البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
102

على يدي مصعب بن عمير. و لما هاجر الناس آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين زيد بن حارثة، و لم يشهد بدرا.

و في الحديث الّذي صححه الترمذي عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«نعم الرجل أبو بكر، نعم الرجل عمر، نعم الرجل أسيد بن الحضير» و ذكر جماعة.

و قدم الشام مع عمر و أثنت عليه عائشة، و على سعد بن معاذ، و عباد بن بشر، رضى اللَّه عنهم. و ذكر ابن بكير أنه توفى بالمدينة سنة عشرين، و أن عمر حمل بين عموديه و صلى عليه و دفن بالبقيع، و كذا أرخ وفاته سنة عشرين الواقدي و أبو عبيد و جماعة.

أنيس بن مرثد بن أبى مرثد الغنوي‏

هو و أبوه و جده صحابة و كان أنيس هذا عينا لرسول اللَّه يوم حنين،

و يقال‏

إنه الّذي قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «اغد يا أنيس إلى امرأة هذا فان اعترفت فارجمها»

و الصحيح أنه غيره، فان في الحديث «فقال لرجل من أسلم» فقيل: انه أنيس بن الضحاك الأسلمي. و قد مال ابن الأثير إلى ترجيحه و اللَّه أعلم. له حديث في الفتنة قال إبراهيم بن المنذر: توفى في ربيع الأول سنة عشرين.

بلال بن أبى رباح الحبشي المؤذن مولى أبى بكر

و يقال له بلال بن حمامة. و هي أمه. أسلم قديما فعذب في اللَّه فصبر فاشتراه الصديق فأعتقه، شهد بدرا و ما بعدها. و كان عمر يقول: أبو بكر سيدنا و أعتق سيدنا. رواه البخاري. و لما شرع الأذان بالمدينة كان هو الّذي يؤذن بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ابن أم مكتوم يتناوبان، تارة هذا و تارة هذا، و كان بلال ندي الصوت حسنه، فصيحا، و ما

يروى‏

«أن سين بلال عند اللَّه شينا»

فليس له أصل. و قد أذن يوم الفتح على ظهر الكعبة. و لما توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ترك الأذان، و يقال أذن للصديق أيام خلافته و لا يصح. ثم خرج إلى الشام مجاهدا، و لما قدم عمر إلى الجابية أذن بين يديه بعد الخطبة لصلاة الظهر، فانتحب الناس بالبكاء. و قيل إنه زار المدينة في غضون ذلك [فأذن فبكى الناس بكاء شديدا و يحق لهم ذلك‏] [ (1)] رضى اللَّه عنهم.

و ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لبلال‏

«إني دخلت الجنة فسمعت خشف نعليك أمامى فأخبرني بأرجى عمل عملته».

فقال:

ما توضأت إلا و صليت ركعتين.

«فقال بذاك» و

في رواية

«ما أحدثت إلا توضأت و ما توضأت إلا رأيت أن على أن أصلى ركعتين»

قالوا: و كان بلال آدم شديد الأدمة طويلا نحيفا كثير الشعر خفيف العارضين. قال ابن بكير: توفى بدمشق في طاعون عمواس سنة ثماني عشرة. و قال محمد بن إسحاق و غير واحد: توفى سنة عشرين. قال الواقدي: و دفن بباب الصغير و له بضع و ستون سنة

____________

[ (1)] لم ترد في الحلبية.

103

و قال غيره: مات بداريا و دفن بباب كيسان. و قيل دفن بداريا، و قيل إنه مات بحلب. و الأول أصح و اللَّه أعلم.

سعيد بن عامر بن خذيم‏

من أشراف بنى جمح، شهد خيبر و كان من الزهاد و العباد، و كان أميرا لعمر على حمص بعد أبى عبيدة، بلغ عمر أنه قد أصابته جراحة شديدة، فأرسل إليه بألف دينار فتصدق بها جميعها، و قال لزوجته: أعطيناها لمن يتجر لنا فيها رضى اللَّه عنه. قال خليفة: فتح هو و معاوية قيسارية كل منهما أمير على من معه.

عياض بن غنم‏

أبو سعد الفهري من المهاجرين الأولين، شهد بدرا و ما بعدها، و كان سمحا جوادا، شجاعا، و هو الّذي افتتح الجزيرة، و هو أول من جاز درب الروم غازيا، و استنابه أبو عبيدة بعده على الشام فأقره عمر عليها إلى أن مات سنة عشرين عن ستين سنة.

أبو سفيان بن الحارث‏

ابن عبد المطلب بن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قيل اسمه المغيرة. أسلم عام الفتح فحسن إسلامه جدا و كان قبل ذلك من أشد الناس على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و على دينه و من تبعه، و كان شاعرا مطيقا يهجو الإسلام و أهله، و هو الّذي رد عليه حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه في قوله:

ألا أبلغ أبا سفيان عنى‏* * * مغلغلة فقد برح الخفاء

هجوت محمدا و أجبت عنه‏* * * و عند اللَّه في ذاك الجزاء

أ تهجوه و لست له بكف‏ء* * * فشركما لخيركما الفداء

و لما جاء هو و عبد اللَّه بن أبى أمية ليسلما لم يأذن لهما (عليه السلام) حتى شفعت أم سلمة لأخيها فأذن له، و بلغه أن أبا سفيان هذا قال: و اللَّه لئن لم يأذن لي لآخذن بيد بنى هذا- لولد معه صغير- فلا ذهبن فلا يدرى أين أذهب. فرق حينئذ له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أذن له، و لزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم حنين و كان آخذا بلجام بغلته يومئذ،

و قد روى‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أحبه و شهد له بالجنة، و قال «أرجو أن تكون خلفا من حمزة»

و قد رثى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين توفى بقصيدة ذكرناها فيما سلف و هي التي يقول فيها:

ارقت فبات ليلى لا يزول‏* * * و ليل أخ المصيبة فيه طول‏

و أسعدنى البكاء و ذاك فيما* * * أصيب المسلمون به قليل‏

فقد عظمت مصيبتنا و جلت‏* * * عشية قيل قد قبض الرسول‏

104

فقدنا الوحي و التنزيل فينا* * * يروح به و يغدو جبرئيل‏

ذكروا أن أبا سفيان حج فلما حلق رأسه قطع الحالق ثؤلولا له في رأسه فتمرض منه فلم يزل كذلك حتى مات بعد مرجعه إلى المدينة، و صلى عليه عمر بن الخطاب. و قد قيل إن أخاه نوفلا توفى قبله بأربعة أشهر و اللَّه أعلم.

أبو الهيثم بن التيهان‏

هو مالك بن مالك بن عسل بن عمرو بن عبد الأعلم بن عامر بن دعورا بن جشم بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي، شهد العقبة نقيبا، و شهد بدرا و ما بعدها، و مات سنة عشرين، و قيل إحدى و عشرين، و قيل إنه شهد صفين مع على، قال ابن الأثير و هو الأكثر. و قد ذكره شيخنا هنا فاللَّه أعلم.

زينب بنت جحش‏

ابن رباب الأسدية من أسد خزيمة أول أمهات المؤمنين وفاة، أمها أميمة بنت عبد المطلب، و كان اسمها برة، فسماها رسول اللَّه زينب، و تكنى أم الحكم، و هي التي زوجه اللَّه بها، و كانت تفتخر بذلك على سائر أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فتقول: زوجكن أهلوكن و زوجني اللَّه من السماء. قال اللَّه تعالى‏ فَلَمَّا قَضى‏ زَيْدٌ مِنْها وَطَراً زَوَّجْناكَهاالآية. و كانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، فلما طلقها تزوجها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): قيل كان ذلك في سنة ثلاث و قيل أربع و هو الأشهر. و قيل سنة خمس. و في دخوله (عليه السلام) بها نزل الحجاب كما ثبت في الصحيحين عن أنس. و هي التي كانت تسامى عائشة بنت الصديق في الجمال و الحظوة، و كانت دينة ورعة عابدة كثيرة الصدقة.

و ذاك الّذي أشار إليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بقوله «أسرعكن لحاقا بى أطولكن يدا» أي بالصدقة.

و كانت امرأة صناعا تعمل بيديها و تتصدق على الفقراء. قالت عائشة: ما رأيت امرأة قط خيرا في الدين و أتقى للَّه و أصدق حديثا و أوصل للرحم و أعظم أمانة و صدقة من زينب بنت جحش. و لم تحج بعد حجة الوداع لا هي و لا سودة، لقوله، (عليه السلام) لأزواجه «هذه ثم ظهور الحصر» و أما بقية أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فكن يخرجن إلى الحج و قالتا زينب و سودة: و اللَّه لا تحركنا بعده دابة. قالوا: و بعث عمر إليها فرضها اثنى عشر ألفا فتصدقت به في أقاربها. ثم قالت: اللَّهمّ لا يدكرنى عطاء عمر بعد هذا. فماتت في سنة عشرين و صلى عليها عمر. و هي أول من صنع لها النعش، و دفنت بالبقيع‏

صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

و هي أم الزبير بن العوام، و هي شقيقة حمزة و المقوم و حجل، أمهم هالة بنت وهيب بن عبد مناف ابن زهرة. لا خلاف في إسلامها و قد حضرت يوم أحد و وجدت على أخيها حمزة وجدا كثيرا، و قتلت‏

105

يوم الخندق رجلا من اليهود جاء فجعل يطوف بالحصن التي هي فيه و هو فارع حصن حسان فقالت لحسان: انزل فأقتله، فأبى، فنزلت إليه فقتلته ثم قالت: انزل فاسلبه فلو لا أنه رجل لاستلبته. فقال:

لا حاجة لي فيه. و كانت أول امرأة قتلت رجلا من المشركين. و قد اختلف في إسلام من عداها من عمات النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقيل: أسلمت أروى و عاتكة. قال ابن الأثير و شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي الحافظ: و الصحيح أنه لم يسلم منهن غيرها. و قد تزوجت أولا بالحارث بن حرب بن أمية. ثم خلف عليها العوام بن خويلد فولدت له الزبير و عبد الكعبة. و قيل تزوج بها العوام بكرا، و الصحيح الأول توفيت بالمدينة سنة عشرين عن ثلاث و سبعين سنة. و دفنت بالبقيع رضى اللَّه عنها و قد ذكر ابن إسحاق من توفى غيرها.

عويم بن ساعدة الأنصاري‏

شهد العقبتين و المشاهد كلها و هو أول من استنجى بالماء، و فيه نزل قوله تعالى‏ فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَ اللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ‏ و له روايات توفى هذه السنة بالمدينة* بشر بن عمرو بن حنش يلقب بالجارود، أسلم في السنة العاشرة، و كان شريفا مطاعا في عبد القيس، و هو الّذي شهد على قدامة بن مظعون أنه شرب الخمر، فعزله عمر عن اليمن وحده قتل الجارود شهيدا* أبو خراشة خويلد بن مرة الهذلي، كان شاعرا مجيدا مخضر ما أدرك الجاهلية و الإسلام و كان إذا جرى سبق الخيل. نهشته حية فمات بالمدينة.

ثم دخلت سنة إحدى و عشرين ففيها كانت وقعة نهاوند و فتحها على المشهور

و هي وقعة عظيمة جدا لها شأن رفيع و نبأ عجيب، و كان المسلمون يسمونها فتح الفتوح‏

قال ابن إسحاق و الواقدي: كانت وقعة نهاوند في سنة إحدى و عشرين. و قال سيف: كانت في سنة سبع عشرة. و قيل في سنة تسع عشرة و اللَّه أعلم. و إنما ساق أبو جعفر بن جرير قصتها في هذه السنة فتبعناه في ذلك و جمعنا كلام هؤلاء الأئمة في هذا الشأن سياقا واحدا، حتى دخل سياق بعضهم في بعض. قال سيف و غيره: و كان الّذي هاج هذه الوقعة أن المسلمين لما افتتحوا الأهواز و منعوا جيش العلاء من أيديهم و استولوا على دار الملك القديم من إصطخر مع ما حازوا من دار مملكتهم حديثا، و هي المدائن، و أخذ تلك المدائن و الأقاليم و الكور و البلدان الكثيرة، فحموا عند ذلك و استجاشهم يزدجرد الّذي تقهقر من بلد إلى بلد حتى صار إلى أصبهان مبعدا طريدا، لكنه في أسرة من قومه و أهله و ماله، و كتب إلى ناحية نهاوند و ما والاها من الجبال و البلدان، فتجمعوا و تراسلوا حتى كمل لهم من الجنود ما لم يجتمع لهم قبل ذلك، فبعث سعد إلى عمر يعلمه بذلك، و ثار أهل الكوفة على سعد في غضون هذا الحال. فشكوه في كل شي‏ء حتى قالوا: لا يحسن يصلى. و كان الّذي نهض‏

106

بهذه الشكوى رجل يقال له: الجراح بن سنان الأسدي في نفر معه، فلما ذهبوا إلى عمر فشكوه قال لهم عمر: إن الدليل على ما عندكم من الشر نهوضكم في هذا الحال عليه، و هو مستعد لقتال أعداء اللَّه، و قد جمعوا لكم، و مع هذا لا يمنعني أن انظر في أمركم. ثم بعث محمد بن مسلمة- و كان رسول العمال- فلما قدم محمد بن مسلمة الكوفة طاف على القبائل و العشائر و المساجد بالكوفة فكل يثنى على سعد خيرا إلا ناحية الجراح بن سنان فإنهم سكتوا فلم يذموا و لم يشكروا، حتى انتهى إلى بنى عبس، فقام رجل يقال له أبو سعدة أسامة بن قتادة، فقال: أما إذ ناشدتنا فان سعدا لا يقسم بالسوية، و لا يعدل في الرعية، و لا يغزو في السرية. فدعا عليه سعد فقال: اللَّهمّ إن كان قالها كذبا و رياء و سمعة فأعم بصره، و كثر عياله، و عرضه لمضلات الفتن. فعمى و اجتمع عنده عشر بنات، و كان يسمع بالمرأة فلا يزال حتى يأتيها فيجسها فإذا عثر عليه قال: دعوة سعد الرجل المبارك. ثم دعا سعد على الجراح و أصحابه فكل أصابته فارعة في جسده، و مصيبة في ماله بعد ذلك، و استنفر محمد بن مسلمة أهل الكوفة لغزو أهل نهاوند في غضون ذلك عن أمر عمر بن الخطاب. ثم سار سعد و محمد بن مسلمة و الجراح و أصحابه حتى جاءوا عمر فسأله عمر: كيف يصلى؟ فأخبره أنه يطول في الأوليين و يخفف في الأخريين و ما آلو ما اقتديت به من صلاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). فقال له عمر: ذاك الظن بك يا أبا إسحاق. و قال سعد في هذه القصة. لقد أسلمت خامس خمسة، و لقد كنا و ما لنا طعام إلا ورق الحبلة حتى تقرحت أشداقنا، و إني لأول رجل رمى بسهم في سبيل اللَّه، و لقد جمع لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبويه و ما جمعهما لأحد قبلي، ثم أصبحت بنو أسد يقولون لا يحسن يصلى. و في رواية يغرر بى على الإسلام، لقد خبت إذا و ضل عملي. ثم قال عمر لسعد: من استخلفت على الكوفة؟ فقال: عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبان، فأقره عمر على نيابته الكوفة- و كان شيخا كبيرا من أشراف الصحابة حليفا لبني الحبلى من الأنصار- و استمر سعد معزولا من غير عجز و لا خيانة و يهدد أولئك النفر، و كاد يوقع بهم بأسا. ثم ترك ذلك خوفا من أن لا يشكو أحدا أميرا.

و المقصود أن أهل فارس اجتمعوا من كل فج عميق بأرض نهاوند، حتى اجتمع منهم مائة ألف و خمسون ألف مقاتل، و عليهم الفيرزان و يقال: بندار، و يقال ذو الحاجب. و تذامروا فيما بينهم، و قالوا: إن محمدا الّذي جاء العرب لم يتعرض لبلادنا، و لا أبو بكر الّذي قام بعده تعرض لنا في دار ملكنا، و إن عمر بن الخطاب هذا لما طال ملكه انتهك حرمتنا و أخذ بلادنا، و لم يكفه ذلك حتى أغزانا في عقر دارنا، و أخذ بيت المملكة و ليس بمنته حتى يخرجكم من بلادكم. فتعاهدوا و تعاقدوا على أن يقصدوا البصرة و الكوفة ثم يشغلوا عمر عن بلاده، و تواثقوا من أنفسهم و كتبوا بذلك عليهم كتابا. فلما كتب سعد بذلك إلى عمر- و كان قد عزل سعدا في غضون ذلك- شافه سعد عمر بما

107

تمالئوا عليه و تصدوا إليه، و أنه قد اجتمع منهم مائة و خمسون ألفا. و جاء كتاب عبد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبان من الكوفة إلى عمر مع قريب بن ظفر العبديّ بأنهم قد اجتمعوا و هم متحرفون متذامرون على الإسلام و أهله، و أن المصلحة يا أمير المؤمنين أن نقصدهم فنعاجلهم عما هموا به و عزموا عليه من المسير إلى بلادنا. فقال عمر لحامل الكتاب: ما اسمك؟ قال: قريب. قال: ابن من؟ قال: ابن ظفر. فتفاءل عمر بذلك و قال: ظفر قريب. ثم أمر فنودي الصلاة جامعة، فاجتمع الناس و كان أول من دخل المسجد لذلك سعد بن أبى وقاص، فتفاءل عمر أيضا بسعد، فصعد عمر المنبر حتى اجتمع الناس فقال: إن هذا يوم له ما بعده من الأيام، ألا و إني قد هممت بأمر فاسمعوا و أجيبوا و أوجزوا و لا تنازعوا فتفشلوا و تذهب ريحكم، إني قد رأيت أن أسير بمن قبلي حتى أنزل منزلا وسطا بين هذين المصرين فأستنفر الناس، ثم أكون لهم ردءا حتى يفتح اللَّه عليهم. فقام عثمان و على و طلحة و الزبير و عبد الرحمن بن عوف في رجال من أهل الرأى، فتكلم كل منهم بانفراده فأحسن و أجاد، و اتفق رأيهم على أن لا يسير من المدينة، و لكن يبعث البعوث و يحصرهم برأيه و دعائه. و كان من كلام على رضى اللَّه عنه أن قال: يا أمير المؤمنين، إن هذا الأمر لم يكن نصره و لا خذلانه بكثرة و لا قلة، هو دينه الّذي أظهر، و جنده الّذي أعزه و أمده بالملائكة حتى بلغ ما بلغ. فنحن على موعود من اللَّه و اللَّه منجز وعده، و ناصر جنده، و مكانك منهم يا أمير المؤمنين مكان النظام من الخرز يجمعه و يمسكه، فإذا انحل تفرق ما فيه و ذهب، ثم لم يجتمع بحذافيره أبدا. و العرب اليوم و إن كانوا قليلا فهم كثير عزيز بالإسلام، فأقم مكانك و اكتب إلى أهل الكوفة فهم أعلام العرب و رؤساؤهم، فليذهب منهم الثلثان و يقيم الثلث، و اكتب إلى أهل البصرة يمدونهم أيضا.- و كان عثمان قد أشار في كلامه أن يمدهم في جيوش من أهل اليمن و الشام. و وافق عمر على الذهاب إلى ما بين البصرة و الكوفة- فرد عليّ على عثمان في موافقته على الذهاب إلى ما بين البصرة و الكوفة كما تقدم، و رد رأى عثمان فيما أشار به من استمداد أهل الشام خوفا على بلادهم إذا قل جيوشها من الروم. و من أهل اليمن خوفا على بلادهم من الحبشة. فأعجب عمر قول على و سر به- و كان عمر إذا استشار أحدا لا يبرم أمرا حتى يشاور العباس- فلما أعجبه كلام الصحابة في هذا المقام عرضه على العباس فقال:

يا أمير المؤمنين خفض عليك، فإنما اجتمع هؤلاء الفرس لنقمة تنزل عليهم. ثم قال عمر: أشيروا على بمن أوليه أمر الحرب و ليكن عراقيا. فقالوا: أنت أبصر بجندك يا أمير المؤمنين. فقال: أما و اللَّه لأولين رجلا يكون أول الأسنة إذا لقيها غدا. قالوا: من يا أمير المؤمنين؟ قال: النعمان بن مقرن.

فقالوا: هو لها- و كان النعمان قد كتب إلى عمرو هو على كسكر و سأله أن يعزله عنها و يوليه قتال أهل نهاوند- فلهذا أجابه إلى ذلك و عينه له، ثم كتب عمر إلى حذيفة أن يسير من الكوفة بجنود

108

منها، و كتب إلى أبى موسى أن يسير بجنود البصرة، و كتب إلى النعمان، و كان بالبصرة- أن يسير بمن هناك من الجنود إلى نهاوند، و إذا اجتمع الناس فكل أمير على جيشه و الأمير على الناس كلهم النعمان بن مقرن. فإذا قتل فحذيفة بن اليمان، فان قتل فجرير بن عبد اللَّه، فإن قتل فقيس بن مكشوح، فان قتل قيس ففلان ثم فلان، حتى عد سبعة أحدهم المغيرة بن شعبة، و قيل لم يسم فيهم و اللَّه أعلم.

و صورة الكتاب «بسم اللَّه الرحمن الرحيم من عبد اللَّه عمر أمير المؤمنين، إلى النعمان بن مقرن سلام عليك، فانى أحمد إليك اللَّه الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فإنه قد بلغني أن جموعا من الأعاجم كثيرة قد جمعوا لكم بمدينة نهاوند، فإذا أتاك كتابي هذا فسر بأمر اللَّه و بعون اللَّه و بنصر اللَّه بمن معك من المسلمين، و لا توطئهم وعرا فتؤذيهم، و لا تمنعهم حقهم فتكفرهم، و لا تدخلهم غيضة، فان رجلا من المسلمين أحب إلى من مائة ألف دينار، و السلام عليك. فسر في وجهك ذلك حتى تأتى ماه فانى قد كتبت إلى أهل الكوفة أن يوافوك بها، فإذا اجتمع إليك جنودك فسر إلى الفيرزان و من جمع معه من الأعاجم من أهل فارس و غيرهم، و استنصروا و أكثروا من لا حول و لا قوة إلا باللَّه». و كتب عمر إلى نائب الكوفة- عبد اللَّه بن عبد اللَّه- أن يعين جيشا و يبعثهم إلى نهاوند، و ليكن الأمير عليهم حذيفة بن اليمان حتى ينتهى إلى النعمان بن مقرن، فإن قتل النعمان فحذيفة، فان قتل فنعيم بن مقرن. و ولى السائب بن الأقرع قسم الغنائم. فسار حذيفة في جيش كثيف نحو النعمان ابن مقرن ليوافوه بماه، و سار معه حذيفة خلق كثير من أمراء العراق، و قد أرصد في كل كورة ما يكفيها من المقاتلة، و جعل الحرس في كل ناحية، و احتاطوا احتياطا عظيما، ثم انتهوا إلى النعمان ابن مقرن حيث اتعدوا، فدفع حذيفة بن اليمان إلى النعمان كتاب عمر و فيه الأمر له بما يعتمده في هذه الوقعة، فكمل جيش المسلمين في ثلاثين ألفا من المقاتلة فيما رواه سيف عن الشعبي، فمنهم من سادات الصحابة و رءوس العرب خلق كثير و جم غفير، منهم عبد اللَّه بن عمر أمير المؤمنين، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و حذيفة بن اليمان، و المغيرة بن شعبة، و عمرو بن معديكرب الزبيدي، و طليحة بن خويلد الأسدي، و قيس بن مكشوح المرادي. فسار الناس نحو نهاوند و بعث النعمان بن مقرن الأمير بين يديه طليعة ثلاثة و هم طليحة، و عمرو بن معديكرب الزبيدي، و عمرو بن أبى سلمة.

و يقال له عمرو بن ثبى أيضا، ليكشفوا له خبر القوم و ما هم عليه. فسارت الطليعة يوما و ليلة فرجع عمرو بن ثبى فقيل له: ما رجعك؟ فقال: كنت في أرض العجم و قتلت أرض جاهلها و قتل أرضا عالمها. ثم رجع بعده عمرو بن معديكرب و قال: لم نر أحدا و خفت أن يؤخذ علينا الطريق، و نفذ طليحة و لم يحفل برجوعهما فسار بعد ذلك نحوا من بضعة عشر فرسخا حتى انتهى إلى نهاوند، و دخل في العجم و علم من أخبارهم ما أحب. ثم رجع إلى النعمان فأخبره بذلك، و أنه ليس بينه و بين نهاوند

109

شي‏ء يكرهه. فسار النعمان على تعبئته و على المقدمة نعيم بن مقرن، و على المجنبتين حذيفة و سويد بن مقرن، و على المجردة القعقاع بن عمرو، و على الساقة مجاشع بن مسعود، حتى انتهوا إلى الفرس و عليهم الفيرزان، و معه من الجيش كل من غاب عن القادسية في تلك الأيام المتقدمة، و هو في مائة و خمسين ألفا، فلما تراءى الجمعان كبر النعمان و كبر المسلمون ثلاث تكبيرات، فزلزلت الأعاجم و رعبوا من ذلك رعبا شديدا. ثم أمر النعمان بحط الأثقال و هو واقف، فحط الناس أثقالهم، و تركوا رحالهم، و ضربوا خيامهم و قبابهم. و ضربت خيمة للنعمان عظيمة، و كان الذين ضربوا أربعة عشر من أشراف الجيش، و هم حذيفة بن اليمان، و عتبة بن عمرو، و المغيرة بن شعبة، و بشير بن الخصاصية، و حنظلة الكاتب، و ابن الهوبر، و ربعي بن عامر، و عامر بن مطر، و جرير بن عبد اللَّه الحميري، و جرير بن عبد اللَّه البجلي، و الأقرع بن عبد اللَّه الحميري، و الأشعث بن قيس الكندي، و سعيد بن قيس الهمدانيّ، و وائل بن حجر، فلم ير بالعراق خيمة عظيمة أعظم من بناء هذه الخيمة، و حين حطوا الأثقال أمر النعمان بالقتال و كان يوم الأربعاء، فاقتتلوا ذلك اليوم و الّذي بعده و الحرب سجال، فلما كان يوم الجمعة انحجزوا في حصنهم، و حاصرهم المسلمون فأقاموا عليهم ما شاء اللَّه، و الأعاجم يخرجون إذا أرادوا و يرجعون إلى حصونهم إذا أرادوا. و قد بعث أمير الفرس يطلب رجلا من المسلمين ليكلمه، فذهب إليه المغيرة بن شعبة، فذكر من عظيم ما رأى عليه من لبسه و مجلسه، و فيما خاطبه به من الكلام في احتقار العرب و استهانته بهم، و أنهم كانوا أطول الناس جوعا، و أقلهم دارا و قدرا. و قال: ما يمنع هؤلاء الأساورة حولي أن ينتظموكم بالنشاب إلا مجا من جيفكم، فان تذهبوا نخل عنكم، و إن تابوا نزركم مصارعكم. قال: فتشهدت و حمدت اللَّه و قلت: لقد كنا أسوأ حالا مما ذكرت، حتى بعث اللَّه رسوله فوعدنا النصر في الدنيا، و الخير في الآخرة، و ما زلنا نتعرض من ربنا النصر منذ بعثت اللَّه رسوله إلينا، و قد جئناكم في بلادكم و إنا لن نرجع إلى ذلك الشقاء أبدا حتى نغلبكم على بلادكم و ما في أيديكم أو نقتل بأرضكم. فقال: أما و اللَّه إن الأعور لقد صدقكم ما في نفسه. فلما طال على المسلمين هذا الحال و استمر، جمع النعمان بن مقرن أهل الرأى من الجيش، و تشاوروا في ذلك، و كيف يكون من أمرهم حتى يتواجهوا هم و المشركون في صعيد واحد، فتكلم عمرو بن أبى سلمة أولا- و هو أسن من كان هناك- فقال: إن بقاءهم على ما هم عليه أضر عليهم من الّذي يطلبه منهم و أبقى على المسلمين.

فرد الجميع عليه و قالوا: إنا لعلى يقين من إظهار ديننا، و إنجاز موعود اللَّه لنا. و تكلم عمرو بن معديكرب فقال: ناهدهم و كاثرهم و لا تخفهم. فردوا جميعا عليه و قالوا: انما تناطح بنا الجدران و الجدران أعوان لهم علينا. و تكلم طليحة الأسدي فقال: إنهما لم يصيبا، و إني أرى أن تبعث سرية فتحدق بهم و يناوشوهم بالقتال و يحمشوهم فإذا برزوا إليهم فليفروا إلينا هرابا، فإذا استطردوا

110

وراءهم و انتموا إلينا عزمنا أيضا على الفرار كلنا، فإنهم حينئذ لا يشكون في الهزيمة فيخرجون من حصونهم عن بكرة أبيهم، فإذا تكامل خروجهم رجعنا إليهم فجالدناهم حتى يقضى اللَّه بيننا.

فاستجاد الناس هذا الرأى، و أمر النعمان على المجردة القعقاع بن عمرو، و أمرهم أن يذهبوا إلى البلد فيحاصروهم و حدهم و يهربوا بين أيديهم إذا برزوا إليهم. ففعل القعقاع ذلك، فلما برزوا من حصونهم نكص القعقاع بمن معه ثم نكص ثم نكص فاغتنمها الأعاجم، ففعلوا ما ظن طليحة، و قالوا: هي هي، فخرجوا بأجمعهم و لم يبق بالبلد من المقاتلة إلا من يحفظ لهم الأبواب، حتى انتهوا إلى الجيش، و النعمان بن مقرن على تعبئته. و ذلك في صدر نهار جمعة، فعزم الناس على مصادمتهم، فنهاهم النعمان و أمرهم أن لا يقاتلوا حتى تزول الشمس، و تهب الأرواح، و ينزل النصر كما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يفعل. و ألح الناس على النعمان في الحملة فلم يفعل- و كان رجلا ثابتا- فلما حان الزوال صلى بالمسلمين ثم ركب برذونا له أحوى قريبا من الأرض، فجعل يقف على كل راية و يحثهم على الصبر و يأمرهم بالثبات، و يقدم إلى المسلمين أنه يكبر الأولى فيتأهب الناس للحملة، و يكبر الثانية فلا يبقى لأحد أهبة، ثم الثالثة و معها الحملة الصادقة. ثم رجع إلى موقفه. و تعبت الفرس تعبئة عظيمة و اصطفوا صفوفا هائلة. في عدد و عدد لم ير مثله، و قد تغلغل كثير منهم بعضهم في بعض و ألقوا حسك الحديد وراء ظهورهم حتى لا يمكنهم الهرب و لا الفرار، و لا التحيز. ثم إن النعمان بن مقرن رضى اللَّه عنه كبر الأولى و هز الراية فتأهب الناس للحملة، ثم كبر الثانية و هز الراية فتأهبوا أيضا، ثم كبر الثالثة و حمل و حمل الناس على المشركين و جعلت راية النعمان تنقض على الفرس كانقضاض العقاب على الفريسة، حتى تصافحوا بالسيوف فاقتتلوا قتالا لم يعهد مثله في موقف من المواقف المتقدمة، و لا سمع السامعون بوقعة مثلها، قتل من المشركين ما بين الزوال إلى الظلام من القتلى ما طبق وجه الأرض دما، بحيث إن الدواب كانت تطبع فيه، حتى قيل إن الأمير النعمان بن مقرن زلق به حصانه في ذلك الدم فوقع و جاءه سهم في خاصرته فقتله، و لم يشعر به أحد سوى أخيه سويد، و قيل نعيم، و قيل غطاه بثوبه و أخفى موته و دفع الراية إلى حذيفة بن اليمان، فأقام حذيفة أخاه نعيما مكانه، و أمر بكتم موته حتى ينفصل الحال لئلا ينهزم الناس. فلما أظلم الليل انهزم المشركون مدبرين و تبعهم المسلمون [و كان الكفار قد قرنوا منهم ثلاثين ألفا بالسلاسل و حفروا حولهم خندقا، فلما انهزموا وقعوا في الخندق و في تلك الأودية نحو مائة ألف‏] [ (1)] و جعلوا يتساقطون في أودية بلادهم فهلك منهم بشر كثير نحو مائة ألف أو يزيدون، سوى من قتل في المعركة، و لم يفلت منهم إلا الشريد. و كان الفيرزان أميرهم قد صرع في المعركة فانفلت و انهزم و اتبعه نعيم بن مقرن، و قدم القعقاع بين يديه‏

____________

[ (1)] سقط من المصرية.

111

و قصد الفيرزان همدان فلحقه القعقاع و أدركه عند ثنية همدان، و قد أقبل منها بغال كثير و حمر تحمل عسلا، فلم يستطع الفيرزان صعودها منهم، و ذلك لحينه فترجل و تعلق في الجبل فاتبعه القعقاع حتى قتله، و قال المسلمون يومئذ: إن للَّه جنودا من عسل، ثم غنموا ذلك العسل و ما خالطه من الأحمال و سميت تلك الثنية ثنية العسل. ثم لحق القعقاع بقية المنهزمين منهم إلى همدان و حاصرها و حوى ما حولها، فنزل إليه صاحبها- و هو خسروشنوم- فصالحه عليها. ثم رجع القعقاع إلى حذيفة و من معه من المسلمين، و قد دخلوا بعد الوقعة نهاوند عنوة، و قد جمعوا الأسلاب و المغانم إلى صاحب الأقباض و هو السائب ابن الأقرع. و لما سمع أهل ماه بخبر أهل همدان بعثوا إلى حذيفة و أخذوا لهم منه الأمان، و جاء رجل يقال له الهرند- و هو صاحب نارهم- فسأل من حذيفة الأمان و يدفع إليهم وديعة عنده لكسرى، أدخرها لنوائب الزمان، فأمنه حذيفة و جاء ذلك الرجل بسفطين مملوءتين جوهرا ثمينا لا يقوم، غير أن المسلمين لم يعبئوا به، و اتفق رأيهم على بعثه لعمر خاصة، و أرسلوه صحبة الأخماس و السبي صحبة السائب بن الأقرع، و أرسل قبله بالفتح مع طريف بن سهم، ثم قسم حذيفة بقية الغنيمة في الغانمين، و رضخ و نفل لذوي النجدات، و قسم لمن كان قد أرصد من الجيوش لحفظ ظهور المسلمين من ورائهم، و من كان ردءا لهم، و منسوبا إليهم. و أما أمير المؤمنين فإنه كان يدعوا اللَّه ليلا و نهارا لهم، دعاء الحوامل المقربات، و ابتهال ذوى الضرورات، و قد استبطأ الخبر عنهم فبينا رجل من المسلمين ظاهر المدينة إذا هو براكب فسأله من أين أقبل؟ فقال: من نهاوند. فقال: ما فعل الناس؟ قال:

فتح اللَّه عليهم و قتل الأمير، و غنم المسلمون غنيمة عظيمة أصاب الفارس ستة آلاف، و الراجل ألفان. ثم فاته و قدم ذلك الرجل المدينة فأخبر الناس و شاع الخبر حتى بلغ أمير المؤمنين فطلبه فسأله عمن أخبره، فقال: راكب. فقال: إنه لم يجئنى، و إنما هو رجل من الجن و هو بريدهم و اسمه عثيم، ثم قدم طريف بالفتح بعد ذلك بأيام، و ليس معه سوى الفتح، فسأله عمن قتل النعمان فلم يكن معه علم حتى قدم الذين معهم الأخماس فأخبروا بالأمر على جليته، فإذا ذلك قد الجنى شهد الوقعة و رجع سريعا إلى قومه نذيرا. و لما أخبر عمر بمقتل النعمان بكى و سأل السائب عمن قتل من المسلمين فقال:

فلان و فلان و فلان، لأعيان الناس و أشرافهم.

ثم قال و آخرون من أفناد الناس ممن لا يعرفهم أمير المؤمنين، فجعل يبكى و يقول: و ما ضرهم أن لا يعرفهم أمير المؤمنين؟ لكن اللَّه يعرفهم و قد أكرمهم بالشهادة، و ما يصنعون بمعرفة عمر. ثم أمر بقسمة الخمس على عادته، و حملت ذانك السفطان إلى منزل عمر، و رجعت الرسل، فلما أصبح عمر طلبهم فلم يجدهم، فأرسل في إثرهم البرد فما لحقهم البريد إلا بالكوفة.

قال السائب بن الأقرع: فلما أنخت بعيري بالكوفة، أناخ البريد على عرقوب بعيري، و قال:

112

أجب أمير المؤمنين، فقلت: لما ذا؟ فقال: لا أدرى. فرجعنا على إثرنا، حتى انتهيت إليه. قال:

ما لي و لك يا ابن أم السائب، بل ما لابن أم السائب و ما لي، قال: فقلت: و ما ذاك يا أمير المؤمنين؟

فقال: ويحك و اللَّه إن هو إلا أن نمت في الليلة التي خرجت فيها فباتت ملائكة اللَّه تسحبنى إلى ذينك السفطين و هما يشتعلان نارا، يقولون لنكوينك بهما. فأقول: إني أقسمهما بين المسلمين.

فاذهب بهما لا أبا لك فبعهما فاقسمهما في أعطية المسلمين و أرزاقهم، فإنهم لا يدرون ما وهبوا و لم تدر أنت معهم.

قال السائب: فأخذتهما حتى جئت بهما مسجد الكوفة و غشيتني التجار فابتاعهما منى عمرو بن حريث المخزومي بألفي ألف. ثم خرج بهما إلى أرض الأعاجم فباعهما بأربعة آلاف ألف. فما زال أكثر أهل الكوفة ما لا بعد ذلك. قال سيف: ثم قسم ثمنهما بين الغانمين فنال كل فارس أربعة آلاف درهم من ثمن السفطين. قال الشعبي: و حصل للفارس من أصل الغنيمة ستة آلاف و للراجل ألفان و كان المسلمون ثلاثين ألفا.

قال: و افتتحت نهاوند في أول سنة تسع عشرة لسبع سنين من إمارة عمر، رواه سيف عن عمرو ابن محمد عنه. و به عن الشعبي قال: لما قدم سبى نهاوند إلى المدينة جعل أبو لؤلؤة- فيروز غلام المغيرة ابن شعبة- لا يلقى منهم صغيرا إلا مسح رأسه و بكى و قال: أكل عمر كبدي- و كان أصل أبى لؤلؤة من نهاوند فأسرته الروم أيام فارس و أسرته المسلمون بعد، فنسب إلى حيث سبى- قالوا: و لم تقم للأعاجم بعد هذه الوقعة قائمة، و أتحف عمر الذين أبلوا فيها بألفين تشريفا لهم و إظهارا لشأنهم.

و في هذه السنة افتتح المسلمون أيضا بعد نهاوند مدينة جىّ- و هي مدينة أصبهان- بعد قتال كثير و أمور طويلة، فصالحوا المسلمين و كتب لهم عبد اللَّه بن عبد اللَّه كتاب أمان و صلح و فر منهم ثلاثون نفرا إلى كرمان لم يصالحوا المسلمين. و قيل: إن الّذي فتح أصبهان هو النعمان بن مقرن و أنه قتل بها، و وقع أمير المجوس و هو ذو الحاجبين عن فرسه فانشق بطنه و مات و انهزم أصحابه. و الصحيح أن الّذي فتح أصبهان عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبان- الّذي كان نائب الكوفة- و فيها افتتح أبو موسى قم و قاشان، و افتتح سهيل بن عدي مدينة كرمان.

و ذكر ابن جرير عن الواقدي: أن عمرو بن العاص سار في جيش معه إلى طرابلس قال: و هي برقة فافتتحها صلحا على ثلاثة عشر ألف دينار في كل سنة.

قال: و فيها بعث عمرو بن العاص عقبة بن نافع الفهري إلى زويلة ففتحها بصلح، و صار ما بين برقة إلى زويلة سلما للمسلمين. قال: و فيها ولى عمر عمار بن ياسر على الكوفة بدل زياد بن حنظلة الّذي ولاه بعد عبد اللَّه بن عبد اللَّه بن عتبان، و جعل عبد اللَّه بن مسعود على بيت المال، فاشتكى‏

113

أهل الكوفة من عمار فاستعفى عمار من عمله، فعزله و ولى جبير بن مطعم، و أمره أن لا يعلم أحدا، و بعث المغيرة بن شعبة امرأته إلى امرأة جبير يعرض عليها طعاما للسفر فقالت: اذهبي فأتينى به. فذهب المغيرة إلى عمر فقال: بارك اللَّه يا أمير المؤمنين فيمن وليت على الكوفة. فقال: و ما ذاك؟ و بعث إلى جبير بن مطعم فعزله و ولى المغيرة بن شعبة ثانية، فلم يزل عليها حتى مات عمر رضى اللَّه عنهم.

قال: و فيها حج عمر و استخلف على المدينة زيد بن ثابت و كان عماله على البلدان المتقدمون في السنة التي قبلها سوى الكوفة.

قال الواقدي: و فيها توفى خالد بن الوليد بحمص و أوصى إلى عمر بن الخطاب. و قال غيره توفى سنة ثلاث و عشرين، و قيل بالمدينة. و الأول أصح. و قال غيره: و فيها توفى العلاء بن الحضرميّ فولى عمر مكانه أبا هريرة. و قد قيل إن العلاء توفى قبل هذا كما تقدم و اللَّه أعلم.

و قال ابن جرير فيما حكاه عن الواقدي: و كان أمير دمشق في هذه السنة عمير بن سعيد، و هو أيضا على حمص و حوران و قنسرين و الجزيرة، و كان معاوية على البلقاء و الأردن، و فلسطين، و السواحل و أنطاكية، و غير ذلك.

ذكر من توفى في هذه السنة أعنى سنة إحدى و عشرين‏

خالد بن الوليد

ابن المغيرة بن عبد اللَّه بن عمر بن مخزوم القرشي أبو سليمان المخزومي، سيف اللَّه، أحد الشجعان المشهورين، لم يقهر في جاهلية و لا إسلام. و أمه عصماء بنت الحارث، أخت لبابة [ (1)] بنت الحارث، و أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين. قال الوقدى: أسلم أول يوم من صفر سنة ثمان، و شهد مؤتة و انتهت إليه الامارة يومئذ عن غير إمرة، فقاتل يومئذ قتالا شديدا لم ير مثله، اندقت في يده تسعة أسياف، و لم تثبت في يده إلا صفيحة يمانية.

و قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها عبد اللَّه بن رواحة فأصيب، ثم أخذها سيف من سيوف اللَّه ففتح اللَّه على يديه».

و قد روى أن خالدا سقطت قلنسوته يوم اليرموك و هو في الحرب فجعل يستحث في طلبها فعوتب في ذلك، فقال: إن فيها شيئا من شعر ناصية رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إنها ما كانت معى في موقف إلا نصرت بها.

و قد روينا في مسند أحمد من طريق الوليد بن مسلم عن وحشي بن حرب عن أبيه عن جده وحشي بن حرب عن أبى بكر الصديق أنه لما أمر خالدا على حرب أهل الردة قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

«فنعم عبد اللَّه و أخو العشيرة خالد بن الوليد، خالد بن الوليد سيف من سيوف اللَّه‏

____________

[ (1)] الّذي في المصرية: أمه لبابة بنت الحارث أخت ميمونة بنت الحارث أم المؤمنين.

114

سله اللَّه على الكفار و المنافقين»

و قال أحمد: حدثنا حسين الجعفي عن زائدة عن عبد الملك بن عمير قال‏

: استعمل عمر بن الخطاب أبا عبيدة على الشام و عزل خالد بن الوليد، فقال خالد: بعث إليكم أمين هذه الأمة، [سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «أمين هذه الأمة] [ (1)] أبو عبيدة بن الجراح» فقال أبو عبيدة: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): يقول «خالد سيف من سيوف اللَّه نعم فتى العشيرة»

و قد أورده ابن عساكر من حديث عبد اللَّه بن أبى أوفى، و أبى هريرة، و من طرق مرسلة يقوى بعضها بعضا. و في الصحيح «و أما خالد فإنكم تظلمون خالدا و قد احتبس أدراعه و أعبده في سبيل اللَّه» و شهد الفتح و شهد حنينا و غزا بنى جذيمة أميرا في حياته (عليه السلام). و اختلف في شهوده خيبر [و قد دخل مكة أميرا على طائفة من الجيش و قتل خلقا كثيرا من قريش، كما قدمنا ذلك مبسوطا في موضعه، و للَّه الحمد و المنة. و بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى العزى- و كانت لهوازن- فكسر قمتها أولا ثم دعثرها و جعل يقول: يا عزى كفرانك لا سبحانك* إني رأيت اللَّه قد أهانك. ثم حرقها] [ (2)] و قد استعمله الصديق بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على قتال أهل الردة و مانعي الزكاة، فشفى و اشتفى. ثم وجهه إلى العراق ثم أتى الشام فكانت له من المقامات ما ذكرناها مما تقربها القلوب و العيون، و تتشنف بها الأسماع. ثم عزله عمر عنها و ولى أبا عبيدة و أبقاه مستشارا في الحرب، و لم يزل بالشام حتى مات على فراشه رضى اللَّه عنه.

و قد روى الواقدي عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه قال: لما حضرت خالدا الوفاة بكى ثم قال: لقد حضرت كذا و كذا زحفا، و ما في جسدي شبر إلا و فيه ضربة سيف، أو طعنة برمح، أو رمية بسهم، و ها أنا أموت على فراشي حتف أنفى كما يموت البعير، فلا نامت أعين الجبناء. و قال أبو يعلى: ثنا شريح بن يونس ثنا يحيى بن زكريا عن إسماعيل بن أبى خالد عن قيس. قال: قال خالد بن الوليد: ما ليلة يهدى إلى فيها عروس، أو أبشر فيها بغلام بأحب إلى من ليلة شديدة الجليد في سرية من المهاجرين أصبح بهم العدو. و قال أبو بكر بن عياش عن الأعمش عن خيثمة قال: أتى خالد برجل معه زق خمر فقال: اللَّهمّ اجعله عسلا، فصار عسلا. و له طرق، و في بعضها مر عليه رجل معه زق خمر فقال له خالد: ما هذا؟ فقال: عسل فقال: اللَّهمّ اجعله خلا، فلما رجع إلى أصحابه قال: جئتكم بخمر لم يشرب العرب مثله، ثم فتحه فإذا هو خل، فقال أصابته و اللَّه دعوة خالد رضى اللَّه عنه. و قال حماد بن سلمة عن ثمامة عن أنس. قال: لقي خالد عدوا له فولى عنه المسلمون منهزمين و ثبت هو و أخو البراء بن مالك، و كنت بينهما واقفا، قال: فنكس خالد رأسه ساعة إلى الأرض ثم رفع رأسه إلى السماء ساعة- قال: و كذلك كان يفعل إذا أصابه مثل هذا-، ثم‏

____________

[ (1، 2)] سقط من الحلبية.

115

قال لأخى البراء: قم فركبا، و اختطب خالد من معه من المسلمين و قال: ما هو إلا الجنة و ما إلى المدينة سبيل. ثم حمل بهم فهزم المشركين.

و قد حكى مالك عن عمر بن الخطاب أنه قال لأبى بكر: اكتب إلى خالد أن لا يعطى شاة و لا بعيرا إلا بأمرك. فكتب أبو بكر إلى خالد بذلك، فكتب إليه خالد: إما أن تدعني و عملي، و إلا فشأنك بعملك. فأشار عليه عمر بعزله، فقال أبو بكر: فمن يجزى عنى جزاء خالد؟ قال عمر: أنا.

قال: فأنت. فتجهز عمر حتى أنيخ الظهر في الدار، ثم جاء الصحابة فأشاروا على الصديق بإبقاء عمر بالمدينة و إبقاء خالد بالشام. فلما ولى عمر كتب إلى خالد بذلك فكتب إليه خالد بمثل ذلك فعزله، و قال: ما كان اللَّه ليراني آمر أبا بكر بشي‏ء لا أنفذه أنا. و قد روى البخاري في التاريخ و غيره من طريق على بن رباح عن ياسر بن سلمى البرني، قال: سمعت عمر يتعذر إلى الناس بالجابية من عزل خالد، فقال: أمرته أن يحبس هذا المال على ضعفة المهاجرين فأعطاه ذا البأس، و ذا الشرف و اللسان، فأمرت أبا عبيدة. فقال أبو عمرو بن حفص بن المغيرة: ما اعتذرت يا عمر، لقد نزعت عاملا استعمله رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وضعت لواء رفعه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أغمدت سيفا سله اللَّه، و لقد قطعت الرحم، و حسدت ابن العم. فقال عمر: إنك قريب القرابة، حديث السن مغضب في ابن عمك.

قال الواقدي (رحمه اللَّه)، و محمد بن سعيد و غير واحد: مات سنة إحدى و عشرين بقرية على ميل من حمص، و أوصى إلى عمر بن الخطاب. و قال دحيم و غيره: مات بالمدينة. و الصحيح الأول.

و قدمنا فيما سلف تعزير عمر له حين أعطى الأشعث بن قيس عشرة آلاف، و أخذه من ماله عشرين ألفا أيضا. و قدمنا عتبة عليه لدخوله الحمام و تدلكه بعد النورة بدقيق عصفر معجون بخمر، و اعتذار خالد إليه بأنه صار غسولا. و روينا عن خالد أنه طلق امرأة من نسائه و قال: إني لم أطلقها عن ريبة، و لكنها لم تمرض عندي و لم يصبها شي‏ء في بدنها و لا رأسها و لا في شي‏ء من جسدها. و روى سيف و غيره: أن عمر قال حين عزل خالدا عن الشام، و المثنى بن حارثة عن العراق: إنما عزلتهما ليعلم الناس أن اللَّه نصر الدين لا بنصرهما و أن القوة للَّه جميعا. و روى سيف أيضا أن عمر قال حين عزل خالدا عن قنسرين و أخذ منه ما أخذ: إنك على لكريم، و إنك عندي لعزيز، و لن يصل إليك منى أمر تكرهه بعد ذلك. و قد قال الأصمعي عن سلمة عن بلال عن مجالد عن الشعبي قال:

اصطرع عمر و خالد و هما غلامان- و كان خالد ابن خال عمر- فكسر خالد ساق عمر، فعولجت و جبرت، و كان ذلك سبب العداوة بينهما. و قال الأصمعي عن ابن عون عن محمد بن سيرين قال:

دخل خالد على عمر و عليه قميص حرير فقال عمر: ما هذا يا خالد؟ فقال: و ما بأس يا أمير المؤمنين، أ ليس قد لبسه عبد الرحمن بن عوف؟ فقال: و أنت مثل ابن عوف؟ و لك مثل ما لابن عوف؟ عزمت‏

116

على من بالبيت إلا أخذ كل واحد منهم بطائفة مما يليه. قال: فمزقوه حتى لم يبق منه شي‏ء. و قال عبد اللَّه بن المبارك عن حماد بن زيد حدثنا عبد اللَّه بن المختار عن عاصم بن بهدلة عن أبى وائل- ثم شك حماد في أبى وائل- قال: و لما حضرت خالد بن الوليد الوفاة قال: لقد طلبت القتل في مظانه فلم يقدر لي إلا أن أموت على فراشي. و ما من عملي شي‏ء أرجى عندي بعد لا إله إلا اللَّه من ليلة بتها و أنا متترس و السماء تهلنى تمطر إلى الصبح، حتى نغير على الكفار. ثم قال: إذا أنامت فانظروا إلى سلاحي و فرسي فاجعلوه عدة في سبيل اللَّه. فلما توفى خرج عمر على جنازته فذكر قوله:

ما على آل نساء الوليد أن يسفحن على خالد من دموعهن ما لم يكن نقعا أو لقلقة.

قال ابن المختار: النقع التراب على الرأس، و اللقلقة الصوت. و قد علق البخاري في صحيحه بعض هذا فقال: و قال عمر: دعهن يبكين على أبى سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة. و قال محمد بن سعد ثنا وكيع و أبو معاوية و عبد اللَّه بن نمير قالوا: حدثنا الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: لما مات خالد ابن الوليد اجتمع نسوة بنى المغيرة في دار خالد يبكين عليه فقيل لعمر: إنهن قد اجتمعن في دار خالد يبكين عليه، و هن خلقاء أن يسمعنك بعض ما تكره. فأرسل إليهن فانههن. فقال عمر: و ما عليهنّ أن ينزفن من دموعهن على أبى سليمان، ما لم يكن نقعا أو لقلقة. و رواه البخاري في التاريخ من حديث الأعمش بنحوه.

و قال إسحاق بن بشر و قال محمد: مات خالد بن الوليد بالمدينة فخرج عمر في جنازته و إذا أمه تندبه و تقول:

أنت خير من ألف ألف من القوم‏* * * إذا ما كبت وجوه الرجال‏

فقال: صدقت و اللَّه إن كان لذلك.

و قال سيف بن عمر عن شيوخه عن سالم. قال: فأقام خالد في المدينة حتى إذا ظن عمر أنه قد زال ما كان يخشاه من افتتان الناس به، و قد عزم على توليته بعد أن يرجع من الحج، و اشتكى خالد بعده و هو خارج من المدينة زائرا لأمه فقال لها: احدرونى إلى مهاجري، فقدمت به المدينة و مرضته فلما ثقل و أظل قدوم عمر لقيه لاق على مسيرة ثلاث صادرا عن حجة فقال له عمريهم [ (1)] فقال: خالد ابن الوليد ثقيل لما به. فطوى عمر ثلاثا في ليلة فأدركه حين قضى، فرق عليه و استرجع و جلس ببابه حتى جهز، و بكته البواكي، فقيل لعمر: ألا تسمع ألا تنهاهن؟ فقال: و ما على نساء قريش أن يبكين أبا سليمان؟ ما لم يكن نقع و لا لقلقة. فلما خرج لجنازته رأى عمر امرأة محرمة تبكيه و تقول:

أنت خير من ألف ألف من الناس‏* * * إذا ما كبت وجوه الرجال‏

____________

[ (1)] كذا بالحلبية و في المصرية بياض.

117

أشجاع فأنت أشجع من ليث‏* * * ضمر بن جهم أبى أشبال‏

أجواد فأنت أجود من سيل‏* * * دياس يسيل بين الجبال‏

فقال عمر: من هذه؟ فقيل له: أمّه. فقال: أمّه و الا له ثلاثا. و هل قامت النساء عن مثل خالد. قال: فكان عمر يتمثل في طيه تلك الثلاث في ليلة و في قدومه.

تبكى ما وصلت به الندامى‏* * * و لا تبكى فوارس كالجبال‏

أولئك إن بكيت أشد فقدا* * * من الاذهاب و العكر الجلال‏

تمنى بعدهم قوم مداهم‏* * * فلم يدنوا لأسباب الكمال‏

و في رواية أن عمر قال لأم خالد: أ خالدا أو أجره ترزئين؟ عزمت عليك أن لا تبيني حتى تسود يداك من الخضاب. و هذا كله مما يقتضي موته بالمدينة النبويّة، و إليه ذهب دحيم عبد الرحمن بن إبراهيم الدمشقيّ، و لكن المشهور عن الجمهور و هم الواقدي، و كاتبه محمد بن سعد، و أبو عبيد القاسم ابن سلام، و إبراهيم بن المنذر، و محمد بن عبد اللَّه بن نمير، و أبو عبد اللَّه العصفري، و موسى بن أيوب، و أبو سليمان بن أبى محمد و غيرهم، أنه مات بحمص سنة إحدى و عشرين. زاد الواقدي:

و أوصى إلى عمر بن الخطاب. و قد روى محمد بن سعد عن الواقدي عن عبد الرحمن بن أبى الزناد و غيره قالوا: قدم خالد المدينة بعد ما عزله عمر فاعتمر ثم رجع إلى الشام، فلم يزل بها حتى مات في سنة إحدى و عشرين. و روى الواقدي أن عمر رأى حجاجا يصلون بمسجد قباء فقال: أين نزلتم بالشام؟ قالوا: بحمص، قال: فهل من معرفة خبر؟ قالوا: نعم مات خالد بن الوليد. قال: فاسترجع عمر و قال: كان و اللَّه سدادا لنحور العدو، ميمون النقيبة. فقال له على: فلم عزلته؟ قال: لبذله المال لذوي الشرف و اللسان.

و في رواية أن عمر قال لعلى: ندمت على ما كان منى. و قال محمد بن سعد: أخبرنا عبد اللَّه بن الزبير الحميدي ثنا سفيان بن عيينة ثنا إسماعيل بن أبى خالد، سمعت قيس بن أبى حازم يقول: لما مات خالد بن الوليد قال عمر: رحم اللَّه أبا سليمان، لقد كنا نظن به أمورا ما كانت. و قال جويرية عن نافع قال: لما مات خالد لم يوجد له إلا فرسه و غلامه و سلاحه، و قال القاضي المعافى بن زكريا الحريري: ثنا أحمد بن العباس العسكري، ثنا عبد اللَّه بن أبى سعد حدثني عبد الرحمن بن حمزة اللخمي ثنا أبو على الحرنازى قال: دخل هشام بن البختري في ناس من بنى مخزوم على عمر بن الخطاب فقال له: يا هشام أنشدنى شعرك في خالد. فأنشده فقال: قصرت في الثناء على أبى سليمان (رحمه اللَّه)، إنه كان ليحب أن يذل الشرك و أهله، و إن كان الشامت به لمتعرضا لمقت اللَّه. ثم قال عمر قاتل اللَّه أخا بنى تميم ما أشعره.

118

و قل للذي يبقى خلاف الّذي مضى‏* * * تهيأ لأخرى مثلها فكأن قدى‏

فما عيش من قد عاش بعدي بنافعي‏* * * و لا موت من قد مات يوما بمخلدى‏

ثم قال عمر: رحم اللَّه أبا سليمان ما عند اللَّه خير له مما كان فيه. و لقد مات سعيدا و عاش حميدا و لكن رأيت الدهر ليس بقائل.

طليحة بن خويلد

ابن نوفل بن نضلة بن الأشتر بن جحوان بن فقعس بن طريف بن عمر بن قعير بن الحارث بن ثعلبة بن داود بن أسد بن خزيمة الأسدي الفقعسي، كان ممن شهد الخندق من ناحية المشركين، ثم أسلم سنة تسع، و وفد على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى المدينة ثم ارتد بعد وفاة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في أيام الصديق، و ادعى النبوة كما تقدم. و روى ابن عساكر أنه ادعى النبوة في حياة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أن ابنه خيال قدم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسأله: ما اسم الّذي يأتى إلى أبيك؟ فقال: ذو النون الّذي لا يكذب و لا يخون، و لا يكون كما يكون. فقال: لقد سمى ملكا عظيم الشأن، ثم قال لابنه:

قتلك اللَّه و حرمك الشهادة. و رده كما جاء. فقتل خيال في الردة في بعض الوقائع قتله عكاشة بن محصن ثم قتل طليحة عكاشة و له مع المسلمين وقائع. ثم خذله اللَّه على يدي خالد بن الوليد، و تفرق جنده فهرب حتى دخل الشام فنزل على آل جفنة، فأقام عندهم حتى مات الصديق حياء منه، ثم رجع إلى الإسلام و اعتمر، ثم جاء يسلم على عمر فقال له: اغرب عنى فإنك قاتل الرجلين الصالحين، عكاشة بن محصن، و ثابت بن أقرم، فقال: يا أمير المؤمنين هما رجلان أكرمهما اللَّه على يدي و لم يهنى بأيديهما. فأعجب عمر كلامه و رضى عنه. و كتب له بالوصاة إلى الأمراء أن يشاور و لا يولى شيئا من الأمر ثم عاد إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك و بعض حروب كالقادسية و نهاوند الفرس، و كان من الشجعان المذكورين، و الأبطال المشهورين، و قد حسن إسلامه بعد هذا كله. و ذكره محمد بن سعد في الطبقة الرابعة من الصحابة و قال: كان يعد بألف فارس لشدته و شجاعته و بصره بالحرب. و قال أبو نصر بن ماكولا: أسلم ثم ارتد ثم أسلم و حسن إسلامه، و كان يعدل بألف فارس. و من شعره أيام ردته و ادعائه النبوة في قتل المسلمين أصحابه.

فما ظنكم بالقوم إذ تقتلونهم‏* * * أ ليسوا و إن لم يسلموا برجال‏

فان يكن اذواد أصبن و نسوة* * * فلم يذهبوا فرعا بقتل خيال‏

نصبت لهم صدر الحمالة إنها* * * معاودة قتل الكماة نزال‏

فيوما تراها في الجلال مصونة* * * و يوما تراها غير ذات جلال‏

و يوما تراها تضي‏ء المشرفية نحوها* * * و يوما تراها في ظلال عوالي‏

119

عشية غادرت ابن أقرم ثاويا* * * و عكاشة العمى عند مجال‏

و قال سيف بن عمر عن مبشر بن الفضيل عن جابر بن عبد اللَّه. قال: باللَّه الّذي لا إله إلا هو ما أطلعنا على أحد من أهل القادسية يريد الدنيا مع الآخرة، و لقد اتهمنا ثلاثة نفر فما رأينا كما هجمنا عليهم من أمانتهم و زهدهم، طليحة بن خويلد الأسدي، و عمرو بن معديكرب، و قيس ابن المكشوح. قال ابن عساكر: ذكر أبو الحسين محمد بن أحمد بن الفراس الوراق أن طليحة استشهد بنهاوند سنة إحدى و عشرين مع النعمان بن مقرن، و عمرو بن معديكرب رضى اللَّه عنهم.

عمرو بن معديكرب‏

ابن عبد اللَّه بن عمرو بن عاصم بن عمرو بن زبيد الأصغر بن ربيعة بن سلمة بن مازن بن ربيعة ابن شيبة و هو زبيد الأكبر بن الحارث بن صعف بن سعد العشيرة بن مذحج الزبيدي المذحجي أبو ثور، أحد الفرسان المشاهير الأبطال، و الشجعان المذاكير، قدم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سنة تسع، و قيل عشر، مع وفد مراد، و قيل في وفد زبيد قومه. و قد ارتد مع الأسود العنسيّ فسار إليه خالد بن سعيد بن العاص، فقاتله فضربه خالد بن سعيد بالسيف على عاتقه فهرب و قومه، و قد استلب خالد سيفه الصمصامة، ثم أسر و دفع إلى أبى بكر فأنبه و عاتبه و استنابه، فتاب و حسن إسلامه بعد ذلك، فسيره إلى الشام، فشهد اليرموك ثم أمره عمر بالمسير إلى سعد و كتب بالوصاة به، و أن يشاور و لا يولى شيئا، فنفع اللَّه به الإسلام و أهله، و أبلى بلاء حسنا يوم القادسية. و قيل إنه قتل بها، و قيل بنهاوند، و قيل مات عطشا في بعض القرى يقال لها روذة فاللَّه أعلم. و ذلك كله في إحدى و عشرين فقال بعض من رثاه من قومه:

لقد غادر الركبان يوم تحملوا* * * بروذة شخصا لا جبانا و لا غمرا

فقل لزبيد بل لمذحج كلها* * * رزئتم أبا ثور قريع الوغى عمرا

و كان عمرو بن معديكرب رضى اللَّه عنه من الشعراء المجيدين، فمن شعره:

أ عاذل عدتى بدني و رمحي‏* * * و كل مقلص سلس القياد

أ عاذل إنما أفنى شبابي‏* * * إجابتي الصريخ إلى المنادي‏

مع الأبطال حتى سل جسمي‏* * * و أقرع عاتقي حمل النجاد

و يبقى بعد حلم القوم حلمي‏* * * و يفنى قبل زاد القوم زادي‏

تمنى أن يلاقينى قييس‏* * * وددت و أينما منى ودادي‏

فمن ذا عاذرى من ذي سفاه‏* * * يرود بنفسه منى المرادي‏

أريد حياته و يريد قتلى‏* * * عذيرك من خليلك من مرادى‏

120

له حديث واحد في التلبية رواه شراحيل بن القعقاع عنه، قال: كنا نقول في الجاهلية إذا لبينا: لبيك تعظيما إليك عذرا* هدى زبيد قد أتتك قسرا* يعدو بها مضمرات شزرا* يقطعن خبتا و جبالا وعرا* قد تركوا الأوثان خلوا صفرا*

قال عمرو:

فنحن نقول الآن و للَّه الحمد كما علمنا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): لبيك اللَّهمّ لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد و النعمة لك و الملك، لا شريك لك.

العلاء بن الحضرميّ‏

أمير البحرين لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أقره عليها أبو بكر ثم عمر. تقدم أنه توفى سنة أربع عشرة و منهم من يقول إنه تأخر إلى سنة إحدى و عشرين، و عزله عمر عن البحرين و ولى مكانه أبا هريرة.

و أمره عمر على الكوفة فمات قبل أن يصل إليها منصرفه من الحج. كما قدمنا ذلك و اللَّه أعلم. و قد ذكرنا في دلائل النبوة قصته في سيره بجيشه على وجه الماء و ما جرى له من خرق العادات و للَّه الحمد.

النعمان بن مقرن بن عائذ المزني‏

أمير وقعة نهاوند، صحابى جليل، قدم مع قومه من مزينة في أربعمائة راكب، ثم سكن البصرة و بعثه الفاروق أميرا على الجنود إلى نهاوند، ففتح اللَّه على يديه فتحا عظيما، و مكن اللَّه له في تلك البلاد، و مكنه من رقاب أولئك العباد، و مكن به للمسلمين هنالك إلى يوم التناد، و منحه النصر في الدنيا و يوم يقوم الأشهاد، و أتاح له بعد ما أراه ما أحب شهادة عظيمة و ذلك غاية المراد، فكان ممن قال اللَّه تعالى في حقه في كتابه المبين و هو صراطه المستقيم‏ إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى‏ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ وَ مَنْ أَوْفى‏ بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ.

ثم دخلت سنة ثنتين و عشرين‏

و فيها كانت فتوحات كثيرة فيما ذكره ابن جرير و غيره من الأئمة في هذا الشأن‏

فتح همدان ثانية ثم الري و ما بعدها ثم أذربيجان‏

قال الواقدي و أبو معشر: كانت في سنة ثنتين و عشرين. و قال سيف: كانت في سنة ثماني عشرة بعد فتح همدان و الري و جرجان. و أبو معشر يقول بأن أذربيجان كانت بعد هذه البلدان، و لكن عنده أن الجميع كان في هذه السنة. و عند الواقدي أن فتح همدان و الري في سنة ثلاث و عشرين، فهمدان افتتحها المغيرة بعد مقتل عمر بستة أشهر، قال: و يقال كان فتح الري قبل وفاة عمر بسنتين، إلا أن الواقدي و أبا معشر متفقان على أن أذربيجان في هذه السنة، و تبعهما ابن جرير و غيره. و كان السبب في ذلك أن المسلمين لما فرغوا من نهاوند و ما وقع من الحرب المتقدم، فتحوا

121

حلوان و همذان بعد ذلك. ثم إن أهل همذان نقضوا عهدهم الّذي صالحهم عليه القعقاع بن عمرو، فكتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يسير إلى همذان، و أن يجعل على مقدمته أخاه سويد بن مقرن، و على مجنبتيه ربعي بن عامر الطائي، و مهلهل بن زيد التميمي. فسار حتى نزل على ثنية العسل، ثم تحدر على همذان، و استولى على بلادها، و حاصرها فسألوه الصلح فصالحهم و دخلها، فبينما هو فيها و معه اثنى عشر ألفا من المسلمين إذ تكاتف الروم و الديم و أهل الري و أهل أذربيجان، و اجتمعوا على حرب نعيم بن مقرن في جمع كثير، فعلى الديلم ملكهم و اسمه موتا، و على أهل الري أبو الفرّخان، و على أذربيجان اسفندياذ أخو رستم، فخرج إليهم بمن معه من المسلمين حتى التقوا بمكان يقال له واج‏الروذ، فاقتتلوا قتالا شديدا و كانت وقعة عظيمة تعدل نهاوند و لم تك دونها، فقتلوا من المشركين جمعا كثيرا، و جما غفيرا لا يحصون كثرة، و قتل ملك الديلم موتا و تمزق شملهم، و انهزموا بأجمعهم، بعد من قتل بالمعركة منهم، فكان نعيم بن مقرن أول من قاتل الديلم من المسلمين. و قد كان نعيم كتب إلى عمر يعلمه باجتماعهم فهمه ذلك و اغتم له. فلم يفجأه إلى البريد بالبشارة فحمد اللَّه و أثنى عليه، و أمر بالكتاب فقرئ على الناس، ففرحوا و حمدوا اللَّه عز و جل. ثم قدم عليه بالأخماس ثلاثة من الأمراء و هم سماك بن حرشة، و يعرف بأبي دجانة، و سماك بن عبيد، و سماك بن مخرمة. فلما استسماهم عمر قال: اللَّهمّ اسمك بهم الإسلام، و أمد بهم الإسلام، ثم كتب إلى نعيم بن مقرن بأن يستخلف على همذان و يسير إلى الري. فامتثل نعيم. و قد قال نعيم في هذه الوقعة:

و لما أتانى أن موتا و رهطه‏* * * بنى باسل جروا جنود الأعاجم‏

نهضت إليهم بالجنود مساميا* * * لا منع منهم ذمتي بالقواصم‏

فجئنا إليهم بالحديد كأننا* * * جبال تراءى من فروع القلاسم‏

فلما لقيناهم بها مستفيضة* * * و قد جعلوا يسمون فعل المساهم‏

صدمناهم في واج‏روذ بجمعنا* * * غداة رميناهم بإحدى العظائم‏

فما صبروا في حومة الموت ساعة* * * لحد الرماح و السيوف الصوارم‏

كأنهم عند انبثاث جموعهم‏* * * جدار تشظى لبنه للهادم‏

أصبنا بها موتا و من لف جمعه‏* * * و فيها نهاب قسمه غير عاتم‏

تبعناهم حتى أووا في شعابهم‏* * * فنقتلهم قتل الكلاب الجواحم‏

كأنّهم في واج‏رود و جوّه‏* * * ضئين أصابتها فروج المحارم‏

فتح الرّيّ‏

استخلف نعيم بن مقرن على همذان يزيد بن قيس الهمدانيّ و سار بالجيوش حتى لحق بالري فلقى‏

122

هناك جمعا كثيرا من المشركين فاقتتلوا عند سفح جبل الري فصبروا صبرا عظيما ثم انهزموا فقتل منهم النعمان بن مقرن مقتلة عظيمة بحيث عدوا بالقصب فيها، و غنموا منهم غنيمة عظيمة قريبا مما غنم المسلمون من المدائن. و صالح أبو الفرخان على الري، و كتب له أمانا بذلك، ثم كتب نعيم إلى عمر بالفتح ثم بالأخماس و للَّه الحمد و المنة.

فتح قومس‏

و لما ورد البشير بفتح الري و أخماسها كتب عمر إلى نعيم بن مقرن أن يبعث أخاه سويد بن مقرن إلى قومس. فسار إليها سويد، فلم يقم له شي‏ء حتى أخذها سلما و عسكر بها و كتب لأهلها كتاب أمان و صلح.

فتح جرجان‏

لما عسكر سويد بقومس بعث إليه أهل بلدان شتى منها جرجان و طبرستان و غيرها يسألونه الصلح على الجزية، فصالح الجميع و كتب لأهل كل بلدة كتاب أمان و صلح. و حكى المدائني أن جرجان فتحت في سنة ثلاثين أيام عثمان فاللَّه أعلم.

و هذا فتح أذربيجان‏

لما افتتح نعيم بن مقرن همذان ثم الري، و كان قد بعث بين يديه بكير بن عبد اللَّه من همذان إلى أذربيجان، و أردفه بسماك بن خرشة، فلقى أسفنديار بن الفرخزاذ بكيرا و أصحابه، قبل أن يقدم عليهم سماك، فاقتتلوا فهزم اللَّه المشركين، و أسر بكير اسفندياذ، فقال له اسفندياذ: الصلح أحب إليك أم الحرب؟ فقال: بل الصلح. قال: فأمسكنى عندك. فأمسكه ثم جعل يفتح بلدا بلدا و عتبة بن فرقد أيضا يفتح معه بلدا بلدا في مقابلته من الجانب الآخر. ثم جاء كتاب عمر بأن يتقدم بكير إلى الباب و جعل سماك موضعه نائبا لعتبة بن فرقد، و جمع عمر أذربيجان كلها لعتبة بن فرقد، و سلم إليه بكير اسفندياذ، و سار كما أمره عمر إلى الباب. قالوا: و قد كان اعترض بهرام بن فرخزاذ لعتبة بن فرقد فهزمه عتبة و هرب بهرام، فلما بلغ ذلك اسفندياذ و هو في الأسر عند بكير قال: الآن تم الصلح و طفئت الحرب. فصالحه فأجاب إلى ذلك كلهم. و عادت أذربيجان سلما، و كتب بذلك عتبة و بكير إلى عمر، و بعثوا بالأخماس إليه، و كتب عتبة حين انتهت إمرة أذربيجان لأهلها كتاب أمان و صلح.

فتح الباب‏

قال ابن جرير: و زعم سيف أنه كان في هذه السنة كتب عمر بن الخطاب كتابا بالإمرة على هذه الغزوة لسراقة بن عمرو- الملقب بذي النور- و جعل على مقدمته عبد الرحمن بن ربيعة، و يقال له‏

123

- ذو النور أيضا- و جعل على إحدى المجنبتين حذيفة بن أسيد، و على الأخرى بكير بن عبد اللَّه الليثي- و كان قد تقدمهم إلى الباب- و على المقاسم سلمان بن ربيعة. فساروا كما أمرهم عمر و على تعبئته، فلما انتهى مقدم العساكر- و هو عبد الرحمن بن ربيعة- إلى الملك الّذي هناك عند الباب و هو شهربراز ملك أرمينية و هو من بيت الملك الّذي قتل بنى إسرائيل و غزا الشام في قديم الزمان، فكتب شهربراز لعبد الرحمن و استأمنه فأمنه عبد الرحمن بن ربيعة، فقدم عليه الملك، فأنهى إليه أنّ صغوه إلى المسلمين، و أنه مناصح للمسلمين. فقال له: إن فوقى رجلا فاذهب إليه. فبعثه إلى سراقة ابن عمرو أمير الجيش، فسأل من سراقة الأمان، فكتب إلى عمر فأجاز ما أعطاه من الأمان، و استحسنه، فكتب له سراقة كتابا بذلك. ثم بعث سراقة بكيرا، و حبيب بن مسلمة، و حذيفة ابن أسيد، و سلمان بن ربيعة، إلى أهل تلك الجبال المحيطة بأرمينية جبال اللان و تفليس و موقان، فافتتح بكير موقان، و كتب لهم كتاب أمان و مات في غضون ذلك أمير المسلمين لك، و هو سراقة بن عمرو، و استخلف بعده عبد الرحمن بن ربيعة، فلما بلغ عمر ذلك أقره على ذلك و أمره بغزو الترك.

أول غزو الترك‏

و هو تصديق الحديث المتقدم الثابت‏

في الصحيح عن أبى هريرة و عمرو بن تغلب، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: لا تقوم الساعة حتى تقاتلوا قوما عراض الوجوه، دلف الأنوف، حمر الوجوه، كأن وجوههم المجان المطرقة» و في رواية «يبتلعون الشعر

» لما جاء كتاب عمر إلى عبد الرحمن بن ربيعة يأمره بأن يغزو الترك، سار حتى قطع الباب قاصدا لما أمره عمر، فقال له شهربراز: أين تريد؟ قال: أريد ملك الترك بلنجر، فقال له شهربراز: إنا لنرضى منهم بالموادعة، و نحن من وراء الباب. فقال له عبد الرحمن: إن اللَّه بعث إلينا رسولا، و وعدنا على لسانه بالنصر و الظفر، و نحن لا نزال منصورين، فقاتل الترك و سار في بلاد بلنجر مائتي فرسخ، و غزا مرات متعددة. ثم كانت له وقائع هائلة في زمن عثمان كما سنورده في موضعه إن شاء اللَّه تعالى.

و قال سيف بن عمر عن الغصن بن القاسم عن رجل عن سلمان بن ربيعة. قال: لما دخل عليهم عبد الرحمن بن ربيعة بلادهم حال اللَّه بين الترك و الخروج عليه، و قالوا: ما اجترأ علينا هذا الرجل إلا و معهم الملائكة تمنعهم من الموت. فتحصنوا منه و هربوا بالغنم و الظفر. ثم إنه غزاهم غزوات في زمن عثمان فظفر بهم، كما كان يظفر بغيرهم. فلما ولى عثمان على الكوفة بعض من كان ارتد، غزاهم فتذامرت الترك و قال بعضهم لبعض: إنهم لا يموتون، قال: انظروا و فعلوا فاختفوا لهم في الغياض.

124

فرمى رجل منهم رجلا من المسلمين على غرة فقتله و هرب عنه أصحابه، فخرجوا على المسلمين بعد ذلك حتى عرفوا أن المسلمين يموتون، فاقتتلوا قتالا شديدا و نادى مناد من الجو صبرا آل عبد الرحمن و موعدكم الجنة، فقاتل عبد الرحمن حتى قتل و انكشف الناس و أخذ الراية سلمان بن ربيعة فقاتل بها، و نادى المنادي من الجو صبرا آل سلمان بن ربيعة. فقاتل قتالا شديدا ثم تحيز سلمان و أبو هريرة بالمسلمين، و فروا من كثرة الترك و رميهم الشديد السديد على جيلان فقطعوها إلى جرجان، و اجترأت الترك بعدها، و مع هذا أخذت الترك عبد الرحمن بن ربيعة فدفنوه في بلادهم، فهم يستسقون بقبره إلى اليوم. و سيأتي تفصيل ذلك كله.

قصة السد

ذكر ابن جرير بسنده أن شهربراز قال لعبد الرحمن بن ربيعة لما قدم عليه حين وصل إلى الباب و أراه رجلا فقال شهربراز: أيها الأمير إن هذا الرجل كنت بعثته نحو السد، و زودته مالا جزيلا و كتبت له إلى الملوك الذين يولونى، و بعثت لهم هدايا، و سألت منهم أن يكتبوا له إلى من يليهم من الملوك حتى ينتهى إلى سد ذي القرنين، فينظر إليه و يأتينا بخبره. فسار حتى انتهى إلى الملك الّذي السد في أرضه، فبعثه إلى عامله مما يلي السد، فبعث معه بازياره و معه عقابه، فلما انتهوا إلى السد إذا جبلان بينهما سد مسدود، حتى ارتفع على الجبلين، و إذا دون السد خندق أشد سوادا من الليل لبعده، فنظر إلى ذلك كله و تفرس فيه، ثم لما همّ بالانصراف قال له البازيار: على رسلك، ثم شرح بضعة لحم معه فألقاها في ذلك الهواء، و انقض عليها العقاب. فقال: إن أدركتها قبل أن تقع فلا شي‏ء، و إن لم تدركها حتى تقع فذلك شي‏ء. قال: فلم تدركها حتى وقعت في أسفله و اتبعها العقاب فأخرجها فإذا فيها ياقوتة و هي هذه. ثم ناولها الملك شهربراز لعبد الرحمن بن ربيعة، فنظر إليها عبد الرحمن ثم ردها إليه، فلما ردها إليه فرح و قال: و اللَّه لهذه خير من مملكة هذه المدينة- يعنى مدينة باب الأبواب التي هو فيها- و و اللّه لأنتم أحب إلى اليوم من مملكة آل كسرى، و لو كنت في سلطانهم و بلغهم خبرها لانتزعوها منى. و أيم اللَّه لا يقوم لكم شي‏ء ما وفيتم و وفى ملككم الأكبر. ثم أقبل عبد الرحمن بن ربيعة على الرسول الّذي ذهب على السد فقال: ما حال هذا الردم؟- يعنى ما صفته- فأشار إلى ثوب في زرقة و حمرة فقال: مثل هذا. فقال رجل لعبد الرحمن:

صدق و اللَّه لقد نفذ و رأى. فقال: أجل وصف صفة الحديد و الصفر. قال اللَّه تعالى‏ آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذا ساوى‏ بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذا جَعَلَهُ ناراً قالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً و قد ذكرت صفة السد في التفسير، و في أوائل هذا الكتاب.

و قد ذكر البخاري في صحيحه تعليقا

أن رجلا قال للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) رأيت السد. فقال: «كيف رأيته»؟ قال: مثل البرد المحبر رأيته.

125

قالوا: ثم قال عبد الرحمن بن ربيعة لشهربراز: كم كانت هديتك؟ قال: قيمة مائة ألف في بلادي و ثلاثة آلاف ألف في تلك البلدان.

بقية من خبر السد

أورد شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي الحافظ في هذه السنة ما ذكره صاحب كتاب مسالك الممالك عما أملاه عليه سلام الترجمان، حين بعثه الواثق بأمر اللَّه بن المعتصم- و كان قد رأى في النوم كأن السد قد فتح- فأرسل سلاما هذا و كتب له إلى الملوك بالوصاة به، و بعث معه ألفى بغل تحمل طعاما فساروا بين سامرا إلى إسحاق بتفليس، فكتب لهم إلى صاحب السرير، و كتب لهم صاحب السرير إلى ملك اللان، فكتب لهم إلى قبلان شاه، فكتب لهم إلى ملك الخزر، فوجه معه خمسة أولاد فساروا ستة و عشرين يوما فانتهوا إلى أرض سوداء منتنة حتى جعلوا يشمون الخل، فساروا فيها عشرة أيام، فانتهوا إلى مدائن خراب مدة سبعة و عشرين يوما، و هي التي كانت يأجوج و مأجوج تطرقها فخربت من ذلك الحين، و إلى الآن، ثم انتهوا إلى حصن قريب من السد فوجدوا قوما يعرفون بالعربية و بالفارسية و يحفظون القرآن، و لهم مكاتب و مساجد، فجعلوا يعجبون منهم و يسألونهم من أين أقبلوا، فذكروا لهم أنهم من جهة أمير المؤمنين الواثق فلم يعرفوه بالكلية. ثم انتهوا إلى جبل أملس ليس عليه خضرا و إذا السد لك من لبن حديد مغيب في نحاس، و هو مرتفع جدا لا يكاد البصر ينتهى إليه، و له شرفات من حديد، و في وسطه باب عظيم بمصراعين مغلقين، عرضهما مائة ذراع، في طول مائة ذراع، في ثخانة خمسة أذرع، و عليه قفل طوله سبعة أذرع في غلظ باع- و ذكر أشياء كثيرة- و عند ذلك المكان حرس يضربون عند القفل في كل يوم فيسمعون بعد ذلك صوتا عظيما مزعجا، فيعلمون أن وراء هذا الباب حرس و حفظة، و قريب من هذا الباب حصنان عظيمان بينهما عين ماء عذبة، و في إحداهما بقايا العمارة من مغارف و لبن من حديد و غير ذلك، و إذا طول اللبنة ذراع و نصف في مثله، في سمك شبر. و ذكروا أنهم سألوا أهل تلك البلاد هل رأوا أحدا من يأجوج و مأجوج فأخبروهم أنهم رأوا منهم يوما أشخاصا فوق الشرفات، فهبت الريح فألقتهم إليهم، فإذا طول الرجل منهم شبر أو نصف شبر و اللَّه أعلم قال الواقدي: و في هذه السنة غزا معاوية الصائفة، من بلاد الروم، و كان معه حماد و الصحابة فسار و غنم و رجع سالما. و فيها ولد يزيد بن معاوية، و عبد الملك بن مروان. و فيها حج بالناس عمر ابن الخطاب و كان عماله فيها على البلاد، هم الذين كانوا في السنة قبلها. و ذكر أن عمر عزل عمارا في هذه السنة عن الكوفة اشتكاه أهلها و قالوا: لا يحسن السياسة، فعزله و ولى أبا موسى الأشعري، فقال أهل الكوفة: لا نريده، و شكوا من غلامه فقال: دعوني حتى انظر في أمرى، و ذهب إلى طائفة من‏

126

المسجد ليفكر من يولى. فنام من الهم فجاءه المغيرة فجعل يحرسه حتى استيقظ فقال له: إن هذا الأمر عظيم يا أمير المؤمنين، الّذي بلغ بك هذا. قال: و كيف و أهل الكوفة مائة ألف لا يرضون عن أمير و لا يرضى عنهم أمير. ثم جمع الصحابة و استشارهم، هل يولى عليهم قويا مشددا أو ضعيفا مسلما؟

فقال له المغيرة بن شعبة: يا أمير المؤمنين، إن القوى قوته لك و للمسلمين و تشديده لنفسه، و أما الضعيف المسلم فضعفه عليك و على المسلمين و إسلامه لنفسه. فقال عمر للمغيرة- و استحسن ما قال له-:

اذهب فقد وليتك الكوفة. فرده إليها بعد ما كان عزله عنها بسبب ما كان شهد عليه الذين تقدم حدهم بسبب قذفه، و العلم عند اللَّه عز و جل. و بعث أبا موسى الأشعري إلى البصرة [فقيل لعمار:

أساءك العزل؟ فقال: و اللَّه ما سرتني الولاية، و لقد ساءني العزل. و في رواية أن الّذي سأله عن ذلك عمر رضى اللَّه عنه‏] [ (1)] ثم أراد عمر أن يبعث سعد بن أبى وقاص على الكوفة بدل المغيرة فعاجلته المنية في سنة ثلاث و عشرين على ما سيأتي بيانه، و لهذا أوصى لسعد به.

قال الواقدي: و في هذه السنة غزا الأحنف بن قيس بلاد خراسان، و قصد البلد الّذي فيه يزدجرد ملك الفرس. قال ابن جرير: و زعم سيف أن هذا كان في سنة ثماني عشرة. قلت:

و الأول هو المشهور و اللَّه أعلم.

قصة يزدجرد بن شهريار بن كسرى الّذي كان ملك الفرس‏

لما استلب سعد من يديه مدينة ملكه، و دار مقره، و إيوان سلطانه، و بساط مشورته و حواصله، تحول من هناك إلى حلوان، ثم جاء المسلمون ليحاصروا حلوان فتحول إلى الري، و أخذ المسلمون حلوان ثم أخذت الري، فتحول منها إلى أصبهان، فأخذت أصبهان، فسار إلى كرمان فقصد المسلمون كرمان فافتتحوها، فانتقل إلى خراسان فنزلها. هذا كله و النار التي يعبدها من دون اللَّه يسير بها معه من بلد إلى بلد، و يبنى لها في كل بلد بيت توقد فيهم على عادتهم، و هو يحمل في الليل في مسيره إلى هذه البلدان على بعير عليه هودج ينام فيه. فبينما هو ذات ليلة في هودجه و هو نائم فيه، إذ مروا به على مخاضة فأرادوا أن ينبهوه قبلها لئلا ينزعج إذا استيقظ في المخاضة، فلما أيقظوه تغضب عليهم شديدا و شتمهم، و قال: حرمتمونى أن أعلم مدة بقاء هؤلاء في هذه البلاد و غيرها، إني رأيت في منامي هذا أنى و محمدا عند اللَّه، فقال له: ملككم مائة سنة، فقال: زدني. فقال: عشرا و مائة.

فقال: زدني. فقال: عشرين و مائة سنة. فقال: زدني فقال لك، و أنبهتمونى، فلو تركتموني لعلمت مدة هذه الأمة.

____________

[ (1)] سقط من الحلبية.

127

غزو المسلمين بلاد خراسان مع الأحنف بن قيس‏

و ذلك أن الأحنف بن قيس هو الّذي أشار على عمر بأن يتوسع المسلمون بالفتوحات في بلاد العجم، و يضيقوا على كسرى يزدجرد، فإنه هو الّذي يستحث الفرس و الجنود على قتال المسلمين.

فأذن عمر بن الخطاب في ذلك عن رأيه، و أمرّ الأحنف، و أمره بغزو بلاد خراسان. فركب الأحنف في جيش كثيف إلى خراسان قاصدا حرب يزدجرد، فدخل خراسان فافتتح هراة عنوة و استخلف عليها صحار بن فلان العبديّ، ثم سار إلى مرو الشاهجان و فيها يزدجرد، و بعث الأحنف بين يديه مطرف بن عبد اللَّه بن الشخير إلى نيسابور، و الحارث بن حسان إلى سرخس. و لما اقترب الأحنف من مرو الشاهجان، ترحل منها يزدجرد إلى مروالروذ [فافتتح الأحنف مرو الشاهجان فنزلها. و كتب يزدجرد حين نزل مروالروذ] [ (1)] إلى خاقان ملك الترك يستمده، و كتب إلى ملك الصفد [يستمده، و كتب إلى ملك الصين‏] [ (2)] يستعينه. و قصده الأحنف بن قيس إلى مروالروذ و قد استخلف على مرو الشاهجان حارثة بن النعمان، و قد وفدت إلى الأحنف أمداد من أهل الكوفة مع أربعة أمراء، فلما بلغ مسيره إلى يزدجرد [ترحل إلى بلخ، فالتقى معه ببلخ يزدجرد] [ (3)] فهزمه اللَّه عز و جل و هرب هو و من بقي معه من جيشه فعبر النهر و استوثق ملك خراسان على يدي الأحنف ابن قيس، و استخلف في كل بلدة أميرا، و رجع الأحنف فنزل مروالروذ، و كتب إلى عمر بما فتح اللَّه عليه من بلاد خراسان بكمالها. فقال عمر: وددت أنه كان بيننا و بين خراسان بحر من نار.

فقال له على: و لم يا أمير المؤمنين؟ فقال: إن أهلها سينقضون عهدهم ثلاث مرات فيجتاحون في الثالثة، فقال: يا أمير المؤمنين [لأن يكون ذلك بأهلها، أحب إلى من‏] [ (4)] أن يكون ذلك بالمسلمين و كتب عمر إلى الأحنف ينهاه عن العبور إلى ما وراء النهر. و قال: احفظ ما بيدك من بلاد خراسان. و لما وصل رسول يزدجرد إلى اللذين استنجد بهما لم يحتفلا بأمره، فلما عبر يزدجرد النهر و دخل في بلادهما تعين عليهما إنجاده في شرع الملوك، فسار معه خاقان الأعظم ملك الترك، و رجع يزدجرد بجنود عظيمة فيهم ملك التتار خاقان، فوصل إلى بلخ و استرجعها، و فر عمال الأحنف [إليه إلى مروالروذ، و خرج المشركون من بلخ حتى نزلوا على الأحنف‏] [ (5)] بمروالروذ فتبرز الأحنف بمن معه من أهل البصرة و أهل الكوفة و الجميع عشرون ألفا فسمع رجلا يقول لآخر:

إن كان الأمير ذا رأى فإنه يقف دون هذا الجبل فيجعله وراء ظهره و يبقى هذا النهر خندقا حوله فلا يأتيه العدو إلا من جهة واحدة. فلما أصبح الأحنف أمر المسلمين فوقفوا في ذلك الموقف بعينه،

____________

[ (1، 2، 3، 4، 5)] سقط من الحلبية.

128

و كان أمارة النصر و الرشد، و جاءت الأتراك و الفرس في جمع عظيم هائل مزعج، فقام الأحنف في الناس خطيبا فقال: إنكم قليل و عدوكم كثير، فلا يهولنكم، (فكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة باذن اللَّه و اللَّه مع الصابرين) فكانت الترك يقاتلون بالنهار و لا يدرى الأحنف أين يذهبون في الليل. فسار ليلة مع طليعة من أصحابه نحو جيش خاقان، فلما كان قريب الصبح خرج فارس من الترك طليعة و عليه طوق و ضرب بطبله فتقدم إليه الأحنف فاختلفا طعنتين فطعنه الأحنف فقتله و هو يرتجز.

ان على كل رئيس حقا* * * أن يخضب الصعدة أو يندقا

ان لها شيخا بها ملقى‏* * * بسيف أبى حفص الّذي تبقى‏

قال: ثم استلب التركي طوقه و وقف موضعه، فخرج آخر عليه طوق و معه طبل فجعل يضرب بطبله، فتقدم إليه الأحنف فقتله أيضا و استلبه طوقه و وقف موضعه فخرج ثالث فقتله و أخذ طوقه.

ثم أسرع الأحنف الرجوع إلى جيشه و لا يعلم بذلك أحد من الترك بالكلية. و كان من عادتهم أنهم لا يخرجون من صبيتهم حتى تخرج ثلاثة من كهولهم بين أيديهم يضرب الأول بطبله، ثم الثاني، ثم الثالث، ثم يخرجون بعد الثالث. فلما خرجت الترك ليلتئذ بعد الثالث، فأتوا على فرسانهم مقتلين، تشاءم بذلك الملك خاقان و تطير، و قال لعسكره: قد طال مقامنا و قد أصيب هؤلاء القوم بمكان لم نصب بمثله، ما لنا في قتال هؤلاء القوم من خير، فانصرفوا بنا. فرجعوا إلى بلادهم و انتظرهم المسلمون يومهم ذلك ليخرجوا إليهم من شعبهم فلم يروا أحدا منهم، ثم بلغهم انصرافهم إلى بلادهم راجعين عنهم [و قد كان يزدجرد- و خاقان في مقابلة الأحنف بن قيس و مقاتلته- ذهب‏] [ (1)] إلى مرو الشاهجان فحاصرها و حارثة بن النعمان بها و استخرج منها خزانته التي كان دفنها بها، ثم رجع و انتظره خاقان ببلخ حتى رجع إليه.

و قد قال المسلمون للأحنف: ما ترى في اتباعهم؟ فقال: أقيموا بمكانكم و دعوهم. و قد أصاب الأحنف في ذلك، فقد جاء في الحديث «اتركوا الترك ما تركوكم» و قد رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنالُوا خَيْراً وَ كَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتالَ وَ كانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزاً. و رجع كسرى خاسرا الصفقة لم يشف له غليل، و لا حصل على خير، و لا انتصر كما كان في زعمه، بل تخلى عنه من كان يرجو النصر منه، و تنحى عنه و تبرأ منه أحوج ما كان إليه، و بقي مذبذبا لا إلى هؤلاء و لا إلى هؤلاء وَ مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا و تحير في أمره ما ذا يصنع؟ و إلى أين يذهب؟ و قد أشار عليه بعض أولى النهى من قومه حين قال: قد عزمت أن أذهب إلى بلاد الصين أو أكون مع خاقان في بلاده‏

____________

[ (1)] سقط من الحلبية.

129

فقالوا: إنا نرى أن نصانع هؤلاء القوم فان لهم ذمة و دينا يرجعون إليه، فنكون في بعض هذه البلاد و هم مجاورينا، فهم خير لنا من غيرهم. فأبى عليهم كسرى ذلك. ثم بعث إلى ملك الصين يستغيث به و يستنجده فجعل ملك الصين يسأل الرسول عن صفة هؤلاء القوم الذين قد فتحوا البلاد و قهروا رقاب العباد، فجعل يخبره عن صفتهم، و كيف يركبون الخيل و الإبل، و ما ذا يصنعون؟ و كيف يصلون. فكتب معه إلى يزدجرد: إنه لم يمنعني أن أبعث إليك بجيش أوله بمرو و آخره بالصين الجهالة بما يحق على، و لكن هؤلاء القوم الذين وصف لي رسولك [صفتهم لو يحاولون الجبال لهدوها، و لو جئت لنصرك أزالونى ما داموا على ما وصف لي رسولك‏] [ (1)] فسالمهم و ارض منهم بالمسالمة. فأقام كسرى و آل كسرى في بعض البلاد مقهورين. و لم يزل ذلك دأبه حتى قتل بعد سنتين من إمارة عثمان كما سنورده في موضعه. و لما بعث الأحنف بكتاب الفتح و ما أفاء اللَّه عليهم من أموال الترك و من كان معهم، و أنهم قتلوا منهم مع ذلك مقتلة عظيمة، ثم ردهم اللَّه بغيظهم لم ينالوا خيرا. فقام عمر على المنبر و قرئ الكتاب بين يديه، ثم قال عمر: إن اللَّه بعث محمدا بالهدى [و وعد على اتباعه من عاجل الثواب و آجله خير الدنيا و الآخرة، فقال: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏] [ (2)] وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏ فالحمد للَّه الّذي أنجز وعده، و نصر جنده. ألا و إن اللَّه قد أهلك ملك المجوسية و فرق شملهم، فليسوا يملكون من بلادهم شبرا يضير بمسلم، ألا و إن اللَّه قد أورثكم أرضهم و ديارهم و أموالهم و أبناءهم لينظر كيف تعملون، فقوموا في أمره على وجل، يوف لكم بعهده، و يؤتكم وعده، و لا تغيروا يستبدل قوما غيركم، فانى لا أخاف على هذه الأمة أن تؤتى إلا من قبلكم.

و قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي الحافظ في تاريخ هذه السنة- أعنى سنة ثنتين و عشرين-:

و فيها فتحت أذربيجان على يدي المغيرة بن شعبة. قاله ابن إسحاق: فيقال، إنه صالحهم على ثمانمائة ألف درهم. و قال أبو عبيدة: فتحها حبيب بن سلمة الفهري بأهل الشام عنوة، و معه أهل الكوفة فيهم حذيفة فافتتحها بعد قتال شديد و اللَّه أعلم. و فيها افتتح حذيفة الدينور عنوة- بعد ما كان سعد افتتحها فانتقضوا عهدهم-. و فيها افتتح حذيفة ماه سندان عنوة- و كانوا نقضوا أيضا عهد سعد- و كان مع حذيفة أهل البصرة فلحقهم أهل الكوفة فاختصموا في الغنيمة، فكتب عمر: إن الغنيمة لمن شهد الوقعة. قال: أبو عبيدة ثم غزا حذيفة همذان فافتتحها عنوة، و لم تكن فتحت قبل ذلك، و إليها انتهى فتوح حذيفة. قال: و يقال افتتحها جرير بن عبد اللَّه بأمر المغيرة و يقال: افتتحها المغيرة سنة أربع و عشرين. و فيها افتتحت جرجان. قال خليفة: و فيها افتتح عمرو بن العاص‏

____________

[ (1، 2)] سقط من الحلبية.

130

طرابلس المغرب، و يقال في السنة التي بعدها. قلت: و في هذا كله غرابة لنسبته إلى ما سلف و اللَّه أعلم. قال شيخنا: و فيها توفى أبى بن كعب في قول الواقدي و ابن نمير و الذهلي و الترمذي، و قد تقدم في سنة تسع عشرة. و معضد بن يزيد الشيباني استشهد بأذربيجان و لا صحبة له.

ثم دخلت سنة ثلاث و عشرين‏

و فيها وفاة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه‏

قال الواقدي و أبو معشر: فيها كان فتح إصطخر و همذان. و قال سيف: كان فتحها بعد فتح توّج الآخرة. ثم ذكر أن الّذي افتتح توّج مجاشع بن مسعود، بعد ما قتل من الفرس مقتلة عظيمة و غنم منهم غنائم جمة، ثم ضرب الجزية على أهلها، و عقد لهم الذمة، ثم بعث بالفتح و خمس الغنائم إلى عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه. ثم ذكر أن عثمان بن أبى العاص افتتح جور بعد قتال شديد كان عندها، ثم افتتح المسلمون إصطخر- و هذه المرة الثانية-، و كان أهلها قد نقضوا العهد بعد ما كان جند العلاء بن الحضرميّ افتتحوها حين جاز في البحر- من أرض البحرين- و التقوا هم و الفرس في مكان يقال له طاوس، كما تقدم بسط ذلك في موضعه. ثم صالحه الهر بد على الجزية، و أن يضرب لهم الذمة. ثم بعث بالأخماس و البشارة إلى عمر. قال ابن جرير: و كانت الرسل لها جوائز، و تقضى لهم حوائج، كما كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يعاملهم بذلك. ثم إن شهرك خلع العهد، و نقض الذمة، و نشط الفرس، فنقضوا، فبعث إليهم عثمان بن أبى العاص ابنه و أخاه الحكم، فاقتتلوا مع الفرس فهزم اللَّه جيوش المشركين، و قتل الحكم بن أبى العاص شهرك، و قتل ابنه معه أيضا. و قال أبو معشر: كانت فارس الأولى و إصطخر الآخرة سنة ثمان و عشرين في إمارة عثمان، و كانت فارس الآخرة و وقعة جور في سنة تسع و عشرين.

فتح فسا و داربجرد و قصة سارية بن زنيم‏

ذكر سيف عن مشايخه أن سارية بن زنيم قصد فسا و داربجرد، فاجتمع له جموع- من الفرس و الأكراد- عظيمة، و دهم المسلمين منهم أمر عظيم و جمع كثير، فرأى عمر في تلك الليلة فيما يرى النائم معركتهم و عددهم في وقت من النهار، و أنهم في صحراء و هناك جبل إن أسندوا إليه لم يؤتوا إلا من وجه واحد، فنادى من الغد الصلاة جامعة، حتى إذا كانت الساعة التي رأى أنهم اجتمعوا فيها، خرج إلى الناس و صعد المنبر، فخطب الناس و أخبرهم بصفة ما رأى، ثم قال: يا سارية الجبل الجبل، ثم أقبل عليهم و قال: إن للَّه جنودا و لعل بعضها أن يبلغهم. قال: ففعلوا ما قال عمر، فنصرهم اللَّه على عدوهم، و فتحوا البلد. و ذكر سيف في رواية أخرى عن شيوخه أن عمر بينما هو يخطب يوم الجمعة إذ قال:

يا سارية بن زنيم الجبل الجبل. فلجأ المسلمون إلى جبل هناك فلم يقدر العدو عليهم إلا من جهة واحدة

131

فأظفرهم اللَّه بهم، و فتحوا البلد. و غنموا شيئا كثيرا، فكان من جملة ذلك سفط من جوهر فاستوهبه سارية من المسلمين لعمر، فلما وصل إليه مع الأخماس قدم الرسول بالخمس فوجد عمر قائما في يده عصا و هو يطعم المسلمين سماطهم، فلما رآه عمر قال له: اجلس- و لم يعرفه-، فجلس الرجل فأكل مع الناس، فلما فرغوا انطلق عمر إلى منزله و اتبعه الرجل، فاستأذن فأذن له و إذا هو قد وضع له خبز و زيت و ملح، فقال: ادن فكل. قال: فجلست فجعل يقول لامرأته: ألا تخرجين يا هذه فتأكلين؟

فقالت: إني أسمع حس رجل عندك. فقال: أجل، فقالت: لو أردت أن أبرز للرجال اشتريت لي غير هذه الكسوة. فقال: أو ما ترضين أن يقال أم كلثوم بنت على و امرأة عمر. فقالت: ما أقل غناء ذلك عنى. ثم قال للرجل: ادن فكل فلو كانت راضية لكان أطيب مما ترى. فأكلا فلما فرغا قال:

أنا رسول سارية بن زنيم يا أمير المؤمنين. فقال: مرحبا و أهلا. ثم أدناه حتى مست ركبته ركبته، ثم سأله عن المسلمين، ثم سأله عن سارية بن زنيم، فأخبره ثم ذكر له شأن السفط من الجوهر فأبى أن يقبله و أمر برده إلى الجند. و قد سأل أهل المدينة رسول سارية عن الفتح فأخبرهم، فسألوه: هل سمعوا صوتا يوم الوقعة؟ قال: نعم، سمعنا قائلا يقول: يا سارية الجبل، و قد كدنا نهلك فلجأنا إليه ففتح اللَّه علينا.

ثم رواه سيف عن مجالد عن الشعبي بنحو هذا. و قال عبد اللَّه بن وهب عن يحيى بن أيوب عن ابن عجلان عن نافع عن ابن عمر أن عمر وجه جيشا و رأس عليهم رجلا يقال له سارية، قال: فبينما عمر يخطب فجعل ينادى: يا ساري الجبل يا ساري الجبل ثلاثا. ثم قدم رسول الجيش فسأله عمر: فقال:

يا أمير المؤمنين هزمنا فبينما نحن كذلك إذ سمعنا مناديا يا سارية الجبل ثلاثا فأسندنا ظهورنا بالجبل فهزمهم اللَّه. قال: فقيل لعمر: إنك كنت تصيح بذلك. و هذا إسناد جيد حسن.

و قال الواقدي: حدثني نافع بن أبى نعيم عن نافع مولى ابن عمر. أن عمر قال على المنبر: يا سارية ابن زنيم الجبل. فلم يدر الناس ما يقول حتى قدم سارية بن زنيم المدينة على عمر، فقال: يا أمير المؤمنين كنا محاصري العدو فكنا نقيم الأيام لا يخرج علينا منهم أحد، نحن في خفض من الأرض و هم في حصن عال، فسمعت صائحا ينادى بكذا و كذا يا سارية بن زنيم الجبل، فعلوت بأصحابي الجبل، فما كان إلا ساعة حتى فتح اللَّه علينا. و قد رواه الحافظ أبو القاسم اللالكائي من طريق مالك عن نافع عن ابن عمر بنحوه، و في صحته من حديث مالك نظر. و قال الواقدي: حدثني أسامة بن زيد عن أسلم عن أبيه. و أبو سليمان عن يعقوب بن زيد قالا: خرج عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه يوم الجمعة إلى الصلاة فصعد المنبر ثم صاح: يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم. ثم خطب حتى فرغ، فجاء كتاب سارية إلى عمر: إن اللَّه قد فتح علينا يوم الجمعة ساعة كذا و كذا- لتلك الساعة التي خرج فيها عمر فتكلم على المنبر- قال: سارية فسمعت صوتا

132

يا سارية بن زنيم الجبل، يا سارية بن زنيم الجبل، ظلم من استرعى الذئب الغنم، فعلوت بأصحابي الجبل، و نحن قبل ذلك في بطن واد، و نحن محاصرو العدو ففتح اللَّه علينا. فقيل لعمر بن الخطاب ما ذلك الكلام؟ فقال: و اللَّه ما ألقيت له إلا بشي‏ء ألقى على لساني. فهذه طرق يشد بعضها بعضا.

ثم ذكر ابن جرير من طريق سيف عن شيوخه فتح كرمان على يدي سهيل بن عدي و أمده عبد اللَّه ابن عبد اللَّه بن عتبان، و قيل على يدي عبد اللَّه بن بديل بن ورقاء الخزاعي، و ذكر فتح سجستان على يدي عاصم بن عمرو، بعد قتال شديد، و كانت ثغورها متسعة، و بلادها متنائية، ما بين السند إلى نهر بلخ، و كانوا يقاتلون القندهار و الترك من ثغورها و فروجها. و ذكر فتح مكران على يدي الحكم بن عمرو، و أمده بشهاب بن المخارق بن شهاب، و سهيل بن عدي، و عبد اللَّه بن عبد اللَّه، و اقتتلوا مع ملك السند فهزم اللَّه جموع السند، و غنم المسلمون منهم غنيمة كثيرة، و كتب الحكم ابن عمرو بالفتح و بعث بالأخماس مع صحار العبديّ، فلما قدم على عمر سأله عن أرض مكران فقال:

يا أمير المؤمنين أرض سهلها جبل، و ماؤها و شل، و ثمرها دقل، و عدوها بطل، و خيرها قليل، و شرها طويل، و الكثير بها قليل، و القليل بها ضائع، و ما وراءها شر [ (1)] منها. فقال عمر:

أ سجّاع أنت أم مخبر؟ فقال: لا، بل مخبر، فكتب عمر إلى الحكم بن عمرو أن لا يغزو بعد ذلك مكران، و ليقتصروا على ما دون النهر. و قد قال الحكم بن عمرو في ذلك:

لقد شبع الأرامل غير فخر* * * بفي‏ء جاءهم من مكران‏

أتاهم بعد مسغبة و جهد* * * و قد صفر الشتاء من الدّخان‏

فانى لا يذم الجيش فعلى‏* * * و لا سيفي يذم و لا لساني‏

غداة أدافع الأوباش دفعا* * * إلى السند العريضة و المدانى‏

و مهران لنا فيما أردنا* * * مطيع غير مسترخى العنان‏

فلو لا ما نهى عنه أميرى‏* * * قطعناه إلى البدد الزواني‏

غزوة الأكراد

ثم ذكر ابن جرير بسنده عن سيف عن شيوخه: أن جماعة من الأكراد و التف إليهم طائفة من الفرس اجتمعوا فلقيهم أبو موسى بمكان من أرض بيروذ قريب من نهر تيري، ثم سار عنهم أبو موسى إلى أصبهان و قد استخلف على حربهم الربيع بن زياد بعد مقتل أخيه المهاجر بن زياد، فتسلم الحرب و حنق عليهم، فهزم اللَّه العدو و له الحمد و المنة، كما هي عادته المستمرة و سنته المستقرة، في عباده المؤمنين، و حزبه المفلحين، من أتباع سيد المرسلين. ثم خمست الغنيمة و بعث بالفتح و الخمس‏

____________

[ (1)] في المصرية خير منها.

133

إلى عمر رضى اللَّه عنه، و قد سار ضبة بن محصن العنزي فاشتكى أبا موسى إلى عمر، و ذكر عنه أمورا لا ينقم عليه بسببها، فاستدعاه عمر فسأله عنها فاعتذر منها بوجوه مقبولة فسمعها عمرو قبلها، و رده إلى عمله و عذر ضبة فيما تأوله [و مات عمر، و أبو موسى على صلاة البصرة] [ (1)].

خبر سلمة بن قيس الأشجعي و الأكراد

بعثه عمر على سرية و وصاه بوصايا كثيرة بمضمون حديث بريدة في صحيح مسلم «اغزوا بسم اللَّه قاتلوا من كفر باللَّه» الحديث إلى آخره، فساروا فلقوا جمعا من المشركين فدعوهم إلى إحدى ثلاث خلال، فأبوا أن يقبلوا واحدة منها، فقاتلوهم فقتلوا مقاتلتهم، و سبوا ذراريهم، و غنموا أموالهم. ثم بعث سلمة بن قيس رسولا إلى عمر بالفتح و بالغنائم، فذكروا وروده على عمر و هو يطعم الناس، و ذهابه معه إلى منزله، كنحو ما تقدم من قصة أم كلثوم بنت على، و طلبها الكسوة كما يكسى طلحة و غيره أزواجهم، فقال: ألا يكفيك أن يقال بنت على و امرأة أمير المؤمنين؟ ثم ذكر طعامه الخشن، و شرابه من سلت، ثم شرع يستعمله عن أخبار المهاجرين، و كيف طعامهم و أشعارهم، و هل يأكلون اللحم الّذي هو شجرتهم، و لا بقاء للعرب دون شجرتهم؟ و ذكر عرضه عليه ذلك السفط من الجوهر، فأبى أن يأخذه و أقسم على ذلك، و أمره بأن يرده فيقسم بين الغانمين. و قد أورده ابن جرير مطولا جدا.

و قال ابن جرير: و في هذه السنة حج عمر بأزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هي آخر حجة حجها رضى اللَّه عنه. قال: و في هذه السنة كانت وفاته. ثم ذكر صفة قتله مطولا أيضا، و قد ذكرت ذلك مستقصى في آخر سيرة عمر، فليكتب من هناك إلى هنا.

و هو عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزى بن رياح بن عبد اللَّه بن قرط بن رزاح بن عدي ابن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان القرشي، أبو حفص العدوي، الملقب بالفاروق قيل لقبه بذلك أهل الكتاب. [و أمه حنتمة بنت هشام أخت أبى جهل بن هشام. أسلم عمر و عمره سبع و عشرين سنة، و شهد بدرا و أحدا و المشاهد كلها مع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و خرج في عدة سرايا، و كان أميرا على بعضها، و هو أول من دعي أمير المؤمنين، و أول من كتب التاريخ، و جمع الناس على التراويح، و أول من عسّ بالمدينة، و حمل الدرة و أدب بها، و جلد في الخمر ثمانين، و فتح الفتوح، و مصر الأمصار، و جنّد الأجناد. و وضع الخراج، و دوّن الدواوين، و عرض الأعطية، و استقضى القضاة، و كوّر الكور، مثل السواد و الأهواز و الجبال و فارس و غيرها، و فتح الشام كله، و الجزيرة و الموصل،

____________

[ (1)] سقط من المصرية.

134

و ميافارقين، و آمد، و أرمينية، و مصر و اسكندرية. و مات و عساكره على بلاد الري. فتح من الشام اليرموك و بصرى و دمشق و الأردن، و بيسان، و طبرية، و الجابية، و فلسطين و الرملة، و عسقلان و غزة و السواحل و القدس و فتح مصر و اسكندرية و طرابلس الغرب و برقة، و من مدن الشام بعلبكّ و حمص و قنسرين و حلب و أنطاكية و فتح الجزيرة و حران و الرها و الرقة و نصيبين و رأس عين و شمشاط و عين وردة و ديار بكر و ديار ربيعة و بلاد الموصل و أرمينية جميعها. و بالعراق القادسية و الحيرة و نهر سير و ساباط، و مدائن كسرى و كورة الفرات و دجلة و الأبلة و البصرة و الأهواز و فارس و نهاوند و همذان و الري و قومس و خراسان و إصطخر و أصبهان و السوس و مرو و نيسابور و جرجان و أذربيجان و غير ذلك، و قطعت جيوشه النهر مرارا، و كان متواضعا في اللَّه، خشن العيش، خشن المطعم، شديدا في ذات اللَّه، يرقع الثوب بالأديم، و يحمل القربة على كتفيه، مع عظم هيبته، و يركب الحمار عريا، و البعير مخطوما بالليف، و كان قليل الضحك لا يمازح أحدا و كان نقش خاتمه كفى بالموت واعظا يا عمر.

و قال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

«أشد أمتى في دين اللَّه عمر»

و عن ابن عباس أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«إن لي وزيرين من أهل السماء و وزيرين من أهل الأرض، فوزيراى من أهل السماء جبريل و ميكائيل و وزيراي من أهل الأرض أبو بكر و عمر، و إنهما السمع و البصر»

و عن عائشة أن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«إن الشيطان يفرق من عمر» و قال «أرحم أمتى أبو بكر، و أشدها في دين اللَّه عمر»

و قيل لعمر إنك قضاء. فقال: الحمد للَّه الّذي ملأ قلبي لهم رحما و ملأ قلوبهم لي رعبا. و قال عمر: لا يحل لي من مال اللَّه إلا حلتان حلة للشتاء و حلة للصيف، و قوت أهلي كرجل من قريش ليس بأغناهم، ثم أنا رجل من المسلمين. و كان عمر إذا استعمل عاملا كتب له عهدا و أشهد عليه رهطا من المهاجرين و اشترط عليه أن لا يركب برذونا، و لا يأكل نقيا، و لا يلبس رقيقا، و لا يغلق بابه دون ذوى الحاجات. فان فعل شيئا من ذلك حلت عليه العقوبة. و قيل إنه كان إذا حدثه الرجل بالحديث فيكذب فيه الكلمة و الكلمتين فيقول عمر: احبس هذه احبس هذه، فيقول الرجل: و اللَّه كلما حدثتك به حق غير ما أمرتنى أن أحبسه.

و قال معاوية بن أبى سفيان: أما أبو بكر فلم يرد الدنيا و لم ترده، و أما عمر فأرادته فلم يردها، و أما نحن فتمرغنا فيها ظهرا لبطن. و عوتب عمر فقيل له: لو أكلت طعاما طيبا كان أقوى لك على الحق؟ فقال: إني تركت صاحبىّ على جادة، فان أدركت جادتهما فلم أدركهما في المنزل. و كان يلبس و هو خليفة جبة صوف مرقوعة بعضها بأدم و يطوف بالأسواق على عاتقه الدرة يؤدب بها الناس، و إذا مر بالنوى و غيره يلتقطه و يرمى به في منازل الناس ينتفعون به.

و قال أنس: كان بين كتفي عمر أربع رقاع، و إزاره مرقوع بأدم. و خطب على المنبر و عليه إزار

135

فيه اثنى عشر رقعة، و أنفق في حجته ستة عشر دينارا، و قال لابنه: قد أسرفنا، و كان لا يستظل بشي‏ء غير أنه كان يلقى كساءه على الشجر و يستظل تحته، و ليس له خيمة و لا فسطاط. و لما قدم الشام لفتح بيت المقدس كان على جمل أورق تلوح صلعته للشمس، ليس عليه قلنسوة و لا عمامة قد طبق رجليه بين شعبى الرحل بلا ركاب، و وطاؤه كبش من صوف، و هو فراشه إذا نزل، و حقيبته محشوة ليفا، و هي وسادته إذا نام، و عليه قميص من كرابيس قد رسم و تخرق جيبه، فلما نزل قال: ادعوا لي رأس القرية، فدعوه فقال: اغسلوا قميصي و خيطوه و أعيرونى قميصا، فأتى بقميص كتان، فقال: ما هذا؟ فقيل كتان. فقال: فما الكتان؟ فأخبروه. فنزع قميصه فغسلوه و خاطوه ثم لبسه، فقال له: أنت ملك العرب، و هذه بلاد لا يصلح فيها ركوب الإبل. فأتى ببرذون فطرح عليه قطيفة بلا سرج و لا رحل، فلما سار جعل [البرذون‏] يهملج به فقال لمن معه: احبسوا، ما كنت أظن الناس يركبون الشياطين، هاتوا جملي. ثم نزل و ركب الجمل.

و عن أنس قال: كنت مع عمر فدخل حائطا لحاجته فسمعته يقول- و بيني و بينه جدار الحائط- عمر بن الخطاب أمير المؤمنين بخ بخ، و اللَّه لتتقين اللَّه بنىّ الخطاب أو ليعذبنك. و قيل: إنه حمل قربة على عاتقه فقيل له في ذلك فقال: إن نفسي أعجبتنى فأردت أن أذلها؟ و كان يصلى بالناس العشاء ثم يدخل بيته فلا يزال يصلى إلى الفجر. و ما مات حتى سرد الصوم، و كان في عام الرمادة لا يأكل إلا الخبز و الزيت حتى اسود جلده و يقول: بئس الوالي أنا إن شبعت و الناس جياع. و كان في وجهه خطان أسودان من البكاء، و كان يسمع الآية من القرآن فيغشى عليه فيحمل صريعا إلى منزله فيعاد أياما ليس به مرض إلا الخوف. و قال طلحة بن عبد اللَّه: خرج عمر ليلة في سواد الليل فدخل بيتا فلما أصبحت ذهبت إلى ذلك البيت فإذا عجوز عمياء مقعدة فقلت لها: ما بال هذا الرجل يأتيكى؟

فقالت: إنه يتعاهدني مدة كذا و كذا يأتينى بما يصلحني و يخرج عنى الأذى. فقلت لنفسي:

ثكلتك أمك يا طلحة، أ عثرات عمر تتبع؟.

و قال أسلم مولى عمر: قدم المدينة رفقة من تجار، فنزلوا المصلى فقال عمر لعبد الرحمن بن عوف:

هل لك أن نحرسهم الليلة؟ قال: نعم! فباتا يحرسانهم و يصليان، فسمع عمر بكاء صبي فتوجه نحوه فقال لأمه: اتّق اللَّه تعالى و أحسنى إلى صبيك. ثم عاد إلى مكانه، فسمع بكاءه فعاد إلى أمه فقال لها مثل ذلك، ثم عاد إلى مكانه، فلما كان آخر الليل سمع بكاء الصبى فأتى إلى أمه فقال لها: ويحك، إنك أم سوء، ما لي أرى ابنك لا يقر منذ الليلة من البكاء؟! فقالت: يا عبد اللَّه إني أشغله عن الطعام فيأبى ذلك، قال: و لم؟ قالت: لأن عمر لا يفرض إلا للمفطوم. قال: و كم عمر ابنك هذا؟ قالت:

كذا و كذا شهرا، فقال: ويحك لا تعجليه عن الفطام. فلما صلى الصبح و هو لا يستبين للناس‏

136

قراءته من البكاء. قال: بؤسا لعمر. كم قتل من أولاد المسلمين. ثم أمر مناديه فنادى، لا تعجلوا صبيانكم عن الفطام، فانا نفرض لكل مولود في الإسلام. و كتب بذلك إلى الآفاق.

و قال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى ظاهر المدينة فلاح لنا بيت شعر فقصدناه فإذا فيه امرأة تمخض و تبكى، فسألها عمر عن حالها فقالت: أنا امرأة عربية و ليس عندي شي‏ء. فبكى عمر و عاد يهرول إلى بيته فقال لامرأته أم كلثوم بنت على بن أبى طالب: هل لك في أجر ساقه اللَّه إليك؟

و أخبرها الخبر، فقالت: نعم، فحمل على ظهره دقيقا و شحما، و حملت أم كلثوم ما يصلح للولادة و جاءا، فدخلت أم كلثوم على المرأة، و جلس عمر مع زوجها- و هو لا يعرفه- يتحدث، فوضعت المرأة غلاما فقالت أم كلثوم: يا أمير المؤمنين بشر صاحبك بغلام. فلما سمع الرجل قولها استعظم ذلك و أخذ يعتذر إلى عمر. فقال عمر: لا بأس عليك، ثم أوصلهم بنفقة و ما يصلحهم و انصرف.

و قال أسلم: خرجت ليلة مع عمر إلى حرة و أقم، حتى إذا كنا بصرار إذا بنار فقال: يا أسلم هاهنا ركب قد قصر بهم الليل، انطلق بنا إليهم، فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها و قدر منصوبة على النار و صبيانها يتضاغون، فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء، قالت: و عليك السلام. قال: أدنو.

قالت: أدن أودع. فدنا فقال: ما بالكم؟ قالت: قصر بنا الليل و البرد. قال: فما بال هؤلاء الصبية يتضاغون؟ قالت: من الجوع. فقال: و أي شي‏ء على التار؟ قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، اللَّه بيننا و بين عمر. فبكى عمر و رجع يهرول إلى دار الدقيق فأخرج عدلا من دقيق و جراب شحم، و قال:

يا أسلم احمله على ظهري، فقلت: أنا أحمله عنك. فقال: أنت تحمل وزري يوم القيامة؟. فحمله على ظهره و انطلقنا إلى المرأة فألقى عن ظهره و أخرج من الدقيق في القدر، و ألقى عليه من الشحم، و جعل ينفخ تحت القدر و الدخان يتخلل لحيته ساعة، ثم أنزلها عن النار و قال: ايتيني بصحفة. فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان و قال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا- و المرأة تدعو له و هي لا تعرفه- فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصلهم بنفقة و انصرف، ثم أقبل على فقال: يا أسلم الجوع الّذي أسهرهم و أبكاهم.

و قيل‏

: إن على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه رأى عمر و هو يعدو إلى ظاهر المدينة فقال له: إلى أين يا أمير المؤمنين؟ فقال: قد ند بعير من إبل الصدقة فأنا أطلبه. فقال: قد أتعبت الخلفاء من بعدك.

و قيل:

إنه رأى جارية تتمايل من الجوع فقال: من هذه؟ فقالت ابنة عبد اللَّه: هذه ابنتي.

قال: فما بالها؟ فقالت: إنك تحبس عنا ما في يدك فيصيبنا ما ترى. فقال: يا عبد اللَّه، بيني و بينكم كتاب اللَّه، و اللَّه ما أعطيكم إلا ما فرض اللَّه لكم، أ تريدون منى أن أعطيكم ما ليس لكم؟

137

فأعود خائنا؟] [ (1)].

روى ذلك عن الزهري‏

.

و قال الواقدي: حدثنا أبو حمزة يعقوب بن مجاهد عن محمد بن إبراهيم عن أبى عمرو قال‏

:

قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق أمير المؤمنين؟ قالت: النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «أمير المؤمنين هو» و أول من حياه بها المغيرة بن شعبة»

و قيل غيره فاللَّه أعلم.

و قال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الصمد الأنصاري حدثتني أم عمرو بنت حسان الكوفية- و كان قد أتى عليها مائة و ثلاثون سنة- عن أبيها قال: لما ولى عمر قالوا: يا خليفة خليفة رسول اللَّه. فقال عمر: هذا أمر يطول، بل أنتم المؤمنون و أنا أميركم. فسمى أمير المؤمنين.

و ملخص ذلك أن عمر رضى اللَّه عنه لما فرغ من الحج سنة ثلاث و عشرين و نزل بالأبطح دعا اللَّه عز و جل و شكا إليه أنه قد كبرت سنه و ضعفت قوته، و انتشرت رعيته، و خاف من التقصير، و سأل اللَّه أن يقبضه إليه، و أن يمن عليه بالشهادة في بلد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، كما ثبت عنه في الصحيح أنه كان يقول: اللَّهمّ إني أسألك شهادة في سبيلك، و موتا في بلد رسولك، فاستجاب له اللَّه هذا الدعاء، و جمع له بين هذين الأمرين الشهادة في المدينة النبويّة و هذا عزيز جدا، و لكن اللَّه لطيف بما يشاء تبارك و تعالى، فاتفق له أن ضربه أبو لؤلؤة فيروز المجوسي الأصل، الرومي الدار، و هو قائم يصلى في المحراب، صلاة الصبح من يوم الأربعاء، لأربع بقين من ذي الحجة من هذه السنة بخنجر ذات طرفين، فضربه ثلاث ضربات. و قيل ست ضربات، إحداهن تحت سرته قطعت السفاق فخر من قامته، و استخلف عبد الرحمن بن عوف، و رجع العلج بخنجره لا يمر بأحد إلا ضربه، حتى ضرب ثلاثة عشر رجلا مات منهم ستة، فألقى عليه عبد اللَّه بن عوف برنسا فانتحر نفسه لعنه اللَّه، و حمل عمر إلى منزله و الدم يسيل من جرحه- و ذلك قبل طلوع الشمس- فجعل يفيق ثم يغمى عليه، ثم يذكرونه بالصلاة فيفيق و يقول: نعم، و لا حظ في الإسلام لمن تركها. ثم صلى في الوقت، ثم سأل عمن قتله من هو؟ فقالوا له: هو أبو لؤلؤة غلام المغيرة بن شعبة. فقال: الحمد للَّه الّذي لم يجعل منيتي على يدي رجل يدعى الايمان و لم يسجد للَّه سجدة. ثم قال: قبحه اللَّه، لقد كنا أمرنا به معروفا- و كان المغيرة قد ضرب عليه في كل يوم درهمين ثم سأل من عمر أن يزيد في خراجه فإنه نجار نقاش حداد فزاد في خراجه إلى مائة في كل شهر- و قال له: لقد بلغني أنك تحسن أن تعمل رحى تدور بالهواء فقال أبو لؤلؤة: أما و اللَّه لأعملن لك رحى يتحدث عنها الناس في المشارق و المغارب- و كان هذا يوم الثلاثاء عشية- و طعنه صبيحة الأربعاء لأربع بقين من ذي الحجة. و أوصى عمر أن يكون الأمر شورى بعده في ستة ممن توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو عنهم راض، و هم عثمان، و على، و طلحة، و الزبير

____________

[ (1)] من أول السطر الخامس عشر من الصحيفة نمرة 133 إلى هنا سقط من المصرية.

138

و عبد الرحمن بن عوف، و سعد بن أبى وقاص، و لم يذكر سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي فيهم، لكونه من قبيلته، خشية أن يراعى في الإمارة بسببه، و أوصى من يستخلف بعده بالناس خيرا على طبقاتهم و مراتبهم، و مات رضى اللَّه عنه بعد ثلاث، و دفن في يوم الأحد مستهل المحرم من سنة أربع و عشرين، بالحجرة النبويّة، إلى جانب الصديق، عن إذن أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها في ذلك، و في ذلك اليوم حكم أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.

قال الواقدي (رحمه اللَّه): حدثني أبو بكر بن إسماعيل بن محمد بن سعد عن أبيه قال: طعن عمر يوم الأربعاء لأربع ليال بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و دفن يوم الأحد صباح هلال المحرم سنة أربع و عشرين، فكانت ولايته عشر سنين و خمسة أشهر و أحدا و عشرين يوما، و بويع لعثمان يوم الاثنين لثلاث مضين من المحرم. قال: فذكرت ذلك لعثمان الأخنس فقال:

ما أراك إلا وهلت. توفى عمر لأربع ليال بقين من ذي الحجة و بويع لعثمان لليلة بقيت من ذي الحجة فاستقبل. بخلافته المحرم سنة أربع و عشرين. و قال أبو معشر: قتل عمر لأربع بقين من ذي الحجة تمام سنة ثلاث و عشرين و كانت خلافته عشر سنين و ستة أشهر و أربعة أيام و بويع عثمان ابن عفان.

و قال ابن جرير: حدثت عن هشام بن محمد قال: قتل عمر لثلاث بقين من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين فكانت خلافته عشر سنين و ستة أشهر و أربعة أيام. و قال سيف عن خليد بن وفرة و مجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث من المحرم فخرج فصلى بالناس صلاة العصر. و قال على بن محمد المدائني عن شريك عن الأعمش- أو جابر الجعفي- عن عوف بن مالك الأشجعي و عامر بن أبى محمد عن أشياخ من قومه، و عثمان بن عبد الرحمن عن الزهري قال: طعن عمر يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي الحجة و القول الأول هو الأشهر و اللَّه سبحانه و تعالى أعلم.

صفته رضى اللَّه عنه‏

كان رجلا طوالا أصلع أعسر أيسر أحور العينين، آدم اللوم، و قيل كان أبيض شديد البياض تعلوه حمرة، أشنب الأسنان، و كان يصفر لحيته، و يرجل رأسه بالحناء.

و اختلف في مقدار سنه يوم مات رضى اللَّه عنه على أقوال عدتها- عشرة- فقال ابن جرير:

حدثنا زيد بن أخزم ثنا أبو قتيبة عن جرير بن حازم عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: قتل عمر ابن الخطاب و هو ابن خمس و خمسين سنة، و رواه الدراوَرْديّ عن عبد اللَّه عن نافع عن ابن عمر. و قاله عبد الرزاق عن ابن جريج عن الزهري، و رواه أحمد عن هشيم عن على بن زيد عن سالم بن عبد اللَّه ابن عمر، و عن نافع رواية أخرى ست و خمسون سنة. قال ابن جرير: و قال آخرون: كان عمره‏

139

ثلاثا و خمسين سنة، حدثت بذلك عن هشام بن محمد. ثم روى عن عامر الشعبي أنه توفى و له ثلاث و ستون سنة.

قلت: و قد تقدم في عمر الصديق مثله، و روى عن قتادة أنه قال: توفى عمر و هو ابن إحدى و ستين سنة، و عن ابن عمر و الزهري خمس و ستون. و عن ابن عباس ست و ستون، و روى ابن جرير عن أسلم مولى عمر أنه قال: توفى و هو ابن ستين سنة. قال الواقدي: و هذا أثبت الأقاويل عندنا.

و قال المدائني: توفى عمر و هو ابن سبع و خمسين سنة.

ذكر زوجاته و أبنائه و بناته‏

قال الواقدي و ابن الكلبي و غيرهما: تزوج عمر في الجاهلية زينب بنت مظعون أخت عثمان ابن مظعون فولدت له عبد اللَّه و عبد الرحمن الأكبر، و حفصة رضى اللَّه عنهم. و تزوج مليكة بنت جرول فولدت له عبيد اللَّه فطلقها في الهدنة، فخلف عليها أبو الجهم بن حذيفة، قاله المدائني.

و قال الواقدي: هي أم كلثوم بنت جرول فولدت له عبيد اللَّه و زيدا الأصغر. قال المدائني و تزوج قريبة بنت أبى أمية المخزومي ففارقها في الهدنة، فتزوجها بعده عبد الرحمن بن أبى بكر.

قالوا: و تزوج أم حكيم بنت الحارث بن هشام بعد زوجها- حين قتل في الشام- فولدت له فاطمة ثم طلقها. قال المدائني و قيل لم يطلقها. قالوا: و تزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت بن أبى الأفلح من الأوس. و تزوج عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، و كانت قبله عند عبد اللَّه بن أبى مليكة و لما قتل عمر تزوجها بعده الزبير بن العوام رضى اللَّه عنهم، و يقال هي أم ابنه عياض فاللَّه أعلم. قال المدائني: و كان قد خطب أم كلثوم ابنة أبى بكر الصديق و هي صغيرة و راسل فيها عائشة فقالت أم كلثوم: لا حاجة لي فيه، فقالت عائشة: أ ترغبين عن أمير المؤمنين؟ قالت: نعم، إنه خشن العيش فأرسلت عائشة إلى عمرو بن العاص فصده عنها و دله على أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، و من فاطمة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال تعلق منها بسبب من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فخطبها من على فزوجه إياها، فأصدقها عمر رضى اللَّه عنه أربعين ألفا، فولدت له زيدا و رقية، قالوا: و تزوج لهية- امرأة من اليمن- فولدت له عبد الرحمن الأصغر، و قيل الأوسط. و قال الواقدي: هي أم ولد و ليست بزوجة، قالوا: و كانت عنده فكيهة أم ولد فولدت له زينب. قال الواقدي و هي أصغر ولده. قال الواقدي: و خطب أم أبان بنت عتبة بن شيبة فكرهته و قالت: يغلق بابه و يمنع خيره و يدخل عابسا و يخرج عابسا.

قلت: فجملة أولاده رضى اللَّه عنه و أرضاه ثلاثة عشر ولدا، و هم زيد الأكبر، و زيد الأصغر، و عاصم، و عبد اللَّه، و عبد الرحمن الأكبر، و عبد الرحمن الأوسط، قال الزبير بن بكار و هو

140

أبو شحمة، و عبد الرحمن الأصغر و عبيد اللَّه، و عياض، و حفصة، و رقية، و زينب، و فاطمة، رضى اللَّه عنهم. و مجموع نسائه اللاتي تزوجهن في الجاهلية و الإسلام ممن طلقهن أو مات عنهن سبع، و هن جميلة بنت عاصم بن ثابت بن الأفلح، و زينب بنت مظعون، و عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل، و قريبة بنت أبى أمية، و مليكة بنت جرول، و أم حكيم بنت الحارث بن هشام، و أم كلثوم بنت على بن أبى طالب، و أم كلثوم أخرى و هي مليكة بنت جرول. و كانت له أمتان له منهما أولاد، و هما فكيهة و لهية، و قد اختلف في لهية هذه فقال بعضهم: كانت أم ولد، و قال بعضهم: كان أصلها من اليمن و تزوجها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب فاللَّه أعلم.

ذكر بعض ما رثى به‏

قال على بن محمد المدائني: عن ابن داب و سعيد بن خالد، عن صالح بن كيسان عن المغيرة ابن شعبة قال: لما مات عمر بكته ابنة أبى خيثمة فقالت: وا عمراه، أقام الأود و أبر العهد، أمات الفتن و أحيا السنن، خرج نقى الثوب بريا من العيب.

قال فقال على بن أبى طالب: و اللَّه لقد صدقت، ذهب بخيرها، و نجا من شرها، أما و اللَّه ما قالت و لكن قولت. قال: و قالت عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل في زوجها عمر.

فجّعني فيروز لا درّ درّه‏* * * بأبيض تال للكتاب منيب‏

رءوف على الأدنى غليظ على العدي‏* * * أخى ثقة في النائبات نجيب‏

متى ما يقل لا يكذب القول فعله‏* * * سريع إلى الخيرات غير قطوب‏

و قالت أيضا:

عين جودي بعبرة و نحيب‏* * * لا تملّى على الإمام النجيب‏

فجّعتنا المنون بالفارس العيلم‏* * * يوم الهياج و التلبيب‏

عصمة الناس و المعين على الدهر* * * و غيث المنتاب و المحروب‏

قل لأهل السراء و البؤس موتوا* * * قد سقته المنون كأس سغوب‏

[و قالت امرأة من المسلمين تبكيه:

سيبكيك نساء الحي‏* * * يبكين شجيات‏

و يخمشن وجوها* * * كالدنانير نقيات‏

و يلبسن ثياب الحزن‏* * * بعد القصبيات‏] [ (1)]

و قد ذكر ابن جرير ترجمة طويلة لعمر بن الخطاب، و كذلك أطال ابن الجوزي في سيرته،

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

141

و شيخنا الحافظ أبو عبد اللَّه الذهبي في تاريخه، و قد جمعنا متفرقات كلام الناس في مجلد مفرد، و أفردنا لما أسنده و روى عنه من الأحكام مجلدا آخر كبيرا مرتبا على أبواب الفقه و للَّه الحمد.

قال ابن جرير: و في هذه السنة توفى قتادة بن النعمان، و فيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمّورية و معه من الصحابة عبادة بن الصامت، و أبو أيوب، و أبو ذر، و شداد بن أوس، و فيها فتح معاوية عسقلان صلحا. قال: و فيها كان على قضاء الكوفة شريح، و على قضاء البصرة كعب بن سوار، قال: و أما مصعب الزبيري فإنه ذكر أن مالكا روى عن الزهري أن أبا بكر و عمر لم يكن لهما قاض و قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي في تاريخه في سنة ثلاث و عشرين. فيها كانت قصة سارية بن زنيم.

و فيها فتحت كرمان و أميرها سهيل بن عدي. و فيها فتحت سجستان، و أميرها عاصم بن عمرو.

و فيها فتحت مكران، و أميرها الحكم بن أبى العاص، أخو عثمان، و هي من بلاد الجبل. و فيها رجع أبو موسى الأشعري من بلاد أصبهان و قد افتتح بلادها، و فيها غزا معاوية الصائفة حتى بلغ عمّورية.

ثم ذكر وفاة من مات فيها. فمنهم قتادة بن النعمان الأنصاري الأوسي الظفري أخو أبى سعيد الخدريّ لأمه، و قتادة أكبر منه، شهد بدرا و أصيبت عينه في يوم أحد حتى وقعت على خده فردها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فصارت أحسن عينيه، و كان من الرماة المذكورين، و كان على مقدمة عمر حين قدم إلى الشام توفى في هذه السنة على المشهور عن خمس و ستين سنة، و نزل عمر في قبره، و قيل إنه توفى في التي قبلها. ثم ذكر ترجمة عمر بن الخطاب فأطال فيها و أكثر و أطنب، و أتى بمقاصد كثيرة مهمة، و فوائد جمة، و أشياء حسنة، فأثابه اللَّه الجنة.

ثم قال:

ذكر من توفى في خلافة عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه.

الأقرع بن حابس‏

ابن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم التميمي المجاشعي. قال ابن دريد

: و اسمه فراس بن حابس و لقب بالأقرع لقرع في رأسه، و كان أحد الرؤساء، قدم على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مع وفد بنى تميم، و هو الّذي نادى من وراء الحجرات: يا محمد إن مدحى زين، و ذمي شين، و هو القائل- و قد رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقبل الحسن- أ تقبله؟ و اللَّه إن لي عشرة من الولد ما قبلت واحدا منهم. فقال «من لا يرحم لا يرحم».

و في رواية

«ما أملك أن نزع اللَّه الرحمة من قلبك»

و كان ممن تألفه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأعطاه يوم حنين مائة من الإبل، و كذلك لعيينة بن حصن الفزاري، و أعطى عباس بن مرداس خمسين [ (1)] من الإبل فقال:

أ تجعل نهبي و نهب العبيد* * * بين عيينة و الأقرع‏

فما كان حصن و لا حابس‏* * * يفوقان مرداس في مجمع‏

____________

[ (1)] كذا في الحلبية و في المصرية: خمسا من الإبل.

142

و ما كنت دون امرئ منهما* * * و من يخفض اليوم لا يرفع‏

فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

أنت القائل‏

أ تجعل نهبي و نهب العبيد* * * بين عيينة و الأقرع‏

رواه البخاري‏

قال السهيلي: إنما قدم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذكر الأقرع قبل عيينة لأن الأقرع كان خيرا من عيينة [و لهذا لم يرتد بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) كما ارتد عيينة] [ (1)] فبايع طليحة و صدقه ثم عاد. و المقصود أن الأقرع كان سيدا مطاعا، و شهد مع خالد وقائعه بأرض العراق، و كان على مقدمته يوم الأنبار. ذكره شيخنا فيمن توفى في خلافة عمر بن الخطاب. و الّذي ذكره ابن الأثير في الغابة أنه استعمله عبد اللَّه بن عامر على جيش و سيره إلى الجوزجان فقتل و قتلوا جميعا، و ذلك في خلافة عثمان كما سيأتي إن شاء اللَّه تعالى.

حباب بن المنذر

ابن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة أبو عمر و يقال أبو عمرو الأنصاري الخزرجي السلمي، و يقال له ذو الرأى لأنه أشار يوم بدر أن ينزل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على أدنى ماء يكون إلى القوم، و أن يغور ما وراءهم من القلب فأصاب في هذا الرأى، و نزل الملك بتصديقه و أما قوله يوم السقيفة: أنا جذيلها المحكك، و مزيجها المرجب، منا أمير و منكم أمير. فقد رده عليه الصديق و الصحابة.

ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

عتبة بن مسعود الهذلي، هاجر مع أخيه لأبويه، عبد اللَّه إلى الحبشة شهد أحدا و ما بعدها.

قال الزهري: ما كان عبد اللَّه بأفقه منه، و لكن مات عتبة قبله، و توفى زمن عمر على الصحيح، و يقال في زمن معاوية سنة أربع و أربعين.

علقمة بن علاثة

ابن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة العامري الكلابي، أسلم عام الفتح و شهد حنينا و أعطى يومئذ مائة من الإبل تأليفا لقلبه، و كان يكون بتهامة و كان شريفا مطاعا في قومه، و قد ارتد أيام الصديق فبعث إليه سرية فانهزم ثم أسلم و حسن إسلامه، و وفد على عمر في خلافته، و قدم دمشق في طلب ميراث له ثمّ، و يقال استعمله عمر على حوران فمات بها، و قد كان الخطيئة قصده ليمتدحه فمات قبل مقدمه بليال فقال:

فما كان بيني لو لقيتك سالما* * * و بين الغنى إلا ليال قلائل‏

____________

[ (1)] زيادة في المصرية.

143

علقمة بن مجزز

ابن الأعور بن جعدة بن معاذ بن عتوارة بن عمرو بن مدلج الكناني المدلجي، أحد أمراء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، على بعض السرايا، و كانت فيه دعابة، فأجج نارا و أمر أصحابه أن يدخلوا فيها فامتنعوا،

فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

«لو دخلوا فيها ما خرجوا منها» و قال «إنما الطاعة في المعروف»

و قد كان علقمة جوادا ممدحا رثاه جواس العذري فقال:

إن السلام و حسن كل تحية* * * تغدو على ابن مجزز و تروح‏

عويم بن ساعدة

ابن عابس أبو عبد الرحمن الأنصاري الأوسي، أحد بنى عمرو بن عوف شهد العقبة و بدرا و ما بعدها له حديث عند أحمد و ابن ماجة في الاستنجاء بالماء. قال ابن عبد البر: توفى في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و قيل في خلافة عمر، و قال و هو واقف على قبره: لا يستطيع أحد أن يقول أنا خير من صاحب هذا القبر ما نصبت راية للنّبيّ (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا و هو واقف تحتها. و قد روى هذا الأثر ابن أبى عاصم كما أورده ابن الأثير من طريقه.

غيلان بن سلمة الثقفي‏

أسلم عام الفتح على عشر نسوة فأمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يختار منهن أربعا، و قد وفد قبل الإسلام على كسرى فأمره أن يبنى له قصرا بالطائف، و قد سأله كسرى أي ولدك أحب إليك؟

قال الصغير حتى يكبر، و المريض حتى يبرأ، و الغائب حتى يقدم، فقال له كسرى أنى لك هذا؟

هذا كلام الحكماء. قال: فما غذاؤك؟ قال: البر. قال نعم هذا من البر لا من التمر و اللبن.

معمر بن الحارث‏

ابن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحيّ أخو حاطب و حطاب، أمهم قيلة بنت مظعون، أخت عثمان بن مظعون أسلم معمر قبل دخول النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) دار الأرقم و شهد بدرا و ما بعدها و آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين معاذ بن عفراء.

ميسرة بن مسروق العبسيّ‏

شيخ صالح قيل إنه صحابى شهد اليرموك و دخل الروم أميرا على جيش ستة آلاف و كانت له همة عالية فقتل و سبى و غنم و ذلك في سنة عشرين، و روى عن أبى عبيدة و عنه أسلم مولى عمر، لم يذكره ابن الأثير في الغابة.

واقد بن عبد اللَّه‏

ابن عبد مناف بن عرين الحنظليّ اليربوعي حليف بنى عدي بن كعب، أسلم قبل دخول النبي‏

144

(صلى اللَّه عليه و سلم) دار الأرقم و شهد بدرا و ما بعدها و آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين بشر بن البراء بن معرور، و هو أول من قتل في سبيل اللَّه عز و جل ببطن نخلة، مع عبد اللَّه بن جحش حين قتل عمرو بن الحضرميّ، توفى في خلافة عمر رضى اللَّه عنه.

أبو خراش الهذلي الشاعر

و اسمه خويلد بن مرة، كان يسبق الخيل على قدميه، و كان فتاكا في الجاهلية، ثم أسلم و حسن إسلامه، و توفى في زمن عمر، أتاه حجاج فذهب يأتيهم بماء فنهشته حية فرجع إليهم بالماء و أعطاهم شاة و قدرا، و لم يعلمهم بما جرى له، فأصبح فمات فدفنوه. ذكره ابن عبد البر و ابن الأثير في أسماء الصحابة، و الظاهر أنه ليست له وفادة، و إنما أسلم في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فهو مخضرم و اللَّه أعلم.

أبو ليلى عبد الرحمن بن كعب‏

ابن عمرو الأنصاري شهد أحدا و ما بعدها، إلا تبوك فإنه تخلف لعذر الفقر، و هو أحد البكاءين المذكورين.

سودة بنت زمعة

القرشية العامرية أم المؤمنين، أول من دخل بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعد خديجة رضى اللَّه عنها، و كانت صوامة قوامة، و يقال كان في خلقها حدة، و قد كبرت فأراد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يفارقها- و يقال بل فارقها- فقالت: يا رسول اللَّه لا تفارقني و أنا أجعل يومى لعائشة، فتركها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و صالحها على ذلك. و في ذلك أنزل اللَّه عز و جل‏ وَ إِنِ امْرَأَةٌ خافَتْ مِنْ بَعْلِها نُشُوزاً أَوْ إِعْراضاً فَلا جُناحَ عَلَيْهِما أَنْ يُصْلِحا بَيْنَهُما صُلْحاً وَ الصُّلْحُ خَيْرٌ الآية. قالت عائشة: نزلت في سودة بنت زمعة، توفيت في خلافة عمر بن الخطاب.

هند بنت عتبة

يقال: ماتت في خلافة عمر و قيل توفيت قبل ذلك كما تقدم فاللَّه أعلم.

[سنة أربع و عشرين‏]

خلافة أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه ثم استهلت سنة أربع و عشرين‏

ففي أول يوم منها دفن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، و ذلك يوم الأحد في قول و بعد ثلاث أيام بويع أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.

كان عمر رضى اللَّه عنه قد جعل الأمر بعده شورى بين ستة نفر و هم عثمان بن عفان، و على بن أبى طالب، و طلحة بن عبيد اللَّه، و الزبير بن العوام، و سعد بن أبى وقاص، و عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنهم. و تحرج أن يجعلها لواحد من هؤلاء على التعيين، و قال لا أتحمل أمرهم حيا و ميتا،

145

و إن يرد اللَّه بكم خيرا يجمعكم على خير هؤلاء، كما جمعكم على خيركم بعد نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من تمام ورعه لم يذكر في الشورى سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل لأنه ابن عمه خشي أن يراعى فيولي لكونه ابن عمه، فلذلك تركه. و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، بل جاء في رواية المدائني عن شيوخه أنه استثناه من بينهم، و قال لست مدخله فيهم، و قال لأهل الشورى يحضركم عبد اللَّه- يعنى ابنه- و ليس إليه من الأمر شي‏ء- يعنى بل يحضر الشورى و يشير بالنصح و لا يولى شيئا- و أوصى أن يصلى بالناس صهيب بن سنان الرومي ثلاثة أيام حتى تنقضي الشورى، و أن يجتمع أهل الشورى و يوكل بهم أناس حتى ينبرم الأمر، و وكل بهم خمسين رجلا من المسلمين و جعل عليهم مستحثا أبا طلحة الأنصاري، و المقداد بن الأسود الكندي، و قد قال عمر بن الخطاب: ما أظن الناس يعدلون بعثمان و على أحدا، إنهما كانا يكتبان الوحي بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بما ينزل به جبريل عليه.

قالوا: فلما مات عمر رضى اللَّه عنه و أحضرت جنازته تبادر إليها على و عثمان أيهما يصلى عليه، فقال لهما عبد الرحمن بن عوف: لستما من هذا في شي‏ء، إنما هذا إلى صهيب الّذي أمره عمر أن يصلى بالناس. فتقدم صهيب و صلى عليه، و نزل في قبره مع ابنه عبد اللَّه أهل الشورى سوى طلحة فإنه كان غائبا، فلما فرغ من شأن عمر جمعهم المقداد بن الأسود في بيت المسور بن مخرمة، و قيل في حجرة عائشة، و قيل في بيت المال، و قيل في بيت فاطمة بنت قيس أخت الضحاك بن قيس، و الأول أشبه و اللَّه أعلم. فجلسوا في البيت و قام أبو طلحة يحجبهم، و جاء عمرو بن العاص و المغيرة بن شعبة فجلسا من وراء الباب فحصبهم سعد بن أبى وقاص و طردهما و قال جئتما لتقولا حضرنا أمر الشورى؟

رواه المدائني عن مشايخه و اللَّه أعلم بصحته.

و المقصود أن القوم خلصوا من الناس في بيت يتشاورون في أمرهم، فكثر القول، و علت الأصوات و قال أبو طلحة: إني كنت أظن أن تدافعوها و لم أكن أظن أن تنافسوها، ثم صار الأمر بعد حضور طلحة إلى أن فوض ثلاثة منهم ما لهم في ذلك إلى ثلاثة، ففوض الزبير ما يستحقه من الامارة إلى على، و فوض سعد ماله في ذلك إلى عبد الرحمن بن عوف، و ترك طلحة حقه إلى عثمان ابن عفان رضى اللَّه عنه، فقال عبد الرحمن لعلى و عثمان: أيكما يبرأ من هذا الأمر فنفوض الأمر إليه و اللَّه عليه و الإسلام ليولين أفضل الرجلين الباقيين فأسكت الشيخان على و عثمان، فقال عبد الرحمن:

إني أترك حقي من ذلك و اللَّه على و الإسلام أن أجتهد فأولى أولاكما بالحق، فقالا نعم! ثم خاطب كل واحد منهما بما فيه من الفضل، و أخذ عليه العهد و الميثاق لئن ولاه ليعدلن و لئن ولى عليه ليسمعن و ليطيعن، فقال كل منهما نعم! ثم تفرقوا، و يروى أن أهل الشورى جعلوا الأمر إلى عبد الرحمن ليجتهد للمسلمين في أفضلهم ليوليه، فيذكر أنه سأل من يمكنه سؤاله من أهل الشورى و غيرهم فلا

146

يشير إلا بعثمان بن عفان، حتى أنه قال لعلى: أ رأيت إن لم أو لك بمن تشير به على؟ قال: [بعثمان.

و قال لعثمان: أ رأيت إن لم أولك بمن تشير به؟] [ (1)] قال: بعلي بن أبى طالب. و الظاهر أن هذا كان قبل أن ينحصر الأمر في ثلاثة، و ينخلع عبد الرحمن منها لينظر الأفضل و اللَّه عليه و الإسلام ليجتهدن في أفضل الرجلين فيوليه. ثم نهض عبد الرحمن بن عوف رضى اللَّه عنه يستشير الناس فيهما و يجمع رأى المسلمين برأي رءوس الناس و أقيادهم جميعا و أشتاتا، مثنى و فرادى، و مجتمعين، سرا و جهرا، حتى خلص إلى النساء المخدرات في حجابهن، و حتى سأل الولدان في المكاتب، و حتى سأل من يرد من الركبان و الاعراب إلى المدينة، في مدة ثلاثة أيام بلياليها، فلم يجد اثنين يختلفين في تقدم عثمان بن عفان، إلا ما ينقل عن عمار و المقداد أنهما أشارا بعلي بن أبى طالب، ثم بايعا مع الناس على ما سنذكره، فسعى في ذلك عبد الرحمن ثلاثة أيام بلياليها لا يغتمض بكثير نوم إلا صلاة و دعاء و استخارة، و سؤالا من ذوى الرأى عنهم، فلم يجد أحدا يعدل بعثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، فلما كانت الليلة يسفر صباحها عن اليوم الرابع من موت عمر بن الخطاب جاء إلى منزل ابن أخته المسور بن مخرمة فقال: أ نائم يا مسور؟ و اللَّه لم أغتمض بكثير نوم منذ ثلاث، اذهب فادع إلى عليا و عثمان قال المسور: فقلت بأيهما أبدأ؟ فقال بأيهما شئت، قال فذهبت إلى على فقلت أجب خالي، فقال أمرك أن تدعو معى أحدا؟ قلت: نعم! قال: من؟ قلت: عثمان بن عفان، قال: بأينا بدأ؟

قلت لم يأمرني بذلك، بل قال أدعو لي أيهما شئت أولا، فجئت إليك قال فخرج معى فلما مررنا بدار عثمان بن عفان جلس على حتى دخلت فوجدته يوتر مع الفجر، فقال لي كما قال لي على سواء، ثم خرج فدخلت بهما على خالي و هو قائم يصلى، فلما انصرف أقبل على على و عثمان فقال إنما قد سألت الناس عنكما فلم أجد أحدا يعدل بكما أحدا، ثم أخذ العهد على كل منهما أيضا لئن ولاه ليعدلن، و لئن ولى عليه ليسمعن و ليطيعن، ثم خرج بهما إلى المسجد و قد لبس عبد الرحمن العمامة التي عممه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و تقلد سيفا، و بعث إلى وجوه الناس من المهاجرين و الأنصار، و نودي في الناس عامة الصلاة جامعة، فامتلأ المسجد حتى غص بالناس، و تراص الناس و تراصوا حتى لم يبق لعثمان موضع يجلس إلا في أخريات الناس- و كان رجلا حييا رضى اللَّه عنه-

ثم صعد عبد الرحمن بن عوف منبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فوقف وقوفا طويلا، و دعا دعاء طويلا، لم يسمعه الناس ثم تكلم فقال: أيها الناس، إني سألتكم سرا و جهرا بأمانيكم فلم أجدكم تعدلون بأحد هذين الرجلين إما على و إما عثمان، فقم إلى يا على، فقام إليه فوقف تحت المنبر فأخذ عبد الرحمن بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللَّه و سنة نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و فعل أبى بكر و عمر؟ قال: اللَّهمّ لا و لكن على جهدي من ذلك و طاقتي، قال‏

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

147

فأرسل يده و قال: قم إلى يا عثمان، فأخذ بيده فقال: هل أنت مبايعي على كتاب اللَّه و سنة نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) و فعل أبى بكر و عمر؟ قال: اللَّهمّ نعم! قال: فرفع رأسه إلى سقف المسجد و يده في يد عثمان فقال اللَّهمّ اسمع و اشهد، اللَّهمّ اسمع و اشهد، اللَّهمّ اسمع و اشهد، اللَّهمّ إني قد خلعت ما في رقبتي من ذلك في رقبة عثمان.

قال و ازدحم الناس يبايعون عثمان حتى غشوه تحت المنبر، قال فقعد عبد الرحمن مقعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و أجلس عثمان تحته على الدرجة الثانية، و جاء إليه الناس يبايعونه، و بايعه على بن أبى طالب أولا، و يقال آخرا. و ما يذكره كثير من المؤخرين كابن جرير و غيره عن رجال لا يعرفون أن عليا قال لعبد الرحمن خدعتني، و إنك إنما وليته لأنه صهرك و ليشاورك كل يوم في شأنه، و أنه تلكأ حتى قال له عبد الرحمن (فمن نكث فإنما ينكث على نفسه، و من أوفى بما عاهد عليه اللَّه فسيؤتيه أجراً عظيما) إلى غير ذلك من الأخبار المخالفة لما ثبت في الصحاح فهي مردودة على قائليها و ناقليها و اللَّه أعلم.

و المظنون بالصحابة خلاف ما يتوهم كثير من الرافضة و أغبياء القصاص الذين لا تمييز عندهم بين صحيح الأخبار و ضعيفها، و مستقيمها و سقيمها، و مبادها و قويمها، و اللَّه الموفق للصواب. و قد اختلف علماء السير في اليوم الّذي بويع فيه لعثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، فروى الوقدى عن شيوخه أنه بويع يوم الاثنين لليلة بقيت من ذي الحجة سنة ثلاث و عشرين، و استقبل بخلافته المحرم سنة أربع و عشرين، و هذا غريب جدا. و قد روى الواقدي أيضا عن ابن جرير عن ابن أبى مليكة قال:

بويع لعثمان بن عفان لعشر خلون من المحرم بعد مقتل عمر بثلاث ليال، و هذا أغرب من الّذي قبله، و كذا روى سيف بن عمر عن عامر الشعبي أنه قال: أجتمع أهل الشورى على عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة أربع و عشرين، و قد دخل وقت العصر و قد أذن مؤذن صهيب، و اجتمع الناس بين الأذان و الإقامة فخرج فصلى بهم العصر. و قال سيف عن خليفة بن زفر و مجالد قالا: استخلف عثمان لثلاث خلون من المحرم سنة ثلاث و عشرين فخرج فصلى بالناس العصر، و زاد الناس- يعنى في أعطياتهم- مائة، و وفد أهل الأمصار، و هو أول من صنع ذلك. قلت: ظاهر ما ذكرناه من سياق بيعته يقتضي أن ذلك كان قبل الزوال، لكنه لما بايعه الناس في المسجد ذهب به إلى دار الشورى على ما تقدم فيها من الخلاف، فبايعه بقية الناس، و كأنه لم يتم البيعة إلا بعد الظهر و صلى صهيب يومئذ الظهر في المسجد النبوي و كان أول صلاة صلاها الخليفة أمير المؤمنين عثمان بن عفان بالمسلمين صلاة العصر، كما ذكره الشعبي و غيره. و أما أول خطبة خطبها بالمسلمين فروى سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه قال لما بايع أهل الشورى عثمان خرج و هو أشدهم كآبة فأتى منبر النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فخطب الناس فحمد اللَّه و أثنى عليه و صلى على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و قال: إنكم في دار قلعة و في بقية أعمار،

148

فبادروا آجالكم بخير ما تقدرون عليه، فلقد أتيتم صبّحتم أو مسيتم، ألا و إن الدنيا طويت على الغرور فلا تغرنكم الحياة الدنيا و لا يغرنكم باللَّه الغرور، و اعتبروا بمن مضى ثم جدوا و لا تغفلوا.

أين أبناء الدنيا و إخوانها الذين آثاروها و عمروها و متعوا بها طويلا؟ أ لم تلفظهم؟ ارموا بالدنيا حيث رمى اللَّه بها، و اطلبوا الآخرة فان اللَّه قد ضرب لها مثلا، بالذي هو خير فقال تعالى (و اضرب لهم مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء فاختلط به نبات الأرض فأصبح هشيما تذروه الرياح و كان اللَّه على كل شي‏ء مقتدرا، المال و البنون زينة الحياة الدنيا و الباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا و خير أملا) قال: و أقبل الناس يبايعونه.

قلت و هذه الخطبة: إما بعد صلاة العصر يومئذ، أو قبل الزوال [و عبد الرحمن بن عوف جالس في رأس المنبر] [ (1)] و هو الأشبه و اللَّه أعلم. و ما يذكره بعض الناس من أن [عثمان لما خطب أول خطبة ارتج عليه فلم يدر ما يقول حتى قال: أيها الناس، إن‏] [ (1)] أول مركب صعب، و إن أعش فستأتيكم الخطبة على وجهها، فهو شي‏ء يذكره صاحب العقد و غيره، ممن يذكر طرف الفوائد، و لكن لم أر هذا باسناد تسكن النفس إليه و اللَّه أعلم.

و أما قول الشعبي إنه زاد الناس مائة مائة- يعنى في عطاء كل واحد من جند المسلمين- زاده على ما فرض له عمر مائة درهم من بيت المال و كان عمر قد جعل لكل نفس من المسلمين في كل ليلة من رمضان درهما من بيت المال يفطر عليه، و لأمهات المؤمنين درهمين درهمين، فلما ولى عثمان أقر ذلك و زاده، و اتخذ سماطا في المسجد أيضا للمتعبدين، و المعتكفين، و أبناء السبيل، و الفقراء، و المساكين، رضى اللَّه عنه. و قد كان أبو بكر إذا خطب يقوم على الدرجة التي تحت الدرجة التي كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقف عليها، فلما ولى عمر نزل درجة أخرى عن درجة أبى بكر رضى اللَّه عنهما، فلما ولى عثمان قال إن هذا يطول، فصعد إلى الدرجة التي كان يخطب عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و زاد الأذان الأول يوم الجمعة، قبل الأذان الّذي كان يؤذن به بين يدي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إذا جلس على المنبر، و أما أول حكومة حكم فيها فقضية عبيد اللَّه بن عمر، و ذلك أنه غدا على ابنة أبى لؤلؤة قاتل عمر فقتلها، و ضرب رجلا نصرانيا يقال له جفينة بالسيف فقتله و ضرب الهرمزان الّذي كان صاحب تستر فقتله، و كان قد قيل إنهما مالئا أبا لؤلؤة على قتل عمر فاللَّه أعلم.

و قد كان عمر قد أمر بسجنه ليحكم فيه الخليفة من بعده، فلما ولى عثمان و جلس للناس كان أول ما تحوكم إليه في شأن عبيد اللَّه، فقال على: ما من العدل تركه، و أمر بقتله، و قال بعض المهاجرين:

أ يقتل أبوه بالأمس و يقتل هو اليوم؟ فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين قد برأك اللَّه من ذلك،

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

149

قضية لم تكن في أيامك فدعها عنك، فودى عثمان رضى اللَّه عنه أولئك القتلى من ماله، لأن أمرهم إليه، إذ لا وارث لهم إلا بيت المال، و الامام يرى الأصلح في ذلك، و خلى سبيل عبيد اللَّه. قالوا فكان زياد بن لبيد البياضي إذا رأى عبيد اللَّه بن عمر يقول:

ألا يا عبيد اللَّه مالك مهرب‏* * * و لا ملجأ من ابن أروى و لا خفر

أصبت دما و اللَّه في غير حله‏* * * حراما و قتل الهرمزان له خطر

على غير شي‏ء غير أن قال قائل‏* * * أ تتهمون الهرمزان على عمر

فقال سفيه و الحوادث جمّة* * * نعم أتهمه قد أشار و قد أمر

و كان سلاح العبد في جوف بيته‏* * * يقلبها و الأمر بالأمر يعتبر

قال: فشكا عبيد اللَّه بن عمر زيادا إلى عثمان فاستدعى عثمان زياد بن لبيد فأنشأ زياد يقول في عثمان:

أبا عمرو عبيد اللَّه رهن‏* * * فلا تشكك بقتل الهرمزان‏

[فإنك إن غفرت الجرم عنه‏* * * و أسباب الخطا فرسا رهان‏] [ (1)]

أ تعفو إذ عفوت بغير حق‏* * * فما لك بالذي يخلى يدان‏

قال فنهاه عثمان عن ذلك و زبره فسكت زياد بن لبيد عما يقول. ثم كتب عثمان بن عفان إلى عماله على الأمصار أمراء الحرب، و الائمة على الصلوات، و الأمناء على بيوت المال يأمرهم بالمعروف و ينهاهم عن المنكر و يحثهم على طاعة اللَّه و طاعة رسوله، و يحرضهم على الاتباع و ترك الابتداع، قال ابن جرير: و في هذه السنة عزل عثمان المغيرة بن شعبة عن الكوفة و ولى عليها سعد بن أبى وقاص فكان أول عامل ولاه، لأن عمر قال: فان أصابت الامرة سعدا فذاك، و إلا فليستعن به أيكم ولى، فانى لم أعزله عن عجز و لا خيانة. فاستعمل سعدا عليها سنة و بعض أخرى، ثم رواه ابن جرير من طريق سيف عن مجالد عن الشعبي. و قال الواقدي فيما ذكره عن زيد بن أسلم عن أبيه أن عمر أوصى أن تقر عماله سنة، فلما ولى عثمان أقر المغيرة بن شعبة على الكوفة سنة [ثم عزله، و استعمل سعدا ثم عزله و ولى الوليد بن عقبة بن أبى معيط. قال ابن جرير: فعلى ما ذكره الواقدي تكون ولاية سعد على الكوفة سنة] [ (2)] خمس و عشرين. قال ابن جرير: و في هذه السنة- أعنى سنة أربع و عشرين- غزا الوليد بن عقبة أذربيجان و أرمينية حين منع أهلها ما كانوا صالحوا عليه أهل الإسلام في أيام عمر بن الخطاب، و هذا في رواية أبى مخنف، و أما في رواية غيره فان ذلك كان في سنة ست و عشرين، ثم ذكر ابن جرير: هاهنا هذه الوقعة و ملخصها أن الوليد بن عقبة سار بجيش‏

____________

[ (1)] زيادة من الطبري. و قوله: يخلى في المصرية و ابن جرير و في الحلبية يحكى‏

[ (2)] زيادة من المصرية.

150

الكوفة نحو أذربيجان و أرمينية، حين نقضوا العهد فوطئ بلادهم و أغار بأراضى تلك الناحية فغنم و سبى و أخذ أموالا جزيلة فلما أيقنوا بالهلكة صالحهم أهلها على ما كانوا صالحوا عليه حذيفة بن اليمان ثمانمائة ألف درهم في كل سنة فقبض منهم جزية سنة ثم رجع سالما غانما الى الكوفة، فمر بالموصل.

و جاءه كتاب عثمان و هو بها يأمره أن يمد أهل الشام على حرب أهل الروم. قال ابن جرير: و في هذه السنة جاشت الروم حتى خاف أهل الشام و بعثوا إلى عثمان رضى اللَّه عنه يستمدونه فكتب إلى الوليد بن عقبة: أن إذا جاءك كتابي هذا فابعث رجلا أمينا كريما شجاعا في ثمانية آلاف أو تسعة آلاف أو عشرة آلاف إلى إخوانكم بالشام. فقام الوليد بن عقبة في الناس خطيبا حين وصل إليه كتاب عثمان فأخبرهم بما أمره به أمير المؤمنين و ندب الناس و حثهم على الجهاد و معاونة معاوية و أهل الشام، و أمرّ سلمان بن ربيعة على الناس الذين يخرجون إلى الشام فانتدب في ثلاثة أيام ثمانية آلاف فبعثهم إلى الشام و على جند المسلمين حبيب بن مسلم الفهري، فلما اجتمع الجيشان شنوا الغارات على بلاد الروم فغنموا و سبوا شيئا كثيرا و فتحوا حصونا كثيرة و للَّه الحمد.

و زعم الواقدي أن الّذي أمد أهل الشام بسلمان بن ربيعة إنما هو سعيد بن العاص عن كتاب عثمان رضى اللَّه عنه فبعث سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة بستة آلاف فارس حتى انتهى إلى حبيب ابن مسلمة و قد أقبل إليه الموريان الرومي في ثمانين ألفا من الروم و الترك، و كان حبيب بن مسلمة شجاعا شهما فعزم على أن يبيت جيش الروم فسمعته امرأته يقول للأمراء ذلك فقالت له: فأين موعدي معك- تعنى أين أجتمع بك غدا- فقال لها: موعدك سرادق الموريان أو الجنة، ثم نهض إليهم في ذلك الليل بمن معه من المسلمين فقتل من أشرف له و سبقته امرأته إلى سرادق الموريان فكانت أول امرأة من العرب ضرب عليها سرادق و قد مات عنها حبيب بن مسلمة بعد ذلك، فخلف عليها بعده الضحاك بن قياس الفهري، فهي أم ولده. قال ابن جرير: و اختلف فيمن حج بالناس في هذه السنة فقال الواقدي و أبو معشر: حج بهم عبد الرحمن بن عوف بأمر عثمان. و قال آخرون: حج بالناس عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. و الأول هو الأشهر فان عثمان لم يتمكن من الحج في هذه السنة لأجل رعاف أصابه مع الناس في هذه السنة حتى خشي عليه و كان يقال لهذه السنة سنة الرعاف، و فيها افتتح أبو موسى الأشعري الري بعد ما نقضوا العهد الّذي كان واثقهم عليه حذيفة ابن اليمان رضى اللَّه عنه، و فيها توفى سراقة بن مالك بن جعشم المدلجي و يكنى بأبي سفيان، كان ينزل قديدا و هو الّذي اتبع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر و عامر بن فهيرة و عبد اللَّه بن أريقط الديليّ حين خرجوا من غار ثور قاصدين المدينة فأراد أن يردهم على أهل مكة لما جعلوا في كل واحد من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أبى بكر مائة مائة من الإبل، فطمع أن يفوز بهذا الجعل فلم يسلطه اللَّه عليهم، بل‏

151

لما اقترب منهم و سمع قراءة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ساخت قوائم فرسه في الأرض حتى ناداهم بالأمان، فأعطوه الأمان، و كتب له أبو بكر كتاب أمان عن إذن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، [ثم قدم به بعد غزوة الطائف فأسلم و أكرمه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)]

و هو القائل: يا رسول اللَّه أعمرتنا هذه لعامنا هذا أم للأبد؟

فقال له: «بل لأبد الأبد. دخلت العمرة في الحج إلى يوم القيامة».

ثم دخلت سنة خمس و عشرين‏

و فيها نقض أهل الاسكندرية العهد، و ذلك أن ملك الروم بعث إليهم معويل الخصى في مراكب من البحر فطمعوا في النصرة و نقضوا ذمتهم، فغزاهم عمرو بن العاص في ربيع الأول، فافتتح الأرض عنوة و افتتح المدينة صلحا. و فيها حج بالناس عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. و فيها في قول سيف عزل عثمان سعدا عن الكوفة و ولى الوليد بن عقبة بن أبى معيط مكانه، فكان هذا مما نقم على عثمان.

و فيها وجه عمرو بن العاص عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح لغزو بلاد المغرب، و استأذنه ابن أبى سرح في غزو إفريقية فأذن له و يقال فيها أيضا عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر و ولى عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و قيل بل كان هذا في سنة سبع و عشرين كما سيأتي و اللَّه أعلم. و فيها فتح معاوية الحصون، و فيها ولد ابنه يزيد بن معاوية.

ثم دخلت سنة ست و عشرين‏

قال الواقدي: فيها أمر عثمان بتجديد أنصاب الحرم. و فيها وسع المسجد الحرام. و فيها عزل سعدا عن الكوفة و ولاها الوليد بن عقبة، و كان سبب عزل سعد أنه اقترض من ابن مسعود مالا من بيت المال، فلما تقاضاه به ابن مسعود و لم يتيسر قضاؤه تقاولا، و جرت بينهما خصومة شديدة، فغضب عليهما عثمان فعزل سعدا و استعمل الوليد بن عقبة- و كان عاملا لعمر على عرب الجزيرة- فلما قدمها أقبل عليه أهلها فأقام بها خمس سنين و ليس على داره باب، و كان فيه رفق برعيته. قال الواقدي: و فيها حج بالناس عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه. و قال غيره: و فيها افتتح عثمان بن أبى العاص سابور صلحا على ثلاثة آلاف ألف و ثلاثمائة ألف.

ثم دخلت سنة سبع و عشرين‏

قال الواقدي و أبو معشر: و فيها عزل عثمان عمرو بن العاص عن مصر و ولى عليها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح- و كان أخا عثمان لأمه- و هو الّذي شفع له يوم الفتح حين كان أهدر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دمه.

غزوة إفريقية

أمر عثمان عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح أن يغزو بلاد إفريقية فإذا افتتحها اللَّه عليه فله خمس‏

____________

[ (1)] سقط من الحلبية.