إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال و الأموال و الحفدة و المتاع‏ - ج13

- تقي الدين المقريزي‏ المزيد...
391 /
353

إلى المدينة؟ فلم يزل بهم حتى رضوا بالدية، قال قوم محلّم: ائتوا به حتى يستغفر له رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجاء رجل طوال ضرب للحم في حلة قد تهيأ فيها للقتل، فقام بين يدي النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اللَّهمّ لا تغفر لمحلم، قالها ثلاثا فقام و إنه ليتلقى دموعه بطرف ثوبه.

قال محمد بن إسحاق: زعم قومه أنه استغفر له بعد كذا في كتابي عن ابن حدرد، عن أبيه، و قيل: عن حجاج بن منهال عن حماد في هذا الإسناد عن أبي حدرد عن أبيه [ (1)].

عن عبد الرحمن بن الحارث، عن الحسن البصري قال: لما مات محلم بن جثامة دفنه قومه فلفظته الأرض، ثم دفنوه فلفظته الأرض، ثم دفنوه فلفظته الأرض، فطرحوه بين قزحين فأكلته السباع.

و ذكر الطبري عن نافع، عن ابن عمر أن محلم بن جثامة مات في حياة النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فدفنوه، فلفظته الأرض مرة بعد أخرى، فأمر به فألقى به بين جبلين، و ألقيت عليه حجارة، قال ابن عبد البر: و قال مثل ذلك أيضا قتادة.

و روى‏

أنه مات بعد سبعة أيام و دفنوه فلفظته الأرض، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إن الأرض لتقبل من هو شرّ منه و لكن اللَّه أراد أن يريكم آية في قتل المؤمن.

قال ابن عبد البر: و قد قيل: أن هذا ليس بمحلم بن جثامة، و أن محلّم بن جثامة ترك حمص بآخره، و مات بها في إمارة ابن الزبير.

قال ابن عبد البر: و معلوم أن قتله كان خطأ لا عمدا لأن قاتله لم يصدقه في قوله و اللَّه- تعالى- أعلم.

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 306- 307.

354

و أما تصديق اللَّه تعالى رؤيا رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بدخوله المسجد الحرام‏

قال اللَّه- تبارك و تعالى-: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَ مُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحاً قَرِيباً [ (1)].

قال ابن عطية: روى في تفسير هذه الآية: أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رأى في منامه عند خروجه من العمرة أنه يطوف بالبيت هو و أصحابه بعضهم محلقين و بعضهم مقصرين.

و قال مجاهد أرى ذلك بالحديبية فأخبر الناس بهذه الرؤيا و وثقه الجميع أن ذلك يكون إن شاء اللَّه- تعالى- لكن ليس في تلك الوجهة.

و روى أن رؤياه إنما كانت أن ملكا جاءه فقال: لتدخلن المسجد الحرام إن شاء اللَّه آمنين محلقين رءوسكم و مقصرين، و أنه بهذا أعلم الناس فلما قضى اللَّه- تعالى- بالحديبية بأمر بالصلح و أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في الصدر [ (2)]، قال المنافقون: أين الرؤيا؟ و وقع في نفوس المسلمين من ذلك، فأنزل اللَّه- تعالى-: لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِ‏ قال: و لما نزلت هذه الآية علم المسلمون أن تلك الرؤيا ستخرج فيما يستأنفونه من الزمن، و اطمأنت قلوبهم بذلك و سكنت فخرجت في العام المقبل، فخرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى مكة في ذي القعدة سنة سبع، و دخلها ثلاثة أيام هو و أصحابه، و صدقت رؤياه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

و قوله: فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا يريد ما قدره من ظهور الإسلام في تلك المدة، و دخول الناس فيه، و ما كان أيضا بمكة من المؤمنين الذين دفع اللَّه بهم.

و قوله- تعالى-: فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ‏ أي من قبل ذلك و فيما يدنوا إليكم، و اختلف في الفتح القريب، قيل: هو بيعة الرضوان، و عن مجاهد و ابن إسحاق: أنه الفتح بالحديبية، و قال عبد اللَّه بن زيد: الفتح القريب: خيبر،

____________

[ (1)] الفتح: 27.

[ (2)] الرجوع و العودة.

355

و قال قوم: الفتح القريب: مكة، و هذا ضعيف لأن فتح مكة كان بعد ذلك، قال ابن عطية: و يحسن أن يكون الفتح هذا اسم جنس يعم كل ما وقع للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فيه ظهور و فتح عليه.

و قال الواقدي في (مغازيه) [ (1)]: قالوا: كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد رأى في النوم أنه دخل البيت، و حلق رأسه، و أخذ مفتاح البيت و عرّف مع المعرفين [ (2)]، فاستنفر أصحابه إلى العمرة، فأسرعوا و تهيأ للخروج، و خرج أصحابه معه لا يشكون في الفتح للرؤيا التي رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و ساق قصة الحديبيّة إلى أن قال: فلما وقعت هذه القضية أسلم في الهدنة أكثر ممن كان أسلم من يوم دعاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى يوم الحديبيّة، و ما كان في الإسلام فتح أعظم من يوم الحديبيّة، و قد كان أصحاب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يكرهون الصلح لأنهم خرجوا لا يشكون في الفتح لرؤيا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه حلق رأسه، و أنه دخل البيت، و أخذ مفتاح الكعبة، و عرف مع المعرفين فلما رأوا الصلح، دخل الناس من ذلك أمر عظيم، حتى كادوا يهلكوا.

و

قال عمر بن الخطاب- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و رجال معه من أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا رسول اللَّه أ لم تكن حدثتنا أنك ستدخل المسجد الحرام، و تأخذ مفتاح الكعبة، و تعرف مع المعرفين، و هدينا لم يصل إلى البيت و لا نحر، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): قلت لكم في سفركم هذا؟ قال عمر: لا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أما إنكم ستدخلونه و آخذ مفتاح الكعبة، و أحلق رأسي و رءوسكم ببطن مكة و أعرف مع المعرفين، ثم أقبل على عمر فقال: أ نسيتم يوم أحد و أنا أدعوكم:

إِذْ تُصْعِدُونَ وَ لا تَلْوُونَ عَلى‏ أَحَدٍ وَ الرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْراكُمْ‏

؟ أ نسيتم يوم الأحزاب:

إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ

؟ أ نسيتم يوم كذا؟ و جعل يذكرهم أمورا، فقال المسلمون: صدق اللَّه و رسوله، يا رسول اللَّه ما فكرنا فيما فكرت فيه، لأنت أعلم باللَّه و بأمره منا، فلما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عام القضية

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 572 و ما بعدها.

[ (2)] أي وقف بعرفة.

356

و حلق رأسه قال: هذا الّذي وعدتكم، فلما كان يوم الفتح أخذ المفتاح فقال:

ادعوا لي عمر بن الخطاب، فقال: هذا الّذي قلت لكم: فلما كان في حجة الوداع وقف بعرفة فقال: أي عمر، هذا الّذي قلت لكم، قال: أي رسول اللَّه، ما كان فتح في الإسلام أعظم من صلح الحديبيّة.

و كان الناس قصر رأيهم يومئذ عما كان بين محمد و بين ربه، و العباد يعجلون، و اللَّه لا يعجل كعجلة العباد حتى تبلغ الأمور ما أراد، لقد نظرت إلى سهيل بن عمر في حجة الوداع قائما عند المنحر يقرب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بدنه، و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ينحرها بيده، و دعا الحلاق فحلق رأسه، و انظر إلى سهيل يلتقط من شعره، و أراه يضعه على عينيه، و أذكر إباءه أن يقر يوم الحديبيّة بأن يكتب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ‏ و يأبى أن يكتب أن محمدا رسول اللَّه، فحمدت اللَّه الّذي هداه للإسلام، و صلوات اللَّه و بركاته على نبي الرحمة الّذي هدانا به، و أنقذنا به من الهلكة.

357

و أما إطلاع اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ما قاله المشركون في عمرة القضية

فخرّج أبو داود [ (1)] من حديث مسدد قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب، عن سعيد بن جبير أنه حدثه، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة و قد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم قوم و قد وهنتهم الحمى و لقوا منها شرا، فأطلع اللَّه- تعالى- نبيه على ما قالوه، فأمرهم أن يرملوا الأشواط الثلاثة، و أن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم رملوا قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد منا، قال ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: و لم يأمرهم أن يرملوا الأشواط إلا إبقاء عليهم.

و خرّجه البخاريّ أيضا في باب كيف كان بدء الرّمل [ (2)]، و في عمرة القضاء [ (3)] من حديث سليمان بن حرب، و حماد بن زيد.

____________

[ (1)] (سنن أبي داود): 2/ 446، كتاب المناسك، باب (51) في الرّمل، حديث رقم (1886).

[ (2)] (فتح الباري): 3/ 599، كتاب الحج، باب (55) كيف كان بدأ الرّمل؟ حديث رقم (1602).

[ (3)]

(فتح الباري): 7/ 647- 648، كتاب المغازي، باب (44) عمرة القضاء، حديث رقم (4256)، و

زاد ابن سلمة عن أيوب عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: لما قدم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لعامه الّذي استأمن قال: أرملوا ليرى المشركون قوتكم.

و المشركون من قبل قعيقعان.

قوله: «باب كيف كان بدء الرمل» أي ابتداء مشروعيته، و هو بفتح الراء و الميم هو الإسراع، و قال ابن دريد: هو شبيه بالهرولة، و أصله أن يحرك الماشي منكبيه في مشيه، و في الحديث: جواز تسمية الطوفة شوطا، و نقل عن مجاهد و الشافعيّ كراهته، و يؤخذ منه جواز تسمية الطوفة شوطا، و نقل عن مجاهد و الشافعيّ كراهته، و يؤخذ منه جواز إظهار القوة بالعدة و السلاح و نحو ذلك للكفار إرهابا لهم، و لا يعد ذلك من الرياء المذموم، و فيه جواز المعاريض بالفعل كما يجوز بالقول، و ربما كانت بالفعل أولى. (فتح الباري).

358

و خرّجه مسلم [ (1)] من حديث أبي الربيع الزهراني قال حماد: يعني ابن زيد عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قدم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه مكة و قد وهنتهم حمى يثرب، فقال المشركون: يقدم عليكم غدا قوم وهنتهم الحمى و لقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر و أمرهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن يرملوا ثلاثة أشواط و يمشوا ما بين الركنين ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا و كذا.

قال ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و لم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلا الإبقاء عليهم. اللفظ لمسلم، و هو أتم، فلم يذكر

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 9/ 15- 16، كتاب الحج، باب (39) استحباب الرمل في الطواف و العمرة، و في الطواف الأول في الحج، حديث رقم (240).

و من حديث سفيان عن عطاء، عن ابن عباس قال: إنما سعى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و رمل بالبيت ليرى المشركين قوته. حديث رقم (241).

قال الإمام النووي: و أما يثرب فهو الاسم الّذي كان للمدينة في الجاهلية، و سميت في الإسلام المدينة، فطيبة، فطابة، قال اللَّه- تعالى- ما كانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ. [و لم يأت ذكر «يثرب» في القرآن الكريم إلا على لسان المشركين أو اليهود أو المنافقين، قال تعالى: وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا، [الأحزاب: 13].

و أخرجه النسائي في المناسك، باب (155) العلة التي من أجلها سعى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالبيت، حديث رقم (2945). قال الحافظ السيوطي في (حاشيته على سنن النسائي): قال الشيخ عز الدين بن عبد السلام: فكان ذلك ضربا من الجهاد، قال: و علته في حقنا تذكر النعمة التي أنعمها اللَّه على رسوله و أصحابه بالعزة بعد الذلة، و بالقوة بعد الضعف، حتى بلغ عسكره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) سبعين ألفا.

و أخرجه الإمام أحمد في (المسند): 1/ 485، حديث رقم (2681)، و حديث رقم (2790)، و حديث رقم (3526) كلهم من مسند عبد اللَّه بن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

359

فيما خرّجه البخاريّ و مسلم الاطلاع، و له عندهما طرق، و اللَّه- تعالى- أعلم.

و أما تعيين أمراء غزوة مؤتة واحدا بعد واحد و كان ذلك إشارة إلى أنهم سيستشهدوا

فخرّج البخاريّ [ (1)] من حديث مغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد اللَّه بن سعيد، عن نافع عن ابن عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- قال:

أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في غزوة مؤتة زيد بن حارثة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن قتل زيد فجعفر، و إن قتل جعفر فعبد اللَّه بن رواحة، قال عبد اللَّه: كنت فيهم في تلك الغزوة فالتمسنا جعفر بن أبي طالب فوجدناه في القتلى، و وجدنا ما في جسده بضعا و تسعين من طعنة و رمية.

و قال الواقدي في (مغازيه) [ (2)]: حدثني ربيعة بن عثمان، عن عمر بن الحكم قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الحارث بن عمير الأزدي، ثم أحد بني لهب إلى ملك بصري بكتاب، فلما نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغسانيّ فقال: أين تريد؟ قال: الشام، قال: لعلك من رسل محمد؟ قال: نعم أنا

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 650، كتاب المغازي، باب (45) غزوة مؤتة من أرض الشام، حديث رقم (4261).

قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، و قال غيره: هي على مرحلتين من بيت المقدس و يقال: إن السبب فيها أن شرحبيل بن عمرو الغساني- و هو من أمراء قيصر على الشام- قتل رسولا أرسله النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى صاحب بصرى، و اسم الرسول الحارث بن عمير، فجهز إليهم النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عسكرا في ثلاثة آلاف.

و في (مغازي أبي الأسود): عن عروة: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الجيش إلى مؤتة في جمادى من سنة ثمان، و كذا قال ابن إسحاق و موسى بن عتبة و غيرهما من أهل المغازي لا يختلفون في ذلك، إلا ما ذكر خليفة في (تاريخه) أنها كانت سنة سبع، (فتح الباري).

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 755- 756، غزوة مؤتة.

360

رسول رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأمر به، فأوثق رباطا، ثم قدمه فضرب عنقه صبرا، و لم يقتل لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) رسول غيره، فبلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخبر، فاشتد عليه و ندب الناس و أخبرهم بمقتل الحارث و من قتله، فأسرع الناس و خرجوا فعسكروا بالجرف، و لم يبين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الأمر، فلما صلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، الظهر جلس، و جلس أصحابه حوله، و جاء النعمان بن مهض [ (1)] اليهودي، فوقف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مع الناس،

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): زيد بن حارثة أمير الناس، فإن قتل زيد بن حارثة، فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبد اللَّه بن رواحة، فإن أصيب عبد اللَّه بن رواحة فليرتض المسلمون بينهم رجلا فليجعلوه عليهم، فقال النعمان بن مهض [ (2)]: أبا القاسم إن كنت نبيا فسميت من سميت قليلا أو كثيرا أصيبوا جميعا، إن الأنبياء في بني إسرائيل إذا استعملوا الرجل على القوم، ثم قالوا: إن أصيب فلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعا، ثم جعل اليهود يقولون لزيد بن حارثة: أعهد فلا ترجع إلى محمد أبدا إن كان نبيا، فقال زيد: فأشهد أنه نبي صادق بارّ،

و ذكر الخبر في قتل الأمراء بمؤتة.

____________

[ (1)] في بعض أصول (مغازي الواقدي): «فنحص».

[ (2)] راجع التعليق السابق.

361

و أما نعي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) زيدا و جعفرا و عبد اللَّه بن رواحة يوم قتلوا بمؤتة قبل أن يأتي خبرهم إلى الناس‏

فخرّج البخاريّ من حديث حماد بن زيد عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

أن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعى زيدا و جعفرا و ابن رواحة للناس قبل أن يأتيهم خبرهم قال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذ جعفر فأصيب، ثم أخذ ابن رواحة فأصيب و عيناه تذرفان، حتى أخذ الراية سيف من سيوف اللَّه، حتى فتح اللَّه عليهم.

ذكره في غزوة مؤتة [ (1)] و في المناقب [ (2)] و الإسناد واحد.

و خرّج في كتاب الجهاد [ (3)] من طريق ابن علية، عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

____________

[ (1)] (فتح الباري): 7/ 652، كتاب المغازي، باب (45) غزوة مؤتة من أرض الشام، حديث رقم (4262).

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 126، كتاب فضائل أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، باب (25) مناقب خالد بن الوليد- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-، حديث رقم (3757)، و شهد خالد بن الوليد- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- عدة مشاهد ظهرت فيها نجابته، ثم كان قتل أهل الردة على يديه، ثم فتوح البلاد الكبار، و مات على فراشه سنة إحدى و عشرين، و بذلك جزم ابن نمير، و ذلك في خلافة عمر بحمص،

و قد أخرج الحاكم و ابن حبان من حديث عبد اللَّه بن أبي أوفى، قال:

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا تؤذوا خالدا فإنه سيف من سيوف اللَّه صبّه اللَّه على الكفارة.

[ (3)] (فتح الباري): 6/ 221، كتاب الجهاد، باب (183) من تأمر في الحرب من غيره إمرة إذا خاف العدو، حديث رقم (3063). قال ابن المنير: يؤخذ من حديث الباب أن من تعين لولاية و تعذرت مراجعة الإمام أن الولاية ثبتت لذلك المعين شرعا، و تجب طاعته حكما، و لا يخفى أن محله ما إذا اتفق الحاضرون عليه، قال: و يستفاد منه صحة مذهب مالك في أن المرأة إذا لم يكن لها وليّ إلا السلطان، فتعذر إذن السلطان أن يزوجها الآحاد، و كذا إذا غاب إمام الجمعة قدم الناس لأنفسهم.

362

خطب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة فأصيب، ثم أخذها خالد بن الوليد عن غير إمرة، ففتح اللَّه عليه و ما يسرني- أو قال: و ما يسرهم- أنهم عندنا و قال: و إن عينية لتذرفان، ترجم عليه باب من تأمر في الحرب من غير إمرة.

و خرّجه في الجنائز [ (1)] في الرجل يعني إلى أهل الميت بنفسه من حديث عبد الوارث عن أيوب، عن حميد بن هلال، عن أنس بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال: قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة فأصيب- و إن عيني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لتذرفان- ثم أخذها خالد بن الوليد من غير إمرة ففتح له.

و قال موسى بن عقبة:

و قدم يعلي بن منبه على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخبر أهل مؤتة فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن شئت فأخبرني و إن شئت أخبرتك، قال: بل أخبرني يا رسول اللَّه، فأخبره رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) خبرهم كله و وصف له، فقال:

و الّذي بعثك بالحق ما تركت من حديثهم حرفا لم تذكره، و إن أمرهم كما ذكرت، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن اللَّه رفع لي الأرض حتى رأيت معتركهم.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 3/ 150، كتاب الجنائز، باب (4) الرجل ينعي إلى أهل الميت بنفسه، حديث رقم (1246)، قال ابن المرابط: مراده النعي الّذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، و إن كان فيه إدخال الكرب و المصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمة لما يترتب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته و تهيئة أمره، و الصلاة عليه، و الدعاء له، و الاستغفار، و تنفيذ وصاياه، و ما يترتب على ذلك من الأحكام.

قال ابن العربيّ: يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:

الأولى: دعوة الأهل و الأصحاب و أهل الصلاح، فهذا سنة.

الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره.

الثالثة: الإعلام بنوع آخر كالنياحة و نحو ذلك فهذا يحرم.

قال الزين ابن المنير: وجه دخول قصة الأمراء في الترجمة، أن نعيهم كان لأقاربهم و للمسلمين، الذين هم أهلهم من جهة الدين. (فتح الباري).

363

و خرّج الحاكم [ (1)] من حديث الحسن بن بشر حدثنا سعدان بن الوليد، عن عطاء، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- قال:

بينما النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جالس و أسماء بنت عميس قريبة منه إذ ردّ السلام، ثم قال: يا أسماء هذا جعفر بن أبي طالب مع جبريل، و ميكائيل و إسرافيل، سلموا علينا فردي (عليهم السلام)، و قد أخبرني أنه لقي المشركين يوم كذا و كذا قبل ممره على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بثلاث أو أربع فقال: لقيت المشركين فأصبت في جسدي في مقاديمي ثلاثا و سبعين بين رمية و طعنة و ضربة، ثم أخذت اللواء بيدي اليمنى فقطعت، ثم أخذت باليد اليسرى فقطعت، فعوضني اللَّه من يدي جناحين أطير بهما أخذت مع جبريل و ميكائيل، أنزل من الجنة حيث شئت و آكل من ثمارها ما شئت، فقالت أسماء: هنيئا لجعفر ما رزقه اللَّه من الخير، و لكن أخاف أن لا يصدق الناس فأصعد المنبر فأخبر به، فصعد المنبر فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: يا أيها الناس إن جعفر مع جبريل و ميكائيل، له جناحان عوضه اللَّه من يديه سلّم عليّ، ثم أخبرهم كيف كان أمره حيث لقي المشركين، فاستبان للناس بعد اليوم الّذي أخبر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن جعفر لقيهم، فلذلك سمي الطيار في الجنة.

و خرّج البيهقي [ (2)] من طريق أبي خليفة الفضل بن حباب الجمحيّ قال:

حدثنا سليمان بن حرب، عن الأسود بن شيبان، عن خالد بن سمير قال:

قدم علينا عبد اللَّه بن رباح الأنصاري، و كانت الأنصار تفقهه فغشيه الناس فغشيته فيمن غشيه من الناس، فقال: حدثنا أبو قتادة فارس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: بعث رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) جيش الأمراء و قال عليكم زيد بن حارثة، فإن أصيب زيد، فجعفر، فإن أصيب جعفر، فعبد اللَّه بن رواحة، فوثب جعفر فقال: يا رسول‏

____________

[ (1)] (المستدرك): 3/ 232، كتاب معرفة الصحابة، ذكر مناقب جعفر بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم، حديث رقم (4937)، و قد سكت عنه الحافظ الذهبيّ في (التلخيص)، و حديث رقم (4937)، و قد حذفه الحافظ الذهبي من (التلخيص) لضعفه.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 4/ 367- 368، باب ما جاء في غزوة مؤتة، و ما ظهر في تأمير النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمراءها، ثم في إخباره عن الوقعة قبل مجي‏ء خبرها من آثار النبوة.

364

اللَّه!: ما كنت أرهب أن تستعمل زيدا عليّ، قال: امض فإنك لا تدري أي ذلك خير، فانطلقوا فلبثوا ما شاء اللَّه فصعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المنبر فأمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: أخبركم عن جيشكم هذا، إنهم انطلقوا فلقوا العدو فقتل زيد شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء جعفر فشد على القوم حتى قتل شهيدا شهد له بالشهادة و استغفر له، ثم أخذ اللواء عبد اللَّه بن رواحة فأثبت قدميه حتى قتل شهيدا فاستغفر له، ثم أخذ اللواء خالد بن الوليد و لم يكن من الأمراء و هو أمر نفسه، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): اللَّهمّ إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره. فمن يومئذ سمى خالد: سيف اللَّه.

و قال الواقدي في (مغازيه) [ (1)]: حدثني محمد بن صالح، عن عاصم بن عمر بن قتادة، و حدثني عبد الجبار بن عمارة، عن عبد اللَّه بن أبي بكر زاد أحدهما على صاحبه في الحديث قالا:

لما التقى الناس بمؤتة جلس رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على المنبر و كشف له ما بينه و بين الشام، فهو ينظر إلى معتركهم، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أخذ الراية زيد بن حارثة، فجاءه الشيطان فحبب إليه الحياة و كرّه إليه الموت و حبب إليه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تحبب إليّ الدنيا، فمضى قدما حتى استشهد، فصلى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و قال: استغفروا له فقد دخل الجنة و هو يسعى، ثم أخذ الراية جعفر بن أبي طالب فجاءه الشيطان فمناه الحياة و كره إليه الموت، و مناه الدنيا، فقال: الآن حين استحكم الإيمان في قلوب المؤمنين تمنيني الدنيا، ثم مضى قدما حتى استشهد. فصلى عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم قال: استغفروا لأخيكم فإنه شهيد دخل الجنة. فهو يطير في الجنة بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة، ثم أخذ الراية بعده عبد اللَّه بن رواحة فاستشهد، ثم دخل الجنة فشق ذلك على الأنصار فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أصابته الجراح معترضا قيل: يا رسول اللَّه ما اعتراضه؟ قال: لما أصابته الجراح فكل فعاتب نفسه، فشجع فاستشهد، فدخل الجنة، فسرى عن قومه.

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 671- 672.

365

و خرّج الإمام أحمد [ (1)] من طريق ابن إسحاق، حدثني عبد اللَّه بن أبي بكر، عن أم عيسى، عن أم جعفر ابنة محمد بن جعفر بن أبي طالب، عن جدتها أسماء ابنة عميس قالت:

لما أصيب جعفر و أصحابه دخل على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [و قد دبغت أربعين منيئة، و عجنت عجيني، و غسلت بنيّ، و دهنتهم، و نظفتهم‏]، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ائتيني ببني جعفر، قالت: فأتيته بهم، فشمّهم و ذرفت عيناه، فقلت: يا رسول اللَّه! بأبي أنت و أمي ما يبكيك؟ أ بلغك عن جعفر و أصحابه شي‏ء؟ قال: نعم، أصيبوا هذا اليوم [قالت: فكنت أصيح، و اجتمع النساء إليّ و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى أهله، فقال: لا تغفلوا آل جعفر من أن تصنعوا لهم طعاما فأنهم قد شغلوا بأمر صاحبهم‏].

____________

[ (1)] (مسند أحمد): 7/ 513- 514، حديث رقم (26546)، من حديث أسماء بنت عميس، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

366

و أما إخبار رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عوف بن مالك الأشجعيّ بقصة الجزور المنحور في غزاة ذات السلاسل‏

فقال يونس بن بكير: عن ابن إسحاق، حدثني يزيد بن أبي حبيب قال:

حدثت عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: كنت في الغزوة التي بعث فيها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عمرو بن العاص- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- غزوة ذات السلاسل، فصبحت أبا بكر، و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- فمررت بقوم و هم على جزور قد نحروها، و هم لا يقدرون على أن يعضوها، و كنت أمرأ جزارا، فقلت لهم: تعطوني منها عشيرا على أن أقسمها بينكم؟

فقالوا: نعم، فأخذت الشفرتين، فجزيتها مكاني و أخذت جزاء، فحملته إلى أصحابي، فأطعمنا، و أكلنا.

فقال أبو بكر و عمر: أني لك هذا اللحم يا عوف؟ فأخبرتهما، فقالا: لا و اللَّه ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيئان ما في بطونهما منه، فلما قفل الناس من ذلك السفر كنت أول قادم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فجئته و هو يصلي في بيته، فقلت: السلام عليك يا رسول اللَّه و رحمة اللَّه و بركاته، فقال عوف بن مالك؟ فقلت: نعم بأبي أنت و أمي، فقال صاحب الجزور؟ و لم يزدني على ذلك شيئا [ (1)].

قال البيهقيّ [ (2)]: قصر بإسناده محمد بن إسحاق، و رواه سعيد بن أبي أيوب، و ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن ربيعة بن لقيط أخبره عن مالك قال: غزونا و علينا عمرو بن العاص- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و فينا عمر بن الخطاب، و أبو عبيدة بن الجراح- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- فأصابتنا مخمصة شديدة، فانطلقت ألتمس المعيشة، فالتقيت قوما

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 404- 405، باب ما جاء في الجزور التي نحرت في غزوة ذات السلاسل، و ما جرى لعوف بن مالك الأشجعيّ فيها، و إخبار النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عوفا بعلمه بها قبل أن يخبره عوف بن مالك- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

[ (2)] (المرجع السابق): 405.

367

يريدون ينحرون جزورا لهم، فقلت: إن شئتم كفيتم نحرها، و عملها، و اعطوني منها، ففعلت، فأعطوني منها شيئا، فصنعته، ثم أتيت عمر بن الخطاب، فسألني من أين هو؟ فأخبرته، فقال: أسمعك قد تعجلت أجرك، و أبى أن يأكله، فلما رأيت ذلك تركتهما، ثم أبردوني في فتح لنا،

فقدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: صاحب الجزور؟ و لم يزد على ذلك.

و ذكره البيهقيّ [ (1)] من طريق يعقوب بن سفيان قال: حدثنا ابن عثمان، عن عبد اللَّه بن المبارك، و من طريق عمرو، و حدثني يعقوب بن الربيع، حدثنا ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، فذكره.

و قال الواقدي- (رحمه اللَّه)- في (مغازيه) [ (2)]: و كان عوف بن مالك الأشجعيّ رفيقا لأبي بكر و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- في رحلهما، فخرج يوما عوف في العسكر، فمر بقوم في أيديهم جزور، و قد عجزوا عن عملها، و كان عوف هذا عالما بالجزر، فقال: أ تعطوني عليها، و أقسمها بينكم؟ قالوا: نعم نعطيك عشيرا منها، فنحرها، ثم جزأها بينهم، و أعطوه منها جزءا، فأخذه، فأتى به أصحابه، فطبخوه، و أكلوا منه، فلما فرغوا قال أبو بكر و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما-: من أين لك هذا اللحم؟ فأخبرهما، فقالا: و اللَّه ما أحسنت حين أطعمتنا هذا، ثم قاما يتقيئان، فلما فعل ذلك أبو بكر، و عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنهما- فعل ذلك الجيش.

قال أبو بكر و عمر لعوف: تعجلت أجرك، ثم أتى أبا عبيدة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال له: مثل ذلك.

و كان عمرو بن العاص- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- حين قفلنا احتلم في ليلة باردة كأشد ما يكون من البرد، فقال لأصحابه: ما ترون؟ قد و اللَّه احتملت و إن اغتسلت مت، فدعا بماء، فتوضأ، و غسل فرجه، و تيمم، ثم قام، فصلى بهم، فكان أول من بعث عوف بن مالك بريدا.

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 405.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 773.

368

قال عوف:

فقدمت على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في السّحر، و هو يصلى في بيته، فسلمت عليه، فقال عوف بن مالك؟ فقلت: عوف بن مالك يا رسول اللَّه، قال صاحب الجزور؟ قلت: نعم، فلم يزد على هذا شيئا، و ذكر الخبر.

و أما إغاثة اللَّه تعالى سرية بعثها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) برزق أخرجه لها من البحر و قد جهدها الجوع تكرمة له (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فخرّج البخاريّ في كتاب الصيد و الذبائح [ (1)]، و في كتاب المغازي [ (2)] من حديث ابن جريج، أخبرنى سفيان عن عمرو أنه سمع جابرا يقول: غزونا جيش الخبط، و أمّر أبو عبيدة بن الجراح، فجعنا جوعا شديدا، فألقى البحر حوتا ميتا لم ير مثله يقال له: العنبر، فأكلنا منه نصف شهر، فأخذ أبو عبيدة عظما من عظامه، فمر الراكب تحته.

زاد في المغازي: أخبرنى أبو الزبير أنه سمع جابر يقول:

فقال أبو عبيدة: كلوا، فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنّبيّ (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال: كلوا، رزقا أخرجه اللَّه، أطعمونا إن كان معكم، فأتاه بعضهم ببعضه، فأكله.

و خرّج مسلم [ (3)] من حديث زهير قال: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، و من حديث أبي خثيمة، عن أبي الزبير، عن جابر قال: بعثنا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فأمّر علينا أبا عبيدة يتلقى عيرا لقريش، و زودنا جرابا من تمر لم يجد لنا غيره، فكان أبو عبيدة يعطينا تمرة تمرة، قال: قلت: كيف كنتم تصنعون؟ قال:

____________

[ (1)] (فتح الباري): 9/ 767، كتاب الذبائح و الصيد، باب (12) قول اللَّه- تعالى-: أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ، حديث رقم (5493).

[ (2)] (فتح الباري): 8/ 97، كتاب المغازي، باب (66) غزوة سيف البحر، و هم يتلقون عيرا لقريش.

[ (3)] (مسلم بشرح النووي): 13/ 90- 92، كتاب الصيد و الذبائح باب (4) إباحة ميتات البحر، حديث رقم (17).

369

نمصها كما يمص الصبي، ثم نشرب عليها من الماء، فتكفينا يومنا إلى الليل، و كنا نضرب بعصينا الخبط، ثم نبله بالماء، فنأكله، قال: و انطلقنا على ساحل البحر، فرفع لنا ساحل البحر كهيئة الكثيب الضخم، فأتيناه، فإذا هو دابة تدعى العنبر، قال: قال أبو عبيدة: ميتة، ثم قال: لا، بل نحن رسل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و في سبيل اللَّه، و قد اضطررتم، فكلوا، قال: فأقمنا عليه شهرا و نحن ثلاثمائة حتى سمنا، و لقد رأيتنا نغترف من وقب عينه بالقلال الدهن، و نقتطع منه القدر كالثور، و لقد أخذ منا أبو عبيدة ثلاثة عشر رجلا فأقعدهم في وقب عينة و أخذ ضلعا من أضلاعه، فأقامها، ثم رحل أعظم بعير معنا، فمر من تحتها،

و تزودنا من لحمه و وشايق، فلما قدمنا المدينة أتينا رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فذكرنا ذلك له فقال: هو رزق أخرجه اللَّه لكم، فهل معكم شي‏ء من لحمه فتطعمونا؟

قال: فأرسلنا إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) منه فأكله.

و خرجه البخاريّ و مسلم من حديث سفيان، عن عمرو: سمعت جابرا يقول، و من حديث مالك، عن وهب بن كيسان، عن جابر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

370

و أما نعى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) النجاشيّ في اليوم الّذي مات فيه بأرض الحبشة

فخرّج البخاريّ [ (1)] و مسلم، و أبو داود، و النسائي من حديث مالك بن أنس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعى للناس النجاشي في اليوم الّذي مات فيه، و خرج بهم إلى المصلى، فصف بهم و كبر عليه أربع تكبيرات، و قال النسائي: فصف عليه، و كبر أربع تكبيرات،

ذكره في باب الصفوف على الجنازة، و ذكره البخاريّ في باب التكبير على الجنازة أربعا، و ذكره أبو داود في باب الصلاة على المسلم يليه أهل الشرك في بلد آخر.

و خرّج مسلم من حديث الليث بن سعد قال: حدثني عقيل بن خالد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، و أبى سلمة بن عبد الرحمن أنهما حدثاه عن أبي هريرة أنه قال:

نعى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) النجاشيّ صاحب الحبشة في اليوم الّذي مات فيه، فقال: استغفروا لأخيكم.

قال ابن شهاب: و حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة حدثه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صفّ بهم بالمصلى، فكبر عليه أربع تكبيرات.

و قال البخاريّ: أربعا، و أخرجاه من حديث صالح، عن ابن شهاب، فخرّجه مسلم كرواية عقيل بالإسنادين جميعا.

____________

[ (1)] (جامع الأصول) 6/ 215، الفصل الثالث، في صلاة الجنائز، حديث رقم (4302) و قال في (هامشه): رواه البخاريّ في الجنائز، باب الرجل ينعي إلى الميت بنفسه، و باب الصفوف على الجنازة، و باب الصلاة على الجنازة بالمصلي و بالمسجد، و باب التكبير على الجنازة أربعا، و في فضائل أصحاب النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، باب موت النجاشي، و مسلم في الجنائز باب في التكبير على الجنازة، حديث رقم (951)، و الموطأ في الجنائز، باب التكبير على الجنائز، و أبو داود في الجنائز باب في الصلاة على المشرك يموت في بلاد الشرك، حديث رقم (3204)، و الترمذيّ في الجنائز، باب ما جاء في التكبير على الجنازة، حديث رقم (1022)، و النسائي في الجنائز، باب عدد التكبير على الجنازة.

371

و خرّجه البخاريّ في هجرة الحبشة و موت النجاشيّ، عن صالح، عن ابن شهاب حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، و ابن المسيب أن أبا هريرة أخبرهما

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) نعى لهم النجاشيّ صاحب الحبشة في اليوم الّذي مات فيه، و قال: استغفروا لأخيكم،

و عن صالح، و عن ابن شهاب حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة أخبرهم‏

أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) صف لهم في المصلى، فصلى عليه، و كبر عليه أربعا.

و خرّج النسائي من طريق عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر، عن الزهريّ، عن ابن المسيب و أبي سلمة، عن أبي هريرة قال: نعى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) النجاشي لأصحابه، فذكره.

و خرّج البيهقيّ [ (1)] من طريق مسدد قال: حدثنا مسلم بن خالد الزنجي، عن موسى بن عقبة، عن أمه، عن أم كلثوم قالت:

لما تزوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أم سلمة قال: إني قد أهديت إلى النجاشي أواق من مسك، و حلة، و إني لا أراه إلا قد مات، و إني لا أرى الهدية إلا سترد على، فإن ردّت عليّ أظنه قال:

قسمتها بينكن أو فيكن قالت: فكان كما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مات النجاشي، وردت عليه، أعطى كل امرأة من نسائه أوقية من ذلك المسك، و أعطى سائره أم سلمة، و أعطاها الحلة.

و خرّج الإمام أحمد [ (2)]- (رحمه اللَّه)- من حديث يزيد بن هارون، عن مسلم بن خالد، عن موسى بن عقبة، عن أمه، عن أم كلثوم بنت أبي سلمة قال:

لما تزوج النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أم سلمة قال لها: إني قد أهديت إلى النجاشيّ حلة و أواقي من مسك و لا أرى النجاشيّ إلا قد مات، و لا أرى هديتي إلا مردودة عليّ، فإن ردت عليّ فهي لك، و كان كما قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) وردت عليه‏

____________

[ (1)] (دلائل البيهقي): 4/ 412، باب نعي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) النجاشيّ في اليوم الّذي مات فيه بأرض الحبشة، و ذلك قبل فتح مكة.

[ (2)] (مسند أحمد): 7/ 552- 553، حديث رقم (26732)، من حديث أم كلثوم بنت عقبة أم حميد بن عبد الرحمن- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-.

372

هديته، فأعطنى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، و أعطى أم سلمة بقية المسك و الحلة.

و خرّجه ابن حبان في (صحيحه) [ (1)] من حديث موسى بن عقبة، عن أمه، عن أم كلثوم، عن أم سلمة قالت:

لما تزوجني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: إني أهديت إلى النجاشي حلة، و أواقي مسك، و لا أراه إلا قد مات، و سترد الهدية، فإن كان كذلك فهي لك، قالت: فكان كما قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مات النجاشي، وردت الهدية، فدفع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى كل امرأة من نسائه أوقية مسك، و دفع الحلة و سائر المسك إلى أم سلمة.

قال البيهقيّ [ (2)]

قوله:

و لا أراه إلا قد مات،

يريد و اللَّه أعلم قبل بلوغ الهدية إليه، و هذا القول صدر منه قبل موته، ثم لما مات نعاه في اليوم الّذي مات فيه، و صلى عليه.

____________

[ (1)] (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان): 11/ 515- 516، كتاب الهبة، باب ذكر إباحة المهدي هدية نفسه بعد بعثه إلى المهدي إليه، قبل وصول الهدية إليه، حديث رقم (5114).

و قال في إسناده ضعيف. مسلم بن خالد: هو الزنجي سيّئ الحفظ، و أم موسى بن عقبة لا تعرف.

[ (2)] (دلائل البيهقي): 4/ 412.

373

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بنصر بني كعب على بني بكر فكان كذلك و إجابة اللَّه تعالى دعاءه في تعمية خبره عن قريش بمكة

فقال يونس بن بكير: عن ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عروة بن الزبير، عن مروان بن الحكم و المسور بن مخرمة أنهما حدثاه جميعا قالا: كان في صلح رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الحديبيّة بينه و بين قريش، أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و عهده دخل، و من يشاء أن يدخل في عقد قريش و عهدهم فليدخل فيه، فمكثوا في تلك الهدنة نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرا، ثم بنى بكر الذين كانوا دخلوا في عقد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و عهده و أن عمرو بن سالم الخزاعي أحد بني كعب ركب إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عند ما كان من أمر خزاعة، و بني بكر بالوتيرة [ (1)] حتى قدم المدينة على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يخبره الخبر، و قد قال أبيات شعر، فلما قدم على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنشده إياها فقال:

يا رب إني ناشد محمدا* * * حلف أبينا و أبيه الأتلدا

قد كنتم ولدا و كنا والدا* * * ثمت أسلمنا فلم ننزع يدا

فانصر هداك اللَّه نصرا اعتدا* * * و ادع عباد اللَّه يأتوا مددا

فيهم رسول اللَّه قد تجردا* * * إن سيم خسفا وجهه تربّدا

في فيلق كالبحر يجري مزبدا* * * إن قريشا أخلفوك الموعدا

و نقضوا ميثاقك الموكّد* * * و جعلوا لي في كداء رصدا

و زعموا أن لست أدعو أحدا* * * و هم أذلّ و أقل عددا

هم بيتونا بالوتير هجّدا* * * و قتلونا ركعا و سجّدا

فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): نصرت يا عمرو بن سالم فما برح حتى مرت عنان [ (2)] من السماء فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن هذه السحابة تستهل بنصر بني كعب، و أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الناس بالجهاد و كتمهم فخرجوا، و سأل اللَّه‏

____________

[ (1)] الوتيرة: الأرض الممتدة.

[ (2)] عنان: سحاب.

374

-

تعالى- أن يعمي على قريش خبره حتى يتبعهم في بلادهم،

فذكر خبر فتح مكة بطوله [ (1)].

و قال الواقدي: فحدثني يحيى بن خالد بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمير، عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و حدثني داود بن خالد بن دينار، عن عبد اللَّه بن عمير عن ابن عباس- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و حدثني داود بن خالد، عن المقبري، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قالا: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

إني لأرى السحاب تستهل بنصر بني كعب [ (2)]. و خرج رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المدينة فنادى مناديه: من أحب أن يصوم فليصم، و من أحب أن يفطر فليفطر و صام! رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم).

قال: و حدثني مالك بن أنس، عن سمي مولى أبي بكر، عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، عن رجل رأى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بالعرج يصب الماء على رأسه و وجهه من العطش.

قال: و حدثني عبد الرحمن بن عبد العزيز، عن حكيم بن حكيم، عن أبي جعفر، عن جابر بن عبد اللَّه، قال:

لما كنا بالكديد بين الظهر و العصر أخذ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إناء من ماء في يده حتى رآه المسلمون، ثم أفطر تلك الساعة. و بلغ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أن قوما صاموا فقال: أولئك العصاة! و قال أبو سعيد الخدريّ: قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إنكم مصبحو عدوكم، و الفطر أقوى لكم! قال ذلك بمر الظهران.

فلما نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) العرج، و الناس لا يدرونن أين توجه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إلى قريش، أو إلى هوازن أو إلى ثقيف! فهم يحبون أن يعلموا، فجلس في أصحابه بالعرج و هو يتحدث، فقال كعب بن مالك: آتي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأعلم لكم علم وجهه. فجاء كعب فبرك بين يدي رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على ركبتيه، ثم قال:

____________

[ (1)] (سيرة ابن هشام): 5/ 48- 49، باختلاف يسير في سياق أبيات الشعر، و هي أقرب لما في (مغازي الواقدي)، و صوبناها من (ابن هشام).

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 801- 803.

375

قضينا من تهامة كل ريب* * * و خيبر ثم أجمعنا السيوفا

نسائلها و لو نطقت لقالت* * * قواطعهن دوسا أو ثقيفا

فلست لحاضر إن لم تروها* * * بساحة داركم منها ألوفا

فننتزع الخيام ببطن وج* * * و نترك دورهم منهم خلوفا

أنشدنيها أيوب بن النعمان، عن أبيه. قال: فتبسم رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، و لم يزد على ذلك، فجعل الناس يقولون: و اللَّه ما بين لك رسول اللَّه شيئا، ما ندري بمن يبدي، بقريش أو ثقيف أو هوازن.

قال: حدثنا هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم قال‏

لما نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقديد قيل: هل لك في بيض النساء و أدم الإبل؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): أن اللَّه- تعالى- حرمها عليّ بصلة الرحم و وكزهم في لبأت الإبل.

قال: حدثني الزبير بن موسى، عن أبي الحويرث، عن النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أنه قال:

إن اللَّه حرمهم عليّ ببر الوالد و وكزهم في لبأت الإبل.

376

و أما إطلاع اللَّه تعالى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) على كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بالمسير إليهم‏

فروى يونس بن بكير، عن بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة قال:

لما أجمع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) المسير إلى مكة كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من المسير إليهم، ثم أعطاه امرأة من مزينة و جعل لها جعلا على أن تبلغه قريشا فجعلته في رأسها، ثم قفلت عليه فروتها و خرجت به، فأتى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الخبر من السماء بما صنع حاطب فبعث عليّ بن أبي طالب و الزبير بن العوام فقال: أدركا امرأة قد كتب معها حاطب كتابا إلى قريش يحذرهم ما قد أجمعنا في أمرهم فذكر الحديث [ (1)].

و خرج البخاريّ في آخر كتاب الجهاد [ (2)] من طريق هشيم حدثنا حصين، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن- و كان عثمانيا- فقال لابن عطية- و كان علويا- إني لأعلم الّذي جرّأ صاحبك على الدماء، سمعته يقول بعثني النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و الزبير فقال: ائتوا روضة كذا، تجدون بها امرأة أعطاها حاطب كتابا فأتينا الروضة فقلنا: الكتاب، فقالت: لم يعطني، قلنا: لتخرجن أو لأجردنك، فأخرجت من حجزتها، فأرسل إلى حاطب فقال: لا تعجل و اللَّه ما كفرت و لا أزددت للإسلام إلا حبّا و لم يكن أحد من أصحابك إلا و له بمكة من يدفع اللَّه به عن أهله و ماله، و لم يكن لي أحد فأحببت أن أتخذ عندهم يدا فصدقه النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فقال عمرو: دعني أضرب عنقه فإنه قد نافق، فقال: ما يدريك لعل اللَّه اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، فهذا الّذي جرأه.

____________

[ (1)] (سيرة ابن هشام): 5/ 52، كتاب حاطب بن أبي بلتعة يحذر أهل مكة.

[ (2)] (فتح الباري): 6/ 234، كتاب الجهاد و السير، باب (195)، إذا اضطر الرجل إلى النظر في شعور أهل الذمة و المؤمنات إذا عصين اللَّه، و تجريدهن، حديث رقم (3081).

377

و خرّجه أيضا في كتاب استتابة المرتدين و المعاندين و قتالهم، في باب ما جاء في المتأولين من حديث أبي عوانة عن فلان قال:

تنازع أبو عبد الرحمن و حبان بن عطية فقال أبو عبد الرحمن لحبان: لقد علمت ما الّذي جرّأ صاحبك على الدماء يعنى عليا- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال: ما هو لا أبا لك، قال: شي‏ء سمعته يقول، قال: ما هو؟ قال: بعثني رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و الزبير و أبا مرثد و كلنا فارس قال: انطلقوا حتى تأتوا روضة حاج، [قال البكري: خاخ بخاء معجمة بعد الألف، موضع‏] [ (1)]، قال أبو سلمة: قال أبو عوانة: حاج، فإن فيها امرأة معها صحيفة من حاطب بن أبي بلتعة إلى المشركين فأتوني بها، فانطلقنا على أفراسنا حتى أدركناها حيث قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) تسير على بعير لها و قد كان كتب إلى أهل مكة بمسير رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إليهم، فقلنا أين الكتاب الّذي معك؟ فقالت: ما معي كتاب، فأنخنا بها بعيرها فابتغينا في رحلها فما وجدنا شيئا، فقال صاحباي: ما نرى معها كتابا، قال: فقلت:

لقد علمنا ما كذب رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، ثم حلف عليّ- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و الّذي يحلف به لتخرجن الكتاب و إلا لأجردنك، فأهوت إلى حجزتها و هي محتجزة بكساء فأخرجت الصحيفة، فأتوا بها رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال عمر:

يا رسول اللَّه قد خان اللَّه و رسوله و المؤمنين، دعني فأضرب عنقه، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا حاطب ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رسول اللَّه ما لي أن لا أكون مؤمنا باللَّه و رسوله و لكني أردت أن يكون لي عند القوم يد يدفع بها عن أهلي و مالي، و ليس من أصحابك أحد إلا له هناك من قومه من يدفع اللَّه به عن أهله و ماله، قال: صدق، و لا تقولوا له إلا خيرا، قال: فعاد عمر- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- فقال: يا رسول اللَّه، قد خان اللَّه و رسوله و المؤمنين، دعني فلأضرب عنقه، فقال: أو ليس من أهل بدر؟ و ما يدريك لعل اللَّه اطلع‏

____________

[ (1)] ما بين الحاصرتين من (الأصل) فقط.

378

عليهم فقال: اعملوا ما شئتم فقد أوجبت لكم الجنة، فاغرورقت عيناه، فقال:

اللَّه و رسوله أعلم [ (1)].

قال أبو عبد اللَّه خاخ أصح و لقد قال أبو عوانة: أنه حاج و حاح تصحيف و هو موضع، و هشيم يقول: حاح.

و خرّجه أيضا من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن الحسن بن محمد، عن عبيد اللَّه بن أبي رافع، عن على- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و من حديث حصين بن عبد الرحمن، عن سعيد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن على- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- و هو مما اتفقا على إخراجه.

____________

[ (1)] (فتح الباري): 12/ 375- 376، كتابه استنابة المرتدين و المعاندين و قتالهم، باب (9) ما جاء في المتأولين، حديث رقم (6939).

379

و أما وحي اللَّه تعالى بما قالته الأنصار يوم فتح مكة لرسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)

فخرّج مسلم من حديث سفيان بن فروخ، قال: حدثنا سليمان بن المغيرة قال ثابت البناني: عن عبد اللَّه بن رباح، عن أبي هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

وفدت وفود إلى معاوية و ذلك في رمضان، فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام، و كان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحلة، فقلت:

إلا أضع طعاما فأدعوهم إلى رحلي، قال: فأمرت بطعام يصنع، ثم لقيت أبا هريرة من العشي، فقلت: الدعوة عندي الليلة، فقال: سبقتني؟ فقلت: نعم، فدعوتهم، فقال أبو هريرة: ألا أعلمكم بحديث من حديثكم يا معشر الأنصار؟

ثم ذكر فتح مكة، فقال: أقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، و بعث خالدا على المجنبة الأخرى و بعث أبا عبيدة أبا عبيدة على الحسر فأخذوا بطن الوادي و رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في كتيبة قال: فنظر فرآني فقال: أبو هريرة قلت: نعم لبيك يا رسول اللَّه، فقال: لا يأتيني إلا أنصاري.

زاد غير شيبان فقال: اهتف لي بالأنصار قال: فأطافوا به و وبشت قريش أوباشا و أتباعا فقالوا: نقدم هؤلاء فإن كان لهم شي‏ء كنا معهم، و إن أصيبوا أعطينا الّذي سئلنا، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): ترون إلى أوباش قريش و أتباعهم، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى، ثم قال: حتى توافوني بالصفا، قال: فانطلقنا فما شاء أحد منا يقتل أحد إلا قتله، و ما أحد منا يوجه إلينا شيئا، قال: فجاء أبو سفيان فقال يا رسول اللَّه: أبيحت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، ثم قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، فقالت الأنصار بعضهم لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته و رأفة بعشيرته.

قال أبو هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-: و جاء الوحي و كان إذا جاء الوحي، لا يخفى علينا، فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى ينقضي الحي فلما انقضى الوحي قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): يا معشر الأنصار قالوا: لبيك يا رسول اللَّه، قال: قلتم: أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، قالوا: قد كان ذاك قال: كلا إني عبد اللَّه و رسوله، هاجرت إلى اللَّه‏

380

و إليكم، و المحيا محياكم، و الممات مماتكم، فأقبلوا الليلة يبكون و يقولون: و اللَّه ما قلنا الّذي قلنا إلا الضن باللَّه و رسوله، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): إن اللَّه و رسوله يصدقانكم و يعذر انكم، قال: فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان، و أغلق الناس أبوابهم، قال: و أقبل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى أقبل إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، قال: فإنّي على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه، و في يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قوس و هو آخذ بسية القوس، فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه و يقول:

جاءَ الْحَقُّ وَ زَهَقَ الْباطِلُ‏

فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلى عليه حتى نظر إلى البيت و رفع يده فجعل يحمد اللَّه و يدعو بما شاء اللَّه أن يدعو [ (1)].

قال: و حدثنيه عبد اللَّه بن هاشم قال: عن بهز، عن سليمان بن المغيرة بهذا الإسناد و زاد في الحديث، ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى: أحصدوهم حصدا، و قال في الحديث قالوا:

قلنا ذاك يا رسول اللَّه قال: فما اسمى إذا كلا إني عبد اللَّه و رسوله [ (2)].

و خرّجه من طريق يحيى بن حسان، قال حماد بن سلمة: قال: حدثنا ثابت، عن عبد اللَّه بن رباح قال: وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان و فينا أبو هريرة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه-

فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه فكانت نوبتي، فقلت: يا أبا هريرة اليوم نوبتي، فجاءوا إلى المنزل و لم يدرك طعامنا، فقلت: يا أبا هريرة لو حدثنا عن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) حتى يدرك طعامنا، فقال: كنا مع رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الفتح فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمني، و جعل الزبير على المجنبة اليسرى، و جعل أبو عبيد على البياذقة و بطن الوادي، فقال: يا أبا هريرة أدع لي الأنصار، فدعوتهم، فجاءوا يهرولون، فقال يا معشر الأنصار هل ترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا، و أخفى بيده و وضع يمينه‏

____________

[ (1)] (مسلم بشرح النووي): 12/ 368- 372، كتاب الجهاد و السير، باب فتح مكة، حديث رقم (84).

[ (2)] (المرجع السابق): حديث رقم (85).

381

على شماله و قال: موعدكم الصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، قال: و صعد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) الصفا، و جاءت الأنصار فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول اللَّه أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم.

قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، و من ألقى السلاح فهو آمن، و من أغلق بابه فهو آمن، فقالت الأنصار: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته، و رغبة في قريته، ألا فما اسمى إذا، ثلاث مرات، أنا محمد عبد اللَّه و رسوله، هاجرت إلى اللَّه و إليكم، فالمحيا محياكم، و الممات مماتكم، قالوا: و اللَّه ما قلنا إلا ضنا باللَّه و رسوله، قال: فإن اللَّه و رسوله يصدقانكم و يعذرانكم [ (1)].

____________

[ (1)] (المرجع السابق): حديث رقم (86).

382

و أما إخباره (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بأن مكة شرفها اللَّه تعالى لا تغزى بعد فتحه لها، و لا تكون دار كفر فكان كذلك‏

فخرّج الترمذيّ [ (1)] من حديث يحيى بن سعيد، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي، عن الحارث بن مالك بن البرصاء قال: سمعت النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة يقول:

لا تغزى هذه بعد اليوم إلى يوم القيامة،

قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح و هو حديث زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي لا نعرفه إلا من حديثه.

و قال البيهقيّ:

و إنما أرادوا- و اللَّه أعلم- أنها لا تغزى بعده على كفر أهلها و كان كما قال (صلّى اللَّه عليه و سلّم)،

و قال الواقدي: و حدثني يزيد بن فارس، عن عراك بن مالك، عن الحارث بن برصاء قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول:

لا تغزى قريش بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة يعني على كفر [ (2)].

____________

[ (1)]

(سنن الترمذيّ): 4/ 136، كتاب السير، باب (45) ما جاء ما قال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم فتح مكة:

إن هذه لا تغزى بعد اليوم، حديث رقم (1611)، قال أبو عيسى: و في الباب عن ابن عباس و سليمان بن صرد، و مطيع.

قال ابن الأثير: و إنما يحتمل أنه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أراد أنها لا يغزوها كافر، يريد البيت، فأما المسلمون فلا، على أن من غزاها من المسلمين في زمن يزيد و عبد الملك لم يقصدوا مكة و لا البيت، و إنما كان قصدهم عبد اللَّه بن الزبير، مع تعظيمهم أمر مكة و البيت، و إن كان جرى منهم ما جرى ففي حق البيت، من رميه بالنار في المنجنيق، و إحراقه، و لأجل ذلك هدمه ابن الزبير، و بناه بعد عود أهل الشام عن حصاره، لما وصلهم موت يزيد.

لو كانت الرواية في الحديث على أن «لا» ناهية لكان واضحا لا يحتاج إلى تأويل، كما قيل في قوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم): «لا يقتل قرشيّ بعد هذا اليوم صبرا».

[ (2)] (جامع الأصول): 9/ 291- 292.

383

و خرّج مسلم من حديث علي بن مسهر و وكيع عن زكريا، عن الشعبي قال: أخبرني عبد اللَّه بن مطيع، عن أبيه قال: سمعت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يقول يوم فتح مكة:

لا يقتل قرشيّ صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة.

قال البيهقيّ- (رحمه اللَّه)- هذا و إن كان على طريق الخير فالمراد به و اللَّه أعلم النهي و فيه أيضا إشارة إلى إسلام أهل مكة و إنها لا تغزي بعدها أبدا كما في حديث الحارث بن مالك بن برصاء [ (1)].

و قال الواقدي- (رحمه اللَّه)- و حدثني عبد اللَّه بن يزيد الهذلي، عن أبي حصين الهذلي قال:

لما قتل النفر الذين أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بقتلهم سمع النوح عليهم بمكة و جاء أبو سفيان بن حرب، فقال: فداك أبي و أمي، البقية في قومي فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): لا يقتل قرشي صبرا بعد اليوم- يعني على الكفر- [ (2)].

____________

[ (1)] راجع التعليق السابق.

[ (2)] (مغازي الواقدي): 2/ 862.

384

و أما تصديق اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عثمان بن أبي طلحة أنه يأخذ مفتاح الكعبة و يضعه حيث شاء

فقال الواقدي في (مغازيه) [ (1)]

ثم نزل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) [يعني من الكعبة يوم فتح مكة [ (2)]] و معه المفتاح ناحية من المسجد فجلس، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قد قبض السقاية من العباس و قبض المفتاح من عثمان، فلما جلس قال: ادعوا لي عثمان فدعى له عثمان بن أبي طلحة، و كان رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: لعثمان يوما [بمكة] و هو يدعوه إلى الإسلام و مع عثمان المفتاح، [فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):] لعلك سترى هذا المفتاح [يوما] بيدي أضعه حيث شئت، فقال عثمان:

لقد هلكت إذا قريش و ذلت، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): بل عمرت و عزّت يومئذ، فلما دعاني [رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)‏] بعد أخذه المفتاح (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ذكرت [من‏] قوله ما كان قال.

فأقبلت، فاستقبلته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) ببشر، و استقبلني [عليه الصلاة و السلام‏] ببشر، ثم قال: خذوها يا بني أبي طلحة تالدة خالدة لا ينزعها [منكم‏] إلا ظالم، يا عثمان إن اللَّه- تعالى- استأمنكم على بيته فكلوا بالمعروف.

قال عثمان: فلما وليت ناداني فرجعت إليه، فقال: أ لم يكن الّذي قلت لك؟ قال: فذكرت قوله لي بمكة فقلت: بلى، أشهد أنك رسول اللَّه، فأعطاه المفتاح، و النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مضطبع [ (3)] بثوبه و قال: أعينوه، و قال: قم على الباب و كل بالمعروف.

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 737- 738.

[ (2)] ما بين الحاصرتين من (الأصل) فقط في سائر الفقرة.

[ (3)] في (مغازي الواقدي): «مضطجع»، و ما أثبتناه أجود للسياق.

385

و أما إعلام اللَّه تعالى رسوله (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بما قالته قريش لما سمعوا أذان بلال رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه يوم فتح مكة

فروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق قال: حدثني والدي إسحاق بن يسار قال: حدثني بعض آل حمير بن مطعم أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لما دخل مكة أمر بلالا فعلا على الكعبة على ظهرها فأذن عليها بالصلاة، فقال بعض بني سعد بن العاص: لقد أكرم اللَّه سعدا إذ قبضه قبل أن يرى هذا الأسود على ظهر الكعبة.

و قال يونس: عن هشام بن عروة، عن أبيه أن رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أمر بلالا عام الفتح فأذن على ظهر الكعبة ليغيظ به المشركين.

و قال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن أيوب قال: قال ابن مليكة أمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بلالا يوم الفتح فأذن فوق الكعبة، فقال رجل من قريش للحارث بن هشام: ألا ترى إلى هذا العبد أين صعد؟ فقال: دعه فإن يكن اللَّه- تعالى- يكرهه فسيغيره.

و قال الواقدي في (مغازيه)- رحمة اللَّه عليه- و قد ذكر فتح مكة:

قالوا: و جاء وقت الظهر فأمر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) بلالا أن يؤذن الظهر فوق ظهر الكعبة يومئذ و قريش فوق رءوس الجبال، و قد فر وجوههم و تغيبوا خوفا أن يقتلوا، فمنهم من يطلب الأمان و منهم من قد أومن، فلما أذن بلال و رفع صوته كأشد ما يكون، فلما بلغ: أشهد أن محمدا رسول اللَّه، تقول جويرية بنت أبي جهل: قد لعمري رفع لك ذكرك، أما الصلاة فسنصلي، و اللَّه لا نحب من قتل الأحبة أبدا، و لقد كان جاء أبي الّذي جاء محمدا من النبوة فردها و لم يرد خلاف قومه.

و قال خالد بن أسيد: الحمد للَّه الّذي أكرم أبي قبل أن يسمع هذا اليوم.

386

و قال الحارث بن هشام: وا ثكلاه ليتني متّ قبل هذا اليوم قبل أن أسمع بلالا ينهق فوق الكعبة، فقال الحكم بن أبي العاص: هذا و اللَّه الحدث العظيم أن يصبح عبد بني جمح على بنية أبي طلحة، و قال سهيل بن عمرو: إن كان هذا سخط فسيغيره، و إن كان رضا فسيقره.

و قال أبو سفيان بن حرب: أما أنا فلا أقول شيئا، لو قلت شيئا لأخبرته هذه الحصباء فأتى جبريل- (عليه السلام)- رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فأخبره خبرهم.

و أما عفوه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عن سهيل بن عمرو يوم فتح مكة و برّه له مع سوء أثره يوم الحديبيّة

فقال الواقدي [ (1)]- (رحمه اللَّه)-: فحدثني موسى بن محمد، عن أبيه قال:

قال سهيل بن عمرو:

لما دخل رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) مكة و ظهر انقحمت [ (2)] بيتي و أغلقت عليّ بابي و أرسلت إلى ابني عبد اللَّه بن سهيل أن اطلب لي جوارا من محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فإنّي لا آمن أن أقتل، قال: و جعلت أتذكر أثري عند محمد (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أصحابه، فليس أحد أسوأ أثرا مني، و إني لقيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يوم الحديبيّة بما لم يلقه أحد، و كنت الّذي كاتبته مع حضوري بدرا و أحدا، و كلما تحركت قريش كنت فيها، فذهب عبد اللَّه بن سهيل إلى رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقال: يا رسول اللَّه! أ بي تؤمنه؟ فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): نعم هو آمن بأمان اللَّه- تعالى- فليظهر، ثم قال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) لمن حوله: من لقي سهيل بن عمرو فلا يشد النظر إليه، فلعمري إن سهيلا له عقل و شرف و ما مثل سهيل جهل الإسلام، و لقد رأى ما كان يوضع فيه أنه لم يكن له بنافع! فخرج عبد اللَّه إلى أبيه فخبره بمقالة رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم)، فقال سهيل: كان و اللَّه برا صغيرا و كبيرا، و كان سهيل‏

____________

[ (1)] (المرجع السابق): 846- 847.

[ (2)] أي رميت بنفسي فيه.

387

يقبل و يدبر، و خرج إلى حنين مع النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو على شركه، حتى أسلم بالجعرانة.

و أما إخباره بإسلام عبد اللَّه بن الزّبعرى حين نظر إليه مقبلا

قال الواقدي في فتح مكة من (مغازيه) [ (1)]: و هرب هبيرة بن أبي وهب و هو يومئذ زوج أم هانئ بنت أبي طالب، و هو ابن الزبعري جميعا حتى انتهيا إلى نجران فلم يأمنا من الخوف حتى دخلا حصن نجران فقيل لهما: ما وراءكما؟ فقالا: أما قريش فقد قبلت و دخل مكة و نحن و اللَّه نرى أن محمدا سائر إلى حصنكم هذا فجعلت بلحارث و كعب يصلحون ما رثّ من حصنهم، و جمعوا ماشيتهم، فأرسل حسان بن ثابت- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- أبياتا يريد بها ابن الزبعريّ: [أنشدتها ابن أبي الزناد]:

لا تعدمن رجلا أحلك بغضه* * * نجران في عيش أحذّ لئيم [ (2)]

بليت قناتك في الحروب فألقيت* * * خمانه [ (3)] خوفاء ذات وصوم [ (4)]

غضب الآله على الزبعري و ابنه* * * و عذاب سوء في الحياة مقيم‏

فلما جاء ابن الزبعري شعر حسان تهيأ للخروج فقال هبيرة بن أبي وهب أين تريد يا ابن عم؟ قال: أردت و اللَّه محمدا، قال: أ تريد أن تتبعه قال:

إي و اللَّه، قال: يقول هبيرة: يا ليت أني كنت رافقت غيرك و اللَّه! ما ظننت أنك تتبع محمدا أبدا.

قال ابن الزبعري:

هو ذاك، فعلى أي شي‏ء أقيم مع بني الحارث بن كعب، و أترك ابن عمي و خير الناس و أبرّهم و مع قومي و داري، فانحدر ابن‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 847- 848، و ما بين الحاصرتين زيادة للسياق منه.

[ (2)] الأخذ: القليل المنقطع.

[ (3)] خمانة: ضعيفة.

[ (4)] الوصوم: جمع وصم، و هو العيب في الحسب.

388

الزبعري حتى جاء رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو جالس و أصحابه، فلما نظر رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إليه قال: هذا ابن الزبعري و معه وجه فيه نور الإسلام، فلما وقف على رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) قال: السلام عليكم أي رسول اللَّه شهدت أن لا اللَّه إلا اللَّه، و أنك عبده و رسوله، و الحمد للَّه الّذي هداني للإسلام، لقد عاديتك، و أجلبت عليك، و ركبت الفرس و البعير، و مشيت في عداوتك، ثم هربت منك إلى نجران و أنا أريد ألا أقرب الإسلام أبدا، ثم أرادني اللَّه منه بخير فألقاه في قلبي و حببه إليّ، و ذكرت ما كنت فيه من الضلالة، و اتباع ما لا ينفع ذا عقل من حجر يعبد و يذبح له، لا يدري من عبده و من لا يعبده، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

الحمد للَّه الّذي هداك للإسلام، إن الإسلام يجب ما كان قبله.

389

و أما صنع اللَّه تعالى له في إلقاء محبته (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في قلب هند بنت عتبة بعد مبالغتها في شدة عداوته‏

فقال الواقدي [ (1)]: فحدثني ابن أبي سبرة عن موسى بن عقبة، عن أبي حبيبة مولى الزبير، عن عبد اللَّه بن الزبير- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنه- قال:

لما كان يوم الفتح أسلمت هند بنت عتبة، و أسلمت أم حكيم بنت الحارث بن هشام امرأة عكرمة بن أبي جهل، و أسلمت امرأة صفوان بن أمية البغوم بنت المعذل بن كنانة، و أسلمت فاطمة بنت الوليد بن المغيرة، و أسلمت هند بنت منبه بن الحجاج، و هي أم عبد اللَّه بن عمرو بن العاص في عشر نسوة من قريش فأتين رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و هو بالأبطح فبايعنه، فدخل عليه و عنده زوجته و ابنته فاطمة، و نساء من نساء بني عبد المطلب، فتكلمت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول اللَّه الحمد للَّه الّذي أظهر الدين الّذي اختاره لنفسه لتمسني رحمتك، يا محمد إني امرأة مؤمنة باللَّه مصدقة، ثم كشفت عن نقابها فقالت:

هند بنت عتبة، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): مرحبا بك، فقالت: و اللَّه يا رسول اللَّه ما كان على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يذلوا من أهل خبائك، و لقد أصبحت و ما على الأرض من أهل خباء أحب إلي أن يعزوا من أهل خبائك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و زيادة أيضا، ثم قرأ رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) عليهنّ القرآن و بايعهن فقالت هند من بينهن: يا رسول اللَّه فما نماسحك، فقال: إني لا أصافح النساء إن قولي لمائة امرأة مثل قولي لامرأة واحدة، و يقال: وضع على يده ثوبا ثم مسحن على يده يومئذ، و يقال: كان يؤتي بقدح من ماء فيدخل يده فيه ثم يدفعه إليهن فيدخلن أيديهن فيه و القول الأول أثبت عندنا: إني لا أصافح النساء.

قال كاتبه: و قد ثبت في الصحيحين و سنن النسائي، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- أنها قالت: لا و اللَّه ما مست يده يد امرأة قط في‏

____________

[ (1)] (مغازي الواقدي): 2/ 850- 851.

390

المبايعة، ما بايعهن إلا بقوله قد بايعتكن على ذلك، و في لفظ: و اللَّه ما مست يد رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) يد امرأة قط غير أنه بايعهن بالكلام.

و خرّج النسائي من طريق مالك، عن محمد بن المنكدر، عن أميمة بنت رفيقة قال:

أتيت رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) في نسوة نبايعه على الإسلام، فقلت: يا رسول اللَّه نبايعك على أن لا نشرك باللَّه شيئا، و لا نسرق، و لا نزني، و لا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا و أرجلنا، و لا نعصيك في معروف، قال: فيما استطعتن و أطقتن، فقلت: اللَّه و رسوله أرحم بنا من أنفسنا نبايعك يا رسول اللَّه، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) إني لا أصافح النساء، إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة أو كمثل قولي لامرأة واحدة، ترجم عليه بيعة النساء، و ذكره أيضا في التفسير.

و قد خرّج البخاريّ و مسلم قول هند، فخرجه البخاريّ في الأحكام من حديث أبي اليمان، حدثنا شعيب، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت:

جاءت هند بنت عتبة إلى النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) فقالت: يا رسول اللَّه ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يعزهم اللَّه.

و قال البخاريّ: أن يعزوا من أهل خبائك، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و أيضا و الّذي نفسي بيده، ثم قالت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل ممسك، و قال البخاري:

مسيك فهل عليّ حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه، فقال النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم):

لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف، و قال البخاريّ: فهل عليّ حرج من أن أطعم من الّذي له عيالنا؟ فقال لها: لا حرج عليك أن تطعميهم بالمعروف.

و لم يقل في الحديث: فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم) و أيضا و الّذي نفسي بيده [ (1)].

و خرّج البخاريّ في كتاب النذور في باب كيف كانت بمين النبي (صلّى اللَّه عليه و سلّم) من حديث يحيى بن بكير، عن الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال: حدثني عروة بن الزبير، و خرّجه في آخر كتاب المناقب تعليقا و قال عبدان: حدثنا يونس، عن الزهري قال حدثني عروة.

____________

[ (1)] سبق تخريجه و شرحه.

391

و خرّج مسلم من حديث يعقوب بن إبراهيم، عن ابن أخي الزهريّ، عن عمه قال: أخبرني عروة بن الزبير أن عائشة قالت:

جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت: يا رسول اللَّه ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يذلوا من أهل خبائك، ثم ما أصبح اليوم على ظهر الأرض أهل خباء أحب إليّ أن يغزوا من أهل خبائك، فقال رسول اللَّه (صلّى اللَّه عليه و سلّم): و أيضا، الّذي نفسي بيده قالت:

يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل مسيك، فهل عليّ حرج أن أطعم من الّذي له عيالنا؟ قال لها: لا، إلا بالمعروف، و قال البخاريّ: قال: إلا بالمعروف و قال في حديث الليث: و أيضا و الّذي نفس محمد بيده، و قال فيه: أهل خباء من أهل خبائك أو أخبائك في الموضعين.

و ذكره في كتاب (النفقات) مختصرا محذوفا من حديث يونس، عن ابن شهاب أخبرني عروة، عن عائشة- رضي اللَّه تبارك و تعالى عنها- قالت:

جاءت هند بنت عتبة فقالت: يا رسول اللَّه إن أبا سفيان رجل مسيك فهل عليّ حرج أن أطعم من الّذي له عيالنا؟ قال: لا، إلا بالمعروف [ (1)].

و خرّجاه مختصرا من حديث هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، و خرجه كذلك النسائي فظهر صحة حديث الواقدي.

تم بحمد اللَّه تعالى الجزء الثالث عشر و يليه الجزء الرابع عشر و أوله:

و أما إخبار الرسول (صلّى اللَّه عليه و سلّم) أبا سفيان بن حرب بما حدث به نفسه يوم الفتح من عوده إلى المحاربة و بما قاله لهند

____________

[ (1)] (فتح الباري): 9/ 629، كتاب النفقات، باب (4) نفقة المرأة إذا غاب عنها زوجها، و نفقة الولد، حديث رقم (5359).