البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
152

الخمس من الغنيمة نفلا، فسار إليها في عشرة آلاف فافتتحها سهلها و جبلها، و قتل خلقا كثيرا من أهلها، ثم اجتمعوا على الطاعة و الإسلام، و حسن إسلامهم، و أخذ عبد اللَّه بن سعد خمس الخمس من الغنيمة و بعث بأربعة أخماسه إلى عثمان، و قسم أربعة أخماس الغنيمة بين الجيش، فأصاب الفارس ثلاثة آلاف دينار و الراجل ألف دينار. قال الواقدي: و صالحه بطريقها على ألفى ألف دينار و عشرين ألف دينار، فأطلقها كلها عثمان في يوم واحد لآل الحكم و يقال لآل مروان.

غزوة الأندلس‏

لما افتتحت إفريقية بعث عثمان إلى عبد اللَّه بن نافع بن عبد قيس و عبد اللَّه بن نافع بن الحصين الفهريين من فورهما إلى الأندلس فأتياها من قبل البحر، و كتب عثمان إلى الذين خرجوا إليها يقول: إن القسطنطينية إنما تفتح من قبل البحر، و أنتم إذا فتحتم الأندلس فأنتم شركاء لمن يفتتح قسطنطينية في الأجر آخر الزمان و السلام، قال فساروا إليها فافتتحوها و للَّه الحمد و المنة.

وقعة جرجير و البربر مع المسلمين‏

لما قصد المسلمون و هم عشرون ألفا إفريقية، و عليهم عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و في جيشه عبد اللَّه بن عمر، و عبد اللَّه بن الزبير، صمد إليهم ملك البربر جرجير في عشرين و مائة ألف، و قيل في مائتي ألف، فلما تراءى الجمعان أمر جيشه فأحاطوا بالمسلمين هالة، فوقف المسلمون في موقف لم ير أشنع منه و لا أخوف عليهم منه، قال عبد اللَّه بن الزبير: فنظرت إلى الملك جرجير من وراء الصفوف و هو راكب على برذون، و جاريتان تظلانه بريش الطواويس، فذهبت إلى عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح فسألته أن يبعث معى من يحمى ظهري و أقصد الملك، فجهز معى جماعة من الشجعان، قال فأمر بهم فحموا ظهري و ذهبت حتى خرقت الصفوف إليه- و هم يظنون أنى في رسالة إلى الملك- فلما اقتربت منه أحس منى الشر ففر على برذونه، فلحقته فطعنته برمحي، و ذففت عليه بسيفي، و أخذت رأسه فنصبته على رأس الرمح و كبرت، فلما رأى ذلك البربر فرقوا و فروا كفرار القطا، و اتبعهم المسلمون يقتلون و يأسرون فغنموا غنائم جمة و أموالا كثيرة، و سبيا عظيما، و ذلك ببلد يقال له سبيطلة- على يومين من القيروان- فكان هذا أول موقف اشتهر فيه أمر عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنه و عن أبيه و أصحابهما أجمعين.

قال الواقدي: و في هذه السنة افتتحت إصطخر ثانية على يدي عثمان بن أبى العاص، و فيها غزا معاوية قنسرين، و فيها حج بالناس عثمان بن عفان. قال ابن جرير قال بعضهم و في هذه السنة غزا معاوية قبرص، و قال الواقدي: كان ذلك في سنة ثمان و عشرين. و قال أبو معشر: غزاها معاوية سنة ثلاث و ثلاثين فاللَّه أعلم.

153

ثم دخلت سنة ثمان و عشرين‏

فتح قبرص‏

ففيها ذكر ابن جرير فتح قبرس تبعا للواقدي، و هي جزيرة غربي بلاد الشام في البحر، مخلصة وحدها، و لها ذنب مستطيل إلى نحو الساحل مما يلي دمشق، و غربيها أعرضها، و فيها فواكه كثيرة، و معادن، و هي بلد جيد، و كان فتحها على يدي معاوية بن أبى سفيان، ركب إليها في جيش كثيف من المسلمين و معه عبادة بن الصامت و زوجته أم حرام بنت ملحان التي تقدم حديثها في ذلك حين نام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بيتها ثم استيقظ يضحك فقالت: ما أضحكك يا رسول اللَّه؟

فقال: «ناس من أمتى عرضوا على يركبون ثبج هذا البحر مثل الملوك على الأسرة». فقالت:

يا رسول ادع اللَّه أن يجعلني منهم. فقال «أنت منهم» ثم نام فاستيقظ و هو يضحك فقال مثل ذلك فقالت: ادع اللَّه أن يجعلني منهم فقال: «أنت من الأولين» فكانت في هذه الغزوة و ماتت بها و كانت الثانية عبارة عن غزوة قسطنطينية بعد هذا كما سنذكره. و المقصود أن معاوية ركب البحر في مراكب فقصد الجزيرة المعروفة بقبرص و معه جيش عظيم من المسلمين، و ذلك بأمر عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه له في ذلك بعد سؤاله إياه، و قد كان سأل في ذلك عمر بن الخطاب فأبى أن يمكنه من حمل المسلمين على هذا الخلق العظيم الّذي لو اضطرب لهلكوا عن آخرهم، فلما كان عثمان لحّ معاوية عليه في ذلك فأذن له فركب في المراكب فانتهى إليها، و وافاه عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح إليها من الجانب الآخر، فالتقيا على أهلها فقتلوا خلقا كثيرا و سبوا سبايا كثيرة، و غنموا مالا جزيلا جيدا، و لما جي‏ء بالأسارى جعل أبو الدرداء يبكى، فقال له جبير بن نفير: أ تبكي و هذا يوم أعز اللَّه فيه الإسلام و أهله؟ فقال: ويحك إن هذه كانت أمة قاهرة لهم ملك، فلما ضيعوا أمر اللَّه صيرهم إلى ما ترى، سلط اللَّه عليهم السبي، و إذا سلط على قوم السبي فليس للَّه فيهم حاجة، و قال ما أهون العباد على اللَّه تعالى إذا تركوا أمره؟! ثم صالحهم معاوية على سبعة آلاف دينار في كل سنة، و هادنهم، فلما أرادوا الخروج منها قدمت لأم حرام بغلة لتركبها فسقطت عنها فاندقت عنقها فماتت هناك فقبرها هنالك يعظمونه و يستسقون به و يقولون قبر المرأة الصالحة.

قال الواقدي: و في هذه السنة غزا حبيب بن مسلمة سورية من أرض الروم. و تزوج عثمان نائلة بنت الفرافصة الكلبية- و كانت نصرانية فأسلمت قبل أن يدخل بها- و فيها بنى عثمان داره بالمدينة الزوراء. و فيها حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.

ثم دخلت سنة تسع و عشرين‏

ففيها عزل عثمان بن عفان أبا موسى الأشعري عن البصرة، بعد عمله ست سنين و قيل ثلاث،

154

و أمر عليها عبد اللَّه بن عامر بن كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس، و هو ابن خال عثمان بن عفان، و جمع له بين جند أبى موسى و جند عثمان بن أبى العاص و له من العمر خمس و عشرون سنة، فأقام بها ست سنين. و في هذه السنة افتتح عبد اللَّه بن عامر فارس في قول الواقدي و أبى معشر.

و زعم سيف أنه كان قبل هذه السنة فاللَّه أعلم.

و فيها وسع عثمان بن عفان مسجد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و بناه بالقصة- و هي الكلس- كان يؤتى به من بطن نخل و الحجارة المنقوشة، و جعل عمده حجارة مرصعة، و سقفه بالساج، و جعل طوله ستين و مائة ذراع، و عرضه خمسين و مائة ذراع، و جعل أبوابه ستة، على ما كانت عليه في زمان عمر بن الخطاب، ابتدأ بناءه في ربيع الأول منها.

و فيها حج بالناس عثمان بن عفان، و ضرب له بمنى فسطاطا فكان أول فسطاطا ضربه عثمان بمنى، و أتم الصلاة عامه هذا، فأنكر ذلك عليه غير واحد من الصحابة، كعليّ و عبد الرحمن بن عوف و عبد اللَّه بن مسعود، حتى قال ابن مسعود ليت حظي من أربع ركعات ركعتان متقبلتان، و قد ناظره عبد الرحمن بن عوف فيما فعله، فروى ابن جرير أنه قال: تأهلت بمكة، فقال له: و لك أهل بالمدينة و إنك تقوم حيث أهلك بالمدينة. قال: و إن لي مالا بالطائف أريد أن أطلعه بعد الصدر، قال: إن بينك و بين الطائف مسيرة ثلاث، فقال: و إن طائفة من أهل اليمن قالوا: إن الصلاة بالحضر ركعتان فربما رأوني أصلى ركعتين فيحتجون بى، فقال له: قد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ينزل عليه الوحي و الناس يومئذ الإسلام فيهم قليل، و كان يصلى هاهنا ركعتين، و كان أبو بكر يصلى هاهنا ركعتين، و كذلك عمر بن الخطاب، و صليت أنت ركعتين صدرا من إمارتك، قال فسكت عثمان ثم قال: إنما هو رأى رأيته.

سنة ثلاثين من الهجرة النبويّة

فيها افتتح سعيد بن العاص طبرستان في قول الواقدي و أبى معشر و المدائني، و قال: هو أول من غزاها. و زعم سيف أنهم كانوا صالحوا سويد بن مقرن قبل ذلك على أن لا يغزوها، على مال بذله له أصبهبذها فاللَّه أعلم. فذكر المدائني أن سعيد بن العاص ركب في جيش فيه الحسن و الحسين، و العبادلة الأربعة، و حذيفة بن اليمان، في خلق من الصحابة فسار بهم فمر على بلدان شتى يصالحونه على أموال جزيلة، حتى انتهى إلى بلد معاملة جرجان، فقاتلوه حتى احتاجوا إلى صلاة الخوف، فسأل حذيفة: كيف صلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فأخبره فصلى كما أخبره، ثم سأله أهل ذلك الحصن الأمان، فأعطاهم على أن لا يقتل منهم رجلا واحدا ففتحوا الحصن فقتلهم إلا رجلا واحدا، و حوى ما كان في الحصن، فأصاب رجل من بنى نهد سفطا مقفولا فاستدعى به سعيد؟ ففتحوه فإذا

155

فيه خرقة سوداء مدرجة فنشروها، فإذا فيها خرقة حمراء فنشروها، و إذا داخلها خرقة صفراء، و فيها إيران كميت و ورد. فقال شاعر يهجو بهما بنى نهد.

آب الكرام بالسبايا غنيمة* * * و فاز بنو نهد بايرين في سفط

كميت و ورد وافرين كلاهما* * * فظنوهما غنما فناهيك من غلط

قالوا: ثم نقض أهل جرجان ما كان صالحهم عليه سعيد بن العاص، و امتنعوا عن أداء المال الّذي ضربه عليهم- و كان مائة ألف دينار و قيل مائتي ألف دينار و قيل ثلاثمائة ألف دينار- ثم وجه إليهم يزيد بن المهلب بعد ذلك كما سنذكره إن شاء اللَّه تعالى.

و في هذه السنة عزل عثمان بن عفان الوليد بن عقبة عن الكوفة، و ولى عليها سعيد بن العاص و كان سبب عزله أنه صلى بأهل الكوفة الصبح أربعا ثم التفت فقال أزيدكم؟ فقال قائل: ما زلنا منك منذ اليوم في زيارة. ثم إنه تصدى له جماعة يقال كان بينهم و بينه شنئان، فشكوه إلى عثمان، و شهد بعضهم عليه أنه شرب الخمر و شهد آخر أنه رآه يتقاياها، فأمر عثمان بإحضاره و أمر بجلده، فيقال إن عليا نزع عنه حلته، و أن سعيد بن العاص جلده بين يدي عثمان بن عفان، و عزله و أمر مكانه على الكوفة سعيد بن العاص.

و في هذه السنة سقط خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) من يد عثمان في بئر أريس، و هي على ميلين من المدينة، و هي من أقل الآبار ماء، فلم يدرك خبره بعد بذل مال جزيل، و الاجتهاد في طلبه، حتى الساعة، فاستخلف عثمان بعده خاتما من فضة، و نقش عليه محمد رسول اللَّه، فلما قتل عثمان ذهب الخاتم فلم يدر من أخذه. و قد روى ابن جرير هاهنا حديثا طويلا في اتخاذ النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) خاتما من ذهب، ثم من فضة، و بعثه عمر بن الخطاب إلى كسرى، ثم دحية إلى قيصر، و أن الخاتم الّذي كان في يد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم في يد أبى بكر ثم في يد عمر ثم في يد عثمان ست سنين، ثم إنه وقع في بئر أريس، و قد تقدم بعض هذا في الصحيح. و في هذه السنة وقع بين معاوية و أبى ذر بالشام، و ذلك أن أبا ذر أنكر على معاوية بعض الأمور، و كان ينكر على من يقتنى مالا من الأغنياء و يمنع أن يدخر فوق القوت، و يوجب أن يتصدق بالفضل، و يتأول قول اللَّه سبحانه و تعالى‏ وَ الَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَ الْفِضَّةَ وَ لا يُنْفِقُونَها فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ‏ فينهاه معاوية عن إشاعة ذلك فلا يمتنع، فبعث يشكوه إلى عثمان، فكتب عثمان إلى أبى ذر أن يقدم عليه المدينة، فقدمها فلامه عثمان على بعض ما صدر منه، و استرجعه فلم يرجع فأمره بالمقام بالربذة- و هي شرقى المدينة-

و يقال‏

إنه سأل عثمان أن يقيم بها و قال: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لي «إذا بلغ البناء سلعا فاخرج منها

» و قد بلغ البناء سلعا، فأذن له عثمان بالمقام بالربذة و أمره أن يتعاهد المدينة في بعض الأحيان، حتى لا يرتد

156

أعرابيا بعد هجرته، ففعل فلم يزل مقيما بها حتى مات على ما سنذكره رضى اللَّه عنه.

و في هذه السنة زاد عثمان النداء الثالث يوم الجمعة على الزوراء.

فصل‏

و ممن ذكر شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي أنه توفى في هذه السنة- أعنى سنة ثلاثين-. أبى بن كعب فيما صححه الواقدي.

جبار بن صخر

ابن أمية بن خنساء، أبو عبد الرحمن الأنصاري، عقبى بدري، و قد بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى خيبر خارصا، و قد توفى عن ستين سنة.

حاطب بن أبى بلتعة

ابن عمرو بن عمير اللخمي حليف بن أسد بن عبد العزى، شهد بدرا و ما بعدها، و هو الّذي كان كتب إلى المشركين يعلمهم بعزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [على فتح مكة، فعذره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)] بما اعتذر به، ثم بعثه بعد ذلك برسالة إلى المقوقس ملك الاسكندرية.

الطفيل بن الحارث‏

ابن المطلب أخو عبيدة، و حصين، شهد بدرا. قال سعيد بن عمير: توفى في هذه السنة.

عبد اللَّه بن كعب‏

ابن عمرو المازني أبو الحارث، و قيل أبو يحيى الأنصاري، شهد بدرا و كان على الخمس يومئذ.

عبد اللَّه بن مظعون‏

أخو عثمان بن مظعون هاجر إلى الحبشة و شهد بدرا.

عياض بن زهير

ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال أبو سعيد القرشي الفهري، شهد بدرا و ما بعدها.

مسعود بن ربيعة

و قيل ابن الربيع، أبو عمرو القارّي [شهد بدرا و ما بعدها. توفى عن نيف و ستين سنة.

معمر بن أبى سرح‏

ابن ربيعة بن هلال القرشي أبو سعد الفهري‏] [ (1)]، و قيل اسمه عمرو، بدري قديم الصحبة.

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

157

أبو أسيد

مالك بن ربيعة قال الفلاس: مات في هذه السنة، و الأصح أنه مات سنة أربعين، و قيل سنة ستين فاللَّه أعلم.

ثم دخلت سنة إحدى و ثلاثين‏

ففيها كانت غزوة الصواري، و غزوة الأساودة في البحر فيما ذكره الواقدي و قال أبو معشر:

كانت غزوة الصواري سنة أربع و ثلاثين. و ملخص ذلك فيما ذكره الواقدي و سيف و غيرهما أن الشام كان قد جمعها لمعاوية بن أبى سفيان لسنتين مضتا من خلافة عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه، و قد أحرزه غاية الحفظ و حمى حوزته، و مع هذا له في كل سنة غزوة في بلاد الروم في زمن الصيف،- و لهذا يسمون هذه الغزوة الصائفة- فيقتلون خلقا، و يأسرون آخرين، و يفتحون حصونا و يغنمون أموالا و يرعبون الأعداء، فلما أصاب عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح من أصاب من الفرنج و البربر، ببلاد إفريقية و الأندلس، حميت الروم و اجتمعت على قسطنطين بن هرقل، و ساروا إلى المسلمين في جمع لم ير مثله منذ كان الإسلام، خرجوا في خمسمائة مركب، و قصدوا عبد اللَّه بن أبى سرح في أصحابه من المسلمين الذين ببلاد المغرب، فلما تراءى الجمعان بات الروم يقسقسون و يصلبون، و بات المسلمون يقرءون و يصلون، فلما أصبحوا صف عبد اللَّه بن سعد أصحابه صفوفا في المراكب، و أمرهم بذكر اللَّه و تلاوة القرآن، قال بعض من حضر ذلك: فأقبلوا إلينا في أمر لم ير مثله من كثرة المراكب، و عقدوا صواريها، و كانت الريح لهم و علينا، فأرسينا ثم سكنت الريح عنا، فقلنا لهم: إن شئتم خرجنا نحن و أنتم إلى البر فمات الأعجل منا و منكم، قال فنخروا نخرة رجل واحد و قالوا: الماء الماء، قال فدنونا منهم و ربطنا سفننا بسفنهم، ثم اجتلدنا و إياهم بالسيوف، يثب الرجال على الرجال بالسيوف و الخناجر، و ضربت الأمواج في عيون تلك السفن حتى ألجأتها إلى الساحل و ألقت الأمواج جثث الرجال إلى الساحل حتى صارت مثل الجبل العظيم، و غلب الدم على لون الماء، و صبر المسلمون يومئذ صبرا لم يعهد مثله قط، و قتل منهم بشر كثير، و من الروم أضعاف ذلك، ثم أنزل اللَّه نصره على المسلمين فهرب قسطنطين و جيشه- و قد قلوا جدا- و به جراحات شديدة مكينة مكث حينا يداوي منها بعد ذلك، و أقام عبد اللَّه بن سعد بذات الصواري أياما، ثم رجع مؤيدا منصورا مظفرا. قال الواقدي: فحدثني معمر عن الزهري قال: كان في هذه الغزوة محمد بن أبى حذيفة، و محمد بن أبى بكر، فأظهرا عيب عثمان و ما غير و ما خالف أبا بكر و عمر، و يقولان دمه حلال لأنه استعمل عبد اللَّه ابن سعد- و كان قد ارتد و كفر بالقرآن العظيم و أباح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دمه، و أخرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أقواما و استعملهم عثمان، و نزع أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استعمل سعيد بن العاص و عبد اللَّه بن‏

158

عامر، فبلغ ذلك عبد اللَّه بن سعد فقال: لا تركبا معنا، فركبا في مركب ما فيه أحد من المسلمين، و لقوا العدو فكانا أنكل المسلمين قتالا، فقيل لهما في ذلك فقالا: كيف نقاتل مع رجل لا ينبغي لنا أن نحكمه؟ فأرسل إليهما عبد اللَّه بن سعد فنهاهما أشد النهى و قال: و اللَّه لو لا لا أدرى ما يوافق أمير المؤمنين لعاقبتكما و حبستكما. قال الواقدي و في هذه السنة فتحت أرمينية على يدي حبيب بن مسلمة. و في هذه السنة قتل كسرى ملك الفرس.

كيفية قتل كسرى ملك الفرس و هو يزدجرد

قال ابن إسحاق: هرب يزدجرد من كرمان في جماعة يسيرة إلى مرو، فسأل من بعض أهلها مالا فمنعوه و خافوه على أنفسهم، فبعثوا إلى الترك يستفزونهم عليه، فأتوه فقتلوا أصحابه و هرب هو حتى أتى منزل رجل ينقر الأرحية على شط، فأوى إليه ليلا، فلما نام قتله. و قال المدائني: لما هرب بعد قتل أصحابه انطلق ماشيا عليه تاجه و منطقته و سيفه، فانتهى إلى منزل هذا الرجل الّذي ينقر الأرحية فجلس عنده فاستغفله و قتله و أخذ ما كان عليه، و جاءت الترك في طلبه فوجدوه قد قتله و أخذ حاصله، فقتلوا ذلك الرجل و أهل بيته و أخذوا ما كان مع كسرى، و وضعوا كسرى في تابوت و حملوه إلى إصطخر، و قد كان يزدجرد وطئ امرأة من أهل مرو قبل أن يقتل فحملت منه و وضعت بعد قتله غلاما ذاهب الشق و سمى ذلك الغلام المخدج، و كان له نسل و عقب في خراسان، و قد سبى قتيبة بن مسلم في بعض غزواته بتلك البلاد جاريتين من نسله، فبعث بإحداهما إلى الحجاج، فبعث بها إلى الوليد بن عبد الملك فولدت له ابنه يزيد بن الوليد الملقب بالناقص. و قال المدائني في رواية عن بعض شيوخه: إن يزدجرد لما انهزم عنه أصحابه عقر جواده و ذهب ماشيا حتى دخل رحى على شط نهر يقال له المرعاب فمكث فيه ليلتين و العدو في طلبه فلم يدر أين هو، ثم جاء صاحب الرحى فرأى كسرى و عليه أبهته، فقال له: ما أنت؟ إنسي أم جنى؟ قال: إنسي، فهل عندك طعام؟ قال: نعم! فأتاه بطعام فقال: إني مزمزم فأتنى بما أزمزم به، قال: فذهب الطحان إلى أسوار من الأساورة فطلب منه ما يزمزم به، قال: و ما تصنع به؟ قال: عندي رجل لم أر مثله قط و قد طلب منى هذا، فذهب به الأسوار إلى ملك البلد- مرو و اسمه ماهويه بن باباه- فأخبره خبره، فقال هو يزدجرد، اذهبوا فجيئوني برأسه، فذهبوا مع الطحان [فلما دنوا من دار الرحى هابوا أن يقتلوه و تدافعوا و قالوا للطحان‏] [ (1)] ادخل أنت فأقتله، فدخل فوجده نائما فأخذ حجرا فشدخ به رأسه ثم احتزه فدفعه إليهم و ألقى جسده في النهر، فخرجت العامة إلى الطحان فقتلوه، و خرج أسقف فأخذ جسده من النهر و جعله في تابوت و حمله إلى إصطخر فوضعه في ناووس، و يروى أنه مكث في منزل ذلك الطحان ثلاثة أيام لا يأكل‏

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

159

حتى رق له و قال له: ويحك يا مسكين ألا تأكل؟ و أتاه بطعام فقال: إني لا أستطيع أن آكل إلا بزمزمة، فقال له: كل و أنا أزمزم لك، فسأل أن يأتيه بمزمزم، فلما ذهب يطلب له من بعض الأساورة شموا رائحة المسك من ذلك الرجل، فأنكروا رائحة المسك منه فسألوه فأخبرهم فقال: إن عندي رجلا من صفته كيت و كيت، فعرفوه و قصدوه مع الطحان و تقدم الطحان فدخل عليه و هم بالقبض عليه فعرف يزدجرد ذلك فقال له: ويحك خذ خاتمي و سواري و منطقتي و دعني أذهب من هاهنا، فقال لا، أعطني أربعة دراهم و أنا أطلقك، فزاده إحدى قرطيه من أذنه فلم يقبل حتى يعطيه أربعة دراهم أخرى، فهم في ذلك إذ دهمهم الجند فلما أحاطوا به و أرادوا قتله قال: ويحكم لا تقتلوني فانا نجد في كتبنا أن من اجترأ على قتل الملوك عاقبه اللَّه بالحريق في الدنيا مع ما هو قادم عليه، فلا تقتلوني و اذهبوا بى إلى الملك أو إلى العرب، فإنهم يستحيون من قتل الملوك، فأبوا عليه ذلك فسلبوه ما كان عليه من الحلي فجعلوه في جراب و خنقوه بوتر و ألقوه في النهر فتعلق بعود فأخذه أسقف- و اسمه إيليا- فنحن عليه مما كان من أسلافه من الإحسان إلى النصارى الذين كانوا ببلادهم، فوضعه في تابوت و دفنه في ناووس، ثم حمل ما كان عليه من الحلي إلى أمير المؤمنين عثمان بن عفان، ففقد قرط من حليه فبعث إلى دهقان تلك البلاد فأغرم ذلك. و كان ملك يزدجرد عشرين سنة، منها أربع سنين في دعة، و باقي ذلك هاربا من بلد إلى بلد، خوفا من الإسلام و أهله، و هو آخر ملوك الفرس في الدنيا على الإطلاق،

لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه»

رواه البخاري.

و ثبت في الحديث الصحيح أنه لما جاء كتاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مزقه، فدعا عليه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أن يمزق كل ممزق، فوقع الأمر كذلك، و في هذه السنة فتح ابن عامر فتوحات كثيرة كان قد نقض أهلها ما كان لهم من الصلح، فمن ذلك ما فتح عنوة، و من ذلك ما فتح صلحا، فكان في جملة ما صالح عليه بعض المدائن و هي مرو على ألفى ألف و مائتي ألف، و قيل على ستة آلاف ألف و مائتي ألف.

و في هذه السنة حج بالناس عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه.

ثم دخلت سنه ثنتين و ثلاثين‏

و فيها غزا معاوية بلاد الروم حتى بلغ المضيق- مضيق القسطنطينية- و معه زوجته عاتكة، و يقال فاطمة بنت قرطة بن عبد عمرو بن نوفل بن عبد مناف. قاله أبو معشر و الواقدي: و فيها استعمل سعيد بن العاص سلمان بن ربيعة على جيش و أمره أن يغزو الباب، و كتب إلى عبد الرحمن بن ربيعة نائب تلك الناحية بمساعدته، فسار حتى بلغ بلنجر فحصروها و نصبت عليها المجانيق و العرادات. ثم إن أهل بلنجر خرجوا إليهم و عاونهم الترك فاقتتلوا قتالا شديدا- و كانت الترك تهاب‏

160

قتال المسلمين، و يظنون أنهم لا يموتون- حتى اجترأوا عليهم بعد ذلك، فلما كان هذا اليوم التقوا معهم فاقتتلوا، فقتل يومئذ عبد الرحمن بن ربيعة- و كان يقال له ذو النون- و انهزم المسلمون فافترقوا فرقتين، ففرقة ذهبت إلى بلاد الخزر، و فرقة سلكوا ناحية جيلان و جرجان، و في هؤلاء أبو هريرة و سلمان الفارسي. و أخذت الترك جسد عبد الرحمن بن ربيعة- و كان من سادات المسلمين و شجعانهم- فدفنوه في بلادهم فهم يستسقون عنده إلى اليوم، و لما قتل عبد الرحمن بن ربيعة استعمل سعيد بن العاص على ذلك الفرع سلمان بن ربيعة، و أمدهم عثمان بأهل الشام عليهم حبيب بن مسلمة، فتنازع حبيب و سلمان في الإمرة حتى اختلفا، فكان أول اختلاف وقع بين أهل الكوفة و أهل الشام، حتى قال في ذلك رجل من أهل الكوفة و هو أوس:

فان تضربوا سلمان نضرب حبيبكم‏* * * و إن ترحلوا نحو ابن عفان نرحل‏

و إن تقسطوا فالثغر ثغر أميرنا* * * و هذا أمير في الكتائب مقبل‏

و نحن ولاة الثغر كما حماته‏* * * ليالي نرمي كل ثغر و ننكل‏

و فيها فتح ابن عامر مروالروذ و الطالقان و الفارياب و الجوزجان و طخارستان. فأما مروالروذ فبعث إليهم أبو عامر الأحنف بن قيس فحصرها فخرجوا إليه فقاتلهم حتى كسرهم فاضطرهم إلى حصنهم، ثم صالحوه على مال جزيل و على أن يضرب على أراضى الرعية الخراج، و يدع الأرض التي كان اقتطعها كسرى لوالد المرزبان، صاحب مرو، حين قتل الحية التي كانت تقطع الطريق على الناس و تأكلهم، فصالحهم الأحنف على ذلك، و كتب لهم كتاب صلح بذلك، ثم بعث الأحنف الأقرع بن حابس إلى الجوزجان ففتحها بعد قتال وقع بينهم، قتل فيه خلق من شجعان المسلمين، ثم نصروا فقال في ذلك أبو كثير النهشلي قصيدة طويلة فيها:

سقى مزن السحاب إذا استهلت‏* * * مصارع فتية بالجوزجان‏

إلى القصرين من رستاق حوط* * * أبادهم هناك الأقرعان‏

ثم سار الأحنف من مروالروذ إلى بلخ فحاصرهم حتى صالحوه على أربعمائة ألف، و استناب ابن عمه أسيد بن المشمس على قبض المال، ثم ارتحل يريد الجهاد، و داهمه الشتاء فقال لأصحابه:

ما تشاءون؟ فقالوا: قد قال عمرو بن معديكرب:

إذا لم تستطع شيئا فدعه‏* * * و جاوزه إلى ما تستطيع‏

فأمر الأحنف بالرحيل إلى بلخ فأقام بها مدة الشتاء، ثم عاد إلى عامر فقيل لابن عامر ما فتح على أحد ما فتح عليك، فارس و كرمان و سجستان و عامر خراسان، فقال: لا جرم، لأجعلن شكري للَّه على ذلك أن أحرم بعمرة من موقفي هذا مشمرا فأحرم بعمرة من نيسابور، فلما قدم على‏

161

عثمان لامه على إحرامه من خراسان. و فيها أقبل قارن في أربعين ألفا فالتقاه عبد اللَّه بن حازم في أربعة آلاف، و جعل لهم مقدمة ستمائة رجل، و أمر كلا منهم أن يحمل على رأس رمحه نارا، و أقبلوا إليهم في وسط الليل فبيتوهم فثاروا إليهم فناوشتهم المقدمة فاشتغلوا بهم، و أقبل عبد اللَّه بن حازم بمن معه من المسلمين فاتفقوا هم و إياهم، فولى المشركون مدبرين، و اتبعهم المسلمون يقتلون من شاءوا كيف شاءوا. و غنموا سبيا كثيرا و أموالا جزيلة، ثم بعث عبد اللَّه بن حازم [بالفتح إلى ابن عامر، فرضى عنه و أقره على خراسان- و كان قد عزله عنها- فاستمر بها عبد اللَّه بن حازم‏] [ (1)] إلى ما بعد ذلك.

ذكر من توفى من الأعيان في هذه السنة

العباس بن عبد المطلب‏

ابن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو الفضل المكيّ عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و والد الخلفاء العباسيين، و كان أسن من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسنتين أو ثلاث، أسر يوم بدر فافتدى نفسه بمال، و افتدى ابني أخويه عقيل بن أبى طالب و نوفل بن الحارث. و قد ذكرنا أنه لما أسر و شد في الوثاق و أمسى الناس، أرق رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقيل يا رسول اللَّه مالك؟ فقال «إني أسمع أنين العباس في وثاقه فلا أنام» فقام رجل من المسلمين فحل من وثاق العباس حتى سكن أنينه فنام رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم أسلم عام الفتح، و تلقى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الجحفة فرجع معه، و شهد الفتح، و يقال إنه أسلم قبل ذلك و لكنه أقام بمكة باذن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) له في ذلك، كما ورد به الحديث فاللَّه أعلم.

و قد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يجله و يعظمه و ينزله منزلة الوالد من الولد، و يقول «هذا بقية آبائي»

و كان من أوصل الناس لقريش و أشفقهم عليهم، و كان ذا رأى و عقل تام واف، و كان طويلا جميلا أبيض بضا ذا طفرتين و كان له من الولد عشرة ذكور سوى الإناث، و هم تمام- و كان أصغرهم- و الحارث، و عبد اللَّه، و عبيد اللَّه، و عبد الرحمن، و عون، و الفضل، و قثم، و كثير، و معبد. و أعتق سبعين مملوكا من غلمانه [

و قال الامام أحمد: ثنا على بن عبد اللَّه قال حدثني محمد بن طلحة التميمي من أهل المدينة حدثني أبو سهيل نافع بن مالك عن سعيد بن المسيب عن سعد بن أبى وقاص قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) للعباس‏

«هذا العباس بن عبد المطلب أجود قريش كفا و أوصلها

» تفرد به [ (2)]]

و ثبت في الصحيحين أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعمر

حين بعثه على الصدقة فقيل منع ابن جميل و خالد بن الوليد و العباس عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فقال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه‏

____________

[ (1)] سقط من الحلبية.

[ (2)] سقط من المصرية. اللَّه و قوله تفرد به كذا في أصل الحلبية و لعله سقط منه لفظ أحمد.

162

و أما خالد فإنكم تظلمون خالدا و قد احتبس أدراعه و أعتاده في سبيل اللَّه، و أما العباس فهي على و مثلها» ثم قال: «يا عمر أما شرعت أن عم الرجل صنو أبيه»؟

ثبت في صحيح البخاري عن أنس أن عمر خرج يستسقى و خرج بالعباس معه يستسقى به، و قال اللَّهمّ إنا كنا إذا قحطنا توسلنا إليك بنبينا فتسقينا، و إنا نتوسل إليك بعم نبينا، قال فيسقون، و يقال إن عمر بن الخطاب و عثمان بن عفان كانا إذا مر بالعباس و هما راكبان ترجلا إكراما له. قال الواقدي و غير واحد: توفى العباس في يوم الجمعة لثنتى عشرة ليلة خلت من رجب، و قيل من رمضان سنة ثنتين و ثلاثين، عن ثمان و ثمانين سنة، و صلى عليه عثمان بن عفان، و دفن بالبقيع و قيل توفى سنة ثلاث و ثلاثين، و قيل سنة أربع و ثلاثين، و فضائله و مناقبه كثيرة جدا.

عبد اللَّه بن مسعود

ابن غافل بن حبيب بن سمح بن فار بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث بن تيم بن سعد بن هذيل بن مدركة بن إلياس بن مضر الهذلي، أبو عبد الرحمن حليف بنى زهرة، أسلم قديما قبل عمر، و كان سبب إسلامه حين مر به رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أبو بكر رضى اللَّه عنه، و هو يرعى غنما فسألاه لبنا فقال: إني مؤتمن، قال فأخذ رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عناقا لم ينز عليها الفحل فاعتقلها ثم حلب و شرب و سقى أبا بكر، ثم قال للضرع «أقلص» فقلص، فقلت علمني من هذا الدعاء فقال: إنك غلام معلم، الحديث. و روى محمد بن إسحاق عن يحيى بن عروة عن أبيه أن ابن مسعود كان أول من جهر بالقرآن بمكة، بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) عند البيت، و قريش في أنديتها قرأ سورة الرحمن علم القرآن، فقاموا إليه فضربوه، و لزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان يحمل نعليه و سواكه، و قال له إذنك على أن تسمع سوادي [ (1)] و لهذا كان يقال له صاحب السواك و الوساد، و هاجر إلى الحبشة ثم عاد إلى مكة ثم هاجر إلى المدينة، و شهد بدرا، و هو الّذي قتل أبا جهل بعد ما أثبته ابنا عفراء، و شهد بقية المشاهد،

و قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

يوما «اقرأ على» فقلت أقرأ عليك و عليك أنزل؟ فقال «إني أحب أن أسمعه من غيري» فقرأ عليه من أول سورة النساء إلى قوله (فكيف إذا جئنا من كل أمة بشهيد و جئنا بك على هؤلاء شهيدا) فبكى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قال «حسبك»

و قال أبو موسى: قدمت أنا و أخى من اليمن و ما كنا نظن إلا أن ابن مسعود و أمه من أهل بيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، لكثرة دخولهم بيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم). و قال حذيفة ما رأيت أحدا أشبه برسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في هديه و دله و سمته من ابن مسعود، و لقد علم المحفوظون من أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) أن ابن أم عبد أقربهم إلى اللَّه زلفى، و في الحديث «و تمسكوا بعهد ابن أم عبد»

و في الحديث الآخر الّذي رواه أحمد عن محمد بن فضيل عن مغيرة عن أم حرسى عن على‏

أن ابن‏

____________

[ (1)] في النهاية اذنك على أن ترفع الحجاب و تستمع سوادي حتى أنهاك. السواد بالكسر السرار

163

مسعود صعد شجرة يجتنى الكباث فجعل الناس يعجبون من دقة ساقيه، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «و الّذي نفسي بيده لهما في الميزان أثقل من أحد»

و قال عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه- و قد نظر إلى قصره و كان يوازى بقامته الجلوس- فجعل يتبعه بصره ثم قال هو كنيف ملي‏ء علما. و قد شهد ابن مسعود بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مواقف كثيرة، منها اليرموك و غيرها، و كان قدم من العراق حاجا فمر بالربذة فشهد وفاة أبى ذر و دفنه، ثم قدم إلى المدينة فمرض بها فجاءه عثمان بن عفان عائدا، فيروي أنه قال له: ما تشتكي؟ قال ذنوبي، قال فما تشتهي؟ قال رحمة ربى، قال ألا آمر لك بطبيب؟ فقال: الطبيب أمرضنى، قال ألا آمر لك بعطائك؟- و كان قد تركه سنتين- فقال: لا حاجة لي فيه. فقال: يكون لبناتك من بعدك، فقال أ تخشى على بناتي الفقر؟ إني أمرت بناتي أن يقرأن كل ليلة سورة الواقعة،

و إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

«من قرأ الواقعة كل ليلة لم تصبه فاقة أبدا»

و أوصى عبد اللَّه بن مسعود إلى الزبير بن العوام، فيقال إنه هو الّذي صلى عليه ليلا، ثم عاتب عثمان الزبير على ذلك، و قيل بل صلى عليه عثمان، و قيل عمار، فاللَّه أعلم. و دفن بالبقيع عن بضع و ستين سنة.

عبد الرحمن بن عوف‏

ابن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب بن مرة، أبو محمد القرشي الزهري، أسلم قديما على يدي أبى بكر، و هاجر إلى الحبشة و إلى المدينة، و آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين سعد ابن الربيع، و شهد بدرا و ما بعدها، و أمره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حين بعثه إلى بنى كلب و أرخى له عذبة بين كتفيه، لتكون أمارة عليه للامارة، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الثمانية السابقين إلى الإسلام، و أحد الستة أصحاب الشورى، ثم أحد الثلاثة الذين انتهت إليهم منهم، كما ذكرنا.

ثم كان هو الّذي اجتهد في تقديم عثمان رضى اللَّه عنه، و قد تقاول هو و خالد بن الوليد في بعض الغزوات فأغلظ له خالد في المقال،

فلما بلغ ذلك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال «لا تسبوا أصحابى فو الّذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم و لا نصيفه»

و هو في الصحيح. و قال معمر عن الزهري: تصدق عبد الرحمن بن عوف على عهد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بشطر ماله أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألفا ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على خمسمائة فرس في سبيل اللَّه، ثم حمل على خمسمائة راحلة في سبيل اللَّه، و كان عامة ماله من التجارة،

فأما الحديث الّذي قال عبد بن حميد في مسندة ثنا يحيى بن إسحاق ثنا عمارة بن زاذان عن ثابت البناني عن أنس بن مالك أن عبد الرحمن بن عوف‏

لما هاجر آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين عثمان بن عفان فقال له إن لي حائطين فاختر أيهما شئت، فقال: بارك اللَّه لك في حائطيك، ما لهذا أسلمت، دلني على السوق، قال فدله فكان يشترى السمنة و الاقيطة و الإهاب، فجمع فتزوج فأتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال «بارك اللَّه لك‏

164

أو لم و لو بشاة»

قال فكثر ماله حتى قدمت له سبعمائة راحلة تحمل البر و تحمل الدقيق و الطعام، قال:

فلما دخلت المدينة سمع لأهل المدينة رجة، فقالت عائشة: ما هذه الرجة؟ فقيل لها عير قدمت لعبد الرحمن بن عوف سبعمائة تحمل البر و الدقيق و الطعام.

فقالت عائشة: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

«يدخل عبد الرحمن بن عوف الجنة حبوا»

فلما بلغ عبد الرحمن ذلك قال: أشهدك يا أمه أنها بأحمالها و أحلاسها و أقتابها في سبيل اللَّه. و قال الامام أحمد: ثنا عبد الصمد بن حسان ثنا عمارة- هو ابن زاذان- عن ثابت عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة قالت:

ما هذا؟ قالوا عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل كل شي‏ء- قال و كانت سبعمائة بعير- قال فارتجت المدينة من الصوت،

فقالت عائشة سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

: «قد رأيت عبد الرحمن ابن عوف يدخل الجنة حبوا»

فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: لئن استطعت لأدخلها قائما، فجعلها بأقتابها و أحمالها في سبيل اللَّه. فقد تفرد به عمارة بن زاذان الصيدلاني و هو ضعيف. و أما قوله في سياق عبد بن حميد: إنه آخى بينه و بين عثمان بن عفان، فغلط محض مخالف لما في صحيح البخاري من أن الّذي آخى بينه و بينه إنما هو سعد بن الربيع الأنصاري رضى اللَّه عنهما، و ثبت في الصحيح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) صلى وراءه الركعة الثانية من صلاة الفجر في بعض الأسفار، و هذه منقبة عظيمة لا تباري. و لما حضرته الوفاة أوصى لكل رجل ممن بقي من أهل بدر بأربعمائة دينار- و كانوا مائة- فأخذوها حتى عثمان و على، و قال على: اذهب يا ابن عوف فقد أدركت صفوها، و سبقت زيفها و أوصى لكل امرأة من أمهات المؤمنين بمبلغ كثير حتى كانت عائشة تقول سقاه اللَّه من السلسبيل.

و أعتق خلقا من مماليكه ثم ترك بعد ذلك كله مالا جزيلا، من ذلك ذهب قطع بالفئوس حتى مجلت أيدي الرجال، و ترك ألف بعير و مائة فرس، و ثلاثة آلاف شاة ترعى بالبقيع، و كان نساؤه أربعا فصولحت إحداهن من ربع الثمن بثمانين ألفا، و لما مات صلى عليه عثمان بن عفان، و حمل في جنازته سعد بن أبى وقاص، و دفن بالبقيع عن خمس و سبعين سنة. و كان أبيض مشربا حمرة حسن الوجه، دقيق البشرة، أعين أهدب الأشفار، أقنى، له جمة، ضخم الكفين، غليظ الأصابع، لا يغير شيبة رضى اللَّه عنه.

أبو ذر الغفاريّ‏

و اسمه جندب بن جنادة على المشهور، أسلم قديما بمكة فكان رابع أربعة أو خامس خمسة.

و قصة إسلامه تقدمت قبل الهجرة، و هو أول من حيا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بتحية الإسلام، ثم رجع إلى بلاده و قومه، فكان هناك حتى هاجر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى المدينة فهاجر بعد الخندق ثم لزم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حضرا و سفرا، و روى عنه أحاديث كثيرة، و جاء في فضله أحاديث كثيرة، من‏

165

أشهرها

ما رواه الأعمش عن أبى اليقظان عثمان بن عمير عن أبى حرب بن أبى الأسود عن عبد اللَّه ابن عمرو أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«ما أظلت الخضراء، و لا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبى ذر»

و فيه ضعف. ثم لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و مات أبو بكر خرج إلى الشام فكان فيه حتى وقع بينه و بين معاوية فاستقدمه عثمان إلى المدينة، ثم نزل الرَّبَذَة فأقام بها حتى مات في ذي الحجة من هذه السنة، و ليس عنده سوى امرأته و أولاده، فبينما هم كذلك لا يقدرون على دفنه إذ قدم عبد اللَّه بن مسعود من العراق في جماعة من أصحابه، فحضروا موته، و أوصاهم كيف يفعلون به، و قيل قدموا بعد وفاته فولوا غسله و دفنه، و كان قد أمر أهله أن يطبخوا لهم شاة من غنمه ليأكلوه بعد الموت، و قد أرسل عثمان بن عفان إلى أهله فضمهم مع أهله.

ثم دخلت سنة ثلاث و ثلاثين‏

فيها كان فتح قبرص في قول أبى معشر، و خالفه الجمهور فذكروها قبل ذلك كما تقدم، و فيها غزا عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح إفريقية ثانية، حين نقض أهلها العهد. و فيها سيّر أمير المؤمنين جماعة من قراء أهل الكوفة إلى الشام، و كان سبب ذلك أنهم تكلموا بكلام قبيح في مجلس سعيد بن عامر، فكتب إلى عثمان في أمرهم، فكتب إليه عثمان أن يجليهم عن بلده إلى الشام، و كتب عثمان إلى معاوية أمير الشام أنه قد أخرج إليك قراء من أهل الكوفة فأنزلهم و أكرمهم و تألفهم. فلما قدموا أنزلهم معاوية و أكرمهم و اجتمع بهم و وعظهم و نصحهم فيما يعتمدونه من اتباع الجماعة و ترك الانفراد و الابتعاد، فأجابه متكلمهم و المترجم عنهم بكلام فيه بشاعة و شناعة، فاحتملهم معاوية لحلمه، و أخذ في مدح قريش- و كانوا قد نالوا منهم- و أخذ في المدح لرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و الثناء عليه، و الصلاة و التسليم. و افتخر معاوية بوالده و شرفه في قومه، و قال فيما قال: و أظن أبا سفيان لو ولد الناس كلهم لم يلد إلا حازما، فقال له صعصعة بن صوحان: كذبت، قد ولد الناس كلهم لمن هو خير من أبى سفيان من خلقه اللَّه بيده، و نفخ فيه من روحه، و أمر الملائكة فسجدوا له، فكان فيهم البر و الفاجر، و الأحمق و الكيس. ثم بذل لهم النصح مرة أخرى فإذا هم يتمادون في غيهم، و يستمرون على جهالتهم و حماقتهم، فعند ذلك أخرجهم من بلده و نفاهم عن الشام، لئلا يشوشوا عقول الطغام، و ذلك أنه كان يشتمل مطاوى كلامهم على القدح في قريش كونهم فرطوا و ضيعوا ما يجب عليهم من القيام فيه، من نصرة الدين و قمع المفسدين. و إنما يريدون بهذا التنقيص و العيب و رجم الغيب، و كانوا يشتمون عثمان و سعيد بن العاص، و كانوا عشرة، و قيل تسعة و هو الأشبه، منهم كميل بن زياد، و الأشتر النخعي- و اسمه مالك بن يزيد- و علقمة بن قيس النخعيان، و ثابت بن قيس النخعي، و جندب بن زهير العامري، و جندب بن كعب الأزدي، و عروة بن الجعد

166

و عمرو بن الحمق الخزاعي [ (1)]. فلما خرجوا من دمشق أووا إلى الجزيرة فاجتمع بهم عبد الرحمن بن خالد بن الوليد- و كان نائبا على الجزيرة. ثم ولى حمص بعد ذلك- فهددهم و توعدهم، فاعتذروا إليه و أنابوا إلى الإقلاع عما كانوا عليه، فدعا لهم و سير مالكا الأشتر النخعي إلى عثمان بن عفان ليعتذر إليه عن أصحابه بين يديه، فقبل ذلك منهم و كف عنهم و خيرهم أن يقيموا حيث أحبوا، فاختاروا أن يكونوا في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، فقدموا عليه حمص، فأمرهم بالمقام بالساحل، و أجرى عليهم الرزق. و يقال بل لما مقتهم معاوية كتب فيهم إلى عثمان فجاءه كتاب عثمان أن يردهم إلى سعيد بن العاص بالكوفة، فردهم إليه، فلما رجعوا كانوا أزلق ألسنة، و أكثر شرا، فضج منهم سعيد بن العاص إلى عثمان، فأمره أن يسيّرهم إلى عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص، و أن يلزموا الدروب. و في هذه السنة سير عثمان بعض أهل البصرة منها إلى الشام، و إلى مصر بأسباب مسوغة لما فعله رضى اللَّه عنه، فكان هؤلاء ممن يؤلب عليه و يمالئ الأعداء في الحط و الكلام فيه، و هم الظالمون في ذلك، و هو البارّ الراشد رضى اللَّه عنه. و في هذه السنة حج بالناس أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه و تقبل اللَّه منه.

ثم دخلت سنة أربع و ثلاثين‏

قال أبو معشر: فيها كانت وقعة الصواري، و الصحيح في قول غيره أنها كانت قبل ذلك كما تقدم. و في هذه السنة تكاتب المنحرفون عن طاعة عثمان- و كان جمهورهم من أهل الكوفة- و هم في معاملة عبد الرحمن بن خالد بن الوليد بحمص منفيون عن الكوفة، و ثاروا على سعيد بن العاص أمير الكوفة، و تألبوا عليه، و نالوا منه و من عثمان، و بعثوا إلى عثمان من يناظره فيما فعل و فيما اعتمد من عزل كثير من الصحابة و تولية جماعة من بنى أمية من أقربائه، و أغلظوا له في القول، و طلبوا منه أن‏

____________

[ (1)] كذا في الحلبية. و الّذي في المصرية كميل بن زياد، و الأشتر النخعي،- و اسمه مالك بن الحارث- و صعصعة بن صوحان و أخوه زيد بن صوحان، و كعب بن مالك الأوسي، و الأسود بن زيد بن علقمة بن قيس النخعيان، و ثابت بن قيس النخعي، و جندب بن زهير الغامدي، و جندب بن كعب الأزدي، و عروة بن الجعد، و عمرو ابن الحمق الخزاعي.

و الّذي في الطبري.

مالك بن الحارث الأشتر، و ثابت بن قيس النخعي، و كميل بن زياد النخعي، و زيد بن صوحان العبديّ، و جندب بن زهير الغامدي، و جندب بن كعب الأزدي، و عروة بن الجعد، و عمرو بن الحمق الخزاعي.

167

يعزل عماله و يستبدل أئمة غيرهم، من السابقين و من الصحابة حتى شق ذلك عليه جدا، و بعث إلى أمراء الأجناد فأحضرهم عنده ليستشيرهم، فاجتمع إليه معاوية بن أبى سفيان أمير الشام، و عمرو بن العاص أمير مصر، و عبد اللَّه ابن سعد بن أبى سرح أمير المغرب، و سعيد بن العاص أمير الكوفة، و عبد اللَّه بن عامر أمير البصرة فاستشارهم فيما حدث من الأمر و الافتراق الكلمة عبد اللَّه بن عامر أن يشغلهم بالغزو عما هم فيه من الشر، فلا يكون همّ أحدهم إلا نفسه، و ما هو فيه من دبر دابته و قمل فروته، فان غوعاء الناس إذا تفرغوا و بطلوا اشتغلوا بما لا يعنى و تكلموا بما لا يرضى و إذا تفرقوا نفعوا أنفسهم و غيرهم أشار سعيد بن العاص بأن يستأصل شأفة المفسدين و يقطع دابرهم، و أشار معاوية بأن يرد عماله إلى أقاليمهم و أن لا يلتفت إلى هؤلاء و ما تألبوا عليه من الشر، فإنّهم أقل و أضعف جندا. و أشار عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح بأن يتألفهم بالمال فيعطيهم منه ما يكف به شرهم، و يأمن غائلتهم، و يعطف به قلوبهم إليه. و أما عمرو بن العاص فقام فقال: أما بعد يا عثمان فإنك قد ركبت الناس ما يكرهون فأما أن تعزل عنهم ما يكرهون، و إما أن تقدم فتنزل عمالك على ما هم عليه، و قال له كلاما فيه غلظة، ثم اعتذر إليه في السر بأنه إنما قال هذا ليبلغ عنه من كان حاضرا من الناس إليهم ليرضوا من عثمان بهذا، فعند ذلك قرر عثمان عماله على ما كانوا عليه، و تألف قلوب أولئك بالمال، و أمر بأن يبعثوا إلى الغزو إلى الثغور، فجمع بين المصالح كلها، و لما رجعت العمال إلى أقاليمها امتنع أهل الكوفة من أن يدخل عليهم سعيد بن العاص و لبسوا السلاح و حلفوا أن لا يمكنوه من الدخول فيها حتى يعزله عثمان و يولى عليهم أبا موسى الأشعري، و كان اجتماعهم بمكان يقال له الجرعة [ (1)]،- [و قد قال يومئذ الأشتر النخعي:

و اللَّه لا يدخلها علينا ما حملنا سيوفنا، و تواقف الناس بالجرعة] [ (2)]. و أحجم سعيد عن قتالهم و صمموا على منعه، و قد اجتمع في مسجد الكوفة في هذا اليوم حذيفة و أبو مسعود عقبة بن عمرو، فجعل أبو مسعود يقول: [و اللَّه لا يرجع سعيد بن العاص حتى يكون دماء. فجعل حذيفة يقول:] [ (3)] و اللَّه ليرجعن و لا يكون فيها محجمة من دم، و ما أعلم اليوم شيئا إلا و قد علمته و محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) حي. و المقصود أن سعيد بن العاص كر راجعا إلى المدينة و كسر الفتنة، فأعجب ذلك أهل الكوفة، و كتبوا إلى عثمان ان يولى عليهم ابا موسى الأشعري فأجابهم عثمان إلى ما سألوا إزاحة لعذرهم، و إزالة لشبههم، و قطعا لعللهم.

و ذكر سيف بن عمر أن سبب تألب الأحزاب على عثمان أن رجلا يقال له عبد اللَّه بن سبإ كان يهوديا فأظهر الإسلام و صار إلى مصر، فأوحى إلى طائفة من الناس كلاما اخترعه من عند نفسه، مضمونه أنه يقول للرجل: أ ليس قد ثبت أن عيسى بن مريم سيعود إلى هذه الدنيا؟ فيقول الرجل:

نعم! فيقول له فرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أفضل منه فما تنكر أن يعود إلى هذه الدنيا، و هو أشرف من عيسى ابن مريم (عليه السلام)؟ ثم يقول: و قد كان أوصى إلى على بن أبى طالب، فمحمد خاتم الأنبياء،

____________

[ (1)] الجرعة مكان مشرف قرب القادسية.

[ (2)]- (3) سقط من الحلبية.

168

و عليّ خاتم الأوصياء، ثم يقول: فهو أحق بالإمرة من عثمان، و عثمان معتد في ولايته ما ليس له.

فأنكروا عليه و أظهروا الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر. فافتتن به بشر كثير من أهل مصر، و كتبوا إلى جماعات من عوام أهل الكوفة و البصرة، فتمالئوا على ذلك، و تكاتبوا فيه، و تواعدوا أن يجتمعوا في الإنكار على عثمان، و أرسلوا إليه من يناظره و يذكر له ما ينقمون عليه من توليته أقرباءه و ذوى رحمه و عزله كبار الصحابة. فدخل هذا في قلوب كثير من الناس، فجمع عثمان بن عفان نوابه من الأمصار فاستشارهم فأشاروا عليه بما تقدم ذكرنا له فاللَّه أعلم.

و قال الواقدي فيما رواه عن عبد اللَّه بن محمد عن أبيه قال‏

: لما كانت سنة أربع و ثلاثين أكثر الناس في المقالة على عثمان بن عفان و نالوا منه أقبح ما نيل من أحد، فكلم الناس على بن أبى طالب أن يدخل على عثمان، فدخل عليه فقال له: إن الناس ورائي و قد كلموني فيك، و و اللّه ما أدرى ما أقول لك، و ما أعرف شيئا تجهله، و لا أدلك على أمر لا تعرفه، إنك لتعلم ما نعلم، ما سبقناك إلى شي‏ء فنخبرك عنه، و لا خلونا بشي‏ء فنبلغكه، و ما خصصنا بأمور خفي عنك، إدراكها و قد رأيت و سمعت و صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نلت صهره، و ما ابن أبى قحافة بأولى بعمل الحق منك، و لا ابن الخطاب بأولى بشي‏ء من الخير منك، و إنك أقرب إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رحما، و لقد نلت من صهر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما لم ينالا، و لا سبقاك إلى شي‏ء، فاللَّه اللَّه في نفسك، فإنك و اللَّه ما تبصر من عمى، و لا تعلم من جهل.

و إن الطريق لواضح بين، و إن أعلام الدين لقائمة، تعلم يا عثمان أن أفضل عباد اللَّه عند اللَّه إمام عادل، هدى و هدى، فأقام سنة معلومة، و أمات بدعة معلومة، فو اللَّه إن كلا لبين، و إن السنن لقائمة لها أعلام، و إن البدع لقائمة لها أعلام، و إن شر الناس عند اللَّه إمام جائر ضل و أضل به فأمات سنة معلومة و أحيا بدعة متروكة، و إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول يؤتى يوم القيامة بالإمام الجائر و ليس معه نصير و لا عاذر، فيلقى في جهنم فيدور فيها كما تدور الرحا ثم يرتطم في غمرة جهنم، و إني أحذرك اللَّه و أحذرك سطوته و نقمته، فإن عذابه أليم شديد، و احذر أن تكون إمام هذه الأمة المقتول، فإنه كان يقال يقتل في هذه الأمة إمام فيفتح عليها القتل و القتال إلى يوم القيامة، و تلبس أمورها عليها، و يتركون شيعا لا يبصرون الحق من الباطل، يموجون فيها موجا، و يمرحون فيها مرحا. فقال عثمان: قد و اللَّه علمت لتقولن الّذي قلت: أما و اللَّه لو كنت مكاني ما عنفتك و لا أسلمتك، و لا عبت عليك، و لا جئت منكرا، إني وصلت رحما، و سددت خلة، و آويت ضائعا، و وليت شبيها بمن كان عمر يولى، أنشدك اللَّه يا على هل تعلم أن المغيرة بن شعبة ليس هناك؟ قال:

نعم! قال: فتعلم أن عمر ولاه؟ قال: نعم! قال: فلم تلوموني أن وليت ابن عامر في رحمه و قرابته؟ فقال على: سأخبرك أن عمر كان كلما ولى أميرا فإنما يطأ على صماخيه، و أنه إن بلغه حرف جاء به، ثم بلغ‏

169

به أقصى الغاية في العقوبة لا تفعل ضعفت و رفقت على أقربائك. فقال عثمان: هم أقرباؤك أيضا، فقال على لعمري إن رحمهم منى لقريبة، و لكن الفضل في غيرهم. قال عثمان: هل تعلم أن عمر ولى معاوية خلافته كلها، فقد وليته، فقال على: أنشدك اللَّه هل تعلم أن معاوية كان أخوف من عمر من يرفأ غلام عمر منه؟ قال: نعم! قال على: فان معاوية يقطع الأمور دونك و أنت تعلمها و يقول للناس: هذا أمر عثمان، فيبلغك فلا تنكر و لا تغير على معاوية. ثم خرج عليّ من عنده و خرج عثمان على إثره فصعد المنبر فوعظ و حذر و أنذر، و تهدد و توعد، و أبرق و أرعد، فكان فيما قال: ألا فقد و اللَّه عبتم على بما أقررتم به لابن الخطاب، و لكنه وطئكم برجله، و ضربكم بيده، و قمعكم بلسانه، فدنتم له على ما أحببتم أو كرهتم، و لنت لكم و أوطأت لكم كتفي، و كففت يدي و لساني عنكم، فاجترأتم على، أما و اللَّه لأنا أعز نفرا و أقرب ناصرا و أكثر عددا و أقمن، إن قلت: هلمّ إليّ إليّ، و لقد أعددت لكم أقرانكم، و أفضلت عليكم فضولا، و كشرت لكم عن نابي، فأخرجتم منى خلقا لم أكن أحسنه، و منطقا لم أنطق به، فكفوا ألسنتكم و طعنكم و عيبكم على ولاتكم فانى قد كففت عنكم من لو كان هو الّذي يليكم لرضيتم منه بدون منطقي هذا، ألا فما تفقدون من حقكم؟ فو اللَّه ما قصرت في بلوغ ما كان يبلغ من كان قبلي. ثم اعتذر عما كان يعطى أقرباءه بأنه من فضل ماله. فقام مروان بن الحكم فقال: إن شئتم و اللَّه حكمنا بيننا و بينكم السيف، نحن و اللَّه و أنتم كما قال الشاعر:

فرشنا لكم أعراضنا فنبت بكم‏* * * مغارسكم تبنون في دمن الثرى‏

فقال عثمان: اسكت لا سكتّ، دعني و أصحابى، ما منطقك في هذا، أ لم أتقدم إليك أن لا تنطق.

فسكت مروان و نزل عثمان رضى اللَّه عنه.

و ذكر سيف بن عمر و غيره أن معاوية لما ودعه عثمان حين عزم على الخروج إلى الشام عرض عليه أن يرحل معه إلى الشام فإنهم قوم كثيرة طاعتهم للأمراء. فقال: لا أختار بجوار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سواه. فقال: أجهز لك جيشا من الشام يكونون عندك ينصرونك؟ فقال: إني أخشى أن أضيق بهم بلد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على أصحابه من المهاجرين و الأنصار. قال معاوية: فو اللَّه يا أمير المؤمنين لتغتالن- أو قال: لتغزين- فقال عثمان: حسبي اللَّه و نعم الوكيل. ثم خرج معاوية من عنده و هو متقلد السيف و قوسه في يده، فمر على ملأ من المهاجرين و الأنصار، فيهم على بن أبى طالب، و طلحة، و الزبير، فوقف عليهم و اتكأ على قوسه و تكلم بكلام بليغ يشتمل على الوصاة بعثمان بن عفان رضى اللَّه تعالى عنه، و التحذير ممن إسلامه إلى أعدائه، ثم انصرف ذاهبا. فقال الزبير: ما رأيته أهيب في عيني من يومه هذا. و ذكر ابن جرير أن معاوية استشعر الأمر لنفسه من قدمته هذه إلى المدينة، و ذلك أنه سمع حاديا يرتجز في أيام الموسم في هذا العام و هو يقول:

170

قد علمت ضوامر المطي‏* * * و ضمرات عوج القسي‏

أن الأمير بعده على‏* * * و في الزبير خلف رضىّ‏

و طلحة الحامى لها ولى

فلما سمعها معاوية لم يزل ذلك في نفسه حتى كان ما كان على ما سنذكره في موضعه إن شاء اللَّه و به الثقة. قال ابن جرير: و في هذه السنة مات أبو عبس بن جبير بالمدينة و هو بدري. و مات أيضا مسطح بن أثاثة. و غافل بن البكير. و حج بالناس في هذه السنة عثمان بن عفان رضى اللَّه تعالى عنه.

ثم دخلت سنة خمس و ثلاثين ففيها مقتل عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه‏

و كان السبب في ذلك أن عمرو بن العاص حين عزله عثمان عن مصر ولى عليها عبد اللَّه بن سعد ابن أبى سرح. و كان سبب ذلك أن الخوارج من المصريين كانوا محصورين من عمرو بن العاص مقهورين معه لا يستطيعون ان يتكلموا بسوء في خليفة و لا أمير فما زالوا حتى شكوه إلى عثمان لينزعه عنهم و يولى عليهم من هو ألين منه. فلم يزل ذلك دأبهم حتى عزل عمرا عن الحرب و تركه على الصلاة، و ولى على الحرب و الخراج عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح. ثم سعوا فيما بينهما بالنميمة فوقع بينهما، حتى كان بينهما، كلام قبيح. فأرسل عثمان فجمع لابن أبى سرح جميع عمالة مصر، خراجها [و حربها] و صلاتها، و بعث إلى عمرو يقول له: لا خير لك في المقام عند من يكرهك، فأقدم إلى، فانتقل عمرو بن العاص إلى المدينة و في نفسه من عثمان أمر عظيم و شر كبير فكلمه فيما كان من أمره بنفس، و تقاولا في ذلك، و افتخر عمرو بن العاص بأبيه على عثمان، و أنه كان أعز منه. فقال له عثمان: دع هذا فإنه من أمر الجاهلية. و جعل عمرو بن العاص يؤلب الناس على عثمان. و كان بمصر جماعة يبغضون عثمان و يتكلمون فيه بكلام قبيح على ما قدمنا، و ينقمون عليه في عزله جماعة من عليّة الصحابة و توليته من دونهم، أو من لا يصلح عندهم للولاية.

و كره أهل مصر عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، بعد عمرو بن العاص، و اشتغل عبد اللَّه بن سعد عنهم بقتال أهل المغرب، و فتحه بلاد البربر و الأندلس و إفريقية. و نشأ بمصر طائفة من أبناء الصحابة يؤلبون الناس على حربه و الإنكار عليه، و كان عظم ذلك مسندا إلى محمد بن أبى بكر، و محمد بن أبى حذيفة، حتى استنفرا نحوا من ستمائة راكب يذهبون إلى المدينة في صفة معتمرين في شهر رجب، لينكروا على عثمان فساروا إليها تحت أربع رفاق، و أمر الجميع إلى عمرو بن بديل بن ورقاء الخزاعي، و عبد الرحمن بن عديس البلوى، و كنانة بن بشر التجيبي، و سودان بن حمران السكونيّ. و أقبل معهم محمد بن أبى بكر، و أقام بمصر محمد بن أبى حذيفة يؤلب الناس و يدافع عن هؤلاء. و كتب عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح إلى عثمان يعلمه بقدوم هؤلاء القوم إلى المدينة منكرين عليه في صفة معتمرين. فلما اقتربوا من المدينة أمر عثمان على بن أبى طالب أن يخرج إليهم ليردهم إلى بلادهم قبل أن يدخلوا المدينة. و يقال: بل ندب الناس إليهم، فانتدب على لذلك فبعثه،

171

و خرج معه جماعة الاشراف و أمره أن يأخذ معه عمار بن ياسر. فقال على لعمار فأبى عمار أن يخرج معه. فبعث عثمان سعد بن أبى وقاص أن يذهب إلى عمار ليحرضه على الخروج مع على إليهم، فأبى عمار كل الإباء، و امتنع أشد الامتناع، و كان متعصبا على عثمان بسبب تأديبه له فيما تقدم على أمر و ضربه إياه في ذلك، و ذلك بسبب شتمه عباس بن عتبة بن أبى لهب، فأدبهما عثمان، فتآمر عمار عليه لذلك، و جعل يحرض الناس عليه، فنهاه سعد بن أبى وقاص عن ذلك و لامه عليه، فلم يقلع عنه و لم يرجع و لم ينزع، فانطلق على بن أبى طالب إليهم و هم بالجحفة، و كانوا يعظمونه و يبالغون في أمره، فردهم و أنبهم و شتمهم، فرجعوا على أنفسهم بالملامة، و قالوا: هذا الّذي تحاربون الأمير بسببه، و تحتجون عليه به.

و يقال‏

إنه ناظرهم في عثمان، و سألهم ما ذا ينقمون عليه، فذكروا أشياء منها أنه حمى الحمى، و أنه حرق المصاحف، و أنه أتم الصلاة، و أنه ولى الاحداث، اعطى الولايات و ترك الصحابة الأكابر و أنه أعطى بنى أمية أكثر- من الناس. فأجاب على عن ذلك: أما الحمى فأنما حماه لا بل الصدقة لتسمن، و لم يحمه لإبله و لا لغنمه و قد حماه عمر من قبله. و أما المصاحف فإنما حرق ما وقع فيه اختلاف، و أبقى لهم المتفق عليه، كما ثبت في العرضة الأخيرة، و أما إتمامه الصلاة بمكة، فإنه كان قد تأهل بها و نوى الاقامة فأتمها، و أما توليته الأحداث فلم يول إلا رجلا سويا عدلا، و قد ولى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عتاب بن أسيد على مكة و هو ابن عشرين سنة، و ولى أسامة بن زيد بن حارثة. و طعن الناس في إمارته فقال انه لخليق بالإمارة و أما إيثاره قومه بنى أمية. فقد كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يؤثر قريشا على الناس، و و اللَّه لو أن مفتاح الجنة بيدي لأدخلت بنى أمية إليها.

و يقال: إنهم عتبوا عليه في عمار و محمد بن أبى بكر، فذكر عثمان عذره في ذلك، و أنه أقام فيهما ما كان يجب عليهما. و عتبوا عليه في إيوائه الحكم بن أبى العاص، و قد نفاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى الطائف، فذكر أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان قد نفاه إلى الطائف ثم رده، ثم نفاه إليها، قال فقد نفاه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم رده، و روى أن عثمان خطب الناس بهذا كله بمحضر من الصحابة، و جعل يستشهد بهم فيشهدون له فيما فيه شهادة له. و يروى أنهم بعثوا طائفة منهم فشهدوا خطبة عثمان هذه، فلما تمهدت الأعذار و انزاحت عللهم و لم يبق لهم شبهة، أشار جماعة من الصحابة على عثمان بتأديبهم فصفح عنهم، رضى اللَّه عنه. و ردهم إلى قومهم فرجعوا خائبين من حيث أتوا، و لم ينالوا شيئا مما كانوا أملوا و راموا، و رجع على إلى عثمان، فأخبره برجوعهم عنه، و سماعهم منه، و أشار على عثمان أن يخطب الناس خطبة يعتذر إليهم فيها مما كان وقع من الأثرة لبعض أقاربه، و يشهدهم عليه بأنه قد تاب من ذلك، و أناب إلى الاستمرار على ما كان عليه من سيرة الشيخين قبله، و أنه لا يحيد عنها، كما كان الأمر أولا في مدة ست سنين الأول، فاستمع عثمان هذه النصيحة، و قابلها بالسمع و الطاعة، و لما كان يوم الجمعة و خطب الناس، رفع يديه في أثناء الخطبة، و قال اللَّهمّ إني أستغفرك‏

172

و أتوب إليك، اللَّهمّ إني أول تائب مما كان منى، و أرسل عينيه بالبكاء فبكى المسلمون أجمعون، و حصل للناس رقة شديدة على إمامهم، و أشهد عثمان الناس على نفسه بذلك، و أنه قد لزم ما كان عليه الشيخان، و أبو بكر و عمر رضى اللَّه عنهما، و أنه قد سبل بابه لمن أراد الدخول عليه، لا يمنع أحد من ذلك، و نزل فصلى بالناس ثم دخل منزله و جعل من أراد الدخول على أمير المؤمنين لحاجة أو مسألة أو سؤال، لا يمنع أحد من ذلك مدة.

قال الواقدي: فحدثني على بن عمر عن أبيه قال‏

: ثم إن عليا جاء عثمان بعد انصراف المصريين فقال له: تكلم كلاما تسمعه الناس منك و يشهدون عليك، و يشهد اللَّه على ما في قلبك من النزوع و الانابة، فإن البلاد قد تمخضت عليك، و لا آمن ركبا آخرين يقدمون من قبل الكوفة، فتقول يا على اركب إليهم، و يقدم آخرون من البصرة فتقول يا على اركب إليهم، فان لم أفعل قطعت رحمك و استخففت بحقك. قال: فخرج عثمان فخطب الخطبة التي نزع فيها، و أعلم الناس من نفسه التوبة، فقام فحمد اللَّه و أثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، أيها الناس، فو اللَّه ما عاب من عاب شيئا أجهله، و ما جئت شيئا إلا و أنا أعرفه، و لكن ضلّ رشدي و لقد سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «من زل فليتب، و من أخطأ فليتب، و لا يتمادى في الهلكة، إن من تمادى في الجور كان أبعد عن الطريق» فأنا أول من اتعظ، أستغفر اللَّه مما فعلت و أتوب، فمثلى نزع و تاب، فإذا نزلت فليأتني أشرافكم، فو اللَّه لأكوننّ كالمرقوق إن ملك صبر، و إن عتق شكر، و ما عن اللَّه مذهب إلا إليه.

قال: فرق الناس له و بكى من بكى، و قام إليه سعيد بن زيد فقال:

يا أمير المؤمنين! اللّه اللَّه في نفسك! فأتمم على ما قلت. فلما انصرف عثمان إلى منزله وجد به جماعة من أكابر الناس، و جاءه مروان بن الحكم فقال: أتكلم يا أمير المؤمنين أم أصمت؟ فقالت امرأة عثمان- نائلة بنت الفرافصة الكلبية- من وراء الحجاب: بل اصمت، فو اللَّه إنهم لقاتلوه، و لقد قال مقالة لا ينبغي النزوع عنها. فقال لها: و ما أنت و ذاك!؟ فو اللَّه لقد مات أبوك و ما يحسن أن يتوضأ. فقالت له: دع ذكر الآباء، و نالت من أبيه الحكم، فأعرض عنها مروان. و قال لعثمان: يا أمير المؤمنين أتكلم أم أصمت؟ فقال له عثمان: بل تكلم، فقال مروان: بأبي أنت و أمى، لوددت أن مقالتك هذه كانت و أنت ممنع منيع، فكنت أول من رضى بها و أعان عليها، و لكنك قلت ما قلت حين جاوز الحزام الطبيين، و بلغ السيل الزبا، و حين أعطى الخطة الذليلة الذليل، و اللَّه لإقامة على خطيئة يستغفر منها، خير من توبة خوف عليها، و إنك لو شئت لعزمت التوبة و لم تقرر لنا بالخطيئة، و قد اجتمع إليك على الباب مثل الجبال من الناس. فقال عثمان: قم فاخرج إليهم فكلمهم، فانى أستحى أن أكلمهم، قال: فخرج مروان إلى الباب و الناس يركب بعضهم بعضا، فقال: ما شأنكم‏

173

كأنكم قد جئتم لنهب، شاهت الوجوه كل إنسان آخذ باذن صاحبه إلا من أريد [ (1)] جئتم تريدون أن تنزعوا ملكنا من أيدينا، أخرجوا عنا، أما و اللَّه لئن رمتمونا ليمرن عليكم أمر يسؤكم و لا تحمدوا غبه، ارجعوا إلى منازلكم، فو اللَّه ما نحن مغلوبين على ما بأيدنا، قال فرجع الناس، و خرج بعضهم حتى أتى عليا فأخبره الخبر، فجاء على مغضبا حتى دخل على عثمان. فقال: أما رضيت من مروان و لا رضى منك إلا بتحويلك عن دينك و عقلك؟! و إن مثلك مثل جمل الظعينة سار حيث يسار به، و اللَّه ما مروان بذي رأى في دينه و لا نفسه، و أيم اللَّه إني لأراه سيوردك ثم لا يصدرك، و ما أنا بعائد بعد مقامي هذا لمعاتبتك، أذهبت سوقك، و غلبت على أمرك. فلما خرج على دخلت نائلة على عثمان فقالت: أتكلم أو أسكت؟ فقال: تكلمي، فقالت: سمعت قول على أنه ليس يعاودك، و قد أطعت مروان حيث شاء، قال: فما أصنع؟ قالت: تتقى اللَّه وحده لا شريك له، و تتبع سنة صاحبيك من قبلك، فإنك متى أطعت مروان قتلك، و مروان ليس له عند اللَّه قدر و لا هيبة و لا محبة، فأرسل إلى على فاستصلحه فان له قرابة منك و هو لا يعصى. قال فأرسل عثمان إلى على فأبى أن يأتيه، و قال: لقد أعلمته أنى لست بعائد. قال: و بلغ مروان قول نائلة فيه فجاء الى عثمان فقال: أتكلم أو اسكت؟ فقال: تكلم، فقال: إن نائلة بنت الفرافصة، فقال عثمان لا تذكرها بحرف فأسوء الى وجهك، فهي و اللَّه أنصح لي منك. قال: فكف مروان.

ذكر مجي‏ء الأحزاب الى عثمان المرة الثانية من مصر و غيرها في شوال من هذه السنة

و ذلك أن أهل الأمصار لما بلغهم خبر مروان، و غضب على على عثمان بسببه، و وجدوا الأمر على ما كان عليه لم يتغير و لم يسلك سيرة صاحبيه كاتب أهل مصر و أهل الكوفة و أهل البصرة و تراسلوا، و زورت كتب على لسان الصحابة الذين بالمدينة، و على لسان على و طلحة و الزبير، يدعون الناس إلى قتال عثمان و نصر الدين، و أنه أكبر الجهاد اليوم. و أذكر سيف بن عمر التميمي عن محمد و طلحة و أبى حارثة و أبى عثمان، و قاله غيرهم أيضا، قالوا: لما كان في شوال سنة خمس و ثلاثين، خرج أهل مصرفى أربع رفاق على أربعة أمراء، المقلل لهم يقول ستمائة، و المكثر يقول: ألف. على الرفاق عبد الرحمن ابن عديس البلوى، و كنانة بن بشر الليثي، و سودان بن حمران السكونيّ، و قتيرة السكونيّ و على القوم جميعا الغافقي بن حرب العكي، و خرجوا فيما يظهرون للناس حجاجا، و معهم ابن السوداء- و كان أصله ذميا فأظهر الإسلام و أحدث بدعا قولية و فعلية، قبحه اللَّه- و خرج أهل الكوفة في عدتهم في أربع رفاق أيضا، و أمراؤهم: زيد بن صوحان، و الأشتر النخعي، و زياد بن النضر الحارثي، و عبد اللَّه بن الأصم، و على الجميع عمرو بن الأصم. و خرج أهل البصرة في عدتهم أيضا في أربع‏

____________

[ (1)] كذا بالأصل و الطبري و في عقد الجمان مهملة من التنقيط و وصلها ابن الأثير بشاهت الوجوه‏

174

رايات مع حكيم بن جبلة العبديّ، و بشر بن شريح بن ضبيعة القيسي، و ذريح بن عباد العبديّ، و عليهم كلهم حرقوص بن زهير السعدي، و أهل مصر مصرون على ولاية على بن أبى طالب، و أهل الكوفة عازمون على تأمير الزبير، و أهل البصرة مصممون على تولية طلحة، لا تشك كل فرقة أن أمرها سيتم، فسار كل طائفة من بلدهم حتى توافوا حول المدينة، كما تواعدوا في كتبهم، في شهر شوال فنزل طائفة منهم بذي خشب، و طائفة بالأعوص، و الجمهور بذي المروة، و هم على وجل من أهل المدينة، فبعثوا قصادا و عيونا بين أيديهم ليخبروا الناس أنهم إنما جاءوا للحج لا لغيره، و ليستعفوا هذا الوالي من بعض عماله، ما جئنا إلا لذلك، و استأذنوا للدخول، فكل الناس أبى دخولهم و نهى عنه، فتجاسروا و اقتربوا من المدينة، و جاءت طائفة من المصريين إلى على و هو في عسكر عند أحجار الزيت، عليه حلة أفواف، معتم بشقيقة حمراء يمانية، متقلدا السيف و ليس عليه قميص و قد أرسل ابنه الحسن الى عثمان فيمن اجتمع اليه فسلم عليه المصريون فصاح بهم و طردهم، و قال: لقد علم الصالحون أن جيش ذي المروة و ذي خشب ملعونون على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، فارجعوا لا صبحكم اللَّه، قالوا: نعم! و انصرفوا من عنده على ذلك، و أتى البصريون طلحة و هو في جماعة أخرى إلى جنب على- و قد أرسل ابنيه إلى عثمان- فسلموا عليه فصاح بهم و طردهم و قال لهم كما قال على لأهل مصر، و كذلك كان رد الزبير على أهل الكوفة. فرجع كل فريق منهم إلى قومهم، و أظهروا للناس أنهم راجعون إلى بلدانهم، و ساروا أياما راجعين، ثم كروا عائدين إلى المدينة، فما كان غير قليل حتى سمع أهل المدينة التكبير، و إذا القوم قد زحفوا على المدينة و أحاطوا بها، و جمهورهم عند دار عثمان بن عفان، و قالوا للناس: من كف يده فهو آمن، فكف الناس و لزموا بيوتهم، و أقام الناس على ذلك أياما. هذا كله و لا يدرى الناس ما القوم صانعون و لا على ما هم عازمون، و في كل ذلك و أمير المؤمنين عثمان بن عفان يخرج من داره فيصلي بالناس، فيصلي وراءه أهل المدينة و أولئك الآخرون، و ذهب الصحابة إلى هؤلاء يؤنبونهم و يعذلونهم على رجوعهم، حتى قال على لأهل مصر: ما ردكم بعد ذهابكم و رجوعكم عن رأيكم؟ فقالوا: وجدنا مع بريد كتابا بقتلنا إذا دخلنا مصر و كذلك قال البصريون لطلحة، و الكوفيون للزبير. و قال أهل كل مصر: إنما جئنا للنصر أصحابنا. فقال لهم الصحابة: كيف علمتم بذلك من أصحابكم، و قد افترقتم و صار بينكم مراحل؟ إنما هذا أمر اتفقتم عليه، فقالوا: ضعوه على ما أردتم، لا حاجة لنا في هذا الرجل، ليعتزلنا و نحن نعتزله- يعنون أنه إن نزل عن الخلافة تركوه آمنا- و كان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الأمر بقتل طائفة منهم، و بصلب آخرين، و بقطع أيدي آخرين منهم و أرجلهم، و كان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، و البريد أحد غلمان عثمان و على جمله، فلما رجعوا جاءوا بالكتاب‏

175

و داروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة على بذلك و إلا فو اللَّه لا كتبت و لا أمليت، و لا دريت بشي‏ء من ذلك، و الخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، و كذبه الكاذبون. و يقال: إن أهل مصر كانوا قد سألوا من عثمان أن يعزل عنهم ابن أبى سرح، و يولى محمد بن أبى بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما وجدوا ذلك البريد و معه الكتاب بقتل محمد ابن أبى بكر، فأجابهم إلى ذلك، فلما رجعوا ذلك البريد و معه الكتاب بقتل محمد بن أبى بكر و آخرين معه، فرجعوا، و قد حنقوا عليه حنقا شديدا، و طافوا بالكتاب على الناس، فدخل ذلك في أذهان كثير من الناس. و روى ابن جرير من طريق محمد بن إسحاق عن عمه عبد الرحمن بن يسار، أن الّذي كان معه هذه الرسالة من جهة عثمان إلى مصر أبو الأعور السلمي، على جمل لعثمان، و ذكر ابن جرير من هذه الطريق أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، و هذا كذب على الصحابة، و إنما كتبت كتب مزورة عليهم، كما كتبوا من جهة على و طلحة و الزبير إلى الخوارج كتبا مزورة عليهم أنكروها، و هكذا زور هذا الكتاب على عثمان أيضا، فإنه لم يأمر به و لم يعلم به أيضا. و استمر عثمان يصلى بالناس في تلك الأيام كلها، و هم أحقر في عينه من التراب، فلما كان في بعض الجمعات و قام على المنبر، و في يده العصا التي كان يعتمد عليها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في خطبته، و كذلك أبو بكر و عمر رضى اللَّه عنهما من بعده، فقام إليه رجل من أولئك فسبه و نال منه، و أنزله عن المنبر، فطمع الناس فيه من يومئذ، كما قال الواقدي:

حدثني أسامة بن زيد عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب عن أبيه قال: بينا أنا انظر إلى عثمان على عصا النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) التي كان يخطب عليها و أبو بكر و عمر، فقال له جهجاه قم يا نعثل فانزل عن هذا المنبر و أخذ العصا فكسرها على ركبته اليمنى فدخلت شظية منها فيها فبقي الجرح حتى أصابته الأكلة، فرأيتها تدود، فنزل عثمان و حملوه و أمر بالعصا فشدوها، فكانت مضببة، فما خرج بعد ذلك اليوم إلا خرجة أو خرجتين، حتى حصر فقتل.

قال ابن جرير: و حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا عبد اللَّه بن إدريس عن عبيد اللَّه بن عمر عن نافع أن الجهجاه الغفاريّ أخذ عصا كانت في يد عثمان فكسرها على ركبته، فرمى في ذلك المكان بأكلة. و قال الواقدي: و حدثني ابن أبى الزناد عن موسى بن عقبة عن ابن أبى حبيبة قال: خطب عثمان الناس في بعض أيامه فقال عمرو بن العاص: يا أمير المؤمنين: إنك ركبت بهاتير و ركبناها معك، فتب نتب معك. فاستقبل عثمان القبلة و شمر يديه، قال ابن أبى حبيبة: فلم أر يوما أكثر باكيا و لا باكية من يومئذ. ثم لما كان بعد ذلك خطب الناس فقام إليه جهجاه الغفاريّ فصاح إليه: يا عثمان ألا إن هذه شارف قد جئنا بها عليها عباءة و جامعة، فانزل فلندرجك في العباة و لنطرحك في الجامعة

176

و لنحملك على الشارف ثم نطرحك في جبل الدخان. فقال عثمان: قبحك اللَّه و قبح ما جئت به، ثم نزل عثمان. قال ابن أبى حبيبة: و كان آخر يوم رأيته فيه* و قال الواقدي: حدثني أبو بكر بن إسماعيل عن أبيه عن عامر بن سعد. قال: كان أول من اجترأ على عثمان بالنطق السيّئ جبلة بن عمرو الساعدي مر به عثمان و هو في نادى قومه، و في يد جبلة جامعة، فلما مر عثمان سلم فرد القوم، فقال جبلة: لم تردون عليه؟ رجل قال كذا و كذا، ثم أقبل على عثمان فقال: و اللَّه لأطرحن هذه الجامعة في عنقك أو لتتركن بطانتك هذه، فقال عثمان: أي بطانة؟ فو اللَّه لأتخير الناس، فقال مروان تخيرته، و معاوية تخيرته، و عبد اللَّه بن عامر بن كريز تخيرته، و عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح تخيرته، منهم من نزل القرآن بذمة، و أباح رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دمه، قال: فانصرف عثمان فما زال الناس مجترءين عليه إلى هذا اليوم. قال الواقدي: و حدثني محمد بن صالح عن عبيد اللَّه بن رافع بن نقاخة عن عثمان بن الشريد. قال: مر عثمان على جبلة بن عمرو الساعدي و هو بفناء داره، و معه جامعة، فقال: يا نعثل! و اللَّه لأقتلنك و لأحملنك على قلوص جرباء، و لأخرجنك إلى حرة النار. ثم جاءه مرة أخرى و عثمان على المنبر فأنزله عنه. و ذكر سيف بن عمر أن عثمان بعد أن صلى بالناس يوم الجمعة صعد المنبر فخطبهم أيضا فقال في خطبته: يا هؤلاء الغرباء! اللَّه اللَّه، فو اللَّه إن أهل المدينة ليعلمون أنكم ملعونون على لسان محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، فامحوا الخطأ بالصواب، فان اللَّه لا يمحو السيّئ إلا بالحسن، فقام محمد بن مسلمة فقال:

أنا أشهد بذلك، فأخذه حكيم بن جبلة فأقعده، فقام زيد بن ثابت فقال: إنه في الكتاب. فثار إليه من ناحية أخرى محمد بن أبى مريرة، فأقعده و قال يا نطع، و ثار القوم بأجمعهم فحصبوا الناس حتى أخرجوهم من المسجد، و حصبوا عثمان حتى صرع من المنبر مغشيا عليه، فاحتمل و أدخل داره، و كان المصريون لا يطمعون في أحد من الناس أن يساعدهم إلا محمد بن أبى بكر، و محمد بن جعفر، و عمار ابن ياسر. و أقبل على و طلحة و الزبير إلى عثمان في أناس يعودونه و يشكون إليه بثهم و ما حل بالناس، ثم رجعوا إلى منازلهم، و استقبل جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة و ابن عمر، و زيد بن ثابت في المحاربة عن عثمان، فبعث إليهم يقسم عليهم لما كفوا أيديهم و سكنوا حتى يقضى اللَّه ما يشاء.

ذكر حصر أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه‏

لما وقع ما وقع يوم الجمعة، و شج أمير المؤمنين عثمان، و هو في رأس المنبر، و سقط مغشيا عليه، و احتمل إلى داره، و تفاقم الأمر، و طمع فيه أولئك الأجلاف الأخلاط من الناس، و ألجئوه إلى داره و ضيقوا عليه، و أحاطوا بها محاصرين له، و لزم كثير من الصحابة بيوتهم، و سار إليه جماعة من أبناء الصحابة، عن أمر آبائهم، منهم الحسن و الحسين، و عبد اللَّه بن الزبير- و كان أمير الدار- و عبد اللَّه ابن عمرو ابن العاص، و صاروا، يحاجون عنه، و يناضلون دونه أن يصل إليه أحد منهم، و أسلمه بعض الناس‏

177

رجاء أن يجيب أولئك إلى واحدة مما سألوا، فإنهم كانوا قد طلبوا منه إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، و لم يقع في خلد أحد أن القتل كان في نفس الخارجين. و انقطع عثمان عن المسجد فكان لا يخرج إلا قليلا في أوائل الأمر، ثم انقطع بالكلية في آخره، و كان يصلى بالناس في هذه الأيام الغافقي بن حرب. و قد استمر الحصر أكثر من شهر. و قيل أربعين يوما، حتى كان آخر ذلك أن قتل شهيدا رضى اللَّه عنه، على ما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى. و الّذي ذكره ابن جرير أن الّذي كان يصلى بالناس في هذه المدة و عثمان محصور، طلحة بن عبيد اللَّه. و في صحيح البخاري عن [ (1)] و روى الواقدي أن عليا صلى أيضا، و صلى أبو أيوب، و صلى بهم سهل بن حنيف، و كان يجمع بهم على، و هو الّذي صلى بهم بعد، و قد خاطب الناس في غبوب ذلك بأشياء، و جرت أمور سنورد منها ما تيسر و باللَّه المستعان.

قال الامام أحمد: حدثنا بهز ثنا أبو عوانة ثنا حصين عن عمرو بن جاوان قال: قال الأحنف انطلقنا حجاجا فمررنا بالمدينة، فبينا نحن في منزلنا إذ جاءنا آت فقال: الناس في المسجد، فانطلقت أنا و صاحبي، فإذا الناس مجتمعون على نفر في المسجد، قال: فتخللتهم حتى قمت عليهم، فإذا على ابن أبى طالب و الزبير و طلحة و سعد بن أبى وقاص، قال: فلم يكن ذلك بأسرع من أن جاء عثمان يمشى، فقال: هاهنا على؟ قالوا: نعم! قال: هاهنا الزبير؟ قالوا نعم! قال: هاهنا طلحة؟ قالوا: نعم! قال هاهنا سعد بن أبى وقاص؟ قالوا: نعم! قال: أنشدكم باللَّه الّذي لا إله إلا هو، تعلمون أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من يبتاع مر بد بنى فلان غفر اللَّه له فابتعته فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت: إني قد ابتعته، فقال: «اجعله في مسجدنا و أجره لك» قالوا: نعم! قال: أنشدكم باللَّه الّذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «من يبتاع بئر رومة» فابتعتها بكذا و كذا، فأتيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقلت إني قد ابتعتها- يعنى بئر رومة- قال: «اجعلها سقاية للمسلمين و لك أجرها» قالوا:

نعم! قال: أنشدكم باللَّه الّذي لا إله إلا هو تعلمون أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) نظر في وجوه القوم يوم جيش العسرة فقال: «من يجهز هؤلاء غفر اللَّه له» فجهزتهم حتى ما يفقدون خطاما و لا عقالا؟ قالوا:

اللَّهمّ نعم! فقال: اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، اللَّهمّ اشهد، ثم انصرف. و رواه النسائي من حديث حصين و عنده إذ جاء رجل و عليه ملاءة صفراء.

طريق أخرى‏

قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثني عبد اللَّه بن عمر القواريري حدثني القاسم بن الحكم بن أوس‏

____________

[ (1)] بياض بأصل المصرية و في الرياض النضرة و تاريخ الخميس: و روى عن عبد اللَّه بن سلام أنه قال لما حصر عثمان ولى أبا هريرة على الصلاة.

178

الأنصاري حدثني أبو عبادة الدرقى الأنصاري، من أهل الحديبيّة، عن زيد بن أسلم عن أبيه.

قال: شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز، و لو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل، فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلى مقام جبريل، فقال: أيها الناس! أ فيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال:

أيها الناس: أ فيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال أيها الناس! أ فيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد اللَّه، فقال له عثمان: ألا أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداى إلى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيبني؟ أنشدك اللَّه يا طلحة تذكر يوم كنت أنا و أنت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في موضع كذا و كذا، ليس معه أحد من أصحابه غيري و غيرك؟ فقال: نعم!

قال: فقال لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «يا طلحة إنه ليس من نبي إلا و معه من أصحابه رفيق من أمته معه في الجنة، و إن عثمان بن عفان هذا- يعنى- رفيقي في الجنة» فقال طلحة: اللَّهمّ نعم!

ثم انصرف، لم يخرجوه.

طريق أخرى‏

قال عبد اللَّه بن أحمد: حدثنا محمد بن أبى بكر المقدسي ثنا محمد بن عبد اللَّه الأنصاري ثنا هلال بن إسحاق عن الجريريّ عن ثمامة بن جزء القشيري. قال:

شهدت الدار يوم أصيب عثمان، فاطلع عليه اطلاعة، فقال: أدعو لي صاحبيكم اللذين ألباكم على، فدعيا له، فقال: أنشدكما اللَّه تعلمان أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما قدم المدينة ضاق المسجد بأهله، فقال: من يشترى هذه البقعة من خالص ماله فيكون فيها كالمسلمين، و له خير منها في الجنة»؟ فاشتريتها من خالص مالي فجعلتها بين المسلمين و أنتم تمنعوني أن أصلى فيه ركعتين. ثم قال: أنشدكم اللَّه أ تعلمون أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لما قدم المدينة لم يكن فيها بئر يستعذب منه إلا بئر رومة فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «من يشتريها من خالص ماله فيكون دلوه فيها كدلاء المسلمين، و له خير منها في الجنة»؟ فاشتريتها من خالص مالي، و أنتم تمنعوني أن أشرب منها. ثم قال: هل تعلمون أنى صاحب جيش العسرة؟ قالوا: اللَّهمّ نعم!

و قد رواه الترمذي عن عبد اللَّه بن عبد الرحمن الدارميّ، و عباس الدوري و غير واحد، أخرجه النسائي عن زياد بن أيوب كلهم عن سعيد بن عامر عن يحيى بن أبى الحجاج المنقري عن أبى مسعود الجريريّ به‏

،

و قال الترمذي: حسن صحيح.

طريق أخرى قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد ثنا القاسم- يعنى ابن المفضل- ثنا عمرو بن مرة عن سالم ابن أبى الجعد. قال: دعا عثمان رجالا من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فيهم عمار بن ياسر، فقال:

إني سائلكم و إني أحب أن تصدقوني، نشدتكم اللَّه أ تعلمون أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان يؤثر قريشا على الناس، و يؤثر بنى هاشم على سائر قريش؟ فسكت القوم. فقال: لو أن بيدي مفاتيح الجنة لأعطيتها

179

بنى أمية حتى يدخلوا من عند آخرهم. فبعث إلى طلحة و الزبير فقال عثمان: ألا أحدثكما عنه- يعنى عمارا- أقبلت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم). أخذ بيدي يمشى في البطحاء حتى أتى على أبيه و أمه و هم يعذبون»

فقال أبو عمار: يا رسول اللَّه، الدهر هكذا؟ فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أصبر، ثم قال: «اللَّهمّ اغفر لآل ياسر و قد فعلت»

تفرد به أحمد و لم يخرجه أحمد من أصحاب الكتب.

طريق أخرى‏

قال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان سمعت معاوية بن مسلم أنا سلمة يذكر عن مطرف عن نافع عن ابن عمر أن عثمان أشرف على أصحابه و هو محصور، فقال: على م تقتلوننى؟

فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«لا يحل دم امرئ إلا بإحدى ثلاث، رجل زنى بعد إحصانه فعليه الرجم، أو قتل عمدا فعليه القود، أو ارتد بعد إسلامه فعليه القتل»،

فو اللَّه ما زنيت في جاهلية و لا إسلام، و لا قتلت أحدا فأقيد نفسي منه، و لا ارتددت منذ أسلمت، إني أشهد أن لا إله إلا اللَّه و أن محمدا عبده و رسوله. و رواه النسائي عن أحمد بن الأزهر عن إسحاق بن سليمان به.

طريق أخرى‏

قال الإمام أحمد: حدثنا عفان ثنا حماد بن زيد ثنا يحيى بن سعيد عن أبى أمامة بن سهل بن حنيف قال: كنت مع عثمان في الدار و هو محصور، قال: و كنا ندخل مدخلا إذا دخلناه سمعنا كلام من على البلاط، قال: فدخل عثمان يوما لحاجته فخرج إلينا منتقعا لونه، فقال. إنهم ليتواعدونى بالقتل آنفا. قال: قلنا يكفيكهم اللَّه يا أمير المؤمنين، قال: و لم يقتلونني؟

فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

: «لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث، رجل كفر بعد إسلامه، أو زنى بعد إحصانه، أو قتل نفسا بغير نفس»

فو اللَّه ما زنيت في جاهلية و لا إسلام قط، و لا تمنيت بدلا بديني منذ هداني اللَّه له، و لا قتلت نفسا، فبم يقتلونني؟. و قد رواه أهل السنن الأربعة من حديث حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد حدثني أبو أسامة. زاد النسائي و عبد اللَّه بن عامر بن ربيعة قالا: كنا مع عثمان، فذكره. و قال الترمذي: حسن. و قد رواه حماد بن سلمة عن يحيى بن سعيد فرفعه.

طريق أخرى‏

قال الامام أحمد: حدثنا قطن ثنا يونس- يعنى ابن أبى إسحاق- عن أبيه عن أبى سلمة بن عبد الرحمن. قال:

أشرف عثمان من القصر و هو محصور فقال: أنشد باللَّه من شهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم حراء إذ اهتز الجبل فر كله بقدمه ثم قال: «اسكن حراء ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد» و أنا معه، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد باللَّه من شهد رسول اللَّه يوم بيعة الرضوان إذ بعثني إلى المشركين إلى أهل مكة فقال: «هذه يدي و هذه يد عثمان». و وضع يديه إحداهما على الأخر فبايع لي، فانتشد له رجال. ثم‏

180

قال: أنشد باللَّه من شهد رسول اللَّه قال: من يوسع لنا بهذا البيت في المسجد بنيت له بيتا في الجنة» فابتعته من مالي فوسعت به المسجد. فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد باللَّه من شهد رسول اللَّه يوم جيش العسرة قال: «من ينفق اليوم نفقة متقبلة»؟

فجهزت نصف الجيش من مالي، فانتشد له رجال. ثم قال: أنشد باللَّه من شهد رومة يباع ماؤها ابن السبيل فابتعتها من مالي فأبحتها ابن السبيل قال: فانتشد له رجال. و رواه النسائي عن عمران بن بكار عن حطاب بن عثمان عن عيسى بن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن جده أبى إسحاق السبيعي به.

و قد ذكر ابن جرير أن عثمان رضى اللَّه عنه لما رأى ما فعل هؤلاء الخوارج من أهل الأمصار، من محاصرته في داره، و منعه الخروج إلى المسجد، كتب إلى معاوية بالشام، و إلى ابن عامر بالبصرة و إلى أهل الكوفة، يستنجدهم في بعث جيش يطردون هؤلاء من المدينة، فبعث معاوية مسلمة بن ابن حبيب، و انتدب يزيد بن أسد القشيري في جيش، و بعث أهل الكوفة جيشا، و أهل البصرة جيشا، فلما سمع أولئك بخروج الجيوش إليهم صمموا في الحصار، فما اقترب الجيوش إلى المدينة حتى جاءهم قتل عثمان رضى اللَّه عنه كما سنذكره. و ذكر ابن جرير أن عثمان استدعى الأشتر النخعي و وضعت لعثمان وسادة في كوة من داره، فأشرف على الناس، فقال له عثمان: يا أشتر ما ذا يريدون؟

فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الإمرة، و إما أن تفتدى من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، و إما أن يقتلوك. و في رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الأمصار و يولى عليها من يريدون هم، و إن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زوّر على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه، فيكون سببا في قتل امرئ مسلم و ما فعل من الأمر ما يستحق بسببه القتل، و اعتذر عن الاقتصاص مما قالوا بأنه رجل ضعيف البدن كبير السن. و أما ما سألوه من خلعه نفسه فإنه لا يفعل و لا ينزع قميصا قمصه اللَّه إياه، و يترك أمة محمد يعدو بعضها على بعض و يولى السفهاء من الناس من يختاروه هم فيقع الهرج و يفسد الأمر كما ظنه فسدت الأمة و وقع الهرج، و قال لهم فيما قال، و أي شي‏ء إلى من الأمر إن كنت كلما كرهتم أميرا عزلته، و كلما رضيتم عنه وليته؟ و قال لهم فيما قال: و اللَّه لئن قتلتموني لا تتحابوا بعدي، و لا تصلوا جميعا أبدا، و لا تقاتلوا بعدي عدوا جميعا أبدا، و قد صدق رضى اللَّه عنه فيما قال.

و قال الامام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ثنا معاوية بن صالح عن ربيعة بن يزيد عن عبد اللَّه بن أبى قيس حدثني النعمان بن بشير قال‏

: كتب معى عثمان إلى عائشة كتابا فدفعت إليها كتابه فحدثتني أنها سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعثمان: «إن اللَّه لعله يقمصك قميصا. فان أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات»

قال النعمان: فقلت يا أم المؤمنين! فأين كنت عن هذا الحديث؟ فقالت: يا بنى و اللَّه أنسيته. و قد رواه الترمذي من حديث الليث عن معاوية بن صالح‏

181

عن ربيعة بن يزيد عن عبد اللَّه بن عامر عن النعمان عن عائشة به. ثم قال: هذا حديث حسن غريب. و رواه ابن ماجة من حديث الفرج بن فضالة عن ربيعة بن يزيد عن النعمان، فأسقط عبد اللَّه بن عامر.

قال الامام أحمد: حدثنا يحيى بن إسماعيل ثنا قيس عن أبى سهلة عن عائشة قالت قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «أدعو لي بعض أصحابى، قلت أبو بكر؟ قال: لا، قلت عمر؟ قال: لا؟ قلت ابن عمك عليّ؟ قال: لا! قالت قلت عثمان؟ قال: نعم! فلما جاء قال: تنحى فجعل يسارّه و لون عثمان يتغير، فلما كان يوم الدار و حصر فيها، قلنا: يا أمير المؤمنين ألا تقاتل؟ قال: لا! إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عهد إلى عهدا و إني صابر نفسي عليه»

تفرد به أحمد. و قال محمد بن عائد الدمشقيّ: حدثنا الوليد بن مسلم ثنا عبد اللَّه بن لهيعة عن يزيد بن عمرو أنه سمع أبا ثور الفقيمي يقول: قدمت على عثمان فبينا أنا عنده فخرجت فإذا بوفد أهل مصر قد رجعوا فدخلت على عثمان فأعلمته، قال: فكيف رأيتهم؟

فقلت: رأيت في وجوههم الشر، و عليهم ابن عديس البلوى، فصعد ابن عديس منبر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فصلى بهم الجمعة، و تنقص عثمان في خطبته، فدخلت على عثمان فأخبرته بما قال فيهم، فقال:

كذب و اللَّه ابن عديس، و لو لا ما ذكر ما ذكرت، إني رابع أربعة في الإسلام، و لقد أنكحنى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ابنته ثم توفيت فأنكحنى ابنته الأخرى، و لا زنيت و لا سرقت في جاهلية و لا إسلام، و لا تعنيت و لا تمنيت منذ أسلمت، و لا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لقد جمعت القرآن على عهد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و لا أتت عليّ جمعة إلا و أنا أعتق فيها رقبة منذ أسلمت، إلا أن لا أجدها في تلك الجمعة فأجمعها في الجمعة الثانية و رواه يعقوب بن سفيان عن عبد اللَّه بن أبى بكر عن ابن لهيعة، قال: لقد اختبأت عند ربى عشرا، فذكرهن.

فصل‏

كان الحصار مستمرا من أواخر ذي القعدة إلى يوم الجمعة الثامن عشر من ذي الحجة، فلما كان قبل ذلك بيوم، قال عثمان للذين عنده في الدار من المهاجرين و الأنصار- و كانوا قريبا من سبعمائة، فيهم عبد اللَّه بن عمر و عبد اللَّه بن الزبير و الحسن و الحسين و مروان و أبو هريرة، و خلق من مواليه، و لو تركهم لمنعوه فقال لهم: أقسم على من لي عليه حق أن يكفّ يده و أن ينطلق إلى منزله، و عنده من أعيان الصحابة و أبنائهم جم غفير، و قال لرقيقه: من أغمد سيفه فهو حر. فبرد القتال من داخل، و حمى من خارج، و اشتد الأمر، و كان سبب ذلك أن عثمان رأى في المنام رؤيا دلّت على اقتراب أجله فاستسلم لأمر اللَّه رجاء موعودة، و شوقا إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ليكون خيرا بنى آدم حيث‏

182

قال حين أراد أخوه قتله: (إني أريد أن تبوء بإثمي و إثمك فتكون من أصحاب النار، و ذلك جزاء الظالمين) و روى أن آخر من خرج من عند عثمان من الدار، بعد أن عزم عليهم في الخروج، الحسن بن على و قد خرج، و كان أمير الحرب على أهل الدار عبد اللَّه بن الزبير رضى اللَّه عنهم.

و روى موسى بن عقبة عن سالم أو نافع أن ابن عمر لم يلبس سلاحه بعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، إلا يوم الدار و يوم نجرة الحروري. قال أبو جعفر الداريّ عن أيوب السختياني عن نافع عن ابن عمر: إن عثمان رضى اللَّه عنه أصبح يحدّث الناس، قال: رأيت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام فقال: يا عثمان أفطر عندنا» فأصبح صائما و قتل من يومه، و قال سيف بن عمر عن عبد الرحمن بن زياد بن أنعم عن رجل قال دخل عليه كثير بن الصلت فقال: يا أمير المؤمنين اخرج فاجلس بالفناء فيرى الناس وجهك فإنك إن فعلت ارتدعوا. فضحك و قال: يا كثير رأيت البارحة و كأنى دخلت على نبي اللَّه و عنده أبو بكر و عمر، فقال: «ارجع فإنك مفطر عندي غدا» ثم قال عثمان: و لن تغيب الشمس و اللَّه غدا أو كذا و كذا إلا و أنا من أهل الآخرة، قال: فوضع سعد و أبو هريرة السلاح و أقبلا حتى دخلا على عثمان.

و قال موسى بن عقبة: حدثني أبو علقمة- مولى لعبد الرحمن بن عوف- حدثني ابن الصلت قال:

أغفى عثمان بن عفان في اليوم الّذي قتل فيه فاستيقظ فقال: لو لا أن يقول الناس تمنى عثمان أمنية لحدثتكم. قال: قلنا أصلحك اللَّه، حدثنا فلسنا نقول ما يقول الناس، فقال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في منامي هذا، «فقال: إنك شاهد معنا الجمعة». و قال ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو عبد الرحمن القرشي، ثنا خلف بن تميم ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر البجلي، ثنا عبد الملك بن عمير حدثني كثير بن الصلت قال: دخلت على عثمان و هو محصور، فقال لي: يا كثير ما أرادنى إلا مقتولا يومى هذا. قال: قلت ينصرك اللَّه على عدوك يا أمير المؤمنين، قال: ثم أعاد على فقلت وقت لك في هذا اليوم شي‏ء؟ أو قيل لك شي‏ء؟ قال: لا! و لكنى سهرت في ليلتي هذه الماضية، فلما كان وقت السحر أغفيت إغفاءة فرأيت فيما يرى النائم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أبا بكر و عمر، و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لي: يا عثمان الحقنا لا تحبسنا، فانا ننتظرك» قال: فقتل من يومه ذلك. و قال [ (1)] ابن أبى الدنيا حدثنا إسحاق بن إسماعيل ثنا يزيد بن هارون، عن فرج بن فضالة عن مروان بن أبى أمية عن عبد اللَّه بن سلام. قال: أتيت عثمان لأسلم عليه و هو محصور، فدخلت عليه فقال: مرحبا بأخي، رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الليلة في هذه الخوخة- قال: و خوخة في البيت- فقال: «يا عثمان حصروك؟

قلت: نعم! قال: عطشوك؟ قلت: نعم! فأدلى دلوا فيه ماء فشربت حتى رويت حتى إني‏

____________

[ (1)] كذا بأصل المصرية. و في عقد الجمان للبدر العيني. رواه ابن أبى الدنيا: و عن عبد اللَّه ابن سلام إلخ.

183

لأجد برده بين ثدييّ و بين كتفي، و قال لي: إن شئت نصرت عليهم، و إن شئت أفطرت عندنا، فاخترت أن أفطر عنده» فقتل ذلك اليوم.

و قال محمد بن سعد: أنا عفان بن مسلم ثنا وهيب ثنا داود عن زياد بن عبد اللَّه عن أم هلال بنت وكيع عن امرأة عثمان- قال: و أحسبها بنت الفرافصة- قالت: أغفى عثمان فلما استيقظ قال:

إن القوم يقتلونني، قلت: كلا يا أمير المؤمنين. قال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و ابا بكر و عمر، فقالوا:

أفطر عندنا الليلة، أو إنك مفطر عندنا الليلة. و قال الهيثم بن كليب: حدثنا عيسى بن أحمد العسقلاني ثنا شبابة ثنا يحيى بن أبى راشد مولى عمر بن حريث عن محمد بن عبد الرحمن الجرشى. و عقبة بن أسد عن النعمان بن بشير عن نائلة بنت الفرافصة الكلبية- امرأة عثمان- قالت: لما حصر عثمان ظل اليوم الّذي كان فيه قتله صائما، فلما كان عند إفطاره سألهم الماء العذب فأبوا عليه، و قالوا:

دونك ذلك الركى. و ركي في الدار الّذي يلقى فيه النتن- قالت: فلم يفطر فرأيت جارا [ (1)] على أحاجير متواصلة- و ذلك في السحر- فسألتهم الماء العذب، فأعطونى كوزا من ماء، فأتيته فقلت:

هذا ماء عذب أتيتك به، قالت: فنظر فإذا الفجر قد طلع فقال: إني أصبحت صائما، قالت: فقلت و من أين اكلت؟ و لم أر أحدا أتاك بطعام و لا شراب؟ فقال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اطلع عليّ من هذا السقف و معه دلو من ماء فقال: اشرب يا عثمان، فشربت حتى رويت، ثم قال: ازدد فشربت حتى نهلت، ثم قال: أما إن القوم سينكرون عليك، فإن قاتلتهم ظفرت، و إن تركتهم أفطرت عندنا، قالت: فدخلوا عليه من يومه فقتلوه.

و قال أبو يعلى الموصلي و عبد اللَّه بن الامام أحمد: حدثني عثمان بن أبى شيبة ثنا يونس بن أبى يعفور العبديّ عن أبيه عن مسلم أبى سعيد مولى عثمان بن عفان أن عثمان أعتق عشرين مملوكا و دعا بسراويل فشدها و لم يلبسها في جاهلية و لا إسلام، و قال: إني رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في المنام، و أبا بكر و عمر، و أنهم قالوا لي: اصبر فإنك تفطر عندنا القابلة، ثم دعا بمصحف فنشره بين يديه فقتل و هو بين يديه. قلت: إنما لبس السراويل رضى اللَّه عنه في هذا اليوم لئلا تبدو عورته إذا قتل فإنه كان شديد الحياء، كانت تستحي منه ملائكة السماء، كما نطق بذلك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و وضع بين يديه المصحف يتلو فيه، و استسلم لقضاء اللَّه عز و جل، و كف يده عن القتال، و أمر الناس و عزم عليهم أن لا يقاتلوا دونه، و لو لا عزيمته عليهم لنصروه من أعدائه، و لكن كان أمر اللَّه قدرا مقدورا. و قال هشام بن عروة عن أبيه: إن عثمان رضى اللَّه عنه أوصى إلى الزبير. و قال الأصمعي عن العلاء بن الفضل عن أبيه. قال: لما قتل عثمان فتشوا خزانته فوجدوا فيها صندوقا مقفلا ففتحوه‏

____________

[ (1)] بياض بأصل المصرية.

184

فوجدوا فيه حقة فيها ورقة مكتوب فيها: «هذه وصية عثمان. بسم اللَّه الرحمن الرحيم، عثمان بن عفان يشهد أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، و أن محمدا عبده و رسوله، و أن الجنة حق، و أن النار حق، و أن اللَّه يبعث من في القبور، ليوم لا ريب فيه إن اللَّه لا يخلف الميعاد، عليها يحيى و عليها يموت، و عليها يبعث إن شاء اللَّه تعالى».

و روى ابن عساكر أن عثمان رضى اللَّه عنه قال يوم دخلوا عليه فقتلوه:

أرى الموت لا يبقى عزيزا و لم يدع‏* * * لعاد ملاذا في البلاد و مرتعا

و قال أيضا:

يبيّت أهل الحصن و الحصن مغلق‏* * * و يأتى الجبال الموت في شماريخها العلا

صفة قتله رضى اللَّه عنه‏

و قال خليفة بن خياط: حدثنا ابن علية ثنا ابن عوف عن الحسن قال أنبأنى رباب. قال:

بعثني عثمان فدعوت له الأشتر فقال: ما يريد الناس؟ قال: ثلاث ليس من إحداهن بد، قال:

ما هن؟ قال: يخبرونك بين أن تخلع لهم أمرهم فتقول: هذا أمركم فاختاروا من شئتم، و بين أن تقتص من نفسك، فان أبيت فان القوم قاتلوك. فقال: أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع سربالا سربلنيه اللَّه، و أما أن أقتص لهم من نفسي، فو اللَّه لئن قتلتموني لا تحابون بعدي، و لا تصلون بعدي جميعا، و لا تقاتلون بعدي جميعا عدوا أبدا. قال: و جاء رويجل كأنه ذئب فاطلع من باب و رجع، و جاء محمد بن أبى بكر في ثلاثة عشر رجلا، فأخذ بلحيته فعال بها حتى سمعت وقع أضراسه، فقال: ما أغنى عنك معاوية، و ما أغنى عنك ابن عامر، و ما أغنت عنك كتبك، قال:

أرسل لحيتي يا ابن أخى، قال: فأنا رأيته استعدى رجلا من القوم بعينه- يعنى أشار إليه- فقام إليه بمشقص فوجئ به رأسه. قلت: ثم مه؟ قال: ثم تعاوروا عليه حتى قتلوه.

و قال سيف بن عمر التميمي (رحمه اللَّه) عن العيص بن القاسم عن رجل عن خنساء مولاة أسامة بن زيد- و كانت تكون مع نائلة بنت الفرافصة امرأة عثمان- أنها كانت في الدار و دخل محمد بن أبى بكر فأخذ بلحيته و أهوى بمشاقص معه فيجاء بها في حلقه، فقال مهلا يا ابن أخى، فو اللَّه لقد أخذت مأخذا ما كان أبوك ليأخذ به، فتركه و انصرف مستحييا نادما، فاستقبله القوم على باب الصفة فردّهم طويلا حتى غلبوه، فدخلوا و خرج محمد راجعا. فأتاه رجل بيده جريدة يقدمهم حتى قام على عثمان فضرب بها رأسه فشجه، فقطر دمه على المصحف حتى لطخه، ثم تعاوروا عليه فأتاه رجل فضربه على الثدي بالسيف، و رتبت نائلة بنت الفرافصة الكلبية فصاحت و ألقت نفسها عليه، و قالت:

185

يا بنت شيبة أ يقتل أمير المؤمنين؟ و أخذت السيف، فقطع الرجل يدها، و انتهبوا متاع [ (1)] [الدار] و مرّ رجل على عثمان و رأسه مع المصحف فضرب رأسه برجله و نحاه عن المصحف و قال: ما رأيت كاليوم وجه كافر أحسن و لا مضجع كافر أكرم. قال: و اللَّه ما تركوا في داره شيئا حتى الأقداح إلا ذهبوا به.

و روى الحافظ ابن عساكر أن عثمان لما عزم على أهل الدار في الانصراف و لم يبق عنده سوى أهله تسوروا عليه الدار و أحرقوا الباب و دخلوا عليه، و ليس فيهم أحد من الصحابة و لا أبنائهم، إلا محمد بن أبى بكر، و سبقه بعضهم، فضربوه حتى غشي عليه و صاح النسوة فانزعروا و خرجوا و دخل محمد بن أبى بكر و هو يظن أنه قد قتل، فلما رآه قد أفاق قال: على أي دين أنت يا نعثل؟ قال:

على دين الإسلام، و لست بنعثل و لكنى أمير المؤمنين، فقال: غيرت كتاب اللَّه، فقال: كتاب اللَّه بيني و بينكم، فتقدم إليه و أخذ بلحيته و قال: إنا لا يقبل منا يوم القيامة أن نقول: (ربنا إنا أطعنا سادتنا و كبراءنا فأضلونا السبيلا) و شطحه بيده من البيت إلى باب الدار، و هو يقول: يا ابن أخى ما كان أبوك ليأخذ بلحيتي. و جاء رجل من كندة من أهل مصر، يلقب حمارا، و يكنى بأبي رومان. و قال قتادة: اسمه رومان، و قال غيره: كان أزرق أشقر، و قيل كان اسمه سودان بن رومان [المرادي‏]. و عن ابن عمر قال: كان اسم الّذي قتل عثمان أسود بن حمران ضربه بحربة و بيده السيف صلتا قال ثم جاء فضربه به في صدره حتى أقعصه، ثم وضع ذباب السيف في بطنه و اتكى عليه و تحامل حتى قتله، و قامت نائلة دونه فقطع السيف أصابعها رضى اللَّه عنها، و يروى أن محمد بن أبى بكر طعنه بمشاقص في أذنه حتى دخلت في حلقه. و الصحيح أن الّذي فعل ذلك غيره، و أنه استحى و رجع حين قال له عثمان: لقد أخذت بلحية كان أبوك يكرمها. فتذمم من ذلك و غطى وجهه و رجع و حاجز دونه فلم يفد و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا، و كان ذلك في الكتاب مسطورا.

و روى ابن عساكر عن ابن عون أن كنانة بن بشر ضرب جبينه و مقدم رأسه بعمود حديد فخر لجنبيه، و ضربه سودان بن حمران المرادي بعد ما خرج لجنبه فقتله، و أما عمرو بن الحمق فوثب على عثمان فجلس على صدره، و به رمق، فطعنه تسع طعنات، و قال: أما ثلاث منهن فلله، و ست لما كان في صدري عليه.

و قال الطبراني: حدثنا أحمد بن محمد بن صدقة البغدادي، و إسحاق بن داود الصواف التستري قالا: ثنا محمد بن خالد بن خداش ثنا مسلم بن قتيبة ثنا مبارك عن الحسن. قال: «حدثني سياف عثمان أن رجلا من الأنصار دخل على عثمان فقال: ارجع يا ابن أخى فلست بقاتلي، قال: و كيف‏

____________

[ (1)] بياض بأصل المصرية و التصحيح من عقد الجمان للبدر العيني.

186

علمت ذلك؟ قال: لأنه أتى بك النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم سابعك فحنكك و دعا لك بالبركة. ثم دخل عليه رجل آخر من الأنصار فقال له مثل ذلك سواء. ثم دخل محمد بن أبى بكر فقال: أنت قاتلي. قال: و ما يدريك يا نعثل؟ قال: لأنه أتى بك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم سابعك ليحنكك و يدعو لك بالبركة، فخريت على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قال: فوثب على صدره و قبض على لحيته، و وجأه بمشاقص كانت في يده». هذا حديث غريب جدا و فيه نكارة. و ثبت من غير وجه أن أول قطرة من دمه سقطت على قوله تعالى‏ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ و يروى أنه كان قد وصل إليها في التلاوة أيضا حين دخلوا عليه، و ليس ببعيد فإنه كان قد وضع المصحف يقرأ فيه القرآن.

و روى ابن عساكر أنه لما طعن قال: بسم اللَّه توكلت على اللَّه، فلما قطر الدم قال: سبحان اللَّه العظيم. و قد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، و صلب بعضهم، و بقطع أيدي بعضهم و أرجلهم، و كان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى‏ إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَ رَسُولَهُ وَ يَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَ أَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيا وَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابٌ عَظِيمٌ‏ و عنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضى اللَّه عنه من جملة المفسدين في الأرض، و لا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان و يكتب على لسانه بغير علمه، و يزور على خطه، و خاتمه، و يبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان و بين المصريين، على تأمير محمد بن أبى بكر على مصر، بخلاف ذلك كله، و لهذا لما وجدوا هذا الكتاب على خلاف ما وقع الاتفاق عليه، و ظنوا أنه من عثمان، أعظموا ذلك، مع ما هم مشتملون عليه من الشر فرجعوا إلى المدينة فطافوا به على رءوس الصحابة، و أعانهم على ذلك قوم آخرون، حتى ظن بعض الصحابة أن هذا عن أمر عثمان رضى اللَّه عنه، فلما قيل لعثمان رضى اللَّه عنه في أمر هذا الكتاب بحضرة جماعة من أعيان الصحابة و جمهور المصريين، حلف باللَّه العظيم، و هو الصادق البار الراشد، أنه لم يكتب هذا الكتاب و لا أملاه على من كتبه، و لا علم به، فقالوا له: فان عليه خاتمك. فقال: إن الرجل قد يزور على خطه و خاتمه قالوا: فإنه مع غلامك و على جملك. فقال: و اللَّه لم أشعر بشي‏ء من ذلك. فقالوا له- بعد كل مقالة- إن كنت قد كتبته فقد خنت، و إن لم تكن قد كتبته بل كتب على لسانك و أنت لا تعلم فقد عجزت، و مثلك لا يصلح للخلافة، إما لخيانتك، و إما لعجزك، و هذا الّذي قالوا باطل على كل تقدير فإنه لو فرض أنه كتب الكتاب، و هو لم يكتبه في نفس الأمر، لا يضره ذلك لأنه قد يكون رأى ذلك مصلحة للأمة في إزالة شوكة هؤلاء البغاة الخارجين على الامام، و أما إذا لم يكن قد علم به فأى‏

187

عجز ينسب إليه إذا لم يكن قد اطلع عليه و زور على لسانه؟ و ليس هو بمعصوم بل الخطأ و الغفلة جائزان عليه رضى اللَّه عنه، و إنما هؤلاء الجهلة البغاة متعنتون خونة، ظلمة مفترون، و لهذا صمموا بعد هذا على حصره و التضييق عليه، حتى منعوه الميرة و الماء و الخروج إلى المسجد، و تهددوه بالقتل، و لهذا خاطبهم بما خاطبهم به من توسعة المسجد و هو أول من منع منه، و من وقفه بئر رومة على المسلمين و هو أول من منع ماءها، و من أنه‏

أسمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه إلا بإحدى ثلاث، النفس بالنفس، و الثيب الزاني، و التارك لدينه المفارق للجماعة»

و ذكر أنه لم يقتل نفسا، و لا ارتد بعد إيمانه، و لا زنى في جاهلية و لا إسلام، بل و لا مس فرجه بيمينه بعد أن بايع بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و في رواية بعد أن كتب بها المفصل. ثم ذكر لهم من فضائله و مناقبه ما لعله ينجع فيهم بالكف عنه و الرجوع إلى الطاعة للَّه و لرسوله و لأولى الأمر منهم، فأبوا إلا الاستمرار على ما هم عليه من البغي و العدوان، و منعوا الناس من الدخول إليه و الخروج من عنده، حتى اشتد عليه الحال، و ضاق المجال، و نفد ما عنده من الماء، فاستغاث بالمسلمين في ذلك فركب على بنفسه و حمل معه قربا من الماء فبالجهد حتى أوصلها إليه بعد ما ناله من جهله أولئك كلام غليظ، و تنفير لدابته، و إخراق عظيم بليغ، و كان قد زجرهم أتم الزجر، حتى قال لهم فيما قال: و اللَّه إن فارس و الروم لا يفعلون كفعلكم هذا بهذا الرجل، و اللَّه إنهم ليأسرون فيطعمون و يسقون، فأبوا أن يقبلوا منه حتى رمى بعمامته في وسط الدار. و جاءت أم حبيبة راكبة بغلة و حولها حشمها و خدمها، فقالوا، ما جاء بك؟ فقالت: إن عنده وصايا بنى أمية، لأيتام و أرامل، فأحببت أن أذكره بها، فكذبوها في ذلك و نالها منهم شدة عظيمة، و قطعوا حزام البغلة و ندّت بها، و كادت أو سقطت عنها، و كادت تقتل لو لا تلاحق بها الناس فأمسكوا بدابتها، و وقع أمر كبير جدا، و لم يبق يحصل لعثمان و أهله من الماء إلا ما يوصله إليهم آل عمرو بن حزم في الخفية ليلا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ.

و لما وقع هذا أعظمه الناس جدا، و لزم أكثر الناس بيوتهم، و جاء وقت الحج فخرجت أم المؤمنين عائشة في هذه السنة إلى الحج، فقيل لها: إنك لو أقمت كان أصلح، لعل هؤلاء القوم يهابونك، فقالت: إني أخشى أن أشير عليهم برأي فينالنى منهم من الأذية ما نال أم حبيبة، فعزمت على الخروج. و استخلف عثمان رضى اللَّه عنه في هذه السنة على الحج عبد اللَّه بن عباس، فقال له عبد اللَّه ابن عباس: إن مقامي على بابك أحاجف عنك أفضل من الحج. فعزم عليه، فخرج بالناس إلى الحج و استمر الحصار بالدار حتى مضت أيام التشريق و رجع اليسير من الحج، فأخبر بسلامة الناس، و أخبر أولئك بأن أهل الموسم عازمون على الرجوع إلى المدينة ليكفوكم عن أمير المؤمنين. و بلغهم‏

188

أيضا أن معاوية قد بعث جيشا مع حبيب بن مسلمة، و أن عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح قد نفذ آخر مع معاوية بن خديج، و أن أهل الكوفة قد بعثوا القعقاع ابن عمرو في جيش، و أن أهل البصرة بعثوا مجاشعا في جيش، فعند ذلك صمموا على أمرهم، و بالغوا فيه، و انتهزوا الفرصة بقلة الناس و غيبتهم في الحج، و أحاطوا بالدار، وجدوا في الحصار، و أحرقوا الباب، و تسوروا من الدار المتاخمة للدار، كدار عمرو بن حزم و غيرها، و حاجف الناس عن عثمان أشد المحاجفة، و اقتتلوا على الباب قتالا شديدا، و تبارزوا و تراجزوا بالشعر في مبارزتهم، و جعل أبو هريرة يقول: هذا يوم طاب في الضراب فيه. و قتل طائفة من أهل الدار و آخرون من أولئك الفجار، و جرح عبد اللَّه بن الزبير جراحات كثيرة، و كذلك جرح الحسن بن على و مروان ابن الحكم فقطع إحدى علباويه فعاش أو قص حتى مات. و من أعيان من قتل من أصحاب عثمان، زياد بن نعيم الفهري، و المغيرة بن الأخنس بن شريق، و نيار بن عبد اللَّه الأسلمي، في أناس وقت المعركة، و يقال إنه انهزم أصحاب عثمان ثم رجعوا. و لما رأى عثمان ذلك عزم على الناس لينصرفوا إلى بيوتهم، فانصرفوا كما تقدم، فلم يبق عنده أحد سوى أهله، فدخلوا عليه من الباب، و من الجدران و فزع عثمان إلى الصلاة و افتتح سورة طه، و كان سريع القراءة- فقرأها و الناس في غلبة عظيمة، قد احترق الباب و السقيفة التي عنده، و خافوا أن يصل الحريق إلى بيت المال، ثم فرغ عثمان من صلاته و جلس و بين يديه المصحف، و جعل يتلو هذه الآية الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ‏ فكان أول من دخل عليه رجل يقال له الموت الأسود فخنقه خنقا شديدا حتى غشي عليه، و جعلت نفسه تتردد في حلقه، فتركه و هو يظن انه قد قتله، و دخل ابن أبى بكر فمسك بلحيته ثم ند و خرج، ثم دخل عليه آخر و معه سيف فضربه به فاتقاه بيده فقطعها، فقيل: إنه أبانها: و قيل: بل قطعها و لم يبنها، إلا أن عثمان قال: و اللَّه إنها أول يد كتبت المفصل، فكان أول قطرة دم منها سقطت على هذه الآية فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ‏ ثم جاء آخر شاهرا سيفه فاستقبلته نائلة بنت الفرافصة لتمنعه منه، و أخذت السيف فانتزعه منها فقطع أصابعها. ثم إنه تقدم إليه فوضع السيف في بطنه فتحامل عليه، رضى اللَّه عن عثمان. و في رواية أن الغافقي بن حرب تقدم إليه بعد محمد بن أبى بكر فضربه بحديدة في فيه، و رفس المصحف الّذي بين يديه برجله فاستدار المصحف ثم استقر بين يدي عثمان رضى اللَّه عنه. و سالت عليه الدماء، ثم تقدم سودان بن حمران بالسيف فما نعته نائلة فقطع أصابعها فولت فضرب عجيزتها بيده و قال: إنها لكبيرة العجيزة. و ضرب عثمان فقتله، فجاء غلام عثمان فضرب سودان فقتله، فضرب الغلام رجل يقال له قترة فقتله.

و ذكر ابن جرير أنهم أرادوا حرز رأسه بعد قتله، فصاح النساء و ضربن وجوههن، فيهن امرأتاه‏

189

نائلة و أم البنين، [ (1)] و بناته، فقال ابن عديس: اتركوه، فتركوه. ثم مال هؤلاء الفجرة على ما في البيت فنهبوه، و ذلك أنه نادى مناد منهم: أ يحل لنادمه و لا يحل لنا ماله، فانتهبوه ثم خرجوا فأغلقوا الباب على عثمان و قتيلين معه، فلما خرجوا إلى صحن الدار وثب غلام لعثمان على قترة فقتله، و جعلوا لا يمرون على شي‏ء إلا أخذوه حتى استلب رجل يقال له كلثوم التجيبي، ملاءة نائلة، فضربه غلام لعثمان فقتله، و قتل الغلام أيضا، ثم تنادى القوم: أن أدركوا بيت المال لا تستبقوا إليه، فسمعهم حفظة بيت المال فقالوا: يا قوم النجا النجا، فان هؤلاء القوم لم يصدقوا فيما قالوا من ان قصدهم قيام الحق و الأمر بالمعروف و النهى عن المنكر و غير ذلك مما ادعوا انهم انما قاموا لأجله و كذبوا إنما قصدهم الدنيا، فانهزموا و جاء الخوارج فأخذوا مال بيت المال و كان فيه شي‏ء كثير جدا.

فصل‏

و لما وقع هذا الأمر العظيم، الفظيع الشنيع، أسقط في أيدي الناس، فأعظموه جدا، و ندم أكثر هؤلاء الجهلة الخوارج بما صنعوا، و أشبهوا من تقدمهم ممن قصّ اللَّه علينا خبرهم في كتابه العزيز، من الذين عبدوا العجل. في قوله تعالى‏ وَ لَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَ رَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنا رَبُّنا وَ يَغْفِرْ لَنا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ‏ و لما بلغ الزبير مقتل عثمان- و كان قد خرج من المدينة- قال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم ترحم على عثمان، و بلغه أن الذين قتلوه ندموا فقال: تبا لهم، ثم تلا قوله تعالى‏ ما يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً واحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَ هُمْ يَخِصِّمُونَ. فَلا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً وَ لا إِلى‏ أَهْلِهِمْ يَرْجِعُونَ‏ و بلغ عليا قتله فترحم عليه. و سمع بندم الذين قتلوه فتلا قوله تعالى‏ كَمَثَلِ الشَّيْطانِ إِذْ قالَ لِلْإِنْسانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قالَ إِنِّي بَرِي‏ءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ‏ و لما بلغ سعد بن أبى وقاص قتل عثمان استغفر له و ترحم عليه، و تلا في حق الذين قتلوه‏ قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمالًا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً ثم قال سعد: اللَّهمّ اندمهم ثم خذهم. و قد أقسم بعض السلف باللَّه إنه ما مات أحد من قتلة عثمان إلا مقتولا. رواه ابن جرير.

و هكذا ينبغي أن يكون لوجوه (منها) دعوة سعد المستجابة كما ثبت في الحديث الصحيح.

و قال بعضهم: ما مات أحد منهم حتى جن. و قال الواقدي: حدثني عبد الرحمن بن أبى الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث قال: الّذي قتل عثمان كنانة بن بشر بن عتاب التجيبي. و كانت امرأة منظور بن سيار الفزاري تقول: خرجنا إلى الحج و ما علمنا لعثمان بقتل، حتى إذا كنا بالمرج سمعنا رجلا يغنى تحت الليل:

____________

[ (1)] في أصل المصرية: امرأته نائلة و أم اليدين. و التصحيح من عقد الجمان للعينى.

190

ألا إن خير الناس بعد ثلاثة* * * قتيل التجيبي الّذي جاء من مضر

و لما رجع الحج وجدوا عثمان رضى اللَّه عنه قد قتل، و بايع الناس على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه. و لما بلغ أمهات المؤمنين في أثناء الطريق أن عثمان قد قتل، رجعن إلى مكة فأقمن بها نحوا من أربعة أشهر كما سيأتي‏

فصل‏

كانت مدة حصار عثمان رضى اللَّه عنه في داره أربعين يوما على المشهور، و قيل كانت بضعا و أربعين يوما. و قال الشعبي: كانت ثنتين و عشرين ليلة. ثم كان قتله رضى اللَّه عنه في يوم الجمعة بلا خلاف.

قال سيف بن عمر عن مشايخه: في آخر ساعة منها، و نص عليه مصعب بن الزبير و آخرون.

و قال آخرون ضحوة نهارها، و هذا أشبه، و كان ذلك لثماني عشر ليلة خلت من ذي الحجة على المشهور، و قيل في أيام التشريق، رواه ابن جرير: حدثني أحمد بن زهير ثنا أبو خيثمة ثنا وهب بن جرير سمعت يونس عن يزيد عن الزهري. قال: قتل عثمان فزعم بعض الناس أنه قتل في أيام التشريق، و قال بعضهم قتل يوم الجمعة لثلاث خلت من ذي الحجة. و قيل قتل يوم النحر، حكاه ابن عساكر و يستشهد له بقول الشاعر:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به‏* * * يقطع الليل تسبيحا و قرآنا

قال: و الأول هو الأشهر، و قيل إنه قتل يوم الجمعة لثماني عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين على الصحيح المشهور، و قيل سنة ست و ثلاثين، قال مصعب بن الزبير و طائفة: و هو غريب. فكانت خلافته ثنتى عشرة سنة إلا اثنى عشر يوما، لأنه بويع له في مستهل المحرم سنة أربع و عشرين. فأما عمره رضى اللَّه عنه فإنه جاوز ثنتين و ثمانين سنة، و قال صالح بن كيسان: توفى عن ثنتين و ثمانين سنة و أشهر، و قيل: أربع و ثمانون سنة، و قال قتادة: توفى عن ثمان و ثمانين أو تسعين سنة. و في رواية عنه توفى عن ست و ثمانين سنة. و عن هشام بن الكلبي: توفى عن خمس و سبعين سنة، و هذا غريب جدا، و أغرب منه ما رواه سيف بن عمر عن مشايخه، و هم محمد و طلحة و أبو عثمان و أبو حارثة أنهم قالوا: قتل عثمان رضى اللَّه عنه عن ثلاث و ستين سنة.

و أما موضع قبره فلا خلاف أنه دفن بحش كوكب- شرقى البقيع- و قد بنى عليه زمان بنى أمية قبة عظيمة و هي باقية إلى اليوم. قال الامام مالك رضى اللَّه عنه: بلغني أن عثمان رضى اللَّه عنه كان يمر بمكان قبره من حش كوكب فيقول: إنه سيدفن هاهنا رجل صالح.

و قد ذكر ابن جرير أن عثمان رضى اللَّه عنه بقي بعد أن قتل ثلاثة أيام لا يدفن. قلت: و كأنه‏

191

اشتغل الناس عنه بمبايعة على رضى اللَّه عنه حتى تمت، و قيل إنه مكث ليلتين، و قيل بل دفن من ليلته، ثم كان دفنه ما بين المغرب و العشاء خيفة من الخوارج، و قيل بل استؤذن في ذلك بعض رؤسائهم. فخرجوا به في نفر قليل من الصحابة، فيهم حكيم بن حزام، و حويطب بن عبد العزى، و أبو الجهم بن حذيفة، و نيار بن مكرم الأسلمي، و جبير بن مطعم، و زيد بن ثابت، و كعب بن مالك، و طلحة و الزبير، و على بن أبى طالب و جماعة من أصحابه و نسائه، منهن امرأتاه نائلة و أم البنين بنت عتبة بن حصين، و صبيان.- و هذا مجموع من كلام الواقدي و سيف بن عمر التميمي- و جماعة من خدمة حملوه على باب بعد ما غسلوه و كفنوه. و زعم بعضهم أنه لم يغسل و لم يكفن، و الصحيح الأول. و صلى عليه جبير بن مطعم، و قيل الزبير بن العوام، و قيل حكيم بن حزام، و قيل مروان ابن الحكم، و قيل المسور بن مخرمة و قد عارضه بعض الخوارج و أرادوا رجمه، و إلقاءه عن سريره، و عزموا على أن يدفن بمقبرة اليهود بدير سلع، حتى بعث على رضى اللَّه عنه إليهم من نهاهم عن ذلك و حمل جنازته حكيم بن حزام، و قيل مروان بن الحكم، و قيل المسور بن مخرمة، و أبو جهم بن حذيفة و نيار بن مكرم، و جبير بن مطعم، و ذكر الواقدي أنه لما وضع ليصلي عليه- عند مصلى الجنائز- أراد بعض الأنصار أن يمنعهم من ذلك، فقال أبو جهم بن حذيفة: ادفنوه فقد صلى اللَّه عليه و ملائكته ثم قالوا: لا يدفن في البقيع و لكن ادفنوه وراء الحائط، فدفنوه شرقى البقيع تحت نخلات هناك.

و ذكر الواقدي أن عمير بن ضابئ نزا على سريره و هو موضوع للصلاة عليه فكسر ضلعا من أضلاعه و قال: أحبست ضابئا حتى مات في السجن. و قد قتل الحجاج فيما بعد عمير بن ضابئ هذا.

و قال البخاري في التاريخ: حدثنا موسى بن إسماعيل عن عيسى بن منهال ثنا غالب عن محمد بن سيرين قال: كنت أطوف بالكعبة و إذا رجل يقول: اللَّهمّ اغفر لي، و ما أظن أن تغفر لي، فقلت: يا عبد اللَّه ما سمعت أحدا يقول ما تقول، قال: كنت أعطيت للَّه عهدا إن قدرت أن ألطم وجه عثمان إلا لطمته، فلما قتل وضع على سريره في البيت و الناس يجيئون يصلون عليه، فدخلت كأنى أصلى عليه، فوجدت خلوة فرفعت الثوب عن وجهه و لحيته و قد يبست يميني. قال ابن سيرين: فرأيتها يابسة كأنها عود. ثم أخرجوا بعبدي عثمان اللذين قتلا في الدار، و هما صبيح و نجيح، رضى اللَّه عنهما، فدفنا إلى جانبه بحش كوكب، و قيل إن الخوارج لم يمكنوا من دفنهما، بل جروهما بأرجلهما حتى ألقوهما بالبلاط فأكلتهما الكلاب، و قد اعتنى معاوية في أيام إمارته بقبر عثمان، و رفع الجدار بينه و بين البقيع، و أمر الناس أن يدفنوا موتاهم حوله حتى اتصلت بمقابر المسلمين.

192

ذكر صفته رضى اللَّه عنه‏

كان رضى اللَّه عنه حسن الوجه دقيق البشرة، كبير اللحية، معتدل القامة، عظيم الكراديس، بعيد ما بين المنكبين، كثير شعر الرأس، حسن الثغر، فيه سمرة، و قيل كان في وجهه شي‏ء من آثار الجدري، رضى اللَّه عنه. و عن الزهري: كان حسن الوجه و الثغر، مربوعا، أصلع، أزوج الرجلين يخضب بالصفرة و قد كان شد أسنانه بالذهب و قد كسى ذراعيه الشعر و قال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة عن سعيد ابن أبى زيد عن الزهري عن عبيد اللَّه بن عبد اللَّه ابن عتبة. قال: كان لعثمان عند خازنه يوم قتل، ثلاثون ألف ألف درهم و خمسمائة ألف درهم، و مائة ألف دينار، فانتهبت و ذهبت، و ترك ألف بعير بالربذة، و ترك صدقات كان تصدق بها، بئر أريس، و خيبر، و وادي القرى، فيه مائتا ألف دينار. [و بئر رومة كان اشتراها في حياة النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و سبّلها] [ (1)]

فصل‏

قال الأعمش عن زيد بن وهب عن حذيفة أنه قال: أول الفتن قتل عثمان، و آخر الفتن الدجال.

و روى الحافظ بن عساكر من طريق شبابة عن حفص بن مورق الباهلي، عن حجاج بن أبى عمار الصواف عن زيد بن وهب عن حذيفة. قال: أول الفتن قتل عثمان، و آخر الفتن خروج الدجال، و الّذي نفسي بيده لا يموت رجل و في قلبه مثقال حبة من حب قتل عثمان إلا تبع الدجال إن أدركه، و إن لم يدركه، آمن به في قبره. و قال أبو بكر بن أبى الدنيا و غيره: أنا محمد بن سعد أنا عمرو بن عاصم الكلابي ثنا أبو الأشهب حدثني عوف عن محمد بن سيرين أن حذيفة بن اليمان قال: اللَّهمّ إن كان قتل عثمان بن عفان خيرا. فليس لي فيه نصيب، و إن كان قتله شرا فأنا منه بري‏ء، و اللَّه لئن كان قتله خيرا ليحلبنه لبنا، و إن كان قتله شرا ليمتص به دما. و قد ذكره البخاري في صحيحه.

طريق أخرى عنه‏

قال محمد بن عائذ: ذكر محمد بن حمزة حدثني أبو عبد اللَّه الحراني أن حذيفة بن اليمان في مرضه الّذي هلك فيه كان عنده رجل من إخوانه و هو يناجي امرأته ففتح عينيه فسألهما فقالا خيرا، فقال:

إن شيئا تسرانه دوني ما هو بخير، قال: قتل الرجل- يعنى عثمان- قال: فاسترجع ثم قال: اللَّهمّ إني كنت من هذا الأمر بمعزل، فان كان خيرا فهو لمن حضره و أنا منه بري‏ء، و إن كان شرا فهو لمن حضره و أنا منه بري‏ء، اليوم تغيرت القلوب يا عثمان، الحمد للَّه الّذي سبق بى الفتن، قادتها و علوجها الخطى، من تردى بغيره فشبع شحما و قبل عمله. و قال الحسن بن عرفة: ثنا إسماعيل بن إبراهيم بن‏

____________

[ (1)] زيادة من عقد الجمان منسوبة لابن كثير.

193

علية عن سعيد بن أبى عروبة عن قتادة عن أبى موسى الأشعري، قال لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، و لكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما، و هذا منقطع. و قال محمد بن سعد: أنا حازم بن الفضل أنا الصعق بن حزن ثنا قتادة عن زهدم الجرمي. قال: خطب ابن عباس فقال: لو لم يطلب الناس بدم عثمان لرموا بالحجارة من السماء. و قد روى من غير هذا الوجه عنه. و قال الأعمش و غيره عن ثابت بن عبيد عن أبى جعفر الأنصاري. قال: لما قتل عثمان جئت عليا و هو جالس في المسجد و عليه عمامة سوداء فقلت له: قتل عثمان، فقال: تبا لهم آخر الدهر. و في رواية: خيبة لهم.

و قال أبو القاسم البغوي: أنبأنا على بن الجعد أنا شريك عن عبد اللَّه بن عيسى عن ابن أبى ليلى. قال‏

: سمعت عليا و هو بباب المسجد أو عند أحجار الزيت رافعا صوته يقول: اللَّهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان.

و قال أبو هلال عن قتادة عن الحسن. قال: قتل عثمان و عليّ غائب في أرض له، فلما بلغه قال: اللَّهمّ إني لم أرض و لم أمالئ و روى الربيع بن بدر عن سيار بن سلامة عن أبى العالية: أن عليا دخل على عثمان فوقع عليه و جعل يبكى حتى ظنوا أنه سيلحق به. و قال الثوري و غيره عن ليث عن طاووس عن ابن عباس قال: قال على يوم قتل عثمان: و اللَّه ما قتلت و لا أمرت و لكنى غلبت. و رواه غير ليث عن طاووس عن ابن عباس عن على نحوه.

و قال حبيب بن أبى العالية عن مجاهد عن ابن عباس. قال: قال على‏

إن شاء الناس حلفت لهم عند مقام إبراهيم باللَّه ما قتلت عثمان و لا أمرت بقتله، و لقد نهيتهم فعصونى،

و قد روى من غير وجه عن على بنحوه.

و قال محمد بن يونس الكديمي: ثنا هارون بن إسماعيل ثنا قرة بن خالد عن الحسن عن قيس بن عباد. قال: سمعت عليا يوم الجمل يقول:

اللَّهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، و لقد طاش عقلي يوم قتل عثمان، و أنكرت نفسي، و جاءوني للبيعة فقلت: و اللَّه إني لأستحيى من اللَّه أن أبايع قوما قتلوا رجلا قال فيه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إني لأستحيى ممن تستحي منه الملائكة» و إني لأستحي من اللَّه أن أبايع و عثمان قتيل في الأرض لم يدفن بعد، فانصرفوا، فلما دفن رجع الناس يسألونى البيعة فقلت: اللَّهمّ إني أشفق مما أقدم عليه، ثم جاءت عزمة فبايعت. فلما قالوا: أمير المؤمنين كان صدع قلبي و اسكت نفرة من ذلك.

و قد اعتنى الحافظ الكبير أبو القاسم بن عساكر بجمع الطرق الواردة عن على أنه تبرأ من دم عثمان، و كان يقسم على ذلك في خطبه و غيرها أنه لم يقتله و لا أمر بقتله و لا مالأ و لا رضى به، و لقد نهى عنه فلم يسمعوا منه. ثبت ذلك عنه من طرق تفيد القطع عند كثير من أئمة الحديث و للَّه الحمد و المنة. و ثبت عنه أيضا من غير وجه أنه‏

قال‏

: إني لأرجو أن أكون أنا و عثمان ممن قال اللَّه تعالى فيهم‏

وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْواناً عَلى‏ سُرُرٍ مُتَقابِلِينَ‏

و ثبت عنه أيضا من غير وجه أنه قال:

وَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَ آمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَ أَحْسَنُوا

و في رواية

194

أنه قال‏

: كان عثمان رضى اللَّه عنه خيرنا و أوصلنا للرحم، و أشدنا حياء، و أحسننا طهورا، و أتقانا للرب عز و جل.

و روى يعقوب بن سفيان عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن مجالد عن عمير ابن رودي (كذا) أبى كثير. قال‏

: خطب على فقطع الخوارج عليه خطبته فنزل فقال: إن مثلي و مثل عثمان كمثل أثوار ثلاثة، أحمر و أبيض و أسود، و معهم في أجمة أسد، فكان كلما أراد قتل أحدهم منعه الآخران، فقال للأسود و الأحمر: إن هذا الأبيض قد فضحنا في هذه الأجمة فخليا عنه حتى آكله، فخليا عنه فأكله، ثم كان كلما أراد أحدهما منعه الآخر فقال للأحمر: إن هذا الأسود قد فضحنا في هذه الأجمة، و إن لوني على لونك فلو خليت عنه أكلته فخلى عنه الأحمر فأكله، ثم قال للأحمر: إني آكلك، فقال: دعني حتى أصيح ثلاث صيحات، فقال دونك، فقال: ألا إني إنما أكلت يوم أكل الأبيض ثلاثا فلو انى نصرته لما اكلت. ثم قال على:

و إنما أنا وهنت يوم قتل عثمان و لو انى نصرته لما وهنت، قالها ثلاثا.

و روى ابن عساكر من طريق محمد بن هارون الحضرميّ عن سويد بن عبد اللَّه القشيري القاضي عن ابن مهدي عن حماد بن زيد عن يحيى بن سعيد عن سعيد بن المسيب، قال: كانت المرأة تجي‏ء في زمان عثمان إلى بيت المال فتحمل وقرها و تقول: اللَّهمّ بدل، اللَّهمّ غير. فقال حسان بن ثابت حين قتل عثمان رضى اللَّه عنه‏

قلتم بدّل فقد بدلكم‏* * * سنّة حرى و حربا كاللهب‏

ما نقمتم من ثياب خلفة* * * و عبيد و إماء و ذهب‏

قال: و قال أبو حميد أخو بنى ساعدة- و كان ممن شهد بدرا، و كان ممن جانب عثمان- فلما قتل قال: و اللَّه ما أردنا قتله، و لا كنا نرى أن يبلغ منه القتل، اللَّهمّ إن لك على أن لا أفعل كذا و كذا و لا أضحك حتى ألقاك، و قال محمد بن سعد أنا عبد اللَّه بن إدريس أنا إسماعيل بن أبى خالد عن قيس بن أبى حازم عن سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل. قال: لقد رأيتني و أن عمر موثقى و أخته على الإسلام، و لو ارفض أحد فيما صنعتم بابن عفان لكان حقيقا. و هكذا رواه البخاري في صحيحه.

و روى محمد بن عائد عن إسماعيل بن عباس عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير. قال:

سمع عبد اللَّه بن سلام رجلا يقول لآخر: قتل عثمان بن عفان فلم ينتطح فيه عنزان. فقال ابن سلام أجل! إن البقر و المعز لا تنتطح في قتل الخليفة، و لكن ينتطح فيه الرجال بالسلاح، و اللَّه لتقتلن به أقوام إنهم لفي أصلاب آبائهم ما ولدوا بعد. و قال ليث عن طاووس. قال: قال ابن سلام: يحكّم عثمان يوم القيامة في القتال و الخاذل. و قال أبو عبد اللَّه المحاملي: ثنا أبو الأشعث ثنا حزم بن أبى حزم سمعت أبا الأسود يقول سمعت أبا بكرة يقول: لأن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلى من أن أشرك في قتل عثمان. و قال أبو يعلى: ثنا إبراهيم بن محمد بن عرعرة ثنا محمد بن عباد الهبانى ثنا البراء

195

ابن أبى فضال ثنا الحضرميّ عن أبى مريم رضيع الجارود. قال: كنت بالكوفة فقام الحسن بن على خطيبا فقال: أيها الناس! رأيت البارحة في منامي عجبا، رأيت الرب تبارك و تعالى فوق عرشه فجاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى قام عند قائمة من قوائم العرش، فجاء أبو بكر فوضع يده على منكب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) ثم جاء عمر فوضع يده على منكب أبى بكر، ثم جاء عثمان فكان بيده- يعنى رأسه- فقال: رب سل عبادك فيم قتلوني؟ فانبعث من السماء ميزابان من دم في الأرض، قال فقيل لعلى ألا ترى ما يحدث به الحسن؟! فقال: حدث بما رأى.

و رواه أبو يعلى أيضا عن سفيان بن وكيع عن جميع بن عمير عن عبد الرحمن بن مجالد عن حرب العجليّ: سمعت الحسن- بن على يقول:

ما كنت لأقاتل بعد رؤيا رأيتها، رأيت العرش و رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) متعلق بالعرش، و رأيت أبا بكر واضعا يده على منكب رسول اللَّه، و كان عمر واضعا يده على منكب أبى بكر، و رأيت عثمان واضعا يده على منكب عمر، و رأيت دما دونهم، فقلت: ما هذا؟ فقيل: دم عثمان يطلب اللَّه به.

و قال مسلم بن إبراهيم: ثنا سلام بن مسكين عن وهب بن شبيب عن زيد بن صوحان أنه قال: يوم قتل عثمان نفرت القلوب منافرها، و الّذي نفسي بيده لا تتألف إلى يوم القيامة، و قال محمد بن سيرين: قالت عائشة: مصصتموه مص الإناء ثم قتلتموه؟ و قال خليفة بن خياط ثنا أبو قتيبة ثنا يونس بن أبى إسحاق عن عون بن عبد اللَّه ابن عتبة. قال: قالت عائشة: غضبت لكم من السوط و لا أغضب لعثمان من السيف، استعتبتموه حتى إذا تركتموه كالقعب المصفى قتلتموه. و قال أبو معاوية عن الأعمش عن خيثمة عن مسروق.

قال: قالت عائشة حين قتل عثمان: تركتموه كالثوب النقي من الدنس ثم قتلتموه. و في رواية: ثم قربتموه ثم ذبحتموه كما يذبح الكبش؟ فقال لها مسروق: هذا عملك، أنت كتبت إلى الناس تأمريهم أن يخرجوا إليه، فقالت: لا و الّذي آمن به المؤمنون و كفر به الكافرون، ما كتبت لهم سوداء في بيضاء حتى جلست مجلسى هذا. قال الأعمش: فكانوا يرون أنه كتب على لسانها.

و هذا إسناد صحيح إليها. و في هذا و أمثاله دلالة ظاهرة على أن هؤلاء الخوارج قبحهم اللَّه، زوروا كتبا على لسان الصحابة إلى الآفاق يحرضونهم على قتال عثمان، كما قدمنا بيانه و للَّه الحمد و المنة.

و قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حزم القطعي ثنا أبو الأسود بن سوادة أخبرنى طلق بن حسان قال: قال قتل عثمان فتفرقنا في أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) نسألهم عن قتله فسمعت عائشة تقول: قتل مظلوما لعن اللَّه قتلته. و روى محمد بن عبد اللَّه الأنصاري عن أبيه عن ثمامة عن أنس. قال: قالت أم سليم لما سمعت بقتل عثمان: (رحمه اللَّه)، أما إنه لم يحلبوا بعده إلا دما.

و أما كلام أئمة التابعين في هذا الفصل فكثير جدا يطول ذكرنا له، فمن ذلك قول أبى مسلم الخولانيّ حين رأى الوفد الذين قدموا من قتله: انكم مثلهم أو أعظم جرما أما مررتم ببلاد ثمود؟ قالوا: نعم! قال: فأشهد

196

أنكم مثلهم، لخليفة اللَّه أكرم عليه من ناقته. و قال ابن علية عن يونس بن عبيد عن الحسن.

قال: لو كان قتل عثمان هدى لاحتلبت به الأمة لبنا، و لكنه كان ضلالا فاحتلبت به الأمة دما.

و قال أبو جعفر الباقر: كان قتل عثمان على غير وجه الحق.

و هذا ذكر بعض ما رثى به رضى اللَّه عنه‏

قال مجالد عن الشعبي: ما سمعت من مراثي عثمان أحسن من قول كعب بن مالك:

فكف يديه ثم أغلق بابه‏* * * و أيقن أن اللَّه ليس بغافل‏

و قال لأهل الدار لا تقتلوهم‏* * * عفا اللَّه عن كل امرئ لم يقاتل‏

فكيف رأيت اللَّه صب عليهم‏* * * العداوة و البغضاء بعد التواصل‏

و كيف رأيت الخير أدبر بعده‏* * * عن الناس إدبار النعام الجوافل‏

و قد نسب هذه الأبيات سيف بن عمر إلى أبى المغيرة الأخنس بن شريق. و قال سيف بن عمر: و قال حسان بن ثابت:

ما ذا أردتم من أخى الدين باركت‏* * * يد اللَّه في ذاك الأديم المقدد

قتلتم ولى اللَّه في جوف داره‏* * * و جئتم بأمر جائر غير مهتد

فهلا رعيتم ذمة اللَّه بينكم‏* * * و أوفيتم بالعهد عهد محمد

أ لم يك فيكم ذا بلاء و مصدق‏* * * و أوفاكم عهدا لدى كل مشهد

فلا ظفرت أيمان قوم تبايعوا* * * على قتل عثمان الرشيد المسدد

و قال ابن جرير: و قال حسان بن ثابت رضى اللَّه عنه:

من سره الموت صرفا لا مزاج له‏* * * فليأت مأسدة في دار عثمانا

مستحقي حلق الماذىّ قد سفعت‏* * * فوق المخاطم بيض زان أبدانا

ضحوا بأشمط عنوان السجود به‏* * * يقطع الليل تسبيحا و قرآنا

صبرا فدى لكم أمى و ما ولدت‏* * * قد ينفع الصبر في المكروه أحيانا

فقد رضينا بأرض الشام نافرة* * * و بالأمير و بالإخوان إخوانا

إني لمنهم و إن غابوا و إن شهدوا* * * ما دمت حيا و ما سميت حسانا

لتسمعن و شيكا في ديارهم‏* * * اللَّه أكبر يا ثارات عثمانا

يا ليت شعرى و ليت الطير تخبرني‏* * * ما كان شأن على و ابن عفانا

[و هو القائل أيضا

197

إن تمس دار ابن أروى منه خاوية* * * باب صريع و باب محرق خرب‏

فقد يصادف باغي العرف حاجته‏* * * فيها و يأوى إليها المجد و الحسب‏

يا معشر الناس ابدوا ذات أنفسكم‏* * * لا يستوي الصدق عند اللَّه و الكذب‏

و قال الفرزدق‏

إن الخلافة لما أظعنت ظعنت‏* * * عن أهل يثرب إذ غير الهدى سلكوا

صارت إلى أهلها منهم و وارثها* * * لما رأى اللَّه في عثمان ما انتهكوا

السافكى دمه ظلما و معصية* * * أي دم لا هدوا من غيّتهم سفكوا] [ (1)]

و قال راعى الإبل النميري في ذلك:

عشية يدخلون بغير إذن‏* * * على متوكل أوفى و طابا

خليل محمد و وزير صدق‏* * * و رابع خير من وطئ الترابا

فصل‏

إن قال قائل كيف وقع قتل عثمان رضى اللَّه عنه بالمدينة و فيها جماعة من كبار الصحابة رضى اللَّه عنهم؟ فجوابه من وجوه (أحدها) أن كثيرا منهم بل أكثرهم أو كلهم لم يكن يظن أنه يبلغ الأمر إلى قتله، فان أولئك الأحزاب لم يكونوا يحاولون قتله عينا، بل طلبوا منه أحد أمور ثلاثة إما أن يعزل نفسه، أو يسلم إليهم مروان بن الحكم، أو يقتلوه، فكانوا يرجون أن يسلم إلى الناس مروان، أو أن يعزل نفسه و يستريح من هذه الضائقة الشديدة. و أما القتل فما كان يظن أحد أنه يقع، و لا أن هؤلاء يجترءون عليه إلى ما هذا حده، حتى وقع ما وقع و اللَّه أعلم.- الثاني- أن الصحابة مانعوا دونه أشد الممانعة، و لكن لما وقع التضييق الشديد، عزم عثمان على الناس أن يكفوا أيديهم و يغمدوا أسلحتهم ففعلوا، فتمكن أولئك مما أرادوا، و مع هذا ما ظن أحد من الناس أنه يقتل بالكلية- الثالث- أن هؤلاء الخوارج لما اغتنموا غيبة كثير من أهل المدينة في أيام الحج، و لم تقدم الجيوش من الآفاق للنصرة، بل لما اقترب مجيئهم، انتهزوا فرصتهم، قبحهم اللَّه، و صنعوا ما صنعوا من الأمر العظيم- الرابع- أن هؤلاء الخوارج كانوا قريبا من ألفى مقاتل من الأبطال، و ربما لم يكن في أهل المدينة هذه العدة من المقاتلة، لأن الناس كانوا في الثغور و في الأقاليم في كل جهة، و مع هذا كان كثير من الصحابة اعتزل هذه الفتنة و لزموا بيوتهم، و من كان يحضر منهم المسجد لا يجي‏ء إلا و معه السيف، يضعه على حبوته إذا احتبى، و الخوارج محدقون بدار عثمان رضى اللَّه عنه، و ربما

____________

[ (1)] زيادة من تاريخ البدر العيني نقلها في سياق عبارة ابن كثير.

198

لو أرادوا صرفهم عن الدار لما أمكنهم ذلك، و لكن كبار الصحابة قد بعثوا أولادهم إلى الدار يحاجفون عن عثمان رضى اللَّه عنه، لكي تقدم الجيوش من الأمصار لنصرته، فما فجئ الناس إلا و قد ظفر أولئك بالدار من خارجها، و أحرقوا بابها، و تسوروا عليه حتى قتلوه، و أما ما يذكره بعض الناس من أن بعض الصحابة أسلمه و رضى بقتله، فهذا لا يصح عن أحد من الصحابة أنه رضى بقتل عثمان رضى اللَّه عنه، بل كلهم كرهه، و مقته، و سب من فعله، و لكن بعضهم كان يود لو خلع نفسه من الأمر، كعمار بن ياسر، و محمد بن أبى بكر، و عمرو بن الحمق و غيرهم.

؟؟.؟؟. قال أبو عمر بن عبد البر: دفنوا عثمان رضى اللَّه عنه بحش كوكب- و كان قد اشتراه و زاده في البقيع- و لقد أحسن بعض السلف إذ يقول و قد سئل عن عثمان: هو أمير البررة، و قتيل الفجرة، مخذول من خذله، منصور من نصره.

و قال شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي في آخر ترجمة عثمان و فضائله- بعد حكايته هذا الكلام: الذين قتلوه أو ألبوا عليه قتلوا إلى عفو اللَّه و رحمته، و الذين خذلوه خذلوا و تنغص عيشهم، و كان الملك بعده في نائبة معاوية و بنيه، ثم في وزيره مروان و ثمانية من ذريته، استطالوا حياته و ملوه مع فضله و سوابقه، فتملك عليهم من هو من بنى عمه بضعا و ثمانين سنة، فالحكم للَّه العلى الكبير. و هذا لفظه بحروفه‏

فصل في الإشارة إلى شي‏ء من الأحاديث الواردة في فضائل أمير المؤمنين عثمان بن عفان رضى اللَّه عنه‏

هو عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. أبو عمرو و أبو عبد اللَّه، القرشي، الأموي، أمير المؤمنين، ذو النورين، و صاحب الهجرتين، و زوج الابنتين. و أمه أروى بنت كريز بن ربيعة بن عبد شمس. و أمها أم حكيم و هي البيضاء بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الستة أصحاب الشورى، و أحد الثلاثة الذين خلصت لهم الخلافة من الستة، ثم تعينت فيه بإجماع المهاجرين و الأنصار رضى اللَّه عنهم، فكان ثالث الخلفاء الراشدين، و الأئمة المهديين، المأمور باتباعهم و الاقتداء بهم.

أسلم عثمان رضى اللَّه عنه قديما على يدي أبى بكر الصديق، و كان سبب إسلامه عجيبا فيما ذكره الحافظ ابن عساكر، و ملخص ذلك أنه لما بلغه أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) زوج ابنته رقية- و كانت ذات جمال- من ابن عمها عتبة بن أبى لهب، تأسف إذ لم يكن هو تزوجها، فدخل على أهله مهموما فوجد عندهم خالته سعدى بنت كريز- و كانت كاهنة- فقالت له: أبشر و حييت ثلاثا تترا، ثم ثلاثا

199

و ثلاثا أخرى، ثم بأخرى كي تتم عشرا، أتاك خير و وقيت شرا، أنكحت و اللَّه حصانا زهرا، و أنت بكر و لقيت بكرا، وافيتها بنت عظيم قدرا، بنيت أمرا قد أشاد ذكرا* قال عثمان: فعجبت من أمرها حيث تبشرني بالمرأة قد تزوجت بغيري: فقلت: يا خالة! ما تقولين؟ فقالت: عثمان لك الجمال، و لك اللسان، هذا النبي معه البرهان. أرسله بحقه الديان. و جاءه التنزيل و الفرقان، فاتبعه لا تغتالك الأوثان. قال. فقلت إنك لتذكرين أمرا ما وقع ببلدنا. فقالت: محمد بن عبد اللَّه، رسول من عند اللَّه، جاء بتنزيل اللَّه، يدعو به إلى اللَّه، ثم قالت: مصباحه مصباح، و دينه فلاح، و أمره نجاح، و قرنه نطاح، ذلت له البطاح، ما ينفع الصياح، لو وقع الذباح، و سلت الصفاح، و مدت الرماح. قال عثمان: فانطلقت مفكرا فلقيني أبو بكر فأخبرته، فقال: ويحك يا عثمان إنك لرجل حازم، ما يخفى عليك الحق من الباطل، ما هذه الأصنام التي يعبدها قومنا؟ أ ليست من حجارة صم لا تسمع و لا تبصر و لا تضر و لا تنفع؟ قال: قلت بلى! و اللَّه إنها لكذلك، فقال:

و اللَّه لقد صدقتك خالتك، هذا رسول اللَّه محمد بن عبد اللَّه، قد بعثه اللَّه إلى خلقه برسالته، هل لك أن تأتيه؟ فاجتمعنا برسول اللَّه‏

فقال‏

: يا عثمان أجب اللَّه إلى حقه، فانى رسول اللَّه إليك و إلى خلقه‏

قال: فو اللَّه ما تمالكت نفسي منذ سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أن أسلمت و شهدت أن لا إله إلا اللَّه وحده لا شريك له، ثم لم ألبث أن تزوجت رقية بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فكان يقال:

أحسن زوج رآه إنسان‏* * * رقية و زوجها عثمان‏

فقالت في ذلك سعدى بنت كريز:

هدى اللَّه عثمانا بقولي إلى الهدى‏* * * و أرشده و اللَّه يهدى إلى الحق‏

فتابع بالرأي السديد محمدا* * * و كان برأي لا يصد عن الصدق‏

و أنكحه المبعوث بالحق بنته‏* * * فكانا كبدر مازج الشمس في الأفق‏

فداؤك يا ابن الهاشميين مهجتي‏* * * و أنت أمين اللَّه أرسلت للخلق‏

قال: ثم جاء أبو بكر من الغد بعثمان بن مظعون، و بأبي عبيدة، و عبد الرحمن بن عوف، و أبى سلمة بن عبد الأسد، و الأرقم بن أبى الأرقم، فأسلموا و كانوا مع من اجتمع مع رسول اللَّه ثمانية و ثلاثون رجلا. و هاجر إلى الحبشة أول الناس و معه زوجته رقية بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم عاد إلى مكة و هاجر إلى المدينة، فلما كانت وقعة بدر اشتغل بتمريض ابنة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أقام بسببها في المدينة، و ضرب له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسهمه منها و أجره فيها، فهو معدود فيمن شهدها. فلما توفيت زوجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بأختها أم كلثوم فتوفيت أيضا في صحبته،

و قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «لو كان عندنا أخرى لزوجناها بعثمان»

و شهد أحدا و فر يومئذ فيمن تولى، و قد نص اللَّه على العفو عنهم، و شهد

200

الخندق و الحديبيّة، و بايع عنه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يومئذ بإحدى يديه، و شهد خيبر و عمرة القضاء، و حضر الفتح و هوازن و الطائف و غزوة تبوك، و جهز جيش العسرة. و تقدم عن عبد الرحمن بن خباب أنه جهزهم يومئذ بثلاثمائة بعير بأقتابها و أحلاسها، و عن عبد الرحمن بن سمرة أنه جاء يومئذ بألف دينار فصبها في حجر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

فقال (صلى اللَّه عليه و سلم)

: ما ضر عثمان ما فعل بعد هذا اليوم مرتين.

و حج مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حجة الوداع، و توفى و هو عنه راض، و صحب أبا بكر فأحسن صحبته، و توفى و هو عنه راض، و صحب عمر فأحسن صحبته و توفى و هو عنه راض. و نص عليه في أهل الشورى الستة، فكان خيرهم كما سيأتي.

فولى الخلافة بعده ففتح اللَّه على يديه كثيرا من الأقاليم و الأمصار، و توسعت المملكة الإسلامية، و امتدت الدولة المحمدية، و بلغت الرسالة المصطفوية في مشارق الأرض و مغاربها، و ظهر للناس مصداق قوله تعالى: وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَ عَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَ لَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى‏ لَهُمْ، وَ لَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً و قوله تعالى: هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى‏ وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ‏

و قوله (صلى اللَّه عليه و سلم):

«إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، و إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، و الّذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل اللَّه»

و هذا كله تحقق وقوعه و تأكد و توطد في زمان عثمان رضى اللَّه عنه.

و قد كان رضى اللَّه عنه حسن الشكل، مليح الوجه، كريم الأخلاق، ذا حياء كثير، و كرم غزير، يؤثر أهله و أقاربه في اللَّه، تأليفا لقلوبهم من متاع الحياة الدنيا الفاني، لعله يرغبهم في إيثار ما يبقى على ما يفنى، كما كان النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يعطى أقواما و يدع آخرين، يعطى أقواما خشية أن يكبهم اللَّه على وجوههم في النار، و يكل آخرين إلى ما جعل اللَّه في قلوبهم من الهدى و الإيمان، و قد تعنت عليه بسبب هذه الخصلة أقوام، كما تعنت بعض الخوارج على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الإيثار. و قد قدمنا ذلك في غزوة حنين حيث قسم غنائمها* و قد وردت أحاديث كثيرة في فضل عثمان رضى اللَّه عنه نذكر ما تيسر منها إن شاء اللَّه و به الثقة، و هي قسمان- الأول- فيما ورد في فضائله مع غيره.

فمن ذلك الحديث الّذي رواه البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد ثنا يحيى بن سعيد عن سعيد عن قتادة أن أنسا حدثهم قال‏

: «صعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أحدا و معه أبو بكر و عمر و عثمان، فرجف فقال:

اسكن أحد- أظنه ضربه برجله- فليس عليك إلا نبي و صديق و شهيدان»

تفرد به دون مسلم.

و قال الترمذي: ثنا قتيبة ثنا عبد العزيز بن محمد عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «كان على حراء هو و أبو بكر و عمر و عثمان و على بن أبى طالب و طلحة و الزبير،

201

فتحركت الصخرة، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): اهدئى فما عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد».

ثم قال في الباب: عن عثمان بن سعيد بن زيد و ابن عباس، و سهيل بن سعد، و أنس بن مالك، و بريدة الأسلمي، و هذا حديث صحيح. قلت: و رواه أبو الدرداء، و رواه الترمذي عن عثمان في خطبته يوم الدار، و قال: على ثبير.

حديث آخر

و هو عن أبى عثمان النهدي عن أبى موسى الأشعري قال‏

: كنت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في حائط، فأمرنى بحفظ الباب، فجاء رجل يستأذن فقلت: من هذا؟ قال: أبو بكر، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

ائذن له و بشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال ائذن له و بشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له و بشره بالجنة على بلوى تصيبه، فدخل و هو يقول: اللَّهمّ صبرا و في رواية- اللَّه المستعان‏

» رواه عنه قتادة و أيوب السختياني. و قال البخاري: و قال حماد بن زيد: حدثنا عاصم الأحول و على بن الحكم سمعا أبا عثمان يحدث عن أبى موسى الأشعري بنحوه، و زاد عاصم أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان قاعدا في مكان قد انكشف عن ركبتيه، أو ركبته، فلما دخل عثمان غطاها. و هو في الصحيحين أيضا من حديث سعيد بن المسيب عن أبى موسى، و فيه «أن أبا بكر و عمر دليا أرجلهما مع رسول اللَّه في باب القف و هو في البئر، و جاء عثمان فلم يجد له موضعا» قال سعيد: فأولت ذلك قبورهم اجتمعت و انفرد عثمان.

و قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن مروان ثنا محمد بن عمرو عن أبى سلمة. قال: قال نافع بن الحارث‏

: «خرجت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) حتى دخل حائطا فقال: أمسك على الباب، فجاء حتى جلس على القف و دلى رجليه، فضرب الباب فقلت: من هذا؟ فقال: أبو بكر، فقلت يا رسول اللَّه هذا أبو بكر، قال: ائذن له و بشره بالجنة، فدخل فجلس مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على القف و دلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب: فقلت: من هذا؟ قال: عمر، قلت: يا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هذا عمر، قال: ائذن له و بشره بالجنة، ففعلت، فجاء فجلس مع رسول اللَّه على القف و دلى رجليه في البئر، ثم ضرب الباب فقلت: من هذا؟ قال: عثمان، قلت: يا رسول اللَّه هذا عثمان، قال: ائذن له و بشره بالجنة معها بلاء، فأذنت له و بشرته بالجنة، فجلس مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على القف و دلى رجليه في البئر» هكذا وقع في هذه الرواية،

و قد أخرجه أبو داود و النسائي من حديث أبى سلمة،

فيحتمل أن أبا موسى و نافع بن عبد الحارث كانا موكلين بالباب، أو أنها قصة أخرى.

و قد رواه الامام أحمد عن عفان عن وهيب عن موسى بن عقبة سمعت أبا سلمة و لا أعلمه إلا عن نافع بن عبد الحارث‏

«أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) دخل حائطا فجلس على قف البئر، فجاء أبو بكر