البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
52

ما أمر به أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه كما تقدم في رواية سيف بن عمر، فسارا حتى نزلا على ذي الكلاع، فبعث هرقل بطريقا يقال له توذرا في جيش معه فنزل بمرج دمشق و غربها، و قد هجم الشتاء فبدأ أبو عبيدة بمرج الروم، و جاء أمير آخر من الروم يقال له شنس و عسكر معه كثيف، فنازله أبو عبيدة فاشتغلوا به عن توذرا فسار توذرا نحو دمشق لينازلها و ينتزعها من يزيد ابن أبى سفيان، فاتبعه خالد بن الوليد و برز إليه يزيد بن أبى سفيان من دمشق، فاقتتلوا و جاء خالد و هم في المعركة فجعل يقتلهم من ورائهم و يزيد يفصل فيهم من أمامهم، حتى أناموهم و لم يفلت منهم إلا الشارد، و قتل خالد توذرا و أخذوا من الروم أموالا عظيمة فاقتسماها و رجع يزيد إلى دمشق و انصرف خالد إلى أبى عبيدة فوجده قد واقع شنس بمرج الروم فقاتلهم فيه مقاتلة عظيمة حتى أنتنت الأرض من زهمهم، و قتل أبو عبيدة شنس و ركبوا أكتافهم إلى حمص فنزل عليها يحاصرها.

وقعة حمص الأولى‏

لما وصل أبو عبيدة في اتباعه الروم المنهزمين إلى حمص، نزل حولها يحاصرها، و لحقه خالد بن الوليد فحاصروها حصارا شديدا، و ذلك في زمن البرد الشديد، و صابر أهل البلد رجاء أن يصرفهم عنهم شدة البرد، و صبر الصحابة صبرا عظيما بحيث إنه ذكر غير واحد أن من الروم من كان يرجع، و قد سقطت رجله و هي في الخف، و الصحابة ليس في أرجلهم شي‏ء سوى النعال، و مع هذا لم يصب منهم قدم و لا إصبع أيضا، و لم يزالوا كذلك حتى انسلخ فصل الشتاء فاشتد الحصار، و أشار بعض كبار أهل حمص عليهم بالمصالحة فأبوا عليه ذلك و قالوا: أ نصالح و الملك منا قريب؟ فيقال إن الصحابة كبروا في بعض الأيام تكبيرة ارتجت منها المدينة حتى تفطرت منها بعض الجدران، ثم تكبيرة أخرى فسقطت بعض الدور، فجاءت عامتهم إلى خاصتهم فقالوا: ألا تنظرون إلى ما نزل بنا، و ما نحن فيه؟ ألا تصالحون القوم عنا؟ قال: فصالحوهم على ما صالحوا عليه أهل دمشق، على نصف المنازل، و ضرب الخراج على الأراضي، و أخذ الجزية على الرقاب بحسب الغنى و الفقر.

و بعث أبو عبيدة بالأخماس و البشارة إلى عمر مع عبد اللَّه بن مسعود. و أنزل أبو عبيدة بحمص جيشا كثيفا يكون بها مع جماعة من الأمراء، منهم بلال و المقداد و كتب أبو عبيدة إلى عمر يخبره بأن هرقل قد قطع الماء إلى الجزيرة و أنه يظهر تارة و يخفى أخرى. فبعث إليه عمر يأمره بالمقام ببلده.

وقعة قنسرين‏

لما فتح أبو عبيدة حمص بعث خالد بن الوليد إلى قنسرين، فلما جاءها ثار إليه أهلها و من عندهم من نصارى العرب، فقاتلهم خالد فيها قتالا شديدا، و قتل منهم خلقا كثيرا، فأما من هناك من الروم فأبادهم و قتل أميرهم ميناس. و أما الأعراب فإنهم اعتذروا إليه بأن هذا القتال لم يكن عن رأينا

53

فقبل منهم خالد و كف عنهم ثم خلص إلى البلد فتحصنوا فيه، فقال لهم خالد إنكم لو كنتم في السحاب لحملنا اللَّه إليكم أو لأنزلكم إلينا. و لم يزل بهم حتى فتحها اللَّه عليه و للَّه الحمد.

فلما بلغ عمر ما صنعه خالد في هذه الوقعة قال يرحم اللَّه أبا بكر، كان أعلم بالرجال منى، و اللَّه إني لم أعزله عن ريبة و لكن خشيت أن يوكل الناس إليه. و في هذه السنة تقهقر هرقل بجنوده، و ارتحل عن بلاد الشام إلى بلاد الروم. هكذا ذكره ابن جرير عن محمد بن إسحاق. قال و قال سيف: كان ذلك في سنة ست عشرة، قالوا: و كان هرقل كلما حج إلى بيت المقدس و خرج منها يقول عليك السلام يا سورية، تسليم مودع لم يقض منك وطرا و هو عائد. فلما عزم على الرحيل من الشام و بلغ الرها، طلب من أهلها أن يصحبوه إلى الروم، فقالوا: إن بقاءنا هاهنا أنفع لك من رحيلنا معك، فتركهم. فلما وصل إلى شمشاط و علا على شرف لك التفت إلى نحو بيت المقدس و قال: عليك السلام يا سورية سلاما لا اجتماع بعده إلا أن أسلم عليك تسليم المفارق، و لا يعود إليك رومي أبدا إلا خائفا حتى يولد المولود المشئوم، و يا ليته لم يولد. ما أحلى فعله و أمر عاقبته على الروم!! ثم سار هرقل حتى نزل القسطنطينية و استقر بها ملكه، و قد سأل رجلا ممن اتبعه كان قد أسر مع المسلمين، فقال: أخبرنى عن هؤلاء القوم، فقال: أخبرك كأنك تنظر إليهم، هم فرسان بالنهار، رهبان بالليل، لا يأكلون في ذمتهم إلا بثمن، و لا يدخلون إلا بسلام، يقفون على من حاربوه حتى يأتوا عليه. فقال: لئن كنت صدقتني ليملكن موضع قدمي هاتين.

قلت و قد حاصر المسلمون قسطنطينية في زمان بنى أمية فلم يملكوها و لكن سيملكها المسلمون في آخر الزمان كما سنبينه في كتاب الملاحم، و ذلك قبل خروج الدجال بقليل على ما صحت به الأحاديث عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في صحيح مسلم و غيره من الائمة و للَّه الحمد و المنة، و قد حرم اللَّه على الروم أن يملكوا بلاد الشام برمتها إلى آخر الدهر، كما

ثبت به الحديث في الصحيحين عن أبى هريرة قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه عز و جل»

و قد وقع ما أخبر به (صلوات اللَّه و سلامه عليه) كما رأيت، و سيكون ما أخبر به جزما لا يعود ملك القياصرة إلى الشام أبدا لأن قيصر علم جنس عند العرب يطلق على كل من ملك الشام مع بلاد الروم. فهذا لا يعود لهم أبدا.

وقعة قيسارية

قال ابن جرير: و في هذه السنة أمرّ عمر معاوية بن أبى سفيان على قيسارية و كتب إليه: أما بعد فقد وليتك قيسارية فسر إليها و استنصر اللَّه عليهم، و أكثر من قول لا حول و لا قوة إلا باللَّه‏

54

العلى العظيم، اللَّه ربنا و ثقتنا و رجاؤنا و مولانا فنعم المولى و نعم النصير. فسار إليها فحاصرها، و زاحفه أهلها مرات عديدة، و كان آخرها وقعة أن قاتلوا قتالا عظيما، و صمم عليهم معاوية، و اجتهد في القتال حتى فتح اللَّه عليه فما انفصل الحال حتى قتل منهم نحوا من ثمانين ألفا، و كمل المائة الألف من الذين انهزموا عن المعركة، و بعث بالفتح و الأخماس إلى أمير المؤمنين عمر رضى اللَّه عنه.

قال ابن جرير: و فيها كتب عمر بن الخطاب إلى عمرو بن العاص بالمسير إلى إيليا، و مناجزة صاحبها فاجتاز في طريقه عند الرملة بطائفة من الروم فكانت.

وقعة أجنادين‏

و ذلك أنه سار بجيشه و على ميمنته ابنه عبد اللَّه بن عمرو، و على ميسرته جنادة بن تميم المالكي، من بنى مالك بن كنانة، و معه شرحبيل بن حسنة، و استخلف على الأردن أبا الأعور السلمي، فلما وصل إلى الرملة وجد عندها جمعا من الروم عليهم الأرطبون، و كان أدهى الروم و أبعدها غورا، و أنكأها فعلا، و قد كان وضع بالرملة جندا عظيما و بايلياء جندا عظيما، فكتب عمرو إلى عمر بالخبر.

فلما جاءه كتاب عمرو قال: قد رمينا أرطبون الروم بأرطبون العرب، فانظروا عما تنفرج. و بعث عمرو بن العاص علقمة بن حكيم الفراسى، و مسروق بن بلال العكي على قتال أهل إيليا، و أبا أيوب المالكي إلى الرملة، و عليها التذارق، فكانوا بإزائهم ليشغلوهم عن عمرو بن العاص و جيشه، و جعل عمرو كلما قدم عليه أمداد من جهة عمر يبعث منهم طائفة إلى هؤلاء و طائفة إلى هؤلاء. و أقام عمرو على أجنادين لا يقدر من الأرطبون على سقطة و لا تشفيه الرسل فوليه بنفسه، فدخل عليه كأنه رسول، فأبلغه ما يريد و سمع كلامه و تأمل حضرته حتى عرف ما أراد، و قال الأرطبون في نفسه: و اللَّه إن هذا لعمرو أو أنه الّذي يأخذ عمرو برأيه، و ما كنت لأصيب القوم بأمر هو أعظم من قتله. فدعا حرسيا فسارّه فأمره بفتكه فقال: اذهب فقم في مكان كذا و كذا، فإذا مر بك فأقتله، ففطن عمرو ابن العاص فقال للأرطبون: أيها الأمير إني قد سمعت كلامك و سمعت كلامي، و إني واحد من عشرة بعثنا عمر بن الخطاب لنكون مع هذا الوالي لنشهد أموره، و قد أجبت أن آتيك بهم ليسمعوا كلامك و يروا ما رأيت. فقال الأرطبون: نعم! فاذهب فأتنى بهم، و دعا رجلا فسارّه فقال: اذهب إلى فلان فرده. و قام عمرو فذهب إلى جيشه ثم تحقق الأرطبون أنه عمرو بن العاص، فقال: خدعني الرجل، هذا و اللَّه أدهى العرب. و بلغت عمر بن الخطاب فقال: للَّه در عمرو. ثم ناهضة عمرو فاقتتلوا بأجنادين قتالا عظيما، كقتال اليرموك، حتى كثرت القتلى بينهم ثم اجتمعت بقية الجيوش إلى عمرو ابن العاص، و ذلك حين أعياهم صاحب إيليا و تحصن منهم بالبلد، و كثر جيشه، فكتب الأرطبون إلى عمرو بأنك صديقي و نظيري أنت في قومك مثلي في قومي، و اللَّه لا تفتح من فلسطين شيئا بعد

55

أجنادين فارجع و لا تغرّ فتلقى مثل ما لقي الذين قبلك من الهزيمة، فدعا عمرو رجلا يتكلم بالرومية فبعثه إلى أرطبون و قال: اسمع ما يقول لك ثم ارجع فأخبرني. و كتب إليه معه: جاءني كتابك و أنت نظيري و مثلي في قومك، لو أخطأتك خصلة تجاهلت فضيلتي و قد علمت أنى صاحب فتح هذه البلاد، و اقرأ كتابي هذا بمحضر من أصحابك و وزرائك. فلما وصله الكتاب جمع وزراءه و قرأ عليهم الكتاب فقالوا للأرطبون: من أين علمت أنه ليس بصاحب فتح هذه البلاد؟ فقال:

صاحبها رجل اسمه على ثلاثة أحرف. فرجع الرسول إلى عمرو فأخبره بما قال فكتب عمرو إلى عمر يستمده و يقول له: إني أعالج حربا كئودا صدوما، و بلادا ادخرت لك، فرأيك. فلما وصل الكتاب إلى عمر علم أن عمرا لم يقل ذلك إلا لأمر علمه، فعزم عمر على الدخول إلى الشام لفتح بيت المقدس كما سنذكر تفصيله.

قال سيف بن عمر عن شيوخه: و قد دخل عمر الشام أربع مرات، الأولى كان راكبا فرسا حين فتح بيت المقدس، و الثانية على بعير، و الثالثة وصل إلى سرع ثم رجع لأجل ما وقع بالشام من الوباء. و الرابعة دخلها على حمار هكذا نقله ابن جرير عنه.

فتح بيت المقدس على يدي عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه‏

ذكره أبو جعفر بن جرير في هذه السنة عن رواية سيف بن عمر و ملخص ما ذكره هو و غيره أن أبا عبيدة لما فرغ من دمشق كتب إلى أهل إيليا يدعوهم إلى اللَّه و إلى الإسلام، أو يبذلون الجزية أو يؤذنوا بحرب. فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم إليه. فركب إليهم في جنوده و استخلف على دمشق سعيد بن زيد ثم حاصر بيت المقدس و ضيق عليهم حتى أجابوا إلى الصلح بشرط أن يقدم إليهم أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. فكتب إليه أبو عبيدة بذلك فاستشار عمر الناس في ذلك فأشار عثمان بن عفان بأن لا يركب إليهم ليكون أحقر لهم و أرغم لأنوفهم. و أشار على بن أبى طالب بالمسير إليهم ليكون أخف وطأة على المسلمين في حصارهم بينهم، فهوى ما قال على و لم يهو ما قال عثمان. و سار بالجيوش نحوهم و استخلف على المدينة على بن أبى طالب و سار العباس بن عبد المطلب على مقدمته، فلما وصل إلى الشام تلقاه أبو عبيدة و رءوس الأمراء، كخالد بن الوليد، و يزيد بن أبى سفيان، فترجل أبو عبيدة و ترجل عمر فأشار أبو عبيدة ليقبل يد عمر فهم عمر بتقبيل رجل أبى عبيدة فكف أبو عبيدة فكف عمر. ثم سار حتى صالح نصارى بيت المقدس و اشترط عليهم إجلاء الروم الى ثلاث ثم دخلها إذ دخل المسجد من الباب الّذي دخل منه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ليلة الاسراء. و يقال إنه لبى حين دخل بيت المقدس فصلى فيه تحية المسجد بمحراب داود، و صلى بالمسلمين فيه صلاة الغداة من الغد فقرأ في الأولى بسورة ص و سجد فيها و المسلمون معه، و في الثانية بسورة بنى إسرائيل، ثم جاء إلى الصخرة

56

فاستدل على مكانها من كعب الأحبار و أشار عليه كعب أن يجعل المسجد من ورائه فقال ضاهيت اليهودية. ثم جعل المسجد في قبلي بيت المقدس و هو العمرى اليوم ثم نقل التراب عن الصخرة في طرف ردائه و قبائه، و نقل المسلمون معه في ذلك، و سخر أهل الأردن في نقل بقيتها، و قد كانت الروم جعلوا الصخرة مزبلة لأنها قبلة اليهود، حتى أن المرأة كانت ترسل خرقة حيضتها من داخل الحوز لتلقى في الصخرة، و ذلك مكافأة لما كانت اليهود عاملت به القمامة و هي المكان الّذي كانت اليهود صلبوا فيه المصلوب فجعلوا يلقون على قبره القمامة فلأجل ذلك سمى ذلك الموضع القمامة و انسحب هذا الاسم على الكنيسة التي بناها النصارى لك.

و قد كان هرقل حين جاءه الكتاب النبوي و هو بايلياء وعظ النصارى فيما كانوا قد بالغوا في إلقاء الكناسة على الصخرة حتى وصلت إلى محراب داود قال لهم: انكم لخليق أن تقتلوا على هذه الكناسة مما امتهنتم هذا المسجد كما قتلت بنو إسرائيل على دم يحيى بن زكريا ثم أمروا بإزالتها فشرعوا في ذلك فما أزالوا ثلثها حتى فتحها المسلمون فأزالها عمر بن الخطاب و قد استقصى هذا كله بأسانيده و متونه الحافظ بهاء الدين بن الحافظ أبى القاسم بن عساكر في كتابه المستقصى في فضائل المسجد الأقصى.

و ذكر سيف في سياقه: أن عمر رضى اللَّه عنه ركب من المدينة على فرس ليسرع السير بعد ما استخلف عليها على بن أبى طالب، فسار حتى قدم الجابية فنزل بها و خطب بالجابية خطبة طويلة بليغة منها: «أيها الناس أصلحوا سرائركم تصلح علانيتكم، و اعلموا لآخرتكم تكفوا أمر دنياكم، و اعلموا أن رجلا ليس بينه و بين آدم أب حي و لا بينه و بين اللَّه هوادة، فمن أراد لحب (طريق) وجه الجنة فليلزم الجماعة فان الشيطان مع الواحد و هو مع الاثنين أبعد، و لا يخلون أحدكم بامرأة فان الشيطان ثالثهما، و من سرته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن» و هي خطبة طويلة اختصرناها. ثم صالح عمر أهل الجابية و رحل إلى بيت المقدس و قد كتب إلى أمراء الأجناد أن يوافوه في اليوم الفلاني إلى الجابية فتوافوا أجمعون في ذلك اليوم إلى الجابية، فكان أول من تلقاه يزيد بن أبى سفيان، ثم أبو عبيدة، ثم خالد بن الوليد في خيول المسلمين و عليهم يلامق الديباج، فسار إليهم عمر ليحصبهم فاعتذروا إليه بأن عليهم السلاح، و أنهم يحتاجون إليه في حروبهم. فسكت عنهم و اجتمع الأمراء كلهم بعد ما استخلفوا على أعمالهم، سوى عمرو بن العاص و شرحبيل فإنهما مواقفان الأرطبون بأجنادين، فبينما عمر في الجابية إذا بكردوس من الروم بأيديهم سيوف مسللة، فسار إليهم المسلمون بالسلاح فقال عمر:

إن هؤلاء قوم يستأمنون. فساروا نحوهم فإذا هم جند من بيت المقدس يطلبون الأمان و الصلح من أمير المؤمنين حين سمعوا بقدومه فأجابهم عمر رضى اللَّه عنه إلى ما سألوا، و كتب لهم كتاب أمان‏

57

و مصالحة، و ضرب عليهم الجزية، و اشترط عليهم شروطا ذكرها ابن جرير، و شهد في الكتاب خالد بن الوليد، و عمرو بن العاص، و عبد الرحمن بن عوف، و معاوية بن أبى سفيان، و هو كاتب الكتاب و ذلك في سنة خمسة عشر. ثم كتب لأهل لد و من لك من الناس كتابا آخر و ضرب عليهم الجزية، و دخلوا فيما صالح عليه أهل إيلياء، و فر الأرطبون إلى بلاد مصر، فكان بها حتى فتحها عمرو بن العاص، ثم فر إلى البحر فكان يلي بعض السرايا الذين يقاتلون المسلمين فظفر به رجل من قيس فقطع يد القيسي و قتله القيسي و قال في ذلك.

فإن يكن أرطبون الروم أفسدها* * * فإن فيها بحمد اللَّه منتفعا

و إن يكن أرطبون الروم قطّعها* * * فقد تركت بها أو صاله قطعا

و لما صالح أهل الرملة و تلك البلاد، أقبل عمرو بن العاص و شرحبيل بن حسنة حتى قدما الجابية فوجدا أمير المؤمنين عمر بن الخطاب راكبا، فلما اقتربا منه أكبا على ركبتيه فقبلاها و اعتنقهما عمر معا رضى اللَّه عنهم* قال سيف ثم سار عمر إلى بيت المقدس من الجابية و قد توحّى فرسه فأتوه ببرذون فركبه فجعل يهملج به فنزل عنه و ضرب وجهه و قال لا علّم اللَّه من علمك، هذا من الخيلاء، ثم لم يركب برذونا قبله و لا بعده، ففتحت إيلياء و أرضها على يديه ما خلا أجنادين فعلى يدي عمرو.

و قيسارية فعلى يدي معاوية. هذا سياق سيف بن عمر و قد خالفه غيره من أئمة السير فذهبوا إلى أن فتح بيت المقدس كان في سنة ست عشرة.

قال محمد بن عائذ عن الوليد بن مسلم عن عثمان بن حصن بن علان قال يزيد بن عبيدة: فتحت بيت المقدس سنة ست عشرة و فيها قدم عمر بن الخطاب الجابية. و قال ابو زرعة الدمشقيّ عن دحيم عن الوليد بن مسلم قال: ثم عاد في سنة سبع عشرة فرجع من سرع ثم قدم سنة ثماني عشرة فاجتمع إليه الأمراء و سلموا إليه ما اجتمع عندهم من الأموال فقسمها و جند الأجناد و مصر الأمصار ثم عاد إلى المدينة.

و قال يعقوب بن سفيان: ثم كان فتح الجابية و بيت المقدس سنة ست عشرة. و قال أبو معشر:

ثم كان عمواس و الجابية في سنة ست عشرة. ثم كانت سرع في سبع عشرة، ثم كان عام الرمادة في سنة ثماني عشرة قال: و كان فيها طاعون عمواس- يعنى فتح البلدة المعروفة بعمواس- فأما الطاعون المنسوب إليها فكان في سنة ثماني عشرة كما سيأتي قريبا إن شاء اللَّه تعالى.

قال أبو مخنف: لما قد عمر الشام فرأى غوطة دمشق و نظر إلى المدينة و القصور و البساتين تلا قوله تعالى‏ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ. كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ‏ ثم أنشد قول النابغة.

58

هما فتيا دهر يكر عليهما* * * نهار و ليل يلحقان التواليا

إذا ما هما مرّا بحي بغبطة* * * أناخا بهم حتى يلاقوا الدواهيا

و هذا يقتضي بادى الرأى أنه دخل دمشق و ليس كذلك، فإنه لم ينقل أحد أنه دخلها في شي‏ء من قدماته الثلاث إلى الشام، أما الأولى و هي هذه فإنه سار من الجابية إلى بيت المقدس، كما ذكر سيف و غيره و اللَّه أعلم. و قال الواقدي أما رواية غير أهل الشام فهي أن عمر دخل الشام مرتين و رجع الثالثة من سرع سنة سبع عشرة و هم يقولون دخل في الثالثة دمشق و حمص و أنكر الواقدي ذلك.

قلت: و لا يعرف أنه دخل دمشق إلا في الجاهلية قبل إسلامه كما بسطنا ذلك في سيرته. و قد روينا أن عمر حين دخل بيت المقدس سأل كعب الأحبار عن مكان الصخرة فقال: يا أمير المؤمنين أذرع من وادي جهنم كذا و كذا ذراعا فهي ثمّ. فذرعوا فوجدوها و قد اتخذها النصارى مزبلة، كما فعلت اليهود بمكان القمامة، و هو المكان الّذي صلب فيه المصلوب الّذي شبه بعيسى فاعتقدت النصارى و اليهود أنه المسيح. و قد كذبوا في اعتقادهم هذا كما نص اللَّه تعالى على خطئهم في ذلك.

و المقصود أن النصارى لما حكموا على بيت المقدس قبل البعثة بنحو من ثلاثمائة سنة، طهروا مكان القمامة و اتخذوه كنيسة هائلة بنتها أم الملك قسطنطين باني المدينة المنسوبة اليه، و اسم أمه هيلانة الحرانية البندقانية. و أمرت ابنها فبنى للنصارى بيت لحم على موضع الميلاد، و بنت هي على موضع القبر فيما يزعمون. و الغرض أنهم اتخذوا مكان قبلة اليهود مزبلة أيضا، في مقابلة ما صنعوا في قديم الزمان و حديثه.

فلما فتح عمر بيت المقدس و تحقق موضع الصخرة، أمر بإزالة ما عليها من الكناسة حتى قيل إنه كنسها بردائه، ثم استشار كعبا أين يضع المسجد؟ فأشار عليه بأن يجعله وراء الصخرة، فضرب في صدره و قال. يا ابن أم كعب ضارعت اليهود: و أمر ببنائه في مقدم بيت المقدس.

قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عامر ثنا حماد بن سلمة عن أبى سنان عن عبيد بن آدم و أبى مريم و أبى شعيب أن عمر بن الخطاب كان بالجابية فذكر فتح بيت المقدس، قال قال ابن سلمة: فحدثني أبو سنان عن عبيد بن آدم سمعت عمر يقول لكعب: أين ترى أن أصلى؟ قال إن أخذت عنى صليت خلف الصخرة و كانت القدس كلها بين يديك، فقال عمر ضاهيت اليهودية لا و لكن أصلى حيث صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فتقدم إلى القبلة فصلى، ثم جاء فبسط رداءه و كنس الكناسة في ردائه و كنس الناس. و هذا إسناد جيد اختاره الحافظ ضياء الدين المقدسي في كتابه المستخرج، و قد تكلمنا على رجاله في كتابنا الّذي أفردناه في مسند عمر، ما رواه من الأحاديث المرفوعة و ما روى عنه من الآثار الموقوفة مبوبا على أبواب الفقه و للَّه الحمد و المنة.

و قد روى سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم قال: لما دخل عمر الشام تلقاه رجل من يهود دمشق،

59

فقال السلام عليك يا فاروق، أنت صاحب إيلياء؟ لا ها اللّه لا ترجع حتى يفتح اللَّه عليك إيلياء.

و قد روى أحمد بن مروان الدينَوَريّ عن محمد بن عبد العزيز عن أبيه عن الهيثم بن عدي عن أسامة ابن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده أسلم مولى عمر بن الخطاب أنه قدم دمشق في تجار من قريش، فلما خرجوا تخلف عمر لبعض حاجته، فبينما هو في البلد إذا ببطريق يأخذ بعنقه، فذهب ينازعه فلم يقدر، فأدخله دارا فيها تراب و فأس و مجرفة و زنبيل، و قال له: حول هذا من هاهنا إلى هاهنا، و غلق عليه الباب و انصرف فلم يجئ إلى نصف النهار. قال: و جلست مفكرا و لم أفعل مما قال لي شيئا.

فلما جاء قال: ما لك لم تفعل؟ و لكمني في رأسي بيده قال: فأخذت الفأس فضربته بها فقتلته و خرجت على وجهي فجئت ديرا لراهب فجلست عنده من العشي، فأشرف على فنزل و أدخلنى الدير فأطعمنى و سقاني، و أتحفنى، و جعل يحقق النظر في، و سألني عن أمرى فقلت: إني أضللت أصحابى. فقال:

إنك لتنظر بعين خائف، و جعل يتوسمنى ثم قال: لقد علم أهل دين النصرانية أنى أعلمهم بكتابهم، و إني لأراك الّذي تخرجنا من بلادنا هذه، فهل لك أن تكتب لي كتاب أمان على ديرى هذا؟

فقلت: يا هذا لقد ذهبت غير مذهب. فلم يزل بى حتى كتبت له صحيفة بما طلب منى، فلما كان وقت الانصراف أعطانى أتانا فقال لي أركبها، فإذا وصلت إلى أصحابك فابعث إلى بها وحدها فإنها لا تمر بدير إلا أكرموها. ففعلت ما أمرنى به، فلما قدم عمر لفتح بيت المقدس أتاه ذلك الراهب و هو بالجابية بتلك الصحيفة فأمضاها له عمر و اشترط عليه ضيافة من يمرّ به من المسلمين، و أن يرشدهم إلى الطريق. رواه ابن عساكر و غيره. و قد ساقه ابن عساكر من طريق أخرى في ترجمة يحيى بن عبيد اللَّه بن أسامة القرشي البلقاوي عن زيد بن أسلم عن أبيه فذكر حديثا طويلا عجيبا هذا بعضه.

و قد ذكرنا الشروط العمرية على نصارى الشام مطولا في كتابنا الأحكام، و أفردنا له مصنفا على حدة و للَّه الحمد و المنة.

و قد ذكرنا خطبته في الجابية بألفاظها و أسانيدها في الكتاب الّذي أفردناه لمسند عمر، و ذكرنا تواضعه في دخوله الشام في السيرة التي أفردناها له.

و قال أبو بكر بن أبى الدنيا حدثني الربيع بن ثعلب نا أبو إسماعيل المؤدب عن عبد اللَّه بن مسلم ابن هرمز المكيّ عن أبى الغالية الشامي قال: قدم عمر بن الخطاب الجابية على طريق إيلياء على جمل أورق، تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة و لا عمامة، تصطفق رجلاه بين شعبتى الرحل بلا ركاب، و وطاؤه كساء انبجانى ذو صوف هو وطاؤه إذا ركب، و فراشه إذا نزل، حقيبته نمرة أو شملة محشوة ليفا، هي حقيبته إذا ركب و وسادته إذا نزل و عليه قميص من كرابيس قد رسم و تخرق جنبه. فقال:

ادعوا لي رأس القوم، فدعوا له الجلومس، فقال: اغسلوا قميصي و خيطوه و أعيرونى ثوبا أو قميصا.

60

فأتى بقميص كتان فقال: ما هذا؟ قالوا: كتان. قال: و ما الكتان؟ فأخبروه فنزع قميصه فغسل و رقع و أتى به فنزع قميصهم و لبس قميصه. فقال له الجلومس: أنت ملك العرب و هذه بلاد لا تصلح بها الإبل، فلو لبست شيئا غير هذا و ركبت برذونا لكان ذلك أعظم في أعين الروم. فقال: نحن قوم أعزنا اللَّه بالإسلام فلا نطلب بغير اللَّه بديلا، فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج و لا رحل فركبه بها فقال: احبسوا احبسوا، ما كنت أرى الناس يركبون الشيطان قبل هذا فأتى بجمله فركبه.

و قال إسماعيل بن محمد الصفار: حدثنا سعد ان بن نصر حدثنا سفيان عن أيوب الطائي عن قيس ابن مسلم عن طارق بن شهاب قال: لما قدم عمر الشام عرضت له مخاضة فنزل عن بعيره و نزع موقيه فأمسكهما بيده و خاض الماء و معه بعيره، فقال له أبو عبيدة: قد صنعت اليوم صنيعا عظيما عند أهل الأرض، صنعت كذا و كذا، قال: فصك في صدره و قال: أو لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة، إنكم كنتم أذل الناس و أحقر الناس و أقل الناس، فأعزكم اللَّه بالإسلام فمهما تطلبوا العز بغيره يذلكم اللَّه.

قال ابن جرير: و في هذه السنة- أعنى سنة خمس عشرة- كانت بين المسلمين و فارس وقعات في قول سيف بن عمر. و قال ابن إسحاق و الواقدي: إنما كان ذلك في سنة ست عشرة، ثم ذكر ابن جرير وقعات كثيرة كانت بينهم، و ذلك حين بعث عمر بن الخطاب الى سعد بن أبى وقاص يأمره بالمسير إلى المدائن، و أن يخلف النساء و العيال بالعقيق [ (1)] في خيل كثيرة كثيفة. فلما تفرغ سعد من القادسية بعث على المقدمة زهرة بن حوية، ثم أتبعه بالأمراء واحدا بعد واحد، ثم سار في الجيوش و قد جعل هاشم بن عتبة بن أبى وقاص على خلافته مكان خالد بن عرفطة، و جعل خالدا هذا على الساقة، فساروا في خيول عظيمة، و سلاح كثير، و ذلك لأيام بقين من شوال من هذه السنة، فنزلوا الكوفة و ارتحل زهرة بين أيديهم نحو المدائن، فلقيه بها بصبهرى في جيش من فارس فهزمهم زهرة و ذهبت الفرس في هزيمتهم إلى بابل و بها جمع كثير ممن انهزم يوم القادسية قد جعلوا عليهم الفيرزان، فبعث زهرة إلى سعد فأعلمه باجتماع المنهزمين ببابل، فسار سعد بالجيوش إلى بابل، فتقابل هو و الفيرزان عند بابل فهزمهم كأسرع من لفة الرداء، و انهزموا بين يديه فرقتين ففرقة ذهبت إلى المدائن، و أخرى سارت إلى نهاوند، و أقام سعد ببابل أياما ثم سار منها نحو المدائن فلقوا جمعا آخر من الفرس فاقتتلوا قتالا شديدا و بارزوا أمير الفرس، و هو شهريار، فبرز إليه رجل من المسلمين يقال له نائل الأعرجي أبو نباتة من شجعان بنى تميم، فتجاولا ساعة بالرماح، ثم ألقياها فانتضيا سيفيهما و تصاولا بهما، ثم تعانقا و سقطا عن فرسيهما إلى الأرض، فوقع شهريار على صدر أبى نباتة، و أخرج خنجرا ليذبحه بها، فوقعت إصبعه في فم أبى نباتة فقضمها حتى شغله عن نفسه، و أخذ الخنجر فذبح شهريار بها و أخذ

____________

[ (1)] العقيق: كذا في الأصلين و في ابن جرير بالعتيق (بالتاء المثناة فوق).

61

فرسه و سواريه و سلبه، و انكشف أصحابه فهزموا، فأقسم سعد على نائل ليلبس سواري شهريار و سلاحه، و ليركبن فرسه إذا كان حرب فكان يفعل ذلك. قالوا: و كان أول من تسور بالعراق، و ذلك بمكان يقال له كوثى. و زار المكان الّذي حبس فيه الخليل و صلى عليه و على سائر الأنبياء، و قرأ وَ تِلْكَ الْأَيَّامُ نُداوِلُها بَيْنَ النَّاسِ‏ الآية.

وقعة نهر شير [ (1)]

قالوا: ثم قدّم سعد زهرة بين يديه من كوثى الى نهر شير فمضى إلى المقدمة و قد تلقاه شيرزاذ إلى ساباط بالصلح و الجزية فبعثه إلى سعد فأمضاه، و وصل سعد بالجنود إلى مكان يقال له مظلم ساباط، فوجدوا لك كتائب كثيرة لكسرى يسمونها بوران، و هم يقسمون كل يوم لا يزول ملك فارس ما عشنا، و معهم أسد كبير لكسرى يقال له المقرّط، قد أرصدوه في طريق المسلمين فتقدم إليه ابن أخى سعد، و هو هاشم بن عتبة، فقتل الأسد و الناس ينظرون و سمى يومئذ سيفه المتين [ (2)] و قبل سعد يومئذ رأس هاشم، و قبل هاشم قدم سعد. و حمل هاشم على الفرس فأزالهم عن أماكنهم و هزمهم و هو يتلو قوله تعالى‏ أَ وَ لَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ ما لَكُمْ مِنْ زَوالٍ‏ فلما كان الليل ارتحل المسلمون و نزلوا نهر شير فجعلوا كلما وقفوا كبروا و كذلك حتى كان آخرهم مع سعد فأقاموا بها شهرين و دخلوا في الثالث و فرغت السنة.

قال ابن جرير: و فيها حج بالناس عمر و كان عامله فيها على مكة عتاب بن أسيد، و على الشام أبو عبيدة، و على الكوفة و العراق سعد، و على الطائف يعلى بن أمية [ (3)] و على البحرين و اليمامة عثمان بن أبى العاص، و على عمان حذيفة بن محصن.

قلت: و كانت وقعة اليرموك في سنة خمس عشرة في رجب منها عند الليث بن سعد و ابن لهيعة و أبى معشر و الوليد بن مسلم و يزيد بن عبيدة و خليفة بن خياط و ابن الكلبي و محمد بن عائذ و ابن عساكر و شيخنا أبى عبد اللَّه الذهبي الحافظ. و أما سيف بن عمر و أبو جعفر بن جرير فذكروا وقعة اليرموك في سنة ثلاث عشرة. و قد قدمنا ذكرها لك تبعا لابن جرير، و هكذا وقعة القادسية عند بعض الحفاظ أنها كانت في أواخر هذه السنة- سنة خمس عشرة- و تبعهم في ذلك شيخنا الحافظ الذهبي. و المشهور أنها كانت في سنة أربع عشرة كما تقدم ثم ذكر شيخنا الذهبي.

من توفى في هذه السنة مرتبين على الحروف‏

سعد بن عبادة الأنصاري الخزرجي، و هو أحد أقوال المؤرخين. و قد تقدم* سعد بن عبيد بن‏

____________

[ (1)] و في فتوح العجم و العراق للواقدي «نهمشير». و في الطبري «بهرسير».

[ (2)] كذا بالأصلين. و في الطبري «المنن» بفتح النونين.

[ (3)] في الطبري «منية»

62

النعمان أبو زيد الأنصاري الأوسي، قتل بالقادسية، و يقال إنه أبو زيد القاري أحد الأربعة الذين جمعوا القرآن على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و أنكر آخرون ذلك، و يقال إنه والد عمير بن سعد الزاهد أمير حمص. و ذكر محمد بن سعد وفاته بالقادسية و قال: كانت في سنة ست عشرة و اللَّه أعلم* سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن حسل بن عامر بن لؤيّ أبو يزيد العامري أحد خطباء قريش و أشرافهم، أسلم يوم الفتح و حسن إسلامه و كان سمحا جوادا فصيحا كثير الصلاة و الصوم و الصدقة و قراءة القرآن و البكاء. و يقال إنه قام و صام حتى شحب لونه. و له سعى مشكور في صلح الحديبيّة. و لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) خطب الناس بمكة خطبة عظيمة تثبت الناس على الإسلام، و كانت خطبته بمكة قريبا من خطبة الصديق بالمدينة، ثم خرج في جماعة إلى الشام مجاهدا فحضر اليرموك و كان أميرا على بعض الكراديس، و يقال إنه استشهد يومئذ. و قال الواقدي و الشافعيّ:

توفى بطاعون عمواس* عامر بن مالك بن أهيب الزهري أخى سعد بن أبى وقاص، هاجر إلى الحبشة، و هو الّذي قدم بكتاب عمر إلى أبى عبيدة بولايته على الشام و عزل خالد عنها، استشهد يوم اليرموك* عبد اللَّه بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي، صحابى هاجر إلى الحبشة مع عمه أبى سلمة بن عبد الأسد. روى عنه عمرو بن دينار منقطعا لانه قتل يوم اليرموك* عبد الرحمن بن العوام، أخو الزبير ابن العوام، حضر بدرا مشركا ثم أسلم و استشهد يوم اليرموك في قول* عتبة بن غزوان، توفى فيها في قول* عكرمة بن أبى جهل استشهد باليرموك في قول* عمرو بن أم مكتوم استشهد يوم القادسية و قد تقدم، و يقال بل رجع إلى المدينة* عمرو بن الطفيل بن عمرو تقدم* عامر بن أبى ربيعة تقدم* فراس بن النضر بن الحارث يقال استشهد يوم اليرموك* قيس بن عدي بن سعد بن سهم من مهاجرة الحبشة قتل باليرموك* قيس بن أبى صعصعة* عمرو بن زيد بن عوف الأنصاري المازني شهد العقبة و بدرا، و كان أحد أمراء الكراديس يوم اليرموك، و قتل يومئذ، و له حديث قال: قلت يا رسول اللَّه في كم أقرأ القرآن؟ قال: «في خمس عشرة» الحديث، قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي:

ففيه دليل على أنه ممن جمع القرآن في عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)* نصير بن الحارث بن علقمة بن كلدة ابن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي القرشي العبدري، أسلم عام الفتح، و كان من علماء قريش، و أعطاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم حنين مائة من الإبل، فتوقف في أخذها و قال: لا أرتشى على الإسلام، ثم قال: و اللَّه ما طلبتها و لا سألتها، و هي عطية من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأخذها و حسن إسلامه، و استشهد يوم اليرموك* نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، كان أسن من أسلم من بنى عبد المطلب، و كان ممن أسر يوم بدر ففاداه العباس، و يقال إنه هاجر أيام الخندق و شهد الحديبيّة و الفتح، و أعان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم حنين بثلاثة آلاف رمح، و ثبت يومئذ و توفى سنة خمس عشرة،

63

و قيل سنة عشرين و اللَّه أعلم، توفى بالمدينة و صلى عليه عمر و مشى في جنازته و دفن بالبقيع و خلف عدة أولاد فضلاء و أكابر* هشام بن العاص أخو عمرو بن العاص تقدم و قال ابن سعد: قتل يوم اليرموك.

ثم دخلت سنة ست عشرة

استهلت هذه السنة و سعد بن أبى وقاص منازل مدينة نهر شير، و هي إحدى مدينتي كسرى مما يلي دجلة من الغرب، و كان قدوم سعد إليها في ذي الحجة من سنة خمس عشرة، و استهلت هذه السنة و هو نازل عندها. و قد بعث السرايا و الخيول في كل وجه، فلم يجدوا واحدا من الجند، بل جمعوا من الفلاحين مائة ألف فحبسوا حتى كتب إلى عمر ما يفعل بهم، فكتب إليه عمر: إن من كان من الفلاحين لم يعن عليكم و هو مقيم ببلده فهو أمانه، و من هرب فأدركتموه فشأنكم به. فأطلقهم سعد بعد ما دعاهم إلى الإسلام فأبوا إلا الجزية. و لم يبق من غربي دجلة إلى أرض العرب أحد من الفلاحين إلا تحت الجزية و الخراج، و امتنعت نهر شير من سعد أشد الامتناع، و قد بعث إليهم سعد سلمان الفارسي فدعاهم إلى اللَّه عز و جل أو الجزية أو المقاتلة، فأبوا إلا المقاتلة و العصيان، و نصبوا المجانيق و الدبابات، و أمر سعد بعمل المجانيق فعملت عشرون منجنيقا، و نصبت على نهر شير، و اشتد الحصار و كان أهل نهر شير يخرجون فيقاتلون قتالا شديدا و يحلفون أن لا يفروا أبدا، فأكذبهم اللَّه و هزمهم زهرة بن حوية بعد ما أصابه سهم و قتل بعد مصابه كثيرا من الفرس و فروا بين يديه و لجئوا إلى بلدهم، فكانوا يحاصرون فيه أشد الحصار، و قد انحصر أهل البلد حتى أكلوا الكلاب و السنانير و قد أشرف رجل منهم على المسلمين فقال: يقول لكم الملك: هل لكم إلى المصالحة على أن لنا ما يلينا من دجلة إلى جبلنا، و لكم ما يليكم من دجلة إلى جبلكم؟ أما شبعتم؟ لا أشبع اللَّه بطونكم.

قال: فبدر الناس رجل يقال له أبو مقرن الأسود بن قطبة فأنطقه اللَّه بكلام لم يدر ما قال لهم، فقال:

فرجع الرج و رأيناهم يقطعون من نهر شير إلى المدائن. فقال الناس لأبى مقرن: ما قلت لهم؟ فقال:

و الّذي بعث محمدا بالحق ما أدرى ما قلت لهم إلا أن على سكينة و أنا أرجو أن أكون قد أنطقت بالذي هو خير، و جعل الناس ينتابونه يسألونه عن ذلك، و كان فيمن سأله سعد بن أبى وقاص، و جاءه سعد إلى منزله فقال: يا أبا مقرن ما قلت؟ فو اللَّه إنهم هراب. فحلف له أنه لا يدرى ما قال. فنادى سعد في الناس و نهد بهم إلى البلد و المجانيق تضرب في البلد، فنادى رجل من البلد بالأمان فأمناه، فقال و اللَّه ما بالبلد أحد، فتسور الناس السور فما وجدنا فيها أحدا إلا قد هربوا إلى المدائن. و ذلك في شهر صفر من هذه السنة فسألنا ذلك الرجل و أناسا من الأسارى فيها لأى شي‏ء هربوا؟ قالوا بعث الملك إليكم يعرض عليكم الصلح فأجابه ذلك الرجل بأنه لا يكون بينكم و بينه صلح أبدا حتى نأكل‏

64

عسل افريذين يأترج كوثى. فقال الملك: يا ويلاه إن الملائكة لتتكلم على ألسنتهم، ترد علينا و تجيبنا عن العرب. ثم أمر الناس بالرحيل من هناك إلى المدائن فجازوا في السفن منها إليها و بينهما دجلة، و هي قريبة منها جدا، و لما دخل المسلمون نهر شير لاح لهم القصر الأبيض من المدائن و هو قصر الملك الّذي ذكره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه سيفتحه اللَّه على أمته، و ذلك قريب الصباح، فكان أول من رآه من المسلمين ضرار بن الخطاب، فقال: اللَّه أكبر أبيض كسرى، هذا ما وعدنا اللَّه و رسوله.

و نظر الناس إليه فتتابعوا التكبير إلى الصبح.

ذكر فتح المدائن التي هي مستقر ملك كسرى‏

لما فتح سعد نهر شير و استقر بها، و ذلك في صفة لم يجد فيها أحدا و لا شيئا مما يغنم، بل قد تحولوا بكمالهم إلى المدائن و ركبوا السفن و ضموا السفن إليهم، و لم يجد سعد رضى اللَّه عنه شيئا من السفن و تعذر عليه تحصيل شي‏ء منها بالكلية، و قد زادت دجلة زيادة عظيمة و اسودّ ماؤها، و رمت بالزبد من كثرة الماء بها، و أخبر سعد بأن كسرى يزدجرد عازم على أخذ الأموال و الأمتعة من المدائن إلى حلوان، و أنك إن لم تدركه قبل ثلاث فات عليك و تفارط الأمر. فخطب سعد المسلمين على شاطئ دجلة، فحمد اللَّه و أثنى عليه و قال إن عدوكم قد اعتصم منكم بهذا البحر فلا تخلصون إليهم معه، و هم يخلصون إليكم إذا شاءوا فينا و شونكم في سفنهم، و ليس وراءكم شي‏ء تخافون أن تؤتوا منه، و قد رأيت أن تبادروا جهاد العدو بنياتكم قبل أن تحصركم الدنيا، ألا إني قد عزمت على قطع هذا البحر إليهم. فقالوا جميعا: عزم اللَّه لنا و لك على الرشد فافعل. فعند ذلك ندب سعد الناس إلى العبور و يقول: من يبدأ فيحمى لنا الفراض- يعنى ثغرة المخاضة من الناحية الأخرى- ليجوز الناس إليهم آمنين، فانتدب عاصم بن عمرو و ذو البأس من الناس قريب من ستمائة، فأمرّ سعد عليهم عاصم ابن عمرو فوقفوا على حافة دجلة فقال عاصم: من ينتدب معى لنكون قبل الناس دخولا في هذا البحر فنحمى الفراض من الجانب الآخر؟ فانتدب له ستون من الشجعان المذكورين- و الأعاجم وقوف صفوفا من الجانب الآخر- فتقدم رجل من المسلمين و قد أحجم الناس عن الخوض في دجلة، فقال:

أ تخافون من هذه النطفة؟ ثم تلا قوله تعالى‏ وَ ما كانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتاباً مُؤَجَّلًا ثم أقحم فرسه فيها و اقتحم الناس، و قد افترق الستون فرقتين أصحاب الخيل الذكور، و أصحاب الخيل الإناث. فلما رآهم الفرس يطفون على وجه الماء قالوا: دبوانا دبوانا. يقولون مجانين مجانين. ثم قالوا:

و اللَّه ما تقاتلون إنسا بل تقاتلون جنا. ثم أرسلوا فرسانا منهم في الماء يلتقون أول المسلمين ليمنعوهم من الخروج من الماء، فأمر عاصم بن عمرو أصحابه أن يشرعوا لهم الرماح و يتوخوا الأعين، ففعلوا ذلك بالفرس فقلعوا عيون خيولهم، فرجعوا أمام المسلمين لا يملكون كف خيولهم حتى خرجوا من‏

65

الماء، و اتبعهم عاصم و أصحابه فساقوا وراءهم حتى طردوهم عن الجانب الآخر، و وقفوا على حافة الدجلة من الجانب الآخر و نزل بقية أصحاب عاصم من الستمائة في دجلة فخاضوها حتى وصلوا إلى أصحابهم من الجانب الآخر فقاتلوا مع أصحابهم حتى نفوا الفرس عن ذلك الجانب و كانوا يسمون الكتيبة الأولى كتيبة الأهوال، و أميرها عاصم بن عمرو، و الكتيبة الثانية الكتيبة الخرساء و أميرها القعقاع بن عمرو. و هذا كله و سعد و المسلمون ينظرون إلى ما يصنع هؤلاء الفرسان بالفرس، و سعد واقف على شاطئ دجلة. ثم نزل سعد ببقية الجيش، و ذلك حين نظروا إلى الجانب الآخر قد تحصن بمن حصل فيه من الفرسان المسلمين، و قد أمر سعد المسلمين عند دخول الماء أن يقولوا:

نستعين باللَّه و نتوكل عليه، حسبنا اللَّه و نعم الوكيل، و لا حول و لا قوة إلّا باللَّه العلى العظيم. ثم اقتحم بفرسه دجلة و اقتحم الناس لم يتخلف عنه أحد، فساروا فيها كأنما يسيرون على وجه الأرض حتى ملئوا ما بين الجانبين، فلا يرى وجه الماء من الفرسان و الرجالة، و جعل الناس يتحدثون على وجه الماء كما يتحدثون على وجه الأرض، و ذلك لما حصل لهم من الطمأنينة و الأمن، و الوثوق بأمر اللَّه و وعده و نصره و تأييده، و لأن أميرهم‏

سعد بن أبى وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و قد توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو عنه راض، و دعا له. فقال «اللَّهمّ أجب دعوته، و سدد رميته»

و المقطوع به أن سعدا دعا لجيشه هذا في هذا اليوم بالسلامة و النصر، و قد رمى بهم في هذا اليم فسددهم اللَّه و سلمهم، فلم يفقد من المسلمين رجل واحد غير أن رجلا واحدا يقال له غرقدة البارقي، ذلك عن فرس له شقراء، فأخذ القعقاع بن عمرو بلجامها، و أخذ بيد الرجل حتى عدله على فرسه، و كان من الشجعان، فقال: عجز النساء أن يلدن مثل القعقاع بن عمرو. و لم يعدم للمسلمين شي‏ء من أمتعتهم غير قدح من خشب لرجل يقال له مالك بن عامر، كانت علاقته رثة فأخذه الموج، فدعا صاحبه اللَّه عز و جل، و قال: اللَّهمّ لا تجعلني من بينهم يذهب متاعي. فرده الموج إلى الجانب الّذي يقصدونه فأخذه الناس ثم ردوه على صاحبه بعينه. و كان الفرس إذا أعيا و هو في الماء يقيض اللَّه له مثل النشز المرتفع فيقف عليه فيستريح، و حتى أن بعض الخيل ليسير و ما يصل الماء إلى حزامها، و كان يوما عظيما و أمرا هائلا، و خطبا جليلا، و خارقا باهرا، و معجزة لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، خلقها اللَّه لأصحابه لم ير مثلها في تلك البلاد، و لا في بقعة من البقاع، سوى قضية العلاء بن الحضرميّ المتقدمة، بل هذا أجل و أعظم، فان هذا الجيش كان أضعاف ذلك. قالوا: و كان الّذي يساير سعد ابن أبى وقاص في الماء سلمان الفارسي، فجعل سعد يقول: حسبنا اللَّه و نعم الوكيل. و اللَّه لينصرن اللَّه وليه و ليظهرن اللَّه دينه، و ليهزمن اللَّه عدوه، إن لم يكن في الجيش بغى أو ذنوب تغلب الحسنات.

فقال له سلمان: إن الإسلام جديد. ذللت لهم و اللَّه البحور كما ذلل لهم البر، أما و الّذي نفس سلمان‏

66

بيده ليخرجن منه أفواجا كما دخلوا أفواجا. فخرجوا منه كما قال سلمان لم يغرق منهم أحد، و لم يفقدوا شيئا.

و لما استقل المسلمون على وجه الأرض خرجت الخيول تنفض أعرافها صاهلة، فساقوا وراء الأعاجم حتى دخلوا المدائن، فلم يجدوا بها أحدا، بل قد أخذ كسرى أهله و ما قدروا عليه من الأموال و الأمتعة و الحواصل و تركوا ما عجزوا عنه من الأنعام و الثياب و المتاع، و الآنية و الالطاف و الادهان ما لا يدرى قيمته. و كان في خزانة كسرى ثلاثة آلاف ألف ألف ألف دينار ثلاث مرات فأخذوا من ذلك ما قدروا عليه و تركوا ما عجزوا عنه و هو مقدار النصف من ذلك أو ما يقاربه.

فكان أول من دخل المدائن كتيبة الأهوال ثم الكتيبة الخرساء، فأخذوا في سككها لا يلقون أحدا و لا يخشونه غير القصر الأبيض ففيه مقاتلة و هو محصن.

فلما جاء سعد بالجيش دعا أهل القصر الأبيض ثلاثة أيام على لسان سلمان الفارسي، فلما كان اليوم الثالث نزلوا منه و سكنه سعد و اتخذ الإيوان مصلى، و حين دخله تلا قوله تعالى‏ كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَ عُيُونٍ وَ زُرُوعٍ وَ مَقامٍ كَرِيمٍ* وَ نَعْمَةٍ كانُوا فِيها فاكِهِينَ كَذلِكَ وَ أَوْرَثْناها قَوْماً آخَرِينَ‏ ثم تقدم إلى صدره فصلى ثمان ركعات صلاة الفتح، و ذكر سيف في روايته أنه صلاها بتسليمة واحدة و أنه جمع بالايوان في صفر من هذه السنة فكانت أول جمعة جمعت بالعراق، و ذلك لأن سعدا نوى الاقامة بها، و بعث إلى العيالات فأنزلهم دون المدائن و استوطنوها، حتى فتحوا جلولاء و تكريت و الموصل، ثم تحولوا الى الكوفة بعد ذلك كما سنذكره. ثم أرسل السرايا في إثر كسرى يزدجرد فلحق بهم طائفة فقتلوهم و شردوهم و استلبوا منهم أموالا عظيمة. و أكثر ما استرجعوا من ملابس كسرى و تاجه و حليه. و شرع سعد في تحصيل ما لك من الأموال و الحواصل و التحف، مما لا يقوم و لا يحد و لا يوصف كثرة و عظمة. و قد روينا أنه كان هناك تماثيل من جص فنظر سعد إلى أحدها و إذا هو يشير بإصبعه إلى مكان، فقال سعد: إن هذا لم يوضع هكذا سدى، فأخذوا ما يسامت إصبعه فوجدوا قبالتها كنزا عظيما من كنوز الأكاسرة الأوائل، فأخرجوا منه أموالا عظيمة جزيلة، و حواصل باهرة، و تحفا فاخرة. و استحوذ المسلمون على ما لك أجمع مما لم ير أحد في الدنيا أعجب منه. و كان في جملة ذلك تاج كسرى و هو مكلل بالجواهر النفيسة التي تحير الأبصار، و منطقته كذلك و سيفه و سواره و قباؤه و بساط إيوانه، و كان مربعا ستون ذراعا في مثلها، من كل جانب، و البساط مثله سواء، و هو منسوج بالذهب و اللآلئ و الجواهر الثمينة، و فيه مصور جميع ممالك كسرى، بلاده بأنهارها و قلاعها، و أقاليمها، و كنوزها، و صفة الزروع و الأشجار التي في بلاده. فكان إذا جلس على كرسي مملكته و دخل تحت تاجه، و تاج معلق بسلاسل الذهب، لأنه كان لا يستطيع أن يقله‏

67

على رأسه لثقله، بل كان يجي‏ء فيجلس تحته ثم يدخل رأسه تحت التاج و السلاسل الذهب تحمله عنه، و هو يستره حال لبسه فإذا رفع الحجاب عنه خرت له الأمراء سجودا. و عليه المنطقة و السواران و السيف و القباء المرصع بالجواهر فينظر في البلدان واحدة واحدة، فيسأل عنها و من فيها من النواب، و هل حدث فيها شي‏ء من الأحداث؟ فيخبره بذلك ولاة الأمور بين يديه. ثم ينتقل الى الأخرى، و هكذا حتى يسأل عن أحوال بلاده في كل وقت لا يهمل أمر المملكة، و قد وضعوا هذا البساط بين يديه تذكارا له بشأن الممالك، و هو إصلاح جيد منهم في أمر السياسة. فلما جاء قدر اللَّه زالت تلك الأيدي عن تلك الممالك و الأراضي و تسلمها المسلمون من أيديهم قسرا، و كسروا شوكتهم عنها و أخذوها بأمر اللَّه صافية ضافية، و للَّه الحمد و المنة. و قد جعل سعد بن أبى وقاص على الأقباض عمرو بن عمرو بن مقرن فكان أول ما حصل ما كان في القصر الأبيض و منازل كسرى، و سائر دور المدائن، و ما كان بالايوان مما ذكرنا، و ما يفد من السرايا الذين في صحبة زهرة بن حوية، و كان فيما رد زهرة بغل كان قد أدركه و غصبه من الفرس و كانت تحوطه بالسيوف فاستنقذه منهم و قال إن لهذا لشأنا فرده إلى الأقباض و إذا عليه سفطان فيهما ثياب كسرى و حليه، و لبسه الّذي كان يلبسه على السرير كما ذكرنا، و بغل آخر عليه تاجه الّذي ذكرنا في سفطين أيضا ردا من الطريق مما استلبه أصحاب السرايا، و كان فيما ردت السرايا أموال عظيمة و فيها أكثر أناث كسرى و أمتعته و الأشياء النفيسة التي استصحبوها معهم، فلحقهم المسلمون فاستلبوها منهم. و لم تقدر الفرس على حمل البساط لثقله عليهم، و لا حمل الأموال لكثرتها. فإنه كان المسلمون يجيئون بعض تلك الدور فيجدون البيت ملآنا إلى أعلاه من أواني الذهب و الفضة، و يجدون من الكافور شيئا كثيرا، فيحسبونه ملحا، و ربما استعمله بعضهم في العجين فوجدوه مرا حتى تبينوا أمره فتحصل الفي‏ء على أمر عظيم من الأموال، و شرع سعد فخمسه و أمر سلمان الفارسي فقسم الأربعة الأخماس بين الغانمين، فحصل لكل واحد من الفرسان اثنتي عشر ألفا، و كانوا كلهم فرسانا، و مع بعضهم جنائب، و استوهب سعد أربعة أخماس البساط و لبس كسرى من المسلمين، ليبعثه إلى عمرو المسلمين بالمدينة لينظروا إليه و يتعجبوا منه، فطيبوا له ذلك و أذنوا فيه، فبعثه سعد إلى عمر مع الخمس مع بشير بن الخصاصية، و كان الّذي بشر بالفتح قبله حليس بن فلان الأسدي، فروينا أن عمر لما نظر إلى ذلك قال إن قوما أدوا هذا لأمناء، فقال له على بن أبى طالب: إنك عففت فعفت رعيتك، و لو رتعت لرتعت. ثم قسم عمر ذلك في المسلمين فأصاب عليا قطعة من البساط فباعها بعشرين ألفا، و قد ذكر سيف بن عمر أن عمر بن الخطاب ألبس ثياب كسرى لخشبة و نصبها أمامه ليرى الناس ما في هذه الزينة من العجب، و ما عليها من زهرة الحياة الدنيا الفانية. و قد روينا أن عمر

68

ألبس ثياب كسرى لسراقة بن مالك بن جعشم أمير بنى مدلج رضى اللَّه عنه.

قال الحافظ أبو بكر البيهقي في دلائل النبوة: أخبرنا عبد اللَّه بن يوسف الأصبهاني ثنا أبو سعيد ابن الأعرابي. قال وجدت في كتابي بخط يدي عن أبى داود حدثنا محمد بن عبيد حدثنا حماد ثنا يونس عن الحسن أن عمر بن الخطاب أتى بفروة كسرى فوضعت بين يديه و في القوم سراقة بن مالك بن جعشم، قال فألقى إليه سواري كسرى بن هرمز فجعلهما في يده فبلغا منكبيه فلما رآهما في يدي سراقة قال الحمد للَّه سواري كسرى بن هرمز في يدي سراقة بن مالك بن جعشم أعرابى من بنى مدلج. و ذكر الحديث. هكذا ساقه البيهقي.

ثم حكى عن الشافعيّ أنه قال:

و إنما البسهما سراقة لأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لسراقة و نظر إلى ذراعيه «كأنى بك و قد ألبست سواري كسرى»

قال الشافعيّ: و قد قال عمر لسراقة حين ألبسه سواري كسرى: قل اللَّه أكبر. فقال اللَّه أكبر. ثم قال: قل الحمد للَّه الّذي سلبهما كسرى بن هرمز و ألبسهما سراقة بن مالك أعرابى من بنى مدلج. و قال الهيثم بن عدي: أخبرنا أسامة بن زيد الليثي ثنا القاسم بن محمد بن أبى بكر، قال بعث سعد بن أبى وقاص أيام القادسية إلى عمر بقباء كسرى و سيفه و منطقته و سواريه و سراويله و قميصه و تاجه و خفيه، قال فنظر عمر في وجوه القوم. و كان أجسمهم و أبدنهم قامة سراقة بن مالك بن جعشم فقال يا سراق قم فالبس، قال سراقة فطمعت فيه فقمت فلبست فقال أدبر فأدبرت، ثم قال أقبل فأقبلت، ثم قال بخ بخ، أعير أبي من بنى مدلج عليه قباء كسرى و سراويله و سيفه و منطقته و تاجه و خفاه. رب يوم يا سراق بن مالك، لو كان عليك فيه هذا من متاع كسرى و آل كسرى، كان شرفا لك و لقومك، انزع. فنزعت. فقال: اللَّهمّ إنك منعت هذا رسولك و نبيك، و كان أحب إليك منى و أكرم عليك منى. و منعته أبا بكر و كان أحب إليك منى، و أكرم عليك منى، و أعطيتنيه فأعوذ بك أن تكون أعطيتنيه لتمكر بى. ثم بكى حتى رحمه من كان عنده. ثم قال لعبد الرحمن بن عوف:

أقسمت عليك لما بعته ثم قسمته قبل أن تمسى و ذكر سيف بن عمر التميمي: أن عمر حين ملك تلك الملابس و الجواهر جي‏ء بسيف كسرى و معه عدة سيوف منها سيف النعمان بن المنذر نائب كسرى على الحيرة و أن عمر قال: الحمد للَّه الّذي جعل سيف كسرى فيما يضره و لا ينفعه. ثم قال: إن قوما أدوا هذا لأمناء، أو لذو أمانة. ثم قال:

إن كسرى لم يزد على أن تشاغل بما أوتى عن آخرته فجمع لزوج امرأته، أو زوج ابنته، و لم يقدم لنفسه، و لو قدم لنفسه و وضع الفضول في مواضعها لحصل له. و قد قال بعض المسلمين و هو أبو نجيد نافع بن الأسود في ذلك:

و أملنا على المدائن خيلا* * * بحرها مثل برّهنّ أريضا

69

فانتشلنا خزائن المرء كسرى‏* * * يوم ولوا و حاص منا جريضا

وقعة جلولاء

لما سار كسرى و هو يزدجرد بن شهريار من المدائن هاربا إلى حلوان شرع في أثناء الطريق في جمع رجال و أعوان و جنود، من البلدان التي هناك، فاجتمع إليه خلق كثير، و جم غفير من الفرس و أمر على الجميع مهران، و سار كسرى إلى حلوان فأقام الجمع الّذي جمعه بينه و بين المسلمين في جلولاء، و احتفروا خندقا عظيما حولها، و أقاموا بها في العدد و العدد و آلات الحصار، فكتب سعد إلى عمر يخبره بذلك. فكتب إليه عمر أن يقيم هو بالمدائن و يبعث ابن أخيه هاشم بن عتبة أميرا على الجيش الّذي يبعثه إلى كسرى، و يكون على المقدمة القعقاع بن عمرو، و على الميمنة سعد بن مالك و على الميسرة أخوه عمر بن مالك، و على الساقة عمرو بن مرة الجهنيّ. ففعل سعد ذلك و بعث مع ابن أخيه جيشا كثيفا يقارب اثنى عشر ألفا، من سادات المسلمين و وجوه المهاجرين و الأنصار، و رءوس العرب. و ذلك في صفر من هذه السنة بعد فراغهم من أمر المدائن، فساروا حتى انتهوا إلى المجوس و هم يجلولاء قد خندقوا عليهم، فحاصرهم هاشم بن عتبة، و كانوا يخرجون من بلدهم للقتال في كل وقت فيقاتلون قتالا لم يسمع بمثله. و جعل كسرى يبعث إليهم الأمداد، و كذلك سعد يبعث المدد إلى ابن أخيه، مرة بعد أخرى. و حمى القتال، و اشتد النزال، و اضطرمت نار الحرب، و قام في الناس هاشم فخطبهم غير مرة، فحضرهم على القتال و التوكل على اللَّه. و قد تعاقدت الفرس و تعاهدت، و حلفوا بالنار أن لا يفروا أبدا حتى يفنوا العرب. فلما كان الموقف الأخير و هو يوم الفيصل و الفرقان، تواقفوا من أول النهار، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يعهد مثله حتى فنى النشاب من الطرفين، و تقصفت الرماح من هؤلاء و من هؤلاء، و صاروا إلى السيوف و الطبرزينات، و حانت صلاة الظهر فصلى المسلمون إيماء، و ذهبت فرقة المجوس و جاءت مكانها أخرى، فقام القعقاع بن عمرو في المسلمين فقال: أهالكم ما رأيتم أيها المسلمون؟ قالوا: نعم إنا كالّون و هم مريحون، فقال: بل إنا حاملون عليهم و مجدون في طلبهم، حتى يحكم اللَّه بيننا، فاحملوا عليهم حملة رجل واحد حتى نخالطهم، فحمل و حمل الناس، فأما القعقاع فإنه صمم الحملة في جماعة من الفرسان و الأبطال و الشجعان، حتى انتهى إلى باب الخندق، و أقبل الليل بظلامه و جالت بقية الأبطال بمن معهم في الناس و جعلوا يأخذون في التحاجز من أجل إقبال الليل و في الأبطال يومئذ طليحة الأسدي، و عمرو بن معديكرب الزبيدي، و قيس بن مكشوح، و حجر بن عدي. و لم يعلموا بما صنعه القعقاع في ظلمة الليل، و لم يشعروا بذلك، لو لا مناديه ينادى: أين أيها المسلمون، هذا أميركم على باب خندقهم.

فلما سمع ذلك المجوس فروا و حمل المسلمون نحو القعقاع بن عمرو فإذا هو على باب الخندق قد ملكه‏

70

عليهم، و هربت الفرس كل مهرب، و أخذهم المسلمون من كل وجه، و قعدوا لهم كل مرصد، فقتل منهم في ذلك الموقف مائة ألف حتى جللوا وجه الأرض بالقتلى، فلذلك سميت جلولاء. و غنموا من الأموال و السلاح و الذهب و الفضة قريبا مما غنموا من المدائن قبلها و بعث هاشم بن عتبة القعقاع بن عمرو في إثر من انهزم منهم وراء كسرى، فساق خلفهم حتى أدرك مهران منهزما، فقتله القعقاع بن عمرو، و أفلتهم الفيرزان فاستمر منهزما، و أسر سبايا كثيرة بعث بها إلى هاشم بن عتبة، و غنموا دواب كثيرة جدا. ثم بعث هاشم بالغنائم و الأموال إلى عمه سعد بن أبى وقاص فنفل سعد ذوى النجدة ثم أمر بقسم ذلك على الغانمين.

قال الشعبي: كان المال المتحصل من وقعة جلولاء ثلاثين ألف ألف، فكان خمسة ستة آلاف ألف و قال غيره: كان الّذي أصاب كل فارس يوم جلولاء نظير ما حصل له يوم المدائن- يعنى اثنى عشر ألفا لكل فارس- و قيل أصاب كل فارس تسعة آلاف و تسع دواب. و كان الّذي ولى قسم ذلك بين المسلمين و تحصيله، سلمان الفارسي رضى اللَّه عنه. ثم بعث سعد بالأخماس من المال و الرقيق و الدواب مع زياد بن أبى سفيان، و قضاعى بن عمرو، و أبى مقرن الأسود. فلما قدموا على عمر سأل عمر زياد بن أبى سفيان عن كيفية الوقعة فذكرها له، و كان زياد فصيحا، فأعجب إيراده لها عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، و أحب أن يسمع المسلمون منه ذلك، فقال له: أ تستطيع أن تخطب الناس بما أخبرتنى به؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين، إنه ليس أحد على وجه الأرض أهيب عندي منك، فكيف لا أقوى على هذا مع غيرك؟ فقام في الناس فقص عليهم خبر الوقعة، و كم قتلوا، و كم غنموا، بعبارة عظيمة بليغة فقال عمر: إن هذا لهو الخطيب المصقع- يعنى الفصيح- فقال زياد: إن جندنا أطلقوا بالفعال لساننا. ثم حلف عمر بن الخطاب أن لا يجن هذا المال الّذي جاءوا به سقف حتى يقسمه، فبات عبد اللَّه بن أرقم و عبد الرحمن بن عوف يحرسانه في المسجد، فلما أصبح جاء عمر في الناس، بعد ما صلى الغداة و طلعت الشمس، فأمر فكشف عنه جلابيبه، فلما نظر إلى ياقوتة و زبرجده و ذهبه الأصفر و فضته البيضاء، بكى عمر، فقال له عبد الرحمن: ما يبكيك يا أمير المؤمنين؟

فو اللَّه إن هذا لموطن شكر، فقال عمر: و اللَّه ما ذاك يبكيني، و تاللَّه ما أعطى اللَّه هذا قوما إلا تحاسدوا و تباغضوا، و لا تحاسدوا إلا ألقى بأسهم بينهم. ثم قسمه كما قسم أموال القادسية.

و روى سيف بن عمر عن شيوخه أنهم قالوا: و كان فتح جلولاء في ذي القعدة من سنة ستة عشر، و كان بينه و بين فتح المدائن تسعة أشهر و قد تكلم ابن جرير هاهنا فيما رواه عن سيف على ما يتعلق بأرض السواد و خراجها، و موضع تحرير ذلك كتاب الأحكام.

و قد قال هاشم بن عتبة في يوم جلولاء:

71

يوم جلولاء و يوم رستم‏* * * و يوم زحف الكوفة المقدم‏

و يوم عرض الشهر المحرم‏* * * و أيام خلت من بينهن صرم‏

شيبن أصدغى فهي هرم‏* * * مثل ثغام البلد المحرم‏

و قال أبو نجيد في ذلك:

و يوم جلولاء الوقيعة أصبحت‏* * * كتائبنا تردى بأسد عوابس‏

فضضت جموع الفرس ثم أنمتهم‏* * * فتبا لأجساد المجوس النجائس‏

و أفلتهن الفيرزان بجرعة* * * و مهران أردت يوم حز القوانس‏

أقاموا بدار للمنية موعد* * * و للترب تحثوها خجوج الروامس‏

ذكر فتح حلوان‏

و لما انقضت الوقعة أقام هشام بن عتبة بجلولاء عن أمر عمر بن الخطاب- في كتابه إلى سعد- و تقدم القعقاع بن عمرو إلى حلوان، عن أمر عمر أيضا ليكون ردءا للمسلمين لك، و مرابطا لكسرى حيث هرب، فسار كما قدمنا، و أدرك أمير الوقعة، و هو مهران الرازيّ، فقتله و هرب منه الفيرزان، فلما وصل إلى كسرى و أخبره بما كان من أمر جلولاء، و ما جرى على الفرس بعده، و كيف قتل منهم مائة ألف، و أدرك مهران فقتل، هرب عند ذلك كسرى من حلوان إلى الري، و استناب على حلوان أميرا يقال له خسروشنوم، فتقدم إليه القعقاع بن عمرو، و برز إليه خسروشنوم إلى مكان خارج من حلوان، فاقتتلوا لك قتالا شديدا ثم فتح اللَّه و نصر المسلمين و انهزم خسروشنوم، و ساق القعقاع إلى حلوان فتسلمها و دخلها المسلمون فغنموا و سبوا، و أقاموا بها، و ضربوا الجزية على من حولها من الكور و الأقاليم، بعد ما دعوا إلى الدخول في الإسلام فأبوا إلا الجزية. فلم يزل القعقاع بها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة، فسار إليها كما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.

فتح تكريت و الموصل‏

لما افتتح سعد المدائن بلغه أن أهل الموصل قد اجتمعوا بتكريت على رجل من الكفرة يقال له الأنطاق، فكتب إلى عمر بأمر جلولاء و اجتماع الفرس بها، و بأمر أهل الموصل، فتقدم ما ذكرناه من كتاب عمر في أهل جلولاء، و ما كان من أمرها. و كتب عمر في قضية أهل الموصل الذين قد اجتمعوا بتكريت على الأنطاق، أن يعين جيشا لحربهم، و يؤمر عليه عبد اللَّه بن المعتم، و أن يجعل على مقدمته ربعي بن الأفكل الغزى، و على الميمنة الحارث بن حسان الذهلي، و على الميسرة فرات بن حيان العجليّ، و على الساقة هانئ بن قيس، و على الخيل عرفجة بن هرثمة. ففصل عبد اللَّه ابن المعتم في خمسة آلاف من المدائن، فسار في أربع حتى نزل بتكريت على الأنطاق، و قد اجتمع‏

72

إليه جماعة من الروم، و من الشهارجة، و من نصارى العرب، من إياد و تغلب و النمر. و قد أحدقوا بتكريت، فحاصرهم عبد اللَّه بن المعتم أربعين يوما. و زاحفوه في هذه المدة أربعة و عشرين مرة، ما من مرة إلا و ينتصر عليهم و يفل جموعهم، فضعف جانبهم، و عزمت الروم على الذهاب في السفن بأموالهم، و راسل عبد اللَّه بن المعتم إلى من لك من الأعراب، فدعاهم إلى الدخول معه في النصرة على أهل البلد، فجاءت القصاد إليه عنهم بالإجابة إلى ذلك، فأرسل إليهم: إن كنتم صادقين فيما قلتم فاشهدوا أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا رسول اللَّه، و أقروا بما جاء من عند اللَّه. فرجعت القصاد إليه بأنهم قد أسلموا فبعث إليهم: إن كنتم صادقين فإذا كبرنا و حملنا على البلد الليلة فأمسكوا علينا أبواب السفن، و امنعوهم أن يركبوا فيها، و اقتلوا منهم من قدرتهم على قتله. ثم شد عبد اللَّه و أصحابه، و كبروا تكبيرة رجل واحد، و حملوا على البلد فكبرت الأعراب، من الناحية الأخرى، فحار أهل البلد، و أخذوا في الخروج من الأبواب التي تلى دجلة، فتلقتهم إياد و النمر و تغلب، فقتلوهم قتلا ذريعا، و جاء عبد اللَّه بن المعتم بأصحابه من الأبواب الأخر فقتل جميع أهل البلد عن بكرة أبيهم، و لم يسلم إلا من أسلم من الأعراب من إياد و تغلب و النمر، و قد كان عمر عهد في كتابه إذا نصروا على تكريت أن يبعثوا ربعي بن الأفكل إلى الحصنين و هي الموصل سريعا، فسار إليها كما أمر عمر، و معه سرية كثيرة، و جماعة من الإبطال، فسار إليها حتى فجئها قبل وصول الاخبار إليها، فما كان إلا أن واقفها حتى أجابوا إلى الصلح فضربت عليهم الذمة عن يد و هم صاغرون، ثم قسمت الأموال التي تحصلت من تكريت، فبلغ سهم الفارس ثلاثة آلاف، و سهم الراجل ألف درهم. و بعثوا بالأخماس مع فرات بن حيان، و بالفتح مع الحارث بن حسان، و ولى إمرة حرب الموصل ربعي بن الأفكل، و ولى الخراج بها عرفجة بن هرثمة.

فتح ماسبذان من أرض العراق‏

لما رجع هاشم بن عتبة من جلولاء إلى عمر بالمدائن، بلغ سعدا أن آذين بن الهرمزان قد جمع طائفة من الفرس، فكتب إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن ابعث جيشا و أمر عليهم ضرار ابن الخطاب. فخرج ضرار في جيش من المدائن، و على مقدمته ابن الهزيل الأسدي، فتقدم ابن الهزيل بين يدي الجيش، فالتقى مع آذين و أصحابه قبل وصول ضرار إليه، فكسر ابن الهزيل طائفة الفرس، و أسر آذين بن الهرمزان، و فر عنه أصحابه، و أمر ابن الهزيل فضرب عنق آذين بين يديه، و ساق وراء المنهزمين حتى انتهى إلى ماسبذان- و هي مدينة كبيرة- فأخذها عنوة، و هرب أهلها في رءوس الجبال و الشعاب، فدعاهم فاستجابوا له، و ضرب على من لم يسلم الجزية، و أقام نائبا عليها حتى تحول سعد من المدائن إلى الكوفة كما سيأتي.

73

فتح قرقيسيا وهيت في هذه السنة

قال ابن جرير و غيره: لما رجع هاشم من جلولاء إلى المدائن و كان أهل الجزيرة قد أمدوا أهل حمص على قتال أبى عبيدة و خالد- لما كان هرقل بقنسرين- و اجتمع أهل الجزيرة في مدينة هيت، كتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب إليه أن يبعث إليهم جيشا، و أن يؤمر عليهم عمر بن مالك ابن عتبة بن نوفل بن عبد مناف، فسار فيمن معه من المسلمين إلى هيت، فوجدهم قد خندقوا عليهم، فحاصرهم حينا فلم يظفر بهم، فسار في طائفة من أصحابه و استخلف على محاصرة هيت الحارث ابن يزيد، فراح عمر بن مالك إلى قرقيسيا فأخذها عنوة، و أنابوا إلى بذل الجزية، و كتب إلى نائبة على هيت: إن لم يصالحوا أن يحفر من وراء خندقهم خندقا، و يجعل له أبوابا من ناحيته. فلما بلغهم ذلك أنابوا إلى المصالحة.

قال شيخنا أبو عبد اللَّه الحافظ الذهبي: و في هذه السنة بعث أبو عبيدة عمرو بن العاص بعد فراغه من اليرموك إلى قنسرين فصالح أهل حلب، و منبج، و أنطاكية، على الجزية. و فتح سائر بلاد قنسرين عنوة. قال: و فيها افتتحت سروج و الرها على يدي عياض بن غنم.

قال: و فيها فيما ذكر ابن الكلبي سار أبو عبيدة و على مقدمته خالد بن الوليد، فحاصر إيليا فسألوا الصلح على أن يقدم عمر فيصالحهم على ذلك، فكتب أبو عبيدة إلى عمر فقدم حتى صالحهم و أقام أياما ثم رجع إلى المدينة. قلت: قد تقدم هذا فيما قبل هذه السنة و اللَّه أعلم.

قال الواقدي: و في هذه السنة حمى عمر الرَّبَذَة بخيل المسلمين، و فيها غرّب عمر أبا محجن الثقفي إلى باضع [ (1)]، و فيها تزوج عبد اللَّه بن عمر صفية بنت أبى عبيد. قلت: الّذي قتل يوم الجسر، و كان أمير السرية، و هي أخت المختار بن أبى عبيد أمير العراق فيما بعد، و كانت امرأة صالحة، و كان أخوها فاجرا و كافرا أيضا. قال الواقدي: و فيها حج عمر بالناس، و استخلف على المدينة زيد بن ثابت.

قال: و كان نائبة على مكة عتاب، و على الشام أبو عبيدة، و على العراق سعد، و على الطائف عثمان ابن أبى العاص، و على اليمن يعلى بن أمية، و على اليمامة و البحرين العلاء بن الحضرميّ، و على عمان حذيفة بن محصن، و على البصرة المغيرة بن شعبة، و على الموصل ربعي بن الأفكل، و على الجزيرة عياض بن غنم الأشعري.

قال الواقدي و في ربيع الأول من هذه السنة- أعنى سنة ست عشرة- كتب عمر بن الخطاب التاريخ، و هو أول من كتبه. قلت: قد ذكرنا سببه في سيرة عمر، و ذلك أنه رفع إلى عمر صك مكتوب لرجل على آخر بدين يحل عليه في شعبان، فقال: أي شعبان؟ أمن هذه السنة

____________

[ (1)] في الأصلين: الى ما صنع و حكاية نفيه معروفة. و باضع عين أو جزيرة بساحل اليمن.

74

أم التي قبلها، أم التي بعدها؟ ثم جمع الناس فقال: ضعوا للناس شيئا يعرفون فيه حلول ديونهم.

فيقال إنهم أراد بعضهم أن يؤرخوا كما تؤرخ الفرس بملوكهم، كلما هلك ملك أرخوا من تاريخ ولاية الّذي بعده، فكرهوا ذلك. و منهم من قال: أرخوا بتاريخ الروم من زمان إسكندر فكرهوا ذلك، و لطوله أيضا. و قال قائلون: أرخوا من مولد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال آخرون من مبعثه (عليه السلام).

و أشار على بن أبى طالب و آخرون أن يؤرخ من هجرته من مكة إلى المدينة لظهوره لكل أحد فإنه أظهر من المولد و المبعث. فاستحسن ذلك عمر و الصحابة، فأمر عمر أن يؤرخ من هجرة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أرخوا من أول تلك السنة من محرمها، و عند مالك (رحمه اللَّه) فيما حكاه عن السهيليّ و غيره أن أول السنة من ربيع الأول لقدومه (عليه السلام) إلى المدينة. و الجمهور على أن أول السنة من المحرم، لأنه أضبط لئلا تختلف الشهور، فإن المحرم أول السنة الهلالية العربية. و في هذه السنة- أعنى سنة ست عشرة- توفيت مارية أم إبراهيم بن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ذلك في المحرم منها فيما ذكره الواقدي و ابن جرير و غير واحد، و صلى عليها عمر بن الخطاب، و كان يجمع الناس لشهود جنازتها، و دفنت بالبقيع رضى اللَّه عنها و أرضاها، و هي مارية القبطية، أهداها صاحب اسكندرية- و هو جريج بن مينا- في جملة تحف و هدايا لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقبل ذلك منه، و كان معها أختها شيرين التي وهبها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لحسان بن ثابت، فولدت له ابنه عبد الرحمن بن حسان. و يقال أهدى المقوقس معهما جاريتين أخرتين، فيحتمل أنهما كانتا خادمتين لمارية و سيرين. و أهدى معهن غلاما خصيا اسمه مابور، و أهدى مع ذلك بغلة شهباء اسمها الدلدل، و أهدى حلة حرير من عمل الاسكندرية. و كان قدوم هذه الهدية في سنة ثمان.

فحملت مارية من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بإبراهيم (عليه السلام)، فعاش عشرين شهرا، و مات قبل أبيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسنة سواء. و قد حزن عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بكى عليه و قال: تدمع العين، و يحزن القلب، و لا نقول إلا ما يرضى ربنا، و إنا بك يا إبراهيم لمحزونون،

و قد تقدم ذلك في سنة عشر. و كانت مارية هذه من الصالحات الخيرات الحسان. و قد حظيت عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أعجب بها، و كانت جميلة ملاحة، أي حلوة، و هي تشابه هاجر سرّية الخليل، فان كلا منهما من ديار مصر و تسراها نبي كريم، و خليل جليل، (عليهما السلام).

ثم دخلت سنة سبع عشرة

في المحرم منها انتقل سعد بن أبى وقاص من المدائن إلى الكوفة، و ذلك أن الصحابة استوخموا المدائن، و تغيرت ألوانهم، و ضعفت أبدانهم، لكثرة ذبابها و غبارها، فكتب سعد إلى عمر في ذلك، فكتب عمر: إن العرب لا تصلح إلا حيث يوافق إبلها. فبعث سعد حذيفة و سلمان بن زياد يرتادان للمسلمين منزلا مناسبا يصلح لاقامتهم. فمرا على أرض الكوفة و هي حصباء في رملة حمراء،

75

فأعجبتهما و وجد لك ديرات ثلاث دير حرقة بنت النعمان، و دير أم عمرو، و دير سلسلة، و بين ذلك خصاص خلال هذه الكوفة، فنزلا فصليا لك و قال كل واحد منهما: اللهم رب السماء و ما أظلت، و رب الأرض و ما أقلت، و رب الريح و ما ذرت، و النجوم و ما هوت، و البحار و ما جرت، و الشياطين و ما أضلت، و الخصاص و ما أجنت، بارك لنا في هذه الكوفة و اجعلها منزل ثبات. ثم كتبا إلى سعد بالخبر، فأمر سعد باختطاط الكوفة، و سار إليها في أول هذه السنة في محرمها، فكان أول بناء وضع فيها المسجد. و أمر سعد رجلا راميا شديد الرمي، فرمى من المسجد إلى الأربع جهات فحيث سقط سهمه بنى الناس منازلهم، و عمر قصرا تلقاء محراب المسجد للامارة و بيت المال، فكان أول ما بنوا المنازل بالقصب، فاحترقت في أثناء السنة، فبنوها باللبن عن أمر عمر، بشرط أن لا يسرفوا و لا يجاوزوا الحد. و بعث سعد إلى الأمراء و القبائل فقدموا عليه، فأنزلهم الكوفة، و أمر سعد أبا هياج الموكل بإنزال الناس فيها بأن يعمروا و يدعوا للطريق المنهج وسع أربعين ذراعا. و لما دون ذلك ثلاثين و عشرين ذراعا، و للازقة سبعة أذرع. و بنى لسعد قصر قريب من السوق، فكانت غوغاء الناس تمنع سعدا من الحديث، فكان يغلق بابه و يقول: سكن الصويت فلما بلغت هذه الكلمة عمر بن الخطاب بعث محمد بن مسلمة، فأمره إذا انتهى إلى الكوفة أن يقدح زناده و يجمع حطبا و يحرق باب القصر ثم يرجع من فوره. فلما انتهى إلى الكوفة فعل ما أمره به عمر، و أمر سعدا أن لا يغلق بابه عن الناس، و لا يجعل على بابه أحدا يمنع الناس عنه، فامتثل ذلك سعد و عرض على محمد بن مسلمة شيئا من المال فامتنع من قبوله، و رجع إلى المدينة، و استمر سعد بعد ذلك في الكوفة ثلاث سنين و نصف، حتى عزله عنها عمر، من غير عجز و لا خيانة.

قصة أبى عبيدة و حصر الروم له بحمص و قدوم عمر إلى الشام أيضا لينصره‏

و ذلك أن جمعا من الروم عزموا على حصار أبى عبيدة بحمص، و استجاشوا بأهل الجزيرة، و خلق ممن لك، و قصدوا أبا عبيدة، فبعث أبو عبيدة إلى خالد فقدم عليه من قنسرين، و كتب إلى عمر بذلك، و استشار أبو عبيدة المسلمين في أن يناجز الروم أو يتحصن بالبلد حتى يجي‏ء أمر عمر؟ فكلهم أشار بالتحصن، إلا خالدا فإنه أشار بمناجزتهم، فعصاه و أطاعهم. و تحصن بحمص و أحاط به الروم، و كل بلد من بلدان الشام مشغول أهله عنه بأمرهم، و لو تركوا ما هم فيه و أقبلوا إلى حمص لانخرم النظام في الشام كله. و كتب عمر إلى سعد أن يندب الناس مع القعقاع بن عمرو، و يسيرهم إلى حمص من يوم يقدم عليه الكتاب، نجدة لأبى عبيدة فإنه محصور، و كتب إليه أن يجهز حيشا إلى أهل الجزيرة الذين مالئوا الروم على حصار أبى عبيدة و يكون أمير الجيش إلى الجزيرة عياض ابن غنم. فخرج الجيشان معا من الكوفة، القعقاع في أربعة آلاف نحو حمص لنجدة أبى عبيدة،

76

و خرج عمر بنفسه من المدينة لينصر أبا عبيدة، فبلغ الجابية و قيل إنما بلغ سرع. قاله ابن إسحاق، و هو أشبه و اللَّه أعلم. فلما بلغ أهل الجزيرة الذين مع الروم على حمص أن الجيش قد طرق بلادهم، انشمروا إلى بلادهم، و فارقوا الروم، و سمعت الروم بقدوم أمير المؤمنين عمر لينصر نائبة عليهم فضعف جانبهم جدا. و أشار خالد على أبى عبيدة بأن يبرز إليهم ليقاتلهم، ففعل ذلك أبو عبيدة، ففتح اللَّه عليه و نصره، و هزمت الروم هزيمة فظيعة. و ذلك قبل ورود عمر عليهم، و قبل وصول الامداد إليهم بثلاث ليال. فكتب أبو عبيدة إلى عمر و هو بالجابية يخبره بالفتح و أن المدد وصل إليهم بعد ثلاث ليال و سأله هل يدخلهم في القسم معهم مما أفاء اللَّه عليهم؟ فجاء الجواب بأن يدخلهم معهم في الغنيمة، فان العدو إنما ضعف و إنما انشمر عنه المدد من خوفهم منهم، فأشركهم أبو عبيدة في الغنيمة. و قال عمر: جزى اللَّه أهل الكوفة خيرا يحمون حوزتهم و يمدون أهل الأمصار.

فتح الجزيرة

قال ابن جرير: و في هذه السنة فتحت الجزائر فيما قاله سيف بن عمر، قال ابن جرير: في ذي الحجة من سنة سبع عشرة فوافق سيف بن عمر في كونها في هذه السنة. و قال ابن إسحاق: كان ذلك في سنة تسع عشرة. سار إليها عياض بن غنم. و في صحبته أبو موسى الأشعري و عمر بن سعد ابن أبى وقاص، و هو غلام صغير السن ليس إليه من الأمر شي‏ء، و عثمان بن أبى العاص. فنزل الرها فصالحه أهلها على الجزية، و صالحت حران على ذلك. ثم بعث أبا موسى الأشعري إلى نصيبين، و عمر بن سعد إلى رأس العين، و سار بنفسه إلى دارا، فافتتحت هذه البلدان، و بعث عثمان بن أبى العاص إلى أرمينية، فكان عندها شي‏ء من قتال قتل فيه صفوان بن المعطل السلمي شهيدا. ثم صالحهم عثمان بن أبى العاص على الجزية، على كل أهل بيت دينار.

و قال سيف في روايته: جاء عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن غسان فسلك على رجليه حتى انتهى إلى الموصل فعبر إلى بلد حتى انتهى إلى نصيبين، فلقوه بالصلح و صنعوا كما صنع أهل الرقة. و بعث إلى عمر برءوس النصارى من عرب أهل الجزيرة، فقال لهم عمر: أدوا الجزية. فقالوا: أبلغنا مأمننا فو اللَّه لئن وضعت علينا الجزية لندخلن أرض الروم، و اللَّه لتفضحنا من بين العرب. فقال لهم:

أنتم فضحتم أنفسكم، و خالفتم أمتكم، و و اللَّه لتؤدن الجزية و أنتم صغرة قمئة، و لئن هربتم إلى الروم لأكتبن فيكم، ثم لأسبينكم. قالوا: فخذ منا شيئا و لا تسميه جزية. فقال: أما نحن فنسميه جزية، و أما أنتم فسموه ما شئتم. فقال له على بن أبى طالب: أ لم يضعف عليهم سعد الصدقة؟

قال: بلى: و أصغى إليه و رضى به منهم.

قال ابن جرير: و في هذه السنة قدم عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه إلى الشام فوصل إلى سرع‏

77

في قول محمد بن إسحاق، و قال سيف: وصل إلى الجابية. قلت: و الأشهر أنه وصل سرع، و قد تلقاه أمراء الأجناد، أبو عبيدة، و يزيد بن أبى سفيان، و خالد بن الوليد، إلى سرع فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام، فاستشار عمر المهاجرين و الأنصار فاحتلفوا عليه، فمن قائل يقول: أنت قد جئت لأمر فلا ترجع عنه. و من قائل يقول: لا نرى أن تقدم بوجوه أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على هذا الوباء. فيقال إن عمر أمر الناس بالرجوع من الغد. فقال أبو عبيدة: أ فرارا من قدر اللَّه؟ قال:

نعم! نفر من قدر اللَّه إلى قدر اللَّه، أ رأيت لو هبطت واديا ذا عدوتين إحداهما مخصبة و الأخرى مجدبة، فان رعيت الخصبة رعيتها بقدر اللَّه، و إن أنت رعيت الجدبة رعيتها بقدر اللَّه؟ ثم قال لو غيرك يقولها يا أبا عبيدة.

قال ابن إسحاق في روايته و هو في صحيح البخاري: و كان عبد الرحمن بن عوف متغيبا في بعض شأنه، فلما قدم قال: إن عندي من ذلك علما، سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، يقول‏

: إذا سمعتم به بأرض قوم فلا تقدموا عليه، و إذا وقع بأرض و أنتم فيها فلا تخرجوا فرارا منه.

فحمد اللَّه عمر- يعنى لكونه وافق رأيه- و رجع بالناس.

و قال الامام أحمد: ثنا وكيع ثنا سفيان بن حسين بن أبى ثابت عن إبراهيم بن سعد عن سعد بن مالك بن أبى وقاص و خزيمة بن ثابت و أسامة بن زيد قالوا: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«إن هذا الطاعون رجز و بقية عذاب عذب به قوم قبلكم، فإذا وقع بأرض أنتم فيها فلا تخرجوا منها فرارا منه، و إذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوا عليه»

و رواه الامام أحمد أيضا من حديث سعيد بن المسيب و يحيى بن سعيد عن سعد بن أبى وقاص به.

قال سيف بن عمر: كان الوباء قد وقع بالشام في المحرم من هذه السنة ثم ارتفع، و كأن سيفا يعتقد أن هذا الوباء هو طاعون عمواس، الّذي هلك فيه خلق من الأمراء و وجوه المسلمين، و ليس الأمر كما زعم، بل طاعون عمواس من السنة المستقبلة بعد هذه، كما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. و ذكر سيف بن عمر أن أمير المؤمنين عمر كان قد عزم على أن يطوف البلدان، و يزور الأمراء، و ينظر فيما اعتمدوه و ما آثروا من الخير، فاختلف عليه الصحابة فمن قائل يقول أبدا بالعراق، و من قائل يقول بالشام، فعزم عمر على قدوم الشام لأجل قسم مواريث من مات من المسلمين في طاعون عمواس، فإنه أشكل قسمها على المسلمين بالشام فعزم على ذلك. و هذا يقتضي أن عمر عزم على قدوم الشام بعد طاعون عمواس، و قد كان الطاعون في سنة ثماني عشرة كما سيأتي، فهو قدوم آخر غير قدوم سرع. و اللَّه أعلم.

قال سيف عن أبى عثمان و أبى حارثة و الربيع بن النعمان قالوا: قال عمر: ضاعت مواريث الناس بالشام أبدأ بها فأقسم المواريث و أقيم لهم ما في نفسي، ثم أرجع فأتقلب في البلاد و أنبذ إليهم أمرى. قالوا: فأتى عمر الشام أربع مرات مرتين في سنة ست عشرة، و مرتين في سنة سبع‏

78

عشرة، و لم يدخلها في الأولى من الأخريين. و هذا يقتضي ما ذكرناه عن سيف أنه يقول بكون طاعون عمواس في سنة سبع عشرة. و قد خالفه محمد بن إسحاق و أبو معشر و غير واحد، فذهبوا إلى أنه كان في سنة ثماني عشرة. و فيه توفى أبو عبيدة و معاذ و يزيد بن أبى سفيان، و غيرهم من الأعيان، على ما سيأتي تفصيله إن شاء اللَّه تعالى.

ذكر شي‏ء من أخبار طاعون عمواس‏

الّذي توفى فيه أبو عبيدة و معاذ و يزيد بن أبى سفيان و غيرهم من أشراف الصحابة و غيرهم.

أورده ابن جرير في هذه السنة.

قال محمد بن إسحاق عن شعبة عن المختار بن عبد اللَّه البجلي عن طارق بن شهاب البجلي. قال:

أتينا أبا موسى و هو في داره بالكوفة لنتحدث عنده فلما جلسنا قال: لا تحفوا فقد أصيب في الدار إنسان بهذا السقم، و لا عليكم أن تتنزهوا عن هذه القرية فتخرجوا في فسيح بلادكم و نزهها، حتى يرتفع هذا البلاء، فانى سأخبركم بما يكره مما يتقى. من ذلك أن يظن من خرج أنه لو قام مات، و يظن من أقام فأصابه ذلك أنه لو خرج لم يصبه، فإذا لم يظن ذلك هذا المرء المسلم فلا عليه أن يخرج و أن يتنزه عنه، إني كنت مع أبى عبيدة بن الجراح بالشام عام طاعون عمواس، فلما اشتعل الوجع و بلغ ذلك عمر كتب إلى أبى عبيدة ليستخرجه منه: أن سلام عليك أما بعد فإنه قد عرضت لي إليك حاجة أريد أن أشافهك بها، فعزمت عليك إذا نظرت في كتابي هذا أن لا تضعه من يدك حتى تقبل إلى: قال فعرف أبو عبيدة أنه إنما أراد أن يستخرجه من الوباء. فقال: يغفر اللَّه لأمير المؤمنين. ثم كتب إليه يا أمير المؤمنين إني قد عرفت حاجتك إلى، و إني في جند من المسلمين لا أجد بنفسي رغبة عنهم، فلست أريد فراقهم حتى يقضى اللَّه في و فيهم أمره و قضاءه، فخلني من عزمتك يا أمير المؤمنين، و دعني في جندي. فلما قرأ عمر الكتاب بكى فقال الناس يا أمير المؤمنين أمات أبو عبيدة؟ قال: لا، و كأن قد. قال: ثم كتب إليه «سلام عليك أما بعد فإنك أنزلت الناس أرضا عميقة فارفعهم إلى أرض مرتفعة نزهة» قال أبو موسى: فلما أتاه كتابه دعائي فقال: يا أبا موسى، إن كتاب أمير المؤمنين قد جاءني بما ترى، فاخرج فارتد للناس منزلا حتى أتبعك بهم، فرجعت إلى منزلي لأرتحل فوجدت صاحبتي قد أصيبت، فرجعت إليه و قلت: و اللَّه لقد كان في أهلي حدث.

فقال: لعل صاحبتك قد أصيبت؟ قلت: نعم، فأمر ببعير فرحل له فلما وضع رجله في غرزه طعن فقال: و اللَّه لقد أصبت، ثم سار بالناس حتى نزل الجابية و رفع عن الناس الوباء.

و قال محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح عن شهر بن حوشب عن رابة- رجل من قومه-. و كان قد خلف على أمه بعد أبيه، و كان قد شهد طاعون عمواس. قال: لما اشتعل الوجع قام أبو عبيدة في‏

79

الناس خطيبا فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم و دعوة نبيكم و موت الصالحين قبلكم، و إن أبا عبيدة يسأل اللَّه أن يقسم لأبى عبيدة حظه، فطعن، فمات و استخلف على الناس معاذ بن جبل، فقام خطيبا بعده. فقال: أيها الناس، إن هذا الوجع رحمة بكم، و دعوة نبيكم، و موت الصالحين قبلكم، و إن معاذا يسأل اللَّه تعالى أن يقسم لآل معاذ حظهم، فطعن ابنه عبد الرحمن فمات، ثم قام فدعا لنفسه فطعن في راحته فلقد رأيته ينظر إليها ثم يقلب [ (1)] ظهر كفه ثم يقول: ما أحب أن لي بما فيك شيئا من الدنيا. فلما مات استخلف على الناس عمرو بن العاص فقام فيهم خطيبا فقال:

أيها الناس، إن هذا الوجع إذا وقع فإنما يشتعل اشتعال النار، فتحصنوا منه في الجبال. فقال أبو وائل الهذلي: كذبت و اللَّه لقد صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أنت شر من حماري هذا. فقال: و اللَّه ما أرد عليكم ما تقول، و أيم اللَّه لا نقيم عليه. قال: ثم خرج و خرج الناس فتفرقوا و دفعه اللَّه عنهم.

قال: فبلغ ذلك عمر بن الخطاب من رأى عمرو بن العاص فو اللَّه ما كرهه. قال ابن إسحاق: و لما انتهى إلى عمر مصاب أبى عبيدة و يزيد بن أبى سفيان، أمر معاوية على جند دمشق و خراجها، و أمر شرحبيل بن حسنة على جند الأردن و خراجها.

و قال سيف بن عمر عن شيوخه قالوا: لما كان طاعون عمواس وقع مرتين لم ير مثلهما و طال مكثه، و فنى خلق كثير من الناس، حتى طمع العدو و تخوفت قلوب المسلمين لذلك.

قلت: و لهذا قدم عمر بعد ذلك إلى الشام فقسم مواريث الذين ماتوا لما أشكل أمرها على الأمراء، و طابت قلوب الناس بقدومه، و انقمعت الأعداء من كل جانب لمجيئه إلى الشام و للَّه الحمد و المنة.

و قال سيف بعد ذكره قدوم عمر بعد طاعون عمواس في آخر سنة سبع عشرة، قال: فلما أراد القفول إلى المدينة في ذي الحجة منها خطب الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: ألا إني قد وليت عليكم و قضيت الّذي على في الّذي ولانى اللَّه من أمركم إن شاء اللَّه، فبسطنا بينكم فيئكم و منازلكم و مغازيكم، و أبلغناكم ما لدينا، فجندنا لكم الجنود، و هيأنا لكم العروج، و بوأنا لكم، و وسعنا عليكم ما بلغ فيؤكم و ما قاتلتم عليه من شامكم، و سمينا لكم أطعماتكم، و أمرنا لكم بأعطياتكم و أرزاقكم و مغانمكم. فمن علم شيئا ينبغي العمل به فليعلمنا نعمل به إن شاء اللَّه و لا قوة إلا باللَّه. قال و حضرت الصلاة فقال الناس: لو أمرت بلالا فأذن؟ فأمره فأذن فلم يبق أحد كان أدرك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بلال يؤذن إلا بكى حتى بل لحيته، و عمر أشدهم بكاء، و بكى من لم يدركه لبكائهم و لذكره (صلى اللَّه عليه و سلم).

و ذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبى المجالد أن عمر بن الخطاب‏

____________

[ (1)] كذا بالنسختين. و في الطبري: يقبل.

80

بعث ينكر على خالد بن الوليد في دخوله إلى الحمام، و تدلكه بعد النورة بعصفر معجون بخمر، فقال في كتابه: إن اللَّه قد حرم ظاهر الخمر و باطنه، كما حرم ظاهر الإثم و باطنه، و قد حرم مس الخمر فلا تمسوها أجسامكم فإنها نجس، فإن فعلتم فلا تعودوا. فكتب إليه خالد: إنا قتلناها فعادت غسولا غير خمر. فكتب إليه عمر: إني أظن أن آل المغيرة قد ابتلوا بالجفاء فلا أماتكم اللَّه عليه فانتهى لذلك.

قال سيف: و أصاب أهل البصرة تلك السنة طاعون أيضا فمات بشر كثير و جم غفير، (رحمهم اللَّه) و رضى اللَّه عنهم أجمعين. قالوا: و خرج الحارث بن هشام في سبعين من أهله إلى الشام فلم يرجع منهم إلا أربعة. فقال المهاجرين خالد في ذلك.

من يسكن الشام يعرس به‏* * * و الشام إن لم يفننا كارب‏

أفنى بنى ريطة فرسانهم‏* * * عشرون لم يقصص لهم شارب‏

و من بنى أعمامهم مثلهم‏* * * لمثل هذا يعجب العاجب‏

طعنا و طاعونا مناياهم‏* * * ذلك ما خط لنا الكاتب‏

كائنة غريبة فيها عزل خالد عن قنسرين أيضا

قال ابن جرير: و في هذه السنة أدرب خالد بن الوليد و عياض بن غنم، أي سلكا درب الروم و أغارا عليهم، فغنموا أموالا عظيمة و سبيا كثيرا. ثم روى من طريق سيف عن أبى عثمان و أبى حارثة و الربيع و أبى المجالد. قالوا: لما رجع خالد و معه أموال جزيلة من الصائفة انتجعه الناس يبتغون رفده و نائله، فكان ممن دخل عليه الأشعث بن قيس فأجازه بعشرة آلاف فلما بلغ ذلك عمر كتب إلى أبى عبيدة يأمره أن يقيم خالدا و يكشف عمامته و ينزع عنه قلنسوته و يقيده بعمامته و يسأله عن هذه العشرة آلاف، إن كان أجازها الأشعث من ماله فهو سرف، و إن كان من مال الصائفة فهي خيانة ثم اعزله عن عمله. فطلب أبو عبيدة خالدا و صعد أبو عبيدة المنبر، و أقيم خالد بين يدي المنبر، و قام إليه بلال ففعل ما أمر به عمر بن الخطاب هو و البريد الّذي قدم بالكتاب. هذا و أبو عبيدة ساكت لا يتكلم، ثم نزل أبو عبيدة و اعتذر إلى خالد مما كان بغير اختياره و إرادته، فعذره خالد و عرف أنه لا قصد له في ذلك. ثم سار خالد إلى قنسرين فخطب أهل البلد و ودعهم، و سار بأهله إلى حمص فخطبهم أيضا و ودعهم و سار إلى المدينة، فلما دخل خالد على عمر أنشد عمر قول الشاعر

صنعت فلم يصنع كصنعك صانع‏* * * و ما يصنع الأقوام فاللَّه صانع‏

ثم سأله من أين هذا اليسار الّذي تجيز منه بعشرة آلاف؟ فقال: من الأنفال و السهمان. قال:

81

فما زاد على الستين ألفا فلك، ثم قوم أمواله و عروضه و أخذ منه عشرين ألفا ثم قال: و اللَّه إنك عليّ لكريم، و إنك إلى لحبيب، و لن تعمل لي بعد اليوم على شي‏ء.

و قال سيف عن عبد اللَّه عن المستورد عن أبيه عن عدي بن سهل. قال: كتب عمر إلى الأمصار: إني لم أعزل خالدا عن سخطة و لا خيانة، و لكن الناس فتنوا به فأحببت أن يعلموا أن اللَّه هو الصانع. ثم رواه سيف عن مبشر عن سالم قال: لما قدم خالد على عمر فذكر مثله. قال الواقدي:

و في هذه السنة اعتمر عمر في رجب منها، و عمر في المسجد الحرام و أمر بتجديد أنصاب الحرم، أمر بذلك لمخرمة بن نوفل، و أزهر بن عبد عوف، و حويطب بن عبد العزى، و سعيد بن يربوع. قال الواقدي: و حدثني كثير بن عبد اللَّه المري عن أبيه عن جده قال: قدم عمر مكة في عمرة سنة سبع عشرة، فمر في الطريق فكلمه أهل المياه أن يبنوا منازل بين مكة و المدينة- و لم يكن قبل ذلك بناء- فأذن لهم و شرط عليهم أن ابن السبيل أحق بالظل و الماء.

قال الواقدي: و فيها تزوج عمر بأم كلثوم بنت على بن أبى طالب، من فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و دخل بها في ذي القعدة. و قد ذكرنا في سيرة عمر و مسندة صفة تزويجه بها و أنه أمهرها أربعين ألفا، و قال إنما تزوجتها

لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«كل سبب و نسب فإنه ينقطع يوم القيامة إلا سببي و نسبي»

قال: و في هذه السنة ولى عمر أبا موسى الأشعري البصرة، و أمره أن يشخص إليه المغيرة بن شعبة في ربيع الأول، فشهد عليه فيما حدثني معمر عن الزهري عن سعيد بن المسيب:

أبو بكرة، و شبل بن معبد البجلي، و نافع بن عبيد، و زياد. ثم ذكر الواقدي و سيف هذه القصة و ملخصها: أن امرأة كان يقال لها أم جميل بنت الأفقم، من نساء بن عامر بن صعصعة، و يقال من نساء بنى هلال. و كان زوجها من ثقيف قد توفى عنها، و كانت تغشى نساء الأمراء و الأشراف، و كانت تدخل على بيت المغيرة بن شعبة و هو أمير البصرة، و كانت دار المغيرة تجاه دار أبى بكرة، و كان بينهما الطريق، و في دار أبى بكرة كوة تشرف على كوة في دار المغيرة، و كان لا يزال بين المغيرة و بين أبى بكرة شنئان. فبينما أبو بكرة في داره و عنده جماعة يتحدثون في العلية، إذ فتحت الريح باب الكوفة، فقام أبو بكرة ليغلقها، فإذا كوة المغيرة مفتوحة، و إذا هو على صدر امرأة و بين رجليها، و هو يجامعها، فقال أبو بكرة لأصحابه: تعالوا فانظروا إلى أميركم يزني بأم جميل. فقاموا فنظروا إليه و هو يجامع تلك المرأة، فقالوا لأبى بكرة: و من أين قلت إنها أم جميل؟- و كان رأساهما من الجانب الآخر-. فقال: انتظروا، فلما فرغا قامت المرأة فقال أبو بكرة: هذه أم جميل. فعرفوها فيما يظنون. فلما خرج المغيرة- و قد اغتسل- ليصلي بالناس منعه أبو بكرة أن يتقدم. و كتبوا إلى عمر في ذلك، فولى عمر أبا موسى الأشعري أميرا على البصرة. و عزل المغيرة، فسار إلى البصرة فنزل‏

82

البرد. فقال المغيرة: و اللَّه ما جاء أبو موسى تاجرا و لا زائرا و لا جاء إلا أميرا. ثم قدم أبو موسى على الناس و ناول المغيرة كتابا من عمر هو أوجز كتابه فيه «أما بعد فإنه بلغني نبأ عظيم فبعثت أبا موسى أميرا فسلم ما في يديك و العجل» و كتب إلى أهل البصرة: إني قد وليت عليكم أبا موسى ليأخذ من من قويكم لضعيفكم، و ليقاتل بكم عدوكم، و ليدفع عن دينكم و ليجبى لكم فيئكم ثم ليقسمه بينكم.

و أهدى المغيرة لأبى موسى جارية من مولدات الطائف تسمى عقيلة و قال: إني رضيتها لك، و كانت فارهة. و ارتحل المغيرة و الذين شهدوا عليه و هم أبو بكرة، و نافع بن كلدة، و زياد بن أمية، و شبل بن معبد البجلي. فلما قدموا على عمر جمع بينهم و بين المغيرة. فقال المغيرة: سل هؤلاء الأعبد كيف رأوني؟ مستقبلهم أو مستدبرهم؟ و كيف رأوا المرأة و عرفوها، فان كانوا مستقبلي فكيف لم يستتروا؟

أو مستدبرى فكيف استحلوا النظر في منزلي على امرأتي؟ و اللَّه ما أتيت إلا امرأتي و كانت تشبهها.

فبدأ عمر بأبي بكرة فشهد عليه أنه رآه بين رجلي أم جميل و هو يدخله و يخرجه كالميل في المكحلة، قال: كيف رأيتهما؟ قال: مستدبرهما. قال: فكيف استبنت رأسها قال: تحاملت. ثم دعا شبل ابن معبد فشهد بمثل ذلك، فقال استقبلتهما أم استدبرتهما؟ قال: استقبلتهما. و شهد نافع بمثل شهادة أبى بكرة و لم يشهد زياد بمثل شهادتهم. قال: رأيته جالسا بين رجلي امرأة فرأيت قدمين مخضوبتين يخفقان و استين مكشوفتين، و سمعت حفزانا شديدا. قال: هل رأيت كالميل في المكحلة؟

قال: لا. قال: فهل تعرف المرأة؟ قال: لا و لكن أشبهها. قال: فتنح. و روى أن عمر رضى اللَّه عنه كبر عند ذلك ثم أمر بالثلاثة فجلدوا. الحد و هو يقرأ قوله تعالى‏ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ‏ فقال المغيرة: اشفني من الأعبد. قال: اسكت أسكت اللَّه فاك، و اللَّه لو تمت الشهادة لرجمناك بأحجارك.

فتح الأهواز و مناذر و نهر تيري‏

قال ابن جرير: كان في هذه السنة، و قيل: في سنة ست عشرة. ثم روى من طريق سيف عن شيوخه أن الهرمزان كان قد تغلب على هذه الأقاليم و كان ممن فر يوم القادسية من الفرس، فجهز أبو موسى من البصرة، و عتبة بن غزوان من الكوفة جيشين لقتاله، فنصرهم اللَّه عليه، و أخذوا منه ما بين دجلة إلى دجيل، و غنموا من جيشه ما أرادوا، و قتلوا من أرادوا، ثم صانعهم و طلب مصالحتهم عن بقية بلاده، فشاورا في ذلك عتبة بن غزوان فصالحه، و بعث بالأخماس و البشارة إلى عمر، و بعث وفدا فيهم الأحنف بن قيس. فأعجب عمر به و حظي عنده. و كتب إلى عتبة يوصيه به و يأمره بمشاورته و الاستعانة برأيه. ثم نقض الهرمزان العهد و الصلح، و استعان بطائفة من الأكراد، و غرته نفسه، و حسن له الشيطان عمله في ذلك. فبرز إليه المسلمون فنصروا عليه و قتلوا من جيشه جما

83

غفيرا، و خلقا كثيرا، و جمعا عظيما، و استلبوا منه ما بيده من الأقاليم و البلدان إلى تستر، فتحصن بها، و بعثوا إلى عمر بذلك. و قد قال الأسود بن سريع في ذلك- و كان صحابيا رضى اللَّه عنه-.

لعمرك ما أضاع بنو أبينا* * * و لكن حافظوا فيمن يطيعوا

أطاعوا ربهم و عصاه قوم‏* * * أضاعوا أمره فيمن يضيع‏

مجوس لا ينهنهها كتاب‏* * * فلاقوا كبة فيها قبوع‏

و ولى الهرمزان على جواد* * * سريع الشد يثفنه الجميع‏

و خلى سرة الأهواز كرها* * * غداة الجسر إذ نجم الربيع‏

و قال حرقوص بن زهير السعدي و كان صحابيا أيضا:

غلبنا الهرمزان على بلاد* * * لها في كل ناحية ذخائر

سواء برهم و البحر فيها* * * إذا صارت نواحيها بواكر

لها بحر يعج بجانبيه‏* * * جعافر لا يزال لها زواخر

فتح تستر المرة الأولى صلحا

قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في قول سيف و روايته. و قال غيره: في سنة ست عشرة و قال غيره: كانت في سنة تسع عشرة. ثم قال ابن جرير: ذكر الخبر عن فتحها، ثم ساق من طريق سيف عن محمد و طلحة و المهلب و عمرو قالوا: و لما افتتح حرقوص بن زهير سوق الأهواز، و فر الهرمزان بين يديه، فبعث في إثره جزء بن معاوية- و ذلك عن كتاب عمر بذلك- فما زال جزء يتبعه حتى انتهى إلى رامهرمز فتحصن الهرمزان في بلادها، و أعجز جزءا تطلبه، و استحوذ جزء على تلك البلاد و الأقاليم و الأراضي، فضرب الجزية على أهلها، و عمر عامرها، و شق الأنهار إلى خرابها و مواتها: فصارت في غاية العمارة و الجودة. و لما رأى الهرمزان ضيق بلاده عليه لمجاورة المسلمين، طلب من جزء بن معاوية المصالحة، فكتب إلى حرقوص، فكتب حرقوص إلى عتبة بن غزوان، و كتب عتبة إلى عمر في ذلك. فجاء الكتاب العمرى بالمصالحة على رامهرمز، و تستر، و جندسابور، و مدائن أخر مع ذلك. فوقع الصلح على ذلك كما أمر به عمر رضى اللَّه عنه.

ذكر غزو بلاد فارس من ناحية البحرين‏

(فيما حكاه ابن جرير عن سيف في هذه السنة) و ذلك أن العلاء بن الحضرميّ كان على البحرين في أيام الصديق، فلما كان عمر عزله عنها و ولاها لقدامة بن مظعون. ثم أعاد العلاء بن الحضرميّ إليها. و كان العلاء بن الحضرميّ يبارى سعد بن أبى وقاص. فلما افتتح سعد القادسية، و أزاح كسرى عن داره، و أخذ حدود ما يلي السواد، و استعلى‏

84

و جاء بأعظم مما جاء به العلاء بن الحضرميّ من ناحية البحرين. فأحب العلاء أن يفعل فعلا في فارس نظير ما فعله سعد فيهم، فندب الناس إلى حربهم، فاستجاب له أهل بلاده، فجزأهم أجزاء، فعلى فرقة الجارود بن المعلى، و على الأخرى السوار بن همام، و على الأخرى خليد بن المنذر بن ساوى، و خليد هو أمير الجماعة. فحملهم في البحر إلى فارس، و ذلك بغير إذن عمر له في ذلك- و كان عمر يكره ذلك لأن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر ما أغزيا فيه المسلمين- فعبرت تلك الجنود من البحرين إلى فارس، فخرجوا من عند إصطخر فحالت فارس بينهم و بين سفنهم، فقام في الناس خليد بن المنذر فقال:

أيها الناس، إنما أراد هؤلاء القوم بصنيعهم هذا محاربتكم، و أنتم جئتم لمحاربتهم، فاستعينوا باللَّه و قاتلوهم، فإنما الأرض و السفن لمن غلب، وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلاةِ وَ إِنَّها لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخاشِعِينَ‏ فأجابوه إلى ذلك فصلوا الظهر ثم ناهدوهم فاقتتلوا قتالا شديدا في مكان من الأرض يدعى طاوس، ثم أمر خليد المسلمين فترجلوا و قاتلوا فصبروا، ثم ظفروا فقتلوا فارس مقتلة لم يقتلوا قبلها مثلها. ثم خرجوا يريدون البصرة فغرقت بهم سفنهم، و لم يجدوا إلى الرجوع في البحر سبيلا و وجدوا شهرك في أهل إصطخر قد أخذوا على المسلمين بالطرق، فعسكروا و امتنعوا من العدو. و لما بلغ عمر ما صنع العلاء بن الحضرميّ، اشتد غضبه عليه، و بعث إليه فعزله و توعده، و أمره بأثقل الأشياء عليه، و أبغض الوجوه إليه. فقال: الحق بسعد بن أبى وقاص [فخرج العلاء إلى سعد بن أبى وقاص [ (1)] و [ (2)]] مضافا إليه، و كتب عمر إلى عتبة بن غزوان: إن العلاء بن الحضرميّ خرج بجيش فأقطعهم أهل فارس و عصاني، و أظنه لم يرد اللَّه بذلك، فخشيت عليهم إن لا ينصروا، أن يغلبوا و ينشبوا، فاندب إليهم الناس و اضممهم إليك من قبل أن يحتاجوا. فندب عتبة المسلمين و أخبرهم بكتاب عمر إليه في ذلك، فانتدب جماعة من الأمراء الأبطال، منهم هاشم بن أبى وقاص، و عاصم بن عمرو، و عرفجة بن هرثمة، و حذيفة بن محصن، و الأخنف بن قيس، و غيرهم، في اثنى عشر ألفا. و على الجميع أبو سبرة بن أبى رهم. فخرجوا على البغال يجنبون الخيل سراعا، فساروا على الساحل لا يلقون أحدا حتى انتهوا إلى موضع الوقعة التي كانت بين المسلمين من أصحاب العلاء، و بين أهل فارس بالمكان المسمى بطاوس، و إذا خليد بن المنذر و من معه من المسلمين محصورون قد أحاط بهم العدو من كل جانب، و قد تداعت عليهم تلك الأمم من كل وجه، و قد تكاملت أمداد المشركين، و لم يبق إلا القتال. فقدم المسلمون إليهم في أحوج ما هم فيه إليهم، فالتقوا مع المشركين رأسا، فكسر أبو سبرة المشركين كسرة عظيمة، و قتل منهم مقتلة عظيمة جدا، و أخذ منهم أموالا جزيلة باهرة، و استنقذ خليدا و من معه من المسلمين من أيديهم، و أعز به الإسلام و أهله، و دفع‏

____________

[ (1)] بياض بالنسخة المصرية.

[ (2)] زيادة بالمصرية.

85

الشرك و ذله و للَّه الحمد و المنة ثم عادوا إلى عتبة بن غزوان إلى البصرة.

و لما استكمل عتبة فتح تلك الناحية، استأذن عمر في الحج فأذن له فسار إلى الحج و استخلف على البصرة أبا سبرة بن أبى رهم، و اجتمع بعمر في الموسم، و سأله أن يقيله فلم يفعل، و أقسم عليه ليرجعن إلى عمله. فدعا عتبة اللَّه عز و جل فمات ببطن نخلة، و هو منصرف من الحج، فتأثر عليه عمر و أثنى عليه خيرا، و ولى بعده بالبصرة المغيرة بن شعبة، فوليها بقية تلك السنة و التي تليها، لم يقع في زمانه حدث، و كان مرزوق السلامة في عمله. ثم وقع الكلام في تلك المرأة من أبى بكرة فكان من أمره ما قدمنا. ثم بعث إليها أبا موسى الأشعري واليا عليها رضى اللَّه عنهم.

ذكر فتح تستر ثانية عنوة و السوس و رامهرمز و أسر الهرمزان و بعثه إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه‏

قال ابن جرير: كان ذلك في هذه السنة في رواية سيف بن عمر التميمي. و كان سبب ذلك أن يزدجرد كان يحرض أهل فارس في كل وقت و يؤنبهم بملك العرب بلادهم و قصدهم إياهم في حصونهم فكتب إلى أهل الأهواز و أهل فارس فتحركوا و تعاهدوا و تعاقدوا على حرب المسلمين، و أن يقصدوا البصرة. و بلغ الخبر إلى عمر، فكتب إلى سعد- و هو بالكوفة- أن ابعث جيشا كثيفا إلى الأهواز مع النعمان بن مقرن و عجل و ليكونوا بإزاء الهرمزان، و سمى رجالا من الشجعان الأعيان الأمراء يكونون في هذا الجيش، منهم جرير بن عبد اللَّه البجلي، و جرير بن عبد اللَّه الحميري، و النعمان بن مقرن، و سويد بن مقرن: و عبد اللَّه بن ذي السهمين. و كتب عمر إلى أبى موسى و هو بالبصرة أن ابعث إلى الأهواز جندا كثيفا و أمر عليهم سهيل بن عدي، و ليكن معه البراء بن مالك، و عاصم ابن عمرو، و مجزأة بن ثور، و كعب بن ثور، و عرفجة بن هرثمة، و حذيفة بن محصن، و عبد الرحمن بن سهل، و الحصين بن معبد. و ليكن على أهل الكوفة و أهل البصرة جميعا أبو سبرة بن أبى رهم، و على كل من أتاه من المدد. قالوا: فسار النعمان بن مقرن بجيش الكوفة فسبق البصريين فانتهى إلى رامهرمز و بها الهرمزان، فخرج إليه الهرمزان في جنده و نقض العهد بينه و بين المسلمين، فبادره طمعا أن يقتطعه قبل مجي‏ء أصحابه من أهل البصرة رجاء أن ينصر أهل فارس، فالتقى معه النعمان بن مقرن بأربل، فاقتتلا قتالا شديدا، فهزم الهرمزان و فر إلى تستر، و ترك رامهرمز فتسلمها النعمان عنوة و أخذ ما فيها من الحواصل و الذخائر و السلاح و العدد. فلما وصل الخبر إلى أهل البصرة بما صنع الكوفيون بالهرمزان و أنه فر فلجأ إلى تستر، ساروا إليها و لحقهم أهل الكوفة حتى أحاطوا بها فحاصروها جميعا، و على الجميع أبو سبرة [فوجدوا الهرمزان قد حشد بها خلقا كثيرا، و جما غفيرا. و كتبوا إلى عمر في ذلك و سألوه أن يمدهم، فكتب إلى أبى موسى أن يسير إليهم. فسار إليهم- و كان أمير أهل‏

86

البصرة و استمر أبو سبرة] [ (1)] على الامرة على جميع أهل الكوفة و البصرة، فحاصرهم أشهرا و كثر القتل من الفريقين، و قتل البراء بن مالك أخو أنس بن مالك يومئذ مائة مبارز سوى من قتل غير ذلك، و كذلك فعل كعب بن ثور، و مجزأة بن ثور، و أبو يمامة [ (2)] و غيرهم من أهل البصرة، و كذلك أهل الكوفة قتل منهم جماعة مائة مبارزة كحبيب بن قرة، و ربعي بن عامر، و عامر بن عبد الأسود و قد تزاحفوا أياما متعددة، حتى إذا كان في آخر زحف قال المسلمون للبراء، بن مالك- و كان مجاب الدعوة-: يا براء اقسم على ربك ليهزمنهم لنا. فقال: اللَّهمّ اهمزهم لنا، و استشهدني قال: فهزمهم المسلمون حتى أدخلوهم خنادقهم و اقتحموها عليهم، و لجأ المشركون إلى البلد فتحصنوا به، و قد ضاقت بهم البلد، و طلب رجل من أهل البلد الأمان من أبى موسى فأمنه، فبعث يدل المسلمين على مكان يدخلون منه إلى البلد، و هو من مدخل الماء إليها، فندب الأمراء الناس إلى ذلك فانتدب رجال من الشجعان و الأبطال، و جاءوا فدخلوا مع الماء- كالبط- إلى البلد، و ذلك في الليل، فيقال كان أول من دخلها عبد اللَّه بن مغفل المزني، و جاءوا إلى البوابين فأناموهم و فتحوا الأبواب، و كبر المسلمون فدخلوا البلد، و ذلك في وقت الفجر إلى أن تعالى النهار، و لم يصلوا الصبح يومئذ إلا بعد طلوع الشمس [كما حكاه البخاري عن أنس بن مالك قال: شهدت فتح تستر، و ذلك عند صلاة الفجر، فاشتغل الناس بالفتح فما صلوا الصبح إلا بعد طلوع الشمس‏] [ (3)] فما أحب أن لي بتلك الصلاة حمر النعم. احتج بذلك البخاري لمكحول و الأوزاعي في ذهابهما إلى جواز تأخير الصلاة لعذر القتال. و جنح إليه البخاري و استدل بقصة الخندق في‏

قوله (عليه السلام)

«شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ اللَّه قبورهم و بيوتهم نارا

» و

بقوله يوم بنى قريظة

«لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بنى قريظة

» فأخرها فريق من الناس إلى بعد غروب الشمس، و لم يعنفهم، و قد تكلمنا على ذلك في غزوة الفتح و المقصود أن الهرمزان لما فتحت البلد لجأ إلى القلعة فتبعه جماعة من الأبطال ممن ذكرنا و غيرهم فلما حصروه في مكان من القلعة و لم يبق إلا تلافه أو تلافهم، قال لهم بعد ما قتل البراء بن مالك و مجزأة بن ثور رحمهما اللَّه: إن معى جعبة فيها مائة سهم، و إنه لا يتقدم إلى أحد منكم إلا رميته بسهم قتلته، و لا يسقط لي سهم إلا في رجل منكم، فما ذا ينفعكم إن أسرتموني بعد ما قتلت منكم مائة رجل؟ قالوا: فما ذا تريد؟ قال: تؤمنونى حتى أسلمكم يدي فتذهبوا بى إلى عمر بن الخطاب فيحكم فىّ بما يشاء. فأجابوه إلى ذلك فألقى قوسه و نشابه و أسروه فشدوه وثاقا و أرصدوه ليبعثوه إلى أمير

____________

[ (1)] لم ترد في المصرية.

[ (2)] كذا في الحلبية. و في المصرية: و أبو عتبة. و في الطبري أبو تميمة

[ (3)] لم ترد في الحلبية.

87

المؤمنين عمر، ثم تسلموا ما في البلد من الأموال و الحواصل فاقتسموا أربعة أخماسه فنال كل فارس ثلاثة آلاف و كل راجل ألف درهم.

فتح السوس‏

ثم ركب أبو سبرة في طائفة من الجيش و معه أبو موسى الأشعري و النعمان بن مقرن، و استصحبوا معهم الهرمزان، و ساروا في طلب المنهزمين من الفرس حتى نزلوا على السوس، فأحاطوا بها. و كتب أبو سبرة إلى عمر فجاء الكتاب بأن يرجع أبو موسى إلى البصرة، و أمر عمر زر بن عبد اللَّه بن كليب العقيمى- و هو صحابى- أن يسير إلى جندسابور، فسار. ثم بعث أبو سبرة بالخمس و بالهرمزان مع وفد فيهم أنس بن مالك و الأحنف بن قيس، فلما اقتربوا من المدينة هيئوا الهرمزان بلبسه الّذي كان يلبسه من الديباج و الذهب المكلل بالياقوت و اللآلئ. ثم دخلوا المدينة و هو كذلك فتيمموا به منزل أمير المؤمنين، فسألوا عنه فقالوا: انه ذهب إلى المسجد بسبب وفد من الكوفة، فجاءوا المسجد فلم يروا أحدا فرجعوا، فإذا غلمان يلعبون فسألوهم عنه فقالوا: إنه نائم في المسجد متوسدا برنسا له.

فرجعوا إلى المسجد فإذا هو متوسد برنسا له كان قد لبسه للوفد، فلما انصرفوا عنه توسد البرنس و نام و ليس في المسجد غيره، و الدرة متعلقة في يده. فقال الهرمزان: أين عمر؟ فقالوا: هو ذا. و جعل الناس يخفضون أصواتهم لئلا ينبهوه، و جعل الهرمزان يقول: و أين حجابه؟ أين حرسه؟ فقالوا:

ليس له حجاب و لا حرس، و لا كاتب و لا ديوان. فقال: ينبغي أن يكون نبيا. فقالوا: بل يعمل عمل الأنبياء. و كثر الناس فاستيقظ عمر بالجلبة فاستوى جالسا، ثم نظر إلى الهرمزان، فقال:

الهرمزان؟ قالوا: نعم. فتأمله و تأمل ما عليه ثم قال: أعوذ باللَّه من النار و أستعين باللَّه. ثم قال: الحمد اللَّه الّذي أذل بالإسلام هذا و أشياعه، يا معشر المسلمين تمسكوا بهذا الدين، و اهتدوا بهدى نبيكم، و لا تبطرنكم الدنيا فإنها غدارة. فقال له الوفد: هذا ملك الأهواز فكلمه. فقال: لا حتى لا يبقى عليه من حليته شي‏ء. ففعلوا ذلك و ألبسوه ثوبا صفيقا، فقال عمر: يا هرمزان كيف رأيت وبال الغدر و عاقبة أمر اللَّه؟ فقال: يا عمر: أنا و إياكم في الجاهلية كان اللَّه قد خلى بيننا و بينكم فغلبناكم، إذ لم يكن معنا و لا معكم، فلما كان معكم غلبتمونا. فقال عمر: إنما غلبتمونا في الجاهلية باجتماعكم و تفرقنا. ثم قال: ما عذرك و ما حجتك في انقاضك مرة بعد مرة؟ فقال: أخاف أن تقتلني قبل أن أخبرك. قال: لا تخف ذلك. فاستسقى الهرمزان ماء فأتى به في قدح [غليظ، فقال: لو مت عطشا لم أستطع أن أشرب في هذا. فأتى به في قدح‏] [ (1)] آخر يرضاه فلما أخذه جعلت يده ترعد، و قال: إني أخاف أن أقتل و أنا أشرب. فقال عمر: لا بأس عليك حتى تشربه فأكفاه. فقال عمر:

____________

[ (1)] لم ترد في الحلبية.

88

أعيدوه عليه و لا تجمعوا عليه القتل و العطش. فقال: لا حاجة لي في الماء، إنما أردت أن أستأنس به. فقال له عمر: إني قاتلك، فقال إنك أمنتنى. قال: كذبت، فقال أنس: صدق يا أمير المؤمنين، فقال عمر: ويحك يا أنس أنا أؤمن من قتل مجزأة و البراء؟ لتأتينى بمخرج و الا عاقبتك، قال: قلت لا بأس عليك حتى تخبرني. و قلت لا بأس عليك حتى تشربه، و قال له من حوله مثل ذلك. فأقبل على الهرمزان فقال: خدعتني و اللَّه لا أنخدع الا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين و أنزله المدينة.

و في رواية أن الترجمان بين عمرو بن الهرمزان كان المغيرة بن شعبة، فقال له عمر: قل له من أي أرض أنت؟ قال مهرجانى. قال: تكلم بحجتك. فقال: أ كلام حي أم ميت؟ قال: بل كلام حي.

فقال قد أمنتنى، فقال خدعتني و لا أقبل ذلك إلا أن تسلم. فأسلم ففرض له في ألفين و أنزله المدينة.

ثم جاء زيد فترجم بينهما أيضا.

قلت: و قد حسن إسلام الهرمزان و كان لا يفارق عمر حتى قتل عمر فاتهمه بعض الناس بممالأة أبى لؤلؤة هو و جفينة، فقتل عبيد اللَّه بن عمر الهرمزان و جفينة على ما سيأتي تفصيله.

و قد روينا أن الهرمزان لما علاه عبيد اللَّه بالسيف قال: لا إله إلا اللَّه. و أما جفينة فصلب على وجهه.

و المقصود أن عمر كان يحجر على المسلمين أن يتوسعوا في بلاد العجم خوفا عليهم من العجم، حتى أشار عليه الأحنف بن قيس بأن المصلحة تقتضي توسعهم في الفتوحات فان الملك يزدجرد لا يزال يستحثهم على قتال المسلمين، و إن لم يستأصل شأو العجم و إلا طمعوا في الإسلام و أهله، فاستحسن عمر ذلك منه و صوبه. و أذن للمسلمين في التوسع في بلاد العجم، ففتحوا بسبب ذلك شيئا كثيرا، و للَّه الحمد. و أكثر ذلك وقع في سنة ثماني عشرة كما سيأتي بيانه فيها.

ثم نعود إلى فتح السوس و جندسابور و فتح نهاوند في قول سيف. كان قد تقدم أن أبا سبرة سار بمن معه من علية الأمراء من تستر إلى السوس، فنازلها حينا و قتل من الفريقين خلق كثير، فأشرف عليه علماء أهلها فقالوا: يا معشر المسلمين لا تتبعوا في حصار هذا البلد فانا نأثر فيما نرويه عن قدمائنا من أهل هذا البلد أنه لا يفتحه إلا الدجال أو قوم معهم الدجال، و اتفق أنه كان في جيش أبى موسى الأشعري صاف بن صياد، فأرسله أبو موسى فيمن يحاصره، فجاء إلى الباب فدقه برجله فتقطعت السلاسل، و تكسرت الأغلاق، و دخل المسلمون البلد فقتلوا من وجدوا حتى نادوا بالأمان و دعوا الى الصلح فأجابوهم إلى ذلك، و كان على السوس شهريار أخو الهرمزان، فاستحوذ المسلمون على السوس، و هو بلد قديم العمارة في الأرض يقال إنه أول بلد وضع على وجه الأرض و اللَّه أعلم.

و ذكر ابن جرير أنهم وجدوا قبر دانيال بالسوس، و أن أبا موسى لما قدم بها بعد مضى أبى سبرة

89

إلى جنديسابور، كتب إلى عمر في أمره فكتب إليه أن يدفنه و أن يغيب عن الناس موضع قبره، ففعل. و قد بسطنا ذلك في سيرة عمر و للَّه الحمد.

قال ابن جرير: و قال بعضهم ان فتح السوس و رامهرمز و تسيير الهرمزان من تستر إلى عمر في سنة عشرين و اللَّه أعلم و كان الكتاب العمرى قد ورد بأن النعمان بن مقرن يذهب إلى أهل نهاوند فسار إليها فمر بماه- بلدة كبيرة قبلها- فافتتحها ثم ذهب إلى نهاوند ففتحها و للَّه الحمد.

قلت: المشهور أن فتح نهاوند إنما وقع في سنة إحدى و عشرين كما سيأتي فيها بيان ذلك، و هي وقعة عظيمة و فتح كبير، و خبر غريب و نبأ عجيب، و فتح زر بن عبد اللَّه الفقيمي مدينة جنديسابور [ (1)] فاستوثقت تلك البلاد للمسلمين. هذا و قد تحول يزدجرد من بلد إلى بلد، حتى انتهى أمره إلى الاقامة بأصبهان، و قد كان صرف طائفة من أشراف أصحابه قريبا من ثلاثمائة من العظماء عليهم رجل يقال له سياه، فكانوا يفرون من المسلمين من بلد إلى بلد حتى فتح المسلمون تستر و إصطخر، فقال سياه لأصحابه: إن هؤلاء بعد الشقاء و الذلة ملكوا أماكن الملوك الأقدمين، و لا يلقون جندا إلا كسروه، و اللَّه ما هذا عن باطل.- و دخل في قلبه الإسلام و عظمته- فقالوا له: نحن تبع لك. و بعث عمار ابن ياسر في غضون ذلك يدعوهم إلى اللَّه، فأرسلوا إلى أبى موسى الأشعري بإسلامهم [و كتب فيهم إلى عمر في ذلك، فأمره أن يفرض لهم في ألفين ألفين، و فرض لستة منهم في ألفين و خمسمائة، و حسن إسلامهم‏] [ (2)] و كان لهم نكاية عظيمة في قتال قومهم حتى بلغ من أمرهم أنهم حاصروا حصنا فامتنع عليهم فجاء أحدهم فرمى بنفسه في الليل على باب الحصن و ضمخ ثيابه بدم، فلما نظروا إليه حسبوا أنه منهم، ففتحوا إليه باب الحصن ليأووه فثار إلى البواب فقتله، و جاء بقية أصحابه ففتحوا ذلك الحصن، و قتلوا من فيه من المجوس. إلى غير ذلك من الأمور العجيبة و اللَّه يهدى من يشاء إلى صراط مستقيم.

و ذكر ابن جرير أن عمر بن الخطاب عقد الألوية و الرايات الكبيرة في بلاد خراسان و العراق لغزو فارس و التوسع في بلادهم كما أشار عليه بذلك الأحنف بن قيس، فحصل بسبب ذلك فتوحات كثيرة في السنة المستقبلة بعدها كما سنبينه و ننبه عليه و للَّه الحمد و المنة.

قال: و حج بالناس في هذه السنة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، ثم ذكر نوابه على البلاد، و هم من ذكر في السنة قبلها غير المغيرة فان على البصرة بدله أبو موسى الأشعري.

قلت: و قد توفى في هذه السنة أقوام قيل إنهم توفوا قبلها و قد ذكرناهم، و قيل فيما بعدها و سيأتي ذكرهم في أماكنهم و اللَّه تعالى أعلم.

____________

[ (1)] في النسختين «جندسابور بدون ياء. و التصحيح من الطبري‏

[ (2)] لم ترد في الحلبية.

90

ثم دخلت سنة ثمانية عشر

المشهور الّذي عليه الجمهور أن طاعون عمواس كان بها، و قد تبعنا قول سيف بن عمر و ابن جرير في إيراده ذلك في السنة التي قبلها، لكنا نذكر وفاة من مات في الطاعون في هذه السنة إن شاء اللَّه تعالى، قال ابن إسحاق، و أبو معشر: كان في هذه السنة طاعون عمواس و عام الرمادة، فتفانى فيهما الناس. قلت: كان في عام الرمادة جدب عم أرض الحجاز، و جاع الناس جوعا شديدا.

و قد بسطنا القول في ذلك في سيرة عمر. و سميت عام الرمادة لأن الأرض اسودت من قلة المطر حتى عاد لونها شبيها بالرماد. و قيل: لأنها تسفى الريح ترابا كالرماد. و يمكن أن تكون سميت لكل منهما و اللَّه أعلم. و قد أجدبت الناس في هذه السنة بأرض الحجاز، و جفلت الأحياء إلى المدينة و لم يبق عند أحد منهم زاد فلجئوا إلى أمير المؤمنين فأنفق فيهم من حواصل بيت المال مما فيه من الأطعمة و الأموال حتى أنفده، و ألزم نفسه أن لا يأكل سمنا و لا سمينا حتى يكشف ما بالناس، فكان في زمن الخصب يبث له الخبز باللبن و السمن، ثم كان عام الرمادة يبث له بالزيت و الخل، و كان يستمرئ الزيت. و كان لا يشبع مع ذلك، فاسود لون عمر رضى اللَّه عنه و تغير جسمه حتى كاد يخشى عليه من الضعف. و استمر هذا الحال في الناس تسعة أشهر، ثم تحول الحال إلى الخصب و الدعة و انشمر الناس عن المدينة إلى أماكنهم.

قال الشافعيّ: بلغني أن رجلا من العرب قال لعمر حين ترحلت الأحياء عن المدينة: لقد انجلت عنك و لأنك لابن حرة. أي واسيت الناس و أنصفتهم و أحسنت إليهم. و قد روينا أن عمر عس المدينة ذات ليلة عام الرمادة فلم يجد أحدا يضحك، و لا يتحدث الناس في منازلهم على العادة، و لم ير سائلا يسأل، فسأل عن سبب ذلك فقيل له: يا أمير المؤمنين إن السؤال سألوا فلم يعطوا فقطعوا السؤال، و الناس في هم و ضيق فهم لا يتحدثون و لا يضحكون. فكتب عمر إلى أبى موسى بالبصرة أن يا غوثاه لأمة محمد. و كتب إلى عمرو بن العاص بمصر أن يا غوثاه لأمة محمد. فبعث إليه كل واحد منهما بقافلة عظيمة تحمل البر و سائر الاطعمات، و وصلت ميرة عمرو في البحر إلى جدة و من جدة إلى مكة. و هذا الأثر جيد الاسناد، لكن ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة مشكل، فان مصر لم تكن فتحت في سنة ثماني عشرة، فاما أن يكون عام الرمادة بعد سنة ثماني عشرة، أو يكون ذكر عمرو بن العاص في عام الرمادة و هم و اللَّه أعلم.

و ذكر سيف عن شيوخه أن أبا عبيدة قدم المدينة و معه أربعة آلاف راحلة تحمل طعاما، فأمره عمر بتفريقها في الأحياء حول المدينة، فلما فرغ من ذلك أمر له بأربعة آلاف درهم فأبى أن يقبلها، فلح عليه عمر حتى قبلها.

91

و قال سيف بن عمر عن سهل بن يوسف السلمي عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال‏

: كان عام الرمادة في آخر سنة سبع عشرة، و أول سنة ثماني عشرة، أصاب أهل المدينة و ما حولها جوع فهلك كثير من الناس، حتى جعلت الوحش تأوى إلى الانس، فكان الناس بذلك و عمر كالمحصور عن أهل الأمصار حتى أقبل بلال بن الحارث المزني فاستأذن على عمر فقال: أنا رسول رسول اللَّه إليك، يقول لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «لقد عهدتك كيسا، و ما زلت على ذلك [ (1)]، فما شأنك»؟ قال:

متى رأيت هذا؟ قال: البارحة.

فخرج فنادى في الناس الصلاة جامعة، فصلى بهم ركعتين ثم قام فقال:

أيها الناس أنشدكم اللَّه هل تعلمون منى أمرا غيره خير منه؟ فقالوا: اللَّهمّ لا، فقال: إن بلال بن الحارث يزعم ذية و ذية. قالوا: صدق بلال فاستغث باللَّه ثم بالمسلمين. فبعث إليهم- و كان عمر عن ذلك محصورا- فقال عمر: اللّه أكبر، بلغ البلاء مدته فانكشف. ما أذن لقوم في الطلب إلا و قد رفع عنهم الأذى و البلاء. و كتب إلى أمراء الأمصار أن أغيثوا أهل المدينة و من حولها، فإنه قد بلغ جهدهم. و أخرج الناس إلى الاستسقاء فخرج و خرج معه العباس بن عبد المطلب ماشيا، فخطب و أوجز و صلى ثم جثى لركبتيه و قال: اللَّهمّ إياك نعبد و إياك نستعين، اللَّهمّ اغفر لنا و ارحمنا و ارض عنا. ثم انصرف فما بلغوا المنازل راجعين حتى خاضوا الغدران.

ثم روى سيف عن مبشر بن الفضيل عن جبير بن صخر عن عاصم بن عمر بن الخطاب أن رجلا من مزينة عام الرمادة سأله أهله أن يذبح لهم شاة فقال: ليس فيهن شي‏ء. فألحوا عليه فذبح شاة فإذا عظامها حمر فقال يا محمداه. فلما أمسى أرى في المنام أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول له: «أبشر بالحياة، ايت عمر فأقره منى السلام و قل له إن عهدي بك وفىّ العهد شديد العقد، فالكيس الكيس يا عمر»، فجاء حتى أتى باب عمر فقال لغلامه استأذن لرسول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فأتى عمر فأخبره ففزع ثم صعد عمر المنبر فقال للناس أنشدكم اللَّه الّذي هداكم للإسلام هل رأيتم منى شيئا تكرهونه؟

فقالوا: اللَّهمّ لا، و عم ذاك؟ فأخبرهم بقول المزني- و هو بلال بن الحارث- ففطنوا و لم يفطن.

فقالوا: إنما استبطأك في الاستسقاء فاستسق بنا. فنادى في الناس فخطب فأوجز ثم صلى ركعتين فأوجز ثم قال: اللَّهمّ عجزت عنا أنصارنا، و عجز عنا حولنا و قوتنا، و عجزت عنا أنفسنا، و لا حول و لا قوة إلا بك، اللَّهمّ اسقنا و أحى العباد و البلاد.

و قال الحافظ أبو بكر البيهقي: أخبرنا أبو نصر بن قتادة و أبو بكر الفارسي قالا: حدثنا أبو عمر بن مطر حدثنا إبراهيم بن على الذهلي حدثنا يحيى بن يحيى حدثنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبى صالح عن مالك قال: أصاب الناس قحط في زمن عمر بن الخطاب فجاء رجل إلى قبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

____________

[ (1)] في الطبري: فما زالت على رجل.

92

فقال: يا رسول اللَّه استسق اللَّه لأمتك فإنهم قد هلكوا فأتاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام فقال: ايت عمر فأقره منى السلام و أخبرهم أنهم مسقون، و قل له عليك بالكيس الكيس. فأتى الرجل فأخبر عمر فقال: يا رب ما آلوا إلا ما عجزت عنه. و هذا إسناد صحيح.

و قال الطبراني: حدثنا أبو مسلم الكشي حدثنا أبو محمد الأنصاري ثنا أبى عن ثمامة بن عبد اللَّه ابن أنس، عن أنس أن عمر خرج يستسقى و خرج بالعباس معه يستسقى يقول: اللَّهمّ إنا كنا إذا قحطنا على عهد نبينا توسلنا إليك بنبينا، و إنا نتوسل إليك بعم نبينا (صلى اللَّه عليه و سلم). و قد رواه البخاري عن الحسن بن محمد عن محمد بن عبد اللَّه به و لفظه «عن أنس أن عمر كان إذا قحطوا يستسقى بالعباس ابن عبد المطلب فيقول: اللَّهمّ إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا و إنا نتوسل إليك بعم نبينا فاسقنا. قال: فيسقون. و قال أبو بكر بن أبى الدنيا- في كتاب المطر و في كتاب مجابي الدعوة- حدثنا أبو بكر النيسابورىّ ثنا عطاء بن مسلم عن العمرى عن خوات بن جبير قال: خرج عمر يستسقى بهم فصلى ركعتين فقال: اللَّهمّ إنا نستغفرك و نستسقيك فما برح من مكانه حتى مطروا فقدم أعراب فقالوا: يا أمير المؤمنين بينا نحن في وادينا في ساعة كذا إذ أظلتنا غمامة فسمعنا منها صوتا: أتاك الغوث أبا حفص، أتاك الغوث أبا حفص. و قال ابن أبى الدنيا: ثناء إسحاق بن إسماعيل ثنا سفيان عن مطرف بن طريف عن الشعبي قال: خرج عمر يستسقى بالناس فما زاد على الاستغفار حتى رجع فقالوا يا أمير المؤمنين ما نراك استسقيت. فقال: لقد طلبت المطر بمجاديح السماء التي يستنزل بها المطر ثم قرأ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كانَ غَفَّاراً يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْراراً ثم قرأ وَ أَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ‏ الآية.

و ذكر ابن جرير في هذه السنة من طريق سيف بن عمر عن أبى المجالد و الربيع و أبى عثمان و أبى حارثة و عن عبد اللَّه بن شبرمة عن الشعبي قالوا: كتب أبو عبيدة إلى عمر بن الخطاب أن نفرا من المسلمين أصابوا الشراب، منهم ضرار و أبو جندل بن سهل، فسألناهم فقالوا: خيرنا فاخترنا.

قال فهل أنتم منتهون؟ و لم يعزم. فجمع عمر الناس فأجمعوا على خلافهم، و أن المعنى: فهل أنتم منتهون أي انتهوا. و أجمعوا على جلدهم ثمانين ثمانين. و أن من تأول هذا التأويل و أصرّ عليه يقتل.

فكتب عمر إلى أبى عبيدة أن ادعهم فسلهم عن الخمر فان قالوا هي حلال فاقتلهم، و إن قالوا هي حرام فاجلدهم. فاعترف القوم بتحريمها، فجلدوا الحد و ندموا على ما كان منهم من اللجاجة فيما تأولوه، حتى وسوس أبو جندل في نفسه، فكتب أبو عبيدة إلى عمر في ذلك، و سأله أن يكتب إلى أبى جندل و يذكره، فكتب إليه عمر بن الخطاب في ذلك، من عمر إلى أبى جندل، إن اللَّه لا يغفر أن يشرك به و يغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فتب و ارفع رأسك و ابرز و لا تقنط فان اللَّه تعالى يقول‏

93

قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى‏ أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ‏ و كتب عمر إلى الناس: إن عليكم أنفسكم و من غير فغيروا عليه، و لا تعيروا أحدا فيفشو فيكم البلاء، و قد قال أبو الزهراء القشيري في ذلك.

أ لم تر أن الدهر يعثر بالفتى‏* * * و ليس على صرف المنون بقادر

صبرت و لم أجزع و قد مات إخوتي‏* * * و لست عن الصهباء يوما بصابر

رماها أمير المؤمنين بحتفها* * * فخلانها يبكون حول المقاصر

قال الواقدي و غيره: و في هذه السنة في ذي الحجة منها حول عمر المقام- و كان ملصقا بجدار الكعبة- فأخره إلى حيث هو الآن لئلا يشوش المصلون عنده على الطائفين. قلت: قد ذكرت أسانيد ذلك في سيرة عمر و للَّه الحمد و المنة* قال: و فيها استقضى عمر شريحا على الكوفة، و كعب ابن سور على البصرة [قال و فيها حج عمر بالناس و كانت نوابه فيها الذين تقدم ذكرهم في السنة الماضية] [ (1)] و فيها فتحت الرقة و الرها و حران على يدي عياض بن غنم. قال: و فتحت رأس عين الوردة على يدي عمر بن سعد بن أبى وقاص. و قال غيره خلاف ذلك. و قال شيخنا الحافظ الذهبي في تاريخه: و فيها- يعنى هذه السنة- افتتح أبو موسى الأشعري الرها و شمشاط عنوة، و في أوائلها وجه أبو عبيدة عياض بن غنم إلى الجزيرة فوافق أبا موسى فافتتحا حران و نصيبين و طائفة من الجزيرة عنوة، و قيل صلحا. و فيها صار عياض إلى الموصل فافتتحها و ما حولها عنوة. و فيها بنى سعد جامع الكوفة.

و قال الواقدي: و فيها كان طاعون عمواس فمات فيه خمسة و عشرون ألفا. قلت: هذا الطاعون منسوب إلى بلدة صغيرة يقال لها عمواس- و هي بين القدس و الرملة- لأنها كان أول ما نجم الداء بها، ثم انتشر في الشام منها فنسب إليها، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ. قال الواقدي توفى: في عام طاعون عمواس من المسلمين بالشام خمسة و عشرون ألفا. و قال غيره: ثلاثون ألفا.

و هذا ذكر طائفة من أعيانهم رضى اللَّه عنهم.

الحارث بن هشام‏

أخو أبى جهل أسلم يوم الفتح، و كان سيدا شريفا في الإسلام كما كان في الجاهلية، استشهد بالشام في هذه السنة في قول، و تزوج عمر بعده بامرأته فاطمة.

شرحبيل بن حسنة

أحد أمراء الأرباع، و هو أمير فلسطين، و هو شرحبيل بن عبد اللَّه بن المطاع بن قطن الكندي حليف بنى زهرة، و حسنة أمه، نسب إليها و غلب عليه ذلك. أسلم قديما و هاجر إلى الحبشة و جهزه الصديق إلى الشام، فكان أميرا على ربع الجيش، و كذلك في الدولة العمرية، و طعن هو

____________

[ (1)] لم ترد في المصرية.

94

و أبو عبيدة و أبو مالك الأشعري في يوم واحد سنة ثماني عشرة. له حديثان روى ابن ماجة أحدهما في الوضوء و غيره.

عامر بن عبد اللَّه بن الجراح‏

ابن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر القرشي أبو عبيدة بن الجراج الفهري، أمين هذه الأمة، و أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الخمسة الذين أسلموا في يوم واحد، و هم عثمان بن مظعون، و عبيدة بن الحارث، و عبد الرحمن بن عوف، و أبو سلمة بن عبد الأسد، و أبو عبيدة بن الجراح. أسلموا على يدي الصديق. و لما هاجروا آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين سعد بن معاذ، و قيل بين محمد بن مسلمة. و قد شهد بدرا و ما بعدها، و

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إن لكل أمة أمينا و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»

ثبت ذلك في الصحيحين. و ثبت في الصحيحين أيضا أن الصديق قال يوم السقيفة: و قد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوه- يعنى عمر بن الخطاب و أبا عبيدة- و بعثه الصديق أميرا على ربع الجيش إلى الشام، ثم لما انتدب خالدا من العراق كان أميرا على أبى عبيدة و غيره لعلمه بالحروب. فلما انتهت الخلافة إلى عمر عزل خالدا و ولى أبا عبيدة ابن الجراح، و أمره أن يستشير خالدا، فجمع للأمة بين أمانة أبى عبيدة و شجاعة خالد. قال ابن عساكر: و هو أول من سمى أمير الأمراء بالشام. قالوا: و كان أبو عبيدة طوالا نحيفا أجنى معروق الوجه، خفيف اللحية، أهتم، و ذلك لأنه لما انتزع الحلقتين من وجنتي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد خاف أن يؤلم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتحامل على ثنيتيه فسقطنا، فما رأى أحسن هتما منه. توفى بالطاعون عام عمواس كما تقدم سياقه في سنة ست عشرة عن سيف بن عمر. و الصحيح أن عمواس كانت في هذه السنة- سنة ثماني عشرة- بقرية فحل، و قيل بالجابية. و قد اشتهر في هذه الأعصار قبر بالقرب من عقبة ينسب إليه و اللَّه أعلم. و عمره يوم مات ثمان و خمسون سنة.

الفضل بن عباس بن عبد المطلب‏

كان حسنا وسيما جميلا، أردفه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وراءه يوم النحر من حجة الوداع، و هو شاب حسن، و قد شهد فتح الشام، و أستشهد بطاعون عمواس، في قول محمد بن سعد و الزبير بن بكار و أبى حاتم و ابن الرقى و هو الصحيح. و قيل يوم مرج الصفر، و قيل بأجنادين. و يقال باليرموك سنة ثمان و عشرين.

معاذ بن جبل‏

ابن عمرو بن أوس بن عابد بن عدي بن كعب بن عمرو بن أدى بن على بن أسد بن ساردة بن يزيد بن جشم بن الخزرج الأنصاري الخزرجي أبو عبد الرحمن المدني صحابى جليل كبير القدر.

قال الواقدي: كان طوالا حسن الشعر و الثغر براق الثنايا، لم يولد له. و قال غيره: بل ولد له ولد و هو عبد الرحمن. شهد معه اليرموك. و قد شهد معاذ العقبة. و لما هاجر الناس آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

95

بينه و بين ابن مسعود. و حكى الواقدي الإجماع على ذلك. و قد قال محمد بن إسحاق: آخى بينه و بين جعفر بن أبى طالب. و شهد بدرا و ما بعدها. و كان أحد الأربعة من الخزرج، الذين جمعوا القرآن في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هم أبى بن كعب، و زيد بن ثابت، و معاذ بن جبل، و أبو زيد بن عمر بن أنس بن مالك.* و صح في‏

الحديث الّذي رواه أبو داود و النسائي من حديث حيوة بن شريح عن عقبة بن مسلم عن أبى عبد الرحمن الجيلي عن الصنابحي. عن معاذ أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له‏

«يا معاذ و اللَّه إني لأحبك فلا تدعن أن تقول في دبر كل صلاة اللَّهمّ أعنى على ذكرك و شكرك و حسن عبادتك»

و في المسند و النسائي و ابن ماجة من طريق أبى قلابة عن أنس مرفوعا

«و أعلمهم بالحلال و الحرام معاذ بن جبل» و قد بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى اليمن و قال له «بم تحكم»؟ فقال: بكتاب اللَّه و بالحديث.

و كذلك أقره الصديق على ذلك يعلم الناس الخير باليمن. ثم هاجر إلى الشام فكان بها حتى مات بعد ما استخلفه أبو عبيدة حين طعن ثم طعن بعده في هذه السنة. و قد قال عمر بن الخطاب: إن معاذا يبعث أمام العلماء بربوة. و رواه محمد بن كعب مرسلا. و قال ابن مسعود: كنا نشبهه بإبراهيم الخليل. و قال ابن مسعود: إن معاذا كان قانتا اللَّه حنيفا و لم يك من المشركين. و كانت وفاته شرقى غورينسان سنة ثماني عشرة. و قيل سنة تسع و عشرة [و قيل سبع عشرة، عن ثمان و ثلاثين سنة على المشهور] [ (1)] و قيل غير ذلك و اللَّه أعلم.

يزيد بن أبى سفيان‏

أبو خالد صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، أخو معاوية، و كان يزيد أكبر و أفضل. و كان يقال له يزيد الخير، أسلم عام الفتح، و حضر حنينا و أعطاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مائة من الإبل و أربعين أوقية، و استعمله الصديق على ربع الجيش إلى الشام، و هو أول أمير وصل إليها، و مشى الصديق في ركابه يوصيه، و بعث معه أبا عبيدة و عمرو بن العاص و شرحبيل ابن حسنة فهؤلاء أمراء الأرباع. و لما افتتحوا دمشق دخل هو من باب الجابية الصغير عنوة كخالد في دخوله من الباب الشرقي عنوة و كان الصديق قد وعده بإمرتها، فوليها عن أمر عمر و أنفذ له ما وعده الصديق، و كان أول من وليها من المسلمين. المشهور أنه مات في طاعون عمواس كما تقدم.

و زعم الوليد بن مسلم أنه توفى سنة تسع عشرة بعد ما فتح قيسارية. و لما مات كان قد استخلف أخاه معاوية على دمشق فأمضى عمر بن الخطاب له ذلك رضى اللَّه عنهم. و ليس له في الكتب شي‏ء،

و قد روى عنه أبو عبد اللَّه الأشعري أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«مثل الّذي يصلى و لا يتم ركوعه و لا سجوده مثل الجائع الّذي لا يأكل إلا التمرة و التمرتين لا يغنيان عنه شيئا».

____________

[ (1)] لم ترد في الحلبية.

96

أبو جندل بن سهيل‏

ابن عمرو، و قيل اسمه العاص أسلم قديما و قد جاء يوم صلح الحديبيّة مسلما يرسف في قيوده لأنه كان قد استضعف فرده أبوه و أبى أن يصالح حتى يرد، ثم لحق أبو جندل بأبي بصير إلى سيف البحر، ثم هاجر إلى المدينة و شهد فتح الشام. و قد تقدم أنه تأول آية الخمر ثم رجع، و مات بطاعون عمواس (رحمه اللَّه) و رضى عنه* أبو عبيدة بن الجراح هو عامر بن عبد اللَّه تقدم* أبو مالك الأشعري، قيل اسمه كعب بن عاصم قدم مهاجرا سنة خيبر مع أصحاب السفينة، و شهد ما بعدها، و استشهد بالطاعون عام عمواس هو و أبو عبيدة و معاذ في يوم واحد رضى اللَّه عنهم أجمعين.

ثم دخلت سنة تسع عشرة

قال الواقدي و غيره: كان فتح المدائن و جلولاء فيها. و المشهور خلاف ما قال كما تقدم. و قال محمد ابن إسحاق: كان فتح الجزيرة و الرها و حران و رأس العين و نصيبين في هذه السنة. و قد خالفه غيره.

و قال أبو معشر و خليفة و ابن الكلبي: كان فتح قيسارية في هذه السنة و أميرها معاوية. و قال غيره يزيد بن أبى سفيان. و قد تقدم أن معاوية افتتحها قبل هذا بسنتين. و قال محمد بن إسحاق كان فتح قيسارية من فلسطين و هرب هرقل و فتح مصر في سنة عشرين. و قال سيف بن عمر: كان فتح قيسارية و فتح مصر في سنة ست عشرة. قال ابن جرير: فأما فتح قيسارية فقد تقدم، و أما فتح مصر فانى سأذكره في سنة عشرين إن شاء اللَّه تعالى. قال الواقدي: و في هذه السنة ظهرت نار من حرة ليلا فأراد عمر أن يخرج بالرجال إليها، ثم أمر المسلمين بالصدقة فطفئت و للَّه الحمد.

و يقال‏

كان فيها وقعة أرمينية، و أميرها عثمان بن أبى العاص، و قد أصيب فيها صفوان بن المعطل بن رخصة السلمي ثم الذكوانيّ، و كان أحد الأمراء يومئذ. و قد قال فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «ما علمت عليه إلا خيرا»

و هو الّذي ذكره المنافقون في قصة الافك فبرأ اللَّه ساحته، و جناب أم المؤمنين زوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مما قالوا. و قد كان إلى حين قالوا لم يتزوج، و لهذا قال و اللَّه ما كشفت كنف أثنى قط. ثم تزوّج بعد ذلك، و كان كثير النوم ربما غلب عليه عن صلاة الصبح في وقتها، كما جاء في سنن أبى داود و غيره.

و كان شاعرا ثم حصلت له شهادة في سبيل اللَّه. قيل بهذا البلد، و قيل بالجزيرة، و قيل بشمشاط.

و قد تقدم بعض هذا فيما سلف. و فيها فتحت تكريت في قول و الصحيح قبل ذلك، و فيها فيما ذكرنا أسرت الروم عبد اللَّه بن حذافة. و فيها في ذي الحجة منها كانت وقعة بأرض العراق قتل فيها أمير المجوس شهرك، و كان أمير المسلمين يومئذ الحكم بن أبى العاص رضى اللَّه عنه. قال ابن جرير و فيها حج بالناس عمر، و نوابه في البلاد و قضاته هم المذكورون قبلها و اللَّه أعلم*

97

ذكر من توفى فيها من الأعيان‏

و ممن توفى فيها من الأعيان أبى بن كعب سيد القراء، و هو أبى بن كعب بن قيس بن عبيد بن زيد بن معاوية بن عمرو بن مالك بن النجار، أبو المنذر و أبو الطفيل، الأنصاري النجاري سيد القراء شهد العقبة و بدرا و ما بعدهما، و كان سيدا جليل القدر. و هو أحد القراء الأربعة الخزرجيين الذين جمعوا القرآن في حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد قال لعمر يوما: إني تلقيت القرآن ممن تلقاه منه جبريل و هو رطب. و في المسند و النسائي و ابن ماجة من طريق أبى قلابة عن أنس مرفوعا «أقرأ أمتى أبى ابن كعب»

و في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له‏

«إن اللَّه أمرنى أن أقرأ عليك القرآن».

قال: و سماني لك؟ «قال نعم»

فذرفت عيناه و قد تكلمنا على ذلك في التفسير عند سورة لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَ الْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ قال الهيثم بن عدي: توفى أبى سنة تسع عشرة. و قال يحيى بن معين: سنة سبع عشرة أو عشرين. و قال الواقدي عن غير واحد: توفى سنة ثنتين و عشرين. و به قال أبو عبيد و ابن نمير و جماعة. و قال الفلاس و خليفة: توفى في خلافة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه* و فيها مات خباب مولى عتبة بن غزوان من المهاجرين شهد بدرا و ما بعدها، و هو صحابى من السابقين و صلى عليه عمر* و مات فيها صفوان بن المعطل في قول كما تقدم و اللَّه أعلم.

سنة عشرين من الهجرة

قال محمد بن إسحاق: فيها كان فتح مصر. و كذا قال الواقدي: إنها فتحت هي و اسكندرية في هذه السنة. و قال أبو معشر: فتحت مصر سنة عشرين، و اسكندرية في سنة خمس و عشرين. و قال سيف: فتحت مصر و اسكندرية في سنة ست عشرة في ربيع الأول منها. و رجح ذلك أبو الحسن ابن الأثير في الكامل لقصة بعث عمرو الميرة من مصر عام الرمادة، و هو معذور فيما رجحه و اللَّه أعلم.

و فيها كان فتح تستر في قول طائفة من علماء السير بعد محاصرة سنتين و قيل سنة و نصف و اللَّه أعلم.

صفة فتح بلاد مصر مجموعا من كلام ابن إسحاق و سيف و غيرهما

قالوا: لما استكمل عمر و المسلمون فتح الشام بعث عمرو بن العاص إلى مصر و زعم سيف أنه بعثه بعد فتح بيت المقدس، و أردفه بالزبير بن العوام و في صحبته بشر بن أرطاة، و خارجة بن حذافة، و عمير ابن وهب الجمحيّ. فاجتمعا على باب مصر فلقيهم أبو مريم جاثليق مصر و معه الأسقف أبو مريام في أهل الثبات، بعثه المقوقس صاحب اسكندرية لمنع بلادهم، فلما تصافوا قال عمرو بن العاص لا تعجلوا حتى نعذر، ليبرز إليّ بو مريم و أبو مريام راهبا هذه البلاد، فبرزا إليه، فقال لهما عمرو بن العاص:

أنتما راهبا هذه البلاد فاسمعا، إن اللَّه بعث محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) بالحق و أمره به و أمرنا به محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أدى‏

98

إلينا كل الّذي أمر به، ثم مضى و تركنا على الواضحة، و كان مما أمرنا به الأعذار إلى الناس، فنحن ندعوكم إلى الإسلام، فمن أجابنا إليه فمثلنا، و من لم يجبنا عرضنا عليه الجزية و بذلنا له المنعة، و قد أعلمنا أنا مفتتحوكم، و أوصانا بكم حفظا لرحمنا منكم، و أن لكم إن أجبتمونا بذلك ذمة إلى ذمة و مما عهد إلينا أميرنا استوصوا بالقبطيين خيرا، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أوصانا بالقبطيين خيرا، لأن لهم رحما و ذمة. فقالوا: قرابة بعيدة لا يصل مثلها إلا الأنبياء معروفة شريفة، كانت ابنة ملكنا و كانت من أهل منف و الملك فيهم فأديل عليهم أهل عين شمس فقتلوهم و سلبوهم ملكهم و اغتربوا فلذلك صارت إلى إبراهيم (عليه السلام) مرحبا به و أهلا. أمنا حتى نرجع إليك، فقال عمرو: إن مثلي لا يخدع و لكنى أؤجلكما ثلاثا لتنظروا و لتناظروا قومكما و إلا ناجزتكم. قالا: زدنا، فزادهم يوما، فقالا: زدنا. فزادهم يوما. فرجعا إلى المقوقس فأبى أرطبون أن يجيبهما و أمر بمناهدتهم، فقالا لأهل مصر: أما نحن فسنجتهد أن ندفع عنكم و لا نرجع إليهم. و قد بقيت أربعة أيام قاتلوا و أشار عليهم بأن يبيتوا المسلمين، فقال الملأ منهم: ما تقاتلون من قوم قتلوا كسرى و قيصر و غلبوهم على بلادهم.

فألح الأرطبون في أن يبيتوا للمسلمين ففعلوا فلم يظفروا بشي‏ء بل قتل منهم طائفة منهم الأرطبون، و حاصر المسلمون عين شمس من مصر في اليوم الرابع. و ارتقى الزبير عليهم سور البلد، فلما أحسوا بذلك خرجوا إلى عمرو من الباب الآخر فصالحوه و اخترق الزبير البلد حتى خرج من الباب الّذي عليه عمرو فأمضوا الصلح و كتب لهم عمرو كتاب أمان: «بسم اللَّه الرحمن الرحيم: هذا ما أعطى عمرو ابن العاص أهل مصر من الأمان على أنفسهم و ملّتهم و أموالهم و كنائسهم و صلبهم و برهم و بحرهم، لا يدخل عليهم شي‏ء من ذلك و لا ينتقص و لا يساكنهم النوبة، و على أهل مصر أن يعطوا الجزية إذا اجتمعوا على هذا الصلح و انتهت زيادة نهرهم خمسين ألف ألف و عليهم ما حق لصونهم، فإن أبى أحد منهم أن يجيب رفع عنهم من الجزاء بقدرهم، و ذمتنا ممن أبى بريئة. و إن نقص نهرهم من غايته رفع عنهم بقدر ذلك و من دخل في صلحهم من الروم و النوبة، فله مثل ما لهم و عليه مثل ما عليهم، و من أبى و اختار الذهاب فهو آمن حتى يبلغ مأمنه أو يخرج من سلطاننا، عليهم ما عليهم أثلاثا، في كل ثلث جباية ثلث ما عليهم. على ما في هذا الكتاب عهد اللَّه و ذمة رسوله و ذمة الخليفة أمير المؤمنين و ذمم المؤمنين، و على النوبة الذين استجابوا أن يعينوا بكذا و كذا رأسا، و كذا و كذا فرسا على أن لا يغزوا و لا يمنعوا من تجارة صادرة و لا واردة. شهد الزبير و عبد اللَّه و محمد ابناه و كتب وردان و حضر» فدخل في ذلك أهل مصر كلهم و قبلوا الصلح و اجتمعت الخيول بمصر و عمروا الفسطاط، و ظهر أبو مريم و أبو مريام فكلما عمرا في السبايا التي أصيبت بعد المعركة. فأبى عمرو أن يردها عليهما، و أمر بطردهما و إخراجهما من بين يديه، فلما بلغ ذلك أمير المؤمنين عمر بن‏

99

الخطاب أمر أن كل سبى أخذ في الخمسة أيام التي أمنوهم فيها أن يرد عليهم، و كل سبى أخذ ممن لم يقاتل و كذلك من قاتل فلا يرد عليه سباياه. و قيل إنه أمره أن يخيروا من في أيديهم من السبي بين الإسلام و بين أن يرجع إلى أهله، فمن أختار الإسلام فلا يردوه إليهم، و من اختارهم ردوه عليهم و أخذوا منه الجزية، و أما ما تفرق من سبيهم في البلاد و وصل إلى الحرمين و غيرهما، فإنه لا يقدر على ردهم و لا ينبغي أن يصالحهم على ما يتعذر الوفاء به. ففعل عمرو ما أمر به أمير المؤمنين، و جمع السبايا و عرضوهم و خيروهم فمنهم من اختار الإسلام، و منهم من عاد إلى دينه، و انعقد الصلح بينهم. ثم أرسل عمرو جيشا إلى اسكندرية- و كان المقوقس صاحب الاسكندرية قبل ذلك يؤدى خراج بلده و بلد مصر إلى ملك الروم- فلما حاصره عمرو بن العاص جمع أساقفته و أكابر دولته و قال لهم: إن هؤلاء العرب غلبوا كسرى و قيصر و أزالوهم عن ملكهم و لا طاقة لنا بهم، و الرأى عندي أن نؤدي الجزية إليهم. ثم بعث إلى عمرو بن العاص يقول: إني كنت أؤدى الخراج إلى من هو أبغض إلى منكم- فارس و الروم- ثم صالحه على أداء الجزية، و بعث عمرو بالفتح و الأخماس إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه.

و ذكر سيف أن عمرو بن العاص لما التقى مع المقوقس جعل كثير من المسلمين يفر من الزحف فجعل عمر يزمرهم و يحثهم على الثبات: فقال له رجل من أهل اليمن: إنا لم نخلق من حجارة و لا حديد.

فقال له عمرو: اسكت فأنما، أنت كلب. فقال له الرجل فأنت إذا أمير الكلاب. فأعرض عنه عمرو و نادى يطلب أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فلما اجتمع إليه من هناك من الصحابة قال لهم عمرو:

تقدموا فبكم ينصر اللَّه المسلمين. فنهدوا إلى القوم ففتح اللَّه عليهم و ظفروا أتم الظفر. قال سيف:

ففتحت مصر في ربيع الأول من سنة ست عشرة و قام فيها ملك الإسلام و للَّه الحمد و المنة. و قال غيره: فتحت مصر في سنة عشرين، و فتحت اسكندرية في سنة خمس و عشرين بعد محاصرة ثلاثة أشهر عنوة، و قيل صلحا على اثنى عشر ألف دينار. و قد ذكر أن المقوقس سأل من عمرو أن يهادنه أولا، فلم يقبل عمرو و قال له: قد علمتم ما فعلنا بملككم الأكبر هرقل. فقال المقوقس لأصحابه:

صدق فنحن أحق بالإذعان. ثم صالح على ما تقدم. و ذكر غيره أن عمرا و الزبير سارا إلى عين شمس فحاصراها و أن عمرا بعث إلى الفرما أبرهة بن الصباح، و بعث عوف بن مالك إلى الاسكندرية، فقال كل منهما لأهل بلده: إن نزلتم فلكم الأمان. فتربصوا ما ذا يكون من أهل عين شمس، فلما صالحوا صالح الباقون. و قد قال عوف بن مالك لأهل اسكندرية: ما أحسن بلدكم؟ فقالوا: إن إسكندر لما بناها قال: لأبنين مدينة فقيرة إلى اللَّه غنية عن الناس. فبقيت بهجتها. و قال أبرهة لأهل الفرما: ما أقبح مدينتكم؟ فقالوا إن الفرما- و هو أخو الإسكندر- لما بناها قال لأبنين مدينة

100

غنية عن اللَّه فقيرة إلى الناس. فهي لا يزال ساقطا بناؤها فشوهت بذلك.

و ذكر سيف أن عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح لما ولى مصر بعد ذلك زاد في الخراج عليهم رءوسا من الرقيق يهدونها إلى المسلمين في كل سنة، و يعوضهم المسلمون بطعام مسمى و كسوة. و أقر ذلك عثمان بن عفان و ولاة الأمور بعده، حتى كان عمر بن عبد العزيز فأمضاه أيضا نظرا لهم، و إبقاء لعهدهم. قلت: و إنما سميت ديار مصر بالفسطاط نسبة إلى فسطاط عمرو بن العاص، و ذلك أنه نصب خيمته و هي الفسطاط موضع مصر اليوم، و بنى الناس حوله، و تركت مصر القديمة من زمان عمرو بن العاص و إلى اليوم، ثم رفع الفسطاط و بنى موضعه جامعا و هو المنسوب إليه اليوم. و قد غزا المسلمون بعد فتح مصر النوبة فنالهم جراحات كثيرة، و أصيبت أعين كثيرة، لجودة رمى النوبة فسموهم جند الحدق. ثم فتحها اللَّه بعد ذلك و له الحمد و المنة. و قد اختلف في بلاد مصر فقيل:

فتحت صلحا إلا الاسكندرية، و هو قول يزيد بن أبى حبيب، و قيل: كلها عنوة و هو قول ابن عمر و جماعة. و عن عمرو بن العاص أنه خطب الناس فقال: ما قعدت مقعدي هذا و لا حد من القبط عندي عهد إن شئت- قلت، و إن شئت بعت و إن شئت خمست إلا لأهل الطابلس فان لهم عهدا نوفى به.

قصة نيل مصر

روينا من طريق ابن لهيعة عن قيس بن الحجاج عمن حدثه قال: لما افتتحت مصر أتى أهلها عمرو بن العاص- حين دخل بؤنة من أشهر العجم- فقالوا: أيها الأمير، لنيلنا هذا سنة لا يجرى إلا بها. قال: و ما ذاك؟ قالوا: إذا كانت اثنتي عشرة ليلة خلت من هذا الشهر عمدنا إلى جارية بكر من أبويها، فأرضينا أبويها و جعلنا عليها من الحلي و الثياب أفضل ما يكون، ثم ألقيناها في هذا النيل. فقال لهم عمرو: إن هذا مما لا يكون في الإسلام، إن الإسلام يهدم ما قبله. قال: فأقاموا بؤنة و أبيب و مسرى و النيل لا يجرى قليلا و لا كثيرا، حتى هموا بالجلاء، فكتب عمرو إلى عمر ابن الخطاب بذلك، فكتب إليه: إنك قد أصبت بالذي فعلت، و إني قد بعثت إليك بطاقة داخل كتابي، فألقها في النيل. فلما قدم كتابه أخذ عمرو البطاقة فإذا فيها «من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين إلى نيل أهل مصر، أما بعد، فإن كنت إنما تجرى من قبلك و من أمرك فلا تجر فلا حاجة لنا فيك، و إن كنت إنما تجرى بأمر اللَّه الواحد القهار، و هو الّذي يجريك فنسأل اللَّه تعالى أن يجريك» قال: فألقى البطاقة في النيل فأصبحوا يوم السبت و قد أجرى اللَّه النيل ستة عشر ذراعا في ليلة واحدة و قطع اللَّه تلك السنة عن أهل مصر إلى اليوم.

قال سيف بن عمر: و في ذي القعدة من هذه السنة- و هي عنده سنة ست عشرة- جعل عمرو المسالح على أرجاء مصر، و ذلك لأن هرقل أغزا الشام و مصر في البحر. قال ابن جرير: و في هذه‏

101

السنة غزا أرض الروم أبو بحرية عبد اللَّه بن قيس العبديّ- و هو أول من دخلها فيما قيل- فسلم و غنم و قيل أول من دخلها ميسرة بن مسروق العبسيّ. قال الواقدي: و فيها عزل عمر قدامة بن مظعون عن البحرين، وحده في الشراب. و ولى على البحرين و اليمامة أبا هريرة الدوسيّ رضى اللَّه عنه.

قال: و فيها شكا أهل الكوفة سعدا في كل شي‏ء، حتى قالوا: لا يحسن يصلى، فعزله عنها و ولى عليها عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبان- و كان نائب سعد- و قيل بل ولاها عمرو بن ياسر. و قال الامام أحمد: حدثنا سفيان عن عبد الملك سمعه من جابر بن سمرة. قال: شكا أهل الكوفة سعدا إلى عمر فقالوا: إنه لا يحسن يصلى، قال الأعاريب؟ و اللَّه ما آلو بهم صلاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الظهر و العصر، اردد في الأوليين و أصرف في الأخيرين. فسمعت عمر يقول: كذا الظن بك يا أبا إسحاق.

و في صحيح مسلم أن عمر بعث من يسأل عنه أهل الكوفة فأثنوا خيرا إلا رجلا يقال له: أبو سعدة قتادة بن أسامة قام فقال: أما إذا أنشدتنا فان سعدا لا يقسم بالسوية و لا يعدل في القضية، و لا يخرج في السرية. فقال سعد: اللَّهمّ إن كان عبدك هذا قام مقام رياء و سمعة، فأطل عمره و أدم فقره و عرضه للفتن. فأصابته دعوة سعد- فكان شيخا كبيرا يرفع حاجبيه عن عينيه، و يتعرض للجواري في الطرق فيغمزهن، فيقال له في ذلك، فيقول: شيخ كبير مفتون أصابته دعوة سعد. و قد قال عمر في وصيته- و ذكره في السنة- «فان أصابت الامرة سعدا فذاك، و إلا فليستعن به أيكم ولى، فأنى لم أعز له عن عجز و لا خيانة. قال و فيها أجلى عمر يهود خيبر عنها إلى أذرعات و غيرها، و فيها أجلى عمر يهود نجران منها أيضا إلى الكوفة، و قسم خيبر، و وادي القرى، و نجران بين المسلمين. قال: و فيها دوّن عمر الدّواوين، و زعم غيره أنه دوّنها قبل ذلك فاللَّه أعلم. قال: و فيها بعث عمر علقمة بن مجزز المدلجي إلى الحبشة في البحر فأصيبوا فآلى عمر على نفسه أن لا يبعث جيشا في البحر بعدها. و قد خالف الواقدي في هذا أبو معشر فزعم أن غزوة الحبشة إنما كانت في سنة إحدى و ثلاثين- يعنى في خلافة عثمان بن عفان- و اللَّه أعلم. قال الواقدي: و فيها تزوج عمر فاطمة بنت الوليد بن عتبة.

التي مات عنها الحارث بن هشام في الطاعون. و هي أخت خالد بن الوليد. قال: و فيها مات هلال بدمشق، و أسيد بن الحضير في شعبان، و زينب بنت جحش أم المؤمنين. و هي أول من مات من أمهات المؤمنين رضى اللَّه عنها. قال: و فيها مات هرقل و قام بعده ولده قسطنطين. قال: و حج بالناس في هذه السنة عمر و نوابه و قضاته من تقدم في التي قبلها. سوى من ذكرنا أنه عزله و ولى غيره.

ذكر المتوفين في هذه السنة من الأعيان- أسيد بن الحضير

ابن سماك الأنصاري الأشهلي من الأوس، أبو يحيى أحد النقباء ليلة العقبة، و كان أبوه رئيس الأوس يوم بعاث، و كان قبل الهجرة بست سنين، و كان يقال له حضير الكتائب، يقال إنه أسلم‏