البداية و النهاية - ج7

- ابن كثير الدمشقي‏ المزيد...
361 /
202

فاستأذن فقال لأبى موسى: ائذن له و بشره بالجنة. ثم جاء عمر فقال: ائذن له و بشره بالجنة، ثم جاء عثمان فقال: ائذن له و بشره بالجنة و سيلقى بلاء»

و هذا السياق أشبه من الأول، على أنه قد رواه النسائي من حديث صالح بن كيسان عن أبى الزناد عن أبى سلمة عن عبد الرحمن بن نافع بن عبد الحارث عن أبى موسى الأشعري‏

فاللَّه أعلم.

و قال الامام أحمد: حدثنا يزيد أنا همام عن قتادة عن ابن سيرين و محمد بن عبيد عن عبد اللَّه ابن عمرو قال‏

: «كنت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فجاء أبو بكر فاستأذن فقال: ائذن له و بشره بالجنة، ثم جاء عمر فقال: ائذن له و بشره بالجنة، ثم جاء عثمان فاستأذن فقال: ائذن له و بشره بالجنة. قال:

قلت فأين أنا؟ قال: أنت مع أبيك» تفرد به أحمد.

و قد رواه البزار و أبو يعلى من حديث أنس بن مالك بنحو ما تقدم.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا حجاج ثنا ليث حدثني عقيل عن ابن شهاب عن يحيى بن سعيد بن العاص أن سعيد بن العاص أخبره أن عائشة زوج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و عثمان حدثاه‏

أن أبا بكر استأذن على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو مضطجع على فراشه لابس مرط عائشة، فأذن لأبى بكر و هو كذلك فقضى إليه حاجته ثم انصرف، فاستأذن عمر فأذن له و هو على تلك الحالة فقضى إليه حاجته ثم انصرف، قال عثمان: ثم استأذنت عليه فجلس و قال: اجمعى عليك ثيابك فقضيت إليه حاجتي ثم انصرفت، فقالت عائشة: يا رسول اللَّه! ما لي لا أراك فزعت لأبى بكر و عمر كما فزعت لعثمان؟ فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن عثمان رجل حيي، و إني خشيت إن أذنت له على تلك الحالة لا يبلغ إلى حاجته»

قال الليث: و قال جماعة الناس: إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال لعائشة:

«ألا أستحى ممن تستحي منه الملائكة؟ [ (1)]»

و رواه مسلم من حديث الليث بن سعد به و من حديث صالح ابن كيسان عن الزهري به و رواه مسلم من حديث محمد بن أبى حرملة عن عطاء و سليمان بن يسار عن أبى سلمة عن عائشة. و رواه أبو يعلى الموصلي من حديث سهيل عن أبيه عن عائشة. و رواه جبير بن نفير و عائشة بنت طلحة عنها.

و قال الامام أحمد: حدثنا مروان ثنا عبد اللَّه بن يسار سمعت عائشة بنت طلحة تذكر عن عائشة أم المؤمنين‏

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) «كان جالسا كاشفا عن فخذه فاستأذن أبو بكر فأذن له و هو على حاله، ثم جاء عمر فاستأذن فأذن له و هو على حاله، ثم استأذن عثمان فأرخى عليه ثيابه، فلما قاموا قلت: يا رسول اللَّه استأذن عليك أبو بكر و عمر فأذنت لهما و أنت على حالك، فلما استأذن عثمان أرخيت عليك ثيابك: فقال: يا عائشة ألا نستحي من رجل و اللَّه إن الملائكة لتستحيى منه؟».

تفرد به أحمد من هذا الوجه.

____________

[ (1)] كذا في المصرية. و في الحلبية: ملائكة الرحمن.

203

طريق أخرى عن حفصة

رواه الحسن بن عرفة و أحمد بن حنبل عن روح بن عبادة عن ابن جريج، أخبرنى أبو خالد عثمان بن خالد عن عبد اللَّه بن أبى سعيد المدني حدثتني حفصة،

فذكر مثل حديث عائشة، و فيه:

فقال «ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة؟».

طريق أخرى عن ابن عباس‏

قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أبو كريب ثنا يونس بن بكير ثنا النضر- هو ابن عبد الرحمن أبو عمر الخزاز الكوفي- عن عكرمة عن ابن عباس. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«ألا نستحي ممن تستحي منه الملائكة عثمان بن عفان؟»

ثم قال البزار: لا نعلمه يروى عن ابن عباس إلا بهذا الاسناد قلت هو على شرط الترمذي و لم يخرجوه.

طريق أخرى عن اين عمر رضى اللَّه عنهما

قال الطبراني: حدثنا عبد اللَّه بن أحمد بن حنبل ثنا محمد بن أبى بكر المقدمي ثنا أبو معشر حدثني إبراهيم بن عمر بن أبان حدثني أبى عمر بن أبان عن أبيه. قال سمعت عبد اللَّه بن عمر يقول:

«بينما رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) جالس و عائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يتحدث كاشفا عن ركبته، فرد ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان، و قال لامرأته: استأخرى، فتحدثوا ساعة ثم خرجوا، فقالت عائشة: يا نبي اللَّه! دخل أبى و أصحابه فلم تصلح ثوبك على ركبتك و لم تؤخرني عنك، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): ألا أستحى من رجل تستحي منه الملائكة؟ و الّذي نفسي بيده إن الملائكة لتستحى من عثمان كما تستحي من اللَّه و رسوله، و لو دخل و أنت قريب منى لم يتحدث و لم يرفع رأسه حتى يخرج‏

» هذا حديث غريب من هذا الوجه و فيه زيادة على ما قبله، و في سنده ضعف. فقلت:

و في الباب عن على و عبد اللَّه بن أبى أوفى، و زيد بن ثابت:

و روى أبو مروان القرشي عن أبيه عن مالك، عن أبى الزناد عن الأعرج عن أبى هريرة أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال:

«عثمان حي تستحي منه الملائكة».

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا وكيع عن سفيان عن خالد الحذاء عن أبى قلابة عن أنس. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «أرحم أمتى أبو بكر، و أشدها في دين اللَّه عمر، و أشدها حياء عثمان، و أعلمها بالحلال و الحرام معاذ بن جبل، و أقرؤها لكتاب اللَّه أبى. و أعلمها بالفرائض زيد بن ثابت، و لكل أمة أمين و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»

[و هكذا رواه الترمذي و النسائي و ابن ماجة من‏

204

حديث خالد الحذاء، و قال الترمذي: حسن صحيح. و في صحيح البخاري و مسلم آخره‏

«و لكل أمة أمين و أمين هذه الأمة أبو عبيدة بن الجراح»] [ (1)]

و قد روى هشيم عن كريز بن حكيم عن نافع عن ابن عمر مثل حديث أبى قلابة عن أنس أو نحوه.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا يزيد بن عبد ربه ثنا محمد بن حرب حدثني الزبيدي عن ابن شهاب عن عمرو بن أبان بن عثمان عن جابر بن عبد اللَّه. أنه كان يحدث أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «أدرى الليلة رجل صالح أن أبا بكر نيط برسول اللَّه، و نيط عمر بأبي بكر، و نيط عثمان بعمر، فلما قمنا من عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قلنا: أما الرجل الصالح فرسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أما ما ذكره رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من نوط بعضهم ببعض، فهؤلاء ولاة هذا الأمر الّذي بعث اللَّه به نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم)» و رواه أبو داود عن عمرو بن عثمان عن محمد بن حرب، ثم قال: و رواه يونس و شعيب عن الزهري فلم يذكرا عمرا.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا أبو داود- عمر بن سعد- ثنا بدر بن عثمان عن عبيد اللَّه بن مروان عن أبى عائشة عن ابن عمر قال‏

: خرج علينا رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذات غداة بعد طلوع الشمس فقال:

«رأيت قبل الفجر كأنى أعطيت المقاليد و الموازين، فأما المقاليد فهذه المفاتيح، و أما الموازين فهي التي يوزن بها، فوضعت في كفة و وضعت أمتى في كفة فوزنت بهم فرجعت، ثم جي‏ء بأبي بكر فوزن فوزن بهم، ثم جي‏ء بعمر فوزن فوزن بهم، ثم جي‏ء بعثمان فوزن فوزن بهم، ثم رفعت»

تفرد به أحمد*

و قال يعقوب بن سفيان: حدثنا هشام بن عمار ثنا عمرو بن واقد ثنا يونس بن ميسرة عن أبى إدريس عن معاذ بن جبل. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «إني رأيت أنى وضعت في كفة و أمتى في كفة فعدلتها، ثم وضع أبو بكر في كفة و أمتى في كفة فعدلها، ثم وضع عمر في كفة و أمتى في كفة فعدلها، ثم وضع عثمان في كفة و أمتى في كفة فعدلها».

حديث آخر

قال أبو يعلى: حدثنا عبد اللَّه بن مطيع ثنا هشيم عن العوام، عمن حدثه عن عائشة. قالت:

لما أسّس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) مسجد المدينة جاء بحجر فوضعه، و جاء أبو بكر بحجر فوضعه و جاء عمر بحجر فوضعه، و جاء عثمان بحجر فوضعه، قالت: فسئل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عن ذلك فقال: «هم أمراء الخلافة من بعدي».

و قد تقدم هذا الحديث في بناء مسجده أول مقدمه المدينة (عليه الصلاة و السلام)، و كذلك تقدم في دلائل النبوة من حديث الزهري عن رجل عن أبى ذر في تسبيح الحصا في يده‏

____________

[ (1)] سقط من الحلبية

205

(عليه السلام) ثم في كف أبى بكر، ثم في كف عمر، ثم في كف عثمان، رضى اللَّه عنهم، و في بعض الروايات:

فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «هذه خلافة النبوة»

و سيأتي حديث سفينة

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم تكون ملكا»

فكانت ولاية عثمان و مدتها ثنتى عشرة سنة، من جملة هذه الثلاثين بلا خلاف بين العلماء العاملين، كما أخبر به سيد المرسلين صلى اللَّه عليه و على آله و صحبه أجمعين.

حديث آخر

و هو ما روى من طرق متعددة عن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أنه شهد للعشرة بالجنة، و هو أحدهم بنص النبي (صلى اللَّه عليه و سلم).

حديث آخر

قال البخاري: حدثنا محمد بن حازم بن بزيع ثنا شاذان ثنا عبد العزيز بن أبى سلمة الماجشون عن عبيد اللَّه عن نافع عن ابن عمر. قال: «كنا في زمن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) [لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نذر أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) [ (1)]] لا نفاضل بينهم» تابعه عبد اللَّه بن صالح بن عبد العزيز، تفرد به البخاري، و رواه إسماعيل بن عياش، و الفرج بن فضالة، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن نافع عن ابن عمر. و رواه أبو يعلى عن أبى معشر عن يزيد بن هارون عن الليث عن يزيد بن أبى حبيب عن ابن عمر به.

طريق أخرى عن ابن عمر

قال الامام أحمد: حدثنا أبو معاوية ثنا سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن ابن عمر. قال: «كنا نعد رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أصحابه متوافرون أبو بكر و عمر و عثمان ثم نسكت».

طريق أخرى عن ابن عمر بلفظ آخر

قال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا عمرو بن على و عقبة بن مكرم قالا: ثنا أبو عاصم عن عمر بن محمد عن سالم عن أبيه. قال: كنا نقول في عهد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): أبو بكر و عمر و عثمان- يعنى في الخلافة- و هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، و لم يخرجوه، لكن قال البزار: و هذا الحديث قد روى عن ابن عمر من وجوه «كنا نقول أبو بكر و عمر و عثمان، ثم لا نفاضل بعد» و عمر بن محمد لم يكن بالحافظ، و ذلك: يتبين في حديثه إذا روى عن غير سالم فلم يقل شيئا. و قد رواه غير واحد من الضعفاء عن الزهري عن سالم عن أبيه به. و قد اعتنى الحافظ بن عساكر بجمع طرقه عن ابن عمر فأفاد و أجاد.

فأما الحديث الّذي قال الطبراني: حدثنا سعيد بن عبد ربه الصفار البغدادي حدثنا على بن حنبل الرقى أنا جرير عن ليث عن مجاهد عن ابن عباس. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «في الجنة شجرة- أو ما في الجنة شجرة- شك على بن جميل، ما عليها ورقة إلا مكتوب عليها لا إله‏

____________

[ (1)] سقط من المصرية

206

إلا اللَّه محمد رسول اللَّه، أبو بكر الصديق، عمر الفاروق، عثمان ذو النورين»

فإنه حديث ضعيف في إسناده من تكلم فيه و لا يخلو من نكارة، و اللَّه أعلم.

القسم الثاني فيما ورد في فضائله وحده‏

قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل ثنا أبو عوانة ثنا عثمان بن موهب. قال: «جاء رجل من أهل مصر حج البيت، فرأى قوما جلوسا فقال: من هؤلاء القوم؟ قالوا: قريش، قال: فمن الشيخ فيهم؟ قالوا: عبد اللَّه بن عمر. قال: يا ابن عمر! إني سائلك عن شي‏ء فحدثني، هل تعلم أن عثمان فرّ يوم أحد؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيب يوم بدر و لم يشهدها؟ قال: نعم! قال: تعلم أنه تغيب عن بيعة الرضوان و لم يشهدها؟ قال: نعم! قال: اللَّه أكبر، قال ابن عمر: تعال أبيّن لك، أما فراره يوم أحد فأشهد أن اللَّه عفا عنه و غفر له، و أما تغيبه عن بدر فإنه كان تحته بنت رسول اللَّه و كانت مريضة،

فقال له رسول اللَّه‏

: إن لك أجر رجل ممن شهد بدرا و سهمه، و أما تغيبه عن بيعة الرضوان فلو كان أحد أعز ببطن مكة من عثمان لبعثه مكانه، فبعث رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عثمان و كانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة، فقال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم): بيده اليمنى هذه يد عثمان فضرب بها على يده فقال هذه لعثمان‏

فقال له ابن عمر: اذهب بها الآن معك» تفرد به دون مسلم.

طريق أخرى‏

و قال الامام أحمد: حدثنا معاوية بن عمر و ثنا زائدة عن عاصم عن سفيان. قال: لقي عبد الرحمن ابن عوف الوليد بن عقبة، فقال له الوليد: ما لي أراك جفوت أمير المؤمنين عثمان؟ فقال له عبد الرحمن: أبلغه أنى لم أفر يوم حنين،- قال عاصم: يقول يوم أحد- و لم أتخلف عن يوم بدر، و لم أترك سنة عمر، قال: فانطلق فخبر بذلك عثمان فقال: أما قوله: إني لم أفر يوم حنين، فكيف يعيرني بذلك و قد عفا اللَّه عنى فقال: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ ما كَسَبُوا وَ لَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ‏ و أما قوله: إني تخلفت يوم بدر، فإنّي كنت أمرض رقية بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد ضرب لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و من ضرب له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسهم فقد شهد، و أما قوله: و لم أترك سنة عمر، فانى لا أطيقها و لا هو، فإنه يحدثه بذلك.

حديث آخر

قال البخاري: حدثنا أحمد بن شبيب بن سعد ثنا أبى عن يونس قال ابن شهاب: أخبرنى عروة أن عبيد اللَّه بن عدي بن الجبار أخبره أن المسور بن مخرمة و عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث قالا: ما يمنعك أن تكلم عثمان لأخيه الوليد فقد أكثر الناس فيه؟ فقصدت لعثمان حين خرج إلى الصلاة. فقلت: إن لي إليك حاجة، و هي نصيحة لك، فقال: يا أيها المرء منك قال‏

207

أبو عبد اللَّه قال معمر: أعوذ باللَّه منك- فانصرفت فرجعت إليهم إذ جاء رسول عثمان فأتيته فقال ما نصيحتك؟ فقلت: إن اللَّه بعث محمدا بالحق، و أنزل عليه الكتاب، و كنت ممن استجاب للَّه و لرسوله، و هاجرت الهجرتين، و صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و رأيت هديه، و قد أكثر الناس في شأن الوليد. فقال: أدركت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)؟ فقلت: لا! و لكن خلص إلى من علمه ما يخلص إلى العذراء في سترها، قال: أما بعد! فان اللَّه بعث محمدا بالحق و كنت ممن استجاب للَّه و لرسوله فآمنت بما بعث به، و هاجرت الهجرتين كما قلت، و صحبت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و بايعته، فو اللَّه ما عصيته و لا غششته حتى توفاه اللَّه عز و جل، ثم أبو بكر مثله، ثم عمر مثله، ثم استخلفت، أ فليس لي من الحق مثل الّذي لهم؟ قلت: بلى! قال: فما هذه الأحاديث التي تبلغني عنكم؟ أما ما ذكرت من شأن الوليد فسآخذ فيه بالحق إن شاء اللَّه. ثم دعا عليا فأمره أن يجلده فجلده ثمانين.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا أبو المغيرة ثنا الوليد بن مسلم حدثني ربيعة بن يزيد عن عبد اللَّه بن عامر عن النعمان بن بشير عن عائشة رضى اللَّه عنها قالت‏

: «أرسل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى عثمان بن عفان فجاء فأقبل عليه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فلما رأينا إقبال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على عثمان أقبلت إحدانا على الأخرى فكان من آخر كلمة أن ضرب منكبه و قال: يا عثمان إن اللَّه عسى أن يلبسك قميصا فان أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ثلاثا. فقلت لها يا أم المؤمنين؟ فأين كان هذا عنك؟

قالت: نسيته و اللَّه ما ذكرته، قال: فأخبرته معاوية بن أبى سفيان فلم يرض بالذي أخبرته حتى كتب إلى أم المؤمنين: أن اكتبى إليّ به، فكتبت إليه به كتابا»

و قد رواه أبو عبد اللَّه الجيرى عن عائشة و حفصة بنحو ما تقدم. و رواه قيس بن أبى حازم و أبو سلمة عنها

.

و رواه أبو سهلة عن عثمان:

«إن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عهد إلى عهدا فأنا صابر نفسي عليه» و رواه فرج بن فضالة عن محمد بن الوليد الزبيدي عن الزهري عن عروة عن عائشة فذكره، قال الدارقطنيّ: تفرد به الفرج بن فضالة و رواه أبو مروان محمد عن عثمان بن خالد العماني عن أبيه عن عبد الرحمن بن أبى الزناد عن أبيه [عن هشام بن عروة عن أبيه‏] [ (1)] عن عائشة. و رواه ابن عساكر من طريق المنهال بن عمر عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن أبيه عنها. و رواه ابن أسامة عن الجريريّ: حدثني أبو بكر العدوي.

قال: سألت عائشة، و ذكر عنها نحو ما تقدم [تفرد به الفرج بن فضالة] [ (2)] و رواه حصين عن مجاهد عن عائشة بنحوه.

و قال الامام أحمد: حدثنا محمد بن كنانة الأسدي أبو يحيى ثنا إسحاق بن سعيد عن أبيه. قال:

____________

[ (1، 2)] زيادة من الحلبية. و فيها: و رواه خصيف.

208

بلغني أن عائشة قالت: «ما استمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا مرة، فان عثمان جاءه في حر الظهيرة فظننت أنه جاءه في أمر النساء، فحملتني الغيرة على أن أصغيت إليه فسمعته يقول: إن اللَّه ملبسك قميصا يريدك أمتى على خلعه فلا تخلعه. فلما رأيت عثمان يبذل لهم ما سألوه إلا خلعه علمت أنه عهد من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) الّذي عهد إليه.

طريق أخرى‏

قال الطبراني: حدثنا مطلب بن سعيد الأزدي ثنا عبد اللَّه بن صالح ثنا الليث عن خالد بن يزيد عن سعيد بن أبى هلال عن ربيعة بن سيف، قال: كنا عند شفى الأصبحي فقال: حدثنا عبد اللَّه بن عمر قال‏

: «التفت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فقال: يا عثمان إن اللَّه كساك قميصا فأرادك الناس على خلعه فلا تخلعه، فو اللَّه لئن خلعته لا ترى الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط»

و قد رواه أبو يعلى من طريق عبد اللَّه بن عمر عن أخته حفصة أم المؤمنين.

و في سياق متنه غرابة و اللَّه أعلم.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا عبد الصمد حدثتني فاطمة بنت عبد الرحمن قالت: حدثتني أمى أنها سألت عائشة و أرسلها عمها فقال: قولي إن أحد بنيك يقرئك السلام و يسألك عن عثمان بن عفان فان الناس قد شتموه، فقالت: «لعن اللَّه من لعنه، فو اللَّه لقد كان قاعدا عند رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و إن رسول اللَّه لمسند ظهره إلى، و إن جبريل ليوحى إليه القرآن، و إنه ليقول له: اكتب يا غثيم، قالت عائشة:

فما كان اللَّه لينزل تلك المنزلة إلا كريما على اللَّه و رسوله» ثم رواه الامام أحمد عن يونس عن عمر بن إبراهيم اليشكري عن أمه عن أمها أنها سألت عائشة عند الكعبة عن عثمان فذكرت مثله.

حديث آخر

قال البزار: حدثنا عمر بن الخطاب قال: ذكر أبو المغيرة عن صفوان بن عمرو عن ماعز التميمي عن جابر

«أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ذكر فتنة فقال أبو بكر: أنا أدركها؟ فقال: لا! فقال عمر أنا يا رسول اللَّه أدركها؟ قال: لا! فقال عثمان: يا رسول اللَّه فأنا أدركها؟ قال: بك يبتلون»

قال البزار:

و هذا لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا أسود بن عمر ثنا سنان بن هارون ثنا كليب بن واصل عن ابن عمر.

قال‏

: «ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتنة فقال يقتل فيها هذا المقنع يومئذ مظلوما، فنظرت فإذا هو عثمان بن عفان».

و رواه الترمذي عن إبراهيم بن سعيد عن شاذان به‏

و قال: حسن غريب.

209

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا عفان ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة حدثني أبو أمى [ (1)] ابو حنيفة

أنه دخل الدار و عثمان محصور فيها، و أنه سمع أبا هريرة يستأذن عثمان في الكلام فأذن له، فقام فحمد اللَّه و أثنى عليه ثم قال: إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إنكم تلقون بعدي فتنة و اختلافا- أو قال:

اختلافا و فتنة- فقال له قائل من الناس: فمن لنا يا رسول اللَّه؟ قال: عليكم بالأمين و أصحابه و هو يشير إلى عثمان بذلك»

تفرد به أحمد و إسناده جيد حسن و لم يخرجوه من هذا الوجه.

و قال الامام أحمد: حدثنا أبو أسامة ثنا حماد بن اسامة ثنا كهمس بن الحسن عن عبد اللَّه بن شقيق حدثني هرم بن الحارث و أسامة بن خزيم- و كانا يغازيان- فحدثاني حديثا و لم يشعر كل واحد منهما أن صاحبه حدثنيه عن مرة البهزي قال‏

«بينما نحن مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في طريق من طرق المدينة فقال: كيف تصنعون في فتنة تثور في أقطار الأرض كأنها صياصي بقر؟ قالوا: نصنع ما ذا يا رسول اللَّه؟

قال: عليكم هذا و أصحابه- أو اتبعوا هذا و أصحابه- قال: فأسرعت حتى عييت فأدركت الرجل فقلت: هذا يا رسول اللَّه؟ قال: هذا، فإذا هو عثمان بن عفان»

فقال: هذا و أصحابه فذكره.

طريق أخرى‏

و قال الترمذي في جامعه: حدثنا محمد بن بشار ثنا عبد الوهاب الثقفي ثنا أيوب عن أبى قلابة عن أبى الأشعث الصنعاني‏

أن خطبا قامت بالشام و فيهم رجال من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) رجل يقال له مرة بن كعب، فقال: لو لا حديث سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) ما تكلمت، و ذكر الفتن فقربها فمر رجل متقنع في ثوب، فقال: هذا يومئذ على الهدى فقمت إليه. فإذا هو عثمان بن عفان، فأقبلت عليه بوجهه فقلت: هذا؟ قال نعم!»

ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. و في الباب عن ابن عمر و عبد اللَّه بن حوالة و كعب بن عجرة. قلت: و قد رواه أسد بن موسى عن معاوية بن صالح حدثني سليم بن عامر عن جبير بن نفير عن مرة بن كعب البهزي فذكر نحوه، [و قد رواه الامام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي عن معاوية عن صالح عن سليم بن عامر عن جبير بن نفير عن كعب بن مرة البهزي‏] [ (2)] و الصحيح مرة بن كعب كما تقدم، و أما حديث ابن حوالة،

فقال حماد بن سلمة عن سعيد الجريريّ عن عبد اللَّه بن سفيان [ (3)] عن عبد اللَّه بن شقيق عن عبد اللَّه بن حوالة. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «كيف أنت و فتنة تكون في أقطار الأرض؟ قلت: ما خار اللَّه لي و رسوله، قال اتبع هذا الرجل، فإنه يومئذ و من اتبعه على الحق قال: فاتبعته فأخذت بمنكبه ففتلته فقلت: هذا

____________

[ (1)] كذا في الأصلين. و لعلّ في السند سقط.

[ (2)] زيادة من الحلبية

[ (3)] كذا في المصرية بزيادة عبد اللَّه بن سفيان.

210

يا رسول اللَّه؟ فقال: نعم! فإذا هو عثمان بن عفان»

و قال حرملة عن ابن وهب عن ابن لهيعة عن يزيد بن أبى حبيب عن ربيعة بن لقيط عن ابن حوالة. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «ثلاث من نجا منهن فقد نجا، موتى، و خروج الدجال و قتل خليفة مصطبر قوام بالحق يعطيه.

و أما حديث كعب بن عجرة.

فقال الامام أحمد: حدثنا إسحاق بن سليمان الرازيّ أخبرنى معاوية بن سلم عن مطر الوراق عن ابن سيرين عن كعب بن عجرة قال‏

: «ذكر رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فتنة فقربها و عظمها قال ثم مر رجل مقنع في ملحفة فقال: هذا يومئذ على الحق قال فانطلقت مسرعا أو محضرا و أخذت بضبعيه فقلت: هذا يا رسول اللَّه؟ قال: هذا فإذا هو عثمان بن عفان»

ثم رواه أحمد عن يزيد بن هارون عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة فذكر مثله.

و رواه أبو يعلى عن هدبة عن همام عن قتادة عن محمد بن سيرين عن كعب بن عجرة. و كذا رواه أبو عون عن ابن سرين عن كعب.

و قد تقدم حديث أبى ثور التميمي عنه في قوله في الخطبة التي خاطب بها الناس من داره: و اللَّه ما تغنيت و لا تمنيت و لا زنيت في جاهلية و لا إسلام و لا مسست فرجي بيميني منذ بايعت بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و أنه كان يعتق كل يوم جمعة عتيقا فان تعذر عليه أعتق في الجمعة الأخرى عتيقين. و قال مولاه حمران: كان عثمان يغتسل كل يوم منذ أسلم. رضى اللَّه عنه.

حديث آخر

قال الامام أحمد: حدثنا على بن عباس ثنا الوليد بن مسلم أنبأنا الأوزاعي عن محمد بن عبد الملك ابن مروان أنه حدثه عن المغيرة بن شعبة أنه دخل على عثمان و هو محصور فقال: «إنك إمام العامة و قد نزل بك ما ترى و إني أعرض عليك خصالا ثلاثا اختر إحداهن، إما أن تخرج فتقاتلهم فان معك عددا و قوة و أنت على الحق و هم على الباطل، و إما أن تخرق بابا سوى الباب الّذي هم عليه فتقعد على رواحلك فتلحق مكة، فإنهم لن يستحلوك و أنت بها، و إما أن تلحق بالشام فأنهم أهل الشام و فيهم معاوية. فقال عثمان: أما أن أخرج فأقاتل فلن أكون أول من خلف رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في أمته بسفك الدماء، و أما أن أخرج إلى مكة فإنهم لن يستحلونى بها،

فانى سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

يلحد رجل من قريش بمكة يكون عليه نصف عذاب العالم، و لن أكون أنا، و أما أن ألحق بالشام فإنهم أهل الشام و فيهم معاوية فلن أفارق دار هجرتي و مجاورة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)».

و قال الامام أحمد: ثنا أبو المغيرة ثنا أرطاة- يعنى ابن المنذر- حدثني أبو عون الأنصاري أن عثمان قال لابن مسعود:

«هل أنت منته عما بلغني عنك؟ فاعتذر بعض العذر، فقال عثمان: ويحك!» إني قد سمعت و حفظت- و ليس كما سمعت-، أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال سيقتل أمير، و يتبرى متبرئ، و إني أنا المقتول، و ليس عمر، إنما قتل عمر واحد، و أنه يجتمع على»

و هذا الّذي قاله لابن مسعود قبل مقتله بنحو من أربع سنين فإنه مات قبله بنحو ذلك.

211

حديث آخر

[قال عبد اللَّه بن أحمد: ثنا عبيد اللَّه بن عمر الفربري: ثنا القاسم بن الحكم بن أوس الأنصاري حدثني أبو عبادة الزرقيّ الأنصاري- من أهل المدينة- عن زيد بن أسلم عن أبيه قال:

«شهدت عثمان يوم حصر في موضع الجنائز و لو ألقى حجر لم يقع إلا على رأس رجل فرأيت عثمان أشرف من الخوخة التي تلى باب مقام جبرئيل، فقال: أيها الناس! أ فيكم طلحة؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أ فيكم طلحة بن عبيد اللَّه؟ فسكتوا، ثم قال: أيها الناس! أ فيكم طلحة؟ فقام طلحة بن عبيد اللَّه فقال له عثمان: ألا أراك هاهنا؟ ما كنت أرى أنك تكون في جماعة قوم تسمع نداى آخر ثلاث مرات، ثم لا تجيئني؟ أنشدك اللَّه يا طلحة تذكر يوم كنت أنا و أنت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في موضع كذا و كذا ليس معه أحد من أصحابه غيري و غيرك؟ فقال: نعم! قال:

فقال لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

إنه ما من نبي إلا و معه من أصحابه رفيق في الجنة، و إن عثمان بن عفان هذا- يعنى نفسه- رفيقي في الجنة؟

فقال طلحة: اللَّهمّ نعم!» تفرد به أحمد] [ (1)]

حديث آخر عن طلحة

قال الترمذي: حدثنا أبو هشام الرفاعيّ ثنا يحيى بن اليمان عن شريح بن زهرة عن الحارث بن عبد الرحمن بن أبى وثاب عن طلحة بن عبيد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

«لكل نبي رفيق و رفيقي في الجنة عثمان» ثم قال: هذا حديث غريب و ليس إسناده بالقوى، و إسناده منقطع.

و رواه أبو عثمان محمد بن عثمان عن أبيه عن أبى الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبى هريرة،

و قال الترمذي:

حدثنا الفضل بن أبى طالب البغدادي و غير واحد قالوا: حدثنا عثمان بن زفر حدثنا محمد بن زياد عن محمد بن عجلان عن أبى الزبير عن جابر قال‏

: «أتى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بجنازة رجل ليصلي عليه فلم يصل عليه، فقيل يا رسول اللَّه ما رأيناك تركت الصلاة على أحد قبل هذا؟ فقال: إنه كان يبغض عثمان فأبغضه اللَّه عز و جل»

ثم قال الترمذي: هذا حديث غريب، و محمد بن زياد هذا صاحب ميمون ابن مهران ضعيف الحديث جدا، و محمد بن زياد صاحب أبى هريرة بصرى ثقة، يكنى أبا الحارث، و محمد بن زياد الألهاني صاحب أبى أمامة ثقة شامي يكنى أبا سفيان.

حديث آخر

روى الحافظ بن عساكر من حديث أبى مروان العثماني ثنا أبى عثمان بن خالد عن عبد الرحمن ابن أبى الزناد عن أبيه عن الأعرج عن أبى هريرة

«أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لقي عثمان بن عفان على‏

____________

[ (1)] هذا الحديث أعيد هنا ثانيا في النسخة الحلبية. و قد تقدم ذكره قبل هذا الموضع كما في المصرية.

212

باب المسجد فقال: يا عثمان! هذا جبريل يخبرني أن اللَّه قد زوجك أم كلثوم بمثل صداق رقية، على مثل مصاحبتها»

و قد روى ابن عساكر أيضا من حديث ابن عباس و عائشة و عمارة بن رويبة و عصمة بن مالك الخطميّ و أنس بن مالك و ابن عمر و غيرهم، و هو غريب و منكر من جميع طرقه،

و روى باسناد ضعيف عن على أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

«لو كان لي أربعون ابنة لزوجتهن بعثمان واحدة بعد واحدة، حتى لا يبقى منهن واحدة»

قال محمد بن سعيد الأموي عن يونس بن أبى إسحاق عن أبيه عن المهلب بن أبى صفرة قال: «سألت أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم قلتم في عثمان: أعلانا فوقا؟ قالوا: لأنه لم يتزوج رجل من الأولين و الآخرين ابنتي نبي غيره رواه ابن عساكر.

و قال إسماعيل بن عبد الملك عن عبد اللَّه بن أبى مليكة عن عائشة قالت: ما رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) رافعا يديه حتى يبدو ضبعيه إلا لعثمان بن عفان، إذا دعا له.

و قال مسعر عن عطية عن أبى سعيد قال‏

: رأيت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من أول الليل إلى أن طلع الفجر رافعا يديه يدعو لعثمان يقول:

«اللَّهمّ عثمان رضيت عنه فارض عنه»

و في رواية يقول لعثمان:

«غفر اللَّه لك ما قدمت و ما أخرت و ما أسررت و ما أعلنت و ما كان منك و ما هو كائن إلى يوم القيامة»

و رواه الحسن بن عرفة عن محمد ابن القاسم الأسدي عن الأوزاعي عن حسان بن عطية عن النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) مرسلا.

و قال ابن عدي عن أبى يعلى عن عمار بن ياسر المستملي عن إسحاق بن إبراهيم المستملي عن أبى إسحاق عن أبى وائل عن حذيفة

: أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بعث إلى عثمان يستعينه في غزاة غزاها، فبعث إليه عثمان بعشرة آلاف دينار، فوضعها بين يديه، فجعل يقلبها بين يديه و يدعو له: «غفر اللَّه لك يا عثمان ما أسررت و ما أعلنت و ما أخفيت و ما هو كائن إلى يوم القيامة، ما يبالي عثمان ما فعل بعدها».

حديث آخر

و قال ليث بن أبى سليم‏

: أول من خبص الخبيص عثمان خلط بين العسل و النقي ثم بعث به إلى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى منزل أم سلمة، فلم يصادفه، فلما جاء وضعوه بين يديه، فقال: من بعث هذا؟

قالوا: عثمان: قالت: فرفع يديه إلى السماء فقال: «اللَّهمّ إن عثمان يترضاك فارض عنه».

حديث آخر

روى أبو يعلى عن سنان بن فروخ عن طلحة بن يزيد عن عبيدة بن حسان عن عطاء الكيخاراني عن جابر

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) اعتنق عثمان و قال: «أنت وليي في الدنيا و وليي في الآخرة».

حديث آخر

قال أبو داود الطيالسي: حدثنا حماد بن سلمة و حماد بن زيد عن الجريريّ عن عبد اللَّه بن‏

213

شقيق عن عبد اللَّه بن حوالة. قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «تهجمون على رجل معتجر ببردة من أهل الجنة، يبايع الناس»

قال فهجمنا على عثمان بن عفان فرأيناه معتجرا يبايع الناس.

فصل في ذكر شي‏ء من سيرته و هي دالة على فضيلته‏

قال ابن مسعود: لما توفى عمر بايعنا خيرنا و لم نأل، و في رواية بايعوا خيرهم و لم يألوا، و قال الأصمعي عن أبى الزناد عن أبيه عن عمرو بن عثمان بن عفان قال: كان نقش خاتم عثمان آمنت بالذي خلق فسوى. و قال محمد بن المبارك بلغني أنه كان نقش خاتم عثمان آمن عثمان باللَّه العظيم. و قال البخاري في التاريخ: ثنا موسى بن إسماعيل ثنا مبارك بن فضالة قال سمعت الحسن يقول: أدركت عثمان على ما نقموا عليه، قال ما يأتى على الناس يوم إلا و هم يقتسمون فيه خيرا، يقال لهم: يا معشر المسلمين اغدوا على أعطياتكم، فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم: اغدوا على أرزاقكم فيأخذونها وافرة، ثم يقال لهم اغدوا على السمن و العسل، الأعطيات جارية، و الأرزاق دارة، و العدو متقى، و ذات البين حسن، و الخير كثير، و ما من مؤمن يخاف مؤمنا، و من لقيه فهو أخوه، قد كان من ألفته و نصيحته و مودته قد عهد إليهم أنها ستكون أكثره، فإذا كانت فاصبروا» قال الحسن: فلو أنهم صبروا حين رأوها لوسعهم ما كانوا فيه من العطاء و الرزق و الخير الكثير، بل قالوا: لا و اللَّه ما نصابرها، فو اللَّه ما وردوا و ما سلموا، و الأخرى كان السيف مغمدا عن أهل الإسلام فسلوه على أنفسهم، فو اللَّه ما زال مسلولا إلى يوم الناس، هذا و أيم اللَّه إني لأراه سيفا مسلولا إلى يوم القيامة» و قال غير واحد عن الحسن البصري قال: سمعت عثمان يأمر في خطبته بذبح الحمام و قتل الكلاب. و روى سيف ابن عمر أن أهل المدينة اتخذ بعضهم الحمام و رمى بعضهم بالجلاهقات [فوكل عثمان رجلا من بنى ليث يتبع ذلك، فيقص الحمام و يكسر الجلاهقات‏] [ (1)]- و هي قسى البندق- و قال محمد بن سعد: «أنبأنا القعنبي و خالد بن مخلد ثنا محمد بن هلال عن جدته- و كانت تدخل على عثمان و هو محصور- فولدت هلالا، ففقدها يوما فقيل له: إنها قد ولدت هذه الليلة غلاما، قالت: فأرسل إلى بخمسين درهما و شقيقة سنبلانية، و قال: هذا عطاء ابنك و كسوته، فإذا مرت به سنة رفعناه إلى مائة» و روى الزبير ابن أبى بكر عن محمد بن سلام عن ابن بكار [ (2)] قال: قال ابن سعيد بن يربوع بن عتكة المخزومي:

انطلقت و أنا غلام في الظهيرة و معى طير أرسله في المسجد، و المسجد بيننا، فإذا شيخ جميل حسن الوجه نائم، تحت رأسه لبنة أو بعض لبنة، فقمت انظر إليه أتعجب من جماله، ففتح عينيه فقال: من أنت يا غلام؟ فأخبرته، فإذا غلام نائم قريبا منه فدعاه فلم يجبه، فقال لي: ادعه! فدعوته فأمره بشي‏ء و قال لي: اقعد! فذهب الغلام فجاء بحلة و جاء بألف درهم، و نزع ثوبي و ألبسنى الحلة؟ و جعل الألف‏

____________

[ (1)] سقط من الحلبية.

[ (2)] كذا بالأصلين و لم نقف عليه.

214

درهم فيها، فرجعت إلى أبى فأخبرته؟ فقال: يا بنى من فعل هذا بك؟ فقلت: لا أدرى إلا أنه رجل في المسجد نائم لم أر قط أحسن منه، قال: ذاك أمير المؤمنين عثمان بن عفان» و قال عبد الرزاق عن ابن جريج: أخبرنى يزيد بن خصيفة عن أبى السائب بن يزيد «أن رجلا سأل عبد الرحمن بن عثمان التميمي أ هي صلاة طلحة بن عبيد اللَّه عن صلاة عثمان قال: نعم! قال: قلت لأغلبن الليلة النفر على الحجر- يعنى المقام- فلما قمت فإذا رجل يرجمنى مقنعا قال فالتفت فإذا بعثمان، فتأخرت عنه فصلى فإذا هو يسجد بسجود القرآن، حتى إذا قلت هذا هو أذان الفجر أوتر بركعة لم يصل غيرها ثم انطلق». و قد روى هذا من غير وجه أنه صلى بالقرآن العظيم في ركعة واحدة عند الحجر الأسود، أيام الحج، و قد كان هذا من دأبه رضى اللَّه عنه. و لهذا روينا عن ابن عمر أنه قال في قوله تعالى‏ أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ ساجِداً وَ قائِماً يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَ يَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ‏ قال: هو عثمان بن عفان.

و قال ابن عباس في قوله تعالى‏ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ هُوَ عَلى‏ صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ‏ قال: هو عثمان. و قال حسان:

ضحوا بأشمط عنوان السجود به‏* * * يقطّع الليل تسبيحا و قرآنا

و قال سفيان بن عيينة: ثنا إسرائيل بن موسى سمعت الحسن يقول قال عثمان: لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا، و إني لأكره أن يأتى عليّ يوم لا انظر في المصحف، و ما مات عثمان حتى خرق مصحفه من كثرة ما يديم النظر فيه. و قال أنس و محمد بن سيرين: قالت امرأة عثمان يوم الدار: اقتلوه أو دعوه، فو اللَّه لقد كان يحيى الليل بالقرآن في ركعة. و قال غير واحد: إنه رضى اللَّه عنه كان لا يوقظ أحدا من أهله إذا قام من الليل ليعينه على وضوئه، إلا أن يجده يقظانا، و كان يصوم الدهر، و كان يعاتب فيقال: لو أيقظت بعض الخدم؟ فيقول: لا! الليل لهم يستريحون فيه. و كان إذا اغتسل لا يرفع المئزر عنه، و هو في بيت مغلق عليه، و لا يرفع صلبه جيدا من شدة حيائه رضى اللَّه عنه.

فصل في ذكر شي‏ء من خطبه‏

قال الواقدي: حدثني إبراهيم بن إسماعيل بن عبد الرحمن بن عبد اللَّه بن أبى ربيعة المخزومي عن أبيه أن عثمان لما بويع خرج إلى الناس فخطبهم، فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس أول كل مركب صعب، و إن بعد اليوم أياما، و إن أعش تأتكم الخطب على وجهها، و ما كنا خطباء و سيعلمنا اللَّه. و قال الحسن: خطب عثمان فحمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: أيها الناس! اتقوا اللَّه فان فان تقوى اللَّه غنم، و إن أكيس الناس من دان نفسه، و عمل لما بعد الموت، و اكتسب من نور اللَّه نورا لظلمة القبر، و ليخش عبد أن يحشره اللَّه أعمى، و قد كان بصيرا، و قد يلقى الحكيم جوامع الكلم، و الأصم ينادى من مكان بعيد، و اعلموا أن من كان اللَّه له لم يخف شيئا، و من كان اللَّه‏

215

عليه فمن يرجو بعده؟. و قال مجاهد: خطب عثمان فقال: ابن آدم! اعلم أن ملك الموت الّذي وكل بك لم يزل يخلفك و يتخطى إلى غيرك منذ أنت في الدنيا، و كأنه قد تخطي غيرك إليك، و قصدك، فخذ حذرك، و استعدّ له، و لا تغفل فإنه لا يغفل عنك، و اعلم ابن آدم إن غفلت عن نفسك و لم تستعدّ لها لم يستعد لها غيرك، و لا بد من لقاء اللَّه، فخذ لنفسك و لا تكلها إلى غيرك و السلام. و قال سيف بن عمر عن بدر بن عثمان عن عمه. قال: آخر خطبة خطبها عثمان في جماعة «إن اللَّه إنما أعطاكم الدنيا لتطلبوا بها الآخرة، و لم يعطكموها لتركنوا إليها، إن الدنيا تفنى و إن الآخرة تبقى، لا تبطرنكم الفانية، و لا تشغلنكم عن الباقية، و آثروا ما يبقى على ما يفنى، فان الدنيا منقطعة و إن المصير إلى اللَّه، اتقوا اللَّه فان تقواه جنّة من بأسه، و وسيلة عنده، و احذروا من اللَّه الغير، و ألزموا جماعتكم لا تصيروا أحزابا وَ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْداءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْواناً إلى آخر الآيتين*

فصل‏

قال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، ثنا محمد بن قيس الأسدي عن موسى بن طلحة. قال: سمعت عثمان بن عفان و هو على المنبر و المؤذن يقيم الصلاة و هو يستخبر الناس يسألهم عن أخبارهم، و أسفارهم. و قال أحمد: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم ثنا يونس- يعنى ابن عبيد- حدثني عطاء بن فروخ مولى القرشيين أن عثمان اشترى من رجل أرضا فأبطأ عليه فلقيه فقال: ما منعك من قبض مالك؟ قال: إنك غبنتنى، فما ألقى من الناس أحدا إلا و هو يلومني، قال: أ ذلك يمنعك؟ قال:

نعم! قال: فاختر بين أرضك و مالك، ثم قال:

قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «أدخل اللَّه الجنة رجلا كان سهلا مشتريا و بائعا و قاضيا و مقتضيا».

و روى ابن جرير أن طلحة لقي عثمان و هو خارج إلى المسجد فقال له طلحة: إن الخمسين ألفا التي لك عندي قد حصلت فأرسل من يقبضها، فقال له عثمان: إنا قد وهبناكها لمروءتك. و قال الأصمعي: استعمل ابن عامر قطن بن عوف الهلالي على كرمان، فأقبل جيش من المسلمين- أربعة آلاف- و جرى الوادي فقطعهم عن طريقهم، و خشي قطن الفوت فقال:

من جاز الوادي فله ألف درهم، فحملوا أنفسهم على العوم، فكان إذا جاز الرجل منهم قال قطن:

أعطوه جائزته، حتى جازوا جميعا و أعطاهم أربعة آلاف ألف درهم، فأبى ابن عامر أن يحسبها له، فكتب بذلك إلى عثمان بن عفان، فكتب عثمان: أن احسبها له، فإنه إنما أعان المسلمين في سبيل اللَّه فمن ذلك اليوم سميت الجوائز لاجازة الوادي، فقال الكناني في ذلك:

فدى للأكرمين بنى هلال‏* * * على علاتهم أهلي و مالي‏

216

هموا سنّوا الجوائز في معدّ* * * فعادت سنة أخرى الليالي‏

رماحهم تزيد على ثمان‏* * * و عشر قبل تركيب النصال‏

فصل‏

و من مناقبه الكبار و حسناته العظيمة أنه جمع الناس على قراءة واحدة، و كتب المصحف على العرضة الأخيرة، التي درسها جبريل على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في آخر سنى حياته، و كان سبب ذلك أن حذيفة بن اليمان كان في بعض الغزوات، و قد اجتمع فيها خلق من أهل الشام، ممن يقرأ على قراءة المقداد بن الأسود، و أبى الدرداء، و جماعة من أهل العراق، ممن يقرأ على قراءة عبد اللَّه بن مسعود، و أبى موسى، و جعل من لا يعلم بسوغان القراءة على سبعة أحرف، يفضل قراءته على قراءة غيره، و ربما خطأ الآخر أو كفره، فأدى ذلك إلى اختلاف شديد، و انتشار في الكلام السيّئ بين الناس، فركب حذيفة إلى عثمان فقال: يا أمير المؤمنين أدرك هذه الأمة قبل أن تختلف في كتابها كاختلاف اليهود و النصارى في كتبهم. و ذكر له ما شاهد من اختلاف الناس في القراءة، فعند ذلك جمع عثمان الصحابة و شاورهم في ذلك، و رأى أن يكتب المصحف على حرف واحد، و أن يجمع الناس في سائر الأقاليم على القراءة به، دون ما سواه، لما رأى في ذلك من مصلحة كف المنازعة، و دفع الاختلاف، فاستدعى بالصحف التي كان الصديق أمر زيد بن ثابت بجمعها، فكانت عند الصديق أيام حياته، ثم كانت عند عمر، فلما توفى صارت إلى حفصة أم المؤمنين، فاستدعى بها عثمان و أمر زيد بن ثابت الأنصاري أن يكتب و أن يملى عليه سعيد بن العاص الأموي، بحضرة عبد اللَّه بن الزبير الأسدي و عبد الرحمن بن الحارث بن هشام المخزومي، و أمرهم إذا اختلفوا في شي‏ء أن يكتبوه بلغة قريش، فكتب لأهل الشام مصحفا، و لأهل مصر آخر، و بعث إلى البصرة مصحفا و إلى الكوفة بآخر، و أرسل إلى مكة مصحفا و إلى اليمن مثله، و أقر بالمدينة مصحفا. و يقال لهذه المصاحف الأئمة، و ليست كلها بخط عثمان، بل و لا واحد منها، و إنما هي بخط زيد بن ثابت، و إنما يقال لها المصاحف العثمانية نسبة إلى أمره و زمانه، و إمارته، كما يقال دينار هرقلي، أي ضرب في زمانه و دولته.

قال الواقدي: حدثنا ابن أبى سبرة عن سهيل بن أبى صالح عن أبيه عن أبى هريرة. و رواه غيره من وجه آخر عن أبى هريرة قال‏

: «لما نسخ عثمان المصاحف دخل عليه أبو هريرة فقال: أصبت و وفقت، أشهد لسمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إن أشد أمتى حبّا لي قوم يأتون من بعدي يؤمنون بى و لم يرونى، يعملون بما في الورق المعلق» فقلت: أي ورق؟ حتى رأيت المصاحف، قال: فأعجب ذلك عثمان و أمر لأبى هريرة بعشرة آلاف، و قال: و اللَّه ما علمت أنك لتحبس علينا حديث نبينا

217

(صلى اللَّه عليه و سلم)،»

ثم عمد إلى بقية المصاحف التي بأيدي الناس مما يخالف ما كتبه فحرقه، لئلا يقع بسببه اختلاف، فقال أبو بكر بن أبى داود- في كتاب المصاحف- حدثنا محمد بن بشار ثنا محمد بن جعفر و عبد الرحمن قالا: ثنا شعبة عن علقمة بن مرثد عن رجل عن سويد بن غفلة قال: قال لي على حين حرق عثمان المصاحف: لو لم يصنعه هو لصنعته» و هكذا رواه أبو داود الطيالسي و عمرو بن مرزوق عن شعبة مثله،

و قد رواه البيهقي و غيره من حديث محمد بن أبان- زوج أخت حسين- عن علقمة بن مرثد قال: سمعت العيزار بن جرول سمعت سويد بن غفلة قال: «قال على:

أيها الناس! إياكم و الغلو في عثمان تقولون حرق المصاحف، و اللَّه ما حرقها إلا عن ملأ من أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم)، و لو وليت مثل ما ولى لفعلت مثل الّذي فعل»

و قد روى عن ابن مسعود أنه تعتب لما أخذ منه مصحفه فحرق، و تكلم في تقدم إسلامه على زيد بن ثابت الّذي كتب المصاحف، و أمر أصحابه أن يغلوا مصاحفهم، و تلا قوله تعالى‏ وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِما غَلَّ يَوْمَ الْقِيامَةِ فكتب إليه عثمان رضى اللَّه عنه يدعوه إلى اتباع الصحابة فيما أجمعوا عليه من المصلحة في ذلك، و جمع الكلمة، و عدم الاختلاف، فأناب و أجاب إلى المتابعة، و ترك المخالفة رضى اللَّه عنهم أجمعين.

و قد قال أبو إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد أن عبد اللَّه بن مسعود دخل مسجد منى فقال:

كم صلى أمير المؤمنين الظهر؟ قالوا: أربعا، فصلى ابن مسعود أربعا فقالوا: أ لم تحدثنا أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و أبا بكر و عمر صلوا ركعتين؟ فقال: نعم! و أنا أحدثكموه الآن، و لكنى أكره الاختلاف. و في الصحيح أن ابن مسعود قال: ليت حظي من أربع ركعات ركعتين متقبلتين. و قال الأعمش: حدثني معاوية بن قرة- بواسط- عن أشياخه قالوا: صلى عثمان الظهر بمنى أربعا فبلغ ذلك ابن مسعود فعاب عليه، ثم صلى بأصحابه العصر في رحله أربعا، فقيل له: عتبت على عثمان و صليت أربعا؟ فقال: إني أكره الخلاف. و في رواية الخلاف شر فإذا كان هذا متابعة من ابن مسعود إلى عثمان في هذا الفرع فكيف بمتابعته إياه في أصل القرآن؟ و الافتداء به في التلاوة التي عزم على الناس أن يقرءوا بها لا بغيرها؟ و قد حكى الزهري و غيره أن عثمان إنما أتم خشية على الأعراب أن يعتقدوا أن فرض الصلاة ركعتان، و قيل بل قد تأهل بمكة،

فروى يعلى و غيره من حديث عكرمة بن إبراهيم حدثني عبد اللَّه بن عبد الرحمن بن الحارث بن أبى ذباب عن أبيه‏

أن عثمان صلى بهم بمنى أربع ركعات، ثم أقبل عليهم فقال: إني سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إذا تزوج الرجل ببلد فهو من أهله»

و إني أتممت لأني تزوجت بها منذ قدمتها. و هذا الحديث لا يصح، و قد تزوج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في عمرة القضاء بميمونة بنت الحارث و لم يتم الصلاة، و قد قيل إن عثمان تأول أنه أمير المؤمنين حيث كان [و هكذا تأولت عائشة فأتمت، و في هذا التأويل نظر، فان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) هو رسول اللَّه‏

218

حيث كان، و مع هذا ما أتم الصلاة في في الأسفار. و مما كان يعتمده عثمان بن عفان أنه كان‏] [ (1)] يلزم عماله بحضور الموسم كل عام، و يكتب إلى الرعايا: من كانت له عند أحد منهم مظلمة فليواف إلى الموسم فانى آخذ له حقه من عامله، و كان عثمان قد سمح لكثير من كبار الصحابة في المسير حيث شاءوا من البلاد، و كان عمر يحجر عليهم في ذلك، حتى و لا في الغزو، و يقول: إني أخاف أن تروا الدنيا و أن يراكم أبناؤها، فلما خرجوا في زمان عثمان اجتمع عليهم الناس، و صار لكل واحد أصحاب، و طمع كل قوم في تولية صاحبهم الامارة العامة بعد عثمان، فاستعجلوا موته، و استطالوا حياته، حتى وقع ما وقع من بعض أهل الأمصار، كما تقدم، فانا للَّه و إنا إليه راجعون، و لا حول و لا قوة إلا باللَّه العزيز الحكيم، العلى العظيم:

ذكر زوجاته و بنيه و بناته رضى اللَّه عنهم‏

تزوج برقيّة بنت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فولد له منها عبد اللَّه، و به كان يكنى، بعد ما كان يكنى في الجاهلية بأبي عمرو، ثم لما توفيت تزوج بأختها أم كلثوم، ثم توفيت فتزوج بفاختة بنت غزوان بن جابر، فولد له منها عبيد اللَّه الأصغر، و تزوج بأم عمرو بنت جندب بن عمرو الأزدية، فولدت له عمرا، و خالدا، و أبانا، و عمر. و مريم، و تزوج بفاطمة بنت الوليد بن عبد شمس المخزومية، فولدت له الوليد و سعيدا. و تزوج أم البنين بنت عيينة بن حصن الفزارية، فولدت له عبد الملك، و يقال و عتبة، و تزوج رملة بنت شيبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي فولدت له عائشة و أم أبان و أم عمرو، بنات عثمان. و تزوج نائلة بنت الفرافصة بن الأحوص بن عمرو بن ثعلبة بن حصن ابن ضمضم بن عدي بن جيان بن كليب، فولدت له مريم، و يقال و عنبسة. و قتل رضى اللَّه عنه و عنده أربع نائلة، و رملة، و أم البنين، و فاختة، و يقال إنه طلق أم البنين و هو محصور.

فصل‏

تقدم في دلائل النبوة الحديث الّذي رواه الامام أحمد و أبو داود من حديث سفيان الثوري عن منصور عن ربعي عن البراء بن ناجية الكاهلي، عن عبد اللَّه بن مسعود، قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«إن رجا الإسلام ستدور لخمس و ثلاثين، أو ست و ثلاثين أو سبع و ثلاثين، فان تهلك فسبيل ما هلك و إن يقم لهم دينهم يقم لهم سبعين عاما قال: فقال عمر يا رسول اللَّه أ بما مضى أم بما بقي؟ قال: بل بما بقي» و في لفظ له و لأبى داود «تدور رحى الإسلام لخمس و ثلاثين، أو ست و ثلاثين»

الحديث.

و كأن هذا الشك من الراويّ، و المحفوظ في نفس الأمر خمس و ثلاثين، فان فيها قتل أمير المؤمنين‏

____________

[ (1)] سقط من المصرية.

219

عثمان على الصحيح، و قيل ست و ثلاثين، و الصحيح الأول و كانت أمور شنيعة و لكن اللَّه سلم و وقى بحوله و قوته فلم يكن بأسرع من أن بايع الناس على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه، و انتظم الأمر، و اجتمع الشمل، و لكن جرت بعد ذلك أمور في يوم الجمل و أيام صفين على ما سنبينه إن شاء اللَّه تعالى.

فصل‏

في ذكر من توفى في زمان دولة عثمان ممن لا يعرف وقت وفاته على التعيين على ما ذكره شيخنا أبو عبد اللَّه الذهبي و غيره أنس بن معاذ بن أنس بن قيس الأنصاري النجاري، و يقال له أنيس أيضا، شهد المشاهد كلها رضى اللَّه عنه.

أوس بن الصامت، أخو عبادة بن الصامت الأنصاريان، شهد بدرا، و أوس هو زوج المجادلة المذكور في قوله تعالى‏ قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَ تَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَ اللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ و امرأته خولة بنت ثعلبة.

أوس بن خولى الأنصاري من بنى الحبلى، شهد بدرا، و هو المنفرد من بين الأنصار بحضور غسل النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و النزول مع أهله في قبره، (عليه الصلاة و السلام).

الحر بن قيس، كان سيدا في الأنصار، و لكن كان بخيلا و متهما بالنفاق، يقال إنه شهد بيعة الرضوان فلم يبايع، و استتر ببعير له، و هو الّذي نزل فيه قوله تعالى‏ وَ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَ لا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا الآية. و قد قيل إنه تاب و أقلع فاللَّه أعلم.

الحطيئة الشاعر المشهور. قيل اسمه جرول و يكنى بأبي مليكة، من بنى عبس، أدرك أيام الجاهلية، و أدرك صدرا من الإسلام، و كان يطوف في الآفاق يمتدح الرؤساء من الناس، و يستجديهم و يقال كان بخيلا مع ذلك، سافر مرة فودع امرأته فقال لها:

عدي السنين إذا خرجت لغيبة* * * و دعي الشهور فإنهن قصار

[و كان مداحا هجاء، و له شعر جيد، و من شعره ما قاله بين يدي أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، فاستجاد منه قوله:

من يفعل الخير لم يعدم جوائزه‏* * * لا يذهب العرف بين اللَّه و الناس‏] [ (1)]

خبيب بن يساف بن عتبة الأنصاري أحد من شهد بدرا سلمان بن ربيعة الباهلي، يقال له صحبة، كان من الشجعان الأبطال المذكورين، و الفرسان المشهورين، ولاه عمر قضاء الكوفة، ثم‏

____________

[ (1)] سقط من الحلبية.

220

ولى في زمن عثمان إمرة على قتال الترك، فقتل ببلنجر، فقبره هناك في تابوت يستسقى به الترك إذا قحطوا* عبد اللَّه بن حذافة بن قيس القرشي السهمي، هاجر هو و أخوه قيس إلى الحبشة، و كان من سادات الصحابة،

و هو القائل: يا رسول اللَّه من أبى؟- و كان إذا لاحى الرجال دعي لغير أبيه- فقال: أبوك حذافة،

و كان رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [أرسله إلى كسرى فدفع كتابه إلى عظيم بصرى فبعث معه من يوصله‏] [ (1)] إلى هرقل كما تقدم، و قد أسرته الروم في زمن عمر بن الخطاب رضى اللَّه عنه، في جملة ثمانين من المسلمين، فأرادوه على الكفر فأبى عليهم، فقال له الملك: قبّل رأسي و أنا أطلقك و من معك من المسلمين، فقبّل رأسه [فأطلقهم، فلما قدم على عمر قال له: حق على كل مسلم أن يقبّل رأسك، ثم قام عمر فقبّل رأسه‏] [ (2)] قبل الناس رضى اللَّه عنه* عبد اللَّه بن سراقة بن المعتمر، العدوي صحابى أحدى، و زعم الزهري أنه شهد بدرا فاللَّه أعلم* [عبد اللَّه بن قيس بن خالد الأنصاري، شهد بدرا*] [ (3)] عبد الرحمن بن سهل بن زيد الأنصاري الحارثي، شهد أحدا و ما بعدها، و قال ابن عبد البر شهد بدرا، استعمله عمر على البصرة بعد موت عتبة بن غزوان، و قد نهشته حية فرقاه عمارة بن حزم، و هو القائل لأبى بكر- و قد جاءته جدتان فأعطى السدس أم الأم و ترك الأخرى و هي أم الأب- فقال له: أعطيت التي لو ماتت لم يرثها، و تركت التي لو ماتت لورثها، فشرّك بينهما* عمرو بن سراقة بن المعتمر العدوي أخو عبد اللَّه بن سراقة، و هو بدري كبير، روى أنه جاع مرة فربط حجرا على بطنه من شدة الجوع، و مشى يومه ذلك إلى الليل، فأضافه قوم من العرب و من معه، فلما شبع قال لأصحابه: كنت أحسب الرجلين يحملان البطن، فإذا البطن يحمل الرجلين.

عمير [ (4)] بن سعد الأنصاري الأوسي، صحابى جليل القدر، كبير المحل كان يقال له نسيج وحده، لكثرة زهادته و عبادته، شهد فتح الشام مع أبى عبيدة، و ناب بحمص و بدمشق أيضا في زمان عمر، فلما كانت خلافة عثمان عزله و ولى معاوية الشام بكماله، و له أخبار يطول ذكرها* عروة بن حزام أبو سعيد العدوي، كان شاعرا مغرما في ابنة عم له، و هي عفراء بنت مهاجر، يقول فيها الشعر و اشتهر بحبها، فارتحل أهلها من الحجاز إلى الشام، فتبعهم عروة فخطبها إلى عمه فامتنع من تزويجه لفقره، و زوجها بابن عمها الآخر، فهلك عروة هذا في محبتها، و هو مذكور في كتاب مصارع العشاق، و من شعره فيها قوله:

و ما هي إلا أن أراها فجاءة* * * فأبهت حتى ما أكاد أجيب‏

و أصرف عن رأيي الّذي كنت أرتئي‏* * * و أنسى الّذي أعددت حين تغيب‏

قطبة بن عامر أبو زيد الأنصاري عقبى بدري* قيس بن مهدي بن قيس بن ثعلبة الأنصاري‏

____________

[ (1، 2، 3)] سقط من الحلبية.

[ (4)] كذا في الحلبية و الاصابة و في المصرية: عمرو بن سعد.

221

النجاري، له حديث في الركعتين قبل الفجر، و زعم ابن ماكولا أنه شهد بدرا، قال مصعب الزبيري: هو جد يحيى بن سعيد الأنصاري، و قال الأكثرون: بل هو جد أبى مريم عبد الغفار ابن القاسم الكوفي فاللَّه أعلم* لبيد بن ربيعة أبو عقيل العامري الشاعر المشهور. صح أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال: «أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد.

ألا كل شي‏ء ما خلا اللَّه باطل»* * * و تمام البيت: و كل نعيم لا محالة زائل‏

فقال عثمان بن مظعون: إلا نعيم الجنة، و قد قيل إنه توفى سنة إحدى و أربعين فاللَّه أعلم* المسيب بن حزن بن أبى وهب المخزومي، شهد بيعة الرضوان و هو والد سعيد بن المسيب سيد التابعين* معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري شهد بدرا، و ضرب يومئذ أبا جهل بسيفه فقطع رجله، و حمل عكرمة بن أبى جهل على معاذ هذا فضربه بالسيف فحل يده من كتفه، فقاتل بقية يومه و هي معلقة يسحبها خلفه، قال معاذ: فلما انتهيت وضعت قدمي عليها ثم تمطأت عليها حتى طرحتها رضى اللَّه عنه.

و عاش بعد ذلك الى هذه السنة سنة خمس و ثلاثين* محمد بن جعفر بن أبى طالب، القرشي الهاشمي، ولد لأبيه و هو بالحبشة، فلما هاجر إلى المدينة سنة خيبر، و توفى يوم مؤتة شهيدا،

جاء رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلى منزلهم فقال لأمهم أسماء بنت عميس:

«ايتيني ببني أخى، فجي‏ء بهم كأنهم أفرخ فجعل يقبلهم و يشمهم و يبكى، فبكت أمهم فقال أ تخافين عليهم العيلة و أنا وليهم في الدنيا و الآخرة؟ ثم أمر الحلاق فحلق رءوسهم»

و قد مات محمد و هو شاب في أيام عثمان كما ذكرنا، و زعم ابن عبد البر أنه توفى في تستر فاللَّه أعلم* معبد بن العباس بن عبد المطلب بن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، قتل شابا بإفريقية من بلاد المغرب* معيقيب بن أبى فاطمة الدوسيّ، صاحب خاتم النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، قيل توفى في أيام عثمان، و قيل قبل ذلك، و قيل سنة أربعين و اللَّه أعلم* منقذ بن عمرو الأنصاري، أحد بنى مازن بن النجار. كان قد أصابته آمة في رأسه فكسرت لسانه، و ضعف عقله، و كان يكثر من البيع و الشراء،

فقال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «من بايعت فقل لا خلابة، ثم أنت بالخيار في كل ما تشتريه ثلاثة أيام»

قال الشافعيّ: كان مخصصا بإثبات الخيار ثلاثة في كل بيع، سواء اشترط الخيار أم لا* نعيم بن مسعود، أبو سلمة الغطفانيّ، و هو الّذي خذل بين الأحزاب و بين بنى قريظة كما قدمناه، فله بذلك اليد البيضاء، و الراية العليا* أبو ذؤيب خويلد بن خالد الهذلي، الشاعر، أدرك الجاهلية، و أسلم بعد موت النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و شهد يوم السقيفة و صلى على النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و كان أشعر هذيل، و هذيل أشعر العرب و هو القائل:

و إذا المنية أنشبت أظفارها* * * ألفيت كل تميمة لا تنفع‏

و تجلدي للشامتين أريهم‏* * * أنى لريب الدهر لا أتضعضع‏

توفى غازيا بإفريقية في خلافة عثمان* أبو رهم سبرة بن عبد العزى القرشي الشاعر ذكره‏

222

في هذا الفصل محمد بن سعد وحده* أبو زبيد الطائي، الشاعر، اسمه حرملة بن المنذر كان نصرانيا و كان يجالس الوليد بن عقبة فأدخله على عثمان فاستنشده شيئا من شعره فأنشده قصيدة له في الأسد بديعة، فقال له عثمان: تفتأ تذكر الأسد ما حييت؟ إني لأحسبك جبانا نصرانيا* أبو سبرة بن أبى رهم العامري، أخو أبى سلمة بن عبد الأسد، أمهما برة بنت عبد المطلب، هاجر إلى الحبشة و شهد بدرا و ما بعدها، قال الزبير: لا نعلم بدريا سكن مكة بعد النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) سواه، قال: و أهله ببدر في ذلك* أبو لبابة بن عبد المنذر أحد نقباء ليلة العقبة، و قيل إنه توفى في خلافة على و اللَّه أعلم* أبو هاشم بن عتبة نقدم وفاته في سنة إحدى و عشرين، و قيل في خلافة عثمان و اللَّه أعلم.

خلافة أمير المؤمنين على بن أبى طالب رضى اللَّه عنه‏

و لنذكر شيئا من ترجمته على سبيل الاختصار قبل ذلك‏

هو أمير المؤمنين على بن أبى طالب و اسمه عبد مناف بن عبد المطلب و اسمه شيبة بن هاشم و اسمه عمرو ابن عبد مناف، و اسمه المغيرة، بن قصي، و اسمه زيد بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان أبو الحسن و الحسين، و يكنى بأبي تراب، و أبى القاسم الهاشمي، ابن عم رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، و ختنه على ابنته فاطمة الزهراء. و أمه فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف بن قصي، و يقال إنها أول هاشمية ولدت هاشميا. و كان له من الإخوة طالب، و عقيل، و جعفر، و كانوا أكبر منه، بين كل واحد منهم و بين الآخر عشر سنين، و له أختان، أم هانئ و جمانة، و كلهم من فاطمة بنت أسد، و قد أسلمت و هاجرت* كان على أحد العشرة المشهود لهم بالجنة و أحد الستة أصحاب الشورى، و كان ممن توفى و رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) راض عنهم و كان رابع الخلفاء الراشدين و كان رجلا آدم شديد الأدمة أشكل العينين عظيمهما، ذو بطن، أصلع، و هو إلى القصر أقرب و كان عظيم اللحية، قد ملأت صدره و منكبيه، أبيضها، و كان كثير شعر الصدر و الكتفين، حسن الوجه، ضحوك السن، خفيف المشي على الأرض* أسلم على قديما، و هو ابن سبع و قيل ابن ثمان، و قيل تسع، و قيل عشر، و قيل أحد عشر، و قيل اثني عشر، و قيل ثلاثة عشر، و قيل أربع عشرة، و قيل ابن خمس عشرة، أو ست عشرة سنة قاله عبد الرزاق عن معمر عن قتادة عن الحسن، و يقال إنه أول من أسلم [و الصحيح أنه أول من أسلم‏] [ (1)] من الغلمان، كما أن خديجة أول من أسلمت من النساء، و زيد بن حارثة أول من أسلم من الموالي، و أبو بكر الصديق أول من أسلم من الرجال الأحرار، و كان سبب إسلام على صغيرا أنه كان في كفالة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، لأنه كان قد أصابتهم سنة مجاعة، فأخذه من أبيه، فكان عنده، فلما

____________

[ (1)] زيادة من المصرية.

223

بعثه اللَّه بالحق آمنت خديجة و أهل البيت و من جملتهم على، و كان الايمان النافع المتعدي نفعه إلى الناس إيمان الصديق رضى اللَّه عنه.

و قد ورد عن على أنه قال‏

أنا أول من أسلم‏

و لا يصح إسناده إليه. و قد روى في هذا المعنى أحاديث أوردها ابن عساكر كثيرة منكرة لا يصح شي‏ء منها و اللَّه أعلم. و قد روى الامام أحمد من حديث شعبة عن عمرو بن مرة سمعت أبا حمزة- رجلا من موالي الأنصار- قال سمعت زيد بن أرقم يقول: أول من أسلم مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) على* و في رواية أول من صلى. قال عمرو: فذكرت ذلك للنخعى فأنكره، و قال أبو بكر: أول من أسلم* و قال محمد بن كعب القرظي: أول من آمن من النساء خديجة و أول رجلين آمنا أبو بكر و على و لكن كان أبو بكر يظهر إيمانه و على يكتم إيمانه، قلت: يعنى خوفا من أبيه، ثم أمره أبوه بمتابعة ابن عمه و نصرته، و هاجر على بعد خروج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) من مكة و كان قد أمره بقضاء ديونه و رد ودائعه، ثم يلحق به، فامتثل ما أمره به، ثم هاجر، و آخى النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين سهل بن حنيف، و ذكر ابن إسحاق و غيره من أهل السير و المغازي أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) آخى بينه و بين نفسه، و قد ورد في ذلك أحاديث كثيرة لا يصح شي‏ء منها لضعف أسانيدها، و ركة بعض متونها، فإن في بعضها

«أنت أخى و وارثي و خليفتي و خير من أمر بعدي»

و هذا الحديث موضوع مخالف لما ثبت في الصحيحين و غيرهما و اللَّه أعلم* و قد شهد على بدرا و كانت له الوليد البيضاء فيها، بارز يومئذ فغلب و ظهر و فيه و في عمه حمزة و ابن عمه عبيدة ابن الحارث و خصومهم الثلاثة- عتبة و شيبة و الوليد بن عتبة- نزل قوله تعالى‏ هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ‏ الآية. و قال الحكم و غيره عن مقسم عن ابن عباس قال: «دفع النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الراية يوم بدر إلى على و هو ابن عشرين سنة» و قال الحسن بن عرفة: حدثني عمار بن محمد عن سعيد بن محمد الحنظليّ عن أبى جعفر محمد بن على قال: نادى مناد في السماء يوم بدر يقال له رضوان لا سيف إلا ذو الفقار و لا فتى إلا على. قال ابن عساكر و هذا مرسل و إنما تنفل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) سيفه ذا الفقار يوم بدر ثم وهبه من على بعد ذلك و قال يونس بن بكير عن مسعر عن أبى عوف عن أبى صالح عن على قال: قيل لي يوم بدر و لأبى بكر قيل لأحدنا معك جبريل و مع الآخر ميكائيل قال و إسرافيل ملك عظيم يشهد القتال و لا يقاتل و يكون في الصف. و شهد على أحدا و كان على الميمنة و معه الراية بعد مصعب ابن عمير، و على الميسرة المنذر بن عمرو الأنصاري، و حمزة بن عبد المطلب، على القلب و على الرجالة الزبير بن العوام، و قيل المقداد بن الأسود، و قد قاتل على يوم أحد قتالا شديدا، و قتل خلقا كثيرا من المشركين، و غسل عن وجه النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) الدم الّذي كان أصابه من الجراح حين شج في وجهه و كسرت رباعيته و شهد يوم الخندق فقتل يومئذ فارس العرب، و أحد شجعانهم المشاهير، عمر و ابن عبد ودّ العامري، كما قدمنا ذلك في غزوة الخندق، و شهد الحديبيّة و بيعة الرضوان، و شهد خيبر

224

و كانت له بها مواقف هائلة، و مشاهد طائلة، منها

أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال‏

: «لأعطين الراية غدا رجلا يحب اللَّه و رسوله، و يحبه اللَّه و رسوله»

فبات الناس يذكرون أيهم يعطاها، فدعا عليا- و كان أرمد- فدعا له، و بصق في عينه فلم يرمد بعدها، فبرأ و أعطاه الراية، ففتح اللَّه على يديه، و قتل مرحبا اليهودي و ذكر محمد بن إسحاق عن عبد اللَّه بن حسن عن بعض أهله عن أبى رافع أن يهوديا ضرب عليا فطرح ترسه، فتناول بابا عند الحصن فتترس به، فلم يزل في يده حتى فتح اللَّه على يديه ثم ألقاه من يده، قال أبو رافع: فلقد رأيتني أنا و سبعة معى نجتهد أن نقلب ذلك الباب على ظهره يوم خيبر فلم نستطع. و قال ليث عن أبى جعفر عن جابر أن عليا حمل الباب على ظهره يوم خيبر حتى صعد المسلمون عليه ففتحوها، فلم يحملوه إلا أربعون رجلا* و منها أنه قتل مرحبا فارس يهود و شجعانهم* و شهد على عمرة القضاء و فيها

قال له النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «أنت منى، و أنا منك»

و ما يذكره كثير من القصاص في مقاتلته الجن في بئر ذات العلم- و هو بئر قريب من الجحفة- فلا أصل له، و هو من وضع الجهلة من الأخباريين فلا يغتر به. و شهد الفتح و حنينا و الطائف، و قاتل في هذه المشاهد قتالا كثيرا، و اعتمر من الجعرانة مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) [و لما خرج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)‏] [ (1)] إلى تبوك و استخلفه على المدينة،

قال له: يا رسول اللَّه أ تخلفني مع النساء و الصبيان؟ فقال: «أ لا ترضى أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى غير أنه لا نبي بعدي‏

» و بعثه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أميرا و حاكما على اليمن، و معه خالد ابن الوليد، ثم وافى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) عام حجة الوداع، إلى مكة، و ساق معه هديا، و أهلّ كإهلال النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، فأشركه في هديه، و استمر على إحرامه، [و نحرا هديهما بعد فراغ نسكهما كما تقدم‏] [ (2)]

و لما مرض رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قال له العباس: سل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فيمن الأمر بعده؟ فقال: و اللَّه لا أسأله فإنه إن منعناها لا يعطيناها الناس بعده أبدا،

و الأحاديث الصحيحة الصريحة دالة على أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لم يوص إليه و لا إلى غيره بالخلافة، بل لوح بذكر الصديق، و أشار إشارة مفهمة ظاهرة جدا إليه، كما قدمنا ذلك و للَّه الحمد.

و أما ما يفتريه كثير من جهلة الشيعة و القصاص الأغبياء، من أنه أوصى إلى على بالخلافة، فكذب و بهت و افتراء عظيم يلزم منه خطأ كبير، من تخوين الصحابة و ممالأتهم بعده على ترك إنفاذ وصيته و إيصالها إلى من أوصى إليه، و صرفهم إياها إلى غيره، و لا لمعنى و لا لسبب، و كل مؤمن باللَّه، و رسوله يتحقق أن دين الإسلام هو الحق، يعلم بطلان هذا الافتراء، لأن الصحابة كانوا خير الخلق بعد الأنبياء، و هم خير قرون هذه الأمة، التي هي أشرف الأمم بنص القرآن، و إجماع‏

____________

[ (1، 2)] سقط من الحلبية.

225

السلف و الخلف، في الدنيا و الآخرة، و للَّه الحمد. و ما قد يقصه بعض القصاص من العوام و غيرهم في الأسواق و غيرها من الوصية لعلى في الآداب و الأخلاق في المأكل و المشرب و الملبس، مثل ما يقولون: يا على لا تعتم و أنت قاعد، يا على لا تلبس سراويلك و أنت قائم، يا على لا تمسك عضادتي الباب، و لا تجلس على أسكفة الباب، و لا تخيط ثوبك و هو عليك، و نحو ذلك، كل ذلك من الهذيانات فلا أصل لشي‏ء منه، بل هو اختلاق بعض السفلة الجهلة، و لا يعول على ذلك و يغتر به إلا غبي عيى. ثم لما مات رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) كان على من جملة من غسله و كفنه و ولى دفنه كما تقدم ذلك مفصلا و للَّه الحمد و المنة. و سيأتي في باب فضائله ذكر تزويج رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) له من فاطمة بعد وقعة بدر فولد له منها حسن و حسين و محسن كما قدمنا. و قد وردت أحاديث في ذلك لا يصلح شي‏ء منها بل أكثرها من وضع الروافض و القصاص. و لما بويع الصديق يوم السقيفة كان على من جملة من بايع بالمسجد كما قدمنا. و كان بين يدي الصديق كغيره من أمراء الصحابة يرى طاعته فرضا عليه، و أحب الأشياء إليه، و لما توفيت فاطمة بعد ستة أشهر- و كانت قد تغضبت بعض الشي‏ء على أبى بكر بسبب الميراث الّذي فاتها من أبيها (عليه السلام)، و لم تكن اطلعت على النص المختص بالأنبياء و أنهم لا يورثون، فلما بلغها سألت أبا بكر أن يكون زوجها ناظرا على هذه الصدقة، فأبى ذلك عليها، فبقي في نفسها شي‏ء كما قدمنا، و احتاج على أن يداريها بعض المداراة- فلما توفيت جدد البيعة مع الصديق رضى اللَّه عنهما، فلما توفى أبو بكر و قام عمر في الخلافة بوصية أبى بكر إليه بذلك، كان على من جملة من بايعه، و كان معه يشاوره في الأمور، و يقال إنه استقضاه في أيام خلافته، و قدم معه من جملة سادات أمراء الصحابة إلى الشام، و شهد خطبته بالجابية، فلما طعن عمر و جعل الأمر شورى في ستة أحدهم على، ثم خلص منهم بعثمان و على كما قدمنا، فقدم عثمان على على، فسمع و أطاع، فلما قتل عثمان يوم الجمعة لثمان عشرة خلت من ذي الحجة سنة خمسة و ثلاثين على المشهور.

عدل الناس إلى على فبايعوه، قبل أن يدفن عثمان، و قيل بعد دفنه كما تقدم، و قد امتنع على من إجابتهم إلى قبول الامارة حتى تكرر قولهم له و فر منهم إلى حائط بنى عمرو بن مبدول، و أغلق بابه فجاء الناس فطرقوا الباب و ولجوا عليه، و جاءوا معهم بطلحة و الزبير، فقالوا له: إن هذا الأمر لا يمكن بقاؤه بلا أمير، و لم يزالوا به حتى أجاب.

ذكر بيعة على رضى اللَّه عنه بالخلافة

يقال ان أول من بايعه طلحة بيده اليمنى و كانت شلاء من يوم أحد- لما وقى بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)- فقال بعض القوم: و اللَّه إن هذا الأمر لا يتم،

و خرج على إلى المسجد فصعد المنبر و عليه إزار و عمامة خز و نعلاه في يده، يتوكأ على قوسه، فبايعه عامة الناس، و ذلك يوم السبت التاسع عشر

226

من ذي الحجة سنة خمس و ثلاثين، و يقال إن طلحة و الزبير إنما بايعاه بعد أن طلبهما و سألاه أن يؤمرهما على البصرة و الكوفة، فقال لهما: بل تكونا عندي أستأنس بكما،

و من الناس من يزعم أنه لم يبايعه طائفة من الأنصار، منهم حسان بن ثابت، و كعب بن مالك، و مسلمة بن مخلد، و أبو سعيد، و محمد بن مسلمة، و النعمان بن بشير، و زيد بن ثابت، و رافع بن خديج، و فضالة بن عبيد، و كعب بن عجرة. ذكره ابن جرير من طريق المدائني عن شيخ من بنى هاشم عن عبد اللَّه بن الحسن قال المدائني: حدثني من سمع الزهري يقول: هرب قوم من المدينة إلى الشام و لم بايعوا عليا، و لم يبايعه قدامة بن مظعون، و عبد اللَّه بن سلام، و المغيرة بن شعبة، قلت: و هرب مروان بن الحكم و الوليد بن عقبة و آخرون إلى الشام. و قال الواقدي: بايع الناس عليا بالمدينة، و تربص سبعة نفر لم يبايعوا، منهم ابن عمر، و سعد بن أبى وقاص، و صهيب، و زيد بن ثابت، و محمد بن أبى مسلمة، و سلمة بن سلامة بن وقش، و أسامة بن زيد، و لم يتخلف أحد من الأنصار إلا بايع فيما نعلم. و ذكر سيف بن عمر عن جماعة من شيوخه قالوا: بقيت المدينة خمسة أيام بعد مقتل عثمان و أميرها الغافقي بن حرب، يلتمسون من يجيبهم إلى القيام بالأمر. و المصريون يلحون على على و هو يهرب منهم إلى الحيطان، و يطلب الكوفيون الزبير فلا يجدونه، و البصريون يطلبون طلحة فلا يجيبهم، فقالوا فيما بينهم لا نولي أحدا من هؤلاء الثلاثة، فمضوا إلى سعد بن أبى وقاص فقالوا: إنك من أهل الشورى فلم يقبل منهم، ثم راحوا إلى ابن عمر فأبى عليهم، فحاروا في أمرهم، ثم قالوا: ان نحن رجعنا إلى أمصارنا بقتل عثمان من غير إمرة اختلف الناس في أمرهم و لم نسلم، فرجعوا إلى على فألحوا عليه، و أخذ الأشتر بيده فبايعه و بايعه الناس، و أهل الكوفة يقولون: أول من بايعه الأشتر النخعي و ذلك يوم الخميس الرابع و العشرون من ذي الحجة، و ذلك بعد مراجعة الناس لهم في ذلك، و كلهم يقول:

لا يصلح لها إلا على، فلما كان يوم الجمعة و صعد على المنبر بايعه من لم يبايعه بالأمس، و كان أول من بايعه طلحة بيده الشلاء، فقال قائل: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ثم الزبير، ثم قال الزبير: إنما بايعت عليا و اللج على عنقي و السلام، ثم راح إلى مكة فأقام أربعة أشهر، و كانت هذه البيعة يوم الجمعة لخمسة بقين من ذي الحجة،

و كان أول خطبة خطبها أنه حمد اللَّه و أثنى عليه، ثم قال: إن اللَّه تعالى أنزل كتابا هاديا بين فيه الخير و الشر، فخذوا بالخير و دعوا الشر، إن اللَّه حرم حرما مجهولة، و فضل حرمة المسلم على الحرم كلها، و شد بالإخلاص و التوحيد حقوق المسلمين، و المسلم من سلم المسلمون من لسانه و يده إلا بالحق، لا يحل لمسلم أذى مسلم إلا بما يجب، بادروا أمر العامة، و خاصة أحدكم الموت، فان الناس أمامكم، و إنما خلفكم الساعة تحدو بكم فتخففوا تلحقوا، فإنما ينتظر بالناس أخراهم، اتقوا اللَّه عباده في عباده و بلاده، فإنكم مسئولون حتى عن البقاع و البهائم، ثم أطيعوا اللَّه و لا تعصوه،

227

و إذا رأيتم الخير فخذوا به و إذا رأيتم الشرّ فدعوه‏

وَ اذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ‏

الآية، فلما فرغ من خطبته قال المصريون:

خذها إليك و احذرن أبا الحسن‏* * * إنا نمرّ الأمر إمرار الرسن‏

صولة آساد كآساد السفن‏* * * بمشرفيات كغدران اللبن‏

و نطعن الملك بلين كالشطن‏* * * حتى يمرنّ على غير عنن‏

فقال على مجيبا لهم!

إني عجزت عجزة لا أعتذر* * * سوف أكيس بعدها و أستمر

أرفع من ذيلي ما كنت أجر* * * و أجمع الأمر الشتيت المنتشر

إن لم يشاغبنى العجول المنتصر* * * أو يتركوني و السلاح يبتدر

و كان على الكوفة أبو موسى الأشعري على الصلاة و على الحرب القعقاع بن عمرو و على الخراج جابر بن فلان المزني، و على البصرة عبد اللَّه بن عامر، و على مصر عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و قد تغلب عليه محمد بن أبى حذيفة، و على الشام معاوية بن أبى سفيان، و نوابه على حمص عبد الرحمن بن خالد بن الوليد، و على قنسرين حبيب بن سلمة، و على الأردن أبو الأعور، و على فلسطين حكيم بن علقمة، و على أذربيجان الأشعث بن قيس، و على قرقيسيا جرير بن عبد اللَّه البجلي، و على حلوان عتيبة بن النهاس، و على قيسارية مالك بن حبيب، و على همذان حبيش. هذا ما ذكره ابن جرير من ثواب عثمان الذين توفى و هم نواب الأمصار، و كان على بيت المال عقبة بن عمرو، و على قضاء المدينة زيد بن ثابت، و لما قتل عثمان بن عفان خرج النعمان بن بشير و معه قميص عثمان مضمخ بدمه، و معه أصابع نائلة التي أصيبت حين حاجفت عنه بيدها، فقطعت مع بعض الكف فورد به على معاوية بالشام، فوضعه معاوية على المنبر ليراه الناس، و علق الأصابع في كم القميص، و ندب الناس إلى الأخذ بهذا الثأر و الدم و صاحبه، فتباكى الناس حول المنبر، و جعل القميص يرفع تارة و يوضع تارة، و الناس يتباكون حوله سنة، و يحث بعضهم بعضا على الأخذ بثأره، و اعتزل أكثر الناس النساء في هذا العام، و قام في الناس معاوية و جماعة من الصحابة معه يحرضون الناس على المطالبة بدم عثمان، ممن قتله من أولئك الخوارج: منهم عبادة بن الصامت، و أبو الدرداء، و أبو أمامة، و عمرو بن عنبسة و غيرهم من الصحابة، و من التابعين: شريك بن حباشة، و أبو مسلم الخولانيّ، و عبد الرحمن بن غنم، و غيرهم من التابعين. و لما استقر أمر بيعة على دخل عليه طلحة و الزبير و رءوس الصحابة رضى اللَّه عنهم، و طلبوا منه إقامة الحدود، و الأخذ بدم عثمان.

فاعتذر إليهم بأن هؤلاء لهم مدد و أعوان، و أنه لا يمكنه ذلك يومه هذا، فطلب منه الزبير أن يوليه‏

228

إمرة الكوفة ليأتيه بالجنود، و طلب منه طلحة أن يوليه إمرة البصرة، ليأتيه منها بالجنود ليقوى بهم على شوكة هؤلاء الخوارج، و جهلة الأعراب الذين كانوا معهم في قتل عثمان رضى اللَّه عنه، فقال لهما:

مهلا على، حتى انظر في هذا الأمر. و دخل عليه المغيرة بن شعبة على إثر ذلك فقال له: إني أرى أن تقر عمالك على البلاد، فإذا أتتك طاعتهم استبدلت بعد ذلك بمن شئت و تركت من شئت، ثم جاءه من الغد فقال له: إني أرى أن تعزلهم لتعلم من يطيعك ممن يعصيك، فعرض ذلك عليّ على ابن عباس فقال: لقد نصحك بالأمس و غشّك اليوم، فبلغ ذلك المغيرة فقال: نعم نصحته فلما لم يقبل غششته ثم خرج المغيرة فلحق بمكة، و لحقه جماعة منهم طلحة و الزبير: و كانوا قد استأذنوا عليا في الاعتمار فأذن لهم، ثم إن ابن عباس أشار عليّ على باستمرار نوابه في البلاد، إلى أن يتمكن الأمر، و أن يقر معاوية خصوصا على الشام و قال له: إني أخشى إن عزلته عنها أن يطلبك بدم عثمان و لا آمن طلحة و الزبير أن يتكلما عليك بسبب ذلك،

فقال على‏

: إني لا أرى هذا و لكن اذهب أنت إلى الشام فقد وليتكها، فقال ابن عباس لعلى: إني أخشى من معاوية أن يقتلني بعثمان، أو يحبسني لقرابتي منك و لكن اكتب معى إلى معاوية فمنّه وعده، فقال على: و اللَّه إن هذا ما لا يكون أبدا، فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين الحرب خدعة كما قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، فو اللَّه لئن أطعتنى لأوردنهم بعد صدورهم‏

و نهى ابن عباس عليا فيما أشار عليه أن يقبل من هؤلاء الذين يحسّنون إليه الرحيل إلى العراق، و مفارقة المدينة، فأبى عليه ذلك كله، و طاوع أمر أولئك الأمراء من أولئك الخوارج من أهل الأمصار.

قال ابن جرير: و في هذه السنة قصد قسطنطين بن هرقل بلاد المسلمين في ألف مركب، فأرسل اللَّه عليه قاصفا من الريح فغرقه اللَّه بحوله و قوته، و من معه، و لم ينج منهم أحد إلا الملك في شر ذمة قليلة من قومه، فلما دخل صقلّيّة عملوا له حماما فدخله فقتلوه فيه، و قالوا: أنت قتلت رجالنا.

ثم دخلت سنة ست و ثلاثين من الهجرة

استهلت هذه السنة و قد تولى أمير المؤمنين على بن أبى طالب الخلافة، و ولى على الأمصار نوابا، فولى عبد اللَّه بن عباس على اليمن، و ولى سمرة بن جندب [ (1)] على البصرة، و عمارة بن شهاب على الكوفة، و قيس بن سعد بن عبادة على مصر، و على الشام سهل بن حنيف بدل معاوية، فسار حتى بلغ تبوك فتلقته خيل معاوية، فقالوا: من أنت؟ فقال: أمير، قالوا: على أي شي‏ء؟ قال: على الشام، فقالوا: إن كان عثمان بعثك فحي هلا بك، و إن كان غيره فارجع. فقال: أو ما سمعتم الّذي‏

____________

[ (1)] ذكر ابن جرير الطبري أن عليا ولى عثمان بن حنيف على البصرة و سيأتي أنه عثمان ابن حنيف.

229

كان؟ قالوا: بلى، فرجع إلى على. و أما قيس بن سعد فاختلف عليه أهل مصر فبايع له الجمهور، و قالت طائفة: لا نبايع حتى نقتل قتلة عثمان، و كذلك أهل البصرة، و أما عمارة بن شهاب المبعوث أميرا على الكوفة فصده عنها طلحة بن خويلد غضبا لعثمان، فرجع إلى على فأخبره، و انتشرت الفتنة و تفاقم الأمر، و اختلفت الكلمة، و كتب أبو موسى إلى على بطاعة أهل الكوفة و مبايعتهم إلا القليل منهم، و بعث على إلى معاوية كتبا كثيرة فلم يرد عليه جوابها، و تكرر ذلك مرارا إلى الشهر الثالث من مقتل عثمان في صفر،

ثم بعث معاوية طومارا مع رجل فدخل به على على فقال:

ما وراءك؟ قال جئتك من عند قوم لا يريدون إلا القود كلهم موتور، تركت سبعين ألف شيخ يبكون تحت قميص عثمان، و هو على منبر دمشق، فقال على: اللَّهمّ إني أبرأ إليك من دم عثمان، ثم خرج رسول معاوية من بين يدي على فهمّ به أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان يريدون قتله، فما أفلت إلا بعد جهد.

و عزم على رضى اللَّه عنه على قتال أهل الشام، و كتب إلى قيس بن سعد بمصر يستنفر الناس لقتالهم، و إلى أبى موسى بالكوفة: و بعث إلى عثمان بن حنيف بذلك، و خطب الناس فحثهم على ذلك. و عزم على التجهز، و خرج من المدينة، و استخلف عليها قثم بن العباس، و هو عازم أن يقاتل بمن أطاعه من عصاه و خرج عن أمره و لم يبايعه مع الناس،

و جاء إليه ابنه الحسن بن على فقال: يا أبتي دع هذا فان فيه سفك دماء المسلمين، و وقوع الاختلاف بينهم،

فلم يقبل منه ذلك، بل صمم على القتال، و رتب الجيش، فدفع اللواء إلى محمد بن الحنفية، و جعل ابن العباس على الميمنة، و عمرو بن أبى سلمة على الميسرة، و قيل جعل على الميسرة عمرو بن سفيان بن عبد الأسد، و جعل على مقدمته أبا ليلى بن عمرو بن الجراح ابن أخى أبى عبيدة، و استخلف على المدينة قثم بن العباس و لم يبق شي‏ء إلا أن يخرج من المدينة قاصدا إلى الشام، حتى جاءه ما شغله عن ذلك كله و هو ما سنورده.

ابتداء وقعة الجمل‏

لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق، كان أزواج النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فرارا من الفتنة، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل: أقمن بمكة بعد ما خرجوا منها، و رجعوا إليها و أقاموا بها و جعلوا ينتظرون ما يصنع الناس و يتجسسون الأخبار فلما بويع لعلى و صار حظ الناس عنده بحكم الحال و غلبة الرأى، لا عن اختيار منه لذلك رءوس أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان، مع أن عليا في نفس الأمر يكرههم، و لكنه تربص بهم الدوائر، و يود لو تمكن منهم ليأخذ حق اللَّه منهم، و لكن لما وقع الأمر هكذا و استحوذوا عليه، و حجبوا عنه علية الصحابة فرّ جماعة من بنى أمية و غيرهم إلى مكة، و استأذنه طلحة و الزبير في الاعتمار، فأذن لهما فخرجا إلى‏

230

مكة و تبعهم خلق كثير، و جم غفير، و كان على لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد اللَّه بن عمر بن الخطاب و حرضه على الخروج معه، فقال:

إنما أنا رجل من أهل المدينة، إن خرجوا خرجت على السمع و الطاعة، و لكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر و خرج إلى مكة، و قدم إلى مكة أيضا في هذا العام يعلى بن أمية من اليمن،- و كان عاملا عليها لعثمان-، و معه ستمائة بعير و ستمائة ألف درهم، و قدم لها عبد اللَّه بن عامر من البصرة، و كان نائبها لعثمان، فاجتمع فيها خلق من سادات الصحابة، و أمهات المؤمنين، فقامت عائشة رضى اللَّه عنها في الناس تخطبهم و تحثهم على القيام بطلب دم عثمان، و ذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام و شهر حرام، و لم يراقبوا جوار رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و قد سفكوا الدماء، و أخذوا الأموال. فاستجاب الناس لها، و طاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة، و قالوا لها: حيثما ما سرت أسرنا معك، فقال قائل نذهب إلى الشام، فقال بعضهم: إن معاوية قد كفاكم أمرها، [و لو قدموها لغلبوا، و اجتمع الأمر كله لهم، لأن أكابر الصحابة معهم‏] [ (1)] و قال آخرون: نذهب إلى المدينة فنطلب من على أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا، و قال آخرون: بل نذهب إلى البصرة فنتقوى من لك بالخيل و الرجال، و نبدأ بمن هناك من قتلة عثمان. فاتفق الرأى على ذلك و كان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة، فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك و قلن: لا نسير إلى غير المدينة، و جهز الناس يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمائة بعير و ستمائة ألف درهم و جهزهم ابن عامر أيضا بمال كثير، و كانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد اللَّه من ذلك، و أبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، و سار الناس صحبة عائشة في ألف فارس، و قيل تسعمائة فارس من أهل المدينة و مكة، و تلاحق بهم آخرون، فصاروا في ثلاثة آلاف، و أم المؤمنين عائشة تحمل في هودج على جمل اسمه عسكر، اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار، و قيل بثمانين دينارا، و قيل غير ذلك، و سار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها لك و بكين للوداع، و تباكى الناس، و كان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب، و سار الناس قاصدين البصرة، و كان الّذي يصلى بالناس عن أمر عائشة ابن أختها عبد اللَّه ابن الزبير، و مروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات، و قد مروا في مسيرهم ليلا بماء يقال له الحوأب، فنبحتهم كلاب عنده، فلما سمعت ذلك عائشة قالت: ما اسم هذا المكان؟ قالوا الحوأب، فضربت بإحدى يديها على الأخرى و قالت: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، ما أظننى إلا راجعة، قالوا: و لم؟

قالت: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لنسائه:

«ليت شعرى أيتكن التي تنبحها كلاب‏

____________

[ (1)] سقط من المصرية.

231

لحوأب»،

ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، و قالت: ردوني ردوني، أنا و اللَّه صاحبة ماء الحوأب، و قد أوردنا هذا الحديث بطرقه و ألفاظه في دلائل النبوة كما سبق، فأناخ الناس حولها يوما و ليلة، و قال لها عبد اللَّه بن الزبير: إن الّذي أخبرك أن هذا ماء الحوأب قد كذب، ثم قال الناس: النجا النجا، هذا جيش على بن أبى طالب قد أقبل، فارتحلوا نحو البصرة، فلما اقتربت من البصرة كتبت إلى الأحنف بن قيس و غيره من رءوس الناس، أنها قد قدمت، فبعث عثمان بن حنيف عمران بن حصين و أبا الأسود الدؤلي إليها ليعلما ما جاءت له، فلما قدما عليها سلما عليها و استعلما منها ما جاءت له، فذكرت لهما ما الّذي جاءت له من القيام بطلب دم عثمان، لأنه قتل مظلوما في شهر حرام و بلد حرام. و تلت قوله تعالى‏ لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْواهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغاءَ مَرْضاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة فقالا له: ما أقدمك؟ فقال: الطلب بدم عثمان، فقالا: ما بايعت عليا؟ قال: بلى و السيف على عنقي، و لا أستقبله إن هو لم يخل بيننا و بين قتلة عثمان. فذهبا إلى الزبير فقال مثل ذلك، قال: فرجع عمران و أبو الأسود إلى عثمان بن حنيف، فقال أبو الأسود:

يا ابن الأحنف قد أتيت فانفر* * * و طاعن القوم و جالد و اصبر

و اخرج لهم مستلثما و شمر

فقال عثمان بن حنيف: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، دارت رحى الإسلام و رب الكعبة، فانظروا بأي زيفان نزيف، فقال عمران إي و اللَّه لتعركنكم عركا طويلا، يشير عثمان بن حنيف إلى حديث ابن مسعود مرفوعا «تدور رحى الإسلام لخمس و ثلاثين» الحديث كما تقدم، ثم قال عثمان بن حنيف لعمران بن حصين: أشر على، فقال اعتزل فانى قاعد في منزلي، أو قال قاعد على بعيري، فذهب فقال عثمان: بل أمنعهم حتى يأتى أمير المؤمنين، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح و الاجتماع في المسجد، فاجتمعوا فأمرهم بالتجهز، فقام رجل و عثمان على المنبر فقال: أيها الناس إن كان هؤلاء القوم جاءوا خائفين فقد جاءوا من بلد يأمن فيه الطير، و إن كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته، فأطيعوني و ردوهم من حيث جاءوا، فقام الأسود بن سريع السعدي فقال: إنما جاءوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا و من غيرنا، فحصبه الناس، فعلم عثمان بن حنيف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصارا، فكره ذلك، و قدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس، فنزلوا المربد من أعلاه قريبا من البصرة، و خرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، و خرج عثمان بن حنيف بالجيش فاجتمعوا بالمربد، فتكلم طلحة- و كان على الميمنة- فندب إلى الأخذ بثأر عثمان، و الطلب بدمه، و تابعه الزبير فتكلم بمثل مقالته فرد عليهما ناس من جيش عثمان بن حنيف، و تكلمت أم المؤمنين فحرضت و حثت على‏

232

القتال، فتناور طوائف من أطراف الجيش فتراموا بالحجارة، ثم تحاجز الناس و رجع كل فريق إلى حوزته، و قد صارت طائفة من جيش عثمان بن حنيف إلى جيش عائشة، فكثروا، و جاء حارثة ابن قدامة السعدي فقال: يا أمير المؤمنين! و اللَّه لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة للسلاح، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعى من حيث جئت إلى منزلك، و إن كنت أتيتينا مكرهة فاستعيني بالناس في الرجوع و أقبل حكيم بن جبلة- و كان على خيل عثمان بن حنيف- فأنشب القتال و جعل أصحاب أم المؤمنين يكفون أيديهم و يمتنعون من القتال، و جعل حكيم يقتحم عليهم فاقتتلوا على فم السكة، و أمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بنى مازن، و حجز الليل بينهم، فلما كان اليوم الثاني قصدوا للقتال، فاقتتلوا قتالا شديدا، إلى أن زال النهار، و قتل خلق كثير من أصحاب ابن حنيف، و كثرت الجراح في الفريقين، فلما عضتهم الحرب تداعوا إلى الصلح على أن يكتبوا بينهم كتابا و يبعثوا رسولا إلى أهل المدينة يسأل أهلها، إن كان طلحة و الزبير أكرها على البيعة، خرج عثمان بن حنيف عن البصرة و أخلاها، و إن لم يكونا أكرها على البيعة خرج طلحة و الزبير عنها و أخلوها لهم، و بعثوا بذلك كعب بن سور القاضي، فقدم المدينة يوم الجمعة، فقام في الناس، فسألهم: هل بايع طلحة و الزبير طائعين أو مكرهين؟ فسكت الناس فلم يتكلم إلا أسامة بن زيد، فقال: بل كانا مكرهين، فثار إليه بعض الناس فأرادوا ضربه، فحاجف دونه صهيب، و أبو أيوب، و جماعة حتى خلصوه، و قالوا له: ما وسعك ما وسعنا من السكوت؟ فقال:

لا و اللَّه ما كنت أرى أن الأمر ينتهى إلى هذا،

و كتب على إلى عثمان بن حنيف يقول له: إنهما لم يكرها على فرقه، و لقد أكرها على جماعة و فضل فان كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، و إن كانا يريدان غير ذلك نظرا و نظرنا،

و قدم كعب بن سور على عثمان بكتاب على، فقال عثمان: هذا أمر آخر غير ما كنا فيه، و بعث طلحة و الزبير إلى عثمان بن حنيف أن يخرج إليهما فأبى، فجمعا الرجال في ليلة مظلمة و شهدا بهم صلاة العشاء في المسجد الجامع، و لم يخرج عثمان بن حنيف تلك الليلة، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، و وقع من رعاع الناس من أهل البصرة كلام و ضرب، فقتل منهم نحوا أربعين رجلا، و دخل الناس على عثمان بن حنيف قصرة فأخرجوه إلى طلحة و الزبير، و لم يبق في وجهه شعرة إلا نتفوها، فاستعظما ذلك و بعثا إلى عائشة فأعلماها الخبر، فأمرت أن تخلى سبيله، فأطلقوه و ولوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبى بكر، و قسم طلحة و الزبير أموال بيت المال في الناس و فضلوا أهل الطاعة، و أكب عليهم الناس يأخذون أرزاقهم، و أخذوا الحرس، و استبدوا في الأمر بالبصرة، فحمى لذلك جماعة من قوم قتلة عثمان و أنصارهم، فركبوا في جيش قريب من ثلاثمائة، و مقدمهم حكيم بن جبلة، و هو أحد من باشر قتل عثمان، فبارزوا و قاتلوا،

233

فضرب رجل رجل حكيم بن جبلة فقطعها، فزحف حتى أخذها و ضرب بها ضاربه فقتله ثم اتكأ عليه و جعل يقول:

يا ساق لن تراعى‏* * * إن لك ذراعي‏

أحمى بها كراعى

و قال أيضا:

ليس على أن أموت عار* * * و العار في الناس هو الفرار

و المجد لا يفضحه الدمار

فمر عليه رجل و هو متكئ برأسه على ذلك الرجل، فقال له: من قتلك؟ فقال له وسادتي. ثم مات حكيم قتيلا هو و نحو من سبعين من قتلة عثمان و أنصارهم أهل المدينة، فضعف جأش من خالف طلحة و الزبير من أهل البصرة، و يقال: إن أهل البصرة بايعوا طلحة و الزبير، و ندب الزبير ألف فارس يأخذها معه و يلتقى بها عليا قبل أن يجي‏ء فلم يجبه أحد، و كتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشرونهم بذلك، و قد كانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين، و قد كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان تدعوه إلى نصرتها و القيام معها فان لم يجئ فليكف يده و ليلزم منزله، أي لا يكون عليها و لا لها، فقال: أنا في نصرتك ما دمت في منزلك، و أبى أن يطيعها في ذلك، و قال:

رحم اللَّه أم المؤمنين أمرها اللَّه أن تلزم بيتها و أمرنا أن نقاتل، فخرجت من منزلها و أمرتنا بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحق بذلك منا، و كتبت عائشة إلى أهل اليمامة و الكوفة بمثل ذلك.

ذكر مسير أمير المؤمنين على بن أبى طالب من المدينة إلى البصرة بدلا من مسيره إلى الشام‏

بعد أن كان قد تجهز قاصدا الشام كما ذكرنا، فلما بلغه قصد طلحة و الزبير البصرة، خطب الناس و حثهم على المسير إلى البصرة ليمنع أولئك من دخولها، إن أمكن، أو يطردهم عنها إن كانوا قد دخلوها، فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، و استجاب له بعضهم، قال الشعبي: ما نهض معه في هذا الأمر غير ستة نفر من البدريين، ليس لهم سابع. و قال غيره أربعة. و ذكر ابن جرير و غيره قال كان ممن استجاب له من كبار الصحابة أبو الهيثم بن التيهان، و أبو قتادة الأنصاري، و زياد بن حنظلة، و خزيمة بن ثابت. قالوا: و ليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان رضى اللَّه عنه. و سار على من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس و على مكة قثم بن عباس و ذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست و ثلاثين، و خرج على من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل، و قد لقي عبد اللَّه بن سلام رضى اللَّه عنه عليا و هو بالربذة، فأخذ بعنان فرسه و قال: يا أمير المؤمنين! لا تخرج منها، فو اللَّه لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبدا، فسبّه بعض الناس،

فقال على‏

: دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي (صلى اللَّه عليه و سلم)، و جاء الحسن بن على إلى أبيه في الطريق فقال: لقد نهيتك فعصيتني تقتل غدا بمضيعة لا ناصر لك. فقال له على: إنك لا تزال‏

234

نحن عليّ حنين الجارية، و ما الّذي نهيتني عنه فعصيتك؟ فقال: أ لم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل و أنت بها، فيقول قائل أو يتحدث متحدث؟ أ لم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم؟ و أمرتك حين خرجت هذه المرأة و هذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله؟ فقال له على: أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان فلقد أحيط بنا كما أحيط به، و أما مبايعتي قبل مجي‏ء بيعة الأمصار فكرهت أن يضيع هذا الأمر، و أما أن أجلس و قد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه. فتريد منى أن أكون كالضبع التي يحاط بها، و يقال ليست هاهنا، حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم انظر فيما يلزمني في هذا الأمر و يعنيني، فمن ينظر فيه؟ فكف عنى يا بنى، و لما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الأمر الّذي قدمنا كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبى بكر، و محمد بن جعفر، إني قد اخترتكم على أهل الأمصار، فرغبت إليكم و فرغت لما حدث، فكونوا لدين اللَّه أعوانا و أنصارا، و انهضوا إلينا فالاصلاح نريد لنعود هذه الأمة إخوانا، فمضيا، و أرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح و دواب، و قام في الناس خطيبا فقال: إن اللَّه أعزنا بالإسلام و رفعنا به، و جعلنا به إخوانا، بعد ذلة و قلة و تباغض و تباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء اللَّه، الإسلام دينهم، و الحق قائم بينهم، و الكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا و إن هذه الأمة لا يد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ باللَّه من شر ما هو كائن. ثم عاد ثانية فقال: إنه لا بد مما هو كائن أن يكون، ألا و إن هذه الأمة ستفترق على ثلاث و سبعين فرقة، شرها فرقة تحبني و لا تعمل بعملي، و قد أدركتم و رأيتم، فالزموا دينكم، و اهتدوا بهديى فإنه هدى نبيكم، و اتبعوا سنته، و أعرضوا عما أشكل عليكم، حتى تعرضوه على الكتاب، فما عرفه القرآن فالزموه، و ما أنكره فردوه، و ارضوا باللَّه ربا، و بالإسلام دينا، و بمحمد نبيا، و بالقرآن حكما و إماما. قال فلما عزم على المسير من الرَّبَذَة قام إليه ابن أبى رفاعة بن رافع، فقال: يا أمير المؤمنين أي شي‏ء تريد؟ و أين تذهب بنا؟ فقال: أما الّذي نريد و ننوى فالاصلاح، و إن قبلوا منا و أجابوا إليه، قال: فان لم يجيبوا إليه؟

قال: نعدهم بغدرهم و نعطيهم الحق و نصبر. قال: فان لم يرضوا؟ قال: ندعهم ما تركونا، قال: فان لم يتركونا؟ قال: امتنعنا منهم، قال: فنعم إذا. فقام إليه الحجاج بن غزية الأنصاري فقال: لأرضينك بالفعل كما أرضيتنى بالقول، و اللَّه لينصرني اللَّه كما سمانا أنصارا. قال: و أتت جماعة من طيئ و على بالربذة، فقيل له: هؤلاء جماعة جاءوا من طيئ منهم من يريد الخروج معك و منهم من يريد السلام عليك، فقال: جزى اللَّه كلا خيرا

وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً

قالوا: فسار على من الرَّبَذَة على تعبئته و هو راكب ناقة حمراء يقود فرسا كميتا فلما كان بفيد جاءه جماعة من أسد

235

و طيئ، فعرضوا أنفسهم عليه فقال: فيمن معى كفاية، و جاء رجل من أهل الكوفة يقال له عامر بن مطر الشيباني، فقال له على: ما وراءك؟ فأخبره الخبر، فسأله عن أبى موسى فقال: إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه، و إن أردت القتال فليس بصاحبه، فقال على: و اللَّه ما أريد إلا الصلح ممن تمرد علينا. و سار، فلما اقترب من الكوفة و جاءه الخبر بما وقع من الأمر على جليته، من قتل و من إخراج عثمان بن حنيف من البصرة، و أخذهم أموال بيت المال، جعل يقول: اللَّهمّ عافني مما ابتليت به طلحة و الزبير، فلما انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف مهشما، و ليس في وجهه شعرة فقال: يا أمير المؤمنين بعثتني إلى البصرة و أنا ذو لحية، و قد جئتك أمردا، فقال: أصبت خيرا و أجرا. و قال عن طلحة و الزبير: اللَّهمّ أحلل ما عقدا، و لا تبرم ما أحكما في أنفسهما، و أرهما المساءة فيما قد عملا- يعنى في هذا الأمر- و أقام على بذي قار ينتظر جواب ما كتب به مع محمد بن أبى بكر و صاحبه محمد بن جعفر- و كانا قد قدما بكتابه على أبى موسى و قاما في الناس بأمره- فلم يجابا في شي‏ء، فلما أمسوا دخل أناس من ذوى الحجى على أبى موسى يعرضون عليه الطاعة لعلى، فقال: كان هذا بالأمس فغضب محمد و محمد فقالا له قولا غليظا: فقال لهما: و اللَّه إن بيعة عثمان لفي عنقي و عنق صاحبكما، فان لم يكن بد من قتال فلا نقاتل أحدا حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا و من كانوا، فانطلقا إلى على فأخبراه الخبر، و هو بذي قار، فقال للأشتر: أنت صاحب أبى موسى و المعرض في كل شي‏ء فاذهب أنت و ابن عباس فأصلح ما أفسدت، فخرجا فقدما الكوفة و كلما أبا موسى و استعانا عليه بنفر من الكوفة فقام في الناس فقال: أيها الناس، إن أصحاب محمد (صلى اللَّه عليه و سلم) الذين صحبوه أعلم باللَّه و رسوله ممن لم يصحبه، و إن لكم يكن علينا حقا و أنا مؤد إليكم نصيحة، كان الرأى أن لا تستخفوا بسلطان اللَّه و أن لا تجترءوا على أمره، و هذه فتنة النائم فيها خير من اليقظان، و اليقظان خير من القاعد، و القاعد خير من القائم و القائم خير من الراكب، و الراكب خير من الساعي فاغمدوا السيوف و انصلوا الأسنة، و اقطعوا الأوتار، و أووا المضطهد و المظلوم حتى يلتئم هذا الأمر، و تنجلي هذه الفتنة، فرجع ابن عباس و الأشتر إلى على فأخبراه الخبر، فأرسل الحسن و عمار بن ياسر، و قال لعمار: انطلق فأصلح ما أفسدت، فانطلقا حتى دخلا المسجد فكان أول من سلم عليهما مسروق بن الأجدع، فقال لعمار: علام قتلتم عثمان؟ فقال: على شتم أعراضنا و ضرب أبشارنا، فقال: و اللَّه ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، و لو صبرتم لكان خيرا للصابرين. قال: و خرج أبو موسى فلقى الحسن بن على فضمه إليه، و قال لعمار: يا أبا اليقظان أ عدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته؟ فقال: لم أفعل، و لم يسؤنى ذلك، فقطع عليهما الحسن بن على فقال لأبى موسى، لم تثبط الناس عنا؟ فو اللَّه ما أردنا إلا الإصلاح، و لا مثل أمير المؤمنين يخاف على شي‏ء، فقال: صدقت‏

236

بأبي و أمى، و لكن المستشار مؤتمن، سمعت من النبي (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول «إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، و القائم خير من الماشي، و الماشي خير من الراكب»

و قد جعلنا اللَّه إخوانا و حرم علينا دماءنا و أموالنا، فغضب عمار و سبه، و قال: يا أيها الناس، إنما قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) وحده أنت فيها قاعدا خير منك قائما، فغضب رجل من بنى تميم لأبى موسى و نال من عمار، و ثار آخرون، و جعل أبو موسى يكفكف الناس، و كثر اللغط، و ارتفعت الأصوات، و قال أبو موسى أيها الناس، أطيعونى و كونوا خير قوم من خير أمم العرب، يأوى إليهم المظلوم، و يأمن فيهم الخائف، و إن الفتنة إذا أقبلت شبهت، و إذا أدبرت تبينت ثم أمر الناس بكف أيديهم و لزوم بيوتهم، فقام زيد بن صوحان فقال: أيها الناس سيروا إلى أمير المؤمنين، و سيد المسلمين، سيروا إليه أجمعون، فقام القعقاع بن عمرو فقال: إن الحق ما قاله الأمير، و لكن لا بد للناس من أمير يردع الظالم و يعدى المظلوم، و ينتظم به شمل الناس، و أمير المؤمنين على ملي بما ولى، و قد أنصف بالدعاء، و إنما يريد الإصلاح، فانفروا إليه، و قام عبد خير فقال: الناس أربع فرق، على بمن معه في ظاهر الكوفة، و طلحة و الزبير بالبصرة، و معاوية بالشام، و فرقة بالحجاز لا تقاتل و لا عناء بها، فقال أبو موسى: أولئك خير الفرق، و هذه فتنة. ثم تراسل الناس في الكلام ثم قام عمار و الحسن بن على في الناس على المنبر يدعوان الناس إلى النفير إلى أمير المؤمنين، فإنه إنما يريد الإصلاح بين الناس، و سمع عمار رجلا يسب عائشة فقال: اسكت مقبوحا منبوحا، و اللَّه إنها لزوجة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في الدنيا و الآخرة، و لكن اللَّه ابتلاكم بها ليعلم أ تطيعوه أو إياها، رواه البخاري و قام حجر بن عدي فقال:

أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، انْفِرُوا خِفافاً وَ ثِقالًا وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏ و جعل الناس كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر،

و عمار و الحسن معه على المنبر حتى قال له الحسن بن على: ويحك! اعتزلنا لا أم لك، و دع منبرنا،

و يقال إن عليا بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة و أخرجه من قصر الامارة من تلك الليلة، و استجاب الناس للنفير فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البر و في دجلة، و يقال سار معه اثنى عشر ألف رجل و رجل واحد، و قدموا على أمير المؤمنين فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة، منهم ابن عباس فرحب بهم و قال: يا أهل الكوفة! أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم، و قد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فان يرجعوا فذاك الّذي نريده، و إن أبو داويناهم، بالرفق حتى يبدؤنا بالظلم، و لم ندع أمرا فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء اللَّه تعالى. فاجتمعوا عنده بذي قار، و كان من المشهورين من رؤساء من انضاف إلى على، القعقاع بن عمرو، و سعد بن مالك، و هند بن عمرو، و الهيثم بن شهاب، و زيد بن صوحان،

237

و الأشتر، و عدي بن حاتم، و المسيب بن نجبة، و يزيد بن قيس، و حجر بن عدي و أمثالهم، و كانت عبد القيس بكمالها بين على و بين البصرة ينتظرونه و هم ألوف، فبعث على القعقاع رسولا إلى طلحة و الزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألفة و الجماعة، و يعظم عليهما الفرقة و الاختلاف، فذهب القعقاع إلى البصرة، فبدأ بعائشة أم المؤمنين، فقال: أي أماه! ما أقدمك هذا البلد؟ فقالت: أي بنىّ! الإصلاح بين الناس، فسألها أن تبعث إلى طلحة و الزبير ليحضرا عندها، فحضرا فقال القعقاع:

إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها؟ فقالت إنما جئت للإصلاح بين الناس، فقالا: و نحن كذلك قال:

فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح؟ و على أي شي‏ء يكون؟ فو اللَّه لئن عرفناه لنصطلحن، و لئن أنكرناه لا نصطلحن، قالا: قتلة عثمان، فان هذا إن ترك كان تركا للقرآن، فقال: قتلتما قتلته من أهل البصرة، و أنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل، فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، و خرجوا من بين أظهركم، و طلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف، فان تركتموهم وقعتم فيما تقولون، و إن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الّذي حذرتم و فرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون و تجمعون منه- يعنى أن الّذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، و لكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها- و كما أنكم عجزتم عن الأخذ بأثر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلى أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، و إنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم، فان الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقا من ربيعة و مضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الّذي وقع. فقالت له عائشة أم المؤمنين، فما ذا تقول أنت؟ قال:

أقول إن هذا الأمر الّذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فان أنتم بايعتمونا فعلامة خير و تباشير رحمة، و إدراك الثأر، و إن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر و ائتنافه كانت علامة شر و ذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، و كونوا مفاتيح خير كما كنتم أولا، و لا تعرضونا للبلاء.

فتتعرضوا له، فيصرعنا اللَّه و إياكم، و ايم اللَّه إني لأقول قولي هذا و أدعوكم إليه، و إني لخائف أن لا يتم حتى يأخذ اللَّه حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، و نزل بها ما نزل، فان هذا الأمر الّذي قد حدث أمر عظيم، و ليس كقتل الرجل الرجل، و لا النفر الرجل، و لا القبيلة القبيلة. فقالوا: قد أصبت و أحسنت فارجع، فان قدم على و هو على مثل رأيك صلح الأمر، قال: فرجع إلى على فأخبره فأعجبه ذلك، و أشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه و رضيه من رضيه، و أرسلت عائشة إلى على تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء و هؤلاء، و قام على في الناس خطيبا فذكر الجاهلية و شقاءها و أعمالها، و ذكر الإسلام و سعادة أهله بالألفة و الجماعة، و أن اللَّه جمعهم بعد نبيه (صلى اللَّه عليه و سلم) على الخليفة أبى بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان ثم حدث هذا

238

الحديث الّذي جرى على الأمة، أقوام طلبوا الدنيا و حسدوا من أنعم اللَّه عليه بها، و على الفضيلة التي منّ اللَّه بها، و أرادوا رد الإسلام و الأشياء على أدبارها، و اللَّه بالغ أمره.

ثم قال: ألا إني مرتحل غدا فارتحلوا، و لا يرتحل معى أحد أعان على قتل عثمان بشي‏ء من أمور الناس.

فلما قال هذا اجتمع من رءوسهم جماعة كالأشتر النخعي، و شريح بن أوفى، و عبد اللَّه بن سبإ المعروف بابن السوداء، و سالم بن ثعلبة، و غلاب بن الهيثم، و غيرهم في ألفين و خمسمائة، و ليس فيهم صحابى و للَّه الحمد، فقالوا: ما هذا، الرأى و على و اللَّه أعلم بكتاب اللَّه ممن يطلب قتلة عثمان، و أقرب إلى العمل بذلك، و قد قال ما سمعتم، غدا يجمع عليكم الناس، و إنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم و عددكم قليل في كثرتهم؟ فقال الأشتر: قد عرفنا رأى طلحة و الزبير فينا، و أما رأى على فلم نعرفه إلى اليوم، فان كان قد اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فان كان الأمر هكذا ألحقنا عليا بعثمان، فرضى القوم منا بالسكوت، فقال ابن السوداء، بئس ما رأيت، لو قتلناه قتلنا، فانا يا معشر قتلة عثمان في ألفين و خمسمائة و طلحة و الزبير و أصحابهما في خمسة آلاف، لا طاقة لكم بهم، و هم إنما يريدونكم، فقال غلاب بن الهيثم دعوهم و ارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها، فقال ابن السوداء: بئس ما قلت، إذا و اللَّه كان يتخطفكم الناس، ثم قال ابن السوداء قبحه اللَّه: يا قوم إن عيركم في خلطة لناس فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب و القتال بين الناس و لا تدعوهم يجتمعون فيمن أنتم معه لا يجد بدا من أن يمتنع، و يشغل اللَّه طلحة و الزبير و من معهما عما يحبون، و يأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأى و تفرقوا عليه، و أصبح على مرتحلا و مر بعبد القيس فسار و من معه حتى نزلوا بالزاوية، و سار منها يريد البصرة، و سار طلحة و الزبير و من معهما للقائه، فاجتمعوا عند قصر عبيد اللَّه بن زياد، و نزل الناس كل في ناحية. و قد سبق على جيشه و هم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام و الرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين، فأشار بعض الناس على طلحة و الزبير بانتهاز الفرصة، من قتلة عثمان، فقالا: إن عليا أشار بتسكين هذا الأمر، و قد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك، و قام على في الناس خطيبا، فقام إليه الأعور بن نيار المنقري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة، فقال: الإصلاح و إطفاء الثائرة، ليجتمع الناس على الخير، و يلتئم شمل هذه الأمة، قال:

فان لم يجيبونا؟ قال: تركناهم ما تركونا، قال فان لم يتركونا؟ قال: دفعناهم عن أنفسنا، قال فهل لهم في هذا الأمر مثل الّذي لنا، قال: نعم! و قال إليه أبو سلام الدالاني فقال هل لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذه الدم، إن كانوا أرادوا اللَّه في ذلك؟ قال: نعم! قال: فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك؟ قال: نعم! قال فما حالنا و حالهم إن ابتلينا غدا؟ قال: إني لأرجو أن لا يقتل منا و منهم أحد نقى قلبه للَّه إلا أدخله اللَّه الجنة، و قال في خطبته: أيها الناس أمسكوا عن هؤلاء القوم أيديكم‏

239

و ألسنتكم، و إياكم أن يسبقونا غدا، فان المخصوم غدا مخصوم اليوم و جاء في غبون ذلك الأحنف بن قيس في جماعة فانضاف إلى على- و كان قد منع حرقوص بن زهير من طلحة و الزبير و كان قد بايع عليا بالمدينة و ذلك أنه قدم المدينة و عثمان محصور فسأل عائشة و طلحة و الزبير: إن قتل عثمان من أبايع؟

فقالوا بايع عليا فلما قتل عثمان بايع عليا قال: ثم رجعت إلى قومي فجاءني بعد ذلك ما هو أفظع، حتى قال الناس هذه عائشة جاءت لتأخذ بدم عثمان، فحرت في أمرى لمن أتبع، فمنعني اللَّه بحديث‏

سمعته من أبى بكر قال: قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

و قد بلغه أن الفرس قد ملكوا عليهم ابنه كسرى فقال:

«لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة»

و أصل هذا الحديث في صحيح البخاري، و المقصود أن الأحنف لما انحاز إلى على و معه ستة آلاف قوس،

فقال لعلى: إن شئت قاتلت معك، و إن شئت كففت عنك عشرة آلاف سيف، فقال: اكفف عنا عشرة آلاف سيف،

ثم بعث على إلى طلحة و الزبير يقول:

إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر، فأرسلا إليه في جواب رسالته: إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس و سكنت، و اجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين، فلما أمسوا بعث على عبد اللَّه بن عباس إليهم، و بعثوا إليه محمد بن طليحة السجاد و بات الناس بخير ليلة، و بات قتلة عثمان بشر ليلة، و باتوا يتشاورون و أجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر و هم قريب من ألفى رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم، و قام الناس من منامهم إلى السلاح، فقالوا طرقتنا أهل الكوفة ليلا، و بيتونا و غدروا بنا،

و ظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب على فبلغ الأمر عليا فقال: ما للناس؟

فقالوا، بيتنا أهل البصرة، فثار كل فريق إلى سلاحه و لبسوا للأمة و ركبوا الخيول، و لا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، و كان أمر اللَّه قدرا مقدورا و قامت الحرب على ساق و قدم، و تبارز الفرسان، و جالت الشجعان، فنشبت الحرب، و تواقف الفريقان و قد اجتمع مع على عشرون ألفا، و التف على عائشة و من معها نحوا من ثلاثين ألفا، ف إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و السابئة أصحاب ابن السوداء قبحه اللَّه لا يفترون عن القتل، و منادى على ينادى: ألا كفوا ألا كفوا، فلا يسمع أحد، و جاء كعب بن سوار قاضى البصرة فقال: يا أم المؤمنين أدركى الناس لعل اللَّه أن يصلح بك بين الناس، فجلست في هودجها فوق بعيرها و ستروا الهودج بالدروع، و جاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركاتهم، فتصاولوا و تجاولوا، و كان في جملة من تبارز الزبير و عمار، فجعل عمار ينخره بالرمح و الزبير كاف عنه، و يقول له، أ تقتلني يا أبا اليقظان؟

فيقول: لا يا أبا عبد اللَّه، و إنما تركه الزبير

لقول رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم):

«تقتلك الفئة الباغية»

و إلا فالزبير أقدر عليه منه عليه، فلهذا كف عنه، و قد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف على‏

240

جريح، و لا يتبع مدير، و قد قتل مع هذا خلق كثير جدا،

حتى جعل على يقول لابنه الحسن:

يا بنى ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاما فقال له: يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا.

قال سعيد بن أبى عجرة عن قتادة عن الحسن عن قيس بن عبادة قال: قال على يوم الجمل:

يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة، فقال له: يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا، قال: يا بنى إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا،

و قال مبارك بن فضالة عن الحسن بن أبى بكرة

: لما اشتد القتال يوم الجمل، و رأى عليّ الرءوس تندر أخذ على ابنه الحسن فضمه إلى صدره ثم قال: إنا للَّه يا حسن! أي خير يرجى بعد هذا؟ فلما ركب الجيشان و تراءى الجمعان و طلب على طلحة و الزبير ليكلمهما، فاجتمعوا حتى التفت أعناق خيولهم، فيقال إنه قال لهما: إني أراكما قد جمعتما خيلا و رجالا و عددا، فهل أعددتما عذرا يوم.

القيامة؟ فاتقيا اللَّه و لا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا، أ لم أكن حاكما في دمكما تحرمان دمي و أحرم دمكما، فهل من حديث أحل لكما دمي؟ فقال طلحة: ألّبت على عثمان. فقال على (يومئذ يوفيهم اللَّه دينهم الحق)، ثم قال: لعن اللَّه قتلة عثمان، ثم قال: يا طلحة! أ جئت بعرس رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) تقاتل بها، و خبأت عرسك في البيت؟ أما بايعتني؟ قال: بايعتك و السيف على عنقي. و قال للزبير: ما أخرجك؟ قال: أنت، و لا أراك بهذا الأمر أولى به منى. فقال له على: أما تذكر يوم مررت مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) في بنى غنم فنظر إلى و ضحك و ضحكت إليه، فقلت: لا يدع ابن أبى طالب زهوه، فقال لك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): «إنه ليس بمتمرد لتقاتلنه و أنت ظالم له»؟ فقال الزبير: اللَّهمّ نعم! و لو ذكرت ما سرت مسيري هذا، و و اللّه لا أقاتلك.

و في هذا السياق كله نظر، و المحفوظ منه الحديث،

فقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي فقال: حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الدوري حدثنا أبو عاصم عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشيّ عن جده عبد الملك عن أبى حزم المازني. قال‏

: شهدت عليا و الزبير حين توافقا، فقال له على: يا زبير! أنشدك اللَّه أسمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول: «إنك تقاتلني و أنت ظالم»؟ قال: نعم! لم أذكره إلا في موقفي هذا،

ثم انصرف.

و قد رواه البيهقي عن الحاكم عن أبى الوليد الفقيه عن الحسن بن سفيان عن قطن بن بشير عن جعفر بن سليمان عن عبد اللَّه بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشيّ عن جده عن أبى حزم المازني عن على و الزبير به* و قال عبد الرزاق: أنا معمر عن قتادة قال:

لما ولى الزبير يوم الجمل بلغ عليا فقال: لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولى، و ذلك أن رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) لقيهما في سقيفة بنى ساعدة فقال: «أ تحبه يا زبير؟ فقال: و ما يمنعني؟ قال: فكيف بك إذا قاتلته و أنت ظالم له؟» قال: فيرون أنه إنما ولى لذلك.

قال البيهقي: و هذا مرسل‏

و قد روى موصولا من وجه آخر أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن القاضي أنا أبو عامر بن مطر أنا أبو العباس عبد اللَّه بن‏

241

محمد بن سوار الهاشمي الكوفي أنا منجاب بن الحارث ثنا عبد اللَّه بن الأجلح ثنا أبى عن مرثد الفقيه عن أبيه. قال: و سمعت فضل بن فضالة يحدث عن حرب بن أبى الأسود الدؤلي- دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه- قال:

لما دنا على و أصحابه من طلحة و الزبير، و دنت الصفوف بعضها من بعض، خرج على و هو على بلغة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فنادى: ادعوا إلى الزبير بن العوام فانى على، فدعى له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال على: يا زبير! نشدتك اللَّه، أ تذكر يوم مرّ بك رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و نحن في مكان كذا و كذا، فقال: «يا زبير أ لا تحب عليا؟ فقلت:

أ لا أحب ابن خالي و ابن عمى و على ديني؟ فقال يا زبير أما و اللَّه لتقاتلنه و أنت ظالم له؟» فقال الزبير: بلى! و اللَّه لقد نسيته منذ سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، ثم ذكرته الآن، و اللَّه لا أقاتلك.

فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد اللَّه بن الزبير، فقال: مالك؟ فقال:

ذكّرني على حديثا سمعته من رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)، سمعته يقول: «لتقاتلنه و أنت ظالم له» فقال:

أو للقتال جئت؟ إنما جئت لتصلح بين الناس و يصلح اللَّه بك هذا الأمر، قال: قد حلفت أن لا أقاتله، قال: أعتق غلامك سرجس وقف حتى تصلح بين الناس. فأعتق غلامه و وقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه، قالوا: فرجع الزبير إلى عائشة فذكر أنه قد آلى أن لا يقاتل عليا، فقال له ابنه عبد اللَّه: إنك جمعت الناس، فلما تراءى بعضهم لبعض خرجت من بينهم، كفر عن يمينك و احضر. فأعتق غلاما، و قيل غلاما سرجس. و قد قيل إنه إنما رجع عن القتال لما رأى عمارا مع على و قد سمع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول لعمار: «تقتلك الفئة الباغية»

فخشي أن يقتل عمار في هذا اليوم.

و عندي أن الحديث الّذي أوردناه إن كان صحيحا عنه فما رجعه سواه، و يبعد أن يكفر عن يمينه ثم يحضر بعد ذلك لقتال على و اللَّه أعلم.

و المقصود أن الزبير لما رجع يوم الجمل سار فنزل واديا يقال له وادي السباع، فاتبعه رجل يقال له عمرو بن جرموز، فجاءه و هو نائم فقتله غيلة كما سنذكر تفصيله. و أما طلحة فجاءه في المعركة سهم غرب يقال رماه به مروان بن الحكم فاللَّه أعلم، فانتظم رجله مع فرسه فجمعت به الفرس فجعل يقول:

إليّ عباد اللَّه، إليّ عباد اللَّه، فاتبعه مولى له فأمسكها، فقال له: ويحك! اعدل بى إلى البيوت، و امتلأ خفه دما، فقال لغلامه: أردفني، و ذلك أنه نزفه الدم و ضعف، فركب وراءه و جاء به إلى بيت في البصرة فمات فيه، رضى اللَّه عنه.

و تقدمت عائشة رضى اللَّه عنها في هودجها، و ناولت كعب بن سوار قاضى البصرة مصحفا و قالت:

ادعهم إليه- و ذلك أنه حين اشتد الحرب و حمى القتال، و رجع الزبير، و قتل طلحة رضى اللَّه عنهما-

242

فلما تقدم كعب بن سوار بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين، و كان عبد اللَّه بن سبإ- و هو ابن السوداء- و أتباعه بين يدي الجيش، يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة، لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سوار رافعا المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه، و وصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضى اللَّه عنها، فجعلت تنادى: اللَّه اللَّه! يا بنى اذكروا يوم الحساب و رفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان،

فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى على فقال: ما هذا؟ فقالوا: أم المؤمنين تدعو على قتله عثمان و أشياعهم. فقال: اللَّهمّ العن قتلة عثمان، و جعل أولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى بقي مثل القنفذ، و جعلت تحرض الناس على منعهم و كفهم، فحملت معه الحفيظة فطردوهم حتى وصلت الحملة إلى الموضع الّذي فيه على بن أبى طالب، فقال لابنه محمد بن الحنفية: ويحك! تقدم بالراية، فلم يستطع، فأخذها على من يده فتقدم بها،

و جعلت الحرب تأخذ و تعطى، فتارة لأهل البصرة، و تارة لأهل الكوفة، و قتل خلق كثير، و جم غفير، و لم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي و الأرجل فيها من هذه الوقعة، و جعلت عائشة تحرض الناس على أولئك النفر من قتلة عثمان، و نظرت عن يمينها فقالت: من هؤلاء القوم؟ فقالوا: نحن بكر بن وائل، فقالت: لكم يقول القائل:

و جاءوا إلينا بالحديد كأنهم‏* * * من الغرة القعساء بكر بن وائل‏

ثم لجأ إليها بنو ناجية ثم بنو ضبة فقتل عنده منهم خلق كثير، و يقال إنه قطعت يد سبعين رجلا و هي آخذة بخطام الجمل فلما اثخنوا تقدم بنو عدي بن عبد مناف فقاتلوا قتالا شديدا، و رفعوا رأس الجمل، و جعل أولئك يقصدون الجمل و قالوا: لا يزال الحرب قائما ما دام هذا الجمل واقفا، و رأس الجمل في يد عمرة بن يثربى، و قيل أخوه عمرو بن يثربى ثم صمد عليه علباء بن الهيثم و كان من الشجعان المذكورين، فتقدم إليه عمرو الجملي فقتله ابن يثربى و قتل زيد بن صوحان، و ارتث صعصعة ابن صوحان فدعاه عمار إلى البراز فبرز له، فتجاولا بين الصفين- و عمار ابن تسعين سنة عليه فروة قد ربط وسطه بحبل ليف- فقال الناس: إنا للَّه و إنا إليه راجعون الآن يلحق عمارا بأصحابه، فضربه ابن يثربى بالسيف فاتقاه عمار بدرقته فغض فيها السيف و نشب، و ضربه عمار فقطع رجليه و أخذ أسيرا الى بين يدي على فقال: استبقني يا أمير المؤمنين، فقال: أبعد ثلاثة تقتلهم؟ ثم أمر به فقتل و استمر زمام الجمل بعده بيد رجل كان قد استنابه فيه من بنى عدي فبرز إليه ربيعة العقيلي فتجاولا حتى قتل كل واحد صاحبه و أخذ الزمام الحارث الضبيّ فما رأى أشد منه و جعل يقول:

نحن بنو ضبة أصحاب الجمل‏* * * نبارز القرن إذا القرن نزل‏

ننعى ابن عفان بأطراف الأسل‏* * * الموت أحلى عندنا من العسل‏

243

ردوا علينا شيخنا ثم بجل‏

و قيل إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبيّ. فكلما قتل واحد ممن يمسك الجمل يقوم غيره حتى قتل منهم أربعون رجلا قالت عائشة: ما زال جملي معتدلا حتى فقدت أصوات بنى ضبة ثم أخذ الخطام سبعون رجلا من قريش و كل واحد يقتل بعد صاحبه، فكان منهم محمد بن طلحة المعروف بالسجاد فقال لعائشة مرينى بأمرك يا أمه. فقالت: آمرك أن تكون كخير ابني آدم فامتنع أن ينصرف و ثبت في مكانه و جعل يقول حم لا ينصرون، فتقدم إليه نفر فحملوا عليه فقتلوه و صار لكل واحد منهم بعد ذلك يدعى، قتله و قد طعنه بعضهم بحربة فأنفذه و قال:

و أشعث قوام بآيات ربه‏* * * قليل الأذى فيما ترى العين مسلم‏

هتكت له بالرمح جيب قميصه‏* * * فخر صريعا لليدين و للفم‏

يناشدنى حم و الرمح شاجر* * * فهلا تلا حم قبل التقدم‏

على غير شي‏ء غير أن ليس تابعا* * * عليا و من لا يتبع الحق يندم‏

و أخذ الخطام عمرو بن الأشرف فجعل لا يدنو منه أحد إلا حطه بالسيف فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي و هو يقول:

يا أمنا يا خير أم نعلم‏* * * أما ترين كم شجاع يكلم‏

و تجتلى هامته و المعصم

و اختلفا ضربتين فقتل كل واحد صاحبه، و أحدق أهل النجدات و الشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الراية و لا بخطام الجمل إلا شجاع معروف، فيقتل من قصده ثم يقتل بعد ذلك، و قد فقأ بعضهم عين عدي بن حاتم ذلك اليوم، ثم تقدم عبد اللَّه بن الزبير فاخذ بخطام الجمل و هو لا يتكلم فقيل لعائشة إنه ابنك ابن أختك فقالت: و اثكل أسماء! و جاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي فاقتتلا فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحا شديدا و ضربه عبد اللَّه ضربة خفيفة ثم اعتنقا و سقطا إلى الأرض يعتركان فجعل عبد اللَّه بن الزبير يقول:

اقتلوني و مالكا* * * و اقتلوا مالكا معى‏

فجعل الناس لا يعرفون مالكا من هو و إنما هو معروف بالأشتر فحمل أصحاب على و عائشة فخلصوهما و قد جرح عبد اللَّه بن الزبير يوم الجمل بهذه الجراحة سبعا و ثلاثين جراحة، و جرح مروان بن الحكم أيضا، ثم جاء رجل فضرب الجمل على قوائمه فعقره و سقط إلى الأرض، فسمع له عجيج ما سمع أشد و لا أنفذ منه، و آخر من كان الزمام بيده زفر بن الحارث فعقر الجمل و هو في يده، و يقال إنه اتفق هو و بجير بن دلجة على عقره، و يقال إن الّذي أشار بعقر الجمل على، و قيل القعقاع بن عمرو لئلا تصاب أم المؤمنين، فإنها بقيت غرضا للرماة، و من يمسك بالزمام برجاسا للرماح، و لينفصل هذا الموقف الّذي‏

244

قد تفانى فيه الناس و لما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس، و حمل هودج عائشة و انه لكالقنفذ من السهام، و نادى منادى على في الناس: إنه لا يتبع مدبر و لا يذفف على جريح، و لا يدخلوا الدور، و أمر على نفرا أن يحملوا الهودج من بين القتلى، و أمر محمد بن أبى بكر و عمارا أن يضربا عليها قبة، و جاء إليها أخوها محمد فسألها هل وصل إليك شي‏ء من الجراح؟ فقالت: لا! و ما أنت ذاك يا ابن الخثعمية. و سلم عليها عمار فقال: كيف أنت يا أم؟ فقالت: لست لك بأم. قال:

بلى! و إن كرهت،

و جاء إليها على بن أبى طالب أمير المؤمنين مسلما فقال: كيف أنت يا أمه؟ قالت:

بخير فقال: يغفر اللَّه لك.

و جاء وجوه الناس من الأمراء و الأعيان يسلمون على أم المؤمنين رضى اللَّه عنها، و يقال إن أعين بن ضبيعة المجاشعي اطلع في الهودج فقالت: إليك لعنك اللَّه، فقال: و اللَّه ما أرى إلا حميراء، فقالت: هتك اللَّه سترك و قطع يدك و أبدى عورتك. فقتل بالبصرة و سلب و قطعت يده و رمى عريانا في خربة من خرابات الأزد. فلما كان الليل دخلت أم المؤمنين البصرة- و معها أخوها محمد بن أبى بكر- فنزلت في دار عبد اللَّه بن خلف الخزاعي- و هي أعظم دار بالبصرة- على صفية بنت الحارث بن أبى طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، و هي أم طلحة الطلحات عبد اللَّه بن خلف، و تسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة، و قد طاف على بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحم عليه و يقول: يعز على أن أرى قريشا صرعى. و قد مر على ما ذكر على طلحة بن عبيد اللَّه و هو مقتول فقال: لهفي عليك يا أبا محمد،

إنا للَّه و إنا إليه راجعون‏

و اللَّه لقد كنت كما قال الشاعر:

فتى كان يدنيه الغنى من صديقه‏* * * إذا ما هو استغنى و يبعده الفقر

و أقام على بظاهر البصرة ثلاثا ثم صلى على القتلى من الفريقين، و خص قريشا بصلاة من بينهم، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر و أمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئا هو لأهلهم فليأخذه، إلا سلاحا كان في الخزائن عليه سمة السلطان. و كان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء و خمسة من هؤلاء، (رحمهم اللَّه) و رضى عن الصحابة منهم.

و قد سأل بعض أصحاب على عليا أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة و الزبير، فأبى عليهم فطعن فيه السبائية و قالوا: كيف يحل لنا دماؤهم و لا تحل لنا أموالهم؟ فبلغ ذلك عليا فقال: أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه؟ فسكت القوم، و لهذا لما دخل البصرة فض في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، و قال: لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبائية أيضا و نالوا منه من وراء وراء.

245

فصل‏

و لما فرغ على من أمر الجمل أتاه وجوه الناس يسلمون عليه،

فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بنى سعد- و كانوا قد اعتزلوا القتال- فقال له على: تربعت- يعنى بنا-

فقال: ما كنت أرانى إلا قد أحسنت، و بأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فان طريقك الّذي سلكت بعيد، و أنت إلى غدا أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، و استبق مودتي لغد، و لا تقل مثل هذا فانى لم أزل لك ناصحا. قالوا: ثم دخل عليّ البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم، حتى الجرحى و المستأمنة.

و جاءه عبد الرحمن بن أبى بكرة الثقفي فبايعه فقال له على: أين المريض؟- يعنى أباه- فقال: إنه و اللَّه مريض يا أمير المؤمنين، و إنه على مسرتك لحريص. فقال: امش أمامى،

فمضى إليه فعاده، و اعتذر إليه أبو بكرة فعذره، و عرض عليه البصرة فامتنع و قال: رجل من أهلك يسكن إليه الناس، و أشار عليه بابن عباس فولاه على البصرة، و جعل معه زياد بن أبيه على الخراج و بيت المال، و أمر ابن عباس أن يسمع من زياد- و كان زياد معتزلا- ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة، فاستأذن و دخل فسلم عليها و رحبت به، و إذا النساء في دار بنى خلف يبكين على من قتل، منهم عبد اللَّه و عثمان ابنا خلف، فعبد اللَّه قتل مع عائشة، و عثمان قتل مع علي، فلما دخل علي قالت له صفية امرأة عبد اللَّه، أم طلحة الطلحات: أيتم اللَّه منك أولادك كما أيتمت أولادي، فلم يرد عليها علي شيئا، فلما خرج أعادت عليه المقالة أيضا فسكت،

فقال له رجل: يا أمير المؤمنين أ تسكت عن هذه المرأة و هي تقول ما تسمع؟ فقال: ويحك! إنا أمرنا أن نكف عن النساء و هن مشركات، أ فلا نكف عنهن و هن مسلمات؟

فقال له رجل: يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر على القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة و أن يخرجهما من ثيابهما، و قد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين و من قتل من عسكر على، فجعلت كلما ذكر لها واحد منهم ترجمت عليه و دعت له، و لما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة بعث إليها على رضى اللَّه عنه بكل ما ينبغي من مركب و زاد و متاع و غير ذلك، و أذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، و اختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، و سير معها أخاها محمد بن أبى بكر، فلما كان اليوم الّذي ارتحلت فيه جاء على فوقف على الباب و حضر الناس و خرجت من الدار في الهودج فودعت الناس ودعت لهم، و قالت: يا بنى لا يعتب بعضنا على بعض، إنه و اللَّه ما كان بيني و بين على في القدم إلا ما يكون بين المرأة و أحمائها، و إنه على معتبتى لمن الأخيار.

فقال على‏

:

صدقت و اللَّه ما كان بيني و بينها إلا ذاك، و إنها لزوجة نبيكم (صلى اللَّه عليه و سلم) في الدنيا و الآخرة.

و سار على معها

246

مودعا و مشيعا أميالا، و سرح بينه معها بقية ذلك اليوم- و كان يوم السبت مستهل رجب سنة ست و ثلاثين- و قصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك ثم رجعت إلى المدينة رضى اللَّه عنها.

و أما مروان بن الحكم فإنه لما فرّ استجار بمالك بن مسمع فأجاره و وفى له، و لهذا كان بنو مروان يكرمون مالكا و يشرفونه، و يقال إنه نزل دار بنى خلف فلما خرجت عائشة خرج معها، فلما سارت هي إلى مكة سار إلى المدينة قالوا: و قد علم من بين مكة و المدينة و البصرة بالوقعة يوم الوقعة، و ذلك مما كانت النسور تخطفه من الأيدي و الأقدام فيسقط منها لك، حتى أن أهل المدينة علموا بذلك يوم الجمل قبل أن تغرب الشمس، و ذلك أن نسرا مر بهم و معه شي‏ء فسقط فإذا هو كف فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب.

هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير (رحمه اللَّه) عن أئمة هذا الشأن، و ليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة و غيرهم من الأحاديث المختلقة على الصحابة و الأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها، و إذا دعوا إلى الحق الواضح أعرضوا عنه و قالوا: لنا أخبارنا و لكم أخباركم، فنحن حينئذ نقول لهم: سلام عليكم لا نبتغى الجاهلين.

فصل‏

في ذكر أعيان من قتل يوم الجمل من السادة النجباء من الصحابة و غيرهم من الفريقين رضى اللَّه عنهم أجمعين، و قد قدمنا أن عدة القتلى نحو من عشرة آلاف، و أما الجرحى فلا يحصون كثرة فممن قتل يوم الجمل في المعركة

طلحة بن عبيد اللَّه‏

ابن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة أبو محمد القرشي التيمي، و يعرف بطلحة الخير، و طلحة الفياض لكرمه و لكثرة جوده أسلم قديما على يدي أبى بكر الصديق، فكان نوفل بن خويلد بن العدوية يشدهما في حبل واحد، و لا تستطيع بنو تميم أن تمنعهما منه، فلذلك كان يقال لطلحة و أبى بكر القرينان، و قد هاجر و آخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين أبى أيوب الأنصاري، و شهد المشاهد كلها مع رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) إلا بدرا- فإنه كان بالشام لتجارة- و قيل في رسالة، و لهذا ضرب له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بسهمه و أجره من بدر، و كانت له يوم أحد اليد البيضاء و شلت يده يوم أحد، وقى بها رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و استمرت كذلك إلى أن مات، و كان الصديق إذا حدث عن يده أحد يقول: ذاك يوم كان كله لطلحة،

و قد

247

قال له رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يومئذ:

«أوجب طلحة» و ذلك أنه كان على رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) درعان فأراد أن ينهض و هما عليه ليصعد صخرة لك فما استطاع، فطأطأ له طلحة فصعد على ظهره حتى استوى عليها، و قال: «أوجب طلحة»

و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الستة أصحاب الشورى، و قد صحب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فأحسن صحبته حتى توفى و هو عنه راض، و كذلك أبو بكر و عمر، فلما كان قضية عثمان اعتزل عنه فنسبه بعض الناس إلى تحامل فيه، فلهذا لما حضر يوم الجمل و اجتمع به على فوعظه تأخر فوقف في بعض الصفوف، فجاءه سهم غرب فوقع في ركبته و قيل في رقبته، و الأول أشهر، و انتظم السهم مع ساقه خاصرة الفرس فجمح به حتى كاد يلقيه، و جعل يقول: إليّ عباد اللَّه، فأدركه مولى له فركب وراءه و أدخله البصرة فمات بدار فيها، و يقال إنه مات بالمعركة،

و إن عليا لما دار بين القتلى رآه فجعل يمسح عن وجهه التراب و قال: رحمة اللَّه عليك أبا محمد، يعز عليّ أن أراك مجدولا تحت نجوم السماء، ثم قال: إلى اللَّه أشكو عجرى و بجرى، و اللَّه لوددت أنى كنت مت قبل هذا اليوم بعشرين سنة.

و يقال إن الّذي رماه بهذا السهم مروان بن الحكم، و قال لأبان بن عثمان:

قد كفيتك رجالا من قتلة عثمان، و قد قيل إن الّذي رماه غيره، و هذا عندي أقرب، و إن كان الأول مشهورا و اللَّه أعلم و كان يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين، و دفن طلحة إلى جانب الكلإ و كان عمره ستين سنة، و قيل بضعا و ستين سنة، و كان آدم، و قيل أبيض، حسن الوجه كثير الشعر إلى القصر أقرب و كانت غلته في كل يوم ألف درهم.

و روى حماد بن سلمة عن على بن زيد بن جدعان عن أبيه أن رجلا رأى طلحة في منامه و هو يقول: حولونى عن قبري فقد أذانى الماء، ثلاث ليال، فأتى ابن عباس فأخبره- و كان نائبا على البصرة- فاشتروا له دارا بالبصرة بعشرة آلاف درهم فحولوه من قبره إليها، فإذا قد أخضر من جسده ما يلي الماء، و إذا هو كهيئته يوم أصيب، و قد وردت له فضائل كثيرة. فمن ذلك ما رواه أبو بكر بن أبى عاصم: حدثنا الحسن بن على بن سليمان بن عيسى بن موسى بن طلحة بن عبيد اللَّه حدثني أبى عن جده عن موسى بن طلحة عن أبيه قال: سماني رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يوم أحد طلحة الخير، و يوم العسرة طلحة الفياض. و يوم حنين طلحة الجود، و قال أبو يعلى الموصلي ثنا أبو كريب ثنا يونس عن ابن بكر عن طلحة بن يحيى عن موسى و عيسى ابني طلحة عن أبيهما أن ناسا من أصحاب رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) قالوا لأعرابى جاء يسأل عمن قضى نحبه‏

فقالوا: سل رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فسأله في المسجد فأعرض عنه ثم سأله فأعرض عنه ثم اطلعت من باب المسجد و على ثياب خضر فقال رسول اللَّه: «أين السائل»؟

قال ها أنا ذا فقال: «هذا ممن قضى نحبه»

و قال أبو القاسم البغوي: ثنا داود بن رشيد ثنا مكي ثنا على‏

248

ابن إبراهيم ثنا الصلت بن دينار عن أبى نضرة عن جابر بن عبد اللَّه قال قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

: «من أراد أن ينظر إلى شهيد يمشى على رجليه فلينظر إلى طلحة بن عبيد اللَّه»

و قال الترمذي: حدثنا أبو سعيد الأشج ثنا أبو عبد الرحمن بن منصور العنزي- اسمه النضر- ثنا عقبة بن علقمة اليشكري سمعت على بن أبى طالب يقول: سمعت أذناى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول‏

: «طلحة و الزبير جاراى في الجنة»

و قد روى من غير وجه عن على أنه قال:

إني لأرجو أن أكون أنا و طلحة و الزبير و عثمان ممن قال اللَّه و نزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا على سرر متقابلين)

و قال حماد بن سلمة عن على بن زيد عن سعيد بن المسيب أن رجلا كان يقع في طلحة و الزبير و عثمان و على رضى اللَّه عنهم فجعل سعد ينهاه و يقول: لا تقع في إخواني فأبى فقام فصلى ركعتين ثم قال: اللَّهمّ إن كان سخطا لك فيما يقول، فأرنى فيه اليوم آية و اجعله للناس عبرة. فخرج الرجل فإذا ببختي يشق الناس فأخذه بالبلاط فوضعه بين كركرته و البلاط فسحقه حتى قتله. قال سعيد بن المسيب: فأنا رأيت الناس يتبعون سعدا و يقولون: هنيئا لك أبا إسحاق أجيبت دعوتك.

و الزبير بن العوام بن خويلد

ابن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤيّ بن غالب بن فهر بن مالك ابن النضر بن كنانة أبو عبد اللَّه القرشي الأسدي، و أمه صفية بنت عبد المطلب عمة رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم).

أسلم قديما و عمره خمس عشرة سنة، و قيل أقل و قيل أكثرها. جر إلى الحبشة ثم إلى المدينة فآخى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) بينه و بين سلمة بن سلامة بن وقش، و قد شهد المشاهد كلها

و قد قال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)

يوم الأحزاب «من يأتينا بخبر القوم؟ فقال: أنا، ثم ندب الناس فانتدب الزبير، ثم ندبهم فانتدب الزبير، فقال رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم): إن لكل نبي حواريا و حواري الزبير»

ثبت ذلك من رواية زر عن على، و ثبت عن الزبير أنه قال: «جمع لي رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) أبويه يوم بنى قريظة» و روى أنه أول من سل سيفا في سبيل اللَّه، و ذلك بمكة حين بلغ الصحابة أن رسول اللَّه قد قتل فجاء شاهرا سيفه حتى رأى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) فشام سيفه، و هو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، و أحد الستة الذين توفى رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) و هو عنهم راض، و صحب الصديق فأحس صحبته، و كان ختنه على ابنته أسماء بنت الصديق، و ابنه عبد اللَّه منها أول مولود ولد للمسلمين بعد الهجرة، و خرج مع الناس إلى الشام مجاهدا فشهد اليرموك فتشرفوا بحضوره، و كانت له بها اليد البيضاء و الهمة العلياء، اخترق جيوش الروم و صفوفهم مرتين من أولهم إلى آخرهم، و كان من جملة من دافع عن عثمان و حاجف عنه، فلما كان يوم الجمل ذكّره على بما ذكَّره به فرجع عن القتال و كر راجعا إلى المدينة، فمر بقوم الأحنف بن قيس- و كانوا قد انعزلوا عن الفريقين- فقال قائل يقال له الأحنف: ما بال هذا جمع بين الناس‏

249

حتى إذا التقوا كر راجعا إلى بيته؟ من رجل يكشف لنا خبره؟ فاتبعه عمرو بن جرموز و فضالة بن حابس و نفيع في طائفة من غواة بنى تميم فيقال إنهم لما أدركوه تعاونوا عليه حتى قتلوه و يقال بل أدركه عمرو بن جرموز فقال له عمرو: إن لي إليك حاجة فقال: ادن! فقال مولى الزبير، و اسمه عطية- إن معه سلاحا فقال: و إن، فتقدم إليه فجعل يحدثه و كان وقت الصلاة فقال له الزبير:

الصلاة فقال: الصلاة فتقدم الزبير فيصلي بهما فطعنه عمرو بن جرموز فقتله و يقال بل أدركه عمرو بواد يقال له وادي السباع و هو نائم في القائلة فهجم عليه فقتله و هذا القول هو الأشهر، و يشهد له شعر امرأته عاتكة بنت زيد بن عمرو بن نفيل و كانت آخر من تزوجها و كانت قبله تحت عمر بن الخطاب فقتل عنها و كانت قبله تحت عبد اللَّه بن أبى بكر الصديق فقتل عنها فلما قتل الزبير رثته بقصيدة محكمة المعنى فقالت:

غدر ابن جرموز بفارس بهمة* * * يوم اللقاء و كان غير معرد

يا عمرو لو نبهته لوجدته‏* * * لا طائشا رعش الجنان و لا اليد

ثكلتك أمك أن ظفرت بمثله‏* * * ممن بقي ممن يروح و يغتدى‏

كم غمرة قد خاضها لم يثنه‏* * * عنها طرادك يا ابن فقع العردد

و اللَّه ربى إن قتلت لمسلما* * * حلت عليك عقوبة المتعمد

و لما قتله عمرو بن جرموز فاحتز رأسه و ذهب به إلى على و رأى أن ذلك يحصل له به حظوة عنده فاستأذن فقال على: لا تأذنوا له و بشروه بالنار،

و في رواية أن عليا قال: سمعت رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم) يقول:

«بشر قاتل ابن صفية بالنار»

و دخل ابن جرموز و معه سيف الزبير فقال على: إن هذا السيف طال ما فرج الكرب عن وجه رسول اللَّه (صلى اللَّه عليه و سلم)،

فيقال إن عمرو بن جرموز لما سمع ذلك قتل نفسه، و قيل بل عاش إلى أن تأمر مصعب بن الزبير، على العراق فاختفى منه، فقيل لمصعب:

إن عمرو بن جرموز ها هنا و هو مختف، فهل لك فيه؟ فقال: مروه فليظهر فهو آمن، و اللَّه ما كنت لأقيد للزبير منه فهو أحقر من أن أجعله عدلا للزبير، و قد كان الزبير ذا مال جزيل و صدقات كثيرة جدا، لما كان يوم الجمل أوصى إلى ابنه عبد اللَّه فلما قتل وجدوا عليه من الدين ألفى ألف و مائتا ألف فوفوها عنه، و أخرجوا بعد ذلك ثلث ماله الّذي أوصى به ثم قسمت التركة بعد ذلك فأصاب كل واحدة من الزوجات الأربع من ربع الثمن ألف ألف و مائتا ألف درهم، فعلى هذا يكون مجموع ما قسم بين الورثة ثمانية و ثلاثين ألف ألف و أربعمائة ألف و الثلث الموصى به تسعة عشر ألف ألف و مائتا ألف فتلك الجملة سبعة و خمسون ألف ألف و ستمائة ألف و الدين المخرج قبل ذلك ألفا ألف و مائتا ألف فعلى هذا يكون جميع ما تركه من الدين و الوصية و الميراث تسعة و خمسين ألف ألف و ثمانمائة

250

ألف، و إنما نبهنا على هذا لأنه وقع في صحيح البخاري ما فيه نظر ينبغي أن ينبه له و اللَّه أعلم.

و قد جمع ماله هذا بعد الصدقات الكثيرة و المآثر الغزيرة مما أفاء اللَّه عليه من الجهاد و من خمس الخمس ما يخص أمه منه، و من التجارة المبرورة من الخلال المشكورة، و قد قيل إنه كان له ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، فربما تصدق في بعض الأيام بخراجهم كلهم رضى اللَّه عنه و أرضاه، و كان قتله يوم الخميس لعشر خلون من جمادى الآخرة سنة ست و ثلاثين و قد نيف على الستين بست أو سبع و كان أسمر ربعة من الرجال معتدل اللحم خفيف اللحية رضى اللَّه عنه.

و في هذه السنة أعنى سنة ست و ثلاثين‏

ولى على بن أبى طالب نيابة الديار المصرية لقيس بن سعد بن عبادة، و كان على نيابتها في أيام عثمان عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح فلما توجه أولئك الأحزاب من خوارج المصريين إلى عثمان و كان الّذي جهزهم إليه مع عبد اللَّه بن سبإ المعروف بابن السوداء محمد بن أبى حذيفة بن عتبة، و كان لما قتل أبوه باليمامة أوصى به إلى عثمان، فكفله و رباه في حجره و منزله و أحسن إليه إحسانا كثيرا و نشأ في عبادة و زهادة، و سأل من عثمان أن يوليه عملا فقال له: متى ما صرت أهلا لذلك وليتك، فتعتب في نفسه على عثمان فسأل من عثمان أن يخرج إلى الغزو فأذن له، فقصد الديار المصرية و حضر مع أميرها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح غزوة الصواري كما قدمنا، و جعل ينتقص عثمان رضى اللَّه عنه و ساعده على ذلك محمد بن أبى بكر، فكتب بذلك ابن أبى سرح إلى عثمان يشكوهما إليه فلم يعبأ بهما عثمان و لم يزل ذلك دأب محمد بن أبى حذيفة حتى استنفر أولئك إلى عثمان فلما بلغه أنهم قد حصروا عثمان تغلب على الديار المصرية و أخرج منها عبد اللَّه بن سعد بن أبى سرح، و صلى بالناس فيها، فلما كان ابن أبى سرح ببعض الطريق جاءه الخبر بقتل أمير المؤمنين عثمان فقال: إِنَّا لِلَّهِ وَ إِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ، و بلغه أن عليا قد بعث على إمرة مصر قيس بن سعد بن عبادة، فشمت بمحمد بن أبى حذيفة، إذ لم يمتع بملك الديار المصرية سنة، و سار عبد اللَّه بن سعد إلى الشام إلى معاوية فأخبره بما كان من أمره بديار مصر، و أن محمد بن أبى حذيفة قد استحوذ عليها، فسار معاوية و عمرو بن العاص ليخرجاه منها لأنه من أكبر الأعوان على قتل عثمان، مع أنه كان قد رباه و كفله و أحسن إليه، فعالجا دخول مصر فلم يقدرا فلم يزالا يخدعانه حتى خرج إلى العريش في ألف رجل فتحصن بها، و جاء عمرو بن العاص فنصب عليه المنجنيق حتى نزل في ثلاثين من أصحابه فقتلوا، ذكره محمد بن جرير. ثم سار إلى مصر قيس ابن سعد بن عبادة بولاية من على، فدخل مصر في سبعة نفر، فرقى المنبر

و قرأ عليهم كتاب أمير المؤمنين على بن أبى طالب.

بسم اللَّه الرحمن الرحيم! من عبد اللَّه على أمير المؤمنين إلى من بلغه كتابي هذا من المؤمنين‏

251

و المسلمين، سلام عليكم فانى أحمد اللَّه كثيرا الّذي لا إله إلا هو، أما بعد فان اللَّه بحسن صنيعه و تقديره و تدبيره اختار الإسلام دينا لنفسه و ملائكته و رسله، و بعث به الرسل إلى عباده و خص به من انتخب من خلقه، فكان مما أكرم اللَّه به هذه الأمة، و خصهم به من الفضيلة أن بعث محمدا (صلى اللَّه عليه و سلم) يعلمهم الكتاب و الحكمة و الفرائض و السنة، لكيما يهتدوا، و جمعهم لكيما يتفرقوا، و زكاهم لكي يتطهروا، و وفقهم لكيلا يجوروا. فلما قضى من ذلك ما عليه قبضه اللَّه إليه، (صلوات اللَّه و سلامه عليه) و بركاته و رحمته، ثم إن المسلمين استخلفوا بعده أميرين صالحين، عملا بالكتاب، و أحسنا السيرة و لم يعدوا السنة ثم توفاهما اللَّه فرحمهما اللَّه، ثم ولى بعدهما وال أحدث أحداثا، فوجدت الأمة عليه مقالا فقالوا، ثم نقموا عليه فغيروا، ثم جاءوني فبايعوني فأستهدى اللَّه بهداه و أستعينه على التقوى، ألا و إن لكم علينا العمل بكتاب اللَّه و سنة رسول اللَّه، و القيام عليكم بحقه و النصح لكم بالغيب و اللَّه المستعان و حسبنا اللَّه و نعم الوكيل، و قد بعثت إليكم قيس بن سعد بن عبادة فوازروه و كانفوه و أعينوه على الحق، و قد أمرته بالإحسان إني محسنكم و الشدة على مريبكم و الرّفق بعوامكم و خواصكم، و هو ممن أرضى هديه و أرجو صلاحه و نصيحته أسأل اللَّه لنا و لكم عملا زاكيا و ثوابا جزيلا و رحمة واسعة و السلام عليكم و رحمة اللَّه و بركاته.

و كتب عبد اللَّه بن أبى رافع في صفر سنة ست و ثلاثين قال: ثم قام قيس بن سعد فخطب الناس و دعاهم إلى البيعة لعلى، فقام الناس فبايعوه، و استقامت له طاعة بلاد مصر سوى قرية منها يقال لها خربتا، فيها ناس قد أعظموا قتل عثمان- و كانوا سادة الناس و وجوههم و كانوا في نحو من عشرة آلاف و عليهم رجل يقال له يزيد بن الحارث المدلجي- و بعثوا إلى قيس بن سعد فوادعهم، و كذلك مسلمة بن مدلج الأنصاري تأخر عن البيعة فتركه قيس بن سعد و وادعه، ثم كتب معاوية ابن أبى سفيان- و قد استوثق له أمر الشام بحذافيره- إلى أقصى بلاد الروم و السواحل و جزيرة قبرص أيضا تحت حكمه و بعض بلاد الجزيرة كالرها و حران و قرقيسيا و غيرها، و قد ضوى إليها الذين هربوا يوم الجمل من العثمانية، و قد أراد الأشتر انتزاع هذه البلاد من يد نواب معاوية، فبعث إليه عبد الرحمن بن خالد بن الوليد ففر منه الأشتر، و استقر أمر معاوية على تلك البلاد فكتب إلى قيس بن سعد يدعوه إلى القيام بطلب دم عثمان و أن يكون مؤازرا له على ما هو بصدده من القيام في ذلك، و وعده أن يكون نائبة على العراقين إذا تم له الأمر ما دام سلطانا فلما بلغه الكتاب- و كان قيس رجلا حازما- لم يخالفه و لم يوافقه بل بعث يلاطف معه الأمر و ذلك لبعده عن على و قربه من بلاد الشام و ما مع معاوية من الجنود، فسالمه قيس و تاركه و لم يواقعه على ما دعاه إليه و لا وافقه عليه:

فكتب إليه معاوية: إنه لا يسعك معى تسويفك بى و خديعتك لي و لا بد أن أعلم أنك سلم أو