لا يدخل الجنة إلا مؤمن، و إن اللَّه يؤيد الدين بالرجل الفاجر.

قال المؤلف- (رحمه اللَّه)-: فدخل الواقدي- (رحمه اللَّه)- بما ذكر وجه البيان بأن الغالين أربعة:

أحدهم: الّذي نحر نفسه من شدة ألم الجراحة بحنين.

و الثاني: الّذي لم يصلّ عليه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما مات بخيبر و هو رجل من أشجع.

و الثالث: كركرة قتل بخيبر.

و الرابع: مدعم قتل بوادي القرى.

____________

[ (1)] العائر من السهام: ما لا يدري راميه.

[ (2)] الشراك أحد سيور النعل التي تكون على وجهها.

[ (3)] (مغازي الواقدي): 3/ 917.

[ (4)] المشقص من النصال: ما طال و عرض.

345

و أما نطق ذراع الشاة المسمومة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تخبره بما فيها من السم‏

فخرّج الحاكم [ (1)] من حديث أبي قلابة الرقاشيّ، حدثنا أبو عتّاب سهل بن حماد، عن عبد الملك بن أبي نضرة، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدريّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

أن يهودية أهدت شاة إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سميطا، فلما بسط القوم أيديهم قال لهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كفوا أيديكم، فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة قال: فأرسل إلى صاحبتها: أسممت طعامك هذا؟ قالت: نعم، أحببت إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك، و إن كنت صادقا علمت أن اللَّه سيطلعك عليه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «اذكروا اسم اللَّه و كلوا، فأكلنا، فلم يضر أحدا منا شيئا»

قال: هذا حديث صحيح [الإسناد و لم يخرجاه‏] [ (2)].

و خرّج البيهقيّ [ (3)] من حديث عبد الملك بن أبي نضرة، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

أن يهودية أهدت إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إما شاة مسمومة و إما برقا مسموطا مسموما، فلما قربته إليه و بسط القوم أيديهم، قال: أمسكوا، فإن عضوا من أعضائها يخبرني أنها مسمومة، فدعا صاحبتها فقال: أسممت هذا؟ قالت: نعم، قال: ما حملك عليه؟ قالت: أحببت إن كنت كاذبا أن أريح الناس منك، و إن كنت رسولا أنك ستطلع عليه، فلم يعاقبها.

و من طريق عبد الرزاق عن معمر، عن الزهريّ، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك‏

أن امرأة يهودية أهدت إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شاة مصلية بخيبر فقال: ما

____________

[ (1)] (المستدرك): 4/ 122، كتاب الأطعمة، حديث رقم (7090)، و قال حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه، و قال الحافظ الذهبيّ في (التلخيص): صحيح.

[ (2)] زيادة للسياق من (المستدرك).

[ (3)] (دلائل البيهقي): 4/ 260، باب ما جاء في الشاة التي سممت للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بخيبر، و ما ظهر في ذلك من عصمة اللَّه جلّ ثناؤه و رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن ضرر ما أكل منه حتى بلغ فيه أمره، و إخبار ذراعها إياه بذلك حتى أمسك عن البقية.

346

هذه؟ قالت: هدية، و حذرت أن تقول من الصدقة فلا يأكل، قال: فأكل النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أكل أصحابه، ثم قال: أمسكوا، ثم قال للمرأة: هل سممت هذه الشاة؟

قالت: من أخبرك هذا؟ قال: هذا العظم لساقها، و هو في يده، قالت: نعم، [قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):] لم، قالت: أردت إن كنت كاذبا أن يستريح الناس منك، و إن كنت نبيا لم يضرك، قال: فاحتجم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الكاهل و أمر أصحابه فاحتجموا، فمات بعضهم، قال الزهريّ: فأسلمت، فتركها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، قال معمر: و أما الناس فيقولون قتلها النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [ (1)].

قال البيهقيّ: هذا مرسل و يحتمل أن يكون عبد الرحمن حمله، عن جابر بن عبد اللَّه- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- [ (2)].

و خرّج أبو داود من طريق ابن وهب قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب قال:

كان جابر بن عبد اللَّه يحدث أن يهودية من أهل خيبر سممت شاة مصلية، ثم أهدتها لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الذراع فأكل منها، و أكل رهط من أصحابه معه، ثم قال لهم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ارفعوا أيديكم، و أرسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى اليهودية، فدعاها، فقال: أسممت هذه الشاة؟ قالت اليهودية: من أخبرك، قال: أخبرتني هذه التي في يدي للذراع، قالت: نعم، قال: فما أردت إلى ذلك؟ قالت: قلت إن كان نبيا فلم يضره [شيئا] [ (3)]، و إن لم يكن نبيا استرحنا منه، فعفا عنها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لم يعاقبها، و توفى بعض أصحابه الذين أكلوا من الشاة و احتجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على كاهله من أجل الّذي أكل من الشاة، حجمه أبو هند بالقرن و الشفرة، و هو مولى لبني بياضة من الأنصار [ (4)].

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 260- 261، و ما بين الحاصرتين زيادة للبيان.

[ (2)] (المرجع السابق): 262.

[ (3)] زيادة في (الأصل): فقط.

[ (4)] (سنن أبي داود): 4/ 648- 649، كتاب الديات، باب (6) فيمن سقى رجلا سما أو أطعمة فمات، أ يقاد منه؟ حديث رقم (4510)، و هو حديث منقطع، الزهريّ لم يسمع من جابر.

347

و من طريق وهب بن بقية قال: حدثنا خالد عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أهدت له يهودية شاة مصلية بخيبر، نحو حديث جابر قال: فمات بشر بن البراء بن معرور، فأرسل إلى اليهودية، [و قال لها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):] ما حملك على الّذي صنعت فذكر نحو حديث جابر، فأمر بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقتلت. و لم يذكر أمر الحجامة [ (1)].

قال البيهقيّ: و رويناه عن حماد بن سلمة، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة و يحتمل أنه لم يقتلها [في الابتداء]، ثم لما مات‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (4511)، و ما بين الحاصرتين زيادة للبيان.

و قد اختلف الناس فيما يجب على من جعل في طعام رجل سما فأكله فمات، فقال مالك بن أنس: عليه القود، و أوجب الشافعيّ- في أحد قوليه- القود إذا جعل في طعامه سما و أطعمه إياه، أو في شرابه فسقاه و لم يعلمه أن فيه سما. قال الشافعيّ: و إن خلط بطعام سما فوضعه و لم يقل له فأكله أو شربه فمات فلا قود عليه.

قال الخطابيّ: و الأصل أن المباشرة و السبب إذا اجتمعا كان حكم المباشرة مقدما على السبب، كحافر البئر و الدافع إليها.

فأما إذا استكرهه على شرب السم فعليه القود في مذهب الشافعيّ و مالك، و عن أبي حنيفة: إن سقاه السمّ فمات: لم يقتل به، و إن أوجره إيجارا كان على عاقلته الدية.

ثم إنه ليس في هذا الحديث أكثر من أن اليهودية أهدتها لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأن بعثت بها، فصارت ملكا له، و صار أصحابه أضيافا له، و لم تكن هي التي قدّمتها إليهم و إليه، و ما هذا سبيله فالقود فيه ساقط، لما ذكرنا من علة المباشرة و تقديمها على السبب.

و في الحديث دليل على إباحة أكل طعام أهل الكتاب، و جواز مبايعتهم و معاملتهم مع إمكان أن يكون في أموالهم الربا و نحوه من الشبهة.

و فيه حجة لمن ذهب إلى أن الهدية توجب العوض، و ذلك أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لا يقبل الهدية من يهودية إلا من حيث يرى فيها التعويض، فيكون ذلك عنده بمنزلة المعاوضة بعقد البيع. و اللَّه- تعالى- أعلم. (معالم السنن).

348

بشر بن البراء أمر بقتلها، و قال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود عن عروة بن الزبير [ (1)].

و قال إسماعيل بن إبراهيم عن عمه موسى بن عقبة و قال محمد بن فليح:

حدثنا عقبة عن ابن شهاب قال: لما فتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر و قتل من قتل منهم أهدت زينب بنت الحارث اليهودية و هي ابنة أخي مرحب لصفية شاة مصلية و سممتها، و أكثرت في الكتف و الذراع لأنه بلغها أنه أحب أعضاء الشاة إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فدخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على صفية و معه بشر بن البراء بن معرور أخو بني سلمة، فقدمت إليهم الشاة المصلية، فتناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الكتف و انتهش منها، و تناول بشر بن البراء عضوا فانتهش منه، فلما استرطها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) استرط بشر بن البراء ما في فيه،

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أرفعوا أيديكم فإن كتف هذه الشاة تخبرني أن قد بغيت فيها،

فقال بشر بن البراء:

و الّذي أكرمك لقد وجدت ذلك في أكلتي التي أكلت فما منعني أن ألفظها إلا أني أعظمت أن أنغصك طعامك، فلما أسغت ما في فيك، لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، و رجوت أن لا تكون استرطتها و فيها بغي، فلم يقم بشر من مكانه حتى عاد لونه مثل الطيلسان، و ماطله وجعه حتى كان لا يتحول إلا ما حول [ (2)].

[قال جابر]: و في رواية ابن فليح عن موسى، قال الزهري: قال جابر بن عبد اللَّه: و احتجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على الكاهل يومئذ حجمه مولى بني بياضه بالقون و الشفرة و بقي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعده ثلاث سنين حتى كان وجعه الّذي توفى فيه فقال: ما زلت أجد من الأكلة التي أكلت من الشاة يوم خيبر عدادا حتى كان هذا أوان انقطع الأبهر مني فتوفى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شهيدا [ (3)].

و قد ذكر ابن إسحاق [ (4)] و الواقدي قصة سم الشاة، و سياق الواقدي أنه قال في (مغازيه) [ (5)]: لما فتح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خيبر و اطمأن جعلت زينب ابنة

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 262- 263.

[ (2)] (المرجع السابق): 263- 264.

[ (3)] (المرجع السابق): 264- و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

[ (4)] (سيرة ابن هشام): 4/ 308- 309، قصة الشاة المسمومة، و موته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شهيدا.

[ (5)] (مغازي الواقدي): 2/ 677- 678.

349

الحارث اليهودية تسأل: أي الشاة أحب إلى محمد؟ فيقولون: الذراع و الكتف، فعمدت إلى عنز لها فذبحتها، ثم عمدت إلى سم لا بطيّ، قد شاورت اليهود في سموم فأجمعوا لها على هذا السم بعينه، فسمت الشاة و أكثرت في الذراعين و الكتفين، فلما غابت الشمس صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المغرب و انصرف إلى منزله، وجد زينب جالسة عند رحله فيسأل عنها فقالت: أبا القاسم، هدية أهديتها لك، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يأكل الهدية و لا يأكل الصدقة، فأمر (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالهدية فقبضت منها و وضعت بين يديه،

ثم قال لأصحابه و هم حضور أو من حضر منهم: ادنوا فتعشوا، فدنوا فقمدوا أيديهم، و تناول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الذراع و تناول بشر بن البراء عظما فانتهش رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منها نهشا و انتهش بشر، فلما ازدرد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ازدرد بشر.

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ضعوا أيديكم فإن هذه الذراع تخبره أنها مسمومة،

فقال بشر بن البراء: قد و اللَّه يا رسول اللَّه وجدت ذلك من أكلتي التي أكلتها، فما منعني أن ألفظها إلا كراهية أن أنغص إليك طعامك، فلما تسوغت ما في يدك، لم أرغب بنفسي عن نفسك، و رجوت أن لا تكون ازدرتها و فيها بغى، فلم يرم بشر من مكانه حتى عاد لونه كالطيلسان و ماطله وجعه سنة لا يتحول إلا ما حوّل، ثم مات منه، و يقال: لم يرم مكانه حتى مات.

و عاش رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بعد ذلك ثلاث سنين، و

دعا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بزينب، فقال: سمعت الذراع؟ فقالت: من أخبرك؟ قال: الذراع، قالت: نعم، [قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):] و ما حملك على ذلك؟ قالت: قتلت أبي، و عمي، و زوجي، و نلت من قومي ما نلت، فقلت: إن كان نبيا فستخبره الشاة بما صنعت، و إن كان ملكا استرحنا منه.

فاختلف علينا فيها، فقال قائل: أمر بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقتلت، ثم صلبت، و قال قائل: عفى عنها، و كان نفر ثلاثة قد وضعوا أيديهم في الطعام و لم يسيغوا منه شيئا، فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أصحابه فاحتجموا أوساط رءوسهم‏

350

من الشاة، و احتجم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تحت كتفه اليسرى، و يقال: احتجم على كاهله، حجمه أبو هند بالقرن و الشفرة.

قالوا: فكانت أم بشر بن البراء تقول:

دخلت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في مرضه الّذي مات فيه و هو محموم فمسسته فقلت: ما وجدت مثل [ما] وعك عليك على أحد، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): كما يضاعف لنا الأجر كذلك يضاعف لنا البلاء، زعم الناس أن برسول اللَّه ذات الجنب، ما كان اللَّه ليسلطها عليّ، إنما هي همزة من الشيطان و لكنه من الأكلة الّذي أكلت أنا و ابنك يوم خيبر، ما زال يصيبني منها عداد [ (1)] حتى كان هذا أوان انقطاع أبهري [ (2)]، فمات رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) شهيدا.

و يقال: إن الّذي مات من الشاة مبشر بن البراء، و بشر أثبت عندنا، و هو المجتمع عليه.

قال الواقدي: سألت إبراهيم بن جعفر عن قول زينب ابنة الحارث قتلت أبي؟ قال: قتل يوم خيبر أبوها الحارث و عمها يسار، و كان أجبن الناس، و كان الحارث أشجع اليهود، و أخوها زبير قتل يومئذ و كان زوجها سيدهم و أشجعهم سلام بن مشكم، كان مريضا، فقتل و هو مريض، و هو أبو الحكم كان صاحب حربهم، و لكن اللَّه شغله بالمرض [ (3)].

____________

[ (1)] العداد: اهتياج وجع اللديغ، و ذلك إذا تمت له سنة من يوم لدغ هاج به الألم.

[ (2)] الأبهر: العرق المعلق بالقلب.

[ (3)] (المرجع السابق): 678- 679.

351

و أما أن الأرض أبت أن تقبل ميتا قتل موحّدا

روى محمد بن أبي عتيق و موسى بن عقبة و شعيب، عن ابن شهاب الزهريّ قال: حدثنا عبد اللَّه بن موهب، عن قبيصة بن ذؤيب قال:

أغار رجل من أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على سرية من المشركين فانهزمت، فغشى رجل من المسلمين رجلا من المشركين و هو منهزم فلما أراد أن يعلوه بالسيف قال: لا إله إلا اللَّه، فلم ينزع عنه حتى قتله، ثم وجد في نفسه من قتله، فذكر حديثه لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): فهل لا نقبت عن قلبه؟ يريد أن يعبر عن القلب اللسان، فلم يلبثوا إلا قليلا حتى توفى ذلك الرجل القاتل، فأصبح على وجه الأرض فجاء أهله فحدثوا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: ادفنوه، فدفنوه، فأصبح على وجه الأرض، فجاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فحدثوه ذلك، فقال:

إن الأرض قد أبت أن تقبله فاطرحوه في غار من الغيران.

و روى يونس بن بكير عن البراء بن عبد اللَّه، عن الحسن قال:

بلغنا أن رجلا كان على عهد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قتال المشركين، فذكر معنى ما ذكر قبيصة، يزيد و ينقص، و مما زاد، قال: فأنزل اللَّه فيه:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً

، فبلغنا أن الرجل مات فقيل: يا رسول اللَّه مات فلان فدفناه، فأصبحت الأرض قد لفظته، ثم دفناه فلفظته، فقال: أما إنها تقبل من هو شر منه و لكن اللَّه- عز و جل- أراد أن يجعله موعظة لكم لكي لا يقدم رجل على قتل من يشهد أن لا إله إلا اللَّه و يقول: إني مسلم، اذهبوا به إلى شعب بني فلان فادفنوه، فإن الأرض ستقبله، فدفنوه في ذلك الشعب،

ذكر ذلك البيهقيّ [ (1)]- رحمة اللَّه عليه.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقيّ): 4/ 310، باب ذكر الرجل الّذي قتل رجلا بعد ما شهد بالحق، ثم مات فلم تقبله الأرض، و ما ظهر في ذلك من آثار

352

و قال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا أبو خالد، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد اللَّه بن قسيط، عن القعقاع بن عبد اللَّه بن أبي حدرد الأسلمي، عن أبيه قال:

بعثنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في سرية إلى إضم، فلقينا عامر بن الأضبط فحيانا بتحية الإسلام، فحمل عليه المحلم بن جثامة فقتله و سلبه، فلما قدمنا جئنا بسلبة إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبرناه، فنزلت:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَ لا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقى‏ إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً

[ (1)] .. الآية.

و قال في غزوة حنين: قالوا: و صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الظهر يوما بحنين، ثم تنحى إلى [ظل‏] شجرة فجلس إليها فقام عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي و هو يومئذ سيد قيس و معه الأقرع بن حابس يدفع عن محلم ابن جثامة لمكان خندف، فاختصما بين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و عيينة، يقول: يا رسول اللَّه، لا و اللَّه لا أدعه حتى أدخل على نسائه من الحرب و الحزن ما أدخل على نسائي، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): تأخذ الدية؟ فأبى عيينة حتى ارتفعت الأصوات و كثر اللغط إلى أن قام رجل من بني ليث يقال له: مكيتل قصد مجتمع، عليه سلة كاملة و ذرقة في يده، فقال: يا رسول اللَّه إني لم أجد لهذا القتيل شبها غرة الإسلام إلا كغنم وردت فرميت أولاها فنفرت أخراها، أسنن اليوم و غير غدا [ (2)]، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): هل لكم أن تأخذوا خمسين بعيرا الآن و خمسين إذا رجعنا

____________

[ (1)] النساء: 94، و اختلف في اسم القاتل و المقتول، بعد الاتفاق على أن ذلك كان في سرية،

فروى ابن القاسم عن مالك: أن القاتل أسامة بن زيد، و المقتول مرداس بن نهيك الفزاري من أهل

فدك، و في سيرة ابن إسحاق: أن القاتل محلم بن جثامة، و المقتول عامر بن الأضبط.

و قيل: القاتل أبو قتادة، و قيل: أبو الدرداء، و أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و بخ القاتل، و قال له: فهلا شققت عن بطنه فعلمت ما في قلبه.

و مخاطبتهم ب- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تلوح إلى أن الباعث على قتل من أظهر الإسلام منهيّ عنه، و لو كان قصد القاتل الحرص على تحقيق وصف الإيمان ثابت للمقتول، فإن هذا التحقيق غير

مراد للشريعة، و قد ناطت صفة الإسلام بقول: «لا إله إلا اللَّه محمد رسول اللَّه»، أو بتحية الإسلام و هي: «السلام عليكم» (تفسير التحرير و التنوير): 4/ 167.

[ (2)] أسن اليوم و غيّر غدا: يريد احكم لنا اليوم بالدم، و احكم غدا بالدية لمن شئت.